الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المبسوط- الشيخ الطوسي ج 1

المبسوط

الشيخ الطوسي ج 1


[ 1 ]

المبسوط في فقه الإمامية تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفي 460 هجري صححه وعلق عليه السيد محمد تقي الكشفي الجزء الأول عنيت بنشره - المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية حقوق طبع محفوظ رقم تلفن (532138)

[ 2 ]

هذا هو الجزء الأول من الكتاب حسب تجزئتنا إلى آخر كتاب الضحايا والعقيقة، ويتلوه الجزء الثاني و أوله كتاب الجهاد، ونسئل الله أن يوفقنا لاتمامه إنه سميع مجيب شناسنامه چاپ سوم از كتاب المبسوط 1 - در 8 مجلد 2 - تعداد صفحات 2992 3 - 4 - فيلم وزينگ: ليتوگرافي طراوت 5 - صحافى كربندى قيمت 4000 ريال طبع هذا الجزء في المطبعة الحيدرية - طهران - صفر سنة ألف وثلاث مائة وسبعة وثمانين

[ 3 ]

كلمة الناشر منذ حقبة من الزمن إلى الآن وأنا أغدو وأروح في هواجس ضميري حب القيام بنشر ما وصل بأيدينا من موسوعاتنا القيمة وتراثنا العلمي من السلف الصالح من أعلام الدين وجهابذة العلم والفضيلة وأساطين الفتيا لعله كان خدمة باقية. وبحمد الله ومنه بعد التوفيق بتأسيس [ المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية ] وفقت لنشر عدة كتب نفيسة ثمينة بين مطبوع غير رائع ومطموس في مكتبات الدراسة قصرت عن نيلها أيدي الكثرين (1). وقد يضيف اليوم إلى منشوراتنا من الكتب التي جددت طباعته كتاب المبسوط لشيخنا الأقدم وفقيهنا الأعظم شيخ الطائفة - عليه الرحمة - هو أكبر جامع ديني تدور عليه رحى الاجتهاد، ويمتاز عما سواه برصانة البيان وغزارة العلم، واستيفاء الفروع التي ترتبط بكل مسألة. طبع لأول مرة على الحجر سنة 1270 ولكن نفدت تلكم النسخ مع كثرة من يرغب في اقتنائها. فمن الله علينا بتجديد طبعه على اسلوب بديع وطبع رائق وجمال بهي متناسب العصر بزيادة تعليقة ثمينة، ولمن وآزرونا من رواد الفضيلة في هذا المشروع شكر متواصل غير مقطوع.

(1) ومن منشوراتنا إلى الآن 1 - كتاب آداب النفس لسيد محمد العينائي 2 - إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب للشيخ على البارجيني اليزدي 3 - كنز العرفان في فقه القرآن لأبي عبد الله مقداد بن عبد السيوري 4 - الصراط المستقيم في الامامة لعلي بن يونس العاملي النباطي البياضي 5 - المفردات في غريب القرآن لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب 6 - تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي 7 - مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام لفاضل الجواد الكاظمي 8 - زبدة البيان في أحكام القرآن لمقدس الأردبيلي.

[ 4 ]

كلمة المصحح لازال الحق في ضيق مما يمكر أهل الباطل، ولكن الحق أبى إلا أن يعلو والطائفة المحقة الناجية وهم الشيعة الإمامية من الصدر الأول للاسلام إلى اليوم رغما لما رأوا من ضيق أهل الباطل كافحوا بلا ملل ولا كلل عن حريم الحق ومباديه، والذب عن المذهب ونصرة أهل البيت عليهم السلام، وكم كالئو لنواميس عقائدهم ودافعوا عن شرف النحلة وكيان الملة، واهتدى بفضل جهودهم الكثيرون ممن ضلوا الطريق وأضلوا. ولا يخفى أن مخالفيهم ومعانديهم لم يتركوا في قوس إفكهم منزعا لم يرم به الشيعة، ولا يستحيوا عن نسبة أية فرية شائنة وآراء مختلفة والمخازي والطامات والقذائف حتى القذف بالكفر والشرك والجهل. قال أبو الحسين عبد الرحيم المعتزلي في الانتصار: الرفضة تعتقد أن ربها ذو هيئة وصورة ويتحرك ويسكن ويزول وينتقل، وأنه كان غير عالم فعلم، وقال أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي المتوفى 429 في الفرق بين الفرق ص 309: إنه لم يكن في الروافض قط إمام في الفقه، ولا إمام في رواية الحديث، ولا إمام في اللغة والنحو، الخ. فإن شئت كثير الاطلاع لهذه القذائف فانظر الغدير ج 3. ولكن الله كتب العزة لنفسه ولرسوله وللمؤمنين به وبرسوله وبأهل بيته ولا معقب لحكمه فلا مثول للباطل قبال الحق ولا كيان للزبرجة يقاوم الواقع، وشتان بين علال أسس على أساس رصينة، وما على على شفا جرف هار، والمصنف المستشف لنفس الأمر يجد نصب عينه أن للحق دولة وللباطل جولة.

[ 5 ]

وشاء الله أن يكون منهم في كل عصر وجيل شموسا يزيل بهم غواسق الظلم، ويجعلهم للمتقين إمام، ولإقامة الحق وإعلاء كلمة التوحيد أعلاما يرحضون معرة باطل أهل الضلال، ويوقظون شعور الأمة لحفظ الشريعة عن التحريف والتبديل. وقاموا وجهدوا جهادا علميا، ونهضوا بأعباء واجبهم الديني ينفون عن دين الحق تأويل المبطلين، ويوضحون طريق الحق، ويبينون كل فرية شائنة. وما يناسب المقام البحث عنه من افترائاتهم ما طعنوا عليهم بقلة الفروع وقلة المسائل ومخالفة الاجماع، وقد أجاب عن هذه الفرية الشنيعة السيد المرتضى علم الهدى عليه الرحمة: قال في مقدمة كتابه الانتصار ما لفظه: أما بعد فإني ممتثل لما رسمته الحضرة السامية الوزيرية العميدية - أدام الله سلطانها وأعلا أبدا شأنها ومكانها - من بيان المسائل الفقهية التي يشنع بها على الشيعة الإمامية وادعى عليهم مخالفة الاجماع وأكثرها موافق فيه الشيعة غيرهم من العلماء والفقهاء المتقدمين أو المتأخرين، وما ليس لهم فيه موافق من غيرهم فعليه من الأدلة الواضحة والحجج اللايحة ما يغني عن وفاق الموافق ولا يوحش معه خلاف المختلف. إلى أن قال: فكيف جازت الشناعة على الشيعة بالمذاهب التي تفردوا بها ولم يشنع على كل فقيه كأبي حنيفة والشافعي والمالكي ومن تأخر عن زمانهم بالمذاهب التي تفرد بها وكل الفقهاء على خلافه فيها؟ وما الفرق بينما تفردت به الشيعة منا لمذاهب التي لا موافق لهم فيها وبين ما انفرد به أبو حنيفة والشافعي من المذاهب التي لا موافق لهم فيها؟ فإن قالوا: الفرق بين الأمرين أن كل مذهب تفرد به أبو حنيفة فله موافق من فقهاء أهل الكوفة فيه أو من السلف المتقدم، وكذلك ما تفرد به الشافعي له فيه موافق من أهل الحجاز ومن السلف، وليس كذلك الشيعة. قلنا: ليس كل مذهب تفرد به أبو حنيفة أو الشافعي يعلم أن أهل الكوفة و أهل الحجاز أو السلف قائلون به، وإن ادعى ذلك دون ما هو معلوم مسلم غير منازع فيه فالشيعة أيضا تدعي وتروي أن مذاهبها التي انفردت بها هي مذاهب جعفر بن محمد الصادق

[ 6 ]

ومحمد بن علي الباقر وعلي بن الحسين زين العابدين عليهم السلام، بل يروي هذه المذاهب عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام انتهى. وفي القرن الرابع قيض الله بطل النهضة العلمية، بطل التحقيق والتنقيب، المثل الأعلى من كل فضيلة، علم العلم الخفاق، منار الهدى، شيخنا وشيخ الكل في الكل، علامة الآفاق، شيخ الطايفة - عليه الرحمة - وقد خصه الله بعناية فائقة ومازه بصفات بارزة، وجعل في علمه وقلمه للناس نتاجا من أفضل النتاج، ولقد أجهد نفسه في تشييد مباني الشريعة، وكرس حياته طوال عمره لخدمة الدين والمذهب. وارغاما للمفتري الكذب وإقماعا لما انتهجوا وابتهجوا به من نسيج الباطل ألف كتابه المبسوط وقال: في علة تأليفه: أما بعد فإني لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقهة و المنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الإمامية ويستنزرونه وينسبونهم إلى قلة الفروع وقلة المسائل ويقولون: إنهم أهل حشو ومناقضة. إلى أن قال: وكنت على قديم الوقف وحديثة منشوق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك تتوق نفسي إليه فيقطعني عن ذلك القواطع وتشغلني الشواغل وتضعف نيتي أيضا فيه قلة رغبة هذه الطائفة فيه. إلى أن قال: وهذا الكتاب إذا سهل الله تعالى إتمامه يكون كتابا لا نظير له لا في كتب أصحابنا ولا في كتب المخالفين لأني إلى الآن ما عرفت لأحد من الفقهاء كتابا واحدا يشتمل على الأصول والفروع مستوفا مذهبنا بل كتبهم وإن كانت كثيرة فليس تشتمل عليها كتاب واحد. والمبسوط موسوعة علمية كبرى حافلة بالتحليل الدقيق والتحقيقات الثمينة في فقه الإمامية، ويصلح هذا السفر القيم أن يكون مقصدا لأرباب الأفكار السامية وأعلام الفقهاء فيستطيع كل واحد أن يجد ضالته المنشودة ويستفيد من ثمرته الشهية ويلفى الباحث فيه أمنيته على نحو ما يجد المسافر الظامئ في البحر ما ينتفع غلته وللبحاثة الكبير الإمام آية الله الشيخ آغا بزرك الطهراني - دام ظله - كلام في مقدمته على التبيان يعجبنا ذكره قال - مد ظله -:

[ 7 ]

مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة وأجيال متعاقبة ولم يكن من الهين على أحد منهم أن يعدو نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى، وكانوا يعدون أحاديثه أصلا مسلما ويكتفون بها، ويعدون التأليف في قبالها وإصدار الفتوى مع وجودها تجاسرا على الشيخ وإهانة له، واستمرت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن إدريس فكان - أعلى الله مقامه - يسميهم بالمقلدة، وهو أول من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه وفتح باب الرد على نظرياته، ومع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى أن المحقق وابن أخته العلامة الحلي ومن عاصرهما بقوا لا يعدون رأي الشيخ الطائفة. إنتهى. تحقيق الكتاب من بدو الشروع في تحقيق الكتاب بذلنا ميسور الجهد في تحصيل نسخ نعتمد عليها في التحقيق والمقابلة، وما نلنا بالاقتناء منها: 1 - نسخة نفيسة من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب البيع لخزانة كتب سماحة آية الله السيد شهاب الدين النجفي المرعشي - دام ظله -.
2 - نسختان من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الجهاد لخزانة كتب الحبر العلم العالم الورع السيد مهدي الحسيني اللاجوردي - دامت بركاته -.
3 - نسخة نفيسة كاملة بخط حسين بن محمد جعفر الخونساري تاريخها سنة ثلاثين ومائتين بعد الألف لخزانة كتب العالم المفضال الشيخ محمد القوانيني البروجردي - وبعد انطباع هذا الجزء قد تشرفنا بنسخة ثمينة جدا بخط محمد حسن بن عبد الله تاريخها سنة 1267 لخزانة كتب العلامة الأستاذ السيد محمد علي القاضي الطباطبائي وحين الفحص عن النسخ راجعنا إلى الأديب البحاثة الميرزا أحمد المنزوي ابن العلامة الكبير سماحة آية الله الشيخ آغا بزرك الطهراني، ومن علينا بالتطلع عن بعض كراديس الذريعة لم يطبع، وهدانا ذلك إلى نسخ خطية نفيسة مصححة جدا منها نسخة مصححة تاريخها سنة (659) في المكتبة الرضوية يستفاد منها المرجو من القراء الكرام أن يتفضلوا علينا بالأخبار بما عندهم من الاطلاع على النسخ المصححة من الكتاب، ولسعيهم شكر متواصل.

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وعليه التكلان الحمد لله الذي أوضح لعباده دلايل معرفته، وأنهج سبيل هدايته، وأبان عن طريق توحيده وحكمته، وسهل الوصول إلى ثواب جنته، ويسر الخلاص من أليم عقابه وسطوته بما خلق فيهم من العقول السليمة والعلوم الجلية، ونصب لهم من الأدلة الواضحة، والحجج اللائحة، والبراهين الراجحة، وخلق لهم من القدر الممكنة، و الاستطاعة المتقومة [ المتعولة خ ل ]، وسهل عليهم طاعته بالألطاف المتقربة [ المقربة خ ل ] والدواعي المسهلة، وانبعث إليهم أنبياء جعلهم سفراء بينه وبينهم يدعونهم إلى طاعته ويحذرونهم من معصيته، ويرغبونهم في جزيل ثوابه، ويرهبونهم من شديد عقابه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وصلى الله على خاتم أنبيائه، وسيد أصفيائه محمد النبي صلى الله عليه، وعلى أهل بيته الطاهرين النجوم الزاهرة، والحجج اللامعة الذين جعلهم الله أعلاما لدينه، وأمناء لتوحيده، وخزنة لوحيه، وتراجمة لكتابه، وأودعهم علم جميع ما يحتاج إليه خلقه ليلجأوا إليهم في الملمات، ويفزعوا إليهم في المشكلات، ولم يكلهم في حال من الأحوال إلى الآراء المضلة، والمقائيس المبطلة، والأهواء المهلكة [ المهملة خ ل ] والاجتهادات المخزية بل جعل أقوالهم الحجة، وأفعالهم القدوة، وجعلهم معصومين من الخطاء مأمونين عليهم السهو والغلط ليأمن بذلك من يفزع إليهم من التغيير والتبديل والغلط والتحريف فيكون بذلك واثقا بدينه قاطعا على وصوله إلى الحق الذي أوجبه الله تعالى عليه وندبه إليه. أما بعد فإني لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقهة والمنتسبين إلى علم الفروع

[ 2 ]

يستحقرون فقه أصحابنا الإمامية، ويستنزرونه، وينسبونهم إلى قلة الفروع وقلة المسائل، ويقولون: إنهم أهل حشو ومناقضة، وإن من ينفي القياس والاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل ولا التفريع على الأصول لأن جل ذلك وجمهوره مأخوذ من هذين الطريقين، وهذا جهل منهم بمذاهبنا وقلة تأمل لأصولنا، ولو نظروا في أخبارنا وفقهنا لعلموا أن جل ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا ومنصوص عليه تلويحا عن أئمتنا الذين قولهم في الحجة يجري مجرى قول النبي صلى الله عليه وآله إما خصوصا أو عموما أو تصريحا أو تلويحا. وأما ما كثروا به كتبهم من مسائل الفروع. فلا فرع من ذلك إلا وله مدخل في أصولنا ومخرج على مذاهبنا لا على وجه القياس بل على طريقة يوجب علما يجب العمل عليها ويسوغ الوصول [ المصير خ ل ] إليها من البناء على الأصل، وبرائة الذمة وغير ذلك مع أن أكثر الفروع لها مدخل فيما نص عليه أصحابنا، وإنما كثر عددها عند الفقهاء لتركيبهم المسائل بعضها على بعض وتعليقها والتدقيق فيها حتى أن كثيرا من المسائل الواضحة دق لضرب من الصناعة وإن كانت المسألة معلومة واضحة، وكنت على قديم الوقت وحديثه منشوق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك تتوق نفسي إليه فيقطعني عن ذلك القواطع وشغلني [ تشغلني خ ل ] الشواغل، وتضعف نيتي أيضا " فيه قلة رغبة هذه الطايفة فيه، وترك عنايتهم به لأنهم ألقوا الأخبار وما رووه من صريح الألفاظ حتى أن مسألة لو غير لفظها وعبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا [ تعجبوا خ ل ] منها وقصر فهمهم عنها، وكنت عملت على قديم الوقت كتاب النهاية، وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم وأصولها من المسائل وفرقوه في كتبهم، ورتبته ترتيب الفقه وجمع من النظائر، ورتبت فيه الكتب على ما رتبت للعلة التي بينتها هناك، ولم أتعرض للتفريع على المسائل ولا لتعقيد الأبواب وترتيب المسائل وتعليقها والجمع بين نظايرها بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك، وعملت بآخره مختصر جمل العقود في العبادات سلكت فيه طريق الايجاز و الاختصار وعقود الأبواب فيما يتعلق بالعبادات، ووعدت فيه أن أعمل كتابا " في الفروع

[ 3 ]

خاصة يضاف إليه كتاب النهاية، ويجتمع معه يكون كاملا كافيا في جميع ما يحتاج إليه ثم رأيت أن ذلك يكون مبتورا يصعب فهمه على الناظر فيه لأن الفرع إنما يفهمه إذا ضبط الأصل معه فعدلت إلى عمل كتاب يشتمل على عدد جميع كتب الفقه التي فصلوها الفقهاء وهي نحو من ثلاثين [ ثمانين خ ل ] كتابا أذكر كل كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ، واقتصرت على مجرد الفقه دون الأدعية والآداب، وأعقد فيه الأبواب، وأقسم فيه المسائل، وأجمع بين النظاير، وأستوفيه غاية الاستيفاء، وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون، وأقول: ما عندي على ما يقتضيه مذاهبنا ويوجبه أصولنا بعد أن أذكر جميع المسائل، وإذا كانت المسألة أو الفرع ظاهرا أقنع فيه بمجرد الفتيا وإن كانت المسألة أو الفرع غريبا أو مشكلا أومئ إلى تعليلها ووجه دليلها ليكون الناظر فيها غير مقلد ولا مبحث، وإذا كانت المسألة أو الفرع مما فيه أقوال العلماء ذكرتها وبينت عللها والصحيح منها والأقوى، وأنبه على جهة دليلها لا على وجه القياس وإذا شبهت شيئا بشئ فعلى جهة المثال لا على وجه حمل إحديهما على الأخرى أو على وجه الحكاية عن المخالفين دون الاعتبار الصحيح، ولا أذكر أسماء المخالفين في المسألة لئلا يطول به الكتاب، وقد ذكرت ذلك في مسائل الخلاف مستوفا، وإن كانت المسألة لا ترجيح فيها للأقوال وتكون متكافية وقفت فيها ويكون المسألة من باب التخيير، و هذا الكتاب إذا سهل الله تعالى إتمامه يكون كتابا لا نظير له لا في كتب أصحابنا ولا في كتب المخالفين لأني إلى الآن ما عرفت لأحد من الفقهاء كتاب واحدا يشتمل على الأصول والفروع مستوفا مذهبنا بل كتبهم وإن كانت كثيرة فليس تشتمل عليهما كتاب واحد، و أما أصحابنا فليس لهم في هذا المعنى ما يشار إليه بل لهم مختصرات، وأوفى ما عمل في هذ المعنى كتابنا النهاية وهو على ما قلت فيه، ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق وعليه أتوكل وإليه أنيب.

[ 4 ]

* (فصل في ذكر حقيقة الطهارة وجهة وجوبها وكيفية أقسامها) * الطهارة في اللغة: هي النظافة. وفي الشريعة عبارة عن إيقاع أفعال في البدن مخصوصة على وجه مخصوص يستباح بها الدخول في الصلاة: وهي على ضربين: طهارة بالماء وطهارة بالتراب. فالطهارة بالماء على ضربين: أحدهما: يختص بالأعضاء الأربعة فتسمى وضوء، والآخر يعم جميع البدن فتسمى غسلا، والتي بالتراب يختص عضوين فقط على ما سنبينه. والوضوء على وجهين: واجب وندب، فالواجب هو الذي يجب لاستباحة الصلوة والطواف ولا وجه لوجوبه إلا هذين، والندب فإنه مستحب في مواضع كثيرة لا تحصى، و أما الغسل فعلى ضربين أيضا: واجب وندب. فالواجب يجب للأمرين اللذين ذكرناهما ولدخول المساجد، ومس كتابة القرآن، وما فيه اسم الله تعالى وغير ذلك، وأما المندوب فنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، وأما ما يوجب الوضوء أو الغسل فسنبينه فيما بعد إن شاء الله، والطهارة بالماء هي الأصل وإنما يعدل عنها إلى الطهارة بالتراب عند الضرورة وعدم الماء، وتسمية التيمم بالطهارة حكم شرعي لأن النبي صلى الله عليه وآله، قال: جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا، وأخبارنا مملوة بتسمية ذلك طهارة (1) فليس لأحد أن يخالف فيه، وينبغي أولا أن نبدأ بما به يكون الطهارة من المياه وأحكامها. ثم نذكر بعد ذلك كيفية فعلها وأقسامها، ثم نعقب ذلك بذكر ما ينقضها ويبطلها، و الفرق بين ما يوجب الوضوء والغسل. ثم نعود بعد ذلك إلى أقسام التيمم على ما بيناه، ونحن نفعل ذلك ونذكر في كل فصل ما يليق ولا نترك شيئا قيل ولا يمكن أن يقال إلا وأذكره إلا ما لعله يشذ منه من النادر اليسير والتافه الحقير. إذ الحوادث لا تضبط والخواطر لا تحصر غير أنه لا يخلو أن يكون في جملة المسطور ما يمكن أن يكون جوابا عنه إن شاء الله. * (هامش 4) * (1) منها ما رواه الشيخ في التهذيب ص 405 ج 1 ح 1274 عن سماعة قال، سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته قال: يتيمم بالصعيد ويستبقي الماء فإن الله - عز وجل - جعلهما طهورا الماء، والصعيد.

[ 5 ]

(باب) * (المياه وأحكامها:) * الماء على ضربين: طاهر ونجس. فالنجس هو كل ماء تغير أحد أوصافه من لون أو طعم أو رائحة بنجاسة تحصل فيه قليلا كان أو كثيرا أو حصل فيه نجاسة وإن لم يتغير أحد أوصافه متى كان قليلا ولا يراعى فيه مقدار، وما هذا حكمه لا يجوز استعماله إلا بعد تطهيره على ما سنبينه، والطاهر على ضربين: مطلق ومضاف. فالمضاف كل ما استخرج من جسم أو اعتصر منه أو كان مرقة نحو ماء الورد والخلاف والآس و الزعفران وماء الباقلي. فهذا الضرب من المياه لا يجوز استعماله في رفع الأحداث بلا خلاف بين الطايفة، ولا في إزالة النجاسات على الصحيح من المذهب، ويجوز استعماله فيما عدا ذلك مباح التصرف فيه بساير أنواع التصرف ما لم يقع فيه نجاسة فإذا وقعت فيه نجاسة لم يجز استعماله على حال سواء كان قليلا أو كثيرا، وسواء كانت النجاسة قليلة أو كثيرة تغير أحد أوصافه أو لم يتغير، ولا طريق إلى تطهيرها بحال إلا أن يختلط بما زاد على الكر من المياه الطاهرة المطلقة، ثم ينظر فيه فإن سلبه إطلاق اسم الماء لم يجز أيضا استعماله بحال، وإن لم يسلبه إطلاق اسم الماء وغير أحد أوصافه إما لونه أو طعمه أو رايحته فلا يجوز أيضا استعماله بحال، وإن لم يتغير أحد أوصافه ولم يسلبه إطلاق اسم الماء جاز استعماله في جميع ما يجوز استعمال المياه المطلقة فيه، وإن اختلطت المياه المضافة بالماء المطلق قبل حصول النجاسة فيها نظر فإن سلبها إطلاق اسم الماء لم يجز استعمالها في رفع الأحداث وإزالة النجاسات وإن لم يسلبها إطلاق ذلك جاز استعمالها في جميع ذلك. والمياه المطلقة طاهرة مطهرة يجوز استعمالها في رفع الأحداث وإزالة النجاسات وغير ذلك ما لم تقع فيها نجاسة تمنع من استعمالها على ما سنبينه، وهي على ضربين: جارية وراكدة. فالجارية لا ينجسها إلا ما يغير أحد أوصافها لونها أو طعمها أو رايحتها

[ 6 ]

قليلا كان الماء أو كثيرا فإن تغير أحد أوصافها لم يجز استعماله إلا عند الضرورة للشرب لا غير، والطريق إلى تطهيرها تقويتها بالمياه الجارية ورفعها حتى يزول عنها التغيير، ومياه الحمام حكمها حكم المياه الجارية إذا كان لها مادة من المجرى فإن لم يكن لها مادة كان حكمها حكم المياه الواقفة، ومياه الموازيب الجارية من المطر حكمها حكم الماء الجاري سواء. وأما المياه الواقفة فعلى ضربين: مياه الآبار، والركايا التي لها نبع من الأرض وإن لم يكن لها جريان، ومياه غير الآبار من المصانع والغدران والحياض والأواني المحصورة. فمياه غير الآبار على ضربين: قليل وكثير. فللكثير حدان: أحدهما: أن يكون مقداره ألف رطل ومأتي رطل (1) وفي أصحابنا من يقول: بالعراقي (2) وفيهم من يقول: بالمدني (3) والأول أصح. والحد الآخر أن يكون مقداره ثلاثة أشبار ونصفا طولا في عرض في عمق فما بلغ هذا المقدار لا ينجسه ما يقع فيه من النجاسات إلا ما يغير أحد أوصافه من اللون أو الطعم أو الرايحة فإن تغير أحد أوصافه بنجاسة تحصل فيه فلا يجوز استعماله إلا عند الضرورة للشرب لا غير، والطريق إلى تطهيره أن يطرء عليه من المياه الطاهرة المطلقة ما يرفع ذلك التغيير عنها فحينئذ يجوز استعماله، وإن ارتفع التغيير عنها من قبل نفسها أو تراب تحصل فيها أو بالرياح التي تصفقها أو بجسم طاهر يحصل فيها لم نحكم بطهارته لأنه لا دليل على ذلك ونجاستها معلومة. فإن كان تغيير هذه المياه لا بنجاسة بل من قبل نفسها أو بما يجاورها من الأجسام الطاهرة مثل الحمأة والملح أو ينبت فيها مثل الطحلب والقصب وغير ذلك أو لطول المقام لم يمنع ذلك

(1) اختلفت رواياتنا في كميته كر. منها: مقدار ألف ومائتا رطل، ومنها، ثلاثة أشبار ونصفا في مثله ثلاثة أشبار ونصف ذكرهما الشيخ هنا، ومنها ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار فاختاره الصدوق في الهداية، ومنها ما يسع حب من حباب المدينة كما أشار إليه الإمام ومنها، ستمائة رطل، ومنها، مقدار قلتين، وهذه الثلاثة مأولة عند الأصحاب بإحدى الثلاثة الأول.
(2) قال المفيد في المقنعة، وإن كان كرا، وقدره ألف ومائتا رطل بالعراقي (3) وهو مختار الصدوقان والمرتضى، ونقل عليه الاجماع في الانتصار.

[ 7 ]

من استعمالها بحال، وحد القليل ما نقص عن الكر الذي قدمناه مقداره وذلك ينجس بكل نجاسة تحصل فيها قليلة كانت النجاسة أو كثيرة تغيرت أوصافها أو لم يتغير إلا ما لا يمكن التحرز منه مثل رؤوس الإبر من الدم وغير فإنه معفو عنه لأنه لا يمكن التحرز منه، ومتى نجست هذه المياه فإنه لا يجوز استعمالها إلا عند الضرورة في الشرب لا غير حسب ما قدمناه، والطريق إلى تطهير هذه المياه أن يطرأ عليها كر من ماء مطلق ولا يتغير مع ذلك أحد أوصافها فحينئذ يحكم بطهارتها، وإن تمت كرا بالمياه الطاهرة المطلقة لم يرفع عنها حكم النجاسة بل ينجس الكل، وفي أصحابنا من قال: إذا تممت بطاهر كرا زال عنها حكم النجاسة وهو قوي لقولهم عليهم السلام: إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجاسة. فأما إذا تممت كرا بنجاسة فلا شك أنه ينجس الكل وإن كان مقدار الكر في موضعين طاهرا ونجسا ثم يجمع بينهما لم تزل عنهما حكم النجاسة لأنه لا دليل عليه، وفي أصحابنا من قال: يزول ذلك للخبر (1) وهو قوي على ما قلناه: ولا يزول عنه حكم النجاسة بما يقع فيه من الأجسام الطاهرة سواء كانت جامدة أو مايعة لأنها إن كانت مايعة فإنها تنجس وإن كانت جامدة فليس لها حكم التطهير، والماء الذي يطرأ عليه فيطهره لا فرق بين أن يكون نابعا من تحته أو يجري إليه أو يغلب فيه فإنه إذا بلغ ذلك مقدار الكر طهر النجس. والكر من الماء إذا وقعت فيه نجاسة لم يغير أحد أوصافه جاز استعمال جميع ذلك الماء وإن علم أن فيها نجاسة لأنها صارت مستهلكة، وجاز أيضا استعمال ذلك الماء من أي موضع شاء سواء كان بقرب النجاسة أو بعيدا منها، وتجنب موضع النجاسة أفضل. فأما إذا استقى منه دلوا وفيه نجاسة حكم بنجاسة ذلك الدلو لأنه ماء قليل و

(1) للأصحاب في المسألة ثلاثة أقوال الأول: عدم زوال النجاسة، وهو مختار الشيخ في الخلاف، والعلامة في كتبه وكذا الشهيد الثاني، زوال النجاسة إن تم كرا بطاهر نسبه في الذكرى إلى بعض الأصحاب. الثالث، زوال النجاسة بإتمامه بطاهر أو نجس كرا، وادعى عليه في السرائر الاجماع، واستدل عليه بقوله صلى الله عليه وآله، إذا بلغت الماء كرا لم يحمل خبثا، ورده المحقق بانا لم نعثر عليه في كتب الأصحاب.

[ 8 ]

فيه نجاسة، وإذا حصلت النجاسة الجامدة في الماء الذي مقدار كر سواء ينبغي أن يخرج النجاسة أولا. ثم يستعمل ذلك الماء فإن استقى منه شئ وبقية النجاسة فيما بقي وقد نقص عن الكر حكم بنجاسته لأنه صار أقل من كر وفيه نجاسة، وإذا كانت النجاسة مايعة لا يمكن إخراجها منه حكم باستهلاكها وجاز استعمال جميعه على كل حال، ولا ينجس الماء بما يقع فيه من الأجسام الطاهرة، وإن غيرت أحد أوصافه ولا يمنع من رفع الحدث به إذا لم يسلبه إطلاق اسم الماء مثل القليل من الزعفران أو الكافور أو العود إذا أصاب يد الانسان نجاسة فغمسها في ماء أقل من كر فإنه ينجس الماء ولا تطهر اليد فإن كان كرا لا ينجس الماء فإن زالت النجاسة عن اليد فقد طهرت وإلا فلا، وإذا كان معه إنا آن أو أكثر من ذلك فوقع في واحد منهما نجاسة لم يستعمل شيئا منهما بحال ولا يجوز التجزي فإن خاف العطش أمسك أيهما شاء واستعمله حال الضرورة، وإذا كان معه إناء آن أحدهما ماء والآخر بول لم يستعمل واحدا منهما، وإن كان أحدهما نجسا والآخر طاهرا وانقلب أحدهما لم يستعمل الآخر، وإن كان أحدهما طاهر مطهرا والآخر ماء مستعملا في الطهارة الصغرى استعمل أيهما شاء، وإن كان المستعمل في غسل الجنابة استعمل كل واحد منهما على الانفراد لأن المستعمل ليس بنجس، و إن كان أحدهما ماء والآخر ماء ورد منقطع الرائحة فأشتبها استعمل كل واحد منهما منفردا لأنه يتيقن عند ذلك حصول الطهارة، وإن اختلط الماء بالماء ورد المنقطع الرائحة حكم للأكثر. فإن كان الأكثر ماء الورد لم يجز استعماله في الوضوء، وإن كان الماء أكثر جاز وإن تساويا ينبغي أن يقول: يجوز استعماله لأن الأصل الإباحة، و إن قلنا: استعمل ذلك وتيمم كان أحوط، وإذا أخبره عدل بأن النجس أحدهما لا يجب عليه القبول منه لأنه لا دليل عليه والمعلوم نجاسة أحدهما، وإذا ورد على ماء فأخبره رجل أنه نجس لم يجب عليه القبول منه سوى أخبره بسبب النجاسة أو لم يخبره لأن الأصل طهارة الماء ولا دليل على وجوب القبول منه، وإذا شهد شاهدان بأن النجاسة في أحد الإنائين، وشهد آخران أنه وقع في الآخر على وجه يمكن الجمع بينهما أو لا يمكن لا يجب القبول منهما، والماء على أصل الطهارة أو النجاسة فأيهما

[ 9 ]

كان معلوما عمل عليه، وإن قلنا: إذا أمكن الجمع بينهما قبل شهادتهما وحكم بنجاسة الإنائين كان قويا لأن وجوب قبول شهادة الشاهدين معلوم في الشرع وليسا متنافيين وحكم الأعمى في هذا الباب حكم البصير سواء، وإذا كان معه ماء متيقن الطهارة فشك في نجاسته لم يلتفت إلى الشك، وكذلك إذا كان معه إناء نجس فشك في تطهيره لم يلتفت إلى ذلك، ووجب عليه تطهيره، وكذلك إذا وجد ماء متغيرا وشك في هل تغيره بنجاسة أو من قبل نفسه بنى على أصل الطهارة، وكذلك إذا اشتبه طعام طاهر وطعام نجس لا يجوز له التجزي ووجب عليه الامتناع من استعماله، وإذا كان معه إناءان مشتبهان وإناء متيقن الطهارة وجب أن يستعمل الطاهر المتيقن، ولا يستعمل المشتبهين ماء كان أو مايعا آخر أو طعاما، ويجوز الوضوء بماء البحر والثلج إذا تندى بمقدار ما يجري على العضو وإن كان يسيرا مثل الدهن، والعضو الممسوح لو ترك عليه قطعة ثلج أو برد فتندى مقدار الواجب في المسح لم يجز لأن المسح لا يكون إلا بفضل نداوة الوضوء والماء المسخن يجوز التوضي به والمشمس يكره التوضي به غير أنه مجز سواء قصد ذلك أو لم يقصد، ولا يجوز الوضوء بشئ من المايعات غير الماء المطلق مثل الخل والمري واللبن وغير ذلك، ولا يجوز الوضوء بنبيذ التمر سواء كان مطبوخا أو نيا مع وجود الماء ومع عدمه، وإذا اختلط بالماء ما يغير أحد أوصافه مثل العنبر والمسك والعود والكافور يجوز الوضوء به، وكذلك إذا تغير لقربه من موضع النجاسة لا بأس باستعماله، و كذلك الدهن إذا وقع فيه مثل أدهن البان والبنفسج فغير رايحته وإذا غلب على لونه طاهر مثل اللبن أو على رايحته مثل ماء الورد وسلبه إطلاق اسم الماء لم يجز الوضوء به وإن لم يسلبه إطلاق اسم الماء جاز استعماله، وإذا جرى الماء على الورق أو الطحلب أو أرض النورة والكحل والكبريت فيغير أحد أوصافه جاز استعماله، وكذلك إذا طرح في الماء ملح كثير حتى يتغير طعمه جاز استعماله سواء كان الملح جبليا أو معدنيا أو جمد من الماء ثم ذاب فيه، وإذا كان معه مثلا رطلان من ماء واحتاج في طهارته إلى ثلاثة أرطال ومعه ماء ورد مقدار رطل فإن طرحه فيه لا يغلب عليه ولا يسلبه إطلاق أسم الماء فينبغي أن يجوز استعماله، وإن سلبه سلبه إطلاق اسم الماء لم يجز استعماله في رفع

[ 10 ]

الأحداث إلا إن هذا وإن كان جايزا فإنه لا يجب عليه بل يكون فرضه التيمم لأنه ليس معه من الماء ما يكفيه لطهارته، ولا يجوز إزالة النجاسات إلا بما يرفع الحدث. والأسئار على ضربين: سؤر ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه. فما يؤكل لحمه لا بأس بسؤره على كل حال إلا ما كان جلالا ويكره سؤر ما شرب منه الدجاج خاصة على كل حال، وما لا يؤكل لحمه على ضربين: آدمي وغير آدمي. فسؤر الآدمي كله طاهر إلا من كان كافرا أصليا أو مرتدا أو كافر ملة، ولا يجوز استعمال ما شربوا منه أو باشروه بأجسامهم من المياه وساير المايعات، وكذلك ما كان أصله مايعا فجمد أو جامدا فغسلوه بأيديهم وجففوه فلا يجوز استعماله إلا بعد تطهيره فيما يمكن تطهيره من غسل الثياب وما عداه فإنه يجتنب على كل حال، ويكره سؤر الحايض، ولا بأس بفضل وضوء الرجل والمرأة. وسؤر غير الآدمي على ضربين: أحدهما: سؤر الطيور والآخر سؤر البهايم و السباع. فسؤر الطيور كلها لا بأس بها إلا ما كان في منقاره دم أو يأكل الميتة أو كان جلالا. فأما غير الطيور فكل ما كان منه في البر فلا بأس بسؤر إلا الكلب والخنزير وما عداهم فمرخص فيه، وما كان منه في الحضر فلا يجوز استعمال سؤره إلا ما لا يمكن التحرز منه مثل الهر والفأرة والحية وغير ذلك لا بأس باستعمال سؤر البغال والدواب والحمير لأن لحمها ليس بمحظور وإن كان مكروها لكراهية لحمها، و إذا أكلت السنور فأرة. ثم شربت من الماء لا بأس باستعمال ما بقي منه سواء غابت عن العين أو لم تغب لعموم الخبر (1) وكلما مات في الماء وله نفس سائلة فإنه ينجس الماء إذا كان قليلا، وإن لم يكن له نفس سائلة لم ينجس الماء وإن تغير أحد أوصافه، و كذلك كل المايعات وذلك مثل الزنابير والخنافس وبنات وردان، ويكره ما مات

(1) وهو ما رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 225 ح 647 [ الطبعة الحديثة ] عن معاوية بن شريح قال: سأل عذافر أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع يشرب منه؟ أو يتوضأ منه؟ فقال، نعم اشرب منه وتوضأ. الخ.

[ 11 ]

فيه الوزع والعقرب خاصة. والماء المستعمل على ضربين: أحدهما: ما استعمل في الوضوء وفي الأغسال المسنونة فما هذا حكمه يجوز استعماله في رفع الأحداث، والآخر ما استعمل في غسل الجنابة والحيض فلا يجوز استعماله في رفع الأحداث وإن كان طاهرا. فإن بلغ ذلك كر أزال حكم المنع من رفع الحدث به لأنه قد بلغ حدا لا يحتمل النجاسة، وإن كان أقل من كر كان طاهرا غير مطهر يجوز شربه وإزالة النجاسة به لأنه ماء مطلق وإنما منع من رفع الحدث به دليل وباقي الأحكام على ما كانت هذا إذا كانت أبدانهما خالية من نجاسة وإن كان عليها شئ من النجاسة فإنه ينجس الماء ولا يجوز استعماله بحال. وأما مياه الآبار فإنها تنجس بما يقع فيها من النجاسات قليلا كان الماء أو كثيرا ثم هي على ضربين: إما أن يتغير أحد أوصافها أو لا يتغير فإن تغير أحد أوصافها فلا يجوز استعمالها إلا بعد نزح جميعها وإن تعذر استقى منها إلى أن يزول عنها حكم التغير، وإن لم يتغير أحد أوصافها فما وقع فيها على ضربين: أحدهما: يوجب نزح الجميع، والآخر لا يوجب ذلك. فما يوجب نزح الجميع الخمر وكل مسكر و الفقاع والمني ودم الحيض والنفاس والاستحاضة، والبعير إذا مات فيه فإن كان الماء غزيرا لا يمكن نزح جميعه تراوح على نزحها أربعة رجال من الغداة إلى العشي وقد طهرت، وما لا يوجب نزح الجميع فعلى ضربين: أحدهم: يوجب نزح كر وهو موت الحمار والبقرة وما أشبههما في قدر جسمها، والآخر ما يوجب نزح دلاء فأكبرها الانسان إذا مات فيه نزح منها سبعون دلوا سواء كان صغيرا أو كبيرا سمينا أو مهزولا، وعلى كل حال وإن مات فيها كلب أو شاة أو ثعلب أو سنور أو غزال أو خنزير وما أشبهها نزح منه أربعون دلوا، وإن وقع فيها كلب وخرج حيا نزح منها سبع دلاء للخبر (1) وإن مات فيها حمامة أو دجاجة وما أشبههما نزح منها سبع دلاء وفي

(1) رواه في الاستبصار ج 1 س 38 ح 103 عن أبي مريم قال، حدثنا جعفر عليه السلام قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول، إذا مات الكلب في البئر نزحت، وقال جعفر عليه السلام، إذا وقع فيها ثم أخرج منها حيا نزج منها سبع دلاء.

[ 12 ]

العصفور وما أشبهه دلو واحد، وإن مات فيها فأرة نزح منها ثلاث دلاء إذا لم تنفسخ فإذا تفسخت نزح منها سبع دلاء، وإن بال فيها رضيع لم يأكل الطعام نزح منها دلو واحد فإن أكل الطعام نزح منها سبع دلاء، وإن بال فيها رجل نزح منها أربعون دلوا، وإن وقعت فيها عذرة وكانت رطبة نزح منها خمسون دلوا وإن كانت يابسة نزح منها عشرة دلاء، وإن وقعت فيها حية أو وزغة أو عقرب فماتت نزح منها ثلاث دلاء، وإن ارتمس فيها جنب نزح منها سبع دلاء ولم يطهر هو، وإن وقع فيها دم وكان كثيرا نزح منها خمسون دلوا وإن كان قليلا نزح منها عشرة دلاء، وروث وبول ما يؤكل لحمه إذا وقع في الماء لا ينجسه إلا ذرق الدجاج خاصة فإذا وقع فيها نزح خمس دلاء، و متى وقع في البئر ماء خالطته شيئ من النجاسات مثل ماء المطر والبالوعة وغير ذلك نزح منها أربعون دلوا للخبر، وكل نجاسة تقع في البئر وليس فيها مقدر منصوص فالاحتياط يقتضي نزح جميع الماء، وإن قلنا: بجواز أربعين دلوا منها لقولهم عليهم السلام: ينزح منها أربعون دلوا، وإن صارت مبخرة (2) كان سايغا غير أن الأول أحوط، والدلو المراعي في النزح دلو العادة الذي يستقى به دون الدلاء الكبار لأنه لا يقيد في الخبر، ولا تجب النية في نزح الماء وإن يقصد به التطهير لأنه لا دليل عليها، وليست من العبادات التي تراعى فيها النية بل ذلك جار مجرى إزالة أعيان النجاسات التي لا يراعى فيه النية، وعلى هذا لو نزح البئر من تصح منه النية ومن لا تصح منه النية من المسلم والكافر والصبي حكم بتطهير البئر، ومتى نزل إلى البئر كافر وباشر الماء بجسمه نجس الماء ووجب نزح جميع الماء لأنه لا دليل على مقدر، والاحتياط يقتضي

(2) نقل الشهيد عبارة الشيخ في غاية المراد ثم قال: والحجة منظور فيها فإن هذا الحديث المرسل غير معروف في نقل، ولا موجود في أصل، وإنما الرواية المتضمنة لفظ مبخرة نقلها الشيخ وغيره عن ابن أبي عمير ومحمد بن زكرياء عن كردويه سأل أبا الحسن عليه السلام عن بئر يدخلها ماء المطر فيه البول والعذرة وخرؤ الكلاب قال: ينزح منها ثلاثون دلوا فإن كانت مبخرة إلى أن قال: ووجد بخط الشيخ في نسخة بالاستبصار، مبخرة بضم الميم وسكون الباء وكسر الخاء ومعناها: المنتنة، ويروى بفتح الميم والخاء ومعناها: موضع النتن.

[ 13 ]

ما قلناه، والماء النجس لا يجوز استعماله في رفع الأحداث وإزالة النجاسات، ولا في الشرب وغيره مع الاختيار، ويجوز شربه عند الخوف من تلف النفس، ومتى استعمله مع العلم بذلك وتوضأ وغسل الثوب وصلى أو غسل الثوب وجب عليه إعادة الوضوء و الصلوة وغسل الثوب بماء طاهر، وإن لم يكن علم أنه نجس نظر فإن كان الوقت باقيا أعاد الوضوء والصلوة وإن كان الوقت خارجا لم يجب عليه إعادة الصلوة ويتوضأ لما يستأنف من الصلوة، وأما غسل الثوب فلا بد من إعادته على كل حال، وإن علم حصول النجاسة فيه ثم نسيه فاستعمله وجب عليه إعادة الوضوء والصلوة، وإن استعمله في عجين الخبزة لم يجز استعمال ذلك الخبز فإما أن يباع على مستحل الميتة أو يدفنه أو يطرحه في الماء للسمك، وقد روي رخصة في جواز استعماله وإن النار طهرته، والأول أحوط ويستحب أن يكون بين البئر والبالوعة سبعة أذرع إذا كانت الأرض سهلة وكانت البئر تحت البالوعة، وإن كانت صلبة أو كانت فوق البالوعة فليكن بينها وبينه خمسة أذرع، والعيون الحمئة لا بأس بالوضوء منها، ويكره التداوي بها، وإذا حصل عند غدير وليس معه ما يعرف به الماء أخذه بيده إذا كانت يده طاهرة، وإن كانت نجسة فلا يدخل يده في الماء إلا إذا كان كرا فما زاد لئلا يفسد الماء. (باب) * (حكم الأواني والأوعية والظروف إذا حصل فيها نجاسة) * أواني الذهب والفضة لا يجوز استعمالها في الأكل والشرب وغير ذلك، والمفضض لا يجوز أن يشرب أو يؤكل من الموضع المفضض ويستعمل غير ذلك الموضع، و كذلك لا يجوز الانتفاع بها في البخور والتطيب وغير ذلك لأن النهي عن استعماله عام يجب حمله على عمومه، ومن أكل أو شرب في آنية ذهب أو فضة فإنه يكون قد فعل محرما ولا يكون قد أكل محرما إذا كان المأكول مباحا لأن النهي عن الأكل فيه لا يتعدى إلى المأكول وإن توضأ منها أو اغتسل كان وضوءه صحيحا، واتخاذ الأواني من الذهب والفضة لا يجوز وإن لم يستعمل لأن ذلك تضييع والنبي صلى الله عليه وآله نهى عن

[ 14 ]

إضاعة المال غير أنه إذا فعل ذلك سقط عنه زكاته لأن المصاغ والنقار والسبايك لا زكوة فيها على مذهب أكثر أصحابنا، وعلى مذهب كثير منهم لا يسقط. فأما الحلي فلا بأس باستعمالها إذا كان حليا مباحا ويسقط عنها الزكاة، وأما أواني غير الذهب والفضة فلا بأس باستعمالها قلت أثمانها أو كثرت سواء كانت كثيرة الثمن لصنعتها [ لصنعة فيها خ ل ] مثل المخروط والزجاج وغير ذلك أو لجودة جوهره مثل البلور وغير ذلك. وأواني المشركين ما يعلم منها استعمالهم لها في المايعات لا يجوز استعمالها إلا بعد غسلها وإذا استعملوها في مايع طاهر وباشروها بأجسامهم جرى ذلك مجرى الأول لأن ما باشروه بأجسامهم من المايعات ينجس بمباشرتهم وما لم يستعملوها أصلا أو استعملوها في شئ طاهر ولم يباشروها بأجسامهم فلا بأس باستعماله، وحكم ساير الكفار في هذا الباب سواء كانوا عباد الأوثان وأهل الذمة أو مرتدين أو كفار ملة من المشبهة والمجسمة والمجبرة وغيرهم. والكلب نجس العين نجس السؤر نجس اللعاب لا يجوز أكل وشرب شئ ولغ فيه الكلب أما المايع فإن كان ماء فلا يجوز استعماله إذا كان أقل من الكر ووجب إهراق الماء وغسل الإناء ثلاث مرات أولاهن بالتراب، وإن كان غير الماء فإنه ينجس قليلا كان أو كثيرا، ولا يجوز استعماله على كل حال، وإذا تكرر ولوغ الكلب في الإناء يكفي غسل ثلاث مرات، وكذلك إذا ولغ فيه كلبان أو ما زاد عليهما وإذا ولغ الكلب في الإناء فغسل دفعة أو دفعتين. ثم وقعت فيه نجاسة تمم العدد وقد طهر لأن الدفعة الأخيرة يأتي على باقي العدد وعلى غسل من النجاسة هذا على الرواية التي يقول: إنه يكفي في سائر النجاسات غسل الإناء مرة واحدة، ومتى قلنا: يحتاج إلى غسل ثلاث مرات اعتد بواحدة وتم الباقي، وإذا ولغ الكلب في الإناء. ثم وقع الإناء في ماء ينقص عن الكر نجس الماء ولا يطهر الإناء، وإن كان الماء كرا فصاعدا لم ينجس الماء ويحصل للإناء غسلة واحدة. ثم يخرج ويتمم غسله وإذا لم يوجد التراب لغسله جاز الاقتصار على الماء، وإن وجد غيره من الأشنان وما يجري مجراه كان ذلك أيضا جائز، وإن وقع الإناء في ماء جاري وجرى الماء عليه لم يحكم

[ 15 ]

بالثلاث غسلات لأنه لم يغسله ولا دليل على طهارته بذلك، والماء الذي ولغ فيه الكلب نجس يجب إزالته عن الثوب والبدن، ولا يراعى فيه العدد، وإن أصاب من الماء الذي يغسل به الإناء من ولوغ الكلب خاصة ثوب الانسان أو جسده لا يجب غسله سواء كان من الغسلة الأولة أو الثانية أو الثالثة، وما ولغ فيه الخنزير حكمه حكم الكلب سواء لأنه يسمى كلبا، ولأن أحدا لم يفرق بينهما ويغسل الإناء من ساير النجاسات ثلاث مرات ولا يراعى فيها التراب، وقد روي غسله مرة واحدة والأول أحوط، ويغسل من الخمر والأشربة المسكرة سبع مرات، وروي مثل ذلك في الفارة إذا ماتت في الإناء (1). جلد الميتة لا ينتفع به لا قبل الدباغ ولا بعده سواء كان جلد ما يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل لحمه، ولا يباع ولا يشتري ولا يجوز التصرف فيه بحال، وما لا يؤكل لحمه إذا ذكي لا ينتفع بجلده إلا بعد الدباغ إلا الكلب والخنزير فإنهما لا يطهران بالدباغ وإن كان ذكيا ولا يجوز الانتفاع به على حال، ولا يجوز الدباغ إلا بما يكون طاهرا مثل الشث والقرظ وقشور الرمان وغير ذلك، وأما خرؤ الكلاب وما يجري مجراه من النجاسات فلا يجوز الدباغ به على حال. الشعر والصوف والوبر طاهر من الميتة إذا جز، وكذلك شعر ابن آدم طاهر ما أخذ حال الحياة وبعد الوفاة، وأما الكلب والخنزير فلا ينتفع بشئ من شعره ولا يطهر بالغسل وغير ذلك، وأواني الخمر ما كان قرعا أو خشبا منقورا روى أصحابنا أنه لا يجوز استعماله بحال، وأنه لا يطهر وما كان مقيرا أو مدهونا من الجرار الخضر أو خزفا فأنه يطهر إذا غسل سبع مرات حسب ما قدمناه، وعندي أن الأول محمول على ضرب من التغليظ والكراهة دون الحظر.

(1) وهو رواية طويلة نقلها الشيخ في التهذيب ص 294 ج 1 ح 832 عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله إلى أن قال، اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرز ميتا سبع مرات الخ.

[ 16 ]

* (فصل في ذكر مقدمات الوضوء) * مقدمات الوضوء على ضربين: مفروض ومسنون. فالمفروض ألا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غايط في الصحراء ولا في البنيان فإن كان الموضع مبنيا كذلك وأمكنة الانحراف عنه وجب عليه ذلك، وإن لم يمكنه لم يكن عليه شئ بالجلوس عليه، والاستنجاء فرض من مخرج النجو ومخرج البول، ولا يجب الاستنجاء من غير هذين الحدثين، وإذا أراد الاستنجاء من مخرج النجو كان مخيرا بين الاستنجاء بثلاثة أحجار وإزالته بالماء، والجمع بينهما أفضل يبدأ بالأحجار. ثم يغسل بالماء، والاقتصار على الماء أفضل منه على الأحجار لأنه مزيل للعين والأثر، والحجر لا يزيل الأثر و إن كان مجزيا فإن كان الماء استعمل إلى أن ينقي ما هناك وليس لذلك الماء حد فإن رجع من الماء الذي يستنجي به على بدنه أو ثيابه وكان متغيرا بنجاسة نجس الموضع ووجب غسله، وإن لم يكن متغيرا لم يكن عليه شئ، ومتى تعدت النجاسة مخرج النجو فلا يزيل حكمه غير الماء، وإن أراد استعمال الأحجار استعمل ثلاثة أحجار بكر لم تستعمل في إزالة النجاسة فإن نقى الموضع بها وإلا استعمل الزايد حتى تزول النجاسة، ويستحب ألا يقطع إلا على وتر، وإن نقى الموضع بدون الثلاث استعمل الثلاثة عبادة، ولا يجوز الاستجمار إلا بما يزيل العين مثل الحجر والمدر والخرق وغيرها فأما ما لا يزيل عين النجاسة مثل الحديد الصقيل والزجاج والعظم فلا يستنجى به، ولا يستنجى بما هو مطعوم مثل الخبز والفواكه وغير ذلك، ولا بخرق غير طاهرة ولا بحجر غير طاهر، وإذا استنجى بحجر ثم غسل الموضع بمايع غير الماء لم يكن لذلك حكم فإن المايع الذي ليس بماء لا يزيل حكم النجاسة وأثر النجاسة معفو عنه، وإن استنجى بمايع غير الماء من غير أن يستنجي بالحجر أو ما يقوم مقامه لم يجز. فأما الآجر فإنه لا بأس بالاستجمار به وإن كان قد وقع في طينه شئ نجس لأن النار قد طهرته، ولأجل ذلك تجوز الصلوة عليه عندنا، وأما الحجر الذي كان نجسا وتقادم عهده وزال عين النجاسة عنه فلا يجوز الاستنجاء به لأن حكم النجاسة باق فيه وكذلك إن غسله بمايع غير الماء لم يطهر وإن كان حكم النجاسة باقيا، وإن كانت النجاسة التي أصابه الحجر أو

[ 17 ]

المدر مايعة مثل البول وغيره ثم جففته الشمس فإنه يطهر بذلك وجاز الاستنجاء به وإن جففته الريح أو جف في الفئ فلا يجوز استنجاء به لأن حكم النجاسة باق فيه، والحجر إذا كانت له ثلاثة قرون فإنه يجزي عن ثلاثة أحجار عند بعض أصحابنا (1) والأحوط اعتبار العدد لظاهر الأخبار. وكلما قلنا: إنه لا يجوز استعماله في الاستنجاء إما لحرمته أو لكونه نجسا إن استعمل في ذلك ونقى به الموضع ينبغي أن يقول: إنه لا يجزي لأنه منهى عنه، والنهي يدل على فساد المنهى عنه، وإذا استعمل الأحجار الثلاثة في الاستنجاء ينبغي أن يستعمل كل حجر منها على جميع موضع النجاسة، ولا يفرد كل واحد منها بإزالة جزء من النجاسة ليكون قد استعمل ظاهر الخبر هذا هو الأحوط ولو استعمل كل حجر في إزالة جزء منه لم يكن به بأس لأن الغرض، إزالة النجاسة واستنجاء البكر من البول مثل استنجاء الثيب لا يختلف الحال فيه فإنه لا يجزيهما غير الماء، ومن أجاز بالخرق قال: حكمهما سواء غير أنه إن نزل إلى أسفل من موضع البول وبلغ موضع البكارة لا يجزيها غير الماء. وأما الاستنجاء بالجلود الطاهرة، وكل جسم طاهر مزيل للنجاسة فإنه جايز للخبر الذي قال فيه: ينقى ما ثمة وهو عام في كلما ينقى إلا ما استثناه مما له حرمة فإذا شك في حجر هل هو طاهر أم لا بني على الطهارة لأنها الأصل، وإذا استنجى بخرقة من جانب لم يجز أن يستنجي بها من الجانب الآخر لأن النجاسة تنفذ فيها وإن كانت صفيقة لا ينفذ فيها أو طواها جاز الاستنجاء بما يبقى منها طاهرا. فأما مخرج البول فلا يطهره غير الماء مع الاختيار فإن كان هناك ضرورة من جرح أو قرح أو لا يوجد ماء جاز تنشيفه بالمدر والخرق، وإذا أراد ذلك مسح من عند المقعد إلى تحت الأنثيين ثلاث مرات، ومسح القضيب وينتره ثلاث مرات. ثم غسله بمثلى ما عليه من الماء فصاعدا وإن رأى بعد ذلك بللا لم يلتفت إليه، وإن لم يفعل ما قلناه من الاستبراء

(1) نسب ذلك القول إلى المفيد في غير المقنعة، ومال إليه المصنف في النهاية والخلاف وعبارته في الخلاف هكذا: حد الاستنجاء أن ينقي الموضع من النجاسة سواء كان بالأحجار أو بالماء فإن نقى بدون الثلاثة استعمل الثلاثة سنة.

[ 18 ]

ثم رأى بللا انتقض وضوءه، وينبغي أن يستنجي بيساره ويتولى غسل الفرجين به مع الاختيار. فأما عند الضرورة فلا بأس بخلافه. وما يخرج من أحد السبيلين على ضربين: معتاد، وغير معتاد. فالمعتاد على ضربين: أحدهما: يوجب الغسل وهو المني والحيض والاستحاضة والنفاس فلا يجوز فيها غير الماء، وما لا يوجب الغسل على ضربين: أحدهما: يوجب الوضوء وهو البول والغايط، ولا يجوز فيهما غير الماء أو الحجارة في الاستنجاء خاصة على ما قلناه، وما لا يوجب الوضوء من المذي والوذي والدود والدم الذي ليس بمعتاد فإنه لا يجب إزالته ولا غسله إلا الدم خاصة فإنه نجس، ولا يجوز إزالته عن الموضع إلا بالماء إذا زاد على الدرهم فإن كان دونه فهو معفو عنه. وأما المسنونات: فإن يستر عن الناس عند قضاء الحاجة وإذا أراد التخلي قدم رجله اليسرى إلى المكان فإذا خرج قدم رجله اليمنى، ويتعوذ بالله من الشيطان، ويكون مغطى الرأس، ولا يستقبل الشمس والقمر ببول ولا غايط، ولا الريح ببول، ويجتنب عند البول والغايط شطوط الأنهار، ومساقط الثمار، والمياه الجارية، والراكدة، وأفنية الدور والطرق المسلوكة، وفي النزال والمشارع والمواضع التي يتأذى المسلمون بحصول النجاسة فيها، ولا يطمح ببوله في الهواء، ولا يبولن في جحرة الحيوان والأرض الصلبة، ويقعد على الموضع المرتفع عند البول ولا يستنجي باليمين مع الاختيار، ولا باليسار وفيها خاتم عليه اسم من أسماء الله أو أسماء أنبيائه والأئمة عليهم السلام، ولا إذا كان فضة من حجر له حرمة، ولا يقرأ القرآن على حال الغايط إلا آية الكرسي، ويجوز أن يذكر الله بما شاء فيما بينه وبين نفسه، ولا يستاك حال الخلاء فأما في غير هذا الحال فإنه مندوب إليه غير واجب ولا بأس به للصايم، وأفضل أوقاته عند كل صلوة، وفي الأسحار، ولا يكره آخر النهار للصايم، ولا يتكلم حال الغايط إلا عند الضرورة، ولا يأكل ولا يشرب، ويستحب الدعاء عند غسل الفرجين وعند الفراغ من الاستنجاء وعند دخوله الخلاء والخروج منه.

[ 19 ]

* (فصل: في ذكر وجوب النية في الطهارة) * النية واجبة عند كل طهارة وضوء كانت أو غسلا أو تيمما وهي المفعولة بالقلب دون القول، وكيفيتها أن ينوي رفع الحدث أو استباحة فعل من الأفعال التي لا يصح فعلها إلا بطهارة مثل الصلوة والطواف فإذا نوى استباحة شئ من ذلك أجزأه لأنه لا يصح شئ من هذه الأفعال إلا بعد الطهارة، ومتى ينوي استباحة فعل من الأفعال التي ليس من شرطه الطهارة لكنها مستحبة مثل قراءة القرآن طاهرا ودخول المسجد وغير ذلك. فإذا نوى استباحة شئ من هذا لم يرتفع حدثه لأن فعله ليس من شرطه الطهارة، وحكم الجنب في هذا الباب حكم المحدث سواء إلا أن في حق الجنب في بعض أفعاله بشرط الطهارة مثل دخول المسجد فإنه ممنوع منه ولا يجوز منه إلا بعد الغسل وليس كذلك المحدث فإذا نوى الجنب استباحة دخول المسجد والجلوس فيه ارتفع حدثه، وأما الاختيار فيه فحكم الجنب وحكم المحدث وحكم المحدث فيه سواء، وإذا اجتمعت أغسال من جملتها غسل الجنابة فإذا نوى بالغسل الجنابة أو رفع الحدث أجزأه، وإن نوى به غسل الجمعة لم يجزئه لأن غسل الجمعة لا يقصد به رفع الحدث بل المقصود به التنظيف فأما وقت النية فالمستحب أن يفعل إذا ابتدأ في غسل اليدين، ويتعين وجوبها إذا ابتدأ بغسل الوجه في الوضوء أو الرأس في غسل الجنابة، ولا يجزي ما يتقدم على ذلك ولا يلزم استدامتها إلى آخر الغسل والوضوء بل يلزمه استمراره على حكم النية، ومعنى ذلك ألا ينتقل من تلك النية إلى نية تخالفها فإن انتقل إلى نية تخالفها وقد غسل بعض أعضاء الطهارة ثم تمم لم يرتفع الحدث فيما غسل بعد نقل النية ونقضها. فإن رجع إلى النية الأولى نظرت فإن كانت الأعضاء التي وضأها ندية بعد بنى عليها، وإن كانت قد نشفت استأنف الوضوء كمن قطع الموالاة، فأما في غسل الجنابة فإنه يبني على كل حال لأن الموالاة ليست شرطا فيها، ومتى نوى بطهارته رفع الحدث والتبرد كان جايزا لأنه فعل الواجب وزيادة لا تنافيها، وإذا نوى استباحة صلاة بعينها جاز له أن يستبيح ساير الصلوات نفلا كانت أو فرضا، والتسمية عند الوضوء مستحبة غير واجبة

[ 20 ]

والكافر لا تصح منه طهارة تحتاج إلى نية لأنه ليس من أهل النية. * (فصل: في كيفية الوضوء وجملة أحكامه) * إذا أراد الوضوء فليضع الإناء على يمينه، ويذكر الله تعالى عند رؤية الماء، و يغسل يده من النوم والبول مرة، ومن الغايط مرتين، ومن الجنابة ثلاثا قبل إدخالها الإناء سنة مؤكدة. ثم يبدأ فيتمضمض ثلاثا ويستنشق ثلاثا سنة وعبادة، ويذكر الله عندهما، وليسا بواجبين في الطهارتين ولا واحد منهما، ولا يكونان أقل من ثلاث ولا فرق بين أن يكونا بغرفة واحدة أو بغرفتين، ولا يجوز تقديم الاستنشاق على المضمضة والأفضل المتابعة بينهما مثل أعضاء الطهارة، ولا يلزم أن يدير الماء في لهواته ولا أن يجذبه بأنفه. وإدخال الماء في العين ليس من الوضوء لا سنة ولا فرضا. ثم يأخذ كفا من الماء فيغسل به وجهه، وحده من قصاص شعر الرأس في أغلب العادات ولا يراعى فيه حكم الأقرع والأصلع إلى محادر شعر الذقن، وعرضه ما بين الابهام والوسطي والسبابة والبياض الذي بين الأذن واللحية ليس من الوجه، ولا ما أقبل من الأذنين، ولا يلزمه تخليل شعر اللحية سواء كانت خفيفة أو كثيفة أو بعضها خفيفة وبعضها كثيفة ويكفيه إمرار الماء عليها، وما استرسل من اللحية لا يلزم إمرار الماء عليه، وأهداب العينين والعذار والشارب والعنفقة إذا غسلها أجزأه، ولا يجب عليه إيصال الماء إلى ما تحتها وينبغي أن يبتدي بغسل الوجه من قصاص شعر الرأس إلى المحادر فإن خالف وغسل منكوسا خالف السنة، والظاهر أنه لا يجزيه لأنه خالف المأمور به، وفي أصحابنا من قال: يجزيه (1) لأنه يكون غاسلا، والدعاء عند غسل الوجه مستحب. ثم يأخذ كفا من الماء فيغسل به يده اليمنى من المرفق إلى أطراف الأصابع إن كان رجلا بدأ بظاهر اليد، وإن كانت امرأة بدأت بباطن الذراع هذا في الغسلة الأولى، وفي الثانية

(1) وهو مختار السيد، وجوز النكس ابنا إدريس وسعيد وصاحب المعالم في اثني عشرية، ونسبة في الحدائق إلى جمع من المتأخرين، وإليه مال البهائي وصاحب المدارك والذخيرة.

[ 21 ]

يبدأ الرجل بباطن ذراعيه، والمرأة بظاهرها. ويكون الابتداء من المرافق إلى رؤوس الأصابع، ولا يستقبل الشعر فإن خالف وغسلها فالظاهر أنه لا يجزيه، وفي أصحابنا من قال: يجزيه لأنه غاسل، ويجب غسل المرافق مع الذراعين. ثم يغسل يده اليسرى مثل ما غسل يده اليمنى سواء، والدعاء عند غسل اليدين سنة، ومن كانت يده مقطوعة من المرفق أو دونها وجب عليه أن يغسل ما بقي من العضو إلى المرفق مع المرفق، وإن كانت مقطوعة من فوق المرفق فلا يجب عليه شئ، ويستحب أن يمسحه بالماء، ومن خلقت له يدان على ذراع واحد أو مفصل واحد أو مفصل واحد وله أصابع زايدة أو على ذراعه جلدة منبسطة فإنه يجب عليه غسله إذا كان ذلك من المرفق إلى أطراف الأصابع وإن كان فوق المرفق لا يجب عليه ذلك لأن الله تعالى أوجب الغسل من المرفق إلى أطراف الأصابع، ولا يستثنى الزايد من الأصلي ثم يمسح ببقية النداوة رأسه، ولا يستأنف لمسحه ماء جديدا ولا لمسح الرجلين سواء كانت النداوة من فضلة الغسلة الأولة التي هي فرض أو من الثانية التي هي سنة فإن لم يبق معه نداوة أخذ من لحيته أو أشفار عينيه وحاجبيه فإن لم يبق فيهما نداوة أعاد الوضوء. والمسح يكون بمقدم الرأس دون غيره فإن خالف ومسح على غير المقدم لم يجزه، والواجب من المسح ما يقع عليه اسم المسح، ولا يتحدد ذلك بحد، والفضل في مقدار ثلاث أصابع مضمومة، ولا يستحب مسح جميع الرأس فإن مسح جميعه تكلف ما لا يحتاج إليه، ولا يستقبل شعر الرأس في المسح فإن خالف أجزأه لأنه ماسح وترك الأفضل، وفي أصحابنا من قال: لا يجزيه، وإذا كان على رأسه شعر جاز أن يمسح عليه وإذا مسح عليه ثم حلق لم يبطل وضوءه، وكذلك القول في اللحية إذا حلقت أو نتفت بعد غسلها في الوضوء، وإذا كان على بعض رأسه شعر وبعض لا شعر عليه فالفرض عندنا يتعلق بالمقدم فليمسح عليه سواء كان عليه أو لم يكن، ومن كان على رأسه جمة في موضع المسح فأدخل يده تحتها ومسح على جلدة رأسه أجزأه لأنه مسح على رأسه، و من غسل رأسه لم يجزه عن المسح لأنه غير الغسل، ومن كان على رأسه شعر في موضع

[ 22 ]

المسح ونزل عن رأسه أو جمعه في وسط رأسه. ثم مسح عليه لا يجزيه لأنه لم يمسح على رأسه، ولا يجوز المسح على حائل بين العضو الذي يمسح به، وبين الرأس من العمامة والمقنعة وغير ذلك، ورخص للنساء إدخال الإصبع تحت المقنعة في ثلاث صلوات: الظهر والعصر والعشاء الآخرة، فأما في الغداة والمغرب فلا بد لهن من وضع القناع، والدعاء عند مسح الرأس مندوب إليه فإذا نبتت للمرأة لحية لم يجب عليها إيصال الماء إلى ما تحتها سواء كانت خفيفة أو كثيفة كما أن ذلك غير واجب في الرجال. ثم يمسح على الرجلين يبتدأ من رؤوس الأصابع إلى الكعبين وهما النابتان في وسط القدم، ويكون ذلك ببقية نداوة الوضوء دون أن يكون ماء جديدا، ومتى خالف ومسح من الكعبين إلى رؤوس الأصابع كان أيضا جائزا، والواجب من المسح مقدار ما يقع عليه اسم المسح والفضل في أن يمسح بكفه كله، ولا يجب عليه استغراق العضو بالمسح ظاهرا وباطنا ولا يمسحه إلى عظم الساق فإن كانت رجله مقطوعة أو بعضها سقط عنه فرض المقطوع وما بقي يمسح عليه فإن لم يبقى إلى موضع الكعبين شئ لم يلزمه شئ، ولا يجوز غسل الرجلين للوضوء مع الاختيار، ويجوز عند التقية والخوف فإن أراد غسلهما للتنظيف غسلهما قبل الوضوء أو بعده، ولا يجوز المسح على الخفين ولا على شئ يحول بين العضو وبين المسح مع الاختيار، ويجوز المسح على النعل العربي ولا يجوز على غيره من النعال، ويجوز المسح على الخفين عند التقية والضرورة فإذا ثبت ذلك سقط عنا جميع المسائل المفرعة على جواز ذلك، وإذا أجزناه عند الضرورة أجزناه عند الضرورة أجزناه على أي صفة كان للحايل سواء وضعه على طهارة أو غير طهارة فإنه ما دام الضرورة باقية يجوز المسح عليهما، ومتى زالت الضرورة أو نزع الخف وكان قد مسح عليهما للضرورة وجب عليه استيناف الوضوء لأنه لا يثبت له الموالات مع البناء على ما تقدم. والترتيب واجب في الوضوء يبدأ بغسل الوجه. ثم باليد اليمنى، ثم باليسرى ثم يمسح الرأس. ثم يمسح الرجلين فإن خالف ذلك لم يجزه، وإن قدم شيئا الأعضاء على شئ رجع فقدم ما أخر وأعاد على ما بعده، والأفضل أن يستنجي أولا

[ 23 ]

ثم يغسل الأعضاء فإن خالف فغسل الأعضاء. ثم استنجا كان جايزا، وكذلك القول في التيمم والاستنجاء بعده، والموالات واجبة في الوضوء وهي أن يتابع بين الأعضاء مع الاختيار فإن خالف لم يجزه، وإن انقطع عنه الماء انتظره فإذا وصل إليه وكان ما غسله عليه نداوة بني عليه، وإن لم يبق فيه نداوة مع اعتدال الهواء أعاد الوضوء من أوله، والفرق في الوضوء مرة مرة واحدة في الأعضاء المغسولة والممسوحة، و الثانية سنة في المغسولة لا غير، والثالثة بدعة، ولا يجوز تكرار المسح بحال، والدعاء عند مسح الرأس والرجل مستحب غير واجب، وأقل ما يجزي من الماء في الوضوء ما يكون به غاسلا للوجه واليدين وإن كان مثل الدهن بعد أن يكون جاريا على العضو، والفضل في كف ماء للوجه واليدين، والاسباغ في مد من الماء، ومن كان في إصبعه خاتم أو في يده سير ومنع من إيصال الماء إلى ما تحته نزعه، وإن لم يمنع من ذلك جاز تركه، ويكفيه تحريكه وإن رجع من الماء الذي يتوضأ به عليه أو على يديه [ بدنه خ ل ] وثوبه كان جايزا، وكذلك إن وقع على الأرض ويرجع عليه إلا أن يقع على نجاسة، ثم يرجع عليه، والتمندل بعد الفراغ من الوضوء جايز وتركه أفضل، ويجوز أن يجمع بين صلوات كثيرة بوضوء واحد، وتجديد الوضوء عند كل صلوة أفضل، وإن كان على أعضاء الوضوء جباير أو جرح وما أشبههما وكانت عليه خرقة مشدودة فإن أمكنه نزعها، وإن لم يمكنه مسح على الجباير سواء وضعت على طهر أو غير طهر، والأحوط أن يستغرق جميعه فإذا فعل ذلك جاز أن يستبيح به جميع الصلوات ما لم يحدث أو يزول العذر فإذا زال استأنف الوضوء ولم يكن عليه إعادة شئ من الصلوات، ومتى أمكنه غسل بعض الأعضاء وتعذر في الباقي غسل ما يمكنه غسله ومسح على حايل ما لا يمكنه غسله، وإن أمكنه وضع العضو الذي عليه الجباير في الماء وضعه فيه، ولا يمسح على الجباير، ويكره أن يستعين بغيره في صب الماء عليه، بل يتولاه بنفسه ولا يجوز أن يوضيه غيره مع الاختيار، ويجوز ذلك عند الضرورة فإن وضأه غيره مع الاختيار لم يجزه، ويكره للمحدث مس كتابة المصحف، وعلى هذا ينبغي أن يكون ذلك مكروها للصبيان في الكتاتيب لأنه لا يصح منهم الوضوء، و

[ 24 ]

ينبغي أن يمنعوا من مباشرة المكتوب من القرآن وإن قلنا: إن الصبيان غير مخاطبين ينبغي أن يقول: بجواز ذلك فيخص العموم لأن الأصل الإباحة. * (فصل: في ذكر من ترك الطهارة متعمدا أو ناسيا) * من ترك الطهارة متعمدا أو ناسيا وصلى أعاد الصلوة، ومن تيقن الحدث و شك في الوضوء أعاد الوضوء، ومن تيقن الوضوء وشك في الحدث لم يلزمه إعادة الوضوء، ومن تيقن الوضوء والحدث معا ولم يعلم أيهما سبق أعاد الوضوء، ومن شك في الوضوء وهو جالس على حال الوضوء أعاد الوضوء، وإن شك في شئ من أعضاء الطهارة في هذا الحال أعاد عليه وعلى ما بعده، ومتى شك فيه أو في شئ منه بعد انصرافه من الوضوء لم يلتفت إليه، ومن ترك الاستنجاء بالماء والأحجار معا متعمدا أو ناسيا وصلى أعاد الاستنجاء، وأعاد الصلوة ولم يلزمه إعادة الوضوء، وكذلك إن ترك غسل إحليله من البول بالماء عامدا أو ناسيا أعاد غسله دون الاستنجاء ودون أعضاء الطهارة وإن كان قد صلى أعاد الصلوة، ومن ترك عضوا من أعضاء الطهارة متعمدا أو ناسيا وصلى. ثم ذكر أعاد الوضوء والصلوة، ومن شك في غسل الوجه وقد غسل اليدين أعاد غسل الوجه. ثم غسل اليدين فإن شك في غسل اليدين وقد مسح برأسه غسل يده ثم مسح برأسه فإن شك في مسح رأسه وقد مسح رجليه مسح على رأسه. ثم على رجليه بما بقي في يديه من النداوة فإن لم يبق فيهما نداوة أخذ من أطراف لحيته أو من حاجبيه أو أشفار عينيه ومسح برأسه ورجليه فإن لم يبق في شئ من ذلك نداوة أعاد الوضوء فإذا انصرف من حال الوضوء. ثم شك في شئ من ذلك لم يلتفت إليه، ومن توضأ و صلى الظهر. ثم توضأ وصلى العصر. ثم ذكر أنه أحدث عقيب إحدى الطهارتين قبل أن يصلي توضأ وأعاد الصلوتين معا لأنه ما أدى واحدا منهما بيقين، ومن توضأ ثم أحدث وتوضأ وصلى العصر ثم علم أنه ترك عضوا من أعضاء الطهارة، ثم لا يدري من أي الطهارتين كان فإنه يعيد الوضوء والصلوتين لمثل ما قلناه أولا فإن صلى الظهر بطهارة ولم يحدث وجدد الوضوء. ثم صلى العصر. ثم ذكر أنه ترك عضوا من أعضاء

[ 25 ]

الطهارة ولا يدري من أي الطهارتين كان كانت صلوته الثانية صحيحة وأعاد الأولى بطهارة مستأنفة لأنه إن كان قد ترك من الطهارة الأولى فطهارته الثانية صحيحة فصح له صلوة العصر، وإن كان قد ترك من الطهارة الثانية فطهارته الأولى صحيحة وصحت الصلاتان معا فالعصر صحيحة على كل حال، وإنما يجب عليه إعادة الأولى، ومن توضأ للصلوة. ثم جدد الطهارة قبل أن يصلي وصلى عقيبهما. ثم ذكر أنه كان قد أحدث عقيب واحدة من الطهارتين أعاد الوضوء والصلوة لأنه لا يعلم أدائها بيقين من الطهارة فإن توضأ ولم يحدث. ثم جدد الوضوء وصلى عقيبه. ثم ذكر أنه كان ترك عضوا من الأعضاء في إحدى الطهارتين كانت صحيحة لأنه أي الطهارتين كانت كاملة صحت الصلوة لصحتها سواء كانت الأولى أو الثانية، ومن توضأ وصلى الظهر. ثم توضأ وصلى العصر ثم توضأ وصلى المغرب. ثم توضأ وصلى العشاء الآخرة. ثم توضأ وصلى الغداة ثم ذكر أنه كان أحدث عقيب واحدة من هذه الطهارات لا غير ولا يدري ما هي قبل أن يصلي توضأ وأعاد الصلوات كلها لأنه لا يقطع على أنه صلى واحدة منها بيقين لأنه إن كان أحدث عقيب وضوء الظهر كانت صلوة الظهر باطلة وباقي الصلوات صحيحة، و إن كانت عقيب وضوء العصر كانت صلوة العصر باطلة وما بعده وقبله صحيحة، وكذلك القول في المغرب والعشاء الآخرة والغداة فلا صلوة منها إلا وهي معرضة لأن يكون أداها مع الوضوء ومع الحدث ولا تبرء ذمته بيقين. فإن كان لم يحدث عقيب واحدة منها إلا أنه ذكر أنه ترك عضوا من أعضاء الطهارة ولا يدري من أي الطهارات كانت أعاد الوضوء والظهر لا غير وباقي الصلوة صحيحة لأنه إن كان قد ترك من وضوء الظهر فباقي الطهارات صحيحة وصحت بصحتها الصلواة، وإن كان قد ترك من وضوء غير الظهر من الصلواة فوضوء الظهر صحيح وصحت بصحته الصلواة كلها فالمشكوك فيه الظهر لا غير. فإن ذكر أنه ترك عضوا من طهارتين أعاد الصلوة الأولى والثانية فإن ذكر أنه ترك ذلك من ثلاث طهارات أعاد ثلاث صلواة، وإن ذكر أنه ترك ذلك من أربع طهارات أعاد أربع صلواة، وإن ذكر أنه ترك من خمس طهارات أعاد الخمس صلواة فإن توضأ وصلى. ثم أحدث. ثم توضأ لكل صلوة وضوء وصلى. ثم أحدث عقيب كل صلوة.

[ 26 ]

ثم ذكر أنه كان قد ترك عضوا من أعضاء واحد من الطهارات أعاد الوضوء وجميع الصلواة لأنه لا يسلم له إذا صلوة منها بيقين من الطهارات، وهذا منهاج هذا الباب يحتاط أبدا للعبادة حتى يعلم بيقين أنه أداها مع الطهارة. * (فصل: في ذكر ما ينقض الوضوء) * ما ينقض الوضوء على ثلاثة أضرب: أحدهما: ينقضه ولا يوجب الغسل، وثانيها ينقضه ويوجب الغسل، وثالثها: إذا حصل على وجه نقض الوضوء لا غير، وإذا حصل على وجه آخر أوجب الغسل. فما أوجب الوضوء لا غير: البول والغايط والريح والنوم الغالب على السمع والبصر، وكل ما أزال العقل من إغماء أو جنون أو سكر أو غير ذلك، وما يوجب الغسل فخروج المني على كل حال، والتقاء الختانين والحيض و النفاس ومس الأموات من الناس بعد بردهم بالموت وقبل تطهيرهم بالغسل على خلاف بين الطايفة، والقسم الثالث دم الاستحاضة فإنه إذا خرج قليلا لا يثقب الكرسف نقض الوضوء لا غير وإن ثقب أوجب الغسل، ولا ينقض الوضوء شئ سوى ما ذكرناه، وإنما نذكر مما لا ينقض الوضوء ما فيه خلاف بين العلماء أو فيه اختلاف الأخبار عن الأئمة عليهم السلام فمن ذاك الوذي والمذي والقيح والرعاف، وكل دم خارج من البدن من غير السبيلين معتادا كان أو غير معتاد خرج بنفسه أو بآلة، وما يخرج من السبيلين من الدماء فلا ينقض غير الدماء التي ذكرناها، ومن ذلك القئ والنخامة قليلا كان أو كثيرا، و الدود الخارج من أحد السبيلين إلا أن يكون ملطخا بالعذرة، وحلق الشعر، ومس الزهومات ومس النجاسات، وتقليم الأظفار والقبلة، واستدخال الأشياف والحقنة وخروجهما إلا أن يكون ممزوجا بنجاسة، ومس الفرجين داخلهما وخارجهما إلا أن تعلق بمس داخله نجاسة فيخرج به فينقض الوضوء، ومس المرأة لا ينقض الوضوء، و كلما يتفرع عليه سقط عنا من مس الصغيرة والكبيرة ذات الرحم أو غير ذات الرحم ومس الرجل المرأة أو المرأة المرأة، ومس الخنثى أو الخناثى بعضهم بعضا، وغير ذلك على ما قلناه، ومس الذكر لا ينقض الوضوء سواء مس ذكر نفسه أو ذكر غيره من

[ 27 ]

الناس أو البهيمة ذكر الصغير كان أو الكبير بباطن الكف أو بظاهره، وغير ذلك من المسائل فإنها تسقط عنا لبطلان هذا الأصل، والغائط والبول إذا خرجا من غير السبيلين من جرح أو غيره فإن خرجا من موضع في البدن دون المعدة نقض الوضوء لعموم قوله تعالى " أو جاء أحد منكم من الغائط " (1) وما روي من الأخبار أن الغائط ينقض الوضوء يتناول ذلك (2) ولا يلزم ما فوق المعدة لأن ذلك لا يسمى غايطا، والمسلم إذا توضأ ثم ارتد، ثم رجع إلى الاسلام قبل أن يحدث ما ينقض وضوءه بنفس الارتداد، وكذلك لا ينقض الوضوء شئ من الكباير التي تستحق بها النار. * (فصل: في ذكر غسل الجنابة وأحكامها) * الجنابة تكون بشيئين: أحدهما إنزال الماء الدافق الذي هو المني في النوم و اليقظة بشهوة وغير شهوة وعلى كل حال، والآخر التقاء الختانين وإن لم يكن هناك إنزال، وحد التقاء الختانين أن يدخل ذكره في الفرج حتى تغيب الحشفة فتكون موضع القطع منه محاذيا لموضع منها وإن لم يتضاما (3) فإن مضامتها لا يمكن لأن مدخل الذكر أسفل فرج المرأة وهو موضع خروج دم الحيض والمني وأعلى منه ثقبة مثل الإحليل للذكر يكون منه البول، وفوق ذلك لحم نابت كعرف الديك، وهو الذي يقطع وهو موضع الختان من المرأة فإذا أولج ذكره في فرج المرأة فلا يمكن أن يلاصق ختانه ختانها لأن بينهما فاصلا لكن يكون موضع الختان منه محاذيا لموضع الختان منها فيقال: التقتا بمعنى تحاذيا وإن لم يتضاما. فإذا حصل ذلك وجب الغسل على الرجل والمرأة، وكذلك في خروج المني يشترك الرجل والمرأة في وجوب الغسل عليهما عند ذلك، فأما إذا أدخل ذكره في دبر المرأة أو الغلام فلأصحابنا

(1) النساء: 43 (2) روايات الباب بعضها مقيدة بما يخرج من طرفين الأسفلين، وبعضها مطلق كما نقل الشيخ في التهذيب ج 1 ص 10 ح 18 عن زكريا بن آدم قال، سئلت الرضا عليه السلام. عن الناصور فقال: إنما ينقض الوضوء ثلاث: البول والغائط والريح.
(3) أي لم يجتمعا من قولهم: ضممته. مجمع البحرين.

[ 28 ]

فيه روايتان: إحداهما يجب الغسل عليهما، والثانية لا يجب عليهما (1) فإن أنزل واحد منهما وجب عليه الغسل لمكان الانزال فأما إذا أدخل ذكره في فرج بهيمة أو حيوان آخر فلا نص فيه فينبغي أن يكون المذهب ألا يتعلق به غسل لعدم الدليل الشرعي عليه، والأصل براءة الذمة، وإذا أدخل ذكره في فرج ميتة وجب عليه الغسل والحد لقولهم: إن حرمة الميت كحرمة الحي، وإذا وجد الرجل في ثوبه منيا ولم يذكر وقت خروجه منه فإن كان ذلك الثوب يلبسه هو وغيره فلا يجب عليه الغسل ويستحب له أن يغتسل احتياطا، وإن كان لا يستعمله غيره وجب عليه الغسل لأنه يتحقق خروجه منه، وينبغي أن نقول: إنه يستحب له أن يغتسل ويعيد كل صلاة صلاها من أول نومة نامها في ذلك الثوب، والواجب أن يغتسل ويعيد الصلوات التي صلاها من آخر نومة نامها فيه لأنه لا يقوم إلى صلوة إلا مع غلبة ظن أن ثوبه طاهر، ولو قلنا: إنه لا يجب عليه إعادة شئ من الصلواة كان قويا، وهو الذي أعمل به لأن إيجاب الاعادة يحتاج إلى دليل شرعي ولأنه قد ثبت أن من صلا في ثوب نجس، ولم يسبق علمه بحصول النجاسة فيه لا يجب عليه إعادة ما صلى فيه إلا ما كان في وقته بعد فأما ما مضى وقته فلا إعادة عليه هذا فيما يرجع إلى حكم الثوب فأما ما يرجع إلى كونه جنبا فينبغي أن نقول: يجب أن يقضي كل صلاة صلاها من عند آخر غسل اغتسل من جنابة أو من غسل يرفع حدث الغسل، والكافر إذا أسلم يستحب له أن يغتسل ولا يجب عليه ذلك فإن كان فعل ما يجب عليه به الغسل أو الوضوء حال كفره وجب عليه الغسل أو الوضوء لذلك فإن تطهر أو اغتسل في حال كفره لم يجزه أصلا لأنها عبادة تحتاج إلى نية، ولا تصح من الكافر النية على حال. وتتعلق بالجنابة أحكام محظورة ومكروهة:

(1) قال في النهاية: لا غسل في الجماع في غير الفرج مع عدم الانزال، وقال مجلسي في مرآت العقول: اختلف الأصحاب في وجوب الغسل بوطئ دبر المرأة فالأكثرون ومنهم: السيد وابن الجنيد وابن حمزة وابن إدريس والمحقق والعلامة في جملة من كتبه على الوجوب، و الشيخ في الاستبصار والنهاية، وكذا الصدوق وسلار إلى عدم الوجوب.

[ 29 ]

فالمحرمات: قراءة العزائم من القرآن، ودخول المساجد إلا عابر سبيل، و وضع شئ فيها، ومس كتابة المصحف أو شئ عليه اسم الله أو أسماء أنبيائه أو أئمة عليهم السلام. والمكروهات: الأكل والشرب إلا بعد المضمضة، والاستنشاق، والنوم إلا بعد الوضوء، والخضاب، والمسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله لا يدخلهما على حال وإن كان في واحد منهما فأصابه احتلام خرج منهما بعد أن تيمم من موضعه، ويكره من مس المصحف غير الكتابة، ويجوز أن يقرأ من القرآن ما شاء غير العزائم، و الاحتياط ألا يزيد على سبع آيات أو سبعين آية، ويجوز أن يمس أطراف الأوراق فإذا أراد الاغتسال وجب عليه إن كان رجلا الاستبراء بالبول أو الاجتهاد فإن لم يفعل واغتسل ثم رأى بعد ذلك بللا وجب عليه إعادة الغسل وإن استبرأ لم يلزمه ذلك ثم ينوي رفع الحدث على ما قدمناه في باب النية ويغسل جميع جسده يبدأ بالرأس ثم بميامن الجسد ثم مياسره، وأقل ما يجزيه من الماء ما يكون جاريا على جميع الجسد ويبل أصل كل شعرة وإن كان قليلا مثل الدهن والاسباغ بتسعة أرطال. والترتيب واجب في غسل الجنابة على ما بيناه، ويقدم غسل يده ثلاث مرات استحبابا، وإن كان على بدنه نجاسة أزالها، ثم اغتسل فإن خالف واغتسل أولا فقد ارتفع حدث الجنابة، وعليه أن يزيل النجاسة إن كانت لم تزل بالغسل، وإن زالت بالاغتسال فقد أجزأه عن غسلها، والموالاة غير واجبة فيه، والمضمضة والاستنشاق سنتان فيه، وإيصال الماء إلى أصل كل شعرة واجب على الرجال والنساء سواء كان شعرهما خفيفا أو كثيفا فإن كان في رأسهما شئ يمنع من وصول الماء إلى أصول الشعر وبشرة الرأس وجب إزالته وإيصال الماء إلى أصل الشعر في البشرة، وإن ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أو قعد تحت المجرى أو وقف تحت المطر أجزأه، ويسقط الترتيب في هذه المواضع، وفي أصحابنا من قال: يترتب حكما (1) ومتى غسل رأسه من الجنابة

(1) قال في المختلف: وهو اختيار سلار، وقال الشيخ في الاستبصار: بعد ما أورد إجزاء الارتماس، فلا ينافي ما قدمناه من وجوب الترتيب لأن المرتمس يترتب حكما وإن لم يترتب - >

[ 30 ]

ثم أحدث ما ينقض الوضوء أعاد الغسل من الرأس. ولم يبن عليه، وفي أصحابنا من قال: يبني عليه ويتوضأ لاستباحة الصلوة (1) والغسل كاف بانفراده لاستباحة الصلوة، ولا يحتاج معه إلى وضوء لا قبله ولا بعده، ومتى كان عليه شئ يمنع من وصول الماء إلى جسمه مثل السير والدملوج حركه ليصل الماء إلى ما تحته وإلا نزعه، وكلما عدا غسل الجنابة من الأغسال فلا بد فيه من الوضوء ليستبيح به الصلوة فرضا كان الغسل أو نفلا إما قبله أو بعده، وتقديمه أفضل، ومتى لم يتوضأ لم يستبح به الدخول في الصلوة. * (فصل: في ذكر التيمم وأحكامه) * التيمم طهارة ضرورة ولا يجوز فعله إلا بأحد ثلاثة شروط: إما عدم الماء أصلا مع الطلب سواء كان في سفر قصير أو طويل أو في الحضر، وعلى كل حال أو عدم ما يتوصل به إليه من ثمن أو آلة أو الخوف على النفس إما من عدو أو سبع أو مرض يضر به استعمال الماء مثل القروح والكسور والجدري والحصبة وغير ذلك من الجراح أو برد شديد يخاف معه التلف أو يلحقه مشقة عظيمة. فإن لم يكن شئ من ذلك لم يجز له التيمم، ومتى وجد الماء بالثمن وجب عليه شراؤه إذا كان ذلك لا يضر به سواء كان ذلك ثمن مثله في موضعه أو غير موضعه، ومن كان معه ماء يسير يحتاج إليه للشرب أو كان معه ماء لا يكفيه لطهارته أو كان يكفيه فأراقه ولا يقدر على غيره أو يحتاج إليه للشرب أو يخاف التلف إن استعمله كان فرضه التيمم، وسواء كان عليه وضوء أو غسل، ومتى تيمم وصلى لم يجب عليه إعادة الصلوة في هذه المواضع إلا من خاف البرد في غسل جنابة تعمدها على نفسه فإنه يصلي بتيمم ثم يعيد الصلوة فأما من لم يتعمد الجنابة فلا يجب عليه الاعادة، والميت إذا لم يوجد الماء لغسله أو وجد ومنع من استعماله

< - فعلا لأنه إذا خرج من الماء حكم له أولا بطهارة رأسه ثم جانبه الأيمن ثم جانبه الأيسر فيكون على هذا التقدير مرتبا. (1) وهو مختار سيد المرتضى وتبعه عدة من الأصحاب منهم المحقق في كتبه الثلاثة والشهيد الثاني والمولى الأردبيلي والفاضل البهائي والشيخ نجيب الدين

[ 31 ]

مانع بالغاسل تيمم كما يتيمم الحي ويتيمم من يؤممه ثم يغتسل فيما بعد. إذا وجد الماء لغسل الميت بالثمن وجب شراؤه من تركته فإن لم يخلف شيئا لم يجب على أحد ذلك، ومن حضر يوم جمعة في الجامع وأحدث ما ينقض الوضوء ولم يمكنه الخروج من موضعه لكثرة الناس فأقيمت الصلوة تيمم وصلى ثم أعاد الصلوة بوضوء، ومن لم يجد إلا الثلج، ولا يقدر على الماء فيتوضأ ولا على أرض فيتيمم تطهر بالثلج بأن يعتمد على الثلج حتى يتندى يده ويغسل أعضاه في الوضوء أو جميع جسده إن كان عليه غسل فإن لم يتمكن من ذلك أخر الصلوة إلى أن يجد ماء فيتوضأ أو ترابا فيتيمم ولا يجوز التيمم إلا في آخر الوقت وعند الخوف من فوت الصلوة فإن تيمم قبل دخول الوقت أو بعده في أول الوقت لم يجز أن يستبيح به الصلوة فإن صلى بذلك أعاد الصلوة بتيمم مستأنف أو وضوء إن وجد الماء، والطلب واجب قبل تضيق الوقت في رحله وعن يمينه وعن يساره وساير جوانبه رمية سهم أو سهمين إذا لم يكن هناك خوف فإن خاف لم يلزمه ذاك، ولا يتعدى المكان الذي هو فيه، وإن تيمم قبل الطلب مع التمكن لم يعتد بذلك التيمم فإن نسي الماء في رحله وقد طلبه فلم يجده لم يلزمه إعادة الصلوة وإن كان فرط في الطلب أعاد الصلوة، ويلزمه أن يسأل رفقاه عن الماء ويستدل عليه من يغلب في ظنه أنه يعرفه، وإن غلب في ظنه أنه متى طلب من غيره بذله له من غير أن يدخل عليه في ذلك ضرر وجب عليه الطلب، وإن أعطاه بالثمن إما عاجلا أو آجلا ولا يضر به ذلك الثمن وجب عليه قبوله لأنه متمكن من الماء، وإن كان على رأس بئر وليس معه ما يستقى به ومعه عمامة يمكنه أن يدليها ويبلها بالماء. ثم يعصرها قدر ما يحتاج إليه في وضوءه وجب عليه ذلك، وكذلك إن كان في مركب ولا يقدر على الماء تيمم، وإذا كان محبوسا بالقيد والرباط أو مصلوبا على خشبة أو يكون في موضع نجاسة ولا يقدر على موضع طاهر يسجد عليه ولا ما يتيمم به فإما أن يؤخر الصلوة أو يصلي وكان عليه الاعادة لأنه صلى بلا طهارة ولا تيمم، ولا يجوز التيمم إلا بما يقع عليه اسم الأرض إطلاقا سواء كان عليه تراب أو كان حجرا أو جصا أو غير ذلك، و الأرض إذا أصابتها نجاسة فلا تخلو أن تكون جامدة أو مايعة فإن كانت جامدة لا تخلو

[ 32 ]

أن تكون يابسة أو رطبة فإن كانت يابسة أزيلت وجاز التيمم منها والسجود عليها، وإن كانت رطبة ولم تختلط بأجزاء الأرض أزيلت وصب الماء على موضعها حتى يكسرها بالماء فيطهر الأرض، وإن اختلطت بأجزاء الأرض فإنها لا تطهر بأن تكاثر الماء عليها لأن الماء ينجس بذلك، وإنما تطهر بشيئين: أحدهما: أن يطرح عليه تراب طاهر حتى تندرس النجاسة أو ينقل النجاسة التي اختلطت الأرض ومن موضعها إلى أن تبلغ إلى الموضع الطاهر، وإن كانت النجاسة مايعة فإنها تطهر بأن يتكاثر عليها الماء أو تطلع عليها الشمس فتجففها فتزول عين النجاسة. فحينئذ يجوز التيمم به والسجود عليه فإن جففتها غير الشمس لم تطهر بذلك. فأما تراب القبر فإنه يجوز التيمم به سواء كان منبوشا أو غير منبوش إلا أن يعلم أن فيه شيئا من النجاسة لعموم الآية، وإذا اختلط التراب بالذريرة أو الكحل أو النورة أو غير ذلك لم يجز التيمم به لأنه ليس بتراب ولا أرض مطلق إلا أن يكون قدرا مستهلكا، وإن اختلط به مايع طاهر غلب عليه لم يجز التيمم به لأن المايع إذا كان غير الماء لم يجز الوضوء به ولا التيمم به لأنه ليس بتراب ولا أرض، وإن خالطه ولم يغلب عليه لم يجز أيضا التيم به لأنه ليس بتراب ولا أرض، وأما التراب المستعمل في التيمم فإنه يجوز التيمم به لعموم الآية وصورته أن يستعمل المتيمم ويجمع ما ينتشر من تيممه فتيمم به فأما إذا تيمم من موضع وتنحى وجاء آخر وتيمم من ذلك الموضع فإنه يجوز بلا خلاف، ولا يجوز التيمم بشئ من المعادن، ويجوز التيمم بالحجر وإن لم يكن عليه غبار، ويكره التيمم بالرمل والسبخة ومع ذلك فإنه مجز، ومتى كان في أرض وحلة ولا يقدر على التراب ولا على الماء ومعه ما ينفضه من ثوب أو لبد دابة أو عرفها نفض ذلك و يتيمم بغباره، وإن لم يكن معه شئ من ذلك وضع يديه على الرحل ثم فركهما وتيمم به، ويستحب أن يكون التيمم من ربا الأرض وعواليها دون مهابطها فإن خالف و كان الموضع طاهرا أجزأه، وأرض الجص والنورة يجوز التيمم به، ولا يجوز التيمم بالرماد ولا الأشنان والزرنيخ وغير ذلك عن الأشياء المنسحقة. فإذا أراد التيمم وضع

[ 33 ]

يديه معا على الأرض مفرجا أصابعه وينفضهما ويمسح إحديهما بالأخرى. ثم يمسح بهما وجهه من قصاص شعر الرأس إلى طرف أنفه. ثم يضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى ويمسح بها من الزند إلى أطراف الأصابع، ثم يضع كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى فيمسحها من الزند إلى أطراف الأصابع مرة واحدة هذا إذا كان تيممه بدلا من الوضوء، وإن كان بدلا من الغسل ضرب ضربتين: إحديهما: للوجه والأخرى لليدين، والكيفية على ما بيناه، وإذا كان مقطوع اليدين من الذراعين سقط عنه فرض التيمم، ويستحب أن يمسح ما بقي لأن ما أمر الله بمسحه قد عدم فيجب أن يسقط فرضه، وإذا تيمم تيمما صحيحا جاز أن يؤدي به ما شاء من الصلوات نوافلها وفرايضها على الجمع والافتراق أداء كان أو قضاء، ولا ينتقض تيممه بخروج الوقت إلا بحدث ينقضه وهي النواقض التي قدمناها في الوضوء، أو يتمكن من استعمال الماء فإنه ينتقض تيممه بذلك فإن عدم الماء فيما بعد استأنف التيمم لأن الأول قد انتقض بالتمكن من استعمال الماء. فإذا وجد الماء قبل أن يدخل في الصلوة انتقض تيممه، وإن وجده وقد دخل في الصلوة بتكبيرة الاحرام مضى في صلوته ولم ينتقض تيممه، ولا يجب عليه الرجوع، وقد روي أنه يرجع فيتطهر ما لم يركع وإن ركع مضى (1) وذلك محمول على الاستحباب. فأما إذا ركع فلا يجوز له الرجوع أصلا بل تمم تلك الصلوة وإذا تممها والماء باق تطهر لما يستأنف من الصلوة فإن فقده استأنف التيمم لما يستأنف من الصلوة لأن تيممه قد انتقض في حق الصلوات المستقبلة، وهو الأحوط، ومتى تيمم لصلوة نافلة جاز أن يصلي فريضة به، ويجوز أن يدخل به في نافلة فإن دخل في النافلة. ثم وجد الماء أتم الركعتين وانصرف وتوضأ، وإن فقد الماء استأنف التيمم، ومتى تيمم لصلوة نافلة في غير وقت فريضة أو لقضاء فريضة في غير وقت صلوة حاضرة جاز له

(1) روى الشيخ في التهذيب ج 1 ص 204 ح 591 عن عبد الله بن عاصم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يجد الماء فيتيم ويقوم في الصلوة فجاء غلام فقال: هو ذا الماء فقال: إن كان لم يركع فلينصرف وليتوضأ وإن كان ركع فليمض في صلاته.

[ 34 ]

ذلك، ويجوز له أن يصلي به فريضة إذا دخل وقتها لعموم الأخبار التي وردت في جواز الصلوات الكثيرة بتيمم واحد، وإذا تيمم جاز أن يفعل جميع ما يحتاج في فعله إلى الطهارة مثل دخول المسجد وسجود التلاوة ومس المصحف والصلوة على الجنايز وغير ذلك. إذا اجتمع جنب وحايض وميت أو جنب وحايض أو جنب ومحدث، ومعهم من الماء ما يكفي أحدهم ولم يكن ملكا لا حدهم كانوا مخيرين في استعمال من شاء منهم فإن كان ملكا لأحدهم كان أولى به. إذا تيمم الكافر وأسلم لم يعتد بذلك التيمم إجماعا فإن تيمم. ثم ارتد. ثم رجع إلى الاسلام لم ينتقض تيممه بنفس الارتداد لأنه لا دليل عليه. العاصي بسفره إذا فقد الماء تيمم وصلى ولا إعادة عليه لعموم الآية والأخبار. من كان جنبا وعدم الماء تيمم لاستباحة الصلوة فإن أحدث بعد ذلك ما ينقض الوضوء ووجد من الماء ما يكفيه لطهارته أعاد التيمم ولم يتطهر لأن حكم الجنابة باق ولا تأثير للحدث الموجب للوضوء، وإذا نوى بتيممه رفع الحدث لم يجز له أن يدخل به في الصلوة لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإذا نوى استباحة الدخول في الصلوة جاز له أن يصلي به ما شاء من الصلوات نوافلها وفرايضها على ما قدمناه، و إذا ثبت أن التيمم لا يرفع الحدث كان الحدث باقيا سواء كان حدث الوضوء أو حدث الجنابة، وإذا وجد الماء فعل ما وجب عليه، ومتى أراد التيمم وجب عليه الاستنجاء أولا وينشف مخرج البول. والترتيب واجب في التيمم يبدأ بالوجه. ثم باليد اليمنى. ثم اليسرى، و كذلك تجب فيه الموالاة، ويكره أن يؤم المتيمم المتوضين، ولا يكره أن يأتم بهم ولا أن يؤم بالمتيممين. إذا تيمم الجنب بنية أنه تيمم بدلا من الوضوء لم يجز له أن يدخل في الصلوة لأن النية الواجبة ما حصلت فيه، وإن نوى به استباحة الصلوة جاز له ذلك، وقد بينا أن كل مرض يخاف معه من استعمال الماء فإنه يسوغ معه التيمم، وإن لم يخف معه التلف وخيف الزيادة في المرض مثل ذلك، وإن لم يخف التلف ولا الزيادة فيه وخاف أن يشينه ويشوه به كان مثل ذلك، وإن لم يخف شيئا من ذلك وخاف أن يؤثر فيه أثرا قليلا لم يجز له التيمم بلا خلاف، وكل مرض لا يخاف معه

[ 35 ]

التلف ولا الزيادة فيه مثل الصداع ووجع الضرس لم يجز معه التيمم، وإن خاف استعمال الماء لشدة البرد وأمكنه إسخانه وجب عليه ذلك. وإلا تيمم وصلى ولا إعادة عليه مسافرا كان أو مقيما، ومن كان في بعض جسده أو بعض أعضاء طهارته ما لا ضرر عليه و الباقي عليه جراح، أو عليه ضرر في إيصال الماء إليه جاز له التيمم ولا يجب عليه غسل الأعضاء الصحيحة وإن غسلها وتيمم كان أحوط سواء كان الأكثر صحيحا أو عليلا فإذا حصل على بعض أعضاء طهارته نجاسة ولا يقدر على غسلها لألم فيه أو قرح أو جرح تيمم وصلى ولا إعادة عليه. يجوز أن يتيمم لصلوة الجنازة مع وجود الماء، ويجوز أن يصلي عليها وإن لم يتيمم أيضا، وإن كان جنبا ومعه من الماء ما يكفي الوضوء لا غير تيمم، ولا يجب عليه استعمال ذلك الماء في بعض الأعضاء. المسافر إذا جامع زوجته وعدم الماء فإن كان معه من الماء ما يغسل به فرجه وفرجها فعلا ذلك وتيمما للصلوة وصليا ولا إعادة عليهما لأن النجاسة قد زالت، والتيمم يستباح به الصلوة عند عدم الماء فإن لم يكن معهما ماء أصلا تيمما وصليا، ولا إعادة عليهما لقوله تعالى " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا " ولم يفصل، والأحوط أن يقول: يجب عليهما الاعادة، وكذلك من كان على بعض بدنه نجاسة ولا يقدر على ماء يزيل به ذلك تيمم وصلى. ثم يعيد فيما بعد إذا غسل الموضع. الحايض إذا انقطع دمها جاز للرجل وطيها قبل أن تستبيح الصلوة بغسل أو تيمم إذا ترك شيئا من الموضع الذي يجب مسحه في التيمم من الوجه أو اليدين لم يجزأه قليلا كان أو كثيرا ويعيد التيمم من أوله. * (فصل: في تطهير الثياب والأبدان من النجاسات) * النجاسة على ضربين: أحدهما: دم والآخر غير دم. فالدماء على ثلثة أقسام: أحدها يجب إزالة قليله وكثيره، وهي ثلاثة: دم الحيض والاستحاضة والنفاس، والثاني: لا يجب إزالة قليله ولا كثيره وهي خمسة أجناس: دم البق والبراغيث والسمك والجراح اللازمة والقروح الدامية، والثالث: ما يجب إزالته إذا بلغ مقدار الدرهم فصاعدا في

[ 36 ]

السعة وهو المضروب من درهم وثلث، وما نقص عنه لا يجب إزالته وهو باقي الدماء من ساير الحيوان سواء كان في موضع واحد من الثوب أو في مواضع كثيرة بعد أن يكون كل موضع أقل من مقدار الدرهم، وإن قلنا: إذا كان جميعه لو جمع كان مقدار الدرهم وجب إزالته كان أحوط للعبادة، وما ليس بدم من النجاسات يجب إزالة قليله وكثيره وهي خمسة أجناس: البول والغايط من الآدمي وغيره من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه وما أكل لحمه فلا بأس ببوله وروثه وذرقه إلا ذرق الدجاج خاصة، وما يكره لحمه فلا بأس ببوله وروثه مثل البغال والحمير والدواب وإن كان بعضه أشد كراهية من بعض، وفي أصحابنا من قال بول البغال والحمير والدواب وأرواثها نجس يجب إزالة قليله وكثيره (1) والمني نجس من كل حيوان يجب غسله ولا يجزي فيه الفرك، والخمر نجسة بلا خلاف أو كل مسكر عندنا حكمه حكم الخمر، وألحق أصحابنا الفقاع بذلك، وكل نجاسة يجب إزالة قليلها وكثيرها فإنه يجب إزالتها عن الثياب والأبدان أدركها الطرف أو لم يدركها إذا تحقق ذلك. فإن لم يتحقق ذلك وشك لم يحكم بنجاسة الثوب إلا ما أدركه الحس فمتى لم يدركها فالثوب على أصل الطهارة، وإذا تحقق حصول النجاسة في الثوب ولم يعلم موضعه بعينه وجب غسل الثوب كله وإن علم أنه في موضع مخصوص وجب غسل ذلك الموضع لا غير، ولا يتعدى إلى غير ذلك الموضع سواء كانت الرطبة أو يابسة، وإن علم أن النجاسة حصلت في أحد الكمين ولم يتميز غسلهما معا ولم يجز له التجزي، وإن قطع أحد الكمين وجب عليه غسل الكم الآخر ولا يجب عليه غسل جميع الثوب. الماء الذي ولغ فيه الكلب أو الخنزير إذا أصاب الثوب وجب غسله لأنه نجس وإن أصابه من الماء الذي يغسل به الإناء لا يجب غسله سواء كانت من الغسلة الأولة أو الثانية، وإن قلنا: إنه يغسل من الغسلة الأولة كان أحوط. فأما الوضوء به فلا يجوز

(1) قال في مفتاح الكرامة: وعن أبي على والشيخ في النهاية القول بالنجاسة، وإليه مال الأردبيلي وتلميذه السيد صاحب المدارك.

[ 37 ]

لما روي من أن الماء الذي يزال به حكم النجاسة لا يجوز استعماله في الوضوء (1) و كل نجاسة يجب غسلها لا يكفي صب الماء عليها إلا بول الصبي خاصة قبل أن يطعم، وإذا ترك تحت الثوب النجس إجانة وصب عليها الماء وجرى الماء في الإجانة لا يجوز استعماله لأنه نجس، وإذا أصاب الثوب نجاسة فغسل نصفه فإنه يطهر ذلك النصف ولا يتعدى إليه النجاسة من النصف الآخر. ما مس الكلب والخنزير والثعلب والأرنب والفأرة والوزغة بساير أبدانه إذا كانت رطبة أو أدخلت أيديها أو أرجلها في الماء وجب غسل الموضع وإراقة ذلك الماء، ولا يراعى في غسل ذلك العدد لأن العدد يختص الولوغ فإن كانت يابسا رش الموضع بالماء فإن لم يتعين الموضع غسل الثوب كله أو رش وكذلك إن مس بيده شيئا من ذلك وكان واحد منهما رطبا وجب غسل يده وإن كان يابسا مسحه بالتراب، وقد رويت رخصة في استعمال ما يشرب منه ساير الحيوان في البراري سوى الكلب والخنزير (2) وما شربت منه الفأرة في البيوت والوزغ أو وقعا فيه وخرجا حيين لأنه لا يمكن التحرز من ذلك. إذا صافح ذميا أو محكوما بكفره من أهل الملة كان حكمه حكم ما ذكرناه من النجاسات، وإذا أصاب ثوبه ميت من الناس بعد برده بالموت وقبل تطهيره بالغسل أو غيره من الأموات وجب غسل الموضع الذي أصابه فإن لم يتعين الموضع غسل كله، وإن مس بيده ميتا من الناس بعد برده بالموت وقبل تطهيره بالغسل أو مس قطعة منه فيها عظم أو مس ما قطع من حي وفيه عظم وجب عليه الغسل وإن كان بعد الغسل أو قبل برده لم يجب ذلك، وإن كان ما مسه به من القطعة لا عظم فيه لم يجب عليه الغسل بل يجب عليه غسل يده، وأن كان الميت من غير الناس غسل ما مسه به حسب، ولا بأس بعرق الجنب والحايض إذا كانا خاليين من نجاسة فإن كان على بدنهما نجاسة وعرقا نجس الثوب الذي عرقا فيه، وإن كانت

(1) روى الشيخ في التهذيب ج 1 ص 221 ح 630 عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال، لا بأس أن يتوضأ بالماء المستعمل، وقال: الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه. الخ.
(2) مضى منا ذكر هذا الخبر في ص 10.

[ 38 ]

الجنابة من حرام وجب غسل ما عرق فيه على ما رواه بعض أصحابنا (1) وعرق الإبل الجلالة يجب إزالته، وكل نجاسة أصابت الثوب أو البدن وكانت يابسة لا يجب غسلهما وإنما يستحب مسح اليد بالتراب أو نضح الثوب، وإذا أصاب الأرض أو الحصير أو البارية بول وطلعت عليه الشمس وجففته فإنه يطهر بذلك ويجوز السجود عليه و التيمم به وإن جففته غير الشمس لم يطهر، ولا يطهر غير ما قلناه من الثياب بطلوع الشمس عليه وتجفيفه غير أنه يجوز الوقوف عليه في الصلوة إذا كان موضع السجود طاهرا ولم تكن النجاسة رطبة فيتعدى إليه، ولا يجوز إزالة شئ من النجاسات بغير الماء المطلق من ساير المايعات ولا يحكم بطهارة الموضع بذلك، وفي أصحابنا من أجازه ومن صلى في ثوب فيه نجاسة مع العلم بذلك بطلت صلوته وإن علم أن فيه نجاسة. ثم نسيها وصلى كان مثل الأول عليه الإعادة، وإن لم يعلم وصلى على أصل الطهارة ثم علم أنه كان نجسا والوقت باق أعاد الصلوة وإن مضى الوقت فلا إعادة عليه فإن رأى النجاسة في الصلوة على ثوبه رمى بذلك الثوب وتمم الصلوة فيما بقي، وإن لم يكن عليه غيره طرحه فإن كان بالقرب منه ما يستر عورته به أخذه وستر به العورة و صلى وإن لم يكن بالقرب منه شئ ولا عنده من يناوله قطع الصلوة وأخذ ثوبا يستر به العورة ويستأنف الصلوة، وإن لم يملك ثوبا طاهرا أصلا تمم صلوته من قعود إيماءا، والمذي والوذي طاهران لا يجب إزالتهما فإن أزالهما كان أفضل، والقئ ليس بنجس وفي أصحابنا من قال: هو نجس (2) والصديد والقيح حكمهما حكم القئ سواء، و إذا أصاب خفه أو تكته أو جوربه أو قلنسوته أو ما لا تتم الصلوة فيه منفردا شئ من النجاسة لم يكن بالصلوة فيه بأس وإزالته أفضل. وما لا نفس له سائلة من الميتات لم ينجس الثوب والبدن، ولا المايع الذي يموت

(1) قال المجلسي في مرآت العقول: احتلفوا في نجاسة عرق الجنب عن الحرام فذهب ابنا بابويه والشيخان وابناهما إلى النجاسة بل نسب بعضهم هذا القول إلى الأصحاب، والمشهور بين المتأخرين الطهارة.
2) قال في المختلف: لا أعرف فيه مخالفا إلا ابن الجنيد.

[ 39 ]

فيه ماء كان أو غيره وإن تغير أحد أوصاف الماء به إلا الوزغ والعقرب فإنهما إذا ماتا في الماء يستحب إراقته، وطين الطريق لا بأس به ما لم يعلم به نجاسة فإذا مضى عليه ثلاثة أيام أزيل استحبابا. وإذا أصاب الثوب ماء المطر وقد خالطه شئ من النجاسة فإن كان جاريا من الميزاب فلا ينجس الثوب ولا البدن ما لم يتغير أحد أوصافه الماء لأن حكمه حكم الماء الجاري. والماء الذي يستنجى به أو يغتسل به من جنابة إذا رجع عليه أو على ثوبه لم يكن به بأس فإن انفصل منه ووقع على نجاسة. ثم رجع عليه وجب إزالته وإذا حصل معه ثوبان: أحدهما نجس والآخر طاهر ولا يتميز الطاهر صلى في كل واحد منهما على الانفراد، وروي أنه يتركهما ويصلي عريانا (1) والأول أحوط، وإن كان معه ثوب نجس ولا يقدر على الماء نزعه وصلى عريانا فإن لم يتمكن من نزعه خوفا من البرد صلى فيه، وإذا تمكن نزعه أو غسله وأعاد الصلوة. وبول الخشاف نجس وبول الطيور كلها وذرقها طاهر سواء أكل لحمها أو لم يؤكل. المرأة المربية للصبي إذا كان عليها ثوب واحد لا تملك غيره يصيبه نجاسة في كل وقت ولا يمكنها التحرز منه غسلت الثوب كل يوم مرة واحدة وصلت فيه، وبول الصبي قبل أن يطعم يكفي أن يصب الماء عليه، وبول الصبية لا بد من غسله على كل حال، و إذا مس الثوب أو البدن كافر محكوم بكفره سواء كان كافر أصل أو كافر ملة أو كافر ردة وكان الثوب رطبا أو جسمه رطبا وجب غسل الثوب، وإن كان يابسا رش الموضع بالماء وعلى هذا كل ثوب قصره كافر أو صبغه أو غسله أو غسل غزله أو سقاه أو بله عند العمل

(1) قال الحلي في السرائر: وإذا حصل معه ثوبان: أحدهما نجس والآخر طاهر ولم يتميز له الطاهر ولا يتمكن من غسل أحدهما. قال بعض أصحابنا: يصلي في كل واحد منهما على الانفراد وجوبا، وقال بعض منهم: نزعهما ويصلي عريانا وهذا الذي يقوى في نفسي وبه أفتي.

[ 40 ]

فإنه لا يجوز الصلوة فيه إلا بعد غسله وتطهيره. وما استعمله شارب مسكر أو فقاع ولا نعلم أنه أصابه شئ من ذلك استحب غسله. وإن أصابه شئ من المسكر أو الفقاع وجب غسله ولا يجوز الصلوة فيه على حال قبل ذلك. * (فصل: في ذكر الأغسال) * الأغسال على ضربين: مفروض ومسنون. فالمفروض ستة أغسال: غسل الجنابة والحيض والاستحاضة على بعض الوجوه، والنفاس، وغسل الأموات، وغسل من مس ميتا من الناس بعد برده بالموت وقبل تطهيره بالغسل، والمسنونات ثمانية وعشرون غسلا: غسل يوم الجمعة ووقته من طلوع الفجر من يوم الجمعة إلى وقت الزوال، وقد رخص في تقديمه يوم الخميس لمن خاف الفوت، ويستحب قضاؤه لمن فاته إما بعد الزوال أو يوم السبت، وكلما قرب من الزوال كان أفضل، وإذا اجتمع غسل جنابة وغسل يوم الجمعة وغيرها من الأغسال المفروضات والمسنونات أجزأ عنها غسل واحد إذا نوى به ذلك فإذا نوى به غسل الواجب دون المسنون أجزأ عن الجميع، وإن نوى المسنون دون الواجب لم يجزأه، وإن لم ينو شيئا أصلا لم يجزأه عن شئ من ذلك، وغسل ليلة النصف من رجب، وغسل يوم السابع والعشرين منه، وليلة النصف من شعبان وأول ليلة من شهر رمضان، وليلة النصف منه، وليلة سبع عشرة منه، وتسع عشرة منه، وإحدى وعشرين منه، وثلاث وعشرين منه، وليلة الفطر، ويوم الفطر، و يوم الأضحى، وغسل الاحرام، وغسل دخول الحرم، وغسل دخول المسجد الحرام وعند دخول الكعبة، وعند دخول المدينة، وعند دخول مسجد النبي صلى الله عليه وآله، وعند زيارة النبي صلى الله عليه وآله، وعند زيارة كل واحد من الأئمة عليهم السلام، وغسل يوم الغدير، و يوم المباهلة وهو يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة، وغسل المولود، وغسل قاضي صلاة الكسوف إذا احترق القرص كله وتركها متعمدا، وعند صلاة الحاجة، وعند صلوة الاستخارة فهذه الأغسال كلها مسنونة، وإن كان بعضها آكد من بعض، وغسل التوبة، والكافر إذا أسلم لا يجب عليه الغسل بل يستحب له ذلك اللهم إلا أن يكون

[ 41 ]

وجب عليه الغسل للجنابة وغيرها فإنه إذا أسلم يجب عليه الغسل لأنه في حال كفره لا يصح منه الغسل لأنه لا تصح منه النية. * (فصل: في ذكر الحيض والاستحاضة) الحيض والمحيض عبارتان عن معنى واحد، وهو الدم الأسود الخارج بحرارة على وجه يتعلق به أحكام مخصوصة، ولقليله حد، وإن شئت قلت: هو الدم الذي له تعلق بانقضاء العدة على وجه إما بظهوره أو بانقطاعه، ويتعلق به عشرون حكما: لا يجب عليها الصلوة، ولا يجوز منها فعل الصلوة، ولا يصح منها الصوم، ويحرم عليها دخول المساجد إلا عابرة سبيل، ولا يصح منها الاعتكاف، ولا يصح منها الطواف، ويحرم عليها قراءة العزايم، ويحرم عليها مس كتابة القرآن ويحرم على زوجها وطيها، و يجب على من وطئها متعمدا الكفارة إن كان في أوله دينار، وإن كان في وسطه نصف دينار، وإن كان في آخره ربع دينار، ويجب عليه التعزير، وهل الكفارة واجبة أو مندوب إليها؟ فيه روايتان: إحديهما وهي الأظهر أنها على الوجوب، والثانية أنها على الاستحباب (1)، وإن تكرر منه الوطي فلا نص لأصحابنا فيه معين، وعموم الأخبار يقتضي أن يكون عليه بكل دفعة كفارة، وإن قلنا: إنه لا يتكرر لأنه لا دليل عليه والأصل برائة الذمة كان قويا.

(1) روايات الباب بعضها ظاهرة في الوجوب كرواية محمد بن مسلم المروية في الوسائل الباب - 13 - من أبواب بقية الحدود والتعزيرات ح - 1 - من كتاب الحدود قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل أتى المرأة وهي حائض قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار، وفي وسطه نصف دينار. وبعضها ظاهرة على عدم الوجوب كصحيحة العيص بن القاسم المروية في الوسائل باب - 29 - من أبواب الحيض سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل واقع امرأته وهي طامث قال: لا يلتمس فعل ذلك قد نهى الله أن يقربها. قلت فإن فعل أعليه كفارة؟ قال: لا أعلم فيه شيئا يستغفر الله ولا يعود. نعم ما نقل عن الدعائم: من أتى حائضا فقد أتى ما لا يحل له، ويستغفر الله ويتوب من خطيئته، وإن تصدق مع ذلك فقد أحسن إن لم يشكل بضعف سنده ظاهر في الاستحباب.

[ 42 ]

ويجب عليها الغسل عند الانقطاع، ولا يصح طلاقها، ولا يصح منها الغسل ولا الوضوء على وجه يرفعان الحدث، ولا يجب عليها قضاء الصلوة، ويجب عليها قضاء الصوم، ويكره لها قراءة ما عدا العزايم، ومس المصحف وحمله، ويكره لها الخضاب ولا يجوز أن ترى المرأة دم الحيض قبل أن تبلغ تسع سنين فإن رأت قبله لم يكن دم حيض، وإن رأته لتسع سنين فصاعدا جاز أن يكون دم حيض، وتئس المرأة من الحيض إذا بلغت خمسين سنة إلا إذا كانت امرأة من قريش فإنه روي أنها ترى دم الحيض إلى ستين سنة (1) ومتى رأت بعد ذلك لم يكن دم حيض. وينقسم الحيض ثلاثة أقسام: قليل وكثير وما بينهما فحد القليل ثلاثة أيام متتابعات، وفي أصحابنا من قال ثلاثة أيام في جملة العشرة، وهو الذي ذكرناه في النهاية والأول أحوط (2)، والكثير عشرة أيام، وما بينهما بحسب عادة النساء فإذا ثبت هذا فأول ما ترى المرأة الدم ينبغي أن تمتنع من الصوم والصلوة فإن استمر بها ثلاثة أيام متتابعة قطعت على أنه دم حيض ولم يكن عليها شئ، وإن رأت أقل من ذلك قطعت على أنه لم يكن دم حيض وقضت الصلوة والصوم، وعلى الرواية الأخرى إذا رأت الثلاثة أيام في جملة العشرة دما لم يلزمها قضاء الصلوة، وإذا قلنا: لا يكون أقل من ثلاثة أيام متواليات فمتى رأت ثلاثة أيام تركت الصلوة والصوم فإن رأت بعد ذلك الطهر صلت وصامت. وإن رأت بعد ذلك دما قبل أن يستوي عشرة أيام على أي صفة كان الدم أسود كان أو أحمر أو أصفر وعلى كل حال كان ذلك كله حيضا ولم يكن عليها فيما صلت وصامت شئ غير أنها تقضي فيما بعد الصوم، وإن رأت بعد أن تمضي لها عشرة أيام دما قطعت على أنه ليس بدم حيض وأنه من الاستحاضة، وسنذكر حكمه، فإن رأت الصفرة والكدرة في مدة العشرة أيام حكم

(1) المروية في الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الحيض ح - 2 - 9.
(2) ما هو المشهور بين الأصحاب اشتراط التتابع، ولكن نقل عن بعض عدمه كما عن النهاية والاستبصار والمهذب وظاهر مجمع البرهان وصريح كشف اللثام.

[ 43 ]

بأنها من الحيض وإن رأت الدم ثلاثة أيام حكم لها بأنه دم حيض ثم رأت يوم الحادي عشر أو الثاني عشر أو الثالث عشر من وقت ما رأت الدم الأول كان ذلك كله محكوما بأنه دم استحاضة. فإن رأت يوم الرابع عشر دما كان ذلك كله من الحيضة المستقبلة لأنها قد استوفت أقل الطهر وهو عشرة أيام هذا إذا رأت الطهر فيما بين الدمين فأما إذا اتصل بها الدم فله حكم مفرد سنذكره إن شاء الله. فإن رأت الدم ثلاثة أيام. ثم رأت الطهر بعده أياما. ثم رأت الدم قبل أن تخرج من العشرة أيام كان ذلك من الحيضة الأولى. فإن انقطع عنها ورأت الطهر عدة أيام الطهر من وقت انقطاع الدم الأخير وتستوفي عشرة أيام إلى أن تستقر لها عادة، ويستقر عادة المرأة بأن يمر لها شهران أو ثلاثة أشهر ترى فيها الدم أياما معلومة في وقت معلوم فيصير ذلك عادتها تعمل عليها وترجع إليه إن استحاضت، ومتى استقر لها عادة. ثم تقدمها الحيض بيوم أو يومين أو تأخر بيوم أو يومين حكمت بأنه من الحيض، وإن تقدم بأكثر من ذلك أو تأخر بمثل ذلك إلى تمام العشرة أيام حكم أيضا بأنه دم حيض فإن زاد على العشرة لم يحكم بذلك فإن اختلط عليها أيامها فلا يستقر لها على وجه واحد تركت الصوم و الصلوة كلما رأت الدم، وكلما رأت الطهر صلت إلى أن تستقر عادتها لما ذكرناه من اتفاق الشهرين والثلاثة على أيام معلومة وأوقات معينة، ومتى اشتبه دم الحيض بدم العذرة أدخلت قطنة فإن خرجت منغمسة بالدم فذلك دم حيض، وإن خرجت متطوقة فذاك دم عذرة، وإن اشتبه بدم القرح أدخلت إصبعها فإن كان الدم خارجا من الجانب الأيمن فذاك دم قرح، وإن كان خارجا من الجانب الأيسر فهو دم حيض، وإن اشتبه بدم الاستحاضة فلدم الاستحاضة صفة نذكرها، والصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض وفي أيام الطهر طهر سواء كانت أيام حيضها التي جرت عادتها أن تحيض فيه أو الأيام التي كان يمكن أن يكون حايضا مثال ذلك أن تكون المرأة المبتدأة إذا رأت الدم مثلا خمسة أيام ثم رأت إلى تمام العشرة أيام صفرة أو كدرة فالجميع حيض لأنه في أيام الحيض، وكذلك إن جرت عادتها أن تحيض كل شهر خمسة أيام ثم رأت في بعض الشهور خمسة أيام دما. ثم رأت بعد ذلك إلى تمام العشرة صفرة أو كدرة حكمنا

[ 44 ]

بأنه حيض، وكذلك إذا كانت عادتها أن ترى أياما بعينها دما. ثم رأت في بعض الشهور في تلك الأيام الصفرة أو الكدرة حكمنا بأنه من الحيض، فإن رأت عقيبه دما حكمنا بأنه من الحيض إلى تمام العشرة أيام فإن زاد على ذلك حكمنا بأنه دم استحاضة، وكذلك إذا رأت أول ما يبلغ الصفرة أو الكدرة وقد بلغت حدا يجوز أن يكون حايضا حكمنا بأنه من الحيض لأنه وقت الحيض، وكذلك إذا رأت دم الحيض أياما قد جرت عادتها فيه. ثم طهرت ومر بها أقل أيام الطهر، وهي عشرة أيام. ثم رأت الصفرة والكدرة حكمنا بأنها من الحيض لأنها قد استوفت أقل أيام الطهر وجاءت الأيام التي يمكن أن يكون حايضا فيها، وإنما قلنا، بجميع ذلك لما روي عنهم عليهم السلام من أن الصفرة في أيام الحيض حيض وفي أيام الطهر طهر فحملناها على عمومها (1) وإذا انقطع الدم عنها فيما دون العشرة ولم تعلم أهي بعد حايض أم لا؟ أدخلت قطنة فإن خرجت وعليها دم وإن كان قليلا فهي بعد حايض وإن كانت نقية فقد طهرت فلتغتسل، ويجوز للزوج وطؤها قبل الغسل إذا تيقنت الطهر سواء كان الطهر في أكثر مدة الحيض أو فيما دونه وبعد الغسل أفضل، ولا يفعل ذلك إلا بعد أن تغسل فرجها فإذا طهرت اغتسلت، وكيفية غسلها مثل غسل الجنابة سواء، ويلزمها تقديم الوضوء ليسوغ لها استباحة الصلوة على الأظهر من الروايات فإن لم تتوض قبله فلا بد منه بعده، وفي أصحابنا من قال يجزيها الغسل (2) والأول أحوط فإذا اغتسلت قضت الصوم، ولا يلزمها قضاء الصلوة. فإن رأت الدم وقد دخل وقت صلاة ومضى مقدار ما يمكنها أداء تلك الصلوة، ولم تكن قد صلت وجب عليها قضاء تلك الصلوة، وإن رأت الدم قبل ذلك لم يلزمها القضاء، وإن طهرت في وقت صلوة وأخذت في تأهب الغسل فخرج الوقت لم يجب عليها القضاء وإن توانت عن الغسل حتى خرج الوقت وجب

(1) رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 157 ح 453 عن يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام.
(2) هذا مختار السيد، ووافقه الكاتب والأردبيلي وتلميذه فقالوا: لا يجب الوضوء مع الغسل.

[ 45 ]

عليها القضاء، فإن طهرت بعد زوال الشمس إلى بعد دخول وقت العصر قضت الصلوتين معا وجوبا، ويستحب لها قضاؤهما إذا طهرت قبل مغيب الشمس بمقدار ما تصلي خمس ركعات فإن لم تلحق إلا مقدار ما تصلي فيه أربع ركعات لزمها العصر لا غير، وإن لحقته قبل المغرب مقدار ما تصلي فيه ركعة لزمها العصر، وإذا طهرت بعد مغيب الشمس إلى نصف الليل لزمها قضاء العشائين، ويستحب لها أيضا قضاؤهما إذا طهرت إلى قبل الفجر بمقدار ما تصلي خمس ركعات فإن لم تلحق أكثر من أن تصلي فيه أربع ركعات لم يلزمها أكثر من العشاء الآخرة، ويلزمها قضاء الفجر إذا طهرت قبل طلوع الشمس بمقدار ما تصلي فيه ركعة فإن كان أقل من ذلك لم يكن عليها قضاء، وإذا أصبحت صائمة ثم حاضت أفطرت أي وقت رأت الدم ولو كان قبل المغرب بيسير، وتقضي ذلك اليوم والأفضل إذا رأت الدم بعد العصر أن تمسك بقية النهار تأديبا وعليها القضاء على كل حال فإذا أصبحت حايضا. ثم طهرت أمسكت بقية النهار تأديبا وعليها القضاء، وينبغي للحايض أن تتوضأ عند وقت كل صلوة وتجلس في مصلاها وتذكر الله بمقدار زمان صلاتها استحبابا، وأقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام، وليس لكثيره حد بل يختلف الحال فيه. * (فصل: في ذكر الاستحاضة وأحكامها) * الاستحاضة هي الدم الأصفر البارد الذي لا تحس المرأة بخروجه منها في غالب الحال أو ما زاد على أكثر الحيض أو النفاس وهي عشرة أيام وإن لم تكن بهذه الصفة، والمستحاضة لا تخلوا من أحد أمرين: إما أن يكون مبتدأة أو من لها عادة فإن كانت مبتدأة فلها إذا استمر بها الدم أحوال أربعة: أحدها: أن يتميز لها بالصفة. فإذا رأته بصفة دم الحيض تركت الصوم والصلوة وإذا رأته بصفة دم الاستحاضة صلت وصامت إذا فعلت ما يجب على المستحاضة، ويعتبر بين الحيضتين عشرة أيام طهرا وما تراه بصفة دم الحيض إنما يكون له حكم إذا جمع شرطين: أحدهما: أن تراه بتلك الصفة ثلاثة أيام لأن ما نقص عنها لا يكون حيضا.

[ 46 ]

والثاني لا يزيد على عشرة أيام لأن ما زاد على العشرة لا يكون حيضا فإذا رأت في الشهر الأول ثلاثة أيام ما هو بصفة دم الحيض، وفي الشهر الثاني خمسة أيام، وفي الثالث سبعة أيام كان ما تراه بصفة دم الحيض كله حيضا في كل شهر والباقي يكون طهرا لأنه ما استقر لها عادة فإن رأت في شهرين متواليين مثلا ثلاثة أيام ورأت في الشهر الثالث خمسة أيام حكم في الشهرين الأولين بأن حيضها ثلاثة أيام لأن عادتها قد استقرت بالشهرين غير أنها في الشهر الأول والثاني لا تصلي ولا تصوم إلا بعد أن يمضي عليها عشرة أيام أقصى مدة الحيض على أي صفة كان فإذا ثبت في الشهر الثالث أن ما زاد في الشهر الأول والثاني على الأيام التي رأت فيها دم الحيض كان استحاضة قضت الصوم والصلوة، وأما في الشهر الثالث الذي استقرت فيه عادتها فإنها تغتسل إذا مضت عليها الأيام التي رأت فيها دم الحيض في الشهر الأول والثاني وتصوم وتصلي وإذا رأت المبتدأة ثلاثة أيام دم الحيض، وثلاثة أيام دم الاستحاضة وأربعة أيام صفرة. ثم انقطع كان الكل من الحيض، وإنما يحكم بأنه طهر إذا جاز العشرة أيام فتبين بذلك أن ما قبل العشرة كان دم استحاضة، فإذا رأت المبتدأة ثلاثة أيام دم الاستحاضة وثلاثة أيام دم الحيض. ثم دم الاستحاضة وجاز العشرة فإنها تحكم أنما رأته بصفة دم الحيض حيض وما هو بصفة دم الاستحاضة طهر تقدم ذلك أو تأخر لأنه ليس بأن يجعل الثلاثة الأولة مضافة إلى الحيض بأولى من التي بعد أيام الحيض فسقط [ فسقطا خ ل ] وعمل على اليقين مما هو بصفة دم الحيض، وكذلك إذا رأت أولا دم الاستحاضة خمسة أيام. ثم رأت ما هو بصفة دم الحيض باقي الشهر يحكم في أول يوم ترى ما هو بصفة دم الحيض إلى تمام العشرة أيام بأنه حيض وما بعد ذلك استحاضة فإن استمر على هيئته جعلت بين الحيضة والحيضة الثانية عشرة أيام طهرا وما بعد ذلك من الحيضة الثانية. ثم على هذا التقدير فإن رأت أقل من ثلاثة أيام دم الحيض ورأت فيما بعد دم الاستحاضة إلى آخر الشهر كانت هذه لا تمييز لها فترجع إلى عادة نساءها وهي الحالة الثانية على ما قلناه فإن لم يكن لها نساء قرابات أو كن مختلفات رجعت إلى من هي من أقرانها من أهل بلدها وهي الحالة الثالثة فإن لم يكن هناك نساء أو كن مختلفات

[ 47 ]

تركت الصوم والصلوة في الشهر الأول ثلاثة أيام، وفي الثاني عشرة أيام أو في كل شهر سبعة أيام لأن في ذلك روايتين لا ترجيح لأحديهما على الأخرى وهما متقاربتان، وهذه الحالة الرابعة، وإذا رأت المبتدأة ما هو بصفة دم الاستحاضة ثلاثة عشر يوما. ثم رأت ما هو بصفة الحيض بعد ذلك واستمر كان ثلاثة أيام من أول الدم حيضا و العشرة طهرا وما رأته بعد ذلك واستمر كان من الحيضة الثانية، وأما إذا كانت المرأة لها عادة فلها أيضا أربعة أحوال: أحدها: أن يكون لها عادة بلا تمييز. والثاني: أن يكون لها عادة وتمييز. والثالث: اختلف عادتها ولها تمييز. الرابع: اختلف عادتها ولا تمييز لها. فالقسم الأول: وهي التي لها عادة فيما مضى أو يكون قد مضى بها شهران رأت فيهما ما هو بصفة دم الحيض فإنها تحكم أيضا بأن ذلك عادتها ويبنى عليها، وقد بينا أنها تترك الصوم والصلاة في الشهرين الأولين أقصا مدة الحيض فإذا استقرت عادتها قضت ما نقص عن ذلك مثال ذلك أنها رأت في الشهر الأول ثلاثة أيام، وفي الشهر الثاني مثل ذلك، وفي الشهر الثالث استمر بها الدم بتلك الصفة إلى آخر الشهر فحكم بأن حيضها ثلاثة أيام وتصلي وتصوم ما بعد ذلك. وإذا رأت المبتدأة دم الحيض خمسة أيام وعشرة أيام طهرا بعد ذلك. ثم رأت خمسة أيام دم الحيض، ثم رأت عشرة أيام طهرا. ثم استحيضت فقد حصل لها عادة في الحيض والطهر تجعل أيام حيضها خمسة أيام وأيام طهرها عشرة أيام، وكذلك إن رأت دم الحيض خمسة أيام وخمسة وخمسين يوما طهرا. ثم رأت خمسة أيام حيضا وخمسة وخمسين يوما طهرا. ثم استحاضت تجعل حيضها في كل شهرين خمسة أيام لأن ذلك صار عادتها. وإذا كانت عادتها خمسة أيام في كل شهر فرأت الدم قبلها بخمسة أيام ولم تر فيها شيئا كان حيضها قد تقدم، وكذلك إن رأت خمسة بعدها ولم تر فيها حيضها قد تأخر

[ 48 ]

وإن رأت في خمسة أيام قبلها وفيها كان الكل حيضا لأنه عشرة أيام، وكذلك إن رأت فيها وفي خمسة بعدها كانت العشرة كلها حيضا، وهي أقصى مدة الحيض، وإن رأت في خمسة قبلها وفيها وفي خمسة بعدها. ثم انقطع ولم يتميز لها تجعل أيام عادتها حيضها [ حيضا خ ل ] والباقي استحاضة لأن هذه اختلط دم حيضها بدم استحاضتها فينبغي أن تعمل على عادتها، والمسألتان الأولتان ليس فيهما اختلاط دم الحيض بدم الاستحاضة فكان الكل دم حيض. إذا كانت عادتها الخمسة الثانية من الشهر فرأت من أول الشهر والخمسة أيام واستمر بها الدم فينبغي أن تجعل ابتداء أيام حيضها من الخمسة الثانية حسب ما كان عادتها. إذا رأت المبتدأة في الشهر الأول خمسة أيام دم الاستحاضة، وفي الثاني خمسة أيام دم الحيض والباقي دم استحاضة، وفي الثالث دما مبهما فإنها في الشهر الأول والثالث تعمل ما تعمله من لا عادة لها ولا تمييز، وفي الشهر الثاني تجعل أيامها خمسة أيام والباقي استحاضة لأنه لا تثبت العادة بشهر واحد ولا يمكن أن تبني عليه الشهر الثالث. إذا كانت عادتها أن ترى الدم في أول كل شهر خمسة أيام فلما كان في بعض الشهور رأت في تلك الخمسة أيام على العادة وطهرت عشرة أيام. ثم رأت دما نظر فيه فإن انقطع دون أكثر مدة الحيض التي هي عشرة أيام كان ذلك من الحيضة الثانية و إن استمر على هيئته واتصل عملت على عادتها المألوفة في الخمسة في أول كل شهر و تجعل الباقي استحاضة لأن الدم الثاني لم يخلص للحيض بل اختلط بدم الاستحاضة و لها عادة فوجب أن ترجع إلى عادتها. وأما القسم الثاني: وهي التي لها عادة وتمييز مثل أن تكون امرأة تحيض في أول كل شهر خمسة أيام فرأت في كل شهر عشرة أيام دم الحيض. ثم رأت بعدها دم الاستحاضة واتصل فيكون حيضها عشرة أيام اعتبارا بالتمييز، وكذلك إذا كانت عادتها خمسة أيام فرأت ثلاثة أيام دما أسود. ثم رأت دما أحمر إلى آخر الشهر فإن حيضها ثلاثة أيام وما بعدها استحاضة اعتبارا بالتمييز. وكذلك إذا كانت عادتها خمسة أيام من أول الشهر فرأت في أول الشهر ثلاثة

[ 49 ]

أيام دما أحمر، وثلاثة أيام دما أسود، وأربعة أيام دما أحمر واتصل كان حيضها الثلاثة أيام الثانية من الشهر وهو أيام الدم الأسود اعتبارا بالتمييز، ويكون حيضها تقدم أو تأخر. وكذلك إذا كانت عادتها ثلاثة أيام من أول كل شهر فرأت ستة أيام دما أحمر وأربعة أيام دما أسود واتصل كان حيضها الأربعة أيام التي رأت فيها دما أسود اعتبارا بالتمييز. ولو قلنا في هذه المسائل: إنها تعمل على العادة دون التمييز لما روي عنهم عليهم السلام إن المستحاضة ترجع إلى عادتها ولم يفصلوا كان قويا. والمستحاضة متى تميز لها أيام الحيض إما بصفة الدم أو بالرجوع إلى العادة أو كانت مبتدأة فتركت الصوم الصلوة على الترتيب الذي قدمناه وصلت وصامت ما بعد ذلك لا يجب عليها قضاء صوم ولا صلوة على حال لأن أيامها التي صلت فيها وصامت محكوم بطهارتها، وإذا ثبت ذلك فلا يجب عليها القضاء. وأما القسم الثالث: وهي التي كانت لها عادة فنسيتها أو اختلط عليها ولها تمييز فإنها ترجع إلى صفة الدم. فإذا رأته بصفة دم الحيض عملت ما تعمله الحايض، وإذا رأته بصفة دم الاستحاضة عملت ما تعمله المستحاضة. وإن رأت من ذكرنا حالها مثلا خمسة أيام دما بصفة الحيض تركت الصلوة وإذا رأت بعد ذلك خمسة أيام دم الاستحاضة فإن انقطع عنها الدم في العاشر كان كله حيضا. وإن جاز ما هو بصفة دم الاستحاضة العشرة أيام كان ذلك دم استحاضة من وقت ما رأته بصفة دم الاستحاضة، وتقضي الصوم والصلوة فيه، فإن رأت أولا دما بصفة دم الاستحاضة خمسة أيام. ثم رأت خمسة أيام ما هو بصفة دم الحيض وانقطع كان كله دم الحيض. وإن جاز ما هو بصفة دم الحيض العشرة ودام إلى الخمسة عشر يوما كانت الخمسة الأولة لم يكن دم حيض تقضي فيها الصوم والصلوة، وإن انقطع فيما بين العشرة و

[ 50 ]

والخمسة عشر يوما قضت الصوم والصلوة في الخمسة أيام التي رأت فيها الدم بصفة دم الاستحاضة وسقط عنها ما بعد ذلك. فإن رأت ثلاثة أيام مثلا دم الحيض ثم رأت ثلاثة أيام دم الاستحاضة. ثم رأت إلى تمام العشرة دم الحيض وانقطع كان الكل دم الحيض وكذلك إن انقطع فيما دون العشرة. وإن جاز العشرة أيام ما هو بصفة دم الحيض وبلغ ستة عشر يوما كانت العشرة أيام كلها حيضا، وقضت الصوم والصلوة في الستة الأولى فإن رأت أولا ثلاثة أيام دم الاستحاضة، ثم رأت ما هو بصفة دم الحيض إلى تمام العشرة وانقطع كان الكل حيضا. فإن جار العشرة ما هو بصفة دم الحيض ثم انقطع بعد ذلك كان ما رأته أولا بصفة دم الاستحاضة لم يكن حيضا قضت فيه الصوم والصلوة، وإن رأت دم الحيض خمسة أيام مثلا. ثم رأت دم الاستحاضة وجاز العشرة أيام إلى خمسة عشر يوما. ثم رأت دم الحيض كان ذلك من الحيضة الثانية لأنها قد استوفت أقل الطهر وهو عشرة أيام فإن رأت فيما دون الخمسة عشر يوما دم الحيض لم يكن ذلك دم حيض لأنها ما استوفت عشرة أيام الطهر، وكذلك إن رأت دم الحيض أقل من خمسة أيام ثم رأت دم الاستحاضة وجاز العشرة ثم رأت دم الحيض يستوفي من وقت ما رأت دم الاستحاضة عشرة أيام. ثم تحكم بما تراه بعد ذلك أنه من الحيضة المستقبلة فإن رأت أولا دم الحيض سبعة أيام ثم رأت بعد ذلك دم الاستحاضة وجاز العشرة تستوفي أقل الطهر عشرة أيام سواء انقطع الدم قبل ذلك أو تغير فرجع إلى لون دم الحيض أو لم يرجع لأن الطهر لا يكون أقل من عشرة أيام وكذلك ما يزيد على ذلك من المسائل فهذه أصولها التي ذكرناها. وأما القسم الرابع: وهي التي لا يتميز لها صفة الدم وأطبق عليها الدم وقد نسيت العادة فإن لها ثلاثة أحوال: أحدها: أن تكون ذاكرة لأيام حيضها وعددها وناسية للوقت. الثانية: أن تكون ذاكرة للوقت ناسية للعدد.

[ 51 ]

الثالثة: أن تكون ناسية للعدد والوقت معا فإن كانت ذاكرة للعدد ناسية للوقت فإنها تترك الصوم والصلوة مثل عدد تلك الأيام في الوقت الذي تعلم أنه حيض بيقين وتصلي وتصوم فيما بعد إذا عملت ما تعمله المستحاضة من الشهر بعد أن تغتسل، وإنما قلنا: ذلك لأن هناك طريقا تعلم به أيام حيضها على ما نبينه، وإن كانت ذاكرة للوقت ناسية للعدد تركت الصلوة والصوم في تلك الأيام ثلاثة أيام وهي أقل أيام الحيض لأنه مقطوع به، والباقي ليس عليه دليل، وإن كانت ناسية للعدد والوقت فعلت ثلاثة أيام من أول الشهر ما تفعله المستحاضة وتغتسل فيما بعد لكل صلاة، و صلت وصامت شهر رمضان، ولا يطأها زوجها أصلا لأن ذلك يقتضيه الاحتياط، ولا يمكن أن تطلق هذه على مذهبنا إلا على ما روي أنها تترك الصوم والصلوة في كل شهر سبعة أيام (1) وتصوم وتصلي فيما بعد وتكون مخيرة على هذه الرواية في السبعة الأيام في أول الشهر وأوسطه وآخره. والتفريع على المسألة الأولى، وهي إذا كانت ذاكرة للعدد ناسية للوقت فجملته أن كل زمان تتيقن فيه حيضها فعلت ما تفعله الحايض، وكل زمان لا تتيقن ذلك فيه فعلت ما تفعله المستحاضة، وكل زمان احتمل فيه انقطاع دم حيضها وجب عليها الغسل فيه للصلوة فمن ذلك إذا قالت: كنت أحيض في الشهر إحدى العشرات، ولا أعلم أنها هي العشرة الأولى أو الثانية أو الثالثة فإن هذه ليس لها حيض بيقين ولا طهر بيقين فتجعل زمانها زمان الطهر فتصلي من أول الشهر إلى آخره بعد أن تفعل ما تفعله المستحاضة و تغتسل في آخر كل عشرة لاحتمال انقطاع دم الحيض فيه. وإذا قالت: كنت أحيض عشرة أيام في كل شهر ولا أعلم موضعها من الشهر فإن هذه أيضا ليس لها حيض ولا طهر بيقين تفعل ما تفعله المستحاضة لكل صلوة في العشرة الأولى. ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلوة إلا أن تعلم أنها كانت تطهر في وقت معلوم فتغتسل في كل يوم في ذلك الوقت، والفرق بين هذه المسألة الأولى أن الأولى قطعت على أن ابتداء حيضها كان في أول العشرة وإنما شكت في العشرات.

(1) رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 381 ح 1183 عن يونس.

[ 52 ]

والمسألة الثانية قطعت على أن حيضها كان عشرة أيام ولم تعلم أولها وجوزت أن تكون من اليوم الأول والثاني والثالث والرابع، وما زاد على ذلك، وإنما أوجبنا عليها الغسل عند كل صلوة فيما زاد على العشرة لجواز أن يكون انقطع حيضها عند ذلك، وإذا قالت: كان حيضي ثلاثة أيام في العشرة الأولة من الشهر ولا أعلم موضعها من هذا العشر فإن هذه ليس لها حيض ولا طهر بيقين في هذه العشرة فتصلي من أول العشرة في اليوم الأول والثاني والثالث إذا فعلت ما تفعله المستحاضة. ثم تغتسل لكل صلوة إلى تمام العشرة أيام إلا أن تعلم أن انقطاع الدم كان في وقت بعينه فتغتسل لذلك الوقت وتتوضأ في غيره. وإذا قالت: كان حيضي أربعة أيام في العشرة الأولى، ولا أعلم موضعها فإنها تصلي إذا فعلت ما تفعله المستحاضة أربعة أيام ثم تغتسل لكل صلوة على ما بيناه. فإذا قالت: كان حيضي خمسة أيام صلت إذا فعلت ما تفعله المستحاضة خمسة أيام. ثم اغتسلت بعدها لكل صلوة فأما إذا قالت: كان حيضي ستة أيام في العشرة الأولة فإن لها حيضا بيقين، وإنما لا يكون لها حيض بيقين إذا لم تزد على الخمسة أيام فأما إذا زاد على الخمسة أيام فقد حصل لها اليقين في الحيض فيكون في هذه المسألة اليوم الخامس والسادس من الحيض لأن الابتداء إن كان من أول العشرة فالخامس و السادس حيض، وإن كان الابتداء من اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع أو الخامس فإن هذين اليومين أيضا داخلان فيه بيقين فإذا كان كذلك فإنها تفعل ما تفعله المستحاضة لكل صلاة إلى اليوم الخامس وتترك الصلوة في الخامس والسادس. ثم تغتسل بعد ذلك عند كل صلوة لجواز أن يكون دم الحيض انقطع عندها إلا أن تعلم أن دم الحيض كان ينقطع في وقت بعينه فتغتسل لذلك الوقت في كل يوم إلى تمام العشرة أيام فإذا جازت العشرة فهي طاهرة بيقين تفعل ما تفعله المستحاضة. إذا قالت: كان حيضي سبعة إيام كان يقين حيضها أربعة أيام. وإذا قالت: كان حيضي ثمانية أيام كان يقين حيضها ستة أيام. وإذا قالت: كان حيضها تسعة أيام كان يقين حيضها ثمانية أيام ثم على

[ 53 ]

هذا الحساب ما يتركب من المسائل. وإذا قالت: كان حيضي عشرة أيام في كل شهر وأعلم أني كنت في العشر الآواخر من الشهر طاهرا ولا أدري موضعها من العشرين فإنها في العشر الأول تفعل ما تفعله المستحاضة عند كل صلوة لأن انقطاع الدم لا يحتمل فيها فإذا انقضت العشرة الأولى اغتسلت لكل صلوة إلا أن تعلم أن انقطاع الدم كان في وقت بعينه فتغتسل لذلك الوقت في كل يوم، وأما العشرة الثالثة فإنها طاهرة بيقين فتصلي وتصوم إذا فعلت ما فعلته المستحاضة. إذا قالت: كان حيضي عشرة أيام، وأعلم أني كنت طاهرة في العشر الأول فإنها طاهرة في العشر الأول بيقين تصلي وتصوم فيها إذا فعلت ما تفعله المستحاضة عند كل صلوة ولا يجب عليها فيه الاغتسال لأجل انقطاع الدم لأن ذلك لا يحتمل فإذا دخلت في العشرة الثانية فعلت مثل ذلك لأنها إن كانت حايضا فلا يضرها، وإن كانت مستحاضة فقد صلت فيه فإذا دخلت في العشر الثالث اغتسلت لكل صلوة لاحتمال انقطاع دم الحيض عندها إلا أن تعلم أن وقت انقطاع الدم في وقت بعينه فتغتسل لذلك الوقت في كل يوم. وإذا قالت: كان حيضي خمسة أيام من العشرة الأولى، ولا أعلم موضعها غير أني كنت أكون في اليوم الأول من الشهر طاهرة فإن اليوم الأول يكون طهرا بيقين تعمل ما تعمله المستحاضة لكل صلوة، وفي اليوم الثاني والثالث والرابع والخامس طهر مشكوك فيه تفعل ما تفعله المستحاضة لكل صلوة، وأما اليوم السادس فحيض بيقين لأنه إن كان ابتداء الحيض من اليوم الثاني فإن اليوم السادس آخره، وإن كان آخره اليوم العاشر فإن أوله السادس فإذا كان كذلك كان اليوم السادس داخلا في الحيض بيقين فيلزمها أن تفعل ما تفعله الحايض ثم تغتسل في آخره لاحتمال انقطاع الدم فيه ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلوة إلى آخر العاشر، ثم تفعل ما تفعله المستحاضة بعد ذلك لكل صلوة إلى آخر الشهر، ويكون ذلك طهرا بيقين. وعلى هذا الترتيب إذا قالت: أعلم أني كنت في اليوم الثاني طاهرا أو في اليوم

[ 54 ]

الثالث أو في اليوم الرابع. وإذا قالت: كان حيضي خمسة أيام من العشرة الأولة وأعلم أني كنت أكون في اليوم الخامس طاهرا بيقين قلنا لها: حيضك الخمسة الثانية من العشرة الأولى بيقين. وإذا قالت: أعلم أني كنت في اليوم السادس طاهرا قلنا: فحيضك الخمسة الأولى. وإذا قالت: كان حيضي في كل شهر عشرة أيام، ولا أعرف موضعها إلا أني أعلم أني كنت أكون اليوم السادس طاهرا بيقين فإن هذه يقال لها: أنت من أول الشهر إلى آخر السادس طاهر بيقين، ومن أول السابع إلى آخر السادس عشر مشكوك فيه تفعل ما تفعله المستحاضة فيه لكل صلوة ثم تغتسل بعد ذلك عند كل صلوة إلى آخر الشهر لاحتمال انقطاع الدم. وإذا قالت: كان حيضي في كل شهر عشرة أيام ولا أعرف موضعها وأعلم أني كنت أكون في اليوم العاشر طاهرا بيقين فيكون من أول الشهر إلى آخر العشر طاهرا بيقين ومن أول الحادي عشر إلى آخر الشهر طهر مشكوك فيه تفعل ما تفعله المستحاضة إلى آخر العشرين، ثم تغتسل لكل صلوة إلى آخر الشهر. وإذا قالت: كان حيضي عشرة أيام، وأعلم أني كنت اليوم الحادي عشر طاهرا فإن هذا اليوم طهر بيقين، وما قبله طهر مشكوك فيه تفعل ما تفعله المستحاضة إلى آخر العاشر. ثم تغتسل بعد ذلك وتصلي. ثم تفعل ما تفعله المستحاضة لكل صلوة إلى آخر الحادي والعشرين. ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلوة إلى آخر الشهر، وعلى هذا في كل شهر، ويكون قرء واحد طهرا بيقين واثنان طهرا مشكوكا فيه. فإذا قالت: كان لي في كل شهر حيضتان بينهما طهر، ولا أعلم موضعهما ولا عددهما فإن هذه حكمها حكم التي لا تعرف أيامها أصلا، وسنذكر القول فيهما، وإنما قلنا ذلك لأنا لو فرضنا الحيضتين أقل ما يكون الحيض أو أكثره أو أحدهما أقل والآخر أكثر وجعلنا بينهما أقل الطهر فلا يستمر ذلك في كل شهر، وينبغي أن يكون حكمها ما قدمناه من أنها تغتسل عند كل صلوة وتصلي وتصوم شهر رمضان ولا يطأها زوجها لأن ذلك يقتضيه الاحتياط لعدم الفرق بين زماني الحيض والطهر.

[ 55 ]

وإذا قالت: كان حيضي في كل شهر خمسة أيام لا أعلم موضعها غير أني أكون في الخمسة الأخيرة طاهرا بيقين وأعلم أن لي طهرا صحيحا غيرها في كل شهر، ولا أعلم موضع ذلك وكيفيته فإنه يحتمل أن يكون حيضها في الخمسة الأولى والباقي طهرا ويحتمل أن يكون في الخمسة الثانية والباقي طهرا، ويحتمل أن يكون في الخمسة الثالثة، ويكون ما قبله وما بعده طهرا كاملا، ويحتمل أن يكون في الخمسة الرابعