الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المبسوط - الشيخ الطوسي ج 2

المبسوط

الشيخ الطوسي ج 2


[ 1 ]

المبسوط في فقه الإمامية تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفي 460 هجري صححه وعلق عليه السيد محمد تقي الكشفي عنيت بنشره - المكتبة المرتضوية الجزء الثاني لإحياء الآثار الجعفرية رقم تلفن 532138

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الجهاد وسيرة الإمام * (فصل: في فرض الجهاد ومن يجب عليه) * الجهاد فرض من فرايض الاسلام إجماعا، ولقوله تعالى (كتب عليكم القتال و هو كره لكم) (1) وقوله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) (2) وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وعليه إجماع (و) أيضا قال الله تعالى (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) (3) ففاضل (4) بين المجاهدين والقاعدين ولو كان فرضا على الأعيان لكان من تركه عاصيا ولم يصح المفاضلة. ثم قال (وكلا وعد الله الحسنى) (5). والقدر الذي يسقط به فرض الجهاد عن الباقين أن يكون على كل طرف من أطراف بلاد الاسلام قوم يكونون أكفاء لمن يليهم من الكفار، وعلى الإمام أن يغزو بنفسه أو بسراياه في كل سنة دفعة حتى لا يتعطل الجهاد اللهم إلا أن يعلموا (6) خوفا فيكثر

(1) البقرة 216.
(2) التوبة 5.
(3) النساء 95.
(4) في بعض النسخ (تفاضل).
(5) النساء 95.
(6) في بعض النسخ (أن يعلم).

[ 3 ]

من ذلك، وكان الفرض في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) في زمان دون زمان ومكان دون مكان. أما الزمان فإنه كان جايزا في السنة كلها إلا في الأشهر الحرم (1) وهي أربعه: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لقوله تعالى (فإذا إنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) (2) ولقوله تعالى (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام) (3). وأما المكان فإنه كان مطلقا في ساير الأماكن إلا في الحرم فإنه كان لا يجوز القتال فيه إلا أن يبدءوا بالقتال لقوله تعالى (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) (4) ثم نسخ ذلك وأجاز القتال في ساير الأوقات وجميع الأماكن لقوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) (5) وقاتل النبي (صلى الله عليه وآله) هوازن في شوال، وبعث خالد بن الوليد إلى الطايف في ذي القعدة ثبت بذلك أنه منسوخ، وقد روى أصحابنا أن حكم ذلك ثابت فيمن * لمن خ ل * يرى لهذه الأشهر حرمة فأما من لا يرى ذلك فإنه يبدء فيه بالقتال (6) ولما نزل قوله تعالى (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) (7) فأوجب الهجرة. وكان الناس على ثلاثة أضرب: منهم من يستجب له ولا يجب عليه، ومنهم من لا يستجب له ولا يجب عليه. ومنهم من يجب عليه. فالذي (8) يستحب لهم ولا يجب

(1) في بعض النسخ (في أشهر الحرم).
(2) التوبة 5 (3) البقرة 217.
(4) البقرة (191) (5) الأنفال 39.
(6) انظر التهذيب باب كيفية قتال المشركين ومن خالف الاسلام ج 6 ص 142 الرقم 234 (7) النساء 97 (8) في بعض النسخ (فالذين).

[ 4 ]

عليهم من أسلم بين ظهراني المشركين وله قوة بأهله وعشيرته (1) ويقدر على إظهار دينه ويكون آمنا علي نفسه مثل العباس بن عبد المطلب وعثمان كان يستحب له أن يهاجر (2) لئلا يكثر سواد المشركين، ولا يلزمه لأنه قادر على إظهار دينه. وأما الذي لا يجب ولا يستحب له فهو أن يكون ضعيفا لا يقدر على الهجرة فإنه يقيم إلى أن يتمكن ويقدر. وأما الذي تلزمه الهجرة وتجب عليه من كان قادرا على الهجرة ولا يأمن على نفسه من المقام بين الكفار، ولا يتمكن من إظهار دينه بينهم فيلزمه أن يهاجر لقوله تعالى (إن الذين توفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) (3) فدل هذا على وجوب الهجرة على المستضعف الذي لا يقدر على إظهار دينه، ودليله أن من لم يكن مستضعفا " لا يلزمه ثم استثنى من لم يقدر فقال (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا " فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم) (4) والهجرة باقية أبدا ما دام الشرك قائما "، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها، وما روي من قوله (صلى الله عليه وآله) لا هجرة بعد الفتح (5) معناه لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، وقيل: المراد لا هجرة بعد الفتح من مكة لأنها صارت دار الاسلام. ولا يجب الجهاد إلا على كل حر ذكر بالغ عاقل. فأما المملوك فلا جهاد عليه لقوله تعالى (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) (6).

(9) في بعض النسخ (بعترته).
(2) (لهم أن يهاجروا خ ل).
(3) النساء 97 (4) النساء 98 - 99 (5) انظر الفقيه ج 2 ص 116.
(6) التوبة 91.

[ 5 ]

وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه كان إذا أسلم الرجل عنده قال: أو حر أو مملوك فإن كان حرا " بايعه على الاسلام والجهاد، وإن كان مملوكا " بايعه على الاسلام. وأما النساء فلا جهاد عليهن، وسئل النبي (صلى الله عليه وآله) هل على النساء جهاد؟ قال: نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة، والصبي لا جهاد عليه روي عن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ولم يرني بلغت وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشرة سنة فأجازني في المقاتلة. والمجنون لا جهاد عليه لأنه غير مكلف. فإن أراد الإمام أن يغزو بهم و يخرجهم للحاجة إليهم جاز ذلك إلا المجانين فإنه لا نفع فيهم، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يحمل معه النساء في الغزوات والأعذار التي يسقط معها فرض الجهاد: العمى والعرج والمرض والاعسار. فأما الأعور فيلزمه فرضه لأنه كالصحيح في تمكنه. والأعرج ضربان: أحدهما مقعد لا يطيق معه المشي والركوب فالجهاد يسقط عنه وإن كان عرجا خفيفا يطيق معه الركوب والعدو فإنه يلزمه الجهاد وأما المرض فضربان: ثقيل وخفيف. فالثقيل كالبرسام والحمى المطبقة فلا جهاد عليه لقوله تعالى (ولا على المريض حرج) (1) وإن كان خفيفا " كالصداع ووجع الرأس (2) والحمي الخفيفة فالجهاد لا يسقط معه لأنه كالصحيح. وأما الاعسار فإنه ينظر فإن كان الجهاد قريبا من البلد وحوله لزم كل أحد ولا يعتبر فيه وجود المال، وإن كان على بعد نظر فإن كان مسافة لا تقصر فيها الصلوة فمن شرطه الزاد ونفقة الطريق ونفقة من تجب عليه نفقته إلى حين العود، وثمن السلاح فإن لم يجد فلا يلزمه شئ لقوله (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله) (3) وإن كانت المسافة أكثر من ذلك فمن شرطه أن يكون واجدا لما ذكرناه

(1) الفتح 17.
(2) في بعض النسخ (الضرس) (3) التوبة 91

[ 6 ]

في المسافة القريبة وزيادة راحلة (1) لقوله (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) (2) ومن أراد الجهاد وعليه الدين. فالدين ضربان: حال ومؤجل فإن كان حالا لم يكن له أن يجاهد إلا بإذن صاحبه، وإن كان الدين مؤجلا فالظاهر أنه يلزمه وليس لصاحبه منعه لأنه بمنزلة من لا دين عليه، وقيل: إن له منعه لأنه معون (3) بدينه لأنه يطلب الشهادة وأما الأبوان فإن كانا مسلمين لم يكن له أن يجاهد إلا بأمرهما ولهما منعه روي أنه جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أجاهد فقال: لك أبوان؟ قال: نعم قال: فعنهما (ففيهما خ ل) فجاهد (4) وأما طلب العلم فالأولى ألا يخرج إلا بإذنهما فإن منعاه لم يحرم عليه مخالفتهما هذا كله إذا لم يتعين الجهاد فإن تعين الجهاد وأحاط العدو بالبلد فعلى كل أحد أن يغزو، وليس لأحد منعه لا الأبوان ولا أهل الدين، وإن كان الأبوان مشركين أو أحدهما فله مخالفتهما على كل حال، وإذا خرج إلى الجهاد، ولا منع هناك ولا عذر. ثم حدث (5) عذر فإن كان ذلك قبل أن يلتقي الزحفان وكان ذلك العذر من قبل الغير مثل أن يكون صاحب الدين أذن له. ثم رجع أو كان أبواه كافرين فأسلما ومنعاه فعليه الرجوع مثل الأول، وإن كان العذر من قبل نفسه كالعرج والمرض فهو بالخيار إن شاء فعل وإن شاء رجع، وإن كان بعد التقاء الزحفين وحصول القتال فإن كان لمرض في نفسه كان له الانصراف لأنه لا يمكنه القتال وإن كان المدين والأبوين فليس لهما ذلك لأنه لا دليل عليه ولقوله تعالى (ومن يولهم يومئذ

(1) في بعض النسخ (وزاد وراحلة).
(2) التوبة (92).
(3) في بعض النسخ (معزور).
(4) انظر المستدرك ج 2 ص 245 باب - 2 - الرقم - 2 - (5) في بعض النسخ (أحدث)

[ 7 ]

دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة) (1) وذلك عام، وإذا كان له أب كافر يستحب له أن يتوقا قتله فإن ظهر منه ما لا يجوز الصبر عليه كسب الله ورسوله والأئمة جاز له قتله، وروي أن أبا عبيدة قتل أباه حين سمعه يسب رسول الله فلما قال له النبي (صلى الله عليه وآله) لم قتله؟ قال: سمعته يسبك فسكت عنه. من وجب عليه الجهاد لا يجوز أن يغزو عن غيره بجعل يأخذه عليه فإن كان ممن لا يجب عليه لإعساره جاز له أن يأخذ الجعل من غيره ويجاهد عنه، وتكون الاجارة صحيحة، ولا يلزمه رد الأجرة، ويكون ثواب الجهاد له، وللمستنيب أجر النفقة. وأما ما يأخذه أهل الديوان من الأرزاق فليس بأجرة بل هم (يأخذون لأنفسهم) يجاهدون لأنفسهم، وإنما يأخذون حقا " جعله الله لهم فإن كانوا أرصدوا أنفسهم للقتال و أقاموا في الثغور فهم أهل الفئ لهم سهم من الفئ يدفع إليهم، وإن كانوا مقيمين في بلادهم يغزون إذا خيفوا فهؤلاء أهل الصدقات يدفع إليهم سهم منها. وأما معاونه المجاهدين ففيها فضل من السلطان والعوام وكل أحد، ويستحقون به الثواب روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من جهز غازيا أو حاجا أو معتمرا " أو خلفه في أهله فله مثل أجرة، وإذا عرف الإمام من رجل التجديل (2) والارجاف أو معاونة المشركين فينبغي أن يمنعه من الغزو معه. والتحديل مثل أن يقول للمسلمين: الصواب أن نرجع فإنا لا نطيق العدو ولا نثبت لهم أو تغزوا طائفة من المسلمين بذلك وتضعف نياتهم، والارجاف أن يقول: بلغني أن للقوم كمينا أو لهم مددا يلحقهم ونحو ذلك، والاعانة أن يؤدي عينا من المشركين أو يكاتبهم بأخبارهم ويطلعهم على عورات المسلمين فإن خالف واحد من هؤلاء وخرج مع الناس وغزا لم يسهم له لأنه ليس من المجاهدين بل هو عاص و ليس كذلك من عليه الدين أو له أبوان إذا خرج بل يسهم لهم، ولا يرضخ له أيضا لما قلناه.

. (1) الأنفال 16.
(2) في بعض النسخ (التحديل) بالحاء المهملة: أي مال عليه بالظلم.

[ 8 ]

ويجوز للإمام أن يستعين بالمشركين على قتال المشركين بوجود شرطين: أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة وفي المشركين كثرة، والثاني: أن يكون المستعان به حسن الرأي في المسلمين كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) مع صفوان بن أمية واستعان النبي (صلى الله عليه وآله) بيهود فيقان (1) فرضخ لهم فإذا حضروا وغنموا لا يسهم لهم بل يرضخ كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) ويجوز أن يعطوا من سهم المؤلفة من الصدقات. يجوز أن يستأجر المشركين إجارة على الجهاد لا نهم ليسوا من أهل الجهاد، ومن يرضخ له من النساء أو الصبيان والعبيد والكفار يدفع إليهم من المصالح، ويجوز للإمام أن يعطيهم من أصل الغنيمة أو من أربعة أخماسها، وإذا اجتمعت الشروط التي ذكرناها فيمن يجب عليه الجهاد فلا يجب عليه أن يجاهد إلا بأن يكون هناك إمام عادل أو من نصبه الإمام للجهاد، ثم يدعوهم إلى الجهاد فيجب حينئذ على من ذكرناه الجهاد ومتى لم يكن الإمام ولا من نصبه الإمام سقط الوجوب بل لا يحسن فعله أصلا اللهم إلا أن يدهم المسلمين أمر يخاف معه على بيضة الاسلام ويخشى بواره أو يخاف على قوم منهم فإنه يجب حينئذ دفاعهم ويقصد به الدفع عن النفس والاسلام والمؤمنين ولا يقصد الجهاد ليدخلوا في الاسلام وهكذا حكم من كان في دار الحرب ودهمهم عدو يخاف منهم على نفسه جاز أن يجاهد مع الكفار دفعا عن نفسه وماله دون الجهاد الذي وجب عليه في الشرع، والجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام أصلا خطأ قبيح يستحق فاعله به الذم والعقاب إن أصيب لم يوجر وإن أصاب كان مأثوما، ومتى جاهدوا مع عدم الإمام وعدم من نصبه فظفروا وغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام خاصة ولا يستحقون هم منها شيئا أصلا، والمرابطة فيها فضل كثير وثواب جزيل إذا كان هناك إمام عادل وحدها ثلاثة أيام إلى أربعين يوما فإن زاد على ذلك كان جهادا، ومتى نذر المرابطة في حال استتار الإمام وجب عليه الوفاء به غير أنه لا يجاهد العدو إلا على ما قلناه من الدفاع عن الاسلام والنفس. وإن نذر أن يصرف شيئا من ماله إلى المرابطين في حال ظهور الإمام وجب

(1) في بعض النسخ (قينقاع) بفتح القاف وتثليث النون شعب من اليهود كانوا بالمدينة

[ 9 ]

عليه الوفاء به، وإن كان ذلك في حال إستتاره صرفه في وجوه البر إلا أن يخاف من الشناعة فيصرفه إليهم تقيه، ومن آجر نفسه لينوب عن غيره في المرابطة فإن كان حال انقباض يد الإمام فلا يلزمه الوفاء به، ويرد عليه ما أخذ منه فإن لم يجده فعلى ورثته فإن لم يكن له ورثة لزمه الوفاء به، وإن كان في حال تمكن الإمام لزمه الوفاء به على كل حال، ومن لا يمكنه بنفسه المرابطة فرابط دابة أو أعان المرابطين بشئ كان له فيه ثواب. * (فصل: أصناف الكفار وكيفية قتالهم) * الكفار على ثلاثة أضرب: أهل كتاب، وهم اليهود والنصارى فهؤلاء يجوز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية: ومن له شبهة كتاب فهم المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب يقرون على دينهم ببذل الجزية، ومن لا كتاب له ولا شبهة كتاب وهم من عداء هؤلاء الثلاثة أصناف من عباد الأصنام والأوثان والكواكب وغيرهم فلا يقرون على دينهم ببذل الجزية. ومتى امتنع أهل الكتاب من بذل الجزية قوتلوا وسبيت ذراريهم ونساؤهم و أموالهم تكون فيئا وينبغي للإمام أن يبدأ بقتال من يليه من الكفار الأقرب فالأقرب، والأولى أن يستحق كل طرف من أطراف بلاد الاسلام بقوم يكونون أكفاء لمن يليهم من الكفار فيبني الحصون ويحفر الخنادق إن أمكنه، ويولي عليهم عاملا عاقلا دينا خيرا شجاعا يقدم في موضع الاقدام ويتأنى في موضع التأني فإذا فعل الإمام ذلك فإنه يغزو بالمسلمين أهل الديوان أو غيرهم فيمن يبسط (1) وإنما قلنا: الأولى قتال من يليه لقوله تعالى (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) (2) إلا أن يكون إلا بعد أشد خوفا من الأقرب فيبدء بهم ثم يعود إلى الأقرب لأنه موضع ضرورة.

(1) في بعض النسخ (من ينشط).
(2) التوبة 123.

[ 10 ]

وإذا كان في المسلمين قلة وضعف وفي المشركين كثرة وقوة فالأولى أن يؤخر الجهاد ويتأنى حتى يحصل للمسلمين قوة فإذا اشتدت شوكة المسلمين وعلم شوكتهم [ وقوتهم ] لا يجوز أن يؤخر القتال، وأقل ما عليه أن يغزوا في كل عام غزوة، وكلما أكثروا الجهاد كان أكثر فضل لأنه من فرايض الكفايات فكلما كان أكثر كان أفضل، وكان في بدو الاسلام أن يصاف واحد لعشرة، ثم نسخ بوقوف الواحد لاثنين بدليل الآية، وليس المراد بذلك أن يقف الواحد بإزاء العشرة أو اثنين وإنما يراد الجملة، وإن جيش المسلمين إذا كان نصف جيش المشركين بلا زيادة وجب الثبات، وإن كان أكثر من ذلك لم يلزم، و جاز الانصراف، ومعنى لزوم الثبات أنه لا يجوز الانصراف إلا في موضعين: أحدهما: أن ينحرف لقتال وتدبير بأن ينحرف عن مضيق إلى اتساع لتجول الخيل أو من معاطش إلى مياه أو كانت الشمس أو الريح في وجوههم فاستدبروها، وما أشبه ذلك، والثاني: أن يتحيزوا إلى فئة وجماع لقوله تعالى (إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة) (1) ولا فرق بين أن تكون الفئة قريبة أو بعيدة قليلة أو كثيرة لعموم الآية فإن انصرف على غير هذين الوجهين كان فارا وفسق بذلك وارتكب كبيرة وباء بغضب من الله، وإذا غلب على ظنه أنه إذا ثبت قتل وهلك فالأولى أن نقول: ليس له ذلك لقوله تعالى " إذا لقيتم فئة فاثبتوا " (2) وقيل: إنه يجوز له الانصراف لقوله تعالى " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (3) وأما إذا كان المشركون أكثر من ضعف المسلمين فلا يلزم الثبات وهل يستحب ذلك أم لا؟ فإن غلب على ظنه أنه لا يغلب فالمستحب أن يثبت ولا ينصرف لئلا يكسر المسلمين، وإن غلب على ظنه أنه يغلب ويهلك فالأولى له الانصراف. وقيل: إنه يجب عليه الانصراف، وكذلك القول فيمن قصده رجل فغلب على ظنه أنه إن ثبت له قتله فعليه الهرب.

(1) الأنفال 16.
(2) الأنفال 45.
(3) البقرة 195.

[ 11 ]

وإذا نزل الإمام على بلد فله محاصرته ومنع أن يدخل إليه أحد أو يخرج منه لقوله تعالى (واحصروهم) (1) وحاصر (2) رسول الله صلى الله عليه وآله أهل الطايف: وله أن ينصب عليهم منجنيقا وعرادة ويهدم عليهم السور والمنازل، ويقتل قتالا عاما كما فعل النبي صلى الله عليه وآله بأهل الطايف فإذا ثبت ذلك فإن لم يكن في القوم مسلمين (3) رماهم بكل حال وإن كان فيهم نساء وصبيان كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) بأهل الطايف وكان فيهم نساء وصبيان. وإن كان فيهم أسارى مسلمون فإن كان مضطرا (4) إلى ذلك بأن يخاف إن لم يرمهم نزلوا وظفروا به جاز الرمي، وإن لم يكن ضرورة نظر في المسلمين فإن كانوا نفرا يسيرا جاز الرمي لأن الظاهر أنه يصيب غيرهم إلا أنه يكره ذلك لئلا يصيب مسلما، وإن كان المسلمون أكثر لم يجز الرمي لأن الظاهر أنه يصيب المسلمين، ولا يجوز قتل المسلمين لغير ضرورة، وله أن يفتح عليهم الماء فيغرقهم ويرميهم بالنار والحطب والحيات والعقارب وكل ما فيه ضرر عليهم، وكره أصحابنا إلقاء السم في بلادهم، وله أن يغير عليهم وهم غازون فيضع السيف فيهم فإن النبي (صلى الله عليه وآله) أغار على بني المصطلق، وروي كراهية التبييت له حتى يصبح، والوجه فيه إذا كان مستظهرا وفيه قوة ولا حاجة به إلى الإغارة لئلا، امتنع وإذا كان بالعكس من ذلك جاز الإغارة ليلا، وروى ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال: قلت: يا رسول نبيت المشركين وفيهم النساء والصبيان فقال: إنهم منهم. وأما تخريب المنازل والحصون وقطع الشجر المثمرة فإنه جايز إذا غلب في ظنه أنه لا يملك إلا بذلك فإن غلب في ظنه أنه يملكه فالأفضل ألا يفعل فإن فعل جاز كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) بالطايف وبني النضير وخيبر، وأحرق على بني النضير وخرب ديارهم وإذا تترس المشركون بأطفالهم فإن كان ذلك حال التحام القتال جاز رميهم ولا

(1) التوبة 5.
(2) في بعض النسخ (حصر).
(3) في بعض النسخ (مسلمون) (4) في بعض النسخ (مصعا) والمصع: بكسر الصاد المقاتل بالسيف.

[ 12 ]

يقصد الطفل بل يقصد من خلفه فإن أصابه وقتله لم يكن عليه شئ لأنا لو لم نفعل ذلك لأدى إلى بطلان الجهاد. وأما إذا لم يكن الحرب قايمة فإنه يجوز أن يرموا والأولى تجنبه، وإذا تترس المشركون بأسارى المسلمين فإن لم يكن الحرب قايمة لم يجز الرمي فإن خالف كان الحكم فيه كالحكم في غير هذا المكان إن كان القتل عمدا فالقود والكفارة وإن كان خطأ فالدية والكفارة لأنه فعل ذلك من غير حاجة، وإن كانت الحرب ملتحمة فإن الرمي جايز ويقصد المشركين ويتوقى المسلمين لأن في المنع منه بطلان الجهاد فإذا ثبت جوازه فإذا رمى فأصاب مسلما فقتله فلا قود عليه وعليه الكفارة دون الدية لقوله تعالى (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة) (1) ولم يذكر الدية وإذا وقع في الأسر شيخ من أهل الحرب ففيه أربع مسائل: إحديها أن يكون له رأي وقتال فحكمه حكم الشاب والإمام مخير بين القتل والاسترقاق والمن والفداء. الثانية: أن يكون فيه قتال ولا رأي له فيجوز قتله أيضا. الثالثة: له رأي ولا قتال فيه يجوز قتله بلا خلاف لأن دريد بن الصمة قتل يوم خيبر وهو ابن مائة وخمسين سنة أو خمس وخمسين فلم ينكر النبي. (صلى الله عليه وآله) الرابعة: أن لا يكون له رأي ولا فيه قتال وهو الشيخ الفاني فهذا لا يجوز قتله عندنا وفيه خلاف، وهكذا القول في أهل الصوامع والرهبان فإنهم يقتلون كلهم إلا من كان شيخا فانيا هرما عادم الرأي لعموم الآيات والأخبار، وقد روي أن هؤلاء لا يقتلون. وأما الأسارى فعندنا على ضربين: أحدهما: أخذ قبل أن تضع الحرب أوزارها وتنقضي الحرب فإنه لا يجوز للإمام استبقاؤه بل يقتله بأن يضرب رقبته أو يقطع يديه ورجليه ويتركه حتى ينزف ويموت إلا أن يسلم فيسقط عنه القتل.

(1) النساء 92.

[ 13 ]

والضرب الآخر فهو كل أسير يؤخذ بعد أن تضع الحرب أوزارها فإنه يكون مخيرا فيه بين أن يمن عليه فيطلقه، وبين أن يسترقه وبين أن يفاديه، وليس له قتله على ما رواه أصحابنا، ومن أخذ أسيرا فعجز عن المشي ولم يكن معه ما يحمله عليه إلى الإمام فيطلقه لأنه لا يدري ما حكم الإمام، ومن كان في يده أسير وجب عليه أن يطعمه ويسقيه وإن أريد قتله في الحال. ولا يجوز قتال أحد من الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة إلا بعد دعائهم إلى الاسلام وإظهار الشهادتين والاقرار بالتوحيد والعدل، والتزام جميع شرايع الاسلام فمتى دعوا إلى ذلك ولم يجيبوا حل قتالهم إلا أن يقبلوا الجزية وكانوا من أهلها، ومتى لم يدعوا لم يجز قتالهم، وينبغي أن يكون الداعي الإمام أو من يأمره الإمام بذلك فإن بدر انسان فقتل منهم قبل الدعاء فلا قود عليه ولا دية لأنه لا دليل عليه، وإن كان الكفار قد بلغتهم دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) وعلموا أنه يدعوا إلى الايمان والاقرار به وإن لم يقبل قاتله ومن قبل منه آمنه فهؤلاء حرب للمسلمين وذلك مثل الروم والترك والزنج والخور و غيرهم فللإمام أن يبعث الجند إلى هؤلاء من غير أن يراسلهم ويدعوهم لأن ما بلغهم قد أجزء وله أن يسبيهم ويقتلهم غارين كما أغار النبي (صلى الله عليه وآله) على بني المصطلق وقتلهم غارين وقوله عز وجل (ليظهره على الدين كله) (1) أراد بالحج والأدلة. وقيل: أراد ذلك عند قيام المهدي. (عليه السلام) وقيل: إنه أراد على أديان العرب كلها وقد كان ذلك. ولا يجوز قتل النساء فإن عاون أزواجهن ورجالهن أمسك عنهن وإن اضطر إلى قتلهن لم يكن بقتلهن بأس، ومن تقبل منه الجزية إنما تقبل منه إذا التزم شرايط الذمة وهي الامتناع عن مجاهرة المسلمين بأكل لحم الخنزير وشرب الخمر وأكل الربا والنكاح المحرمات في شرع الاسلام فمتى لم يقبلوا ذلك أو شيئا منه لا تقبل منهم الجزية وإن قبلوا ذلك ثم فعلوا شيئا من ذلك فقد خرجوا من الذمة وجرى عليهم أحكام الكفار

التوبة 33 الفتح 28 الصف 9.

[ 14 ]

* (فصل: في ذكر عقد الأمان للمشركين) * عقد الأمان جايز للمشركين لقوله تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فآجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) (1) وعقد النبي (صلى الله عليه وآله) الأمان للمشركين عام الحديبية فإذا ثبت جوازه نظر فإن كان العاقد الإمام جاز أن يعقده لأهل الشرك كلهم في جميع البقاع والأماكن لأن إليه النظر في مصالح المسلمين وهذا من ذلك، وإن كان العاقد خليفة الإمام على إقليم فإنه يجوز له أن يعقد لمن يليه من الكفار دون جميعهم لأن إليه النظر في ذلك دون غيرها، وإن كان العاقد آحاد المسلمين جاز أن يعقد لآحادهم والواحد والعشرة ولا يجوز لأهل بلد عام ولا لأهل إقليم لأنه ليس له النظر في مصالح المسلمين فإذا ثبت جوازه لآحاد المسلمين فإن كان العاقد حرا مكلفا جاز بلا خلاف وإن كان عبدا صح سواء كان مأذونا له في القتال أو غير مأذون وفيه خلاف لقوله (صلى الله عليه وآله) يسعى بذمتهم أدناهم، وأدناهم عبيدهم. وأما المرأة فيصح أمانها بلا خلاف لأن أم هاني بنت أبي طالب أجارت رجلا من المشركين يوم فتح مكة فأجاز النبي: (صلى الله عليه وآله): أمانها وقال: آجرنا من أجرت وآمنا من أمنت، والصبي والمجنون لا يصح أمانهما لأنهما غير مكلفين فإن أغر مشرك بمراهق فأمنه ودخل بأمنه فالأمان فاسد ولكن لا يجوز التعرض له قبل أن يرد إلى مأمنه. ثم يصير حربا لأنه دخل بشبهة فلا يجوز عذره والظفر به، وعلى هذا روى أصحابنا أن المشركين إذا استذموا من المسلمين فقالوا: لا نذمكم فظنوا أنهم آمنوهم فإنه لا يتعرض لهم بل ينبغي أن يردوا إلى المأمن ثم يصيرون حربا لأنهم دخلوا بشبهة فأما ألفاظ الأمان فهو أن يقول: آمنتك آجرتك واذممتك ذمة الاسلام فأما إذا قال: لا تذهل لا تخف لا بأس عليك أو قال ما معناه بلغة أخرى فإن علم من قصده أنه أراد الأمان كان أمانا لأن المراعي القصد دون اللفظ، وإن لم يقصد بذلك الأمان لا يكون أمانا غير أنهم إذا سكنوا إلى ذلك ودخلوا لا يتعرض لهم لأنه شبهه ويردوا

التوبة 6.

[ 15 ]

إلى مأمنهم يصيرون حربا، وكذلك الحكم إذا أومئ مسلم إلى مشرك بما يوهمه أنه أمان فركن إلى ذلك ودخل دار الاسلام كان حكمه ما قلناه، وإن قال: لم أو منهم فالقول قوله فإن مات قبل أن يبين شيئا لم يكونوا آمنين غير أنهم ينبغي أن يردوا إلى مأمنهم، ثم يصيروا حربا بالمكان الشبهة. فأما وقت الأمان فإنه قبل الأسر ما دام على الامتناع وإن حصل في مضيق أو في حصر ولحقهم المسلمون فإنه يصح الأمان لأنه بعد على الامتناع، وإن أقر مسلم بأنه أمن مشركا قبل منه، وأما بعد الأسر فلا يصح الأمان من آحاد المسلمين والحكم فيه إلى الإمام على ما مضى فإن أقر مسلم أنه كان آمن هذا الأسير قبل الأسر لم يقبل منه لأنه لا يملك عقد الأمان في هذه الحال فلا يملك الاقرار به فإن أقام بينة على ذلك قبلت، وكذلك إن اجتمعت جماعة من المسلمين فأقروا أنهم عقدوا الأمان له قبل الأسر لم يقبل لأنهم يشهدون على فعلهم. وإذا تجسس مسلم لأهل الحرب، وكتب إليهم فأطلعهم على أخبار المسلمين لم يحل بذلك قتله لأن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة كتابا يخبرهم بخبر المسلمين فلم يستحل النبي قتله وللإمام أن يعفو عنه، وله أن يعزره لأن النبي (صلى الله عليه وآله) عفي عن حاطب، ومن أذم مشركا أو غير مشرك. ثم حصره ونقض ذمامه كان غادرا آثما. إذا دخل الحربي دار الاسلام فعقد لنفسه الأمان فإنه يعقد لنفسه ولماله على طريق التبع فإن خرج إلى دار الحرب نظر فإن خرج بإذن الإمام في رسالة أو تجارة أو حاجة فهو على الأمان مثل الذمي إذا خرج إلى دار الحرب لتجارة فإن لحق بدار الحرب للاستيطان انتقض أمانه في نفسه ولا ينتقض في ماله فما دام حيا فالأمان قايم لماله فإن مات انتقل ميراثه إلى ورثته من أهل الحرب إن لم يكن له وارث مسلم وينتقض الأمان في المال لأنه مال الكافر لا أمان بيننا وبينه في نفسه ولا ماله كساير أهل الحرب ويصير فيئا للإمام خاصة لأنه لم يؤخذ بالسيف فهو بمنزله ميراث من لا وارث له. وإن عقد أمانا (1) لنفسه فمات عندنا وله مال وله ورثة في دار الحرب كانت مثل

(1) في بعض النسخ (الأمان).

[ 16 ]

المسألة الأولى سواء وفي الناس من قال: إنه يرد إلى ورثته لأنه مات على الأمان والأول أقوى. فإن عقد الأمان لنفسه وماله ولحق بدار الحرب للاستيطان انتقض أمانه في نفسه دون ماله على ما قلناه. ثم إن ظفر به ووقع في الأسر فملكه لا يزول عن ماله لأنه لا دليل عليه فإن فودي به أومن عليه رد إليه المال، وإن قتل زال ملكه عن ماله إلى وارثه، وكان الحكم على ما قدمناه، وإن استرق زال ملكه لأن المملوك لا يملك شيئا وصار ماله فيئا فإن عتق بعد ذلك لم يرد إليه وكذلك إن مات ما لم يرد إلى ورثته سواء كانوا مسلمين أو كفارا لأنه لم يترك شيئا. إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان فسرق منهم شيئا أو استقرض من حربي مالا وعاد إلينا فدخل صاحب المال بأمان كان عليه رده لأن الأمان يقتضي الكف عن أموالهم. وإذا اقترض حربي من حربي مالا ثم دخل إلينا بأمان على المقترض رده على المقرض لأنه لا دليل على برائة ذمته بذلك، والأصل وجوب الرد، وكذلك لو تزوج امرأة وأمهرها مهرا وأسلما وترافعا إلينا ألزمنا الزوج المهر إن كان مما يملك، وإلا فقيمته إن كان لا يملكه مسلم. وإن تزوج حربي بحربية ودخل بها وماتت ثم أسلم زوجها ودخل إلينا و جاءوا وراثها يطلبون المهر لم يلزمه دفع ذلك إليهم لأن الورثة أهل حرب ولا أمان لهم على هذا المهر، وإن كان لها ورثة مسلمون كان لهم مطالبة الزوج بالمهر. إذا دخل حربي إلينا بأمان فقال له: إن رجعت إلى دار الحرب وإلا حكمت عليك حكم أهل الذمة فأقام سنة جاز أن يأخذ منه الجزية، وإن قال له: أخرج إلى دار الحرب فإن أقمت عندنا صيرت نفسك ذميا فأقام سنة ثم قال: أقمت لحاجة قبل قوله ولم يجز أخذ الجزية منه بل يرد إلى مأمنه لأن الأصل برائة ذمته، وإن قلنا إنه يصير ذميا كان قويا لأنه خالف الإمام. وإذا دخل المسلم أو الذمي دار الحرب مستأمنا فخرج بمال من مالهم ليشتري

[ 17 ]

لهم به شيئا فإنه لا يتعرض له سواء كان مع المسلم أو الذمي لأن ذلك أمانة معهم و للحربي أمان. ولو دفع الحربي إلى الذمي في دار الاسلام (شيئا) وديعة كان في أمان بلا خلاف. إذا حاصر الإمام بلدا وعقد عليهم على أن ينزلوا على حكمه فيحكم فيهم بما يرى هو أو بعض أصحابه جاز ذلك كما نزلت بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ فحكم عليهم بقتل رجالهم وسبي ذراريهم فقال النبي: (صلى الله عليه وآله) لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة: يعني سبع سماوات. فإذا ثبت جوازه فالكلام بعد ذلك في فصلين: في صفة الحاكم وفيما يحكم به. أما الحاكم فلا بد من أن يكون حرا مسلما بالغا ثقة من أهل العلم فإن كان صبيا أو مجنونا أو امرأة أو عبدا أو فاسقا أو كافرا لم يجز، ويجوز أن يكون أعمى لأنه لا يحتاج في ذلك إلى رؤية، وكذلك إن كان محدودا في قذف وتاب جاز. فإن نزلوا على حكم رجل منهم نظر فإن كان على حكم من يختاره الإمام جاز لأنه لا يختار إلا من يصلح، وإن كان على حكم من يختارونه لم يجز حتى يوصف. فإن نزلوا على حكم كافر أو أن يحكم بهم كافر ومسلم لم يجز لأن الكافر لا يكون حكما، وإن نزلوا على حكم مسلم أسير معهم حسن الرأي فيهم أو رجل أسلم عندهم وهو حسن الرأي فيهم أو مسلم عندنا حسن الرأي فيهم كره ذلك وكان جايزا إذا كان بالصفة التي ذكرناها، وإن نزلوا على حكم من لا يجوز أن يكون حكما كان فاسدا غير أنهم يكونون في أمان لأنهم نزلوا على هذا الشرط فيردون إلى مواضعهم حتى يرضوا بحكم من يجوز أن يكون حكما فإن نزلوا على حكم من يجوز أن يكون حكما فلم يحكم بشئ حتى مات لم يحكم فيهم غيره ويردون إلى مواضعهم حتى ينصب غيره ويرضوا به فينزلون على حكمه. فأما ما يحكم به فإنه لا يجوز أن يحكم إلا بما (ي‍) راه حظا للمسلمين عائدا بمصالحهم ثم ينظر فإن حكم بقتل الرجال وسبي النساء والولدان وغنيمة المال نفذ ذلك كما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، وإن حكم باسترقاق الرجال وسبي

[ 18 ]

النساء والولدان وأخذ الأموال جاز أيضا، وإن حكم بالمن وترك السبي بكل حال جاز أيضا إذا أراه حظا، وإن حكم بأن يعقدوا عقد الذمة على أن يؤدوا الجزية لزمهم أيضا لأنهم نزلوا على حكمه فإن حكم على من أسلم منهم بحقن دمه جاز لأن هذا يجوز من غير تحكيم، وإن حكم على من أسلم منهم أن يسترق من أقام على الكفر قيل: جاز فإن أراد أن يسترق بعد ذلك من أقام على الكفر لم يكن له لأنه لم يدخل به على هذا الشرط، وإن أراد أن يمن عليه جاز لأنه ليس فيه إبطال شئ شرطه بل فيه إسقاط ما كان شرط من القتل فإن حكم بقتل الرجال وسبي النساء والذرية ورأى الإمام أن يمن على الرجال أو على بعضهم جاز ذلك لأن سعدا حكم على بني قريظة بقتل رجالهم ثم إن ثابت الأنصاري (1) سئل النبي (صلى الله عليه وآله) أن يهب الزبير بن رباطا (2) اليهودي له ففعل فإن نزلوا علي حكم الحكم فقبل أن يحكم فيهم بشئ أسلموا عصموا دماؤهم وأموالهم ولم يحل سبي ذراريهم، وإن أسلموا بعد أن حكم بقتل الرجال وسبي النساء والولدان وأخذ الأموال سقط القتل لا غير وسبي النساء والولدان وأخذ الأموال، و إن أراد الإمام هيهنا أن يسترق الرجال بعد أن أسلموا (3) لم يجز لأنهم ما نزلوا على هذا الحكم فإن حكم فيهم بقتل الرجال وسبي النساء والذرية وأخذ المال كانت المال غنيمة ويخمس لأنه أخذ قهرا بالسيف. فإن نزلوا على أن يحكم فيهم بكتاب الله أو القرآن كره ذلك لأن هذا الحكم ليس بمنصوص في كتاب الله أو القرآن فيحصل فيه اختلاف فإن نصبوا حكمين جاز لأنه لما جاز الواحد جاز الاثنان فإن اتفقا على الحكم جاز، وإن مات أحدهما لم يحكم الآخر حتى يتفقوا عليه. فإن لم يمت واختلفا لم يحكم حتى يجتمعا فإن اجتمعا واختلف الفئتان فقالت إحداهما: نحكم بهذا، وقالت الأخرى: لا نحكم بهذا لم يجز أن يحكما حتى يتفقوا عليها.

(1) هو ثابت بن القيس الأنصاري (2) في بعض النسخ (باطا) كما في البحار ج 20 ص 222 الطبعة الحديثة، وأضاف المحشى نسخة (ناطا) (3) في بعض النسخ (ما أسلموا)

[ 19 ]

* (فصل: في حكم المبارزة) * المبارزة على ضربين: مستحبة ومباحة. فالمستحب أن يدعوا المشرك إلى البراز فيستحب للمسلم أن يبارزه كما فعل حمزة وعلي وعبيدة (عليهم السلام) يوم بدر، والمبارزة المباحة أن يخرج المسلم إلى المشرك ابتداء فيدعوه إلى البراز فهذه مباحة، وينبغي ألا يخرج أحد إلى طلب المبارزة إلا بإذن الإمام أنه (1) أعرف بفرسان المسلمين وفرسان المشركين، ومن يصلح للبراز ومن لا يصلح فإن بارز مشرك مسلما نظر فإن بارز مطلقا جاز لكل أحد رميه وقتله لأنه حربي لا أمان له إلا أن تكون العادة قد جرت ألا يقاتل عند البراز إلا المبارز وحده فيستحب الكف عنه. فإن برز بشرط بأن يقول: على أن لا يقاتلني غير صاحبي وفي له بشرطه، ولم يجز لغيره رميه لأنه قد عقد لنفسه أمانا. فإن ولى عنه المسلم مختارا أو متحيزا فطلبه المشرك ليقتله كان للمسلمين دفعه لأن الشرط قد زال. فإن شرط الأمان ما دام في القتال وقد زال. فإن زاد في الشرط فقال. أكون في أمان حتى أرجع إلى موضعي من الصف وفي له بذلك اللهم إلا أن يولي عنه المسلم مختارا أو متحيزا فيطلبه المشرك ليقتله أو يخشى عليه فحينئذ للمسلمين منعه باستنقاذه منه فإن قاتلهم في هذه الحالة قاتلوه لأنه نقض الشرط فإن خرج وشرط أن لا يقاتله غير مبارزه ثم استنجد أصحابه فأعانوه أو ابتدؤوا بمعاونته فلم يمنعهم فقد نقض أمانه ويقاتل معهم. فإن منعهم فلم يمتنعوا فأمانه باق ولا يجوز قتاله ولكن يقاتل أصحابه. وإذا اشتبه قتلى المسلمين بقتلى المشركين دفن منهم من كان صغير الذكر، ويستحب أن لا يؤخذ في القتال إلا بعد الزوال فإن اقتضت المصلحة تقديمه جاز ذلك، ولا يجوز التمثيل بالكفار ولا الغدر بهم ولا الغلول فيهم. * (فصل: في حكم الأسارى) * الآدميون على ثلاثة أضرب: نساء وذرية ومشكل وبالغ غير مشكل. فأما النساء

(1) في بعض النسخ (لأنه)

[ 20 ]

والذرية فإنهم يصيرون مماليك بنفس السبي، أما من أشكل بلوغه فإن كان أنبت الشعر الخشن حول الذكر حكم ببلوغه، وإن لم ينبت ذلك جعل في جملة الذرية لأن سعدا حكم في بني قريظة بهذا فأجازه النبي (صلى الله عليه وآله) وأما من لم يشكل أمر بلوغه فإن كان أسر قبل تقضي القتال فالإمام فيه بالخيار بين القتل وقطع الأيدي والأرجل ويتركهم حتى ينزفوا إلا أن يسلموا فيسقط ذلك عنهم، وإن كان الأسر بعد انقضاء الحرب كان الإمام مخيرا بين الفداء والمن والاسترقاق، وليس له قتلهم أي هذه الثلاثة رأى صلاحا وحظا للمسلمين فعله، وإن أسلموا لم يسقط عنهم هذه الأحكام الثلاثة وإنما يسقط عنهم القتل لا غير، وقد قيل: إنه إن أسلم سقط عنه الاسترقاق لأن عقيلا أسلم بعد الأسر (1) ففاداه النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يسترقه. فإن أسر وله زوجة فإنما على الزوجية ما لم يخير الإمام الاسترقاق فإن من عليه أو فادى به عاد إلى زوجته، وإن اختار استرقاقه انفسخ النكاح، وإن كان الأسير صبيا أو امرأة مزوجة فإن النكاح ينفسخ بنفس الأسر لأنهما صارا رقيقين، وإن أسر رجل بالغ فإن كان من أهل الكتاب أو ممن له شبهة كتاب فالإمام مخير فيه على ما مضى بين الثلاثة أشياء، وإن كان من عبدة الأوثان فإن الإمام مخير فيه بين المفاداة والمن، وسقط الاسترقاق لأنه لا يقر على دينه بالجزية كالمرتد. فإن فادى رجلا وأخذ المال كان ذلك غنيمة ولا يكون مخيرا في الفداء كما يكون مخيرا في الاسترقاق لأن ذلك ربما كان مصلحة وليس في ترك المال مصلحة. فإن أسر رجل من المشركين فقتله مسلم قبل أن يختار الإمام شيئا مما ذكرناه كان هدرا ولا يجب عليه الدية، ومتى أسلموا قبل الإسار فهم أحرار عصموا دماءهم وأموالهم إلا لحقها وسواء أحيط بهم في مضيق أو حصن الباب واحد. وقد بينا أنه متى حدث الرق في الزوجين أو أحدهما انفسخ النكاح بينهما وذلك يكون عند حيازة الغنيمة وجمعها. فالنساء ترقون بنفس الاحتياز، والرجل يرقون

(1) في بعض النسخ (بعد انقضاء الحرب)

[ 21 ]

باختيار الإمام استرقاقهم. فإذا حدث الرق انفسخ النكاح. فعلى هذا إذا سبي الزوجان انفسخ النكاح في الحال لأن الزوجة صارت مملوكة بنفس عقد الحيازة وإن كان المسبي الرجل لا ينفسخ النكاح إلا إذا استرقه الإمام، وإن كان المسبي المرأة انفسخ أيضا في الحال لما قلناه. فأما إذا كان الزوجان معا مملوكين فإنه لا ينفسخ نكاحهما لأنه ما حدث رق ههنا لأنهما كانا رقيقين قبل ذلك. إذا وقعت المرأة وولدها في السبي فلا يجوز (1) للإمام أن يفرق بينهما فيعطي الأم لواحد والولد لآخر لكن ينظر فإن كان في الغانمين من يبلغ سهمه الأم والولد أعطاهما إياه، وإن لم يكن أعطاهما إياه وأخذ فضل القيمة أو يجعلهما في الخمس فإن لم يفعل باعهما ورد ثمنهما في المغنم وهكذا إذا كان لرجل أمة وولدها. فلا يجوز أن يفرق بينهما ببيع ولا هبة ولا غيرهما من أسباب الملك روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه بين أحبته يوم القيامة. وفي أصحابنا من قال: إن ذلك مكروه ولا يفسد البيع به فإن بلغ الصبي سبعا أو ثمان سنين فهو السن الذي يخير فيه بين الأبوين فيجوز أن يفرق بينهما، وفي الناس من قال: لا يجوز ما لم يبلغ، وكذلك لا يفرق بينه وبين الجدة أم الأم لأنها بمنزلة الأم في الحضانة، وأما التفرقة بينه وبين الوالد فإنه جايز لأن الأصل جوازه. فإن خالف وباع جاز البيع على الظاهر من المذهب، وفي الناس من قال: البيع فاسد لما رواه علي (عليه السلام) أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه رسول الله عن ذلك، و رد البيع. ومن خرج عن عمود الوالدين من فوق وأسفل مثل الإخوة وأولادهم والأعمام و أولادهم لا يمنع من التفرقة.

(1) في بعض النسخ (فلا ينبغي)

[ 22 ]

إذا جنت جارية وتعلق أرش الجناية برقبتها ولها ولد صغير لم يتعلق الأرش به فإن فداها السيد فلا كلام، وإن امتنع لم يجز بيعها دون ولدها لأن فيه تفريقا بينهما لكنهما يباعان ويعطى المجني عليه ما يقابل قيمة جارية ذات ولد والباقي للسيد بيان ذلك أن يقال: كم قيمة الجارية ولها ولد دون ولدها فيقال: مائة فقال: كم قيمة ولدها فيقال: خمسون فيخصها ثلثا الثمن والوالد الثلث فإن. كان ثلثا الثمن يفي بالأرش فقد استوفى وإن كان أقل فلا شئ له غيره وإن كان أكثر رد الفضل على السيد. فإن كانت بحالها وكانت الجارية حاملا فإن فداها السيد فلا كلام، وإن امتنع لم يجز بيعها إن كانت حاملا بحر وتصبر حتى تضع ويكون الحكم كما لو كان منفصلا، وإن كانت بمملوك جاز بيعها معا على ما مضى إذا كان الوالد منفصلا. إذا باع جارية حاملا إلى أجل ففلس المبتاع وقد وضعت ولدا مملوكا من زنا أو زوج فهل له الرجوع فيها دون ولدها؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له لأنه يفرق (1) بينها وبين ولدها، ويكون بالخيار بين أن يعطي قيمة ولدها ويأخذهما، وبين أن يدع ويضرب مع الغرماء بالثمن، والوجه الثاني له الرجوع فيها لأن ذلك ليس فيه تفرقة فإنهما يباعان معا وينفرد هو بحصتها. فإن ابتاع جارية فأتت بولد مملوك في يد المشتري وعلم بعيبها لم يكن له ردها بالعيب لأنه تفريق بينها وبين ولدها، ولا يلزمه رد الولد لأنه ملكه ويسقط الرد و يكون له الأرش فإن علم بالعيب وهي حامل كان مخيرا بين ردها وبين الأرش. الطفل إذا سبي لم يخل إما أن يسبى مع أبويه أو أحدهما أو يسبى منفردا عنهما فإن سبي مع أبويه أو مع أحدهما كان دينه على دينهما فإذا ثبت ذلك فلا يجوز التفريق بينه وبين أمه في البيع لعموم الخبر فإن باعهما معا جاز البيع من المشركين والمسلمين لأنه محكوم بكفرهما فإن مات أبواه فإنه لا يتغير عن حكم دينه كالذمي إذا مات وله ولد لا يتغير دين ولد، فإن بيع هذا الولد من مسلم جاز وإن بيع من كافر كان

(1) في جميع النسخ (تفريق).

[ 23 ]

مكروها ويصح البيع، وفي الناس من حرمه. فأما إذا سبي الصبي منفردا عن أبويه، فإنه يبيع السابي له في الاسلام، ولا يحوز أن يباع إلا من مسلم فإن بيع من كافر بطل البيع، وروى أصحابنا أن الحميل هو الذي يجلب من بلد الشرك فإن جلب منهم قوم تعارفوا بينهم نسبا يوجب التوارث قبل قولهم بذلك وسواء كان ذلك قبل العتق أو بعده ويورثون على ذلك لأنه لا يمكن إقامة البينة من المسلمين على صحة أنسابهم وسواء كان النسب [ ] نسب الوالدين والولد أو من يتقرب بهما إلا أنه لا يتعدى ذلك منهم إلى غيرهم ولا يقبل إقرارهم به. إذا أسر المشركون مسلما فأكرهوه على عقد الأمان لمشرك ففعل كان الأمان باطلا فإن أطلقوه فعقد الأمان مطلقا انعقد الأمان لأنه عقده باختياره فإن كان محبوسا فعقد الأمان بغير إكراه الأولى أنه لا ينعقد لأن ظاهر الحبس الاكراه، وقد قيل: إنه ينعقد كما يقبل إقراره. فإن دخل رجل من أهل الحرب إلينا بأمان على أن عليه العشر أو الخمس فكسد متاعه فرده إلى دار الحرب نظر فيه فإن كان شرط أخذ العشر من المال أخذ منه العشر، وإن كان شرط أخذ العشر من ثمن المال فلا شئ عليه لأنه ما وجد الثمن، وإن أطلق اقتضى ذلك أخذ العشر لكل حال. وإن سبى المسلمون زوجة مشرك فاسترقت فدخل زوجها فطلبها وذكر أن عندهم في الأسر فلانا وفلانا فأطلقوها لي حتى أحضرهما فقال له الإمام: أحضرهما فإذا فعل أطلقهما الإمام ولم يطلقها له لأنهما حران لا يجوز أن يكونا ثمن مملوكة، ويقال له: إن اخترت أن تشتريها فآتنا بثمنها مالا اللهم إلا أن يكون قد أخذها مسلم وصارت أم ولد فلا ترد بحال. فإن دخل إلينا حربي بأمان فقبل وأخذ المال وسرق وهرب إلى دار الحرب. ثم عقد الأمان لنفسه ودخل إلينا قبل [ ب‍ ] القتل وغرم على المال وقطع بالسرقة. إذا كان القوم على القتال فأهدى حربي من الصف إلى مسلم شيئا كان غنيمة لأنه إنما فعله خوفا من أهل الصف، وهكذا إن أهدى إلى الإمام في هذه الحال فإن أهدى

[ 24 ]

حربي من دار الحرب إلى مسلم في دار الاسلام أو إلى الإمام في غير زمان القتال فإنه لا يكون غنيمة بل ينفرد به المهدي إليه لأنه لم يفعل ذلك لأجل الحرب. فإن أسر المشركون مسلما. ثم أطلقوه على أن يكونوا منه في أمان ويقيم عندهم ولا يخرج إلى دار الاسلام كانوا منه في أمان، وعليه أن يخرج إلينا متى قدر، ولا لا يلزمه إقامة بالشرط لأنه حرام، وإن كانوا استرقوه ثم أطلقوه على أنه عبد لهم كان له أن ينهب ويسرق ويهرب كيف ما أمكنه لأن استرقاقه لا يصح. فإن غصب مسلم فرسا وغزا عليه وغنم فأسهم له ثلاثة أسهم كان ذلك كله دون صاحب الفرس فإن دخل دار الحرب بفرس نفسه فغزا ثم غصبه غاصب من أهل الصف فرسه فغنموا عليها فأسهم الذي في يده الفرس ثلاثة أسهم كان له من ذلك سهم وسهمان لصاحب الفرس، والفرق بينهما أن في المسألة الأولى الغاصب هو الحاضر للقتال دون صاحب الفرس وقد أثر في القتال بحضوره فارسا وكان السهم له دون صاحب الفرس، والمسألة الثانية صاحب الفرس حضر القتال فارسا وأثر في القتال والغصب حصل بعد ذلك وكان السهم له دون الغاصب. إذا أسر المسلم فأطلقه المشركون على ألا يخرج من ديارهم كان له أن يخرج. والحربي إذا أسلم في دار الحرب فإن لم يكن مستضعفا بل كان له عشيرة ينصرونه ويحمون عنه ويقدر أن يظهر دينه فالأولى أن يخرج من دار الحرب ويجوز له أن يقيم، وإن كان مستضعفا لا رهط له ولا عشيرة ولا يمكنه إظهار دين الاسلام فإن قدر على الهجرة ووجد نفقه أو طريقا حرم عليه المقام ووجبت عليه الهجرة، وإن لم يكن له طريق ولا يقدر على الهجرة لم يحرم عليه المقام لأنه مضطر وعليه أن يحتال في الخروج متى أمكنه فأما من أسر من المسلمين وحصل في دار الحرب فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مستضعفا لكنه قادر على الهجرة، والآخر مستضعف غير قادر، وحكمها على ما ذكرناه، وجملته أن الإقامة في دار الحرب إما مكروه أو محرمة على من يقدر على الخروج، وإن كان عاجزا غير قادر فهو مضطر، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: أنا برئ من كل مسلم مع مشرك قيل: يا رسول الله لم؟ قال:

[ 25 ]

لا تتراءى ناراهما (لا ترى آبارهما خ ل) يعني يكثر سوادهم (1). فإذا ثبت هذا فالأسير إذا خلى لم يخل إما أن يشرط عليه المقام في دار الحرب أولا يشرط فإن لم يشرط نظر فإن أطلقوه على أنهم في أمان صاروا منه في أمان، و ليس له أن يغتالهم في مال ولا نفس والحكم في مقامه على ما مضى فإن خرج لهرب فأدركوه فله أن يدفع عن نفسه فإن قتل الذي أدركه لا شئ عليه لأن من طلبه نقض عهده وزال أمانه، وإن أطلق من غير أمان فله أن يغتالهم في أموالهم ويأخذ ما يقدر عليه من ولدانهم ونسائهم لأنهم ليسوا منه في أمان، وإن شرطوا عليه المقام عندهم نظر فإن كان من غير يمين حرم عليه المقام ولا يلزمه الوفاء بالشرط فإن حلفوه على ذلك، وإن أكرهوه على اليمين لم ينعقد يمينه لأنه مكره، والحكم في خروجه على ما ذكرناه فإن لم يكرهوه على اليمين لم ينعقد يمينه لأنه مكره والحكم في خروجه على ذكرناه فإن لم يكرهوه على اليمين وحلف مختارا كان له الخروج أيضا ولا كفارة عليه لأن الخروج أفضل بل هو الواجب، وإن أطلقوه على مال يحمله إليهم من دار الاسلام فإن لم يفعل وإلا عاد فلا يلزمه الوفاء بذلك لا بحمل المال ولا بالعود، وأما الفداء فإنهم إن كانوا أكرهوه على الضمان لم يلزمه الوفاء به لأنه أمر مكروه محرم، وإن تتطوع ببذل الفداء فقد عقد عقدا فاسدا لا يلزمه الوفاء به، وهكذا للإمام إذا شرط أن يفادي قوما من المسلمين بمال فالعقد فاسد ولا يملك المشركون ما يأخذونه منه ومتى ظفر المسلمون به لم يغنم وكان مردودا إلى بيت المال. * (فصل: في حكم الحربي إذا أسلم في دار الحرب) * * (والمسلم إذ أخذ ماله المشركون) * الحربي إذا أسلم في دار الحرب فإنه يعصم بإسلامه دمه وجميع أمواله التي يمكن نقلها إلى بلد الاسلام وصغار ولده، وكذلك حكمه إن أسلم في بلد الاسلام فأما أولاده الكبار فلهم حكم نفوسهم وأملاكه التي لا يمكن نقلها إلى بلد الاسلام مثل الأرضين

(1) المروية في المستدرك الوسائل ج 2 ص 260 عن الجعفريات مع اختلاف يسير

[ 26 ]

والعقارات فهي غنيمة ومتى أسلم وله حمل صار الحمل مسلما بإسلامه فإن غنمت زوجته واسترقت مع ولده لم يصح استرقاق الولد لأنه محكوم بإسلامه، ولو تزوج مسلم حربية فأحبلها بمسلم، ثم سبيت حاملا واسترقت لم يسترق ولدها فأما زوجته فإنه يجري عليها أحكام أهل الحرب وتسرق فإذا استرقت انفسخ النكاح بينهما. فإن كان لمسلم دار إستأجرها في دار الحرب. ثم غنمها المسلمون فإنهم يملكون رقبتها ويكون عقد الاجارة باقيا بحاله له استيفاؤها إلى انقضاء المدة. ومتى أعتق مسلم عبدا مشركا وثبت له عليه ولا يلحق بدار الحرب. ثم وقع في الأسر لم يسترق لأنه قد ثبت عليه ولاء المسلم فلا يجوز إبطاله، ولو قلنا: إنه يصح ويبطل ولاء المسلم كان قويا. وإن كان الولاء للذمي. ثم لحق المعتق بدار الحرب فسبي استرق ولأن سيده لو لحق بدار الحرب استرق. إذا ظهر (1) المشركون على المسلمين وحازوا أموالهم فإنهم لا يملكونها سواء حازوها إلى دار الحرب أو لم يحوزوها، ويكون آخذها غاصبا إن ظهر عليه وغنم وعرفه صاحبه فإن له أخذه قبل القسمة ويجب دفعه إليه إن قامت له بينة وإن كان بعد القسمة فهو له أيضا لكن يعطى الامام من حصل في سهمه قيمته من بيت المال لئلا تنقص القسمة، وإن أسلم من هو في يده أخذه منه بلا قيمة، وقد روي أنه إذا قسمت كان صاحبها أولى بها بالقيمة، وإن دخل مسلم دار الحرب فسرقه أو نهبه أو اشتراه ثم أخرجه إلى دار السلام فصاحبه أحق به ولا يلزمه قيمته فإن أعتقه من هو في يده أو تصرف فيه ببيع أو هبة أو غير ذلك فسد جميع تصرفه. وإذا أحرز المشركون جارية رجل مسلم فوطئها المحرز لها فولدت. ثم ظهر المسلمون عليها كانت هي وأولادها لمالكها فإن أسلم عليها لم يزل ملك صاحب الجارية عن أولاده اللهم إلا أن تسلم، ثم يطأها بعد الاسلام ظنا منه أنه ملكها فحبلت بعد

(1) في بعض النسخ (ظفر).

[ 27 ]

الاسلام فإن ولده منها يكون أيضا لسيد الجارية لكن تقوم على الأب ويؤخذ منه قيمته ويلزم الواطي عقرها لمولاها. وإذا أسلم عبد لحربي في دار الحرب. ثم خرج إلى الاسلام فإنه يصير حرا لا سبيل لمولاه عليه بحال، وإن لم يخرج إلى دار الاسلام فهو على أصل الرق فإن غنم كان غنيمة للمسلمين، والفرق بينهما أنه إذا خرج إلى دار الاسلام فقد قهر سيده على نفسه فصار حرا، وإذا أقام في دار الحرب فلم يغلب مولاه على نفسه يبقى على أصل الرق، وإن قلنا: إنه يصير حرا على كل حال كان قويا. وإن دخل حربي إلينا بأمان فاشترى عبدا مسلما ولحق بدار الحرب فغنمه المسلمون فإنه باق على ملك المسلم لأن الشراء فاسد لأن الكافر عندنا لا يملك مسلما ويرد عليه المال الذي أخذه المسلم ثمنا له في أمان فإن تلف العبد كان لسيده قيمته و عليه رد ثمنه فيترادان الفضل، * (فصل: في هل للإمام وخليفته أن يجعل الجعايل لمن دله) * * (على مصلحة أم لا؟) * يجوز للإمام وخليفته إذا دخل دار الحرب أن يجعل الجعايل على ما فيه مصلحة المسلمين فيقول: من دلنا على قلعة كذا فله كذا وكذلك على طريق غامض فله كذا وما أشبه ذلك، ثم لا يخلو إما أن يجعله من ماله أو من مال أهل الحرب فإن جعله من ماله لم يصح حتى يكون معلوما موصوفا في الذمة أو مشاهدا معينا لأنه عقد في ملكه فلا يصح أن يكون مجهولا وإن كان من مال المشركين جاز مجهولا ومعلوما فيقول: من دلنا على القلعة الفلانية فله جارية منها أو جارية فلان، وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) جعل للبداة الربع وللرجعة الثلث، وذلك القدر مجهول وغير مملوك وأجازه، وروي أن أبا موسى صالح دهقانا على أن يفتح حصنا بالأهواز علي أن له أن يختار من أهله أربعين نفسا فجعل يحتال فقال أبو موسى: اللهم أنسه نفسه فنسي نفسه فأخذه أبو موسى وضرب عنقه فإذا ثبت ذلك ودل على قلعة وشوهدت لم يستحق شيئا قبل فتحها لأن تحت قوله

[ 28 ]

جارية منها يتضمن أنها تفتح ويتمكن من تسليم الجارية إليه ولا يرضح له بشئ فإن فتحت القلعة لم يخل أن تفتح صلحا أو عنوة فإن فتحت صلحا وشرط أن لصاحب القلعة أهله وكانت الجارية من أهله فإنه يقال للدليل: قد جعلنا لك هذه الجارية وقد صولح صاحب القلعة عليها فرضى أن يأخذ قيمتها ليتم الصلح فإن فعل ذلك جاز وإن قلنا لصاحب القلعة: أترضى أن تأخذ قيمتها وتسلمها إلى الدليل فإن رضى جاز وإن أبى كل واحد منهما قيل لصاحب القلعة: إرجع إلى قلعتك بأهلك ويزول الصلح لأنه قد اجتمع أمران متنافيان لا يمكن الجمع بينهما وحق الدليل سابق وجب تقديمه. فأما إذا فتحت عنوة نظر في الجارية فإن كانت على الشرك سلمت إلى الدليل وإن كانت أسلمت فإنها إن كانت أسلمت قبل الظفر بها فهي حرة لا تدفع إلى الدليل لكن تدفع إليه قيمتها لأن النبي (صلى الله عليه وآله) صالح أهل مكة على أن يرد عليهم من جاء إليه من المسلمات فنهى الله - عز وجل - عن ذلك ونسخ ما كان عقده وأمره برد مهورهن على أزواجهن، وإن أسلمت بعد الظفر بها نظر إلى الدليل فإن كان مسلما سلمت إليه لأنها مملوكة، وإن كان مشركا لم تسلم إليه لأن الكافر لا يملك مسلما لكن يدفع إليه قيمتها، وإن ماتت الجارية إما قبل الظفر بها أو بعده فلا شئ له من قيمتها لأن أصل العقد وقع بشرط أن يكون له مع وجودها ألا ترى أنها لو لم تفتح لم يستحق شيئا و ههنا ما وجدت القدرة عليها. (فصل: في حكم ما يغنم وما لا يغنم) إذا فتح بلد من بلاد الحرب فلا يخلو من أن يفتح عنوة أو صلحا. فإن فتح عنوة كانت الأرض المحياة وغيرها من أموالهم ما حواه العسكر وما لم يحوه العسكر غنيمة فيخمس الجميع فيكون الخمس لأهله الذين قدمنا ذكرهم في كتاب قسمة الصدقات. ثم ينظر في الباقي فكل ما حواه العسكر وما لم يحوه العسكر مما يمكن نقله إلى دار الاسلام فهو للغانمين خاصة يقسم فيهم على ما نبينه.

[ 29 ]

وأما الأرضون المحياة فهي للمسلمين قاطبة وللإمام النظر فيها بالتقبيل والضمان على ما نراه وارتفاعها يعود على المسلمين بأجمعهم وينصرف إلى مصالحهم الغانمين وغير الغانمين فيه سواء. فأما الموات فإنها لا تغنم وهي للإمام خاصة فإن أحياها أحد من المسلمين كان أولى بالتصرف فيها ويكون للإمام طسقها وإن فتحها صلحا فإن صالحهم على أن يكون الدار لنا يسكنونها ببذل الجزية فهي دار الاسلام الموات منها للإمام على ما قلناه، والباقي للمسلمين، وإن كانت الصلح على أن الدار لهم بالموات فالموات منها لهم ليس للمسلمين أن يحيوها. للمسلمين أن يأكلوا ويعلفوا في دار الحرب دوابهم وإن أصابوا طعاما فلهم أكله قدر الكفاية مع الاعسار واليسار سواء كان معهم طعام أو لم يكن ولا ضمان عليهم وروي أن قوما غنموا طعاما وعسلا فلم يأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) منهم الخمس وإن أخذوا وطعاما أخرجوه إلى دار الاسلام أو شيئا منه وجب أن يردوه إلى الغنيمة لأن الحاجة قد زالت سواء كان قليلا أو كثيرا. البهايم المأكولة إذا احتاج الغانمون إلى ذبحا وأكل لحمها جاز لهم ذلك كالطعام سواء، وليس عليهم قيمتها فأما جلودها فإن اتخذ منها سقاء أو سيرا أو شيئا أو ركوة فعليه رده في المغنم كالثياب فإن قامت يديه مدة لزمه أجرة مثلها وعليه ضمان ما نقص منها فإن زاد بصنعة أحدثها فيها فلا حق له فيها لأنه تعدى فيها. فأما لبس الثياب فليس له لبسها لقوله (عليه السلام): من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه، ولا يستعمل شيئا من أدوية الغنيمة، ولا يدهن بشئ من دهنه لا لنفسه ولا دوابه إلا بشرط الضمان لأنه ليس بقوت، وكذلك إذا كان معه بزاة أو صقورة أو غير ذلك من الجوارح لم يكن له أن يطعمها من الغنيمة لأنه ليس إلى ذلك ضرورة فإن اقترض بعض الغانمين لغيره شيئا من الغنيمة أو علف الدابة جاز ولا يكون قرضا لأنه ما ملكه حتى يقرضه لكن يده عليه فإذا سلمه إلى غيره فصار يد الغير عليه فيكون يد الثاني عليه وهو أحق به وليس عليه رده على الأول فإن رده كان المردود عليه أحق به لثبوت اليد. فإن خرج المقرض من دار الحرب والطعام في يده وجب عليه رده في المغنم ولا يرده على المقرض.

[ 30 ]

ولا يجوز أن يبيع بعض الغانمين طعاما من غيره فإن خالف لم يكن ذلك بيعا، وإنما يكون انتقالا من يد إلى يد فما حصل في يد كل واحد منهما يكون أحق بالتصرف فيه، وعلى هذا لو باع أحدهما صاعين من طعام بصاع منه كان جايزا لأنه ليس ببيع في الحقيقة فإن اقترض واحد من الغانمين من هذا الطعام رجلا من غير الغانمين أو باعه منه لم يصح وكان على القابض رده لأنه أخذ ملك غيره، وكذلك لو جاء رجل من غير الغانمين ابتداء وأخذ من طعام الغنيمة لم تقر يده عليه لأنه ليس في الأصل أخذه، وكذلك لو باعه من غير الغانم بطل البيع وكان عليه رده في المغنم إذا وجد في المغنم كتب نظر فيها فإن كانت مباحة يجوز إقرار اليد عليها مثل كتب الطب والشعر واللغة والمكاتبات فجميع ذلك غنيمة، وكذلك المصاحف وعلوم الشريعة كالفقه والحديث ونحوه لأن هذا مال يباع ويشتري كالثياب، وإن كانت كتبا لا تحل إمساكها كالكفر والزندقة وما أشبه ذلك كل ذلك لا يجوز بيعه، وينظر فيه فإن كان مما ينتفع بأوعيته إذا غسل كالجلود ونحوها فإنها غنيمة، وإن كان مما لا ينتفع بأوعيته كالكاغذ فإنه يمزق ولا يحرق لأنه ما من كاغذ إلا وله قيمة وكلم (1) التورية والانجيل هكذا كالكاغذ فإنه يمزق لأنه كتاب مغير مبدل. وما لم يكن عليه أثر ملك فهو لمن أخذه كالشجر والحجر والصيد ولا يكون غنيمة لأنه إنما يكون غنيمة ما كان ملكا للكفار، وإن كان عليه أثر ملك كالصيد المقموط والحجر المنحوت (والخشب المنجور) فكل ذلك غنيمة لأن عليه أثر ملك. فإن وجد ما يمكن أن يكون للكفار والمسلمين كالوتد والخيمة والخرج ولم يعلم عرف سنة كاللقطة، وإن لم يظهر صاحبه ألحق بالغنيمة. فإن كان المغنم بهيمة وأرادوا ذبحها وأخذ جلودها لسيور الركاب والبغال لم يجز ذلك لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن ذبح الحيوان لغير مالكه فإن وجد لهم الجوارح كالبزاة والصقور والفهودة كل ذلك غنيمة لأنها تباع وتشترى وكذلك السنانير لأنها تملك.

(1) في بعض النسخ (وحكم)

[ 31 ]

فإن كان فيما غنموا كلاب فما كان منها كلاب الصيد والماشية فهو غنيمة وما عداه لا يكون غنيمة لأنها لا تملك وتخلى فأما الخنازير فإنها ينبغي أن يقتلها فإن أعجله السير فلم يتمكن لم يكن عليه شئ، وأما الخمور فإنها تراق وظروفها فإن كان المسلمون استوطنوا بلادهم وصالحوهم عليها فلا يكسرونها لأنها غنيمة، وإن كانوا على الانصراف كسروها. وإذا غنم المسلمون خيلا من المشركين ومواشيهم ثم أدركهم المشركون وخافوا أن يأخذوا من أيديهم فلا يجوز لهم قتلها ولا عقرها، وإن كانوا رجالة أو على خيل قد كلت ووقفت وخيف أن يستردوا الخيل فيركبوها فيظفرون بهم فإنه يجوز لموضع الضرورة قتلها فإن كانت خيلهم لم تقف فلا يجوز لهم عقرها ولا قتلها فإذا قاتلوا على الخيل جاز عقرها وقتلها، وإذا سرق واحد من الغانمين من الغنيمة شيئا وإن كان بمقدار ما يصيبه من الغنيمة فلا قطع عليه، وكذلك إن كان الزيادة أقل من نصاب يجب فيه القطع، وإن زاد على نصيبه بنصاب يجب فيه القطع وجب قطعه، وإن عزل الخمس منها فسرق واحد من الغانمين الذين ليس له من الخمس شئ نصابا وجب عليه القطع على كل حال، وإن سرق من أربعة أخماس الغنيمة كان الحكم ما قد مناه. ومتى كان السارق من غير الغانمين فإنه ينظر فإن كان ممن له سهم في الخمس كان حكمه ما قدمناه من أنه إن سرق أكثر من سهمه مقدار النصاب وجب قطعه، وإن كان أقل من ذلك فلا قطع عليه وإن لم يكن من أهل الخمس على كل حال، وإن سرق بعد عزل الخمس من الأربعة أخماس قطع على كل حال إذا سرق نصابا اللهم إلا أن يكون في الغانمين من لو سرق منه لم يقطع مثل الابن لأنه لو سرق الأب من مال ابنه لم يجب قطعه فإن كان كذلك كان حكمه حكم الابن الغانم لو سرق على ما فصلناه إذا انقضت الحرب وحزت الغنايم فقد ملك كل واحد من الغنيمة ما يصيبه مشاعا، وإن كان في المغنم جارية فبادر فوطئها قبل القسمة درء عنه الحد بمقدار ما يصيبه منها، ويقام عليه الحد بما يصيب الباقين سواء كان الغانمون قليلين أو كثيرين

[ 32 ]

هذا إذا كان عالما بتحريم الوطي فإن لم يكن عالما بل ظن أنه يحل له ذلك درء عنه الحد لمكان الشبهة، وأما المهر فلا يلزمه للباقين لأنه لا دليل عليه، والأصل برائة الذمة. فإن أحبلها كان حكم ولدها حكمها يكون له منه بمقدار ما يصيبه ويلزمه بقية سهم الغانمين، ويلحق به لحوقا صحيحا لأنه شبهة وتكون الجارية أم ولده لأن الاستاق (1) يقتضي ذلك ويقوم الجارية عليه ويلزم سهم الغانمين، وينظر فإن كانت الغنيمة قدر حقه فقد استوفى حقه، وإن كان أقل أعطي تمام حقه وإن كان أكثر رد الفضل. فإذا وضعت نظر فإن كانت قومت عليه قبل الوضع فلا يقوم عليه الولد لأن الولد إنما يقوم إذا وضعت وفي هذه الحال وضعته في ملكه، وإن كان ما قومت عليه بعد ما قومت هي والولد معا بعد الوضع فأسقط منه نصيبه وغرم الباقي للغانمين هذا إذا وطئ الجارية قبل القسمة. فإن وطئها بعد القسمة مثل أن يكون قد عزل العشرة من الغانمين جارية بقدر سهمهم فبادر واحد منهم فواقع عليها فلا يخلو أن يكون قد رضوا بتلك القسمة أو لم يرضوا بها فإن كان رضوا بها فقد صارت ملكا لهم دون غيرهم ويكون حكمه حكم من وطئ جارية مشتركة بينه وبين عشرة يدرء عنه عشر الحد ويقام عليه الباقي ويقوم عليه مع الولد ويسقط عشره عنه ويلزم الباقي، وإن كان قبل الرضا كان الحكم مثل ذلك إلا أنه يكون لواحد من جملة الغانمين فسقط سهمه بحسب عددهم من الجارية والولد والحد هذا إذا كان موسرا فإن كان معسرا قومت عليه مع ولدها واستسعى في نصيب الباقين فإن لم يسع في ذلك كان له من الجارية مقدار نصيبه والباقي للغانمين ويكون الولد حرا بمقدار نصيبه والباقي للغانمين ويكون مملوكا لهم، والجارية تكون أم ولد، وإن ملكها فيما بعد إذا كان في السبي من يعتق على بعض الغانمين من الآباء والأولاد وإن علوا أو نزلوا فالذي يقتضيه المذهب أن يقول -: - أنه يعتق

(1) في بعض النسخ (الاشتقاق).

[ 33 ]

منه نصيبه منه ويكون الباقي للغانمين لا يلزمه قيمة ما يبقي للغانمين لأنه لا دليل عليه وقد قيل: إنه لا ينعتق عليه أصلا إن لم يقسمه الإمام في حصته أو حصة جماعة هو أحدهم لأن للإمام أن يعطيه حصته من غيره فنصيبه غير متميز من الغنيمة، وإن قومه عليه أو على جماعة هو أحدهم ورضي به انعتق نصيبه لأنه ملكه ويلزمه حصة شركائه ويقوم عليه كما لو أعتق نصيبا (1) له من مملوك إذا كان موسرا، فإن كان معسرا لا يلزمه ذلك ويكون قدر حصة حرا وما سواه مملوكا، والأول أقوى عندي. متى حدث الرق في الزوجين أو أحدهما انفسخ النكاح بينهما، وذلك يكون عند حيازة الغنيمة وجمعها. فالنساء يرقن بنفس اختيار الملك، والرجال يرقون باختيار الإمام استرقاقهم. فإذا حدث الرق انفسخ النكاح. يكره نقل رؤوس المشركين من بلد إلى بلد لأنه ما حمل بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) رأس مشرك إلا رأس أبي جهل يوم بدر في نفس المعركة، وحمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) رؤوس كثير من المشركين فأنكر وقال: (عليه السلام) ما فعل هذا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا بعده. فصل: في ذكر مكة هل فتحت عنوة أو صلحا؟ وحكم السواد وباقي الأرضين * ظاهر المذهب أن النبي (صلى الله عليه وآله) فتح مكة عنوة بالسيف ثم أمنهم بعد ذلك، وإنما لم يقسم الأرضين والدور لأنها لجميع المسلمين كما نقوله في كل ما يفتح عنوة إذا لم يمكن نقله إلى بلد الاسلام فإنه يكون للمسلمين قاطبة، ومن النبي (صلى الله عليه وآله) على رجال من المشركين فأطلقهم، وعندنا أن للإمام أن يفعل ذلك وكذلك أموالهم من عليهم بها لما رآه من المصلحة. وأما أرض السواد فهي الأرض المغنومة من الفرس التي فتحها عمر، وهي سواد العراق فلما فتحت بعث عمر عمار بن ياسر أميرا وابن مسعود قاضيا وواليا على بيت المال، وعثمان بن حنيف ماسحا. فمسح عثمان الأرض، واختلفوا في مبلغها فقال البياجي (2)

(1) في بعض النسخ (شقصا) (2) في بعض النسخ (الساجي).

[ 34 ]

اثنان وثلاثون ألف ألف جريب، وقال أبو عبيدة: ستة وثلاثون ألف ألف جريب، وهي ما بين عبادان والموصل طولا وبين القادسية وحلوان عرضا. ثم ضرب على كل جريب نخل ثمانية دراهم والرطبة ستة والشجر كذلك، والحنطة أربعة، والشعير درهمين، وكتب إلى عمر فأمضاه، وروي أن ارتفاعها كان في عهد عمر مائة وستين ألف ألف درهم فلما كان في زمن الحجاج رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم فلما ولي عمر بن عبد العزيز رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أول سنة وفي الثانية بلغ ستين ألف ألف فقال: لو عشت سنة أخرى لرددتها إلى ما كان في أيام عمر فمات تلك السنة، وكذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) لما أفضى الأمر إليه أمضى ذلك لأنه لم يمكنه أن يخالف ويحكم بما يجب عنده فيه، والذي يقتضيه المذهب أن هذه الأراضي وغيرها من البلاد التي فتحت عنوة أن يكون خمسها لأهل الخمس فأربعة أخماسها يكون للمسلمين قاطبة للغانمين وغير الغانمين في ذلك سواء ويكون للإمام النظر فيها وتقبيلها وتضمينها بما شاء، ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في مصالح المسلمين وما ينوبهم من سد الثغور ومعونة (1) المجاهدين وبناء القناطر وغير ذلك من المصالح، وليس للغانمين في هذه الأرضين خصوصا شئ بل هم والمسلمون فيه سواء، ولا يصح بيع شئ من هذه الأرضين ولا هبته ولا معاوضته ولا تمليكه لا. وقفه ولا رهنه ولا إجارته ولا إرثه، ولا يصح أن يبني دورا ومنازل ومساجد وسقايات، ولا غير ذلك من أنواع التصرف الذي يتبع الملك، ومتى فعل شئ من ذلك كان التصرف باطلا وهو باق على الأصل، وعلى الرواية التي رواها أصحابنا أن كل عسكر أو فرقة غزت بغير أمر الإمام فغنمت يكون الغنيمة للإمام خاصة هذه الأرضون وغيرها مما فتحت بعد الرسول إلا ما فتح في أيام أمير المؤمنين (عليه السلام) إن صح شئ من ذلك يكون للإمام خاصة، ويكون من جملة الأنفال التي له خاصة لا يشركه فيها غيره. وإذا نزل على بلد وأراد فتحه صلحا فلا يحوز ذلك إلا بشرط أن يضرب عليهم الجزية، وأن يجري بأحكامنا عليهم، وإن لا يجتمعوا مع المشركين على قتال المسلمين،

(1) في نسخة (تقوية).

[ 35 ]

وهو بالخيار بين أن يضع الجزية على رؤوسهم أو على أرضهم، ولا يجمع عليهم فإن وضعها على أرضهم ثم أسلم بعضهم فإن الجزية تسقط عنه، وتكون الأرض عشرية تؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من أراضي المسلمين التي هي أملاكهم، وتكون مصروفة إلى المجاهدين القائمين مقام المهاجرين والأنصار في عهد النبي (صلى الله عليه وآله). وإذا صالح المشركين على أن تكون الأرض لهم بجزية التزموها وضربوها على أرضهم فيجوز للمسلم أن يستأجر منهم بعض تلك الأرضين لأنها أملاكهم فإن اشتراها منهم مسلم صح الشراء وتكون أرضا عشرية. فصل: في قسمة الغنيمة في دار الحرب وإقامة الحدود فيها * يستحب أن تقسم الغنيمة في دار الحرب، ويكره تأخيرها إلا لعذر من ذلك أن يخاف كثرة المشركين أو الكمين في الطريق أو قلة علف أو انقطاع ميرة، وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قسم غنايم بدر بشعب من شعاب الصفراء قريب من بدر، وكان ذلك دار حرب، ومن ارتكب كبيرة يجب عليه فيها الحد لم يحد في دار الحرب وأخر حتى يعود إلى دار الاسلام ولم يسقط بذلك الحد عنه سواء كان (هناك) إمام أو لم يكن فإن رأى من المصلحة تقديم الحد جاز ذلك، وسواء كان الفاعل أسيرا أو أسلم فيهم ولم يخرج إلينا أو خرج من عندنا للتجارة أو غيرها، وإذا قتل في دار الحرب فحكمه حكم القتل في دار الاسلام إن قتل مسلما عمدا فالقصاص أو الدية والكفارة وإن كان خطأ فالدية والكفارة، وعلى الرواية الأولى لا يؤخر القصاص منه لأنه إنما كره إقامة الحد بذلك لئلا تحمله الحمية على اللحاق بهم، وذلك مفقود في القود فالأولى تقديم القصاص.

[ 36 ]

كتاب الجزايا وأحكامها فصل: فيمن تؤخذ منه الجزية ومن لا تؤخذ من أصناف الكفار قال الله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (1) وبعث النبي (صلى الله عليه وآله) معاذا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حاكم دينارا أو عدله معافري (2) وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الجزية من مجوس هجر، وعلى جواز أخذ الجزية إجماع الأمة. والكفار على ضربين: ضرب يجوز أن تؤخذ منهم الجزية، والآخر لا يجوز ذلك، فالأول هم الثلاثة الأصناف: اليهود والنصارى والمجوس. فأما من عدا هؤلاء من ساير الأديان من عباد الأوثان وعباد الكواكب من الصابئة وغيرهم فلا تؤخذ منهم الجزية عربيا كان أو أعجميا، ومن هو من الأصناف الثلاثة وأخذت منه والاعتبار في أخذها بالدين دون النسب. فإن كان من هؤلاء الثلاثة أخذت منه عربيا كان أو أعجميا وجملة ذلك أنه من كان من أهل هذين الكتابين المشهورين: اليهود أهل التورية، والنصارى أهل الانجيل فإنها تقبل منهم، وكذلك من كان من نسلهم فإنه يقر على دينه ببذل الجزية سواء كان من المبذلين أو من غيرهم، وسواء كان من أولاد المبذلين أو لم يكن لعموم الآية. وأما من كان من عبدة الأوثان فدخل في دينهم فلا يخلو أن يدخل في دينهم قبل نسخ شرعهم أو بعده فإن كان قبل نسخ شرعهم أقروا عليه، وإن كان بعد نسخ شرعهم لم يقروا عليه لقوله (عليه السلام): من بدل دينه فاقتلوه، وهذا عام إلا من خصه الدليل، ومن أخذنا منه الجزية لا يجوز لنا أكل ذبايحهم ومناكحتهم على الظاهر من المذهب عندنا

(1) التوبة 29.
(2) المعافري برد باليمن منسوب إلى معافر قبلية باليمن، والميم زائدة. كذا في هامش المطبوع.

[ 37 ]

ومن لا تؤخذ منه الجزية لم يحل ذلك بلا خلاف. فأما المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب، وروى أصحابنا أنه كان لهم كتاب فأحرقوه، وروي ذلك عن علي (عليه السلام) وإذا أحاط المسلمون بقوم من المشركين فذكروا أنهم أهل كتاب وبذلوا الجزية فإنه تقبل منهم لأنه لا يتوصل إلى معرفة دينهم إلا من جهتهم فيعقد لهم الجزية بشرط أنهم إن كانوا على ما قالوا ثبت العهد، وإن كانوا بخلافه نبذ إليهم، ويعرف ذلك بأحد أمرين: إما أن يقروا كلهم أو يسلم اثنان منهم ويعد لأن ويشهدان أنهم ليسوا بأهل كتاب. فإن قال بعضهم: إنا أهل كتاب وقال بعضهم: لسنا أهل كتاب حكم لكل قوم منهم بحسب قوله، ولا يقبل قول بعضهم على بعض لأن شهادة الكفار بعضهم على بعض لا تقبل. فإن دخل عابد وثن في دين أهل الكتاب قبل النسخ وله ابنان صغير وكبير فأقا ما على عبادة الأوثان ثم جاء الاسلام ونسخ كتابهم فإن الصغير إذا بلغ وقال: إنني على دين أبي وأبذل الجزية أقر عليه لأنه تبع أباه في الدين، وأما الكبير فإن أراد أن يقيم على دين أبيه ويبذل الجزية لم يقبل منه لأن له حكم نفسه ودخوله في الدين بعد النسخ لا يصح. فإن كانت المسألة بحالها ودخل أبوهما في دين أهل الكتاب ثم مات ثم جاء الاسلام وبلغ الصبي وأختار دين أبيه ببذل الجزية أقر عليه لأنه تبعه في دينه فلا تسقط بموته، والكبير فلا يقر بحال لأن له حكم نفسه. فصل: في كيفة عقد الجزية والأمان ومقدار الجزية ومن تجب عليه * الأمان على ضربين: هدنه وعقد جزية. فالهدنة عقد أمان إلى مدة إما على عوض أو على غير عوض، وسنبين حكمه فيما بعد، وأما عقد الجزية فهو الذمة ولا يصح إلا بشرطين: التزام الجزية وأن يجري عليهم أحكام المسلمين مطلقا من غير استثناء. فالتزام الجزية وضمانها لا بد منه لقوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون) إلى قوله (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (1) وحقيقة الاعطاء هو الدفع غير أن

(1) التوبة 29.

[ 38 ]

المراد هيهنا الضمان وإن لم يحصل الدفع. وأما التزام أحكامنا وجريانها عليهم فلا بد منه أيضا وهو الصغار المذكور في الآية، وفي الناس من قال: (إن) الصغار هو وجوب جري أحكامنا عليهم، ومنهم من قال: الصغار أن تؤخذ منهم الجزية قائما والمسلم جالس. وليس للجزية حد محدود ولا قدر مقدور بل يضعها الإمام على أراضيهم أو على رؤوسهم على قدر أحوالهم من الضعف والقوة بمقدار ما يكونون صاغرين به، وقد روى أصحابنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) وضعها على الموسر ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى المتجمل اثني عشر درهما، والمذهب الأول، فإنما فعل (عليه السلام) ذلك اتباعا لمن تقدمه أو لما رآه في الحال من المصلحة والفقير الذي لا شئ معه تجب عليه الجزية لأنه لا دليل على إسقاطها عنه، وعموم الآية يقتضيه. ثم ينظر فإن لم يقدر على الأداء كانت في ذمته فإذا استغنى أخذت منه الجزية من يوم ضمنها وعقد العقد له بعد أن يحول عليه الحول. وأما النساء والصبيان والبله والمجانين فلا جزية عليهم بحال. إذا عقد الصلح على بلد من بلاد أهل الحرب على أن تكون الأرض لنا أو لهم وعقد لهم الذمة بجزية اتفقوا عليها فيجوز أن يشرط عليهم ضيافة من مر بهم من المسلمين مجاهدين وغير مجاهدين لأن النبي (صلى الله عليه وآله) ضرب على نصارى ايلة ثلاث مائة دينار وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثا ولا يغشوا فإذا ثبت ذلك احتاج إلى شرطين: أحدهما: أن يكون ذلك زايدا على أقل ما يجب عليهم من الجزية وأن يكون معلوم المقدار وإنما قلنا ذلك لأن الضيافة ربما لم يتفق فيحصل الجزية أقل ما يجب عليهم ولا يضرب الضيافة عليهم إلا برضاهم لأن أصل الجزية لا تتم إلا بالتراضي. فإذا التزموها ورضوا بها لم يكن لهم بعد ذلك الامتناع منها، وإن امتنعوا نقضوا العقد (1) بذلك وينبذ إليهم. فإن طلبوا بعد ذلك أن يعقد العقد على أقل ما يكون

(1) في بعض النسخ (العهد).

[ 39 ]

من الجزية أجيبوا إليه، وإن التزموا زيادة على ما يكون أقل الجزية لزمهم ذلك فإن امتنعوا بعد ذلك قوتلوا عليه فإن مانعوا نقضوا العهد فإن طلبوا بعد ذلك العقد على أقل ما يراه الإمام أن تكون جزية لهم لزمه إجابتهم إليه ولا يتعين ذلك بدينار أو أقل أو أكثر على ما بيناه. والشرط الثاني: أن يكون معلوما لأنه لا يصح العقد على مجهول ويصير معلوما بأن يكون عدد أيام الضيافة من الحول معلومة فيقال لهم: يضيفون من السنة خمسين يوما أو أقل أو أكثر، ويكون عدد من يضاف معلوما فيقال كذا و كذا نفسا من الرجال ومن الفرسان كذا وكذا، ويكون القوت معلوما، ولكل رجل كذا وكذا رطلا من الخبز، وكذا من الأدم من لحم وجبن وسمن وزيت وشيرج، ويكون مبلغ الأدم معلوما، ويكون علف الدواب معلوما القت والشعير والتبن وغير ذلك لكل دابة شئ معلوم فإن نزلوا بهم ولم يوفوا مبلغ العلف فأقروا أن الصلح وقع على علف الدواب لم يجب عليهم الحب بل يلزمهم أقل ما يقع عليه اسم العلف من تبن وقت ثم ينظر في حالهم فإن كانوا متساويين في قدر الجزية لم يفضل بعضهم على بعض في الضيافة بل ينزل على كل واحد مثل ما ينزل على الآخر، وإن كانوا متفاضلين في الجزية كانت الضيافة أيضا مثل ذلك، ومبلغ الضيافة ثلاثة أيام لما تضمنه الخبر، وما زاد عليه فهو مكروه. فأما موضع النزول فينبغي أن يكون في فصول منازلهم وبيعهم وكنايسهم ويؤمرون بأن يوسعوا أبواب البيع والكنايس لمن يجتاز بهم من المسلمين، وأن يعلوا أبوابها ليدخلها المسلمون ركبانا فإن لم تسعهم بيوت الأغنياء نزلوا في بيوت الفقراء ولا ضيافة عليهم، وإن لم يسعهم لم يكن لهم إخراج أرباب المنازل منها فإن كثروا وقل من يضيفهم فمن سبق إلى النزول كان أحق به وأولى وإن قلنا: يستعملن القرعة كان أحوط، وكذلك إن جاءوا معا أقرع بينهم فإن نزلوا بعد ذلك بقوم آخرين من أهل الذمة قروا الذين لم يقروا، وينزل الذين قروا فإن مات الإمام قام غيره مقامه وتثبت عنده مبلغ الجزية وما صولحوا عليه من الضيافة أقرهم على ما كانوا عليه،

[ 40 ]

ولم يغير عليهم إلا بعد انقضاء المدة. ثم له الخيار بعد ذلك، ويثبت عنده ذلك بأن يوصي إليه الإمام المتقدم أو يشهد به مسلمان عدلان فإن لم يوجد ذلك رجع إلى قولهم فما يخبرون به يعمل فإن كان له فيما بعد خلاف ما قالوا طالبهم بما مضى، وقد بينا أن الجزية لا تؤخذ من المرأة ولا مجنون حتى يفيق ولا مملوك حتى يعتق فإذا ثبت أن المرأة لا جزية عليها فإن بقت من دار الحرب تطلب أن يعقد لها الذمة لتصير إلى دار الاسلام عقد لها الذمة بشرط أن يجري عليها أحكامها (1)، ولا يشرط عليها الجزية، ولا فضل بين أن تجئ وحدها أو معها غيرها فإن بذلت الجزية وسألت عقد الذمة لها بالجزية عرفها الإمام أنه لا جزية عليها فإن قالت: عرفت هذا غير أني أختار أن أؤدي قبل ذلك منها ويكون هبة لا جزية يلزم بالقبض، وإن امتنعت قبل الاقباض لم تجبر عليه (عليها خ ل) ولو أن أهل الدار من أهل الكتاب معهم النساء والصبيان فامتنع الرجال من الصلح على الجزية وبذلوا أن يصالحوا على أن الجزية على النساء والوالدان لم يجز لأن النساء والصبيان مال والمال لا تؤخذ منه الجزية. فإن صالحهم على ذلك بطل الصلح ولا يلزم النساء بشئ فإن طلب النساء ذلك ودعوا إلى أن تؤخذ منهن الجزية ويكون الرجال في أما لم تصح منهن الجزية. فإن قتل الرجال وسألت النساء أن يعقد عليهن ليكن ذميات في دار الاسلام عقد لهن بشرط إن تجري أحكامنا عليهن، وليس له سبيهن، ولا أن يأخذ منهن شيئا فإن أخذ شيئا رده، وقد قيل: إنه يحتال عليهن حتى يفتحوا ويسبين، ولا يعقد لهن الأمان. فأما المملوك فلا جزية عليه لقوله: (عليه السلام): لا جزية على العبيد، ولا يكون الإمام فيه بالخيار إذا وقع في الأسر بل يملك فإن أعتق قيل له: لا تقر في دار الاسلام حولا بلا جزية فإما أن يسلم أو يعقد الذمة.

(1) في بعض النسخ (أحكامنا).

[ 41 ]

وأما المجنون فلا جزية عليه لأنه غير مكلف ثم ينظر في جنونه كان مطبقا فلا شئ عليه، وإن كان يجن في بعض الحول ويفيق في البعض حكم للا غلب وسقط الأقل، وقد قيل: إنه يلفق أيام الإفاقة فإذا بلغت سنة أخذت منه الجزية فأما إن أفاق نصف الحول وجن نصفه. فإن كانت الإفاقة في الأول وجن فيما بعد وأطبق فلا جزية عليه لأنه ما تم الحول، وإن كان جنونه في الأول وإفاقته في باقيه واستمرت الإفاقة فإنه إذا حال الحول من وقت الإفاقة أخذت منه الجزية. فأما الصبي فلا جزية عليه فإذا بلغ بالسن أو بالاحتلام أو الانبات نظر فإن كان من أولاد عباد الأوثان قيل له: إما أن تسلم أو تنبذ إليك وتصير حربا (1) وإن كان من أولاد أهل الكتاب قيل له: إما أن تسلم أو تبذل الجزية أو تنبذ إليك وتصير حربا. فإن أختار الجزية عقد معه على حسب ما يراه الإمام، ولا اعتبار بجزية أبيه فإذا حال الحول عليه من وقت العقد أخذ منه ما وقف عليه. وإذا صالح الإمام قوما على أن يؤدوا الجزية عن أبنائهم سواء ما يؤدون عن أنفسهم فإن كانوا يؤدونه من أموالهم جاز ذلك ويكون ذلك زيادة في جزيتهم، وإن كان ذلك من أموال أولادهم لا يجوز ذلك لأنه تضييع لأموالهم فيما ليس بواجب عليهم. وإذا اتجرت امرأة بمالها في غير الحجاز لم يكن عليها أن تؤدي شيئا إلا أن تشاء هي لأن لها أن تختار في ذلك المكان (2) وتقيم فيه بغير إذنه. فإن قالت: أدخل الحجاز على شئ يؤخذ مني وألزمته نفسها جاز ذلك لأنه ليس لها دخول الحجاز والإقامة فيه فإذا بذلت عن ذلك عوضا جاز ذلك هذا عند من قال: ليس للمشرك دخول الحجاز، وسأذكر ما عندي فيه. إذا بلغ المولود سفيها من أهل الذمة مفسدا لماله ودينه أو أحدهما لم يقر في دار الاسلام بلا جزية لعموم الآية فإن اتفق مع وليه على جزية عقداها جاز، وإن اختلف

(1) في بعض النسخ (حربيا).
(2) في بعض النسخ (المقام).

[ 42 ]

هو والولي قدمنا قوله على وليه لأنه يتعلق بحقن دمه فإن لم يعقد لنفسه ذمة نبذناه إلى دار الحرب ويكون حربا لنا. والشيخ الفاني والزمن وأهل الصوامع والرهبان الذين لا قتال فيهم ولا رأي لهم تؤخذ منهم الجزية لعموم الآية، وكذلك إذا وقعوا في الأسر جاز للإمام قتلهم، وقد روي أنه لا جزية عليهم. المولود إذا بلغ في دار الاسلام وأبواه كافران نظر فإن كانا من أهل الذمة أو أحدهما يخالف الآخر في دينه فإنه يستأنف عقد الجزية والأمان ولا يحمل جزية أبيه فيقال له: أنت بالخيار بين أن يعقد أمانا على جزية ينفق عليها أو ينصرف إلى دار الحرب فإن انصرف إلى دار الحرب فلا كلام، وإن رضى بعقد الجزية عقد معه على ما يراه في الحال ولا اعتبار بجزية أبيه لأن له حكم نفسه إلا أنه في أمان لا يتعرض له ولماله إلى أن ينصرف أو يعقد الجزية، وإذا تقرر عقد الجزية بينهما فإن كان أول الحول فإذا جاء الحول استوفاه، وإن كان في أثناء الحول عقد له الذمة فإذا جاء حول أصحابه وجاء الساعي فإن أعطى بقدر ما مضى من حوله أخذ منه، وإن امتنع حتى يحول عليه الحول لم يلزمه ذلك، وأما إن كان أحد الأبوين يقر على دينه ببذل الجزية والآخر لا يقر مثل أن يكون من وثني وكتابي أو مجوسي ألحق بأبيه، وإن كان وثنيا لم تقبل منه الجزية وإن كان كتابيا أو مجوسيا أخذ من الابن الجزية وإذا أسلم الذمي بعد الحول سقطت عنه الجزية، وإن مات لم تسقط عنه وتؤخذ من تركته. فإن لم يترك شيئا فلا شئ على ورثته، وإن أسلم وقد مضى بعض الحول فلا يلزمه شئ مثل ذلك، وإن مات قبل الحول لا يجب أخذها من تركته لأنها إنما تجب بحؤول الحول وما حال. فأما المستأمن والمعاهد. فهما عبارتان عن معنى واحد وهو من دخل إلينا بأمان لا للبقاء والتأبيد فلا يجوز للإمام أن يقره في بلد الاسلام سنة بلا جزية ولكن يقره أقل من سنة على ما يراه بعوض أو غير عوض. فإن خاف الإمام منه الخيانة نقض

[ 43 ]

أمانه ورده إلى مأمنه لقوله تعالى (وإما تخافن من قوم خيانة فأنبذ إليهم على سواء) (1). فصل: فيما يشرط على أهل الذمة المشروط في عقد الذمة ضربان: أحدهما يجب عليهم فعله، والآخر يجب عليهم الكف عنه. فما يجب عليهم فعله على ضربين: أحدهما بدل الجزية، والآخر التزام أحكام المسلمين، ولا بد من ذكر هذين الشرطين في عقد الجزية لفظا ونطقا فإن أغفل ذكرهما أو ذكرهما أو ذكر أحدهما لم ينعقد لقوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (2) والصغار التزام أحكام المسلمين وإجراؤها عليهم. وأما ما يجب الكف عنه فعلى ثلاثة أضرب: ضرب فيه منافاة الأمان، وضرب فيه ضرر على المسلمين، وضرب فيه إظهار منكر في دار الاسلام. فذكر هذه الأشياء كلها تأكيد وليس بشرط في صحة العقد. فأما ما فيه منافاة الأمان فهو أن يجتمعوا على قتال المسلمين فمتى فعلوا ذلك نقضوا العهد وسواء شرط ذلك في عقد الذمة أو لم يشرط (3) لأن شرط الذمة يقتضي أن يكونوا في أمان من المسلمين، والمسلمون في أمان منهم، وأما ما فيه ضرر على المسلمين يذكر فيه ستة أشياء: ألا يزني بمسلمة ولا يصيبها باسم نكاح، ولا يفتن مسلما عن دينه، ولا يقطع عليه الطريق ولا يؤدي (4) للمشركين عيبا، ولا يعين على المسلمين بدلالة أو بكتبه كتاب إلى أهل الحرب بأخبار المسلمين ويطلعهم على عوراتهم فإن خالفوا شرطا من هذه الشرايط نظر فإن لم يكن مشروطا في عقد الذمة لم ينقض العهد لكن إن كان ما فعله يوجب حدا أقيم عليه الحد فإن لم يوجبه عزر، وإن كان مشروطا عليه في عقد الذمة كان نقضا للعهد لأنه فعل ما ينافي الأمان. فأما إذا

(1) الأنفال 58.
(2) التوبة 29.
(3) في بعض النسخ (لم يشترط).
(4) في بعض النسخ (لا يرى)

[ 44 ]

ذكر الله تعالى أو نبيه بالسب فإنه يجب قتله ويكون ناقضا للعهد، وإن ذكرهما بما دون السب وذكر دينه وكتابه بما لا ينبغي فإن كان شرط عليهم الكف عن ذلك كان نقضا للعهد، وإن لم يكن شرط عليهم لم يكن نقضا للعهد وعزروا عليه. وأما ما فيه إظهار منكر في دار الاسلام ولا ضرر على المسلمين فيه فهو إحداث البيع والكنايس وإطالة البنيان وضرب النواقيس وإدخال الخنازير وإظهار الخمر في دار الاسلام فكل هذا عليه الكف عنه سواء كان مشروطا أو غير مشروط فإن عقد الذمة يقتضيه، وإن خالفوا ذلك لم ينتقض ذمته سواء كان مشروطا عليه أو لم يكن لكن يعزر فاعله أو يحد إن كان مما يوجب الحد، وقد روى أصحابنا أنهم متى تظاهروا (ب‍) شرب الخمر أو لحم الخنزير أو نكاح المحرمات في شرع الاسلام نقضوا بذلك العهد وكل موضع قلنا ينتقض عهدهم فأول ما يعمل به أن يستوفى منه بموجب الجرم (1) ثم بعد ذلك يكون الإمام بالخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء ويجوز له أن يردهم إلى مأمنهم من دار الحرب ويكون حربا لنا فيفعل فيهم ما يراه صلاحا للمسلمين، وإن أسلم قبل أن يختار الإمام شيئا سقط عنه إلا ما يوجب القود والحد فإن أصحابنا رووا أن إسلامه لا يسقط عنه الحد، وإن أسلم بعد أن استرقه الإمام لم ينفعه إسلامه، وينبغي للإمام أن يشرط على أهل الذمة أنهم يفرقون بين لباسهم ولباس المسلمين بفرق ظاهر يعرفون به يكون مخالفا للبسهم على حسب ما يراه من المصلحة في الحال فإن ألزمهم أن يلبسوا الملون جاز ويأخذهم بشد الزنانير في أوساطهم فإن كان عليه رداء شده فوق جميع الثياب وفوق الرداء لكيلا يخفي الزنار، ويجوز أن يلبسوا العمامة والطيلسان لأنه لا مانع من ذلك فإن لبسوا قلانس شدوا في رأسها علما ليخالف قلانس القضاة وإن رأى أن يختم في رقابهم نحاسا أو رصاصا أو جرسا جاز، وكذلك أن يأمر نساءهم بلبس شئ يفرق بينهن وبين المسلمات من شد الزنار وتجنب الإزار وتغير

(1) في بعض النسخ (الحد).

[ 45 ]

أحد الخفين بأن يكون أحدهما أحمر والآخر أبيض، وتجعل في رقبتها خاتما لتعرف به إذا دخلت الحمام، وجملته أن ذلك من رأي الإمام واجتهاده، ولا نص لنا في شئ من ذلك بل يفعل من ذلك ما يراه، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال في أهل الذمة: لا تبدؤهم بالسلام واضطروهم إلى أضيق الطرق، و إذا عقد الإمام الذمة وعرف مبلغها كتب أسمائهم وأنسابهم وأديانهم ويكتب حلاهم لئلا يشكل الأمر عليه فيدلسوا، فإذا فعل ذلك فإن أراد أن يعرف على كل عدد عريفا على ما يريه من عشرة وعشرين يرعى أمورهم (1) ويضبط من يدخل في الجزية ومن يخرج عنها فعل، وإن تولاها بنفسه جاز، ومتى مات الإمام وقام بعده غيره، فإن كان الأول أقر أهل الذمة على أمر معلوم مدة معلومة أمضاه، ولم يكن له نقضه، وإن لم يكن ذلك أو لم يثبت عنده ابتدءهم بعقد الذمة، وإن كان عقد الأول وثبت فإذا انقضت المدة كان له أن يستأنف عقدا آخر بزيادة أو نقصان على ما يراه من المصلحة، وإن كان الإمام الأول عقد لهم الذمة على التأييد أنعقد ولم يكن للثاني تغيير شئ منه. فصل: في حكم البيع والكنايس، وحكم البلاد والمساجد البلاد التي ينفذ فيها حكم الاسلام على ثلاثة أضرب: ضرب أنشأه المسلمون وأحدثوه، وضرب فتحوه عنوة، وضرب فتحوه صلحا. فأما البلاد التي أنشأها المسلمون مثل البصرة والكوفة فلا يجوز للإمام أن يقر أهل الذمة على إنشاء بيعة أو كنيسة ولا صومعة راهب، ولا مجتمع لصلاتهم فإن صالحهم على شئ من ذلك بطل الصلح بلا خلاف، والبلاد التي فيها البيع والكنايس كانت في الأصل قبل بنائها. وأما البلاد التي فتحت عنوة فإن لم تكن فيها بيع ولا كنايس أو كانت لكن هدموها وقت الفتح فحكمها حكم بلاد الاسلام لا يجوز صلحهم على إحداث ذلك فيها

(1) في بعض النسخ (ثغورهم)..

[ 46 ]

وإن كانت فيها بيع وكنايس فصالح الإمام أهل الذمة على المقام فيها بإقرار بيعة و كنايس على ما هي عليه لم يصح لأنهم قد ملكوها بالفتح فلا يصح إقرارهم على البيع والكنايس فيها مثل الأول. فأما ما فتح صلحا فهو على ضربين: أحدهما أن يصالحهم على أن تكون البلاد ملكا لهم ويكونوا فيهما مواد عين على مال بذلوه وجزية عقدوها على أنفسهم فهيهنا يجوز إقرارهم على بيعهم وكنايسهم وإحداثها وإنشائها إظهار الخمور والخنازير و ضرب النواقيس فيها كيف شاؤوا لأن الملك لهم يصنعون به ما أحبوا بل يمنعون من إظهار الستة الأشياء التي تقدم ذكرها، وإن كان الصلح على أن يكون ملك البلد لنا والسكنى لهم على جزية التزموها فإن شرط لهم أن يقرهم على البيع والكنايس على ما كانت عليه جاز، وكذلك إن صالحهم على إحداث البيع والكنايس جاز، وإن لم يشرط ذلك لهم لم يكن لهم ذلك لأنها صارت للمسلمين، والموضع الذي قلنا: إن له إقرارهم على ما هي عليه إن انهدم منها شئ لم يجز لهم إعادتها لأنه لا دليل على ذلك وبناؤها محرم ممنوع منه، وأن قلنا: إن لهم ذلك كان قويا لأنا أقررناهم على التبقية فلو منعنا هم من العمارة لخربت. وأما دور أهل الذمة فعلى ثلاثة أضرب: دار محدثة ودار مبتاعة ودار مجددة. فأما المحدثة فهو أن يشتري عرصة يستأنف فيها بناء فليس له أن يعلوا على بناء المسلمين لقوله (عليه السلام): الاسلام يعلوا ولا يعلى عليه. فإن ساوي بناء المسلمين ولم يعل عليه فعليه أن يقصره عنه، وقيل: إنه يجوز ذلك، والأول أقوى. وأما الدور المبتاعة فإنها تقر على ما كانت عليه لأنها هكذا ملكها. وأما البناء الذي يعاد بعد انهدامه فالحكم فيه كالحكم في المحدث ابتداء لا يجوز أن يعلوا به على بناء المسلمين والمساواة على ما قلناه، ولا يلزم أن يكون أقصر من بناء المسلمين (من) أهل البلد كلهم، وإنما يلزمه أن يقصر عن بناء محلته. والمساجد على ثلاثة أضرب: مسجد الحرام ومسجد الحجاز ومسجد ساير البلاد.

[ 47 ]

فأما مسجد الحرام فهو عبارة عن الحرم عند الفقهاء فلا يدخلن مشرك الحرم بحال لقوله تعالى (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) (1). وأما مسجد الحجاز فليس لهم دخوله إلا على ما سنبينه فيما بعد. فأما ساير المساجد فإن أرادوا دخولها للأكل والنوم وما أشبه ذلك منعوا منه، وإن أرادوا دخولها لسماع قرآن وعلم وحديث منعوا منها لأنهم أنجاس والنجاسة تمنع المساجد، وقد قيل: إنهم يدخلونها لذلك لكن بأذن، والمذهب أنه ليس لهم ذلك ولا لأحد أن يأذن لهم في ذلك. فإن قدم وفد من المشركين على الإمام أنزلهم في فضول منازل المسلمين، وإن لم يكن لهم فضول منازل جاز أن ينزلهم في دار ضيافة إن كانت، وإن لم يكن جاز للإمام أن ينزلهم في المساجد لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنزل سبي بني قريظة والنضير في مسجد المدينة حتى أمر ببيعهم، والأحوط ألا ينزلهم فيها، وهذا الفعل من النبي كان في صدر الاسلام قبل نزول الآية التي تلوناها كل مشرك ممنوع من الاستيطان في حرم الحجاز من جزيرة العرب فإن صولح على أن يقيم بها ويسكنها كان الصلح باطلا لما روى ابن عباس قال: أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بثلاثة أشياء فقال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالث وقال: أنسيتها وهي مسألة إجماع، والمراد الجزيرة العرب الحجاز لا جزيرة العرب كلها لأنه لا خلاف أنهم لا يخرجون من اليمن وهي من جزيرة العرب قال الأصمعي: حد جزيرة العرب من عدن إلى ريف عبادان طولا، ومن تهامة وما والاها إلى أطراف الشام عرضا، وكذلك قال أبو عبيدة وغيره، وقال بعضهم (2): الحجاز مكة والمدينة واليمن ومخاليفها. فأما دخولهم الحجاز لحاجة أو عابر سبيل فالحرم يمنعون من الاجتياز به بكل

(1) التوبة 28.
(2) في بعض النسخ (بعض).

[ 48 ]

حال، وقيل إن لهم دخوله الاجتياز (1) والامتياز إليه بعد أن (لا) يقيموا فيها، و الأول أقوى للآية. فإن وافي ومعه ميرة بعث بها مع مسلم وإن كان معه رسالة ورد بها خرج إليه مسلم فسمعها منه، وإن كان لا بد أن يشافه الإمام خرج إليه الإمام فسمعها فإن خالف ودخل الحرم أخرج فإن عاد عزر، وإن مرض أخرج منه وإن مات أخرج دفن في الحل فإن دفن فيه قيل: إنه ينبش ما لم يتقطع، والأولى تركه لا النبش ممنوع منعا عاما فإن أذن له الإمام في الدخول على عوض وافقه عليه جاز له ذلك ووجب عليه دفعه عليه (إليه خ) وإن كان خليفة الإمام ووافقه على عوض فاسد بطل المسمي ولزمه أجرة المثل. فأما غير الحرم من الحجاز فليس لأحد منهم دخوله بغير إذن الإمام ولا يحرم الاجتياز فيه لأنه لا دليل عليه فإن اجتاز فيها لم يمكن من المقام أكثر من ثلاثة أيام فإن انتقل من بلد إلى بلد في الحجاز وأقام في كل بلد ثلاثة أيام لم يمنع منه، وركوب بحر الحجاز لا يمنعون منه، وإن كان في بحر الحجاز جزاير وجبال منعوا من سكناها وكذلك حكم سواحل الحجاز لأنها في حكم البلاد. لا يجوز للحربي أن يدخل إلى دار الاسلام إلا بإذن الإمام، ويجوز أن يدخلها بغير إذنه لمصلحة من أداء رسالة أو عقد هدنة وما أشبه ذلك. وإن دخل بعضهم فلا يخلوا من أن يدخل بإذن أو بغير إذن فإن كان بغير إذن فإن لم يدع أنه دخل في رسالة أو أمان كان للإمام قتله واسترقاقه وسبي ماله لأنه حربي لا أمان له ولا عهد، وإن ادعى أنه دخل في رسالة أو أمان مسلم قبل قوله في الرسالة لأنها لا يمكن أن يعلم إلا من جهته فإن ادعى أنه دخلها بأمان من مسلم لا يقبل قوله لأنه يمكنه أن يقيم عليه بينة، وقيل: إنه يقبل قوله لأن الظاهر أن الحربي لا يدخل بلد الاسلام إلا بأمان، والأول أقوى.

(1) في بعض النسخ (للاجتياز).

[ 49 ]

فأما إن إستأذن في الدخول فإن كان في رسالة بعقد هدنة أو أمان إلى مدة ترك (1) بغير عوض، وإن كان لنقل ميرة إلى المسلمين بهم غنى عنها أو لتجارة لم يجز تركه إلا بعوض يشرط عليه حسب ما يراه الإمام من المصلحة سواء كان عشرا أو أقل أو أكثر. فإذا دخلوا بلد الاسلام فلا يجوز أن يظهروا منكرا كالخمر والخنازير وما أشبه ذلك. وأما أهل الذمة إذا اتجروا في ساير بلاد الاسلام ما عدا الحجاز لم يمنعوا من ذلك لأنه مطلق لهم، ويجوز لهم الإقامة فيها ما شاؤوا وأما الحجاز فلا يدخلون الحرم منه، على حال وما عداه على ما قدمناه في دخول أهل الحرب بلاد الاسلام في أكثر الأحكام فلا يجوز أن يدخلوها إلا بإذن فإن دخلوه بغير إذن عزروا ولا يقتلون ولا يسترقون كأهل الحرب لأن لهم ذمة وإن دخلوها بإذن نظر فإن كان لمصلحة المسلمين مثل رسالة لعقد ذمة أو هدنة أو نقل ميرة بالمسلمين حاجة إليها دخلوها بغير عوض، وإن كان بالمسلمين غنا فالحكم فيها وفي دخوله للتجارة واحد ليس له تمكينهم بغير عوض. فإذا دخل فلا يقيم الذمي في بلد من بلاد الحجاز أكثر من ثلاثة أيام، والحربي يقيم ببلاد الاسلام ما شاء. إذا دخل أهل الذمة الحجاز أو أهل الحرب دخلوا بلد الاسلام من غير شرط فإن للإمام أن يأخذ منهم مثل ما لو دخولها بإذن، وقيل ليس له أن يأخذ منهم شيئا وهو قوي لأن الأصل برائة الذمة، وقيل: إنهم يعاملون بما يعامل المسلمون إذا دخلوا بلاد الحرب سواء. إذا اتجر أهل الذمة في الحجاز فإنه يؤخذ منهم ما يجب عليهم في السنة مرة واحدة بلا خلاف، وأما أهل الحرب إذا اتجروا في بلاد الاسلام فالأحوط أن يؤخذ منهم في كل دفعة يدخلونها لأنهم ربما لا يعودون، وقيل: إنه لا يؤخذ منهم إلا في السنة دفعة واحدة، ويكتب لهم برائة إلى مثله من الحول لتبرء ذمتهم من المطالبة

(1) في بعض النسخ (نزل).

[ 50 ]

يكون وثيقة مدة ليعلم بذلك من يأتي بعده ويقوم مقامه. وأما نصارى تغلب وهم تنوخ ونهد وتغلب وهم من العرب انتقلوا إلى دين النصارى وأمرهم مشكل، والظاهر يقتضي أنه تجري عليهم أحكام أهل الكتاب لأنهم نصارى غير أن مناكحتهم وذبايحهم لا تحل بلا خلاف، وينبغي أن تؤخذ منهم الجزية، ولا تؤخذ منهم الزكاة لأن الزكاة لا تؤخذ إلا من مسلم، ومصرف الجزية مصرف الغنيمة سواء للمجاهدين، وكذلك ما يؤخذ منهم على وجه المعاوضة لدخول بلاد الاسلام، لأنه مأخوذ من أهل الشرك. فصل في ذكر المهادنة وأحكامها الهدنة والمعاهدة واحدة، وهو وضع القتال وترك الحرب إلى مدة من غير عوض، وذلك جايز لقوله تعالى (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) (1) ولأن النبي (صلى الله عليه وآله) صالح قريشا عام الحديبية على ترك القتال عشر سنين. فإذا ثبت جوازه فالكلام في فصلين: أحدهما: في بيان الموضع الذي يجوز ذلك فيه، والذي لا يجوز. والثاني: بيان المدة، وليس يخلوا الإمام من أن يكون مستظهرا أو غير مستظهر فإن كان مستظهرا وكان في الهدنة مصلحة للمسلمين ونظر لهم بأن يرجوا منهم الدخول في الاسلام أو بذل الجزية فعل ذلك، وإن لم يكن فيه نظر للمسلمين بل كانت المصلحة في تركه بأن يكون العدو قليلا ضعيفا وإذا ترك قتالهم اشتدت شوكتهم وقروا (2) فلا تجوز الهدنة لأن فيها ضررا على المسلمين. فإذا هادنهم في الموضع الذي يجوز فيجوز أن يهادنهم أربعة أشهر بنص القرآن العزيز وهو قوله تعالى (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) (3) ولا يجوز إلى سنة وزيادة

(1) الأنفال 61.
(2) في بعض النسخ (قووا).
(3) التوبة 2.

[ 51 ]

عليها بلا خلاف لقوله تعالى (فإذا إنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) (1) فاقتضى ذلك قتلهم بكل حال وخرج قدر الأربعة أشهر بدليل الآية الأولى وبقي ما عداه على عمومه فأما إذا كانت المدة أكثر من أربعة أشهر وأقل من سنة فالظاهر المتقدم يقتضي أنه لا يجوز، وقيل: إنه يجوز مثل مدة الجزية. فأما إذا لم يكن الإمام مستظهرا على المشركين بل كانوا مستظهرين عليه لقوتهم وضعف المسلمين أو كان العدو بالعبد منهم وفي قصدهم التزام مؤن كثيرة فيجوز أن يهادنهم إلى عشر سنين لأن النبي (صلى الله عليه وآله) هادن قريشا عام الحديبية إلى عشر سنين ثم نقضوها من قبل نفوسهم (2) فإن هادنهم إلى أكثر من عشر سنين بطل العقد فيما زاد على العشر سنين وثبت في العشر سنين، ولا بد من أن تكون مدة الهدنة معلومة فإن عقدها مطلقة إلى غير مدة كان العقد باطلا لأن إطلاقها يقتضي التأبيد وذلك لا يجوز في الهدنة فأما إن هادنهم على أن الخيار إليه (3) متى شاء نقض فإنه يجوز، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه فتح خيبر عنوة إلا حصنا منها فصالحوه على أن يقرهم بما شاء الله، (ما أقرهم الله خ ل) وروي أنه قال لهم: نقركم ما شئنا. والحربي إذا أراد أن يدخل بلد الاسلام رسولا " أو مستأمنا فإن كان لقضاء حاجة من نقل ميرة أو تجارة أو أداء رسالة ولم يطلب مدة معلومة جاز أن يدخل يوما ويومين وثلاثة إلى العشرة فإن أراد أن يقيم مدة فالحكم فيه كالحكم في الإمام إذا أراد أن يعقد الهدنة وهو مستظهر وكان في ذلك نظر للمسلمين فيجوز إلى أربعة أشهر على ما قدمناه بلا زيادة. إذا أراد الإمام ترك القتال والمواعدة على مال يبذله للمشركين فإن لم يكن مضطرا إلى ذلك لم يجز سواء كان من حاجة أو غير حاجة لقوله تعالى (حتى يعطوا

(1) التوبة 5.
(2) في بعض النسخ (أنفسهم).
(3) في بعض النسخ (له)

[ 52 ]

الجزية عن يد وهم صاغرون) (2) والجزية تؤخذ من المشركين صغارا. فلا يجوز أن يعطيهم نحن ذلك وإن كان مضطرا كان ذلك جايزا، والضرورة من وجوه: منها أن يكون أسيرا في أيديهم يستهان به ويستخدم ويسترق ويضرب فيجوز للإمام أن يبذل المال ويستنقذه من أيديهم لأن فيه مصلحة من استنقاذه نفسا مؤمنة من العذاب. ومنها أن يكون المسلمون في حصن وأحاط بهم العدو وأشرفوا على الظفر بهم أو كانوا خارجين من المصر وقد أحاط العدو بهم أو لم يحط لكنه ما كان مستظهرا عليهم فيجوز هيهنا أن يبذل المال على ترك القتال لأن النبي (صلى الله عليه وآله) شاور في مثل هذا عام الخندق وأراد أن يصالحهم على شطر ثمار المدينة حتى امتنع الأنصار من ذلك فثبت جوازه. فإذا أخذ المشركون هذا المال لم يملكوه فإن ظفر بهم فيما بعد كان مردودا إلى موضعة. إذا صالح أهل الذمة على ما لا يجوز المصالحة عليه مثل أن يصالحهم على أن لا تجري عليهم أحكامنا أو لا يمتنعوا من إظهار المناكير أو على أن لا يردوا ما يأخذونه من الأموال أو أن يرد إليهم من جاء من عبيدهم (2) مسلما مهاجرا أو يأخذ جزية أقل مما يحتمل حالهم وما أشبه ذلك كان كله باطلا، وعلى من عقد الصلح نقضه وإبطاله لأن النبي (صلى الله عليه وآله) عقد الصلح عام الحديبية على أن يرد إليهم كل من جاء مسلما مهاجرا فمنعه الله تعالى من ذلك ونهاه عنه بقوله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات) (3) الآية. فإذا ثبت هذا فكل من جاء من المشركين مسلما مهاجرا وكان قد شرط الإمام رد من جاء منهم فإنه إن كان له رهط وعشيرة يأمن أن يفتنوه عن دينه جاز له رده. فإن لم يكن له رهط وعشيرة ولا يأمن أن يفتن

(1) التوبة 29.
(2) في بعض النسخ (عندهم). 03) الممتحنة (10).

[ 53 ]

عن دينه لم يجز رده فإذا ثبت أنه لا يجب رد من لا عشيرة له لا يجب رد البذل عنه. وإذا وقعت الهدنة على وضع الحرب وكف النقض (1) عن البعض فجائتنا امرأة منهم مسلمة مهاجرة لا يجوز ردها بحال سواء كان شرط ردها أو لم يشرط، وسواء كان لها رهط وعشيرة أو لم يكن لأن رهطها وعشيرتها لا يمنعو [ ن‍ ] ها من التزويج بالكافر وذلك غير جايز وتفارق بذلك الرجل. فإذا ثبت أنها لا ترد فإن جاء غير زوجها يطلبها أما الأب أو الأخ أو العم أو الزوج ولم يكن أقبضها المهر فإنه لا يرد عليه شئ فإن جاء زوجها وكان قد دفع إليها مهرها وطالب بالمهر رد عليه لقوله تعالى (فلا ترجعوهن إلى الكفار) (2) ثم قال عز وجل (وآتوهم ما أنفقوا) وقد قال أكثر الفقهاء لا يرد لأن فوت البضع ليس بمال ولا في معنى المال، ولا يجب رده، وهذا قياس ونحن لا نترك الظهر للقياس فإذا ثبت أنه يرد المهر فجائتنا امرأة مهاجرة مسلمة نظر فإن كان غير الزوج أو الزوجة ولم يدفع المهر أو لم يسم المهر لا يرد عليه شئ لأن الله تعالى قال (وآتوهم ما أنفقوا) (3) وهذا ما أنفق، وإن كان قد سمى مهرا فاسدا وأقبضها كالخمر والخنزير وغيره لم يكن له المطالبة لأنه ليس بمال ولا قيمة له في شرعنا، وإن كان أقبضها مهرا صحيحا كان له المطالبة بما دفع إليها للآية هذا إذا قدمت إلى بلد الإمام أو بلد خليفته ومنع من ردها، وأما إذا قدمت إلى غير بلدهما فمنع غير الإمام وغير خليفته من ردها فلا يلزم الإمام أن يعطيهم شيئا سواء كان المانع من ردها العامة أو رجال الإمام لأن البذل يعطي الإمام من المصالح فلا يصرف غير الوالي فيه. وأما ما أنفقه في غير (4) المهر من نفقه عرس وكرامة فإنه لا يرد لأنه تطوع به. فإن قدمت مجنونة أو عاقلة فجنت لم يجب الرد لأنه ربما يكون قد أسلمت وجنت بعد الاسلام فلا يجوز ردها احتياطا، والمهر إن كانت جنت بعد إسلامها فله

(1) في بعض النسخ (البعض) (2) الممتحنة 10.
(3) الممتحنة 10.
(4) في بعض النسخ (من غير).

[ 54 ]

مهرها فإن لم يعلم كيف كان الأمر لم يعط شيئا من المهر لجواز أن يفيق فيقول: إنها لم تزل كافرة فيرد عليه ويتوقف عن الرد حتى يفيق وتبين أمرها، فإذا أفاقت سئلت فإن ذكرت أنها أسلمت أعطى المهر، وإن ذكرت أنها لم تزل كافرة ردت عليه فأما إن قدمت صغيرة فوصفت الاسلام فإنها لا ترد ولم يحكم بإسلامها لأنها إذا وصفت الاسلام رجونا أن تقيم عليه بعد بلوغها فإن ردت فتنوها عن دينها فإن جاء زوجها يطلبها أو يطلب المهر فهي لا ترد والمهر أيضا يتوقف عن رده حتى تبلغ فإن بلغت وأقامت على الاسلام رد المهر، وإن لم تقم ردت هي وحدها فإن قدمت مسلمة وجاء زوجها يطلبها فارتدت فإنها لا ترد عنه (1) لأنه حكم لها بالاسلام أولا ثم ارتدت فوجب عليها أن تتوب أو يفعل بها من الحبس ما يفعل بالمرتدة ويرد على زوجها المهر لأنا حلنا بينه وبينها. فإن جاء زوجها يطلبها فمات أو ماتت فإن كان مات أو ماتت قبل المطالبة فلا شئ له لأنا ما حلنا بينه وبينها، وإن مات بعد المطالبة استقر له المهر. فإن كانت الزوجة ماتت أعطى المهر لعموم الآية وإن كان الزوج مات فالمهر لورثته. فإن قدمت مسلمة فطلقها زوجها باينا أو خالعها قبل المطالبة بها لم يكن له المطالبة بالمهر لأن الزوجية قد زالت فزالت الحيلولة. فإن كان الطلاق رجعيا فراجعها عادت المطالبة بالمهر لأنها عادت زوجته. فإن قدمت مسلمة فجاء زوجها فأسلم نظر فإن أسلم في وقت يجتمعان فيه على النكاح بأن أسلم قبل انقضاء عدتها ردت إليه، وإن كان طالب بمهرها فأعطيناه كان عليه رده لأن المهر للحيولة وما حلنا بينهما. وإن أسلم بعد انقضاء عدتها لم يجمع بينهما. ثم ينظر فإن كان طالب بالمهر قبل انقضاء عدتها فمنعناه كان له المطالبة لأن الحيلولة حصلت قبل إسلامه، وإن لم يكن طالب قبل انقضاء العدة لم يكن له المطالبة بالمهر لأنه التزم حكم الاسلام، وليس من حكم الاسلام المطالبة بالمهر بعد البينونة، وهكذا إذا كانت غير مدخول بها وأسلم بعد ذلك لم يكن له المطالبة بالمهر لأنه أسلم بعد البينونة وحكم الاسلام

(1) في بعض النسخ (عليه).

[ 55 ]

يمنع من وجوب المطالبة في هذه الحال. فإن قدمت أمة مسلمة مهاجرة ولها زوج لم ترد عليه لأن إسلامها يمنع من ردها ويحكم بحريتها فإن جاء سيدها يطلبها فلا يجب ردها ولا قيمتها. فأما المهر فإن كان زوجها حرا فله المطالبة به، وإن كان عبدا فلسيده المطالبة به. إذا جاءت امرأة مسلمة فجاء زوجها فادعاها لم يثبت ذلك إلا بأحد سببين: إما بأن يشهد شاهدان مسلمان أنها زوجته أو تعترف المرأة بذلك. فأما قول المشركين وإن كثر عددهم فإنه لا يقبل. فإذا ادعى دفع المهر وطالب به فإنه يثبت بشاهدين وشاهد وامرأتين وشاهد ويمين لأن المال يثبت بهذه البينات الثلاث. فإن اختلفا في قدر المهر فلا ينظر إلى ما وقع به العقد، وإنما ينظر إلى ما وقع فيه القبض قليلا كان أو كثيرا لأن الواجب رد ما وقع القبض عليه فإن خالفته في ذلك كان القول قولها أنها ما قبضت إلا هذا القدر لأن الأصل ألا قبض فإن أعطيناه المهر بما ذكرنا فقامت البينة أن المقبوض كان أكثر كان له الرجوع بالفضل. وكل موضع يجب فيه رد المهر فإنه يكون ذلك من بيت المال المعد للمصالح. فأما رد الرجال فإنه إن شرط في عقد الهدنة أن نرد من جاءنا من الرجال نظر فإن شرط رد من له رهط وعشيرة جاز ذلك لأنه لا يخاف أن يفتن عن دينه، وإن شرط رد من لا عشيرة له كان الصلح فاسدا لأنه صلح علي ما لا يجوز. فإن أطلق رد الرجال ولم يفصل كان الصلح باطلا فاسدا لأنه صلح على ما لا يجوز ولأن إطلاقه يقتضي رد الجميع وذلك باطل فإذا بطل الصلح لم نرد من جاءنا منهم رجلا كان أو امرأة ولا يرد البذل عنها بحال لأن البذل استحق بشرط وهو مفقود هيهنا كما لو جاءنا من غير هدنة. وإذا رد من له عشيرة فمعنى الرد أن لا يكرهه على الرجوع ولا يمنعه أن اختار ذلك فيقول لك في الأرض مراغم كثيرة وسعة ولا يمنع منه من جاء ليرده ويوصيه أن يهرب فإذا هرب منهم ولم يكن في قبضة الإمام لم يتعرض له فإن أبا

[ 56 ]

بصير جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فرده فهرب منهم وأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: وفيت لهم ونجاني الله منهم فلم يرده ولم يعب ذلك عليه وتركه، وكان في طريق الشام يقطع على قريش حتى سئلوا النبي أن يضمه إليه. فإن قدم علينا مملوك لهم مسلما صار حرا فإن جاء سيده يطلبه لم يجب رد ثمنه لأنه صار حرا بالاسلام، ولا دليل على وجوب رد ثمنه. فإن جاء صغير فوصف الاسلام لم يرد لجواز أن يقيم على وصفه بعد البلوغ، وكذلك إن كان عندنا لم يرد إليهم بل يترك الصبي حتى يبلغ فإن وصف الاسلام وإلا أمرنا بالانصراف، وهكذا المجنون بعد الإفاقة سواء. لا يجوز لأحد أن يعقد عقد الهدنة والكف عن القتال لأهل إقليم أو صقع من الأصقاع إلا الإمام أو من يقوم مقامه بأمره وأما عقد الأمان لآحادهم والنفر اليسير منهم فإنه يجوز لآحاد المسلمين على ما مضى في كتاب الجهاد. فإن خالف غير الإمام من آحاد الأمة وعقد الهدنة لإقليم كانت الهدنة باطلة فكل من جاءنا بعد ذلك كان بمنزلة من جاء منهم، وليس بيننا وبينهم عقد، وإذا عقد الإمام الهدنة إلى مدة ومات وقام غيره مقامه لم يكن له نقض تلك الهدنة إلى انقضاء مدتها. إذا نزل الإمام على بلد وعقد معهم صلحا على أن يكون البلد لهم ويضرب على أرضهم خراجا يكون بقدر الجزية ويلتزمون أحكامنا ويجريها عليهم كان ذلك جايزا ويكون ذلك جزية ولا يحتاج إلى جزية الرؤوس. فمن أسلم منهم سقط ما ضربه على أرضه من الصلح وصارت الأرض عشيرة، فإن شرط عليهم أن يأخذ منهم العشر من زرعهم على أنه متى قصر ذلك عن أقل ما يقتضي المصلحة أن يكون جزية كان جايزا، وكذلك إن غلب في ظنه أن العشر وفى للجزية كان جايزا وإن غلب في ظنه أن الشعر لا يفي بما يوجب المصلحة من الجزية لا يجوز أن يعقد عليه، وإن أطلق ولا يغلب في ظنه الزيادة أو النقصان فالظاهر من المذهب أنه يجوز لأن ذلك من فروض الإمام واجتهاده فإذا فعله دل على صحته لأنه معصوم.

[ 57 ]

فصل: في تبديل أهل الجزية (الذمة خ ل) دينهم من كان مقيما على دين ببذل الجزية فدخل في غير دينه وانتقل إليه لم يخل إما أن ينتقل إلى دين يقر أهله عليه ببذل الجزية أو دين لا يقر عليه أهله. فإن انتقل إلى دين يقر عليه أهله كاليهودي ينتقل إلى النصرانية أو المجوسية فظاهر المذهب يقتضي أنه يجوز أن يقر عليه لأن الكفر عندنا كالملة الواحدة، ولو قيل: إنه لا يقر عليه لقوله تعالى (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) (1) ولقوله (عليه السلام): من بدل دينه فاقتلوه، وذلك عام إلا من أخرجه الدليل كان قويا، وإذا قلنا بالظاهر من المذهب وانتقل إلى بعض المذاهب أقر على جميع أحكامه، وإن انتقل إلى مجوسية فمثل ذلك غير أن على أصلنا لا يجوز مناكحتهم بحال، ولا أكل ذبايحهم، ومن أجاز أكل ذبايحهم من أصحابنا ينبغي أن يقول: إن انتقل إلى اليهودية والنصرانية أكل ذبيحته، وإن انتقل إلى المجوسية لا يؤكل ولا يناكح، وإذا قلنا: لا يقر على ذلك وهو الأقوى عندي فإنه يصير مرتدا عن دينه ويطالب. إما أن يرجع إلى الاسلام أو إلى الدين الذي خرج منه ولو قيل: إنه لا يقبل منه إلا الاسلام أو القتل (ل‍) كان قويا للآية والخبر فعلى هذا إن لم يرجع (إلا) إلى الدين الذي خرج منه قتل ولم ينفذ إلى دار الحرب لأن فيه تقوية لأهل الحرب وتكثيرا لعددهم. وأما إذا انتقل إلى دين لا يقر عليه أهله كالوثنية فإنه لا يقر عليه والأقوى أنه لا يقبل منه إلا الاسلام، وعلى ما تقدم إن رجع إلى ما خرج منه أقر عليه، وكذلك إن رجع إلى دين يقر عليه والأول أحوط. فإن أقام على الامتناع فحكمه ما قدمناه من وجوب القتل عليه. وأما أولاد فإن كانوا كبارا أقروا على دينهم ولهم حكم نفوسهم وإن كانوا صغارا

(1) آل عمران 85.

[ 58 ]

نظر في الأم فإن كانت على دين يقر عليه أهله ببذل الجزية أقر ولده الصغير في دار الاسلام سواء ماتت الأم أو لم تمت، وإن كانت على دين لا يقر عليه أهله كالوثنية وغيرها فإنهم يقرون أيضا لما سبق لهم من الذمة والأم لا يجب عليها القتل. فصل: في نقض العهد إذا عقد الإمام لعدة من المشركين عقد الهدنة إلى مدة فعليه الوفاء بموجب ذلك إلى انقضاء المدة لقوله تعالى (أوفوا بالعقود) (1) وعليهم أيضا الوفاء بذلك فإن خالف جميعهم في ذلك انتقضت الهدنة في حق الجميع وإن وجد من بعضهم نظر في الباقين فإن لم يكن منهم إنكار بقول أو فعل ظاهر أو اعتزال بلادهم أو مراسلة الإمام بأنهم على خلف كان ذلك نقضا للهدنة في حق جميعهم، وإن كان فيهم إنكار لذلك كما بيناه كان الباقون على صلحه دون الناقضين لأن النبي (صلى الله عليه وآله) صالح قريشا فدخل في صلحه خزاعة وفي صلحهم بنو بكر. ثم إن بني بكر قاتلوا خزاعة وأعانهم قوم من قريش وأعارهم السلاح فنقض رسول الله (صلى الله عليه وآله) الهدنة وسار إليهم ففتح مكة. وأما إذا أنكر الباقون فالهدنة ثابتة في حقهم لأنه لا يضيع لهم فيما فعله فإذا ثبت هذا فكل موضع حكمنا أن الهدنة زالت في حق الكل فإنهم يصيرون بمنزلة أهل الحرب الذين لم يعقد لهم هدنة، وللإمام أن يسير إليهم ويقاتلهم، وكل موضع حكمنا بنقضها في حق بعض دون بعض نظر فإن اعتزلوا وفارقوا بلادهم سار الإمام إلى الناقضين وقاتلهم على ما ذكرناه، وإن لم يعتزلوهم ولم يميزهم الإمام لم يكن للإمام أن يسير إليهم ليلا ولا يبيتهم لكن يميزهم ثم يقاتل الباقين فإن عرفهم فذاك وإن أشكل عليه فالقول قولهم لأنه لا يتوصل إليه إلا من جهتهم. إذا خاف الإمام من المهادنين خيانة جاز له أن ينقض العهد لقوله تعالى (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) (2) ولا تنقض الهدنة بنفس الخوف بل للإمام

(1) المائدة 1.
(2) الأنفال 58.

[ 59 ]

نقضها فإذا نقضها ردهم إلى مأمنهم لأنهم دخلوا إليه من مأمنهم فكان عليه ردهم إليه، وإذا زال عقد الهدنة لخوف الإمام نظر فيما زال به فإن لم يتضمن وجوب حق عليه مثل أن آوى لهم عينا أو عاون رده إلى مأمنه ولا شئ عليه فإن كان ذلك يوجب حقا نظر فإن كان حقا لآدمي كقتل نفس وإتلاف مال استوفى ذلك منه، وإن كان حقا لله محضا كحد الزنا وشرب الخمر لم يقم عليه بلا خلاف عند الفقهاء، وعندي أنه يجب أن يقيم عليه الحدود لعموم الآي وإن كان حقا مشتركا مثل السرقة قطعه. قد بينا فيما تقدم أن على الإمام أن يغزو كل سنة أقل ما يجب عليه وإن كان أكثر من ذلك كان أفضل، ولا يجوز ترك ذلك إلا لضرورة: منها أن يقل عدد المسلمين ويكثر المشركون فإنه يجوز تأخيره، ويجوز أيضا إذا توقع مجئ مدد فيقوي بهم أو يكون الماء والعلف متعذرا في طريقه فيجوز تأخيره حتى يتسع أو يرجوا أن يلسم منهم قوم إذا بدأهم بالقتال لم يسلموا ولهذا أخر النبي (صلى الله عليه وآله) قتال قريش لهدنة وأخر قتال أسد وطي ونمير بلا هدنة فثبت جوازه. وإذا عقد الذمة للمشركين كان عليه أن يذب عنهم كل من لو قصد المسلمين لزمه أن يذب عنهم. ولو عقد الهدنة لقوم منهم كان عليه أن يكف عنهم من تجرى عليه أحكامنا من المسلمين وأهل الذمة وليس عليه أن يدفع عنهم أهل الحرب ولا بعضهم عن بعض، والفرق بينهما أن عقد الذمة يقتضي أن تجري عليهم أحكامنا وكانوا كالمسلمين والهدنة عقد أمان لا تتضمن جري الأحكام فاقتضى أن يأمن من جهته من يجري عليه حكم الإمام دون غيره. فإذا ثبت هذا فليس يخلو حالهم من أربعة أحوال: إما أن يكونوا في جوف بلاد الاسلام أو في طرف بلاد الاسلام أو بين بلاد الاسلام وبلاد الحرب أو في جوف بلاد الحرب. فإن كانوا في جوف بلاد الاسلام كالعراق ونحوها أو في طرف بلاد الاسلام فعليه أن يدفع عنهم لأن عقد الذمة اقتضى ذلك فإن شرط ألا يدفع عنهم لم يجز لأنه إن لم يدفع عنهم يحطى إلى دار الاسلام، وإن كانوا بين بلاد الاسلام وبلاد أهل

[ 60 ]

الحرب أو في جوف دار الحرب فعليه أن يدفع عنهم إذا أمكنه ذلك لأن عقد الذمة اقتضى هذا. فإن شرط في عقد الذمة أن لا يدفع عنهم أهل الحرب لم يفسد العقد لأنه ليس في ذلك تمكين أهل الحرب من دار الاسلام. فإذا ثبت هذا فمتى قصدهم أهل الحرب ولم يدفع عنهم حتى مضى حول فلا جزية عليهم لأن الجزية تستحق بالدفع، وإن سباهم أهل الحرب فعليه أن يسترد ما سبي منهم من الأموال لأن عليه حفظ أموالهم فإن كان في جملته خمرا وخنزير لم يلزمه ولا عليه أن يستنقذ ذلك منهم لأنه لا يحل إمساكه فإذا أخذ الجزية منهم أخذها كما يأخذ غيرها ولا يضرب منهم أحدا ولا ينلهم بقول قبيح، والصغار إن يجري عليهم الحكم لا أن يضربوا. فصل: في الحكم بين المعاهدين والمهادنين لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما نزل المدينة وادع يهودا كافة على غير جزية، والموادعة والمهادنة شئ واحد منهم بنو قريظة والنضير والمصطلق لأن الاسلام كان ضعيفا بعد وفيهم نزل قوله تعالى (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) (1) فإذا تحاكم أهل الذمة [ الهدنة خ ل ] إلينا لم يجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل هو بالخيار في ذلك فأما أهل الذمة فالحكم فيهم أيضا مثل ذلك، وقد روى أصحابنا أنهم إذا تحاكموا إلى حاكم المسلمين حملهم على حكم الاسلام. وأهل الذمة إذا فعلوا ما لا يجوز في شرع الاسلام نظر فيه فإن كان غير جايز في شرعهم أيضا كما لو زنوا أو لاطوا أو سرقوا أو قتلوا أو قطعوا (2) كان الحكم في ذلك كالحكم بين المسلمين في إقامة الحدود لأنهم عقدوا الذمة بشرط أن تجرى عليهم أحكام المسلمين، وإن كان ذلك مما يجوز في شرعهم مثل شرب الخمير ولحم الخنزير ونكاح ذوات المحارم فلا يجوز أن يتعرض لهم ما لم يظهروه ويكشفوه لأنا نقرهم عليه ونترك التعرض لهم

(1) المائدة 42.
(2) في بعض النسخ (كزنا واللواط والقتل والقطع).

[ 61 ]

فيه لأنهم عقدوا الذمة وبذلوا الجزية على هذا. فإن أظهروا ذلك وأعلنوه منعهم الإمام وأدبهم على إظهاره، وقد روى أصحابنا أنه يقيم عليهم الحدود بذلك وهو الصحيح. إذا جاءنا نصراني قد باع من مسلم خمرا أو اشترى من مسلم خمرا أبطلناه بكل حال تقابضا أو لم يتقابضا ورددنا الثمن إلى المشتري فإن كان مسلما استرجع الثمن وأرقنا الخمر لأنا لا نقضي على المسلم برد الخمر وجوزنا إراقتها لأن الذمي عصى بإخراجها إلى المسلم فأريقت عليه، وإن كان المشتري المشرك رددنا إليه الثمن ولا نأمر الذمي برد الخمر بل نريقها لأنها ليست كمال الذمي. يكره للمسلم أن يقارض النصراني أو يشاركه لأنه ربما يشتري ما ليس بمباح في شرعنا فإن فعل صح القراض لأن الظاهر أنه لا يفعل إلا المباح، وينبغي إذا دفع إليه المال أن يشترط ألا يتصرف إلا فيما هو مباح في شرعنا لأن الشرط يمنع من ذلك لكن يلزمه الضمان متى خالف. فإذا دفع عليه [ إليه خ ل ] المال لم يخل إما أن يشترط أو لا يشترط فإن شرط عليه ذلك فابتاع خمرا أو خنزيرا فالابتياع باطل سواء ابتاعه بعين المال أوفي الذمة لأنه خالف الشرط فلا يجوز أن يقبض الثمن فإن قبضه فعليه الضمان، وإن دفع إليه المال مطلقا فابتاع ما لا يجوز ابتياعه فالبيع باطل فإن دفع الثمن فعليه الضمان أيضا لأنه ابتاع ما ليس بمباح عندنا وإطلاق العقد يقتضي أن يبتاع لرب المال ما يملكه رب المال فإذا خالف فعليه الضمان. وأما استرجاع المال عند المفاضلة فإنه ينظر فإن كان رب المال علم أنه ما يصرف إلا في مباح فعليه قبض ماله منه، وإن علم أنه يصرف في محظور أو خالطه محظور حرم عليه أن يقبض منه، وإن أشكل كره لكنه جايز. وإذا أكرى نفسه من ذمي فإن كانت الاجارة في الذمة صح لأن الحق ثابت في ذمته فإن كانت معينة فإن استأجره ليخدمه شهرا أو يبني له شهرا صح أيضا ويكون أوقات العبادات مستثناة منها.

[ 62 ]

فإن أوصى بعبد مسلم لمشرك لم يصح لأن المشرك لا يملك المسلم، وقد قيل: إنه يملكه إذا قبل الوصية ويلزم رفع اليد عنه كما لو ابتاعه والأول أوضح، وعلى الوجه الثاني أنه إن أسلم وقبل الوصية صح وملكه بعد موت الموصي وعلى الوجه الأول لا يملك، وإن أسلم صح وملكه لأن الوصية وقعت في الأصل باطلة. فأما إذا أوصى مسلم أو مشرك لمشرك بعبد مشرك فأسلم العبد قبل موت الموصي ثم مات فقبله الموصى له فإنه لا يملكه، وقيل: إنه يملكه ويلزم رفع يده عنه بالبيع والأول أوضح لأن الاعتبار في الوصية حال اللزوم وهي حالة الوفاة. والمشرك ممنوع من شراء المصاحف إعزازا للقرآن فإن اشترى لم يصح البيع وفي الناس من قال يملكه ويلزم الفسخ والأول أصح، وهكذا حكم الدفاتر التي فيها أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآثار السلف وأقاويلهم حكمها حكم المصاحف سواء، وأما كتب الشعر والأدب واللغة ونحو ذلك فشراؤها جايز لأنه لا حرمة لها. إذا أوصى أن يبنى كنيسة أو بيعة أو موضع لصلوة أهل الذمة فالوصية باطلة لأن ذلك معصية والوصية بمعصية الله باطلة بلا خلاف، وكذلك إن أوصى أن يستأجر به خدما للبيعة والكنيسة ويعمل به صلبانا أو يستصبح به أو يشتري أرضا فتوقف عليها أو ما كان في هذا المعنى كانت الوصية باطلة لأنها إعانة على معصية. ويكره للمسلم أن يعمل بناء أو تجارة أو غيره في بيعهم وكنايسهم التي تتخذونها لصلاتهم فأما إذا أوصى ببناء بيت أو كنيسة لمار الطريق والمجتاز منهم أو من غيرهم أو وقفها على قوم يسكنونها أو جعل كراها للنصارى أو لمساكينهم جازت الوصية لأنه ليس في شئ من ذلك معصية إلا أن يبنى لصلواتهم وكذلك إذا أوصى للرهبان والشمامسة (1) جازت الوصية لأنه صدقة التطوع عليهم جايزة.

(1) الشماس كشداد من رؤوس النصارى دون القسيس. هكذا في هامش المطبوع

[ 63 ]

إذا أوصى بشئ يكتب به التورية والانجيل والزبور وغير ذلك من الكتب القديمة فالوصية باطلة لأنها كتب مغيرة مبدلة قال الله تعالى " يحرفون الكلم عن مواضعه " (1) وقال عز وجل " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله " (2) وهي أيضا منسوخة فلا يجوز نسخها لأنها معصية والوصية بها باطلة. فإن أوصى أن يكتب طب أو حساب ويوقف جاز لأن في ذلك منافع مباحة والوصية بها جايزة.

(1) - المائدة 13 (2) - البقرة 79

[ 64 ]

كتاب قسمة الفئ والغنايم فصل: في حقيقة الفئ والغنيمة ومن يستحقها الفئ مشتق من فاء يفئ إذا رجع، والمراد به في الشرع فيما قال الله تعالى " ما أفاء الله على رسوله " (1) الآية ما حصل ورجع عليه من غير قتال ولا ايجاف بخيل ولا ركاب فما هذا حكمه كان لرسوله خاصة، وهو لمن قام مقامه من الأئمة (عليهم السلام) ليس لغيرهم في ذلك نصيب، وقد ذكرنا ذلك في كتاب قسمة الصدقات. وأما الغنيمة فمشتقة من الغنم، وهو ما يستفيده الانسان بساير وجوه الاستفادة سواء كان برأس مال أو غير رأس مال، وعند الفقهاء أنه عبارة عما يستفاد بغير رأس مال. فإذا ثبت ذلك فالغنيمة على ضربين: أحدهما: ما يؤخذ من دار الحرب بالسيف والقهر والغلبة. والآخر ما يحصل من غير ذلك من الكنوز والمعادن والغوص وأرباح التجارات وغير ذلك مما ذكرناه في كتاب الزكاة في باب ما يجب فيه الخمس فيما يؤخذ من دار الحرب يخرج منه الخمس سواء كان مما يمكن نقله إلى بلد الاسلام أو لا يمكن فيقسم في أهله الذين ذكرناهم هناك، والأربعة أخماس الباقي على ضربين: فما يمكن نقله إلى بلد الاسلام بين الغانمين على ما سنبينه، وما لا يمكن نقله إلى بلد الاسلام من الأرضين والعقارات فهو لجميع المسلمين على ما بيناه في كتاب الجهاد، ويكون للإمام النظر فيها وصرف ارتفاعها إلى جميع المسلمين وإلى مصالحهم ويبدء بالأهم فالأهم. وما يؤخذ بالفزعة مثل أن ينزل المسلمون على حصين فهرب أهله ويتركون أموالهم فيها فزعا منهم فإنه يكون من جملة الغنايم التي تخمس والأربعة أخماس للمقاتلة، وقد قيل: إن ذلك من جملة الفئ لأن القتال ما حصل فيه وهو الأقوى. والغنيمة كانت محرمة في الشريعة المتقدمة وكان يجمعون الغنيمة فتنزل

(1) الحشر (7)..

[ 65 ]

النار من السماء فتأكلها ثم أنعم الله تعالى على النبي (صلى الله عليه وآله) فجعلها له خاصة بقوله " يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول (1) " وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: أحل لي الخمس لم يحل لأحد قبلي، وجعلت لي الغنايم، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يقسم الغنيمة أولا لمن يشهد الوقعة لأنها كانت له خاصة، ونسخ بقوله " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " (2) الآية فأضاف المال إلى الغانمين ثم انتزع الخمس لأهل السهمان فبقي الباقي على ملكهم وعليه الجماع. والغنيمة تقسم خمسة أقسام. فالخمس يقسم ستة أقسام: سهم لله، وسهم لرسوله، وسهم لذي القربى فهذه الثلاثة أسهم للإمام القايم مقامه اليوم، وفي أصحابنا من قال: يقسم الخمس خمسة أقسام: سهمان للرسول أو للإمام، والثلاثة أسهم الباقي لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل الرسول خاصة لا يشركهم فيها أحد وعلى الإمام أن يقسم ذلك بينهم على قدر حاجتهم ومؤونتهم من قلة وكثرة فإن نقص شئ عن كفاياتهم كان عليه أن يتمه من نصيبه وإن فضل كان له، وقد بيناه فيما مضى من كتاب قسمة الصدقات والأخماس. فأما ما كان للنبي صلى الله عليه وآله خاصة من أملاكه وأمواله فهو لورثته لأزواجه من ذلك الثمن والباقي لبنته عليها السلام النصف بالتسمية والباقي بالرد وكان صلى الله عليه وآله موروثا وكان للنبي صلى الله عليه وآله الصفايا وهو ما اختاره من الغنيمة قبل القسمة من عبد أو ثوب أو دابة فيأخذ من ذلك ما يختاره ولم يقسم عليه بلا خلاف، وهو عندنا لمن قام مقامه من الأئمة عليهم السلام. وأما ما يؤخذ من الجزية والصلح والأعشار فإنه بخمس لأنه من جملة الغنايم على ما فسرناه. وأما ميراث من لا وارث له، ومال المرتد إذا لم يكن له وارث مسلم فهو للإمام خاصة.

(1) الأنفال 1.
(2) الأنفال 41.

[ 66 ]

وأما الخراج فهو لجميع المسلمين فإن كان قد خمست الأرضون لا يخمس وإن كانت لم تخمس خمس، والباقي للمسلمين مصروف في مصالحهم. فصل: في حكم السلب السلب لا يختص السالب إلا بأن يشرط له الإمام فإن شرطه له كان له خاصة ولا يخمس عليه، وإن لم يشرط كان غنيمة، والنفل هو أداء بشرط بقول الإمام: في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث، والأولى أن نقول: إذا شرط الإمام ذلك استحقه ولا تخمس عليه، والسلب إنما يستحقه على ما قلناه إذا قتل في حال القتال فأما إذا قتله وقد ولو الدبر فإنه لا يستحقه إلا أن يكون قد شرط الإمام له ذلك فيستحقه حينئذ و يستحق السلب بشروط: أحدها: أن يقتل المشرك والحرب قايمة فإذا قتله في هذا الحال أخذ سلبه سواء قتله مقبلا أو مدبرا. فأما إن قتله وقد ولو الدبر والحرب غير قايمة فلا سلب له ويكون غنيمة، ويحتاج أن يعزر بنفسه مثل أن يبادر (1) إلى صف المشركين أو إلى مبارزة من يبارزهم فيكون له السلب فإن لم يعزر بنفسه مثل أن رمى سهما في صف المشركين من صف المسلمين فقتل مشركا لم يكن له سلبه، وينبغي أن لا يكون مجروحا مثخنا بل يكون قادرا على القتال فإذا قتله يكون له سلبه. وأما صفة القاتل الذي يستحق السلب فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون ذا سهم من الغنيمة أو غير ذي سهم. فإن كان ذا سهم كان السلب له، وإن كان غير ذي سهم لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون لا سهم له لارتياب به أو لنقص فيه فإن كان لا سهم له إما بأن يكون كافرا أو لارتياب فيه كالمخدل (2) مثل عبد الله بن أبي كان يقول: الحرب تدور ولا يقد على الخروج ومثل ذلك في العدو كثيرة فهذا لا يسهم له ولا يستحق السلب لأن هذا ما عاون المسلمين بل عاون عليهم، وإن كان لا يسهم له لنقص فيه مثل المجنون والمرأة فالأولى أن نقول: إن له سلبه لعموم قوله: من قتل كافرا فله سلبه.

(1) في بعض النسخ (يبارز) * (2) في بعض النسخ (كالمخذل).

[ 67 ]

وأما الصبي فله سهم فيستحق السلب. وأما المقتول فينظر فإن كان من المقاتلة فالقاتل يستحق سلبه سواء قاتله المسلم وهو يقاتل أو لا يقاتل بعد أن يكون من المقاتلة، وإن لم يكن من المقاتلة مثل أن يكون صبيا أو امرأة نظرت فإن كانت تقاتل مع المشركين فقتلها المسلم كان له سلبها لأن قتلها مباح في هذه الحال، وإن قتلها من غير أن تعاون المشركين فلا يستحق السلب لأن قتلها محظور. فإذا ثبت أن السلب يستحقه القاتل بالشروط التي ذكرناها فإن قتله واحد كان السلب له، وإن قتله اثنان كان لهما مثل أن جرحاه فمات من جرحهما أو ضرباه فقتلاه. فإن جرحه أحدهما وقتله آخر نظرت فإن كان الأول بجرحه لم يصر ممتنعا كان السلب للقاتل، وإن كان الأول صيره ممتنعا بجرحه كان السلب له مثل أن قطع واحد يديه ورجليه ثم قتله آخر كان السلب للأول لأنه صيره زمنا قتيلا، وإن قطع إحدى يديه وإحدى رجليه وقتله آخر فالسلب للثاني لأنه قادر على الامتناع والسلب للقاتل، وإذا قطع يديه أو رجليه وقتله آخر فالسلب للثاني لأنه القاتل ولأن بقطع اليدين يمتنع بالرجلين بأن يعدو، وبقطع الرجلين يمتنع باليدين بأن يقاتل بهما ويرمي. وأما السلب الذي يستحقه القاتل فكل ما كان يده عليه وهو جنة للقتال أو سلاح كان له مثل الفرس والبيضة والخوذة والجوشن والسيف والرمح والدرقة والثياب التي عليه فإن جميع ذلك كله له وما لم يكن يده عليه مثل المضرب والرحل والجنايب التي تساق خلفه وغير ذلك فإنه يكون غنيمة ولا يكون سلبا وما كان يده عليه وليس بجنة للقتال مثل المنطقة والخاتم والسوار والطوق والنفقة التي معه فالأولى أن نقول: إنه له لعموم الخبر. فأما إذا أسر المسلم كافرا فقد قلنا: إن كان قبل تقضي الحرب كان الإمام مخيرا بين قتله وقطع يديه ورجليه، وليس له أخذ الفداء منه وإن أسر بعد تقضي القتال فهو مخير بين المن والاسترقاق والفداء. فإن استرقه أو فاداه بمال كان للغانمين دون الذي

[ 68 ]

أسره لأنه لم يقتله، والنبي صلى الله عليه وآله جعل السلب لمن قتل وقيل: إن السلب له لأنه لو أراد قتله قتله، وإنما حمله إلى الإمام فالأسر أعظم من القتل، والأول أصح. فصل في ذكر النفل وأحكامه النفل هو أن يجعل الإمام لقوم من المجاهدين شيئا من الغنيمة بشرط مثل أن يقول: من تولى السرية فله كذا. ومن دلني على القلعة الفلانية فله كذا، ومن قتل فلانا من البطارقة فله كذا فكل هذا نفل بحركة الفاء، ويقال بسكونها وهو مشتق من النافلة وهي الزيادة، ومن هذا سميت نوافل الصلوات الزايدة على الفرايض وهو جايز عندنا ويستحقه زايدا علي السهم الراتب له، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث سرية قبل نجد فيها ابن عمر فغنموا إبلا كثيرة فكان سهامهم اثني عشر بعيرا فنفلهم رسول الله صلى الله عليه وآله بعيرا بعيرا، وروى حبيب بن مسلمة القهري قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد نفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث. وينبغي للإمام أن ينفل إذا كثر عدد المشركين واشتدت شوكتهم وقل من بإزائهم من المسلمين ويحتاج إلى سرية وإن يكمن كمينا ليحتفظ به المسلمين، وإذا لم يكن به حاجة لم يجز أن ينفل لأن النبي صلى الله عليه وآله غزا غزوات كثيرة لم ينفل فيها ونفل في بعضها عند الحاجة. فإذا ثبت جوازه فذلك موكول إلى ما يراه الإمام ويؤدي إليه اجتهاده قليلا كان أو كثيرا ولا يتقدر بقدر لأن النبي صلى الله عليه وآله جعل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث لما رأى ذلك مصلحة، ومعنى البدأة السرية الأولى التي يبعثها إلى دار الحرب إذا أراد الخروج إليهم، والرجعة هي السرية الثانية التي يبعثها بعد رجوع الأولة وقيل: إن الرجعة هي السرية التي يبعثها بعد رجوع الإمام إلى دار الاسلام، والبدأة لا خلاف فيها. والنفل يكون إما بأن ينفل الإمام من سهم نفسه الذي هو الأنفال والفئ وإن جعل ذلك من الغنيمة جاز، والأولى أن يجعله من أصل الغنيمة، وقيل: إنه يكون من أربعة أخماس المقاتلة إذا قال الإمام قبل لقاء العدو: من أخذ شيئا من الغنيمة فهو له بعد الخمس

[ 69 ]

كان جايزا لأنه معصوم فعله حجة وفيه خلاف. فصل: في أقسام الغنيمة الغنيمة على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يكون ما لا يمكن نقله وتحويله إلى دار الاسلام مثل الدنانير والدراهم والأثاث وغير ذلك. وثانيها: ما يكون أحسابا مثل النساء والولدان. وثالثها: ما لا يمكن نقله ولا تحويله مثل الأرضين والعقارات والشجر والبساتين. فما ينقل ويحول يخرج منه الخمس فيكون لأهله، والأربعة أخماس يقسم بين الغانمين بالسوية لا يفضل راجل على راجل، ولا فارس على فارس، وإنما يفضل الفارس علي الراجل علي ما نبينه، ولا يجوز أن يعطى منها من لم يحضر الوقعة. فأما النساء والولدان إذا سبوا فإنهم يرقون بنفس السبي من غير أن يسترقوا ويملكهم من الغانمين في الوقت الذي يملكون الأموال التي قدمناها التي تحول و تنقل، ولا يجوز قتلهم بحال لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان. فأما الرجال البالغون المأسورون فقد بينا أنهم على ضربين: ضرب أسروا قبل أن تضع الحرب أوزارها، والآخر من يؤسر بعد ذلك. فالأول الإمام مخير بين القتل و قطع الأيدي والأرجل وتركهم حتى ينزفوا، والقسم الآخر مخير بين ثلاثة أشياء بين الاسترقاق والمن والمفاداة تخييرا شرعيا لكن يعمل من ذلك ما هو الأصلح للمسلمين وأما ما لا ينقل ولا يحول من العقار والدور فإنها لجميع المسلمين من حضر القتال ومن لم يحضر ويكون الناظر فيه الإمام ولا بد من إخراج الخمس منه، وهو مخير بين إخراج الخمس منها فيجعلها لأرباب الخمس خاصه، وبين أن يتركها ويخرج الخمس من الارتفاع أي ذلك فعل فقد جاز فأما حكم سواد العراق وهو ما بين الموصل وعبادان طولا وحلوان والقادسية عرضا فقد بينا الكلام فيه فلا معنى لإعادته، وكذلك حكم ما يفتح عنوة ويؤخذ قهرا بالسيف والغلبة.

[ 70 ]

فصل: في كيفية قسمة الغنيمة الغنيمة إذا جمعت فأول ما يبتدء الإمام بها أن يعطي السالب سلب المقتول إذا كان شرطه له على ما مضى القول لأن حقه معين. ثم يعزل بعد ذلك ما يحتاج إليه الغنيمة من الانفاق عليه كأجرة الحفاظ والبقال وغير ذلك من المؤن لأن ذلك من مصلحة الغنيمة ثم يرضخ من أصل الغنيمة لأهل الرضخ وهم ثلاثة: العبيد والكفار والنساء لأن هؤلاء لا سهم لهم. فأما الصبيان فلهم سهم مثل الرجال، والرضخ أن يعطي الإمام كل واحد منهم ما يراه من المصلحة في الحال ثم يعزل الخمس لأهله والأربعة أخماس للغانمين فيبتدء بقسمتها بينهم ولا يؤخر قسمة ذلك وإن كانوا في دار الحرب لأن أهلها حاضرون، وأهل الخمس إن كانوا حاضرين قسمه فيهم، وإن لم يكونوا حاضرين أخر ذلك إلى العود وقد قلنا: إن الذي لهم الرضخ ثلاثة العبيد سواء خرجوا بإذن سيدهم أو بغير إذنهم فإنه لا سهم لهم. وأما الكفار فلا سهم لهم لأنهم إن قاتلوا بغير إذن الإمام فلا سهم لهم ولا إرضاخ، وإن قاتلوا معه بأمره فإنه يرضخ لهم إن شاء ولا سهم لهم والإرضاخ يجوز أن يكون من أصل الغنيمة وهو الأولى، وإن أعطاهم من ماله خاصة من الفئ والأنفال كان له وقال قوم: إنه يكون من أربعة أقسام المقاتلة، والأول أصح لأنه لمصلحة الغنيمة لأنهم يعينونه. وأما خمس الخمس فهو للإمام خاصة مع سهمين آخرين على ما قدمناه فيصير نصف الخمس له. فإن أرضخ لهم من ذلك فهو له، وإن لم يفعل فلا يلزمه. وينبغي أن يدفع الإمام إلى كل واحد منهم بحسب الحاجة فمن حضروا لم يقاتل دفع إليه شيئا يسيرا، وإن قاتل دفع إليه أكثر من ذلك، وإن أبلى بلاء حسنا أعطاه أكثر من ذلك. وإذا أراد قسمة الأربعة أخماس على الغانمين أحصى عدد الفرسان والرجالة و أعطى كل رجل سهما ولكل فرس سهما، وقد روي أن للفرس سهمين، والأول أحوط

[ 71 ]

فيحصل للفارس سهمان، وعلى الرواية الأخرى ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد (1) وإذا كان الفارس معه أفراس كثيرة لم يسهم إلا لفرسين له، وإذا قاتل على فرس مغصوب لا يستحق له شيئا (2) لا هو ولا المغصوب منه، وإن استأجره أو استعاره ليقاتل عليه أسهم له بلا خلاف ويستحقه المستأجر أو المستعير دون المؤجر والمعير، وإن استأجره أو استعاره لا ليقاتل عليه فهو مثل المغصوب سواء لا يستحق له سهما ولا يسهم لشئ من المركوب من الإبل والبغال والحمير إلا للفرس خاصة بلا خلاف، وعلى الإمام أن يتعاهد خيل المجاهدين إذا أراد الدخول إلى دار الحرب للقتال ولا يترك أن يدخلها حطما وهو الذي يكسر، ولا قحما وهو الكبير الذي لا يمكن القتال عليه لكبر سنه وهرمه، ولا ضعيفا ولا ضرعا وهو الذي لا يمكن القتال عليه لصغره، ولا أعجف وهو المهزول، ولا رازح وهو الذي لا حراك به لأن هذه الأجناس لا يمكن القتال عليها بلا خلاف فإن خالف وأدخل دابة بهذه الصفة فإنه يسهم لها لعموم الأخبار، وقال قوم: لا يسهم له لأنه لا فايدة فيه. إذا دخل رجل دار الحرب فارسا ثم ذهب فرسه قبل تقضي القتال فيقضى القتال وهو راجل لم يسهم لفرسه سواء نفق فرسه أو سرق أو قهره عليه المشركون أو باعه أو وهبه أو آجره بعد أن يخرج عن يده لم يسهم له. وإن دخل راجلا دار الحرب ثم ملك فرسا وكان معه بعد تقضي الحرب أسهم له والاعتبار بحال تقضي الحرب فإن كان حال تقضي القتال راجلا لم يسهم له وإن كان حال دخول الدار فارسا، وإن كان حال تقضي الحرب فارسا أسهم له وإن كان حال الدخول راجلا هذا إذا كان القتال في دار الحرب فأما إذا كان في دار الاسلام فلا خلاف أنه لا يسهم إلا للفرس الذي يحضر القتال. إذا حضر الرجل القتال وهو صحيح أسهم له سواء قاتل أو لم يقاتل بلا خلاف فإن حضر (3) دار الحرب مجاهدا ثم مرض ولم يتمكن من القتال فإنه يسهم له عندنا

(1) المروية في التهذيب ج 4 باب كيفية قسمة الغنائم الرقم 4 (2) في بعض النسخ (سهما). * (3) في بعض النسخ (دخل).

[ 72 ]

سواء كان مرضا يمنع من الجهاد أو لم يمنع. إذا استأجر رجل أجيرا ودخلا معا دار الحرب فإنه يسهم للأجير والمستأجر سواء كانت الاجارة في الذمة أو معينة ويستحق مع ذلك الأجرة لأنه قد حضر والاسهام يستحق بالحضور. إذا انفلت أسير من يد المشركين ولحق الغانمين فيه ثلاث مسائل: أحدها: أن يحلق بهم قبل تقضي القتال وحيازة المال فحضر معهم القتال وشهد الواقعة أسهم له لأن الاعتبار بحال الاستحقاق. والثانية: أن يلحق بهم بعد تقضي القتال وبعد حيازة الغنيمة فإنه يسهم له ما لم تقسم الغنيمة. الثالثة: إذا لحق بهم بعد تقضي الحرب وقبل حيازة المال فإنه يسهم له أيضا. إذا دخل قوم تجار أو صناع مع المجاهدين دار الحرب مثل باعة العسكر كالخباز والبقال والبزاز والشواء والخياط والبيطار وغير ذلك ممن يتبع العسكر فغنم المجاهدون نظر فيهم فإن حضروا للجهاد مع كونهم تجارا أو أنهم مجاهدون فإنه يسهم لهم وإن حضروا لا للجهاد نظر فإن كان جاهدوا أسهم لهم وإن لم يجاهدوا لم يسهم لهم بحال. وإن اشتبه الحال ولا يعلم لأي شئ حضروا فالظاهر أنه يسهم لهم لأنهم حضروا والاسهام يستحق بالحضور، وإذا جاءهم مدد فإن وصل قبل قسمة الغنيمة أسهم لهم وإن جاءوا بعد قسمة الغنيمة فلا يسهم لهم. وأما الصبيان ومن يولد في تلك الحال فإنه يسهم لهم على كل حال ومن تولد بعد قسمة الغنيمة فلا يسهم له. وإذا قاتلوا في المراكب وغنموا وفيهم الرجالة والفرسان كانت الغنيمة مثل ما لو قاتلوا في البر للراجل سهم، وللفارس سهمان.

[ 73 ]

إذا أخرج الإمام جيشا إلى جهة من جانب العدو وأمر عليهم أميرا فرأى الأمير من المصلحة تقديم سرية إلى العدو فقدمها فغنمت السرية أو غنم الجيش اشترك الكل في الغنيمة الجيش والسرية لأنهم جيش واحد، وكل فرقة منهم مدد للأخرى، وهذا لا خلاف فيه إلا من الحسن البصري، وإذا أخرج الإمام جيشا وأمر عليهم أميرا ثم إن الأمير رأى أن يبعث سريتين إلى جهة واحدة في طريقين مختلفين فبعثهما فغنمت السريتان فالسريتان مع الجيش شركاء مثل المسئلة الأولى. وإن أخرج الإمام جيشا وأمر عليهم أميرا ثم رأى الإمام أن يبعث سريتين إلى جهتين مختلفين فبعثهما فغنم السريتان كانت السريتان مع الجيش شركاء في الكل وفي الناس من قال، لا يشارك إحدى السريتين الأخرى ويشاركان جميعا الجيش والجيش يشاركهما، والصحيح الأول. وإذا أخرج الإمام جيشين إلى جهتين مختلفين وأمر على واحد من الجيشين أميرا فإذا غنمت إحداهما لم يشركهما الأخرى فيها لأنهما جيشان مختلفان وجهة كل واحد منهما مخالفة لجهة الأخرى اللهم إلا أن يتفق التقاؤهما في موضع من المواضع فاجتمعا وقاتلا في جهة واحدة وهما معا فإنهما يشتركان في الغنيمة لأنهما صارا جيشا واحدا. فأما إذا أخرج الإمام سرية ولم يخرج الإمام فغنمت السرية لم يشركها الإمام في تلك الغنايم لأنه إنما يشارك السرية من هو في المجاهدين، والإمام إذا لم يخرج من البلد فليس بمجاهد فلم يشارك. ذرية المجاهدين إذا كانوا أحياء يعطون على ما قدمناه. فإذا مات المجاهد أو قتل وترك ذرية أو امرأة فإنهم يعطون كفايتهم من بيت المال لا من الغنيمة فإذا بلغوا فإن أرصدوا أنفسهم للجهاد كانوا بحكمهم. وإن اختاروا غيره خيروا ما يختارونه ويسقط مراعاتهم، وهكذا حكم المرأة لا شئ لها. المجاهد إذا مات بعد أن حال عليه الحول واستحق السهم فلورثته المطالبة

[ 74 ]

بسهمه لأنه قد استحقه بحؤول الحول والمجاهدون معينون، وليس كذلك أولاد الفقراء لأن الفقراء غير معينين فلا يستحقون بحؤول الحول وللإمام أن يصرف إلى من شاء منهم. فصل: في أقسام الغزاة الغزاة على ضربين: المتطوعة وهم الذين إذا نشطوا غزوا، وإذا لم ينشطوا اشتغلوا بمعايشهم فهؤلاء لهم سهم من الصدقات فإذا غنموا في دار الحرب شاركوا الغانمين و أسهم لهم. والضرب الثاني: هم الذين أرصدوا أنفسهم للجهاد فهؤلاء لهم من الغنيمة الأربعة أخماس، ويجوز عندنا أن يعطوا أيضا من الصدقة من سهم ابن السبيل لأن الاسم يتناولهم وتخصيصه يحتاج إلى دليل. فأما الأعراب فليس لهم من الغنيمة شئ ويجوز للإمام أن يرضخ لهم أو يعطيهم من سهم ابن السبيل من الصدقة لأن الاسم يتناولهم، وإذا أعطوا من الغنيمة فقد بينا أنهم يسوى بينهم ولا يفضل أحد لشرفه وعلمه وشجاعته على من لم يكن كذلك، وإنما يفضل الفارس على الراجل فحسب. وإذا أعطوا من سهم ابن السبيل جاز للإمام أن يفضلهم بل يعطهم على قدر أحوالهم وكفاياتهم وكثرة مؤونتهم وقلتها بحسب ما يراه في الحال لسنتهم، وقد بينا أن المنفوس الذي يولد قبل قسمة الغنيمة أنه يسهم له، ولا يجوز لأحد من الغزاة أن يغزوا بغير إذن الإمام فإن خالف أخطأ وإن غنم كان للإمام خاصة. ومتى دعى الإمام الغزاة إلى الغزو وجب عليهم أن يخرجوا، وعلى الإمام أن يعطيهم قدر كفايتهم ويلزمهم المبادرة إليه والإمام يغزي إلى كل جانب الذين هم في تلك الجهة لقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار " (1) فإن كان في المسلمين كثرة أنفذ إلى كل جهة فرقة من المسلمين وإن كان فيهم قلة أنفذ جميعهم

(1) التوبة 123.

[ 75 ]

إلى أقوي الجهات وما احتاج إليه الكراع وآلات الحرب كل ذلك من بيت المال من أموال المصالح، وكذلك رزق الحكام وولاة الأحدات والصلوة وغير ذلك من وجوه الولايات فإنهم يعطون من المصالح والمصالح تخرج من ارتفاع الأراضي المفتوحة عنوة و من سهم سبيل الله على ما بيناه. ومن جملة ذلك مما يلزمه فيما يخصه من الأنفال والفئ وهو جنايات من لا عقل له ودية من لا يعرف قاتله وغير ذلك مما نذكره ونقول إنه يلزم بيت المال، ويستحب للإمام أن يجعل العسكر قبايل وطوايف وحزبا حزبا، ويجعل على كل قوم عريفا عريفا لقوله تعالى " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا (1) " والنبي صلى الله عليه وآله عرف عام خيبر على كل عشرة عريفا. وإذا أراد الإمام القسمة ينبغي أن يبدء أولا بقرابة الرسول وبما هو أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم الأقرب فالأقرب فإن تساوت قراباتهم قدم أقدمهم هجرة فإن تساووا قدم الأسن. فإذا فرغ من عطايا أقارب الرسول صلى الله عليه وآله بدء بالانصار وقدمهم على جميع العرب. فإذا فرغ من الأنصار بدء بالعرب. فإذا فرغ من العرب بدء بالعجم (2).

(1) الحجرات 13.
(2) إلى هنا تم الجزء الأول حسب تجزئة التي في النسخ المطبوع والمخطوط، و المظنون أنها من المصنف - رحمه الله -.

[ 76 ]

كتاب البيوع فصل في حقيقة البيع وبيان أقسامه البيع هو انتقال عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي وهو على ثلاثة أضرب: بيع عين مرئية، وبيع [ عين ] موصوف في الذمة، وبيع خيار الرؤية. فأما بيع الأعيان المرئية فهو أن يبيع انسان عبدا حاضرا أو ثوبا حاضرا أو عينا من الأعيان حاضرة فيشاهد البايع والمشتري ذلك فهذا بيع صحيح بلا خلاف. وأما بيع الموصوف في الذمة فهو أن يسلم في شئ موصوف إلى أجل معلوم ويذكر الصفات المقصودة فهذا أيضا بيع صحيح بلا خلاف. وأما بيع خيار الرؤية فهو بيع الأعيان الغايبة، وهو أن يبتاع شيئا لم يره مثل أن يقول: بعتك هذا الثوب الذي في كمي أو الثوب الذي في الصندوق، وما أشبه ذلك ويذكر جنس المبيع ليتميز (1) من غير جنسه ويذكر الصفة، ولا فرق بين أن يكون البايع رآه والمشتري لم يره أو يكون المشتري رآه والبايع لم يره أو لم يرياه معا. فإذا عقد البيع ثم رأى المبيع فوجده على ما وصفه كان البيع ماضيا، وإن وجده بخلافه كان له رده وفسخ العقد. ولا بد من ذكر الجنس والصفة فمتى لم يذكرهما أو واحدا منهما لم يصح البيع. ومتى شرط البايع خيار الرؤية لنفسه كان جايزا فإذا رآه بالصفة التي ذكرها لم يكن له الخيار وإن وجده مخالفا كان له الخيار هذا إذا لم يكن قد رآه فإن كان قد رآه فلا وجه لشرط الرؤية لأنه عالم (2) به قبل الرؤية. ولا يجوز بيع عين بصفة مضمونة مثل أن يقول: بعتك هذا الثوب على أن طوله

في بعض النسخ (فتعين).
(2) في بعض النسخ (علم).

[ 77 ]

كذا وعرضه كذا وغيره من الصفات على أنه متى كان بهذه الصفة وإلا فعلى بدله على هذه الصفات لأن العقد قد وقع على شئ بعينه فإذا لم تصح فيه فثبوته في بدله يحتاج إلى استيناف عقد، ويجوز أن يبيع شيئا ويشترط أن يسلمه إليه بعد شهر أو أكثر من ذلك. ويجوز بيع العين الحاضرة بالعين الحاضرة ويجوز بالدين في الذمة، وإذا ابتاع ثوبا على خف منساج وقد نسج بعضه على أن ينسج الباقي ويدفعه إليه كان البيع باطلا لأن ما شاهده من الثوب البيع فيه لازم من غير خيار رؤية وما لم يشاهده يقف على خيار الرؤية فيجتمع في شئ واحد خيار الرؤية وانتفاؤها وهذا متناقض [ له ]. إذا اشترى شيئا قد رآه قبل العقد صح البيع، وإن لم يره في الحال ثم لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون المبيع من الأشياء التي لا يسرع إليها التلف والهلاك ولا يتغير في العادة أو يكون مما يتلف ويهلك بمضي الأوقات أو يكون مما قد يتلف و [ قد ] لا يتلف فإن كان مما لا يتلف ولا يتغير في العادة كالصفر والنحاس و الأراضي وما أشبه ذلك فإن البيع يصح لأن الظاهر من حال المبيع السلامة. ثم ينظر عند رؤيته فإن وجده على حالته أخذه، وإن وجده ناقصا عما رآه كان له رده. فإن اختلفا فقال المشتري (1): نقص، وقال البايع: لم ينقص فالقول قول المبتاع لأنه الذي ينتزع الثمن منه، ولا يجب انتزاع الثمن منه إلا بإقراره أو ببينة تقوم عليه. وأما ما يسرع إليه التلف من الفواكه والخضر والبقول وما أشبه ذلك فإنه ينظر فإن ابتاعه بعده بزمان يعلم أنه قد تلف مثل أن يراه ثم يبتاعه بعده بشهرين أو ثلاثة فالابتياع باطل لأنه ابتاع ما يعلم تلفه وإن ابتاعه بعد مدة يجوز أن يكون تالفا وغير

(1) في بعض النسخ (المبتاع).

[ 78 ]

تالف فالحكم فيه وفي القسم الثالث وهي الأموال التي قد تتلف وقد لا تتلف كالحيوان وما أشبهه واحد. فإذا أراها ثم ابتاعها بعد مدة فإنه يصح بيعه لأن الأصل السلامة والسلامة يجوز فيه من غير أمارة فيبني على الأصل. فصل: في بيع الخيار وذكر العقود التي يدخلها الخيار ولا يدخلها. بيع الخيار على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يعقد العقد بالايجاب والقبول فيثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما، ويسمى هذا خيار المجلس. فإذا ثبت بينهما العقد وأراد أن يوجبا العقد ويبطلا الخيار جاز لهما أن يقولا أو يقول أحدهما ويرضى به الآخر: قد أوجبنا العقد و أبطلنا خيار المجلس فإنه يثبت العقد ويبطل الخيار المجلس. الثاني: أن يشرطا حال العقد أن لا يثبت بينهما خيار المجلس فإن ذلك جايز أيضا. الثالث: أن يشرطا في حال العقد مدة معلومة قل ذلك أم كثر ثلاثا كان أو أكثر أو أقل هذا فيما عدا الحيوان. فأما الحيوان فإنه يثبت فيه الخيار ثلاثا شرطا أو لم يشرطا للمشتري خاصة، وما زاد عليها فعلى حسب ما يشرطانه من الخيار إما لهما أو لواحد منهما فإن أوجبا البيع (1) بعد أن يشرطا مدة معلومة ثبت العقد وبطل الشرط المتقدم. إذا أراد أن يشتري لولده من نفسه، وأراد الانعقاد ينبغي أن يختار لزوم العقد عند انعقاد العقد أو يختار بشرط بطلان الخيار على كل حال، وقد قيل: إنه ينتقل من المكان الذي يعقد فيه العقد فيجري ذلك مجرى تفرق المتبايعين. فأما العقود التي يدخلها الخيار فنحن نذكرها عقدا عقدا وما يصح فيه الخيار وما لا يصح: أما البيع فإن كان بيع الأعيان المشاهدة دخلها خيار المجلس باطلاق العقد وخيار

(1) في بعض النسخ (العقد).

[ 79 ]

المدة ثلاثا كان أو ما زاد عليها بحسب الشرط وإن كان حيوانا دخله خيار المجلس وخيار الثلاث باطلاق العقد. وما زاد على الثلاث بحسب الشرط. وإن كان بيع خيار الرؤية دخله الخياران معا خيار المجلس وخيار الرؤية إذا رآه ويكون خيار الرؤية على الفور دون خيار المجلس. وأما الصرف فيدخله خيار المجلس لعموم الخبر. فأما خيار الشرط فلا يدخله أصلا إجماعا لأن من شرط صحة العقد القبض. وأما السلم فيدخله خيار المجلس للخبر، وخيار الشرط لا يمنع من دخوله أيضا مانع وعموم الخبر يقتضيه. وأما الرهن فعلى ضربين: رهن بدين ورهن في بيع. فإن كان بدين مثل أن كان له عليه ألف دينار فقال له: رهنتك بها هذا العبد فإن قبل صح العقد، وكان الراهن بالخيار بين أن يقبض أو لا يقبض فإن أقبضه لزم من جهته، وكان من جهة المرتهن جايزا إن شاء أمسك وإن شاء فسخ فالرهن يلزم بالقبض من جهة الراهن وهو جايز من جهة المرتهن. فالأحوط أن يقول: إن الرهن يلزم من قبل الراهن بالقول ويلزمه إقباضه وأما من جهة المرتهن فهو جايز على كل حال. وإن كان رهنا في بيع مثل أن قال: بعتك داري هذه بألف على أن ترهن عبدك هذا فإذا وقع البيع على هذا الشرط نظرت فإن كان في مدة خيار المجلس أو الشرط فالراهن بالخيار بين أن يقبض الرهن أو يدع فإن أقبض لزم من جهة كونه رهنا والبيع بحاله في مدة الخيار لكل واحد منهما الفسخ فإن لزم بالقبض (1) أو بانقضاء خيار الشرط فقد لزم الرهن على ما كان، وإن فسخا أو أحدهما البيع بطل الرهن وإن لم يقبض الرهن حتى لزم البيع بالتفرق أو بانقضاء مدة الخيار فالراهن بالخيار بين أن يقبض أو يدع فإن أقبض لزم الرهن من جهة الراهن، وإن امتنع لم يجبر عليه و

(1) في بعض النسخ (بالتفرق).

[ 80 ]

كان البايع المرتهن بالخيار إن شاء أقام على البيع بغير رهن وإن شاء فسخ، وقد قلنا إن الأولى أن يقول: إنه يلزم الرهن من جهة الراهن بالقول ويلزمه الاقباض فعلى هذا متى لزم البيع لزمه إقباض الرهن. وأما الصلح فعلى ضربين: أحدهما: إبراء حطيطة: والآخر معاوضة. فإن كان إبراء وحطيطة مثل أن قال: لي عندك ألف فقد أبرأتك عن خمسمائة منه أو حططت عنك خمسمائة منه وأعطني الباقي فلا خيار له فيما وقع الحط عنه وله المطالبة بما بقي وإن كان الصلح معاوضة مثل أن يقول: أقر له بعين أو دين ثم صالحه على بعض ذلك فهو مثل ذلك سواء ليس له الرجوع فيه لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: الصلح جايز بين المسلمين ولا دليل على إجرائه مجرى البيوع. وأما الحوالة فإذا حال لغيره بمال عليه وقبل المحتال الحوالة لم يدخله خيار المجلس لأنه يختص البيع وخيار الشرط جايز لقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم وأما الضمان فعلى ضربين: مطلق ومقيد في دين. فالمطلق مثل أن يكون له على رجل دين فيبذله (1) له غيره أن يضمنه له عنه فهو بالخيار إن شاء ضمن وإن شاء امتنع فإن ضمن لزم من جهته دون جانب المضمون عنه، وإن كان في بيع مثل أن يقول: بعتك على أن يضمن لي الثمن فلان أو تقيم لي به ضامنا فإذا فعلا نظرت فإن ضمن في مدة الخيار في البيع لزم من حيث الضمان فإن لزم العقد فلا كلام، وإن فسخا العقد أو أحدهما زال الضمان، وإن لم يضمن حتى لزم البيع كان بالخيار بين أن يضمن أو يدع. فإن ضمن فلا كلام وإن امتنع كان البايع بالخيار بين امضائه بلا ضمان وبين فسخه مثل ما قلناه في الرهن سواء. وأما خيار الشفيع فعلى الفور فإن اختار الأخذ فلا خيار للمشتري لأنه ينتزع منه الشقص قهرا، وأما الشفيع فقد ملك الشقص بالثمن وليس له خيار المجلس لأنه ليس بمشتر وإنما أخذه بالشفعة. وأما المساقاة فلا يدخلها خيار المجلس ولا يمتنع دخول خيار الشرط فيها لقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم.

(1) في بعض النسخ (فبذل)

[ 81 ]

وأما الاجارة فعلى ضربين: أحدهما: معينة مثل أن يقول: آجرتك داري هذه أو فرسي هذا أو عبدي هذا شهرا من وقتي هذا أو يومي هذا فيذكر مدة معينة فهذا لا يدخله خيار المجلس لأنه ليس ببيع، وخيار الشرط لا مانع منه، وعموم الخبر يقتضيه. والثاني إجارة في الذمة مثل أن يقول: استأجرتك لتخيط لي هذا الثواب أو لتبني لي حايطا من صفته كذا فلا يدخله خيار المجلس لأنه ليس ببيع، ويجوز خيار الشرط فيه للخبر ولأنه لا مانع منه. وأما الوقف فلا يدخله الخياران معا لأنه متى شرط فيه لم يصح الوقف وبطل. وأما الهبة فله الخيار قبل القبض وبعد القبض ما لم يتعوض أو يتصرف فيه الموهوب له أو لم تكن الهبة لولده الصغار على ما سنبينه فيما بعد. وأما النكاح فلا يدخله الخياران معا للاجماع على ذلك. وأما الصداق فإنه إذا أصدقها وشرط الخيار إما لهما أو لأحدهما نظرت فإن كان الشرط في النكاح بطل النكاح، وإن كان فيهما فكمثل [ ذلك ] وإن كان في الصداق وحده كان بحسب ما شرط ولا يبطل النكاح. وأما الخلع فهو على ضربين: منجز وخلع بصفة. فالمنجز قولها: طلقني طلقة بألف فقال: طلقتك بها طلقة فليس له الخيار والامتناع من قبض الألف ليكون الطلاق رجعيا. وأما الخلع بصفة فعلى ضربين: عاجل وآجل. فالعاجل قوله: إن أعطيتني الآن ألفا فأنت طالق، والآجل أن يقول: متى أعطيتني ألفا فأنت طالق وكلاهما لا يصحان لأنه تعليق للخلع وهو طلاق بصفة وذلك باطل عندنا. وأما الطلاق والعتق فلا يدخلهما الخيار إجماعا. وأما السبق والرماية فلا يدخلهما خيار المجلس ولا يمتنع دخول خيار الشرط فيه.

[ 82 ]

وأما الوكالة والعارية والوديعة والقراض والجعالة فلا يمنع من دخول الخيارين معا فيها مانع. وأما القسمة فعلى ضربين: قسمة لا رد فيها وقسمة فيها رد، وعلى الوجهين معا لا خيار فيها في المجلس لأنها ليست ببيع. وأما خيار الشرط فلا يمتنع دخوله للخبر، ولا فرق بين أن يكون القاسم الحاكم أو الشريكان أو غيرهما ممن يرضيان به. وأما الكتابة فعلى ضربين: مشروطة ومطلقة. فالمشروطة ليس للمولى فيه خيار المجلس ولا مانع من دخول خيار الشرط فيه. وأما العبد فله الخياران معا لأنه إن عجز نفسه كان الفسخ حاصلا وإن كانت مطلقة وأدى من مكاتبته شيئا فقد انعتق بحسبه ولا خيار لواحد منهما فيها لأن الحر لا يمكن رده في الرق. العتق لا يدخله الخياران معا لأن خيار المجلس يختص البيع وخيار الشرط يفسده العتق لأن العتق بشرط لا يصح عندنا روى أصحابنا أن البيع بشرط يجوز وهو أن يقول: بعتك إلى شهر، والأحوط عندي أن يكون المراد بذلك أن يكون للبايع خيار الفسخ دون أن يكون مانعا من انعقاد العقد. إذا ثبت خيار المجلس على ما بيناه فإنما ينقطع بأحد أمرين: تفرق أو تخاير. فأما التفرق الذي يلزم به البيع وينقطع به الخيار فحده مفارقة المجلس بخطوة فصاعدا ومتى ثبتا موضعهما وبنى بينهما حايط لم يبطل خيار المجلس، ولو طال مقامهما في المكان شهرا فما زاد عليه لم يبطل ذلك خيار المجلس لعموم الأخبار. وأما التخاير فعلى ضربين، تخاير بعد العقد، وتخاير في نفس العقد. فما كان بعد العقد أن يقول أحدهما لصاحبه في المجلس بعد العقد وقبل التفرق: اختر الامضاء فإذا قال هذا فإن قال الآخر: اخترت إمضاء البيع انقطع الخيار ولزم العقد، وإن سكت ولم يختر الامضاء ولا الفسخ فخيار الساكت باق بحاله ولم يبطل خيار الأول لأنه

[ 83 ]

إذا ثبت خيار أحدهما ثبت خيار الآخر لأن النبي صلى الله عليه وآله أثبت لهما الخيار وما كان منه في نفس العقد مثل أن يقول: بعتك بشرط أن لا يثبت بيننا خيار المجلس فإذا قال المشتري: قبلت ثبت العقد ولا خيار لهما بحال. وإذا قال: بعتك بشرط ولم يذكر مقدار الشرط كان البيع باطلا، وقال بعضهم: إنه يصح البيع ويرجع ويثبت شرط فقط. البيع إن كان مطلقا من غير شرط فإنه يثبت بنفس العقد ويلزم بالتفرق بالأبدان وإن كان مشروطا لزومه بنفس العقد لزم بنفس العقد وإن كان مقيدا مشروطا لزم بانقضاء الشرط فإذا ثبت ذلك فلا يخلو أن يتصرف المشتري فيه أو لا يتصرف فإن تصرف فيه بالهبة والتمليك والعتق ونحو ذلك لزم العقد من جهته ويبطل خياره ونفذ تصرفه وكان خيار البايع باقيا فإن تصرف فيه البايع بالهبة أو التمليك أو العتق أو غير ذلك كان ذلك فسخا للعقد فإن حدث بالمبيع هلاك في مدة الخيار وهو في يد البايع كان من مال البايع دون مال المشتري ما لم يتصرف فيه فإن اختلفا في حدوث الحادثة فعلى المشتري البينة أنه حدث في مدة الخيار دون البايع لأنه المدعي وكذلك الحكم في حدوث عيب فيه يوجب الرد. ومتى وطئ المشتري في مدة الخيار لزمه البيع ولم يجب عليه شئ ويلحق به الولد ما لم يفسخ البايع فإن فسخه كان الولد لاحقا بأبيه ويلزمه للبايع قيمته، وإن لم يكن هناك ولد لزمه عشر قيمتها إن كانت بكرا وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها و يبطل خياره. وأما خيار البايع فإنه لا يبطل بوطئ المشتري سواء وطئ بعلمه أو بغير علمه إلا أن يعلم رضاه به لأنه لا دليل على ذلك، ومتى وطئ البايع في مدة الخيار كان ذلك فسخا للبيع إجماعا. وجملة هذا الباب أن كل تصرف وقع للبايع (1) كان فسخا مثل العتق والوطئ

(1) في بعض النسخ (لو وقع من البايع).

[ 84 ]

والهبة والبيع والوصية وغير ذلك، ومتى وقع من المشتري كان إمضاء وإقرارا بالرضاء بالبيع ولزمه بذلك العقد من جهته. فأما إذا اتفقا على التصرف فيه وتراضيا مثل أن أعتق المشتري أو باع في مدة الخيار بإذن البايع أو وكل المشتري البايع في عتق الجارية أو بيعها فإن الخيار ينقطع في حقهما ويلزم البيع وينفذ العتق والبيع لأن في تراضيهما بذلك رضاء بقطع الخيار و وقوع العتق والبيع بعد ذلك. خيار المجلس والشرط موروث إذا مات المتبايعان أو واحد منهما سواء كانا حرين أو مملوكين مأذونين في التجارة أو أحدهما حرأ والآخر مملوكا أو مكاتبا فإنه يقوم سيده مقامه فأما إذا جن أو أغمي عليه أو خرس في مدة الخيار فإن وليه يقوم مقامه فيفعل ماله الحظ فيه هذا إذا كان الأخرس لا تعرف إشارته فإن عرفت إشارته أو كان يحسن أن يكتب كان خياره باقيا ومتى تصرف الولي في ذلك ثم زال عذر هؤلاء فلا خيار لهم ولا اعتراض لهم فيما فعله الولي. فإن أكرها أو أحدهما على التفرق في المكان فإن منعنا التخاير والفسخ معا كان وجود هذا التصرف (1) وعدمه سواء. فإذا زال الاكراه كان لهما الخيار في مجلس زواله عنه ما لم يفترقا وإن كان الاكراه على التفرق لا يمنع التمكن من التخاير والفسخ ينقطع الخيار لأنه إذا كان متمكنا من الامضاء والفسخ فلم يفعل حتى وقع التفرق كان ذلك دليلا على الرضاء و الامضاء، وقد ذكرنا أن خيار الشرط موروث فإذا ثبت ذلك نظرت في الوارث فإن كان حاضرا عند موت [ مورثه ] قام مقامه فيه فإن كان قد مضي منه بعضه كان للوارث بقيته، و إن كان الوارث غايبا فبلغه موت مورثه بعد أن مضت مدة الخيار فقد بطل خياره لأن المدة قد مضت قد بينا أن الملك لا يلزم إلا بعد مضي مدة الخيار، وأما الحمل فلا حكم له ومعناه أن الثمن لا يتقسط عليهما بل يكون الثمن في الأصل والحمل تابع فإذا ثبت ذلك فمتى وضع

(1) في بعض النسخ (التفرق).

[ 85 ]

الحمل في مدة الخيار فلا يخلو إما أن يتم العقد أو لا يتم فإن تم كانا معا للمشتري وإن فسخ كان للبايع ومتى كان النماء والحمل بعد لزوم البيع وانقطاع الخيار ووضعت ثم بطل البيع كان النماء للمشتري خاصة دون البايع وإن حملت ووضعت في يد البايع قبل القبض ثم هلكت بطل البيع وكان الولد له. وإذا اشترى نخلة بكر تمر فبقيت في يد البايع حتى حملت وجذت وحصل منها كر تمر ثم هلكت النخلة فإن البيع يبطل بتلفها قبل القبض ويبرء المشتري عن الثمن وتكون ثمرة النخلة له لأنه حصل في ملكه، ومتى باع بشرط الخيار متى شاء فالبيع باطل لأنه مجهول. يجوز أن يتقابض المتبايعان الثمن والمبيع معا في مدة خيار المجلس وخيار الرؤية وخيار الشرط ويكون الخيار باقيا على ما كان. خيار المجلس يثبت للمتبايعين وخيار الشرط إن شرط لهما أو لأحدهما يثبت بحسب الشرط فإذا ثبت ذلك فيكون مدة الشرط من حين العقد لا من حين التفرق والأولى أن نقول: أن يثبت من حين التفرق لأن الخيار يدخل إذا ثبت العقد والعقد لم يثبت قبل التفرق فإن شرطا أن يكون من حين العقد صح ذلك للخبر في جواز الشرط فإن وقع العقد نهارا وشرطاه إلى الليل انقطع بدخول الليل، وإن وقع ليلا وشرطاه إلى النهار انقطع بطلوع الفجر الثاني. إذا شرطا لكل واحد منهما ثلاثا أو ما زاد عليه صح وإن شرطا لأحدهما أقل وللآخر أكثر مثل أن يشرط لأحدهما يوما أو يومين وللآخر ثلاثا صح فإذا مضت المدة القصيرة لزم العقد من جهته وكان لصاحبه الخيار حتى تنقضي مدته. إذا اشترطا الخيار ثلاثا أو ما زاد عليه لكل واحد منهما كان لكل واحد الفسخ والامضاء فإن اختار الامضاء من جهته لم يفتقر إلى حضور صاحبه بلا خلاف، وإن اختار الفسخ كان ذلك له ولا يفتقر أيضا إلى حضور صاحبه وهكذا فسخه بالعيب له فسخه ولا يفتقر إلى حضور صاحبه من قبل القبض وبعده سواء وهكذا للوكيل أن يفسخ بغير

[ 86 ]

حضور صاحبه وكذلك للوصي أن يعزل نفسه متى شاء ولا يفتقر ذلك إلى حاكم ولا غيره وفيه خلاف. إذا باع شيئا وشرط الخيار لأجنبي صح ذلك ثم ينظر فإن شرط له وحده لم يكن له الخيار وإن شرط له ولنفسه كان لهما، وإن أطلق كان لمن جعله له وإذا وكله في البيع فباع وشرط الثلاث لموكله صح وإن شرط لأجنبي لم يصح لأنه لا يملك ذلك فإن شرط الوكيل الخيار لنفسه دون موكله كان ذلك صحيحا. وإذا قال: بعتك هذه السلعة على أن استأمر فلانا في الرد كان على ما شرط وليس له الرد حتى يستأمر لأنه شرط أن لا يكون له الرد إلا باجتماعهما وليس لاستيماره حدا إلا أن يذكر زمانا معينا، ومتى لم يذكر زمانا كان له ذلك أبدا حتى يستأمره. وإذا باع عبدين وشرط مدة الخيار في أحدهما وأبهم ولم يعين من باعه منهما بشرط الخيار فالبيع باطل لأنه مجهول وإن عين فقال: على أن لك الخيار في هذا العبد دون هذا ثبت الخيار فيما عين ولم يثبت في الآخر وكان لكل واحد منهما الثمن بالقسط سواء قدر ذلك بأن يقول: ثمن كل واحد منهما ألف أو يقول: ثمنهما ألفان ولا فرق بينهما. إذا كان المبيع شيئا بعينه فهلك بعد العقد لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل القبض أو بعده فإن كان قبل القبض بطل البيع وسواء كان التلف في مدة الخيار أو بعد انقضاء مدة الخيار فإذا تلف هلك على ملك البايع وبطل الثمن فإن كان الثمن مقبوضا رده، وإن كان غير مقبوض سقط عن المشتري، وإن كان الهلاك بعد القبض لم يبطل البيع سواء كان في يد المشتري أو في البايع مثل أن قبضه المشتري ثم رده إلى البايع وديعة أو عارية الباب واحد. فإذا ثبت أنه لا ينفسخ نظرت فإن كان الهلاك بعد انقضاء مدة الخيار فلا كلام، وإن كان في مدة الخيار لم ينقطع الخيار ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يجيزا البيع أو يفسخا. فإن فسخاه أو أحدهما سقط الثمن ووجبت القيمة على

[ 87 ]

المشتري. وإن اختار إمضاء البيع أو سكتا حتى مضت مدة الخيار فإنه يلزم الثمن ولا يلزم القيمة لأنه مسمى فلا يسقط مع بقاء العقد. عقد النكاح ينعقد بالايجاب والقبول سواء تقدم الايجاب فقال [ كقوله ] زوجتك بنتي فقال: قبلت النكاح أو تأخر الايجاب كقوله: زوجني بنتك فقال: زوجتك بلا خلاف. فأما البيع فإن تقدم الايجاب فقال: بعتك فقال: قبلت صح بلا خلاف، وإن تقدم القبول فقال: بعنيه بألف فقال: بعتك صح، والأقوى عندي أنه لا يصح حتى يقول المشتري بعد ذلك: اشتريت. فإذا ثبت هذا فكل ما يجري بين الناس إنما هو استباحات وتراض دون أن يكون ذلك بيعا منعقدا مثل أن يعطي للخباز درهما فيعطيه الخبز أو قطعة للبقلي فيناوله البقل، وما أشبه ذلك ولو أن كل واحد منهما يرجع فيما أعطاه كان له ذلك لأنه ليس بعقد صحيح هو بيع. وإذا قال: بعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث فإن نقدتني وإلا فلا بيع لك صح البيع ثم ينظر فإن جاء الثالث فأتاه بالثمن كان البيع له وإن لم يجئ بطل البيع، وروى أصحابنا أنه إذا اشترى شيئا بعينه بثمن معلوم وقال للبايع: أجيئك بالثمن و مضى فإن جاء في هذه الثلاثة (1) كان البيع له، وإن لم يجئ في هذه المدة بطل البيع. وإذا اشترى شيئا فبان له الغبن فيه فإن كان من أهل الخبرة لم يكن له رده وإن لم يكن من أهل الخبرة نظر فإن كان مثله لم تجر العادة بمثله فسخ العقد إن شاء وإن كان جرت العادة بمثله لم يكن له الخيار، وفيه خلاف لأن أكثرهم أجازه.

(1) في بعض النسخ (مدة الثلاث).
(2) انظر التهذيب باب (عقود البيع) ج 7 ص 21 الرقم 88.

[ 88 ]

فصل: في ذكر ما يصح فيه الربا وما لا يصح الربا في كل ما يكال أو يوزن ولا ربا فيما عداهما ولا علة لذلك إلا النص فإذا ثبت ذلك فمتى أراد بيع فضة بفضة أو ذهب بذهب لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون مضروبة أو غير مضروبة فإن كان غير مضروبة وهو التبر (1) والآنية والمصاغ لم يجز بيعه إلا مثلا بمثل للخبر (2) وتناول الاسم له، وبيع المصاغ من الأواني وغير ذلك لا يجوز بأكثر منه بجنسه، وإن كان أكثر قيمة منه لأجل الصنعة. فأما من أتلف على غيره مصاغا فإنه يلزمه قيمته فإن كان قيمته في البلد من غير جنسه قوم به ولا ربا وإن كان قيمته في البلد بجنسه قوم به، وإن فضل عليه ولا ربا بلا خلاف لأنه ليس ببيع، وإن كان مضروبة وهي الدراهم والدنانير لم يخل من أحد أمرين: إما أن تكون مختلفة أو غير مختلفة فإن لم تكن مختلفة في نوع ولا صفة (3) ولا غش بيع سواء بسواء من غير تفاضل يدا بيد، وإن كانت مختلفة لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يكون الاختلاف من حيث النوع والجوهر أو الصنعة والغش فإن كان الاختلاف من حيث النوع والجوهر وهو إن كان إحديهما فضة ناعمة رطبة والأخرى يابسة خشنة جاز بيعه مثلا بمثل من غير تفاضل للخبر (4) وتناول الاسم له. وإن كان الاختلاف من حيث الصنعة والحذق في تحسين الضرب فكذلك يباع أيضا بلا تفاضل، وإن كان الاختلاف من حيث الغش لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون الغش مستهلكا أو غير مستهلك وإن كان غير مستهلك ومعناه لم تهلك قيمته كالرصاص والنحاس لم يجز بيع أحدهما بالآخر لأن ما فيه من الفضة مجهول فإن اشترى بهذه المغشوشة غير الفضة كالثياب والحيوان أو غير ذلك أو اشترى بها ذهبا جاز وإن كان الغش

(1) التبر بتقديم التاء ما كان من الذهب غير مضروب (مصنوع).
(2) المروية في التهذيب باب (بيع الواحد بالاثنين) ج 7 ص 98 الرقم 421.
(3) في بعض النسخ (ولا صنعة).
(4) المروية في التهذيب باب (بيع الواحد بالاثنين) ج 7 ص 98 الرقم 419.

[ 89 ]

مستهلكا لم يجز أيضا بيع أحدهما بالآخر لمثل ما قلناه ويجوز بيعها بجنس آخر إذا كان مشاهدا. إذا تبايعا عينا بعين لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن لا يكون في واحدة منهما الربا أو في واحدة منهما الربا أو في كل واحدة منهما الربا. فإن لم يكن في واحدة منهما الربا مثل الثياب والحيوان وغير ذلك مما لا ربا فيه جاز بيع بعضه ببعض متماثلا ومتفاضلا نقدا ويكره ذلك نسيئة ويجوز إسلاف إحديهما بالأخرى والافتراق قبل القبض في الجنس الواحد والجنسين لأنه لا مانع منه، وإن كان الربا في إحديهما دون الأخرى كالأثمان والثياب (1) والمكيل والموزن بالحيوان جاز أيضا متماثلا ومتفاضلا نقدا ونسيئة، ويجوز السلم فيه، والتفرق قبل القبض والحكم فيه كالحكم في الذي قبله إلا أن ههنا لا يتم إلا في جنسين لأن في جنس واحد من الأثمان الربا. والثالث أن يكون في كل واحد منهما الربا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون أثمانا أو غير أثمان فإن كان أثمانا جاز أن يشترى به‍ [ م ] المكيل والموزون متماثلا ومتفاضلا نقدا أو نسيئة، وجاز التفرق قبل القبض كما تقدم سواء فأما بيع بعضه ببعض فيجوز متماثلا إذا كان الجنس واحدا، وإن اختلف جنساهما جاز متماثلا ومتفاضلا نقدا ولا يجوز نسيئة فإن تقابضا قبل التفرق صح البيع، وإن افترقا قبل التقابض بطل البيع، وإن كان من غير جنس الأثمان مثل أن يتبايعا برا بتمر ومكيلا بموزون غير الأثمان متفاضلا أو متماثلا جاز فإن تقابضا فهو الأحوط قبل الافتران، وإن افترقا قبل القبض لم يبطل البيع، وإن باع بعض الجنس بجنس مثله غير متفاضل جاز مثل ذلك، والأحوط أن يكون يدا بيد. الذهب والفضة جنسان والبر والشعير روى أصحابنا أنهما جنس واحد في الربا وجنسان في الزكاة (2) والتمر والبلح جنسان فكل جنسين يجوز التفاضل فيهما يدا بيد و

(1) في بعض النسخ (بالثياب).
(2) انظر التهذيب باب (بيع الواحد بالاثنين) ج 7 ص 96 الرقم 410 والمستدرك ج 2 ص 480 باب 8.

[ 90 ]

النسيئة على ما مضى من الكراهية. ما يكال ويوزن فيه الربا فما كان من رطبا يجوز بيع مثل بمثل والجنس واحد يدا بيد، ولا يجوز ذلك متفاضلا، وإن كان يابسا جاز أيضا بيع بعضه ببعض والجنس واحد متماثلا ولا يجوز متفاضلا، ويجوز بيع بعض الجنس بجنس آخر متفاضلا ولا يجوز ذلك نسيئة ولا يجوز بيع الرطب بالتمر لا متفاضلا ولا متماثلا على حال والاهليلج والبليلج والسقمونيا ونحو ذلك من العقاقير فيه الربا لأنه من الموزون. فأما الطين الذي يتداوى به من الأرمني فمثل ذلك وغيره من الخراساني لا يجوز بيعه أصلا لأنه محرم، وإذا لم يجز بيعه فلا اعتبار للربا في ذلك. وأما الماء فإنه لا ربا فيه لأنه لا يكل ولا يوزن. المماثلة شرط في الربا وإنما يعتبر المماثلة بعرف العادة بالحجاز على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فإن كانت العادة فيه الكيل لم يجز إلا كيلا في ساير البلاد وما كان العرف فيه الوزن لم يجز فيه إلا وزنا في ساير البلاد، والمكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة هذا كله لا خلاف فيه. فإن كان مما لا يعرف عادته في عهد النبي صلى الله عليه وآله حمل على عادة البلد الذي فيه ذلك الشئ فإذا ثبت ذلك فما عرف بالكيل لا يباع إلا كيلا، وما كان العرف فيه وزنا لا يباع إلا وزنا. بيع الخبز بالخبز يجوز لينة بلينة متماثلا أو يابسة بيابسة متماثلا ولا يجوز بيع لينة بيابسة لا متفاضلا ولا متماثلا فإن كانا من جنسين يجوز متفاضلا ومتماثلا مثل خبز الحنطة والشعير بخبز الذرة لأنه لا مانع منه، ويجوز بيع الحنطة بدقيقها متماثلا ولا يجوز متفاضلا يدا بيد ولا يجوز نسيئة، والأحوط أن يباع بعضه ببعض وزنا مثلا بمثل لأن الكيل يؤدي إلى التفاضل لأن الدقيق أخف وزنا من الحنطة. ومتى كان أحدهما يباع وزنا والآخر كيلا فلا يباع أحدهما بصاحبه إلا وزنا ليزول التفاضل مثل الحنطة والخبز وما أشبه ذلك. يجوز بيع الحنطة وبالسويق وبالخبز وبالفالوذق المتخذ من النشاء مثلا بمثل،

[ 91 ]

ولا يجوز متفاضلا يدا بيد، ولا يجوز نسيئة فأما الفالوذق فيجوز بيعه بالحنطة والدقيق متفاضلا ما لم يؤد إلى التفاضل في الجنس لأن فيه غير النشاء، ويجوز بيع دقيق الحنطة بدقيق الحنطة، وبيع دقيق الشعير بدقيق الشعير مثلا بمثل، ويجوز بيع السويق بالسويق وبيع الدقيق بالسويق مثلا بمثل، ويجوز بيع خل العنب بخل العنب مثلا بمثل، ويجوز بيع خل التمر بخل التمر مثل ذلك، وبيع خل الزبيب والعنب بخل التمر متفاضلا لأن الجنس مختلف. ويجوز بيع خل الزبيب بخل العنب مثلا بمثل ولا يجوز متفاضلا وقال قوم: لا يجوز بيعه أيضا مثلا بمثل لأن في خل الزبيب ماء وهو قوي، ويجوز بيع العصير بعضه ببعض متماثلا ولا يجوز متفاضلا ما لم يغل فإذا غلا فلا يجوز بيعه حتى يصير خلا. الأدهان على أربعة أضرب: دهن يعد للأكل، ودهن يعد للدواء، ودهن يعد للطيب ودهن يتخذ لا لشئ من ذلك. فالذي للأكل مثل الزيت والشيرج ودهن الجوز واللوز ودهن الفجل ونحو ذلك فالربا فيها ثابت لأنها إما أن تكون مكيلة أو موزونة. إذا كان الجنس واحدا فإن بيع بعضه ببعض من جنسه يجوز متماثلا ولا يجوز متفاضلا نقدا ولا يجوز نسيئة فإن بيع بعضه بجنس آخر جاز متماثلا ومتفاضلا نقدا ولا يجوز نسيئة. وما يتخذ للدواء مثل دهن اللوز المر ودهن الخروع فالربا أيضا فيه ثابت لأنه إما أن يكال أو يوزن. والضرب الثالث: ما يتخذ للطيب مثل دهن البنفسج والورد والنيلوفر وغير ذلك ففيه الربا لا يباع بعضه ببعض إلا متماثلا يدا بيد، ولا يجوز نسيئة لأن أصل الجميع شيرج والتفاضل فيه ربا. والضرب الرابع، ما لا يتخذ للطيب ولا للأكل ولا للدواء مثل البزر ودهن السمك ونحوه ففيه الربا أيضا لأنه مكيل أو موزون. عصير العنب والتفاح والسفرجل والرمان والقصب غير ذلك من الفواكه أجناس مختلفة لأن أصولها أجناح مختلفة فإذا بيع بعضها ببعض فإن كان جنسها بجنس آخر

[ 92 ]

جاز ذلك متماثلا ومتفاضلا طبخ أو لم يطبخ فإن بيع جنس واحد منه بعضه ببعض جاز ذلك متماثلا ولا يجوز متفاضلا سواء كان نيا أو مطبوخا. العسل على ضربين: أحدهما فيه شمع، والآخر مصفى وجميعا يجوز بيع بعضه ببعض متماثلا يدا بيد، ولا يجوز متفاضلا وسواء صفي بالنار أو بالشمس أو أحدهما مصفى والآخر غير مصفى لأنه لا مانع منه، والعسل إذا أطلق أريد به عسل النحل فأما ما يتخذ من السكر والعنب وإن سمي فيجوز بيع ذلك بعسل النحل متفاضلا وبعضه ببعض متماثلا، ويجوز بيع مد من طعام بمد من طعام وإن كان في أحدهما فضل وهو عقد التبن أو زؤان أوشيلم لأنه لا مانع يمنع منه، وكذلك إن كان في أحدهما قليل تراب أو دقاق تبن و قال قوم: لا يجوز وهو الأحوط. والألبان أجناس مختلفة فلبن الغنم الأهلي جنس واحد ضائنة وماعزة، ولبن البري مثل الظباء جنس آخر، ولبن البقر الأهلي جنس آخر سواء كان جاموسيا أو غير جاموسي، ولبن البقر الوحشي جنس آخر ولبن الإبل جنس مفرد، وليس في الإبل وحشي. فإذا ثبت ذلك فبيع بعضه ببعض جائز إن جنسا واحدا يجوز بيع بعضه ببعض متماثلا ولا يجوز متفاضلا. وإن كانا جنسين يجوز متفاضلا وسواء كان ذلك حليبا أو رائبا أو يابسا أو رطبا لا يختلف الحال فيه وسواء غلى أحدهما أو لم يغل وما يتخذ من الألبان من الزبد والسمن والأقط والمصل وغير ذلك فالحكم فيه أيضا مثل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا متماثلا لأن الجنس واحد فإن اختلف جنسه جاز متفاضلا. يجوز بيع مد من تمر ودرهم بمدين من تمر، وبيع مد من حنطة ودرهم بمدي حنطة ومد شعير ودهم بمدي شعير، وهكذا إذا كان بدل الدرهم في هذه المسائل ثوب أو خشبة أو غير ذلك مما فيه الربا أو لا ربا فيه، وهكذا يجوز بيع درهم وثوب بدرهمين وبيع دينار وثوب بدينارين وبيع دينار قاساني دينارا تبريزي بدينارين نيسابوريين، وجملته أنه يجوز بيع ما يجرى فيه الربا بجنسه ومع أحدهما غيره مما فيه ربا أو لا ربا فيه، ولا بأس أن يبيع شاة في ضرعها لبن يقدر على حلبه بلبن لأنه لا مانع منه، وسواء باعها بلبن شاة أو

[ 93 ]

بلبن بقرة أو غير ذلك وسواء كانت الشاة مذبوحة أو حية وعلى كل حال يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن لمثل ما قلناه. القسمة تمييز أحد الحقين من الآخر وليس ببيع فإذا كان كذلك يجوز فيما فيه الربا وفيما لا ربا فيه على كل حال وفيما يجوز بيع بعضه ببعض وفيما لا يجوز كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب ويجوز قسمته كيلا ووزنا وعلى كل حال وإذا كانت ثمرة على أصول المشتركة صح قسمتها بالخرص سواء كان فيه العشر أو لم يكن. بيع الرطب بالتمر لا يجوز إذا كان خرصا بما يؤخذ منه فأما إذا كان تمرا موضوعا على الأرض فإنه يجوز به، قال الشافعي: فأما بيع العنب بالزبيب والكمثري الرطب والتين الرطب بالمقدد منه وما أشبه ذلك فلا نص لأصحابنا فيه والأصل جوازه لقوله تعالى " وأحل الله البيع " (1) ولا يجوز بيع الحنطة المبلولة بالجافة وزنا مثلا بمثل لأنه يؤدي إلى الربا لأن مع أحدهما ماء فينقص إذا جف والتفاضل لا يجوز للفقد الطريق إلى العلم بمقدار الماء. يجوز بيع الرطب بالرطب سواء كان مما يصير تمرا أو لا يصير كذلك لأن الأصل جوازه. وكذلك البقول والفواكه التي تباع وزنا أو كيلا يجوز بيع بعضه ببعض ولا مانع يمنع منه. الفجل المغروس في الأرض والثلجم والجزر إذا اشترى ورقه وأصله بشرط القطع والتبقية جاز ولا مانع. الدراهم والدنانير تتعينان فإذا اشترى سلعة بدراهم أو دنانير بأعيانهما لم يجز أن يسلم غيرها إلا برضاه فإذا ثبت ذلك وتبايعا دراهم أو دنانير بدراهم بأعيانهما ثم وجد أحدهما بما صار إليه عيبا فلا يخلو العيب من أحد أمرين: إما أن يكون من غير جنس المعقود عليه أو من جنسه فإن كان من غير جنس المعقود عليه مثل أن يشتري دنانير فيخرج نحاسا أو يشتري دراهم فيخرج رصاصا فإن البيع باطل، وهكذا إذا قال: بعتك هذه البغلة فخرجت حمارا أو باع ثوبا على أنه قز فخرج كتانا أو كتانا فخرج قزا

(1) البقرة 275.

[ 94 ]

فإنه إذا تبين أنه من الجنس الآخر كان البيع باطلا. فإذا ثبت هذا فإن كان الكل من غير جنسه كان البيع باطلا في الجميع. وإن كان البعض من غير جنسه بطل البيع فيه ولا يبطل في الباقي كما قلناه في تبعيض الصفقة، ويأخذ بحصته من الثمن ويكون بالخيار بين أن يرده ويفسخ البيع، وبين أن يرضى به بحصته من الثمن هذا إذا كان العيب من غير جنسه. فإن كان العيب من جنسه مثل أن يكون فضة خشنة أو ذهبا خشنا أو تكون سكته مضطربة مخالفة لسكة السلطان فهذا عيب فهو بالخيار بين أن يرده ويسترجع ثمنه و بين أن يرضى به، وليس له أن يطالب ببذله لأن العقد وقع على عينه فلم يجز إبداله. فإن كان العيب في الجميع كان بالخيار بين رد الجميع وبين الرضاء به، وإن كان العيب في البعض كان له رد الجميع لوجود العيب في الصفقة وليس له أن يرد البعض المعيب ويمسك الباقي. إذا اشترى دراهم بدراهم أو دنانير بدنانير فوجد ببعضها عيبا من جنسها أو من غير جنسها كان البيع صحيحا وللمشتري أن يرد المعيب للعيب أو يفسخ العقد في الجميع هذا كله إذا تبايعا دراهم بأعيانها بدنانير بأعيانها. فأما إذا تبايعا في الذمة بغير أعيانها فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يطلق البيع فيبيع دينارا بعشرة دراهم فهذا ينظر فيه فإن كان نقد البلد واحدا لا يختلف أو كان مختلفا إلا أن واحدا منهما هو الغالب رجع الاطلاق إليه ووجب منه. وإن كان مختلفا وليس بعضها بأغلب من بعض لم يصح البيع. وأما إن يصف فيقول: بعني دينارا قاسانيا بعشرة دراهم راضية أو مقدرية فيصح البيع فينعقد البيع على هذا النقد الموصوف فإذا ثبت ذلك فلا يجوز أن يتفرقا حتى يتقابضا. فإذا تقابضا ثم وجد أحدهما بما صار إليه عيبا فلا يخلو أن يكون ذلك قبل

[ 95 ]

التفرق أو بعده فإن كان في المجلس كان له إبداله سواء كان العيب من جنسه أو من غير جنسه لأن العقد وقع على ما في الذمة صحيحا لا عيب فيه. فإذا قبض معيبا كان له أن يطالبه بما في ذمته مما تناوله العقد. وإن كان ذلك بعد التفرق فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون العيب من جنسه أو من غير جنسه. فإن كان من غير جنسه بطل الصرف لأنهما تفرقا من غير قبض فيما تناوله العقد وينظر فيه فإن كان ذلك في الكل بطل عقد الصرف وإن كان في البعض بطل العقد فيه ولا يبطل في الباقي كما قلناه في تبعيض الصفقة. وإن كان العيب من جنسه فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون في الكل أو البعض فإن كان في الكل كان له رده واسترجاع ثمنه وكان له الرضاء به لأنه من جنس ما تناوله العقد، وإن أراد إبداله بغير معيب كان له ذلك، وإن كان العيب في البعض فله أن يبدل البعض وله أن يفسخ البيع في الجميع. يجوز أن يبيع مائتي دينار مائة جيدة ومائة رديئة بمائتي دينار وسط للآية ولأنه ذهب بذهب من غير تفاضل وظاهر الخبر (1) يجيزه وعلى هذا يجوز بيع دينار صحيح و دينار قراضة بدينارين صحيحين أو رديئين، ويجوز بيع درهم صحيح ودرهم مكسور بدرهمين صحيحين أو مكسرين. إذا باع دينارا جيدا بدينار ردئ الجنس جاز بلا خلاف. إذا باع سيفا محلى بفضة بدراهم أو كان محلى بذهب فباعه بدنانير وكان ما فيه من الذهب أو الفضة أقل من الثمن في الوزن كان جايزا وكان الفاضل من الثمن ثمن النصل والعلاقة فإن كان مثله أو أكثر منه لم يجز، وإن باعه بغير جنس حليته مثل أن يكون محلى بفضة فباعه بدنانير أو كان محلى بذهب فباعه بدراهم كان جايزا على كل حال، وإن باع هذا السيف بعرض جاز بلا خلاف.

(1) مضى ذكره في ص 88.

[ 96 ]

إذا اشترى خاتما من فضة مع قبضة بفضة جاز إذا كان الثمن أكثر مما فيه من الفضة. إذا كان معه مائة درهم صحاحا يريد أن يشتري بها مكسرة أكثر منها وزنا فاشترى بالصحاح ذهبا ثم اشترى بالذهب مكسرة أكثر من الصحاح كان جايزا. إذ تقابضا وافترقا بالأبدان، ولا فرق بين أن يكون ذلك مرة أو مكررا، والافتراق بالبدن لا بد منه فإن لم يفترقا لكن خيره فقال له: اختر ما شئت من إمضاء البيع وفسخه. فإن اختار إمضاء البيع لزم البيع وسقط الخيار وقام التخاير مقام التفرق إلا أنه يكون التخاير بعد التقابض فإن تخايرا قبل التقابض بطل الصرف. وإما إذا تقابضا ولم يتفرقا ولم يتخايرا لكنه اشترى منه بالذهب الذي قبضه دراهم مكسرة صح الشراء لأن شروعهما في البيع قطع للخيار وإمضاء للبيع لأنا قد بينا أنه إذا تصرف فيه أو أحدث المشتري فيه حدثا بطل خياره وههنا قد حصل التصرف منهما فبطل خيارهما وصح الشراء الثاني. وإن باعه قبل التخاير أو التفرق من غير بايعه لم يصح لأن للبايع حق الخيار هذا إذا اشترى من بايعه دراهم فأما إذا لم يفعلا هكذا لكنه أقرضه الصحاح التي معه واستقرض منه مكسرة أكثر منها ثم أبرء كل واحد منهما صاحبه كان جايزا و كذلك إذا وهب كل واحد منهما لصاحبه ما معه وأقبضه كان جايزا، وكذلك إذا باع الصحاح بوزنها من المكسرة ثم وهب له الفضل من المكسرة كان جايزا. إذا كان مع رجل عشرة دراهم ومع آخر دينار قيمته عشرون درهما فإن أراد أن يشتري منه الدينار بعشرين درهما فاشترى نصف دينار بعشرة دراهم وسلم العشرة إليه ثم قبض الدينار منه فيكون نصفه عن بيع ونصفه وديعة في يده إن تلف لم يضمن ثم استقرض العشرة التي دفعها إليه واشترى منه بها النصف الآخر من الدينار صح ذلك فيكون جميع الدينار للمشتري والبايع قد استوفى جميع الثمن وله على المشتري عشرة

[ 97 ]

دراهم من جهة القرض، وإن لم يفعل هكذا لكنه اشترى جميع الدينار منه بعشرين درهما وسلم إليه العشرة التي معه ثم استقرضها منه وقضاه بماله من العشرة في ذلك المجلس كان أيضا جايزا وكان مثل الأولى. إذا كان لرجل على رجل عشرة دنانير فأعطاه عشرة دنانير عددا قضاء لما عليه فوزنها القابض فوجدها أحد عشر دينارا كان الدينار الزايد للقاضي مشاعا فيها ولا يكون مضمونا على القابض لأجل أنه أخذه عوضا ويكون بمنزلة الأمانة في يده فإذا ثبت هذا فإن شاء استرجع منه دينارا وإن شاء وهبه له وإن شاء اشترى منه عوضا به وإن شاء أخذ به دراهم ويكون صرفا، ولا يجوز أن يفارقه قبل أن يقبض الدراهم، وإن شاء جعله ثمنا لموصوف في ذمته إلى أجله فيكون سلما. إذا اشترى دينارا بعشرين درهما ومعه تسعة عشر درهما وامتنع من إقراضه فالوجه أن يفاسخه الصرف ثم يشتري منه بقدرها فيكون جزء من عشرين جزءا من الدينار وفي يده مقبوضا عن وديعة والباقي عن الصرف فإذا ثبت هذا عمل في الجزء الزايد ما ذكرناه في المسألة الأولى سواء في الدينار الزايد، وإن لم يفاسخه ولكنه قبض الدينار وفارقه ليوفيه الدرهم الذي بقي عليه فإن الصرف ينفسخ في قدر الدرهم ولا ينفسخ في الباقي كما نقوله في تفريق الصفقة. إذا تصارفا فلا بأس أن يطول مقامهما في مجلسهما ولا بأس أن يصطحبا من مجلسهما إلى غيره ليوفيه لأنهما لم يفترفا، وإن سلم ما في يده ووكل رجلا في قبض ما في يد صاحبه ثم فارقه نظر فإن فارقه قبل أن يقبض وكيله بطل الصرف لأنه فارق صاحبه قبل القبض لأن التوكيل في القبض ليس بقبض، وإن فارقه بعد أن قبض وكيله صح لأن قبض وكيله بمنزلة قبضه، وإن لم يكن له بد من مفارقته ولم يمكن قبضه في الحال لم يجز له أن يفارقه قبل المفاسخة لأنه ربا فإذا كان كذلك فاسخه ووكل وكيلا في استيناف عقد الصرف معه إذا أمكنه تسليمه إليه ثم فارقه فإذا فعل هذا لم يكن عليه إثم. إذا كان له عند صيرفي دينار فقبض ثمنه من غير لفظ البيع لم يكن ذلك صرفا

[ 98 ]

وكان للصيرفي في ذمته دراهم، وله عند الصيرفي دينار ولا يجوز أن يتقاصا لأنهما جنسان مختلفان فإن أراد أن يتبارئا أبرء كل واحد منهما صاحبه بما له عليه. إذا اشترى رجل من رجل عشرين درهما نقرة بدينار فقال له رجل: ولني نصفها بنصف الثمن صح والتولية بيع. وإن قال له: اشتر عشرين درهما نقرة بدينار لنفسك ثم ولني نصفها بنصف الثمن لم يجز لأنه إذا اشتراها لنفسه ثم ولاه كانت التولية بيعا من الغايب وذلك لا يجوز. إذا قال رجل لصائغ صغ لي خاتما من فضة لأعطيك وزنها فضة وأجرتك للصياغة فعمل الصائغ ذلك لم يصح وكان الخاتم على ملك الصائغ لأنه شراء فضة مجهولة بفضة مجهولة وتفرقا قبل التقابض وذلك يفسد البيع. فإذا صاغه وأراد أن يشتريه اشتراه شراء مستأنفا بغير جنسه كيف شاء أو بجنسه بمثل وزنه. فرع إذا باع ثوبا بمائة درهم من صرف عشرين درهما بدينار لم يصح الشراء لأن الثمن غير معين ولا موصوف بصفة يصير بها معلوما. إذا اشترى ثوبا بمائة درهم إلا دينارا أو مائة دينار إلا درهما لم يصح لأن الثمن مجهول لأنه لا يدري كم حصة الدرهم من الدنانير ولا حصة الدينار من الدراهم إلا بالتقويم والرجوع إلى أهل الخبرة. فإن استثنى من جنسه فباع بمائة دينار إلا دينارا أو بمائة درهم إلا درهما صح البيع لأن الثمن معلوم وهو ما بقي بعد الاستثناء. إذا اشترى من رجل ثوبا بنصف دينار لزمه شق دينار ولا يلزمه من دينار صحيح، وكذلك إذا اشترى منه ثوبا آخر بنصف دينار لزمه نصف دينار آخر مكسور ولا يلزمه دينار صحيح لأن نصف دينار يقتضي منفردا وإن وفاه دينارا صحيحا فقد زاده خيرا. وإن شرط في البيع الثاني أن يعطيه دينارا صحيحا عن الأول والثاني نظر فإن كان الأول قد لزم وانقطع الخيار بينهما فإن البيع الثاني لا يصح والأول صحيح لازم

[ 99 ]

بحاله لأنه لم يرض بأن يكون في الثوب الثاني نصف دينار صحيح حتى يزيد في ثمن الثوب الأول فيجعل المكسور من دينار صحيح وهذه الزيادة لا تلحق بالأول لانبرامه ولأن الزيادة مجهولة وإذا لم تلحق بالأول ولم يثبت كان الثمن في الثوب الثاني مجهولا فلم يصح وإن كان الأول لم ينبرم (1) وكان الخيار باقيا بينهما فسد الأول ولم يصح الثاني لأن زيادة الصفة (2) منفردة عن العين مجهولة ولا يصح إلحاقه بالثمن فلم يثبت وإذا لم يثبت هذه الزيادة فلم يرض بأن يكون نصف دينار ثمنا حتى يكون معه هذه الزيادة في ثمن الثوب الآخر صار الثمن مجهولا فلم يصح. إذا اشترى من غيره ثوبا بعشرين درهما وجاءه بعشرين صحاحا وزنها عشرون درهما ونصف وقبض بنصف درهم فضة جاز وإن كان ذلك شرطا في أصل بيع الثوب لم يصح البيع لأنه شرط عليه بيع نصف درهم منه وهذان بيعتان في بيعة وذلك لا يجوز. اللحمان أجناس مختلفة فلحم الإبل جنس واحد عرابها ونجات [ ي‍ ] ها وساير أنواعها واحد، ولحم البقر عرابها وجواميسها صنف واحد، ولحم الغنم ضأنها وما عزها صنف واحد، والوحشي من البقر صنف غير الأنسى والوحشي من الغنم صنف من غير الغنم الأنسى وعلى هذا لحم الأرانب صنف، ولحم اليرابيع صنف، ولحم الضباع صنف، ولحم الثعالب صنف، وإن كان كل ذلك محرما ولا يجوز بيعه، ومن الطير لحم الكراكي صنف ولحم الحبارى صنف، ولحم الحجل صنف ولحم الحمام ولحم الفواخت صنف، ولحم القماري صنف، ولحم الدجاج صنف، ولحم العصافير صنف، ومن الحيتان كلما اختص باسم وصفة فهو صنف. فإذا تقرر هذا فباع صنفا بصنف آخر جاز البيع مثلا بمثل رطبين كانا أو يابسين، أو أحدهما رطب والآخر يابس وزنا وجزافا لأن التفاضل بينهما يجوز فأما بيع بعضه ببعض فإنه لا بأس به أيضا سواء كانا رطبين أو يابسين لقوله عليه السلام: إذا

(1) في بعض النسخ (لم يلزم).
(2) في بعض النسخ (الصفقة)

[ 100 ]

اتفق الجنس بيعوا مثلا بمثل، وإن اختلف بيعوا كيف شئتم، ويجوز أيضا بيع لحم مطبوخ بعضه ببعض أيضا، وكذلك المشوي يجوز بيع بعضه ببعض، وكذلك بيع المشوي بالمطبوخ، وبيع المطبوخ بالمشوي، وبيع المطبوخ بالني، واللحم إذا كان جنسا واحدا فهو سواء. سواء كان أحمر أو أبيض أو بعضه أحمر وبعضه أبيض فأما الإلية فهي جنس آخر والشحم الذي في الجوف جنس آخر، ويجوز بيع كل جنس من ذلك بالآخر متفاضلا. لا يجوز بيع اللحم بالحيوان إذا كان من جنس مثل أن تبيع شاة بلحم شاة أو بقرة بلحم بقرة أو جملا بلحم جمل. وإن باع شاة بلحم بقرة أو بقرة بلحم شاة أو جملا بلحم شاة فإنه يجوز لأنه يؤمن فيه الربا، وعلى هذا إذا باع لحما مذكا بحيوان لا يؤكل لحمه مثل الحمار والبغل والعبد فإنه لا بأس به، وإذا باع سمكة حية بلحم شاة أو بقرة أو جمل أو باع حيوانا بلحم سمك لم يكن به بأس ويجوز بيع دجاجة فيها بيض ببيض لأنه لا مانع منه، فصل: في أحكام العقود وما يدخل فيها وما لا يدخل إذا باع نخلا قد اطلع فإن كان قد أبر (1) فثمرته للبايع وإن لم يكن أبر فثمرته للمشتري، وكذلك إن تزوج بامرأة على نخلة مطلعة أو تخالعه المرأة على نخلة مطلعة أو يصالح رجلا من شئ على نخلة مطلعة أو يستأجر دارا مدة معلومة بنخلة مطلعة فجميع ذلك إن كان أبر فثمرته باقية على ملك المالك الأول وإن لم يكن أبر فهو لمن انتقل إليه النخل بأحد هذه العقود، وإذا انتقل ملك النخل من غير عقد معاوضة مثل أن يشتري رجل من رجل نخلة حايلا فاطلعت في الملك المشتري ثم فلس بالثمن فيرجع البايع بالنخلة، وليس له أن يرجع عليه بالطلع لأنه لا دليل عليه، وكذلك إذا طلق زوجته وقد اطلعت النخلة في يدها فإن الزوج يرجع بنصف النخلة ولا يرجع بالطلع لما قلناه.

(1) أبر النخل: ألقحه وأصلحه على ما هو معروف مشهور بين غراس النخل.

[ 101 ]

وإذا وهب نخلة مطلعة لم يؤبرها ثم سلمها فإنه لا يدخل الطلع في الهبة لأنه لا دليل عليه، وكذلك إذا وهب نخلة حايلة لمن له الرجوع في هبته فاطلعت في يد الموهوب له ثم رجع الواهب في النخلة فليس له الرجوع في الطلع لأن الطلع حصل في ملك الموهوب له، وأما إذا رهن نخلة مطلعة قبل التأبير فلا يدخل الطلع في الرهن لأن عقد الرهن لم يتناوله. وإذا أبر بعض ما في البستان مثل نخلة واحدة لم يصر الباقي في المعنى المؤبر. فإذا باع نخل البستان كانت ثمرة النخلة المؤبرة للبايع والباقي للمشتري فظاهر قوله عليه السلام: إن كان أبرها فالثمرة للبايع (1) يتناول غير ما أبر دون غيره (2) وحكم ساير الثمار حكم النخل وثمرتها لأن أحدا لا يفصل فإذا باع المؤبر لواحد والباقي لآخر كانت ثمرة المؤبرة للبايع وثمرة غير المؤبرة للمشتري الآخر، وكذلك إن باع النخلة المؤبرة دون غيرها كانت ثمرتها للبايع، وإن باع غير المؤبر فثمرتها للمشتري ولا يتعدى حكم إحديهما إلى الأخرى. وإذا أبر بعضه ثم باع النخل كله واطلع بعض النخل في ملك المشتري كان للمشتري. وإذا كان بستانان فأبر نخيل أحدهما لم يكن ذلك تأبيرا لما في البستان الآخر بلا خلاف. إذا تشقق طلع النخلة أو شئ منه وظهرت الثمرة بالرياح اللواقح وهو أن يكون فحول النخل في ناحية الصبا وهبت الصبا في وقت الآبار فإن الإناث تتأبر فإن كان فيها فحول نخل بعد أن تؤبر الإناث منها فثمرتها للبايع. وإذا باع نخلة مطلعة من الفحول كان الطلع للبايع سواء تشقق أو لم يتشقق لأنه لا دليل على انتقال ملكه إلى المشتري.

(1) المروية في التهذيب باب (بيع الثمار) ج 7 ص 87 الرقم 370 بتفاوت يسير. (2) في جميع النسخ المخطوطة (عين ما دون غيره)

[ 102 ]

الكرسف هو القطن وهو ضربان: ضرب له أصل ثابت يبقى سنين كثيرة يحمل في كل سنة القطن كما يحمل النخل يكون ذلك بالبصرة وفارس وأرض الحجاز فإذا باع أصله وقد خرجت جوزته فإن كان قد تشقق فالقطن للبايع إلا أن يشترط المشتري، وإن لم يكن قد تشقق فهو للمشتري إلا أن يشترط البايع لنفسه، والضرب الثاني أن يكون القطن زرعا لا أصل له ثابت مثل ما يكون ببغداد وخراسان وساير البلاد. فإذا بيعت الأرض وفيها القطن نظر فيه فإن كان زرعا أو جوزا لم يشتد فإنه للبايع إلا أن يشترط المشتري، وإن كان قد قوي وتشقق وظهر القطن فيكون أيضا للبايع إلا أن يشترط المشتري فيكون له بالشرط، وإن كان قوي في جوزة واشتد ولم يتشقق ولم يظهر القطن كان أيضا للبايع والأرض للمشتري فإن شرط المشتري أن يكون القطن له لم يصح شرطه لأن القطن مقصود وهو مغيب فلا يصح شراؤه فيبطل البيع فيه ولا يبطل في الأرض، وهكذا إذا باع أرضا فيها حنطة قد أخرجت السنابل واشتدت وشرط السنابل للمشتري فإن البيع في السنابل يبطل ولا يبطل فيما عداها من الأرض. وأما ما عدا النخل من الأشجار النابتة التي لها حمل في كل سنة خمسة أضرب: أحدها: مثل النخل والقطن وقد بينا حكمهما. والثاني: يخرج الثمرة بارزة ولا يكون في كمام ولا ورد مثل العنب والتين وما أشبه ذلك. فإذا باع أصل العنب والتين فإن كان قد خرجت الثمرة فهي للبايع إلا أن يشترط المشتري، وإن لم يكن خرجت وإنما خرجت في ملك المشتري فهي للمشتري. والثالث: يخرج الثمرة في ورد فإذا باع الأصول وقد خرج وردها وتناثر وظهرت الثمرة فهي للبايع إلا أن يشترط المبتاع، وإن لم يتناثر وردها ولم تظهر الثمرة ولا بعضها

[ 103 ]

فإن الثمرة للمشتري. والضرب الرابع: يخرج الثمرة في كمام مثل الجوز واللوز وغيرهما مما دونه قشر يواريه إذا ظهر ثمرته فالثمرة للبايع إلا أن يشترطها المبتاع. والضرب الخامس: ما يقصد (1) ورده مثل شجر الورد والياسمين والنسرين والبنفسج والنرجس وما أشبه ذلك مما يبقى أصله في الأرض ويحمل حملا بعد حمل فإذا بيع أصله نظر فإن كان ورده قد تفتح فهو للبايع، وإن لم يكن تفتح وإنما هو جنبذ (2) فهو للمشتري. وإذا باع أصل التوت وقد خرج ورقه فإنه يكون للمشتري على كل حال تفتح أو لم تفتح لأن الورق من الشجر بمنزلة الأغصان وليس بثمر. وإذا باع أرضا وفيها زرع تبقى عروقه وتجز مرة بعد مرة فإن كان مجزوزا فهو للمشتري وما ينبت يكون في ملكه وإن لم يكن مجزوزا وكان ظاهرا فالجزة الأولى للبايع والباقي للمشتري لأنه ينبت في ملكه. وإذا باع نخلة مؤبرة فقد قلنا: إن الثمرة للبايع والأصل للمشتري فإذا ثبت هذا فلا يجب على البايع نقل هذه الثمرة حتى تبلغ أوان الجزاز في العرف والعادة و كذلك إذا باع ثمرة منفردة بعد بدو الصلاح منها وجب على البايع تركها حتى تبلغ أوان الجزاز في العرف والعادة فإن كان مما يصير رطبا فهو إلى أن ينتهي نضجه وبلوغه وإن كان بسرا فلا يعتبر أن يصير رطبا لأن الجيسوان وما يجري مجراه لا يراعى فيه ذلك فمتى بلغ أو أن الجزاز وسأل التبقية حتى يأخذ منها أولا فأولا وقال: تركها على الأصل أبقى لها لم يلزمه تركها وكان له مطالبته بنقلها، وإذا عطشت الثمرة الباقية على ملك البايع وأراد سقيها لم يكن للمشتري منعه منه لأن ذلك من صلاح الثمرة ومؤونة السقي يكون على البايع، وإذا عطشت الأصول وأراد المشتري أن يسقي الأصول لم يكن للبايع منعه منه، ويكون مؤونة السقي على المشتري وإن كان السقي ينفع أحدهما دون الآخر مثل أن ينفع الأصول ويضر بالثمرة أو يضر بالأصول وينفع الثمرة وتمانعا

(1) في بعض النسخ (يعضد) * (2) الجنبذ بالفارسية غنچه گل. كذا في هامش المطبوع

[ 104 ]

فسخ العقد بينهما وقيل: إنه يجبر الممتنع عليه. وإذا جعلنا للبايع سقي ثمرته ومنعنا المشتري من معارضته فإنما له أن يسقي النخل مقدار ما فيه صلاح الثمرة ولا يزيد عليه، وإن اختلفا في قدر ما فيه صلاح فقال البايع: في كل خمس أو أقل أو أكثر وخالفه المشتري رجع إلى أهل الخبرة فإذا شهد رجلان من أهل الخبرة بقدر من ذلك حملا عليه وقد قلنا: إن البايع إذا لم يؤبر فالثمرة للمبتاع فإن شرط البايع أن يكون له كان ذلك جايزا. وإذا باع من رجل حملا ظاهرا من الثمرة مثل التين قبل أن يبدون صلاحه بشرط القطع أو بعد بدو الصلاح مطلقا فلم يلقطه المشتري حتى اختلط به حمل آخر للبايع فإن كان يتميز بالصغر والكبر كان للمشتري البالغ وللبايع الصغار، وإن كان لا يتميز يفسخ البيع أو يقول البايع: سلمت الجميع إلى المشتري أجبر المشتري على قبوله ومضى البيع لأنه زاد فضلا، وإن امتنع البايع من ذلك فسخ الحاكم البيع لأن المبيع لا يمكن تسليمه لأنه غير متميز. وإذا باع شجرة تين وعليها تين ظاهر فإن الأصل للمشتري والتين الظاهر للبايع فإذا لم يلقطه حتى حدث حمل آخر فإن كان يتميز كان الحمل الموجود حال العقد للبايع والحادث للمشتري، وإن اختلط الحادث بالموجود اختلاطا لا يتميز فسخ العقد أو يسلم البايع كما قلناه في المسألة الأولى سواء، وهكذا القول في الباذنجان في شجرة والبطيخ وغيرهما الحكم فيه على ما قلناه سواء، وهكذا القول فيمن باع جزة من قت متى اختلط ما وقع العقد (1) عليه بما يتجدد كان حكمه كما قلناه، وكذلك لو باع حنطة معينة فانثالت عليها حنطة فله الخيار في أن يسلم له الزيادة أو يفسخ لاختلاط ما باع بما لم يبع. وإذا اختلطت الثمرة بعد قطعها وقبضها لم ينفسخ البيع ويكون القول قول الذي في يده الثمرة في مقدار ما يدعيه لنفسه، وصورته أن يكون المشتري تركها بعد القبض

(1) في بعض النسخ (البيع)

[ 105 ]

وديعة عند البايع ثم اختلط فيكون القول قول البايع في مقدار ما يدعيه مع يمينه، وإن كان البايع ترك الطعام في يد المشتري وديعة عنده فاختلط كان القول قول المشتري مع يمينه. إذا باع أرضا وفيها بناء وشجر فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يقول: بعتك هذه الأرض بحقوقها أو لا يقول بحقوقها. فإن قال: بحقوقها دخل البناء والشجر في البيع وصار الجميع للمشتري لأن البناء والشجر من حقوق الأرض. وإن قال: بعتك هذه الأرض ولم يقل: بحقوقها فلا يدخل البناء والشجر في البيع. وإذا قال: بعتك هذا البستان دخل فيه الشجر مع الأرض لأن البستان اسم للأرض والشجر فإن الأرض التي لا شجر فيها لا تسمى بستانا. وإذا قال: بعتك هذه القرية فإن اسم القرية يقع على البيوت دون المزارع، ولا يدخل المزارع في البيع إلا بالتسمية، وإن قال: بحقوقها لم يدخل أيضا في البيع لأن المزارع ليست من حقوق القرية فإن كان بين البيوت شجر كان ذلك داخلا في البيع لأنه من حقوق القرية والبيوت. إذا باع دارا فإنه يدخل في البيع الأرض والبناء لأن الدار اسم للأرض والبنيان وإن كانت فيها نخلة أو شجرة كان أيضا داخلا في البيع لأنه من حقوق الدار. وأما البناء فإنه يدخل في البيع جميع ما كان مبنيا من حيطان وسقوف ودرجة معقودة وأبواب منصوبة وإن كان فيها سلم فإن كان مستمرا دخل في البيع وكان من جملة البناء وإن كان غير مستمر وإنما ينقل من مكان إلى مكان لم يدخل في البيع، وكذلك إن كان فيها باب مقلوع لم يدخل في البيع. والأوتاد المقررة في الحيطان تدخل في البيع والرفوف التي عليها إن كانت أطرافها في البناء أو كانت مستمرة دخلت في البيع وإن كانت على الأوتاد من غير تسمير ولا بناء لم يدخل في البيع وإن كان فيها خواني مدفونة دخلت في البيع لأنها محارزه كالخزاين وإن

[ 106 ]

كانت فيها حجارة مدفونة أو آجر مدفون ليخرج ويستعمل لم يدخل في البيع وإن كانت فيها رحى لليد غير مبنية وإنما ينقل من مكان إلى مكان لم يدخل في البيع وإن كانت مبنية دخل السفلاني والفوقاني في البيع لأن هكذا تنصب. والاغلاق تدخل في البيع وكذلك المفتاح ولا يدخل في البيع الحبل والدلو والبكرة لأنه يمكن نقله، وبئر الماء يدخل في البيع وكذلك ما فيها من الآجر واللبن والماء الذي في البئر مملوك لصاحب الدار بدلالة أن له منع الغير منه، وقد قيل: إنه لا يملك لأن للمستأجر أن يشتريه ويتصرف فيه من غير إذن صاحب الدار، والأول أقوى وتصرف المستأجر يستباح بعرف العادة. وإذا ثبت أنه مملوك فلا يصح بيعه لأنه إن باع الجميع فهو مجهول لأن له مددا وإن باع الموجود منها فذلك لا يمكن تسليمه إلا بأن يختلط بغيره. وأما العيون المستنبطة فإن قرارها مملوك وماؤها مملوك إلا قدر ما يشرب منه ويؤخذ منه بمجرى العادة فأما صرفه من عين إلى عين فلصاحب العين المنع منه، ويجوز بيع العين أو سهم منها. وأما المياه التي تجري في الأنهار مثل الفرات والدجلة ونحوها من الأنهار الكبار والصغار فليست مملوكة لأحد بلا خلاف لأنها تنبع في المواضع التي ليست بمملوكة من الجبال والشعاب والصخور وغير ذلك، ومن استقى منها شيئا وحازه ملكه، وإذا جرى ماء من هذه الأنهار إلى ملك انسان فلا يملكه إلا بالحيازة، وكذلك نزول الثلج في أرضه وتوحل الظبي في ملكه وتعشش الطير في شجره أو بنائه. وإذا حفر نهرا أو أجرى فيه من هذه الأنهار ماء فالأولى أن نقول: إنه يملكه لأنه حازه وقال الفقهاء: إنه لا يملكه لأن للعطشان أن يشرب منه بغير إذن، وذلك مستثنى بالعادة. وأما المعادن التي تظهر في ملكه فإن كانت أعينا لمايع مثل النفط والقير وما أشبه ذلك فهو بمنزلة الماء، وقد قيل (1): إنه مملوك ولا يجوز بيع ما ظهر منه إلا أن يفرد ويميز

(1) في بعض النسخ (قلنا)

[ 107 ]

لأنه يختلط بغيره فلا يمكن تسليمه وإن كانت معادن الجامدات مثل الذهب والفضة و الفيروزج وساير الحجارة فإن الجامد من أجزاء الأرض المملوكة مملوك وحكمه حكم الأرض ويجوز بيعها مع الأرض وينظر فإن كان معدن الذهب جاز بيعه بالفضة وبغير الذهب والفضة، ولا يجوز بيعه بجنسه من الذهب لأنه لا يؤمن أن يؤدي إلى الربا لأنه لا يمكن معرفة ما فيه من الذهب أو الفضة فيباع بأكثر ويقسط عليه وعلى الأرض ويجوز بيعه بالفضة وإن كان المعدن الفضة جاز بيعه بالذهب وبغير الفضة ولم يجز بيعه بالفضة لما قلناه. وإذا باع نخلا لم يؤبر فإن الثمرة للمشتري فإن هلكت الثمرة في يد البايع قبل التسليم كان للمشتري الخيار إن شاء فسخ البيع لتلف بعض المبيع قبل التسليم وإن شاء أجاز البيع في الأصول بجميع الثمن أو بحصته من الثمن مخيرا فيهما. وإن اشترى عبدا فقطعت يده قبل القبض فالمشتري بالخيار بين فسخ البيع لنقصان المبيع، وبين إجازته بجميع الثمن لأن الثمن لا ينقسم على الأطراف وينقسم على الأصل والثمرة في المسألة الأولى. وإن باع نخلا مؤبرا فالثمرة للبايع على ما مضى فإن عطشت وانقطع الماء ولم يتمكن من سقيها وكان تركها على الأصول يضر بها فإن كان قدرا يسيرا أجبر المشتري عليه، وإن كان كثيرا بأن يخاف على الأصول الجفاف أو نقصان حملها مستقبلا نقصانا كثيرا فإنه لا يجبره المشتري على القطع لأنه لما دخل في بيع الأصول منفردا عن الثمرة فقد رضى بما يؤدي الثمرة إليه من الضرر، وقال قوم: يجبر البايع على نقل الثمرة وتفريع الأصول لأن الثمرة لا تخلو من الضرر على كل حال تركت أو صرمت. وإذا باع أرضا فيها زرع ظاهر فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون مما يحصد مرة واحدة أو يكون له أصل يبقى في الأرض ويحصده مرة [ بعد ] أخرى فإن كان مما يحصد مرة واحدة مثل الحنطة والشعير وما أشبههما فلا يخلو البيع من أحد أمرين: إما أن يكون مطلقا أو مقيدا باشتراط الزرع فإن كان مطلقا فالزرع للبايع ولا يدخل في

[ 108 ]

البيع لأن اسم الأرض لا يتناول الزرع فإذا ثبت أنه للبايع فإنه يبقى في الأرض إلى أوان الحصاد ولا يلزمه أجرة المثل للمشتري لأن هذا مستثنى لم يملكه المشتري فإذا ثبت هذا وحصد البايع الزرع وهو فصيل ثم أراد الانتفاع بالأرض إلى وقت الحصاد لم يكن له لأن الذي استحقه تبقية الزرع المخصوص وإن أخره إلى أوان الحصاد فإنه يلزمه حصاده في أول وقت الحصاد ولا يجوز تبقيته بعد ذلك وإن كان الخير له في تبقيته وتأخيره لأن الواجب إزالة الضرر فأما التوفير فلا يجب ولا طلب الخير. فإذا حصده في أول وقت الحصاد فإن لم تكن عروقه تضر بالأرض فلا يلزمه نقل العروق وإن كانت تضر بالأرض مثل عروق القطن والذرة فإنه يلزمه نقله لأنها للبايع فيلزمه نقلها فإذا نقل العروق فإن صارت الأرض حفرا لزمه تسويتها، وهكذا إذا باع دارا وفيها قماشه لزمه نقله فإن كان فيها حب كبير لا يخرج من الباب وجب نقض [ نقص خ ل ] الباب حتى يخرج الحب ويلزم البايع ما نقص من الباب والأولى أن نقول: إنه بلزمه بناؤه. وإن غصب فصيلا فكبر في داره فجاء صاحبه فطالبه فلم يخرج من الباب نقض الباب ولم يجب على صاحب الجمل شئ لأن هذا متعد جنى على نفسه ما دخل عليه من الضرر، وليس كذلك البايع في المسألة الأولى هذا إذا كان البيع مطلقا. فأما إذا باع الأرض مع الزرع فلا يخلو الزرع من أن يكون حشيشا لم يسنبل أو سنبل واشتد حبه أو سنبل ولم يشتد حبه فهما سواء ويكون الشرط صحيحا و يكون الزرع مع الأرض للمشتري بلا خلاف، وإن كان قد اشتد الحب فإن كان الحب ظاهرا لا كمام له مثل الشعير والذرة والأرز في كمام تدخر فيه فهو بمنزلة الظاهر ويجوز بيعه وشرطه منفردا، وإن كان الحب في كمام لا يدخل فيه كالحنطة في سنبلها فإنه يجوز عندنا أيضا بيعه لأنه لا مانع منه، وقال قوم: لا يجوز بيعه لأنه غير مرئي ولا موصوف في الذمة هذا إذا كان الزرع يحصد مرة واحدة. فأما إذا كان يحصده مرة بعد أخرى مثل القت، ومن البقول الكراث والنعناع

[ 109 ]

والسداب والكرفس والهندباء وما أشبه ذلك فإنه ينظر فيه فإن كان مجزوزا دخلت العروق في بيع الأرض لأنها من حقوقها. وإن كان نابتا كانت الجزة الأولى للبايع والباقي للمشتري لأن الجزة الأولى نابتة ظاهرة في الحال فلم تدخل في البيع إلا بشرط. فإذا ثبت ذلك طولب البايع بجزها في الحال وليس له أن يتركها حتى تبلغ أوان الجزاز لأن تركها يؤدي إلى اختلاط حق البايع بحق المشتري لأن الزيادة التي تحصل للمشتري تنبت على أصوله. فإذا باع أرضا فيها بذر فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون لأصل يبقى لحمل بعد حمل مثل نواة الشجر وبذر القت وما أشبهه مما يجز دفعة بعد أخرى فإن كان هكذا فإنه يدخل في البيع لأنه من حقوقه. وهكذا إذا غرس في الأرض غراسا، وباع الأرض قبل أن ينبت الغراس وترسخ عروقه فإنه يدخل في المبيع. وإن كان بذرا لما يحصد مرة واحدة مثل الحنطة والشعير فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يبيع الأرض مطلقا أو مع البذر. فإن باع الأرض مطلقا لم يدخل البذر في البيع لأن اسم الأرض لم يتناوله، وإذا ثبت هذا نظر في المشتري فإن كان عالما ببذرها لم يكن له الخيار لأنه قد رضى بضرره ويجب عليه تركه إلى أوان الحصاد وإن كان جاهلا به كان له الخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أجازه فإن أجازه أخذه بجميع الثمن لأن النقص الذي في الأرض بترك الزرع إلى الحصاد لا يتقسط عليه الثمن بل هو عيب محض له الخيار بين الرد والامساك. وإن قال البايع: أنا أنقله وأمكنه ذلك في مدة بسيرة ونقله لم يكن للمشتري الخيار لأن العيب قد زال. وإن اشترى الأرض مع البذر كان البيع صحيحا وقال الفقهاء لا يصح لأنه مجهول إذا اشترى نخلة مطلعة ولم يقل للمشتري: إنها مؤبرة ولم يعلم بتأبيرها ثم علم كان له الخيار إن شاء فسخه وإن شاء رضي به لأنه تفوته ثمرة عامه ولم يعلم منه الرضاء به.

[ 110 ]

وإذا باع أرضا فيها حجارة فلا تخلو الحجارة من ثلاثة أقسام: إما أن تكون مخلوقة أو مبنية أو مستودعة للنقل. فإن كانت مخلوقة في الأرض دخلت في البيع لأنها من أجزاء الأرض. وعلى هذا المعادن كلها مثل الذهب والفضة تدخل في بيع الأرض ثم لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يضر بالشجر والزرع أو لا يضر بهما. فإن كانت لا تضر بهما لبعدهما عن وجه الأرض وإن العروق لا تصل إليهما فالمشتري لا خيار له ولا يكون هذه الحجارة عيبا في الأرض. وإن كانت تضر بهما أو بأحدهما مثل أن تضر بالشجر لأن عروقها تصل إلى الحجارة ولا تضر بالزرع لأن عروقها لا تصل إليها فإن كان المشتري عالما بها حال العقد لم يكن له خيار لأنه دخل في شرائها راضيا بعيبها، وإن كان جاهلا بها ثبت له الخيار فإن شاء رضي بها مع عيبها وإن شاء ردها واسترج الثمن فإن رضى وأجاز البيع أخذها بجميع الثمن. وإن كانت حجارة مبنية مثل أن يكون فيها أساس مبني من حجارة أو آجر أو دكة مبنية فهذا يدخل أيضا في البيع وكان الحكم فيها مثل الحجارة المخلوقة سواء. وأما القسم الثالث وهو إذا كانت الحجارة مستودعة في الأرض للنقل أو التحويل إذا احتاج إليها للبناء فإنها لا تدخل في بيع الأرض ويكون باقية على ملك البايع لأن اسم الأرض لم يتناولها. وعلى هذا إذا كان في الأرض كنز مدفون من الدنانير والدراهم فلا يدخل في البيع ويكون باقيا على ملك البايع فإذا ثبت هذا فإن الأرض يكون للمشتري والحجارة للبايع. ولا يخلو الأرض من أحد أمرين: إما أن يكون بيضاء أو ذات شجر فإن كانت بيضاء لا شجر فيها فلا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون الحجارة مضرة بالزرع إن زرعها المشتري أو بالغراس إن غرسها أو لا يضر فإن كان يضر بهما أو بأحدهما فإن

[ 111 ]

كان المشتري عالما بالحجارة وبضررها حال العقد فلا خيار له لأنه رضى بعيبها وللبايع نقل الحجارة لأنه عين ماله، وللمشتري مطالبته بنقلها لأن ملكه مشغول بملك البايع ولا عادة في تركه فكان له المطالبة في الحال بنقلها. وكذلك إن اشترى دارا وفيها قماش وغلات له المطالبة بنقل جميع ذلك وإذا نقلها لزمه تسوية الأرض وردها إلى حالها لأنه حفرها لاستخلاص ملكه وأما زمان النقل فلا أجرة لصاحبة وإن كان زمان النقل طويلا إلا أنه إذا علم بالحجارة أو علم بها ولم يعلم ضررها فقد رضى بضرر الذي يلحقه زمان النقل، وإن كان جاهلا بالحجارة أو علم بها ولم يعلم ضررها ثم علم بعد ذلك فهو عيب. فإن قال البايع: أنا أنقل الحجارة وكان زمان النقل يسيرا لا تبطل فيه منفعة الأرض لم يكن للمشتري ردها لأن العيب يزول بذلك من غير ضرر. وكذلك إن غصب المبيع من يد البايع فيقول: أنا أنزعه من يد الغاصب في زمان يسير لم يكن للمشتري الخيار وإن كان زمان النقل يتطاول مدة ويفوت فيها منفعة الأرض كان المشتري بالخيار بين رد الأرض بالعيب وبين رضائه بها وإجازة البيع فإن ردها فلا كلام، وإن أجاز البيع أخذ الأرض بجميع الثمن ولا يلزمه الأجرة، و قيل: إن كان نقل الحجارة قبل تسليم الأرض لا يلزمه الأجرة وإن كان بعد التسليم لزمه أجرة المثل، وإن كانت الحجارة لا تضر بالأرض لأنها بعيدة من وجه الأرض فلا يصل إليها عروق الشجر والزرع فإن أراد البايع نقلها كان له. ومتى كان زمان النقل يسيرا لا يبطل فيه منفعة الأرض لم يكن للمشتري الخيار وإن كان زمان النقل طويلا يبطل في مثله منفعة الأرض وكان له الخيار إن شاء أجازه فالحكم في الأجرة على ما تقدم بيانه. وإن أراد البايع تركها فلا خيار للمشتري لأنه لا ضرر عليه في تركها ولا ينتقل الملك بالتبقية إلى المشتري لأنه لا دليل عليه هذا كله إذا كانت الأرض بيضاء لا شجر فيها. فأما إذا كان فيها شجر فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون الشجر كان موجودا

[ 112 ]

في حال البيع أو أخذ (1) به المشتري بعده. فإن كان موجودا في حال البيع فلا يخلو الحجارة من أربعة أحوال: أما أن يكون تركها في الأرض لا يضر بها وقلعها لا يضر بها. وإما أن يكون تركها وقلعها يضر معا. وإما أن يكون تركها يضر بالشجر وقلعها لا يضر به. [ وإما أن يكون تركها لا يضر وقلعها يضر ] (2) فإن كان تركها وقلعها لا يضر مثل أن تكون بعيدة عن الشجر [ ف‍ ] لا يبلغ إليها عروق الشجر والزرع ويكون بين الشجر يمكن قلعها من غير أن يقطع عروق الشجر فإذا كان هكذا كان الحكم فيه كالحكم في الارض البيضاء. إذا كانت الحجارة لا يضر بما يستحدث فيها من الزرع وشجرة وكان قلعها لا يضر به يكون الحكم ما ذكرناه، و: إن كان تركها يضر وقلعها لا يضر فالحكم ما (3) ذكرناه في الأرض البيضاء، وإن كان تركها يضر وقلعها يضر فلا يخلو المشتري من أحد أمرين إما أن يكون عالما بالحجارة وضررها حال البيع أو لم يكن عالما فإن كان عالما فلا خيار له وللبايع نقل الحجارة وللمشتري المطالبة بنقلها وليس له أرش النقصان ولا الأجرة لأنه دخل على بصيرة بالضرر ورضاء به، وإن كان جاهلا بالحجارة أو عالما بها وجاهلا بضررها كان المشتري بالخيار إن شاء ردها وإن شاء أمسكها فإن ردها فلا كلام وإن أمسكها كان للبايع أن ينقل الحجارة وللمشتري أن يطالبه به، ويكون الكلام في تسوية الأرض والأجرة على ما مضى. وأما أرش النقص الذي يدخل في الشجر بقطع العروق فلا يجب قبل القبض وبعده، وفي الناس من قال: إن كان قبل القبض لا يلزم وإن كان بعده يلزم. وإن كان تركها لا يضر وقلعها يضر فإن أراد البايع نقلها كان للمشتري الخيار

(1) في بعض النسخ (أحدثه المشتري).
(2) سقطت هذه العبارة من المطبوع.
(3) في بعض النسخ (مثل ما).

[ 113 ]

لأنه يدخل النقص عليه بقطع عروق الشجر فإن ترك الحجارة فلا خيار له لأن الضرر زال ولا يملك الحجارة بذلك هذا إذ كان الشجر للبايع باعه مع الأرض. وإن كان الشجر للمشتري أحدثه بعد شراء الأرض ثم علم بالحجارة فلا خيار له لأنه علم بالعيب بعد ما تصرف فيه تصرفا نقص قيمتها لأن قيمة الأرض وفيها شجر أقل من قيمتها وهي بيضاء. فإن كان الترك والقلع يضران فللبايع القلع لأنه يأخذ ملكه وللمشتري المطالبة بذلك لا زالة ضرر الترك فإذا قلع فعلى البايع أرش النقص لأن النقص أدخل في عين المبيع. وإن كان قلعها يضر وتركها لا يضر فإن رضى بتركها فلا خيار للمشتري، وإن أراد قلعها كان ذلك له، وله تسوية الأرض وأرش النقص الداخل في الشجر وهو أن ينظر قيمة الشجر قبل القلع وكم قيمته بعد القلع فيلزمه ما نقص. فصل: في بيع الثمار إذا باع ثمرة مفردة عن الأرض (1) مثل ثمرة النخل والكرم وساير الفواكه فلا يخلو البيع من أحد أمرين: إما أن يكون قبل بدو الصلاح أو بعده فإن كان قبل بدو الصلاح فلا يخلو البيع من أحد أمرين: إما أن يكون سنتين فصاعدا أو سنة واحدة فإن كان سنتين فصاعدا فإنه يجوز عندنا خاصة، وإن كان سنة واحدة فلا يخلو البيع من ثلاثة أقسام: إما أن يبيع بشرط القطع أو مطلقا أو بشرط التبقية. فإن باع بشرط القطع في الحال جاز إجماعا. فإن باع بشرط التبقية فلا يجوز إجماعا، وإن باع مطلقا فلا يجوز عندنا، وفيه خلاف هذا إذا باع الثمرة دون الأصول. فأما إذا باع الثمرة مع الأصول مطلقا صح البيع ولا يحتاج إلى شرط القطع بلا خلاف. فإن كانت الأصول لواحد والثمرة لآخر فباع الثمرة من صاحب الأصول

(1) في بعض النسخ (الأصل).

[ 114 ]

لم يصح كما لا يصح من غيره لعموم الأخبار. وإن كان البيع بعد بدو الصلاح فإنه جائز، وبدو الصلاح يختلف بحسب اختلاف الثمار فإن كانت الثمرة مما تحمر أو تسود أو تصفر فبدو الصلاح فيها الحمرة أو السواد أو الصفرة. وإن كانت مما تبيض فهو أن يتموه وهو أن ينمو فيه الماء الحلو ويصفر لونه. وإن كان مما لا يتلون مثل التفاح والبطيخ فبأن يحلو ويطيب أكله، وإن كان مثل البطيخ فبأن يقع فيه النضج لأن له نضجا كنضج الرطب، وقد روى أصحابنا أن التلون يعتبر في ثمرة النخل خاصة (1). فأما ما يتورد فبدو صلاح أن ينتثر الورد وينعقد. وفي الكرم أن ينعقد الحصرم، وإن كان مثل القثاء والخيار الذي لا يتغير طعمه ولا لونه فإن ذلك يؤكل صغارا فبدو صلاحه فيه أن يتناهي عظم بعضه ولا اعتبار بطلوع الثريا على ما روي في بعض الأخبار. إذا كان في البستان ثمار مختلفة وبدا صلاح بعضه جاز بيع الجميع سواء كان من جنسه أو من غير جنسه، وإن كان بستانان فبدا صلاح الثمرة في أحدهما ولم يظهر في الآخر لم يجز بيع ما لم يبن صلاحه لأن كل بستان له حكم نفسه سواء كان من جنس ما ظهر صلاحه أو من غير جنسه، وفيه خلاف. إذا كان في الأرض أصول البطيخ أو القثاء أو الخيار أو الباذنجان وقد حملت فباع ذلك فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يبيع الحمل الظاهر أو يبيع الأصول فإن باع الحمل الظاهر دون الأصول نظر فإن كان قبل بدو الصلاح فيه لم يجز بيعه إلا بشرط القطع فأما بيعه مطلقا أو بشرط التبقية إلى أوان اللقاط فلا يجوز، وإن كان قد بدا صلاحه جاز بيعه بشرط القطع وبشرط التبقية إلى البلوغ وأوان اللقاط، ويجوز بيعه مطلقا من غير شرط. فإذا اشتراه ولقطه فقد استوفى حقه وإن تركه حتى اختلط بحمل حادث بعده

(1) انظر الكافي ج 5 ص 175 الرقم 3،

[ 115 ]

فإن كان يتميز أخذ الحمل الأول وكان الحادث للبايع، وإن كان لا يتميز فعلى ضربين إما أن يقال للبايع: أن سلمت الجميع إلى المشتري فإن فعل أجبر المشتري على قبوله ونفذ البيع لأنه زاده زيادة وإن امتنع البايع فسخ الحاكم البيع، وإن باع أصولها جاز بيعها كبيع الشجر فإذا ثبت ذلك كانت الأصول للمشتري والحمل الموجود للبايع وما بعده من الباطن للمشتري إلا أن يشترط المشتري الحمل الموجود والثمرة الموجودة إذا باع الأصول. وإذا كان الحمل للبايع فإن لقطه فقد استوفى حقه وإن تركه حتى اختلط بما يحدث بعده اختلاطا لا يتميز فإما أن يسلمه البايع فإنه ينفذ البيع ويجبر المشتري على الثمن، وإن لم يسلم فسخ البيع هذا إذا باع الحمل الموجود أو باع الأصول. فأما إذا باع الحمل الموجود وما يحدث بعده من الأحمال دون الأصول جاز البيع عندنا وعند الفقهاء لا يجوز لأنه مجهول وهو قوي. الثمرة على ضربين، ضرب بارز لا كمام عليه، وضرب عليه كمام، فالبارز الذي لا كمام عليه مثل التفاح والمشمش والسفرجل والخوخ والكمثرى والرطب والعنب والتين وما أشبه ذلك فإنه يجوز بيعه موضوعا على الأرض وعلى الشجر منفردا ومع الأصل على ما مضى، والذي في الكمام فعلى ضربين: أحدهما كمامه مصلحة له لحفظه رطوبته وصحته وبقائه فإذا أخرج منه أسرع إليه التغيير والفساد وذلك مثل الجوز في قشره الثاني واللوز في قشره الثاني فهذا يجوز بيعه في كمامه، ويكون حكمه حكم البارز الظاهر من الثمرة، والثاني كمامه لا مصلحة له فيه مثل القشر الأخضر على اللوز والجوز فإن ذلك تركه عليها مفسدة لها فيجوز أيضا بيعه في هذا القشر موضوعا على الأرض وعلى الشجر منفردا عن الشجر أو مع الشجر كل ذلك يجوز، وكذلك يجوز بيع الباقلى الأخضر في القشر الفوقاني. السنبل على ضربين: ضرب يكون حبه ظاهرا مثل الشعير والذرة، وضرب يكون حبه في كمامه مثل الحنطة والأرز ويجوز بيع جميعه على كل حال سواء كان قشره

[ 116 ]

مما يدخر عليه مثل الأرز أو لا يدخر عليه مثل الحنطة قايما في الأرض ومحصودا ومدوسا مذرا. يجوز أن يبيع ثمرة بستان ويستثني منها أرطالا معلومة ولا مانع منه، وإن استثنى ربعه أو ثلثه أو نخلات بأعيانها جاز بلا خلاف وهو أحوط لأن في الأول خلافا. وإن باع ثمرة بستانه إلا نخلة لم يعينها لم يصح لأن ذلك مجهول. وإذا قال: بعتك قفيزا من هذه الصبرة إلا مكوكا صح البيع لأن ذلك معلوم. وأما إذا قال: بعتك هذا الثوب بدينار إلا درهما لم يصح لأن الدرهم ليس من جنس الدينار ولا هو معلوم كم هو منه في الحال. وإن قال، بعتك هذه الثمرة بأربعة آلاف إلا ما يخص ألفا منها صح ويكون المبيع ثلاثة أرباعها لأنه يخص ألفا منها ربعها. وإن قال: بعتك هذه الثمرة بأربعة آلاف إلا ما يساوي ألفا منها بسعر اليوم لم يجز لأن ما يساوي ألف درهم من الثمرة لا يدري قدره فيكون مجهولا. ولا يجوز أن يبيع شاة ويستثني جلدها ولا رأسها ولا أكارعها ولا فرق بين أن يكون ذلك في حضر أو سفر ومتى فعل ذلك كان شريكا بمقدار الرأس أو الجلد أو ما يستثنيه من الأطراف. إذا اشترى ثمرة على رؤوس النخل أو الشجر بعد بدو الصلاح أو قبله بشرط القطع إلا أنه لم يقطعها فأصابتها جائحة فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قبل التسليم أو بعده فإن كان قبل التسليم فإن تلف الجميع بطل البيع ووجب رد الثمن وإن تلف البعض انفسخ البيع في التالف ولا ينفسخ في الباقي، ويأخذه بحصته من الثمن، وإن كان بعد التسليم وهو التخلية بينها وبين المشتري فإنه لا ينفسخ البيع لأنه لا دليل عليه لا في جميعه ولا في قدر التالف، وإن قلنا: إنه ينفسخ في مقدار التالف كان قولا قويا، والأول أحوط. وأما إذا عجز البايع عن سقي الثمرة وتسليم الماء فإنه يثبت للمشتري الخيار

[ 117 ]

لعجز البايع عن تسليم بعض ما يتناوله البيع. إذا تلف المبيع قبل القبض فلا يخلو من أن تكون ثمرة أو غيرها فإن كان غير الثمرة مثل الحيوان أو العرض والعقار فلا يخلو من أربعة أحوال: إما أن يتلف بأمر سماوي أو باتلاف البايع أو باتلاف الأجنبي أو باتلاف المشتري، فإن كان بأمر سماوي فقد انفسخ البيع لأنه لا يمكنه الاقباض فعلى هذا إن كان المشتري لم يسلم الثمن فقد سقط عنه وبرئ منه: وإن كان قد سلمه وجب على البايع رده عليه، وأما إذا أتلفه البايع فهو كذلك ينفسخ لما ذكرناه من استحالة التقبيض. فإذا أتلفه الأجنبي كان المشتري بالخيار بين أن يفسخ البيع ويسترجع من البايع الثمن لما قلناه، وبين أن يجيز البيع ويرجع على الأجنبي بالقيمة لأن الأجنبي يصح الرجوع عليه بالقيمة و يكون القبض في القيمة قايما مقام القبض في المبيع لأنها بدله. وإذا أتلفه المشتري فإنه يستقر به البيع ويكون إتلافه بمنزلة القبض ولهذا نقول: إن المشتري إذا أعتق قبل القبض فإنه ينفذ (1) عتقه ويكون ذلك قبضا وإن كان المبيع ثمرة فلا يخلو أن تكون مجذوذة موضوعة على الأرض أو تكون على الأشجار فإن كانت موضوعة على الأرض فإن القبض فيها النقل لأنها مما ينقل ويحول فإن تلفت قبل النقل فقد تلفت قبل القبض ويكون فيها الأقسام الأربعة التي قدمنا ذكرها وإن كانت على رؤوس الشجر فإن القبض فيه التخلية بينها وبين المشتري فإن تلفت قبل التخلية كان فيها الأقسام الأربعة فإذا تلفت بعد التخلية قبل الجذاذ يكون تلفها من ضمان المشتري بكل حال لأن بالتخلية صارت مقبوضة وتلف المبيع بعد القبض لا يؤثر في البيع بلا خلاف. بيع المحاقلة والمزابنة محرم بلا خلاف وإن اختلفوا في تأويله فعندنا أن المحاقلة بيع السنابل التي انعقد فيها الحب واشتد بحب من ذلك السنبل، ويجوز بيعه بحب من جنسه على ما روي في بعض الأخبار (2) والأحوط أن لا يجوز بحب من جنسه على كل حال

(1) في بعض النسخ (ينعقد).
(2) انظر الكافي ج 5 ص 274 (باب بيع الزرع الأخضر) الرقم 1

[ 118 ]

لأنه لا يؤمن أن يؤدي إلى الربا والمزابنة (1) وهي بيع التمر على رؤوس النخل (2) بتمر منه فأما بتمر موضوع على الأرض فلا بأس به، والأحوط أن لا يجوز ذلك لمثل ما قلناه في بيع السنبل سواء فإما أن يقول: أضمن لك صبرتك هذه بعشرين صاعا فما زاد فلي وما نقص فعلي إتمامها فإنه حرام بلا خلاف، وكذلك إذا قال: عد قثائك أو بطيخك المجموع فما نقص من مائة فعلي تمامه وما زاد فلي أو طحن حنطتك هذه فما زاد على كذا فلي، وما نقص فعلي فذلك حرام بلا خلاف. ويجوز بيع العرايا وهي جمع عرية وهو أن يكون لرجل في بستان غيره نخلة يشق عليه الدخول إليها يجوز أن يبيعها منه بخرصها تمرا ولا يجوز في غير ذلك. وإن كان له نخل متفرق في كل بستان نخلة جاز أن يبيع كل ذلك واحدة واحدة بخرصها تمرا سواء بلغ الأوساق أو لم يبلغ. وإن كان لرجل نخلتان عليهما تمرة فخرصاهما تمرا فإن كانا عريتين صح بيعهما وإن لم يكونا عريتين لم يجز لأن نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المزابنة عام في جميع ذلك. ولا يجوز بيع رطب في رؤوس النخل خرصا برطب موضوع على الأرض كيلا لأنه من المزابنة. وإذا أراد الانسان أن يشتري العرية وجب أن ينظر المتبايعان إلى الثمرة التي على النخلة وبجزرانها فإذا عرفا مقدار الرطب إذا جف صار كذا تمرا فيبيع بمثله من التمر كيلا أو وزنا حسب ما يقع الجزر عليه ومن شرط صحة البيع أن يتقابضا قبل التفرق لأن ما فيه الربا لا يجوز التفرق (3) فيه قبل التقابض.

(1) ولشهيد - عليه الرحمة - في معنى المحاقلة المزابنة كلام متين يعجبنا ذكره قال: المحاقلة: مفاعلة من الحقل وهي الساحة التي يزرع فيها سميت بذلك لتعلقها بزرع في حقل، وأطلق اسم الحقل على الزرع مجازا من اطلاق اسم المحل على الحال، والمزابنة مفاعلة عن الزبن وهو الدفع، ومنه الزبانية لأنهم يدفعون الناس إلى النار سميت بذلك لأنها مبنية على التخمين، والغبن فيها كثير وكل يريد دفعه عن نفسه إلى الآخر. إنتهى.
(2) في بعض النسخ (التصرف).

[ 119 ]

والقبض في التمر الموضوع على الأرض النقل وفي الرطب التخلية، وليس من شرطه أن يحضر التمر موضوع النخلة لأنهما إذا تعاقدا البيع وخلا البايع بين المشتري وبين التمرة جاز أن يمضيا إلى موضع التمر ويستوفيه لأن التفرق إنما هو بالبدن وذلك لا يحصل إذا انتقلا جميعا عن موضع البيع إلى موضع آخر، وجملته أنه يراعى شرطان: أحدهما: المماثلة من طريق الخرص. والثاني التقابض قبل التفرق بالبدن، والعرية لا تكون إلا في النخل خاصة فأما في الكرم وشجر الفواكه فإنه لا دليل عليه. وإذا باع صبرة من طعام بصبرة فإن كانتا من جنس واحد نظر فإن كانا اكتالا وعرفا تساويهما في المقدار جاز البيع، وإن جهلا مقدارهما ولم يشترطا التساوي لم يجزلان ما يجري فيه الربا لا يجوز بيع بعضه ببعض جزافا، وإن قال: بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة كيلا بكيل سواء بسواء فقال: اشتريت فإنهما يكالان فإن خرجتا سواء جاز البيع، وإن كانت إحديهما أكثر من الأخرى فإن البيع باطل لأنه ربا. وأما إذا كانتا من جنسين مختلفين فإن لم يشرطا كيلا بكيل سواء بسواء فإن البيع صحيح لأن التفاضل جايز في الجنسين فإن اشترطا أن يكون كيلا بكيل سواء بسواء فإن خرجتا متساويتين في الكيل جاز البيع وإن خرجتا متفاضلتين فإن تبرع صاحب الصبرة الزايدة جاز البيع وأن امتنع من ذلك ورضي صاحب الصبرة الناقصة بأن يأخذ بقدرها من الصبرة الزايدة جاز البيع وإن تمانعا فسخ البيع بينهما لا لأجل الربا لكن لأن كل واحد منهما باع جميع صبرته بجميع صبرة صاحبه وعلى أنهما سواء في المقدار فإذا تفاضلا وتمانعا وجب فسخ البيع بينهما. فصل: في حكم بيع ما لم يقبض إذا ابتاع شيئا وأراد بيعه قبل قبضه فلا يخلو المبيع من أحد أمرين: إما أن يكون طعاما أو غيره فإن كان طعاما لم يجز بيعه حتى يقبضه إجماعا، وأما غير الطعام من

[ 120 ]

سائر الأموال فإنه يجوز بيعه قبل القبض لأنه لا مانع في الشرع منه. وأما إذا قبضه فإنه يجوز بيعه بلا خلاف وكيفية القبض ينظر في المبيع فإن كان مما لا ينقل ولا يحول فالقبض فيه التخلية وذلك مثل العقار والأرضين، وإن كان مما ينقل ويحول فإن كان مثل الدراهم والدنانير والجوهر وما يتناول باليد فالقبض فيه هو التناول، وإن كان مثل الحيوان كالعبد والبهيمة فإن القبض في البهيمة أن يمشي بها إلى مكان آخر وفي العبد يقيمه إلى مكان آخر، وإن كان اشتراه جزافا كان القبض فيه أن ينقله من مكانه، وإن اشتراه مكايلة فالقبض فيه أن يكيله هذا كله في كيفية القبض. فأما القبض الصحيح فضربان: أحدهما: أن يسلم المبيع باختياره فيصح القبض. والثاني: أن يكون الثمن مؤجلا أو حالا إلا أن المشتري أوفاه فإذا قبضه المشتري بغير اختيار البايع صح القبض فأما إذا كان الثمن حالا ولم يوفه الثمن ثم قبض المبيع بغير اختيار البايع لم يصح القبض وكان للبايع مطالبته برد المبيع إلى يده لأن له حق الحبس والتوثق به إلى أن يستوفي الثمن وهذا في بيع المبيع قبل القبض وبعده. فأما إجازته قبل القبض فإنه يصح أيضا إلا فيما لا يصح بيعه قبل القبض لأن الاجارة ضرب من البيوع وكذلك الكتابة تصح لأنها نوع من البيوع إلا فيما استثنيناه. وأما الرهن فإنه يصح على كل حال لأنه ملكه فصح منه التصرف ويجوز منه تزويج الأمة قبل قبضها ويكون وطئ المشتري أو الزوج قبضا. ويجوز للمرأة بيع الصداق قبل أن تقبضه، ويجوز للرجل أن يبيع مال الخلع قبل قبضه. وأما الثمن إذا كان معينا فإنه يجوز بيعه قبل قبضه، وإن كان في الذمة فكذلك يجوز لأنه لا مانع منه ما لم يكن صرفا فإذا كان صرفا فلا يجوز بيعه قبل القبض إذا ورث طعاما أو أوصى له به ومات الموصي وقبل الوصية أو اغتنمه وتعين عليه ملكه فإنه يجوز

[ 121 ]

له بيعه قبل قبضه. وإذا أسلم في طعام ثم باعه من آخر لم يصح إلا أن يجعله وكيله في القبض فإذا قبضه عنه حينئذ كان قبض عنه. وإذا أسلم في طعام معلوم واستسلف من رجل مثله فلما حل عليه الطعام قال لمن أسلم إليه: احضر معي عند من أسلمت إليه فإن لي فيه قفيزا من طعام حل عليه حتى اكتاله لك فإنه يجوز له أن يكتاله لنفسه ويقبضه إياه بكيله إذا شاهده وإن أمره بأن يكتال له من ذلك الغير ووكله فيه فإذا قبضه احتسب به عنه كان أيضا جايزا وإن اكتال هو لنفسه منه ووثق به ذلك الغير الذي له عليه كان أيضا جايزا لأنه لا مانع منه. وإن قال له: امض إليه واكتل لنفسك لم يصح لأنه يكون قد باع طعاما قبل أن يكيله ويحتاج أن يرد ما أخذه على صاحبه ويكتاله إما عن الآمر بقبضه أو يكتاله الآمر فيصح ثم يقبضه منه إما بكيل مجدد أو يصدقه فيه، وإن اكتاله الآمر ثم اكتاله المشتري منه كان صحيحا بلا خلاف وهو الأحوط. إذا حل (1) عليه الطعام بعقد السلم فدفع إلى المسلم دراهم نظر فإن قال: خذها بدل الطعام لم يجز لأن بيع المسلم فيه لا يجوز قبل القبض سواء باعه من المسلم إليه أو من الأجنبي إجماعا. وإن قال: اشتر بها الطعام لنفسك لم يصح لأن الدراهم باقية على ملك المسلم إليه فلا يصح أن يشتري بها طعاما لنفسه. وإن اشترى الطعام نظر فإن اشتراه بعينها لم يصح البيع وإن اشتراه في الذمة ملك الطعام وضمن الدراهم التي عليه لأنها مضمونة عليه فيكون للمسلم إليه في ذمته دراهم، وله عليه الطعام الذي كان له في ذمته. وإن قال له: اشتر بها الطعام لي ثم اقبضه لنفسك صح الشراء لأنه وكيل في شراء الطعام وإذا قبضه منه لنفسه فهل يصح أم لا؟ على ما ذكرت في المسألة التي قبلها. وإن قال: اشتر لي بها طعاما واقبضه لي ثم اقبضه لنفسك من نفسك لم يجز قبضه من نفسه لنفسه لأنه لا يجوز أن يكون وكيلا لغيره في قبض حق نفسه من نفسه.

(1) في بعض النسخ (حصل).

[ 122 ]

إذا كان لرجل على غيره قفيز طعام من جهة السلم والذي عليه الطعام من جهة السلم له على رجل آخر طعام من جهة القرض فأحاله على من له عليه من جهة القرض كان جايزا، وكذلك إن كان الطعام الذي له قرضا والذي عليه سلما كان جايزا لأنه لا مانع منه. فإن كان الطعامان قرضين يجوز بلا خلاف، وإن كانا سلمين لا يجوز بلا خلاف لأن بيع السلم لا يجوز قبل القبض إجماعا لا لعلة ولا يلحقه فسخ لأن المسلم فيه إذا انقطع لم ينفسخ السلم ويبقى في الذمة وله الخيار إما أن يؤخره إلى القابل أو يفسخ البيع. إذا كان لانسان على غيره طعام بكيل معلوم فقبضه منه جزافا من غير كيل كان القبض فاسدا إجماعا. وإن قال: قد كلته أنا وهو عشرة أقفزة فقبل قوله وقبضه كان القبض صحيحا فإذا تقرر هذا نظر في الطعام فإن كان باقيا وكيل فإن خرج وفق حقه فقد استوفى حقه، وإن خرج أقل من حقه رجع على صاحبه بتمامه، وإن خرج أكثر منه رد الزيادة وإن كان قد استهلكه فالقول قوله مع يمينه في قدره فإن ادعى قدر حقه فقد سقط حقه عن ذمة من كان عليه، وإن ادعى النقصان فالقول قوله مع يمينه سواء كان يسيرا أو كثيرا وأما إن حضر اكتياله ممن اشتراه فأخذ الكيل الذي أخذه به كان ذلك صحيحا فإن ادعى النقصان فإن كان يسيرا يقع مثله في بخس الكيل كان القول قوله مع يمينه فإن كان كثيرا لا يقع مثله في بخس الكيل لا يقبل قوله، والفرق بينهما أن هذا شاهد اكتيال صاحبه من بايعه فلا يقبل قوله إلا في قدر تفاوت الكيل وليس كذلك في المسألة الأولى لأنه قبض جزافا أو قبل قوله فيما كاله. وأما التصرف في الطعام الذي قبضه من غير كيل فإن باع الجميع نفذ البيع فيما يتحقق أنه حقه وما يزيد عليه لا ينفذ بيعه فيه، وإن كان قدر المستحق أو أقل صح ذلك. إذا كان له على غيره طعام قرضا فأعطاه مالا نظر فإن كان ما أعطاه طعاما من جنس

[ 123 ]

ما عليه فهو نفس حقه، وإن كان من جنس أخر فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون طعاما أو غيره فإن كان طعاما مثل الشعير والذرة والأرز فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون في الذمة أو عينا فإن كان في الذمة نظر فإن كان عينه قبل التفرق وقبضه جاز وإن فارقه قبل قبضه وتعيينه فلا يجوز لأن ذلك يصير بيع دين بدين وقد نهى عليه السلام عن بيع الكالي بالكالي، وإن كان غير الطعام مثل الدراهم والدنانير والثياب والحيوان فإنه يجوز فإن كان في الذمة ثم قبضه جاز في المجلس وإن كان في الذمة وفارقه قبل القبض لم يجز لأنه باع دينا بدين، وإن كان معينا وفارقه قبل القبض فإنه يجوز كما إذا باعه طعاما بعينه بثمن في الذمة وافترقا قبل التقابض صح. إذا كان في ذمة غير طعام فباعه منه طعاما بعينه ليقبضه منه الطعام الذي له في ذمته لم يصح لأنه شرط قضاء الدين في ذمته من هذا الطعام بعينه وهذا لا يلزمه، ولا يجوز أن يجبر عل الوفاء به، وإذا كان كذلك سقط الشرط وكان فاسدا لأن الشرط الفاسد إذا اقترن بالبيع فسد البيع لأن الشرط يحتاج أن يزيد بقسطه من الثمن وهذا مجهول ففسد البيع ولو قلنا: يفسد الشرط ويصح البيع كان قويا. إذا باع منه طعاما بعشرة دراهم على أن يقبضه الطعام الذي له عليه أجود منه فإنه لا يصح لأن الجودة لا يجوز أن تكون ثمنا بانفرادها وإن قضاه أجود ليبيعه طعاما بعينه بعشرة لم يجز. إذا باع طعاما بعشرة مؤجله فلما حل الأجل أخذ بها طعاما جاز إذا أخذ مثل ما أعطاه، وإن أخذ أكثر لم يجز، وقد روي أنه يجوز على كل حال. إذا أقرض غيره طعاما بمصر فلقيه بمكة وطالبه به لم يجبر على دفعه لأن قيمته تختلف، وإن طالبه المستقرض بقبضه منه لم يجبر المقرض على قبضه لأن عليه في حمله مؤونة وإن تراضيا عليه جاز، وإن طالبه بقيمته مبصر أجبر على دفعها لأنه يملك ذلك. وكذلك إذا غصب طعاما وأتلفه كان الحكم فيه ما ذكرناه وإن أسلم إليه في طعام

[ 124 ]

كان الحكم مثل ذلك إلا في أخذ البدل فإنه لا يجوز لأن بيع المسلم فيه قبل قبضه لا يجوز. إذا اشترى صبرة من طعام فوجدها مصبوبة على دكة أو صخرة أو ربوة في الأرض فهذا غش وخيانة ويثبت للمشتري فيه الخيار إن شاء رضى وإن شاء فسخ البيع، وعلى مذهبنا البيع باطل لأن ما يكال ويوزن لا يجوز بيعه جزافا. إذا اشترى من رجل عبدا بثوب وقبض العبد ولم يسلم الثوب فباع العبد صح بيعه لأنه قبضه وانتقل إليه ضمانه. وإذا باعه وسلمه إلى المشتري ثم تلف الثوب الذي في يد البايع انفسخ البيع ولزمه قيمة العبد لبايعه لأنه لا يقدر على رده بعيبه [ بعينه خ ل ] فهو بمنزلة المستهلك، وإن باع العبد ولم يسلمه حتى تلف العبد والثوب جميعا في يده بطل البيعان معا. إذا اشترى شقصا من دار أو أرض بعبد وقبض الشقص ولم يسلم العبد كان للشفيع أن يأخذ منه بقيمة العبد فإن قبضه ثم هلك العبد في يده بطل البيع ولم تبطل الشفعة في الشقص ووجب عليه أن يدفع إلى البايع قيمة الشقص حين قبضه ووجب على الشفيع للمشتري قيمة العبد حين وقع البيع عليه لأن ثمن الشقص إذا كان لا مثل له وجب قيمته حين البيع. إذا اشترى نخلا حائلة ثم أثمرت في يده البايع كانت الثمرة للمشتري وهي أمانة في يد البايع فإن هلكت الثمرة في يد البايع وسلمت الأصول لم يجب عليه الضمان وإن هلكت النخيل دون الثمرة انفسخ البيع وسقط الثمن عن المشتري وكانت الثمرة له لأنه ملكها بغير عوض، وكذلك إذا كان المبيع استفاد مالا في يد البايع ووجد لقطة أو كنزا ووهب له شئ أو أوصى له به كان ذلك كله للمشتري. فصل: في بيع المصراة المصراة أن يترك حلب الناقة أو البقرة أو الشاة يوما ويومين فيجتمع في ضرعها لبن كثير ثم يحملها إلى السوق فإذا نظر المشتري إلى ضرعها رآه كبيرا ولبنها غزيرا فيظن

[ 125 ]

أنه لبنها في كل يوم فيزيد في ثمنها فإذا حلبها ونقص لبنها ووقف على التصرية كان بالخيار إن شاء رد ها وإن شاء رضىس بها، وإذا ردها ردها مع صاع من تمر عوضا عن اللبن وسميت مصراة لجمع اللبن في ضرعها يقال: صرى الماء في الحوض والطعام في السوق والماء في الظهر إذا لم يتزوج وسميت الصراة بهذا الاسم لاجتماع الماء فيها، ويسمى أيضا محفلة. والتحفيل هو الجمع وتسمى مجامع الناس محافل. وتكون مدة الخيار ثلاثة أيام مثلها في ساير الحيوان وعوض اللبن التمر أو صاع من البر لنص النبي صلى الله عليه وآله فإن تعذر وجبت قيمته وإن أتى على قيمة الشاة ولا اعتبار بفضل الأقوات، وساير البلاد في هذا الباب بمنزلة المدينة ويلزم قيمتها ولا يلزم قيمة المدينة لأنه لا دليل عليه. وإذا كان لبن التصرية باقيا لم يشرب منه شيئا فأراد رده مع الشاة لم يجبر البايع عليه، وإن قلنا: إنه يجبر عليه لأنه عين ما له كان قويا، والتصرية في البقرة بمنزلتها في الإبل والشاة، والتصرية في الجارية لا تصح لأنه لا دليل عليه وحملها على البقرة والناقة والشاة قياس. وإذا صرى أتانا لم يكن له حكم التصرية لمثل ذلك لا لأجل نجاسة لبنها لأن لبنها طاهر عندنا. وإذا اشترى شاة مصراة مع العلم بالتصرية لم يكن له الخيار لمكان التصرية. وإذا اشترى شاة وهي مصراة فثبت لبنها وصار لبن العادة بتغير المرعى زال الخيار لأن العيب قد زال فإن رضيها المشتري وحلبها زمانا ثم أصاب بها عيبا غير التصرية فله ردها بالعيب ويرد صاعا من تمر أو بر بدل لبن التصرية ولا يرد اللبن الحادث لأن النبي صلى الله عليه وآله قضى أن الخراج بالضمان. وإذا باع شاة غير مصراة وحلبها أياما ثم وجد بها عيبا فأراد ردها نظر فإن اشتراها محلوبة لا لبن في ضرعها كان له ردها وما حل من اللبن في ضرعها له ولا شئ عليه لأنه حدث في ملكه، وإن كان في ضرعها لبن نظر فإن كان قد استهلك لم يجز له

[ 126 ]

ردها لأن بعض المبيع قد تلف وله المطالبة بالأرش، وإن كان قايما لم يستهلك كان له ردها وقيل: ليس له ردها لأنه تصرف في اللبن بالحلب. وإذا حدث في بعض الصفقة عند المشتري عيب لم يجز له الرد ورجع بالأرش والعيب الحادث في اللبن ما ذكرته وهو أنه إن تصرف فيه بالحلب فليس له الرد و قيل: إن له الرد لأنه لم يستهلكه، وفي الناس من قال: إذا استهلك اللبن جاز له رد الشاة ولا يرد شيئا بدل اللبن وليس بشئ. فصل: في أن الخراج بالضمان إذا كان لرجل مال فيه عيب فأراد بيعه وجب عليه أن يبين للمشتري عيبه ولا يكتمه أو يتبرء إليه من العيوب والأول أحوط فإن لم يبينه واشتراه انسان فوجد به عيبا كان المشتري بالخيار إن شاء رضي به وإن شاء رده بالعيب واسترجع الثمن. فإن اختار فسخ البيع ورد المبيع نظر فإن لم يكن حصل من جهة المبيع نماء رده واسترجع ثمنه وإن كان حصل نماء وفائدة فلا يخلو من أن يكون كسبا من جهته أو نتاجا وثمرة فإن كان كسبا مثل أن يكتسب بعلمه أو تجارته أو يوهب له شئ أو يصطاد شيئا أو يحتطب أو يحتش فإنه يرد المعيب ولا يرد الكسب بلا خلاف لقوله صلى الله عليه وآله: الخراج بالضمان فالخراج اسم للغلة والفائدة التي يحصل من جهة المبيع ويقال للعبد الذي ضرب عليه مقدار من الكسب في كل يوم أو في كل شهر: عبد مخارج وقوله صلى الله عليه وآله: الخراج بالضمان معناه أن الخراج لمن يكون المال يتلف من ملكه ولما كان المبيع يتلف من ملك المشتري لأن الضمان انتقل إليه بالقبض كان الخراج له فأما النتاج والثمرة فإنهما أيضا للمشتري، وإن حصل من المبيع نماء قبل القبض كان ذلك للبايع إذا أراد الرد بالعيب لأن ضمانه على البايع لظاهر الخبر. ومتى نقصت الأمة بالولادة لم يكن له ردها على البايع ورجع بالأرش للعيب لأنه إذا أحدث بالمبيع عند المشتري عيب ووجد به عيبا كان عند البايع لم يجز له رده لأنه لا يمكنه رده كما أخذه من البايع وله الأرش هذا إذا اشترى بهيمة حايلا فحملت عند المشتري وولدت فأما إذا اشتراها حاملا ثم ولدت ثم وجد بها عيبا كان عند البايع فإنه يردها ويرد الولد معها لأن الولد له قسط من الثمن.

[ 127 ]

إذا اشترى جارية حايلا فولدت في ملك المشتري عبدا مملوكا ثم وجد بالأم عيبا فإنه يرد الأم دون الولد مثل ما قلناه في البهيمة سواء. وإذا اشتري أمة فوطأها ثم ظهر لها بعد ذلك عيب لم يكن له ردها وكان له الأرش سواء كانت بكرا أو ثيبا، وطريق ذلك أن تقوم الجارية صحيحة فإذا كانت تساوي ألفا ثم قومت معيبة فإذا قيل تسعمائة فقد علمنا أنه نقص عشر قيمتها فيرجع بعشر ثمنها وإنما قلنا يرجع بما نقص من الثمن دون القيمة لأنه لو رجع بما نقص من القيمة لأدى إلى أن يجتمع للمشتري الثمن والمثمن جميعا، وهو إذا اشترى رجل من رجل جارية تساوي ألفي درهم بألف درهم ووجد بها عيبا نقص نصف قيمتها وهو ألف درهم وحدث عنده عيب آخر يمنع من ردها فإنه لو رجع بما نقص من العيب من القيمة لوجب أن يرجع بنصف الألفين درهم فيحصل عنده الثمن وهو ألف درهم والمثمن وهذا لا يجوز ويخالف ذلك إذا غصب جارية فافتضها فإنه يلزمه ما نقص من قيمتها إجماعا لأنه لا يؤدي إلى اجتماع البدل والمبدل. وإذا وجد المشتري عيبا حدث في يد البايع بعد البيع كان بالخيار بين الرد والامساك كما إذا كان العيب موجودا حال البيع فإن فسخ البيع ورده واسترجع الثمن فقد استوفى حقه وإن أمسكه ورضى بعيبه فقد لزمه البيع ويسقط الخيار. وإن قال المشتري: أنا أجيز البيع مع أرش العيب لم يجبر البايع على بذل الأرش فإذا تراضيا البايع والمشتري على الأرش كان جايزا فإذا أجازه سقط الخيار وثبت الأرش على البايع وسقط خيار الرد. إذا عفى الشفيع عن الشفعة بعوض شرطه على المشتري لم يملك العوض وإن قبضه رده، ولا يسقط حقه في الشفعة لأنه لا دليل عليه ولأنه أسقط حقه بشرط أن يسلم له العوض فإذا لم يسلم له العوض رجع إلى حقه، وقال قوم، إنه سقط لأنه عفى عن حقه وأسقطه. إذا اشترى نفسان عبدا ووجدا به عيبا كان لهما الرد والامساك فإن أراد أحدهما الرد والآخر الامساك لم يكن لمن أراد الرد أن يرد حتى يتفقا هذا إذا اشترياه بصفقة واحدة.

[ 128 ]

فأما إذا اشترى أحدهما نصف العبد بعقد، واشترى الآخر النصف الآخر بعقد آخر ثم وجدا به عيبا كان لكل واحد منهما رد نصيبه بالعيب إجماعا. وإذا اشترى عبدين صفقة واحدة ووجد بأحدهما عيبا لم يكن له رد المعيب دون الصحيح وله ردهما معا. إذا قال واحد لاثنين: بعتكما هذا العبد بكذا فقال أحدهما: قبلت نصفه بنصف ما قال من الثمن لم ينعقد العقد لأنه غير مطابق لإيجابه. وإن قال واحد لرجلين: بعتكما هذين العبدين بألف فقبل أحدهما أحد العبدين بخمسمائة لم يجز إجماعا، وفي الأول خلاف. والفرق بينهما أنه إذا قال: بعتكما هذين العبدين بألف فإنما أوجب لكل واحد منهما نصف كل واحد من العبدين فإذا قبل أحد العبدين فقد قبل ما لم يوجبه وبثمن لا يقتضيه إيجابه لأن الثمن ينقسم على قدر قيمة العبدين ولا يقابل نصف الثمن أحدهما. فإن قال: قبلت نصف كل واحد منها بنصف الثمن كان مثل المسألة الأولى سواء. وإن قال: قد قبلت نصف أحد العبدين بحصته من الثمن لم يصح إجماعا لأن حصته مجهولة. وإن قال واحد لرجلين: بعتكما هذين العبدين بألف درهم هذا العبد منك وهذا العبد الآخر منك فقبله أحدهما بخمسمائة لم يصح لأنه قبله بثمن لم يوجب له لأن الألف مقسومة على قدر القيمتين لا على عددهما وهو إجماع. وإن قال لرجل: بعتك هذين العبدين بألف درهم فقال: قبلت البيع صح وإن جهل ما يقابل كل واحد من العبدين من الألف لأن ذلك صفقة واحدة والثمن في الجملة معلوم. وإذا باعهما من رجلين كان ذلك صفقتين ويجب أن يكون الثمن معلوما في كل واحد منهما.

[ 129 ]

وأما إذا قال: بعتكما هذين العبدين هذا العبد منك بخمسمائة وهذا العبد الآخر منك بخمسمائة صح لأنه قد حصل من كل واحد منهما معلوما. وإذا قال: بعتك هذين العبدين بألف فقال: قبلت نصفي هذين العبدين بخمسمائة لم يصح لمثل ما قلناه. وإذا وكل رجلان رجلا في شراء عبد فاشتراه من رجل نظر فإن بين للبايع أنه يشتريه لموكليه فإن الشراء يقع لهما والملك ينتقل إليهما، ولا يجوز لأحدهما رد نصيبه كما قلناه في اثنين. إذا اشتريا عبدا ووجدا به عيبا ولا يكون لأحدهما رد نصيبه، وفي هذه خلاف، وإن لم يبين ذلك واشترى منه مطلقا ثم وجد به عيبا وأراد رد نصيبه لم يكن له بلا خلاف لأن قوله لا يقبل بعد البيع إنه اشتراه لهما، والظاهر أنه اشتراه له صفقة واحدة. وإذا اشترى جارية فالبيع لا يصح حتى ينظر إلى شعرها لأنه مقصود ويختلف الثمن باختلاف لونه من السواد والبياض والشقرة والجعودة والسبوطة فإذا نظر المشتري إلى شعرها فوجده جعدا فاشتراها فلما كان بعد أيام صار سبطا وتبين أن البايع دلس فيه كان له الخيار لأنه عيب، وكذلك إذا بيض وجهها بالطلاء ثم أسمر أو أحمر خديها بالدمام وهو الكلكون ثم أصفر كان له الخيار لمثل ذلك، وإن قلنا: ليس له الخيار لأنه لا دليل في الشرع على كونه عيبا يوجب الرد كان قويا. وأما إذ أسلم في جارية جعدة فسلم إليه سبطة كان له ردها لأنها دون ما أسلم فيه لا لأنه عيب، وإن أسلم في جارية سبطة فسلم إليه جعدة كان له الرد لأنها بخلاف ما شرط، وقال قوم: ليس له الرد لأنها خير مما شرط. وإذا اشترى جارية ولم يشترط بكارتها ولا ثيوبتها فخرجت بكرا أو ثيبا لم يكن له الخيار لأنه لم يشترط إحدى الصفتين. وإن شرط أن تكون بكرا فخرجت ثيبا روى أصحابنا أنه ليس له الخيار وله الأرش (1).

(1) انظر التهذيب ج 7 (باب العيوب الموجبة للرد) ص 64 الرقم 278.

[ 130 ]

وإن شرط أن تكون ثيبا فخرجت بكرا لم يكن له الخيار، وفي الناس من قال: له الخيار، وإنما قلنا ذلك لأنه لا دليل عليه. إذا اشترى عبدا مطلقا فخرج كافرا أو مسلما لم يكن له الخيار لأنه لم يشرط أحد الأمرين. وإن شرط أن يكون مسلما فخرج كافرا كان له الخيار لأنه بخلاف ما شرطه. وإن شرط أن يكون كافرا فخرج مسلما كان له الخيار عند قوم، والأولى أن لا يكون له الخيار لقوله عليه السلام: الاسلام يعلو ولا يعلى عليه. إذا اشترى عبدا مطلقا فخرج فحلا لم يكن له الخيار، وإن خرج خصيا كان له الخيار لأن مطلق العبد يقتضي سلامة الأعضاء في الأطراف. وإن شرط أن يكون خصيا فخرج فحلا ثبت له الخيار لأنه بخلاف الشرط. وإذا اشتري جارية أو غلاما فوجدهما زانيين لم يثبت له الخيار لأنه دلا دليل عليه فإذا وجدهما أبخرين [ أفجرين خ ل ] فمثل ذلك، وقال قوم: له الخيار، وقال قوم: إن كان بالجارية عيب ثبت له الخيار وإن كان بالغلام فلا خيار له. إذا وجد العبد مخنثا أو سارقا أو آبقا كان له الخيار إجماعا. وإذا وجد العبد أو الجارية غير مختونين لم يكن له الخيار لأنه لا دليل عليه سواء كانا صغيرين أو كبيرين فأما إذا كان بهما جنون أو برص أو جذام كان له الرد بلا خلاف، وروى أصحابنا أن هذه الأحداث يرد منها إذا ظهرت بعد البيع ولو كان إلى سنة. إذا اشترى من غيره شيئا وباعه وعلم به عيبا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يعلم بالعيب قبل أن يبيعه أو يعلم به بعد البيع فإن علم العيب قبل البيع فإن ذلك يكون رضى بالعيب لأنه تصرف فيه فإذا ثبت هذا فإن العلقة قد انقطعت بين البايع والمشتري وينظر في المشتري الثاني فإن علم بالعيب ورده عليه لم يكن له رده على بايعه وإن حدث عنده عيب ورجع بأرش العيب عليه لم يكن له أن يرجع بأرش العيب على بايعه لأنه قد رضى بالعيب.

[ 131 ]

وأما إن باعه قبل العلم بالعيب ثم علمه فإنه لا يمكنه الرد لزوال ملكه ولا يجب أيضا له الأرش لأنه لم ييئس من رده على البايع فإذا ثبت هذا فلا يخلو المشتري الثاني من ثلاثة أحوال: إما أن يرده على المشتري الأول بالعيب أو يحدث عنده عيب فيرجع على المشتري الأول بأرش العيب أو يرض بالعيب فإن رده على المشتري الأول واسترجع الثمن فإن المشتري الأول يرده على البايع أيضا ويأخذ الثمن، وإن رجع عليه بأرش العيب رجع هذا على بايعه بأرش العيب وإن رضى بالعيب سقط رده و الرجوع بأرش العيب، وأما المشتري الأول فإنه لا يرجع بأرش العيب لأنه لا دليل عليه وهو إجماع. ثم لا يخلو المبيع من أحد أمرين: إما أن يرجع إلى المشتري الأول ببيع أو هبة أو إرث أو لا يرجع ذلك بل يعرض فيه ما يسقط الرد بالعيب فإن رجع إليه ببيع أو هبة أو إرث كان له رده على بايعه، وإن عرض ما يسقط رده وهو أن يهلك في يد المشتري الثاني أو يحدث فيه عيب أو يعتقه إن كان عبدا أو يقفه إن كان غير ذلك فإذا كان كذلك فإنه يرجع بأرش العيب لأنه آيس من الرد هذا كله إذا باعه. وأما إذا وهبه ثم علم بالعيب فليس له الرجوع لأنه لم ييئس من الرد لأنه يمكن أن يرجع فيه فيرده على بايعه فإن رجع إليه بهبة أو بيع أو إرث فإنه يجوز له رده على بايعه. وإذا اشترى عبدا فأبق منه فإن كان الإباق كان به قبل البيع فإنه عيب يوجب الرد لكن المشتري لا يمكنه رده ما دام آبقا، ولا يجوز له الرجوع بأرش العيب لأنه لم ييئس من رده فإن رجع الآبق رده على بايعه، وإن لم يرجع وهلك في الإباق (1) رجع على البايع بأرش العيب وأما إذا لم يكن الإباق موجودا قبل البيع فإنه حادث في يد المشتري فلا يجب له الرد والرجوع بأرش عيبه. إذا اشترى عبدا فوجد به عيبا مثل البرص أو غير ذلك ثم أبق العبد قبل أن يرده على بايعه نظر فإن كان الإباق عند البايع فإنه لا يمكن رده في الحال ولا يرجع بأرش

(1) في بعض النسخ (بالاباق).

[ 132 ]

العيب فإن رجع عبد إليه رده وإن هلك في الإباق رجع بأرش العيب وإن كان الإباق حادثا فإنه قد حدث به عيب عنده فلا يجوز له رده وله أن يرجع بأرش العيب في الحال. إذا اشترى عبدا فأعتقه أو وقفه أو قتله أو مات حتف أنفه ثم علم بعيبه رجع بأرش العيب عليه، وهكذا إذا اشترى طعاما فأكله ثم علم أنه كان به عيب رجع بالأرش، وكذلك إذا اشترى ثوبا فقطعه أو صبغه ثم أصاب به عيبا كان له الأرش. وأما إذا باع بعضها ثم وجد بها عيبا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون عينا واحدة أو عينين فإن كان عينا واحدة فإنه لا يجوز له رد النصف الذي باعه لأنه زال ملكه ولا رد النصف الذي في ملكه لأن فيه إفساد المبيع على صاحبه بتبعيض الصفقة والشركة، ولا يجوز أن يرجع بالأرش لأنه لم ييئس من رد الجميع وإن كان عينين لم يكن أيضا له الرجوع لأن في ذلك أيضا تبعيض الصفقة وذلك لا يجوز. إذا اشترى شيئا وقبضه ثم وجد به عيبا كان عند البايع وحدث عنده عيب آخر لم يكن له رده إلا أن يرضى البايع بأن يقبلها ناقصة فيكون له ردها ولا يكون له أن يرجع بأرش العيب عند الفقهاء وكذلك عندي، وقيل: إن له الأرش لأن أرش العيب كان ثابتا له وإنما سقط حكم الرد بحدوث العيب عنده فلما رضى البايع باسترجاعه لم يسقط حق الأرش لأنه يحتاج إلى دليل وإن امتنع البايع من قبوله معيبا كان للمشتري حق الأرش بلا خلاف، وقد بينا كيفية الأرش وهو أن يقوم المبيع صحيحا ومعيبا وينظر كم نقص من أجزاء القيمة فينقص بمقداره من أجزاء الثمن ويعتبر التقويم في أقل الحالين قيمة من وقت العقد ووقت القبض. إذا باع عبدا وقطع طرف من أطرافه عند المشتري ثم وجد به عيبا قديما سقط حكم الرد إجماعا ووجب الأرش. إذا باع عبدين أو ثوبين أو غيرهما ووجد بأحدهما عيبا لم يكن له رد المعيب دون الصحيح وله الخيار بين رد الجميع وبين أرش المعيب وفيه خلاف فأما إذا كان المبيع مصراعي الباب أو زوجي الخف فوجد بأحدهما عيبا لم يكن له رد المعيب بلا خلاف. وكذلك إذا اشترى كرين من طعام أو ساير ما يتساوي أجزاؤه لم يكن رد المعيب

[ 133 ]

دون الصحيح بلا خلاف. فأما إذا اشترى عبدين وشرط في أحدهما الخيار أكثر من [ ال‍ ] ثلاث كان له الفسخ في الشرط الذي شرط فيه الخيار ولم يثبت له في الآخر. إذا اشترى عبدين ووجد بهما عيبا إلا أنه ما أحدهما لم يكن له رد الباقي وكان له الأرش لأن رد الجميع لا يمكنه. إذا اشترى من غيره إبريقا من فضة وزنه مائة درهم بمائة درهم ووجد به عيبا وحدث في يده عيب آخر فإنه لا يجوز له رده لحدوث العيب فيه عنده، ولا يجوز له الرجوع بالأرش لأنه ينقص الثمن عن وزنه فيكون ربا، ولا يجوز إسقاط حكم العيب لأن ذلك لا يجوز. فإذا ثبت ذلك فقد قيل: إنه يفسخ البيع ويغرم المشتري قيمة الإبريق من الذهب ولا يجوز رده على البايع لحدوث العيب عنده فيه ويكون بمنزلة التالف وقيل أيضا: يفسخ البيع ويرد الإبريق على البايع مع أرش النقصان الذي حصل في يد المشتري ويكون ذلك بمنزلة المأخوذ على طريق السوم. إذا حدث فيه النقص فإنه يجب رده مع أرش النقصان وإن كان الإبريق تالفا فسخ البيع ويرد قيمته ذهبا وتلفه لا يمنع من فسخ البيع. إذا أراد المشتري أن يرد المبيع (1) بالعيب جاز له فسخ البيع في غيبة البايع وحضرته قبل القبض وبعده. إذا اختلف البايع والمشتري في العيب فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يكون العيب لا يجوز أن يكون حادثا في يد المشتري مثل أن يكون إصبعا زايدة أو قطع إصبع قد اندمل موضعه وقد اشتراه من يومه أو من أمسه، ولا يجوز أن تبرء الجراحة في مثله فيكون القول قول المشتري من غير يمين، إن كانت الجارحة طرية وقد اشتراه من سنة ولا يجوز أن تكون الجراحة من سنة فالقول قول البايع من غير يمين. وإن أمكن حدوثه عند البايع وعند المشتري واختلفا فالقول قول البايع مع يمينه وعلى المشتري البينة لأن الأصل سلامته من العيب والأصل لزوم العقد و

(1) في بعض النسخ (المعيب).

[ 134 ]

المشتري يدعي حدوث العيب في يد البايع ويدعي ما يفسخ به البيع فيكون عليه البينة. فإذا ثبت هذا فإذا ادعى المشتري أنه باعه السلعة وبها عيب نظر في جواب البايع فإن قال: لا يستحق الرد على بهذا العيب كان جوابا صحيحا ووجب على الحاكم استماع ذلك منه وإحلافه على ذلك، وإن قال: بعته بريا من هذا العيب جاز أن يحلفه بالله لا يستحق رده عليه لأنه قد يبيعه وبه العيب ثم يسقط الرد بالرضاء بالعيب فلو أراد الحاكم أن يحلفه والله لقد باعه بريا من هذا العيب لم يمكنه أن يحلف على هذا الوجه فإذا نكل عن اليمين رده عليه فيكون قد ظلمه، وقد قيل: إن له أن يحلفه بالله لقد بعته بريا من هذا العيب لأنه لما أجاب بهذا دل على أنه يمكنه أن يحلف على هذا الوجه. وهكذا إذا ادعى رجل على رجل مالا في يده وقال للحاكم: إنه غصبه من يدي وأنا مطالب برده على فإن أجاب بأنه لا يستحق ذلك كان جوابا صحيحا و أحلفه الحاكم عليه، وإن أجاب بأني ما غصبته كان الجواب صحيحا، ويجوز أن يحلفه ما غصبه أو لا يستحق رده عليه على الوجهين معا فإذا ثبت هذا فإنه يحلفه والله لقد أقبضته وما به هذا العيب لأن ما يحدث بعد البيع وقبل التسليم مضمون عليه ويستحق المشتري رده بالعيب عليه هذا إذا ادعى المشتري هكذا فأما إذا ادعى أنه باعه وبه هذا العيب وأجاب البايع أنه باعه بريا حلفه الحاكم على حسب الدعوى. وأما إذا ادعى أنه أقبضه فإنه يحلفه على الاقباض دون البيع وإن شاء له أن يحتاط له في الاحلاف أحلفه على ما قدمناه من أنه أقبضه وما به هذا العيب، واليمين يكون على البت والقطع دون العلم فإن الأيمان كلها أربع يمين: على أثبات فعل الغير، وعلى نفي فعل الغير، وعلى إثبات فعل نفسه، وعلى نفي فعل نفسه وكلها على القطع والبت إلا يمينا واحدة فإنه على العلم وهي اليمين على نفي فعل الغير. إذا باع من غيره شيئا مما يكون مأكولة في جوفه كالبيض والجوز واللوز وكسره

[ 135 ]

المشتري فوجده فاسدا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن لا يكون لفاسده قيمة مثل بيض الدجاج فإن كان هكذا فالبيع باطل لأنه لا يجوز بيع ما لا قيمة له، وعلى هذا لا يجوز بيع الحشرات مثل الخنافس والديدان والجعلان وبنات وردان والذباب وغير ذلك ومن أتلفه فلا ضمان عليه لأنه لا قيمة له. وإن كان لفاسده قيمة مثل بيض النعامة والجوز واللوز والبطيخ والرمان نظر فيه فإن كان لم يزد في كسره على القدر الذي يستعلم به العيب ولا يمكن أن يعلم بما دونه مثل أن يكون ثقب الرمان فعرف حموضته وثقب البطيخ فعرف حموضته أو قطعه قطعا يسيرا عرف به أنه مدود لأن التدويد لا يمكن معرفته بالثقب فإن كان هكذا لا يجوز رده، وقد قيل: إن له رده والأول أقوى لأنه تصرف في المبيع، ويجب له الأرش، وقد بينا كيفية الأرش وهو ما بين قيمته صحيحا وقشره صحيح، وبين كونه فاسدا و قشره صحيح فما يثبت يرجع بمقداره من الثمن ولا يقوم مكسورا لأن الكسر نقص حصل [ حدث خ ل ] في يده. إذا اشترى ثوبا فنشر ووجد به عيبا فإن كان النشر لا ينقصه من الثمن فإنه يرده بالعيب، وإن كان النشر ينقصه مثل الشاهجاني المطوي على طاقين الذي يلتزق أحدهما بالآخر فيتكسر بالنشر فإنه يبطل الرد وله الأرش بالعيب. إذا جنى عبد فباعه مولاه بغير إذن المجني عليه فإن كانت جناية توجب القصاص فلا يصح بيعه. وإن كانت جناية توجب الأرش صح بيعه إذا تطوع السيد بالتزام أرش الجناية. وأما إذا كان العبد مرهونا وجنى بيع في الجناية إذا كانت توجب أرشا ويبطل الرهن وينتقل ما على الرهن إلى الذمة فإذا ثبت ما قلناه من أنه يبطل بيعه فيما يوجب القصاص فإنه يرده ويسترجع الثمن وتبقى الحكومة بين المجني عليه وبين سيد العبد الجاني وينظر فإن كانت الجناية عمدا توجب القصاص فاقتصه منه فقد استوفى حقه و

[ 136 ]

إن عفى على مال أو كانت الجناية توجب مالا فإن المال يتعلق برقبة العبد والمولى بالخيار إن شاء سلمه المبيع وإن شاء فداه من ماله. فإن سلمه المبيع فبيع نظر فإن كان الثمن مثل أرش الجناية دفع إلى المجني عليه وإن كان أقل منه فلا يلزم السيد غيره لأن الأرش لم يثبت في ذمة المولى ولا يتعلق بساير ماله، وإن كان أكثر من الأرش فإن الفاضل يرد على المولى. وإن اختار أن يفديه فبكم يفديه ينظر فإن كانت الجناية أقل من قيمته لزمه أرش الجناية، وإن كانت أكثر من رقبته لم يلزمه أكثر من ذلك، وقد روي أنه يلزمه جميع الأرش أو يسلم العبد. وينبغي أن نقول فيما يوجب الأرش أن يبيعه إياه بعد ذلك دلالة على التزام المال في ذمته ويلزمه أقل الأمرين: إما الأرش إن كان أقل من قيمة العبد أو قيمة العبد إن كانت الجناية أكثر من قيمته، وإن كانت الجناية عمدا توجب القصاص فإن اختار ولي الدم المال وعفى عن القصاص كان الحكم كما ذكرناه، وإن طالب بالقصاص قتله ونظر فإن كان ذلك قبل تسليمه إلى المشتري فقد انفسخ البيع لأن المبيع قد هلك قبل القبض وفات التسليم المستحق بالعقد، وإن كان بعد القبض فإنه يرجع بجميع الثمن لأن هذا القتل وجب في ملك البايع فلم يمنع من فسخ البيع ورده. وفي الناس من قال: يرجع بأرش العيب وهو أن يقوم وهو غير جان ويقوم وهو جان جناية توجب القصاص فيما ينقص من أجزاء الثمن يرجع بقدره من أجزاء القيمة مثل المريض الذي لا يعلم بمرضه. والأول أصح. إذ غصب عبدا من غيره فجنى في يد الغاصب جناية توجب القصاص ثم رد الغاصب العبد على مولاه فقتل قصاصا كان لمولاه أن يرجع بقيمة العبد على الغاصب لأنه قتل بجناية حدثت في يده. وكذلك إذا اشترى أمة حاملا ولم يعلم بحملها فماتت من الطلق رجع بأرش العيب لأنها ماتت من أوجاع الطلق وهي حادثة في يد المشتري. وإذا كان العبد مرتدا فقتل بردته فإنه يرجع على البايع لأنه قتل بردة

[ 137 ]

كانت عند البايع هذا إذا لم يعلم بجنايته ثم علم بعد الشراء فأما إذا علم قبل الشراء ثم اشتراه مع علمه بجنايته فليس له رده لأن ذلك رضا منه بالعيب. وإذا اشتري عبدا وقد استحق قطع يده قصاصا أو سرقة ولم يعلم به المشتري فقطعت يده في يد المشتري فإنه يكون له الخيار إن شاء رده وفسخ البيع لأن القطع وجب في ملكه فإن رده رجع بجميع الثمن، وإن علم ذلك قبل الشراء لم يرجع بشئ لأنه رضي بالعيب. العبد لا يملك شيئا سواء كان قنا أو مدبرا أو بعضه حرا فإن ما بقي منه مملوكا يملك وما تحرر منه ملك بحسابه. وأم الولد حكمها مثل ذلك فإن ملكه سيده شيئا ملك التصرف فيه ولا يملك الرقبة فإذا ثبت ذلك فمتى التقط شيئا أو احتش أو وجد كنزا فالكل لسيده وإن أباح له أن يطأ بملك اليمين جاز وإن لم يبح له لم يجز وإن أوصى له بشئ كانت الوصية باطلة. وإذا ملك أربعين شاة فحال عليه الحول كانت الزكاة على سيده. وإذا باعه وله مال فإن شرط أن يكون المال للمشتري صح وإن لم يشرط كان للمولى، وروي أنه إن علم أن له مالا كان للمشتري وإن لم يعلم كان للسيد، وقال بعض أصحابنا: إنه يملك فاضل الضريبة وأروش الجنايات التي تصاب في بدنه ولا خلاف بينهم أنه لا يلزمه الزكاة ولا الاطعام في الكفارات، ومتى باعه سيده وفي يده مال وشرط أن يكون للمبتاع صح البيع. إذا كان المال معلوما وانتفى عنه الربا فأن كان معه مائة درهم فباعه بمائة درهم لم يصح، وإن باعه بمائة ودرهم صح. وإن كان ماله دينا فباعه معه صح البيع لأن بيع الدين جايز عندنا. وإذا باع عبدا قد ملكه ألفا بخمسمائة صح البيع على قول من يقول: إنه يملك.

[ 138 ]

ولو باع ألفا بخمسمائة لم يصح لأنه ربا، والفرق بينهما أنه إذا باع العبد فإنما يبيع رقبته مع بقاء ما ملكه عليه فصح ذلك ولم يصح بيع الألف بخمسمائة، ولو باعه مطلقا ولم يشرط المال زال ما ملكه عن العبد وعاد إلى سيده. فأما إذا اشتري عبدا وله مال بشرط أن يكون للمبتاع فقبضه فأصاب به عيبا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يعلم بالعيب بعد أن حدث به عنده نقص أو لم يحدث به فإن كان بعد أن حدث به نقص وعيب لم يكن له الرد ويرجع بالأرش، والأرش أن يقوم عبد ذو مال لا عيب فيه وعبد ذو مال به العيب الأول فيرجع بما بين القيمتين بالحصة من الثمن، وإن علم بالعيب وما حدث به عنده عيب ولا نقص كان له رده والمال معه. من باع شيئا فيه عيب لم يبينه فعل محظورا وكان المشتري بالخيار بين الرضاء به وإمضاء العقد، وبين رده وفسخ العقد. بيع العصير لمن يجعله خمرا مطلقا مكروه وليس بفاسد، وبيعه لمن يعلم أنه يجعله خمرا حرام ولا يبطل البيع لما روي عنه عليه السلام أنه لعن الخمر وبايعها (1) وكذلك الحكم فيمن يبيع شيئا يعصى الله به من قتل مؤمن أو قطع طريق، وما أشبه ذلك من اشترى من انسان ماله فإن كان ما هو حلال فالبيع حلال طلق، وإن كان ما هو حرام فالبيع باطل لأنه يشتري ما لا يملكه، وإن كان مختلطا لا تمييز له فالبيع صحيح وهو مكروه. البراءة من العيوب صحيحة ويصح معه العقد سواء كان العيب معلوما أو مجهولا باطنا كان أو ظاهرا بحيوان كان أو بغيره فأما إذا لم يبرء من العيب ثم ظهر على عيب يوجب الرد كان له الرد في أي شئ كان وعلى هذا إذا اشترى ما تحته كامن مثل الجوز واللوز والفستق وما أشبه ذلك من البيض والبطيخ بالبراءة من العيوب صح وإن اشترى مطلقا وخرج معيبا كان له رده أو المطالبة بالأرش.

(1) رواها في مستدرك الوسائل ج 2 ص 452 باب 47 عن دعائم الاسلام.

[ 139 ]

فإن اشتري ثوبا فعلم بالعيب بعد قطع الثوب كان له الأرش دون الرد إلا أن يشاء البايع أن يقبله بالعيبين معا فيكون المشتري بالخيار بين إمساكه بغير أرش أو برد فإن علم بالعيب بعد أن يصبغه كان له الرجوع بالأرش إلا أن يشاء البايع أن يقبله مصبوغا ويضمن قيمة الصبغ فيكون المشتري بالخيار بين إمساكه بغير أرش أورده ويأخذ قيمة الصبغ. إذا اشترى ثوبا فقطعه وباعه ثم علم بالعيب أو صبغه ثم باعه ثم علم بالعيب فليس له المطالبة بالأرش إلا أن يختار البايع رد قيمة الصبغ أو أجرة الخياطة. إذا كان المبيع بهيمة فأصاب بها عيبا فله ردها فإذا كان في طريق الرد جاز له ركوبها وعلفها وسقيها وحلبها وأخذ لبنها وإن نتجت كان له نتاجها كل هذا له لأنه ملكه فله فايدته وعليه مؤونته، والرد لا يسقط لأنه إنما يسقط بالرضاء بالعيب أو ترك الرد بعد العلم به أو بأن يحدث به عيب عنده وليس ههنا شئ من ذلك. إذا وكل وكيلا في بيع عبد له فباعه فأصاب المشتري به هيبا فرده على الوكيل فهل للوكيل رده على موكله فيه أربع مسائل: إحديها: رده بعيب لا يحدث مثله عند المشتري كالإصبع الزايدة فله رده على الموكل لأنه رده على الوكيل بغير اختياره. الثانية: أصاب المشتري به عيبا يحدث مثله وقد لا يحدث فأقام البينة أنه كان به قبل القبض فله رده على الوكيل وللوكيل رده على الموكل لأنه عاد إليه بغير اختياره. الثالثة: المسألة بحالها لم يكن للمشتري بينة فادعى على الوكيل أنه كان به عيب قبل القبض فصدقه الوكيل فيه فرده عليه لم يكن للوكيل رده على الموكل لأنه عاد إليه باختياره. الرابعة: المسألة بحالها أنكر الوكيل أن يكون العيب به قبل القبض فالقول قوله فإن حلف سقط الرد فإن نكل رددنا اليمين على المشتري فإن حلف رده على الوكيل

[ 140 ]

فإذا رد عليه لم يكن له رده على الموكل لأنه عاد إليه باختياره. إذا ادعى زيد عبدا في يد عمرو فأقام البينة أنه له اشتراه من عمرو فأقام عمرو البينة أنه له وأنه هو الذي اشتراه من زيد فالبينة بينة الخارج وهو زيد لقوله عليه السلام: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وههنا المدعى عليه عمرو لأن العبد في يده. إذا اشترى نفسان من رجل عبدا صفقة واحدة ثم غاب أحد المشتريين من قبل القبض وقبل دفع الثمن فللحاضر أن يقبض قدر حقه ويعطي ما يخصه من الثمن وله أن يدفع كل الثمن نصفه عنه ونصفه عن شريكه فإذا فعل فإنما له قبض نصيبه دون نصيب شريكه فإذا عاد شريكه كان له قبض نصيبه من البايع وليس لشريكه أن يرجع عليه بما قضى عنه من الثمن لأنه قضى عنه دينه بغير أمره فلم يكن له الرجوع عليه لأنه لا دليل عليه. الاستبراء في الجارية واجب على البايع والمشتري معا والاستبراء يكون بقرء واحد وهو الطهر، ولا يجوز للمشتري وطئها قبل الاستبراء في الفرج ولا في غيره ولا لمسها (1) بشهوة ولا قبلتها ويلزم الاستبراء المشتري بعد قبضها، ولا يعتد بما قبل ذلك وتكون زمان الاستبراء عنده سواء كانت حسناء أو قبيحة ولا يلزم أن يكون عند غيره فإن جعل ذلك عند من يثق به كان جايزا. وإن اشتراها وهي حايض فطهرت جاز له أن يعتد بذلك الحيض، ويكفيها ذلك ومتى باعها بشرط المواضعة لم يبطل البيع، وإن باعها مطلقا ثم اتفقا على المواضعة جاز أيضا فإن هلكت أو عابت نظر فإن كان المشتري قبضها ثم جعلت عند عدل فالعدل وكيل المشتري ويده كيده إن هلكت فمن ضمان المشتري وإن عابت فلا خيار له فإن كان البايع سلمها إلى العدل قبل القبض فهلكت في يده بطل البيع وإن عابت كان المشتري بالخيار. إذا سلمها إلى المشتري فإن قال للبايع: أعطني ضمينا بالثمن لئلا تظهر حاملا فيكون البيع باطلا وعليك رد الثمن لم يجب على البايع ذلك لأنه لا دليل

(1) في بعض النسخ (مسها).

[ 141 ]

عليه سواء كان البايع مقيما أو راحلا في الحال موسرا أو معسرا صالحا أو فاسقا. وينبغي إذا أراد الاستظهار أن يشرط ذلك في حال العقد قبل انعقاده. فصل: في بيع المرابحة وأحكامها يكره بيع المرابحة بالنسيئة إلى أصل المال وليس بحرام مثل أن يقول: بعتك بربح عشرة واحدا أو بربح [ ده يازده أو ده دوازده ] فإن باع كذلك كان العقد صحيحا ولا بد أن يكون رأس ماله معلوما، وقدر ما يربح معلوما. فإن كان أحدهما إما رأس المال أو الربح مجهولا كان البيع باطلا مثل أن يقول: بعتك بربح عشرة ولا يذكر رأس المال أو يقول رأس المال كذا والربع ما يتفق عليه فإن ذلك كله يبطل. والمبيع لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يشتريه المشتري ولا يعمل به شيئا أو يعمل فيه غيره أو هو فإن لم يعمل أحد فيه شيئا أو اشتراه بمائة صح أن يخبر بما هو عليه بإحدى أربع عبارات فيقول: اشتريت بمائة أو رأس مالي فيه مائة أو يقوم على بمائة أو هو على بمائة أي هذا أخبر به صح لأنه صادق في جميعها فإذا قال واحدة منها مثلا أن يقول: بعتكه في التقدير بمائة يقوم على وربح درهم على كل عشرة كان الثمن كله مائة وعشرة. وإن كان قد عمل غيره فيه شيئا لزمته مؤونة ذلك مثل أن قصره أو قطعه أو خاطه إن كان مقطوعا أو رفاه فيلزمه عليه عشرة وكان اشتراه بتسعين صح أن يخبر بإحدى عبارتين يقول: يقوم على بمائة أو هو على بمائة ولا يصح أن يخبر بالعبارتين الأخريين فيقول: اشتريته بمائة أو رأس مالي فيه مائة لأنه كذب وقيل إنه يجوز أن يقول: رأس مالي لأنه عبارة عما لزمه عليه. وإن كان قد عمل فيه البايع مثلا إن اشتراه بتسعين وعمله عليه بنفسه ما أجرته عشرة لم يصح أن يخبر بشئ من العبارات الأربع لأن عمله على ما له لا يقابله ربح ولا يقوم عليه.

[ 142 ]

والوجه أن يقول: اشتريته بتسعين أو رأس مالي فيه تسعون أو يقوم على بتسعين أو هو على بتسعين لكني عملت فيه عملا قيمته عشرة وبعتكه بمائة وربح على كل عشرة درهم فإن هذا يصح وإن كان مكروها على ما قلناه. فإن اشترى ثوبا بمائة ثم باعه ثم اشتراه بخمسين فإذا أراد بيعه مرابحة لم يحل له أن يخبر إلا بما اشتراه ثانيا لأنه هو الثمن الذي ملكه به والملك الأول بالثمن الأول قد زال فصار مالكا بهذا الثمن فلا يجوز أن يخبر بغيره. فإن اشترى ثوبا بخمسين فباعه من غلام دكانه الحر ثم اشتراه بمائة جاز له عند بيع المرابحة أن يخبر بالثمن الثاني لأن الشراء من غلامه صحيح فهو الثمن الذي يملكه به الآن وليس هذا مكروها يلي البيع الأول من غلامه إذا اعتقد أن الغلام يبيعه عند التبايع من صاحبه كان مكروها، ولو شرط هذا في العقد كان باطلا بأن يقول: بعتك بشرط أن تبيعني فهذا باطل. ومتى باعه مرابحة والأمر على ما قلناه كان هذا غشا وخيانة وللمشتري الخيار فيه إذا علم. إذا اشترى سلعة إلى سنة بألف ثم باعها مرابحة في الحال ثم علم المشتري أنه باعه إلى سنة كان بالخيار بين أن يأخذه بالثمن حالا وبين أن يرده بالعيب لأن ذلك تدليس والعقد ليس بفاسد بل هو صحيح بلا خلاف. إذا قال: بعتكها بمائة ووضيعة درهم من كل عشرة كان الثمن تسعين درهما وإن قال: بوضيعة درهم من كل أحد عشر كان الثمن تسعين درهما ودرهما إلا جزء من أحد عشر جزء من درهم. وإن قال: بعتكها بمائة مواضعة العشرة درهما فهي مثل الأولى وهي مسألة الخلاف فيكون الثمن تسعين درهما. وإن قال: هذا رأس ماله مائة وبعتك بربح كل عشرة واحدة فقال: اشتريته ثم قال: غلطت اشتريته بتسعين كان البيع صحيحا ولزمه من الثمن تسعة وتسعون درهما وقيل: إن المشتري بالخيار بين أن يأخذه بمائة وعشرة وبين أن يرده لأن نقصان الثمن عما قال عيب

[ 143 ]

له أن يرده به فإن اختار الرد فلا كلام، وإن اختار الامساك فلا خيار للبايع ولزمه الثمن المسمى في العقد وهي مائة وعشرة ولا خيار للبايع وعلى القول الأول الأولى أن يقال: لا خيار للمشتري لأنه نقصه من ثمنه، وقيل: إن له الخيار لأن هذا خيانة فلا يؤمن أن يكون في القول الذي رجع إليه خائنا، وقد قيل أيضا: إنه إن بان ذلك بقول البايع لزم المشتري تسعة وتسعون درهما، وإن قامت به البينة فاللمشتري الخيار على كل حال. ومتى اختار الرد في هذه المسألة فإنما يكون ذلك ما دامت السلعة قايمة فإذا هلكت أو تصرف فيها لم يكن له الرد وله الرجوع بالنقصان. وإذا قال: اشتريته بمائة وبعتك بربح عشرة واحدة ثم قال: أخطأت اشتريت بأكثر من ذلك لم يقبل قوله وكان البيع الأول صحيحا. فإن أقام البينة على أنه أخطأ وإن شراءه كان أكثر لم تقبل بينته لأنه كذبها بالقول الأول ولا يلزم المشتري اليمين أنه لا يعلم أنه اشتراه بأكثر من ذلك لأنه لا دليل عليه فإن قال: وكيلي كان اشتراه بمائة وعشرة وأقام بذلك بينة قبل منه، وإن قلنا: إنه لا تقبل منه لأنها كذبها بالقول الأول كان قويا. ومتى كان المبيع جارية فولدت أو ماشية فنتجت أو شجرة فأثمرت وأراد المشتري بيعها مرابحة كان عليه أن يخبر بما اشتراها به ولا يطرح قيمة الفايدة لأنها تجددت في ملكه فأما إن كان المبيع شجرة مثمرة فأكل الثمرة فأراد البيع مرابحة فإنه يضح الثمرة حصتها من الثمن ويخبر عن حصة الشجر من الثمن لأن الثمرة يتبعه تناولها العقد وأخذت قسطا من الثمن. فإن اشترى عبدا بمائة فأصاب به عيبا بعد أن نقص عنده ورجع بأرش العيب على البايع وكان الأرش عشر الثمن فاستقر الثمن عليه تسعون درهما فإذا أراد بيعه مرابحة فلا يجوز له أن يخبر بمائة. وإن كان قد اشتراه بذلك لأنه قد ذهب عشر الثمن ففيه خيانة ولا يجوز

[ 144 ]

له أيضا أن يقول: إنه اشتراه بتسعين لأنه اشتراه بمائة فإخباره بتسعين كذب. والوجه أن يقول: رأس مالي فيه تسعون أو هو على تسعين أو قام على بتسعين. فإن اشترى عبدا فجنى جناية تعلق أرشها برقبته ففداه سيده وأراد بيعه مرابحة لم يجز أن يضم الفدية إلى ثمنه لأنه إنما فداه لاستبقاء ملكه فإن جني على العبد فأخذ السيد أرشه ثم أراد بيعه مرابحة لا يلزمه حط الأرش من ثمنه إلا أن يكون الجناية نقصت من ثمنه فيلزمه أن يخبر بحاله. فإن اشترى عبدا بمائة فحط البايع عشرة من الثمن فأراد بيعه مرابحة فإن كان الحط قبل لزوم العقد مثل أن يكون في مدة الخيار فالحط يلحق العقد فيلزمه أن يحط عنه، وإن كان الحط بعد لزوم العقد كان هبة مجددة للمشتري والثمن ما عقد عليه. فإن اشترى ثوبا بعشرة ثم باعه بخمسة عشر ثم اشتراها بعشرة فقد ربح بخمسة فإذا أراد بيعه مرابحة أخبر بالثمن الثاني وهو عشرة ولم يجب عليه أن يخبر بدونه. إذا باع رجل من رجل عبدا بمائة ثم تقابضا كان له أن يشتريه من المشتري بما يتفقان عليه من الثمن كما يشتريه من أجنبي نقدا ونسيئة بزيادة ونقصان كيف شاء بلا خلاف فيه، وإن قبض المشتري العبد ولم يقبض البايع الثمن فإن له أن يشتريه منه أيضا بأي ثمن شاء نقدا ونسيئة على كراهية فيه وفيها خلاف. إذا اشترى سلعتين صفقة واحدة لم يجز أن يبيع أحدهما مرابحة بتقويمه إلا أن يبين ذلك. فصل: في تفريق الصفقة واختلاف المتبايعين إذا باع شيئين صفقة واحدة أحدهما ينفذ فيه بيعه والآخر لا ينفذ فيه بطل فيما

[ 145 ]

لا ينفذ وصح فيما ينفذ سواء كان أحدهما مالا والآخر غير مال ولا في حكم المال مثل أن باع خلا وخمرا أو حرا وعبدا أو شاة وخنزيرا أو كان أحدهما ماله والآخر مال الغير أو باع عبده وعبدا موقوفا أو أم ولده مع بقاء ولدها الباب واحد. ومعنى تفريق الصفقة أنه إذا بطل في أحدهما لم يبطل في الآخر، وقولهم: لا يفرق أي إذا بطل في أحدهما بطل في الآخر، وإذا قلنا على ما قلنا بتفريق الصفقة يقسط الثمن على أجزائهما ككرين من طعام وصاعين من دهن أو كان الذي بطل فيه البيع مشاعا مثل أن باعه دارا نصفها له ونصفها لغيره ولا فصل بين أن يكون مما يدخله العوض أو لا يدخله. وإذا وهب عبدين وكان أحدهما له أو تزوج امرأتين فبان أحدهما أخته ففي كل هذا يبطل فيما يبطل ولا يبطل في الآخر، والمشتري بالخيار بين أن يمسكه أو يرده فإن اختار الرد فلا كلام، وإن اختار الامساك فبكم يمسك بكل الثمن أو بحصته فالأحوط أن نقول: يأخذه بحصته من الثمن أو يرد لأن الثمن يتقسط عليهما ومتى اختار أن يمسك بكل الثمن فلا خيار للبايع وإن اختار امساكه بما يخصه من الثمن فالأولى أن نقول لا خيار له أيضا، وإن قلنا: له الخيار كان قويا. وإذا قلنا: إنه يمسك بما يتقسط عليه من الثمن فما يتقسط على القيمة (1) كالعبدين والثوبين قسط عليهما وما يتقسط على الأجزاء كالحبوب والأدهان فإنه يمسكه بحصته. وإذا باع ثمرة فيها الزكاة فالبيع في قدر الزكاة باطل وفيما عداه صحيح ويمسكه المشتري بحصته من الثمن أو يرد والثمن يتقسط على الأجزاء هذا إذا باع معلومين فأما إذا باع مجهولا ومعلوما بطل البيع فيهما لأنه لا يمكن التوصل إلى الحصة لجهالة الآخر فلا يمكن التوصل إلى ما سقط في مقابلته فلهذا بطل. هذا كله إذا كان البطلان مقارنا للعقد فأما إذا بطل في أحدهما بعد العقد وقبل القبض مثل أن باع عبدين فمات أحدهما بعد العقد وقبل القبض بطل في الميت ولا يبطل في الحي، وليس هاهنا جهالة الثمن لأن الثمن كان معلوما فيمكن تقسيطه على العبدين، وإذا ثبت أنه يبطل في

(1) في بعض النسخ (من القيمة).

[ 146 ]

الميت دون الحي فالمشتري بالخيار بين أن يمسكه أو يرده فإن رده فلا كلام وإن أمسك أمسك بالحصة من الثمن فإن رد فلا كلام، وإن أمسك فليس للبايع خيار على ما مضى القول فيه. إذا اختلف المتبايعان في الثمن فالقول قول البايع مع يمينه مع بقاء السلعة ومع تلفها فالقول قول المشتري مع يمينه، وإذا اختلفا في قدر الثمن فقال: بعتني هذين العبدين بألف وقال: بل بعتك هذا العبد بألف فالقول قول البايع مع يمينه لعموم قولهم عليه السلام: إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البايع (1) وفي الناس من قال يتحالفان وينفسخ العقد. وإذا اختلفا في شرط يلحق بالعقد يختلف لأجله الثمن مثل أن يقول: بعتك هذا العبد بألف وهذا العبد نقدا فقال بل إلى سنة أو قال إلى سنة فقال: بل إلى سنتين فلا فصل بين أن يختلفا في أصل الأجل أو في قدره. وهكذا الخيار إذا اختلفا في أصل الأجل أو في قدره، وهكذا إذا اختلفا في الرهن إذا اختلفا في أصله أو في قدره، وكذلك في الضمينين إذا اختلفا في أصله، وكذلك الشهادة و هكذا في ضمان العهدة وهو أن يضمن عن البايع فمتى وقع الاختلاف في شئ من هذا فالقول قول البايع مع يمينه، وكيفية يمينه أن يحلف أنه باعه بما ادعاه أو بأنه لم يبعه بما ذكره المشتري، وكذلك في باقي الأوصاف والشروط. فإذا حلف البايع على ما ادعاه لزم المشتري تسليم الثمن الذي حلف عليه إليه فإن أبى أجبرناه عليه لقول النبي - عليه وآله أفضل الصلوة والسلام -: من حلف فليصدق ومن حلف له فليرض. وإذا اختلف ورثة المتبايعين في الثمن والمثمن بعد موتهما كان القول قول ورثة المشتري في الثمن وقول ورثة البايع في المثمن مع اليمين. وإذا حلف المشتري مع تلف السلعة لم يلزم أكثر من تسليم الثمن إلى البايع رضى البايع أو لم يرض هذا إذا كان الخلاف فيما لو تصادقا فيه صح البيع فأما إذا كان الاختلاف فيما

(1) انظر الكافي ج 5 ص 174 باب (إذا اختلف البايع والمشتري) الرقم 1

[ 147 ]

لو تصادقا فيه أفضى إلى بطلان البيع مثل أن يدعي أحدهما ما يفسده والآخر ينفيه فقال أحدهما: بعتك بخنزير أو شاة ميتة، وقال الآخر: بل بذهب أو فضة فالقول قول من ينفي ما يفسد البيع لأن العقد إذا وقع فالظاهر أنه على الصحة حتى يعلم فساده. وكذلك إن اختلفا فقال البايع: تفرقنا عن فسخ، وقال المشتري، عن تراض فالقول قول من يدعي الابرام، والفسخ يحتاج إلى دليل لأن العقد متفق على حصوله. ومتى قال البايع: بعتك هذا العبد بألف فأنكر المشتري وقال: بل بعتني هذه الجارية بألف فهاهنا دعويان في عينين: إحديهما دعوى البايع أنه باعه العبد فعليه البينة أو على المنكر اليمين، والأخرى دعوى المشتري أن البايع باعه الجارية فعليه البينة أو على البايع اليمين. فإذا حلفا لم يخل العبد من أحد أمرين: إما أن يكون في يد المشتري أو في يد البايع فإن كان في يد المشتري لم يكن للبايع أخذه منه لأنه لا يدعيه، وإن كان في يد البايع لم يجب على المشتري قبوله ولا قبضه من يد البايع لأنه أنكر شراءه وحلف عليه هذا إذا لم يكن بينة فإن كان مع كل واحد منهما بينة بما يدعيه فالمشتري يدعي أنه اشترى الجارية بألف وأقام البينة بذلك بقبض الجارية من البايع فلا كلام، والبايع يدعي أنه باعه العبد بألف وأقام البينة بذلك فإن كانت الجارية في يد المشتري أقرت به في يده لأنه قد ثبت بالبينة أنها ملكه، وإن كانت في يد البايع لا يجبر المشتري على ذلك لأن البايع لو لم تكن له بينة وحلف المشتري ما اشتراها لم يجبر المشتري على قبضها، وعلى البايع أن يسلمها إلى الحاكم فمتى اعترف المشتري بها قبضها ويحتاط الحاكم في بابها فإن رأى بيعها وحفظ ثمنها أصلح فعل، وإن رأى أن ينفق عليها من كسبها فعل. إذا اتفقا في الثمن وكان مبيعا بثمن في الذمة وقال كل واحد منهما

[ 148 ]

لا أسلم المبيع حتى أتسلم، فقال البايع: لا أسلم المبيع حتى آخذ الثمن، و قال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أتسلم المبيع فالأولى أن يقال: على الحاكم أن يجبر البايع على تسليم المبيع ثم يجبر بعد ذلك المشتري على تسليم الثمن لأن الثمن تابع للمبيع. وإذا كان بيع عين بعين فالحكم أيضا مثل ذلك سواء هذا إذا كان كل واحد منهما باذلا فأما إن كان أحدهما غير باذل أصلا وقال لا أسلم ما على أجبره الحاكم على البذل فإذا حصل البذل حصل الخلاف في أيهما يدفع على ما بيناه هذا إذا كان المشتري موسرا قادرا على إحضار الثمن فإن كان معسرا كان للبايع الفسخ والرجوع إلى عين ماله كالمفلس فإن كان موسرا بثمن المبيع واحضر الثمن في الحال سلمه إلى البايع وإن كان غايبا منع من التصرف في هذه السلعة في غيرها من ماله إذا كان حاضرا معه حتى يسلم الثمن وإن كان ماله غايبا عنه احيتط (1) على السلعة فحسب فإن تأخر فللبايع فسخ البيع والرجوع في عين ماله إذا تلف المبيع أي سلعة كانت قبل القبض بطل العقد ووجب رد الثمن إن كان قد قبض. إذا باعه عبدا بيعا فاسدا وتقابضا فأكل البايع الثمن وفلس كان عليه رده ويكون أسوة للغرماء لأنه قبضه على أنه ملكه فإذا لم يكن ملكا له فعليه رده إلى مالكه. إذا قال: لرجل: بع عبدك هذا من فلان بخمسمائة على أن على خمسمائة كان صحيحا لقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم. وإذا قال: بع عبدك منه بألف على أن على خمسمائة وسبق الشرط العقد ثم عقد البيع مطلقا عن الشرط لزم البيع ولا يلزم الضامن شئ لأنه ضمان ما لم يجب، وإن قارن العقد فقال: بعتك بألف على أن فلانا ضامن بخمسمائة صح البيع بشرط الضمان فإن ضمن فلان ذلك له مضى، وإن لم يضمن كان البايع بالخيار لأنه لم يصح له الضمان. إذا اشترى جارية بشرط ألا خصارة عليه أو بشرط ألا يبيعها أو لا يعتقها أو لا يطأها و

(1) في بعض النسخ (احتفظ).

[ 149 ]

نحو ذلك كان البيع صحيحا والشرط باطلا. الشرط في البيع على أربعة أضرب: شرط يوافق مقتضى العقد فهو تأكيد للعقد، وشرط يتعلق به مصلحة العقد للمتعاقدين مثل الأجل والخيار والرهن والضمين والشهادة فهذا جايز، وشرط لا يتعلق به مصلحة العقد لكنه بني على التغليب والسراية مثل شرط العتق فهذا جايز والعقد جايز إجماعا. وشرط لا يتعلق به مصلحة العقد ولم يبن على التغليب والسراية فهذا شرط باطل إلا أنه لا يبطل العقد لأنه لا دليل عليه، وقال قوم، إن الشرط إذا كان فاسدا فسد البيع لجهالة الثمن في المبيع لأنه لا يخلو من أن يكون الشرط يقتضي الزيادة في الثمن أو النقصان منه فإن كان يقتضي الزيادة في الثمن فإذا سقط الشرط يجب أن يسقط ذلك القدر من الثمن وذلك مجهول، وإن كان يقتضي النقصان فإذا سقط وجب أن يضاف ذلك القدر إلى الثمن وصير [ فيصير خ ل ] الثمن مجهولا لأن نقصان جزء مجهول من معلوم يجعل الجميع مجهولا. إذا باع عبدا بيعا فاسدا وأقبضه لم يملك بالقبض ولم ينفذ عتقه ولا شئ من تصرفه من البيع والهبة والوقف وغير ذلك ويجب عليه رده ورد ما كان من نمائه المنفصل منه لأن ملك الأول لم يزل عنه فالتصرف فيه لا يصح ويلزمه رده على البايع لأنه ملكه ولا إثم عليه لأنه قبضه بإذن مالكه، وإذا وجب رده نظر فإن كان بحاله لم يزد ولم ينقص رده ولا شئ عليه إلا أن يكون له أجرة وهو أن يكون المبيع مما ينتفع به مع بقاء عينه انتفاعا مقصودا فيجب أجرة مثله للمدة التي أقام في يده. وإن كان متغيرا فإن كان زايدا رده بزيادته لأن ماله قد زاد فكانت الزيادة له سواء كانت الزيادة منفصلة أو متصلة وإن كان ناقصا كان عليه أرش ما نقص، وإن تلفت في يده كان عليه أكثر ما كانت قيمته من وقت القبض إلى وقت التلف وفي الناس من قال: لا يضمن بقيمته يوم التلف وإنما وجب الضمان عليه لأنه أخذ الشئ بعوض فإذا لم يسلم العوض المسمى وجب عوض المثل لما تلف في يده سواء تلفت جملته أو تلف بعض أجزائه. وإن كان المبيع جارية فوطئها لم يجب الحد للشبهة لأنه اعتقد أنه ملكها

[ 150 ]

فاستحل وطئها بالملك وهذا شبهة، ويجب عليه المهر فإن كانت ثيبا وجب نصف عشر قيمتها وإن كانت بكرا فعشر قيمتها هذا إذا لم يحبلها فإذا أحبلها فالولد حر لأنه وطأها على أنها جاريته فيكون الولد حرا ولا ولاء لأحد عليه لأنه انعقد حرا وهو إجماع، ويجب على الواطي قيمته يوم سقط حيا وإن ولدته ميتا فلا ضمان عليه لأنه في حال وجب قيمته لم يكن له قيمة لأن الميت لا قيمة له. وإن ضرب أجنبي جوف هذه المرأة فأسقطت هذا الجنين ميتا لزمته دية الجنين وللسيد أقل الأمرين من قيمته لو خرج حيا أو الغرة عند المخالف وعندنا المائة دينار لأنه دية الجنين فإن كانت القيمة أقل كان للسيد القيمة والباقي لورثته وإن كانت الغرة أقل فهي له فقد نقص حقه بالعتق التي هو منسوب إليه هذا حكم الولد. وأما حكمها فلا يخلو من أن تسلم في الولادة أو تموت فإن سلمت وجب عليه ردها وما نقص بالولادة من قيمتها، وإن ماتت بالولادة لزمته هاهنا قيمتها لأنها مضمونة عليه، وإن ردها حاملا وولدت في يد البايع لزمه ما ينقص بالولادة. وإن ماتت منها لزمته قيمتها لأنها نقصت أو تلفت بسبب من جهته، وإذا ملك هذه الجارية فيما بعد كانت أم ولده ولأن ولده منها منسوب إليه [ نسبا ] صحيحا شرعيا، وإذا باعها كان البيع فاسدا لأنه باع ما لا يملك. فإذا ثبت أن البيع فاسد نظر فإن كان المبيع قايما أخذه مالكه وهو البايع الأول سواء وجده في يد المشتري الأول أو المشتري الثاني لأنه ملكه لا حق لغيره فيه وإن كان تالفا كان له أن يطالب بقيمته كل واحد منهما لأن الأول لم يبرء بتسليمه إلى الثاني لأنه سلمه بغير إذن صاحبه والمشتري الثاني قبضه مضمون بالاجماع فإذا ثبت ذلك فإنه يجب عليه أكثر ما كانت قيمته، وقيل: إنه يعتبر قيمته وقت التلف ثم ينظر في قيمة المبيع فإن كانت قيمته في يدهما واحدة فإنه يطالب بقيمته إن شاء المشتري الأول وإن شاء المشتري الثاني لأن كل واحد منهما ضامن لقيمته فإن طالب الأول وغرمه رجع الأول على الثاني، وإن طالب الثاني وغرمه لم يرجع على الأول لأنه تلف في يده، وإن كانت قيمته ألفا في يد الأول فلما سلمه

[ 151 ]

إلى الثاني زادت وصارت القيمة ألفين ثم تلفت فهو كما لو لم يختلف وطلب القيمة لأن ما زاد في يد الثاني مضمون على الأول وإن كانت قيمته في يد الأول ألفين فنقصت وصارت ألفا ثم سلمه إلى الثاني فإنه يطالب الأول بالزيادة لأن الأول هو الذي ضمنها، والمشتري الثاني لم يضمنها، وأما البايع فإنه إن شاء طالب الأول وإن شاء طالب به الثاني لأن كل واحد ضامن له. إذا اشترى عبدا بشرط أن يعتقه كان البيع والشرط صحيحين لقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم. فإذا ثبت ذلك فالمشتري إن أعتق العبد فقد وفى بالشرط وإن لم يعتقه قيل فيه شيئان. أحدهما: يجبر عليه لأن عتقه قد استحق بالشرط. والثاني: لا يجبر عليه لكن يجعل البايع بالخيار، والثاني أقوى. وإذا مات العبد قبل أن يعتقه قيل فيه شيئان: أحدهما: يكون البايع بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أجازه لأنه قد تعذر الوفاء بشرطه وهو الأقوى. والثاني: يرجع البايع على المشتري بما يقتضيه شرط العتق من نقصان الثمن لأنه إذا باعه بشرط العتق فلا بد من أن يكون قد نقص من ثمنه. وإذا باع شيئا بثمن مؤجل وشرط أن يرهن عبدا بعينه فامتنع المشتري من تسليم الرهم فإن البايع ثبت له الخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أجازه من غير رهن. إذا باع دارا واستثنى سكناها لنفسه مدة معلومة جاز البيع. وكذلك إذا باع دابة واستثنى ركوبها مدة أو مسافة معلومة صح البيع. إذا قال: بعتك هذه الدار وآجرتك دارا أخرى بألف كان صحيحا لأنه لا مانع منه، وإن قال. بعتك هذه الدار بألف وآجرتك هذه الدار بألف كان صحيحا بالاجماع لأنهما عقدان والأول عقد واحد، وفيه خلاف، وإذا قلنا: البيع صحيح في المسألة

[ 152 ]

الأولى فإنه يأخذ كل واحد حصته من الثمن بقيمة المبيع وأجرة مثل تلك الدار. فصل: في بيع الصبرة وأحكامها في الصبرة عشرة مسائل: أولها: إذا قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم صح البيع لأن الصبرة مشاهدة و مشاهدة المبيع تغني عن معرفة مقداره، وقد روي أن ما يباع كيلا لا يباع جزافا (1) وهو الأقوى عندي فإن أجزنا البيع نظر فإن كان ظاهرها وباطنها واحد لم يكن للمشتري الخيار وإن كان باطنها متغيرا كان له خيار العيب والتدليس إن شاء فسخ البيع وإن شاء أجازه، وكذلك إن كانت الصبرة على دكة كان له الخيار. الثانية: أن يقول: بعتك عشرة أقفزة من هذه الصبرة بكذا فإنه يصح. الثالثة: أن يقول: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم صح أيضا البيع. الرابعة: أن يقول: بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فإنه لا يصح لأن من للتبعيض والبعض في المبيع منه مجهول فلم يصح. الخامسة: أن يقول: بعتك نصف هذه الصبرة أو ثلثها أو ربعها فإنه يصح لأنه باع جزء مشاعا من جملة مشاهدة هذا إذا قلنا: إنه يجوز بيع الصبرة من غير كيل، وإذا قلنا: لا يجوز فلا يصح ذلك لأنه باعه من غير كيل. السادسة: أن يقول: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك أو أنقصك قفيزا والخيار لي في الزيادة والنقصان فإنه لا يجوز لأن المبيع مجهول، و لأنه لا يدري أيزيده أم ينقصه. السابعة: أن يقول: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزا فإن أراد بالزيادة الهبة صح ولا مانع منه، وإن أراد أن يزيد مع المبيع لا يجوز لأن الصبرة إذا لم تكن معلومة المقدار لا يصح بيعها فإذا قسم الزايد على القفزان كان

(1) المروية في التهذيب باب (الغرر والمجازفة) ج 7 ص 122 الرقم 530 بتفاوت يسير

[ 153 ]

كل قفيز وشئ بدرهم وذلك مجهول. الثامنة: أن يقول: بعتك هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك فيه قفيزا فإن لم يعين القفيز المزيد لم يجز لأنه غير مشاهد فيكون بيع معلوم مع مجهول، وإن عين جاز لأنه يصير كأنه باع كل قفيز وعشر قفيز بدرهم وذلك معلوم. التاسعة: إن يقول: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أنقصك قفيزا لا يصح لأن معنى هذا أني آخذ منها قفيزا وأحسب عليك ثمنه فيكون كل قفيز بدرهم وشئ وهو مجهول لأن الصبرة بمنزلة القفزان. العاشرة أن يقول: بعتك هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة كل قفيز بدرهم على أن أنقصك قفيزا فإنه يجور، ويكون كل قفيز بدرهم وتسع درهم، وذلك معلوم، ويجوز أن يستثني مدا من الصبرة إذا كانت الصبرة معلومة المقدار، وإنما لا يجوز ذلك إذا كانت مجهولة المقدار لأن استثناء المعلوم من المجهول لا يجوز. فهذه مسائل الصبرة من الطعام وهكذا كلما يتساوى أجزاؤه من المكيل والموزون فأما ما لا يتساوي أجزاؤه مثل الدار والثوب فإنا نذكر مسائل الدار ثم نذكر مسائل الثوب: أما الدار فإنه إذا قال: بعتك هذه الدار وهذه الأرض بألف درهم كان جايزا. وإذا قال: بعتك نصفها أو قال: ربعها أو ثلثها كان جايزا. وإن قال: بعتك هذه الدار كل ذراع بدرهم كان جايزا. وإذا قال: هذه الدار مائة ذراع وقد بعتك عشرة أذرع منها بكذا جاز البيع لأنه عشر الدار. وإذا قال: بعتك نصيبي من هذه الدار لم يجز إلا أن يتصادقا بأنهما عرفا نصيبه قبل عقدة البيع. وإذا قال: بعتك نصيبا من هذه الدار ولم يقل نصيبي كان البيع باطلا. وإذا قال: بعتك من هاهنا إلى هاهنا جاز لأنها معلومة بالمشاهدة.

[ 154 ]

وإذا قال: بعتك من هاهنا عشره أذرع إلى حيث ينتهي ولم يبين آخره صح لأنه باع جزء معلوما من موضع معين. وإذا قال: بعتك ذراعا من هذا الجانب من الدار من غير تعيين لم يجز لأنه مجهول. وإذا قال: بعتك هذه الأرض على أنها مائة ذراع فكانت تسعين فالمشتري بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أجازه بجميع الثمن لأن العقد وقع عليه. وإن كان الأرض أكثر من مائة ذراع قيل فيه وجهان: أحدهما: يكون البايع بالخيار بين الفسخ وبين الإجازة بجميع الثمن وهو الأظهر. والثاني: أن البيع، باطل لأنه لا يجبر على ذلك. والثوب إذا كان منشورا فمسائله مثل مسائل الدار والأرض في جميع ما ذكرناه. إذا كان السمن في الظرف مفتوح الرأس فنظر إليه البايع والمشتري جاز بيعه ويكون النظر إليه بمنزلة النظر إلى ظاهر الصبرة. فإذا ثبت ذلك، فإن قال: بعتك هذه السمن بمائة جاز على ما قلناه في الصبرة، ولم يجز على ما اخترناه من أن ما يكال أو يوزن لا يجوز بيعه جزافا. فإن قال: بعتك هذا السمن كل رطل بدرهم جاز ويوزن السمن بظرفه ثم يطرح عنه وزن الظرف ويرد على البايع. وإن قال: بعتك هذا السمن كل رطل بدرهم على أن يوزن مع ظرفه ولا يطرح وزن الظرف لم يجز لأنه إنما باع السمن فلا يجوز أن يزن معه غيره، ومسائل السمن بمنزلة مسائل الصبرة لأن أجزاءه متساوية هذا إذا باع السمن وحده، وأما إذا باع السمن مع الظرف بعشرة دراهم جاز لأنه يجوز بيع عينين مختلفين بثمن واحد، و يكون الثمن مقسوما على قدر القيمتين.

[ 155 ]

وإن قال: بعتك هذا السمن مع الظرف كل رطل بدرهم كان جايزا لأنه لا مانع منه. إذا اشترى صبرة على أنها مائة كر فأصاب خمسين كرا كان المشتري بالخيار إن شاء أخذها بحصتها من الثمن وإن شاء فسخ البيع، وإن وجدها أكثر من مائة كر أخذ المائة بالثمن وترك الزيادة، ويخالف الثوب والساحة والأرض على ما تقدم لأن الثمن ينقسم هاهنا على أجزاء الطعام لتساوي قيمتها وليس كذلك الخشب والثوب والأرض لأن أجزاؤها مختلفة القيمة فلا يمكن قسمة الثمن على الأجزاء لأنه لا يعلم أن الناقص من الذراع لو وجد كم كانت يكون قيمته فإذا كان كذلك خير البايع في الزيادة بجميع الثمن وخير المشتري في النقصان بجميع الثمن، ولأجل هذا قلنا: لو باع ذرعا من خشب أو من دار أو ثوب غير معين لم يجز ولو باع قفيزا من صبرة صح. إذا اشترى من غيره عشرة أقفزة من صبرة فكالها على المشتري وقبضها ثم ادعى أنه كان تسعة فالقول قول الدافع البايع لأن المشتري قد قبض حقه واستوفاه في الظاهر وإنما يدعي الخطاء في الكيل فيحتاج إلى بينة. إذا قبض البايع الثمن ثم ادعى أن فيما قبضه زيفا وأنكر المشتري ذلك فالقول قول المشتري مع يمينه لأن البايع يدعى عليه أنه قبضه منه زيفا فيحتاج إلى بينة والأصل أنه قبضه جيادا. إذا اشترى عبدا فوجده مأذونا له في التجارة وعليه دين فإنه لا خيار له لأن دين التجارة يكون في ذمة العبد ولا يتعلق برقبته ولا يباع فيه، وإنما يطالب به إذا أعتق وملك مالا فإذا كان كذلك لم يكن على المشتري ضرر فيه فلم يثبت له الخيار. فصل في بيع الغرر عسب الفحل هو ضراب الفحل وثمنه أجرته وقد يسمى الأجرة عسب الفحل

[ 156 ]

مجازا لتسمية الشئ باسم ما يجاوره مثل المرادة (1) سموها راوية وهي اسم الجمل الذي يستقى عليه، وإجارة الفحل للضراب مكروه وليس بمحظور، وعقد الاجارة عليه غير فاسد، ولا يجوز أن يبيع عينا لا يملكها ثم يشتريها ويسلمها إلى المشتري لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع ما ليس يملكه (2). وبيع الحمل في بطن أمه منفردا عن الأم لا يجوز لأنه لا يعلم أذكر هو أو أنثى، ولا يعلم صفاته ولا يقدر على تسليمه، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن بيع المجر (3) وهو بيع ما في الأرحام ذكره أبو عبيدة وقال ابن الأعرابي: المجر الذي في بطن الناقة وقال المجر الربا، والمجر القمار، والمجر المحاقلة والزابنة (4). ولا يجوز بيع الدابة على أنها تحمل لأنه لا يعلم ذلك فإن شرط ذلك ووافق مضى البيع ولم يكن للمشتري الخيار، وإن لم تحمل كان له الخيار بين الفسخ والاجازة وإن اشترط أنها لبون جاز بلا خلاف، وإن شرط أنها يحلب في كل يوم أرطالا لم يجز، وإن باع بهيمة أو جارية حاملا واستثنى حملها لنفسه لم يجز لأن الحمل يجري مجرى عضو من أعضائها. وإن باع جارية حبلى بولد حر لم يجز لأن الحمل يكون مستثنى وهذا يمنع صحة البيع. والبيض في جوف البايض بمنزلة الحمل لأنه لا يجوز بيعه منفردا، وإذا باع البايض مع بيضه (5) على طريق التبع، وإن شرطه لنفسه لم يجز، وإن اشترط للمشتري لم يجز لأنه لا يعلم.

(1) في بعض النسخ (المرارة).
(2) في بعض النسخ (عنده).
(3) انظر معاني الأخبار ص 278 باب (معنى المحاقلة والمزابنة).
(4) قال الصدوق في معاني الأخبار ص 277: فالمحاقلة بيع الزرع وهو في سنبله بالبر وهو مأخوذ من الحقل، والحقل هو الذي تسميه أهل العراق (القراح) ويقال في مثل (لا تنبت البغلة إلا الحقلة) والمزابنة: بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر.
(5) في بعض النسخ (دخل البيض).

[ 157 ]

إذا ماتت دجاجة وفي جوفها بيض قد اكتسى الجلد الصلب جاز أكله وهو طاهر وبيض ما لا يؤكل لحمه حرام. ومني كل حيوان نجس سواء أكل لحمه أو لا يؤكل لحمه فلا يجوز بيعه على حال. بذر دود القز يجوز بيعه ولا دليل على حظره، وكذلك دوده، وكذلك بيع النخل إذا رآها واجتمعت في بيتها وحبسها فيه حتى لا يمكنها أن تطير جاز بيعها. السمك في الماء والطير في الهواء لا يجوز بيعه إجماعا، وروى أصحابنا أنه يجوز بيع قصب الآجام مع ما فيها من السمك. إذا باع طيرا في الهواء قبل اصطياده لم يجز لأنه بيع ما لا يملكه ولا يقدر على تسليمه، وإن كان اصطاده وملكه ثم طار من يده لم يجز بيعه لأنه لا يقدر على تسليمه. وأما الطيور الطيارة التي في البروج تأوي إليها ينظر فإن كان البروج مفتوحا لم يجز بيعها وإن كان مسدودا لا طريق لها إلى الطيران جاز بيعها سواء كان البروج واسعا أو ضيقا، وقد قيل: إن كان واسعا لا يجوز لأنه إذا كان واسعا يحتاج إلى كلفة في أخذه، وكذلك بيع السمك في الماء على هذا التفصيل. يجوز تقبيل برك الحيتان إذا قبل الأرض والماء فإن قبل السمك لم يجز وفي الفقهاء من منع من ذلك على كل حال. وإن استأجر أرضا ليزرعها فدخل إليها الماء والسمك فبقي السمك كان المستأجر أحق به لأن غيره لا يجوز له أن يتخطى في الأرض المستأجرة فإن تخطى (1) أجنبي وأخذه ملكه بالأخذ. إذا طفرت سمكة فوقعت في سمارية (2) انسان فأخذها الركاب كانت له دون صاحب السمارية.

(1) في بعض النسخ (تخطى فيها).
(2) في بعض النسخ (السماوية).

[ 158 ]

وإن اكترى شبكة للصيد جاز لأنها منفعة مباحة. وإذا عشش في دار انسان أو أرضه طاير وفرخ فيها أو دخل ظبي في أرضه فانكسرت رجله أو خاض في الطين فبقي قايما كان صاحب الأرض أحق به فإن خالف أجنبي وتخطى فيها وأخذه كان أحق به لأنه ملكه بالأخذ، وهكذا إذا نزل الثلج من السماء فمكث في أرض انسان كان صاحب الأرض أحق به فإن أخذه غيره ملكه بالأخذ. وإذا نصب شبكة فوقع فيها طاير كان للناصب ويملكه به فإن أخذه غيره وجب عليه رده عليه لأنه في حكم الآخذ له. من باع ما لا يملك كان البيع باطلا. ولا يجوز بيع اللبن في الضرع، ولا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم. المسك طاهر يجوز بيعه في فاره قبل أن يفتح (1) ويرى المسك والأحوط أن يباع بعد فتحه. ولا يجوز بيع حبل الحبلة وهو أن يبيع شيئا بثمن مؤجل إلى نتاج الناقة وهو أن ينتج الناقة التي لفلان بن فلان ثم ينتج نتاجها لأن الأجل مجهول، و روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن بيعتين وعن لبستين. فالبيعتان: الملامسة والمنابذة واللبستان: الصماء والاحتباء. فأما بيع الملامسة فهو أن يأتي الرجل بثوبه مطويا أو منشورا في ظلمة فيقول: بعتك هذا الثوب بكذا وكذا فإذا لمسته وجب البيع ولا خيار لك إذا نظرت إلى طوله وعرضه، والمنابذة أن يبيعه ثوبه منه بكذا وكذا فإذا أنبذه إليه وجب البيع ولا خيار له إذا وقف على طوله وعرضه، وهذا كله لا يصح للجهل بالمبيع إجماعا. وأما اللبستان فالصماء هي التي تجلل عن جميع البدن وأما الاحتباء فهو أن يدير ثوبا على ظهره وركبتيه وفرجه مكشوف، ونهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الحصى وقيل في تفسيره: إنه بيع الأرض منتهى الحصى إذا رماها، قيل: بيع ثوب من الثياب التي يقع عليها

(1) في النسخ (يفتق).

[ 159 ]

الحصاة إذا رماها، وهذا أيضا لا يجوز لأنه مجهول. يجوز بيع الأعمى وشراؤه ويوكل غيره في النيابة عنه عند الرؤية هذا في بيع الأعيان وشرائها وفيه خلاف. فأما السلم فموصوف في الذمة بثمن موصوف غير معين فإنه يجوز إجماعا إلا المزني ونهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيعتين في بيعة، وقيل: إنه يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون المراد به إذا قال: بعتك هذا الشئ بألف درهم نقدا أو بألفين نسيئة بأيهما شئت خذه فإن هذا لا يجوز لأن الثمن غير معين وذلك يفسد البيع كما إذا قال: بعتك هذا العبد أو هذا العبد أيهما شئت فخذه لم يجز، والآخر أن يقول: بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك هذه بألف فهذا أيضا لا يصح لأنه لا يلزمه بيع داره ولا يجوز أن يثبت من ذمته لأن السلف في بيع الدار لا يصح. النجش حرام وهو أن يزيد رجل في ثمن سلعة زيادة لا تسوى بها وهو لا يريد شرائها وإنما يزيد ليقتدى به المستام فهذا هو النجش، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن النجش، وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: لا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، وهذا نهي يقتضي التحريم، فإذا ثبت تحريمه فالمشتري إذا اقتدى به وزاد في الثمن واشتراه كان الشراء صحيحا لأنه لا دليل على فساده فإذا ثبت صحته فهل للمشتري الخيار أم لا ينظر فإن كان النجش من غير أمر البايع ومواطاته فلا خيار له لأنه يفسخ عليه البيع بفعل غيره إن كان بأمره ومواطاته اختلف فيه فمنهم من قال: لا خيار له، ومنهم من قال: له الخيار لأنه تدليس، و الأول أقوى. إذا باع انسان من غيره شيئا وهما في المجلس ولكل واحد منهما الخيار في الفسخ فجاء آخر يعرض على المشتري سلعته مثل سلعته بأقل منها أو خيرا منها ليفسخ ما اشتراه ويشتري منه سلعة فهذا محرم عليه غير أنه متى فسخ الذي اشتراه انفسخ.

[ 160 ]

وإذا اشترى الثاني كان صحيحا، وإنما قلنا إنه محرم (1) لقوله صلى الله عليه وآله: لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه وكذلك الشراء قبل البيع محرم وهو أن يعرض على البايع أكثر من الثمن الذي باعه به فإنه حرام لأن أحدا لا يفرق بين المسألتين. وأما السوم على سوم أخيه فهو حرام أيضا لقوله صلى الله عليه وآله: لا يسوم الرجل على سوم أخيه هذا إذا لم يكن المبيع في المزائدة فإن كان كذلك فلا يحرم المزائدة. ولا يجوز أن يبيع حاضر لباد ومعناه أن يكون سمسار آلة بل يتركه أن يتولى بنفسه ليرزق الله بعضهم من بعض فإن خالف أثم وكان بيعه صحيحا، وينبغي أن يتركه في المستقبل هذا إذا كان ما معهم يحتاج أهل الحضر إليه وفي فقده إضرار بهم فأما إذا لم يكن بهم حاجة ماسة إليه فلا بأس بأن يبيع لهم. ولقاء المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد ليبيعه السمسار ويستقصي في ثمنه و يتربص فإن ذلك جايز لأنه لا مانع منه وليس كذلك في البادية. ولا يجوز تلقي الجلب ليشترى منهم قبل دخولهم البلد لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا يبيع بعضكم على بيع ولا تتلقوا (2) السلع حتى يهبط بها الأسواق، وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه نهى عن تلقي الجلب فإن تلقاه متلق فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق فإن تلقى واشتراه يكون الشراء صحيحا لأن النبي صلى الله عليه وآله أثبت الخيار للبايع، والخيار لا يثبت إلا في عقد صحيح وخياره يكون على الفور مع الامكان فإن أمكنه فلم يرده بطل خياره وإذا قدم السوق ولم يشغل (3) بتعرف السعر وتبين الغبن بطل خياره وأما إذا كان راجعا من ضيعة فلقا جلبا جاز له أن يشتريه لأنه لم يتلق الجلب للشراء منهم. ونهى صلى الله عليه وآله عن بيع وسلف وهو أن يبيع مثلا دارا على أن يقرضه المشتري ألف درهم وهذا عندنا مكروه وليس بمفسد للبيع.

(1) في بعض النسخ (حرام).
(2) في بعض النسخ (تلقوا).
(3) في بعض النسخ (يشتغل).

[ 161 ]

فصل: في حكم القرض القرض فيه فضل كبير وثواب جزيل فإن أقرض مطلقا ولم يشرط الزيادة في قضائه فقد فعل الخير، وإن شرط الزيادة كان حرام، ولا فرق بين أن يشرط زيادة في الصفقة أو في القدر فأما إذا لم يشرط ورد عليه خيرا منه أو أكثر منه كان جايزا مباحا ولا فرق بين أن يكون ذلك عادة أو لم يكن، وإذا شرط عليه أن يرد خيرا منه أو أكثر منه كان حراما، وإن كان من الجنس الذي لا يجوز فيه الربا مثل أن يقرضه ثوبا بثوبين فإنه حرام لعموم الأخبار، وقضاء القرض إن كان مما له مثل من المكيل والموزون فإنه يقضيه مثله، وإن كان مما لا مثل له مثل الثياب والحيوان والخشب يجب عليه قيمته. كل قرض يضبط بالصفة أو كيل أو كل مال يصح فيه السلم مثل المكيل والموزون والمذروع من الثياب والحيوان فإنه يجوز، ولا يجوز إقراض مالا يضبط بالصفة مثل الجو [ ا ] هر. يجوز استقراض الخبز إن شاء وزنا وإن شاء عددا لأن أحدا من المسلمين لم ينكره، ومن أنكر من الفقهاء فقد خالف الاجماع. لا أعرف نصا لأصحابنا في جواز إقراض الجواري ولا في المنع منه والأصل جوازه، وعموم الأخبار في جواز الاقراض يقتضي جوازه، ولا فرق بين أن يكون المستقرض أجنبيا أو ذا رحم لها يحرم عليه وطأها، و المستقرض يملك مال القرض بالقبض دون التصرف لأنه يستبيح به التصرف ويجوز له أن يرده على المقرض، ويجوز للمقرض أن يرجع فيه كما أن له أن يرجع في الهبة. فإذا استقرض جارية ينعتق عليه بالملك فإنه إذا قبضها عتقت عليه وليس له ردها على المقرض ولا له المطالبة بها لأنا قد بينا أنه يملك بالقبض، وإذا ملك انعتقت عليه. وإذا استقرض من غيره نصف دينار قراضة فأعطاه دينارا فقال: نصفه قضاء عما لك علي ونصفه وديعة عندك فإن رضي به جاز ويكون بينهما نصفين، ولك واحد منهما أن يتصرف في نصفه مشاعا وإن اتفقا على كسره جاز وإن اختلفا لم يجبر الممتنع منهما

[ 162 ]

على كسره لأنه قسمة إضرار. وإن امتنع المقرض من قبضه مشاعا كان له وإن اتفقا على أن يكون النصف قضاء ونصفه قرضا أو ثمنا لمبيع أو سلما في طعام في ذمته كان جايزا ويكون له التصرف في جميع الدينار. إذا كان لرجل على غيره مال حالا فأجله فيه لم يصر مؤجلا ويستحب أن يفي به ويؤخر المطالبة إلى محله، وإن لم يفعل وطالب به في الحال كان له سواء كان الدين ثمنا أو أجرة أو صداقا أو كان قرضا أو أرش جناية، وكذلك إذا اتفقا على الزيادة في الثمن لم يصح ولم يثبت، وإن حط من الثمن شيئا أو حط جميعه صح وكان إبراء مما له عليه ولا يلحق بالعقد وإنما هو إبراء في الوقت الذي أبرأه منه. فصل في تصرف الولي في مال اليتيم من ولي مال اليتيم جاز له أن يتجر فيه للصبي نظرا له سواء كان أبا أو جدا أو وصيا أو حاكما أو أمينا لحاكم، ويستحب له أن يشترى بماله العقار لأنه يحصل فيه الفضل ويبقى الأصل ولا يشتريه إلا من ثقة أمين يؤمن جحوده أو حيلته في إفساد البيع بأن يكون قد أقر لغيره قبل البيع وما أشبه ذلك، ويكون في موضع لا يخاف هلاكه بأن لا يكون بقرب الماء فيخاف غرقه أو في معترك بين طائفتين من أهل بلد فيخاف عليه الحريق والهدم. ويستحب له بناء العقار له لأن في ذلك مصلحة وينبغي أن يبنيه بطين وآجر ليكون له مرجوع إذا استهدم إذا أمكن وإن كان له عقار لم يجز لوليه أن يبيعه إلا عند الحاجة بالصغير إلى ثمنه لنفقته وكسوته ولا يكون له وجه غيره من غلة وأجرة عقار فيباع بقدر الحاجة أو يكون في بيعه غبطة وهو أن يكون له مع رجل شركة يبذل فيه أكثر من ثمنه ليخلص الجميع لنفسه أو يكون له رفقة في ملك غيره فيبذل فيها أكثر من ثمنها ليستوي ملكه فيبيع حينئذ ويشتري موضعا آخر أو يكون في معترك بين طائفتين يخاف عليه الهدم والحريق.

[ 163 ]

فإذا باع شيئا من عقاره وكان البايع أبا أو جدا كان (1) للحاكم إمضائه والاسجال به، وإن لم يثبت عنده أنه باعه للحاجة أو للغبطة لأن الظاهر أنهما ينظران له وإن كان الولي وصيا أو أمينا فإنه لا يمضيه ولا يسجل به إلا ببينة أنه باعه لحاجة أو غبطة لأنه يلحق بهؤلاء التهمة، وإذا بلغ الصبي وقد باع الأب أو الجد فادعى أنه باعه من غير حاجة ولا غبطة كان القول قول الأب أو الجد وإن كان وصيا أو أمينا كان القول قول الصبي ووجب على الوصي أو الأمين البينة. وإن ادعى أنه أنفق عليه أو على العقار قبل من الأب أو الجد بلا بينة، ولا يقبل من الوصي ولا الأمين إلا ببينة وقيل: إنه يقبل منهما أيضا بلا بينة لأنهما مأمونان وهو الأولى لأنه يشق عليهما إقامة البينة على الانفاق، ولا يشق على البيع فلأجل ذلك قبل قولهما في هذا ولم يقبل في الأول، ولا يصح بيع الصبي وشراؤه أذن له الولي أو لم يأذن وروي أنه إذا بلغ عشر سنين وكان رشيدا كان جايزا. الولي إذا كان فقيرا جاز له أن يأكل من مال اليتيم أقل الأمرين كفايته أو أجرة مثله ولا يجب عليه قضاؤه لقوله تعالى " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " (2) ولم يوجب القضاء. خلط مال اليتيم وكسوته ونفقته بنفسه، وأهله ينظر فيه فإن كان الخلط فيه أصلح لليتيم خلط، وإن كان إفراده أصلح أفرده ولم يجز له الخلط. فصل في العبد إذا استدان العبد فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يستدين بإذن سيده أو بغير إذن سيده [ فإن كان بغير إذن سيده ] (3) نظر فإن كان اشترى بثمن في ذمته فالأولى أن يقال: لا يصح شراؤه، وإن كان باقيا رد على البايع وإن كان تالفا كانت قيمته في ذمته يطالبه بها إذا أعتق وأيسر وقيل: إن شرائه صحيح فإن كان المبيع قايما بعينه كان للبايع فسخ

(1) في بعض النسخ (جاز) (2) النساء 6 (3) سقطت هذه العبارة من المطبوع

[ 164 ]

العقد ورد المبيع إلى ملكه لأنه معسر بالثمن، وإن كان تالفا فقد استقر الثمن في ذمته يطالبه به إذا أعتق وأيسر. وأما إذا أخذه المولى من يده فمن قال: إن شرائه صحيح استقر ملك المولي عليه ولا يكون للبايع أن ينتزعه من يده، ويكون له الثمن في ذمة العبد يطالبه به إذا أيسر لأن كل ما في يد العبد يجوز للمولى انتزاعه من يده، ومن قال: إن الشراء فاسد قال: إن كان في يد المولى باقيا استرجعه منه، وإن كان تالفا كان مخيرا بين أن يرجع على السيد بقيمته في الحال، وبين أن يرجع على العبد إذا أعتق. ومتى استقرض العبد بغير إذن مولاه فالكلام فيه مثل الكلام في شرائه سواء فمن قال: يصح قال: المقرض أن يرجع على العبد إن كان قايما في يده، وإن كان تالفا كان في ذمته تباع (1) به إذا أعتق، وإن كان المولى انتزعه من يده لم يكن له استرجاعه ويكون بدله في ذمة العبد، ومن قال: إن قرضه فاسد قال: إن كان قايما بعينه أخذه وإن كان تالفا كانت قيمته في ذمته يطالبه به إذا أعتق وإن أخذه المولى لم يملكه وكان له أن يرجع بعينه إن كان باقيا في يد المولى وإن كان تالفا إن شاء رجع على المولى بقيمته في الحال وإن شاء رجع على العبد إذا أعتق، وإن أذن لعبده في التجارة فركبه دين فإن كان أذن له في الاستدانة فإن كان في يده مال قضى منه وإن لم يكن في يده مال كان على السيد القضاء عنه، وإن لم يكن أذن له في الاستدانة كان ذلك في ذمة العبد يطالبه به إذا أعتق وقد روي أنه يستسعى العبد في ذلك. إذا أقر العبد على نفسه بجناية توجب القصاص لم يقبل إقراره عندنا وكذلك إن أقر بجناية خطاء لا يقبل إقراره وعلى هذا إجماع وفي الأولى خلاف، وأما الاقرار بما يوجب مالا فإنه لا يجوز إجماعا ويثبت جميع ذلك في حق العبد يطالب به إذا أعتق. وإذا أقر بسرقة توجب القطع لم يقطع لمثل ما قلناه، وإن كانت سرقة

(1) في بعض النسخ (يتبعه)

[ 165 ]

لا توجب القطع لم يقبل إقراره في حق السيد ويقبل في حق نفسه ويكون المال في ذمته يطالب به إذا أعتق إجماعا. والمال لا فرق بين أن يكون باقيا أو تالفا فإنه لا يقبل إقراره في حق مولاه فإن كان باقيا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون في يد المولى أو في يد العبد فإن كان في يد المولى لم يقبل إقراره عليه إجماعا وإن كان في يد العبد فلا يقبل أيضا إقراره به لأن ما في يده الظاهر أنه لمولاه وأما إقراره على نفسه فجميع ذلك يصح يتبع به إذا أعتق إجماعا. فصل: في حكم ما يصح بيعه وما لا يصح الأشياء على ضربين: حيوان وغير حيوان. فالحيوان على ضربين آدمي وبهيمة، و الآدمي على ضربين: حر ومملوك. فالحر لا يجوز بيعه ولا أكل ثمنه بلا خلاف، والمملوك على ضربين: موقوف وغير موقوف. فالموقوف لا يجوز بيعه، وما ليس بموقوف فعلى ضربين: ضرب لا يثبت له سبب العتق، وضرب يثبت له سبب العتق فما لم يثبت له سبب العتق فبيعه جايز. وما يثبت له سبب العتق فعلى ضربين: ضرب لم يستقر وضرب قد استقر فمن لم يستقر له فإنه يجوز بيعه مثل المدبر فإنه يبطل بالرجوع فيه. ومن استقر عتقه فمثل أم الولد وولدها من غير سيدها عند من منع من جواز بيعها بحال، وعلى مذهبنا المكاتب الذي لا يجوز بيعه، وهو إذا كان مكاتبا على مال مشروط عليه فإنه لا يمكن رده في الرق إلا بالعجز ولا يمكن رده بشئ من جهة سيده من الرجوع أو الموت. وما ليس بآدمي من البهيمة فعلى ضربين: نجس وطاهر. فالنجس على ضربين أحدهما نجس بالمجاورة، والثاني نجس العين. فإن كان نجسا بالمجاورة نظر فيه فإن كان ما جاوره من النجاسة يمنع من النظر إليه لم يجز بيعه، وإن كان لا يمنع النظر إليه جاز بيعه. وإن كان نجس العين مثل الكلب والخنزير والفأرة والخمر والدم وما توالد

[ 166 ]

منهم وجميع المسوخ، وما توالد من ذلك أو من أحدهما فلا يجوز بيعه، ولا إجارته ولا الانتفاع به ولا اقتنائه بحال إجماعا إلا الكلب فإن فيه خلافا. والكلاب على ضربين: أحدهما: لا يجوز بيعه بحال، والآخر يجوز ذلك فيه فما يجوز بيعه ما كان معلما للصيد، وروي أن كلب الماشية والحايط كذلك، وما عدا ذلك كله فلا يجوز بيعه ولا الانتفاع به. وما يجوز بيعه منها يجوز إجارته لأن أحدا لا يفرق بينهما. ويجوز اقتناء الكلب للصيد وحفظ الماشية وحفظ الزرع بلا خلاف، وكذلك يجوز اقتناؤه لحفظ البيوت، ومن ليس بصاحب صيد ولا حرث ولا ماشية فأمسكه ليحفظ له حرثا أو ماشية إن حصل له ذلك أو احتاج إلى صيد فلا بأس به لظاهر الأخبار. وعلى هذا يجوز تربية الجر ولهذه الأمور. وأما الطاهر فعلى ضربين: ضرب ينتفع به والآخر لا ينتفع به، فما ينتفع به فعلى ضربين: أحدهما يؤكل لحمه، والآخر لا يؤكل لحمه. فما يؤكل لحمه مثل النعم والصيود والخيل وساير ما يؤكل لحمه من الطيور، والبغال والحمير والدواب حكمها حكم ذلك عندنا وإن كان فيها كراهية. وما لا يؤكل لحمه مثل الفهد والنمر والفيل وجوارح الطير مثل البزاة والصقور والشواهين والعقبان والأرانب والثعالب وما أشبه ذلك، وقد ذكرناه في النهاية فهذا كله يجوز بيعه. وإن كان مما لا ينتفع به فلا يجوز بيعه بلا خلاف مثل الأسد والذئب وساير الحشرات من الحيات والعقارب والفأر والخنافس والجعلان، والحدأة والنسر والرخمة وبغاث الطير وكذلك الغربان سواء كان أبقع أو أسود. وأما غير الحيوان فعلى ضربين: نجس وطاهر، فالنجس على ضربين نجس العين ونجس المجاورة. فأما نجس العين فلا يجوز بيعه كجلود الميتة قبل الدباغ وبعده والخمر والدم والبول

[ 167 ]

والعذرة والسرقين (1) مما لا يؤكل لحمه ولبن ما لا يؤكل لحمه من البهايم. وأما النجس بالمجاورة فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون جامدا أو مايعا فإن كان جامدا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن تكون النجاسة التي جاورته ثخينة أو رقيقة. فإن كانت ثخينة تمنع من النظر إليه فلا يجوز بيعه. فإن كانت رقيقة فلا يمنع من النظر إليه جاز بيعه. وإن كان مايعا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون مما لا يطهر بالغسل أو يكون مما يطهر فإن كان مما لا يطهر بالغسل مثل السمن فلا يجوز بيعه، وإن كان مما يطهر بالغسل مثل الماء فإنه وإن كان نجسا فإنه إذا كوثر بالماء المطهر فإنه يطهر، وقيل: إن الزيت النجس يمكن غسله: والأولى أن لا يجوز تطهيره لأنه لا دليل عليه. فما هذا حكمه يجوز بيعه إذا طهر. وأما الطاهر الذي فيه منفعة فإنه يجوز بيعه لأن الذي منع من بيعه نجاسته و زوال ملكه وهذا مملوك. وأما سرجين ما لا يؤكل لحمه وعذرة الانسان وخرؤ الكلاب والدم فإنه لا يجوز بيعه، ويجوز الانتفاع به في الزروع والكروم وأصول الشجر بلا خلاف. يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء ولا يجوز إلا لذلك. بيع لبن الآدميات جايز وكذلك بيع لبن الآتن جايز لأن لحمه حلال. كل ما ينفصل من آدمي من شعر ومخاط ولعاب وظفر وغيره لا يجوز بيعه إجماعا لأنه لا ثمن له ولا منفعة (2) فيه، ولا يجوز لكافر أن يشتري عبدا مسلما ولا يثبت ملكه عليه وفيه خلاف لقوله تعالى " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (3).

(1) في بعض النسخ (السرجين) * (2) في بعض النسخ (صفقة) (3) النساء 141

[ 168 ]

ولا يجوز بيع رباع مكة وإجارتها لقوله تعالى " سواء العاكف فيه والباد " (1). وإذا وكل مسلم كافرا في شراء عبد مسلم لا يصح شراؤه، ولا يجوز أن يكون وكيلا للآية التي قدمناها، وإذا قال كافر لمسلم: أعتق عبدك عن كفارتي فأعتقه صح ويدخل في ملكه ويخرج منه بالعتق. إذا كان العبد كافرا وإن كان مسلما لم يصح لا ناقد بينا أن الكافر لا يملك مسلما. إذا اشترى الكافر أباه المسلم لا ينعتق عليه لأنا قد بينا أنه لا يملك، وإذا لم يملك لا ينعتق عليه، وفي الناس من قال: ينعتق عليه وإن لم يصح ملك الأب لأنه لا يلحقه صغار لانعتاقه عقيب الملك. وإذا استأجر كافر مسلما صحت إجارته سواء استأجره في عمل موصوف في ذمته أو استأجره يوما من حين العقد أو شهرا أو سنة للبناء أو للبيع أو [ ل‍ ] غير ذلك لأنه لا مانع منه. إذا اشترى من غيره مملوكا فظهر به عيب في مدة الثلاثة أيام كان للمشتري رده به وله أن يرده بما يظهر بعد الثلاث إلى السنة إذا كان العيب جنونا أو جذاما أو برصا، ولا يجوز له رده بعد السنة ولا بعد الثلاثة إلا فيما قدمنا ذكره إلا بشرط مقدر. إذا اشترى شيئا ولم يقبضه و [ أ ] رهنه صح رهنه لأنه ملكه بالعقد.

(1) الحج 25:

[ 169 ]

كتاب السلم السلم هو أن يسلف عوضا حاضرا أو في حكم الحاضر في عوض موصوف في الذمة إلى أجل معلوم، ويسمى هذا العقد سلما وسلفا ويقال: سلف وأسلف وأسلم، ويصح أن يقال: سلم لكن الفقهاء لم يستعملوه، وهو عقد جايز لقوله تعالى " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى " (1) والسلم دين إلى أجل مسمى ويجوز للمسلم أن يأخذ الرهن من المسلم إليه لقوله تعالى " فرهان مقبوضة " (2) ويجوز أخذ الضمين به، ويجوز السلم في المعدوم إذا كان مأمون الانقطاع في وقت المحل. إذا أسلم انسان في الرطب إلى أجل فجاء الأجل فلم يتمكن من مطالبته به لغيبته أو غيبة المسلم إليه أو هرب منه أو تواري من السلطان وما أشبه ذلك ثم قدر عليه وقد انقطع الرطب فقد كان المسلف بالخيار إن شاء فسخه وإن شاء أخره إلى قابل، وفي الناس من قال: ينفسخ العقد هذا إذا نفذ جميع الرطب فإن قبض بعضه ثم انقطع فلم يقدر على الباقي كان الخيار فيما يبقى ثابتا للمشتري بين الفسخ وبين الصبر إلى قابل، وإن أراد فسخ الجميع ورد ما قبض له كان له ذلك ويسترجع الثمن ومتى أجازه احتسب ما أخذه بحصته من الثمن. والسلم لا يكون إلا مؤجلا ولا يصح أن يكون حالا وإن كان الشئ موجودا في الحال فإنه لا يكون ذلك سلما، ولا يصح السلم حتى يكون المسلم فيه معلوما ورأس المال وهو الثمن يكون معلوما إلا بأن يوصف وصفا ينضبط به ويعلم به لأنه ليس بمعين فيمكن مشاهدته، ورأس المال ينظر فإن كان غير معين في الحال التي يقع فيها العقد وجب أن يصفاه كما يوصف المسلم فيه حتى يكون (3) معلوما إلا أن يكون من

(1) البقرة 282 (2) البقرة 283 (3) في بعض النسخ (يصير).

[ 170 ]

جنس نقد البلد فإنه يكفي أن يتبين مقداره ويحمل على نقد البلد ولا يجب وصفه. وإذا عقد المسلم بوصفه فإنه يجب تعيينه في حال العقد وإقباضه قبل التفرق فأن تفرقا قبل القبض بطل السلم، وإن كان معينا في حال العقد فنظر إليه فإنه يجب أن يذكر مقداره سواء كان من جنس المكيل أو الموزون أو المذروع وعلى كل حال ومتى لم يفعل ذلك لم يصح السلم ووجب على المسلم إليه رد ما قبضه من رأس المال إن كان باقيا أو مثله إن كان تالفا فإن اختلفا في المقدار فالقول قول المسلم إليه مع يمينه لأنه هو الغارم ولا يمتنع أن يكون رأس المال جوهرة أو لؤلؤة بعد أن يكون مشاهدة ولا يلزم أن يذكر بالوصف لأن ذلك ليس من المقدرات بالوزن والكيل والذرع. كل حيوان يجوز بيعه يجوز السلم فيه من الرقيق والإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وغير ذلك وقد ذكرنا أن من شرط صحة السلم أن يذكرا فيه الأجل ومتى لم يذكرا الأجل كان العقد باطلا فإن اطلقا فلم يذكرا الأجل وذكراه قبل التفرق لم يكن ذلك صحيحا لأن العقد وقع فاسدا فلا يلحق به ما يتجدد فيما بعد ويجب عليهما أن يستأنفا العقد. ومن شرط صحة السلم قبض الثمن قبل التفرق، ومتى لم يقبض الثمن بطل العقد (1) وإذا عقد السلم بلفظ البيع كان صحيحا ولم يبطل بذلك شرط قبض الثمن في صحته لأن المراعى المعنى دون اللفظ. وأما البيع المحض فليس من شرط صحته قبض الثمن ويجوز التفرق قبل القبض ولا يبطل البيع، والسلم مخالف له، وقد ذكرنا أن من شرط صحة السلم أن يكون المسلم فيه موصوفا فيما يجب وصفه حتى يصير معلوما. فإن كان مكيلا وقدراه بمكيال وجب أن يكون معلوما عند العامة، ولا يجوز أن يقدراه بإناء بعينه، وإن قدراه بوزن وجب أن يكون صنجة (2) معروفة عند العامة فإن قدراه بصخرة لم يجز لأن ذلك مجهول في حال العقد، وإن عينا مكيال رجل

(1) في بعض النسخ (صحة السلم).
(2) الصنج بالنون والجيم: معرب سنك مصباح. هكذا في هامش المطبوع.

[ 171 ]

بعينه وهو مكيال معروف أو عينا صنجة رجل بعينه وهو صنجة معروفة جاز السلم فيه ولا يعين ذلك المكيال ولا تلك الصنجة لكن يتعلق بجنس مثل ذلك المكيال أو مثل تلك الصنجة لأن الغرض في قدره لا في عينه. وإذا أسلم في ثوب على صفة خرقة أحضراها لم يجز لجواز أن تهلك الخرقة فيصير ذلك مجهولا. وأما الأجل فإنه يجب أن يكون معلوما والمعلوم أن يسلف إلى شهر من شهور الأهلة فيقول: إلى رجب أو إلى شعبان أو غير ذلك من شهور الهلال لقوله تعالى " قل هي مواقيت للناس والحج " (1) وإن قال: إلى جمادى حمل على أولها، وإن قال: إلى شهر ربيع حمل على أولها. وإذا أسلم أهل مكة إلى النفر جاز لأنه معلوم وينبغي [ أن يقول ] إنه يحمل على النفر الأول وإن أسلمه إلى شهر من شهور الفرس مثل مهر ماه أو آبان ماه أو شهريور ماه أو إلى شهر من شهور الروم مثل شباط وآذار أو نيسان كان جايزا إذا أسند ذلك إلى سنة هجرية لأن ذلك معلوم في بلاد العراق وغيرها من البلدان. وإن قال: إلى خمسة أشهر جاز أيضا وحمل على الأشهر الهلالية لأن الله تعالى علق بها مواقيت الناس. وإذا ثبت ذلك نظر فإن لم يكن معنى من الهلال شئ عد خمسة أشهر، وإن كان قد مضى من الهلال شئ حسب ما بقي ثم عد ما بعده بالأهلة سواء كانت ناقصة أو تامة ثم أتم الشهر الأخير بالعدد ثلاثين يوما لأنه فات الهلال وإن قلنا: إنه يعد مثل ما فات من الشهر الأول الهلالي كان قويا، وإن جعل الأجل إلى النيروز أو المهرجان جاز لأنه معلوم إذا كان من سنة بعينها وإن سلف إلى نيروز الخليفة ببغداد وبلاد العراق صح لأنه معلوم عند العامة. إذا ذكرت السنة وإن جعل إلى عيد الفطر أو إلى عيد الأضحى كان جايزا وكذلك

(1) البقرة 189

[ 172 ]

إلى يوم عرفة أو إلى يوم التروية وغير ذلك من الأيام المعروفة. وإن جعل الأجل بعدد الأيام فقال: إلى ثلاثين يوما أو إلى عشرين يوما أو إلى عشرة إيام جاز، وكذلك إن قال: إلى زوال الشمس أو إلى وقت صلوة الظهر أو إلى طلوع الشمس أو إلى غروبها كان ذلك جائزا لأنه معلوم، والمجهول أن يقول: إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى الصرام أو إلى الجذاذ كل ذلك لا يجوز، ولا يجوز أيضا إلى عطاء السلطان إذا أراد به فعل السلطان للعطاء لأنه مجهول، وإن أراد وقت العطاء فإن كان معلوما جاز وإن لم يكن له وقت معلوم لم يجز. ولا يجوز إلى فصح النصارى وهو عيد لهم ولا إلى شئ من أعياد أهل الذمة مثل السعانين وعيد الفطير وما أشبه ذلك لأن المسلمين لا يعرفون ذلك. ولا يجوز الرجوع إلى قولهم فيصير مجهولا ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه على ما حكي. فإن علم المسلمون من حسابهم مثل ما يعلمونه كان جايزا ومتى كان أجله إلى يوم الخميس مثلا في أسبوع بعينه فإذا طلع الفجر من يوم الخميس فقد حل الأجل. وإذا قال: إلى شهر رمضان فإذا غربت الشمس من آخر يوم من شعبان حل والفرق بينهما أن اليوم اسم لبياض النهار، والشهر إسم لليل والنهار وأول كل شهر الليل. وإذا قال: محله من يوم كذا أو شهر كذا أو في سنة كذا جاز ويلزمه بدخول الشهر واليوم. ومن شرط صحة السلم أن يكون المسلم فيه مأمون الانقطاع في محله عام الوجود ليقدر المسلم إليه على تسليمه وإذا لم يكن مأمون الانقطاع لم يكن مقدورا على تسليمه في الظاهر فلم يجز. ولا يجوز أن يجعل الأجل في وقت لا يكون وجود المسلم فيه عاما وإنما يكون نادرا مثل أن يسلف في رطب ويجعل محله في أول الرطب الذي يصير فيه وجوده أو يجعل المحل في آخر الرطب الذي يكون قد انقطع فيه الرطب وإنما يبقى في النادر

[ 173 ]

لمن استبقاه لأنه لا يؤمن انقطاعه ويجب أن يذكر موضع التسليم، وإن كان لحمله مؤونة وجب ذكره، وإن لم يكن له مؤونة لا يجب ذلك وكان ذكره احتياطا. جملة شرايط السلم ثمانية: أحدها: ذكر النوع. الثاني ذكر الأوصاف التي يختلف لأجلها الثمن. الثالث: ذكر المقدار بالشئ المعلوم عند العامة. الرابع: ذكر الأجل المعلوم. الخامس: ذكر موضع التسليم على ما تقدم. السادس: أن يكون مأمون الانقطاع في محله عام الوجود. السابع: قبض رأس المال في المجلس. الثامن: مشاهدة رأس المال أو وصفه مشاهدته. يجوز السلم في الأثمان مثل الدراهم والدنانير إذا كان رأس المال من غير جنس الأثمان مثل أن يسلف في الدراهم والدنانير ثوبا أو خشبة أو دابة أو عبدا أو طعاما أو غير ذلك. فأما إذا أسلف دراهم في دراهم أو في دنانير في دراهم أو دنانير لم يجز. فإن أسلف دراهم في دراهم أو دنانير مطلقا وشرط أن يكون حالا لم يكن صحيحا فإن قبضه في المجلس وقبض رأس المال لم يجز لأن العقد لم يثبت. فأما ذكر الأوصاف التي يوصف بها السلم فإن كان تمرا فيقول: برني أو معقلي أو طبرزد أو غير ذلك من أجناس التمر لأنه يختلف باختلاف الأنواع. وإن اختلفت الأجناس في البلدان لم يجز حتى يذكر جنس بلد كذا لأن الجنس الواحد يختلف باختلاف البلاد، وينبغي أن يذكر بلدا كبيرا يذكر (1) فيه نبات ذلك الشئ المسلم فيه مأمونا في الغالب إعوازه عند محله. وإن كان النوع يختلف باللون ذكره بوصفه بالحمرة والسواد وغير ذلك ويصفه بالصغر والكبر يقول: جيدا أو رديئا حديثا أو عتيقا وإن ذكر عتيق عام أو عامين كان

(1) في بعض النسخ (يكثر).

[ 174 ]

أحوط وإن لم يذكره أجزأه، وما يقع عليه اسم عتيق يلزمه أخذه بعد أن لا يكون معيبا ولا مسوسا وجملته أن يذكر ويوصف التمر بستة أوصاف: النوع والبلد واللون والجيد أو الردئ والحديث أو العتيق والصغار أو الكبار. وإذا أسلم في الرطب وصفه بهذه الأوصاف إلا واحدا وهو الحديث أو العتيق به لأن الرطب لا يكون إلا حديثا فيحصل في الرطب خمسة أوصاف. وإذا أسلف في تمر لم يكن عليه أن يأخذ إلا جافا لأنه لا يكون تمرا حتى يجف، وليس عليه أن يأخذه معيبا وعلامة المعيب أن يراه أهل البصيرة فيقولون هذا عيب فيه، وليس عليه أن يأخذ فيه حشفة واحدة لأنها معيبة وما عطش فأضربه العطش لأنه عيب. وإن أسلف في الرطب لم يكن عليه أن يأخذ فيه بسرا ولا مذيبا ولا يأخذ إلا ما أرطبت كله، ولم يكن عليه أن يأخذ مشدخا ولا واحدة وهو ما لم يترطب فيشدخوه ولا قويا قارب أن يتميز يعني الناشف لأن هذا خرج من أن يكون رطبا. وهكذا الكلام في أصناف العنب والزبيب وكلما أسلم فيه رطبا أو يابسا من الفاكهة مثل التين والفرسك وهو الخوخ وجميع أنواع الفاكهة وإن كان حنطة قال: شامية أو ميسانية أو موصلية أو مصرية أو عجمية أو يقول: محمولة من البلد الذي ينبت جيده أو رديئه عتيقه أو جديده. والأحوط أن يسمى حصاد عام أو عامين، وليس ذلك شرطا كما قلناه في التمر وإن كان يختلف باللون وصف بسمرته وحمرته وبياضه ويصفها بالصغر والكبر، ويسمى الكبير بالحادر، والمصدر الحدارة والحادر الوارم، وجملته ستة أوصاف: النسبة إلى البلد والمحمولة أو المولدة، والحديث أو العتيق، واللون أو الحدارة أو الدقة والجودة أو الرديئة وليس على المشتري أن يأخذها بنفسه معيبة بوجه من الوجوه العيب من تسويس ولا ماء أصابها ولا عفونة ولا تغيير. والعلس صنف من الحنطة يكون فيه حبتان في كمام فيترك كذلك لأنه أبقى له حتى يراد استعماله للأكل فيلقى في رحا ضعيفة فيلقي عنه كمامه ويصير حبا والقول

[ 175 ]

فيه كالقول في الحنطة في إكمامها لا يجوز السلف فيه إلا ملقى عنه كمامه لاختلاف الكمام، وكذلك القول في القطنية الحبوب كلها لا يجوز أن يسلف في شئ منها إلا بعد طرح كمامها عنها يرى، ولا يجوز حتى يسمى حمصا أو عدسا أو جلبانا أو ماشا وكل صنف منها على حدته، وهكذا كل صنف من الحبوب أرزا أو دخنا أو سلتا أو غيره يوصف كما يوصف الحنطة يطرح كمامه دون قشوره لأنه لا يجوز أن يباع بكمامه. ويوصف العسل ببياض أو صفرة أو خضرة ويوصف ببلده فيقال: جبلي أو بلدي وما أشبه ذلك، ويوصف بزمانه فيقال: ربيعي أو خريفي أو صيفي وليس له أن يأخذه بشمع لأنه ليس بعسل، وله أن يطالب بعسل صاف من الشمع وإن صفي بالنار لم يجبر على أخذه لأن النار تغير طعمه فينقصه لكن يصفى بغير نار فإن جائه بعسل رقيق فقال أهل الخبرة: هذا من حر البلد لزمه أخذه وإن قالوا: الرقة في هذا الجنس من العسل عيب ينقص من ثمنه لم يلزمه أخذه، ومن اشترط أجود الطعام أو أرداه لم يجز لأنه لا يوقف عليه، ولا يجوز أن يذكر جيدا أو رديئا لأن ذلك معروف بالعادة. وإن كان المسلف فيه رقيقا قال عبدا نوبيا خماسيا أو سداسيا أو محتلما، وجملته أن يضبطه بستة أوصاف: النوع واللون والسن والقد والذكورية أو الأنوثية والجودة أو الرديئة فالنوع مثل أن يقول: تركي أو رومي أو أرمني أو زنجي أو حبشي أو نوبي أو هندي وإن كان النوع الواحد يختلف مثل أن يكون تركي جكلي أو غيره فينبغي ذكره، وإن كان النوع الواحد يختلف باللون ذكره فيقول: أبيض أو أصفر أو أسود. وأما السن فلا بد من ذكرها، وإن كان بالغا قبل قوله في مقدار سنه، وإن كان صغيرا قبل قول سيده، وإن كان مجلوبا ولم يكن مولدا ولم يعرف سيده مقدار سنه رجع إلى أهل الخبرة والبصيرة حتى يقولوا على التقريب. وأما القد فإنه يقول خماسي أو سداسي ومعناه، خمسة أشبار أو ستة أشبار. وأما الذكورية والأنوثية فإن الأغراض تختلف فيها والثمن يختلف لأجلهما

[ 176 ]

فلا بد من ذكر واحد منهما وكذلك الجودة والردائة، ولا بد أن يذكر البكارة في الجارية أو الثيوبة إذا كان الثمن يختلف لأجله ويحليهم بالجعودة والسبوطة وإن لم يفعل فلا بأس به لأنه لا يختلف الثمن لأجله اختلافا كثيرا. ولا يجب ذكر ساير الحلي مثل مقرون الحاجبين أدعج العينين أقنى الأنف وما أشبه ذلك، وإن كان جارية لا يجوز أن يشترط معها ولدها لأن ولدها لا يمكن ضبطه بالصفة لأنها ربما لم تلد كذلك، وكذلك لا يجوز أن يسلف في خنثى لأنه ربما لم يتفق ذلك. فإن سلف في جاريه وولد جاز لأنه سلم في صغير وكبير إذا لم يقل ابنها. وإن اشترط في العبد أن يكون خبازا وفي الجارية كونها ماشطة كان صحيحا وكان له أدني ما يقع عليه اسم المشط والخبز. ولا يجوز السلف في جارية حبلى لأن الحمل مجهول لا يمكن ضبطه بأوصافه. وإذا أسلم في الإبل وصفها بخمس شرايط: بأنها من نتاج بني فلان وإن كان يختلف نتاجهم ويتنوع ويختلف الثمن به وجب ذكره مثل أن يقول: مهرية أو أرجية أو مجيدية. والسن لا بد من ذكرها فيقول: بنت لبون أو حقة أو جذعة أو ثنية أو رباع أو سديس أو بازل عام أو عامين. وأما الذكر والأنثى فلا بد من ذكره، وكذلك الجيد والردئ وكذلك يذكر اللون أبيض أو أحمر أو أزرق أو أسود فإن اللون فيها مقصود فذلك خمس شرايط: النتاج والسن واللون والذكورية والأنوثية والجودة والردائة. وإذا اختلف نتاج بني فلان فقد قلنا يذكر النوع صارت ستة شرايط. ويستحب أن يذكر بريئا من العيوب ويسمى ذلك غير مودن وسط الخلق مجفر الجنبين. يعني بمودن الذي يولد ضاويا. مديد القامة كامل الأعضاء ومجفر الجنبين يعني ممتلي الجوف منتفخ الخواصر وذلك مدح في الإبل، وضمور بطنها نقص، وذلك كله تأكيد وليس بشرط.

[ 177 ]

وإن كان السلف في الفرس يصف شيته مع لونه فإن لم يفعل فله اللون بهيما وإن كان له شية وهو بالخيار في أخذها وتركها، ويذكر الشرايط التي ذكرناها في الإبل سواء وأن يوصف شيته مثل البلقة والتحجيل أو الغرة جاز وإن لم يصف كان البهيم لونا واحدا لأنه إذا قال: أشهب أو أدهم أو أشقر كان ذلك وصفا للجميع. وأما البغال والحمير فلا نتاج لهما فيصفها وينسبها إلى بلادها وما تعرف به من أوصافها التي يختلف الثمن لأجلها. وأما الغنم فإن عرف لها نتاج فهي كالإبل وإن لم يعرف لها نتاج نسبت إلى بلادها وكذلك البقر وإن أسلم في شاة معها ولدها أو حامل فعلى ما تقدم بيانه. وإن أسلم في شاة لبون صح ويكون ذلك شرطا للنوع لا للسلم في اللبن ولا يلزمه تسليم اللبن في الضرع ويكون له حلبها وتسليم الشاة من غير لبن. وإذا أسلم في الثياب فلا بد من ذكر ثمانية شرايط: الجنس، والبلد، والطول والعرض، والصفاقة أو الرقة، والغلظة أو الدقة، والنعومة أو الخشونة، والجودة أو الرداءة. فالجنس أن يقول: من ابريسم أو قز أو كتان أو قطن أو صوف. والبلد أن يقول: هروي رازي همداني بغدادي رومي طبري مصري سقلبي تكريتي وما أشبه ذلك. وقدر الطول والعرض وساير الأوصاف التي ذكرناها لأن الثمن يختلف باختلافها اختلافا مباينا ولا يذكر مع هذه الأوصاف الوزن فإن ذكر الوزن فسد السلم لأنه يتعذر مع هذه الأوصاف الوزن إلا نادرا. وقال قوم: لا يجب ذكره ولا يفسد السلم بذكره وإن ذكر خاما أو مقصورا جاز وإن لم يذكره أعطاه ما شاء وإن كان جديدا مغسولا جاز وإن ذكر لبيسا مغسولا لم يجز لأن اللبس يختلف ولا يضبط. وإن أسلم في الثوب المصبوغ فإن كان يصبغ غزله جاز لأن لونه يجري مجرى لون الغزل ويوقف على صفته وإن كان يصبغ بعد النسج لم يجز لأن ذلك يكون سلما في

[ 178 ]

الثوب والصبغ المجهول ولأنه يمنع من الوقوف على نعومة الثوب وخشونته وإدراك صفته. وإن أسلم في ثوب منسوج من جنسين من الغزل ومن الخز أو الابريسم مثل العتابي والأكسية الملونة التي سداها ابريسم ولحمتها صوف قيل: إنه لا يجوز لأنه مختلط من جنسين فهو في معنى السلف في الغالية والدهن يقع فيه اختلاط ومثل الأبنية المتخذة من جنسين من نحاس ورصاص أو حديد أو قزاز ورمل ومثل السلم في القلنسوة المحشوة والخفين وما أشبه ذلك، وذلك كله فاسد. وقيل: إن ذلك يجوز لأنه يعلم أن السدا ابريسم واللحمة خز أو صوف وليس من شرطه أن يكون مقداره في الوزن معلوما وهذا أقرب، ولا يجوز السلم في الثوب المطيب لأن الطيب مختلف. وإذا أسلم في الرصاص فليذكر وزنه ونوعه فيقول: قلعي أو أسرب ويصفه بالنعومة والخشونة والجودة والرداءة واللون إن كان يختلف، وكذلك النحاس يصفه بأوصافه التي يختلف الثمن لأجلها، وكذلك الحديد ويزيد في الحديد ذكرا أو أنثى لأن الذكر منه أكثر ثمنا لأنه أحد وأمضى. وأما الأواني المتخذة منها فإنه لا بأس بالسلم فيها مثل أن يسلم في طشت أو تورمن نحاس أحمر أو أبيض أو شبه أو رصاص أو حديد ويصفه بسعة معروفة ومضروبا أو مفرغا يعني مصبوبا وبصيغة معروفة ويصفه بالثخانة أو الرقة، وكذلك كل إناء من جنس واحد ضبط صفته فهو كالطشت والقمقمة وإن كان يضبط أن يكون مع شرط السعة وزن كذا كان أصح وإن لم يشترط وزنا صح كما يصح أن يبتاع ثوبا بصفة وسعة وإن لم يذكر وزنا وفي الناس من قال: لا يجوز السلم في القمقمة والأسطال المدورة والمراجل لاختلافها فإن القمقمة بدنها واسع وعنقها ضيق فيكون في معنى السلم في السهام والأول أقوى. ولا بأس يبتاع صحانا وقدحانا من شجر معروف ويصفه بصفة معروفة وقدر معروف من الكبر والصغر والعمق والضيق ويشترط أي عمل شاء ويصفه بالثخانة أو الرقة،

[ 179 ]

وإن اشترط وزنه كان أصح وإن لم يشترط جاز. ويجوز السلم في الزاووق (1) يعني الزيبق، ويجوز السلف في الشب والكبريت وحجارة الكحل وغيرها. الظاهر من المذهب أن اللحم لا يجوز الاسلاف فيه، وفي الناس من قال: يجوز فمن أجازه قال: إذا أسلم فيه ضبطه بسبعة أوصاف: الجنس والسن والذكر أو الأنثى والسمين أو المهزول والمعلوف أو الراعي والموضع من البدن والمقدار. فالجنس يقول: لحم بقر أو غنم أو ماعز أو ضأن ويذكر السن ويقول: في الصغر رضيع أو فطيم ذكر أو أنثى لأن الأنثى لحمها أرطب ويقول في الذكر: خصي أو فحل لأن لحم الخصي أرطب، ويقول: سمين أو مهزول ومعلوف أو راعى في جميع الأنواع من اللحم لأن الثمن يختلف باختلافه ويقول: لحم الرقبة أو الكتف أو الذراع أو الفخذ لأن ذلك يختلف في الجودة والرداءة، وربما اختلف ثمنه، ويذكر المقدار وزنا فذلك سبعة أوصاف ويتفرع وصفان في الصغر فطيما أو رضيعا، وفي الذكر فحلا أو خصيا فإذا ثبت هذا فاللحم يسلم إليه مع العظم لأنه كذلك يباع في العادة، وإن أسلم في مشوي أو مطبوخ لا يجوز لأن عمل النار يختلف فيه، ويكره اشتراط الأعجف لأن ذلك يكون غررا. ويجوز السلف في الشحم ويصفه وزنا ويبين شحم البطن أو شحم غيره وإن باع مطلقا لم يجز لاختلاف شحم البطن وغيره، ويسمى شحم صغير أو كبير ماعز أو ضأن أو بقر، وكذلك يجوز أن يسلم في الألبان وزنا، ولحوم الصيد إذا كانت ويذكر فيها سبعة أوصاف: النوع والذكر أو الأنثى والسمين أو المهزول والصغير أو الكبير، والجيد أو الردئ والمقدار وزنا يجوز الاسلاف فيه عند من أجازه وإن كان يختلف بآلة الصيد شرط أيضا لأن الصيد الأجولة أنظف وهو سليم وصيد الجارح مجروح ومتألم.

(1) قال محمد بن إدريس: والزاووق بالزاء المعجمة والألف وواوين وقاف: الزيبق كذا في هامش المطبوع.

[ 180 ]

ولا بد أن يشرط صيد ما يجوز أكل صيده مثل الكلب فإن صيد الفهد لا يجوز عندنا، ولا يذكر فيه راعيا ولا معلوفا ولا فحلا ولا خصيا لأنها لا تكون إلا راعية و فحولة ولا يكون خصيا. ويذكر النوع فيقول: لحم ظبي أو إبل أو بقر وحش أو حمار وحش أو صنف بعينه ثم ينظر فإن كان يعم وجوده أسلم فيه في كل وقت وجعل محله أي وقت شاء وإن كان ينقطع في بعض الأوقات دون بعضه فإنه إن أسلم في الزمان الذي هو منقطع فيه جعل محله في الزمان الذي يعم وجوده. ولحم الطير يصف فيه النوع من العصافير والقنابر وغيرهما ويسمي كل نوع باسمه الخاص ويذكر صغيرا أو كبيرا سمينا أو مهزولا جيدا أو رديئا وقدرا معلوما بالوزن، وإن كان كبيرا يبين فيه موضع اللحم ذكره، ولا يأخذ في الوزن الرأس والساق والرجل لأنه لا لحم عليه. وإذا أسلم في الحيتان ذكر جميع ما ذكر به وإن كان يختلف باختلاف المياه ذكره فإنه ربما اختلف البحري والنهري والأجمي. ويجوز السلف في السمن ويذكر النوع فيقول، سمن ضأن أو ماعز أو بقر أو جواميس أو غيرها فإن ذلك يختلف، ويذكر بلده فإنه يختلف بالبلدان ويذكر الحديث أو العتيق فإنه يختلف ثمنه ويذكر جيدا أو رديئا، ويذكر مقداره. ويجوز السلم في الزبد [ الزيت خ ل ] يصفه بأوصاف السمن ويزيد فيه زبد يومه أو أمسه لأنه يختلف بذلك، ولا يجوز أن يعطيه زبدا بخيحا وهو الذي أعيد في السقاء وطري وإن كان فيه رقة فإن كان لحر الزمان قبل وإن كان لعيب فيه لم يجبر على قبوله. وإذا أسلم في اللبن وصفه بأوصاف السمن ويزيد فيه ذكر المرعى (1) فيقول: لبن عواد أو أوارك أو حمضية وذلك اسم للكلاء فالحمضية هو الذي فيه الملوحة والعوادي هي الإبل التي ترعى ما حلا من النبات وهو الخلة يقول العرب: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها.

(1) في بعض النسخ (المراعى)

[ 181 ]

فإذا كانت الإبل ترعى الخلة سميت عوادي، وإن كانت ترعى في الحمض تسمى أوارك وتسمى حمضية، ويختلف ألبانها بذلك، ويذكر معلوفة أو راعية، ويذكر حليب يومه ويلزمه أن يعطيه حلوا فإن كان حامضا كان المشتري بالخيار. ولا يجوز السلم فيه لأن الحموضة عيب ونقص ولا يضبط، ويجوز أن يشترط كيلا أو وزنا فإن كان كيلا ترك اللبن حتى تسكن برغوته بعد الحلب لأن ذلك يبين في المكيال، وإن كان وزنا لا يحتاج إليه لأن الوزن يأتي عليه. ويجوز السلم في الجبن ويوصف بما ذكرنا. ويقول فيه: رطب أو يابس، ويذكر بلده لأنه يختلف باختلاف البلدان. ولا يجوز السلم في المخيض لأن فيه ماء لأن الزبد لا يخرج منه إلا بالماء ولا يمكن معرفة مقدار اللبن، واللباء كاللبن إلا أنه موزون لأنه يتجافى في المكيال. ويجوز السلف في الصوف ويصفه بسبعة أوصاف: بالبلد فيقول: حلواني أو جبلي أو غير ذلك، وباللون فيقول: أسود أو أبيض أو أحمر ويقول: طوال الطاقات أو قصارها، ويقول: صوف الفحولة أو الإناث لأن صوف الفحولة أخشن وصوف الإناث أنعم، ويذكر الزمان فيقول: خريفي أو ربيعي فإن الربيعي أوسخ، والخريفي أنظف ويذكر جيدا أو رديئا، ويذكر المقدار وزنا ويقول: نقيا من الشوك والبعر، وإن لم يذكر ذلك وجب عليه دفعه بلا شوك ولا بعر لأن ذلك ليس بصوف. وكذلك الوبر والشعر يجوز السلم فيهما ويصفهما بمثل ما ذكرنا ولا يصح أن يسلف في صوف غنم بأعيانها لأن الآفة تأتي عليها فيذهبه أو ينقصه. ويجوز السلف في الكرسف وهو القطن ويصفه بستة أوصاف: بلده فيقول: جبلي أو بصري أو دينوري أو رازي أو نيشابوري، ويصف لونه فيقول أبيض أو أسمر ويقول: ناعم أو خشن وجيد أو ردئ، ويصف طول العطب وقصرها ويصف مقدارها بالوزن فإذا أسلم فيه وجاء المسلم إليه به أجبر على قبضه بحبه لأن الحب فيه بمنزلة البذر في الثمرة، وإن شرط محلوجا جاز ويجب تسليمه منزوع الحب، وإن أسلم في الغزل جاز ويزيد فيه غليظا أو دقيقا.

[ 182 ]

ويجوز السلم في الابريسم ويصف بلده فيقول: بغدادي أو طبري أو خوارزمي، ويذكر لونه أبيض أو أصفر ويذكر جيدا أو رديئا ويذكر وزنه، ولا يحتاج إلى ذكر النعومة والخشونة لأنه لا يختلف في ذلك. ولا يجوز السلف في القز لأن في جوفه دودا ليس بمقصود ولا فيه مصلحة فإنه إذا ترك فيه أفسده لأنه يقرضه ويخرج منه فإن كان يابسا مات فيه الدود فلا يجوز بيعه لأنه ميتة. فإن أسلم في قز قد خرج منه الدود جاز لأنه يطبخ ويغزل ويعمل منه ثياب القز. ويجوز أن يسلف في المكيل من الحبوب والأدهان وزنا، وفي الموزون من الأشياء كيلا إذا كان يمكن كيله ولا يتجافى في المكيل. ولا يجوز بيع الجنس الواحد مما يجري فيه الربا بعضه ببعض وزنا إذا كان أصله الكيل، ولا كيلا إذا كان أصله الوزن، والفرق بينهما أن المقصود من السلم معرفة مقدار المسلم فيه حتى تزول عنه الجهالة وذلك يحصل بأيهما قدره من كيل أو وزن وليس كذلك ما يجري فيه الربا فإنه أوجب علينا التساوي والتماثل بالكيل في المكيلات وبالوزن في الموزونات. فإذا باع المكيل بعضه ببعض وزنا فإذا رد إلى الكيل جاز أن يتفاضل لثقل أحدهما وخفة الآخر فلذلك افترقا. الخشب على أربعة أضرب: خشب البناء وخشب القسي (1) وخشب الوقود وخشب يعمل منه النصب وغير ذلك. فأما الذي يستعمل في البناء إذا أسلم فيها وصف نوعها فيقول: ساج أو صنوبر أو غرب أو نخل، ويصف لونه إن كان يختلف اللون، ويصفه بالرطوبة واليبوسة، ويصف طوله وعرضه إن كان له عرض أو دورة أو سمكة وجيده أو رديئه، وإن ذكر مع ذلك وزنه جاز وإن لم يذكر وزنه جاز، وليس له العقد لأنه ذلك عيب فيه ويلزمه أن

(1) القسي: جمع القوس. كذا في هامش المطبوع

[ 183 ]

يسلم من الطرف إلى الطرف على ما يصفه من الدور والعرض وإن سلم وأحد طرفيه أغلظ أجبر على قبضه لأنه زاده خيرا وإن كان أنقص لم يجبر على قبضه. وأما خشب القسي فيذكر نوعها نبع أو شريان أو غيرهما ويقال فيه: خوط أو فلقة والفلقة أقوم نباتا من الخوط (1)، والخوط الشاب (2) ويذكر جبلي أو سهلي لأن الجبلي أقوى وأثمن، وما كان للوقود فإنه يصف نوعها فيقول سمر (3) أو سلام (4) أو أراك أو عرعر غلاظ أو دقاق أو أوساط، ويصف قدرها من الوزن جيدا أو رديئا يابسا أو رطبا ولا يحتاج إلى ذكر اللون ولا يجوز أن يسلم فيها حزما (5) ولا عددا. وأما ما يصلح للنصب وغيرها مثل الآبنوس والساسم فإنه يصف نوعه ولونه وينسبه إلى الغلظ من ذلك الصنف أو إلى ما يكون دقيقا وساير ما يتعرف به ويخرج من حد الجهالة. ولا يجوز السلم في القسي المجهولة لاختلاف أنواعها وآلاتها. والحجارة على ثلاثة أضرب: حجارة الأرحية وحجارة الأبنية وحجارة الآنية. فأما حجارة الأرحية فإنه يصفها بالبلد فيقول: موصلي أو تكريتي، وإن اختلف لونه وصفه أخضر أو أبيض ويصف دوره وثخانته وجيدا أو رديئا، وإن ذكر وزنه جاز وأن لم يذكر جاز فإذا ذكر وزنه وزن بالميزان أو القبان أو السفينة إذا لم يمكن غير ذلك بأن يترك ذلك فيها وينظر إلى أي حد يغوص في الماء ثم يخرج منها وطرح أحجارا صغارا أو ترابا أو رملا إلى أن يغوص إلى ذلك الحد ثم

(1) الخطوط بالضم: الغصن الناعم (2) في نسخة (النشاب) (3) السمر: شجر من العضاه وليس في العضاه أجود خشبا منه (4) السلام بكسر السين: شجر مر الطعم (5) في نسخة (في نسخة (خرصا)

[ 184 ]

يوزن وينظر كم هو. وأما حجارة الأبنية فإنه يذكر نوعها ولونها أبيض أو أخضر ويصف عظمها ويقول: ما يحمل البقر منها اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو ستة، ويصف الوزن مع ذلك لأن الحمل يختلف ويقول جيد أو ردئ. ويجوز السلف في النقل وهي الحجارة الصغار يصلح للحشو والدواخل، ولا يجوز إلا وزنا لأنه يتجافى في المكيال وينسبها إلى الصلابة ولا يلزمه أن يقبل كتانا ولا مفتتا، والرخام يذكر نوعه ولونه وصفاه وجيده أو رديئه ويذكر طوله أو عرضه أو دوره إن كان مدورا، ويذكر ثخانته وإن كان لها براسع مختلفة وصفها وهي الخطط التي تكون فيها. وأما حجارة الآنية فيذكر نوعها فيقول: برام طوسي أو مكي فإن المكي أصلب وأقوى وجيد أو ردئ ويذكر جميع ما يختلف الثمن لأجله ويذكر مقداره وزنا وكذلك يصف البلور بأوصافه. ويجوز السلم في الآنية المتخذة منها بعد أن يصف طولها وعرضها وعمقها أو ثخانتها وصنعته إن كان تختلف فيه الصنعة وإن ذكر الوزن كان أحوط وإن لم يذكر لم يضره. ويجوز السلم في القضة والنورة والقضة هي الجص وينسبها إلى أرضها فإنها تختلف ويصف بالبياض والسمرة والجودة والرداءة ويذكر كيلا معلوما، ولا يجوز إجمالا ولا مكاتل لأن ذلك يختلف وإن كانا مطيرين لا يجبر على قبولهما وإن كانا جفا ويبسا لأنه عيب فيهما وكذلك إذا قدما فإنه يفسدهما. والمدر يجوز السلم فيه ويصفه بالموضع وجيد أو ردئ وإن اختلف لونه ذكره فيقول: أحمر أو أغبر وإن كان مطيرا وجف أجبر على قبوله لأن المطر لا يضره إذا عاد إلى الجفاف. ويجوز السلف في الآجر ويصف طوله وعرضه وثخانته. ويجوز السلم في اللبن ويصفه بما تقدم ذكره وإن أسلم في اللبن وشرط أن

[ 185 ]

يطبخه لم يجز لأنه لا يعرف قدر ما يذهب في طبخه من الحطب ولأنه قد يفسد. وأما العطر فعلى ضربين: ضرب هو صنف مفرد وضرب هو أخلاط مجتمعة. فأما الصنف المنفرد فمثل العنبر والعود والكافور والمسك فإنه يجوز السلف فيه، وقيل في العنبر: إنه نبات في البحر، وقيل غير ذلك غير أنه لا خلاف في جواز بيعه ويذكر لونه أشهب أو أخضر أو أبيض لأنه يختلف ثمنه بذلك فإن كان يختلف بلده يذكر عنبر بلد كذا أو يذكر جيدا أو رديئا وقطعة واحدة وزنها كذا إذا كان يوجد مبلغ ذلك الوزن في القطعة الواحدة أو قطعا ووزن كل قطعة كذا. فإذا شرط قطعة واحدة لم يجبر أن يقبل قطعا أو قطعتين، وإن شرط قطعتين فصاعدا لم يجبر أن يقبل أكثر منهما ولا أن يقبل مفتتا [ معيبا خ ل ] وإن سمي عنبرا وصف لونه وجودته وكان له في ذلك اللون والجودة صغارا أعطاه أو كبارا لأن ذكر الاقطاع استحباب. وأما العود فإنه يتفاضل تفاضلا كثيرا ففيه ما يساوي منا بمائة دينار ومن صنف آخر يساوي خمسة دنانير وكلاهما ينسب إلى الجودة من جنسه فلا يجوز حتى يوصف كل جنس منه بالشئ الذي يعرف به ويميز بينه وبين غيره وكذلك الكافور يصفه بمثل ما ذكرناه، والمسك طاهر طيب فإن ضبط بالصفة جاز السلم فيه، ولا يجوز السلم في فاره وإن جاز بيعه على ما مضى من الخلاف فيه. وأما الضرب المختلط فمثل الغالية والند والعود والمطر فلا يجوز السلم فيه لأن كل نوع منه مقصود فيه ولا يعرف قدره فيكون سلما في نوع مجهول. ويجوز السلم في الجبن وإن كان فيه ملح وأنفحة لأنهما غير مقصودين. ويجوز السلم في خل التمر والزبيب وإن كان فيه ماء لأن الماء ليس بمقصود. ويجوز السلم في الخز والأكيسة الطبري التي من ابريسم ومن صوف لأنه معلوم. ولا يجوز السلم في اللبن المشوب بالماء لأن الماء مفسد له. ومتاع الصيادلة على ضربين: منفرد ومختلط. فإن كان منفردا فما تباين منه بجنس ولون وغير ذلك سمي بذلك وبين وذكر وزنه وأنه حديث أو عتيق لأنه إذا

[ 186 ]

عتق لم يكن جيدا ولم يذكر جيدا ورديئا. وأما المختلط فمثل المعجونات فلا يجوز السلف فيها، ويجوز السلف في اللبان والمصطكي والغراء العربي وصمغ الشجر كله فإن كان منه في شجرة واحدة كاللبان وصفه بالبياض وأنه غير ذكر فإن منه شيئا [ مثنى ] يعرفه أهل الخبرة يقولون: إنه ذكرا إذا مضغ فسد، وما كان منه في شجر شتى مثل الغراء وصف شجره وما يتميز به ولا يوزن فيه شئ من الشجر ولا يوزن الصمغة إلا محضة. وأما طين الأرمني الذي بيع (1) في الأدوية وطين الجيرة المختوم يجوز السلم فيه إذا كان خالصا من الغش ويشهد بصحته نفسان من المسلمين ويوصف لونه وجنسه وجيده أو رديئه أو مقداره وزنا، وأمتعة الصيادلة فما لم يكن معرفته عامة عند عدول المسلمين أقل ذلك عدلان من المسلمين يشهدان على تمييزه لم يجز السلف فيه وإن كانت معرفته عند الأطباء من غير المسلمين لم يجز السلف فيه إجماعا، وإنما يجوز فيما يشهد به نفسان من المسلمين فصاعدا. ولا يجوز بيع الترياق لأنه يعمل من لحوم الأفاعي وهي إذا قتلت كانت نجسة إجماعا والسلف فيه لا يصح. وأما السم فإن كان معمولا من الحيات فهو أيضا نجس لا يجوز بيعه ولا السلف فيه وإن كان من النبات نظر فيه فإن كان قليله وكثيره قاتلا لم يجز بيعه لأنه لا منفعة فيه إجماعا وإن كان قليله نافعا وكثيرة قاتلا مثل السقمونيا وما أشبهها فإنه يجور بيع يسيره والسلم فيه، ويجوز ذلك في الكثير أيضا، ويجوز بيع الدارى فإنه ينتفع به في غير النبيذ من الأدوية. ويجوز السلم في الدقيق لأنه يضبط بالوصف وإن سلف في طعام على أنه يطبخه لم يجز. الإقالة: فسخ سواء كان قبل القبض أو بعده في حق المتعاقدين أو في حق غيرهما

(1) في بعض النسخ (يقع)

[ 187 ]

بدلالة أنه لا يجوز الزيادة في الثمن ولا النقصان منه إجماعا ولا يسقط أجرة الدلال بالبيع الأول لأنه قد استحق الأجرة ولا دليل على إسقاطه وإذا ثبت أنها فسخ فلا يثبت حق الشفعة للشفيع لأن البيع قد بطل. والإقالة نفسها ليست ببيع وإذا أقاله بأكثر من الثمن أو بأقل أو بجنس غيره كانت فاسدة والمبيع على ملك المشتري كما كان لأنه لا دليل على صحته. ويصح الإقالة في جميع السلم ويصح في بعضه ولا فرق بينهما فإن أقاله في جميع السلم فقد برئ المسلم إليه من المسلم فيه ولزمه رد ما قبضه من رأس المال إن كان قايما بعينه وإن كان تالفا لزمه مثله فإن تراضيا بقبض بدله من جنس آخر مثل أن يأخذ دراهم بدل الدنانير أو الدنانير بدل الدراهم أو يأخذ عرضا (1) آخر بدل الدراهم أو الدنانير كان جايزا. فإن أخذ الدنانير بدل الدراهم أو الدراهم بدل الدنانير وجب أن يقبضها في المجلس قبل أن يفارقه لأن ذلك صرف. وإن أخذ عرضا آخر جاز أن يفارقه قبل القبض لأنه بيع [ نفع خ ل ] عرض معين بثمن في الذمة، وفي الناس من قال: يجب التقابض على كل حال لأنه لو فارقه قبل القبض كان الثمن والمثمن مضمونين على البايع وذلك لا يجوز. إذا أسلف في شئ فلا يجوز أن يشرك فيه غيره ولا أن يوليه فالشركة أن يقول له رجل: شاركني في النصف بنصف الثمن، والتولية أن يقول له: ولني جميعه بجميع الثمن أو ولني نصفه بنصف الثمن لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع ما لم يقبض وقال: من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره هذا إذا كان قبل القبض فإن قبضه صحت الشركة فيه والتولية بلا خلاف، وبيوع الأعيان مثل ذلك. وإن لم يكن قبض المبيع فلا يصح فيه الشركة ولا التولية، وإن كان قد قبضه صحت الشركة والتولية بلا خلاف كما يجوز بيعه بلا خلاف كما قلنا، وقد روى أصحابنا جواز بيعه والشركة فيه قبل القبض. إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه دون صفته

(1) في بعض النسخ (عوضا)

[ 188 ]

وقبضه المسلم بطيبة من قلبه كان جايزا سواء كان بشرط أو بغير شرط فمثال ما يكون بشرط أو يقول: عجل لي حقي حتى أقبض أردى من حقي أو أدون من حقي وما لم يكن بشرط ألا يذكر شرطا لأن التراضي جايز بين المسلمين والمنع يحتاج إلى دليل، وإن قال المسلم إليه: زدني شيئا وأقدم لك لم يجز إجماعا. فصل: فيما لا يجوز فيه السلف النبل المعمول لا يجوز الاسلاف فيه لأنه آلات مجموعة [ المعمولة خ ل ] من الخشب والريش والحديد وما تلف عليه من القشر أو الخشب ولا يمكن ضبط ذلك بالصفة وإن كان منحوتا غير معمول وإنما هو الخشب فلا يجوز السلم فيه أيضا لأنه لا يقدر على ذرع ثخانتها وهي تباين ثمنها فإن أمكن ذلك فلا بأس به لكن الأحوط ما قدمناه، وأما عيدانه التي لم تنحت فالسلم فيه جايز وزنا وإن أمكن أن يقدر طولها وعرضها بما يجوز التقدير في السلم عددا كان جايزا، ولا يجوز السلم في شي ء من الجواهر التي يتحلى بها من لؤلؤ وياقوت وزبرجد وعقيق وفيروزج وغيرها لأنها لا تضبط بالصفة فإنها تختلف بالعظم والصغر والصفار وحسن التذوير ويتباين تباينا عظيما. ويجوز السلم في الخيار والقثاء البطيخ والفجل والجزر والفواكه كلها من الرمان والسفرجل والفرسك والتفاح والموز وغير ذلك، وفي البقول كلها إذا سمي كل جنس منها هندبا أو جرجيرا أو كوثا أو خسا أو أي صنف منها ويذكر ما يضبط به يعرف صفته، ولا يجور جميع ذلك إلا وزنا معلوما، ولا يجوز عددا لأن فيها صغيرا وكبيرا. ويجوز السلم في قصب السكر إذا ضبط بما يعرف ولا يقبل أعلاه الذي لا حلاوة فيه، ويقطع مجامع عروقه من أسلفه ويطرح ما عليه من القشور، ولا يجوز أن يسلف فيه حزما ولا عددا ولا يجوز إلا وزنا وكذلك القصب والقصيل. وكلما أنبته الأرض لا يجوز السلم فيه إلا وزنا. والتين يجوز أن يسلف فيه كيلا أو وزنا من جنس معروف إذا اختلف جنسه.

[ 189 ]

ويجوز السلف في الجوز والبيض وزنا وكذلك في اللوز والفستق والبندق وزنا وكيلا ولا يجوز عددا. ولا يجوز السلف في الرؤوس سواء كانت مشوية أو نية لأنها لا تضبط بالصفة، ولا يجوز السلف في جلود الغنم إذا شاهدها، وروي أنه لا يجوز وهو الأحوط لأنه مختلف الخلقة واللون ولا يمكن ضبطه بالصفة لاختلاف خلقته ولا يمكن ذرعه ولا يجوز وزنه لأنه يكون ثقيلا وثمنه أقل من ثمن الخفيف، وعلى هذا لا يجوز السلف في الرق ولا فيما يتخذ من الجلود من قلع ونعال مقدودة مخدوة وخفاف وغير ذلك لاختلاف خلقة الجلد، ولا يمكن ضبطه بالصفة. ويجوز السلف في القرطاس إذا ضبط بالصفة كما يضبط الثياب بصفة وطول وعرض وذرع وجودة ورقة وغلظة واستواء صنعة وإن كان مختلفة في قرى ورساتيق لم يجز حتى يقول: صنعة قرية كذا أو ناحية كذا أو يذكر أبيض نقيا أو أسمر منكسفا. وإذا أسلم مائة درهم في كر طعام وشرط أن يجعل خمسين درهما في الحال وخمسين إلى أجل أو عجل خمسين وفارقه لم يصح السلم في الجميع، وإن شرط خمسين نقدا و خمسين دينا له في ذمة المسلم إليه فلا يصح في الدين، ويصح في النقد. إذا أسلم في جنسين مختلفين مثل حنطة وشعير في صفقة واحدة أو أسلم في جنس واحد إلى أجلين أو آجال فالسلم صحيح لأنه لا دليل على فساده، وقد قيل: إنه فاسد لأنه مجهول المقدار والآجل. إذا اختلفا في قدر المبيع أو قدر رأس المال وهو الثمن أو في الأجل أو في قدره كان القول فيه قول البايع مع يمينه إلا في الثمن فإن القول فيه قول المشتري مع يمينه إذا لم يكن هناك بينة لأن البايع مدعى عليه في المقدار والآجل والمشتري مدعى عليه في الثمن. إن اتفقا في الأجل وقدره واختلفا في انقضائه فقال المشتري: قد انقضى الأجل واستحققت المسلم فيه، وقال البايع: لم ينقض فالقول قول البايع لأن الأصل بقاء الأجل وعلى من ادعى انقضائه البينة.

[ 190 ]

وهذا الاختلاف يصح إذا اختلفا في وقت العقد واتفقا على أن الأجل ثلاثة أشهر واختلفا في وقت العقد فقال المشتري: عقدنا السلم في أول يوم رجب واستحققت في أول شوال، وقال البايع: عقدناه في أول شعبان وتستحقه أول ذي القعدة فإذا كان كذلك حلف البايع لما قلناه. ولا يجوز السلم في العقار لأنهما إذا أطلقا الوصف من غير تعيين لم يجب لأنه يختلف باختلاف الأماكن والقرب من البلد والبعد منه وإن عينت البقعة لم يجز لأنه إن قيل من القرية الفلانية اختلف باختلاف أماكنه، وإن عين أرضا بعينها لا يصح لأن بيع العين بصفة لا يجوز ولا يصح. فصل في امتناع ذي الحق من أخذه وما لا يلزم قبوله إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه فلا يخلوا من ثلاثة أحوال: إما أن يأتي به على صفته أو يأتي به دون صفته أو فوق صفته فإن كان على صفته لزمه قبوله لأنه أتى بما تناوله العقد فإن امتنع قيل له: إما أن يقبله وإما أن تبريه منه لأن للانسان غرضا في تبرئة ذمته من حق غيره وليس لك له أن تبقيه في ذمته بغير اختياره، وبرائته تحصل بقبض ما عليه أو ابرائه منه فأيهما فعل جاز. وإن امتنع قبضه الإمام أو النايب عنه عن المسلم إليه وتركه في بيت المال له إلى أن يختار قبضه وإبراء المسلم إليه منه بالاسقاط عن ذمته لأن الابراء لا يملك بالولاية وقبض الحق يملك بالولاية. وإن أبى به دون صفته لم يلزمه قبوله ولا يجبر على قبضه لأن ذلك إسقاط صفة استحقها ولا يجبر على أخذه. وإن أتى به فوق صفته فلا يخلو من أربعة أحوال: إما أن يأتي به من نوعه فوق صفة أو أكثر من قدره أو جنسا آخر أجود منه أو نوعا آخر أجود منه. فإن أتى من نوعه بأجود منه فإنه يجبر على قبضه لأنه أتى بما يتناوله العقد وزنا، وزيادة الصفة تابعة للعين منفعة لا مضرة.

[ 191 ]

وإن أتى به أكثر منه لم يلزمه قبول الزيادة لأن الزيادة ليست تابعة لأن تمييزها ممكن فيكون هبة فلا يجبر على قبولها، وإن رضى بذلك لم يتم إلا بإيجاب و قبول وقبض كساير الهبات. وأما إذا أتى به من جنس آخر مثل أن أسلم في تمر فيأتي بزبيب أو يسلم في ثوب قطن فيأتي بكتان أو ابريسم فلا يجبر على قبضه فإن تراضيا بذلك كان جايزا. وأما إن أتى به من نوع آخر من جنسه وهو خير منه فإنه لا يجبر على قبوله مثل أن يسلفه في زبيب رازقي فأتاه بزيت خراساني أو يسلم في ماعز فأتاه بنعجة لا يجبر على ذلك لأن الأغراض في ذلك مختلفة فإن تراضيا بذلك كان جايزا. وإذا أتى بأقل ما يقع عليه الصفة أجبر على قبوله لأنه أتى بما وقع عليه العقد على صفة وزيادة الصفة لا يلزمه. وإن كان السلم حنطة يلزمه أن يدفعها خالصة نقية من الشعير والشيلم والزوان والقصيل لأن ذلك كله لا يقع عليه اسم الحنطة. وإن كان فيه تراب فإن كان كثيرا يؤثر في الكيل لا يجبر على قبوله وإن كان يسيرا لا يؤثر في الكيل أجبر على قبوله، وإن كان موزونا لا يلزمه قبوله أصلا قليلا كان أو كثيرا. وإن كان السلم تمرا فجاءه بالرطب لا يجبر على قبوله، وإن أتى به جافا أجبر على قبوله، وإن لم يتناه جفافه إذا كان يقع عليه اسم الجاف ومتى كان له عليه طعام كيلا لا يجوز أن يأخذه وزنا وإن كان عليه وزنا لا يجوز أن يأخذه كيلا لأن ذلك يؤدي إلى الربا لأن الموزون إذا كيل زاد والمكيل إذا وزن نقص، وهذا يؤدي إلى فساد القبض لأن كل واحد منهما أصل في نفسه. فإذا ثبت هذا فإن كان قبض كذلك وكان قائما كيل ثانيا وإن كان تالفا كان القول قول القابض في مقداره مع يمينه وأما إذا قبض منه جنسا آخر وتراضيا به فإنه يجوز وقيل: إنه لا يجوز لأنه بيع السلم قبل القبض

[ 192 ]

وإذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه قبل محل محله نظر فإن كان مما يفسد إلى وقت محله مثل الفواكه الرطبة وما أشبهها لا يجبر على قبضه لأن المسلم يجوز أن يكون له غرض في قبضه في محله وإن كان ذلك حيوانا فلا يلزمه أيضا قبضه لمثل ذلك وإن كان مما لا يتلف إلى محله نظر فإن كان مما لا يحتاج إلى مكان يحفظ فيه مثل القطن والطعام لم يلزمه قبوله لمثل ذلك وإن كان مما لا يحتاج إلى موضع كثير يحفظ فيه مثل حديد أو رصاص فإن كان الوقت مخوفا يخاف عليه لا يلزمه أيضا، وإن كان الوقت أمنا لا يخاف عليه لا يلزمه أيضا لمثل ما قلناه، وقيل في هذا خاصة: إنه يلزمه لأنه لا عرض في الامتناع من قبوله، وإذا شرط مكان التسليم فبذله في غير موضعه لا يجبر على قبوله وإن بذل له أجرة المثل لحمله لم يلزمه أيضا فإن كان رضي به كان جايزا إذا أخذ المسلم السلم ثم وجد به عيبا كان له رده بالعيب والمطالبة بما في ذمته وكان له إمساكه والرضى بعيبه فإن حدث فيه عيب بطل الرد وكان له الأرش ومتى رضي به فقد تعين بقبضه وإن رده فقد انفسخ القبض الذي تعين به وعاد السلم إلى الذمة كما كان ولزمه دفعه على صفته من غير عيب وأما إذا وجد المسلم إليه فيما قبضه من رأس المال عيبا كان الحكم فيه كما ذكرناه في الصرف إذا وجد أحدهما بما قبضه عيبا من أنه لا يخلو من أن يكون معينا بالعقد أو موصوفا ثم قبضه في المجلس ولا يخلوا المعيب من أن يكون من جنسه أو من غير جنسه قبل التفرق أو بعد التفرق لأن قبض رأس المال شرط في المجلس كقبض الصرف وإذا اختلفا في قبض رأس المال فقال أحدهما: كان القبض قبل التفرق فلم يبطل السلم وقال الآخر: كان بعده فالسلم باطل كان القول قول من يدعي صحة العقد لأن الأصل بقاء العقد على صحته، وإن أقاما جميعا البينة كانت البينة من يدعي الصحة في العقد وإن كان الثمن في يد المسلم فقال المسلم إليه: قبضته قبل الافتراق ثم رددته إليك

[ 193 ]

وديعة أو غصبتنيه وقال المسلم: بل افترقنا عن غير قبض كان القول قول من يدعي صحة العقد. إذا جاء المسلم إليه بالمسلم فيه أجود مما شرط في العقد وقال: خذ هذا وأعطني بدل الجودة درهما لا يجزي [ لم يجز خ ل ] لأنه لا دليل على صحة ذلك. إذا ضمن المسلم فيه ضامن صح الضمان فإذا غرمه رجع على المسلم إليه إن كان الضمان بإذنه، وإن لم يكن بإذنه لم يرجع إليه وكان متبرعا به. وإن دفع المسلم إليه مثله وقال: خذ هذا واقض به ما ضمنت صح فإن قضاه فقد برئا جميعا. وإن تلف في يده لم يجب عليه ضمانه لأنه وكيل فيه والوكيل لا يجب عليه ضمان ما في يده من غير تفريط. وإن دفعه إليه وقال له: خذ لنفسك بدلا عما ضمنته بالمعاملة بينك وبين المسلم لا يجوز لأن الضامن لا يستحق عوض ما ضمنه حتى يغرم فإذا كان كذلك كان القبض فاسدا ولا يملكه فإن دفعه إلى المسلم فقد برئا جميعا. وإن تلف في يده كان عليه ضمانه فيكون عليه ضمان المسلم فيه للمسلم وعليه ضمان ما تلف في يده للمسلم إليه فإن غرم للمسلم وكان الضمان بإذن المسلم إليه كان له الرجوع عليه فيثبت له على المسلم إليه مثل ما يثبت بالتلف عليه للمسلم إليه فيتقاصان. إذا صالح الضمان على عوض أخذه لم يجز لأمرين: أحدهما: أنه يبيع المسلم فيه قبل القبض. والثاني: أنه أخذ عوضا عما في ذمة غيره وذلك لا يجوز وإن صالح المسلم إليه نظر فإن صالحه على رد الثمن بعينه كان جايزا ويكون إقالة، وإن صالحه على غيره لم يجز لأنه بيع المسلم فيه قبل قبضه. وإذا أسلم جارية صغيرة في جارية كبيرة كان جايزا لأنه لا يمنع منه مانع.

[ 194 ]

واستصناع الخف والنعل والأواني من خشب أو صفر أو حديد أو رصاص لا يجوز فإن فعل لم يصح العقد، وكان بالخيار إن شاء سلمه وإن شاء منعه فإن سلمه كان المستصنع بالخيار إن شاء رده وإن شاء قبله. ويجوز أن يشتري قلعة (1) بدرهم على أن يشركها، ولا يجوز أن يشتري طعاما على أن يطبخه إجماعا، وقد روي في أخبارنا جوازه. وإذا قال: اشتريت منك هذه القلعة بدرهم واستأجرتك على أن تشركها أو تحذوها كان أيضا جايزا. إذا أذن لعبد غيره أن يشتري نفسه له من مولاه لم يجز لأنه لا يجوز أن يكون وكيلا لأنه لا يملك من نفسه شيئا. إذا اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع فخرج إحدى عشرة ذراعا فقد بينا أن الخيار للبايع إن شاء سلم المبيع بالثمن وإن شاء فسخ البيع. فإن قال المشتري: أنا آخذ عشرة أذرع بالثمن ويكون الذراع الزايد للبايع، ويكون شريكا في الشقة كان جايزا غير أن خيار البايع لا يبطل لأنه لا دليل عليه. إذا باع من رجل عبدا أو ثوبا فهرب المشتري قبل أن يوفيه الثمن فإن كان المشتري حجر عليه لفلس ثم هرب كان البايع بالخيار في عين ماله بين فسخ البيع، وإن لم يكن حجر عليه فإنه يثبت ذلك عند الحاكم وينظر [ الحاكم ] فإن وجد له مالا غيره وفاه ثمنه منه وإن لم يجد باع هذا العبد ووفاه ثمنه فإن كان بقدر حقه قبضه وبرئ المشتري وإن كان أقل منه بقيت البقية في ذمة المشتري، وإن كان أكثر حفظ الحاكم الفاضل حتى يدفعه إليه إذا رجع. وإذا قال: اشتريت منك أحد هذين العبدين بكذا أو أحد هؤلاء العبيد الثلاثة بكذا لم يصح الشراء لأن المبيع مجهول.

(1) بالكسر هي القطعة من السنام كذا في هامش المطبوع.

[ 195 ]

فصل: في حكم التسعير لا يجوز للإمام ولا النايب عنه أن يسعر على أهل الأسواق متاعهم من الطعام و غيره سواء كان في حال الغلاء أو في حال الرخص بلا خلاف، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أن رجلا أتاه فقال: سعر على أصحاب الطعام فقال: بل أدعو الله ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله سعر على أصحاب الطعام فقال: بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة. فإذا ثبت ذلك فإذا خالف انسان من أهل السوق بزيادة سعر أو نقصانه فلا اعتراض لأحد عليه. وأما الاحتكار فمكروه في الأقوات إذا أضر ذلك بالمسلمين ولا يكون موجودا إلا عند انسان بعينه فمتى احتكر والحال على ما وصفناه أجبره السلطان على البيع دون سعر بعينه، وإن كان الشئ موجودا لم يكن ذلك مكروها، وأما إذا كان عنده فاضل من طعام في القحط وبالناس ضرورة وجب عليه بذله إجماعا، والأقوات التي يكون فيها الاحتكار: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والملح والسمن.

[ 196 ]

* (كتاب الرهن) * الرهن في اللغة هو الثبات والدوام يقوم العرب: رهن الشئ إذا ثبت والنعمة الراهنة هي الثابتة الدائمة ويقال: رهنت الشئ فهو مرهون ولا يقال: أرهنت، وقد قيل: إن ذلك لغة أيضا ويقول العرب: أرهن الشئ إذا غالى في سعره، وأرهن ابنه إذا خاطر به وجعله رهينة. وأما الرهن في الشريعة فإنه اسم لجعل المال وثيقة في دين إذا تعذر استيفاؤه ممن عليه استوفى من ثمن الرهن، وهو جايز بالاجماع وبقوله تعالى " فرهان مقبوضة " (1) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يغلق الراهن الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه (2) روي عنه أنه قال: الرهن محلوب ومركوب (3) وروى جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي على شعير أخذه لأهله (4) وقيل: إنما عدل عن أصحابه إلى يهودي لئلا يلزمه منة [ متبر خ ل ] بالابراء فإنه لم يأمن أن استقرض من بعضهم أن يبرئه من ذلك، وذلك يدل على أن الابراء يصح من غير قبول المبرء. وعقد الرهن يفتقر إلى إيجاب وقبول وقبض برضاء الراهن وليس بواجب وإنما هو وثيقة جعلت إلى رضاء المتعاقدين ويجوز في السفر والحضر، والدين الذي يجوز أخذ الرهن به فهو كل دين ثابت في الذمة مثل الثمن والأجرة والمهر والقرض والعوض في الخلع وأرش الجناية وقيمة المتلف كل ذلك يجوز أخذ الرهن به. وأما الدية على العاقلة ينظر فإن كان قبل الحول فلا يجوز لأن الدية إنما

(1) البقرة 283.
(2) راجع المستدرك ج 2 ص 495 باب - 10 - الرقم 3 نقلها عن عوالي اللئالي (3) راجع المستدرك ج 2 ص 495 باب 12 - الرقم 2 (4) انظر المستدرك ج 2 ص 494 باب - 1 - الرقم 4 نقلها عن درر اللئالي.

[ 197 ]

تثبت عليهم بعد حول وعندنا تستأدى منهم في ثلاث سنين. وأما بعد حؤول الحول فإنه يجوز لأنه يثبت قسط منها في ذمتهم. وأما الجعالة فهي إذا قال: من رد عبدي الآبق فله دينار فإن رده استحق الدينار في ذمته. ويجوز أخذ الرهن به، وإن لم يرد لم يجز أخذ الرهن به لأنه قبل الرد لم يستحق شيئا، ويجوز أخذ الرهن بالثمن في مدة الخيار المتفق عليه. وأما مال الكتابة المشروط فيها فلا يجوز أخذ الرهن عليه لأن العبد له إسقاطه (1) عن نفسه متى شاء فهو غير ثابت في الذمة، ولا أنه متى امتنع العبد، من مال الكتابة كان للمولى رده في الرق فلا يحتاج إلى الرهن، وأما غير المشروط عليه فإذا تحرر منه جزء جاز أخذ الرهن على ما بقي لأنه لا يمكن رده في الرق. وأما مال السبق والرمي فلا يجوز أخذ الرهن عليه لأنه بمنزلة الجعالة، ومن الناس من قال: هو بمنزلة الإجارة، و [ ذلك ] يجوز أخذ الرهن على الأجرة. وإذا استأجر رجلا إجارة متعلقة بعينه مثل أن يستأجره ليخدمه أو ليتولى له عملا من الأعمال بنفسه لم يجز أخذ الرهن عليه لأن الرهن إنما يجوز على حق ثابت في الذمة وهذا غير ثابت في ذمة الأجير، وإنما هو متعلق بعينه ولا يقوم عمل غيره مقام فعله. وإن استأجره على عمل في ذمته وهو أن يجعل (2) له عملا مثل خياطة أو غير ذلك جاز أخذ الرهن به لأن ذلك ثابت في ذمته لا يتعلق بعين، وله أن يحصله بنفسه أو بغيره، وإذا هرب جاز بيع الرهن واستيجار غيره بذلك ليحصل ذلك العمل. وأما الوقت الذي يجوز أخذ الرهن به فإنه يجوز بعد لزوم الحق، ويجوز أيضا مع لزومه مثل أن يكون مع الرهن أن يقول: بعتك هذا الشئ بكذا على أن ترهن

(1) في بعض النسخ (إسقاط).
(2) في بعض النسخ (يحصل).

[ 198 ]

كذا بالثمن وقال: اشتريته على هذا صح شرط الرهن وثبت ويرهنه عقد البيع ويسلمه إليه، وإذا ثبت جواز شرطه جاز إيجاب الرهن وقبوله فيه فيقول: بعتك هذا الشئ بألف درهم وأرهنت منك هذا الشئ بالثمن، وقال المشتري: اشتريته منك بألف درهم ورهنتك هذا الشئ فيحصل عقد البيع وعقد الرهن. وأما قبل الحق فلا يجوز شرط الرهن ولا عقده، ولا يجوز الرهن قبل ثبوت الحق مثل أن يقول: رهنتك هذا الشئ على عشرة دراهم تقرضينها غدا فإذا أعطاه في الغد لم ينعقد الرهن. وإذا قال لغيره: الق متاعك في البحر وعلى ضمان قيمته صح، ويكون ذلك بدل ماله ويكون غرضه التخفيف عن السفينة وتخليص النفوس. وإذا قال لغيره: طلق امرأتك على ألف ففعل لزمه الألف لأنه يجوز أن يعلم أنه على فرج حرام مقيم ويستتر له (1) عنه ببذل. وكذلك إذا قال: أعتق عبدك وعلى ألف أو قال للكافر: فك هذا الأسير و على ألف. وعقد الرهن ليس بلازم ولا يجبر الراهن على تسليم الرهن فإن سلم باختياره لزم بالتسليم. والأولى أن نقول: يجب بالايجاب والقبول ويجبر على تسليمه، ولا يصح عقد الرهن ولا تسليمه إلا من كامل العقل الذي ليس بمحجور عليه. وإذا عقد الرهن وهو جايز التصرف ثم جن الراهن أو أغمي عليه لا يبطل الرهن بذلك. كل ما جاز بيعه جاز رهنه من مشاع [ متاع خ ل ] وغيره واستدامة القبض ليس بشرط في الرهن لقوله تعالى " فرهان مقبوضة " (2) فشرط الرهن ولم يشرط الاستدامة، وإذا ثبت رهن المشاع فإن اتفقوا على من يكون الرهن عنده وفي يده وتراضوا به جاز.

(1) في بعض النسخ (يستزله (يستزله عنه ببذل يبذله عنه) (2) البقرة 283.

[ 199 ]

وإن اختلفوا قال المرتهن: لا أرضى أن يكون في يد الشريك ولا أرضى بالمهابات وقال الشريك: لا أرضى أن يكون في يد المرتهن ولا يتفقا على عدل يكون في يده انتزعه الحاكم من يده وأكراه وجعل لكل واحد من الشريكين قسطا من الأجرة ويكريه لمدة دون محل الحق حتى يمكن بيعه في محله للمرتهن. إذا مات المرتهن قبل قبض الرهن لم ينفسخ الرهن. وكان للراهن تسليم الرهن إلى وارث المرتهن وثيقة كما كان له ذلك لو لم يمت المرتهن. وإذا مات الراهن فلا ينفسخ الرهن أيضا فإذا ثبت هذا نظر فإن كان الميت هو المرتهن نظر في الدين فإن كان مؤجلا فإنه لا يسقط الأجل بموت من له الدين، وعلى الراهن تسليم الرهن إلى وارث المرتهن، ويكون حكم الوارث فيه حكم المرتهن إن كان شرط فيه الرهن وإن كان حالا فللوارث مطالبته في الحال بالدين وإن صبر عليه وأخر المطالبة بالرهن فهو على ما يتراضيان عليه. وإن كان الميت هو الراهن وكان الدين مؤجلا حل لأن الأجل يسقط بموت من عليه الدين وللمرتهن مطالبة وارث الراهن بالدين وإن صبر عليه وأخره بالرهن جاز. فروع: وإن لم يمت المرتهن لكن غلب على عقله فولى الحاكم ماله رجلا لم يكن للراهن منعه كما أنه ليس له ذلك مع المرتهن الأول. وإذا أذن الراهن للمرتهن في قبض الرهن ثم رجع عن الإذن ومنعه عن القبض لم يكن له ذلك لأن بالايجاب والقبول وجب قبض الرهن. وإذا أذن له في قبض الرهن ثم جن أو أغمي عليه جاز للمرتهن قبضه لأنه لزمه ذلك بالايجاب والقبول، وإن كان قد رهنه وديعة في يده وأذن له في قبضه وجن فقد صح له القبض، وقد قيل: إنه لا يصح إلا بعد أن يأتي عليه زمان يمكن قبضه فيه بعد جنونه. وإذا رهنه شيئا ثم خرس الراهن فإن كان يحسن الإشارة أو الكتابة فكتب بالإذن

[ 200 ]

في القبض أو إشارة قام ذلك مقام النطق، وإن كان لا يحسن الكتابة ولا يعقل الإشارة لم يجز للمرتهن قبضه لأنه يحتاج إلى رضاه ولا طريق له إلى ذلك. وكان على وليه تسليم الرهن (1) لأن بالعقد قد وجب ذلك على ما بيناه. وإذا رهنه شيئا ثم تصرف فيه الراهن نظر فإن كان باعه أو وهبه أقبضه أو لم يقبضه أو رهنه عند آخر أقبضه أو لم يقبضه أو أعتقه أو أصدقه لم يصح جميع ذلك ولا يكون ذلك فسخا للرهن لأنه ليس له ذلك، وإن كانت جارية لم يجز له تزويجها ولا إجارتها لأنه لا دليل عليه وإن دبره لم يصح تدبيره. من يلي أمر الصغير والمجنون خمسة: الأب والجد ووصي الأب أو الجد والإمام أو من يأمره الإمام. فأما الأب والجد فإن تصرفهما مخالف لتصرف غيرهما فيكون لكل واحد منهما أن يشتري لنفسه من ابنه الصغير من نفسه فيكون موجبا قابلا قابضا مقبضا، ويجوز تصرفهما مع الأجانب، ولا يجوز لغيرهما إلا مع الأجانب فأما في حق نفسه فلا يجوز. فإذا ثبت ذلك فكل هؤلاء الخمسة لا يصح تصرفهم إلا على وجه الاحتياط، والحظ للصغير المولى عليه لأنهم إنما نصبوا لذلك فإذا تصرف على وجه لاحظ له فيه كان باطلا لأنه خالف ما نصب له، والارتهان له [ ف‍ ] لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون في بيع ماله أو قرضه. فإن كان في بيع ماله ففيه ثلاث مسائل: إحديها: أن يبيع سلعة تساوي مائة درهم نقدا بمائة درهم إلى أجل ويأخذ به رهنا فهذا باطل لأنه لا حظ للمولى عليه فيه. والثانية: أن يبيع ما يساوي مائة نقدا بمائة وعشرين. مائة نقدا يعجلها وعشرين مؤجلة يأخذ بها رهنا فهذا صحيح والرهن صحيح لأن فيه الحظ. والثالثة: أن يبيع بمائة وعشرين مؤجلة ويؤخذ بالجميع رهنا فمن الناس من قال:

(1) في بعض النسخ (الثمن).

[ 201 ]

يجوز لأن الولي نصب للتجارة في مال المولى عليه وطلب الفضل والربح له، ولا يمكنه إلا هكذا، ومنهم من قال: لا يجوز لأن فيه تغريرا بالأصل، والأول أصح لأن الرهن وثيقة وفيه الفايدة فليس فيه تغرير. وأما القرض فإنه لا يجوز إلا في موضع الضرورة وهو أن يكون في البلد نهب أو حرق أو غرق يخاف على مال الصغير أن يتلف فيجوز له أن يقرضه بشرطين: أحدهما: أن يقرضه ثقة يؤمن أن يجحد. والثاني: أن يكون مليا يقدر على قضائه. وأما أخذ الرهن به ينظر فإن كان الحظ في أخذه أخذه، وإن كان في تركه تركه، وأخذه أحوط لأن عندنا إذا تلف الرهن لا يسقط به الدين، وعلى هذا يجوز بيع ماله نسيئة وأخذ الرهن به إذا كان له فيه الحظ. وأما رهن ماله فإنه لا يجوز إلا أن يكون به حاجة إلى مال ينفقه عليه في كسوته وطعامه أو يرم ما استهدم من عقاره ويخاف إن تركه هلاكه وعظيم الخسران وله مال غايب يرجوا قدومه أو غلة تدرك إذا بيعت بطل كثير منها فإذا تركت حتى يدرك توفر ثمنها فإن الولي يستقرض له هاهنا ويرهن من ماله ويقضيه من غلته أو ما تقدم عليه وإن لم يكن له حاجة إلى شئ من ذلك وكان بيع العقار أصلح باعه ولم يرهن. إذا قبض الرهن (1) بإذن الراهن صار الرهن لازما إجماعا وإنما الخلاف قبل القبض، ولا يجوز للراهن فسخه لأنه وثيقة للمرتهن على الراهن فلم يكن له إسقاطه. وأما المرتهن فله إسقاطه وفسخ الرهن لأنه حقه لا حق للراهن فيه فإذا ثبت ذلك فإن أسقط أو فسخ الرهن بأن يقول: فسخت الرهن أو أبطلته أو أقلته فيه وما أشبه ذلك جاز ذلك، وإن أبرأه من الدين أو استوفاه سقط الدين وبطل الرهن لأنه تابع للدين. وأما إذا أبرأه من بعض الدين أو قضاه بعضه فإن الرهن بحاله لا ينفك منه

(1) في بعض النسخ (المرتهن).

[ 202 ]

شئ ما بقي من الدين شئ وإن قل لأن الرهن وثيقة في جميع الدين وفي كل جزء من أجزائه وهو إجماع. فإن أكرى الرهن من صاحبه أو أعاره لم ينفسخ الرهن سواء كان ذلك قبل القبض أو بعده لأن استدامة القبض ليس بشرط في الرهن على ما مضى وإن كان إعارته له أو إكراؤه له غير جايز لأنه ليس للمرتهن التصرف في الرهن، وأجرة الرهن تكون للراهن دون المرتهن. وإن اكترى شيئا ثم ارتهن الرقبة ثم أكرأه أو أعاره إياه من الراهن أو أوصى له بمنفعة عين من الأعيان ثم ارتهن الرقبة من صاحبها ثم أكرى منفعتها منه أو أعاره فالكراء صحيح والاعارة صحيحة والرهن لا ينفسخ. وإذا كان له في يد رجل مال وديعة أو عارية أو إجارة أو غصبا فجعله رهنا عنده بدين له عليه كان الرهن صحيحا ويكون ذلك قبضا لأنه في يده ولا يحتاج إلى نقله هذا إذا أذن له الراهن في قبضه عن [ عين خ ل ] الرهن. وإذا وهب له هبة وهي في يد الموهوب له وقبلها تمت لأنه قابض لها وقيل: إنه لا يصير مقبوضا حتى يأتي عليه زمان يمكن القبض فيه فإن كان مما يتناول باليد فيأتي زمان يمكن ذلك فيه فإن كان مما ينقل ويحول فيأتي زمان يمكن نقله، وإن كان مما يخلى بينه وبينه فيأتي زمان يمكن التخلية فيه وإن كان الشئ غايبا عن مجلس العقد مثل أن يكون في السوق فإنه لا يصير مقبوضا حتى يصير إليه، ولا يصح القبض إلا بأن يحضر المرتهن فيقبض أو يوكل في قبضه فيصح قبض الوكيل. إذا أقر الراهن والمرتهن بقبض الرهن نظر فإن أمكن صدقهما فيه صح الاقرار ولزم وذلك مثل أن يحضرا مجلس الحكم فيقرا بالرهن والقبض أو يشهدا شاهدين على ذلك ويشهد الشاهدان عند الحاكم فإنه يحكم بصحة القبض ويلزمهما ذلك. وإن لم يكن صدقهما فيه لم يصح الاقرار مثل أن يتصادفا على أمر لا يمكن أن يكون مثله مقبوضا في ذلك الوقت مثل أن يقول: اشهدوا أني قد أرهنته اليوم داري التي

[ 203 ]

بمصر وأقبضته وهما بمكة فيعلم أن الرهن لا يمكن قبضه من يومه ولهذا قلنا: إن من تزوج بمكة بامرأة وهي بمصر فولدت من يوم العقد لستة أشهر لم يلحق به لأنه لا يمكن أن يكون وطئها في ذلك اليوم بمجرى العادة وإن كان في الامكان أن يكون الله خرق العادة بنقلها إلى مصر كرامة لهما أو لغيرهما لأن ذلك جايز لكن الأمور إنما تحمل على العادة المستقرة ولا تحمل على الامكان في الشرع. وإذا أقر الراهن أن المرتهن قبض الرهن ثم ادعى بعده أنه لم يكن قبضه وجحد المرتهن ذلك فإن قال: إنه أقبضه أو قبض منه لا يحلف لأن دعواه تكذيب لنفسه فلا يسمع منه ولا يمين على المرتهن، وإن كان إقراره بقبض الشئ الغايب عنه على الظاهر بكتاب ورد عليه من وكيله أو بخبر من يركن إليه ممن ورد من هناك ثم قال تثبت [ تبينت خ ل ] أنه لم يكن قبضه وإن من أخبرني كذب أو خطأ وطلب يمين المرتهن فإنه يحلف لأنه لم يكذب الاقرار في الحقيقة لأنه أخبر بقبضه على الظاهر ثم تبين أن الباطن بخلافه. وفي الناس: من قال: يحلف على كل حال في الاقرار بإقباضه بنفسه والاقرار بإقباض وكيله لأن العادة جرت بأن المشتري يقر بقبض الثمن قبل أن يقبضه وهو الأقوى. فأما إذا شهد شاهدان على مشاهدة القبض من المرتهن لم يسمع دعوى الراهن أنه لم يقبضه ولا يحلف المرتهن لأنه تكذيب الشاهدين، وكذلك إذا شهدا على إقراره بالقبض فقال: ما أقررت بقبضه لم يقبل (1) منه ذلك لأنه تكذيب للشاهدين. وكل ما كان قبضا في البيوع كان قبضا في الرهن والهبات والصدقات لا يختلف ذلك. وجملته أن المرهون إن كان خفيفا يمكن تناوله باليد فالقبض فيه إن يتناوله بيده وإن كان ثقيلا مثل العبد والدابة فالقبض فيه أن ينقله من مكان إلى مكان، وإن كان طعاما وارتهن مكيالا من طعام بعينه فقبضه أن يكتاله، وإن ارتهن صبرة على أن كيلها كذا فقبضه أيضا أن يكتاله. وإن ارتهنها جزافا فقبضه أن ينقله من مكان إلى مكان وإن كان مما لا ينقل ولا

(1) في بعض النسخ (لم تسمع).

[ 204 ]

يحول من أرض ودار وعليها باب مغلق فقبضها أن يخلي صاحبها بينه وبينها ويفتح بابها أو يدفع إليه مفتاحها، وإن لم يكن عليها باب فقبضه أن يخلي بينه وبينها من غير حايل، و إن كان بينهما مشاعا. فإن كان مما لا ينقل خلى بينه وبينه سواء حضر شريكه أو لم يحضر، وإن كان مما ينقل ويحول مثل الشقص من الجوهرة والسيف وغير ذلك فلا يجوز له تسليمه إلى مرتهنه إلا بحضرة شريكه لأنه يريد نقل نصيبه ونصيب شريكه إلى يده فإذا حضر وسلمه إليه فإن رضيا أن يكون الجميع على يد المرتهن جاز، وإن رضيا أن يكون الجميع في يد الشريك جاز، وإن رضيا أن يكون على يدي عدل جاز، وإن تشاحا واختلفا فإن الحاكم ينزعه من أيديهما ويضعه على يدي عدل إن لم تكن لمنفعته قيمة وإن كانت لمنفعته قيمة وأمكن إجارته وكان الانتفاع به لا ينقصه فإنه يكرى. إذا رهن رجل عند غيره شيئا بدين إلى شهر على أنه إن لم يقبض إلى محله كان بيعا منه بالدين الذي عليه لم يصح الرهن ولا البيع إجماعا لأن الرهن موقت والبيع متعلق بزمان مستقبل فإن هلك هذا الشئ في يده في الشهر لم يكن مضمونا عليه لأن صحيح الرهن غير مضمون عليه فكيف فاسده وبعد الأجل فهو مضمون عليه لأنه في يده ببيع فاسد، والبيع الصحيح والفاسد مضمون عليه إجماعا. إذا غصب من غيره عينا من الأعيان ثم جعلها المغصوب منه رهنا في يد الغاصب بدين له عليه قبل أن يقبضها منه فإنها تكون مرهونة في يده وعليه ضمان الغصب وإن باعها منه زال ضمانه وإذا دفع الغاصب الرهن إلى المغصوب منه أو إلى وكيله فقد برء من ضمان الغصب. وإذا أبرأه المغصوب منه من ضمان الغصب ولم يقبضه صح أيضا، وفي الناس من قال: لا يصح لأن ذلك إبراء من ضمان القيمة إن تلف في يده وهذا إبراء من الذي لم يجب فلم يصح. إذا كان في يده شئ بشراء فاسد فرهنه إياه لم يزل الضمان وكان بمنزلة المغصوب وإذا أعاره شيئا ثم رهنه صح الرهن ويخرج عن حد العارية ولا يجوز المرتهن أن ينتفع

[ 205 ]

به كما كان ينتفع به قبل الرهن، ولو رهن دارين أو سلعتين فتلفت إحديهما فلا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون قبل القبض أو بعده فإن كان قبل القبض فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون مما ينقل ويحول أو كان مما لا ينقل ولا يحول. فإن كان مما ينقل ويحول فإن الرهن قد انفسخ في التالف ولا ينفسخ في الباقي لأنه لا دليل عليه، ويكون رهنا فيه بجميع المال فإن كان الرهن شرطا في البيع كان البايع بالخيار بين أن يرضى بإحدى الوثيقتين ويجيز البيع، وبين أن يفسخ لهلاك إحدى الوثيقتين فإن أجاز البيع كان الباقي رهنا بجميع الثمن لأن الرهن كله وكل جزء من أجزائه مرهون بجميع الدين (1) وبكل جزء من أجزائه. وإن كان مما لا ينقل ولا يحول مثل دارين فاحترقت إحديهما فقد تلف حسبها وذلك يأخذ قسطا من الثمن فيكون الحكم في ذلك بمنزلة ما ذكرناه فيما ينقل ويحول فإن انهدمت ولم يتلف منها إلا التالف فذلك لا يقابله الثمن والذي يقابله الثمن من الأعيان باقية إلا أن قيمتها نقصت بالانهدام. فإن كان كذلك لم ينفسخ من الرهن (2) شئ لكن للبايع الخيار إن كان الرهن شرطا في عقدة (3) البيع لنقصان قيمة الرهن في يد الراهن قبل تسليم الرهن فإن شاء فسخ البيع وإن شاء أجازه ورضى بالدار المستهدمة رهنا فيكون العرصة والنقص كله رهنا. وأما إذا كان التلف والانهدام بعد القبض فإن الرهن لا ينفسخ في الباقي ولا يثبت الخيار للمرتهن البايع وليس له أن يطالب ببدله لأن العقد تناوله بعينه. وإذا رهن جارية وقد أقر بوطئها فإن الرهن صحيح. فإن لم يظهر بها حمل فقد استقر الرهن بلا خلاف. وإن ظهر بها حمل وولدت نظر فإن ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت الوطئ فإن الولد مملوك ولا يلحق به لأنه لا يجوز أن يكون من الوطئ الذي

(1) في بعض النسخ (الثمن).
(2) في بعض النسخ (الراهن).
(3) في بعض النسخ (عقد).

[ 206 ]

أقر به ونسب ولد الجارية لا يثبت إلا من وطئ أقر به بلا خلاف، وإن ولدت لستة أشهر فصاعدا إلى تمام تسعة أشهر كان الولد حرا ويثبت نسبه منه ولا يخرج الجارية عندنا من الرهن. وإذا رهن جارية وقبضها المرتهن فلا يجوز للراهن وطئها إجماعا لأن الوطئ ربما أحبلها فينقص قيمتها وربما ماتت في الولادة. وأما استخدام العبد المرهون، وركوب الدابة المرهونة، وزراعة الأرض المرهونة، وسكنى الدار المرهونة فإن ذلك كله غير جايز عندنا، ويجوز عند المخالفين. وإذا وطئها لا يجب عليه الحد إجماعا، وفي الناس من أجاز وطئ الجارية المرهونة للراهن إذا كانت لا يحبل مثلها وهو المروي، وقد بينا أن ذلك غير جائز ولا مهر يلزمه بهذا الوطئ بلا خلاف. وإذا وطئها أجنبي لم يلزمه المهر لأنه زنا، وفي الناس من قال: يلزمه ويكون المهر للراهن. ومتى كان الوطئ من المالك يؤدي إلى إفضائها فإنه يلزمه قيمتها وإن كانت بكرا فافتضها لزمه أرش الافتضاض لتكون رهنا عوض ذلك مع الجارية، وإن أحبلها وولدت منه فإنها تصير أم ولده، ولا يبطل الرهن لأنها مملوكة سواء كان معسرا أو موسرا. وإذا وطأها الراهن بإذن المرتهن لم ينفسخ الرهن سواء أحملت أو لم تحمل وإن باعها بإذنه انفسخ الرهن ولا يجب عليه قيمة مكانه. وإذا أذن المرتهن للراهن في ضرب الرهن فضربه فمات لم يجب عليه قيمته لأنه أتلفه بإذنه فإن ضربه بغير إذنه فمات لزمه قيمته. وإذا أذن المرتهن للراهن في العتق أو الوطئ ثم رجع عن الإذن فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يرجع بعد إيقاع المأذون فيه أو قبله فإن كان بعده لم ينفعه الرجوع، وإن رجع قبله فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يعلم به الراهن أو لا يعلم فإن علم برجوعه عن الإذن فقد سقط إذنه ولا يجوز له وطئها ولا عتقها فإن فعل كان بمنزلة ما لو فعله الراهن بغير إذنه فقد مضى ذكره، وإن لم يعلم وفعل كان ما فعله ماضيا، وقد قيل: إنه لا يكون ماضيا، وكذلك القول في الوكيل إذا باع ولم يعلم بالعزل من الموكل فيه الوجهان معا.

[ 207 ]

وإذا وطئها أو اعتقها ثم اختلفا فقال الراهن: فعلته بإذن المرتهن، وقال المرتهن: فعلته بغير إذني كان القول قول المرتهن مع يمينه لأن الأصل عدم الإذن، والراهن مدع لذلك فعليه البينة فإذا حلف المرتهن كان بمنزلة ما لو فعله الراهن بغير إذنه وقد مضى ذكره، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على الراهن فإذا حلف صار كأنه فعله بإذن المرتهن، وإن نكل الراهن أيضا لا يلزم الجارية المرهونة اليمين لأنه لا دليل على ذلك، وإذا حلف الراهن أو المرتهن حلف على القطع والثبات، وإن كان هذا الاختلاف بين ورثتهما فإن وارث المرتهن يحلف على العلم فيقول: والله لا أعلم إن مورثي فلان بن فلان أذن ذلك في كذا لأنه ينفي فعل الغير واليمين على نفي فعل الغير يكون على العلم، وإن نكل عن اليمين فردت على وارث الراهن حلف على القطع لأنه يحلف على إثبات الإذن، ومن حلف على إثبات فعل غيره حلف على القطع والثبات. إذا أقر المرتهن بأربعة أشياء: بالإذن للراهن بوطئها (1) وبأنه وطئها وبأنها ولدت منه وبمدة الحمل وهو بأن يقر بأنها ولدت من حين الوطئ لستة أشهر فصاعدا فإذا أقر بذلك ثم ادعى أن هذا الولد من غيره لم يصدق المرتهن وكانت الجارية أم ولد الراهن والولد حر لا حق بأبيه الراهن ثابت النسب منه، ولا يمين على الراهن هاهنا لأن المرتهن قد أقر بما يوجب إلحاق الولد بالراهن وكونها أم ولده لأنه أقر بوطئها، وأنها ولدت لستة أشهر من ذلك الوطئ، ومع هذا لا يصدق على أن الولد من غيره. وإذا اختلفا في شرط من هذه الشروط الأربعة كان القول قول المرتهن مع يمينه أنه لم يأذن فيه، وإن اتفقا على الإذن واختلفا في فعل الوطئ فالقول أيضا قول المرتهن مع يمينه إنه لم يطأها، وقيل: إن القول قول الراهن لأن الوطئ لا يعلم إلا بقوله والأول أصح. وإن اختلفا في ولادتها فقال المرتهن: إنها لم تلده وإنما التقطته أو استعارته، وقال الراهن: ولدته كان القول قول المرتهن فكذلك إذا قال المرتهن: ولدته من وقت

(1) (في وطئها خ ل).

[ 208 ]

الوطئ لما دون ستة أشهر كان القول قوله مع يمينه فإذا حلف في هذه المسائل كان الولد حرا ونسبه لاحقا بالراهن لإقراره بذلك وحق المرتهن لا يتعلق به، وأما الجارية فلا تصير أم ولد في حق المرتهن وتباع في دينه وإذا رجعت إلى الراهن كانت أم ولده ولا يجوز له بيعها وهبتها مع وجود ولدها، وكذلك لو قال الراهن: أعتقتها بإذنك وقال المرتهن: لم آذن لك فيه حلف وبيعت في دينه ثم ملكها الراهن عتقت عليه لأنه أقر بأنها حرة بإيقاع العتق. وأما المرتهن فلا يجوز له وطئ الجارية المرهونة في يده إجماعا فإن خالف ووطئ فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يطأ بغير إذن الراهن أو يطأ بإذنه فإن وطئها بغير إذنه كان زنا، ولم يكن عقد الرهن شبهة فيه، ووجب عليه الحد ولا يقبل منه دعواه الجهالة إلا حيث يقبل دعوى الجهالة بتحريم الزنا، وهو إذا نشأ في ناحية بعيدة عن بلاد المسلمين يجوز أن يخفي ذلك عليه أو نشأ في بلاد الكفر وكان قريب العهد بالاسلام لا يعرف ذلك. فأما إذا كان بخلاف ذلك فإنه لا يقبل دعواه الجهالة ويحد، وأما المهر فإنه لا يلزمه لسيدها إذا طاوعته لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن مهر البغى، وإذا طاوعته الجارية وكانت عالمة بتحريم الزنا كان عليها الحد. وإن كانت جاهلة وأمكن ذلك، وإن كانت مكرهة لم يكن عليها حد، وإن أحبلها كان الولد رقيقا لأن نسبه لا يثبت من المرتهن لأنه زان، ويكون رقا للراهن لأنه يتبع الأم هذا إذا لم يدع الجهالة بتحريمه أو ادعاها وكان مما لا يقبل دعواه. وإن ادعى الجهالة وكان ممن يقبل دعواه لم يجب الحد عليه، وأما المهر فإن كان أكرهها أو كانت نائمة وجب، وإن طاوعته وهي لا تدعي الجهالة أو تدعي وهي ممن لا يقبل ذلك منها لم يجب المهر لأنها زانية، وإن كانت تدعي الجهالة وهي ممن يقبل ذلك منها وجب المهر، ويكون الاعتبار في وجوب المهر بها والحد ولحوق الولد وحريته فإنه يعتبر حاله فإذا قبل دعواه الجهالة أسقط عنه الحد وألحق به الولد و كان الولد حرا، وعليه قيمته يوم سقط حيا.

[ 209 ]

وأما إذا وطئها بإذن الراهن فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يدعي الجهالة بتحريم الوطئ أو لا يدعيها. فإن كان لا يدعيها فهو زنا والحكم فيه على ما تقدم، وإن كان يدعي الجهالة فإنه يقبل منه ويسقط عنه الحد ويلحق النسب ويكون الولد حرا إجماعا. وأما المهر فقد قيل فيه: إنه لا يجب، وقد قيل: إنه يجب، والأول أولى لأنه لا دليل على وجوبه والأصل برائة الذمة وأما الولد فإنه حر إجماعا ولا يلزمه قيمته لأنه لا دليل عليه، وقد قيل: إنه يلزمه قيمته. وأما الجارية فإنها لا تخرج من الرهن في الحال، وإذا بيعت في الرهن ثم ملكها المرتهن فإنها أم ولده. إذا كان الرهن في دين إلى أجل فأذن المرتهن للراهن في بيع الرهن ففيه أربع مسائل: إحداها: قال له قبل أن يحل الحق: بع الرهن فإذا باعه الراهن نفذ البيع وبطل الرهن وكان ثمنه للراهن ينفرد به لا حق للمرتهن فيه، ولا يلزم الراهن أن يجعل مكانه رهنا لأنه لا دليل عليه هذا إذا كان الإذن مطلقا فإن شرط أن يكون ثمنه رهنا كان الشرط صحيحا، وقيل: إنه يبطل البيع والأول أصح. فإن قال المرتهن: أذنت في البيع مطلقا لفظا وكان في نيتي واعتقادي أن يعجل الثمن لي قبل محل الحق لم يلتفت إلى قوله ولا اعتبار بنيته، وإن أطلق الإذن لا يفسد بما نواه واعتقده. وإذا أذن في البيع ثم رجع نظرت فإن علم الراهن بالرجوع قبل البيع لم يكن له البيع فإن باعه بعد رجوع كان باطلا لأنه بيع بغير إذن المرتهن. فإن رجع بعد أن باع فالبيع نافذ والرجوع ساقط لأنه لزم قبل رجوعه فلا يقدح فيه رجوعه. فإن باع بعد الرجوع وقبل العلم بالرجوع فالأولى أن نقول: إن رجوعه صحيح والبيع باطل ولا يفتقر إلى علم بالرجوع، وقيل: إن الرجوع باطل ما لم يعلم الراهن. إذا باع الراهن ثم اختلفا فقال الراهن: بعت قبل أن رجعت فنفذ البيع، وقال

[ 210 ]

المرتهن بعت بعد أن رجعت فالبيع باطل والقول قول المرتهن لأن الراهن يدعي بيعا والأصل ألا بيع والمرتهن يدعي رجوعا والأصل ألا رجوع فتعارضا وسقطا والأصل بقاء الوثيقة حتى يعلم زوالها. المسألة الثانية: أذن له في البيع بشرط أن يكون ثمنه رهنا فباع الراهن كان البيع صحيحا إذا اعترف المشتري أن المرتهن إنما أذن له في البيع بهذا الشرط فأما إن أنكر المشتري هذا لم يقبل قول الراهن ولا المرتهن عليه. وإذا صح البيع يلزمه أن يجعل ثمنه رهنا كما شرط. الثالثة: باع بشرط أن يجعل ثمنه من ديني قبل محله فباع الراهن صح البيع ويكون الثمن رهنا إلى وقت الاستحقاق. ومتى اختلفا فقال المرتهن: أذنت لك بشرط تعجيل الحق من ثمنه، وقال الراهن: بل أذنت مطلقا فالرهن باطل والبيع نافذ فالقول قول المرتهن لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن لكان القول قوله مع يمينه فكذلك إذا اختلفا في صفته. الرابعة: أذن له بالبيع مطلقا بعد محل الحق فباع صح البيع وكان ثمنه رهنا مكانه حتى يقضي منه أو من غيره لأن عقد الرهن يقتضي بيع الرهن عند محله عند امتناع من عليه الدين من بذله. أرض الخراج لا يصح رهنها، وهي كل أرض فتحت عنوة لأنها ملك للمسلمين. وكذلك أرض الوقف لا يصح رهنها فإن رهنها كان باطلا فإن كان فيها بناء نظرت فإن كان من ترابها فهو وقف وإن كان من غير ترابها فالبناء طلق والأرض وقف، وكذلك إن غرست شجرا فالشجر طلق دونها فإن رهن البناء والشجر صح. وإن رهنها دون الشجر والبناء بطل، وإن رهنهما معا بطل في الأرض وصح في البناء والشجر. وإذا رهن أرضا من أرض الخراج أو آجرها فالخراج على المكري والراهن لأنها في يده فإن أدى المرتهن الخراج أو المكتري لم يرجع به على الراهن ولا على

[ 211 ]

المكري وهكذا لو اكترى دارا من رجل ثم أكرأها فدفع المكتري الثاني كرائها عن المكري الأول لم يرجع به على المكري الثاني، وهكذا كل من قضى دين غيره بغير أمره لم يرجع به عليه. وإذا اشترى عبدا بشرط الخيار له وحده دون البايع فرهنه في مدة الخيار صح الرهن وانقطع الخيار لأنه تصرف فيه والخيار له وحده فبطل عليه وإن كان الخيار لهما فرهنه أحدهما فإن كان البايع كان تصرفه فسخا للبيع وانقطع خيار المشتري وإن تصرف المشتري والخيار لهما لم ينفذ تصرفه لأن في انفاذه إبطال حق البايع من الخيار وذلك باطل، وإذا بطل تصرفه انقطع الخيار من جهته. إذا رهن عبد قد ارتد قبل رهنه أو باعه وهو مرتد كان الرهن صحيحا لأن ملكه لم يزل بارتداده سواء علم بذلك المشتري أو المرتهن أو لم يعلم فإذا ثبت صحته وقبضه المشتري أو المرتهن لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون مع العلم بذلك أو مع الجهل به. فإن كان مع العلم بذلك فلا خيار له لأنه دخل مع العلم بحاله فإن أسلم العبد ثبت البيع والرهن معا، وإن قتل بالردة كان ذلك جاريا مجرى العيب لأنه رهن ملكه وإنما يخاف هلاكه ويرجى زواله وعلى هذا لا خيار له. وقيل: إنه كالمستحق فعلى هذا يرجع بكل الثمن إن كان دينا وإن كان رهنا في بيع فله الخيار في البيع لأن ذلك يجري مجرى أن يكون له الرهن مستحقا هذا إذا كان عالما فإن كان جاهلا بردته ثم علم لم يخل من أحد أمرين: إما أن يعلم بذلك قبل قتله أو بعد قتله فإن علم بذلك قبل قتله فهو بالخيار بين أن يرضى أو يرد فإن رد فلا كلام وإن رضي به فالحكم فيه كما لو دخل في الأصل مع العلم بحاله وقد مضى، وإن لم يعلم حتى قتل فإنه يجري مجرى العيب. وقد قيل: إنه يجري مجرى المستحق فمن قال بهذا رجع بجميع الثمن، ومن قال: هو عيب بطل خياره سواء كان بيعا أو رهنا، أما الأرض فإن كان بيعا رجع به و إن كان رهنا فلا أرش له، وإذا رهنه عبدا فأقبضه فهلك بعد القبض ثم علم بعيب كان به

[ 212 ]

فلا أرش له ولا خيار، وإذا رهنه عبدا وأقبضه إياه فقطع بسرقة كانت منه قبل القبض كان له الخيار. فإن كان العبد قد جنى جناية ثم رهن بطل الرهن سواء كانت الجناية عمدا أو خطأ لأنها إن كانت عمدا فقد وجب عليه القصاص وإن كانت خطأ فلسيده أن يسلمه إلى من جني عليهم فإنها يتعلق برقبة العبد والسيد بالخيار بين أن يفديه أو يسلمه ليباع في الجناية فأيهما فعل فالرهن على البطلان لأنه وقع باطلا في الأصل فلا يصح حتى يستأنف. وقد قيل: إنه صحيح والسيد بالخيار بين أن يفديه أو يسلمه ليباع في الجناية فإن فداه سقط أرش عن رقبته وبقي العبد رهنا فإن بيع في الجناية فسخ الرهن ثم ينظر فإن كانت الجناية تستغرق الثمن بيع فيه كله وانحل الرهن فإن كانت الجناية لا تستغرق الثمن بيع منه بقدرها وكان ما بقي رهنا. إذا اقترض من رجل ألفا ورهنه بها عبده رهنا وأقبضه إياه ولزمه الرهن ثم زاده بالحق رهنا آخر وهو أن يرهن عبده عبدا آخر بالحق ليكون العبدان رهنا بالألف صح بلا خلاف، وإن لم يرهن عبده رهنا آخر لكنه اقترض منه ألفا آخر على أن يكون الرهن الأول رهنا به وبالألف الآخر كان ذلك أيضا صحيحا ويتعلق بالرهن الألفان معا. إذا رهن عبده وأقبضه ثم أقر الراهن أن العبد قد كان جنى على فلان جناية ثم رهنته (1) لم يخل من أحد أمرين: إما أن يقبل هذا الاقرار أو يرده فإن رده وقال: ما جنى علي سقط إقرار الراهن لأنه أقر لمن لا يدعيه بحق، وإن قبل الاقرار وصدقه فيها رجع إلى المرتهن فإن قال: صدق الراهن نفذ إقرار الراهن فيكون الحكم ما تقدم، وإن كذبه المرتهن، وقال: ما جنى العبد على أحد، وهكذا إن أقر أنه كان غصبه من فلان ثم رهنه أو باعه منه ثم رهنه أو أنه أعتقه ثم رهنه فالكل واحد يقبل إقراره فيه للمقر له إذا صدقه. وإن كاتبه ثم أقر أنه كان أعتقه قبل الكتابة نفذ إقراره، وإن أقر أنه كان

(1) في بعض النسخ (رهنه)

[ 213 ]

جنى قبل الكتابة أو كان باعه أو غصبه من فلان وكانت الكتابة مشروطة قبل إقراره وبطلت الكتابة وإن كانت مطلقة وقد تحرر بعضها بعد إقراره بمقدار ما بقي له ويبطل بمقدار ما تحرر منه لأنه إقرار على الحر فلا يقبل. إذا جنى العبد المرهون تعلق أرش الجناية برقبته واجتمعت حقوق ثلاثة: الأرش والوثيقة والملك. فكان الأرش مقدما على الرهن لأن المرتهن يرجع على الراهن بحقه لأنه متعلق بذمته والجناية يتعلق برقبة العبد فإن فداه السيد أو صالح عنه أو فداه غير سيده أو أبرأه المجني عليه من حقه بقي الرهن صحيحا، وإن اختار السيد الفداء فعلى ما مضى، وإن سلمه للبيع نظرت فإن كان الأرش مستغرقا لقيمته بيع جميعه وإن لم يستغرق الكل بيع منه بقدرها، وكان الباقي رهنا بحاله اللهم إلا أن لا يمكن بيع بعضه فيباع كله ويعطي المجني عليه حقه ويكون الباقي رهنا مكانه. وإذا دبر عبده ثم رهنه بطل التدبير لأن التدبير وصية ورهنه رجوع في الوصية، وإن قلنا: إن الرهن صحيح والتدبير بحاله كان قويا لأنه لا دليل على بطلانه فعلى هذا إذا حل الدين وقضاه المدين من غير الرهن كان جايزا، وإن باعه كان له ذلك وإن امتنع من قضاء الدين نظر الحاكم فإن كان له مال غيره قضى دينه منه وزال الرهن من العبد وكان مدبرا بحاله، وإن لم يكن له مال غيره باعه الحاكم في الدين وزال التدبير والرهن معا. والعتق بشرط باطل عندنا فإذا ثبت هذا فإذا قال: أنت حر إلى سنة أو أنت حر إذ قدم فلان ثم رهنه كان الرهن صحيحا والعتق باطلا لأنه متعلق بشرط، وأما إذا رهن العبد ثم دبره كان التدبير باطلا لأنه ليس له التصرف فيه. إذا رهنه عصيرا صح الرهن لأنه مملوك وهو إجماع فإن بقي على ما هو عليه فلا كلام، وإن استحال غير عصير نظرت فإن استحال إلى مالا يخرج به عن الملك مثل أن صار مزا أو خلا أو شيئا لا يسكر كثيره فالرهن بحاله، وإن استحال إلى مالا يحل تملكه مثل الخمر فإنه يزول ملك الراهن وينفسخ الرهن لأن الخمر لا يصح تملكه لمسلم إجماعا. فإذا ثبت هذا نظرت فإن بقيت على ما هي عليه فلا كلام وإن

[ 214 ]

استحال الخمر خلا عاد ملك الراهن كما كان، وإذا عاد ملكه عاد الرهن بحاله لأنه تابع للملك. إذا كان عنده خمر فأراقها فجمعها جامع فاستحالت في يده خلا أو كانت عنده خمر فرهنها من انسان فاستحالت في يد المرتهن خلا كان ملكا لمن انقلبت في يده لأن الإراقة أزالت يده عنها. فإن كان الرهن شاة فماتت زال ملك الراهن عنها وانفسخ الرهن فإن أخذ الراهن جلدها فدبغه لم يعد ملكه لأن ذلك لا يطهر بالدباغ عندنا. إذا اشترى عبدا بألف ورهن به عند البايع عصيرا فاستحال خمرا قبل قبضه بطل الرهن لأنه هلك قبل القبض وكان المرتهن بالخيار لأن الوثيقة لم تسلم له. وإذا استحال خمرا بعد القبض بطل الرهن ولا خيار للمرتهن لأن الرهن تلف بعد القبض فإذا هلك بعد القبض فلا خيار له فالقول قول المرتهن مع يمينه إذا لم يكن مع الراهن بينة. وإذا اختلفا فقال الراهن: أقبضته عصيرا، وقال المرتهن: اقبضتنيه خمرا فلي الخيار فالقول قول المرتهن مع يمينه إذا لم يكن مع الراهن بينة، وقد قيل: إن القول قول الراهن مع يمينه لأنهما اتفقا على القبض وادعى المرتهن أنه قبض فاسدا فعليه البينة، وكذلك إذا رهنه عبدا حيا فوجده ميتا في يد المرتهن واختلفا فقال الراهن: مات بعد القبض، وقال المرتهن: بل مات قبل القبض كان القولان فيه مثل ما في هذه المسألة سواء. فأن وقع اختلاف فيما تناوله العقد فقال الراهن: تناول العقد عصيرا فالعقد صحيح وقال المرتهن: بل تناول خمرا فالعقد باطل قيل فيهما أيضا: قولان على ما مضى. أحدهما قول الراهن، والثاني قول المرتهن لأنهما اتفقا على العقد واختلفا في صفته، وقيل: إن القول قول المرتهن هاهنا لا غير لأنهما مختلفان في العقد هل انعقد أم لا والأصل ألا عقد. إذا كانت له جارية ولها ولد صغير مملوك فأراد أن يرهن الجارية دون ولدها جاز له الرهن لا يزيل الملك ولا يمنعها الرهن من الرضاع فلا يضر ذلك بالولد

[ 215 ]

فإذا حل الدين فإن قضاه الراهن من غيرها انفكت من الرهن وإن لم يقضه من غيرها نظر فإن كان قد بلغ الولد سبع سنين فصاعدا بيعت الجارية دون ولدها لأن التفريق بينهما يجوز في هذا السن، وإن كان دون ذلك لم يجز التفريق بينهما ويباعان معا فما قابل قيمة الجارية فهو رهن يكون المرتهن أحق به من ساير الغرماء وما قابل الولد فلا يدخل في الرهن ويكون الجميع منه سواء هذا إذا علم أن لها ولدا فأما إذا لم يعلم المرتهن بذلك ثم علم كان له ردها وفسخ البيع لأن ذلك نقص في الرهن فإن بيعها منفردة أكثر لثمنها وذلك لا يجوز هاهنا لأنه لا يجوز التفرقة بينها وبين الولد في البيع. إذا كان للولد دون سبع سنين فإن اختار إمضاء الرهن ورضى بالنقص كان الحكم فيه على ما بيناه. فأما إذا رهنها ولا ولد لها ثم ولدت في يد المرتهن فإنهما يباعان ويكون للمرتهن مقدار ثمن الجارية إذا بيعت ولا ولد لها لأنه يستحق بيعها غير ذات الولد. وإذا رهن نخلا مثمرا نظر فإن شرط المرتهن أن يكون الثمرة داخلة في الرهن صح الشرط وكان الجميع رهنا، وإن لم يشرط لم يدخل الثمرة في الرهن كما لا يدخل في البيع وإن كانت النخل مطلعة فلا يدخل الطلع في الرهن. وإذا رهن أرضا وفيها نخل أو شجر أو بناء فإنها لا تدخل في الرهن إلا بشرط ويكون الأرض وحدها رهنا. وإذا هلك الرهن في يد المرتهن صحيحا كان أو فاسدا فلا ضمان عليه إذا لم يفرط فيه. وإذا رهن من الثمرة والبقول وغير ذلك مما يسرع التلف إليه فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون مما يمكن دفع الفساد عنه بالتجفيف والتشميس أو لا يمكن فإن أمكن دفع الفساد عنه فإنه يجوز رهنه وعلى الراهن الانفاق على تشميسه و تجفيفه لأن ذلك مؤونة لحفظ الرهن فيلزم الراهن كما يلزمه الانفاق على الحيوان وإن كان مما لا يمكن دفع الفساد عنه مثل الرطب الذي لا يمكن منه تمرا والعنب

[ 216 ]

الذي لا يمكن (1) منه الزبيب أو البقول وما أشبهها فإنه ينظر فإن رهنه بحق محله قريب لا يفسد إليه فإن رهنه صحيح لأنه يمكن بيعه واستيفاء الحق من ثمنه في محله، وإن كان محل الحق يتأخر عن مدة فساده نظر فإن شرط المرتهن على الراهن بيعه إذا خيف فساده وتركت ثمنه رهنا مكانه جاز أيضا. ومتى شرط الراهن ألا يبيعه إذا خيف فساده لم يجز الرهن لأنه لا ينتفع به المرتهن، وإذا أطلقا ذلك لا يجوز الرهن لأنه لا يجبر على بيعه فلا ينتفع به المرتهن وقيل: يصح ويجبر على بيعه ولا دليل على ذلك. وإذا رهن انسان أرضا بيضاء وسلمها إلى المرتهن ثم نبت فيها نخل أو شجر بإنبات الراهن أو حمل السيل إليها نوى فنبت فيها فإنه لا يدخل في الرهن لأنه لا دليل عليه، ولا يجبر الراهن على قلعه في الحال لأن تركه في الأرض انتفاع به والراهن لا يمتنع من الانتفاع بالرهن لأن منفعته له. فإذا حل الدين فإن قضى دينه من غيرها انفكت الأرض من الرهن وإن لم يقض من غيرها وكان ثمن الأرض إذا بيعت وحدها وفي بالدين بيعت من غير نخل وشجر وتركت النخل والشجر على ملك الراهن وإن كانت الأرض لا تفي بدين المرتهن إلا أن الغراس الذي فيها لم ينقص ثمنها ولو لم يكن فيها غراس لكان ثمنها مثل ثمنها مع الغراس فإن الأرض تباع للمرتهن، ولا يجب بيع الغراس معها لأجل الرهن. فإن كان ما فيها من الغراس من نخل أو شجر نقص ثمن الأرض لكثرة النخل والشجر فإن الراهن مخير (2) بين أن يبيعهما جمعيا وبين أن يقلع الغراس ويسلم الأرض بيضاء مسواة من الحفر ليباع للمرتهن هذا إذا لم يكن هناك غرماء فإن كان هناك غرماء وقد فلس لهم بدين لهم فإنه لا يجوز قلعه لأنه ينقص قيمته ولكن يباعان جميعا ويدفع إلى المرتهن ما قابل أرضا بيضاء لم يكن فيها نخل ولا شجر ويكون الباقي خارجا عن الرهن لأن المرتهن استحق بيع الأرض منفردة عن الشجر والنخل فوجب

(1) في بعض النسخ (لا يكون) (2) في بعض النسخ (يجبر).

[ 217 ]

جبران النقص (1) الداخل في ثمنها. ولو رهنه جارية وسلمها إلى المرتهن وهي حايل ثم ظهر بها حمل وولدت ثم حل الدين فإنهما يباعان ويكون للمرتهن ثمن جارية غير ذات ولد لأنه قد استحق ثمنها منفردة وضم الولد إليها في البيع ينقص ثمنها. ولو رهنه أرضا وفيها نخل وشرط دخولها في الرهن ثم اختلفا في بعض النخل الذي في الأرض فقال الراهن: هذا نبت بعد الرهن ولم يدخل في الرهن، وقال المرتهن كان موجودا في حال الرهن وقد دخل فيه نظر فإن كانت كبارا لا يمكن حدوثها بعد الرهن كان القول قول المرتهن من غير يمين لأنا نعلم كذب الراهن فيه، وإن كانت صغارا لا يمكن وجودها في حال عقد الرهن كان القول قول الراهن من غير يمين لأنا نعلم كذب المرتهن فيه. وإن أمكن ما قال كل واحد منهما كان القول قول الراهن مع يمينه لأن الأصل ألا رهن والمرتهن مدع للرهن فعليه البينة وإذا رهن عند رجل شيئا وشرط الراهن للمرتهن إذا حل الحق أن يبيعه صح الشرط، ويجوز توكيل المرتهن في بيع الرهن سواء كان ذلك بحضرة الراهن أو غيبته. وإذا رهن عند انسان شيئا ويشرط أن يكون موضوعا على يد عدل صح شرطه فإذا قبض العدل لزم الرهن فإذا ثبت هذا فإن شرطا أن يبيعه الموضوع على يده صح الشرط وكان ذلك توكيلا في البيع. وإذا ثبت هذا فإن عزل الراهن العدل عن البيع والأقوى عندي أنه لا ينعزل عن الوكالة ويجوز له بيعه لأنه لا دلالة على عزله، وقيل: إنه ينعزل لأن الوكالة من العقود الجايزة، وهذا إذا كانت الوكالة شرطا في عقد الرهن فأما إذا شرطه بعد لزوم العقد فإنها تنفسخ بعزل الموكل الوكيل بلا خلاف، ومتى عزل المرتهن الوكيل لم ينعزل أيضا لمثل ما قلناه، وقيل: إنه ينعزل، وإذا حل الدين لم يجز للعدل بيعه إلا بإذن المرتهن لأن البيع في الدين حق له فإذا لم يطالبه به لم يجب بيعه ولا

(1) في بعض النسخ (الشقص).

[ 218 ]

يحتاج إلى إذن الراهن. وإذا أراد العدل بيع الرهن عند محل الدين بإذن المرتهن والراهن واتفقا على قدر الثمن وجنسه باعه بما اتفقا عليه، ولا يجوز له مخالفتهما في ذلك لأن الحق لهما لا حق للعدل فيه. وإن أطلقا الإذن فيه فإنه لا يجوز له بيعه إلا بثمن مثله ويكون الثمن حالا ويكون من نقد البلد. فإذا ثبت هذا فخالف الوكيل وباعه نسيئة أو باع بغير نقد البلد لم يصح البيع ونظر فإن كان المبيع باقيا في يد المشتري استرجع منه، وإن كان تالفا كان الراهن بالخيار إن شاء رجع على المشتري بجميع القيمة، وإن شاء رجع على العدل، وكان له الرجوع على العدل لتفريطه وعلى المشتري لأنه قبض ماله بغير حق فإن رجع على العدل رجع العدل على المشتري، وإن رجع على المشتري لم يرجع على العدل لأن المبيع تلف في يد المشتري فيستقر الضمان عليه، وإن كان باع بأقل ما يستوي نظر فإن كان بنقصان كثير لا يتغابن أهل البصيرة بمثله مثل أن يكون الرهن يساوي مائة درهم ويتغابن الناس فيه بخمسة دراهم وباعه العدل بثمانين فإن البيع باطل فإن كان المبيع باقيا استرجع وإن كان تالفا كان للراهن الرجوع على من شاء منهما. فإن رجع على المشتري رجع بجميع قيمته ولا يرجع المشتري على العدل، وإن رجع على العدل فإنه يرجع عليه بجميع قيمته لأنه لم يجز له إخراج الرهن بأقل من ثمنه فهو مفرط في حقه فلزمه جميع قيمته. وقد قيل: إنه يرجع بما نقص مما يتغابن الناس بمثله وهو خمسة عشر درهما لأن هذا القدر هو الذي فرط فيه فلا يرجع عليه إلا به ويرجع بالباقي على المشتري هذا إذا باعه بما لا يتغابن الناس فيه بمثله. وأما إذا باعه بما يتغابن الناس بمثله مثل أن يكون الرهن يساوي مائة ويتغابن الناس فيه بخمسة وتسعين درهما فإن البيع صحيح نافذ لأن هذا القدر لا يمكن؟ الاحتراز؟ منه وهو يقع لأهل الخبرة والبصيرة، والمرجع في ذلك إلى أهل الخبرة.

[ 219 ]

وإذا باع بثمن مثله أو بنقصان يتغابن الناس بمثله فالبيع صحيح فإذا جاء من يزيد في ثمنه نظر فإن كان بعد لزوم البيع وانقطاع الخيار بينهما فإن هذه الزيادة لا تنفع لأنه لا يجوز له قبولها ولا يملك فسخ البيع في هذه الحال، وإن كان ذلك في زمان الخيار مثل أن يكون قبل التفرق عن المجلس أو في زمان خيار الشرط فإنه يجوز له قبوله الزيادة وفسخ العقد فإن لم يقبل الزيادة لم يفسخ العقد. إذا باع العدل الرهن وقبض الثمن فهو من ضمان الراهن حتى يقبضه المرتهن لأنه بدل الرهن فإن تلف لم يسقط من دين المرتهن شئ. وإذا مات الراهن وكان الرهن موضوعا على يدي عدل انفسخت وكالة العدل ويلزم الوراث قضاء دينه من غير الرهن أو يبيع الرهن ويقضي الدين من ثمنه كما كان يلزم الراهن فإن قضاه الوارث فقد قضى ما يجب عليه، وإن لم يقضه وامتنع منه نصب الحاكم عدلا يبيع الرهن ويقضي دين المرتهن من ثمنه لأن الوارث إذا امتنع من أداء الواجب قام الحاكم باستيفائه. فإذا ثبت هذا فإذا باع العدل الرهن وضاع ثمنه من يده واستحق الراهن من يد المشتري فإن الحاكم يأمر المشتري بتسليم الرهن إلى مستحقه ويرجع المشتري بالثمن في تركة الراهن ولا ضمان على العدل بلا خلاف، وهل يقدم المشتري على المرتهن أم يكون له أسوة للغرماء؟ قيل فيه: قولان: الأولى منهما أن يكون أسوة للغرماء لأنهم استووا في ثبوت حقوقهم في الذمة هذا إذا باع العدل الرهن من جهة الحاكم وهو إجماع. فأما إذا كان الرهن باقيا وباع العدل بتوكيل الراهن وقبض الثمن وضاع في يده واستحق المبيع في يد المشتري فإنه يرجع على الراهن، وكذلك كل وكيل باع شيئا واستحق وضاع الثمن في يد الوكيل فإن المشتري يرجع على الموكل ولا يرجع على الوكيل، وليس على الوكيل ضمان العهدة، وفي الناس من قال في هذه المسائل كلها إنه يرجع على الوكيل دون الموكل إلا إذا كان الوكيل ميتا فإنه يرجع على موكله. وكذا إذا باع الحاكم على اليتيم أو أمين الحاكم.

[ 220 ]

وإذا باع العدل الرهن وقبض ثمنه فضاع من يده لم يجب عليه الضمان لأنه أمين والأمين لا يضمن إلا إذا فرط وإذا ادعى أنه قد ضاع كان القول قوله مع يمينه ولا يلزمه إقامة البينة عليه فإن حلف العدل أنه ضاع بغير تفريط منه برء، وإن لم يحلف ردت اليمين على الراهن وإذا حلف أنه في يده لزمه وحبسه حتى يعطيه. وإذا ادعى العدل أنه دفع ثمن الرهن إلى المرتهن وأنكر المرتهن ذلك فالقول قول المرتهن مع يمينه، وعلى الدافع البينة لأنه المدعي للدفع فإن حلف سقطت دعوى العدل ورجع المرتهن على من شاء من العدل أو الراهن فإن رجع على الراهن رجع الراهن على العدل لأنه العدل مفرط في ترك الأشهاد على المرتهن فإن صدقه الراهن على أنه دفعه إليه لم يكن له الرجوع عليه، وإن أشهد عليه شهدين (1) ومات الشاهدان فلا ضمان عليه، ولا يجوز للراهن أن يرجع عليه لأنه دفعه إلى المرتهن [ من جهته ] دفعا مبرئا فليس موت الشاهدين بتفريط من جهته فلا يتوجه عليه الضمان. ولو باع العدل الرهن بدين كان ضامنا له لأنه مفرط، وإذا كان العدل وكيلا في بيع الرهن فقال الراهن له: بع بدنانير، وقال المرتهن: بع بدراهم لم يجز أن يقدم قول أحدهما على الآخر لأن لكل واحد منهما حقا في بيع الرهن ووجب على الحاكم أن يأمره ببيعه بنقد البلد لأن نقد البلد هو الذي يقتضيه عقد الوكالة ثم ينظر فإن كان الحق الذي للمرتهن من جنسه قضى منه، وإن كان من غير جنسه صرفه في ذلك الجنس ثم قضى دينه منه، وإن كانا جميعا نقدين في البلد باع بأكثرهما وأغلبهما استعمالا فإن استويا باع بأوفاهما حظا. فإن استويا وكان أحدهما من جنس الحق باع به وإن كان الحق من غير جنسهما باع بالذي يكون تحصيل جنس الحق به أسهل فإن استويا عمل الحاكم على تقديم أحدهما بما يراه صلاحا. وإذا تغيرت حال العدل بمرض أو كبر فصار لا يقدر على حفظ الرهن والقيام به فإنه ينقل من يده لأنه يخشى عليه الهلاك وإن فسق نقل من يده لأنه غير مؤتمن على

(1) في بعض النسخ (شهد عليه شاهدان).
(2) في بعض النسخ (غير موثوق).

[ 221 ]

ما في يده وإن حدثت عداوة بينه وبين الراهن أو المرتهن وطالب بنقله نقل لأنه ليس من أهل الأمانة في حق عدوه. وكل موضع وجب نقله فإن اتفق الراهن والمرتهن على من ينقل إليه نقل إليه لأن الحق لهما، وإن اختلفا فيه ودعى كل واحد منهما إلى غير الذي يدعو إليه صاحبه فإن الحاكم يجتهد في ذلك وينقله إلى ثقة أمين هذا إذا ثبت تغير ذلك العدل الأمين الذي في يده الرهن. فأما إذا اختلفا فيه فادعى أحدهما أنه تغير حاله وأنكر الآخر ذلك نظر الحاكم وبحث عنه فإن ثبت عنده تغير حاله نقله إلى ثقة أمين، وإن لم يثبت عنده أقره في يده ولم ينقله، وهكذا إذا كان الرهن في يد المرتهن وادعى الراهن أنه قد تغير حاله وطالب بنقل الرهن من يده فإن الحاكم ينظر فيه فإن ثبت عنده تغير حاله نقله إلى يد ثقة أمين وإن لم يثبت عنده ذلك أقره في يده. وإن مات المرتهن وحصل الرهن في يد وارثه أو في يد وصية كان للراهن أن يمتنع من ذلك ويطالب بنقله لأنه لم يرض بكونه في يد الوارث أو الوصي وينقله الحاكم إلى يد ثقة أمين، وكذلك إن مات العدل الذي في يده الرهن فإنهما إن اتفقا على نقله إلى يد رجل اتفقا عليه كان لهما، وإن اختلفا نقله الحاكم إلى يد ثقة أمين، وأما إذا لم يتغير حال العدول واتفقا على نقله من يده كان لهما لأن الحق لهما فإن اختلفا فيه وطالب أحدهما بالنقل وامتنع الآخر لم ينقل لأنهما قد رضيا بأمانته ورضيا بنيابته عنهما في حفظه فلا يجوز لأحدهما أن ينفرد بنقله وإخراجه من يده. إذا أراد العدل برد الرهن فلا يخلو الراهن والمرتهن من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا حاضرين أو غايبين أو أحدهما حاضرا والآخر غايبا. فإن كانا حاضرين كان له رده عليهما فإذا رده عليهما وقبضاه فقد برئ العدل من حفظه، وإن امتنعا من قبضه أجبرهما الحاكم على قبضه أو قبضه عنهما، وإن استترا فإن الحاكم يقبض عنهما ويبرء العدل من حفظه وإن سلمه إلى الحاكم قبل أن يمتنعا من قبضه لم يكن له ذلك وكانا ضامنين لأنه لا يجوز للعدل أن يدفع الرهن إلى غير المتراهنين مع حضورهما أو إمكان الايصال إليهما ولا يجوز

[ 222 ]

للحاكم أن يقبضه قبل امتناعه من قبضه لأنه إنما يثبت له ولاية عليهما إذا امتنعا من قبضه وتعذر الايصال إليهما، وهكذا إذا دفعه إلى ثقة عدل ضمنا جميعا لأنه لا يجوز أن يخرجه من يده إلى غير المتراهنين. وأما العدل الذي قبضه فإنه قبضه بغير حق فيلزمه الضمان فإن دفعه إلى أحد المتراهنين فإنهما يضمنان أيضا لأنه وكيل لهما في حفظه فلم يجز له تسليمه إلى أحدهما دون صاحبه فإذا سلمه ضمن وضمن القابض لأنه قبض ما لا يجوز له قبضه. هذا إذا كانا حاضرين فأما إذا كانا غايبين فإن العدل لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون له عذر أو لا عذر له. فإن كان له عذر من سفر أو مرض مخوف فإن الحاكم يقبضه منه عنهما. فإذا دفعه إلى عدل ثقة مع وجود الحاكم قيل فيه وجهان: أحدهما: يضمن، والآخر لا يضمن، وإن لم يجد حاكما فأودعه ثقة لم يضمن وإن لم يكن له عذر لم يجز له تسليمه إلى الحاكم لأنه لا دليل عليه. وأما إذا كان أحدهما حاضرا والآخر غايبا فإنه لا يجوز للعدل أن يدفع الرهن إلى الحاضر لأنه نايب عنهما في حفظه، وإن دفعه إلى أحدهما ضمنه ولا يقوم الحاكم مقام الغايب كما قلناه إذا كانا جميعا غايبين. وإذا شرطا أن يكون الرهن عند عدلين فأراد أحدهما أن يسلم إلى الآخر حتى ينفرد بحفظه فإنه لا يجوز ذلك لأنه لا دليل عليه ولأن الراهن لم يرض بأمانة أحدهما وإنما رضي بأمانتهما جميعا فلا يجوز لأحدهما أن ينفرد بحفظه، وكذلك لا يجوز لهما أن يقتسما بالرهن إذا كان مما يمكن قسمته من غير ضرر مثل الطعام والزيت وما أشبه ذلك لأنه لا دليل على ذلك. وإذا كان الرهن في يد العدل فجنى عليه رجل فأتلفه وجب على الجاني قيمته وأخذت القيمة وتكون رهنا في يد العدل فيحفظ القيمة، ولا يجوز له بيعها في محل الحق لأنه لم يوكل في بيعه وإنما وكله في بيع نفس الرهن ولا دليل على جواز بيعه.

[ 223 ]

إذا سافر المرتهن بالرهن ضمن فإن رجع إلى بلده لم يزل الضمان لأن الاستيمان قد بطل فلا تعود الأمانة إلا بأن يرجع إلى صاحبه ثم يرده إليه أو إلى وكيله أو يبرئه من ضمانه. وأما إذا غصب المرتهن الرهن من يد العدل ضمنه فإن رده إليه زال الضمان لأنه قد رده إلى يد وكيله. إذا استقرض ذمي من مسلم مالا ورهن عنده بذلك خمرا يكون على يد ذمي آخر يبيعها عند محل الحق فباعها وأتى بثمنها جاز له أخذه، ولا يجوز أن يجبر عليه، وإذا كانت المسألة بحالها غير أن الخمر كانت عند مسلم وشرطا أن يبيعها عند محل الحق فباعها وقبض ثمنها لم يصح، ولم يكن لبيع المسلم الخمر وقبض ثمنها حكم، ولا يجوز للمسلم قبض دينه منه. إذا وكلا عبدا في حفظ الرهن وبيعه عند محله فإنه لا يجوز إلا بإذن سيده لأنه منفعته [ منقعة خ ل ] له سواء كان ذلك بجعل أو غير جعل. وإن وكلا المكاتب بذلك نظر فإن كان بجعل جاز لأن للمكاتب أن يوجر نفسه من غير إذن سيده، وإن كان بغير جعل لم يجز لأنه له ليس أن يتبرع لتعلق حق سيده بمنافعه. إذا أرسل بعبد له في منافعه مع رسوله إلى غيره ليأخذ منه دنانير ويرهن بها العبد ففعل الرسول ثم اختلف الراهن والمرتهن فقال المرتهن: أرسلت رسولك ليرهن عبدك بعشرين دينارا وقد فعل وقال الراهن: ما أذنت إلا في عشرة دنانير فالقول قول الراهن مع يمينه لأن الأصل أنه لم يرهن. وإن شهد الرسول للراهن أو للمرتهن لم يقبل شهادته لأنه شهد على فعل نفسه فلا يقبل شهادته فيه. وإذا وجه إليه ثوبا وعبدا واختلفا فقال الراهن: العبد عندك رهن والثوب وديعة وأنا مطالب برد الثوب، وقال المرتهن: الثوب رهن والعبد وديعة فليس لك أن تطالبني بالثوب فإن العبد قد خرج من الرهن بجحود المرتهن فأما الثوب

[ 224 ]

فإنه في يده يدعي رهنه وينكر صاحبه ذلك فالقول قول الراهن مع يمينه لأن الأصل أنه ليس برهن وعلى المرتهن البينة. إذا كان في يده ثوب فقال: هو رهن في يدي رهنتنيه أو رهنه رسولك بإذنك فقال صاحبه: لم أرهنه، ولم آذن في رهنه وإنما رهنت أو أذنت في رهن العبد وقد قبلته وعليك قيمته فالقول قول الراهن في الثوب، والقول قول المرتهن في العبد لأن الأصل في الثوب أنه غير مرهون والأصل برائة ذمة المرتهن مما يدعيه الراهن من قيمة العبد. إذا انفك الرهن بإبراء أو قضاء كان في يد المرتهن أمانة ولا يجب رده على صاحبه حتى يطالبه به لأنه حمل في يده أمانة ووثيقة فإذا زالت الوثيقة بقيت الأمانة إذا حل الحق فإن الراهن يطالب بقضاء الدين فإن قضى من غيره انفك الرهن وإن امتنع من قضائه من غيره طولب ببيع الرهن وقضاء الدين من ثمنه، وإن امتنع من بيعه فإن رأى الحاكم حبسه وتعزيره حتى يبيعه فعل، وإن رأى أن يبيعه بنفسه فعل وحل له ذلك. وإذا رهن عبده عند غيره فجنى العبد المرهون على سيده فلا يخلو جنايته من أحد أمرين: إما يكون على ما دون النفس مثل قطع اليد والأذن وقلع العين أو السن والجرح الذي فيه القصاص كان لسيده أن يقتص منه لقوله تعالى " والجروح قصاص " (1) فإن اقتص كان ما بقي رهنا وإن لم يقتص منه وعفى على مال فلا يصح ذلك لأنه لا يجوز أن يثبت له على عبده استحقاق مال ابتداء. وعلى هذا لو كانت الجناية خطاء كانت هدرا لأنه لا يجوز أن يثبت له على عبده مال ابتداء. وإذا ثبت هذا بقي العبد في الرهن كما كان لا يؤثر فيه جناية الخطاء ولا العمد بعد العفو فإن القصاص سقط والمال لا يثبت. وإذا كانت الجناية على نفس السيد فإن للوارث قتل هذا العبد قصاصا وإن اقتص منه بطل الرهن وإن عفى على مال لا يصح لأنه لا يجوز أن يستحق على ماله مالا وهذا

(1) المائدة 45.

[ 225 ]

العبد للورثة هذا إذا كانت الجناية على سيده إما على طرفه أو على نفسه، فأما إذا جنى على من يرثه سيده مثل ولده أو والده أو أخته أو أخيه أو عمه فإن كان جنى على طرفه ثبت له القصاص وجاز له العفو على مال لأنه ليس بمالك للعبد، وإن مات وورثه السيد كان له ما كان لمورثه من القصاص أو العفو على مال لأن ذلك قد ثبت لغير المالك ثم ورثه المالك والاستدامة أقوى من الابتداء. وعلى هذا إن كانت الجناية على من يرثه خطأ وجب المال وورثه السيد وكان له أن يطالب المرتهن ببيع العبد، وأما إن قتل من يرثه سيده فإن الحكم فيه كالحكم إذا كانت الجناية عليه لأن ما جاز للمورث جاز للوارث. وأما إذا جنى على مكاتبه على طرفه ثم عجز نفسه أو على نفسه فقتله كان المولى بمنزلة الوارث هاهنا لأن الحق ثبت للمكاتب وهو يأخذه بحق ملكه كما يأخذ عن مورثه بالإرث. وإذا رهن عبده عند غيره بدين عليه فقتل هذا العبد المرهون عبدا آخر لسيده فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون العبد المقتول رهنا أو ليس برهن. فإن لم يكن رهنا كان لسيده أن يقتص منه لأن العبد كفو للعبد، وإذا أراد أن يعفو على مال لبيع العبد المرهون ويقبض [ يقتص خ ل ] ثمنه لم يصح لأنه ليس للسيد أن يعفو عن جناية عبده على مال لنفسه لأنه لا يثبت له على عبده مال إلا أن يكون قايما مقام غيره فيما يثبت له. وإن كانت الجناية خطأ لم ثبت المال وكانت هدرا أو يكون العبد القاتل رهنا كما كان. وإن كان العبد المقتول رهنا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون رهنا عند غير مرتهن العبد القاتل أو عنده. فإن كان عند المرتهن فسنذكره فيما بعد. وإن كان العبد المقتول رهنا عند غير مرتهن العبد القاتل كان لسيده أن يقتص منه وله أن يعفو على مال لحق المرتهن فإن المال يثبت لمرتهن العبد المقتول فإذا تعلق به حق الأجنبي صح العفو.

[ 226 ]

فإذا ثبت هذا يباع العبد بقدر قيمته العبد المقتول ويكون رهنا عند مرتهنه فإن كانت القيمة مستغرقة لقيمة العبد القاتل بيع جميعه، وإن لم يستغرق قيمته بيع بقدره وترك الباقي رهنا عند مرتهنه. وإقرار العبد المرهون بأنه قصاص غير جايز، وكذلك ما ليس فيه قصاص من جناية الخطاء لا يقبل إقراره به لأنه في الحالين معا مقر على الغير. وإذا جنى العبد المرهون على غيره وثبتت الجناية فإن الراهن بالخيار إن شاء فداه من ساير ماله، وإن شاء سلمه للبيع فإن فداه من ساير ماله فبكم يفديه؟ قيل فيه وجهان: أحدهما: يفديه بأقل الأمرين من أرش جنايته أو قيمته. والثاني: يفديه بجميع الأرش بالغا ما بلغ أو يسلمه للبيع وهذا هو المنصوص عليه لأصحابنا. فإن فداه بقي العبد رهنا كما كان عند المرتهن. وإن امتنع من الفداء قلنا لمرتهنه: تختار أن تفديه فإن قال: لا أفديه سلم العبد للبيع وبيع منه بقدر الأرش على ما تقدم بيانه، وإن اختار المرتهن أن يفديه فبكم يفديه فعلى ما مضى من الوجهين. فإذا فداه نظر فإن كان بغير أمر الراهن لم يرجع به عليه لأنه متبرع به، وإن كان بأمره نظر فإن شرط الرجوع عليه كان له أن يرجع، وإن لم يشترط الرجوع عليه قيل فيه وجهان: أحدهما: يرجع. والثاني: لا يرجع، والأول أصح. فإذا ثبت هذا فإن شرط المرتهن أن يفديه على أن يكون العبد رهنا بالأرش مع الدين كان جايزا كما قلناه في زيادة المال على الرهن ويكون رهنا بالمالين. وإذا أمر رجل عبده المرهون بأن يجني على انسان فجني عليه فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون مميزا بأن يكون بالغا عاقلا يعلم أنه لا يجوز أن يطيع سيده [ بالجناية على غيره ]

[ 227 ]

فإذا كان كذلك وأمره بالجناية على غيره فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكرهه عليه أو لا يكرهه فإن لم يكرهه عليه وإنما أمره به ففعله العبد فإن العبد هو الجاني: وعليه القصاص إن كانت الجناية توجب القصاص، وإن عفى عن القصاص على مال تعلق أرش الجناية برقبة العبد يباع فيه ويقدم على حق المرتهن، وأما السيد فلا يلزمه من هذه الجناية شئ في ذمته لكنه يأثم بأمره إياه بها. فإن كان العبد مكرها على ذلك لا يسقط القصاص عنه بالاكراه لأن الاكراه عندنا في القتل لا يصح. وإذا عفى على مال وجب المال وتعلق برقبة العبد يباع في ذلك بقدر الجناية وإن كان العبد صبيا إلا أنه مميز فالحكم فيه كما ذكرناه في البايع، وقد روى أصحابنا أن حد ذلك عشر سنين فإنهم قالوا: إذا بلغ ذلك اقتص منه وأقيم عليه الحدود التامة. وأما إذا كان غير مميز لصغر أو كان قريب العهد بالاسلام بأن يكون جلب عن قرب ولا يعرف أحكام الاسلام بوجه فإن السيد هو الجاني هاهنا والعبد كالآلة له وكان القصاص على السيد دون العبد والمال في ذمته ولا يتعلق برقبة العبد فإن كان له مال سوا هذا العبد أدى منه، وإن لم يكن له مال سواه فقد قيل: إنه لا يباع العبد المرهون فيه لأن الجناية من جهة المولى دون العبد، والأرش في ذمة المولى ولا يتعلق برقبة العبد، وقد قيل إنه يباع فيه، والأول أحوط. وإذا بيع على هذا القول أخذ من السيد قيمة العبد يجعل (1) رهنا مكانه إن كان له مال في الحال، وإن لم يكن له مال في الحال أخذ منه قيمته إذا أيسر لأن بيعه في الجناية سبب من جهته فصار كأنه المتلف، وفي الناس من قال: إذا لم يكن له مال سواه بيع العبد في الجناية لأنه قد باشر الجناية، وإن كانت منسوبة إلى سيده فإذا لم يكن له مال سواه وجب بيعه في أرشها. وإذا رهن رجل عبد غيره بدين عليه بإذن صاحب العبد فالأولى أن يكون العبد عارية، وقيل: إنه يكون ضمانا فإنما قلنا بالأول لأنه ملك الغير، وإنما قبضه

(1) في بعض النسخ (فجعل)

[ 228 ]

بإذنه لنفع نفسه ويتفرع على الوجهين أحكام: منها: إذا أذن له في رهنه ثم رجع عن إذنه فإن رجع عن إذنه قبل أن يرهنه أو بعد أن يرهنه ولم يقبضه صح رجوعه، وإن رهن بعده لم يصح رهنه وإن كان رهنه وأقبضه ثم رجع عن إذنه لم ينفسخ الرهن بذلك لأنه عقد لازم لا يجوز لغير المرتهن فسخه لأنه لا دليل عليه، وللمعير أن يطالب المستعير بفكاكه وتخليص عبده في كل وقت سواء حل الدين أو لم يحل، وإنما قلنا: ليس له فسخ عقد الرهن بعد لزوم العقد لأنه لا دليل على ذلك. ومنها: صفة الإذن فمن قال: إنه ضمان فلا يجوز إلا أن يكون ما يرهنه به من الدين معلوم الجنس والقدر، وهل هو حال أو مؤجل لأنه لا يجوز ضمان مال مجهول، ومن قال: هو عارية جوز مع الجهالة لأنه لا يجوز أن يستعير عبدا للخدمة ويستخدمه فيما شاء من الأعمال ولا يجب ذكر المدة فيه. وإذا أذن السيد له في أن يرهنه بجنس من المال وقدر معلوم وصفة معلومة من حال أو مؤجل لم يجز له أن يعدل عنه إلى غيره على القولين معا فإن خالفه في شئ مما أذن له فيه لم يصح الرهن لأنه يكون قد تصرف فيه بغير إذن مالكه، وإن خالفه في القدر فنقص جاز لأن القدر الذي رهنه به مأذون فيه لأن الإذن في الكثير إذن في القليل، وإن زاد عليه كانت الزيادة باطلة، وفي الناس من قال: يبطل الجميع بناء على تفريق الصفقة. ومنها: المطالبة بفكاكه على القولين معا لأن للضامن أن يطالب المضمون عنه بتخليص نفسه من الضمان إذا ضمن بأمره وكان مال الضمان حالا. وكذلك من قال: إنه عارية كان له أن يطالبه بفكاكه، وأما إذا كان مؤجلا فمن قال: إنه عارية كان له أن يطالبه بفكاكه، ومن قال: ضمان لم يكن له لأن الضامن ليس له أن يطالب المضمون عنه بخلاصه قبل حلول الضمان فإذا ثبت هذا فمتى طالبه بفكاكه ولم يكن معه ما يقضي به دينه فباعه الحاكم في دين المرتهن فإن كان باعه بثمن مثله رجع به صاحب العبد على الراهن وإن باعه بأقل منه مما يتغابن الناس بمثله فمن قال: إنه عارية رجع بقيمته وافية، ومن قال: إنه ضمان رجع

[ 229 ]

بما بيع لأن الضامن إنما يرجع بما غرمه، وإن باع بأكثر من قيمته فمن قال: إنه ضمان رجع بالجميع، ومن قال: عارية يرجع بقدر قيمته، والأحوط أن يرجع بالجميع لأنه إذا بيع بأكثر من قيمته ملك صاحب العبد قيمته وصارت قيمته قايمة مقام العبد فإذا قضى بها دينه ثبت للمعير الرجوع بالجميع. ومنها: أن يموت العبد في يد المرتهن أو يجني على رجل فيباع في أرش الجناية فمن قال: إنه ضمان قال: لا يرجع صاحب العبد على الراهن لأنه لم يغرم له شيئا وإنما رجع الضامن على المضمون عنه بما غرم، ومن قال: أنه عارية قال: يرجع عليه بقيمته لأن العارية إذا كانت مضمونة ضمنت بجميع قيمتها، وإذا لم تكن مضمونة لم يكن عليه شئ. وإذا جني على العبد المرهون فإن الخصم فيه هو السيد دون المرتهن لأنه المالك لرقبته، وإنما للمرتهن حق الوثيقة فإن أحب المرتهن أن يحضر خصومته كان له فإذا قضي للراهن بالأرش تعلق به حق الوثيقة للمرتهن، وإذا ثبت هذا فإن ادعى سيده على رجل أنه جنى على العبد المرهون سأله الحاكم عن البينة فإن أقامها ثبتت الجناية، وإن نكل المدعى عليه كان القول قوله مع يمينه لأن الأصل برائة ذمته فإن حلف برئ وإن نكل رد اليمين على المدعي فإن حلف قضي له بالجناية، وإن نكل قيل في رد اليمين على المرتهن: قولان بناء على رد اليمين إذا نكل الوارث على الغريم. ومتى ثبتت الجناية على المدعى عليه بإقراره أو بالبينة أو برد اليمين نظر في الجناية فإن كانت توجب القصاص كان سيده بالخيار إن شاء اقتص من الجاني وبقي العبد المجني عليه رهنا عند المرتهن، وإن شاء عفى عن الجاني على مال فيكون المال ملكا للسيد ورهنا مع العبد عند المرتهن لأن الأرش عوض أجزاء دخلت في الرهن فإن عفى على غير مال أو عفى مطلقا فهل يثبت المال؟ فيه قولان فمن قال: إن جناية العمد توجب القصاص ويثبت المال بالعفو صح العفو على غير مال مطلقا ولا يثبت المال ولم يكن للمرتهن مطالبته بالعفو على مال لأن اختيار المال ضرب من الاكتساب والراهن لا يجبر على ذلك لحق

[ 230 ]

المرتهن، ومن قال: إن الواجب أحد الشيئين: إما القصاص وإما الدية فإذا عفى عن القصاص ثبتت الدية فلا يصح عفوه عن القصاص على غير مال لأنه إذا عفى عن القصاص كان اختيار المال تعلق به حق المرتهن فإذا عفى عنه لم يصح لأنه إسقاط لحق المرتهن، وإذا ثبت المال بالعفو أو كانت الجناية خطأ أو عمدا توجب المال كان ملكا للراهن فيدخل في الرهن فإن أبرأه منه الراهن قبل أن يقبضه لم يصح إبراؤه منه لأن حق المرتهن متعلق به، ولهذا لا يجوز أن يهبه بعد القبض لأنه وثيقة للمرتهن، وإن أبرأه المرتهن من الدين أو قضاه كان الأرش للراهن لأن الابراء لم يكن صحيحا وإن أسقط المرتهن حقه منه كان الأرش للراهن وخرج من الرهن. وإذا قال المرتهن، قد أبرئت من الأرش أو عفوت عنه فإنه لا يصح لأن الأرش للراهن دون المرتهن فلا يمكن (1) إسقاطه، وإذا بطل إبراؤه فهل يسقط حق المرتهن من الوثيقة؟ من الناس من قال: يسقط حقه لأن إبرائه من المال يتضمن إسقاط حقه للوثيقة، ومنهم من قال: لا يسقط حقه لأن إبرائه وعفوه عن الأرش باطل فوجوده وعدمه سواء فوجب أن يكون الأرش باقيا على صفته هذا إذا جني على العبد المرهون. وأما إذا كانت جارية حبلى فحكمها حكم العبد غير أنها إذا ضربها رجل وهي مرهونة فألقت جنينا ميتا فإن الجاني يلزمه عشر قيمة أمه ولا يجب ما نقص من قيمة الأم لأن ذلك يدخل في دية الجنين، ويدفع ذلك إلى الراهن لأن ولد المرهونة لا يدخل في الرهن ولا يتعلق به حق المرتهن، وكذلك بدل نفسه لا يدخل في الرهن و إن كان ذلك دابة حاملا فضربها انسان فألقت جنينا ميتا وجب عليه ما نقص من قيمة الأم ولا يجب بدل الجنين الميت من البهيمة، ويكون داخلا في الرهن لأنه بدل ما نقص من أجزاء الرهن. وإن أسقطت جنينا حيا ثم مات قيل فيه قولان:

(1) في بعض النسخ (لا يملك)

[ 231 ]

أحدهما: وهو الصحيح يجب قيمة الولد ولا يجب غيرها ويدخل فيها نقصان الأم ويكون القيمة للراهن لا حق للمرتهن فيها. والثاني: يجب أكثر الأمرين من قيمة الولد أو ما نقص من قيمة الأم فإن كان ما ينقص من قيمة الأم أكثر وجب ذلك ودخل في الرهن، وإن كان قيمة الولد أكثر وجب ذلك وكان للراهن ولا يدخل في الرهن. وإذا جني على المرهون جناية لا يعرف الجاني فأقر رجل بأنه جنى عليه الراهن فكذبه أحدهما وصدقه الآخر فإن كان الراهن كذبه وصدقه المرتهن ثبت إقراره في حق المرتهن وأخذ منه أرشه ويكون رهنا فإن أبرء المرتهن من الراهن من دين المرتهن رجع بالأرش إلى المقر ولا يستحق الراهن لأنه أقر بأنه لا يستحقه فلزمه إقراره. وإن صدقه الراهن وكذبه المرتهن كان الأرش واجبا للراهن ولا حق للمرتهن فيه. إذا رهن انسان عبدا عند غيره بحث ثم رهن عبدا آخر بحق آخر عنده فيكون الرهنان في حقين كل واحد منهما في حق غير الحق الآخر سواء كانا جنسا واحدا أو جنسين وكل واحد من العبدين رهن بدين غير الدين الآخر. فإذا تقرر ذلك وقتل أحد العبدين الآخر لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يتفق القيمتان والحقان في المقدار أو يتفق القيمتان ويختلف الحقان أو يتفق الحقان ويختلف القيمتان. فأما إذا اتفقت القيمتان والحقان لم يكن للنقل فايدة وترك القاتل مكانه رهنا فإن كان الدين الذي كان دين الرهن المقتول رهنا به أنه أصح من دين الراهن القاتل فهل ينقل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا ينقل لأنهما سواء في الثبوت ولا غرض فيه. والثاني: ينقل لأنه لا يأمن أن يكون دين الرهن يلحقه فسخ بأن يكون عوض شئ يرد عليه بالعيب ويسقط الحق أو يكون صداقا فيسقط نصفه بالطلاق أو يقع فيه استحقاق فبقي الدين الصحيح برهن ما ملكه، وكذلك إن كان له غرض في نقله إلى دين الرهن المقتول وجب نقله. فإذا ثبت هذا فإن شاء باع وجعل قيمته رهنا بذلك الحق، وإن اتفقا على نقله إليه كان جايزا.

[ 232 ]

وإذا اتفقت القيمتان واختلف الحقان مثل أن يكون دين الرهن المقتول ألفين ودين الرهن القاتل ألفا فإن له أن يطالب بالنقل لأن له فيه غرضا فإنه إذا كان الألفان برهن أحب إليه وأعود إليه من أن يكون الألف الواحد، وإذا كان دين الرهن المقتول ألفا ودين الرهن القاتل ألفين لم يكن للنقل فايدة فيترك الرهن مكانه. وإذا اتفق الحقان واختلف القيمتان مثل أن يكون الرهن المقتول قيمته ألفا وقيمة الرهن القاتل ألفين، ومقدار الدين ألف درهم فإنه ينقل بقدر قيمة الرهن المقتول من قيمة الرهن القاتل فباع نصفه بألف درهم فيكون رهنا مكان الرهن المقتول ويبقي النصف الآخر رهنا بدينه كما كان، ويكون هذا أولى فيصير الدينان جميعا بالرهن. وإذا ترك الرهن القاتل مكانه كان ألف واحد برهن والألف الآخر لا رهن فيه ولا حظ للمرتهن في ذلك، وإن كان له فيه غرض وحظ وجب نقله على ما مضى وإن كانت قيمة الرهن المقتول ألفين وقيمة الرهن القاتل ألفا ودين كل واحد منهما ألف درهم لم يكن في النقل فايدة وترك (1) الرهن القاتل مكانه. إذا رهن مسلم عبدا مسلما عند كافر أو رهن عنده مصحفا قيل فيه: قولان أحدهما يصح، والثاني لا يصح ويوضع على يدي مسلم عدل، وهذا عندي أولى لأنه لا مانع منه وأحاديث رسول الله والأئمة عليهم السلام بمنزلة المصحف سواء، وإنما قلنا بجواز لأن النبي صلى الله عليه وآله رهن عند أبي شحمة اليهودي درعا فإذا كان الرهن عندهم صحيحا وما لا يصح منهم مسه أو استخدامه جعل على يدي عدل فيجب أن يكون صحيحا. إذا باع من غيره شيئا بثمن معلوم إلى أجل معلوم وشرط فيه أن يرهنه بالثمن رهنا معلوما كان جايزا ويصير الرهن معلوما بالمشاهدة أو بالصفة كما يوصف المسلم فيه بدلالة قوله تعالى " فرهان مقبوضة " (2) فأباح بشرط الرهان المقبوضة فإذا ثبت أنه جايز فإن المشتري إذا رهن وسلم ما شرط من الرهن فقد وفى بموجب العقد، وإن امتنع من تسليمه أجبر عليه، وفي الناس من قال: لا يجبر على تسليمه ويكون البايع بالخيار

(1) في بعض النسخ (ويكون) (2) البقرة 283.

[ 233 ]

إن شاء رضي بالبيع بلا رهن فإن رضي به لم يكن للمشتري خيار، وإن شاء فسخ البيع لأنه لم يرض بذمته حتى يكون معها وثيقة من الرهن فإذا امتنع منها كان له فسخ العقد. إذا باع من غيره شيئا بثمن معلوم إلى أجل معلوم، وشرط أن يضمن الثمن رجل جاز، ويجب أن يكون من يضمنه معلوما، ويصير معلوما بالإشارة إليه أو بالتسمية و النسب. فأما بالوصف بأن يقول يضمنه رجل غني ثقة فلا يصير معلوما وإذا ثبت هذا وشرط أن يضمنه رجل اتفقا على تعيينه بما ذكرناه فضمنه أو امتنع من ضمانه يكون الحكم على ما ذكرناه في شرط الرهن لا فرق بينهما. وإذا عينا شيئا يرهنه أو رجلا يضمنه فأتى بغيره لم يلزمه قبوله لأن الأغراض تختلف في أعيان الرهن والضمناء، وإقامة غيره مقامه يحتاج إلى دليل فأما إذا عينا شاهدين يشهدهما على عقد البيع فأتى بشاهدين غيرهما لا يلزمه قبول ذلك لقوله تعالى " ممن ترضون من الشهداء " (1) وهذا ما يرضيه وقيل: إنه يلزمه لأنه لا غرض في أعيان الشهود، وإنما الغرض العدالة وهي حاصلة. وإذا باع من غيره شيئا بثمن معلوم إلى أجل معلوم وشرط رهنا مجهولا فالرهن فاسد، وفي فساد البيع وجهان الأولى أن يقول: إنه يفسد الرهن ولا يفسد البيع لأنه لا دلالة على فساده، ومن قال: يفسد البيع قال: لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن لأنه يأخذ قسطا من الثمن. وإذا قال: على أن ترهن أحد هذين العبدين لم يصح عقده لأنه مجهول. إذا وجد المرتهن بالرهن عيبا واتفقا على أنه حادث في يد المرتهن لم يكن له رده لأنه حدث بعد القبض، وإن اتفقا على أنه كان في يد الراهن دلس به كان له رده بالعيب فإذا رده كان بالخيار في فسخ البيع إن شاء فسخ وإن شاء أجازه بلا رهن. وإن اختلفا في حدوثه فإن كان لا يمكن حدوثه في يد المرتهن كان القول قوله من

(1) البقرة 282.

[ 234 ]

غير يمين لأنه أمين، وإن كان لا يمكن حدوثه في يد الراهن كان القول قوله من غير يمين. فإن أمكن حدوثه في يد كل واحد منهما كان القول قول الراهن مع يمينه لأن الظاهر بقاء عقد الرهن وعدم الخيار. وإذا وجد المرتهن بالرهن عيبا كان عند الراهن وقد دلس به كان له الخيار إن شاء رده بالعيب وإن شاء رضي به معيبا، وإن رده بالعيب كان له الخيار في فسخ البيع وإجازته بلا رهن إذا كان الرهن باقيا في يده على الصفة التي قبضه فأما إذا مات أو حدث في يده عيب فليس له رده وفسخ الرهن لأن رد الميت لا يصح ورد المعيب مع عيب حدث في يده لا يجوز لأنه لا دلالة عليه كما نقوله في البيع، ولا يرجع في ذلك بأرش العيب، ويخالف البيع في ذلك. وإذا رهن عبدين وسلم أحدهما إلى المرتهن فمات في يده وامتنع من تسليمه الآخر لم يكن للمرتهن الخيار في فسخ البيع لأن الخيار في فسخ البيع إنما يثبت إذا رد الرهن ولا يمكنه رد ما قبضه لفواته، وكذلك إذا قبض أحدهما وحدث به عيب في يده وامتنع الراهن من تسليم الآخر إليه لم يكن له الخيار في فسخ البيع لأنه لا يجوز له رد المعيب للعيب الحادث في يده. وإذا لم يكن الرهن شرطا (1) في عقد البيع فتطوع المشتري فرهن بالثمن عبدا أو ثوبا أو غير ذلك وسلمه إلى البايع صح الرهن ولزم لأن كل وثيقة صحت مع الحق صحت بعده فإذا ثبت هذا لم يكن للراهن افتكاكه وقد بقي من الحق شئ لأنه مرهون بجميع الحق وبكل جزء من أجزائه. وإن رهنه ولم يسلمه لم يكن له ذلك وأجبر على تسليمه ولم يكن للبايع الخيار في فسخ البيع لأنه قد رضي بذمته (2) من غير رهن، وإنما يثبت له الخيار

(1) في بعض النسخ (مشروطا).
(2) (انفكاكه خ ل).
(3) في بعض النسخ (منه بدين).

[ 235 ]

إذا لم يرض بذمته [ به منه خ ل ] وشرط الرهن في عقد البيع فإن امتنع من تسليم الرهن فقد امتنع من الوفاء بموجب العقد فكان له فسخه. إذا باع من غيره شيئا على أن يكون المبيع رهنا في يد البايع لم يصح البيع لأن شرطه أن يكون رهنا لا يصح لأنه شرط أن يرهن ما لا يملك فإن المبيع لا يملكه المشتري قبل تمام العقد، وإذا بطل الرهن بطل البيع لأن البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير ثمن المبيع، والرهن يقتضي إيفاء الثمن من ثمن المبيع وذلك متناقض وأيضا فإن الرهن يقتضي أن يكون أمانة في يد البايع، والبيع يقتضي أن يكون المبيع مضمونا عليه وذلك متناقض. وأما إذا شرط البايع أن يسلم المبيع إلى المشتري ثم يرده إلى يده رهنا بالثمن فإن الرهن والبيع فاسدان مثل الأول. وإذا كان لرجل على غيره ألف درهم إلى أجل معلوم فرهن من عليه الألف رهنا ليزيده في الأجل لم يصح ذلك ويكون الرهن باطلا والحق إلى أجله كما كان، ولا يثبت الزيادة في أجله لأنه لا دليل على ذلك. وإذا باع من غيره شيئا بثمن مؤجل وشرط أن يرهن بالثمن رهنا يكون على يد عدل سمياه فأقر البايع والمشتري أن المشتري قد رهن بالثمن وسلم الرهن إلى العدل وقبضه ثم رجع إلى يد المشتري والرهن في يده فأنكر العدل ذلك وقال: ما قبضه لزم الراهن لأنه حق للمتعاقدين دون العدل فإذا أقر ألزمهما بإقرارهما على أنفسهما فإذا ثبت ذلك فإن كان الرهن باقيا في يد المشتري واتفقا على إقراره في يده جاز، وإن اتفقا على أن يكون في يد البايع جاز، وأن اتفقا على أن يرد إلى العدل جاز، وإن اتفقا على أن يكون في يد عدل آخر جاز، وإن اختلفا فيمن يكون على يده عمل الحاكم في ذلك بما يراه صلاحا ووضعه حيث يراه. وإن كان الرهن تالفا وادعيا على أن العدل قبضه وأتلفه كان القول قوله مع يمينه إنه ما أتلفه. وأي المتراهنين مات قام وارثه مقامه في حق الراهن فإن كان الميت هو المرتهن

[ 236 ]

ورث وارثه حق الوثيقة لأن ذلك مما يورث إلا أن للراهن أن يمتنع من كونه في يده لأنه قد رضي بأمانة المرتهن ولم يرض بأمانة وارثه فله مطالبته بنقله إلى يد عدل. وإن كان الميت هو الراهن قام وارثه مقامه في الرهن فيكون مستحقا عليه كما كان مستحقا على الراهن إلا أن الدين الذي كان مؤجلا في حق الراهن يصير حالا في حق وارثه لأن الأجل لا يورث وسقط بموت من عليه الدين، وجملته أن وارث المرتهن يقوم مقام المرتهن إلا في القبض ووارث الراهن يقوم مقام الراهن إلا في حال الأجل في الدين. وإذا اختلف الراهن والمرتهن فقال المرتهن: رهنتني عبدين، وقال الراهن: رهنتك أحدهما كان القول قول الراهن مع يمينه لأن الأصل أنه لم يرهنه العبد الثاني. وإن اتفقا الرهن واختلفا في مقدار الحق الذي رهنا به كان القول قول الراهن مع يمينه لأن الأصل أنه لم يرهن فيما زاد على ما أقر به. إذا كان له على رجلين ألف درهم على كل واحد منهما خمسمائة وكان لهما عبد مشترك بينهما فادعى من له الدين أنهما رهناه العبد الذي بينهما بالألف الذي [ كان ] عليهما فإن أنكراه كان القول قولهما مع يمينهما لأن الأصل أنهما لم يرهناه وعليه البينة، وإن صدقاه صار رهنا ويكون نصيب كل واحد منهما رهنا بما صار عليه من الدين، وإذا قضاه انفك من الرهن وإن كان دين صاحبه باقيا، وإن كذبه أحدهما وصدقه الآخر كان القول قول المكذب مع يمينه، ويكون نصيب المصدق رهنا بما عليه من الدين فإن شهد المصدق على المكذب قبلت شهادته لأنه يشهد على شريكه بأنه رهن نصيبه فإذا شهد عليه وقبلت شهادته كان لصاحب الدين أن يحلف مع شاهده (1) ويقضى له به، وإذا كانت المسألة بحالها فأنكراه فشهد كل واحد منهما على صاحبه بأنه رهنه حصته وأقبضه قبلت شهادتهما وحلف

(1) في بعض النسخ (شهادته)

[ 237 ]

لكل واحد منهما يمينا، وقضي له برهن جميعه. وإذا كان له على غيره ألفا درهم ألف برهن وألف بغير رهن فقضاه ألفا ثم اختلفا فقال القاضي: هو الألف الذي هو برهن وطالب برد الرهن، وقال القابض: هو الذي بغير رهن والذي بالرهن باق والرهن لازم فالقول قول القاضي للألف مع يمينه لأنهما لو اختلفا في أصل القضاء كان القول قوله مع يمينه. وإذا اتفقا على أنه قضاه ألفا ولم يلفظ بشئ ولم يدع بينة، وقال القاضي: لم ألق شيئا فله أن يصرف إلى أيهما شاء، وفي الناس من قال: ينقسم عليهما وهكذا إذا أبرأه من ألف ثم اختلفا في لفظه [ أ ] وفي نيته أو اتفقا على أنه أطلقه كان بمنزلة قضائه. وإذا كان له على غيره دين فرهنه داره بالدين وحصلت في يد المرتهن ثم اختلفا فقال الراهن: ما سلمتها إليك رهن وأنما أكريتكها أو غصبتها مني أو اكتراها مني رجل فأنزلك فيها كان القول قول الراهن مع يمينه لأن الأصل عدم الإذن والرضى بتسليمها رهنا. منفعة الرهن للراهن، وذلك مثل سكنى الدار وخدمة العبد وركوب الدابة وزراعة الأرض، وكذلك نماء الرهن المنفصل عنه للراهن ولا يدخل في الرهن، وذلك مثل الثمرة والولد والصوف واللبن لما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: الرهن محلوب ومركوب (1) ولا خلاف أنه لا يكون ذلك للمرتهن ثبت أنه للراهن. وأما الانتفاع باللبس ووطئ الجارية فلا خلاف أنه لا يجوز للراهن فإذا ثبت هذا فإن النماء المنفصل من الثمرة كالولد والصوف واللبن يدفع إلى الراهن ويتصرف فيه كيف شاء هذا ما كان حادثا في يد المرتهن، وكذلك إذا كان موجودا حال الرهن ولم يسمه لم يدخل في الرهن. وأما النماء المتصل فإنه يدخل في الرهن لأنه لا يتميز من الرهن وذلك مثل

(1) نقلها في المستدرك ج 2 ص 495 باب 12 عن البحار عن كتاب الإمامة والتبصرة لعلي بن بابويه

[ 238 ]

السمن وما جرى مجراه. وأما المنفعة فإن الرهن إن كان دارا كان للراهن استيفاء السكنى بغيره بأن يعيرها أو يكريها ليس له أن يسكنها، وقيل: إن له أن يسكنها والأول أصح، والأقوى أن نقول: ليس له أن يكريها غيره مدة الرهن ولا أكثر منه ولا أقل فإن يسكنها غيره غير أنه إن فعل كانت الأجرة له ولا يدخل في الرهن فإذا تقرر هذا فإن آجرها قدر مدة تزيد على محل الدين لم يصح الإجارة لأن تصحيحها يؤخر حق المرتهن أو نقص قيمة الرهن. وإن كان الرهن أمة كان الحكم فيها كالحكم في العبد والبهيمة إلا أن الأمة لا يجوز لسيدها استخدامها لأنه لا يؤمن أن يطأها فيحبلها ولا يجوز وضعها إلا عند امرأة ثقة أو رجل عدل له أهل أو رجل هو محرم لها مثل أخيها أو عمها وإن شرطا أن يضعاها على يد غير هؤلاء كان الشرط فاسدا والرهن صحيحا، وهل يجوز له أن يطأها؟ ينظر فيها فإن كانت ممن تحبل لم يجز له وطئها وإن كانت صغيرة لا يحبل مثلها أو يائسة فلا يجوز أيضا، وقيل: إنه يجوز، والأول أحوط. إذا زوج الراهن عبده المرهون كان تزويجه صحيحا، وكذلك الجارية لقوله عز وجل " والصالحين من عبادكم وإمائكم " غير أنه لا يمكن تسليم الجارية إلى الزوج إلا بعد أن يفكها من الرهن. يجب على الراهن النفقة على الرهن فيما يحتاج إلى النفقة حيوانا كان أو غيره وإذا مات عبده المرهون وجب على الراهن مؤونة قبره لأنه في نفقته. يكره رهن الأمة إلا أن يوضع على يد امرأة ثقة وكل زيادة لا يتميز منها فهو رهن معها مثل أن تكون الجارية صغيرة فتكبر أو ثمرة فتدرك. إذا رهن ماشية فإن الرهن إذا أراد الضراب للنتاج كان له سواء كان المرهون فحلا أو أنثى فإن كان المرهون فحلا فإن أراد أن ينزيه على ماشيته وأراد أن يعيره غيره كذلك لم يكن للمرتهن منعه من ذلك لأنه مصلحة للراهن ولا ضرر على المرتهن وإن كان الماشية المرهونة أنثى وأراد أن ينزى عليها فحولة ليست مرهونة نظر فإن كان

[ 239 ]

محل الدين بعيدا يتأخر عن الولادة كان للراهن ذلك، فإن كان محل الدين يتقدم على الولادة قيل: فيه قولان، وللراهن رعي الماشية بالنهار، وتأوي بالليل إلى المرتهن. وإذا أراد الراهن أن ينتجع بها نظر فإن كانت الأرض مخصبة فيها ما يكفي الماشية لم يكن للراهن حملها إلا برضى المرتهن، وإن أجدبت الأرض ولم يكن فيها ما يتماسك به الماشية ويكتفي برعيه كان للراهن أن ينتجع، ولم يكن للمرتهن منعه منه لكن يوضع على يدي عدل تأوى إليه بالليل ويكون في حفظه ومراعاته، وإن لم ينتجع الراهن وانتجع المرتهن كان له أن ينتجع بها ولم يكن للراهن منعه منها لأن في ذلك صلاح الرهن، وإن أراد جميعا النجعة إلى جهتين مختلفتين سلم إلى الراهن لأن حقه أقوى من حق المرتهن فإنه مالك للرقبة ويجعل الماشية على يدي عدل على ما مضى. وإن رهن عبدا صغيرا أو أمة صغيرة لم يمنع أن يعذرهما يعني يختنهما لأن ذلك من وكيد السنة، وفي أصحابنا من قال: هو واجب. وإذا مرض واحتاج إلى شرب دواء فإنه ينظر فيه فإن امتنع منه الراهن لم يجبر عليه لأنه قد يبرأ بغير دواء ولا علاج ولا دليل على إجباره، وإن أراد المرتهن أن يفعل ذلك لم يكن للراهن منعه إذا لم يكن من الأدوية المخوفة التي فيها السموم ويخاف عاقبتها وإن أراد المرتهن أن يفعل ذلك ومنعه الراهن منه نظر فإن أراد أن يفعله بشرط الرجوع عليه لم يكن له لأنه إذا لم يجبر عليه لم يكن للمرتهن إجباره على ذلك، وإن أراد أن يفعله من غير شرط الرجوع فله أن يفعل ذلك إلا أن يكون فيه ضرر. وأما فتح العروق فإنه لا يمنع منه لا الراهن ولا المرتهن إذا حكم الثقات من أهل الصنعة أنه لا يخاف عليه منه فإنه إن لم يفصد خيف عليه التلف أو علة مخوفة فأما إذا قيل: إن ذلك ينفع وربما ضر وخيف منه التلف فللمرتهن منعه، وإن كان به سلعة أو إصبع زايدة لم يكن للراهن قطعها لأن تركها لا يضر وقطعها يخاف منه

[ 240 ]

وإن كانت قطعة من لحمة ميتة يخاف من تركها ولا يخاف من قطعها قطعت، وليس لأحدهما منعه. وإن عرض للدواب ما يحتاج إلى علاج البياطرة من توديح وتبزيغ وتعريب وأشار بذلك البياطرة فعل ولم يكن لأحدهما منعه. والتعريب أن يشرط أشاعر الدابة شرطا خفيفا لا يضر بالعصب بعلاج [ يعالج خ ل ] والأشاعر فوق الحافر يقال: عرب فرسه إذا فعل ذلك به. وإذا رهن نخلا فاطلعت فأراد الراهن تأبيرها لم يكن للمرتهن منعه لأن في ذلك مصلحة لما له، ولا مضرة على المرتهن، وما يحصل من النخل من الليف والكرب والسعف اليابس والعرجون فهو للراهن لا يتعلق به حق المرتهن لأن الرهن لم يتناوله. وإذا رهن رجلان عبدا عند رجل بمائة درهم له عليهما صح الرهن لأن الرهن المشترك جايز لأنه تابع للملك فإذا رهناه وسلماه إلى المرتهن كان ذلك بمنزلة عقدين فإذا انفك أحدهما نصيبه انفك الرهن في نصيبه، وليس له أن يطالب المرتهن بالقسمة بل المطالبة بالقسمة إلى الشريك المالك، فإن قاسمه المرتهن بإذن الراهن الآخر صحت قسمته، وإن قاسمه بغير إذنه لم يصح القسمة هذا إذا كان مما لا يمكن القسمة فيه إلا برضاء الشريك مثل الدور والعقار والأرضين والحيوان فأما إذا كان مما يمكن قسمته وإن لم يحضر من المكيل والموزون فإنه يجوز للمرتهن أن يقاسمه ويسلم إليه نصيبه وليس للشريك الراهن الاعتراض عليه فإنه لا تفاوت في ذلك ولا اعتبار للرضى فيه، والأحوط أن نقول: لا يجوز قسمته إلا برضاه في كل شئ، وإذا كان الراهن واحدا والمرتهن اثنين صح الرهن وكان بمنزلة العقدين، وكان نصف العبد رهنا عند أحدهما بحصة من الدين والنصف الآخر رهنا عند الآخر بحصته من الدين. وإذا قضى أحدهما عليه أو أبرأه هو منه خرج نصفه من الرهن وكان له مطالبة بالقسمة إذا كان الرهن مما ينقسم وكانت المقاسمة ههنا بين المالك والمرتهن، ولا يجوز أن يأذن رجل لرجل في أن يرهن عبده إلا بشئ معلوم وإلى أجل معلوم ولو رهن

[ 241 ]

عند رجلين وأقر لكل واحد منهما بقبضه كله بالرهن، وادعى كل واحد منهما أن رهنه وقبضه كان قبل صاحبه، وليس الرهن في يد واحد منهما فصدق الراهن أحدهما فالقول قول الراهن ولا يمين عليه إذا لم يكن مع أحدهما بينة وإن كان مع أحدهما البينة حكم له بها فإن كان معهما بينتان متساويتان استعمل القرعة بينهم، وإن أقر لأحدهما بالسبق فلا يخلو من أن يكون الرهن في يد عدل أجنبي أو في يد المرتهن المقر له أو في يد الآخر أو في أيديهما جميعا فإن كان في يد العدل فإنه يسلم إلى المقر له لأنه انفرد بمزية الاقرار فوجب تقديم دعواه على دعوى صاحبه ولا يحلف، وقيل: إنه يحلف الآخر فإن نكل عن اليمين كان عليه قيمة الرهن للآخر وردت اليمين على المدعي وحلف وإن كان الرهن في يد المقر له كان أولى به من الآخر لمزية الاقرار، وإن كان في يد الآخر كان المقر له [ به ] أولى للاقرار، وقيل: إن صاحب اليد أولى، والأول أصح، وإن كان في أيديهما معا فإن نصفه في يد المقر له فقد اجتمع له فيه يد وإقرار فهو أحق به وفي النصف الآخر له إقرار ولصاحبه يد، وقد ذكرنا أنه قيل فيه: قولان والاقرار مقدم على اليد. وإذا رهن أرضا وفيها بناء أو شجر لا يدخل البناء والشجر في الرهن، وقيل: إنه يدخل فيه هذا إذا لم يقل فيه: إن الأرض بحقوقها فإن قال: بحقوقها دخل البناء والشجر فيه. وإذا رهن شجرا وبين الشجر أرض فإنها لا تدخل في الرهن كما لا تدخل في البيع لأن الاسم لا يتناولها، ولا يدخل فيه قرار الأرض، وقيل في دخوله في البيع: وجهان. وإذا رهن نخلا مؤبرة لم تدخل الثمرة في الرهن إلا إذا شرط ذلك وإن كانت غير مؤبرة ثم أبرت فالظاهر أنها لا تدخل في الرهن لأن الاسم لا يتناولها، وقيل: إنها تدخل كما تدخل في البيع. وإذا رهن غنما وعليها صوف لم يدخل الصوف في الرهن وله جزه والتصرف فيه وقيل: إنه يدخل كما يدخل في البيع، والأولى أن لا يدخل لأن الاسم لم يتناوله،

[ 242 ]

وإذا رهن الأصل مع الثمرة صح رهنهما سواء كانت الثمرة مؤبرة أو غير مؤبرة بدا منها [ فيها خ ل ] الصلاح أو لم يبدء فإن كان رهنهما بدين حال صح العقد وبيعا جميعا واستوفى الثمن، وإن كان بدين إلى أجل يحل مع إدراكها أو قبل إدراكها صح أيضا فإن كان يحل بعد إدراكها ولا يبقى إليه الرطب فإن كان مما يصير تمرا صح الرهن واجبر الراهن على تجفيفه والتزام المؤونة عليه لأن ذلك يتعلق به بقاء الرهن، وإن كان مما لا يصير تمرا فقد قيل فيه: قولان: أحدهما: لا يصح الرهن كما لا يصح رهن البقول وما يسرع إليه التلف، والآخر أنه يصح الرهن وتكون الثمرة تابعة لأصولها في صحة الرهن، ومن قال: يبطل الرهن في الثمرة يقول: يبطل في الأصول إذا لم يقل بتفريق الصفقة، ومن قال: بتفريق الصفقة وهو الصحيح فإنه لا يبطل الرهن في الأصل، والحكم في ساير الحبوب والثمار كما ذكرناه في الرطب سواء لا فرق بين الجميع. وإذا رهن ثمرة يخرج بطنا بعد بطن مثل التين والباذنجان والبطيخ والقثاء وما أشبه ذلك فإن كان بحق حال جاز وإن كان بحق مؤجل يحل قبل حدوث البطن الثاني أو يحل بعد حدوثه أو معه وهو متميز عنه جاز الرهن، وإن كان لا يحل حتى يحدث الحمل الثاني ويختلط بالأول اختلاطا لا يتميز عنه فالرهن باطل إلا أن يشترطا قطعه إذا حدث البطن الثاني لأنه لا يتميز عند محل الحق عما ليس برهن ولا يجوز رهن المجهول وكذلك الزروع التي يتخلف (1) لا يجوز أن يرهن النابت إلا بشرط القطع لأنه يحصل فيه زيادة لم يدخل في الرهن فيختلط بالرهن، وإذا كان المحل يتقدم على حدوث البطن الثاني فالرهن صحيح فإن حل الدين فتوانيا في بيعها حتى حدث البطن الثاني فقد قيل: إنه يفسد الرهن لأنه صار مجهولا والصحيح أنه لا يفسد لأن الرهن وقع صحيحا ولا دليل على بطلانه، والاختلاط الذي حدث بعده يمكن فصل الحكم فيه بما يبينه وهو أن يقال: للراهن اسمح له بما اختلط

(1) في بعض النسخ (يستخلف).

[ 243 ]

به فإن سمح به كان الجميع رهنا فإذا حل الدين بيع الجميع في الدين وإن [ إذا خ ل ] لم يسمح له فلا يخلو أن يكون الرهن في يد المرتهن أو الراهن، وعلى الوجهين القول قول الراهن مع يمينه في مقدار ما كان رهنا، وقيل: القول قول المرتهن، والأول أصح. فإن امتنع رد اليمين على المرتهن وحكم له فإن أبى [ أ ] صلح بينهما، وإذا رهن ثمرة فعلى الراهن سقيها وما فيه صلاحها وجذاذها وتشميسها لقول النبي صلى الله عليه وآله: لا تغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه (1). وأما إذا أراد الراهن أو المرتهن أن يقطع شيئا من الثمرة قبل محل الحق فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون بعد إدراكها وبلوغها أوان جذاذها، وإما أن يكون قبل إدراكها. فإن كان بعد إدراكها وبلوغها وكان في قطعها مصلحة له وتركها مضرة أجبر الممتنع على القطع لأن فيه صلاحا لهما جميعا، وإن كان قبل إدراكها نظر فإن كان للتخفيف عن الأصول أو الازدحام بعضها على بعض فكان في قطع بعضها مصلحة للثمرة فإنه إذا قطع منها كان أقوى لثمرتها وأزكى لها فإذا كان كذلك قطع منها واجبر الممتنع، وإن كان لا مصلحة في قطعها فإنه يمتنع من قطعها ولم يجبر الممتنع عليه فإن اتفقا جميعا على قطعها أو قطع بعضها كان لهما لأن الحق لهما، وإذا رضيا بذلك لم يمنعا، وما يلزم القطع من المؤونة فعلى الراهن فإن لم يكن حاضرا أخذ من ماله الحاكم وأنفق عليه. فإن لم يكن له مال غيره أخذ من الثمرة بقدر الأجرة فإن قال المرتهن: أنا أنفق عليه على أني أرجع بها في مال الراهن أذن له الحاكم في ذلك، وإن قال: أنفق في ذلك على أن تكون الثمرة رهنا بها مع الدين الذي عنده جاز أيضا، ومن الناس من منع منه، وهو الأحوط. ومتى اكترى المرتهن من ماله بغير إذن الحاكم فإن كان الحاكم مقدورا عليه لم يرجع على الراهن لأنه متطوع به، وإن لم يكن مقدورا عليه فإن أشهد عليه عدلين أنه يكريه ليرجع به عليه فيه قولان، وإن لم يشهد لم يكن له الرجوع ولا يجوز أن يرهن منافع الدار سنة بدين يحل إلى سنة ولا بدين حال فأما الدين المؤجل

(1) انظر المستدرك ج 2 ص 495 باب 10 الرقم 3.

[ 244 ]

فلأنه لا ينتفع به في محل الدين فإن المنافع تتلف بمضي الزمان. والدين الحال لا يجوز أيضا لأن المقصود الوثيقة، ولا يحصل الوثيقة بها لأنها تتلف بمضي الزمان. وإن رهن أرضا إلى مدة على أنه إن لم يقضه فيها فهي مبيعة بعد المدة بالدين الذي له عليه فإن البيع فاسد لأنه بيع متعلق بوقت مستقبل، وهذا لا يجوز والرهن فاسد لأنه رهن إلى مدة ثم جعله بيعا والرهن إذا كان موقتا لم يصح وكان فاسدا، ويكون غير مضمون عليه إلى وقت البيع لأنه رهن فاسد والفاسد كالصحيح في سقوط الضمان. وأما من وقت البيع فإنه مضمون لأنه في يده بيع فاسد والبيع الفاسد والصحيح يكون مضمونا عليه، وإن كان الرهن أرضا فغرس المرتهن فيها غرسا نظر فإن غرس في مدة الرهن أمر بقلعه لأنه غير مأذون له فيه وإن غرس في مدة البيع فإن غرسه بإذن الراهن لأنه ملكه بعد انقضاء الأجل فأذن له في التصرف فهو مأذون له فيه وإن كان البيع فاسدا. فعلى هذا إن أراد المرتهن قلعه ونقله كان له لأنه عين ماله، وإن امتنع من قلعه كان الراهن بالخيار بين أن يقره في أرضه فيكون الأرض للراهن والغراس للمرتهن، وبين أن يعطيه ثمن الغراس فيكون الجميع للراهن، وبين أن يطالبه بقلعه على أن يضمن له ما نقص من الغراس بالقلع، وكذلك البناء مثل الغراس لا فرق بينهما. والشرط المقترن بعقد الرهن على ضربين: شرط موافق لمقتضى العقد، وشرط مخالف لمقتضاه فالأول أو يشرط أن يسلم الرهن إليه أو يبيعه عند محل الدين أو يكون منافعه للراهن فإن هذا كله جايز لأنه شرط يقتضيه مطلق الرهن وذكره تأكيد، وإن كان الشرط مخالف لمقتضاه مثل أن يشرط ألا يسلم الرهن إليه أو لا يبيعه في محله أو يبيعه بعده بشهر أو لا يبيعه إلا بما يرضاه الراهن أو بما يرضاه أجل آخر ويكون نماؤه رهنا معه، وما أشبه ذلك فهذه كلها شروط فاسدة لأنها مخالفة لمقتضى عقد الرهن، وما كان كذلك فهو مخالف للشرع وكان فاسدا فهل يفسد الرهن أم لا نظر فيه.

[ 245 ]

فكل شرط ينقص من حق [ المشتري ] المرتهن فإنه يفسد الرهن وما يزيد في حقه قيل فيه: وجهان أحدهما: يفسد لأنه شرط فاسد، والآخر لا يفسد الرهن ويكون تاما ويقوى في نفسي أن في الأحوال كلها يفسد الشرط ويصح الرهن، وإنما قلنا ذلك لأنه لا دليل على فساد الرهن لفساد شرطه، وإذا قلنا: لا يبطل الرهن فإنه لا يبطل البيع الذي اقترن به الرهن بلا شك، ومن قال: يبطل الرهن فله في بطلان البيع قولان. إذا كان لرجل على غيره ألف درهم قرضا فقال من عليه الألف للذي له الألف أقرضني ألفا آخر على أن أرهنك به وبالألف الذي لك عندي بلا رهن هذه الدار فأقرضه كان جايزا لأنه لا مانع منه. إذا كانت المسألة بحالها إلا أن من عليه الألف قال للذي له الألف: بعني عبدك هذا بألف على أن أرهنك داري هذه بهذه الألف وبالألف الذي لك على داري هذه فباعه صح البيع. إذا أقرضه ألف درهم على أن يرهنه بألف داره وتكون منفعة الدار للمرتهن لم يصح القرض لأنه قرضا يجر منفعة ولا يصح الرهن لأنه تابع له، ولا خلاف فيه أيضا. وإذا شرط المرتهن لنفسه شرطا فلا يخلو من أن يشترط نماء الرهن ومنفعته لنفسه أو يشترط أن يكون نماؤه داخلا في الرهن. فإن شرط لنفسه فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك في دين مستقر في ذمته أو في دين مستأنف فإن كان في دين مستقر في ذمته فرهنه به رهنا وشرط له نمائه فإن الشرط باطل والرهن لا يبطل على ما بيناه، وقيل: إنه يبطل، وإن كان في دين مستأنف فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون في قرض أو في بيع. فإن كان في قرض مثل أن يقول: أقرضتك هذه الألف على أن ترهن دارك به ويكون منفعتها لي أو دابتك ويكون نتاجها لي فهذا قرض جر منفعة لا يجوز ويكون القرض باطلا والرهن صحيحا، وإن كان في بيع فلا يخلو أن يكون المنافع معلومة أو مجهولة فإن كانت معلومة مثل أن يقول: بعتك هذا

[ 246 ]

العبد بألف على أن ترهن دارك به ويكون منفعتها لي سنة فهذا بيع وإجارة فيصحان لأنه لا دليل على بطلانهما، وقيل: إنهما يبطلان فإذا قلنا بصحتهما فيكون منافع الدار للمرتهن سنة فيصير كأنه اشترى عبدا بألف ومنافع الدار سنة. وإن كانت المنافع مجهولة لم يصح البيع لأن المبيع [ الثمن خ ل ] مجهول، وإذا بطل البيع بطل الرهن لأنه فرعه هذا إذا شرط منفعة الرهن للمرتهن. فأما إذا شرط أن يدخل نماء الرهن في الرهن فإن كان ذلك [ في دين ] مستقر في ذمته بطل الشرط ولم يدخل في الرهن، وفي الناس من أجازه لأنه تابع لأصله، وإذا فسد الشرط فلا يبطل الرهن على ما مضى وقيل: إنه يبطل. إذا رهن نخلا على أن ما أثمرت يكون رهنا مع النخل أو رهن ماشيته على أن ما نتجت يكون النتاج داخلا في الرهن فالشرط باطل، وقيل: إنه يصح ويدخل في الرهن وهو الأقوى، ومن قال: يبطل الشرط له في فساد الرهن قولان، وإذا قلنا: الشرط باطل فالرهن لا يبطل لأنه لا دليل عليه، وإذا لم يبطل الرهن لا يبطل البيع فإن كان البيع صحيحا ثبت له الخيار لأنه لا يسلم له ما شرط له من الرهن. إذا قال: رهنتك هذا الحق بما فيه لم يصح الرهن فيما فيه للجهل به ويصح في الحق كما نقول في تفريق الصفقة، وإن قال: رهنتك الحق دون ما فيه صح بلا خلاف. وإذا قال: رهنتك هذا الحق صح الرهن فيه أيضا فيكون ثلاث مسائل تصح اثنتان وتبطل واحدة على الخلاف. والقول في الخريطة والجراب مثل القول في الحق سواء. الرهن أمانة وليس بمضمون عليه فإذا شرط أن يكون مضمونا على المرتهن لم يصح الشرط ويكون فاسدا ويصح الرهن ولا يفسد. ومتى تلف الرهن كان للمرتهن أن يرجع على الراهن بدينه سواء كان دينه أكثر من قيمة الرهن أو أقل منه لأنه أمانة، وعليه إجماع الفرقة وسواء كان هلاكه

[ 247 ]

بأمر ظاهر مثل الغرق والحرق والنهب أو أمر خفى مثل التلصص والسرقة والخفية أو الضياع فإن اتهم المرتهن كان القول قوله مع يمينه إذا عدمت البينة على بطلان قوله، ومتى فرط في حفظه أو استعمله كان ضامنا. وإذا قضى الراهن دين المرتهن ثم طالبه برد الرهن عليه فأخره ثم تلف فإن كان تأخيره لغير عذر كان عليه الضمان، وإن كان تأخيره لعذر بأن لا يتمكن من إعطائه في الحال لأجل الموانع من دار (1) معلق أو طريق مخوف أو تضيق وقت صلوة فريضة أو من جوع شديد يخاف على نفسه فإذا أخره لهذه الأعذار وما أشبهها ثم تلف فلا ضمان عليه. وإذا ادعى أنه رده على الراهن لم يقبل قوله إلا ببينة، وكذلك المستأجر إذا ادعى رد العين المستأجرة على صاحبها لم يقبل قوله إلا ببينة، ويخالف الوديعة لأن المودع متى ادعى أنه رد الوديعة على صاحبها يقبل قوله مع يمينه لأنه أخذها لمنفعة المودع، والوكيل إذا ادعى رده على الموكل فإن لم يكن له فيه جعل فهو بمنزلة المودع وإن كان له جعل أو كان العامل في القراض إذا ادعى ذلك الرد، وكذلك الأجير المشترك لا يقبل قوله إلا ببينة. إذا كاتب عبده على مال على نجمين وأخذ به رهنا صح الرهن لقوله تعالى " فرهان مقبوضة " (2) ولم يفصل. إذا أسلم إلى رجل في طعام وأخذ بالطعام الذي في ذمة المسلم إليه رهنا صح فإن تقايلا وفسخا عقد السلم سقط الطعام عنه، وبرئت ذمته منه، وانفك الرهن لأنه تابع للدين. فإذا سقط بطل الرهن. إذا كان الطعام قرضا في ذمته أو كان في ذمته ألف درهم قرضا وفي يده رهن به فابتاع بما في ذمته جنسا غيره وعينه صح وسقط ما في ذمته وانفك الرهن، وإن تلف في يده قبل التسليم إليه عاد القرض إلى ذمته وعاد الرهن كما كان، وكذلك إذا قبضه

(1) في بعض النسخ (درب).
(2) البقرة 283.

[ 248 ]

ثم تقايلا عاد القرض إلى ذمته كما كان وعاد الرهن كما يقول في العصير المرهون إذا صار خمرا ثم صار خلا: إن ملك صاحبه يعود فيعود حق الوثيقة للمرتهن. إذا باع العدل الرهن بإذن المرتهن والراهن وسلم ثمنه إلى المرتهن و [ ثم خ ل ] وجد المشتري بالرهن عيبا فأراد رده لم يكن له رده على المرتهن ولم يكن له مطالبته بالثمن الذي قبضه لأن المرتهن ملكه بتصرف حادث بعد البيع كما أن من باع ثوبا بعبد وقبض العبد وباعه ثم وجد المشتري بالثوب عيبا كان له رده على البايع ولم يكن له مطالبة المشتري بالعبد الذي ملكه بالشراء من البايع. وكذلك إذا رهنه أو أعتقه فإذا ثبت ذلك نظر في العدل فإن كان قد بين في حال البيع أن المبيع للراهن وأنه فيه وكيل لم يتعلق به من أحكامه شئ ولم يكن للمشتري رده عليه ومطالبته بالثمن وكانت الخصومة بينه وبين الموكل في البيع وهو الراهن، وينظر فيه فإن صدقه على أن العيب كان في يده رده عليه ولزمه مثل الثمن الذي قبضه منه وكيله وإن لم يبين العدل حين باعه أنه وكيله تعلق حكم العقد به في حق المشتري فإن أقر هو والراهن بأن العيب كان قبل قبض المشتري رده على العدل ورجع عليه بالثمن ورجع العدل على الراهن وإن لم يقر بذلك وكان للمشتري بينة فهو كذلك. وإن لم يكن له بينة كان القول قول العدل مع يمينه فإن نكل عن اليمين ردت على المشتري فإن حلف رد المبيع على العدل واسترجع منه مثل الثمن الذي دفعه ولا يرجع العدل هاهنا على الراهن لأنه مقر بأن العيب حادث في يد المشتري وأنه لا يستحق الرد، وإنه ظالم بما يرجع إليه من الثمن فلم يجز أن يرجع بالظلم إلا على الظالم. وأما إذا استحق الرهن من يد المشتري وجب على المشتري رده على مستحقه وكان له الرجوع على المرتهن بما قبضه من الثمن لأن ذلك عين ماله لم يملكه الراهن ولا المرتهن لأن البيع وقع فاسدا في الأصل، وإن كان الرهن قد تلف في يد المشتري كان المستحق أن يرجع بقيمته على من شاء من المشتري أو الراهن أو العدل.

[ 249 ]

أما المشتري فلأنه قبض ماله بغير إذنه، وكذلك العدل. وأما الراهن فلأنه غاصب ويستقر الضمان على المشتري لأنه تلف في يده ويرجع هو بما دفع من الثمن على المرتهن إن كان باقيا في يده وإن شاء رجع على العدل، وإن كان قد مات وخلف تركة ووارثا وعليه دين يستغرق جميع التركة فرهن الوارث بعض التركة أو باعه قيل فيه: وجهان. أحدهما: لا يصح تصرفه لتعلق الضمان بالتركة. والثاني: يصح لأن تعلق الدين بالتركة من غير عقد وتعلق الدين بالرهن بعقد فكان الرهن آكد.

[ 250 ]

(كتاب المفلس) (1) المفلس في اللغة هو الفقير المعسر وهو مشتق من الفلوس فكان معناه فني [ نفى خ ل ] خيار ماله وجيده وبقي معه الفلوس، والمفلس في الشريعة هو الذي ركبته الديون وماله لا يفي بقضائها فهذا يسمى في الشريعة مفلسا فإذا جاء غرماؤه إلى الحاكم وسألوه الحجر عليه لئلا ينفق بقية ماله فإنه يجب على الحاكم أن يحجر عليه إذا ثبت عنده دينهم، وأنه حال غير مؤجل، وأن صاحبهم مفلس لا يفي ماله بقضاء دينهم فإذا ثبت جميع ذلك عند الحاكم فلسه وحجر عليه فإذا فعل ذلك تعلق بحجرة ثلاثة أحكام. أحدها: أن يتعلق ديونهم بعين المال الذي في يده. والثاني أنه يمنع من التصرف في ماله ولو تصرف فيه لم يصح. والثالث: أن كل من وجد من غرمائه عين ماله عنده كان أحق به من غيره، وإن مات هذا المديون قبل أن يحجر الحاكم عليه فهو بمنزلة ما لو حجر عليه في حال الحياة ويتعلق بماله الأحكام الثلاثة التي ذكرناها، وقد روي أنه يكون مع الغرماء بالسوية، وقد بينا الوجه في ذلك في الكتاب الكبير، وهو أنه إذا خلف وفاء لدين الغرماء كان صاحب العين أحق بماله، وإن لم يخلف إلا ذلك الشئ بعينه كان أسوة للغرماء، وهكذا الحكم بعد الموت وهذا هو الأحوط، وإذا كان أحق بعين ماله فهو بالخيار إن شاء أخذ عين ماله وإن شاء تركه وضرب مع ساير الغرماء بدينه وهل (2) الخيار يكون على الفور دون التراخي، وقد قيل: إنه يكون على التراخي والأول أحوط. وإذا باع سهما له في أرض أو دار فلم يعلم شريكه بالبيع حتى فلس المشتري فلما جاء البايع يطالب بالثمن جاء الشفيع يطالب بالشفعة فإنه يؤخذ الثمن من الشفيع ويأخذ الشقص بالشفعة، ويكون هو وباقي الغرماء أسوة في الثمن. * (في بعض النسخ (التفليس) كما في الخلاف والتذكرة.
(2) في النسخ المخطوطة (هذا).

[ 251 ]

وقيل فيه: وجهان آخران، وهو أن البايع أحق بعين ماله من الشفيع، وقيل: إن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن ويؤخذ منه الثمن فيخص به البايع، ولا حق للغرماء فيه، وعلى ما فصلناه نحن في المفلس إن كان له وفاء لباقي الغرماء كان أولى بالثمن لا بالشقص لأن الشقص قد بيع ونفذ البيع وأخذه الشفيع بالشفعة، وإن يخلف غيره كان أسوة للغرماء في الثمن إلا في العين في الموضع الذي نقول إنه أحق بعين ماله فإذا اختار فقال له الغرماء: نحن نوفر عليك ثمنها بكماله ويسقط حقك من العين لم يجب عليه قبوله، وله أخذ العين، ويكون فايدتهم أن العين تساوي أكثر من دينه الذي هو (2) ثمنها يوفروا عليه الثمن ليتوفروا بقيمتها (2) في ديونهم. وإذا عسر زوج المرأة بنفقتها كان لها المطالبة بفسخ النكاح فإن بذل لها أجنبي النفقة لم يجبر على قبولها وكان لها الامتناع منه. وكذلك إذا كان لرجل على غيره دين فإنه لا يجبر صاحب [ هذا ] الدين على قبضه من غير من عليه. وإذا أكرى [ ال‍ ] انسان أرضا له فأفلس المستأجر بالأجرة كان لصاحب الأرض فسخ الإجارة فإن بذل له الغرماء الأجرة لم يلزمه امضاؤها ثم ينظر في الأرض فإن لم يكن فيها زرع استرجعها (3) وإن كان فيها زرع وكان قد كمل واستحصد أجبر باقي الغرماء على حصده واسترجاع الأرض، وإن كان فيها زرع لم يبلغ ولم يستحصد فإن وفروا عليه الكراء وجب عليه قبوله لأنه إذا قبضه استقر ملكه عليه ظاهرا وباطنا [ و ] قد بينا أن البايع أحق بعين ماله إذا كان هناك وفاء للغرماء في بقية ماله فإذا ثبت ذلك فالمال لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يجده البايع على حاله أو ناقصا أو زايدا فإن وجده بحاله كان أحق به على ما بيناه وإن وجده ناقصا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون نقصانا يمكن إفراده بالبيع أو لا يمكن فإن كان يمكن إفراده

(1) في بعض النسخ (من).
(2) في بعض النسخ (له فيقوم بقيمتها).
(3) في بعض النسخ (استرجع).

[ 252 ]

بالبيع مثل أن يكون باعه ثوبا فوجد بعضه أو باعه عينين فوجد إحداهما مثل أن يكون عبدين أو ثوبين أو دابتين فإن البايع بالخيار إن شاء ترك ما وجده من عين ماله و ضرب بالثمن من الغرماء وإن شاء أخذ قدر ما وجد بحصته من الثمن وضرب مع الغرماء بما يخص التالف من الثمن لأن الثمن يتقسط عليهما على قدر قيمتهما هذا إذا وجدها ناقصة نقصا يمكن إفراده بالبيع فأما إن كان نقصا لا يمكن إفراده بالبيع مثل أن باعه عبدا فتلف بعض أطرافه فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون نقصا أوجب أرشا أو لا يوجب أرشا فإن كان لا يوجب أرشا مثل أن يعمى عيناه أو إحداهما من غير جناية أو يقع الآكلة في بعض أطرافه أو يكون المشتري جنى عليه جناية فإن جنايته لا توجب الأرش لأنه ملكه فإذا كان هكذا فالبايع بالخيار إن شاء ضرب بدينه مع الغرماء وإن شاء أخذ العين ناقصة من غير أن يضرب مع الغرماء بما نقص منها لأن الأطراف لا يقابلها الثمن ولا جزءا منه. وإن كان المبيع ناقصا نقصا يوجب الأرش مثل أن يكون عبدا فجنى عليه أجنبي جناية توجب أرشا فإن الأرش الذي يؤخذ يكون للمشتري لأنه بدل جزء تلف فالبايع بالخيار بين أن يتركه ويضرب مع الغرماء بدينه، وبين أن يأخذه ويضرب بقسط ما نقص بالجناية من الثمن مع الغرماء. وأما إذا وجد المال زائدا فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يجده زايدا زيادة منفصلة أو زيادة متصلة فإن كانت زيادة منفصلة مثل أن يبيعه نخيلا فيثمر في يده أو حيوانا فينتج في يده فإنه بالخيار [ فله الخيار خ ل ] إن شاء ضرب مع الغرماء بالثمرة وإن شاء رجع بالعين دون النماء وإن كانت الزيادة متصلة مثل أن يبيعه حيوانا فيكبر أو يسمن أو يتعلم صنعة فللبايع أن يرجع في العين ويتبعها النماء لأن هذا النماء يتبع الأصل فإذا فسخ العقد في العين تبعته هذه الزيادة. إذا باع نخلا وشرط المبتاع ثمرتها ثم اجتاحت الثمرة بعد ما قبض النخل أو أكلها ثم أفلس بالثمن فوجد البايع النخيل جردا لا ثمرة عليها فإنه بالخيار إن شاء ضرب بدينه مع الغرماء وترك النخيل يباع في دينه [ ديونه خ ل ] وإن شاء أخذ النخيل و

[ 253 ]

ضرب مع الغرماء بقسط ما يخص الثمرة من الثمن. وطريق معرفة ذلك أن يقال: كم يتساوى هذه النخل مع ثمرتها فإذا قيل: مائة درهم قيل: وكم تساوي جردا بلا ثمره فإذا قيل: تسعين تبينا أن الثمرة يخصها عشر القيمة فيضرب البايع مع الغرماء بعشر الثمن وتعتبر [ ويعين ] هذا القيمة يوم قبضه لا يوم أكله ولا يوم أصابته الجائحة: وقيل: إنه يعتبر بأقل ما كان قيمته من حين العقد إلى حين القبض. وإذا باع نخلا قد اطلعت ولم تؤبر فالطلع للمشتري فإذا قبضها وأفلس بالثمن واجتاح الطلق أو أكله المفلس ووجد البايع النخيل جردا أو أراد الرجوع في النخل فإنه يقوم الطلع ويقسم الثمن على قدر قيمتها فما قابل الطلع يضرب به مع الغرماء وقيل: إنه لا يقوم الطلع لأنه تابع والأول أصح. وإذا باع نخلا قد أكملت (1) ولم يكمل الثمرة لكنه أخضر مثل أن يكون خلالا أو بلحا أو بسرا فالبيع جايز فإذا سلمها إلى المشتري فاستكملت في يده وبلغت وترطبت فيها الثمرة وجرى فيها العسل ثم أفلس المشتري بالثمن ووجد البايع الثمر في النخل قد بلغ الجذاذ أو كان المشتري جذها قبل الافلاس وصيرها تمرا ثم أفلس فإن البايع إذا اختار الرجوع بعين ماله كان له ذلك فيأخذ النخل [ النخيل خ ل ] والثمرة جميعا لأن بلوغه وترطيبه وتتميره زيادة غير متميزة حصل في ماله فكان ذلك للبايع. وإن باعه أرضا فيها بذر مودع لم يظهر بعده فالبيع صحيح ولا يدخل البذر في البيع على طريق التبع للأرض لأن البذر أعيان مودعة في الأرض لا على وجه التبقية والدوام وإنما هي مودعة للنقل فلم يتبع الأرض في البيع فإذا ثبت ذلك فإن اشترطها المبتاع فهل يصح أم لا؟ قيل فيه: وجهان، والصحيح أنه يصح الشرط ولا مانع منه. وأما إذا [ ما ] اشتد وصار سنابل وانعقد الحب واستحصد فهل يصح بيعه أم لا؟ قيل

(1) في بعض النسخ (أثمرت).

[ 254 ]

فيه: قولان والصحيح أنه يجوز لأنه لا مانع فإذا ثبت هذا وإن شرط البذر صحيح فاستكمل الزرع في يد المشتري وأفلس قبل حصاده أو حصده وداسه وذرأه ثم أفلس وأراد البايع الرجوع إلى عين ماله فله أن يرجع في الأرض وهل له الرجوع في السنابل والحب؟ قيل فيه وجهان [ و ] الصحيح أنه لا يرجع لأنه ليس بعين ماله وإنما هي أعيان ابتدء الله بخلقها من بذر (1) البايع. ومن قال بالقول الآخر قال: هذا إنما حصل في عين ماله [ ملكه خ ل ] غير متميز عنه فكان له أن يرجع فيه كما أن من غصب بذرا فبذره في أرضه ونبت وأخرج السنابل فجاء صاحب البذر يطالب به فله أن يأخذ السنابل ويكون له فلو لم يكن عين ماله لما جاز له أخذه. وإذا باع من رجل بيضا فأخذه المشتري وجعله تحت دجاج فحضنته وكمل وخرج منه فراريج ثم أفلس بالثمن قيل فيه: هذان الوجهان، والصحيح أنه ليس له الرجوع لأنه ليس بعين ماله. إذا باعه نخلا جردا لا ثمر فيها أو أرضا بيضاء لا زرع فيها ثم أفلس المشتري و وجد البايع النخل قد اطلعت وأبر الطلع [ أ ] ووجد الأرض قد زرعها المشتري وقد صار البذر بقلا فإن البايع يرجع في النخل والأرض وليس له الرجوع في الثمرة ولا في الزرع لأنه لا حق للبايع في الثمرة ولا في الزرع، وليس له أن يجبر المفلس ولا غرماؤه على أن أن يقلعوا الزرع من أصله وأن يجذوا الثمرة من نخلة لأن هذه الثمرة ظهرت على ملك المشتري فإذا زال ملكه عن الأصل بقيت الثمرة بحقوقها ومن حقوقها تبقيتها إلى أوان الجذاذ وكذلك الزرع [ و ] من حقه تبقيته إلى أوان الحصاد وليس للبايع أن يطالب المفلس بكراء تبقية الثمرة على أصولها لأن النخل لا تجوز إجارتها والأرض فلا تؤخذ الأجرة على تبقية الزرع فيها لأن الزرع نبت على ملك المفلس بحقوقه ومن حقوقه تبقيته إلى أوان الحصاد فإذا ثبت هذا فإنه ينظر فإن اتفقا الغرماء والمفلس على ترك

(1) في بعض النسخ (ملك).

[ 255 ]

الثمرة إلى أوان الجذاذ والزرع [ في الحال ] إلى أوان الحصاد جاز ذلك، وإن اتفقوا على جذ الثمرة وحصد الزرع في الحال جاز ذلك وإن اختلفوا فقال بعضهم: يبقى على أصله إلى أوانه وقال بعضهم: بل يقطعه [ يقلعه خ ل ] في الحال فالقول قول من يريد القطع في الحال لأن المفلس إن كان هو الذي يريد قطعه فإن له فيه غرضا صحيحا لأنه يبرء ذمته و يفك الحجر عن نفسه فكان له ذلك. وإن كان مريد القطع هم الغرماء كان لهم ذلك لأن غرضهم أن يستوفوا حقوقهم الحالة ومن كان له حق كان له غرض في استيفائه، وكذلك إذا كان الخلف بين الغرماء وحده كان القول قول من يريد القطع لمثل ذلك فأما إذا لم يكن النخل مؤبرا واختار عين ماله فهل يتبعها الطلع أم لا؟ قيل: فيه قولان أصحهما أنه لا يتبعه لأنه نماء في ملك المشتري المفلس وهو يجري مجرى نماء منفصل بدليل أنه يجوز إفراده بالبيع فلا يتبع الأصل في الفسخ. إذا باع أمة فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون حاملا أو حايلا فإن كانت حايلا ثم أفلس المشتري بالثمن فاختار البايع عن ماله فإن الأمة إن كانت حايلا أخذها ولا كلام وإن كانت قد حملت فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون وضعت أو لم تضع بعده فإن كان قد وضعت لم يكن للبايع حق في الولد، وإنما كان كذلك لأن الولد نماء منفصل فلم يتبع الأصل في الفسخ. وأما الأم فهل يأخذها دون ولدها فمن لم يجوز التفرقة بين الأم وولدها لدون سبع سنين لم يجوز له أن يأخذها لأنه يؤدي إلى التفرقة. فإن قال البايع: أنا أدفع إلى [ من خ ل ] المفلس ثمن الولد وأخذها مع الولد كان له ذلك واجبر المفلس على قبض ثمنه وإن امتنع البايع من دفع ثمن الولد بيعت الأم مع ولدها فما أصاب قيمة الولد دفع إلى المفلس وسلم إلى البايع ما أصاب قيمة أمة لها ولد بلا ولد هذا إذا كان باعها حايلا فوجدها قد حملت ووضعت فأما إذا وجدها حاملا لم تضع بعد فمن قال: إن الولد لا يأخذ قسطا من الثمن قال: يرجع بالأم حاملا والحمل تابع لها، ومن قال: له قسط من الثمن قال: لا يرجع في الأمة لأن حملها

[ 256 ]

يجري مجرى النماء المنفصل فلم يتبع الأصل في الفسخ هذا إذا كانت حائلا حين باعها فأما إذا كانت حاملا فإنه ينظر فإن وجدها البايع حاملا كما باعها أخذها، وإن وجدها وقد وضعت فمن قال: إن للحمل حكما قال يرجع في الأم وولدها جميعا ويكون بيعه لها حاملا كبيعه لها مع الولد، ومن قال: لا حكم له لم يرجع في الولد، وهل له أن يرجع في الأم على ما مضى القول فيه من التفريق الأم وولدها. وإذا باع نخلا من رجل فلما أفلس وجد البايع النخل قد اطلعت فلم يخترها حتى أبر الطلع فإنه لا حق له في الثمرة المؤبرة لأن العين لا تنتقل إلى ملك البايع إلا بالفلس والاختيار للعين وهذا لم يختر العين إلا بعد أن حصل التأبير فلم يتبعها في الفسخ وحكم ما كان [ يكون خ ل ] في الكمام من الثمار ما لم يظهر من كمامها بمنزلة الطلع الذي لم [ ي‍ ] تشقق وإن ظهرت من كمامها كانت بمنزلة الثمرة الظاهرة التي قد تشقق عنها الطلع وإن لم يكن في كمامها وكانت تظهر من الورد فإنه ينظر فإن كانت ظهرت من وردها وانتثر عنها فهي كالثمرة الظاهرة، وأن لم تكن بدت من وردها فهي بمنزلة الطلع الذي يتشقق. وكذلك الكرسف إذا تشقق عنه جوزه وظهر منه كان بمنزلة التأبير في الطلع وإن لم يتشقق جوزه فهو كالطلع الذي لم يتشقق. وإن كانت الثمرة نفسها وردا مثل ساير المشمومات من الورد فإنه يعتبر فيه تفتحه عن جنبذه فإن كان قد تفتح جنبذه صار بمنزلة الطلع المتشقق، وإن لم يكن تفتح جنبذه كان كالطلع. وإذا وجد النخل مطلعة وقد أفلس المشتري بالثمن فاختار عين ماله وقد أبرت وتشقق الطلع واختلفا فقال البايع: أبرت النخل بعد ما اخترت النخل فالثمرة لي و قال المفلس: لا بل أبرتها قبل أن تختار النخل فالثمرة لي لم يخل المفلس من أحد أمرين: إما أن يصدقه على ذلك أو يكذبه فإن كذبه وقال: بل الثمرة لي فإن الغرماء لا يخلون من ثلاثة أحوال: إما يصدقوا المفلس أو يصدقوا البايع أو يصدق بعضهم المفلس وبعضهم يصدق البايع: فإن صدقوا المفلس لم ينفعه تصديقهم له سواء كانوا

[ 257 ]

عدولا أو غير عدول لأن المال المتنازع فيه قد تعلق به حق الغرماء فلو قبلت شهادتهم له بذلك كان ذلك جر منفعة إلى أنفسهم ولا تقتل شهادة الجار إلى نفسه، والقول قول المفلس مع يمينه لأن الأصل أن ملكه عليه ثابت، والبايع يدعي انتقاله إلى ملكه فلم يقبل ذلك إلا بيمينه. وإذا ثبت ذلك فلا يخلو المفلس من أحد أمرين: إما أن يحلف أو ينكل فإن حلف حكم له بالثمرة وكانت أسوة للغرماء وإن نكل فهل ترد اليمين على الغرماء الذين صدقوه قيل فيه قولان: أحدهما: لا يرد وهو الصحيح لأنهم إذا حلفوا أثبتوا ملكا لغيرهم بيمينهم ولا يحلف الغير ليثبت ملك الغير. والثاني: ترد اليمين عليهم فيحلفوا أن هذا المال للمفلس لأن يمينهم يتضمن إثبات حق لهم فإن المال إذا ثبت للمفلس استوفوا منه حقوقهم فصحت يمينهم فمن قال: يحلفون قال: إن حلفوا ثبت المال للمفلس وقسم بين الغرماء على قدر حقوقهم وإن نكلوا عن اليمين أو قلنا لا ترد عليهم اليمين فإنها ترد على البايع فإن حلف حكم بالثمرة له، وإن نكل أيضا عن اليمين بطلت دعواه وبقيت الثمرة على ملك المفلس هذا إذا صدق المفلس الغرماء فأما إذا كذبوه وصدقوا البايع فإنه ينظر فإن كان فيهم عدلان مرضيان قبلت شهادتهما للبايع لأنهم غير متهمين في هذه الشهادة فيحكم له بالثمرة وإن لم يكن فيهم عدلان وكان فيهم عدل واحد سمعت [ قبلت خ ل ] شهادته وحلف البايع معه واستحق الثمرة لأن الشاهد واليمين بينة في الأموال. وإن لم يكن فيه عدل وكانوا ممن لا تصح شهادتهم صار البايع بمنزلة من لا بينة له فيكون القول قول المفلس مع يمينه فإن حلف بقيت الثمرة على ملكه، وإن نكل لم ترد اليمين على الغرماء لأنهم أقروا بالثمرة للبايع فلم يصح أيمانهم بأنها للمفلس فترد اليمين هاهنا على البايع فإن حلف استحق الثمرة وإن نكل بقيت الثمرة على ملك المفلس. إذا ثبت هذا وقلنا: إن الثمرة للمفلس إما أن يحلف ويحكم له بها وإما أن ينكل

[ 258 ]

وردت اليمين على البايع فنكل فبقيت على ملكه فإنه ليس للغرماء أن يطالبوه بقسم الثمرة بينهم لأنهم قد أقروا بأنه لا حق له فيها وإنها ملك البايع فبطل حقهم منها فينفرد المفلس بالثمرة فيتصرف فيها كيف شاء. وإن قال المفلس: أريد أن أقسمها بين الغرماء من غير مطالبة منهم بالقسمة فإنهم يجبرون على قبولها واستيفاء حقوقهم منها وفي الناس من قال: لا يجبرون على أخذها وهو الأحوط لأنهم قد أقروا أن هذا المال ظلم، وإنه لا يملكه المفلس فلا يجوز لهم أخذه ولا يجبرون على ذلك ويثبت ديونهم متعلقة بذمته، ومنن قال: يجبرون على قبول القسمة وأخذ الثمرة قال: إذا أخذوها وجب عليهم تسليمها إلى البايع لأنهم أقروا بأن هذه الثمرة له فلم يكن لهم إمساكها معهم هذا إذا كانت الثمرة من جنس ديون الغرماء فأما إذا لم يكن من جنس ديونهم فإنها تباع ويدفع ثمنها إلى المفلس ولا يحل للغرماء أن يأخذوا من ثمنها شيئا لأنهم أقروا بأن الثمرة للبايع فلم يصح بيعها ولم يملك المفلس ثمنها ولو أخذوه لم يحل للبايع مطالبتهم به لأن حقه إنما هو عين الثمرة فأما ثمنها فليس بحق له فلم يجز له أخذها هذا إذا صدقوه الغرماء أو كذبوه فأما إذا صدقه بعضهم وكذبه بعضهم فإنه ينظر فيمن صدقه من الغرماء فإن كان فيهم عدلان كان الحكم على ما بيناه وإن كان عدل واحد حلف البايع معه على ما مضى بيانه وإن لم يكن في جملة المصدقين عدل وجعلنا القول قول المفلس يحلف ويحكم له بالثمرة [ بالثمن خ ل ] فإذا أراد قسمتها بين الغرماء فهل يقسمها بين جميعهم أو يخص بها من صدقه منهم دون من كذبه؟ فالصحيح أنه يقسمها بين من لم يصدق البايع، وفي الناس من قال: إن للمفلس أن يقسم بين الجميع. فإذا قلنا: يخص به من صدقه لم يجز للبايع أن يرجع على مكذبيه بما أخذوا من الثمرة، ومن قال يقسم بين جميعهم قال للبايع: أن يرجع على من صدقه منهم فيأخذ ما أصابه (1) من الثمرة لأنه أقر بأنها له ولا يرجع على من لم يصدقه بشئ هذا إذا ادعى عليه الثمرة فكذبه.

(1) في بعض النسخ (لضامنه).

[ 259 ]

فأما إذا ادعى عليه فصدقه المفلس فإن الغرماء لا يخلون من أحد أمرين: إما أن يصدقوا المفلس أو لا يصدقوه فإن صدقوه حكم بالثمرة للبايع، وإن لم يصدقوا المفلس وقالوا: واطيت البايع على هذه الدعوى ليقتسموا الثمرة ويبطل حقنا منها. فهل يصح إقراره أم لا؟ قيل فيه: قولان وجملته ثلاث مسائل فيها قولان. إحداهما: إقرار المفلس بعين في يده لغيره. والثانية: إقرار بدين في ذمته. والثالثة: تصرفه فيما في يده. وهل يصح وينفذ أم لا في جميع ذلك؟ قيل فيه قولان: أحدهما: يصح ذلك، والثاني: لا يصح فإذا قلنا: يصح وهو الأقوى حكم بالثمرة للبايع لأن المفلس قد أقر بها له ولا يلتفت إلى تكذيب الغرماء له في ذلك، ومن قال: لا يصح إقراره كان ذلك بمنزلة نكوله فترد اليمين على الغرماء على قول من يرى رد اليمين عليهم. فإن حلفوا كانت أسوة بينهم، وإن نكلوا ردت على البايع (1) على ما مضى بيانه. إذا باع أرضا بيضاء لا غراس فيها ولا بناء ثم إن المشتري بنى فيها [ بناء ] وغرس فيها غراسا ثم أفلس بثمن الأرض وأراد الرجوع في عين ماله فإن الغرماء لا يخلون من أحد أمرين: إما أن يريدوا قلع الغراس والبناء أو لا يريدون. فإن أرادوا قلعه وقالوا: نحن نقلعه ونسلم إليك الأرض بيضاء كما بعتها منه فإن للبايع أن يرجع في عين الأرض فإذا قلعوا الغراس والبناء وجب عليهم طم ما يحصل فيها من حفر وإن نقصت الأرض بنبشها وقلع البناء والغراس منها وجب عليهم للبايع أرش النقصان لأنهم أدخلوا النقص على ملك غيرهم لاستصلاح ملكهم من غير تعد من مالكه فلزمهم أرش النقصان وإن لم يريدوا قلع ما على الأرض من البناء والغراس فليس له أن يجبرهم على ذلك لقوله عليه السلام: ليس لعرق ظالم حق فدل ذلك على أنه إذا لم يكن ظالما كان له حق وهذا ليس بعرق ظالم فإذا ثبت هذا فالبايع لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يقول لهم: أدفع إليكم قيمة البناء والغراس أو قيمة ما ينقص بالقلع إذ قلع أو يقول لهم: لا أدفع إليكم إلا

(1) في بعض النسخ (ردت اليمين عليهم).

[ 260 ]

القيمة فإن قال: أدفع إليكم قيمة البناء والغراس أو أرش نقصانه فإنهم يجبرون على أخذها وإن قال: لا أدفع إليكم قيمة البناء والغراس ولا أرش ما ينقص بالقلع فهل يسقط حقه عن عين الأرض أم لا؟ الصحيح أنه لا يسقط عن عين الأرض، وقيل: إنه يسقط ويضرب بيمينه مع الغرماء وقد بينا أن الأولى أن لا يسقط حقه منه: ومن قال بالثاني قال: لأن في ذلك ضررا لأن عين ماله قد صار مشغولا بملك غيره وتعلق به حقه فلم يكن له أن يرجع كما لو كانت له مسامير فلما أفلس المشتري وجدها البايع مسمرة في خشبة فإنه لا يكون له الرجوع بها. فمن قال: لا حق له قال: يضرب بثمنها مع الغرماء، ومن قال: لا يسقط فإنه ينظر. فإن اتفقوا على بيعها مع الغراس والبناء فلا كلام وإن امتنعوا من البيع ويتصور الامتناع من جهة إلى صاحب الأرض فهل يجبر على بيعها مع الغراس أم تباع الغراس وحده؟ قيل فيه: قولان: أحدهما: يجبر على البيع فيباع وما فيها ويقسم الثمن بينهما. والثاني: يباع الغراس والبناء ويترك الأرض في يده لا تباع وهو الأولى لأنه لا دليل على إجباره. فمن قال: يباع الجميع بيع وقيل: كم قيمة الأرض فيها غراس بلا غراس فإذا قيل: كذا دفع إليه بقدر ما يقابله من ذلك [ من ] الثمن ويسلم الباقي إلى الغرماء، ومن قال: لا يباع فإن الغراس يفرد بالبيع ويسلم ثمنها إلى الغرماء يكون أسوة بينهم على ما بيناه. وإذا باع من رجل عبدين قيمتهما سواء بثمن وأفلس المشتري بالثمن وكان قد قبض منه قبل الافلاس نصف ثمنها فهل ثبت حقه في العين أم لا؟ الصحيح أن حقه يثبت في العين، وقيل: إذا قبض بعض ثمن العين لم يكن له فيها حق إذا وجدها فمن قال: لا يثبت حقه في العين ضرب ببقية دينه مع الغرماء ولا كلام ومن قال: إن حقه يثبت في العين فإنه ينظر فإن كان العبدان جميعا موجودين فما قبضه من نصف الثمن مقبوضا عن نصفي العبدين والذي بقي ثمن النصفين الآخرين فيرجع بنصفي العبدين فيحصل له من كل عبد نصفه، وإن كان أحدهما تالفا قيل فيه: قولان أحدهما: أن

[ 261 ]

ما أخذ يكون ثمن ما تلف والذي بقي ثمن الموجود فيسترجع العبد الباقي (1) وقبل: إنه يأخذ نصف العبد ويضرب بربع الثمن مع الغرماء. وإذا أكرى رجل أرضه بأجرة معلومة ثم أفلس المكتري بالأجرة، وأراد المكري أن يرجع في الأرض فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون قد أفلس قبل أن يمضي شئ من مدة الإجارة أو بعد ما مضى جميعها أو في خلال المدة فإن أفلس قبل ما مضى شئ من المدة فالمكري قد وجد الأرض بحالها لم يذهب شئ من منافعها فيكون أحق بها كالبايع ولا شئ له غيرها. وإن أفلس بعد ما مضى مدة الإجارة فإن المكري يسترجع الأرض ويضرب مع الغرماء بقدر الأجرة. وإن أفلس بعد ما مضى بعض مدة الإجارة نصفها مثلا فإن المكري يضرب مع الغرماء بنصف الأجرة لما تلف من المنافع ويسترجع الأرض بما بقي من منافعها تمام مدة الإجارة فإذا ثبت هذا فالأرض لا تخلو من أحد أمرين: إما أن يجدها بيضاء غيره مزروعة كما آجرها أو يجدها وقد زرعها المفلس فإن وجدها بيضاء فلا كلام وإن وجدها مزروعة فالزرع لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد بلغ واستحصد أو لم يبلغ فإن وجده قد بلغ و استحصد استرجع الأرض وطالب المفلس والغرماء بحصاده وتفريغ أرضه وأجبروا على ذلك وإن لم يكن الزرع قد استحصد وكان بقلا فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون مما له قيمة أو مما لا قيمة له فإن كان مما له قيمة إذا جز وأخذ فإن الغرماء وصاحب الأرض لا يخلون من ثلاثة أحوال: إما أن يتفقوا على تركه في الأرض إلى أن يبلغ ويستحصد أو يتفقوا على قطعه في الحال قطع أو يختلفوا فبعضهم يقول: يترك وبعضهم يقول: يجز فإن اتفقوا على قطعه في الحال قطع وسلمت الأرض إلى صاحبها وبيع الزرع واقتسموا ثمنه. وإن اتفقوا على تركه وتبقيته فإن الغرماء لا يخلون من أحد أمرين: إما أن يبذلوا فيه أجرة المثل في مقابلة تركه في أرضه أو لا يبذلوا فإن بذلوا [ له ] الأجرة أجبر على قبولها ولم يكن له الامتناع منها، وإن لم يبذلوا له الأجرة وامتنع هو من تركه في

(1) في بعض النسخ (الثاني)

[ 262 ]

أرضه فإنهم يجبرون على قطعه (1) في الحال. إذا ثبت ذلك وبذلوا الأجرة وقلنا: إنه يجبر على قبولها وتبقية الزرع في أرضه فإن عطش الزرع نظر فإن سقوه الغرماء بغير أمر المفلس وأمر الحاكم لم يكن لهم عوضه وكان تبرعا، وإن سقوه بأمر الحاكم أو المفلس وجب لهم عوض ما غرموا على سقيه و يقدمون بذلك في القسمة على غيرهم. وإن كان هناك مال للمفلس فقالوا: نحن ننفق من هذا المال على سقي هذا الزرع فهل لهم ذلك أم لا؟ قيل فيه وجهان [ قولان خ ل ]: أحدهما: لهم ذلك لأن الجميع مال المفلس فينفق ماله على مصلحة ماله. والثاني: لا يجوز لأن بلوغ هذا الزرع وإدراكه مظنون غير متيقن فلم يجز اتلاف مال حاصل في مال مظنون ربما أدرك وربما هلك وهذا أشبه هذا كله إذا اتفقوا على سقيه بأجرة أو غير أجرة أو اتفقوا على قلعه فأما إذا اختلفوا فالقول قول من يريد قلعه في الحال لأن له فيه غرضا صحيحا سواء كان يريد ذلك الغرماء أو المفلس على ما مضى هذا إذا كان للزرع قيمة في الحال فأما إذا لم يكن له قيمة في الحال إن قطع فإن اتفقوا على قلعه في الحال لم يكن للحاكم منعهم منه ولا الاعتراض عليهم لأن المال لا يخرج من بينهم فلهم أن يعملوا به ما شاؤوا، وإن اتفقوا على تركه إلى أن يكمل ويستحصد كان لهم ذلك بأجرة وغير أجرة على ما تقدم بيانه فإن اختلفوا فالقول قول من يريد الترك لأن له غرضا في تبقيته وليس لمن يريد القلع غرض غير الاتلاف. إذا باع من رجل مكيالا من زيت أو شيرج أو غيره ثم أفلس المشتري بالثمن و وجد البايع عين زيته قد خلطه المشتري بزيت له فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال: أما أن يخلطه بمثله أو بأردى منه أو بأجود منه فإن خلطه بمثله فإنه لا يسقط حقه من عين الزيت ولا يمنع من طلب قسمته وتوفية حقه إذ اختار المقاسمة، وقيل: إنه يباع الزيت كله ويدفع إليه ما يخصه من الثمن بقدر زيته. فمن قال: لا يباع فإنه يقسم بينهما على قدر حقهما، ومن قال: يباع سلم إليه قدر حقه من ثمنه فإن كان الزيت الذي خلطه أردى

(1) في بعض النسخ (قلعه).

[ 263 ]

من زيته فإنه يتعلق قيمته بعينه ويجوز له أن يطالب بقسمته لأن من له زيت جيد واختار أن يأخذ دونه كان له ذلك وإن اختار البيع والمقاسمة بالثمن كان له ذلك لأنه لو أجبر على المقاسمة أعطي دون حقه، وذلك لا يجوز فيباع الزيت ويدفع إليه من الثمن بقدر ما يساوي زيته ويسلم الباقي إلى الغرماء، وإن كان الزيت الذي اختلط به أجود من زيته فهل يسقط حقه من عينه أم لا؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: أنه يسقط حقه وهو الصحيح. والثاني: لا يسقط، ووجه الأول أن عين زيته تالفة لا أنها ليست بموجودة من طريق المشاهدة ولا من طريق الحكم لأنه ليس له أن يطالبه بقسمته، وإذا لم يكن موجودا من الوجهين كان له ذلك بمنزلة التالف، ولا حق له في العين ويضرب بدينه مع الغرماء ومن قال بالقول الثاني قال: يباع الزيتان معا، ويؤخذ ثمنه فيقسم بينهما على قدر قيمة الزيتين، وقيل إنه لا يباع الزيت لكن يدفع إلى البايع الذي زيته دون زيت المفلس من جملة الزيت بقدر ما يخصه مثل أن يكون للبايع جرة تساوي دينارين واختلطت بجرة للمفلس تساوي أربعة دنانير فإن جملة الزيت تساوي ستة دنانير فيكون قيمة جرة البايع ثلث قيمة جميع الزيت فيدفع إليه ثلث جميع الزيت وهو ثلثا جرة، وهذا غلط لأنه لا يقال لهذا القائل إذا أعطيته ثلثي جرة فلا يخلو أن يدفعه بدلا [ عوضا خ ل ] عن جرته أو يدفع بدلا عن ثلثي جرته وليسأله أن يترك الثلث الباقي فإن دفعت الثلثين بدلا عن الجرة فهذا محض الربا فلا يجوز وإن دفعته إليه بدلا من ثلثي الجرة وسألته ترك ما بقي فله ألا يجيبك لأنه لا تلزمه الهبة والتبرع. إذا باع ثوبا وكان خاما فقصره أو قطعه قميصا وخاطه بخيوط منه أو باعه حنطة فطحنها أو غزلا فنسجه ثم أفلس بالثمن أو كان عبدا فعلمه صنعة ثم أفلس بثمنه فإن البايع يأخذهما، ولا حق لأحد فيهما لأنه غير منفصل من العين فإذا ثبت ذلك فالعين تسلم إلى البايع وينظر فإن أعطى ما زاد للصنعة التي حصلت في عينه أجبر المفلس على أخذها، وإن امتنع من بذل القيمة بيعت العين وأخذ ثمنها فسلم إلى البايع قيمة

[ 264 ]

عينه من غير صنعة والباقي يسلم إلى المفلس فإن كان هو الذي تولى الصنعة بنفسه كان ما أخذه أسوة بين الغرماء وإن كان الذي عمل تلك الصنعة أجيرا له فإن كان قدر ما دفع إلى المفلس مقدار الأجرة دفعه إلى الأجير وكان مقدما به على ساير الغرماء لأن صنعته بمنزلة العين الموجودة، وكذلك إن كان البايع قد اختار إمساك العين و دفع قيمة الصنعة فإنه يخص بها الأجير ويقدم على ساير الغرماء، وإن لم يكن ما دفع إلى المفلس قدر الأجرة فإنه يدفع ما معه إليه ويضارب الأجير بالباقي مع الغرماء، وإن كان أكثر من أجرته دفع إليه مقدار أجرته وكان الباقي أسوة للغرماء. إذا اشترى ثوبا وصبغه بصبغ من عنده وأراد البايع الرجوع بثوبه فإنه ينظر فإن لم تزد القيمة ولم تنقص كان الثوب للبايع وكان للمفلس الذي هو المشتري شريكا بقدر قيمة الصبغ. وإن نقص جعل النقصان من قيمة الصبغ لأنه نقص عينه بالصبغ، ويكون شريكا في الثوب بقدر ما بقي، ولا شئ له فيما نقص. وإن كان زايدا وقيل: إن الزيادة بالعمل تجري مجرى العين فعلى هذا كانت الزيادة مقسومة على قدر قيمة الثوب والصبغ. ومن قال: إن الزيادة كالعين كانت الزيادة للمفلس، ويكون شريكا بقيمة الصبغ والزيادة جميعا. وبيان ذلك أن يشتري ثوبا بعشرة دراهم وصبغه بصبغ من عنده قيمته خمسة دراهم فإن كان الثوب مصبوغا يساوي خمسة عشر درهما فهو بينهما على الثلث والثلثين وإن نقصت قيمته مثلا ثلاثة دراهم وهو يساوي اثني عشر درهما كان المفلس شريكا بدرهمين من الجملة وهو سدسها، وإن زادت قيمته فصار يساوي عشرين درهما فإذا قيل: إن الزيادة بمنزلة الأثر كانت على الثلث والثلثين، ومن قال: بمنزلة العين كانت للمفلس فيكون شريكا بالنصف. وإن كانت الثوب لرجل والصبغ لآخر ثم صبغه المشتري وأفلس وكانت قيمة

[ 265 ]

الثوب عشرة دراهم والصبغ خمسة دراهم نظر فإن كانت قيمة الثوب مصبوغا خمسة عشر درهما كان صاحب الصبغ شريكا لصاحب الثوب على الثلث والثلثين. وإن كانت قيمته نقصت فصارت مثلا بإثني عشر درهما فإنه يجعل النقصان من الصبغ فيكون صاحب الصبغ شريكا لصاحب الثوب بسدس الثمن، ويضرب بالباقي مع الغرماء المفلس. وإن كان الثوب قد زاد بالصبغ فصار يساوي عشرين درهما فمن قال: إن زيادة الصبغ لا تجري مجرى العين كان صاحب الصبغ شريكا لصاحب الثوب بالثلث فيكون الثوب بينهما على الثلث والثلثين، ومن قال: إن زيادة الصبغ كالعين كان المفلس شريكا في الثوب فيكون لصاحب الثوب نصف القيمة والنصف الآخر بين صاحب الصبغ وبين المفلس فيقسمانه على السوية. وإن كان الثوب والصبغ اشتراهما من رجل واحد ثم صبغه وأفلس فإنه ينظر فإن لم تزد القيمة ولم تنقص كان الثوب مصبوغا للبايع لا يشاركه فيه أحد، وإن نقص بالصبغ جعل النقصان من قيمة الصبغ وضرب بقدر ما نقص من الصبغ مع الغرماء وإن زادت قيمته فمن قال: إن الزيادة بالعمل لا تجري مجرى العين كان الثوب مصبوغا لصاحبه لا حق للمفلس فيه، ومن قال: إن الزيادة كالعين كانت الزيادة للمفلس فيكون شريكا بها وتجري مجرى العين. وإن كان الثوب للمفلس والصبغ لغيره فإن لم تزد قيمة الثوب فإن صاحب الصبغ يشارك المفلس في الثوب بقدر قيمة صبغه فإن كان ناقص القيمة بالصبغ فإنه يجعل النقصان من قيمة الصبغ ويضارب بقدر ما نقص من الصبغ مع الغرماء. وإن كانت قيمته زايدة فمن قال: إن الزيادة تجري مجرى العين كان صاحب الصبغ شريكا بمقدار قيمة صبغه، ومقدار الزيادة فيكون للمفلس مع الثوب، ومن قال: الزيادة لا تجري مجرى العين كانت الزيادة مقسومة بين صاحب الصبغ وبين المفلس على قدر قيمة عينها، وبيان ذلك قد مضى في المسألة الأولى. وإذا باع عينا بشرط خيار ثلاثة أيام ثم أفلسا أو أحدهما قيل فيه: ثلاثة أوجه:

[ 266 ]

أحدها: يجوز للمفلس منهما إجازة البيع لأن ذلك ليس بابتداء ملك والملك قد سبق بالعقد المتقدم. والثاني: أن له إجازة البيع إذا كان حظه في الإجازة أو رده إذا كان حظه في الرد دون الإجازة فأما إن يجيز والحظ في الرد فلا لأنه محجور عليه ممنوع من التصرف إلا فيما فيه مصلحة لمال أو حظ. والثالث: أن هذا مبني على أنه متى ينتقل الملك إلى المبتاع إذا كان في العقد شرط خيار الثلاث فمن قال: ينتقل بنفس العقد قال: له الإجازة والفسخ، ومن قال: لا ينتقل الملك إلا بانقطاع الخيار لم يجز إمضاء البيع، ومن قال: انتقال الملك موقوف فإن أجاز البيع بينا إن الملك انتقل بالعقد فإنه لا يجوز له الإجازة ويكون بمنزلة من يقول ينتقل الملك بانقطاع الخيار لأن بفعله تبين انتقال الملك فكان ممنوعا منه، والأول أصح الوجوه. من أسلم إلى رجل فضة في [ من خ ل ] طعام إلى أجل ثم أفلس أحدهما فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون الذي أفلس المفلس (1) والمسلم إليه فإن كان الذي أفلس هو المسلم فإنه ينظر فإن الطعام المسلم فيه على صفته كان أسوة بين الغرماء ولا كلام، وإن قبضه أردى مما أسلم فيه ورضي به لم يكن من ذلك وكان للغرماء منعه من قبضه لأن هذا الطعام تعلق به حق الغرماء فلم يكن له قبضه دون حقه فإن رضى الغرماء بأن نقص الطعام دون صفته جاز ذلك لأن المال لا يخرج من بينهم. فأما إذا أفلس المسلم إليه فإنه ينظر فإن وجد المسلم عين ماله وهو رأس المال أخذه وكان أحق به من ساير الغرماء وإن لم يجد عين ماله فإنه يضارب مع الغرماء بقدر ما له عليه من الحنطة وقيل أيضا: إنه إن أراد فسخ العقد والضرب مع الغرماء برأس المال كان له ذلك، والأول أصح. وكيفية الضرب بالطعام أن يقوم الطعام الذي يستحقه بعقد السلم فإذا ذكرت قيمته ضرب بها مع الغرماء بما يخصه منها ينظر فيه فإن كان في مال المفلس طعام أعطي

(1) في بعض النسخ (المسلم).

[ 267 ]

منه بقدر ما خصه من القيمة (1) وإن لم يكن في ماله طعام اشترى له بالقدر الذي خصه من القيمة طعاما مثل الطعام الذي يستحقه، ويسلم إليه ولا يجوز له أن يأخذ بدل الطعام القيمة التي تخصه لأنه لا يجوز صرف المسلم فيه إلى غيره قبل قبضه. وإذا أكرى داره من غيره ثم أفلس المكري فإنه ليس للغرماء أن يفسخوا الإجارة لأن هذا عقد يقدم الحجر وسبقه، والغرماء لا يخلون من أحد أمرين، إما أن يطالبوا ببيع الدار في الحال أو يصبروا إلى انقضاء مدة الإجارة فإن صبروا إلى انقضاء مدة الإجارة نظر فإن سلمت الدار وتمت الإجارة استحقوا بيع الدار واقتسموا [ ب‍ ] ثمنها، وإن انهدمت الدار قبل انقضاء مدة الإجارة فإن الإجارة تنفسخ وينظر في المستأجر فإن لم يكن دفع الأجرة بعد فإنه يسقط عنه منها بقدر ما بقي من المدة ويجب عليه منها بقدر ما سكن في الدار [ ف‍ ] يسلمه إلى الغرماء، وإن كان قد دفع الأجرة إلى صاحب الدار قبل إفلاسه نظر فإن وجد المستأجر عين ماله في يد المفلس أخذ منه بقدر ما بقي له من السكنى وإن لم يكن عين ماله موجودا صار كأحد الغرماء بقدر ما بقي له من الأجرة. ثم ينظر فإن لم يكن الغرماء قد اقتسموا المال ضرب معهم بدينه وأخذ قسما إذا قسموا، وإن كانوا قد قسموا المال ولم يبق لدين المستأجر محل فهل ينفسخ قسمتهم لأجل دينه أم يكون متوقفا حتى يظهر للمفلس مال فيأخذ دينه منه؟ قيل فيه وجهان: أحدهما: لا تفسخ القسمة لأن دينه متجدد بعد الافلاس، وإنما كان حقه في السكنى فلم يجز له فسخ القسمة، وحل محل الديون التي يجب بعد الحجر من إتلاف وغيره. والثاني: تفسخ القسمة لأن دينه يستند إلى ما قبل القسمة فجرى مجرى ديونهم ودين الغريم الذي يظهر بعد القسمة هذا إذا صبروا إلى انقضاء مدة الإجارة فإن لم يصبروا وقالوا: نبيع الدار في الحال ونقسم بثمنها فهل بجوز بيعها أم لا

(1) في بعض النسخ (الثمن).

[ 268 ]

قيل فيه: وجهان: أحدهما: لا يجوز بيع الدار المستأجرة. والثاني: يجوز البيع لأن الإجارة لا تمنع من البيع وهو الصحيح فإذا ثبت هذا فإذا قيل: لا يجوز بيعها صبروا ويكون الحكم كما ذكرناه، وإذا قلنا: يجوز البيع بيعت الدار واقتسموا ثمنها بينهم، ويكون المستأجر بحاله فيها. هذا إذا اتفقوا على بيعها في الحال. فأما إذا اختلفوا فقال بعضهم: تؤجر البيع وقال: بعضهم نقدمه فالقول قول من يريد تقديم البيع وتعجيله لأن حقه معجل على ما مضى بيانه. فإذا أفلس المكتري بالكراء نظر فإن أفلس قبل مضي شئ من المدة رجع المكري في المنافع وفسخ الإجارة لأنه قد وجد عين ماله لم يتلف منه شئ، وإن أفلس بعد مضي جميع مدة الإجارة فأن المكري يضرب مع الغرماء بقدر الأجرة. فإن أفلس بعد مضي بعض مدة الإجارة فإن المكري يفسخ الإجارة ويضرب مع الغرماء بقدر ما مضى من الأجرة ويكون بمنزلة من باع عينا فوجد بعضها فإنه يفسخ البيع في الموجود ويضرب مع الغرماء بالمفقود وقد مضى شرحه. ولو اكترى رجلا ليحمل له طعاما إلى بلد من البلدان فعمل له [ فحمله خ ل ] وأفلس المكتري ضرب المكري مع الغرماء بأجرته، وإن حصل الافلاس قبل أن يحمله فسخ الإجارة وترك الحمل ولا شئ له، وإن حمله بعض الطريق ثم فلس المكتري فإنه يضارب الغرماء بقدر ما حمله من الأجرة ويفسخ الإجارة فيما بقي من الطريق ثم ينظر فإن كان الموضع أمنا سلم الطعام إلى الحاكم فإن سلمه إلى أمين في الموضع مع قدرته على تسليمه إلى الحكم فهل يضمنه؟ قيل فيه: وجهان وإن لم يكن الموضع أمنا وجب عليه حمل الطعام إلى الموضع الذي أكراه أو إلى موضع في الطريق يؤمن تلف الطعام فيه. وإذا قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه ثم ظهر غريم آخر فإن الحاكم ينقص الشركة ويقاسمهم مرة أخرى ويشاركهم هذا الغريم فيما أخذوه.

[ 269 ]

وإذا أراد الحاكم بيع مال المفلس حضره موضع البيع لأن عند حضوره تكثر الرغبة في شرائه لأنه مالك‍ [ ه ] ويكون أسكن لنفسه، ويستحب أيضا حضور الغرماء لأنه يباع لهم وربما رغبوا في بعض المتاع فزادوا فيكون أوفر للثمن ويكون أبعد للتهمة. وينبغي للحاكم أن يبدء [ يبتدء خ ل ] ببيع الرهن لأن حق المرتهن متعلق بعينه يختص به لا يشاركه فيه أحد وربما فضل ثمنه عن دينه فيرد الفاضل مع باقي ماله على الغرماء، وإن عجر عن حقه ضرب المرتهن بما بقي له مع الغرماء، وكذلك العبد الجاني حكمه حكم الرهن يقدم على ساير الغرماء إلا أنه لا يضرب المجني عليه بما عجز عن ثمنه لأنه لا يستحق أكثر من ثمن العبد الجاني ولا حق له في ذمة السيد والمرتهن يستحق جميع دينه في ذمة الراهن فإذا عجز ثمن الرهن وجب أن يضرب مع الغرماء. وإذا أراد الحاكم بيع متاع المفلس يقول للمفلس والغرماء: ارتضوا بمناد ينادي على المتاع، ويكون ثقة صادقا لأن الحاكم لا يتولى ذلك، ولا يكلف الغرماء أن يتولوا ذلك. فإذا اتفقوا على رجل نظر الحاكم فإن كان ثقة أمضاه، وإن كان غير ثقة رده لأنه يتعلق بنظره. وإن اختلفوا فاختار المفلس رجلا والغرماء آخر نظر الحاكم فإن كان أحدهما ثقة والآخر غير ثقة أمضى الثقة وقبله، وإن كانا ثقتين إلا أن أحدهما بغير أجرة قبله وأمضاه، وإن كانا جميعا من غير أجرة ضم أحدهما إلى الآخر لأنه أحوط، وإن كانا جميعا بأجرة قبل أوثقهما وأصلحهما للبيع، وكذلك يأمرهم أن يختاروا ثقة يكون ما يجتمع من الثمن على يده إلى أن يحصل منه ما يمكن قسمته. ويستحب أن يرزق من يلي بيع مال المفلس من بيت المال لأنه يتعلق بالمصالح وكذلك الكيال والوزان، وإن لم يكن في بيت المال أو كان لكنه يحتاج إلى ما هو أهم منه فإنه يطلب من يتبرع بذلك وهو ثقة فإن وجده أمر به، وإن لم يجد من يتطوع

[ 270 ]

بذلك يشارطه على أجرته، ويكون ذلك من مال المفلس لأن البيع واجب على المفلس. وينبغي أن يباع كل شئ منها في سوقه الدفاتر في الوراقين، والبز في البزازين والفرش في أصحاب الأنماط، والرقيق في النخاسين، وكذلك غيره من الأمتعة لأن الطلاب في سوقه أكثر والثمن أوفر لأنهم أعرف وأبصر. فإن باع في غير سوقه بثمن مثله كان جايزا لأن المقصود قد فعل، ولا يسلم المبيع حتى يقبض الثمن احتياطا لمال المفلس فإن امتنع من تسليم الثمن حتى يقبض المبيع قيل فيه: ثلاثة أقاويل: أحدها: وهو الصحيح أنهما يجبران معا. والثاني: لا يجبران ومتى تبرع أحدهما أجبر الآخر. والثالث: إن البايع يجبر أولا ثم المشتري، وهو الأولى، وما ضاع من الثمن فهو من مال المفلس لأن الثمن ملك له لا يملكه الغرماء إلا بقبضه، وإنما يتعلق به حق الغرماء، وقد ذكرنا أنه يبدء بيع الرهن والعبد الجاني هذا إذا لم يكن في ماله ما يخاف هلاكه مثل الفاكهة الرطبة والبقول والبطيخ وأشباه ذلك فإنه يبدء أولا ببيع ما يخاف هلاكه ثم يبيع الرهن، والعبد الجاني ثم يباع الحيوان لأنه يحتاج إلى مؤن ويخاف عليه الموت ثم يباع المتاع والأثاث والأواني، وكلما ينقل ويحول لأنه يخاف عليه السرقة ثم العقار ويأمر الدلال بعرضه وهو أولى من النداء عليه لأن النداء عليه ينقص من ثمنه ويكون عرضه على أرباب الأموال الذين يرغبون في شراء العقار ويتأنى في ذلك إلى أن يظهر أمره وينشر خبره ثم يبيعه بما جاء من ثمنه إن كان ثمن مثله، وإن كان دون ذلك فلا يبيعه. وإذا باع الحاكم الرهن [ ي‍ ] سلم ثمنه إلى المرتهن لانه ينفرد به [ و ] لا يشاركه سائر الغرماء فيه إلا أن يفضل على [ عن خ ل ] دينه فيكون لهم الفاضل وكذلك العبد الجاني يسلم ثمنه إلى المجني عليه، ويكون له لا يشاركه ساير الغرماء فيه. وأما ثمن غيرهما من المتاع والعقار ينظر فيه فإن كان كثيرا يمكن قسمته بين

[ 271 ]

الغرماء كانت قسمته أولى من تأخيره لأنه يخاف عليه التف، وإذا دفع إلى الغرماء سقط الدين وبرئت ذمته فالتقديم أولى، وإن كان ما يحصل يسيرا ويحتاج إلى جمعه حتى يحصل منه (1) ما يمكن تفرقته وقسمته فإنه ينظر فإن كان يمكن أن يجعل قرضا في ذمة ثقة ملي كان أولى من جعله وديعة في يده لأن الوديعة يتلف من غير ضمان والقرض مضمون على المستقرض، وإن لم يجد من يستقرضه جعله وديعة لأنه موضع الحاجة. وإذا دفع رجل إلى الحاكم وسأل الحجر عليه فلا يجيبهم إلى مسألتهم (2) إلا بعد أن يثبت عليه الديون لأن سبب الحجر هو الدين فلا يجوز إلا بعد ثبوته، وثبوت الدين بأحد شيئين: إما بإقرار من عليه الدين أو ببينة وهي شاهدان عدلان أو شاهد واحد وامرأتان أو شاهد ويمين. فإذا ثبت الدين فلا يبتدء الحاكم بالحجر إلا بعد مسألة الغرماء فإن سئلوا الحجر عليه واختلفوا فإنه يحجر عليه، ويقبل ممن يطالب بالحجر لأن الحق لهم فلا يجز الحكم به إلا بعد مسألتهم فإذا سألوه لم يخل ماله من أحد أمرين: إما أن لا يفي بقضاء ديونه أو يفي فإن لم يف فإن الحاكم يحجر عليه، ومعرفة عجز ماله أن يقابل المال الذي في يده بالديون التي في ذمته. فإن كانت الديون أكثر تبين أن ماله لا يفي بقضائها، وهل يحسب الأعيان التي هي معوضات الديون في يده من جملة المال أم لا: قيل فيه وجهان: أحدهما: لا يحسب الدين الذي هو معوضة في يده من جملة الديون ولا يحسب [ يحتسب خ ل ] معوضة من جملة المال ويحسب ما سوى ذلك. والثاني: يحسب جميع الديون ويقابلها بسائر ماله سواء كانت معوض بعضها موجودا في ماله أو لم يكن، وإذا ثبت الوجهان فكل من وجد من الغرماء عين ماله كان أحق به، وإن أراد أن يضرب بدينه مع الغرماء ويترك العين كان له ذلك على ما مضى

(1) في بعض النسخ (يجعل فيه).
(2) في بعض النسخ (مشاركتهم)

[ 272 ]

هذا إذا كان ماله لا يفي بقضاء ديونه فإن كان ماله يفي بديونه فلا يخلو من أحد أمرين إما أن لا يظهر عليه أمارات الفلس أو يظهر فإن لم يظهر فيكون رأس ماله مبقى و دخله مثل خرجه فلا يحجر عليه الحاكم لكنه يأمره ببيع ماله وقسمته بين غرمائه فإن فعل وإلا حبسه فإن فعل وإلا باع عليه ماله. وإن ظهرت عليه أمارات الفلس بأن يكون خرجه أكثر من دخله وقد ابتدء بنفقة رأس ماله فهل يحجر عليه أم لا؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: يحجر عليه، والآخر لا يحجر عليه لأن في ماله وفاء لديونه وهو الأولى فمن قال: لا يحجر عليه كان الحكم على ما مضى، ومن قال: يحجر عليه فهل يكون من وجد منهم عين ماله أحق بها أم لا؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: يكون أحق بها لقوله عليه السلام: فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه ولم يفرق. والثاني: لا يكون أحق به لأنه يصل إلى جميع ثمن المبيع من جهة المشتري من غير تبرع فإذا ثبت ذلك فمن قال: إنه يأخذ العين أخذها، وكان الحكم على ما مضى، ومن قال: لا يجوز له أخذ العين فإنه يضارب مع الغرماء، ويأخذ الثمن على كماله. إذا فلس الرجل وحجر عليه الحاكم ثم تصرف في ماله، إما بالهبة أن البيع أو الإجارة أو العتق أو الكتابة أو الوقف قيل فيه: قولان: أحدهما: وهو الأقوى أن تصرفه باطل. والثاني: أن تصرفه موقوف ويقسم ماله سوى ما تصرف فيه بين غرمائه فإن وفى بدينهم نفذ تصرفه فيما بقي، وإن لم يف بطل تصرفه على ما تبينه فيما بعد. إذا أقر المحجور عليه بدين لرجل فزعم أنه يثبت عليه قبل الحجر عليه فإن إقراره صحيح ثابت ويشارك الغرماء، ولا يكون في ذمته حتى يقضى من الفاضل من ماله، وقيل: يكون في ذمته ويقضى من الفاضل عن غرمائه هذا إذ أقر بدين فإن أقر بعين وقال: العين التي في يدي لفلان فإن إقراره صحيح ويكون العين لمن أقر له

[ 273 ]

بها، وقيل: إنه لا يرد العين بعد أن يقسم ماله بين الغرماء فإن وفى بها أخذ العين وإن لم يف بها تممت من العين، وبقي قيمتها في ذمة المفلس يوفيه إياها إذا أيسر هذا في الاقرار بالدين الذي يثبت قبل الحجر فأما الدين يثبت بعد الحجر عليه فإنه ينظر فإن ثبت باختيار من له الدين مثل أن يكون أقرضه انسان شيئا أو باعه عينا بثمن في ذمته فإنه لا يشارك به مع الغرماء لأنه قد رضى بأن يكون دينه في ذمته مؤجلا لعلمه بأن ماله قد تعلق به حق الغرماء فإن كان الدين لم يثبت باختيار من له الدين مثل أن يكون المفلس قد أتلف على غيره مالا أو جنى عليه فإنه يجب عليه الأرش ويشارك به مع الغرماء وإذا ادعى انسان على المحجور عليه دينا فأنكر المحجور عليه ذلك فإن كانت للمدعي بينة يثبت به الدين كان الحكم فيه على ما مضى، وإن لم يكن له بينة وأراد إحلافه حلف المحجور عليه فإن حلف برئ، وإن نكل فرد اليمين على المدعي للدين فإذا حلف صار بمنزلة الاقرار من المدعى عليه ويكون على ما مضى، وفي الناس من قال: هو بمنزلة إقامة البينة فعلى هذا يشاركهم على قول واحد وعلى الأول على قولين. وإذا كانت عليه ديون حالة ومؤجلة وطالب غرماؤه الحاكم أن يحجر عليه فإنه يحجر عليه إذا وجد شرايط الحجر فإذا حجر عليه فهل ديونه المؤجلة تصير حالة أم لا قيل فيه: قولان: أحدهما: أنها تصير حالة. والثاني: وهو الصحيح أنها لا تصير حالة. فإذا ثبت ذلك قسم ماله بين الغرماء الذين ديونهم حالة سواء كان فيها أعيان مال دين التأجيل أو لم تكن فإذا فك حجره وحلت عليه الديون المؤجلة فإن كان في ماله وفاء بها وإلا حجر عليه ثانيا، ومن قال إنها تصير حالة فإنهم يجتمعون ويقتسمون ماله على قدر ديونهم. وإذا جني على المفلس فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون جناية عمدا أو خطأ فإن كانت خطأ يوجب الأرش فإنه يستحق الأرش وتعلق به حق الغرماء

[ 274 ]

فيأخذه ويقسمه بينهم، وإن كانت الجناية عمدا توجب القصاص فإنه مخير بين أن يقتص وبين أن يعدل عن القصاص إلى الأرش إذا بذل له الجاني وليس للغرماء يجبرونه على الأرش لأن العفو عن القصاص واختيار الأرش يصرف في كسب المال، ولا يجبر المفلس على تكسب المال ولا على جمعه. فإذا ثبت هذا فإن قال: عفوت مطلقا لم يثبت له الأرش، وإن عفى بشرط المال سقط حقه من القصاص ويثبت له الأرش لأنه شرط إذا بذل له الجاني، وإن قال: عفوت على غير المال سقط حقه من القصاص ولم يثبت له الأرش مثل المطلق سواء، ومن قال: إن الواجب أحد الأمرين: إما القصاص و إما الأرش فإذا قال: عفوت عن القصاص أسقط القصاص وأثبت لنفسه المال. فإذا قال: على غير مال يريد إسقاط ماله ثبت له هذا، وهذا لا يجوز للمفلس فعله فيجبر على أخذ المال وقسمته بين الغرماء، وعلى ما قلناه إذا عفى على مال لم يكن له بعد ذلك إسقاطه المال لأنه تعلق به حق الغرماء. وإذا مات انسان وعليه ديون مؤجلة حلت عليه بموته، وإن كانت له ديون مؤجلة فإنها لا تحل عليه، وقد روي أنها تحل (1). إذا أفلس من عليه الدين وكان ما في يده لا يفي بقضاء ديونه فإنه لا يواجر ليكسب ويدفع إلى الغرماء لأنه لا دليل عليه، وقد روي أن أمير المؤمنين، عليه أفضل الصلوة والسلام - قضى فيمن كان حبسه وتبين إفلاسه فقال لغرمائه: إن شئتم آجروه وإن شئتم استعملوه فعلى هذه الرواية يجبر على التكسب والأول أصح. ولا خلاف أنه [ لا ] يجب عليه قبول الهبات والوصايا والاحتشاش والاحتطاب والاصطياد والاغتنام والتلصص في دار الحرب وقتل الأبطال وسلبهم ثيابهم وسلاحهم ولا تؤمر المرأة بالتزويج لتأخذ المهر وتقضي الديون، ولا يؤمر الرجل بخلع زوجته فيأخذ عوضه لأنه لا دليل على شئ من ذلك، والأصل برائة الذمة.

(1) انظر الكافي ج 5 ص 99 باب (أنه إذا مات الرجل حل دينه).
(2) انظر الوسائل باب (حبس المديون وحكم المعسر) الرقم 3 وعبارتها هكذا: فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم: ان شئتم واجروه، وان شئتم استعملوه، وكذا عبارة بعض النسخ المخطوطة.

[ 275 ]

إذا كانت له أم ولد يؤمر بإجارتها ويجبر على ذلك بلا خلاف لأنها ماله، وإن كان الدين الذي في ذمته ثمنها بيعت فيه، وإن كان من غير ثمنها وقد مات ولدها بيعت أيضا فيه، وإن كان ولدها باقيا لم تبع وكذلك إن كانت حبلى بحر لم تبع. والمفلس يجب أن ينفق عليه وعلى من يلزمه (1) نفقته من أقاربه وزوجته و مماليكه من المال الذي في يده ولا يسقط عنه نفقة واحد منهم لأنه غني بماله ولا دليل على سقوط ذلك عنه ولا خلاف أيضا في ذلك، ويجب أيضا أن يكسى [ يكتسى خ ل ] ويكسي جميع من يجب عليه كسوته من زوجته وأقاربه إجماعا، وقدرها ما جرت به العادة له من غير سرف، وقد حد ذلك بقميص وسراويل ومنديل وحذا لرجله، وإن كان من عادته أن يتطلس دفع إليه طيلسان فإن كان بردا شديدا زيد في ثيابه محشوة لأنه لا بد منها، وأما جنسها فإنه يرجع أيضا إلى عادة مثله من الاقتصاد، وقيل: إن كان لبسه من خشن الثياب دفع إليه من خشنها، وإن كان من ناعمها دفع إليه من أوسطها وإن كان لبسه من فاخر الثياب المرتفعات بيعت واشتري له من ثمنها أقل ما يلبس أقصد من هو في مثل حاله، وهكذا الحكم فيمن يمونه وينفق عليه إلى اليوم الذي يقسم فيه ماله بين غرمائه، ويكون نفقة ذلك اليوم منه لأنها تجب بأول اليوم والمال في أول يوم القسمة ملك له هذا كله إذا لم يكن له كسب. فإن كان له كسب قيل: تجعل نفقته من كسبه لأنه لا فايدة في رد كسبه إلى ماله ويأخذ من ماله نفقته. إذا ثبت ذلك فكسبه لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون وفق نفقته أو أكثر أو أقل فإن كان وفق نفقته صرف إليها ولا كلام، وإن كان أكثر من نفقته رد الفاضل من نفقته إلى أصل ماله، وإن كان أقل من قدر نفقته تمم مقدار كفايته من المال الذي في يده، وإن مات كان نفقة تجهيزه من رأس ماله الذي في يده، وكذلك يجب تجهيز من مات ممن يجب عليه نفقته من أهله وزوجته فإنه ينفق عليهم من ماله خاصة

(1) في بعض النسخ (تجب).

[ 276 ]

وقدر الكفن أقله ثلاثة أثواب المفروضة، مئزر وقميص ولفافة، وقيل: إنه يلف (1) في ثوب واحد يدرج فيه ويستر به، والأول هو المذهب. ولا يجب أن يباع على المفلس ولا يلزمه دار التي يسكنها ولا خادمه الذي يخدمه في ديون الغرماء لإجماع الفرقة على ذلك. إذا ادعى المفلس على غيره مالا وأقام شاهدا واحدا فإنه يحلف معه لأن بينة المال تثبت بالشاهد واليمين فإن حلف استحق المال، وإن نكل عن اليمين فهل يرد على الغرماء فيحلفون ويستحقون المال أم لا؟ الصحيح أنه لا يرد عليهم لأنه لا دليل على ذلك، وقيل: إنه يرد عليهم، وكذلك الحكم إذا لم يكن معه شاهد أصلا ورد المدعى عليه اليمين فنكل فلا يرد على الغرماء ومن خالف في الأولى خالف في هذه. إذا باع الوكيل على رجل ماله أو الولي مثل الأب والجد والحاكم وأمينه والوصي ثم استحق المال على المشتري فإن ضمان العهدة يجب على من بيع عليه ماله فإن كان حيا كان في ذمته، وإن كان ميتا كانت العهدة في تركته. إذا كانت للمفلس دار فبيعت في دينه، وكان البايع أمين القاضي وقبض الثمن وهلك في يده واستحقت الدار فقيل: أن العهدة يكون في مال المفلس فيوفي المشتري جميع الثمن الذي وزنه في ثمن الدار لأنه مأخوذ منه ببيع لم يسلم له وهذا هو الصحيح، وقيل: إنه يكون المشتري كأحد الغرماء فيضرب معهم بما وزن من الثمن ويأخذ بما يخصه من المال. إذا كان للمفلس عبد فجنى تعلق الأرش برقبته ويكون حق المجني عليه مقدما على حقوق ساير الغرماء لأن الأرش ليس له إلا محل واحد وهو رقبة العبد الجاني وديون الغرماء لها محلان: رقبة العبد وذمة المفلس فلذلك قدم عليه. فإذا ثبت ذلك فإن أراد المفلس أن يفديه بقيمة يسلمها إلى المجني عليه لم يكن له ذلك لأن الفداء تصرف في ماله والمحجور عليه ممنوع من التصرف، وإذا ثبت ذلك يباع العبد في الجناية وينظر فإن كان‍ [ ت ] قيمته وفق الأرش صرفت فيه ولا كلام، وإن لم يكن وفق الأرش

(1) في بعض النسخ (يكفن)

[ 277 ]

وكانت أقل لم يكن للمجني عليه أكثر منها لأن حقه في العين وحدها وإن كانت القيمة أكثر من الأرش فإنه يدفع منها قدر الأرش والباقي يكون أسوة بين الغرماء. إذا اشترى حبا فزرعه واشترى ماء فسقى زرعه وثبت ثم أفلس فإن صاحب الحب والماء يضربان مع ساير الغرماء بحقهما وهو ثمن الحب وثمن الماء، ولا حق لهما في عين الزرع لأنه لا عين لهما موجودة، وإن كان قديما ويكون بمنزلة من اشترى دقيقا فأطعمه عبدا له حتى كبر وسمن ثم أفلس بثمن الدقيق فإنه لا حق لصاحب الدقيق في عين العبد لأنه ليست له عين مال موجودة ويضرب بثمنه مع ساير الغرماء، وعلى هذا لو اشترى بيضة وتركها تحت دجاجة حتى حضنتها وصارت فروخا لا يرجع بعينها ويضرب بثمنها مع الغرماء. وأما الكلام في جنسه فإن الانسان إذا ارتكبه (1) الديون لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون في يده مال ظاهر أو لا يكون له في يده مال ظاهر. فإن كان في يده مال ظاهر وجب عليه أن يبيعه ويقضي به ديونه من ثمنه فإن امتنع من ذلك فالحاكم فيه بالخيار إن شاء حبسه على ذلك وعزر [ ه ] إلى أن يبيعه وإن شاء باعه بنفسه عليه من غير استيذانه لقول النبي صلى الله عليه وآله: مطل الغني ظلم (2)، وقوله: لي الواجد [ بالدين ] يحل عرضه وعقوبته (3) اللي: المطل، والعقوبة هاهنا التعزير والحبس، وإخلال الغرض أن يقول الغرماء له: يا ظالم، وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: لصاحب الحق اليد واللسان وكل هذا يدل على وجوب بيع ماله وقضاء ديونه وأخبارنا في ذلك أوردناها في كتب الأخبار، وإن لم يكن له مال ظاهر وادعى الاعسار وكذبه الغرماء فلا يخلو إما أن يعلم أنه كان له أصل مال أو كان الذي عليه ثبت من جهة معاوضته وادعى تلفه و ضياعه أو لا يعلم له أصل مال. فإن كان قد علم له أصل مال فإن القول قول الغرماء مع أيمانهم لأن الأصل.

(1) في بعض النسخ (ركبته) (2 و 3) انظر الوسائل باب (تحريم المماطلة بالدين مع القدرة على أدائه) الرقم 3 و 4

[ 278 ]

بقاء المال، والمفلس يدعي ضياعه فعليه البينة فإن حلفوا أثبتوا غناه ووجب حبسه إلى أن يظهر ماله وإن قال: لي بينة أحضرها فإن بينته تسمع ويكون مقدمة على أيمان الغرماء لأن الشهادة بينة أقوى من اليمين فإذا ثبت هذا فإن شهدت البينة على تلف ماله وضياعه قبل ذلك ويثبت إعساره سواء كان الشهود من أهل المعرفة الباطنة والخبرة المتقادمة أو لم يكونوا لأن تلف المال أمر مشاهد مرئي فلا يفتقر إلى معرفة الشهود به وبباطن أمره وإن طلبوا بيمينه لا يحلف لأنه طعن في البينة، وإن شهدت البينة بإعساره في الحال من غير أن يقول: كان له مال فتلف فإنه ينظر فإن كان من أهل المعرفة الباطنة والخبرة المتقادمة قبلت وثبت إعساره لأن الظاهر أنها تعرف ذلك وإن لم تكن من أهل المعرفة الباطنة لم يقبل هذه الشهادة لأن الاعسار بالمال والعدم لوجوده لا يعرفه كل أحد، وإنما يختص بمعرفته من يكون له صحبة قديمة ومعرفة بالباطن وكيده، وإذا ثبت أن البينة تسمع على الاعسار فإنها تسمع في الحال ولا يجب تأخيرها لما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يحبس في الدين فإذا تبين له الاعسار خلى سبيله هذا إذا عرف له أصل مال فإن لم يعرف له أصل مال ويكون الدين قد ثبت عليه أرشا بجناية جناها أو مهرا لامرأة تزوجها. فإذا ادعى العسرة كان القول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم المال لأنه يخلق كذلك معسرا ثم يرزقه الله والغنى طار يحتاج إلى دلالة. وإذا أقام المفلس البينة على إعساره فهل يجب عليه اليمين مع ذلك؟ قيل فيه وجهان: أقواهما أن عليه اليمين لأنه يجوز أن يكون له مال باطن لا تعرفه الشهود، وإذا ثبت هذا وحكم الحاكم بإعساره وقسم المال الذي ظهر بين غرمائه وجب إطلاقه وتخليته وهل ينفك الحجر بذلك أو يحتاج إلى حكم الحاكم به؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: وهو الصحيح أنه ينفك حجره لأن الحجر تعلق بالمال فإذا قسم المال بين الغرماء زال سبب الحجر. والآخر لا ينفك الحجر إلا بحكم الحاكم لأنه ثبت بحكمه فلا يزول إلا

[ 279 ]

بحكمه مثل حجر السفة، وإذا ثبت إعساره وخلاه الحاكم لم يجز للغرماء ملازمته إلى أن يستفيد المال لقوله تعالى " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " (1) إذا ادعى الغرماء إنه أفاد مالا سأله الحاكم عن ذلك فإن أنكر كان القول قوله مع يمينه لأن الأصل بقاء العدم والعسرة فإن أقر بالمال فإن الحاكم ينظر فيه مثل ما نظر في الأول فإن سأل الغرماء الحجر عليه وقسمه بينهم فإنه ينظر فإن كان وفقا لديونهم لا يحجر عليه وإن كان عاجزا عنها حجر عليه وما تصرف فيه قبل الحجر فهو نافذ، وإذا حجر عليه جعل صاحب العين أحق بها وسوي في القسمة بين الغرماء الذين حدثوا بعد فك الحجر عليه وبين الأولين، وإن أقر بالمال إلا أنه قال: هو مضاربة لفلان فإن المقر له لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون غائبا أو حاضر. فإن كان غائبا كان القول قول المفلس مع يمينه أنه للغائب فإذا حلف أقر المال في يده للغائب ولا حق للغرماء فيه وإن كان حاضرا نظر فيه فإن صدقه ثبت له لأنه إقرار من جايز التصرف وصدقه المقر له فوجب أن يكون لازما، وإن كذبه بطل إقراره فإذا بطل إقراره وجب قسمته بين الغرماء إذا كان له على غيره مال مؤجل إلى سنة، وأراد من عليه الدين السفر البعيد الذي مدته سنتان فإنه لا يجوز لصاحب الدين منعه من سفره ولا مطالبته بالكفيل لأنه لا دليل عليه هذا إذا كان سفره لغير الغزو فإن كان سفره للغزو قيل فيه قولان: أحدهما: ليس له منعه منه ولا مطالبته بالكفيل، وفي الناس من قال: له مطالبته بذلك ومنعه من الجهاد. وإذا باع الحاكم أو أمينه من مال المفلس شيئا بثمن مثله ثم جاءته الزيادة بعد لزوم البيع وانقطاع الخيار سأل المشتري الإقالة أو بذل الزيادة، ويستحب للمشتري الإجابة إلى ذلك لأن فيه مصلحة لمال المفلس وفكاك ذمته من الديون، وإن لم يجبه إلى ذلك لم يجبر عليه لأن البيع الأول قد لزم. وإذا باع شيئا من ماله فإنما يبيعه بنقد البلد، وإن كانت ديونهم من غير جنس

(1) البقرة 280.

[ 280 ]

نقد البلد لأن بيعه بنقد البلد أوفر للثمن وأنجز للبيع. وإذا باع بنقد البلد فكل من كان دينه من جنس نقد البلد أخذ منه بقسطه ومن كان دينه من غير جنس نقد البلد نظر فإن كان مما يجوز أخذ عوضه مثل القرض وأرش الجناية والثمن فإنهما إذا تراضيا عليه جاز أن يأخذ منه، وأن امتنع المفلس من دفعه لو امتنع الغريم من أخذه كان له الامتناع لأن حقه من غير جنسه فلا يجبره على أخذه، وإن كان الدين بعقد السلم مثل الطعام والثياب وغير ذلك مما يثبت في الذمة بعقد السلم فإنه لا يجوز أخذ عوضه ووجب شراؤه من نقد البلد الذي حصل للمفلس وصرفه إليه، وقد بيناه فيما مضى [ سلف خ ل ].

[ 281 ]

* (كتاب الحجر) * الحجر في اللغة هو المنع والحظر والتضييق بدلالة قوله تعالى " حجرا محجورا " (1) أي حراما محرما ومنه " هل في ذلك قسم لذي حجر " (2) أي لذي عقل، وسمي العقل حجرا لأنه يمنع من فعل ما لا يجوز فعله، وسمي حجر البيت لأن الطايف ممنوع من الجواز فيه. ويقول (3) للدار المحوطة: محجرة لأن بناها يمنع من استطراق الناس فيها. فإذا ثبت هذا فالمحجور عليه إنما سمي بذلك لأنه يمنع ما له من التصرف فيه، والحجر على ضربين: أحدهما: حجر على الانسان بحق غيره. والثاني: حجر عليه بحق نفسه. فأما المحجور عليه بحق غيره فهو المفلس بحق الغرماء، والمريض محجور عليه في ثلثي ماله بحق ورثته عند من قال بذلك لأن فيه خلافا بين الطايفة، والمكاتب محجور عليه فيما في يده بحق سيده، وبيان هؤلاء يذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأما المحجور عليه بحق نفسه فهو الصبي والمجنون والسفيه، وهذا الكتاب [ الباب خ ل ] مقصور على ذكر الحجر على هؤلاء، والأصل في الحجر على الصبي قوله تعالى " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " (4) وقوله: وابتلوا أراد وامتحنوا لأن الابتلاء الاختبار في اللغة، واليتيم من مات أبوه قبل بلوغه. فأما من مات أبوه بعد بلوغه فلا يكون يتيما لما رواه علي عليه السلام

(1) الفرقان 22.
(2) الفجر 5. (3) في بعض النسخ (يقال).
(4) النساء 6.

[ 282 ]

عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يتم بعد الحلم، (1) وكذلك إذا ماتت أمه قبل بلوغه لا يكون يتيما حقيقة وقوله تعالى " فإن آنستم منهم رشدا " أي علمتم فوضع الايناس موضع العلم وهو إجماع لا خلاف فيه. إذا ثبت هذا فالصبي محجور عليه ما لم يبلغ، والبلوغ يكون بأحد خمسة أشياء: خروج المني وخروج الحيض والحمل والانبات والسن. فثلاثة منها يشترك فيها الذكور والإناث، واثنان ينفرد بهما الإناث. فثلاثة المشتركة فهي السن وخروج المني والانبات، والاثنان اللذان يختص بهما الإناث: فالحيض والحمل، والمني إنما يراد به خروج الماء الذي يخلق منه الولد سواء خرج في النوم أو اليقظة أو كان مختارا لإخراجه أو غير مختار له لقوله تعالى " وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا " (2) وأراد به بلوغ الاحتلام وقال صلى الله عليه وآله: رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن المغمى عليه حتى يصحو، وروي عن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت: سألت النبي صلى الله عليه وآله عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال النبي صلى الله عليه وآله: إذا رأت ذلك فلتغتسل. وأما الحيض فقد ذكرناه في كتاب الحيض وبينا صفته وكيفيته ومقداره. وأما الدليل على أنه بلوغ فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يقبل الله صلوة حايض إلا بخمار، وأراد من بلغت الحيض فلا تصلي إلا بخمار يسترها. فإذا ثبت هذا وكان خنثى المشكل الأمر فأمنى من فرج الذكور لم يحكم ببلوغه لأنه يجوز أن يكون أنثى، ويكون ذلك الفرج خلقة زايدة، وإنما يحكم بالبلوغ إذا انفصل المني من محله الذي هو الأصل لأنه لو خرج المني من صلبه لم يجب عليه الغسل ولم يحكم ببلوغه، وكذلك إذا خرج من فرج الذكور من الخنثى لم يحكم ببلوغه ولم يلزمه الغسل، وإن خرج من فرج الإناث لم يحكم ببلوغه أيضا لأنه يجوز أن يكون

(1) انظر مستدرك الوسائل ج 2 ص 496 باب 2 نقلها عن الجعفريات وعبارتها هكذا: لا يتم بعد تحلم.
(2) النور 59.

[ 283 ]

ذكرا وذلك خلقة زايدة، وإن لم يخرج مني وخرج دم من فرج الإناث لم يحكم بالبلوغ أيضا لأنه يجوز أن يكون ذكرا وذلك خلقة زايدة، وإنما يكون الدم بلوغا إذا خرج من محله الأصلي دون غيره، وإن أمنى من الفرجين حكم ببلوغه لأنا نتيقن أن إحدى المحلين هو المحل الأصلي والآخر خلقة زايدة، ومتى خرج المني منهما فقد تيقنا خروجه من المحل الأصل، وكذلك إن حاض من فرج الإناث وأمنى من فرج الذكر حكم بالبلوغ أيضا لأنا تيقنا خروج ما يقع به البلوغ من محله لأنه إن كان ذكرا انفصل المني عنه من محله، وإن كان أنثى فقد انفصل الدم عنها من محله. وأما الحمل فإنه ليس ببلوغ حقيقة وإنما هو علم على البلوغ، وإنما كان كذلك لأن الله تعالى أجرى العادة أن المرأة لا تحبل حتى يتقدم منها حيض، ولأن الحمل لا يوجد إلا بعد أن ترى المرأة المني لأن الله تعالى أخبر أن الولد مخلوق من ماء الرجل وماء المرأة بقوله " يخرج من بين الصلب والترائب " (1) أراد من الصلب الرجل والترائب المرأة وقوله " من نطفة أمشاج نبتليه " (2) أراد بالامشاج الاختلاط والانبات فإنه دلالة على البلوغ ويحكم معه بحكم البالغين ومن [ في خ ل ] الناس من قال: إنه بلوغ. فإذا ثبت هذا فثلاثة أشياء بلوغ: وهي الاحتلام والحيض والسن، والحمل دلالة على البلوغ، وكذلك الانبات على خلاف فيه، وإذا كان بلوغا فهو بلوغ في المسلمين والمشركين وإذا كان دلالة على البلوغ فمثل ذلك في كل موضع والاعتبار بإنبات العانة على وجه الخشونة التي يحتاج إلى الحلق دون ما كان مثل الزغب، ولا خلاف أن إنبات اللحية لا يحكم بمجرده بالبلوغ، وكذلك ساير الشعور، وفي الناس من قال: إنه علم على البلوغ، وهو الأولى لأنه لم تجر العادة بخروج لحية من غير بلوغ. وأما السن فحده في الذكور خمسة عشر سنة، وفي الإناث تسع سنين، وروي

(1) الطارق 7.
(2) الانسان 2.

[ 284 ]

عشر سنين (1) قد ذكرنا أن الصبي لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ فإذا بلغ وأونس منه الرشد فإنه يسلم إليه ماله، وإيناس الرشد منه أن يكون مصلحا لما له عدلا في دينه فأما إذا كان مصلحا لما له غيره عدل في دينه أو كان عدلا في دينه غير مصلح لما له فإنه لا يدفع إليه ماله ومتى كان غير رشيد لا يفك حجره وإن بلغ وصار شيخا، ووقت الاختبار يجب أن يكون قبل البلوغ حتى إذا بلغ إما أن يسلم إليه ماله أو يحجر عليه، وقيل: إنه يكون الاختبار بعد البلوغ، والأول أحوط لقوله تعالى " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا " (2) فدل على أنه يكون قبله ولأنه لو كان الاختبار بعد البلوغ أدى إلى الحجر على البالغ الرشيد إلى أن يعرف حاله وذلك لا يجوز. فإذا ثبت ذلك فنحن نبين كيفية اختباره فيما بعد، وجملته أن الأيتام على ضربين ذكور وإناث، فالذكور على ضربين: ضرب يبذلون (3) في الأسواق، ويخالطون الناس بالبيع والشراء، وضرب يصانون عن الأسوق. فالذي يخالطون الناس ويبذلون في الأسواق فإنه يقرب (4) اختبارهم بأن يأمره الولي أن يذهب إلى السوق ويساوم في السلع ويقاول فيها ولا يعقد العقد فإن راه يحسن ذلك ولا يغبن فيه علم أنه رشيد وإلا لم يفك عنه الحجر، وقيل أيضا: إنه يشتري له سلعة بغير أمره ويواطي البايع على بيعها من اليتيم وينفذه الولي إليه ليشتريها منه، وقيل أيضا: إنه يدفع إليه شيئا من المال ليشتري به سلعة ويصح شراؤه للضرورة في حال صغره لنختبره، وإن كان اليتيم ممن يصان عن الأسواق مثل أولاد الرؤساء والأمراء فإن اختبارهم أصعب فيدفع إليهم الولي نفقة شهر يختبرهم بها فينظر فإن دفعوا إلى أكرتهم وغلمائهم (5) وعما لهم ومعامليهم حقوقهم من غير تبذير وأقسطوا في النفقة على أنفسهم في مطاعمهم

(1) انظر الوسائل (باب حد ارتفاع الحجر عن الصغير) الرقم 2.
(2) النساء 6.
(3) في بعض النسخ (يتبذلون).
(4) في بعض النسخ (يعرف).
(5) في بعض النسخ (أكبرهم وعلمائهم).

[ 285 ]

ومشاربهم ومكاسبهم [ محاسبهم خ ل ] سلم إليهم المال، وإن وجدهم بخلاف ذلك لم يسلم إليهم. وأما الإناث فإنه يصعب اختبارهن لأنهن لا يطلع عليهم أحد ولا يظهرن لأحد فيدفع إليهن شيئا من المال ويجعل نساء ثقات يشرفن عليهن فإن غزلن واستغزلن ونسجن واستنسجن ولم يبذرن سلم المال إليهن، وإن كن بخلاف ذلك لم يسلم إليهن وإذا بلغت المرأة وهي رشيدة دفع إليها مالها وجاز لها أن تتصرف فيه سواء كان لها زوج أو لم يكن فإن كان لها زوج جاز لها أن تتصرف في مالها بغير إذن زوجها ويستحب لها ألا تتصرف إلا بإذنه وليس بواجب. إذا بلغ الصبي وأونس منه الرشد ودفع إليه ماله ثم صار مبذرا مضيئا لماله في المعاصي حجر عليه وإذا صار فاسقا إلا أنه غير مبذر لما له فالظاهر أنه يحجر عليه لقوله تعالى " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " (1) وروي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: شارب الخمر سفيه، وقال قوم: إنه لا يحجر عليه وإذا حجر الإمام عليه لسفهه وإفساد ماله أشهد على ذلك فمن باعه بعد الحجر فهو المتلف لما له وإنما يراد [ ب‍ ] الاشهاد على حجره لينشر أمره ويظهر ولا يبايعه أحد وإن رأى الإمام أن ينادى به فعل ليعرف بذلك فعله، وليس الاشهاد شرطا في صحة الحجر لأنه متى حجر ولم يشهد كان الحجر صحيحا فإذا حجر عليه فبايعه انسان بعد ذلك وثبت هذا بالبينة نظر فإن كان عين ماله باقيا في يد المحجور عليه رد عليه وإن كان تالفا فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون قد قبضه وأتلفه بغير اختيار صاحبه أو قبضه وأتلفه باختيار صاحبه أو قبضه باختيار صاحبه وأتلفه بغير اختياره. فإن قبضه وأتلفه باختياره فهو مثل البيع والقرض فإن [ كان ] صاحبه يسلمه إليه ولا يجب عليه ضمانه في الحال ولا إذا فك عنه الحجر لأن ذلك بتفريط صاحبه وإن كان [ قد ] قبضه وأتلفه بغير اختياره مثل الغصب فإن عليه ضمانه في الحال ويدفع إليه من ماله مثل المجنون والصبي، وإن

(1) (النساء 5).

[ 286 ]

قبضه باختياره وأتلفه بغير اختياره مثل أن يكون أودعه وديعة فقبضها وأتلفها قيل فيه قولان: أحدهما: يجب عليه ضمانها لأنه أتلفها كالمغصوب. والثاني: لا يلزمه لأنه سلط [ ه ] عليه مثل البيع والقرض ومتى أطلق عنه الحجر ثم عاد إلى حال الحجر حجر عليه ومتى رجع بعد الحجر إلى حال الاطلاق أطلق عنه فإذا ثبت هذا فإن حجر السفيه لا يثبت إلا بحكم الحاكم ولا يزول إلا بحكم الحاكم فأما حجر المفلس لا يثبت إلا بحكم الحاكم ويزول بقسمة ماله بين الغرماء، وقيل: إنه لا يزول إلا بحكم الحاكم، والأول أقوى. فأما حجر الصبي فإنه يزول عنه ببلوغه رشيدا، ولا يحتاج إلى حكم الحاكم وفي الناس من قال: لا بد فيه من حكم الحاكم وهو خلاف الاجماع لأنه كان يقتضي أن يكون الناس كلهم محجورا عليهم لأن أحدا لا يحكم الحاكم بفك الحجر عنه إذا بلغ، وكل موضع قلنا: إن الحاكم يحجر عليه فالنظر في ماله للحاكم مثل السفيه والمفلس، وكل موضع قلنا: إنه يصير محجورا عليه فالنظر في ماله للأب والجد مثل الصبي والمجنون. والمحجور عليه إذا كان بالغا يقع طلاقه بلا خلاف إلا ابن أبي ليلى فإنه خالف فيه، ويجوز أيضا خلعه إلا أنه لا يجوز للمرأة أن تدفع العوض عن الخلع إليه، وإن دفعت بدله إليه وقبضه لم يصح فيه ولا تبرأ المرأة منه، وإن تلف كان من ضمانها وإنما تبرأ إذا سلمت إلى وليه هذا في الطلاق، وأما إذا تزوج بغير إذن وليه فنكاحه باطل، وإن تزوج بإذنه صح النكاح، والبيع إن كان بغير إذن وليه لم يصح، وإن كان بإذنه قيل فيه: وجهان: أحدهما: يصح كالنكاح، والثاني: لا يصح وهو الأقوى [ الأولى خ ل ]. وإن أحرم بالحج نظر فإن كانت حجة الاسلام أو فرضا لزمه بالنذر دفع إليه من ماله نفقته ليسقط الفرض عن نفسه، وإن كان تطوعا نظر فإن كانت نفقته في السفر مثل نفقته في الحضر دفع إليه ولم يجز تحليله من إحرامه، وإن كانت نفقته في سفره

[ 287 ]

أكثر فإن كان يمكنه أن يكسب الزيادة في الطريق وينفق على نفسه لم يجز أن يتحلل وخلى سبيله حتى يخرج، ودفع إليه قدر نفقته في حضره من ماله، وإن لم يكن له كسب وكانت نفقة سفره زايدة على نفقة حضره فإن الولي يحلله من إحرامه، ويكون بمنزلة المحصر ويتحلل بالصوم دون الهدي. وكذلك إن حلف انعقدت يمينه وإن حنث كفر بالصوم دون المال، وإن وجب له القصاص كان له استيفاؤه، وإن عفى على ما صح، وإن أقر بالنسب صح الاقرار ولحق به النسب وينفق على ولده المقر به من بيت المال دون ماله.

[ 288 ]

* (كتاب الصلح) * الصلح جايز بين الناس إلا ما حرم حلالا أو حلل حراما لقوله تعالى " فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا (1) " والصلح خير وقوله تعالى " إن يردا إصلاحا يوفق الله بينهما (2) " وقوله تعالى " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما (3) " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الصلح جايز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا (4) وقوله صلى الله عليه وآله لبلال بن الحارث المزني اعلم أن الصلح جايز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما: أو حرم حلالا (5) وعليه إجماع المسلمين. فإذا ثبت هذا فالصلح ليس بأصل في نفسه وإنما هو فرع لغيره وهو على خمسة أضرب: أحدها: فرع البيع. وثانيها: فرع الابراء. وثالثها: فرع الإجارة. ورابعها: فرع العارية. وخامسها: فرع الهبة، وسنذكر هذه الأقسام. إذا ورث رجلان من مورثهما مالا فصالح أحدهما صاحبه على نصيبه من الميراث بشئ يدفعه إليه فإن هذا الصلح فرع البيع يعتبر فيه شرائط البيع فما جاز في البيع جاز فيه، وما لم يجز فيه لم يجز فيه إلا أنه يصح بلفظ الصلح، ومن شرط صحة البيع أن

(1) النساء 128.
(2) النساء 35.
(3) الحجرات 9.
(4) انظر الوسائل باب (أن الصلح جائز بين الناس) الرقم 2.
(5) انظر المستدرك ج 2 باب (أن الصلح جائز بين الناس) الرقم 3.

[ 289 ]

يكون المبيع معلوما فيجب أن يعلما قدر نصيب البايع من التركة وقدر جميع التركة ويشاهداها جميعا فإذا صار معلوما لهما وعرفا العوض الذي يبذله في مقابلة حقه من التركة فإذا صار ذلك أيضا معلوما صح الصلح وملك كل واحد منهما حق صاحبه بالنقد أو بالعقد وانقطاع خيار المجلس على ما بيناه في كتاب البيوع. ويقوى في نفسي أن يكون هذا الصلح أصلا قايما بنفسه، ولا يكون فرع البيع فلا يحتاج إلى شروط (1) البيع واعتبار خيار المجلس على ما بيناه فيما مضى. ويجوز الصلح على الانكار، وصورته أن يدعي على رجل عينا في يده أو دينا في ذمته فأنكر المدعى عليه ثم صالحه منه على مال اتفقا عليه، ويصح الصلح ويملك المدعي المال الذي يقبضه من المدعى عليه، وليس له أن يرجع فيطالبه به ولا يجب على المدعي رده عليه ويسقط دعوى المدعي فيما [ مما خ ل ] ادعاه، وإن كان قد صرح بإبراءه مما ادعاه وإسقاط حقه عنه كان صحيحا. وإذا كان لرجل على غيره ألف درهم وأبرأه من خمس مائة درهم وقبض الباقي فاستحقه رجل فإنه يرد على المستحق، وليس له أن يرجع فيما أبرئه لأنه لم يكن مشروطا بسلامة الباقي له وملكه إياه فاستحقاقه عليه لا يقدح فيما أبرئه منه. إذا ادعى رجل على رجل دينا في ذمته أو عينا في يده فأنكر فجاء رجل إلى المدعي وصدقه وصالحه منه على شئ يبذله له فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك في دعوى دين أو [ في ] دعوى عين. فإن كان في دعوى دين فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يصالحه للمدعى عليه أو لنفسه فإن صالحه للمدعى عليه صح الصلح سواء كان ما أعطاه من جنس دينه أو من غير جنسه ولا فرق بين أن يكون بإذنه أو بغير إذنه لأنه إذا كان بإذنه فقد وكله في الصلح والتوكيل يصح فيه، وإن كان بغير إذنه فيكون قد قضى دين غيره ولا خلاف أنه يجوز أن يقضي دين غيره بغير إذنه كما قضى علي عليه السلام عن الميت وقضى أبو قتادة عن الميت، وإذا كان كذلك برء المدعى عليه وسقط دعوى المدعي، وهل يرجع الباذل

(1) في بعض النسخ (شرائط).

[ 290 ]

للمال على المدعى عليه؟ نظر فإن كان أعطاه بإذنه رجع عليه، وإن كان أعطاه بغير إذنه لم يرجع عليه، وكان متبرعا به. وإن كان أذن له في الصلح ولم يأذن له في وزن المال ودفعه فوزن (1) المال للمدعي لم يرجع عليه لأن الإذن في الصلح ليس بإذن في دفع المال. وإن كان قد صالح لنفسه فقال له: أنت صادق فيما تدعيه فصالحني على كذا ليكون الذي لك في ذمته لي فصالحه فهل يصح أم لا؟ قيل فيه: وجهان، ويكون ذلك بمنزلة شراء عين بدين في ذمة غير البايع، والصحيح أنه يجوز كما إذا اشتراه بعين في يد غيره على سبيل الوديعة. وإذا قلنا: يجوز فإن الخصومة يكون بين الباذل للمال، وبين مدعى عليه، ومن قال: لا يجوز قال: المدعى على دعواه ولا يملك ما قبضه، وإذا كان المدعى عينا في يده فلا يخلو المصالح من أحد أمرين: إما أن يصالحه لنفسه أو للمدعى عليه فإن صالحه للمدعى عليه جاز الصلح إذا أقر للمدعي بالعين وقال: إنه وكلني في مصالحتك فإذا وجد ذلك صح الصلح بينهما، وإن كان الوكيل صادقا في الوكالة وأذن له المدعى عليه في بذل المال عنه ويثبت ذلك ببينة أو تصديق (2) من المدعى عليه رجع بما أعطى على المدعى عليه وإن لم يثبت ذلك لم يرجع وكان متبرعا، وهل يملكه المدعى عليه في الباطن نظر فإن كان قد أذن له في الصلح ملكه، وإن لم يكن أذن له وكان الوكيل كاذبا فيما ذكره من التوكيل لم يملكه، وإن صالحه لنفسه وقال للمدعي: أنت صادق في دعواك فصالحني منه على كذا، أو أنا قادر على انتزاعه من يد الغاصب ينظر فيه فإن قدر على انتزاعه من يد الغاصب فقد استقر الصلح وإن لم يقدر على ذلك كان بالخيار بين أن يقيم على العقد، وبين أن يفسخه لأنه لم يسلم له ما عاوضه عليه. فإذا ثبت هذا جاز له التوكيل فيه لكنه لا يجوز له إنكاره إذا علم صدق المدعي في الباطن لأن الانكار كذب.

(1) في بعض النسخ (فيوزن).
(2) في بعض النسخ (ثبت بصدق).

[ 291 ]

وأما التوكيل لمن يقر له به ويصدقه فيه ويصالحه عنه توصل إلى شرائه وذلك جايز، وقال قوم: لا يجوز والأول أظهر. وإذا قال المدعى عليه: صالحني منه على كذا لم يكن ذلك إقرار بالمدعى، وإن قال: ملكني كان إقرار لأن ملكني صريح في أنه ملك للمدعي، وصالحني ليس بصريح فيه لأنا قد بينا أن الصحيح في الصلح أنه ليس ببيع، وإن قال: بعني يجب أن يكون إقرارا من المدعى عليه لأنه لا فرق بين قوله: ملكني وبين قوله: بعني. إذا أخرج من داره روشنا إلى طريق المسلمين فإن كان عاليا لا يضر بالمارة ترك ولم يقلع فإن عارض فيه واحد من المسلمين وجب قلعه لأنه حق لجميعهم فإذا أنكر واحد منهم لم يغصب عليه ووجب قلعه فأما إذا كان فيه ضررا بأن يكون لاطيا يضر بالمارة وجب قلعه ويعتبر الضرر في كل مكان بما يمر فيه. فإن كان شارعا فهو بما يمر فيه الأحمال الجافية والكنايس والعماريات والمحامل ولا يمنع من اجتياز ذلك، وإن كان دربا لا يجتاز فيه ذلك وإنما يمشي فيه الناس يعتبر إلا يكون مانعا من المشي وإن أدى إلى أن يظلم الطريق لم يكن ذلك إضرارا ولا يمنع من المشي وحكي عن قوم إنهم اعتبروا ما لم يمنع رمح الراكب وهو منصوب وكانوا يقولون: ربما زوحم الفرسان فيه فاحتاجوا إلى إقامة الرماح، وقال قوم: هذا غير صحيح لأنه يمكنهم أن يحملوها على أكتافهم وهو أقرب. والدرب الذي لا ينفذ من الناس من قال: هو بمنزلة النافذ لأن لكل أحد سلوكه والدخول فيه ومنهم من قال: إن ملاكه معينون فلا يجوز لأحد منهم إخراج الروشن إلا بإذن الباقين ولا يجوز أن يخرج روشنا إلى زقاق خلف داره بلا خلاف إذا لم يكن بابه إليه إلا بإذن أهل الزقاق لأنه لا طريق له فيه فلا خلاف أنه إذا أخرج روشنا لاطيا يضر بأهل الزقاق فرضوا به أنه يترك وهذا يدل على أن الحق لهم، ولا يجري مجرى الطريق النافذ. فإذا ثبت هذا فأخرج روشنا إلى درب نافذ من غير ضرر كان لجاره المقابل أن يخرج روشنا بإزائه على وجه لا يضر به وهو الآن يمنعه من الانتفاع به وإن كان [ الأول ]

[ 292 ]

قد أخذ أكثر الطريق لم يكن لجاره أن يطالبه بأن يقصر خشبه، وأن يرده إلى نصف الطريق لأن ما سبق إلى الانتفاع به فهو أحق به فإن سقط روشنه ولم يعده حتى أخرج جاره المقابل في موضعه روشنا كان له ولم يكن للأول مطالبته بقلعه كما إذا قعد رجل في الطريق كان أحق به فإن قام وقعد غيره ثم رجع لم يكن له مطالبته بالقيام منه. ومتى صالح السلطان أو رجل من المسلمين صاحب الجناج على أن يأخذ منه شيئا من المال ويترك جناحه لاطيا بالأرض مضرا بالناس لم يجز لأن في ذلك إضرارا بالمسلمين ولا يجوز أخذ العوض على ما فيه ضرر على المسلمين وإذا أشرع [ أشرح خ ل ] جناحا إلى زقاق غير نافذ قد بينا أنه لا يجوز له ذلك لأن ملاكه معينون فإن صالحوه على تركه بعوض يأخذونه منه لم يجز لأن في ذلك إفرادا للهواء بالبيع وذلك لا يصح. وأما إذا أراد أن يعمل ساباطا ويطرح أطراف الجذوع على حايط دار المحاذي له فلا يجوز له ذلك لغير أمر صاحب الحايط، ولا فرق بين أن يكون الدرب نافذا أو غير نافذ فإن أذن له صاحب الحايط في وضع الخشب على حايطه كان ذلك عارية منه، وله أن يرجع في هذا الإذن متى شاء ما لم يضع الجذوع على الحايط فإن وضعها على الحائط لم يكن له الرجوع بعد ذلك ما دامت تلك الجذوع باقية لأن المقصود بوضعها التأبيد والبقاء دون القلع فإن بليت وتكسرت بطل إذن المعير ولم يكن لصاحب الساباط أن يضع بدلها على حايطه إلا بإذن مستأنف فإن صالحه على وضعها بشئ أخذه منه أو باعه محامل الخشب فإنه يجوز وينظر إلى الجذوع إن كانت حاضرة، وإن لم تكن حاضرة ذكر عددها ووزنها ويذكر سمك البناء وطوله إن أراد أن يبني عليها فإذا فعل ذلك صار ذلك حقا له على حايطه لازما أبدا. إذا كتب صاحب الحايط على نفسه وثيقة أقر فيها أن لصاحب الساباط على حايطي حق الحمل فإنه ينظر فإن كان ذلك بعد عقد صلح جرى بينهما فإن ذلك يثبت لصاحب الساباط على حايطه ظاهرا وباطنا، وإن لم يكن تقدم هذا الاقرار عقد

[ 293 ]

صلح لزمه ذلك ظاهرا ولا يلزمه باطنا، ويكون بمنزلة ما لو أعاره حايطه ليطرح عليه جذوعه. وإذا ادعى رجلان دارا في يد رجل وقالا: إنها بيننا نصفين [ نصفان خ ل ] فأقر من الدار في يده بنصفها لأحدهما وصدقه في دعواه وكذب الآخر فإن المكذب يرجع على المقر له بنصف ما أقر له به من نصف الدار. وإذا ادعيا ملك الدار أو أضافا ملكها إلى سبب واحد يتضمن اشتراكهما في كل جزء منها مثل أن يضيفاها إلى ميراث أو شراء صفقة واحدة فإذا أقر لأحدهما بشئ كان بمنزلة الاقرار به لهما فاشتركا فيه فإن صالح المقر المقر له من النصف الذي أقر له به على مال يدفعه إليه فإنه ينظر فإن كان قد صالحه بإذن صاحبه كان الصلح صحيحا وكان المال الذي حصل معه بينهما نصفين، وإن كان قد صالحه بغير إذن صاحبه فإن الصلح باطل في حق صاحبه وهو نصف النصف ويكون بمنزلة من باع حقا له وحقا لغيره فإنه يبطل البيع في حق ملك الغير ويصح في حق نفسه فيكون الصلح جايزا فيما يخصه. إذا كانت المسألة بحالها وادعيا الدار ملكا مطلقا فأقر لأحدهما بالنصف لم يشتركا فيه ولم يكن إقراره لأحدهما إقرارا للآخر لأنهما لم يضيفاه إلى سبب يوجب الاشتراك وإذا كانت الصورة بحالها وادعيا الدار لكل واحد منهما نصفها فأقر من في يده الدار بجميعها لأحدهما ولم يقر للآخر بشئ ففيه أربع مسائل: إحديها: أن يكون الأخ المقر له بجميع الدار قد سمع منه إقراره بنصفها لأخيه قبل ذلك الوقت فإذا ملك الجميع قيل له: سلم نصفها إليه لأنك أقررت بأن له نصفها. والثانية: أن يقر له بنصفها في الحال فيقول: نصفها لي ونصفها لأخي فإنه يجب عليه قبضها ممن هي في يده وتسليم النصف منها إلى أخيه لأن إقراره بالنصف له في الحال والدار في ملكه آكد من إقراره المتقدم والدار ليست في ملكه. والثالثة: أن يقول: جميعها لي فإذا قال ذلك وجب تسليم جميعها إليه، ويكون

[ 294 ]

الخصومة بينه وبين أخيه في النصف فإن قيل: كيف يقبلون منه الدعوى في الكل و يدعي النصف قيل له: من له الكل فله النصف حقيقة. وإذا ادعى النصف له لم يقل: إن النصف الآخر ليس لي وإنما كانت دعواه مقصورة على طلب النصف فقط. والرابعة: أن يقول: ليس جميع الدار لي وإنما نصفها لي ولا أعلم النصف الآخر من هو فإنه يسلم نصف الدار إليه ويبقي النصف الآخر في يد من الدار في يده (1) ولا يصح منه إقراره لأن المقر له لم يقبله وقيل أيضا: إن هذا النصف الذي لم يقبل المقر له لا يبقى على ملك المقر وإنما ينتزعه الحاكم من يده ويكون بمنزلة المال الضال الذي لا يعرف صاحبه لأن المقر قد اعترف بأنه لا حق له فيه ولا يملكه والمقر له أقر أنه لا يملكه. وإذا أخرج منهما كان بمنزلة الضالة فيأخذه الحاكم ويؤجر الدار إلى أن يجد صاحبه، وقيل أيضا: إن هذا النصف يسلم إلى الأخ الآخر لأن كل واحد منهما قد اعترف أنه لا حق له فيه وهاهنا مدع له فيسلم إليه لأنا نعلم أنه لا مستحق له غيره وهذا ليس بصحيح لأنه يؤدي إلى تسليم المال إلى مدع من غير بينة ولا إقرار من الذي في يده ولا شاهد ويمين ولا شاهد وامرأتين وذلك لا يجوز. إذا ادعى على رجل دارا في يده فأقر له بها وصالحه منها على عبده دفعه إليه فإن ذلك بمنزلة البيع فإن استحق العبد رجع صاحب الدار على عين ماله وهي داره فطالبه بها كما إذا باع داره بعبد ثم استحق العبد رجع إلى الدار فطالب بها. وإذا ادعى دارا في يده فأقر بها له، وقال له: صالحني منها على أن أسكنها سنة ثم أدفعها إليك جاز ذلك وكان ذلك بمنزلة العارية لأنه أعاره داره ليسكنها بغير عوض فمتى شاء رجع في إعارته لأن العارية لا تلزم، وإن لم يكن أقر له بها بل جحدها ثم صالحه على سكناها سنة كان جايزا على ما قلناه في جواز الصلح على

(1) في بعض النسخ (لمن هو الدار في يده).

[ 295 ]

الانكار ووجب له سكناها سنة لأنه عوض عن جحوده فلا يجوز لمصالحه الرجوع فيه. ولو ادعى دارا في يد رجل فأقر له بها وصالحه منها على خدمة عبد بعينه سنة فإن ذلك إجارة عبد بدار إذا ثبت هذا ففيه ثلاث مسائل: إحديها: أن يبيع المولى هذا العبد بعد عقد الصلح على منافعه. والثانية: أن يموت العبد. والثالثة: أن يعتقه. فأما إذا باعه فقد ذكرنا أن بيع العين المستأجرة صحيح والمشتري بالخيار إن شاء رضى بالعين مستحقة المنافع وإن شاء رد المبيع (1). وأما إذا مات العبد فإنه ينظر فإن مات قبل مضى شئ من مدة الاستخدام فإن الإجارة تنفسخ ويرجع إلى عين داره فيطالب بها، وإن مات بعد مضي جميع المدة فقد استقرت الإجارة ولا تنفسخ بموته، وإن مات في خلال المدة فإن الصلح ينفسخ فيما بقي من المدة ولا ينفسخ فيما مضى. وأما إذا أعتقه سيده نفذ عتقه ولا يجب عليه أن يتم الخدمة لمستحقها ولا يفسخ العتق عقد الصلح على منافعه، وإنما يرجع بأجرة منافعه التي استحقت عليه بعد الحرية، وقيل: إنه لا يرجع بشئ عليه لأن هذا العبد صار حرا وهو لا يملك قدر ما يستحق من منافعه في حال رقه فلم يكن له فيها حق والأول أصح. إذا تنازع رجلان حايطا بين ملكيهما فإن الجدار لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون جدارا مطلقا غير متصل ببناء أحدهما دون بناء الآخر أو يكون متصلا ببناء اتصال البنيان فإن كان مطلقا وهو الجدار الذي يكون حاجزا بين الدارين وبين البستانين لا يقصد منه سوى السترة فإنه ينظر فإن كان لأحدهما بينة أنه له حكم له بها إذا أقامها، وإن لم يكن لواحد منهما بينة فأيهما حلف ونكل (2) صاحبه حكم له بالجدار فإن حلفا معا أو نكلا معا حكم بالجدار بينهما نصفين لأنهما يستويان في الانتفاع

(1) في بعض النسخ (رد الجميع).
(2) في بعض النسخ (مع نكول).

[ 296 ]

والظاهر أنه بينهما، وإن كان الجدار متصلا ببناء أحدهما اتصالا لا يمكن إحداثه (1) بعد البناء مثل أن يكون الحايط بينهما أو لأحدهما عليه عقد أزج (2) أو بناء قبة أو لم يكن له عليه شئ من ذلك لكنه متصل ببناء ملكه في سمكه وحده وعلوه وبنائه مخالف لبناء جاره فإن‍ [ ه ] تقدم بذلك دعواه فيكون القول قوله مع يمينه أنه له وعلى خصمه البينة لأن الظاهر أنه له لأنه إذا كان متصلا ببنائه اتصالا لا يمكن إحداثه بعد بناء الحايط فالظاهر أنه ملكه، وإنما كلفناه اليمين لأنه يحتمل أن يكونا قد اشتركا في بنائه وأذن لصاحبه في أن يبني عليه الأزج والقبة أو صالحه من بناء الأزج والقبة عليه على شئ أخذه منه فيكون في الباطن بخلاف الظاهر فلذلك حلفناه، وإن استعملنا القرعة على ما روي [ نرى خ ل ] في الأمور المشكلة من هذه المسائل كان قويا ولا نظر إلى من إليه الخوارج يعني خارج الحايط، ولا الدواخل يعني داخل الحايط ولا إلى أنصاف اللبن يعني أن الحايط إذا كان أحد جانبيه مبنيا بأنصاف اللبن [ أ ] والآجر والجانب الآخر مبطنا بالثكنك (3) والمدر فإنه لا يحكم به لمن أنصاف اللبن إليه ومعاقد القمط روى أصحابنا أنه يحكم به وهي مشاد خيوط الخص (4) ويسمى الخيوط قمطا لأنه يقمط بها القصب فإذا كانت العقد إلى أحد الجانبين وكان الخلف في الخص قدم دعوى من العقد إليه. إذا تنازعا في جدار بين ملكيهما وهو غير متصل ببناء أحدهما، وإنما هو مطلق ولأحدهما عليه جذوع أو جذع فإنه لا يحكم بالحائط لصاحب الجذوع لأنه لا دلالة في ذلك وقيل: إنه يحكم لصاحب الجذوع دون صاحب الجذع الواحد والأول أحوط. وإذا تنازع رجلان دابة وأحدهما راكبها، والآخر آخذ بلجامها فإنه يحكم

(1) في بعض النسخ (اجزائه).
(2) الأزج: بيت يبنى طولا. مصباح. هكذا في هامش المطبوع.
(3) في بعض النسخ (المنكل) وفي هامش المطبوع: المنكل: أي الصخر.
(4) الخص بالضم بيت يبنى من قصب. كذا في هامش المطبوع.

[ 297 ]

بها لأقويهما يدا وآكدهما تصرفا وهو الراكب، وقيل: إنها تجعل بينهما نصفين وهو الأحوط. وإذا اختلفا في أساس الحايط وملك الحائط لأحدهما فإنه يحكم بالأساس لمن الحايط له لأنه يحمل ملكه. فأما التجصيص والتزريق والتبطين [ والتطين خ ل ] والجذع الواحد ولا خلاف أنه لا يحكم به. وإذا تنازع رجلان عمامة وفي يد أحدهما تسعة أعشارها، وفي يد الآخر عشرها فإنها تجعل بينهما نصفين بلا خلاف. وإذا تداعيا عبدا ولأحدهما عليه قميص فإنه لا يحكم له بلا خلاف، ولا خلاف أنه لا يحكم بطرح الجذوع على حايط الساباط الذي بحذاء داره [ جداره خ ل ]. وإذا كانت غرفة في دار انسان لها باب مفتوح إلى غرفة جاره وتداعياها فإنه يحكم بها لمن هي في داره لأنها بعض الدار، ولا اعتبار بالباب المفتوح إلى الجار بلا خلاف. وإذا تداعيا رجلان جملا ولأحدهما عليه حمل فإنه يحكم به لصاحب الحمل بلا خلاف. وإذا كان حايط مشترك بين جارين فقد بينا أنه إذا كان مطلقا كان بينهما نصفين فإذا ثبت هذا فإنه لا يجوز لأحدهما أن يفتح فيه كوة للضوء إلا بإذن صاحبه لأن الحايط ملك لهما ومشترك بينهما فلم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف إلا بإذن صاحبه ولا يجوز أيضا أن يبني على هذا الحايط بناء إلا بإذن شريكه، ولا يجوز له أن يدخل فيه خشبا وأجذاعا إلا بإذنه سواء كان خشبا يسيرا أو كثيرا فإن أذن له في وضع الخشب عليه جاز له وضعه ويكون ذلك إعارة منه للحايط فلو أراد أن يرجع في عاريته كان له ذلك ما لم يضع الخشب على الحايط. فأما إذا وضع الخشب على الحايط وبنى عليه لم يجز له الرجوع في العارية لأن في رجوعه إضرارا بمال شريكه وإتلافا لمنفعته فلم يكن له ذلك فإن وضع الخشب على

[ 298 ]

الحايط ثم انهدم السقف أو تعمد قلعه لم يكن له إعادته إلا بإذن مجدد من شريكه لأن ذلك عارية، وللمعير أن يرجع في عاريته إذا لم يكن فيه إضرار بالمستعير هذا كله إذا أذن له في وضع الخشب. فأما إذا ملكا الدارين ورأيا الخشب على الحايط ولا يعلمان على أي وجه وضع ثم انهدم السقف فإنه ليس لصاحب الحايط أن يمنعه من رده لأنه يجوز أن يكون قد وضع بعوض فلا يجوز الرجوع فيه بحال بلا خلاف فإن أراد صاحب الحايط الذي عليه الخشب نقض الحايط فإنه ينظر فإن كان الحايط صحيحا منع من نقضه لأنه يريد إسقاط حق المستعير به فيمنع منه، وإن كان الحايط مستهدما فله نقضه، وينظر فإن أعاده بتلك الآلة لم يكن له منعه من رد الخشب والسقف عليه، وإن أعاده بغير تلك الآلة كان له منعه، وقيل: ليس له منعه، والأول أقوى. إذا قال: والله لا أستند إلى هذا الحايط ثم انهدم وبنى ينظر فإن بنى بتلك الآلة حنث ويقوى في نفسي أنه لا يحنث لأن الحايط الثاني ليس هو الأول لأن الحايط عبارة عن ألة وتأليف مخصوص ولا خلاف أن تأليفه قد بطل. فأما إذا حلف ألا يستند إلى خزانة ساج بعينها وكانت مما تنخلع فخلعت ثم عيد تركيبها فإنه يحنث بالاستناد إليها بلا خلاف لأنها هي التي حلف عليها. فأما إذا أعيد بناء ذلك الحايط بغير تلك الآلة التي ينقضها لم يحنث بلا خلاف لأن اليمين تناولت عين ذلك الحايط وقد زالت عينه وهذه عين أخرى فلم يحنث بها. إذا حلف ألا يكتب بهذا القلم وكان مبريا فكسر مبرأته (1) واستأنف برأة أخرى وكتب بها لم يحنث، وإن كانت إلا بنوبة واحدة لأن القلم اسم للمبري دون القصبة وإنما تسمى القصبة قبل البري قلما مجازا لا حقيقة ومعناه أنها تصير قلما، وكذلك إذا قال: لا أبري بهذه السكين ثم إنه أبطل حدها وجعل موضع الحد من رائها وبرى بها لم يحنث.

(1) في نسخة (برأته).

[ 299 ]

إذا انهدم الحايط المشترك، وأراد أحدهما أن يقاسم صاحبه عرصة الحايط فإن اتفقا على ذلك جاز لهما أن يقتسماها كيف شاء وأن أراد أحدهما وامتنع الآخر ذلك [ نظر ] فإن أراد قسمة الطول أجبر الممتنع منهما على ذلك، وقسمة الطول هو أن يقدر العرصة ويخط في عرضها خطا يفصل بين الحقين مثال ذلك هذان الخطان رسم [ وسم خ ل ] القسمة بالطول فإذا فعل ذلك أقرع بينهما فأيهما خرجت عليه القرعة أخذه وبنى عليه بناء يختص به ليس لشريكه فيه حق. وأما إذا اختار أحدهما قسمة عرضة قيل فيه: وجهان: أحدها: لا يجبر عليه لأن القرعة لا يدخلها. والثاني: وهو الصحيح أنه يجبر عليه لأنها قسمة ليس فيها إضرار بواحد منهما إلا أنه إذا قسم قسمة العرض أجبر كل واحد منهما على أخذ ما يليه فأما القسمة التي فيها الرد فلا يدخلها القرعة بلا خلاف لأنها بيع والبيع لا يجبر عليه، ومثال قسمة العرض أن يخط خطا في طول العرصة فإذا كان مقدار العرض مثلا ذراعا جعل مما يلي ملك كل واحد منهما نصف ذراع مثال ذلك هذا إذا أراد أحدهما قسمة العرصة فأما إذا أراد أحدهما قسمة الحايط نفسه فإن تراضيا على ذلك جاز طولا وعرضا، وإن أراد أحدهما وامتنع الآخر فمن الناس من قال: لا يجوز الاجبار على قسمة الحايط طولا وعرضا لأن قسمته عرضا لا يمكن، وأما الطول فإن قسم وخط على حد القسمة لم يفد شيئا لأن أحدهما إذا وضع على نصيبه من الحايط خشبا أضر بنصيب شريكه لأن البناء يجر بعضه بعضا فإن قسما طوله ثم قطعاه بالمنشار لم يجز لأن فيه اتلاف الحايط وإزالة السترة منه فلم يجبر الشريك عليه مثل الجوهر والثوب المثمن الذي ينقص بقسمته، وفي الناس من قال: يقسم طول الحايط كما يقسم طول العرصة، ولا يقسم عرضه على حال لأن قسمته لا يتصور. إذا انهدم الحايط المشترك فإنهما لا يجبران على المبانات فإن اصطلحا على أن يبنيا جميعا ويكون لأحدهما ثلثه وللآخر ثلثاه ويكون لكل واحد منهما أن يحمل عليه ما شاء فإن ذلك صلح باطل لأمور:

[ 300 ]

أحدهما: أن اشتراط حمل مجهول لا يجوز فإن الحايط لا يحمل كل شئ. وثانيها: أن أحدهما اشترط على صاحبه الانتفاع بحايط لم يوجد بعد وشرط الانتفاع بما لم يوجد لا يجوز، ومنها أن سبيل هذا الحايط إذا بنياه أن يكون بينهما نصفين فإذا شرط أحدهما أن يكون له ثلثاه فقد استوهب سدس (1) حصة شريكه وهبة ما لم يوجد لا يجوز فبطل هذا الصلح لذلك فإن عينا مقدار الخشب الذي يريد أن يحمله على الحايط بطل الصلح أيضا لأنه هبة ما لم يوجد وشرط الانتقاع بما لم يوجد لا يجوز. إذا كان لرجل بيت وعليه غرفة لرجل آخر وتنازعا في حيطان البيت فالقول فيها قول صاحب البيت. فإن كان التنازع في حيطان الغرفة كان القول قول صاحب الغرفة وعلى صاحب البيت البينة، وإن تنازعا في سقف البيت الذي عليه الغرفة فإن لم يكن لواحد منهما بينة حلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه فإن حلفا كان بينهما نصفين، والأحوط أن يقرع بينهما فمن خرج اسمه (2) حلف وحكم له ولا خلاف أنه لا يجوز لصاحب السفلاني أن يسمر مسمارا في سقف هذا البيت إلا بإذن صاحب العلو ولا لصاحب العلو أن يتدفيه وتدا إلا بإذن صاحب السفل. إذا كان بين الرجلين حايط مشترك فانهدم وأراد أحدهما أن يبنيه وطالب الآخر بالاتفاق معه فلا يجبر عليه. وكذلك إذا كان بينهما نهرا أو بئرا فطالب أحدهما بالنفقة على تنقيته لا يجبر عليه، وكذلك إذا كان بينهما دولاب يحتاج إلى العمارة فطالب أحدهما شريكه لا يجبر عليه، وكذلك إذا كان السفل لواحد والعلو لآخر فانهدم لا يجبر صاحب السفل على إعادة الحيطان التي تكون عليها الغرفة، وفي الناس من قال يجبر عليه فمن قال بذلك قال في الحايط المشترك إذا انهدم: أجبر الحاكم المتمنع منهما على البناء فإن

(1) في بعض النسخ (ثلث من).
(2) في بعض النسخ (سهمه)

[ 301 ]

امتنع وكان له مال ظاهر أتفق عليه منه وإن لم يكن له مال ظاهر وأذن الحاكم للشريك في بنائه والانفاق عليه جاز وكان نصف النفقة في ذمته. إذا ظهر له مال أخذ منه وكان الحايط بينهما، ولكل واحد منهما إعادة رسمه من الخشب عليه وإن تبرع الشريك وبناه من ماله من غير إذن الحاكم فإن كان قد بناه بآلة الحايط ولم يضرها فإن الحايط لهما كما كان وليس للثاني [ للباني خ ل ] فيه عين ماله وإنما له أثر فلا يجوز له نقضه ولا منع صاحبه من الانتفاع به ولا مطالبته بنصف ما أنفق عليه لأنه متطوع به بغير إذن الحاكم، وإن بناه بغير تلك الآلة وإنما استحدث آلة جديدة وبناه بها فإن الحايط للثاني [ للباني خ ل ] ولا حق للشريك فيه، وإن أراد شريكه أن ينتفع به لم يكن له، وإن أراد الثاني نقضه كان له ذلك إلا أن يقول شريكه: أنا أعطيك نصف القيمة فلا يكون له نقضه وأجبره الحاكم عليه كما يجبره على ابتداء البناء عنده، ومن قال بقولنا قال: إن الحاكم لا يجبره على الانفاق فإن أراد الشريك أن يبنيه من ماله لم يمنع منه فإن بناه من ماله من آلة الحايط المنهدم فإنه بينهما كما كان وهو متبرع بما أنفقه وليس له منع شريكه من الانتفاع به وليس له نقضه لأنه مشترك بينهما، وإن بناه بآلة جديدة فالحايط للثاني وله منع شريكه من الانتفاع به وإعادة رسومه من الخشب المحمول عليه، وإن أراد نقضه كان له لأنه حايطه لا حق لشريكه فيه: وإن قال شريكه: أنا أعطيك نصف قيمة الحايط لم يمنع من نقضه لأنه في الابتداء لم يجبر على بنائه فإذا بناه لا يجبر على تبقيته، وإن قال للشريك الباني: أنا لا أنقضه وأمنعك من الانتفاع به وأن تعيد رسمك من الخشب عليه قال شريكه: أنا أعطيك نصف قيمته وأعيد رسمي من الخشب كان له ذلك، ويقال للباني: أنت بالخيار بين أن تأخذ منه نصف قيمة الحايط، وبين أن ينقضه حتى تعيدا جميعا حايطا بينكما لأن قراره مشترك بينكما وله حق الحمل عليه فلا يجوز الانفراد به. وأما إذا كان ذلك في البئر فمن قال: يجبر على الاتفاق قال الحاكم: يجبره فإن امتنع وكان له مال ظاهر أنفق منه، وإن لم يكن له مال ظاهر أذن للشريك في الاتفاق فإذا أنفق رجع على شريكه إذا ظهر له مال،

[ 302 ]

وإن تبرع بالانفاق من غير إذن الحاكم لم يكن له الرجوع، وعلى ما اخترناه من أنه لا يجبر فمتى أنفق الشريك كان متبرعا وليس له منع شريكه من الاستيفاء لأن الماء الذي فيها ينبع من ملكهما جميعا فهو بينهما نصفين وليس للمنفق فيه عين مال، وإنما له أثر إلا أن يكون الحبل والدلو والبكرة له فيكون له منعه من الاستيفاء بهذه الآلات فإن استأنف الشريك لنفسه آلة لم يكن له منعه من الاستيفاء فأما إذا كان ذلك بين صاحب السفل والعلو فإذا انهدم صاحب (1) السفل فمن قال، يجبر على الانفاق قال: أجبره الحاكم على إعادة الحيطان كما كانت من مال نفسه، وإن امتنع أنفق الحاكم على إعادة الحيطان كما كانت من ماله، وإن لم يظهر له مال أذن لصاحب العلو في بناء حيطان السفل، وتكون النفقة في ذمة صاحب السفل وتكون الحيطان له دون صاحب العلو لأنه بناها بإذن الحاكم ثم يعيد هو عليه حقه من الغرفة، وتكون نفقة الغرفة وحيطانها من ماله دون مال صاحب السفل ويكون السقف بينهما ويرجع بنصف نفقة السقف على صاحب السفل وينتفع صاحب السفل بالحيطان لأنها له، وإن كان بناها صاحب العلو لأنه بناها له، وإن بناها صاحب العلو متبرعا من غير إذن الحاكم لم يرجع على صاحب السفل بشئ سواء قيل: بأنه يجبر صاحب السفل على البناء أو لا يجبر، ونظر فإن كان بناها بآلة الحيطان المنهدمة كانت الحيطان لصاحب السفل لأن الآلة كلها له، ولم يكن لصاحب العلو منعه من الانتفاع بها وليس له نقضها لأنها لصاحب السفل وكان له إعادة حقه من الغرفة. فإن كان صاحب العلو بناها بآلة جديدة فالحيطان لصاحب العلو، وليس لصاحب السفل أن ينتفع بها إلا بإذن صاحب العلو ولكن له أن يسكن في السفل، وليس لصاحب العلو منعه من سكناها وإنما له أن ينتفع بالحيطان بأن يغرز فيها وتدا أو يفتح فيها كوة. وأما سكناه في السفل فليس بانتفاع بالحيطان، وإن كان انتفاعا فليس مما فيه ضرر، وإنما هو بمنزلة استناد أحد الشريكين في الحايط إلى الحايط، وكالمشي في ضوئه.

(1) في بعض النسخ المخطوطة (حيطان)

[ 303 ]

ولو أراد صاحب العلو أن ينقض هذه الحيطان التي بناها بآلة جديدة كان له لأنها ملك ولو منعه صاحب السفل من نقضها لم يكن له، وإن بذل القيمة لأن صاحب العلو لا يلزمه أن يبني حيطان السفل، وليس لصاحب السفل مطالبة صاحب العلو بالبناء بلا خلاف. ومتى أفاد صاحب السفل مالا أخذ منه قيمة ما أنفق في السفل إذا كان أنفقه بإذن الحاكم، وإن كان أنفق من غير إذنه فالصحيح أنه ليس له أخذه منه لأنه متطوع به إلا أن يراضيه عليه. وقد ذكرنا إذا انهدم الحايط المشترك بينهما فأما إذا هدمه أحدهما بغير إذن شريكه متعديا لزمه أن يعيده، وهكذا إذا هدمه بإذن شريكه على أن يبنيه بنفقته وجب عليه ذلك فيلزمه البناء بأحد هذين الشرطين: إما التعدي أو الشرط. وإذا كانت في داره شجرة فانتشرت أغصانها ودخل بعضها إلى دار جاره فإن له أن يطالبه بإزالة ما شرع في داره من أغصان الشجرة لأن هواء داره ملك له على طريق التبع، ولهذا يجوز (1) له أن يعلي ما شاء في هواء ملكه، وليس لأحد منازعته فيه. فإذا ثبت ذلك نظر في الغصن فإن كان لينا يمكن أن يعطف ويشد إلى الشجرة وجب عليه أن يعطفه، وإن كان خاشئا لا يمكن أن يعطفه لزمه قطعه وينظر فيه فإن كان الحايط لصاحب الشجرة قطع من حيث جاوز الحايط، وإن كان الحايط لصاحب الدار أو كان مشتركا بينهما وجب قطعه من حيث بلغ الحايط حتى يفرغ هذا الحايط، وإن لم يفعل ذلك صاحب الشجرة كان لصاحب الدار قطعه، ولا يحتاج إلى الحاكم كما إذا دخل إلى داره رجل أو بهيمة لغيره كان له إخراجه بنفسه، ولا يحتاج في ذلك إلى الحاكم فإن قال صاحب الشجرة لصاحب الدار: صالحني على مال يبذله له ليترك الأغصان بحالها فصالحه نظر فإن كان الغصن رطبا يزيد فالصلح باطل لأنه مجهول فإنه يزيد في كل حال ولا يعرف قدره ولأنه بيع الهواء من غير قرار وذلك لا يجوز، وإن كان الغصن يابسا لا يزيد نظر فإن لم يكن معتمدا على حايط

(1) في بعض النسخ [ ثبت ].

[ 304 ]

صاحب الدار لم يجز أيضا لأنه بيع الهواء منفردا، وإن كان معتمدا على حايطه أو حايط مشترك بينهما جاز الصلح ويكون ذلك بيع ما عليه الغصن من الحايط وهذا جايز لأنه معلوم وصلح على قرار دون الهواء. إذا ادعى على غيره دراهم في ذمته أو دنانير في ذمته فأقر له بها ثم صالحه من دراهم على دنانير ومن دنانير على دراهم صح الصلح وهو فرع الصرف فما صح في الصرف صح في الصلح، وما بطل في الصرف بطل فيه، وقد مضى حكم الصرف في البيوع، وقد قلنا: يجوز أن يكون العوضان معينين، ويجوز أن يكونا موصوفين ويتعينان قبل التفرق ولا يجوز حتى يتقابضا قبل التفرق فإذا تفارقا قبل التقابض كان ربا، وإن كان المقر به دراهم في ذمة لمقر فصالحه على دنانير معينة أو موصوفة فيعنها وقبضها قبل أن يفارقه جاز والدراهم التي في ذمته يسقط عنه وصارت مقبوضة، وأما إذا قبض البعض وفارقه فقد بطل الصرف فيما لم يقبض ولم يبطل فيما قبض كما قلناه في تفريق الصفقة. وأما إذا ادعى عليه دراهم فأقر له بها ثم صالحه منها على بعضها فإنه لا يجوز لأن ذلك ربا لأنه لا يجوز بيع دراهم أو دنانير بأقل منها ولكن إن قبض بعضها وأبرأه من الباقي صح ويكون هذا الصلح فرعا للإبراء. وإذا كانت دار في أيدي ورثة فيدعيها رجل عليهم فيقر بها أحدهم له ويصدقه في دعواه ويصالحه منها على شئ بعينه يدفعه إليه فهذا جايز ثم ينظر فإن كان إقراره بإذن الورثة الباقين رجع عليهم، وإن كان بغير إذنهم لم يرجع وكان متطوعا به. وإذا ادعى رجل على جماعة ورثة أن له في ذمة مورثهم دينا وإن الدار التي في أيديهم رهن في يده به فيقر بها بعضهم له ويصدقه فيه ثم يصالحه من الدار [ الدين خ ل ] على مال يدفعه إليه أيضا كان هذا الصلح جايزا ويكون مثل الأولى سواء ويكونان جميعا بمنزلة الصلح مع الأجنبي. وإذا ادعى رجل بيتا في يد رجل فأقر له به وصالحه منه على أن يبني عليه غرفة ويسكنها فإن هذا الصلح جايز ويكون فرعا على العارية لأنه قال: هذا البيت لك ولكن تعيرني أعلاه لأبني عليه سكنا فيجوز لصاحب البيت أن يرجع فيه ما لم

[ 305 ]

يضح المستعير الخشب عليه ولا يصح ذلك إلا بعد أن يكون قدر ما يبنيه معلوما لأن حيطان البيت لا يحمل جميع ما يحمل من البناء ويكون ذلك مخالفا للأرض. إذا أعارها ليبني عليها لأنه ليس من شرطه أن يبني مقدارا من البناء لأن الأرض حمالة لجميع ما يبني عليها. وإذا ادعى رجل بينا في يد رجل فيقر له به ويكون على البيت غرفة لهذا المقر فصالحه من هذا البيت الذي أقر له به على الغرفة التي فوقه على أن يبني على حيطان البيت بيتا [ بناء خ ل ] معلوما كان ذلك جايزا ويكون هذا الصلح فرعا للبيع فكأنه ناقل بيتا بغرفة ويجب عليه بيان ما يريد بناه على حيطان البيت. فإذ فعل ذلك بنى عليه قدر ما اشترط. إذا اشترى رجل من غيره غرفة له على بيت في يده، ويشترط عليه أن يبني على حيطان البيت بناء، ويكون ساكنا على أرض الغرفة فإن ذلك يجوز بعد أن يشترط عليه منتهى البنيان لأن الحايط لا يحتمل كل ما يبنى عليه فإذا فعل ذلك جاز. فإذا ثبت هذا صار سفل البيت لرجل والعلو لآخر. إذا كان خان له علو وسفل وفي أعلاه بيوت وفي أسفله بيوت كل واحد منها في يد رجل غير صاحبه فتداعيا سفله نظر فإن كانت الدرجة التي يرتقي منها إلى علو الخان في صدر الصحن كان السفل بينهما نصفين لأن كل واحد منهما فيه حقا وحق صاحب العلو في الاستطراق في وسطه إلى الدرجة، وإن كانت الدرجة في دهليز الخان فهل يكون سفل الخان بينهما؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: أن القول قول صحاب السفل لأن جميعه في انتفاعه وحقه ولا حق لصاحب العلو فيه. والثاني: أن السفل في أيديهما لأنه بعض من الخان والخان بينهما فكانت أرضه بينهما والأول أصح، وهكذا إذا لم تكن الدرجة في الدهليز وكان في بعض صحن الخان فإن ما بين الباب والدرجة يكون بينهما لأنهما ينتفعان به وما بعد الدرجة إلى صدر الخان يكون على الوجهين هذا إذا تنازعا في أرض الخان.

[ 306 ]

فأما إذا تنازعا في الدرجة التي يرتقى منها فالقول قول صاحب العلو لأن الظاهر أن ذلك في يده وانتفاعه وأنها لم تعمل إلا للصعود إلى العلو، وإن كانت الدرجة معقودة كالأزج وتحتها موضع ينتفع به كالخزانة فقيل فيه: وجهان: أحدهما: أنها بينهما لأنها في انتفاعها جميعا فإن صاحب العلو ينتفع بها للصعود عليها وصحاب السفل ينتفع بها ليخبأ تحتها قماشه. والثاني: أنها يكون لصاحب العلو لأن الدرجة ليقصد بنيانها إلا الصعود عليها ولا يقصد [ و ] أحد عمل خزانة بعقد درجة ويخالف السقف فإنه قد يقصد بنيانه ستر البيت دون عمل الغرفة وقد يقصد به عمل الغرفة دون ستر البيت فلذلك كان بينهما وهذا أقوى، وكذلك إن كان الحايط متصلا ببناء أحدهما اتصال البنيان كان في يده لأن الظاهر أنه بنى لبنائه، وإن كان لجاره منه ستره. وإذا كان زقاق غير نافذ فيه بابان لرجلين وأحد البابين قريب من باب الزقاق، والآخر أبعد منه ويخلو باقي الزقاق إلى صدره من باب واحد واختلفا فقال من بابه أقرب إلى باب الزقاق: جميع هذا الزقاق بيننا نصفين، وقال من بابه أدخل إلى الزقاق: نحن سواء في قدر من الزقاق وهو من باب الزقاق إلى حد باب دارك وما زاد على ذلك إلى آخر الزقاق فهو لي دونك فإن من باب الزقاق إلى أقربهما بابا يكون بينهما نصفين لأن لهما فيه حق الاستطراق وما بعد ذلك إلى الباب الثاني في استطراق الثاني فهو في يده وما وراء الباب الثاني إلى آخر الزقاق يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما في صحن الخان. إذا ادعى رجل على رجل زرعا في يده فأقر له به ثم صالحه منه على دراهم أو دنانير فإنه ينظر فإن صالحه بشرط القلع [ قطع خ ل ] فإن الأرض لا تخلو من أحد أمرين: إما أن يكون للمشتري أو لغيره. فإن كانت لغير المشتري أجبر على القطع وإن كانت للمشتري وهو المقر فإنه لا يجبر على القطع لأنه ملكه. وإذا باعه مطلقا فإنه ينظر فإن لم تكن الأرض للمشتري الذي ملك الزرع لم يصح الصلح، وإن كانت الأرض له فهل يصح البيع؟ قيل فيه: وجهان:

[ 307 ]

أحدهما: أن الصلح باطل. والثاني: أنه جايز وهو الأولى لأنه حصل في أرض هي ملكه فكان بمنزلة ما لو ملك الأرض والزرع، ومن قال: بالأول قال: هذا ليس بصحيح (1) لأنه إذا ملك الأرض والزرع كان الزرع تابعا للأرض فلذلك صح فيه، وهاهنا الزرع مفرد (2) عن الأرض فلم يصح فيه الصلح مطلقا. وإذا ادعى رجل على رجلين زرعا فأقر أحدهما بنصيبه له ثم صالحه على ذلك وهو نصف الزرع فإنه ينظر فإن كانت مطلقا من غير شرط القطع فإن كانت الأرض لغير المشتري لم يصح الصلح وإن كانت الأرض له فعلى الوجهين على ما مضى. وإذا صالحه بشرط القطع لم يصح لأن قطع نصفه لا يمكن فإن لكل واحد منهما حقا في كل طاقة منه ولا يصح قسمته وقطع نصفه لأن قسمة الزرع لا تصح، ولا يصح أن يقاسمه ثم يقطعه لأن قسمة الزرع قبل الحصاد لا تصح ولا تضبط. إذا ادعى رجل دارا في يد رجلين فأقر له أحدهما بحصته منها وأنكر الآخر فقد جعلنا القول قوله مع يمينه فحلف واستحق النصف ثم إن المقر له صالح المدعي من النصف الذي أقر له به على مال يدفعه إليه كان ذلك جايزا ويكون قد اشترى من المدعي نصف هذه الدار. فإذا ثبت هذا فهل يرجع المنكر على المقر بالشفعة في النصف الذي ملكه بعقد الصلح أم لا؟ ينظر فإن كان قد تقدم منه إقرار بأن هذا المدعي لا حق له فيما يدعيه من الدار بوجه لم يكن له أن يأخذ النصف بالشفعة لأنه قد أقر بأن شريكه يستحقه لا بالصلح وأن النصف باق على ملكه كما كان، وإن كان لم يتقدم منه (3) إقرار بذلك كان له أن يأخذ منه بالشفعة.

(1) في بعض النسخ (غير صحيح).
(2) في بعض النسخ (منفرد) (3) في بعض النسخ (ما تقدم منه).

[ 308 ]

إذا أتلف رجل على رجل ثوبا يساوي دينارا فأقر له به وصالحه منه على دينارين لم يجز ذلك وكان ربا، وفي الناس من أجازه وهو أبو حنيفة وهو قوي لأنا قد بينا أن الصلح ليس ببيع وأنه عقد قايم بنفسه. إذا ادعى عليه مالا مجهولا فأقر له به وصالحه منه على شئ معلوم صح الصلح من المجهول على المعلوم لأن الصلح إسقاط حق وإسقاط الحق يصح في المجهول والمعلوم. إذا ادعى على رجل عينا في يده فأقر له بها ثم صالحه منها على مال بعينه جاز ذلك إذا كانت العين معلومة لهما في أنفسهما وليس من شرط الصلح وجوازه أن يصفا العين في نفس العقد كما ليس ذلك من شرط البيع إذا كانت العين معلومة لهما بالمشاهدة. إذا ادعى رجل على رجل زرعا في أرضه وفي يده فأقر له بنصفه ثم صالحه من هذا النصف الذي أقر به من الزرع على نصف الأرض التي له لم يجز ذلك لأنه إن أطلق ذلك ولم يشترط فيه القطع لم يجز، وإن شرط قطعه لم يجز لأنه لا يمكنه [ الا ] قطع القدر الذي شرط قطعه فإن كل طاقة مملوكة بينهما، ولا يجوز شرط قطع الجميع لأنه يؤدي إلى قطع ما تناوله العقد وما لم يتناوله وذلك لا يجوز فأما إذا صالحه من هذا النصف الذي أقر به على جميع الأرض على أن يفرغ له المبيع ويقطع النصف الذي اشتراه كان جايزا لأن نصف الزرع وجب قطعه بالبيع والنصف بالشراء فصار قلع جميعه مستحقا بنفس العقد نصفه بشرط التفريغ ونصفه بشرط القطع. ومن باع أرضا مزروعة وشرط تفريغها من الزرع في الحال جاز ذلك هذا إذا أقر بنصف الزرع. فأما إذا أقر بجميع الزرع ثم صالحه من نصفه على نصف الأرض حتى تصير الأرض والزرع بينهما نصفين نظر فإن كان الزرع حصل في أرضه بإذن صاحبها فإن قطعه غير مستحق عليه فإذا شرط قطع نصفه لم يجز لأن المشتري لا سبيل له إلى قطع نصفه لأنه غير متميز، ولا يجوز شرط قطع جميعه لأنه يؤدي إلى أن يشرط في العقد قطع ما ليس بمعقود عليه. وإن كان الزرع حصل في تلك الأرض بغير حق.

[ 309 ]

فإذا اشتراه بمال في ذمته أو صالح عليه بشرط القطع جاز لأنه لا يلزمه قطع النصف الذي لم يعقد عليه ويلزمه قطع النصف الآخر بالشرط الذي حصل في العقد إذا كان لرجلين داران في زقاق غير نافذ، ولكل واحد منهما دار وليس في ذلك الزقاق دار أخرى وباب أحدهما قريب من باب الزقاق وباب الآخر في وسط الزقاق فإن أراد (1) صاحب الباب الأول أن يقدم بابه إلى باب (2) الزقاق كان له ذلك لأنه يترك بعض حقوق الاستطراق، وإن أراد أن يؤخره إلى صدر الزقاق لم يكن له ذلك لأنه يزيد في حقه فأما صاحب الباب الذي في وسط الزقاق فإن له أن يقدمه إلى باب الزقاق لما تقدم ذكره، وإن أراد أن يؤخره إلى داخل الزقاق فلا يجوز ذلك لأنه بينهما على ما مضى القول فيه. إذا كان ظهر داره إلى زقاق نافذ وأراد أن يفتح إليه بابا كان له ذلك لأن له أن يستطرق في هذا الزقاق النافذ وفتح الباب إليه انتفاع بما لم يتعين فيه ملك أحد من غير ضرر فجاز له ذلك وله أن يفتح إليه كوة للضوء أيضا. فأما إذا كان الزقاق غير نافذ فلا يجوز له أن يفتح إليه بابا إلى داره لأنه ليس له حق الاستطراق في ذلك وكذلك ليس له أن يشرع إليه جناحا وقال قوم له إشراع الجناح، والأول أقوى فإن قال: أفتح الباب ولا أستطرق لكني أغلقه قيل فيه: وجهان: أحدهما: أن له ذلك كما أن له رفع جميع الحايط. والثاني: ليس له ذلك لأن [ له ] فتحه في الجملة دلالة على الاستطراق وثبوت الحق (3) في ذلك الزقاق، وهذا أقوى.

(1) في بعض النسخ (أذن).
(2) في بعض النسخ (أن تقدم إلى باب). (3) في بعض النسخ (وثبوتا للحق).

[ 310 ]

فأما إذا أراد أن يفتح إليه شباكا أو كوة جاز ذلك لأنه ليس باستطراق ولا دال عليه. إذا كان له داران في زقاقين غير نافذين وظهر كل واحد منهما إلى الأخرى فإن أراد أن يفتح ما بين الدارين بابا حتى ينفذ كل واحدة منهما إلى الأخرى جاز له ذلك وقال قوم: ليس له ذلك لأنه يجعل الزقاق الذي لا ينفذ نافذا ولأنه يثبت لنفسه الاستطراق من كل واحد من الزقاقين إلى الدار التي ليست فيه ولأنه يثبت بذلك الشفعة لأهل كل واحد من الزقاقين في دور [ دون خ ل ] الزقاق الآخر على قول من حكم بالشفعة بالطريق، والأول أقوى لأنه لا خلاف أن له أن يرفع الحايط بين الدارين فيجعلهما دارا واحدة ويثبت مع ذلك جميع ما قالوه إذا ادعى رجل على رجل مالا فأقر له به وصالحه عنه على مسيل ماء في أرضه إلى أرضه وبينا مقدار المسافة عرضا وطولا جاز ذلك، ويكون ذلك فرعا للبيع ويكون باع بلفظ الصلح موضع الساقية في أرضه وليس من شرطه أن يبينا عمق الساقية لأنه يملك المسيل من أرضه إلى تخوم الأرض وله أن يعمق كيف شاء، وإن صالحه على أن يجري الماء إلى أرضه في ساقية في أرض المقر فإن كانت محفورة جاز ذلك ويكون فرعا للإجارة ويجب أن يقدرا مدة الإجارة وإن لم يكن محفورة لم يجز لأنه لم يؤجر الساقية واستيجار المعدوم لا يصح هذا كله إذا كانت الأرض ملكا للمقر فأما إذا كانت في يده بإجارة فإن كانت الساقية محفورة جاز أن يصالح على إجراء الماء فيها مدة معلومة. ويكون ذلك إجارة المستأجر، وإن لم يكن محفورة لم يجز لما ذكرناه ولأنه لا يملك بالإجارة حفر الأرض المستأجرة، وهكذا إذا كانت الأرض وقفا إذا كانت الساقية محفورة وغير محفورة لأن الأرض الموقوفة في يد الموقوف عليه بمنزلة الأرض المستأجرة في يد المستأجر فلا يجوز أن يحدث فيها حفرا لم يكن. إذا أقر له بحق ادعاه عليه ثم صالحه منه على أن يسقي أرضه من نهر للمقر أو عين أو قناة في وقت معين لم يجز ذلك لأن المعقود عليه الماء وهو غير معلوم المقدار.

[ 311 ]

وهكذا إذا صالحه على أن يسقي ماشيته من هذه المواضع فأما إذا صالحه على بعض العين إما ثلثها أو ربعها أو ما كان فإنه يجوز ويكون ذلك فرعا للبيع لأنه يشتري بعض العين أو البئر بذلك المال الذي ثبت له بإقراره. إذا ادعى عليه حقا فأقر به ثم صالحه على أن يجري الماء من سطحه على سطح المقر جاز ذلك. إذا كان السطح الذي يجري الماء منه وهو سطح المقر له معلوما لأن الماء يختلف باختلافه. إذا كان له على حايط جاره خشب فرفعها كان له أن يعيدها لأن الظاهر أن ذلك وضع بحق وليس لصاحب الحايط أن يمنعه من إعادتها إلا أن يثبت أن ذلك الموضع كان بعارية فيكون له الرجوع فيها فإن صالحه بمال على أن يسقط حق الوضع من حايط صح ذلك لأنه لما جاز له أن يصالحه على مغارز الخشب فيحدث على حايطه بناء جاز له أن يصالحه بعوض حتى يسقط حقه من الوضع لأن كل ما جاز بيعه جاز ابتياعه.

[ 312 ]

* (كتاب الحوالة) * الحوالة عقد من العقود يجب الوفاء به لقوله تعالى " أوفوا بالعقود " (1) و وجوب الوفاء به يدل على جوازه، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: مطل الغني ظلم وإذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع، وروي عنه صلى الله عليه وآله إذا أحيل أحدكم على ملي فليحتل (2) وأجمعت الأمة على جواز الحوالة وإن اختلفوا في مسائل منها. والحوالة مشتقة من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة ويقال أحاله بالحق عليه يحليه إحالة، واحتال الرجل إذا قبل الحوالة. فالمحيل الذي عليه الحق، والمحتال الذي يقبل الحوالة، والمحال عليه هو الذي عليه الحق للمحيل، والمحال به هو الدين نفسه فإذا ثبت ذلك فالحوالة متعلقة بثلاثة أشخاص: محيل ومحتال ومحال عليه مثل الضمان يتعلق بضامن ومضمون له ومضمون عنه، والكلام بعده في بيان من يعتبر رضاه في صحة الحوالة ومن لا يعتبر رضاه. فأما المحيل فلا بد من اعتبار رضاه بالحوالة لأن من عليه الحق مخير في جهات القضاء (3) في أمواله وحقوقه فمن أيها أراد القضاء ومن أي مال كان ذلك له ولم يجبر على غيره ولو لم يعتبر رضاه بالحوالة لأدى ذلك إلى أن يجبره على القضاء من جهة دون أخرى. وأما المحتال فلا بد من اعتبار رضاه بها وأما المحال عليه فلا بد من اعتبار رضاه لأنه إذا حصل رضاء هؤلاء أجمع صحت الحوالة بلا خلاف، وإذا لم يحصل فيه خلاف فإذا ثبت ذلك فالحوالة إنما تصح في الأموال التي هي ذوات أمثال فمن أتلف شيئا منها لزمه مثله وذلك مثل الطعام والدراهم والدنانير وما جرى مجراها، وأما المال الذي يثبت في الذمة مثله في القرض والعقد ولا يثبت باتلاف فهل يصح فيه الحوالة؟

(1) المائدة 1.
(2) ذكرها في الخلاف كتاب الحوالة مسألة - 1 - (3) في بعض النسخ (القضاء القاضي).

[ 313 ]

قيل فيه: وجهان: أحدهما: لا يجوز، والثاني: يجوز فإذا ثبت أن الحوالة لا تصح إلا فيما ذكرناه فإنها لا تصح إلا بشرطين: أحدهما: اتفاق الحقين في الجنس والنوع والصفة. والثاني: أن يكون الحق مما يصح فيه أخذ البدل قبل قبضه لأنه لا يجوز (1) الحوالة بالمسلم فيه لأنه لا يجوز المعاوضة عليه قبل قبضه، وإنما شرطنا اتفاق الحقين لأنا لو لم نراعه أدى إلى أن يلزم‍ [ ه ] المحال عليه أداء الحق من غير الجنس الذي عليه ومن غير نوعه وعلى غير صفته، وذلك لا يجوز، وإنما شرطنا أن يكون الحق مما يقبل أخذ البدل فيه قبل قبضه لأن الحوالة ضرب من المعاوضة فلم تصح إلا حيث تصح المعاوضة هذا كله إذا أحاله بدينه على من له عليه دين فأما إذا أحاله على من ليس له عليه دين فإن ذلك لا يصح عند المخالف، ويقوى عندي أنه يصح إذا قبل الحوالة. وإذا أحال رجل على رجل بالحق وقبل الحوالة وصحت تحول الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه إجماعا إلا زفر، واشتقاق الحوالة يقتضي ذلك لأنها مشتقة من التحويل، والمعنى إذا حكم الشرع بصحته وجب أن يعطيه حقه ويحكم بانتقال الحق من المحيل إلى المحال عليه، فإذا ثبت ذلك فإن المحتال إذا أبرء المحيل بعد الحوالة من الحق لم يسقط حقه عن المحال عليه لأن المال قد انتقل عنه [ منه خ ل ] إلى غيره فإذا ثبت أن الحق قد انتقل من ذمته فإنه لا يعود إليه سواء بقي المحال عليه على غناه حتى أداه أو جحد حقه وحلف عند الحاكم أو مات مفلسا أو فلس و حجر عليه الحاكم. إذا اشترى رجل من غيره عبدا بألف درهم ثم أحال المشتري البايع بالألف الحوالة على رجل للمشتري عليه ألف درهم وقبل البايع صحت الحوالة ثم إن المشتري وجد بالعبد عيبا فرده وفسخ البيع بطلت الحوالة لأنها تابعة لصحة البيع فإذا بطل بطلت، وفي الناس من قال: لا يبطل، وللبايع أن يطالب المحال عليه بالحق وللمشتري أن يطالب البايع بالثمن، وعلى ما قلناه ليس للبايع مطالبة المحال عليه بالحق

(1) في بعض النسخ (وانما شرطنا بجواز).

[ 314 ]

ولا للمشتري مطالبة البايع بشئ لأنه ما أعطاه الثمن ولم تسلم جهة الحوالة هذا إذا كان المحتال لم يقبض المال فإن كان قبضه فهو مال في يده البايع للمشتري فله أن يسترجعه منه، وقد برء المحال عليه بالدفع إلى المحتال لأنه قبض بإذنه. إذا أحال الزوج زوجته بالمهر على رجل له عليه حق بمقدار المهر وصفته فقبلت الحوالة ثم إنها ارتدت قبل الدخول بها فهل تبطل الحوالة أم لا؟ مبني على ما ذكرناه. إذا كانت المسألة بحالها غير أن البايع أحال رجلا له عليه حق على المشتري بمقدار الثمن وصفته وقبل ذلك الرجل الحوالة ثم إن المشتري رد العبد المبيع بالعيب لم تبطل الحوالة بلا خلاف لأنه تعلق بالمال حق لغير المتعاقدين وهو المحتال الأجنبي وفي الأولى لم يتعلق إلا بحق المتعاقدين فكان هذا فرقا بينهما. إذا كانت المسألة بحالها وأحال البايع على المشتري رجلا له حق وقبل الحوالة ثم تفارق (1) البايع والمشتري على أن العبد كان حرا لا يقبل وكذبها المحتال وإن الحوالة بحالها لم يبطل لأنهما يقصدان بذلك إبطال حق لغيرهما فإن أقام البايع بينة على ذلك أو المشتري لم يسمع تلك البينة لأنهما قد كذبا بينتهما بشروعهما في البيع والشراء، وإن ادعى العبد حريته وأقام على ذلك [ بينة ] سمعت منه لأنه لم يتقدمه تكذيب لها فإذا سمعت بينته أو صدق المحتال المتبايعين ثبت الحرية في العبد وبطلت الحوالة إلا أن يدعي بها بغير الثمن فيكون القول قول المحتال في ذلك لأن الأصل صحة الحوالة وهما يدعيان بطلانها وعليهما البينة أن الحوالة كانت بالثمن وتسمع هذه البينة لأنه ما تقدم منهما تكذيب لها. إذا أحال رجل على رجل بحق له عليه واختلفا فقال المحيل: أنت وكيلي في ذلك وقال المحتال: إنما أحلتني عليه لأخذ ذلك لنفسي (2) على وجه الحوالة بما لي عليك واتفقا على أن القدر الذي جرى بينهما من اللفظ أنه قال: أحلتك عليه بما لي عليه

(1) في نسخة (تصادق).
(2) في بعض النسخ (لأجل ذلك ليبقى).

[ 315 ]

وقبل المحتال ذلك فإذا كان كذلك كان القول قول المحيل وقال قوم: إن القول قول المحتال، وليس بشئ فإذا ثبت ما قلناه فإذا حلف ثبت أن المحتال وكيله فإن كان لم يقبض من المحال عليه شيئا انعزل عن وكالته لأن المحيل وإن كان أثبت وكالته بيمينه فإنه عزل نفسه عن الوكالة بإنكاره. وإن كان قد قبض المال من المحال عليه نظر فإن كان باقيا في يده كان للمحيل أخذه منه لأنه مال له في يد وكيله. وإذا أخذه منه فهل يرجع عليه بحقه أم لا؟ قيل: فيه: وجهان: أحدهما: لا يرجع لأنه أقر ببراءة ذمة المحيل من حقه بدعواه الحوالة في حقه. والثاني: له أن يرجع عليه بحقه لأن عين المال الذي حصل في يده من الحوالة قد استرجعه المحيل وهو مدع للحق إما تلك العين التي أخذها بالحوالة أو ما يقوم مقامها ولم يصل بعد إلى شئ من ذلك فكان له الرجوع عليه وهذا أولى هذا إذا كان باقيا في يده فإن كان تالفا في يده لم يكن للمحيل الرجوع عليه بشئ لأنه مقر بأنه استوفى حقه وتلف في يده هذا إذا اتفقا على اللفظ حسب ما صورنا. فأما إذا اختلفا فيه فقال المحيل: وكلتك في ذلك الحق بلفظ الوكالة وقال: بل أحلتني عليه بديني بلفظ الحوالة فالقول قول المحيل بلا خلاف لأنهما اختلفا في لفظه فكان هو أعرف به من غيره، ومن قال بالقول الآخر قال: إذا أحلف المحتال تثبت حوالته بدينه وسقط حقه من المحيل وثبت له مطالبة المحال عليه بالحق: فأما إذا كان بالعكس من هذا فقال من عليه الدين: أحلتك لتقبضه لنفسك، وقال من له الدين: بل وكلتني فالقول قول من له الدين وهو المحتال، وقال قوم: القول قول من عليه الدين وهو المحيل فمن قال بهذا قال: إن المحيل يحلف بالله لقد أحلته وما وكلته فإذا حلف برئ من دين المحتال وكان للمحتال مطالبة المحال عليه ظاهرا وباطنا لأنه قد ثبت أنه محتال بيمين المحيل فله مطالبته بالحوالة وهو مقر بأنه وكيل وإن له المطالبة بالوكالة وإذا قلنا بما اخترناه وهو الصحيح وحلف المحتال ثبت أنه وكيل فإن لم يكن قبض المال كان له مطالبة المحيل

[ 316 ]

بماله في ذمته وهل يرجع المحيل على المحال عليه فيطالبه بالدين الذي له في ذمته؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له مطالبته لأنه برئه من حقه بدعواه الحوالة وإن ما في ذمته صار للمحتال. والثاني له مطالبته به لأنه إن كان وكيلا فدينه ثابت في ذمة المحال عليه، وإن كان محتالا فقد قبض المال منه ظلما وهو مقر بأن ما في ذمة المحال عليه للمحتال فكان له قبضه عما له عليه وهو ما أخذه ظلما على قوله فكان مطالبا بما يجوز له المطالبة به بهذا إذا لم يكن المحتال قبض المال فأما إذا كان قد قبضه فلا يخلو من أن يكون باقيا في يده أو تالفا فإن كان باقيا في يده صرف إليه، وإن كان تالفا نظر فإن تلف بتفريط منه وجب عليه ضمانه ويثبت عليه للمحيل مثل ما ثبت له في ذمته فتقاصا وسقطا وإن تلف بغير تفريط منه لم يجب عليه الضمان لأنه وكيل ويرجع هو على المحيل بدينه ويبرء المحال عليه لأنه قد دفع إلى المحتال بإذنه وهو معترف بذلك لأنه إن كان حوالة كما يقول فقد برئ فبرائة المحال عليه متيقنة ويكون التالف من مال المحيل. إذا أحال المحال عليه المحتال على آخر وقبل المحتال الحوالة برئ المحال عليه و انتقل حقه إلى الثاني فإن أحال الثاني على الثالث وقبل الحوالة برئ الثاني وكان حقه على الثالث، وإن أحال الثالث على الرابع وقبل الحوالة برئ الثالث وانتقل حقه إلى الرابع وعلى هذا كلما أحال من له دين في ذمة وقبل الحوالة برئ المحيل وتحول حقه إلى المحال عليه. وجملته أن كل دين ثابت في الذمة معلوم تصح الحوالة به والدين على كل واحد من المحال عليه ثابت في ذمته فجاز أن يحيل به ولا تجوز الحوالة بالثمن في مدة الخيار لأنه ليس بثابت مستقر فإن قطع الخيار ولم يثبت الحوالة حتى يستأنفها بعد قطعه، وقيل: إنه يجوز لأن الثمن يؤول إلى اللزوم والاستقرار وهو قوي. وإذا أحال المشتري البايع على آخر ثم رد المبيع بالخيار بطلت الحوالة، وهذا يدل على أنها كانت صحيحة وبطلت وقال قوم: الحوالة بيع إلا أنه غير مبني على المكايسة والمغابنة وطلب الفضل والربح، وإنما هو مبني على الارفاق والقرض فلا يجوز إلا في دينين

[ 317 ]

متفقين في الجنس والصفة ولا يجوز إذا كانا جنسين مختلفين، ولا يجوز إذا كانا جنسا واحدا مع اختلاف الصفة فيجب أن يكونا حالين أو مؤجلين أجلا واحدا، ولا يجوز أن يكون أحدهما حالا والآخر مؤجلا ولا أن يكون أحدهما مؤجلا إلى سنة والآخر إلى سنتين، ولا يكون أحدهما مطبعيا والآخر قاسانيا ولا أن يكون أحدهما صحاحا والآخر مكسورا ولا أن يكون أحدهما أكثر (1) من الآخر كل ذلك لا يجوز لأن المقصود منه الرفق دون المكايسة والمغابنة، وعلى هذا لا يجوز أن يحيل بالطعام الذي يحل عليه من السلم لأن بيعه لا يجوز قبل قبضه، ويقوى في نفسي أنها ليست ببيع بل هي عقد مفرد ويجوز خلاف جميع ذلك إلا زيادة أحد النقدين على صاحبه لأنه ربا ولا يمتنع أن يقول: إن الحوالة تجوز فيما له مثل وفيما يثبت في الذمة بعد أن يكون معلوما فإذا كان في ذمة حيوان وجب عليه بالجناية مثل أرش الموضحة وما أشبهها صح فيها الحوالة وكذلك لا يمتنع أن يجعلها صداقا إذا أحال بدين عليه مؤجل إلى سنة بدين له على آخر سنة بدين له على آخر إلى سنة صحت الحوالة فإن مات المحيل لم يحل الدين لأن المحيل قد برئ من الدين فلا يتغير بموته، وإن مات المحتال فلا يحل أيضا لأن الأجل حق لمن عليه الدين دون من له الدين وإن مات المحال عليه حل الدين لأن الدين المؤجل يحل بموت من عليه الدين. إذا كان لرجل على رجلين ألف درهم على كل واحد خمسمائة وكل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه فطالب أحدهما بألف فأحاله بها على رجل له عليه ألف درهم فقد برئ المحيل من الألف وبرئ صاحبه أيضا منه لأن الحوالة بمنزلة المبيع المقبوض وإذا قضى دينه برئ ضامنه، وإذا قضى ما ضمنه برئ من عليه الدين وهو المضمون عنه فيجب أن يبرئ صاحبه من الخمسمائة التي عليه لأنه قضاها ومن خمسمائة الضمان لأنه قضاها عن المضمون عنه، وهل يرجع عليه بخمسمائة الضمان؟ ينظر فيها فإن كان ضمنها (2) بإذنه رجع عليه وإن ضمنها بغير إذنه لم يرجع وإن كان له على رجلين ألف درهم على كل واحد منهما خمسمائة، ولرجل عليه

(1) في بعض النسخ (أكبر). * (2) في بعض النسخ (ضامنا).

[ 318 ]

ألف درهم وأحاله بها على الرجلين وقبل الحوالة كان جايزا لأن الألف الذي له عليه يجوز له قضائه من جهة واحدة ومن جهتين، وإن كان كل واحد منهما ضامنا عن صاحبه فأحاله عليهما لم تصح الحوالة لأنه يستفيد بها مطالبة الاثنين كل واحد منهما بالألف وهذا زيادة في حق المطالبة بالحوالة وذلك لا يجوز، وليس له أن يطالب كل واحد منهما بألف وإنما يقبض الألف من أحدهما دون الآخر، وقيل فيه: إنه يجوز له أن يطالب كل واحد منهما بألف أحديهما فإذا أخذه برئ الآخر وهذا قريب. إذ قبل المحتال الحوالة فإن قضى المحيل الدين كان ذلك عن المحال عليه فإن كان بأمره رجع عليه، وإن لم يكن بأمره لم يرجع عليه وكان متبرعا. إذا كان لزيد على عمر وألف درهم [ ولرجل على زيد ألف درهم ] (1) فجاء غريم زيد إلى عمرو وقال له: أحالني زيد عليك بما له عليك وهو ألف درهم فكذبه وقال له: ما أحالك به على فإن القول قول عمر ومع يمينه لأنه مدعى عليه فإذا حلف سقط دعوى المدعي وسقط دينه عن زيد لأنه معترف بأنه قد برئ بالحوالة وأن عمرا ظالم له بجحوده ويمينه، وأما زيد فينظر فيه فإن كان صدقه سقط دينه بإقراره بالحوالة وإن كذبه لم يسقط دينه عن عمرو ولأن زيدا وعمروا متفقان على بقاء دينهما وإن نكل عمر وعن اليمين وحلف المدعي للحوالة ثبت الحوالة، ولزمه أن يدفع إليه ألف درهم، وإن صدقه زيد لم يكن له مطالبة عمر بدينه، وإن كذبه كان له مطالبة عمرو فيلزمه دفع ألف آخر إليه لأنه مقر بأن المدعي ظلمه، وأن دين زيد ثابت في ذمته. إذا كان لزيد على عمرو ألف درهم فأحاله بها على رجل لا دين له عليه فإن لم يقبله لم يجبر عليه وإن قبله صحت الحوالة، وفي الناس من قال لا تصح الحوالة لأنها بيع وبيع المعدوم لا يصح، وقد بينا أنها ليست ببيع فإذا قلنا: إنها تصح كان للمحال عليه أن يطالب المحيل بتخليصه منه كما يكون ذلك للضامن فإذا قضاه المحال عليه قبل أن يخلصه نظر فإن كان بأمره رجع على المحيل، وإن لم يكن بأمره لم يرجع وإن قضى عنه ثم رجع

(1) سقطت هذه العبارة من المطبوع:

[ 319 ]

عليه فطالبه بما غرم فقال: كان لي عليك ألف درهم، وأنكر المحال عليه ذلك وقال: لم يكن لك على شئ كان القول قول المحال عليه لأن الأصل برائة ذمته فإذا حلف رجع على المحيل. إذا ضمن رجل عن رجل ألف درهم فطالبه المضمون له فأحاله الضامن على رجل له عليه ألف درهم فقبل الحوالة برئ الضامن ورجع على المضمون عنه إن كان ضمن بأمره لأن الحوالة بمنزلة البيع المقبوض فيصير كأنه قضاه، والضامن إذا برئ بالقضاء برئ المضمون عنه، ورجع عليه بما غرمه إذا كان الضمان بإذنه وإن كان أحاله على رجل ليس له عليه دين فإن قبل المحتال والمحال عليه صحت الحوالة على ما بيناه وقيل: إنها لا تصح فمن قال: لا تصح قال: المال على الضامن كما كان، وعلى ما قلناه من صحة الحوالة برئت ذمة الضامن، ولا يرجع على المضمون عنه بشئ في الحال لأنه لم يغرم شيئا ونظر فإن قبض المحتال من المحال عليه ورجع على الضامن ورجع الضامن على المضمون عنه، وإن لم يرجع عليه أو أبرأه منه لم يرجع الضامن على المضمون عنه لأنه لم يغرم فإن قبضه منه ثم وهبه فهل يرجع الضامن؟ فيه وجهان، وأما إذا كانت الحوالة على من له الدين فقد قلنا: إنه يرجع في الحال على المضمون عنه لأن الغرم حصل من الضامن بنفس الحوالة فإنه باع ما له في ذمة المحال عليه بمال المحتال في ذمته من مال الضمان. إذا كان له على رجلين ألف درهم على كل واحد منهما خمسمائة فادعى عليهما أنهما أحالاه على رجل لهما عليه ألف درهم فأنكراه فالقول قولهما مع أيمانهما فإن حلفا سقطت دعواه الحوالة فإن نكلا عن اليمين حلف ويثبت الحوالة على من عليه الدين لهما وطالبه بمال الحوالة، وإن أراد إقامة البينة فإن شهد ابناه لم يقبل شهادتهما عند المخالف وعندنا تقبل لأن شهادة الولد تقبل للوالد، وإن شهد له أبناء المدعى عليه لم يقبل شهادتهما لأن شهادة الولد لا تقبل على والده ولا يثبت الحوالة وعند المخالف يقبل عليه ولا يقبل له وإن كان بالضد من هذا فادعيا عليه الحوالة فأنكر كان القول قوله مع يمينه فإذا حلف سقطت دعواهما وإن لم يحلف ردت اليمين عليهما فإذا حلفا تثبت الحوالة

[ 320 ]

وإن أقام البينة فشهد أبناء من له الدين أنهما أحالاه لا يقبل شهادتهما لأنهما شهدا على الوالد، وإن شهد أبناءهما قبلت شهادتهما لكل واحد منهما لوالده وللآخر ومن قال: لا يقبل شهادة الولد لوالده قال: لا يقبل شهادتهما كل واحد منهما لوالده، وهل يقبل للآخر؟ قيل فيه: قولان بناء على أن بعض الشهادة إذا رده للتهمة هل يرد الباقي؟ فيه قولان فكذلك هاهنا. إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فطالبه بها فقال: قد أحلت بها على فلانا الغايب وصارت له دونك فأنكر المحيل ما يدعيه والدين للغايب فإن القول قوله إنه ما أحاله عليه مع يمينه فإذا حلف استوفى الدين منه وإن أقام الذي عليه الدين البينة على أنه أحال عليه فلانا الغائب حكم بها في سقوط حق المطالبة بالدين ولا يقضى بها للغايب على من له الدين لأن القضاء للغائب لا يجوز فإذا ثبت هذا. فإذا حضر الغايب فادعى احتاج إلى إعادة البينة حتى يقضى له بها وإن كان على رجل ألف درهم لغايب فجاء رجل، وقال له: أحالني فلان الغايب بما له عليك وأنكر المدعى عليه كان القول قوله مع يمينه فإن حلف سقطت دعواه وإن كان مع المدعي بينة أقامها وقضى الحاكم له بها على الغايب لأن القضاء على الغايب جايز. إذا كان على المكاتب دين لغير مولاه أو له عليه دين لزمه بالمعاملة صحت الحوالة به لأنه دين صحيح ثابت يجبر المكاتب عليه، إن كان الدين لمولاه عليه من مال المكاتبة فأحال به عليه رجلا له عليه دين لم يصح الحوالة لأن مال الكتابة ليس بدين ثابت لأن للمكاتب إسقاطه بالتعجيز ولا يجبر عليه فأما إن كان المكاتب أحال سيده بما حل عليه من النجم من مال الكتابة على رجل له عليه دين صحت الحوالة لأن المكاتب يصير مقبضا له باختياره، وإنما لا يصح أن يجبر السيد عليه فيجبره على تحويل ما في ذمته وتمليكه وهو لا يجبر على ذلك لأنه ليس لازم من جهته. إذا كان له في ذمة رجل ألف درهم فوهبها لرجل هل يصح؟ قيل فيه: وجهان كما قيل إذا اشترى بها من رجل سلعة هل يصح فيه وجهان: أحدهما: يصح وهو الأقوى لأنه لا مانع منه كما يصح بيعه وهبته ممن عليه.

[ 321 ]

والثاني: لا يصح قالوا: لأنه غير مقدور على تسليمه. إذا أحال السيد على مكاتبه غريما له لم تصح الحوالة لأن مال الكتابة ليس بثابت فإن المكاتب له إسقاطه متى شاء، وقيل: لأنه ليس له ذمة وهذا ليس بصحيح لأنه لو اشترى شيئا بثمن في ذمته من أجنبي صحت الحوالة عليه فليس العلة المانعة في مال الكتابة أنه لا ذمة للمكاتب. وإذا عامله السيد فباع منه سلعة وثبت له عليه ثمن المبيع فهل تصح الحوالة؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح لأنه ليس له إسقاطه. الثاني: لا يصح لأنه إن عجز نفسه سقط من المولى لأنه لا يستحق على عبده شيئا وفارق الأجنبي لأنه لا يسقط فإنه يعطي مما في يده وإن لم يكن له شئ ثبت في ذمته. وإن كان للمكاتب على أجنبي دين فأحال المولى بمال الكتابة صحت الحوالة لأن الأجنبي يجبر على دفعه ويخالف مال الكتابة لأن المكاتب لا يجبر على دفعه وذلك أن الحر الذي ليس له في ذمته شئ يصح الحوالة عليه إذا قبله وفيه وجهان: أحدهما: يصح لأنه التزام مال في الذمة كالضمان. والثاني: لا يصح وهو الأقوى لأن من شرط الحوالة أن يكون له عليه دين وأيضا فإنه أحال بغير دينه.

[ 322 ]

* (كتاب الضمان) * الضمان جايز للكتاب والسنة والاجماع فالكتاب قول الله - عز وجل - في قصة يوسف عليه السلام " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " (1) والزعيم الكفيل ويقال: ضمين وكفيل وجميل وصبير وقتيل وليس لأحد أن يقول: إن الحمل مجهول لا يصح أن يكون كفيلا فيه، وذلك أن الحمل حمل البعير وهو ستون وسقا عند العرب وأيضا فإنه مال الجعالة وذلك يصح عندنا ضمانه لأنه يؤول إلى اللزوم ومن لم يجز ضمان مال الجعالة وضمان المال المجهول قال: أخرجت ذلك بدليل والظاهر يقتضيه. وروى أبو أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وآله خطب يوم فتح مكة فقال في خطبته: العارية مؤداة والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم يعني الكفيل. روى أبو سعيد الخدري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في جنازة فلما وضعت قال هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم درهمان فقال: صلوا على صاحبكم فقال علي عليه السلام هما علي يا رسول الله وأنا لهما ضامن فقام رسول الله فصلى عليه ثم أقبل على علي فقال: جزاك الله عن الاسلام خيرا وفك رهانك كما فككت رهان أخيك (2) وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يصلي على رجل عليه دين فأتى بجنازة فقال: هل على صاحبكم دين؟ فقالوا: نعم ديناران قال: فصلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة: هما على يا رسول الله قال: فصلى عليه فلما فتح الله على رسوله قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فعلي (3) وروي فإلي، وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة ذكر منها رجل تحمل حمالة فحملت له الصدقة (4) وتحمل الحمالة هو الضمان للدية لأولياء المقتول لتسكين النائرة (5) وإصلاح ذات البين وإجماع الأمة فإنهم لا يختلفون في جواز الضمان وإن اختلفوا في مسائل منها. (هامش) (1) يوسف 72 (2 و 3) انظر الوسائل باب (حكم معرفة الضامن بالمضمون له) الرقم 2 و 3.
(4) نقلها في المستدرك ج 2 ص 498 باب 4 بتفاوت يسير.
(5) في نسخة (الثائرة) أي الفتنة.

[ 323 ]

فإذا ثبت صحة الضمان فمن شرطه وجود ثلاثة أشخاص: ضامن ومضمون له و مضمون عنه. فالضامن هو الكفيل بالدين والمتحمل له والمضمون له هو صاحب الدين والمضمون عنه فهو من عليه الدين، وهل من شرط الضمان أن يعلم المضمون له والمضمون عنه أم لا؟ قيل فيه: ثلاثة أوجه: أحدها: أن من شرط معرفتهما هو شرط معرفة المضمون عنه لينظر هل يستحق ذلك عليه أم لا؟ والمضمون له يعرف هل هو سهل المعاملة أم لا؟ والثاني: أنه ليس من شرط الضمان معرفتهما لأن عليا عليه السلام وأبا قتادة لما ضمنا عن الميت ما عليه لم يسألهما النبي صلى الله عليه وآله عن معرفتهما بصاحب الدين ولا بالميت الذي ضمنا عنه. والثالث: أنه يجب معرفة المضمون له دون المضمون عنه لأن المضمون عنه انقطعت معاملته ويحتاج إلى معرفة المضمون له ليعرف كيفية المعاملة والأول هو الأظهر فإذا ثبت ذلك فهل من شرط الضمان رضى المضمون له والمضمون عنه أم لا؟ فالمضمون عنه لا يحتاج إلى رضاه لأن ضمان دينه بمنزلة القضاء عنه، ولأن عليا عليه السلام ضمن عن الميت ولا يصح اعتبار رضاه. وأما المضمون له فلا بد من اعتبار رضاه لأن ذلك إثبات مال في الذمة بعقد فلا يصح ذلك إلا برضاه، وقيل: إنه لا يحتاج إلى رضاه لأن عليا عليهما السلام لما ضمن عن الميت لم يعتبر النبي صلى الله عليه وآله رضا المضمون له. والضمان ينقل الدين عن ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن ولا يكن المضمون له أن يطالب أحدا غير الضامن وقال قوم: له أن يطالب أيهما شاء من الضامن والمضمون عنه. إذا كان الضمان مطلقا فله أن يطالب به أي وقت شاء، وإن كان مؤجلا لم يكن له مطالبة الضامن إلا بعد حلول الأجل، ومن قال: له مطالبة أيهما شاء يقول: ليس له مطالبة الضامن إلا بعد حلولها، وله أن يطالب المضمون عنه أي وقت شاء.

[ 324 ]

وإن كان دين إلى شهر فضمنه ضامن إلى شهرين كان جايزا ولا يكون له مطالبته إلا بعد الشهرين. فإن مات الضامن في الحال حل الدين في تركته وكان له أن يطالب ورثته بقضاء في الحال ومن قال: بالتخيير قال: له مطالبة ورثة الضامن في الحال، وليس له أن يطالب المضمون عنه إلا بعد حلول الأجل لأن الدين لم يحل عليه. فإذا أخذ من ورثة الضامن برئ الضامن والمضمون عنه، ولم يكن لورثة الضامن أن يرجعوا على المضمون عنه حتى ينقضي الأجل لأن الدين عليه مؤجل فلا يجوز مطالبته به قبل محله ومن قال: بالتخيير قال هكذا في المضمون عنه. إذا مات حل الدين عليه ولا يجوز مطالبة الضامن لأنه لم يحل عليه فإذا استوفى ذلك من تركته سقط عن الضامن والمضمون عنه بلا خلاف ومتى أدى الضامن الدين سقط عن المضمون عنه فهل يرجع عليه أم لا؟ فيه أربع مسائل: إحداها: أن يكون قد ضمن بأمر من عليه الدين وأدى بأمره. الثانية: أنه لا يضمن بأمره ولم يؤد بأمره. الثالثة: أن يكون ضمن بأمره وأدى بغير أمره. الرابعة: أن يكون ضمن بغير أمره وأدى بأمره فإذا ضمن بأمره وقضى بأمره فإنه يرجع به عليه لأنه أذن له في ذلك فيلزمه قضاؤه، وأما إذا ضمن بغير أمره وأدى بغير أمره فإنه يكون متبرعا فلا يرجع به عليه. وأما إذا ضمن عنه بإذنه وأدى بغير إذنه فإنه يلزمه لأنا قد بينا أن بنفس الضمان انتقل الدين إلى ذمته، ولا يحتاج في قضائه إلى إذنه. وأما إذا ضمن بغير أمره وأدى بأمره فإنه لا يرجع عليه لأنه التزم بغير أمر منه متبرعا فانتقل المال إلى ذمته فلا تأثير لإذنه له في القضاء عنه لأن قضاه بعد الضمان إنما هو عن نفسه لاعن غيره لأنه واجب عليه دونه. فأما بيان الحقوق التي يصح فيها الضمان ولا يصح فجملته أن الحقوق على أربعة أضرب: حق لازم مستقر، وحق لازم غير مستقر، وحق ليس بلازم ولا يؤول إلى اللزوم،

[ 325 ]

وحق ليس بلازم ولكنه يؤول إلى اللزوم. فأما الضرب الأول فهو الذي أمن سقوطه ببطلان أسبابه وذلك مثل الثمن في البيع بعد تسليم المبيع والمهر بعد الدخول والأجرة بعد انقضاء المدة فهذه حقوق لازمة مستقرة لأنها لا تسقط ببطلان العقود فهذه يصح ضمانها بلا خلاف. وأما الضرب الثاني الذي يسقط ببطلان أسبابها مثل ثمن المبيع قبل التسليم، والأجرة قبل انقضاء الإجارة، والمهر قبل الدخول لأنها معرضة للسقوط بتلف المبيع وانهدام الدار المستأجرة والطلاق قبل الدخول والارتداد قبل الدخول فهذه الحقوق لازمة غير مستقرة فيصح ضمانها أيضا بلا خلاف. وأما الضرب الثالث فهو الحق الذي ليس بلازم في الحال ولا يؤول إلى اللزوم وذلك مثل مال الكتابة لأنه لا يلزم العبد في الحال لأن للمكاتب إسقاطه بفسخ الكتابة للعجز، ولا يؤول إلى اللزوم أيضا لأنه إذا أداه عتق وإذا عتق خرج من أن يكون مكاتبا فلا يتصور أن يلزمه في ذمته مال الكتابة بحيث لا يكون له الامتناع من أدائه فهذا المال لا يصح ضمانه لأن الضمان إثبات مال في الذمة والتزام لأدائه وهو فرع للمضمون عنه فلا يجوز أن يكون ذلك المال في الأصل غير لازم ويكون في الفرع لازما فلهذا منعنا من صحة ضمانه وهذا لا خلاف فيه. وأما الرابع فهو مال الجعالة فإنه ليس بلازم في الحال لكنه يؤول إلى اللزوم بفعل ما شرط المال له ويصح ضمانه ويلزمه لقوله صلى الله عليه وآله: الزعيم غارم (1) ولقوله تعالى " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ". وأما مال المسابقة يصح ضمانه لأنه يؤول إلى اللزوم وأرش الجناية إن كان دراهم أو دنانير مثل أن يتلف عليه مالا أو يجنى على عبده جناية فإنه يصح ضمانه لأنه لازم مستقر وإن كان أبدا مثل أن يجنى على حر فضمانه أيضا صحيح. نفقة الزوجة إذا كانت ماضية صح ضمانها لأنها ثابتة مستقرة وإن كانت نفقة اليوم صح أيضا لأنها تجب بأول ذلك اليوم، وإن كانت نفقة مستقبلة لم يصح ضمانها لأن

(1) انظر مستدرك الوسائل ج 2 ص 497 باب - 1 - الرقم - 2 - * (2) يوسف 72

[ 326 ]

النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع لا بمجرد العقد، وإذا لم تجب النفقة بعد فلا يصح الضمان، ومتى ضمن النفقة فإنها تصح مقدار النفقة المعسر لأنها ثابتة بكل حال. وأما الزيادة عليها إلى تمام نفقة الموسر فهي غير ثابتة لأنها تسقط بإعساره. وأما الأعيان المضمونة مثل المغصوب في يد الغاصب والعارية في يد المستعير إذا شرط ضمانها فهل تصح ضمانها عمن هي في يده أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح ضمانها لأنها مضمونة وهو الصحيح. الثاني: لا يصح ضمانها لأنها غير ثابتة في الذمة، وإنما يصح ضمان الحق الثابت في الذمة فلا يصح ضمان قيمتها لأنها بعد ما وجبت، ولأنها مجهولة وضمان ما لم يجب وهو مجهول لا يصح. فأما الثمن في مدة الخيار فإنه يصح ضمانه لأنه يؤول إلى اللزوم ويجب (1) على تسليم المشتري. ضمان العهدة هو ضمان الثمن إذا خرج المبيع مستحقا فإذا ثبت ذلك فإن ضمن العهدة قبل أن يقبض البايع الثمن لم يصح ذلك لأنه ضمان ما لم يجب ولا حاجة تدعوا إلى تجويزه. وإذا سلم الثمن إلى البايع ثم طالبه بمن يضمن العهدة إن خرج المبيع مستحقا فهل له ذلك وهل يصح ضمان العهدة أم لا؟ فالصحيح أنه يصح لأنه لا يمنع منه مانع. إذا ثبت هذا وأنه يجوز فلفظه أن يقول: ضمنت عهدته أو ضمنت عنه أو ضمنت دركه أو يقول للمشتري: ضمنت خلاصك منه فمتى أتى بواحد من هذه الألفاظ صح الضمان لأنها موضوعة له، وإن قال: ضمنت خلاصه لم يصح يعني خلاص المبيع لأنه لا يملك المبيع ولا يمكنه تخليصه إلا بابتياعه فيكون ذلك [ من ] ضمان البيع وضمان البيع لا يصح.

(1) في بعض النسخ (فيجبر).

[ 327 ]

فإذا ثبت أن ضمان الخلاص لا يصح نظر فإن كان في المبيع منفردا عن ضمان العهدة أو مع ضمان العهدة كان ذلك شرطا فاسدا ويبطل البيع به، وكذلك إن شرطه في مدة الخيار [ لأن مدة الخيار ] بمنزلة حال العقد. فأما إذا كان بعد انقطاع الخيار فإن شرط خلاص المبيع منفردا لم يصح الضمان وإن شرط مع ضمان العهدة بطل في خلاص المبيع ولا يبطل في ضمان العهدة كما قلناه في تفريق الصفقة والبيع بحاله لم يؤثر فيه بلا خلاف، والعهدة وإن كان إسما للصك المكتوب ولا يصح ضمانه فقد صار بعرف الشرع عبارة عن ضمان الثمن حتى إذا أطلق لا يفهم إلا ما قلناه. إذا ثبت هذا وانعقد الضمان فلا يخلو إما أن يسلم المبيع للمشتري أو لا يسلم فإن سلم فلا كلام، وإن لم يسلم لم يخل أن يكون ذلك بسبب حادث بعد البيع أو مقارن له فإن كان ذلك بسبب حادث بعد البيع مثل تلف المبيع والإقالة رجع المشتري على البايع بالثمن وليس له أن يطالب الضامن بالثمن لأنه إنما ضمن الثمن إذا لم يسلم المبيع بسبب الاستحقاق. وأما إذا كان ذلك بسبب مقارن لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون بتفريط من البايع أو بغير تفريط منه، فإن كان بغير تفريط منه مثل أن يؤخذ المبيع بالشفعة فإن المشتري يطالب الشفيع بمثل ما وزنه من الثمن، وليس له مطالبة البايع وللضامن (1) لأنه استحق على المشتري ولا على البايع. وأما إذا كان بتفريط منه فإن كان [ ذلك ] بعيب أصابه بالمبيع فرده رجع بالثمن على البايع، وهل يرجع على الضامن؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: أنه لا يرجع عليه لأنه إنما ضمن الثمن إذا خرج المبيع مستحقا وهذا لم يخرج مستحقا. والثاني: أنه يرجع على الضامن بالثمن لأن المبيع لم يسلم له بسبب مقارن للعقد

في بعض النسخ (ولا الضامن)

[ 328 ]

بتفريط منه فهو في معنى خروجه مستحقا هذا إذا أصاب به العيب ولم يحدث به عنده عيب آخر. فأما إذا حدث به عنده عيب آخر لم يكن له رده وكان له الرجوع بأرش العيب الموجود، ويرجع به على البايع، وهل يرجع به على الضامن؟ قيل فيه وجهان، فأما إذا لم يسلم له المبيع بخروجه مستحقا لم يخل إما أن يستحق جميعه أو بعضه فإن استحق جميعه رجع بالثمن على البايع والضامن لأن الضمان كان لهذه الحال، وإن خرج بعضه مستحقا كان البيع في بعض المستحق باطلا وفيما عداه صحيحا كما قلناه في تفريق الصفقة ويكون المشتري بالخيار لأن الصفقة تبعضت عليه فإن رده رجع بقدر الذي قابل القدر المستحق من الثمن عليها، والقدر الذي قابل الباقي فإنه يرجع به على البايع وهل يرجع على الضامن؟ الصحيح أن له أن يرجع لأن السبب فيه الاستحقاق الذي حصل في بعضه. إذا ضمن البايع للمشتري قيمة ما يحدثه في الأرض التي اشتراها من بناء وغراس بالغة ما بلغت لم يصح ذلك لأنه ضمان مجهول ولأنه ضمان ما لم يجب وكلاهما يبطلان فإن كانت المسألة بحالها غير أنه قال بدرهم (1) إلى ألف درهم بطل الضمان لأنه ضمان ما لم يجب، وهذا يذكره أصحاب الشروط وذلك لا يصح على ما بيناه فإن شرط [ ا ] ذلك في نفس البيع أو مدة الخيار بطل البيع، وإن كانا شرطا بعد انقطاع الخيار لم يؤثر في البيع. إذا ضمن رجل عن رجل مالا ثم سأله خلاصه من هذا الضمان فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد ضمن عنه بإذنه أو بغير إذنه. فإن كان قد ضمن بغير إذنه لم يمكن له أخذه بتخليصه سواء طالبه المضمون له أو لم يطالبه لأنه لو غرم لما كان له الرجوع عليه به لأنه متبرع بضمانه فإن كان قد ضمن عنه بأمره لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قد طالبه المضمون له بالحق أو لم يطالبه. فإن كان قد طالبه به كان له أخذه بتخليصه لأنه ضمن عنه بأمره وقد حصلت المطالبة عليه من جهة المضمون له،

(1) في بعض النسخ (من درهم)

[ 329 ]

وإن كان المضمون له لم يطالبه بالحق فهل له أن يأخذه بتخليصه أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما: له ذلك والآخر ليس له ذلك والأول أقرب. إذا ضمن رجل عن رجل مالا عليه ثم إنه ضمن عن الضامن آخر وعن الثاني ضمن ثالث فذلك كله صحيح لأنه إنما تصح في الأول لأن الدين تنقل إلى ذمته وهذا موجود في حق كل واحد منهم. فإذا ثبت هذا فمتى قضى الحق بعضهم سقط عن الباقين سواء قضى من عليه أصل الحق أو الضامن الأول أو الثاني أو الثالث لأن الحق إذا سقط بالقضاء والقبض برئ منه كل موضع تعلق به. وأما الابراء فإن أبرء الذي عليه أصل الدين برئ الجميع لأنه إذا سقط الحق عن الأصل سقط عن الفرع، وإذا أبرء الضامن الأول سقط عنه الحق وسقط عن الضامن الثاني والثالث لأنهما فرعان له، وإذا أبرء الأصل برئ الفرع ولا يبرء الأصل ببرائة الفرع. وإن أبرء الضامن الثاني برئ وبرئ الثالث لأنه فرع له ولا يبرء الأول و لا من عليه أصل الدين، وإن أبرء الضامن الثالث برئ ولم يبرء من عليه الدين والضامن الأول والثاني بمثل ذلك هذا كله على قول من قال: إن له مطالبة كل واحد من الضامن والمضمون عنه فأما على ما اخترناه في أنه ليس له إلا مطالبة الضامن فليس له هاهنا إلا مطالبة الضامن الأخير فإن أبرأه برئ، وإن لم يبرئه فهو المطالب وإن أبرء الأصل أو من بينه وبينه من الضمناء لم يسقط عنه لأنه أبرء من ليس له عليه حق. إذا كان له على رجلين ألف درهم على كل واحد منهما خمسمائة وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فإن للمضمون له أن يطالب أيهما شاء بالألف فإن قضاه أحدهما الألف بريا جميعا من الألف لأن الألف واحدة وقبضه فلم يبق له حق فبريا جميعا فإن قضاه نصفها نظر فإن قضى الذي عليه أصلا سقط عنهما معا، وإن قضى الذي عليه فرعا سقط عنهما جميعا. وإن اختلفا فقال الذي قضى: إني قضيت عن الذي على أصلا وعينت بلفظي

[ 330 ]

أو قال بنيتي فأنكر ذلك من له الحق وادعى خلاف ذلك كان القول قول الذي قضى لأنه اختلاف في قوله ونيته فهو أعلم بهما فأما إذا أطلق قيل فيه وجهان: أحدهما: ينتصف فيرجع بنصفه إلى الذي عليه أصلا والنصف الآخر إلى الذي عليه فرعا لأنه لو عينه عن أحدهما بلفظ أو نية تعين فإذا أطلق رجع إليهما لتساويهما. والثاني: أن له أن يرده إلى أيهما شاء كما لو كان عليه كفارتان فأعتق رقبة ولم يعينها كان له أن يردها إلى أيهما شاء هذا كلام في القضاء. وأما الابراء فإن أبرء صاحب الحق أحدهما عن الألف برئ هو وبرئ الآخر عن الذي عليه فرعا لأنه إذا برئ الأصل برئ الفرع ولم يبرء عن الذي عليه أصلا وإن أبرأه عن نصفها نظر فإن أبرأه عن الذي عليه أصلا برئ الآخر منه، وإن أبرأه عن الذي عليه فرعا لم يبرء الآخر، وإن اختلفا في التعيين بلفظ أو نية فالقول قول المبرئ لأنه أعلم بلفظه ونيته، وإن أطلق فعلى الوجهين اللذين مضيا والكلام في الرجوع على ما مضى هذا على مذهب من يقول: له الرجوع على كل واحد منهما. فأما إذا قلنا: ليس له أن يطالب أحدا إلا مطالبة الضامن لأن المال انتقل إلى ذمته فمتى ضمن كل واحد منهما صاحبه تحول الحق الذي على كل واحد منهما إلى صاحبه وهو خمسمائة إلا أن قبل الضمان كان الدين الأصل وبعد الضمان دين الضمان فإن قضى أحدهما الألف عن نفسه وعن صاحبه بريا جميعا لأنه يكون قد قضى دين غيره، وذلك صحيح، وإن أبرأه عن الألف برئ مما عليه، ولا يبرء الآخر لأنه لم يبرئه ومتى قضى خمسمائة لم يقع ذلك إلا عن الخمسمائة التي تحولت إليه بالضمان لأن الخمسمائة التي عليه انتقلت عنه إلى ذمة صاحبه. إذا ضمن الحوالة عن رجل ثم قضاه عنه وثبت له الرجوع ينظر فإن كان قضاه بغير جنس الحق الذي ضمنه مثل أن يكون الحق دراهم أو دنانير فأعطاه ثوبا بدلها

[ 331 ]

فإنه يرجع عليه بأقل الأمرين من قدر الحق وقيمة الثوب فإن كان الحق أقل فقد تبرع بالزيادة ولا يرجع بما تبرع به (1) وإن كانت القيمة أقل مما غرم فلا يرجع عليه إلا بقدر القيمة، وقد أبرء عن الزيادة عليهما، ولا يجوز له الرجوع عليه بما أبرء عنه فإن كان قضاه بأفضل في الصفة مثل أن يكون الحق قراضة لا ذهب فقضاه صحيحا رجع بالقراضة لأنه متبرع بالزيادة. إذا كان لرجل على رجلين ألف درهم وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه فضمن رجل عن أحدهما ألفا وقضاه برئ الجميع لأن المضمون له استوفى حقه فوجب أن يبرء الأصل والفرع، وليس لهذا الدافع أن يرجع على من لم يضمن عنه لأنه لم يقبض عنه فأما الذي ضمن عنه فإنه ينظر فيه فإن كان ضمن عنه بأمره رجع عليه، وإن ضمن بغير أمره لم يرجع عليه. وإذا رجع عليه فإنه يرجع على شريكه بنصفه وهو الذي ضمن عنه إن كان ضمنه بأمره. إذا ضمن رجل عن رجل ألف درهم فدفع المضمون عنه إليه ألف درهم، وقال: اقض بها دين المضمون فإن الضامن يدفعها إلى المضمون له، ويكون وكيلا في قضاء دينه، ويجوز ذلك. وإن قال: خذها لنفسك فإذا طالبك المضمون له بالألف وغرمتها له يكون ذلك عوضا لذلك كان جايزا على مذهب من قال بالتخيير، وأما على ما نذهب إليه من انتقال المال إلى ذمة الضامن فمتى أعطاه ألفا فإنما يقضي به دينه الذي ضمن عنه ومتى قضى بذلك الضامن فإنما يقضي الدين الذي حصل في ذمته لا على جهة الوكالة، ومن قال: بالتخيير قال في هذه المسألة: وجهان: أحدهما: يجوز إذا قال: خذها لنفسك، ويكون ذلك تقديما لما لم يغرم بعد مثل أن يقدم الزكاة قبل الوقت.

(1) في بعض النسخ (بمتبرع به)

[ 332 ]

والثاني: لا يجوز لأنه لا يجوز أن يأخذ عوض ما لم يغرمه فإذا [ أ ] قبضه لم يملكه وكانت الألف في يده مضمونة لأنه قبضها ببدل فاسد، وعلى الوجه الأول الذي قالوا يملك كان ملكه مراعا فإن قضاه كانت الألف عوضا عنها ولم يملك (1) حق الرجوع، وإن أبرأه المضمون له لزمه ردها على المضمون عنه كما إذا عجل الزكاة ثم تلف النصاب قبل الحول. إذا ادعى رجل على رجل أنه اشترى منه عبدا هو وشريكه فلان بن فلان الغايب بألف درهم، وضمن كل واحد منهما عن صاحبه ما لزمه من نصف الألف بإذنه وطالب الحاضر بالألف فإنه ليس له عندنا إلا مطالبته بما انتقل إليه من نصيب شريكه لأن ما يخصه منه قد انتقل عنه إلى شريكه بإقراره، ومن قال: بالتخيير قال: لا يخلو من أن يعترف بذلك أو ينكره فإن اعترف بذلك لزمه الألف فإذا دفع إليه ثم قدم الغايب فإن صدقه رجع عليه بالنصف، وإن كذبه كان القول قوله مع يمينه فإذا حلف برئ، وإن أنكره الحاضر لم يخل المدعي من أحد أمرين: إما أن يكون له بينة أو لا بينة له. فإن لم يكن له بينة كان القول قول الحاضر المدعى عليه مع يمينه فإن حلف برئ فإن قدم الغايب وأنكر حلف أيضا وبرئ، وإن أقر الغايب لزمه نصف الألف وهو الذي كان عليه والنصف الآخر فقد برئ منه لأن الأصل قد برئ باليمين، وإذا برئ الأصل برئ الفرع وهو الضامن عنه، وإن كان له بينة وأقامها حكم الحاكم عليه بالألف درهم فإذا قبضه منه ثم قدم الغايب لم يرجع عليه لأنه لما أنكر وكذب المدعي اعترف بأنه لا حق له على الغائب، وإنما شهدت به البينة زور وبهتان، وإن ما قبض منه ظلم فلا يجوز أن يرجع به على الغايب. فإذا ثبت هذا فإن أقر الحاضر، وأقام المدعي البينة عليه، وهو مقر به ويجوز سماع البينة في هذه المسألة مع اعتراف الحاضر له ثبت المال على الغايب

(1) في بعض النسخ (لم يثبت له)

[ 333 ]

ليكون للحاضر الرجوع عليه، ويثبت الحق على الغايب. فإذا غرم الألف رجع بنصفها على الغايب إذا قدم، وإن سكت فلا يجب وسمع الحاكم البينة أو يقول: لا أقر ولا أنكر وسمع الحاكم البينة وغرمه الألف. فإذا قدم الغايب رجع عليه بنصف الألف. إذا ضمن رجل عن رجل ألف درهم بأمره فأداها إلى المضمون له ثم إنه أنكر قبضها فلا يخلو الدفع إليه من أحد أمرين: إما أن يكون بحضرة المضمون عنه أو في غيبته فإن كان بحضرته فإن القول قول المضمون له مع يمينه لأن الأصل أنه لم يقبضه، وعلى المدعي البينة، ولا يقبل شهادة المضمون عنه عند من قال بالتخيير، ومن قال: بتحويل الحق إلى الضامن قبل شهادته فإذا حلف المضمون له كان له مطالبة الضامن على مذهبنا، ومن قال: بالتخيير قال: يطالب أيهما شاء قالوا فإن طالب المضمون عنه بالألف فدفعها إليه لزمه أن يدفع ألفا آخر إلى الضامن لأنه غرمها عنه بأمره من غير تفريط من جهته فيه فيحصل على المضمون عنه غرامة ألفي درهم وكذلك [ هذا خ ل ] يجئ على مذهبنا الذي قلنا بتحويل الحق لأنه لما طالبه بعد الضمان عنه لم يستحق عليه بشئ فإذا أعطاه فقد ضيع ما أعطاه ومتى طالب الضامن بالألف فدفعها إليه رجع على المضمون عنه بالألف الأولى على المذهبين معا لأنه مقر بأن الثانية ظلم من جهة المضمون له فلا يرجع بالظلم على غير الظالم هذا إذا دفعها بمحضر من المضمون عنه. فأما إذا دفعها الضامن في غيبة المضمون عنه وأنكر المضمون له فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد أشهد عليه أو لم يشهد فإن لم يشهد عليه فإن القول قوله مع يمينه. فإذا حلف كان له أن يطالب أيهما شاء عند من قال بالتخيير. فإن طالب المضمون عنه فقبض منه ألف درهم فإنما أداه الضامن إلى المضمون له هل يرجع على المضمون عنه ينظر فإن كذبه كان عليه البينة، والقول قول المضمون عنه مع يمينه، وإن صدقه قالوا يحتمل وجهين:

[ 334 ]

أحدهما: أنه يرجع على المضمون عنه وهو الأقوى. والثاني: لا يرجع به لأنه أمره بالدفع الذي يبرء ذمته فإذا دفع إليه ولم يشهد عليه فقد دفع دفعا لا يبرئه، وهذا تضييع فلا يستحق الرجوع به، وأما على قولنا: بتحويل الحق إلى الضامن فمتى دفعه إلى الضامن فقد أدى إلى من يجب دفعه إليه، وليس بينه وبين المضمون عنه معاملة فإن صدقه الضامن فقد برئت ذمته، وإن كذبه كان عليه البينة أو على الضامن اليمين ومال المضمون عنه في ذمة الضامن قالوا هذا إذا طالب المضمون عنه. وأما إذا طالب الضامن بالألف فدفعها إليه فمن قال: يرجع بالألف الأول رجع هاهنا، ومن قال: لا يرجع فهل يرجع هاهنا؟ اختلفوا فمنهم من قال: لا يرجع لأن الضامن مقر بأن الثاني ظلم بها، ومنهم من قال: يرجع لأنه قد برئت ذمته بقضاء دين من ماله بأمره ثم اختلفوا بأي الألفين يرجع: فقال قوم: يرجع بالألف الثانية لأن المطالبة سقطت عنه بها، ومنهم من قال يرجع بالأولى لأن الدين سقط عنه بها في الباطن وفيما بينه وبين الله - عز وجل - هذا إذا لم يشهد عليه [ بالقضاء ] فإن أشهد عليه نظر فإن أشهد شاهدين عدلين وكانا حيين أقامهما عليه بالقضاء فإن شهدا ثبت القضاء وكان له الرجوع عليه بالألف وإن كانا غابا أو ماتا كان القول قول المضمون له مع يمينه فإذا حلف كان له أن يطالب أيهما شاء وكان للضامن الرجوع على المضمون عنه بالألف التي حصلت بها الشهادة لأنه غير مفرط في قضائه الحق بها. وإن أشهد عليه عبدين أو كافرين ومن لا يصح شهادته من الفاسقين فسقا ظاهرا كانت كلا شهادة، ويكون الحكم كأنه لم يشهد فأما إذا كان فسق الشاهدين باطنا قالوا فيه: وجهان: أحدهما: لا يكون مفرطا لأن البحث عن البواطن إلى الحكام دون غيرهم والذي عليه أن يشهد شاهدين لا يعرف فسقهم في الظاهر وقد فعل فعلى هذا يكون الحكم كما لو أشهد عدلين ظاهرا وباطنا ثم ماتا أو غابا.

[ 335 ]

فالثاني: أنه يكون مفرطا في ذلك لأنه أشهد عليه بالقضاء شاهدين لا يثبت بهما الحق فأما إن أشهد عليه شاهدا واحدا فإن كان حيا حاضرا شهد له بذلك وحلف معه ثبت له الحق، وإن مات أو غاب ففيه وجهان: أحدهما: أنه يرجع بالألف الأول لأنه ما فرط لأن الشاهد الواحد مع اليمين حجة مثل الشاهدين. والثاني يكون مفرطا في ذلك لا يرجع بالألف الأول لأن الشاهد مع اليمين ليس بحجة عند جميع الحكام. فإذا عدل إليهما عما هو حجة عند الجميع كان مفرطا لا يصح ضمان المجهول سواء كان واجبا في حال الضمان أو غير واجب، ولا يصح ضمان ما لم يجب سواء كان معلوما أو مجهولا فالمجهول الذي ليس بواجب مثل أن يقول: ضمنت لك ما تعامل فلانا أو ما تقرضه أو ما تداينه فهذا لا يصح لأنه مجهول، ولأنه غير واجب في الحال، والمجهول الذي هو واجب مثل أن يقول: أنا ضامن لما يقضي لك به القاضي على فلان أو ما يشهد لك به البينة من المال عليه أو ما يكون مثبتا في دفترك فهذا لا يصح لأنه مجهول، وإن كان واجبا في الحال، وقال قوم من أصحابنا: إنه يصح أن يضمن ما يقوم به البينة دون ما يخرج به في دفتر الحساب، ولست أعرف به نصا، والمعلوم الذي لا يجب مثل أن يقول: أنا ضامن لما تقرضه لفلان من درهم إلى عشرة فهذا لا يصح لأنه غير واجب يصح الضمان عن الميت سواء خلف وفاء أو لم يخلف. العبد إذا ضمن لم يخل إما أن يكون مأذونا له في التجارة (1) أو غير مأذون له فيها فإن كان غير مأذون له فيها لم يخلو من أحد أمرين: إما أن يضمن بإذن سيده أو بغير إذنه فإن ضمن بغير إذنه لا يصح ضمانه، وقال قوم: يصح ضمانه، ويلزمه في ذمته يتبع به إذا عتق، وأما إذا ضمن بإذن سيده فأنه يصح ضمانه بلا خلاف، وقيل: إنه يتعلق بكسبه، وقيل: إنه يتعلق بذمته هذا إذا أطلق ذلك فأما إذا عين مال الضمان في كسبه أو في ذمته أو في مال غيرهما من أمواله تعين فيه ووجب قضاؤه منه، وكذلك الحر إذا عين ضمانه في

(1) في بعض النسخ (في الضمان)

[ 336 ]

مال من أمواله لزمه أن يقضيه منه لأن الوثيقة إذا عينت تعينت. هذا إذا كان العبد غير مأذون له في التجارة فأما إذا كان مأذونا له في التجارة فالحكم أيضا مثل ذلك سواء غير أن الموضع الذي جعل الضمان في كسبه جعل هاهنا في المال الذي في يده لأنه من كسبه. إذا ضمن مال الكتابة عن المكاتب لم يصح لأن مال الكتابة غير لازم للعبد، والضمان التزام مال وهو فرع فلا يجوز أن يكون المال غير ثابت في الأصل ويصير ثابتا في الفرع. فأما إذا ضمن عن المكاتب مالا عليه من معاملة صح ذلك لأنه لازم، وإن ضمن المكاتب مالا فحكمه حكم العبد في ضمانه سواء وقد مضى، وإن ضمن مالا عن العبد مثل أن يكون قد أقر العبد على نفسه بمال لزمه في ذمته صح الضمان عنه لأنه لازم ومن في يده أمانة مثل المضارب والوصي والمودع والشريك والوكيل وغيرهم فضمن عنهم ضامن لم يصح لأن المال في أيديهم غير مضمون عليهم وهم الأصل، وإذا لم يلزم ضمان الأصل فالأولى ألا يلزم في الفرع. فإن تلف ذلك المال في أيديهم بتفريط منهم ثم ضمن عنهم ضامن صح لأن ضمان القيمة إذا كانت معلومة صحيح، وإن تعدوا في هذا المال ولم يتلف المال فضمنه عنهم ضامن فهل يصح أم لا؟ قيل فيه: وجهان مثل المغصوب أقواهما أنه يصح ويصح ضمان المرأة كما يصح ضمان الرجل بلا خلاف. ولا يجوز ضمان من لم يبلغ ولا المجنون ولا المبرسم الذي يهذي ولا المغمى عليه، ولا الأخرس الذي لا يعقل، وإن كان يعقل الإشارة والكتابة صح ضمانه، ومتى اختلفا بعد البلوغ فادعى المضمون له أنه ضمن بعد البلوغ مالا فأنكر ذلك الصبي وكذلك المجنون إذا أفاق وادعى المضمون له أنه ضمن بعد الإفاقة كان القول قولهما لأن الأصل برائة الذمة من الضمان هذا إذا عرف له حال الجنون لأن الأصل ألا ضمان عليه، وعلى المدعي البينة حال الإفاقة، وإن لم يعرف حال الجنون له فقيل: إن القول قول المضمون له لأن الأصل عدم الجنون وصحة الضمان، وعندي أنه لا فرق بينهما لأن الأصل برائة الذمة.

[ 337 ]

فأما المبرسم الذي يهذي ويخلط في كلامه فقد قلنا: إنه لا يصح ضمانه، وكذلك المغمى عليه، وأما إذا كان مريضا وهو عاقل مميز صح ضمانه ثم ينظر فإن صح من مرضه ذلك كان غرامة المال (1) من رأس المال، وإن مات من مرضه كان ذلك من الثلث لأن ذلك تبرع (2) منه، والأخرس إن عرفت إشارته بلا كتابة صح بلا خلاف ضمانه، وإن كتب واقترن به الإشارة صح أيضا، وإن انفردت الكتابة عن الإشارة في الناس من قال: لا يصح ضمانه لأنها تجوز للتعلم أو للتجربة وغير ذلك، وتعليم الخط وهو الصحيح. إذا تكفل [ كفل خ ل ] رجل ببدن رجل لرجل عليه مال أو يدعي عليه مالا ففي الناس من قال: يصح ضمانه، ومنهم من قال: لا يصح، والأول أقوى لقوله تعالى " لتأتنني به إلا أن يحاط بكم " (3) وقالوا ليوسف " فخذ أحدنا مكانه " (4) وذلك كفالة بالبدن إلا أنها لا تصح إلا بإذن من يكفل عنه فمن قال: يضح قال: إذا كفل بالبدن نظر فإن كان قد كفل حالا صحت الكفالة، وإن كفل مؤجلا صحت كما يقول في كفالة المال، وإن كفل مطلقا كانت صحيحة، وكانت حالة فإذا ثبت هذا كان للمكفول له مطالبته بتسليمه في الحال فإن سلمه برئ، وإن امتنع من تسليمه حبس حتى يسلم فإن أحضره الكفيل وسأله أن يتسلمه فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون ممنوعا من تسليمه بيد ظالمه مانعة أو غير ممنوع من تسليمه فإن كان ممنوع من تسليمه لم يصح التسليم ولم تبرء ذمته، وإن لم يكن ممنوعا من تسليمه لزمه قبوله فإن لم يقبل أشهد عليه رجلين أنه سلمه وبرئ، وإن كانت الكفالة مؤجلة لم يكن له مطالبة الكفيل قبل المحل. وإذا حل الأجل نظر فإن كان المكفول به حاضرا كان حكمه حكم ما لو كانت الكفالة حالة، وإن كان غايبا نظر فإن كانت الغيبة إلى موضع معلوم ترد منه أخباره فإن الكفيل يلزمه إحضاره وتسليمه إلى المكفول له وتمهل في مقدار ذهابه ومجيئه

(1) في نسخة (الضمان) * (2) في بعض النسخ (ينزع) (3 و 4) يوسف 66 - 78.

[ 338 ]

فإذا ذهب زمان يمكنه الذهاب والمجئ به فلم يجئ به حبس أبدا إلى أن يأتي به وتسلمه أو يموت المكفول به فتبرء ذمته هذا إذا حل الأجل. فأما إذا أتى به قبل محله وسأله تسلمه نظر فيه فإن كان لا ضرر عليه فيه لزمه تسلمه، وإن كان عليه ضرر بأن يكون بينته غائبة في الحال أو كان الحاكم لا يوصل إليه إلا في يوم مجلسه، ويكون المجلس في ذلك اليوم الذي جعل محلا فإنه لا يلزمه قبوله ولا يبرء بتسليمه. إذا تكفل على أن يسلمه إليه في موضع فسلمه إليه في موضع آخر فإن كان عليه مؤونة حمله إلى موضع تسليمه لا يلزمه قبوله ولا يبرء الكفيل وإن لم يكن عليه فيه مؤونة ولا ضرر لزمه قبوله كما ذكرنا في المحل سواء. إذا أطلق الكفالة ولم يتبين موضع التسليم وجب تسليمه في موضع العقد، وإذا سلمه في غير موضع العقد كان على ما بيناه. إذا كان محبوسا في حبس الحاكم فقال الكفيل للمكفول له: تسلمه وهو في الحبس لزمه لأن حبس الحاكم ليس بحايل ولا مانع من تسليمه، ومتى أراد حضوره مجلس الحاكم أحضره الحاكم فإن ثبت عليه شئ حبسه لهما جميعا. إذا حضر رجل عند الحاكم وادعى على رجل في حبسه حقا احضره وسمع الدعوى ونظر فيما بينهما ثم رده إلى الحبس، وأما إذا كان محبوسا في حبس ظالم لا يتمكن من تسلمه من يده فإنه لا يكون تسليما لأنه ممنوع من تسلمه. إذا تكفل ببدن رجل فمات المكفول به زالت الكفالة وبرئ الكفيل، ولا يلزمه المال الذي كان في ذمته لأنه لا دليل عليه. إذا أبرأ المكفول له الكفيل برئ من الكفالة وإذا اعترف بذلك فقال: أبرأته أو برئ إلى أورد إلى المكفول به لزمه اعترافه به وبرئ الكفيل. إذا قال: كفلت ببدن فلان على أن يبرأ فلان الكفيل أو على أن يبرئه من الكفالة لم تصح الكفالة لأنه لا يلزمه أن يبرئه فهذا شرط فاسد. إذا جاء المكفول به إلى المكفول له وقال: سلمت نفس إليك من كفالة فلان و

[ 339 ]

أشهد على ذلك شاهدين برئ من الكفالة لأنه يكون نائبا عن الكفيل في هذا التسليم والنيابة به صحيحة. إذا قال لرجل: فلان يلازم فلانا فاذهب وتكفل به فتكفل به كانت الكفالة على من باشر عقد الكفالة دون الآمر لأن الآمر ليس بمكره والمأمور تكفل باختياره. إذا تكفل ببدن رجل ثم ادعى الكفيل أن المكفول له قد أبرء المكفول به من الدين وأنه قد برئ من الكفالة وأنكر المكفول له قوله كان القول قول المكفول له مع يمينه وعلى الكفيل البينة لأنه مدع، والأصل بقاء كفالته فإن حلف ثبتت كفالته على الكفيل، وإن نكل عن اليمين ردت على الكفيل: فإذا حلف برئ من الكفالة ولم يبرء المكفول ببدنه لأنه لا يجوز أن يبرء بيمين غيره، وإنما يحلف الكفيل على ما يدعي عليه من الكفالة. إذا قال الكفيل: تكفلت ببدنه ولا حق لك عليه، وأنكر المكفول له كان القول قوله مع يمينه لأن الظاهر أن الكفالة صحيحة والكفيل يدعي ما يبطلها. إذا تكفل ببدن رجل إلى أجل مجهول لا يصح، وقال قوم: يصح وليس بشئ. إذا كان لرجل على رجلين ألف درهم على كل واحد منهما خمسمائة فقال رجل لصاحب الحق: تكفلت لك ببدن أحدهما فقد قلنا: إنه لا تصح لأنها مجهولة، وإن قال: تكفلت ببدن زيد على أني إن جئت به وإلا فأنا كفيل بعمر ولم يصح لأنه لم يلتزم احضار زيد ولم يقطع به، والكفالة توجب التسليم والاحضار من غير خيار فلم تصح الكفالة بزيد ولا تصح الكفالة بعمر ولأنه علقها بشرط وهو إن لم يأت بزيد، ولا يجوز تعليق الكفالة بشرط. إذا تكفل رجلان ببدن رجل لرجل فسلمه أحدهما لم يبرء الآخر لأنه لا دليل عليه.

[ 340 ]

إذا تكفل رجل رجلا لرجلين فسلمه إلى أحدهما لم يبرأ من حق الآخر لمثل ما قلناه. إذا نكفل رجل ببدن رجل عليه دين لرجل ثم تكفل آخر ببدن الكفيل ثم تكفل ببدن الثالث رابع كان جايزا لأن الأول تكفل ببدن من عليه الدين وتكفل الثاني ببدن الكفيل، وعليه حق للمكفول له من حق الكفالة فجاز التكفيل به، وجملته إذا تكفل ببدن من يجب عليه حق مستقر لآدمي صحت الكفالة فإن مات من عليه الدين برئوا جميعا، وكذلك إذا أبرأ المكفول له الكفيل الأول برئ الباقون، وإن مات الكفيل الثاني لم يبرأ الكفيل الأول، وبرئ الثالث والرابع لأنهما فرعاه، إذا تكفل ثلاثة أنفس ببدن رجل لرجل صحت الكفالة، وإذا برأ أحدهم لا يبرأ الآخران، وكذلك إن مات أحدهم لا يبرء الآخران، وإن تكفل به ثلاثة أنفس وكل واحد منهم كفيل ببدن صاحبه بأمره كان جايزا لأن الكفالة ببدن الكفيل جايزة. الكفالة ببدن صبي في ذمته دين أو مجنون في ذمته دين جايزة إذا كان بأمر الولي وأما بأمر الصبي والمجنون لا يصح لأنه لا يصح إذنهما بدلالة أنه لا يجب احضارهما مجلس الحكم لتقع الشهادة على وليهما بلا خلاف. إذا تكفل ببدن المكاتب لسيده لم يصح لأن الدين الذي في ذمته لا يصح الكفالة به فلم [ فلا خ ل ] تصح ببدنه لأجله. إذا رهن شيئا ولم يسلمه وتكفل رجل بهذا التسليم صحت الكفالة لأن الراهن يلزمه التسليم على ما بيناه في كتاب الرهن، ومن قال: لا يلزمه لم تصح الكفالة به إذا ضمن رجل عن رجل ألف درهم وضمن المضمون عنه عن الضامن لم يجز لأن المضمون عنه أصل للضامن وهو فرع للمضمون عنه فلا يجوز أن يصير الأصل فرعا والفرع أصلا وأيضا فلا فايدة فيه. إذا كان لرجل على رجل ألف درهم حالة فضمنها رجل مؤجلة صح وإن كانت مؤجلة فضمنها حالة قيل فيه: وجهان:

[ 341 ]

أحدهما: يصح. والثاني: لا يصح وهو الأقوى لأنه لا يجوز أن يكون الفرع أقوى من الأصل. إذا تكفل برأس فلان قال قوم: تصح الكفالة لأن تسليم الرأس لا يمكن إلا بتسليم جميع البدن فكان ذلك كفالة بجميع البدن. وإن تكفل بيده أو بعضو يبقى بعد قطعه فهل يجوز؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه قد يقطع منه فيبرء مع بقائه. والثاني: يجوز لأن تسليم العضو لا يمكن إلا بتسليم الجملة، وقال قوم آخرون وهو الصحيح: إن هذا لا يجوز لأن مالا يسري إذا خص به عضو لم يصح لأن السراية إلى الباقي لا يمكن وإفراده بالصفة لا يمكن فوجب إبطاله، وقول الأول يبطل بالوصية بطرفه أو ببيعه أو إجارته أو غير ذلك.

[ 342 ]

* (كتاب الشركة) * الشركة جايزة لقوله تعالى " واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول " الآية (1) فجعل الغنيمة مشتركة بن الغانمين وبين أهل الخمس وجعل الخمس مشتركا بين أهل الخمس وقال تعالى " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " (2) فجعل التركة مشتركة بين الورثة وقال تعالى " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " (3) فجعل الصدقات مشتركة بين أهلها لأن اللام للتمليك والواو للتشريك فجعلها مشتركة بين الثمانية أصناف وقال تعالى " وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض " (4) وروى جابر بن عبد الله قال: نحرنا بالحديبية سبعين بدنة كل بدنة عن سبعة وقال النبي صلى الله عليه وآله: يشترك البقر في الهدي، وروى الجابر عن النبي أنه قال: من كان له شريك في ربع أو حائط فلا يبيعه حتى يؤذن شريكه فإن رضى أخذه وإن كره تركه (5) وروي عن أبي المنهال أنه قال: كان زيد بن أرقم والبراء بن عازب شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فأمرهم [ فقال ] أما ما كان بنقد فأجيزوه: وما كان [ من ] نسيئة فردوه (6) وروي عن السايب بن أبي السايب أنه قال كنت شريكا للنبي صلى الله عليه وآله في الجاهلية فلما قدم يوم فتح مكة قال: أتعرفني قلت: نعم كنت شريكي، وكنت خير شريك كنت لا تواري ولا تماري (7) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله

(1) الأنفال 41.
(2) النساء 11.
(3) التوبة 60.
(4) ص 24.
(5) رواها في المستدرك ج 2 ص 500 باب 4 الرقم - 1 - عن عوالي اللئالي.
(6) رواها في المستدرك ج 2 ص 500 باب 6 الرقم 5.
(7) رواها في المستدرك ج 2 ص 500 باب 6 الرقم - 2 - عن عوالي اللئالي

[ 343 ]

أنه قال: يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا (1) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يقول الله - عز وجل - أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما (2) وعليه إجماع الفرقة بل إجماع المسلمين لأنه لا خلاف بينهم في جواز الشركة وإن اختلفوا في مسائل من تفصيلها وفروعها. فإذا ثبت هذا فالشركة [ على ] ثلاثة أضرب: شركة في الأعيان، وشركة في المنافع، وشركة في الحقوق. فأما الشركة في الأعيان فمن ثلاثة أوجه: أحدها: بالميراث. والثاني: بالعقد. والثالث: بالحيازة. فأما الميراث فهو اشتراك الورثة في التركة، وأما العقد فهو أن يملك جماعة عينا ببيع أو هبة أو صدقة أو وصية مشتركة. وأما الشركة بالحيازة فهو أن يشتركوا في الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد والاغتنام والاستقاء وغير ذلك فإذا صار محوزا لهم كان بينهم. وأما الاشتراك في المنافع كالاشتراك في منفعة الوقف ومنفعة العين المستأجرة ومنفعة الكلاب الموروثة عند من قال: إنها غير مملوكة وأما عندنا فإنها تملك إذا كانت للصيد فعلى هذا دخلت في شركة الأعيان. وأما الاشتراك في الحقوق فمثل الاشتراك في حق القصاص وحد القذف وحق خيار الرد بالعيب وخيار الشرط، وحق الرهن وحق المرافق من المشي في الطرقات ومرافق الدار والضيعة وما أشبه ذلك. فإذا ثبت هذا فقسمة الأموال على ثلاثة أضرب: ضرب يجوز للحاكم أن يقسم ويجبر الممتنع. وضرب يجوز أن يقسم ولا يجوز أن يجبر. وضرب لا يجوز أن يقسم ولا أن يجبر. فأما ما يجوز أن يقسم ويجبر فكل مال مشترك أجزاؤه متساوية لا ضرر في قسمته

(1) رواها في المستدرك ج 2 ص 500 باب 6 الرقم 3.
(2) رواها في المستدرك ج 2 ص 500 باب 6 الرقم 4.

[ 344 ]

فإنه يجوز للحاكم أن يقسمه إذا تراضوا به وإذا طلب بعض الشركاء وامتنع بعضهم أجبر الممتنع عليه. وأما ما لا يجوز له أن يقسم ولا يجبر عليه فمثل أن يريد أن يقسما دارين على أن يكون إحداهما لأحدهما والأخرى للآخر أو ضيعتين أو بستانين أو دار واحدة يكون علوها لأحدهما وسفلها للآخر أو كان القسم‍ [ ة ] فيه رد الدراهم، وذلك إذا لم يمكن تعديل الأجزاء (1) إلا برد مال من غيره فإذا كان كذلك جاز للحاكم أن يقسم ذلك بتراضيهم، وإن امتنع بعضهم لم يجز له أن يجبر الممتنع عليه. وأما ما لا يجوز للحاكم أن يفعل ولا أن يجبر عليه فهو أن يكون ثوب في قسمته ضرر أو قسمة جوهرة أو حجر رحى وما أشبه ذلك فهذا لا يجوز لهم قسمته لأنه سفه وضرر، ولا يجوز للحاكم إذا رضوا به أن يفعله لأنه لا يجوز له أن يشاركهم في السفه، وفي جواز قسمة الرقيق والثياب التي لا ضرر فيها خلاف نذكره في أدب القضاء (2) فإن له بابا مفردا إن شاء الله تعالى. إذا كانت دار هي وقف على جماعة فأرادوا قسمتها لم يجز لأن الحق لهم ولمن بعدهم فلا يجوز لهم تميز حقوق غيرهم والتصرف فيها بأنفسهم، وإذا كان نصفها ملكا طلقا ونصفها وقفا فطالب صاحب الطلق المقاسمة فمن قال: إن القسمة تمييز النصيبين أجاز ذلك، ومن قال: إنها بيع لم يجز لأن بيع الوقف لا يجوز. شركة التجارة جايزة بين المسلمين [ فأما بين المسلمين ] والكافرين مثل اليهود والنصارى فمكروهة إجماعا إلا الحسن البصري. العروض على ضربين: ضرب لا مثل له مثل الثياب والعبيد والبهائم والخشب، و ضرب له مثل مثل الحبوب والأدهان وكل مكيل وموزون فالضرب الأول لا تجوز الشركة فيه لأنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يعقد الشركة على ما يحصل من ثمنها أو يعقد على أعيانها وبطل أن يعقد على ما يحصل من ثمنها لأن في مثل ذلك تعليق الشركة بصفة لأنه

(1) في بعض النسخ (الاخر).
(2) في بعض النسخ (في كتاب القضاء).

[ 345 ]

كأنه قال: عقدت الشركة معك إذا حصل الثمن وذلك لا يجوز وأيضا فإنها شركة في مال مجهول وذلك لا يصح، ولا يجوز أن يكون العقد على أعيانها لأن الأعيان لا تختلط، ومن شرط الشركة أن يكون مال الشركة مختلطا لا يتميز مال أحدهما عن الآخر، ولأن من حقيقة الشركة أن يكون التالف من مال الشركة منهما والسالم لهما، وهذا يؤدي إلى أن يكون التالف لأحدهما والسالم للآخر وذلك لا يجوز. فإذا ثبت هذا فالشركة إنما تصح في مالين متفقين في الصفة، وإذا خلطا اختلطا حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر، وعلى هذا لا يجوز أن يكون لأحدهما دراهم وللآخر دنانير ولا أن يكون لأحدهما دراهم وللآخر ثوب أو طعام أو عرض من العروض لأنهما لا يختلطان و لأنه يجوز أن يتغير سعر (1) أحدهما ولا بتغير سعر الآخر فإذا أراد سعر أحدهما واستحق الآخر جزء من الزيادة كان استحق جزء من رأس المال وإن تصرفا فيهما وأراد أن يجعلا رأس المال يجوز أن يزيد قيمة رأس المال الذي لأحدهما فإذا اشتراه استغرقت قيمته جميع ما حصل من الربح فيؤدي إلى انفراد أحدهما بجميع الربح وذلك لا يجوز، وإن كان لأحدهما عرض وللآخر عرض آخر فإنه لا يجوز لأنهما لا يتفقان في جميع الصفات وإنما يحصل اتفاق الصفة فيما له مثل من المكيل والموزون، ومت أخرجا مالين متفقين في الصفة مثل أن يخرج كل واحد منهما دراهم مثل دراهم صاحبه أو دنانير مثل دنانير صاحبه أو دهنا مثل دهن صاحبه أو حبا مثل حب صاحبه وخلطاهما وأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف في ماله انعقدت الشركة. وأما العروض التي لها أمثال فهل يصح عقد الشركة عليه أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما: يصح والآخر لا يصح فمن قال: لا يصح قال: يشتري كل واحد منهما نصف سلعة صاحبه سلعته فيكون كل سلعة بينها نصفين فتنعقد الشركة بينهما ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف في حقه لأن عقد البيع وعقد الشركة لا يتضمن

(1) في بعض النسخ (بتغيير).

[ 346 ]

الإذن في التصرف والوجه الآخر أن يشتريا جميعا سلعة مثلا بالألف درهم فيكون على كل واحد منهما نصف الألف ثم يصرف كل واحد منهما عرضه الذي أراد عقد الشركة عليه في الثمن الذي يلزمه وهو خمسمائة فيحصل تلك السلعة مشتركة بينهما ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف فيه وإنما امتنع عقد الشركة في العرضين لما قدمنا ذكره وهذا يمكن اعتباره فيما لا مثل له على الترتيب. إذا شارك نفسان سقاء على أن يكون من أحدهما حمل ومن الآخر راوية واستقى فيها على أن [ ما ] يقع من الربح يكون بينهما لم تصح هذه الشركة لأن من شرطها اختلاط الأموال وهذا لم يختلط، ولا يمكن أن يكون له إجارة لأن الأجرة فيها غير معلومة فإذا ثبت أن هذه معاملة فاسدة فإذا استقا السقاء [ وباع الماء ] وحصل الكسب في يده فإنه يكون للسقاء ويرجع الآخران عليه بأجرة المثل فيما لهما من حمل وراوية وقيل: إنهما يقتسمان بينهما أثلاثا ويكون لكل واحد منهما على صاحبه ثلثا أجرة ماله على كل واحد منهما ثلثها وسقط الثلث لأن ثلث النفع حصل له، وفي الناس من حمل الوجه الأول على أنه إذا كان الماء للسقاء ملكه والثاني على أنه إذا أخذ السقاء الماء من موضع مباح وهذا ليس بشئ لأن السقاء إذا أخذ الماء من موضع آخر مباح فقد ملكه والوجهان جميعا قريبان، ويكون الوجه الأول على وجه الصلح، والثاني مر الحكم فيه. إذا أذن رجل لرجل أن يصطاد له صيدا فاصطاد الصيد بنية أن يكون للآمر دونه فلمن يكون هذا الصيد؟ قيل فيه: إن ذلك بمنزلة الماء المباح إذا استقاه السقاء بنية أن يكون بينهم وإن الثمن يكون له دون شريكه فهاهنا يكون الصيد للصياد دون الآمر لأنه انفرد بالحيازة، وقيل: إنه يكون للآمر لأنه اصطاده بنيته فاعتبرت النية والأول أصح. قد ذكرنا أن الشركة في العروض التي لا مثل لها لا يجوز بلا خلاف ومالها مثل يصح الشركة فيه، ومتى أخرج أحدهما دراهم والآخر عرضا له مثل أو لا مثل له لا تصح الشركة، ومتى أخرج أحدهما دراهم والآخر دنانير لم يجز عقد الشركة لأن الاختلاط فيهما لا تصح.

[ 347 ]

الشركة على أربعة أضرب: شركة المفاوضة، وشركة العنان، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه. فشركة العنان هي التي ذكرناها، وإنما سميت شركة العنان لأنهما يتساويان فيهما ويتصرفان فيهما بالسوية كالفارسين إذا سيرا دابتيهما وتساويا في ذلك فإن عنايتهما حال السير سواء، وقال الفراء: هي مشتقة من عن الشئ إذا عرض يقال: عنت لي حاجة: أي عرضت فسمى به الشركة لأن كل واحد منهما قد عن له أن يشارك صاحبه: أي عرض له، وقيل: إنه مشتق من المعاننة يقال: عاننت فلانا: أي عارضته بمثل ماله ومثل فعاله، وكل واحد من الشريكين يخرج في معارضة صاحبه بماله وتصرفه فيخرج مالا مثل مال صاحبه وينصرف كما ينصرف صاحبه فسميت بذلك شركة العنان وهذا الأخير أصلح ما قيل فيه. إذا ثبت هذا فإذا أخرج كل واحد منهما من جنس المال الذي أخرجه صاحبه ومن نوعه وصفته وعقدا عليهما عقد الشركة وخلطا المالين انعقدتا الشركة وثبتت فإذا أذن كل واحد منهما في التصرف لصاحبه بعد ذلك جاز التصرف، وإذا لم يخلطا المالين لم ينعقد الشركة، ويكون الحكم في المالين كما لو لم يتلفظا بالشركة، وفي الناس من قال: الخلط ليس من شرط صحة الشركة فإذا تلفظا بالشركة انعقدت وإذا ارتفع الربح كان بينهما، والأول أقوى لحصول الاجماع على انعقاد الشركة به وفي الثاني خلاف فيه، ولأن الاشتراك هو الاختلاط في اللغة فينبغي أن يراعى معنى الاختلاط. وشركة المفاوضة باطلة، وهي أن يكون مالهما من كل شئ يملكانه بينهما. وفي الناس من قال: إنها صحيحة إذا حصلت [ ب‍ ] شرايطها، ومن شرايطها أن يكونا مسلمين حرين. فأما إذا كان أحدهما مسلما والآخر كافرا أو أحدهما حرا والآخر مكاتبا لم يجز الشركة، ومن شرطها أن يتفق قدر المال الذي ينعقد الشركة في جنسه وهو الدراهم والدنانير. وإذا كان مال أحدهما أكثر لم يصح هذه الشركة، وإخراج أحدهما الشركة من ذلك المال أكثر مما أخرجه الآخر لم يصح.

[ 348 ]

وأما موجباتها فهو أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يكسبه قل ذلك أم كثر، وفيما يلزمه من غراماته بغصب وكفالة بملك (1) فهذا جملة ما يشرطونه من الشرايط ويثبتونه من الموجبات فيها، وقد بينا أن الذي يقتضيه مذهبنا أن هذه الشركة باطلة لأنهم قد شرطوا فيها الاكتساب والضمان بالغصب، وذلك باطل لأنه لا دليل على صحة هذه الشركة. وشركة الأبدان عندنا باطلة، وهو أن يشترك الصانعان على أن ما ارتفع لهما من كسبهما فهو بينهما على حسب ما يشرطانه وسواء كانا متفقي الصنعة كالنجارين والخبازين أو مختلفي الصنعة مثل النجار والخباز. وشركة الوجوه باطلة، وصورتها أن يكون رجلان وجيهان في السوق وليس لهما مال فيعقدان الشركة على أن يتصرف كل واحد منهما بجاهه في ذمته ويكون ما يرتفع بينهما. فإذا اشترى أحدهما بعد ما عقدا هذه الشركة نظر فإن أطلق الشراء لم يشاركه صاحبه فيه، وإن نوى بالشراء أن يكون له ولصاحبه وكان صاحبه أذن له في ذلك كان بينهما على حسب ما نواه بالتوكيل لا بالعقد الذي هو شركة. وإذا ثبت أن ذلك يكون بينهما بالتوكيل فإنه يراعى فيه شرايط الوكالة من تعيين الجنس الذي يريد أن يتصرف فيه وغير ذلك من شرايط الوكالة التي نذكرها في صحة الوكالة، ولا فرق بين أن يتفق قدر المالين أو يختلف فيخرج أحدهما أكثر مما أخرجه الآخر. وإذا عقد الشركة على المالين وخلطاهما كان لكل واحد منهما أن يتصرف في نصيبه، ولا يجوز أن يتصرف في نصيب شريكه حتى يأذن له فيه. فإذا أذن له فيه جاز له أن يتصرف على حسب ما أذن له في ذلك فإن أطلق الإذن في التجارة والتصرف في الأمتعة تصرف فيهما مطلقا، وإن عين له جنسا دون جنس أو نوعا دون نوع كان له

(1) في بعض النسخ (بمال).

[ 349 ]

التصرف في ذلك العين، ولا يجوز له التصرف فيما عداه لأن كل واحد منهما يتصرف في نصيب صاحبه بتوكيل منه فيه فكان تصرفه حسب تصرف الوكيل في التعيين والاطلاق، ولا يجوز أن يتفاضل الشريكان في الربح مع التساوي في المال، ولا أن يتساويا فيه مع التفاضل في المال، ومتى ما شرطا خلاف ذلك كانت الشركة باطلة. إذا عقد الشركة ثم أذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف فتصرفا ثم إن أحدهما فسخ الشركة انفسخت الشركة، وكان لصاحبه أن يتصرف في نصيبه دون نصيب الآخر وكان للفاسخ أن يتصرف في نصيبه ونصيب صاحبه لأن صاحبه ما رجع في إذنه وإنما كان كذلك لأن تصرف كل واحد منهما في نصيب صاحبه إنما هو على جهة التوكيل، وللموكل أن يمنع الوكيل من التصرف أي وقت شاء فإذا ثبت هذا فهذا الفسخ يفيد المنع من التصرف على ما بيناه. وأما المال فهو بعد مشترك بينهما لأنه مختلط غير متميز فلا يتميز بالفسخ. فإذا ثبت هذا فإن كان المال قد نض كان لهما أن يتقاسماها، وإن أراد بيعها كان لهما ذلك، وإن اختلفا وأراد أحدهما البيع وامتنع الآخر لم يجبر الممتنع منهما لأن أصل المال بينهما والربح بينهما. إذا تقاسما والمال عروض يوصل كل واحد منهما إلى حقه فلهذا لم يجبر الممتنع على البيع، وإذا مات أحد الشريكين انفسخت الشركة بموته ومعنى الانفساخ أن الباقي منهما لا يتصرف في حصة الميت. وأما المال فهو مشترك لأنه مختلط. فإذا ثبت هذا فالوارث لا يخلو إما أن يكون رشيدا أو مولا عليه. فإن كان رشيدا كان بالخيار في ذلك المال بين أن يبقى على الشركة، وبين أن يطالبه بالقسمة، وسواء كان الخلط فيما يختاره أو يتركه فإن اختار البقاء على الشركة استأنف الإذن للشريك في التصرف. فأما إذا كان مولا عليه فإن الوصي ينوب عنه أو الحاكم إن لم يكن له وصي فينظر فإن كان الحظ في البقاء على الشركة استأنف الإذن للشريك في التصرف، وإن كان الحظ في المفاضلة قاسمه المال،

[ 350 ]

ولا يجوز له أن يترك ما فيه الحظ إلى غيره لأن النظر إليه في المال على وجه الاحتياط هذا إذا لم يكن هناك دين فإن كان هناك دين لم يكن للوارث أن يستأنف الإذن للشريك في التصرف لأن الدين تعلق بالتركة كلها كما تعلق الحق بالرهن، ولا يجوز عقد الشركة في المال المرهون فإن قضى الدين من غير ذلك المال كان الحكم فيه بعد القضاء كما لو لم يكن عليه دين وإن قضاه من ذلك المال. فإن بقي منه شئ كان في الباقي بعد القضاء على ما ذكرناه فأما إذا لم يكن هناك دين وكان وصية نظر فإن كان لمعين وكان الموصي أوصى له بثلث مال الشركة أو أوصى له بثلث ماله وعين [ له ] الوصية في مال الشركة وكان ذلك المال بحيث إذا خرج منه ثلث جميع ماله فإن فضل منه شئ فإن الثلاثة فيه شركاء والخيار إليهم في المقاسمة والبقاء على الشركة على ما بيناه في الشريك والوارث وإن كانت الوصية لقوم غير معينين مثل أن يكون للفقراء والمساكين لم يجز له البقاء على الشركة لأن حقهم قد تعلق بذلك المال فإذا عزل حصتهم وبقي منه شئ كان بالخيار فيه على ما بيناه. إذا كان بين رجلين ثلاثة آلاف درهم مشتركة فيما بينهما لأحدهما ألف وللآخر ألفان فأذن صاحب الألفين لشريكه أن يتصرف في المال على أن يكون الربح بينهما نصفين نظر فإن شرط أن يعمل هو أيضا معه كانت الشركة باطلة لأنهما شرطا التساوي في الربح مع التفاضل في المال، وقد بينا أن ذلك لا يصح فإن كانت المسألة بحالها ولم يشرط العمل على نفسه صحت الشركة وكانت شركة قراض فيكون قد قارضه على ألفين له على أن يكون له من ربحها الربع فيقسم ربح الثلاثة آلاف على ستة أسهم فيكون لصاحب الألف منهما ثلاثة سهمان بحق ماله ويكون له سدس بشرط صاحب الألفين وهو سهم واحد، وذلك السدس هو ربع ثلثي جميع الريح فيكون الربح بينهما نصفين على هذا الترتيب. إذا ثبت هذا فليس في هذا العقد أكثر من أنه قراض بمال مشاع مختلط بمال المقارض، وذلك لا يمنع صحة القراض، وإنما لا يصح القراض في مال المشاع إذا

[ 351 ]

كان الشريك فيه غير المقارض لأنه لا يتمكن من التصرف فيه لكونه مشتركا بين المقارض وشريكه، والمقصود من القراض تنمية المال وهذا الاختلاط يمنع من المقصود فلذلك أبطل القراض. إذا كان بين رجلين ألفا درهم لكل واحد منهما ألف [ درهم ] فأذن أحدهما للآخر في التصرف في ذلك المال على أن يكون الربح بينهما نصفين لم يكن ذلك شركة ولا قراضا لأنه لم يشرط على نفسه العمل فمن هذا امتنع أن يكون شركة ولم يشرط له جزء من الربح فلهذا امتنع أن يكون قراضا فإذا ثبت ذلك كان ذلك بضاعة سأله التصرف فيها ويكون ربحها له. إذا اشترى الشريكان عبدا بمال الشركة ثم أصابا به عيبا كان لهما أن يرداه وكان لهما أن يمسكاه فإن أراد أحدهما الرد والآخر الامساك كان لهما ذلك فيرد (1) الذي يريد الرد نصفه [ ويمسك الآخر نصفه ] ويكون مشتركا بينه وبين البايع. إذا اشترى أحد الشريكين عبدا للشركة ثم أصابا به عيبا كان لهما أن يرداه أو يمسكاه فإن أراد أحدهما الرد والآخر الامساك نظر فإن كان أطلق العقد ولم يجبر البايع لأنه (2) يشتريه للشركة لم يكن له الرد لأن الظاهر أنه اشتراه لنفسه دون شريكه. فإذا ادعى أنه اشتراه له ولشريكه فقد ادعى خلاف الظاهر [ ف‍ ] لم يقبل قوله، وكان القول قول البايع في ذلك مع يمينه فأما إذا أخبره بذلك حين العقد قيل فيه: وجهان: أحدهما: وهو الصحيح أن له الرد لأن الملك بالعقد وقع لاثنين، وقد علم البايع أنه يبيعه من اثنين فكان لأحدهما أن ينفرد بالرد دون الآخر، وقيل فيه وجه آخر، وهو أنه ليس له الرد لأن القبول في العقد كان واحدا كما لو اشتراه لنفسه وحده. إذا باع أحد الشريكين عينا من أعيان الشركة وأطلق البيع ثم ادعى بعد ذلك أنه باع مالا مشتركا بينه وبين غيره، ولم يأذن له شريكه في البيع لم يقبل قوله على

(1) في بعض النسخ (فرد) (2) في بعض النسخ (بأن)

[ 352 ]

البايع لأن الظاهر أن ما يبيعه ملك له ينفرد به دون غيره فإن [ فإذا خ ل ] ادعى خلاف الظاهر لم يسمع منه فإن ادعى شريكه وأقام عليه البينة إما شاهدين أو شاهدا وامرأتين أو شاهدا ويمينا ثبت بالبينة أنه باع ملكه وملك غيره، وللمشتري أن يدعي عليه أنه أذن له في بيعه، ولهذا إن ينكر ذلك ويحلف أنه ما أذن له لأن الأصل عدم الإذن فإذا حلف ثبت أن البايع باع ملك غيره بغير إذن صاحبه فيبطل البيع في ملك شريكه ولا يبطل في ملكه كما قلنا في تفريق الشركة [ الصفقة خ ل ] وصار المبيع مشتركا بين المشتري وبين شريك البايع. إذا اشترى أحد الشريكين شيئا بمال الشركة بما لا يتغابن الناس بمثله لم يخل من أحد أمرين: إما أن يشتري ذلك بثمن في الذمة أو بثمن معين فإن اشتراه بثمن في الذمة كان ذلك للمشتري دون شريكه لأن إذن شريكه لم يتناول هذا الشراء فهو بمنزلة أن يشتري له شيئا بغير إذنه. فأما إذا اشتراه بثمن معين من مال الشركة، وثبت أن الثمن المعين من مال الشركة بتصديق البايع أو ببينة أقامها الشريك بطل الشراء في نصف الثمن، ولا يبطل في نصف الآخر كما قلناه في تفريق الصفقة ويصير الثمن مشتركا بين البايع وبين شريك المشتري وصار البيع مشتركا بين البايع وبين المشتري. إذا اشترى أحد الشريكين شيئا فادعى أنه اشتراه لنفسه دون شريكه وأنكر شريكه ذلك. وزعم أنه اشتراه للشركة كان القول قول المشتري مع يمينه لأنه اختلاف في نيته وهو أعلم بها من غيره. فأما إذا كان بخلاف ذلك فادعى المشتري أنه اشتراه للشريك وأنكر ذلك شريكه وزعم أنه اشتراه لنفسه دون الشركة كان القول قول المشتري لأنه اختلاف في نيته، وهو أعلم بها. وإذا ادعى أحد الشريكين على الآخر خيانة معلومة مثل أن يقول: قد خنتني في دينار أو في عشرة أو أقل أو أكثر فبين الخيانة سمعت دعواه وكان القول قول المدعى عليه الخيانة في أنه ما خانه مع يمينه لأنه أمين، والأصل أنه لم يخن وأنه على أمانته وعلى المدعي إقامة البينة على دعواه.

[ 353 ]

وإذا ادعى أحد الشريكين تلف مال الشركة أو تلف شئ منه وأنكر صاحبه فالقول قوله المدعي للتلف مع يمينه لأنه أمين كالمودع. إذا كان عبد بين شريكين فأذن أحدهما لصاحبه في بيع حصته من العبد مع حصة نفسه وقبض ثمنها فباعه بألف درهم صح البيع ثم إن شريك البايع أقر بأن شريكه البايع قبض جميع الثمن من المشتري وادعى ذلك المشتري فإن المشتري يبرء من نصف الثمن وهو حصة المقر، وإنما كان كذلك لأمرين: أحدهما: أن البايع وكيله في قبض ثمن حصته والموكل إذا أقر بقبض الوكيل فهو كما لو أقر بقبض نفسه. والثاني: أن إقراره تضمن إبراه عن حصته وهو لو أبرأه برئ فكذلك إذا تلفظ بما يتضمن الابراء. فإذا ثبت هذا فإن البايع ينكر القبض والمشتري يدعي عليه ذلك ويدعيه أيضا شريكه فيحتاج أن يحاكم كل واحد منهما. فإذا ثبت هذا فإن بدء بمخاصمة المشتري أولا فأنكر القبض وادعاه ذلك كان القول قول البايع مع يمينه لأن الأصل أنه ما قبض شيئا وعلى المشتري إقامة البينة على ذلك فإن أقام عليه البينة إما شاهدين أو شاهدا وامرأتين أو شاهدا ويمين المشتري قبل ذلك وثبت أن البايع قد قبض منه الثمن فإن شهد له بذلك شريك البايع المقر فهل يقبل شهادته أم لا؟ قيل فيه: قولان: أحدهما: لا يقبل لأنه شهد بقبض ألف نصفها له فهو متهم في ذلك فردت شهادته فيه والشهادة إذا رد بعضها رد جميعها. والآخر أنها تقبل لأن التهمة في إحدى النصفين دون الآخر تسقط في موضع التهمة وتثبت في غيره فعلى هذا يحلف معه ويثبت القبض بذلك. فأما إذا لم يكن له بينة كان القول قول البايع مع يمينه فإذا حلف رجع على المشتري بنصف الثمن وسلم له ذلك ولم يرجع عليه شريكه بشئ منه لأنه مقر بأنه أخذه من المشتري ظلما وإن نكل ردت اليمين على المشتري وحلف وثبت القبض بذلك

[ 354 ]

فإذا فرغ من خصومة المشتري عاد إلى خصومة شريكه وشريكه يدعي عليه القبض وهو ينكر فالقول (1) قوله مع يمينه لما ذكرناه وعلى شريكه البينة فإن أقام شاهدين أو شاهدا وامرأتين أو شاهدا ويمينا ثبت القبض ورجع بحقه، وإن لم يكن له بينة حلف البايع فإذا حلف أسقط دعواه عن نفسه وإن نكل حلف شريكه ويثبت القبض بذلك و رجع عليه بحقه هذا إذا بدء بمخاصمة المشتري ثم ثنى بمخاصمة شريكه فالترتيب فيه كما ذكرناه. فأما إذا بدء أولا بمخاصمة شريكه ثم ثنى بمخاصمة المشتري فالحكم فيه على ما ذكرناه. إذا ثبت هذا فمتى أقام الشريك أو المشتري شاهدين على القبض ثبت القبض في حق من أقامها وفي حق صاحبه لأن البينة حجة يثبت بها الحق في جنبة المقيم لها وفي جنبة غيره، وإن حلف الشريك أو المشتري مع الشاهد الواحد أو مع النكول ثبت القبض في حقه ولم يثبت في حق الآخر، وكانت المحاكمة باقية بين البايع وبين الشريك أو المشتري. وإذا كانت صورة المسألة بحالها فأقر البايع أن شريكه قد قبض الثمن من المشتري وادعى المشتري ذلك وأنكر شريكه الذي لم يبع فإنه لم يبرأ المشتري عن شئ من الثمن أما الخمسمائة التي للبايع فلا يبرأ منها لأنه يقول: ما أعطيتني ولا أعطيت من وكلته (2) في قبضها، وإنما أعطيتها أجنبيا فلا تبرأ من حقي بذلك، وأما الخمسمائة التي للذي لم يبع فلا يبرأ أيضا لأنه يدعي أنها على المشتري لم يقبض بعد منهما شيئا وإنما البايع هو الذي يقر بالقبض وهو وكيل الذي لم يبع في قبضه حقه، والوكيل إذا أقر على موكله بقبض الحق الذي وكله في استيفائه لم يقبل قوله عليه فعلى هذا لم يبرء عن شئ من الحق.

(1) في بعض النسخ (فيكون القول) (2) في بعض النسخ (من وكيله).

[ 355 ]

فإذا ثبت هذا فالحق باق على المشتري، وليس للبايع أن يطالبه إلا بقدر حقه لأن إقراره بقبض موكله يضمن عزله عن الوكالة بالقبض، وإذا انعزل بذلك لم يكن له القبض بعده. وإذا ثبت أن البايع لا يطالب المشتري بحق شريكه لما ذكرناه فإن له مطالبته بحقه من غير يمين يجب عليه للمشتري، ويجب على المشتري تسليمه إليه لأن حقه ثابت عليه فإذا أخذه سلم له ولم يشاركه صاحبه لأنه قد انعزل بإقراره وما يقبضه بعد العزل فإنه يكون من حقه لا من حق شريكه فهذا الكلام في جنبة البايع مع المشتري فأما الكلام في جنبة الشريك الذي لم يبع مع المشتري فقد ذكرنا أن حقه ثابت لم يبرأ المشتري منه بإقرار البايع غير أنه يدعي عليه القبض وهو ينكر ذلك فكان القول قوله مع يمينه لأنه يدعي عليه دعوى صحيحة لأنه لو أقر بها لسقط الحق عن المشتري فإن أقام المشتري على الذي لم يبع بينة شاهدين أو شاهدا وامرأتين أو شاهدا ويمينا ثبت القبض وبرئ من حقه، وإن شهد له بذلك البايع قبلت شهادته لأنه لا يجر بها إلى نفسه منفعة ولا يدفع بها مضرة لأنه يقول: حقي ثابت عليك ولا يسقط بالدفع إلى شريكي وأما حق شريكي فلا يرجع إلى منه شئ بحال أعطيته أو لم تعطه. غصب المشاع يصح كما يصح غصب المقسوم وذلك أن يأخذ عبدا بين شريكين ويمنع أحد الشريكين من استخدامه ولا يمنع الآخر فيكون قد غصب حصة الذي منعه منه، وكذلك إذا كان شريكان في دار فدخل غاصب إليها فأخرج أحدهما وقعد مع شريكه فيكون غاصبا لحصة الشريك الذي أخرجه. فإذا ثبت هذا وحصل المال المشترك في يد الغاصب وأحد الشريكين ثم إنهما باعا ذلك المال [ و ] مضى البيع في نصيب الشريك البايع ولا يمضي بيع الغاصب كما يقول في تفريق الصفقة. وكذلك إذا غصب أحد الشريكين من الآخر فباع الجميع بطل في نصيب شريكه ولا يبطل في نصيبه. وإذا وكل الشريك الذي لم يغصب عليه الغاصب في بيع حصته فباع الغاصب

[ 356 ]

جميع المال وأطلق البيع بطل في القدر المغصوب ولا يبطل في حصة الشريك الموكل. إذا كان لرجلين عبدان لكل واحد منهما عبد بانفراده فباعاهما من رجل واحد بثمن واحد لا يصح العقد لأن ما يتسحق كل واحد من السيدين في مقابلة قيمة عبده مجهول هذا إذا كانا مختلفي القيمة، وإن كانا متقاربي القيمة صح البيع، وفي الناس من قال: يصح بيعهما لأن جملة ثمنها معلوم كما أنهما لو كانا لرجل واحد فباعهما في عقد واحد بثمن معلوم صح وهذا ليس بصحيح لأنهما عقدان وثمن كل واحد منهما مجهول المقدار فلهذا لم يصح وليس كذلك إذا كانا لواحد لأن ذلك عقد واحد وجملة الثمن معلومة، وأما إذا كان بينهما عبدان لكل واحد منهما نصف كل واحد من العبدين فباعاهما صح البيع بلا خلاف لأن الثمن يتقسط بينهم نصفين لأن لكل واحد منهما مثل ما للآخر وذلك معلوم فيكون الثمن في كل واحد من العقدين معلوما. وإن كان لرجلين قفيزان من طعام من نوع واحد وصفة واحدة لكل واحد منهما قفيز بانفراده فباعاهما معا صح البيع لأن الثمن مقسط عليهما نصفين ويكون الثمن في كل واحد من العقدين معلوما فأما إذا كان لرجلين عبدان لكل واحد منهما عبد بانفراده فأذن أحدهما لصاحبه في بيع عبده فباعهما معا نظر فإن أخبر المشتري بأن أحد العبدين له والآخر لغيره أذن له في بيعه أو لم يخبره بذلك وأطلق العقد ثم ادعى أن أحد العبدين لم يكن له وصدقه المشتري على ذلك كان البيع باطلا، ومن قال في الأولى: إنها تنعقد قال في ذلك [ هذه خ ل ] مثل ذلك، وأما إذا أطلق ولم يصدقه المشتري في دعواه بعد العقد فإن القول قول المشتري مع يمينه فيحلف بالله أنه لا يعلم أن أحد العبدين لم يكن له فإذا حلف سقطت دعوى البايع وصح البيع ولزم، وأما الثمن الذي حصل في يد البايع وصاحبه فهو على القول الصحيح مال المشتري في أيديهما وهما مقران بأنهما لا يستحقانه ثمنا غير أنهما يستحقانه من وجه آخر وهو أن عبديهما في حكم المغصوب في يد المشتري والمشتري في حكم الغاصب لهما والغاصب إذا تعذر عليه رد العبد بإباقه كلف تسليم قيمته إلى المغصوب منه و كان للمغصوب منه أن يتمسك بها إلى أن يرد عليه عبده فعلى هذا فقد تعذر رد

[ 357 ]

العبدين لأنه حكم له بها [ بهما خ ل ] وقد بينا أنه في حكم الغاصب فيكون للبايع وصاحبه إمساك هذا المال على الوجه الذي ذكرناه في قيمة المغصوب إذا تعذر رده على الغاصب وينظر فإن كان الثمن وفق القيمتين فقد وصلا إلى حقهما وإن كان أقل فقد وصلا إلى بعض حقهما والباقي لهما في ذمة المشتري، وإن كان أكثر من القيمتين فلهما قدر القيمتين، وأما الفاضل فإنهما مقران بأنهما لا يستحقانه والمشتري لا يدعيه فيردانه إلى الحاكم حتى يحفظه على صاحبه، وإذا ادعاه رده إليه وقد ذكرنا فيما مضى أن من شرط صحة الشركة أن يتساويا في الربح إذا تساويا في المال ويتفاضلا فيه إذا تفاضلا في المال فإن شرطا التفاضل في الربح مع التساوي في المال والتساوي في الربح مع تفاضل المال كانت الشركة فاسدة فإذا تصرفا وارتفع الربح وتفاضلا كان الربح بينهما على قدر المالين لأنه فائدتهما ويرجع كل واحد منهما على صاحبه بأجرة مثل عمله بعد إسقاط القدر الذي يقابل عمله في ماله لأن كل واحد منهما شرط في مقابلة عمله أجرة أو جزء من الربح ولم يسلم له لفساد العقد وقد تعذر عليه الرجوع إلى المبدل فكان له الرجوع إلى البدل كما إذا باع سلعة بيعا فاسدا وسلمها إليه وتلفت في يد المشتري فإنه يرجع عليه بقيمتها لأن المسمى لم يسلم له وقد تعذر عليه الرجوع إلى السلعة بتلفها (1) فكان له الرجوع بقيمتها ويفارق الشركة الصحيحة لأن المسمى سلم له فيها وفي الفاسدة لم يسلم له المسمى إذا ثبت هذا فإن لكل واحد الرجوع على صاحبه بما يقابل ماله من علمه، وتفصيل ذلك أن ينظر فإن تساويا في المال وتساويا الأجرتان مثل أن يكون أجرة كل واحد منهما مائة سقط من كل واحد منهما نصفها في مقابلة عمله في ماله وثبت النصف الآخر فيحصل لكل واحد منهما خمسون على صاحبه فيتقاصان منه، وأما إذا اختلفت الأجرتان مثل أن يكون أجرة عمل أحدهما مائة وأجرة عمل الآخر خمسون سقط من كل واحد منهما نصفها فيبقى لصاحب المائة خمسون، ولصاحب الخمسين خمسة وعشرون فقد حصل لصاحب الخمسين على صاحبه خمسة وعشرون، ولصاحبه عليه خمسون فيتقاصان في خمسة وعشرين ويرجع صاحب

(1) في بعض النسخ (بنقلها).

[ 358 ]

المائة على صاحبه بما بقي وهو خمسة وعشرون هذا إذا تساوى المالان فأما إذا اختلفا مثل أن يكون لأحدهما ألف وللآخر ألفان نظر في الأجرتين فأن تساويا مثل أن يكون أجرة كل واحد منهما ستين درهما سقط من أجرة صاحب الألف ثلثها وبقي له أربعون وسقط من أجرة الآخر ثلثاها وبقي له عشرون فقد حصل لصاحب الألف على صاحبه أربعون ولصاحب الألفين عليه عشرون فيتقاصان في العشرين وبقي له عليه عشرون. فأما إذا اختلفت الأجرتان مثل أن يكون أجرة عمل صاحب الألف ستين وأجرة صاحب الألفين ثلاثين سقط من أجرة صاحب الألف ثلثها وبقي له أربعون وسقط من أجرة صاحب الألفين ثلثاها وبقي له عشرة فيتقاصان في العشرة فيبقى لصاحب الألف على صاحبه ثلاثون يرجع بها عليه، وإن كان أجرة صاحب الألف ثلاثين وأجرة صاحب الألفين ستين سقط من أجرة صاحب الألف ثلثها وبقي له عشرون ومن أجرة الآخر ثلثاها وبقي له عشرون فحصل لكل واحد منهما على صاحبه عشرون فيتقاصان فيها، ولا رجوع لأحد منهما على صاحبه بشئ، وعلى هذا إن كان الاختلاف بأقل من ذلك أو أكثر هذا كله في شركة العنان فأما شركة الأبدان فهي فاسدة فإن اكتسبا وتميز كسب كل واحد منهما انفرد به دون صاحبه. وإن اختلط الكسبان نظر في الأجرة فإن كانت فاسدة رجع كل واحد منهما على المستأجر بأجرة مثل عمله وانفرد بها، وإن كانت صحيحة سلم لهما الأجرة المسماة وقسطت على قدر أجرة مثل عملهما فيأخذ كل واحد منهما ما يقابل مثل عمله. إذا كان بين رجلين عبد فباعاه بثمن معلوم كان لكل واحد منهما أن يطالب المشتري بحقه دون صاحبه. فإذا أخذ قدر حقه شاركه صاحبه فيه، وفي الناس من قال: لا يشاركه فيه، والأول منصوص عليه لأصحابنا. إذا استأجر رجلا ليصطاد له مدة معلومة وذكر جنس الصيد ونوعه صح عقد الإجارة، وكذلك إذا استأجره ليحتطب له أو يحتش مدة معلومة صحت الإجارة لأن ذلك مقدور عليه. وإن استأجره أن يصطاد صيدا بعينه لم يجز ذلك كما لا يجوز له بيعه لأنه عقد على غرور.

[ 359 ]

وإن استأجره ليبيع له مدة معلومة فإن عين المبيع صح أيضا والفرق بين تعيين المبيع وتعيين الصيد أن تعيين الصيد غرور [ غرر خ ل ] وتعيين المبيع ليس بغرور. وكذلك إذا استأجره لحفر نهر أو تنقيته جاز إذا كانت المدة معلومة وكذلك الاستيجار على الخياطة وبناء الحايط وغير ذلك هذا إذا عين المدة، وإن عين العمل ولم يعين المدة وكان العمل معلوما مثل خياطة ثوب بعينه أو بناء حايط بعينه أو حفر ساقية في موضع معلوم المقدار وما أشبه ذلك صح لأنه عقد على عمل معلوم مقدور عليه. فأما إذا عين العمل مثل أن يستأجره لخياطة ثوب بعينه وقدر المدة مع ذلك لم يصح لأنه عقد غرر. إذا اشترك أربعة في زراعة أرض فكانت الأرض لأحدهم والبذر لآخر والفدان لآخر والعمل من آخر فزرعت الأرض بذلك البذر وأصلح بذلك الفدان وكان الاشتراط بينهم على أن ما يرتفع من الزرع يكون بينهم فإن هذه معاملة فاسدة فلا هي إجارة لأن مدتها مجهولة والأجرة مجهولة ولا هي شركة لأن الشركة إنما تصح عن [ على خ ل ] الأموال التي تختلط ولا تتميز بعد الاختلاط، ولا هي مضاربة لأن المضاربة إنما تصح على رأس ماله يرجع إليه عند المفاضلة فإذا بطل أن يكون إجارة أو شركة أو قراضا ثبت أنها معاملة فاسدة فإذا ثبت هذا فإن الزرع يكون لصاحب البذر لأنه عين ماله غير أنه نمى وزاد ويرجع صاحب الأرض عليه بمثل أجرة أرضه وكذلك صاحب الفدان يرجع بمثل أجرة فدانه والعامل بمثل أجرة عمله لأنهم عملوا له.

[ 360 ]

* (كتاب الوكالة) * الوكالة جايزة بلا خلاف بين الأمة [ و ] روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمت عليه وقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر أوسقا فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته فأثبت لنفسه صلى الله عليه وآله وكيلا (1)، وروي أنه صلى الله عليه وآله وكل عمرو بن أمية الضمري في قبول نكاح أم حبيبة وكانت بالحبشة (2) ووكل أبا رافع في قبول نكاح ميمونة بنت الحارث الهلالية خالة عبد الله بن العباس (3) ووكل عروة بن الجعد البارقي في شراء شاة (4)، ووكل حكيم بن حزام في شراء شاة، وروي أن عليا عليه السلام وكل أخاه عقيلا في مجلس أبي بكر أو عمر فقال: هذا عقيل فما قضي عليه فعلي وما قضي له فلي (5) وروي عنه عليه السلام أنه قال: إن للخصومة قحما، وإن الشيطان يحضرها، وروي أنه وكل عبد الله بن جعفر في مجلس عثمان ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك (6) فدل على أنه إجماع و [ إن ] كان فعله عليه السلام عندنا حجة لكن ذلك حجة على المخالف. فإذا ثبت جواز الوكالة فالكلام بعده في بيان ما يجوز التوكيل فيه، وما لا يجوز وتأتي به على ترتيب كتب الفقه. أما الطهارة فلا يصح التوكيل فيها، وإنما يستعين بغيره في صب الماء عليه على كراهية فيه أو غسل أعضائه على خلاف فيه لأن عندنا [ لا ] يجوز ذلك مع القدرة، وينوي هو بنفسه رفع الحدث، وذلك ليس بتوكيل، إنما هو استعانة على فعل عبادة. وأما الصلوة فلا يجوز التوكيل فيها ولا تدخلها النيابة إلا ركعتي الطواف تبعا للحج.

(1) رواها في المستدرك ج 2 ص 510 باب 20 الرقم - 2 - عن عوالي اللئالي. (2 و 3 و 4) انظر المستدرك ج 2 ص 510 باب 20 الرقم 3. (5 و 6) انظر المستدرك ج 2 ص 511 باب 10 الرقم 4.

[ 361 ]

وأما الزكاة فيصح التوكيل في إخراجها عنه وفي تسليمها إلى أهل السهمان ويصح من أهل السهمان التوكيل في قبضها. وأما الصيام فلا يصح التوكيل فيه ولا يدخله النيابة ما دام حيا فإذا مات وعليه صوم أطعم عنه وليه أو صام عنه في الموضع الذي كان وجب عليه وفرط فيه. وأما الاعتكاف فلا يصح التوكيل فيه بحال ولا تدخله النيابة بوجه. وأما الحج فلا تدخله النيابة مع القدرة عليه بنفسه فإذا عجز عنه بزمانة أو موت دخلته النيابة. وأما البيع فيصح التوكيل مطلقا في إيجابه وقبوله وتسليم المال فيه وتسلمه وكذلك يصح التوكيل في عقد الرهن وفي قبضه. وأما التفليس فلا يتصور فيه التوكيل. وأما الحجر فللحاكم أن يحجر بنفسه وله أن يستنيب غيره في ذلك وأما الصلح ففي معنى البيع ويصح التوكيل فيه. والحوالة يصح التوكيل فيها أيضا وكذلك يصح في عقد الضمان، وكذلك الشركة يصح التوكيل فيها، وكذلك الوكالة فيوكل رجلا في توكيل آخر عنه، ويصح أيضا في قبول الوكالة [ فيها ] عنه. وأما الاقرار فهل يصح التوكيل فيه أم لا؟ نبينه في كتاب الاقرار. وأما العارية فيصح التوكيل فيها لأنها هبة منافع. وأما الغصب فلا يصح التوكيل فيه، وإذا وكل رجلا في الغصب فغصب له كان الحكم متوجها على الذي باشر الغصب كما يتوجه عليه أن لو غصبه بغير أمر أحد. وأما الشفعة فيصح التوكيل في المطالبة بها، وكذلك يصح في القراض والمساقاة والاجارات وإحياء الموات، وكذلك يصح التوكيل في العطايا والهبات والوقف. والالتقاط لا يصح التوكيل فيه فإذا وكل غيره في التقاط لقطة تعلق الحكم بالملتقط لا بالآمر وكان الملتقط أحق بها. والميراث لا يصح التوكيل في إلا في قبضه واستيفائه.

[ 362 ]

والوصايا يصح التوكيل في عقدها وقبولها. وأما الوديعة فيصح التوكيل فيها أيضا، وقسم الفئ فللإمام أن يتولى قسمته بنفسه فله أن يستنيب غيره فيه. وأما الصدقات وهي الزكاة وقد بينا حكمها في التوكيل. وأما النكاح فيصح التوكيل فيه في الولي والخاطب، وكذلك التوكيل في الصداق يصح أيضا ويصح التوكيل في الخلع لأنه عقد بعوض، ولا يصح التوكيل في القسم لأن القسم يدخله الوطئ [ اللفظ خ ل ] ولا يصح النيابة فيه. وأما الطلاق فيصح التوكيل فيه فيطلق عنه الوكيل مقدار ما أذن له فيه. وأما الرجعة ففيها خلاف، ولا يمنع أن يدخلها التوكيل. وأما الايلاء والظهار واللعان فلا يصح التوكيل فيها لأنها أيمان. وأما العدد فلا يدخلها النيابة فلا يصح فيها التوكيل. والرضاع فلا يصح فيه التوكيل لأنه يختص التحريم بالمرضع والمرضع. وأما النفقات فيصح فيها التوكيل في صرفها إلى ما تحب. وأما الجنايات فلا يصح التوكيل فيها وكل من باشر الجناية تعلق به حكمها وأما القصاص فيصح التوكيل في إثباته فيصح في استيفائه بحضرة الولي، وهل يصح في غيبته أم لا؟ فيه خلاف وعندنا يصح. وأما الديات فيصح التوكيل في تسليمها وتسلمها، والقسامة فلا يصح التوكيل فيها لأنها أيمان. وأما الكفارات فيصح التوكيل فيها كما يصح في الزكاة. وأما قتال أهل البغي فللإمام أن يستنيب فيه. وأما الحدود فللإمام أيضا يستنيب في إقامتها، ولا يصح التوكيل في إثباتها لأنه لا يسمع الدعوى فيها. وأما حد القذف فحق الآدميين فحكمه حكم القصاص يصح التوكيل فيه.

[ 363 ]

وأما الأشربة فلا يصح التوكيل فيها، وكل من شرب الخمر فعليه الحد دون غيره. وأما الجهاد فلا يصح النيابة فيه بحال لأن كل من حضر الصف توجه فرض القتال إليه وكيلا أو موكلا، وقد روى أصحابنا أنه تدخله النيابة. وأما الجزية فهل يصح فيها التوكيل أم لا. وكذلك الاحتطاب والاحتشاش فيه خلاف، والأقوى أن لا يدخلها التوكيل. وأما الذبح فيصح التوكيل فيه، وكذلك السبق والرماية لأنه إجازة أو جعالة و كلاهما يصح فيه التوكيل. وأما الأيمان فلا يصح التوكيل فيها وكذلك النذور. وأما القضاء فيصح الاستنابة فيه. وأما الشهادات فيصح الاستنابة فيها فيكون شهادة على شهادة، وذلك ليس بتوكيل. وأما الدعوى فيصح التوكيل فيها لأن كل أحد لا يكمل المخاصمة و المطالبة. وأما العتق والتدبير والكتابة فيصح التوكيل فيها. وأما الاحياء فلا يصح التوكيل فيه لأنه يختص بفعله. فإذا ثبت ذلك فجملة ما يحصل في يده مال للغير ويتلف فيه على ثلاثة أضرب: ضرب لا ضمان عليهم بلا خلاف. وضرب عليهم الضمان. وضرب فيه خلاف. فالذين لا ضمان عليهم فهم الوكيل والمرتهن والمودع والشريك والمضارب والوصي والحاكم وأمين الحاكم والمستأجر عندنا والمستعير عندنا، وفيه خلاف فإذا تلف مال الغير في أيديهم من غير تعد منهم وتفريط ولا ضمان عليهم، والذين عليهم الضمان فهم الغاصب والسارق والمستعير عند قوم والمساوم والمبتاع بيعا فاسدا إذا قبض المبيع. فهؤلاء إذا تلف المال في أيديهم كان عليهم الضمان سواء تعدوا

[ 364 ]

فيه أو لم يتعدوا. وأما المختلف فيه فهم الصناع الذين يتقلبون الأعمال مثل القصار والصباغ والحايك والصائغ وغيرهم فإذا تلف المال الذي يسلموه للعمل في أيديهم فهل عليهم الضمان أم لا؟ قيل فيه قولان: أحدهما: يلزمهم تعدوا فيه أو لم يتعدوا. والثاني: لا ضمان عليهم إلا أن يتعدوا، وكلا الوجهين رواه أصحابنا والأخير هو الأقوى والأظهر. فأما بيان من يجوز له التوكيل، ومن لا يجوز له التوكيل فكل من يصح تصرفه في شئ مما تدخله النيابة صح التوكيل فيه سواء كان الموكل رجلا أو امرأة عدلا أو فاسقا حرا أو مكاتبا مسلما أو كافرا حاضرا أو غائبا لأن المكاتب لم يملك التصرف بإذن من جهة سيده فيكون تصرفه موقوفا على إذنه، وإنما يملك المكاتب التصرف في كسبه بالكتابة فمتى أراد التصرف في شئ يدخله النيابة كان له أن يباشره بنفسه، وكان له أن يوكل فيه من غير أن يرجع إلى السيد في شئ من ذلك. وأما العبد الذي ليس بمكاتب [ ف‍ ] ينظر فيه فإن كان مأذونا له في التجارة لم يكن له أن يوكل إلا بإذن سيده لأنه كالوكيل لسيده. ولا يجوز للوكيل أن يوكل فيما جعل إليه إلا بإذن الموكل وإن كان غير مأذون له في التجارة فلا يجوز له أيضا أن يوكل وكيلا لأنه لا يملك التصرف حتى يأذن له سيده فأما ما يملكه العبد بغير إذن السيد فله التوكيل فيه إذا دخلت فيه النيابة مثل الطلاق والخلع فإنه يملك التصرف في ذلك بنفسه من غير أن يقف صحته على إذن غيره. وأما المحجور عليه لسفه فله التوكيل في الطلاق والخلع وطلب القصاص إذا ثبت له لأن له أن يطلق ويخلع ويطالب بالقصاص من غير أن يقف ذلك على إذن وليه (1) وذلك مما يدخله النيابة فيصح دخول التوكيل فيه.

(1) في بعض النسخ [ وكيله ]

[ 365 ]

فأما ما سوى ذلك من بيع أو شراء أو غيره فلا يصح التوكيل فيه لأنه لا يملك بنفسه. وأما المحجور عليه لفلس فله التوكيل في الطلاق والخلع وطلب القصاص لما ذكرناه وله التوكيل في التصرف في الذمة لأنه لا يملك ذلك ولم يحجر عليه فيه. وأما التصرف في أعيان أمواله فلا يصح توكيله فيه لأنه حجر عليه فيها فلا يملك التصرف ولا التوكيل في شئ منها، وجملته أن كلما لا يملكه بنفسه أو يملكه لكن لا تدخل النيابة فيه فلا يصح فيه التوكيل. وأما ما يملك التصرف فيه وتدخله النيابة فيصح فيه التوكيل هذا كله فيمن يصح أن يوكل. فأما الكلام في صحة ما يجوز أن يتوكل فيه لغيره فجملته أن كل ما يصح أن يتصرف فيه لنفسه صح أن يتوكل فيه لغيره إذا كان مما تدخله النيابة. فأما المرأة فإنها تتوكل لزوجها في طلاق نفسها عند الفقهاء، وفيه خلاف بين أصحابنا والأظهر أنه [ لا ] يصح ذلك، وأما هل يصح أن يتوكل في طلاق ضرتها وغيرها من النساء؟ قيل فيه: وجهان، وعندي أنه لا يمنع من ذلك مانع. وأما العبد فيصح أن يقبل النكاح لنفسه بإذن سيده، وهل يصح أن يتوكل لغيره في قبول النكاح له أم لا؟ ينظر فإن كان بغير إذن سيده لم يصح وإن كان بإذن سيده قيل فيه وجهان، وعندي أنه يجوز. وأما الفاسق فيصح أن يقبل النكاح لنفسه بلا خلاف، وهل يصح أن يتوكل لغيره في قبول النكاح أم لا؟ قالوا فيه وجهان، وعندنا أنه يجوز ذلك ولا مانع يمنع منه وكل ما عدا هذه المسائل الثلاث مما يصح أن يتصرف فيه لنفسه وتدخل النيابة فيه فإن توكيله يصح فيها. فأما ما لا يملك التصرف فيه بنفسه فلا يصح أن يتوكل فيه مثل أن يتزوج الكافر المسلمة فإنه لا يصح [ منها ] أن يتوكل فيه لأنه لا يملك تزويجها، وعند الشافعي أن المرأة لا يصح منها أن يتوكل في النكاح لأنه لا يصح نكاح تتولاه بنفسها وعندنا يصح منها النكاح والوكالة في النكاح.

[ 366 ]

وأما ما يملك التصرف فيه لكن لا تدخله النيابة فلا يصح أن يتوكل فيه لغيره، و إذا ادعى رجل على رجل واستحضره الحاكم لمخاصمة المدعي كان له أن يحضره وكان له أن يقعد ويوكل غيره في الخصومة رضى خصمه بذلك أم لم يرض، ولزمه أن يخاصم وكيله إن أراد المخاصمة، وكذلك إن حضر كان له أن يجيب بنفسه أو يوكل غيره في الجواب عنه ولا يجبر على الجواب بنفسه، وكذلك للمدعي التوكيل في الخصومة على ما ذكرناه. إذا وكل رجل رجلا بحضرة الحاكم في خصوماته واستيفاء حقوقه صحت الوكالة وانعقدت فإذا قدم الوكيل بعد ذلك واحدا من خصومه أو ممن له عليه حق وكان ذلك بعينه من الموكل فادعى الوكيل الوكالة وطالب الخصم بحق موكله كان للحاكم أن يحكم له بالوكالة، ويمكنه من المخاصمة على قول من يقول: إن للحاكم أن يحكم بعلمه، ومن قل: لا يحكم بعلمه لا يمكن التوكيل من ذلك ولا يحكم له بالوكالة حتى يقيم البينة على وكالته. وكذلك إذا وكله في غير مجلس الحكم (1) ولم يشاهد الحاكم توكيله إياه فإذا حضر لمخاصمة خصم الموكل ومطالبة غريمه لم يحكم له الحاكم بالوكالة ولم يمكنه من المخاصمة والمطالبة إلا بعد أن يقيم البينة على وكالته لأنه مخاصم عن غيره فلم يكن له ذلك حتى يثبت السبب الذي به يستحق النيابة عن موكله فإذا أقام البينة على وكالته كان له حينئذ أن يخاصم ويطالب وليس من شرط البينة أن يقدم خصما من خصوم الموكل ولا غريما من غرمائه. إذا أوجب رجل لرجل عقد الوكالة بالخيار بين أن يقبل ذلك، وبين أن يرده فلا يقبله فإن أراد أن يقبل في الحال كان له ذلك، وله أن يؤخر ذلك فيقبله أي وقت أراد، ولهذا أجمع المسلمون على أن الغايب إذا وكل رجلا ثم بلغ الوكيل ذلك بعد مدة فقبل الوكالة انعقدت فإذا ثبت هذا فله أن يقبل لفظا وله أن يقبل فعلا مثل أن يتصرف

(1) في بعض النسخ (الحاكم)

[ 367 ]

في الذي وكله فيه وكذلك إذا أودعه مالا واحضر المال بين يديه فلا فرق بين أن يقبل الوديعة لفظا وبين أن يقبلها فعلا بأن يأخذها ويحرزها فإذا حصل القبول وانعقدت الوكالة كان لكل واحد منهما أن يثبت عليها وله أن يفسخها لأن الوكالة عقد جايز كعقد الجعالة فإذا ثبت ذلك فالعقود على أربعة أضرب: ضرب جايز من الطرفين. وضرب لازم من الطرفين. وضرب لازم من طرف وجايز من طرف. وضرب مختلف فيه. فأما الجايز من الطرفين فمثل الجعالة والشركة والوكالة والمضاربة والوديعة والعارية وما أشبهها. والضرب اللازم من الطرفين مثل البيع والاجارة والنكاح على الصحيح من المذهب لأن الزوج وإن كان يملك رفع العقد بالطلاق فليس ذلك بفسخ للعقد المتقدم، وهو بمنزلة أن يعتق العبد المبيع فإنه يزول الملك ويرتفع العقد ولا يجعل البيع في معنى العقد الجايز، والضرب الثالث الذي يلزم من وجه ولا يلزم من وجه فهو الرهن بعد القبض فإنه لازم من جهة الراهن وجايز من جهة المرتهن، وكذلك الكتابة جايزة من جهة العبد ولازمة من جهة السيد، وأما الضرب المختلف فيه فهو عقد السبق والرمي وقيل فيهما قولان: أحدهما: أنه جعالة وهو الأقوى فعلى هذا يكون جايزا من الطرفين. والقول الثاني: أنه إجارة فهو لازم من الطرفين فإذا ثبت أن الوكالة عقد جايز من الطرفين فإن لكل واحد منهما الفسخ. فأما الوكيل فله أن يفسخ الوكالة ويعزل نفسه سواء حضر الموكل أو غاب، وإذا فسخها لم يكن له بعد ذلك أن يتصرف فيما وكل فيه فأما إذا فسخ الموكل الوكالة نظر فإن كان الوكيل حاضرا انفسخت ولم يجز له أن يتصرف بعد ذلك، وإذا كان الوكيل غايبا قيل فيه: وجهان: أحدهما: أن الوكالة تنفسخ في الحال ولا يقف الفسخ على علم الوكيل فإذا تصرف الوكيل بعد ذلك كان تصرفه باطلا.

[ 368 ]

والثاني: أن الوكالة لا تنفسخ حتى يعلم الوكيل ذلك فإذا علم حينئذ انفسخ فيقف صحة الفسخ على علمه، وكلا الوجهين قد رواه أصحابنا، ومتى تصرف قبل العلم وبعد الفسخ من الموكل صح تصرفه فعلى هذا إذا وكل رجلا في استيفاء القصاص فيجئ به الوكيل ليقتص منه فعزله الموكل قبل الضرب وضرب الوكيل قبل العلم بالعزل عنقه فمن قال: إن الوكالة تنفسخ وإن لم يعلم الوكيل قال: هذه جناية خطأ من الوكيل، ومن جعل العلم شرطا قال: الاستيفاء وقع موقعه فأما إذا مات الموكل أو أعتق العبد الموكل في بيعه أو باعه الموكل قبل بيع الوكيل فإنه تنفسخ الوكالة بلا خلاف، وقد ذكرنا أن عقد الوكالة جايز ولكل واحد من المتعاقدين فسخ أي وقت شاء فإذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يقول: فسخت الوكالة أو أبطلت الوكالة أو نقضتها أو عزلتك عنها أو صرفتك عنها أو أزلتك عنها، وما أشبه ذلك من الألفاظ التي تقتضي الفسخ والعزل ويصرح بمعناه ويؤدي مؤداه فأما ما ينفسخ به الوكالة فمثل الموت والجنون والاغماء. فإذا مات أحدهما أو جن أو أغمي عليه بطلت الوكالة لأن الموت يبطل الملك مثل البيع والعتق والجنون والاغماء يثبت عليه الولاية فيصير محجورا عليه مثل الصبي وتوكيل الصبي لا يصح فأما النوم فلا يبطل الوكالة لأنه لا يسقط فرض الصلاة والاغماء والجنون يسقطان فرض الصلاة ويثبتان عليه الولاية والنوم لا يثبتها له. فأما إذا حجر عليه لسفه بطل توكيله والتصرف في أعيان أمواله وفي ذمته ولم يبطل في الطلاق والخلع والقصاص لأن الحجر لا يمنع هذه الأشياء ويمنع ما عداها، وكذلك الوكيل إذا حجر عليه يبطل وكالته لأنه لا يصح تصرفه لنفسه فكذلك لا يصح تصرفه عن غيره، ولا يبطل توكيله في الطلاق والخلع وطلب القصاص لما بيناه وإن حجر عليه لفلس بطلت الوكالة في أعيان أمواله، ولم يبطل في التصرف في الذمة، وفي الطلاق والخلع وطلب القصاص لأن الحجر عليه لا يمنع من هذه ويمنع من ما عداها. إذا وكل الرجل رجلا في الخصومة ولم يأذن له في الاقرار فأقر على موكله بقبض الحق الذي وكله في المخاصمة فيه لم يلزمه إقراره عليه بذلك سواء كان بمجلس الحاكم أو في غيره إذا لم يأذن له في الاقرار عليه فأما إذا أذن له في الاقرار عليه ووكله فيه فإنه

[ 369 ]

يصح ذلك لأنه لا مانع منه، وفي الناس من قال: لا يصح أصلا فمن قال: يصح فإذا أقر الوكيل لزم الموكل إقراره، ومن قال: لا يصح فإذا أقر الوكيل لم يلزم الموكل إقراره لأن الاقرار إخبار حق واجب عليه، وإخبار الرجل عن حق واجب على غيره لا يثبت إلا بشهادة وهذا ليس بشهادة فلا يثبت بها الحق لأنه لو قال: رضيت بما يشهد به على فلان لفلان من الحقوق فشهد عليه ذلك الرجل الذي أشار إليه لم يلزمه ذلك فمن قال: يصح التوكيل به قال: إذا أقر الوكيل عليه بما أذن له فيه لزمه إقراره ومن قال: لا يصح التوكيل فيه اختلفوا فمنهم من قال: يكون توكيله والإذن عنه (1) في الاقرار عنه إقرارا منه لأنه أخبر عن حق عليه لخصمه، وقال غيره: لا يكون ذلك إقرارا لأن التوكيل في الشئ لا يكون إثباتا لنفس ذلك الشئ الموكل فيه كما أن التوكيل في البيع لا يكون بيعا، وكذلك الأمر بالأمر لا يكون أمرا لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع فكان ذلك منه أمرا للآباء دون الأولاد هذا إذا أذن له في الاقرار بشئ معلوم. فأما إذا أذن له في الاقرار بشئ مجهول مثل أن يقول له: وكلتك في الاقرار على بحق فمن قال: يصح توكيله في ذلك قال: يصح توكيله هاهنا. فإذا أقر الوكيل بالمجهول لم يثبت الاقرار ورجع إلى الموكل في تفسيره، ومن قال: لا يصح ولا يكون إقرارا فلا معنى لذلك التوكيل فيه ووجوده وعدمه بمنزلة هذا كله إذا وكله في الاقرار عنه فأما إذا وكله في الابراء والصلح صح ذلك لأنه تصرف مستأنف يصح التوكيل فيه، وليس كذلك الاقرار فإنه إخبار عن حق سابق، وقد بينا أن ذلك لا يصح إلا على وجه الشهادة وهذا ليس بشهادة. إذا وكل رجل رجلا في تثبيت حد (2) القذف أو القصاص عند الحاكم وإقامة البينة عليه فإن التوكيل صحيح بلا خلاف إلا أبا يوسف فإنه قال: لا يصح التوكيل في تثبيت الحد بحال هذا في حدود الآدميين: فأما التوكيل في استيفائها فإنه يجوز أيضا

(1) في بعض النسخ (واذنه) (2) في بعض النسخ (حق)

[ 370 ]

وليس من شرط استيفائها حضور الموكل لأنه لا مانع منه، وفي الناس من قال: لا يصح إلا بحضرة الموكل. فأما حدود الله تعالى فإنه لا يصح التوكيل في تثبيتها إجماعا لأن مستحقها هو الله تعالى وهو غير مطالب بها ولا مستنيب في المطالبة لأنه أمر بسترها وتغطيتها فلم يصح التوكيل فيها بمنزلة حق الآدمي إذا لم يطالب، وأما التوكيل في استيفائها فإنه يجوز إذا أقامت البينة به أو أقر من قد وجب عليه فإنه يجوز للإمام أن يستنيب في إقامة الحد عليه لأن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام لم يكونوا يقيمون الحدود بأنفسهم وإنما يستنيبون في إقامتها غيرهم، ولا خلاف أنه ليس من شرط إقامة هذه الحدود حضور الموكل الذي هو الإمام لأنه ليس له العفو فلا فايدة لحضوره. إذا وكل انسان رجلا في التصرف في مال ببيع وشراء وغيرهما فهل يجوز التوكيل للوكيل فيما جعل إليه أم لا؟ فإنه لا يخلو حال الوكالة من أحد أمرين: إما أن تكون مطلقة أو مقيدة بالإذن في التوكيل فإن كانت مطلقة لم تخل من ثلاثة أحوال: إما أن يكون ذلك العمل الذي وكله فيه عملا يتوقع (1) مثله عنه مثل أن يكون وكله في البيع والشراء وما جرت عادته بالابتذال في السوق بذلك أو يكون ذلك عملا لا يتوقع [ يترفع خ ل ] عن مثله لكنه مستنشر (2) كثير لا يمكنه القيام به بنفسه أو يمكنه القيام به. فإن كان ذلك العمل مما يترفع عن مثله جاز له التوكيل فيه لأن إطلاق التوكيل فيه لمثله في مثل ذلك العمل يقتضي الإذن في التوكيل فإن كان لا يترفع عن مثله لكنه مستنشر [ منتشر خ ل ] كثير لا يمكنه القيام بنفسه جاز له أن يوكل فيه لأن إطلاق ذلك يقتضي الإذن في التوكيل فإذا ثبت أن له أن يوكل فهل يجوز له التوكيل في جميعه أم لا يجوز إلا في قدر ما يفضل عن كفايته بنفسه؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: يجوز التوكيل في الجميع لأن إطلاق الوكالة يقتضي ذلك. والثاني: وهو الأولى أنه لا يجوز له التوكيل إلا في القدر الفاضل عن كفايته

(1) في بعض النسخ (يترفع) (2) في بعض النسخ (منتشر)

[ 371 ]

بنفسه لأن هذا التوكيل إنما جوز له لأجل الحاجة الداعية إليه لأنه لا يمكنه القيام بنفسه فلم يجز إلا في قدر الحاجة. وأما إذا كان ذلك العمل مما لا يترفع عن مثله ويمكنه القيام بنفسه فإنه لا يجوز له أن يوكل فيه لأنه أذن له في عقود معينة ولم يأذن له في التوكيل كما لو وكله في البيع لم يجز له أن يتزوج له ولأنه رضى بأمانته ولم يرض بأمانة غيره فلا يجوز له أن يأتمن على ماله من لم يرض هو بأمانته. وأما إذا كانت الوكالة مقيدة بالإذن في التوكيل جاز له ذلك لأنه عقد أذن له فيه فإذا ثبت هذا فإن وكل عن الموكل كانا وكيلين له فكان له أن يعزلهما متى شاء ويعزل أحدهما إن أراد وليس لأحد الوكيلين أن يعزل صاحبه فإن مات الموكل بطلت وكالتهما، وإن مات أحدهما لا تبطل وكالة الآخر لأنه ليس توكيل له. فأما إذا وكله عن نفسه كان وكيلا له وله أن يعزله فإن مات الموكل بطلت وكالتهما، وإن مات الوكيل الأول بطلت وكالته ووكالة وكيله لأنه فرع له، وأن مات الوكيل الثاني لم تبطل وكالة الأول لأنه ليس بفرع له. إذا وكله في تصرف سماه له ثم قال: وقد أذنت لك في أن تصنع ما شئت فهل يكون ذلك إذنا في التوكيل؟ فالأولى أن يقال: إن ذلك إذن له لأنه جعل الخيار إليه، وقيل ليس له ذلك لأنه ما صرح بالإذن فيه والعمل مما يمكنه مباشرته بنفسه و قوله: تصنع ما شئت راجع إلى التصرف الذي سماه له دون غيره. إذا ولى الإمام رجلا القضاء في ناحية فهل له أن يستنيب في القضاء أم لا؟ ينظر فإن جعل إليه أن يستنيب في القضاء كان له ذلك، وإن أطلق ذلك ولم يصرح بالإذن في الاستنابة فإن أمكنه مباشرة ذلك بنفسه لم يجز الاستنابة فيه، وإن لم يمكنه ذلك لكثرته وانتشاره جاز له الاستنابة فيه، وهل يجوز له الاستنابة في الجميع؟ قيل فيه وجهان مثل الوكالة المطلقة. إذا اختلف الموكل والوكيل فلا يخلو اختلافهما من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يختلفا في التلف.

[ 372 ]

والثاني: أن يختلفا في الرد. والثالث: أن يختلفا في التصرف. فإن اختلفا في التلف فادعى الوكيل تلف المال الذي سلمه الموكل إليه ليتصرف فيه وأنكر الموكل تلفه [ أ ] وادعى تلف الثمن الذي قبضه بعد ما أقر له الموكل بالقبض غير أنه أنكر التلف فالقول قول الوكيل في ذلك لأنه أمين قد ادعى في الأمانة ما يتعذر إقامة البينة عليه فكان القول قوله فيه كالوصي إذا ادعى الانفاق على اليتيم فإن القول قوله مع يمينه لأنه يتعذر عليه إقامة البينة على كل ما ينفقه من قليل وكثير، وكذلك الوكيل يتعذر عليه إقامة البينة على التلف لأنه قد يتلف المال ظاهرا أو باطنا. وكذلك كل أمين ادعى تلف الأمانة من أب أو جد أو حاكم أو أمين حاكم أو شريك أو مضارب أو مرتهن أو ملتقط أو مستأجر أو أجير مشترك عند من ينفي عنه الضمان أو مودع. وإن اختلفا في الرد فادعى الوكيل رد المال الذي سلمه إليه أورد الثمن و أنكر الموكل ذلك نظر فإن كان وكيلا بغير جعل قبل قوله في ذلك مع يمينه لأنه قبض المال لمنفعة غيره دون منفعته فهو كالمودع يدعي رد الوديعة على صاحبها وإن كان وكيلا بجعل [ قيل ] فيه: قولان: أحدهما: أن القول قول الموكل مع يمينه لأن الوكيل قبض المال لمنفعة نفسه وهو الجعل فهو كالمرتهن يدعي رد الرهن أو المستعير يدعي رد العارية أو المستأجر يدعي رد العين المستأجرة. والوجه الثاني: أن القول قول الوكيل لأنه أخذ العين بمنفعة الموكل لأنه لا ينتفع بعين المال والجعل لا يتعلق بقبض العين ولا يتعلق بها فقبضه لهذا المال مثل القبض المودع للعين المودعة ومثله قبض الوكيل بغير جعل ويفارق المستعير والمرتهن لأن حقوقهما متعلقة بالعين فقد حصل من جملة هذه ثلاثة أقسام: أحدها: يكون القول قول من يدعي الرد وهو الوكيل بلا جعل والمودع إذا ادعيا الرد.

[ 373 ]

والثاني: القول قول من يدعى عليه الرد وهو المرتهن والمكتري والمستعير إذا ادعوا الرد. والثالث: على وجهين وهو الوكيل بجعل والمضارب والشريك والأجير المشترك عند من يجعل قبضه قبض أمانة ففي كل هذه وجهان، والوجه الأول أقواها. وأما إذا اختلفا في التصرف فادعى الوكيل التصرف مثل أن يقول: بعت المال الذي وكلتني في بيعه فينكر الموكل ويقول: ما بعته بعد أو يصدقه في البيع ويكذبه في قبض الثمن والوكيل يدعي القبض قيل فيه: قولان: أحدهما: أن القول قول الوكيل لأنه يملك هذا العقد والقبض فإذا ادعى ذلك كان القول قوله كما لو ادعى الأب تزويج [ ا ] بنته البكر فأنكرت البكر كان القول قوله [ فيه ] سواء ادعى تزويجها قبل بلوغها أو بعده. والثاني: أن القول قول الموكل لأن الوكيل إذا ادعى قبض الثمن وأنكره الموكل فقد أقر الوكيل على موكله بحق الأجنبي فكان القول قول الموكل في ذلك كما إذا ادعى على الموكل أنه قبض الثمن من المشتري بنفسه فإنه لا يقبل قول الوكيل على موكله بلا خلاف، والصحيح الأول. إذا ادعى الوصي تسليم المال إلى اليتيم بعد بلوغه وأنكر اليتيم ذلك كان القول قول اليتيم، وعلى الوصي البينة على التسليم لقوله تعالى " فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم " (1) فأمر بالاشهاد فلو كان الوصي يقبل قوله لما أمر بالاشهاد ولا أطلق الدفع كما قال في رد الوديعة " فليؤد الذي ائتمن أمانته وليتق الله ربه " (2) ولأن الوصي يدعي تسليم المال إلى من يأتمنه عليه فهو كما لو وكل رجل رجلا في قضاء دينه عنه لغريمه فادعى الوكيل على الغريم القضاء وأنكر الغريم ذلك كان القول قوله لأنه يدعي التسليم إلى من لم يأتمنه عليه وتفارق دعوى الانفاق على اليتيم حيث قلنا القول قول الوصي لأنه يتعذر عليه إقامة البينة عليه لأنه يتكرر ويكثر ويقل وليس كذلك رد الجميع

(1) النساء 6 (2) البقرة 283

[ 374 ]

فإنه لا يتكرر ولا يتعذر عليه إقامة البينة عليه. إذا ثبت هذا فكل أمين ادعى رد الأمانة على من لم يأتمنه وأنكر ذلك المدعى عليه كان القول قوله فيه دون المدعي مثل المودع يدعي رد الوديعة على ورثة المودع والملتقط يدعي رد اللقطة على صاحبها أو وارثه ومن هبت الريح بثوب إلى داره إذا ادعى رده على صاحبه أو وراثه، والأب أو الجد إذا ادعى رد المال على الابن إذا بلغ لأنه لم يأتمنه، وكذلك الحاكم وأمينه إذا ادعيا رد المال على اليتيم بعد بلوغه وكذلك الشريك أو المضارب إذا ادعى رد المال على ورثة صاحب المال، وكذلك كل من حصل في يده حيوان لغيره من طاير أو بهيمة أو غير ذلك لأن جميع هؤلاء يدعون رد المال على من يأتمنهم عليه فلم يقبل قولهم فيه. إذا وكل رجل رجلا ببيع مال ثم سلم إليه المال فباعه الوكيل وقبض الثمن فطالبه الموكل بتسليم الثمن الذي قبضه أو طالبه برد المال الذي وكله في بيعه قبل أن يبيعه وجب عليه رده ولا يجب الرد على الوكيل إلا بعد مطالبة الموكل. إذا ثبت أنه يجب رده عليه فلا كلام وإن أخر الرد لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون لعذر أو لغير عذر. فإن كان لعذر فأخر الرد حتى يزول العذر لم يصر ضامنا بذلك لأنه إنما يجب عليه الرد حسب ما جرت به العادة من ارتفاع الأعذار لأن الأمانة لا تبطل إلا بالتفريط ولا تفريط من قيام العذر. فإذا ثبت هذا فإن تلف المال قبل زوال العذر فلا ضمان عليه لأنه تلف بحكم الامساك المتقدم، وإن تلف بعد زوال العذر وإمكان الرد لزمه الضمان لأنه أخر الرد بعد وجوبه مع الامكان فأما إذا لم يكن له عذر مثل أن يكون المال معه حاضرا وهو فارغ غير متلبس بشغل فأخره إلى وقت آخر مثل أن يقول: أرده عليك غدا صار ضامنا بذلك لأنه متعد بترك الرد مع الامكان فإن ادعى بعد ذلك التلف، وذكر أنه كان قد تلف قبل المطالبة أو ادعى الرد قبل المطالبة لم يقبل قوله في ذلك لأنه صار خائنا ضامنا بتأخيره الرد مع الامكان وبطلت أمانته فلم يقبل قوله. فأما إذا قال: كان هذا المال تلف قبل المطالبة أو رددته قبل المطالبة وأنا أقيم

[ 375 ]

البينة على ذلك فهل يقبل بينته أم لا؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: وهو الصحيح أنها تسمع منه لأنه يقيمها على تلف أو رد لو صدقه لم يلزمه الضمان فكذلك إذا قامت عليه البينة. والثاني: أنها لا تسمع بينته لأنه كذبها بقوله أرده عليك وقتا آخر لأن ذلك يقتضي سلامته وبقاءه في يده، وفي الناس من قال: هذا القول أرجح وأصح لأنه بقوله الثاني مكذب لقوله الأول ومكذب لبينته بقوله الأول فلم تسمع منه، وأما إذا صدقه على تلفه فقد أقر ببرائته فلا يجوز له مطالبته، وليس كذلك إذا قامت البينة لأنه لم يبرأه صاحب المال بل هو مكذب لها فكأنه لم يقم البينة ولم يبرأه صاحب المال فلزمه الضمان. إذا كان لرجل قبل رجل مال فطالبه بتسليمه إليه فقال: لا أسلمه إليك حتى تشهد على نفسك بالتسليم فهل له ذلك أم لا؟ اختلف أصحاب الشافعي في ذلك فأكثرهم فصلوا الحال فيه فقالوا: إن كان هذا المطالب بالتسليم يقبل قوله في التلف والرد مثل المودع والوكيل بلا جعل لم يكن له ذلك وكان عليه أن يرد بلا إشهاد ومتى ما أخر الرد لزمه الضمان لأنه لا حاجة به إلى الشهادة لأنه أكثر ما يتوقعه منه أن يدعي عليه المال فإذا ادعى هو الرد كان القول قوله مع يمينه فسقط دعواه عن نفسه بقوله، وإذا لم يكن به حاجة إلى البينة لم يكن له الامتناع من الرد، وإن كان ممن لا يقبل قوله في الرد كالوكيل يجعل والمرتهن نظر فإن لم يكن له عليه بينة بتسليم ذلك المال إليه لم يكن له أن يطالبه بالاشهاد، وكان عليه التسليم من غير بينة لأنه لا حاجة به إلى البينة لأن أكثر ما يتوقعه منه أن يدعي عليه فإذا ادعاه عليه كان له أن يقول: ليس لك عندي شئ فيكون القول قوله مع يمينه فيسقط دعواه بقوله. و [ أما ] إذا كان له عليه بالتسليم بينة كان له أن يمتنع حتى يشهد لأن به حاجة إلى ذلك لأنه إذا ادعى عليه ذلك المال فإن أنكر قال: مالك عندي شئ أقام البينة عليه ولا يقبل قوله ولا يمينه في الرد إن ادعاه فإذا ثبت أن له ذلك فإن امتنع لم يجب عليه الضمان، وقال ابن أبي هريرة: إن له أن يمتنع في هذه المسائل من الرد حتى

[ 376 ]

يشهد على نفسه بالتسليم لأن له غرضا في ذلك وهو إسقاط اليمين عن نفسه وخاصة في زماننا لأن الأمناء الباعة يحفظون أنفسهم عن الأيمان حتى لا يعتقد فيهم الخيانة فإذا كان فيه غرض صحيح كان له الامتناع، والأول أصح لأن اليمين إذا كانت صادقة فهو مأذون له فيها لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون، ولأنه يستحق بذلك الآجر ولا اعتبار بعادة العامة. إذا ادعى على وكيله أنه طالبه برد المال الذي له في يده فامتنع من الرد مع الامكان فهو ضامن فأنكر الوكيل ذلك، وقال: ما طالبتني برده فلا ضمان على وكان القول قول الوكيل مع يمينه لأنه ادعت عليه الخيانة والأصل أمانته. فإذا ثبت هذا فإن حلف كان على أمانته فإن كان المال قد تلف فلا ضمان عليه وإن نكل ردت اليمين على الموكل فإذا حلف أنه طالبه فمنعه من غير عذر لزمه الضمان، وكذلك إن أقام عليه البينة بذلك لزمه الضمان أيضا. إذا قال لرجل: وكلتك في بيع متاعي وقد سلمته إليك وقبضته مني فقال: ما أعطيتني شيئا كان القول في ذلك قوله مع يمينه لأن الأصل أنه ما أعطاه شيئا وعلى المدعي البينة فإن أقام عليه البينة بالتسليم إليه حكم عليه بذلك فإن قال: صدقت البينة غير أن ذلك المال قد تلف أو قال: رددته عليك لم يقبل منه ذلك لأنه صار خائنا بجحوده التسليم، والخاين إذا ادعى تلف المال أورده لم يقبل قوله في ذلك. فإن قال: أنا أقيم البينة على التلف أو الرد قبل المخاصمة والجحود فهل تسمع بينته؟ قيل فيه: وجهان على مضى قبل هذه المسألة. فأما إذا قال: ليس لك عندي شئ كان القول قوله في ذلك مع يمينه وعلى صاحبه البينة فإن أقامت عليه البينة بالتسليم إليه ثم قال: صدقت البينة وقد تلف ذلك المال أو رددته كان القول قوله لأنه صادق في إنكاره لأن الأمانة إذا تلفت أوردت لم يبق للمؤتمن على الأمين شئ. إذا دفع إلى وكيله مالا وقال له: اقض به دين فلان الذي علي فادعى الوكيل قضاه وأنكر صاحب الحق كان القول فيه قوله لأن الموكل لو ادعى عليه لم يقبل قوله فقول

[ 377 ]

الوكيل أولى أن لا يقبل: ولأن الأمين يدعي رد الأمانة على من لم يأتمنه فلم يقبل قوله عليه كالوصي إذا ادعى تسليم المال على اليتيم فإذا ثبت أن القول قول صاحب الحق فإذا حلف سقط دعوى الوكيل وكان له مطالبة الموكل بالمال وهل للموكل مطالبة الوكيل بالمال الذي سلم إليه؟ نظر فإن كان قضاه بحضرته لم يكن له الرجوع به عليه لأن المفرط في ذلك هو الموكل دون وكيله وإن كانت بغيبته كان له الرجوع على الوكيل لأنه فرط في ترك الشهادة عليه بذلك سواء صدقه الموكل أو كذبه لأنه يقول مع التصديق: إنما أمرتك بقضاء مبرئي ولم تفعل ذلك فعليك الضمان فأما إذا صدقه صاحب الحق في القضاء ثبت القضاء وبرئ الموكل من الدين ولم يكن له مطالبة الوكيل بشئ لأنه أمره بإبراء ذمته وقد فعل ما أمره به فأما إذا كان ذلك في الايداع فأمره أن يودع المال الذي أعطاء إياه رجلا سماه له فادعى الوكيل تسليمه إلى المودع وأنكر المودع ذلك كان القول قوله مع يمينه فإن حلف أسقط دعوى الوكيل، وهل يرجع الموكل على الوكيل أم لا؟ ينظر فإن كان تسليمه إلى المودع بحضرته لم يرجع عليه لأنه غير مفرط فيه وإن كان بغيبته فهل يكون مفرطا يترك الاشهاد؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: لا يكون مفرطا لأنه لا فايدة في الشهادة لأن أكثر ما فيه أن يثبت بها ايداع بالشهادة فإذا ثبت كان للمودع أن يدعي التلف أو الرد وإذا ادعى ذلك كان القول قوله مع يمينه. والثاني: أن الوكيل يكون مفرطا في تركه الاشهاد لأنه أمره باثبات الايداع كما أمره باثبات القضاء في المسألة الأولى فإذا لم يشهد فقد ترك ما أمره به فمن قال: يكون مفرطا رجع به عليه كما قلنا في القضاء، ومن قال: لا يكون مفرطا لم يرجع به عليه هو الأقوى فأما إذا صدقه المودع على ذلك نظر فإن كانت الوديعة باقية كان الموكل بالخيارين أن يتركها في يده، وبين أن يسترجعها، وإن كانت تالفة فلا ضمان على المودع، وأما الوكيل فإن كان سلمها إليه بحضرته أو في غيبته وأشهد عليه أو لم يشهد عليه فمن قال: لا يلزمه الاشهاد لم يرجع الموكل عليه بشئ، ومن قال: يلزمه ذلك رجع عليه بقيمة ذلك المال.

[ 378 ]

إذا وكله بجعل فادعى الموكل عليه خيانة لم تسمع منه دعوى الخيانة حتى يعينها فيقول: خنتني مثلا بعشرة دراهم فإذا صير دعواه مقدرة معلومة سمعت فإن أنكر الوكيل كان القول قوله فيه فإذا حلف أسقط الدعوى وطالبه بالجعل، وإن نكل حلف الموكل فإذا حلف ثبت دعواه ولزمه قدر الجناية وقد لزم الموكل للوكيل قدر الجعل فإن كانا من جنس واحد تساويا في قدر الجعل وتقاصا وإن اختلفا في القدر تقاصا في مقدار ما يتساويان فيه، ويرجع صاحب الفضل على صاحبه بالفضل وإن كانا من جنسين لم يتقاصا ورجع كل واحد منهما على صاحبه بحقه فإذا ثبت هذا فإذا وكله في البيع فشرط له جعلا فباع الوكيل كان له أن يطالب الموكل بالجعل قبل تسليم الثمن وجملة ذلك أن العمل الذي يستحق به عوضا على ضربين: ضرب يقف استحقاق تسليم الأجرة على تسليمه وضرب لا يقف على تسليمه فالأول مثل الثوب ينسجه الحايك أن يخيطه الخياط أو يصبغه الصباغ أو يقصره القصار وما أشبه ذلك، وليس له أن يطالب صاحب الثوب بالأجرة حتى يسلم إليه الثوب لأنه عمل يمكن تسليمه فوقف استحقاق الأجرة عليه إلا أن يكون الصانع في ملك صاحب الثوب فيكون له المطالبة بالأجرة قبل تسليم الثوب إليه لأنه إذا كان في ملكه فكلما فرغ من جزء من العمل يصير ذلك مسلما إلى صاحبه. وإذا لم يكن الصانع في ملك صاحب الثوب فتلف الثوب في يده فمن قال: إن يده يد أمانة لم يستحق الأجرة ولم يجب عليه الضمان سواء تلف قبل العمل أو بعده، ومن قال: إن يده يد ضمان فإن كان بعد العمل قوم عليه معمولا فإذا غرم القيمة استحق الأجرة وإن كان قبل العمل قوم عليه غير معمول ولم يستحق شيئا من الأجرة لأنه ما عمل شيئا، وأما الذي لا يقف استحقاق الأجرة على تسليمه فهن مثل أن يكون يوكله في البيع ويجعل له أجرة فإذا باع طالبه بالجعل قبل تسليم الثمن إليه لأنه استحقه بالبيع فالبيع تصرف مجرد فلا يمكن تسليمه، وما لا يمكن تسليمه لا يقف استحقاق الأجرة عليه. وكذلك إذا استأجر راعيا يرعى مواشيه فرعاها المدة المعلومة كان له مطالبته بالأجرة قبل التسليم لأن الرعي عمل مجرد لا يمكن تسليمه فلا يقف استحقاق الأجرة

[ 379 ]

عليه فأما إذا وكله فقال له: وكلتك في بيع هذا المال فإن بعته وسلمت الثمن إلى فلك عندي درهم لم يستحق الدرهم حتى يبيع ويسلم إليه الثمن لأنه جعل البيع والتسليم شرطين في استحقاق الدرهم. إذا أعطى وكيله عشرة دراهم مثلا وأمره أن يشتري له طعاما بعشرة فصرف الوكيل تلك الدراهم في حاجته صارت قرضا له عليه وتبطل الوكالة لأنه إن 0 كان قد أمره أن يشتري طعاما بتلك الدراهم بعينها فقد أذن له في التصرف بشئ معين وقد تلف بصرفه إياه في حاجته فتعذر التصرف للموكل فيما أمره به بعينه فهو كما لو وكله في بيع عبد فمات العبد قبل أن يبيعه فإنه يبطل الوكالة وأيضا فإنه تعذر عليه التصرف على وجه المأذون فيه. وأما إذا كان أذن له في شراء الطعام مطلقا ولم يعين الشراء بها بطلت وكالته أيضا لأن إطلاق ذلك يقتضي أن يشتري الطعام في الذمة وينقد فيه تلك الدراهم فإذا صرفها في حاجته فقد تعذر عليه أن ينقدها في الطعام فبطلت وكالته وكذلك لو صرفت تلك الدراهم منه لمثل ما ذكرناه فإذا ثبت أن الوكالة تبطل فإن عزل من ماله مثل تلك الدراهم واشترى لموكله بها طعاما وقع الشراء له دون موكله لأنه إن كان اشترى الطعام بعينها فهو يريد أن يحصل الملك في المثمن للموكل بثمن ليس له وذلك لا يجوز لأن المثن إنما يحصل ملكه بالبيع لمن يكون له الثمن ولا يجوز أن يحصل ملك الثمن لرجل والمثمن لغيره وأيضا فإنه أمره أن يشتري له الطعام بدراهم بعينها أو في الذمة وينقدها فيه وهذا خلاف ذلك فهو تصرف للموكل لم يأذن له فيه فلهذا قلنا: إنه يقع له دونه، وإن كان اشتراه لموكله في الذمة لم يقع له أيضا لأنه خلاف المأذون له فيه. وإذا تصرف الوكيل تصرفا لم يأذن له فيه موكله كان ذلك له دونه. إذا وكله في التصرف في المال وسلم المال إليه فتعدى الوكيل فيه مثل أن يكون أعطاه ثوبا وأذن له في بيعه فلبسه الوكيل واستعمله ففسد [ فقد خ ل ] صار متعديا بذلك فإذا ثبت هذا فإن الأمانة تبطل بالتعدي ويصير ضامنا للمال كالمودع إذا تعدى

[ 380 ]

في الوديعة فإذا اثبت بطلان الأمانة فهل يصح تصرفه بعد ذلك في المال أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما: لا يصح لأن التوكيل ايتمان فإذا تعدى بطل ذلك الايتمان كما لو تعدى المودع. والثاني: أنه لا يبطل التصرف ويكون الإذن باقيا لأن التوكيل يشتمل على أمرين: تصرف وأمانة فإذا تعدى بطل أحدهما وبقي الآخر كالرهن يشتمل على أمانة والوثيقة. فإذا تعدى في الرهن بطلت الأمانة وبقيت الوثيقة فكان له بعد تعدية أن يتمسك بالرهن متوثقا به ويفارق الوديعة لأنها أمانة مجردة. فإذا تقرر الوجهان فمن قال: يبطل التصرف لم يكن له أن يتصرف في ذلك المال، ومن قال: لا يبطل كان له التصرف فيه فإن باعه وسلمه إلى المشتري زال عنه الضمان لأنه سلمه المال الذي تعدى فيه إلى صاحبه فهو كما لو رده على الموكل قبل التصرف وقال قوم: إن بنفس البيع يزول عنه الزمان لأن الملك صار لغير الموكل وما وجد من الوكيل تعديا في جنبته فإن سلم الثمن من المشتري حصل في يده أمانة لأنه أخذه بإذن صاحبه ولم يوجد منه فيه تعد وتفارق المبيع الذي كان في يده لأنه كان تعدى فيه فإذا وكله في بيع ماله في سوق بعينها فخالفه وباعه في غيرها بثمن مثلها أو أكثر جاز لأن المقصود تحصيل الثمن ولا غرض في تعيين الموضع، وإن أمره ببيعه من زيد مثلا فباعه من غيره لم يصح البيع لأن له غرضا في تعيين المشتري ليحصل المسامحة له في الثمن إن كان قد سمى للوكيل مقدارا دون المثل، وإن كان أطلق ذلك فقد قصد أن يحصل المبيع للمسمى تخصيصا له بها وقضاء لحقه. إذا وكله في الشراء بعين المال فاشترى الوكيل في الذمة [ لم يصح لأن له غرضا في الشراء بعين المال وهو أن لا يلزمه البيع مع تلف الثمن إذا كان معينا بطل البيع بتلفه قبل تسليمه وإن كان غير معين لم يبطل البيع بتلف الثمن. وإن أمره أن يشتري له في الذمة ] (1) فاشترى له بعين المال فهل يصح ذلك أم لا؟ قيل فيه: وجهان:

(1) سقطت هذه العبارة من المطبوع.

[ 381 ]

أحدهما: لا يصح لأن له غرضا في أن يكون الثمن في الذمة حتى لا يبطل البيع بتلف الثمن. والثاني: أنه يصح لأنه زاده خيرا لأنه عقد له عقدا لا يلزمه في جميع الأحوال، والأول أقوى وأولى. جملة من يبيع مال غيره ستة أنفس الأب والجد ووصيهما والحاكم وأمين الحاكم والوكيل، ولا يصح لأحد منهم أن يبيع المال الذي في يده من نفسه إلا لاثنين الأب والجد ولا يصح لغيرهما لأنه لا دلالة على ذلك وبيعهما يصح لإجماع الفرقة على أنه يجوز للأب أن يقوم جارية ابنه الصغير على نفسه ويطأها بعد ذلك، وقد ذكرنا أن الوكيل لا يجوز له أن يبيع مال الموكل من نفسه فإذا ثبت هذا فكذلك لا يجوز له أن يشتري مال الموكل لابنه الصغير لأنه يكون في ذلك البيع قابلا موجبا فيلحقه التهمة وتتضاد الغرضان، و كذلك لا يجوز أن يبيعه من عبده المأذون له في التجارة لأنه فإن كان القابل غيره فالملك يقع له فيلحقه التهمة فيه ويبطل الغرضان فأما إذ باعه من ابنه الكبير أو والده فهل يجوز أم لا؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: وهو الأولى أنه يجوز لأنه لا مانع منه ولأن الملك يقع لغيره والعاقد غيره فهو مثل الأجنبي. والثاني: لا يجوز لأنه متهم في حق ابنه ووالده. وأما إذا باعه من مكاتبه فقيل فيه: وجهان، ومن قال في الأولى: لا يجوز قال هاهنا مثله، ومن أجاز هناك وهو الصحيح أجاز هاهنا. إذا أذن الموكل لوكيله في بيع ماله من نفسه فقال له: بعه من نفسك أو خيره بين أن يبيعه من نفسه، وبين أن يبيعه من غيره قيل فيه: قولان: أحدهما: يجوز وهو الصحيح، وقال قوم: لا يجوز كما لا يجوز أن يتزوج بنت عمه من نفسه وهذا عندنا أيضا جايز. إذا وكل المتداعيان رجلا في الخصومة ليخاصم عنهما كل واحد قيل في صحته: قولان:

[ 382 ]

أحدهما: يجوز لأنه يمكنه استيفاء الحجج في الجنبتين معا فيدعي عن أحدهما وينكر عن الآخر. فإن كانت للمدعي بينة أحضرها فإذا سمعها الحاكم قال له: هل لموكلك قدح فيها فيجب عما عنده، وإن لم يكن له بينة توجهت اليمين على موكله المدعى عليه فيحضره الحاكم حتى يحلف. والثاني: لا يجوز، وهو الأحوط لأنه لا بد في إيراد الحجج في المخاصمة من الاستقصاء والمبالغة وذلك يتضاد الغرضان فيه فصار في معنى البيع من نفسه. إذا وكل رجلا في البيع لم يخل من أحد أمرين: إما أن يطلق الوكالة فيه أو يقيدها فإن قيدها فقال له مثلا: بع حالا أو بع مؤجلا أو بنقد البلد أو بغيره، وما أشبه ذلك من الشرائط فعلى الوكيل أن يتصرف له في ذلك البيع حسب ما أذن له فيه: وإذا خالفه لم يجز البيع إلا أن يكون له الخيرة في المخالفة مثل أن يكون أذن له في البيع فباعه بأكثر وإن أذن له في البيع مؤجلا فباعه حالا بثمن حال نظر فإن كان ذلك المال الذي باع به مما لا ضرر على الموكل في إمساكه مثل الدراهم والدنانير، وما أشبه ذلك لزمه البيع، وإن كان المال الذي باعه عليه فيه ضرر مثل المتاع الجافي كالقطن والطعام والحطب وغيرها لم يلزمه البيع حالا لأن هاهنا له غرضا في التأجيل إذا كان ذلك المال مما عليه في إمساكه ضرر وما ليس بمتجاف لا ضرر في إمساكه ولا فائدة في تأخيره. وإذا باع معجلا فقد زاده خيرا فلذلك لزمه، ويقوى في نفسي أنه لا يلزمه على كل حال لأن له غرضا في أن يكون في ذمته فيأمن بذلك الخطر ومقاساة الحفظ هذا إذا قيد الوكالة إما بالتأجيل أو بالتعجيل. فأما إذا أطلق فإن إطلاقها يقتضي أن يبيع بنقد البلد بثمن المثل حالا فإن خالف كان البيع باطلا وفيه خلاف. فأما إذا وكله في الشراء فلا يجوز له أن يشتري إلا بثمن المثل، ومتى اشتراه بأكثر لم يلزم الموكل بلا خلاف، وهل يملك الوكيل بإطلاق الوكالة الخيار الثلاث؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: أنه يملك لنفسه ولموكله وللمشتري. والثاني: أنه يملك لنفسه دون المشتري لأنه لا حظ في شرط الخيار للمشتري و هذا أولى.

[ 383 ]

إذا وكل رجلا في شراء جارية بعينها فاشتراها بعشرين دينارا ثم اختلف الوكيل والموكل فقال الموكل: أذنت في شرائها بعشرة دنانير، ولم أذن لك في الشراء بعشرين فالجارية لك، وقال الوكيل: أذنت لي في شرائها بعشرين فهي لك فإنه ينظر فإن كان للوكيل بينة على إذن الموكل بعشرين أقامها وحكم على الموكل بصحة الدعوى وحصلت الجارية له ولزمه الثمن، وإن لم يكن للوكيل بينة كان القول قول الموكل [ في ذلك مع يمينه ] لأنهما اختلفا في التوكيل في الشراء بالزيادة التي يدعيها الوكيل، وذلك اختلاف في أصل التوكيل في ذلك المقدار وهو العشرة الزايدة. وإذا اختلفا في أصل التوكيل فالقول قول الموكل. إذا اختلف صاحب الثوب والخياط فقال صاحب الثوب: أذنت لك في قطعه قميصا فقطعته قباء، وقال الخياط: أذنت لي في قطعه قباء وقد قطعت على حسب إذنك فالقول قول الخياط. وإن اختلف في أصل القطع كان القول قول صاحب الثوب، وقيل: إن القول قول صاحب الثوب أيضا في كيفية القطع، والأول أولى لأن على القول الأول يدعي صاحب الثوب على الخياط أرش القطع فعليه البينة لأن الأصل برائة الذمة فعلى صاحب الثوب البينة. فإن قيل: إن الموكل أيضا يدعي على الوكيل غرامة لأنه يلزمه بقوله ويمينه غرامة ثمن الجارية قيل: ليس ذلك مما يدعي الموكل وإنما يثبت ذلك لصاحب الجارية، وليس كذلك في مسألة الثوب لأن صاحب الثوب يدعي على الخياط أرش ما نقصه بالقطع. فإذا ثبت أن القول قول الموكل فإنه يحلف ويبرء من دعوى الوكيل عليه فإذا حلف وبرئ رجع الوكيل إلى مخاصمة البايع والحكم معه في العقد الذي جرى بينهما، وينظر فإن كان قد اشترى تلك الجارية بعين مال الموكل وذكر حال العقد أنه يشتريها لموكله بماله الذي في يده بطل البيع ورجعت الجارية إلى البايع لأنه قد ثبت أنه اشتراها لموكله وقد ثبت للموكل بقوله ويمينه أن ذلك عقد غير مأذون للوكيل فيه، وإن كان قد اشتراها بعين مال الموكل ولم يذكر حال العقد أنه يشتريها لموكله نظر فإن صدقه البايع في أن المال للموكل فالحكم على ما ذكرناه، و

[ 384 ]

إن كذبه فإن القول قول البايع لأن الظاهر أن المال الذي في يد الوكيل لنفسه دون موكله، ولأن الأصل أن العقد الذي عقده صحيح تام، والوكيل يدعي بطلانه بقول يخالف هذين فلذلك جعلنا القول قول البايع مع يمينه فإذا حلف البايع كانت يمينه على نفي العلم لأنه يمين متعلق بنفي فعل غيره، وذلك لا يكون على القطع فيحلف والله (1) أنه لا يعلم أن هذا الثمن الذي اشتراها به لموكله. فإذا حلف سقطت دعوى الوكيل و لزمه البيع هذا كله إذا كان الشراء بعين مال في يده فأما إذا اشترى في الذمة فإن كان أطلق العقد ولم يذكر أنه يشتري لموكله لزمه البيع لأن التصرف لغيره في الذمة يلزمه إذا لم يلزم ذلك الغير الذي تصرف له فيه، وإذا كان قد ذكر أنه يشتريها لموكله قيل فيه: وجهان: أحدهما: أنه يبطل البيع ولا يلزم الوكيل لأنه ذكر أنه يشتري لغيره فأوجب البايع على علم من ذلك فحصل الايجاب من الموكل (2) فإذا بطل في حقه لم يصح في حق الوكيل كالرجل إذا تزوج امرأة لغيره ويذكر أنه تزوجها لفلان وهو وكيل له فيعقد النكاح على ذلك فإذا لم يصح في حق الموكل لم يصح النكاح في حق الوكيل. والثاني: أنه يلزم الوكيل لأنه تصرف في الذمة مطلقا لغيره فإذا لم يلزم ذلك الغير لزمه هو كما لو لم يذكر أنه يشتري لموكله، والأول أصح إذا ثبت هذا فكل موضع أبطلنا البيع في حق الوكيل رجعت الجارية إلى بايعها وكل موضع قلنا: إنه صحيح في حقه ثبت له ملكها في الظاهر. وأما في الباطن فإنه ينظر فإن كان الوكيل يعلم فيما بينه وبين الله تعالى أنه كاذب فيما ادعاه على موكله من الإذن ملكها في الباطن فيثبت الملك ظاهرا وباطنا وإن كان يعلم أنه صادق فيما ادعاه على موكله كان ملك الجارية في الباطن للموكل دون الوكيل لأن الشراء حصل للموكل في الباطن إذا ثبت هذا فماذا يعمل الوكيل بعد ذلك قال قوم: على الحاكم أن يرفق بالأمر

(1) في بعض النسخ (بالله) * (2) في بعض النسخ [ للموكل ]

[ 385 ]

للمأمور فيقول: إن كنت أمرته أن يشتريها بعشرين فقل [ فقد خ ل ] بعته إياها بعشرين ويقول للآخر: قل: قبلت ليحل له الفرج ولمن يبتاعه منه هذا إذا قال: بعتكها بعشرين وإن قال الموكل: إن كنت أمرتك أن تشتريها بعشرين فقد بعتك إياها بعشرين وقبل الوكيل ذلك فمن الناس من قال: لا يصح لأنه علقه بشرط [ والبيع بشرط ] لا يصح. ومنهم من قال: يصح لأنه لم يشرط إلا ما يقتضيه إطلاق العقد لأنه إنما يصح بيعه لهذه الجارية من الوكيل إن كان قد أذن له في الشراء بعشرين فإذا اقتضاه الاطلاق لم يضر إظهاره وشرطه كما لو شرط في البيع تسليم الثمن وتسليم المثمن وما أشبه ذلك. إذا تقرر هذا فإن أجاب الموكل إلى ذلك وباعها من وكيله واشتراها منه ثبت الملك [ المال خ ل ] للوكيل ظاهرا وباطنا وثبت له على موكله عشرون وهي التي وزنها عنه بحكم الحاكم فلا يكون متطوعا بها، وقد ثبت للموكل على الوكيل عشرون بهذا البيع فيتقاصان فيه، وإن امتنع الموكل من ايجاب البيع لوكيله لم يجبر عليه لأنه لا يجوز الاجبار على البيع فإذا ثبت أنه لا يجبر عليه فقد حصل له في يد وكيله جارية ملكها له في الباطن والوكيل معترف له بذلك وحصل للوكيل عليه عشرون التي وزنها عنه فماذا يعمل بالجارية اختلفوا فيه على ثلاثة أوجه: فقال بعضهم: إن الجارية تصير ملكا للوكيل ظاهرا وباطنا كما يقول في المتبايعين إذا تحالفا فإن المبيع يحصل للبايع ملكا ظاهرا وباطنا. وقال بعضهم: لا يستمتع بها ولا يستحلها، ويجوز له بيعها لأنه وزن عشرين عن الموكل والجارية للموكل بقوله فكان له أن يستوفي دينه من ماله لأن من عليه الدين إذا جحد كان له أن يتوصل إلى استيفاء دينه من ماله، وهذا هو الأولى، ومنهم من قال: لا يجوز له بيعها لأنه لا يجوز له أن يكون وكيلا في البيع لمال غيره لنفسه، كالمرتهن. وقال بعضهم: على هذا الوجه يرون رجلا يدعى عليه دينا عند الحاكم ويذكر أن هذه الجارية ملك له رهنها عنده بحقه وقد حل عليه الحق وامتنع عن بيعها فيأمر

[ 386 ]

الحاكم ببيعها فتباع بإذنه، وإذا بيعت الجارية نظر فإن كن ثمنها وفق حقه (1) أمسكه وإن كان أقل من حقه أمسك ذلك المقدار الذي حصل له وبقي الباقي عليه في ذمته وإن كان أكثر من حقه أخذ منه قدر حقه وما فضل يتوصل في رده إلى مال موكله. إذا أمره أن يشتري له جارية فاشترى غيرها لم يصح الشراء في حق الموكل لأنه اشترى له ما لم يأذن له فيه، والموكل لا يلزمه البيع في الحال ولا فيما بعد إذا أجازه فأما الوكيل فإنه ينظر فإن كان اشتراها بعين مال الموكل وذكر حين الشراء أنه يشتريها لموكله بماله بطل البيع في حق الوكيل أيضا، وإن اشتراها بعين مال موكله ولم يذكر حال العقد أنه يشتريها لموكله بما له نظر فإن صدقه البايع بطل البيع أيضا فيه، وإن كذبه فيه كان القول قول البايع لأن الظاهر أن ما في يد الوكيل ملك له، و الظاهر صحة البيع فقدم قوله لذلك فإذا حلف فإنه يحلف على نفي العلم كما ذكرناه في المسألة الأولى فإذا حلف ثبت البيع في حق الوكيل. وأما إذا اشتراها الوكيل بثمن في الذمة نظر فإن أطلق ذلك لزمه في حقه وإن ذكر أنه يشتريها لموكله فالمسألة على وجهين: أحدهما: يبطل في حقه أيضا، والثاني يصح فيه، والأول أصح. وإذا وكله في تزويج امرأة بعينها فزوجه امرأة أخرى بطل النكاح في حق الموكل، وفي حق الوكيل بلا خلاف غير أن أصحابنا رووا أنه يلزم الوكيل نصف مهرها. إذا كان لرجل على رجل مال في ذمته من قرض أو غيره أو كان له في يده مال وديعة أو غصب أو غير ذلك فجاءه رجل فقال له: أنا وكيل فلان في قبض ماله منك نظر فإن أنكر الذي عليه الدين ذلك نظر فإن كان للوكيل بينة أقامها وكان له استيفاء المال منه فإن لم يكن للوكيل بينة فالقول قول من عليه الحق بلا يمين فإن قال: هو يعلم أني وكيله فحلفوه على ذلك لم يحلف فإذا ثبت أنه لا يجبر على التسليم فإنه بالخيار إن شاء سلم المال إليه، وإن شاء لم يسلم إليه، وإن شاء سلمه بشرط أن يضمنه للموكل

(1) في بعض النسخ (وفي حقه) وفي نسخة (وفق لحقه).

[ 387 ]

إذا حضر وكذب الوكيل، وكذلك الملتقط إذا أعطاه رجل منعة (1) اللقطة أنه بالخيار بين أن يمسكها وبين أن يسلمها إليه بشرط الضمان وإذا بان أن صاحبها غيره فإذا ثبت أنه بالخيار فإن أمسك‍ [ ه ] فلا كلام، وإن سلم إليه ثم حضر الموكل فإن صدقه على ذلك فقد برئ ووقع التسليم موقعه، وإن كذبه كان القول قوله مع يمينه لأن الأصل أنه ما وكله فإذا حلف نظر فإن كان ذلك عينا وكانت في يد الوكيل باقية استرجعها الموكل، وكان له أن يطالب أيهما شاء لأن المودع لم يبرء بتسليمها إلى من ليس بوكيل، وإن كانت تالفة كان للموكل أن يرجع على أيهما شاء بقيمتها لأن الذي عليه الحق أعطاه إلى من ليس بوكيل له والذي قبضه قبض مال غيره وأجاز (2) له القبض فلزمها الضمان فإذا ثبت أن له أن يرجع على أيهما شاء فإذا رجع على أحدهما لم يرجع ذلك على صاحبه لأنه إن رجع على الدافع فإنه يقول: ظلمني بأخذ هذا المال مني وما كان له على حق لأن وكيله استوفاه مني وتلف في يده وما أقر بأنه مظلوم فيه فلا رجوع له [ به ] على غيره، وإن رجع على الوكيل لم يرجع على الدافع لأنه يقول: قد استوفيت حق الموكل منه وقد برئ وتلف ماله في يدي فلا ضمان على وقد ظلمني بهذا وما أقر بأنه مظلوم فلا رجوع له به على غيره فأما إذا كان ذلك دينا لم يكن للموكل أن يرجع على الوكيل لأنه ليس بوكيل له على زعمه، وما أخذ عين مال له ويفارق ذلك إذا كان ذلك في العين لأنه وإن لم يكن وكيلا فهو قابض عين ماله بتعد منه فيه فلزمه الضمان وله الرجوع على الدافع لأن تسليمه لم يصح فيكون الحق باقيا عليه. فإذا قبض الحق منه نظر فإن كان المال الذي أعطاه الوكيل باقيا أخذه الدافع لأنه يقول: هو مال الموكل وقد ظلمني برجوعه على وإن كان ذلك المال قد تلف في يد الوكيل لم يرجع عليه بشئ لأنه مقر بأنه وكيل أمين وقد قبض ذلك المال بحق وهو مال الموكل وتلف في يده فلا ضمان عليه فإذا كان مقرا بذلك لم يكن له عليه به رجوع وقال بعضهم: له أن يرجع على أيهما شاء مثل العين، والصحيح الأول.

(1) في بعض النسخ (صفة) (2) في بعض النسخ (ما جاز).

[ 388 ]

فأما إذا قال له: قد مات صاحب المال وأنا وارثه فصدقه على ذلك لزمه تسليمه إليه لأنه مقر بأنه لا يستحق غيره وأنه يبرء بالدفع إليه، وإن كذبه كان للمدعي أن يطالبه باليمين أنه لا يعلم أن مورثه مات وأنه وارثه لأنه لو أقر بذلك لزمه التسليم فإذا أنكر توجهت عليه اليمين. وأما إذا جاء رجل فقال صاحب المال: أحالني عليك بما له عليك فأقر له بذلك فهل يلزمه التسليم أم لا؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: يلزمه وبه نقول لأنه أقر بأنه لا يستحق غيره لأن الحق يتحول عندنا بالحوالة فهو بمنزلة الوارث والثاني: أنه لا يلزمه التسليم لأنه لا يأمن أن يجحد صاحب الحق الحوالة ويطالبه بالمال فيكون بمنزلة الموكل والوكيل وهذا هو الأحوط إذا كان ما قبل الحوالة فأما إذا كان قبلها فإنه يلزمه تسليم المال إليه إذا ثبت هذا فمن قال: يلزمه التسليم بإقراره كان له أن يحلفه أنه لا يعلم أنه أحاله عليه بالحوالة إذا كذبه، ومن قال: لا يلزمه التسليم بإقراره لم يكن له أن يحلفه أنه لا يعلم أنه أحاله عليه بالحوالة إذا كذبه فيحصل في الجملة ثلاث مسائل: إحديها: مسألة الوكيل إذا صدقه الذي عليه الحق فلا يلزمه التسليم. والثانية: مسألة الوارث إذا صدقه من عليه الحق لزمه التسليم. الثالثة: مسألة المحال عليه وصدقه من عليه الحق هل يلزمه الحق (1) على الوجهين الأولين بلا خلاف. إذا وكل رجلا في بيع سلعة نقدا وأطلق له ذلك اقتضى أن يبيعه نقدا فإن باعه نسيئة كان البيع باطلا لأنه خالف أمره، وإن كان أطلق له ذلك فالاطلاق يقتضي النقد لأنه البيع المعتاد في الغالب. فإذا ثبت ذلك فمتى باع الوكيل تلك السلعة نسيئة فادعى الموكل أنه أذن له مطلقا أو قيده بالنقد وإن [ كان ] الوكيل خالفه لم يخل من أحد أمرين: إما أن يصدقه الوكيل والمشتري أو يكذباه فإن صدقاه نظر فإن كانت

(1) في بعض النسخ (التسليم).

[ 389 ]

السلعة باقية ردت إليه، وإن كانت تالفة كان له أن يغرم أيهما شاء لأن الوكيل تعدى ببيعه نسيئة والمشتري تعدى بقبضه. فإن رجع على الوكيل رجع عليه بعينه، ورجع الوكيل على المشتري في الحال بالقيمة، وإن رجع على المشتري لم يرجع المشتري على الوكيل لأن التلف كان في يد المشتري فاستقر عليه الضمان. فأما إذا كذباه وادعيا أنه أذن في البيع نسيئة كان القول قول الموكل لأنه اختلاف في كيفية الإذن ولو اختلفا في أصل الإذن كان القول قول الموكل فكذلك إذا اختلفا في كيفيته فإذا حلف الموكل حلف على القطع والبت أنه أذن له في البيع بالنقد أو أطلق له ذلك لأنها يمين على فعله. فإذا حلف نظر فإن كانت السلعة باقية استرجعها، وإن كانت تالفة كان له أن يغرم أيهما شاء لما قدمناه فإن غرم المشتري غرمه جميع القيمة، ولم يكن له أن يرجع على الوكيل بشئ لأنه اختص بتلف السلعة في يده، وإن غرم الوكيل غرمه جميع القيمة ولم يكن للوكيل الرجوع على المشتري في الحال لأنه يزعم أن الثمن مؤجل عليه فلا يستحق في الحال فإذا أحل الأجل كان له أن يرجع على المشتري بأقل الأمرين إن كان الثمن المسمى أقل من القيمة رجع به عليه لأنه يزعم أنه لا يستحق عليه إلا ذلك المقدار، وإن كانت القيمة أقل لم يرجع عليه إلا بقدر القيمة لأنه ما غرم إلا ذلك المقدار، وتفارق المسألة التي قبلها وهي إذا صدقاه في دعواه لأنهم أقروا ببطلان البيع ووجوب القيمة حالة وفي هذه المسألة لم يقر الوكيل ولا المشتري ببطلان البيع ووجوب القيمة حالا وإنما جعلنا له الرجوع بالقيمة ليمينه. إذا وكل رجلا في شراء سلعة مطلقا لم يجز للوكيل أن يشتريها معيبة ويفارق المضارب فإن له أن يشتري للقراض الصحيح والمعيب لأن القصد الربح ويطلب الربح في المعيب والصحيح، وليس كذلك الوكالة في الشراء لأن القصد به أن يكون المشتري للقنية فإن كان عبدا للخدمة وإن كان ثوبا فللبس والبذلة وعلى هذا ساير الأموال فلهذا لم يكن له شراء المعيب باطلاق الإذن. فأما إذا اشترى سلعة واعتقد أنها سليمة فبان بها عيب كان له الرد لأمرين:

[ 390 ]

أحدهما: أن الموكل أقام الوكيل مقامه، وإذا كان للموكل رده إذا أصأب به عيبا فكذلك الوكيل. والآخر أن الوكيل لا يأمن فوات الرد بالعيب إذا أخر الرد حتى يحضر موكله بموت البايع أو غيبته إذا ثبت هذا فإن حضر الموكل قبل أن يرد الوكيل فأراد الوكيل الرد فأبى ذلك الموكل كان له إمساكها وليس للوكيل ردها لأن الحق للموكل دون الوكيل ويفارق المضارب حيث يقول إن له رد السلعة بالعيب، وإن أبى ذلك رب المال لأن له حقا في تلك السلعة فلا يسقط برضى غيره عنه، وأما إذا أراد أن يرده والموكل غايب لم يحضر بعد فقال له: لا ترده حتى نستطلع رأي الموكل فيه فربما رضي به لم يلزم الوكيل ذلك لأن حقه في الرد قد ثبت له في الحال فلا يلزمه تأخيره، وإن قال له البايع، قد بلغ الموكل أن السلعة معيبة وقد رضى بعيبها وأنكر الوكيل ذلك كان له رد السلعة بالعيب وليس عليه أن يحلف ما رضي به الموكل، وإن ادعى علم الوكيل بذلك يحلف بالله ما يعلم أنه رضي به فإذا حلف رد السلعة فإذا حضر الموكل بعد ذلك فإن قال: ما كنت رضيت بالعيب فقد وقع الرد موقعه، وإن قال: كنت قد رضيت به قبل الرد وصدقه البايع على ذلك أو كذبه، وأقام البينة على ذلك لم يقع الرد موقعه وكان له استرجاع السلعة وإمساكه معه هذا إذا رد الوكيل فأما إذا أمسك السلعة حتى إذا حضر الموكل نظر فإن رضى بالعيب أمسكه وإن لم يرض به وأراد الوكيل أن يرده على البايع فإن كان الوكيل ذكر حين البيع أنه يشتريه لموكله، وأنه أمسكه فربما رضي به وقد حضر ولم يرض به كان له رده، وإن كان لم يذكر حال البيع أنه يشتريه لموكله نظر فإن صدقه البايع على ذلك كان له رده وإن كذبه كان القول قول البايع أنه لا يعلم أنه اشتراه لموكله لأن الظاهر أنه يشتريه لنفسه فإذا حلف لزم الشراء للوكيل ورجع الموكل على الوكيل بالمال الذي أعطاه هذا كله إذا أذن له في شراء سلعة لا بعينها فأما إذا أذن له في شراء سلعة بعينها فاشتراها ثم أصابها معيبة فهل له ردها أم لا؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: ليس له ذلك لأنه لما عين السلعة قطع اجتهاده فيها.

[ 391 ]

والثاني: له ذلك لأن إطلاق التوكيل يقتضي السلامة من العيوب كما لو لم يعين السلعة. إذا وكل رجلا في البيع نسيئة فباع نقدا نظر فإن كان باعه نقدا بأقل من ثمنه مؤجلا مثل أن يكون الثمن مؤجلا مائة ونقدا ثمانين فباع بثمانين لم يصح البيع لأنه لما أمره بالبيع مؤجلا قصد أن يكون الثمن أكثر منه إذا كان الثمن نقدا فقد خالفه فلم يصح البيع فأما إذا باعه نقدا بثمنه مؤجلا مثل أن يبيعه بمائة صح البيع إلا أن يكون له في ذلك غرض، وهو أن لا يأمن على الثمن إذا قبضه خوفا من ظالم فيكون له في تأخيره غرض فإذا كان كذلك لم يصح البيع. وإن وكل في الشراء بثمن معجل فاشترى له بثمن مؤجل نظر فإن اشتراه مؤجلا بثمنه معجلا لم يصح البيع لأنه زاد في المقدار الذي اقتضاه إطلاق إذنه لأن ثمن المبيع مؤجلا أكثر من ثمنه معجلا. وإن اشتراه مؤجلا بمقدار ثمنه معجلا جاز ذلك لأنه زاده خيرا إلا أن يكون له في نقد الثمن في الحال غرض، وهو أن يكون الثمن حاضرا عنده ولا يأمن إذا أمسكه فله غرض في تعجيل الثمن لتبرء ذمته منه فيبطل البيع إلا أن يكون ذلك الثمن مما يجبر البايع على تسليمه إذا عجل له فيصح البيع حينئذ لأنه يمكنه تعجيل الثمن وتسليمه إلى صاحبه فيتخلص من الغرر بإمساكه. وإذا وكل رجلا في كل قليل وكثير لم يصح ذلك لأن في ذلك غررا عظيما لأنه ربما ألزمه بالعقود ما لا يمكنه الوفاء به فربما أدى ذلك إلى ذهاب ماله. من ذلك أنه يزوجه في الحال بأربع نسوة ويطلقهن عليه قبل الدخول فيغرم لكل واحدة نصف مهرها ثم يتزوج له بأربع أخر وعلى هذا. ومن ذلك أن يشتري له من العقار والأراضي ما لا حاجة به إليها وغير ذلك من أنواع التصرف لأنه أطلق ذلك فتناول الإذن جميع ما يضره وينفعه والعقد إذا تضمن مثل هذا الغرر كان باطلا. إذا وكله في شراء عبد ولم يذكر فيه نوع لم يصح ذلك لأن فيه غررا على

[ 392 ]

ما بيناه لأن العبيد تختلف أثمانهم فربما اشترى له عبدا بثمن لا يمكنه الوفاء به وإن عين له نوعا بأن يقول (1) تركي أو زنجي نظر فإن سمى له ثمنا جاز وإن أطلق ذلك ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو الأحوط لأن أثمان العبيد من النوع الواحد تختلف فيكون في ذلك غرر. والثاني: أنه يجوز لأنه إذا عين النوع وأطلق الثمن لم يتفاوت الثمن كما يتفاوت في النوعين. إذا وكله في بيع جميع ما يملكه صح التوكيل لأن ما يملكه محصور فلا غرر في توكيله في بيعه. إذا أذن له في شراء عبد وصفه فاشتراه بمائة ثم اختلف هو والموكل فقال الموكل: اشتريته بثمانين، وقال الوكيل: بمائة والعبد يساوي مائة قيل فيه: قولان: أحدهما: أنه يقبل قول الوكيل عليه كما يقبل قوله في التسليم والتلف. الثاني: لا يقبل قوله عليه لأنه يتعلق بغيره وكذلك كلما اختلفا فيه مما يتعلق بحق غيرهما من بايع أو مشتري أو صاحب حق فإنه على قولين والأول أصح. إذا وكل المسلم ذميا أو مستأمنا صح التوكيل لأنه ليس من شرط التوكيل الدين كما ليس من شرطه العدالة فإن أسلم زاد إسلامه تأكيدا. ويكره أن يتوكل المسلم الكافر على مسلم وليس بمفسد للوكالة لأنه إذا وكل مسلما مرتدا فإن ردته لا تؤثر في عمله وإنما تؤثر في ماله، وكذلك إن كان الوكيل مسلما ثم ارتد لم يبطل الوكالة لأن الردة لا تمنع منها ابتداء فلا تمنع استدامتها. وإن وكل المرتد مسلما في بيع ماله والتصرف فيه كان ذلك مبنيا على الخلاف في زوال ملك المرتد فمن قال: يزول ملكه ولا يصح تصرفه قال: لم يصح توكيله، و من قال: لا يزول ملكه يصح تصرفه قال: يصح وكالته وسنقول ما عندنا في ذلك في موضعه.

(1) في بعض النسخ [ مثل أن يقول ].

[ 393 ]

وإن وكله الموكل وهو مسلم ثم ارتد فهل يبطل توكيله؟ مبني أيضا على ما قدمناه. إذا وكل الرجل امرأته في بيع أو شراء أو غيره مما عدا النكاح صح فإن طلقها لم يبطل وكالتها لأن الطلاق لا يمنع من ابتداء الوكالة فلا يقطع استدامتها. إذا أذن لعبده في التصرف في ماله ثم باعه أو أعتقه فهل يبطل أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما: لا يبطل لأن البيع والعتق لا يمنعان ابتداء الإذن فكذلك لا يقطعان استدامته. والثاني: يبطل لأن ذلك ليس بتوكيل في الحقيقة، وإنما هو استخدام له بحق الملك فإذا باع أو أعتق زال ذلك الملك فبطل الاستخدام وهذا أقوى. فأما إذا توكل العبد لرجل أجنبي بإذن سيده صح التوكيل فإذا أعتقه سيده أو باعه فهل يبطل ذلك أم لا؟ اختلفوا فيه فمنهم من قال: على وجهين كالفرع الذي قبله لأن الوكالة متعلقة بإذن سيده هاهنا فوجب أن يسقط بزوال ملكه كما يسقط التصرف بزوال ملكه. ومنهم من قال: لا يبطل وجها واحدا لأن هذا توكيل في الحقيقة والبيع والعتق لا يمنع ابتداء توكيله فكذلك لا يقطع استدامته ويفارق إذن سيده لأن ذلك ليس بتوكيل في الحقيقة، وإنما هو إلزام بحق الملك وقد زال ملكه. إذا وكل المكاتب رجلا في التصرف في المال الذي في يده صح ذلك لأن له التصرف في ذلك المال بنفسه، وذلك التصرف تدخله النيابة فيصح التوكيل فيه، وليس للمكاتب أن يتوكل لغيره بغير جعل لأن حق سيده يمنع من التبرع بمنافعه. إذا وكل رجل عبدا في شراء نفسه من سيده فهل يصح ذلك أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما: يصح كما لو وكله في شراء عبد آخر بإذن سيده والثاني: لا يصح ذلك لأن يد العبد كيد سيده وإيجابه وقبوله بإذنه بمنزلة

[ 394 ]

إيجاب سيده وقبوله فإذا كان كذلك وأوجب له سيده فقبله هو صار كأن السيد هو الموجب القابل للبيع وذلك لا يصح فكذلك هاهنا والأول أقوى إذا ثبت الوجهان فمن قال: لا يصح فلا كلام، ومن قال: يصح فإن ذكر حال الشراء أنه يشتري نفسه لغيره وقع الشراء له وطالب السيد الموكل بالثمن، وإن أطلق العبد ذلك ثم اختلفا فقال السيد: اشتريت نفسك مني لا للموكل وطالبه (1) بالثمن وقال العبد: لم أشتر نفسي لي وإنما اشتريتها لموكلي كان القول قول السيد [ ل‍ ] أن الظاهر من تصرفه أنه لنفسه دون غيره. العبد المأذون له في التجارة لا يجوز أن يتوكل لغيره، ولا يجوز أن يوكل غيره إلا بإذن سيده لأن الإذن في التجارة لا يقتضي الإذن في التوكيل ولهذا نقول: إن العبد المأذون له في التجارة لا يملك أن يكري نفسه ويعقد على منافعه عقد الإجارة. إذا وكل رجلا في بيع مال له فباعه كان له أن يسلمه إلى المشتري لأن إطلاق الإذن في البيع يقتضي التسليم لأن ذلك من موجبه ومقتضاه وهل يقتضي الإذن في تسليم الثمن من المشتري أم لا؟ قيل فيه: وجهان: أحدهما: يقتضي ذلك لأنه من موجب عقد البيع كتسليم المبيع. والثاني: لا يقتضيه لأنه ربما لم يأتمنه في قبض الثمن فإذا ثبت هذا فإن باع السلعة وسلمها وأفلس المشتري وتعذر عليه أداء الثمن إلى الموكل فمن قال: إن إطلاق الإذن في البيع يقتضي الإذن في تسليم الثمن لم يكن له أن يسلم المبيع إلا مع تسليم الثمن فإذا لم يفعل ذلك كان للموكل أن يغرمه قيمة المبيع لأنه تعدى بتسليم مال من غير قبض ثمنه، ومن قال: لا يقتضي ذلك لم يكن له أن يغرم الوكيل لأنه ما تعدى في التسليم، وكذلك إذا وكله في الشراء اقتضى ذلك الإذن في التسليم وهل يقتضي الإذن في تسليم المبيع على الوجهين كما ذكرناه. إذا وكله في تثبيت ما له على خصمه فثبته عليه لم يكن له أن يقبضه منه لأنه وكله في التثبيت ولم يوكله في القبض [ المال ] وإن وكله في قبض المال فجحد الذي عليه المال فهل يكون ذلك التوكيل متضمنا لجواز التثبيت أم لا؟ فيه وجهان:

(1) في بعض النسخ (فطالبه).

[ 395 ]

أحدهما: لا يتضمن ذلك كما إذا وكله التثبيت لم يتضمن الإذن في القبض ولأنه يكون أمينا على القبض ويكون أمينا في الخصومة فلا يصلح لهما. والثاني: أنه يتضمن الإذن في التثبيت لأنه طريق: إلى القبض فكان الإذن في القبض إذنا في تثبيت الحق. إذا وكله في قبض حق له على رجل ثم مات الذي عليه الحق فهل للوكيل مطالبة الورثة أم لا؟ نظر فإن قال: وكلتك في قبض حقي من فلان لم يكن له المطالبة الورثة لأن اللفظ لم يتناول إلا المورث، وإن قال: وكلتك في قبض حقي الذي على فلان كان للوكيل مطالبة الورثة لأن ذلك من المطالبة بحقه الذي كان على فلان الميت. إذا وكل رجلا في بيع مال له فباعه كان للوكيل والموكل المطالبة بالثمن فكان للموكل لأن الثمن ملك له فإذا كان له جاز له المطالبة به هذا في المطالبة بالثمن الذي ثبت بالعقد الذي عقده الوكيل فأما الابراء منه فليس للوكيل ذلك، وإذا أبرء الوكيل بغير إذن الموكل لم يصح لأن الثمن لا يملكه الوكيل فلا يصح منه الابراء. وإذا أذن له في شراء شئ فاشتراه له وذكر حال العقد أنه يشتريه لموكله كان للبايع أن يطالب أيهما شاء من الوكيل والموكل بالثمن ويكون دخول الوكيل في هذا التصرف بمنزلة دخول الضامن في الضمان فإن أعطاه كان له الرجوع على الموكل بما وزن عنه لأنه توكل بإذنه في الشراء وذلك يتضمن تسليم الثمن فكان الإذن في الشراء إذنا فيه وفيما يتضمنه فإن أبرء الوكيل لم يبرء الموكل وإن أبرء الموكل برئ الوكيل كالضامن والمضمون عنه فإنه إذا أبرء الضامن لم يبرء المضمون وإن أبرء المضمون برئ الضامن لأن المضمون عنه أصل والضامن فرع، وكذلك الموكل أصل والوكيل فرع هذا في مطالبة البايع وكذلك إن كان وكيلا في البيع فإن للمشتري أن يطالب من شاء منهما بتسليم المبيع إليه. إذا وكله في بيع عبد ثم أعتقه أو باعه بطلت الوكالة، وكذلك إن وكله في نقل امرأته إلى داره ثم طلقها بطلت الوكالة لأن التصرف الذي أذن فيه قد بطل باعتاقه وبيعه وطلاقه لأن ملكه قد زال كما لو مات العبد.

[ 396 ]

إذا وكل رجلين في التصرف فإن صرح لكل واحد منهما بالتصرف على الانفراد فكل واحد منهما وكيل منفرد وتصرف أحدهما لا يقف على موافقة الآخر عليه فإن مات أحدهما أو غاب أو عزل نفسه كان للآخر التصرف فأما إذا أطلق ذلك فقال: وكلتكما في التصرف في كذا كان الظاهر من ذلك أن ذلك توكيل لهما على الاشتراك فليس لأحدهما أن ينفرد بتصرف حتى يوافقه الآخر عليه ومتى غاب أحدهما لم يكن للآخر التصرف وإن مات أو عزل نفسه لم يكن للآخر التصرف وليس للحاكم أن يقيم آخر مكانه حتى يتصرف مع هذا وينضاف إليه. إذا وكل وكيلين وكالة مشتركة فغاب أحدهما وحضر الآخر عند الحاكم وادعى الوكالة وأقام على ذلك شاهدين أن فلانا وكل هذا الرجل وفلان الغايب سمعها الحاكم وحكم له بثبوت الوكالة ثم ينظر فإن كانت الوكالة على الانفراد ثبت له التصرف وإن كانت على الاشتراك لم يثبت له التصرف حتى يحضر الآخر ويوافقه على تصرفه فإذا حضر وادعا الوكالة عند الحاكم حكم له بها لأن سماع البينة على جملة التوكيل قد تقدم فلا معنى لإعادتها. إذا وكل رجلا في شراء سلعة فاشتراها بثمن مثلها فإن ملكها يقع للموكل من غير أن يدخل في ملك الوكيل بدلالة أنه لو اشترى الوكيل أبا نفسه أو ولده للموكل ينعتق عليه فلو كان الملك انتقل إليه لانعتق عليه ولم ينتقل إلى الموكل. إذا وكل مسلم ذميا في شراء خمر لم يصح الوكالة وإن ابتاع الذمي لم يصح البيع لأن المسلم لا يملك الخمر بلا خلاف وعقد الوكالة قد بينا أنه عقد من الموكل فوجب أن لا يملك به. إذا وكله في بيع فاسد مثل البيع إلى أجل مجهول لم يملك بهذا التوكيل البيع الصحيح فلو باع الوكيل إلى أجل معلوم لم يصح لأنه ما وكله فيه. إذا وكل صبيا في بيع أو شراء أو غيرهما لم يصح التوكيل، وإن تصرف لم يصح تصرفه لأنه لا دليل على صحته. إذا وكله في بيع سلعة بمائة فباعها بمائة صح لأنه امتثل أمره وإن باعها بأكثر

[ 397 ]

فكذلك لأنه زاده خيرا وإن باعها بأقل من مائة لا يجوز لأنه خالف أمره على وجه يضر الموكل. وأما إذا وكله في شراء سلعة بمائة فاشتراها بها صح وإن اشتراها بأكثر لم يصح لأنه خالفه على وجه يضربه، وإن اشتراها بدونها جاز لأنه زاده خيرا والإذن في الشراء بالمائة يتضمن الإذن في الشراء بدونها لأنه أعود إليه وأنفع له وإن أذن له في شرائها بمائة ونهاه عن شرائها بخمسين فإن اشتراها بمائة صح وإن اشتراها بما دون المائة وفوق الخمسين جاز لأن الإذن بالمائة تضمن الإذن فيما دونها، وإن اشتراها بخمسين لم يصح لأنه خالف صريح لفظه واشترى شيئا نهاه عنه، وإن اشتراها بدون الخمسين فهل يصح؟ على وجهين مثل ما قدمناه: أحدهما: يصح لأن الإذن في المائة يتضمن الإذن فيما دونها إلا حيث صرح فيه بالنهي عنه. والثاني: لا يصح لأنه صرح بالنهي عن الشراء بخمسين فتضمن ذلك النهي عن الشراء بما دونه. إذا أعطاه دينارا وقال: اشتر به شاة فاشترى به شاتين نظر فإن كانت كل واحدة منهما لا تساوي دينارا لم يصح الشراء فيهما لأن إطلاق إذنه اقتضى أن يشتري له شاة تساوي دينارا إما بالدينار أو بما دونه لأنه لو اشترى شاة واحدة بدينار ولا تساوي دينارا لم يصح وإن اشترى شاة بخمسة [ دوانيق ولا تساوي دينارا لم يصح ] وإن كانت تساوي أكثر من خمسة دوانيق لأنه لم يحصل له شاة تساوي دينارا وهو مقصوده. فأما إذا اشترى شاتين كل واحدة منهما تساوي دينارا فالظاهر أن الشراء لم يلزم الموكل ويكون الشاتان له لأن العقد وقع عنه ولحديث عروة البارقي (1) فإن باع الوكيل إحدى الشاتين قبل أن يأذن له الموكل في ذلك قيل فيه: وجهان: أحدهما: يصح لحديث عروة البارقي لأنه باع إحدى الشاتين فأمضى رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك.

(1) مضى ذكرها في ص 360.

[ 398 ]

والثاني: لا يصح لأنه لم يأذن له في البيع وعلى هذا يكون عروة وكيلا مطلقا في التصرف فكان له البيع والشراء على الاطلاق فأما إذا كانت إحدى الشاتين تساوي دينار والأخرى تساوي دونه فإنه يلزم البيع فيهما أيضا لمثل ما قلناه في حق الموكل فإن باع التي تساوي دينارا من غير إذنه لم يصح البيع لأنه لم يأذن له ولم يحصل المقصود بالوكالة، وإن باع الأخرى فعلى الوجهين المتقدمين. إذا وكل في بيع عبد بمائة فباعه بمائة وثوب قيل فيه: وجهان: أحدهما: يصح لأنه زاده خيرا كما لو باعه بمأتين. والثاني: لا يجوز لأنه أذن له في البيع بجنس فباعه بجنس آخر لم يؤذن له فيه، والأول أقوى فإذا ثبت هذا فمن قال: يجوز فلا كلام، ومن قال: لا يجوز بطل البيع في القدر الذي قابل الثوب وفي الباقي على قولين مبني على تفريق الصفقة فمن قال: لا تفرق بطل في الجميع، ومن قال: تفرق صح في الباقي ويلزمه البيع فيه بحصته، وذلك مثل أن يساوي الثوب الذي مع المائة مائة درهم فيمسك المشتري نصف العبد بنصف الثمن وهو المائة يكون بالخيار لأن الصفقة تبعضت عليه. إذا وكله في شراء عبد بمائة فاشترى نصفه بخمسين لم يجز لأنه قصد جميع العبد فلم يحصل له ذلك ويلزم الوكيل دون الموكل، وإن أذن له في شراء عبد بثوب فاشتراه بنصف الثوب جاز لأنه زاده خيرا كما لو أذن له في الشراء بمائة فاشتراه بخمسين. إذا وكله في شراء عبدين وأطلق ذلك فإن اشتراهما صفقة واحدة جاز، وإن اشتراهما صفقتين كل واحد صفقة جاز لأنه لم يعين له وأطلق فأما إذا أذن له في شراء عبد فاشتراه صفقتين لم يصح لأنه إذا اشترى نصفه حمل له فيه شركة وهو عيب فأما إذا قال: اشترهما صفقة واحدة فإن اشتراهما من رجل واحد جاز لأنهما صفقة واحدة وإن اشتراهما من رجلين من كل واحد عبدا قيل فيه: قولان: أحدهما: يصح والآخر لا يصح وهو الأولى فمن قال: لا يصح فلا كلام، ومن قال: يصح فهل يصح في حق الموكل في هذه المسألة على وجهين: أحدهما،

[ 399 ]

يجوز اعتبارا بالقبول وأنه واحد وكونه صفقتين من طريق الحكم، والثاني: لا يجوز لأنهما صفقتان. إذا علق الوكالة بصفة مثل أن يقول: إن قدم الحاج أو جاء رأس الشهر فقد وكلتك في البيع فإن ذلك لا يصح لأنه لا دليل عليه. فأما إذا وكله في السلم في الطعام فسلف في حنطة جاز وإن سلف في شعير لم يجز لأن اطلاق الطعام في العادة يرجع إلى الحنطة دون الشعير، والاعتبار في الوكالة بالعادة. إذا وكله في شراء خبز مطلقا يرجع إلى عادة البلد فما غلب على خبزه صح شراؤه وما كان شاذا لا يصح شراؤه مثل أن يكون ببغداد فإنه يصح شراء خبز الحنطة دون خبز الشعير والذرة وإن كان بطبرستان رجع إلى خبز الأرز. إذا كان له على رجل دراهم فأمره أن يسلفها لرجل في طعام أو غيره فسلف ذلك المقدار سلفا في الطعام الذي ذكره صح ذلك فإذا اشترى ذلك الطعام سلفا بمال لزم الإذن ذلك المال الذي هو رأس مال السلم فإذا وزن المال المأذون له ذلك للتسلف كان قضاء له من نفسه إلى من له عليه الدين فإنه يدفع إلى بايع الطعام بإذن صاحب الدين فكان بمنزلة دفعه إليه أو إلى وكيله، وإن لم يكن له عليه مال فأذن له أن يسلف رجلا في إطعام يشتريه له ففعل ذلك صح وكان ما وزنه من المال قرضا له على الآمر لأنه أذن له في قضاء دينه فإذا قضاه رجع به عليه ويكون في المسألة الأولى قضاء الدين عنه، وفي الثانية قضاء الدين الذي على موكله. إذا ادعى رجل على أنه وكيل فلان الغايب فأقام على ذلك شاهدا واحدا لم يقبل يمينه معه لأن الولايات لا تقبل فيها شهادة مع اليمين كالوصية وغيرها، وإنما يختص ذلك بالأموال وإن أقام الوكيل شاهدا وامرأتين لا يقبل أيضا لمثل ما قلناه ولأنه لا دليل على ذلك. إذا ادعى رجل أنه وكيل فلان الغايب وأقام على ذلك شاهدين فشهد أحدهما أنه وكله وشهد الآخر أنه وكله لكن عزله لم يحكم له بالوكالة بتلك الشهادة لأن

[ 400 ]

الشاهد الثاني ما أثبت للمشهود له وكالة ثابتة في الحال فوجود شهادته وعدمها بمنزلة واحدة. فأما إذا شهدا له بالوكالة فحكم الحاكم بها ثم قال: أحد الشاهدين كان قد عزله بعد أن وكله لم يقبل ذلك منه لأنه ابتداء الرجوع عن الشهادة بعد حكم الحاكم بها، وإن قال ذلك قبل أن يحكم الحاكم لم يحكم لأنه رجع قبل الحكم، ولا يجوز للحاكم أن يحكم بعد الرجوع. إذا شهد له أحدهما بالوكالة فقال: أشهد أنه وكله يوم الخميس، وقال الآخر أشهد أنه وكله يوم الجمعة لم يحكم بالوكالة بهذه الشهادة لأنها شهادة على عقد ولم يتفقا على عقد واحد. فأما إذا شهد أحدهما أنه أقر أنه وكله يوم الخميس وشهد الآخر أنه أقر أنه وكله يوم الجمعة صحت الشهادة وتثبت بها الوكالة لأن هذه شهادة على إقراره والشهادة على الاقرار لا يكون إلا متفرقة لأن المشهود عليه لا يكلف أن يجئ إلى الشهود فيقر بين أيديهم دفعة واحدة. وكذلك إذا شهد أحدهما أنه أقر عنده بالعربية أنه وكيله وشهد الآخر أنه أقر عنده بالعجمية أنه وكيله لأن هذا إقرار والشهادة على الاقرار المتفرق مقبولة. إذا شهد أحدهما فقال: أشهد أنه قال له: وكلتك، وشهد الآخر أنه قال: أذنت لك في التصرف لم يثبت بذلك لأنها شهادة على عقد والعقد بقوله: وكلتك غير العقد بقوله: أذنت لك في التصرف فلم يتفق شهادتهما على عقد واحد. وكذلك إذا شهد أحدهما أنه قال له: جعلتك وكيلا وقال الآخر: أشهد أنه قال له: جعلتك جريا لما ذكرناه، والجري الوكيل. إذا شهد أحدهما أنه وكله في التصرف وشهد الآخر أنه أذن له في التصرف أو سلطه على التصرف في ماله ثبتت الوكالة بتلك الشهادة لأنهما لم يحكيا لفظ العقد فاختلافهما في الأداء في اللفظ لا يؤثر في الشهادة. إذا ادعى أنه وكيل فلان الغايب في استيفاء حقه من فلان وأقام على وكالته شاهدين فشهدا له بذلك فقال الذي عليه الحق للوكيل: إنك لا تستحق على المطالبة فأحلف أنك تستحق ذلك ولم يحلف الوكيل على تلك الدعوى ولا تسمع تلك الدعوى

[ 401 ]

لأن فيها طعنا على الشهود لأنهم أثبتوا له بشهادتهم استحقاق المطالبة. فأما إذا ادعى توكيل فلان الغايب في استيفاء حقه من فلان فقال الذي عليه الحق: قد عزلك موكلك فأنكر الوكيل ذلك لم تسمع عليه دعواه، ولا يحلف الوكيل لأنه يدعي على الموكل ولا تدخل النيابة في اليمين فإن قال: أنت تعلم أن موكلك عزلك كان له مطالبة الوكيل باليمين لأنها دعوى عليه دون الموكل ويفارق دعوى العزل لأنها دعوى على الموكل دون الوكيل. فإن أقام الذي عليه الحق بينة أن موكله عزله سمعت، وإن شهد له ابنا الموكل الغايب لم يقبل شهادتهما لأنها شهادة على أبيهما، وشهادة الابن على الأب غير مقبولة عندنا وعند المخالف تقبل. فأما إذا لم تكن له بينة وأخذ الوكيل المال ثم رجع الموكل وكان المال قد تلف في يد الوكيل فادعى الموكل أنه كان عزله قبل قبض المال وعلم الوكيل ذلك فادعى العزل و علم الوكيل به وشهد بذلك ابناه قبلت شهادتهما لأن بهذه الشهادة يثبت أن ماله باق في ذمة من كان عليه فيكون هذه شهادة لأبيهما وشهادة الابن تقبل لأبيه عندنا ولا تقبل عند المخالف. إذا ادعى أنه وكيل فلان الغايب في استيفاء حقه من فلان وثبتت وكالته عند الحاكم ثم ادعى الذي عليه الحق أن الموكل أبرأه أو قضاه الحق، وأنكر الوكيل ذلك لم تسمع تلك الدعوى عليه لأن ذلك يؤدي إلى بطلان الوكالة في استيفاء الحقوق بغيبة الموكل فما من خصم يطالبه الوكيل بالمال إلا ويدعي ذلك حتى يسقط المطالبة عن نفسه فإن طالبه باليمين لم يكن له ذلك ولم يلزم الوكيل اليمين لأنه لو أقر بالقضاء أو الابراء لم يثبت بإقراره فلم يحلف عليها إلا أن يدعي أنه يعلم ذلك فينكر فيحلف عليه ويكون اليمين على نفي العلم. إذا كان للغايب وكيل فادعى رجل على الموكل مالا في وجه الوكيل عند الحاكم و أقام عليه البينة وحلف معها حكم على موكله بالمال فإذا رجع الموكل فإن صدقه في ذلك أو كذبه فالحكم على ما مضى، وإن ادعى أنه كان عزله قبل الدعوى والمحاكمة لم يؤثر ذلك في الشهادة والحكم لأن عندنا يصح القضاء على الغايب وإن لم يكن له وكيل حاضر.

[ 402 ]

إذا شهد الوكيل لموكله بمال نظر فإن لم يكن وكيلا في ذلك المال قبلت شهادته لأن هذا المال إذا ثبت بشهادته لم يثبت له فيه تصرف فلا يجر بها نفعا ولا يدفع بها مضرة، و إن كان وكيلا في ذلك المال لا تقبل شهادته لأنه يثبت له التصرف فيه إذا ثبت لموكله فهو متهم في تلك الشهادة، وإن شهد بعد العزل بذلك المال لموكله نظر فإن كان قد شرع في الخصومة عليه لم يقبل شهادته لأنه كان خصما في ذلك لموكله وهو يشهد لموكله به فلم يقبل لأن شهادة الخصم لا تقبل، وإن كان لم يشرع الخصومة فيه قيل فيه وجهان: أحدهما: تقبل لأنه لم يكن خصما في ذلك ولا يثبت له التصرف فيه إن ثبت للمدعي لأنه معزول. والثاني: أنها لا تقبل لأنه بالوكالة صار خصما، وإن لم يخاصم فهو كما لو عزله بعد أن خاصم، والأول أقوى. إذا شهد السيد لمكاتبه بأنه وكيل فلان لم يقبل لأنه يكون شاهدا لملكه كما لو شهد لنفسه، وإن شهد له ابناه قبلت شهادتهما لأن شهادة الابن تقبل لأبيه عندنا، و عند المخالف لا تقبل شهادتهما لمكاتب أبيهما. إذا وكل المضمون له المضمون عنه في إبراء الضامن صح فإذا أبرأه برئ الضامن ولم يبرء المضمون عنه. وإن وكل الضامن في إبراء المضمون عنه صح فإن أبرء المضمون عنه برئ وبرئ هو لأنه فرعه فأما إذا وكل الضامن في إبراء نفسه أو وكل المضمون عنه في إبراء نفسه فالأقوى أنه يصح ذلك لأنه استنابة في إسقاط الحق عن نفسه كما لو وكل العبد في إعتاق نفسه، وفي الناس من قال: لا يصح لأنه توكيل في التصرف في حق نفسه وإسقاط الحق عن نفسه [ ذمته خ ل ]، والانسان لا يملك إسقاط حق نفسه، والأول أولى لأنه لا خلاف أن توكيل الضامن يصح في إبراء المضمون عنه، وإن كان يبرء هو بذلك هذا على مذهب من يقول: إن بالضمان لا ينتقل المال إلى ذمة الضامن وللمضمون له أن بطالب أيهما شاء فأما من قال: بالانتقال فلا وجه لهذا التفريع فإنه متى وكل المضمون

[ 403 ]

عنه في إبراء الضامن يصح لأن المال في ذمة الضامن وتوكيل الضامن في إبراء المضمون عنه لا وجه له لأنه لا حق عليه، في إبراءه نفسه على ما مضى. إذا وكله في إبراء غرمائه لم يدخل هو في الجملة، وكذلك في حبس غرمائه ومخاصمتهم، وكذلك إذا وكله في تفرقة ثلثه في الفقراء والمساكين لم يجز أن يصرف إلى نفسه منه شيئا، وإن كان فقيرا مسكينا لأن المذهب الصحيح أن المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إياه في أمر غيره فإذا أمر الله تعالى نبيه بأن يأمر أمته أن يفعلوا كذا لم يدخل هو في ذلك الأمر فإن صرح له بأن يبرئ نفسه أيضا معهم فعلى ما مضى من الوجهين. إذا وكل رجلا في قبض دين له على غيره فادعى الوكيل أنه قبضه منه وسلمه إليه أو قال: تلف في يد وصدقه من عليه الدين، وقال الموكل: لم يقبضه منه قال قوم إن القول قول الموكل مع يمينه ولا يقبل قول الوكيل ولا المدين إلا ببينة لأن الموكل يدعي المال على المدين دون الوكيل لأنه يقول: أنا لا أستحق عليك شيئا لأنك لم يقبض المال، وإن مالي باق على المدين ولهذا إذا حلف المدعي طالب الذي عليه الدين ولا يثبت بيمينه على الوكيل شئ فإذا كان كذلك كان بمنزلة أن يدعى من عليه الدين دفع المال إليه وهو ينكره فيكون القول قوله: وكذلك هاهنا، وهذا أقوى. إذا وكله بالبيع والتسليم وقبض الثمن فباعه وسلم المبيع فادعى قبض الثمن وتلفه في يده أو دفعه إليه فأنكر الموكل أن يكون قبضه من المشتري كان القول قول الوكيل مع يمينه لأن الوكيل مدعى عليه لأنه يدعي أنه سلم المبيع ولم يقبض الثمن فصار ضامنا فيكون القول قول الوكيل مع يمينه لأن الأصل أنه أمين وأنه لا ضمان عليه، ويخالف المسألة الأولى لأن المدعى عليه هو الذي عليه الدين وهو الخصم فيه وفي المسألة الأولى إذا جعلنا القول قول الموكل لم نوجب على الوكيل غرامة وفي المسألة الثانية نوجب غرامته فجعلنا القول قول الوكيل في الثانية إذا كان بالضد من ذلك فادعى المشتري دفع الثمن إلى الوكيل وأنكر الوكيل ذلك وصدقه الموكل كان القول قول الموكل إذا ادعى لم يجز له الرد على المشتري لأنه يدعي أنه لم يدفع الثمن إليه

[ 404 ]

ولا إلى وكيله، وله أن يرد على الوكيل لأنه قد أقر بقبض الثمن منه فلم يجز أن يرجع عليه وكان القول قوله مع يمينه أنه ما قبض ولا وكيله وهكذا إذا اختلفا في الثمن تحالفا وترادا فطالبه بالبينة كان القول قوله مع يمينه. إذا وكل رجلا في بيع ماله وقبض ثمنه فادعى أنه قبض الثمن وتلف في يده أو دفعه إليه وصدقه المشتري على ذلك فقال الموكل: ما قبضته من المشتري كان القول قول الوكيل على أصح الوجهين فإذا حلف برئ. فإن وجد المشتري بالمبيع عيبا كان له رده بالعيب وإن أقام البينة على أنه دفعه إلى الموكل أو إلى الوكيل ثمنه كان له رد المبيع على أيهما شاء ومطالبته بالثمن وإن لم يكن له بينة لم يكن له مطالبة الموكل لأنه لم يثبت له دفع الثمن إليه وله مطالبة الوكيل بالثمن ورد المبيع إليه لأنه أقر بقبض الثمن منه، وليس للوكيل مطالبة الموكل، ويكون القول قول الموكل مع يمينه إنه لا يعلم أنه قبض الثمن من المشتري فإذا حلف لم يكن له مطالبته إلا أن يقيم بينة على ما يدعيه من قبض الثمن من المشتري وتلفه في يده أو دفعه إليه. وهكذا إذا اختلفا البايع والمشتري في العيب جعلنا القول قول البايع، وإن اختلفا بعد ذلك في قدر الثمن تحالفا وترادا، وإن قال البايع: رد المبيع وما نقص في يدك قلنا: ليس لك أن تطالبه بالنقصان بالعيب إلا ببينة ويمينك أنه حدث في يد المشتري للمنع من فسخ البيع. فإذا فسخ البيع واختلفا في العيب كان القول قول المشتري لأن ذمته على البراءة مما يدعيه عليه، وكذلك إذا باع رجل من رجل جارية وهي مزوجة فاختلفا في تزويجها فقال البايع: أنت زوجتها، وقال المشتري للبايع: أنت زوجتها كان القول قول البايع. فإذا اختلفا في مقدار الثمن تحالفا وترادا، ولا يلزمه نقصان القيمة بالتزويج. إلى هنا تم الجزء الثاني حسب تجزئتنا، ويتلوه الجزء الثالث من أول كتاب الاقرار، ونسأل الله أن يوفقنا لإتمامه إنه سميع مجيب.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية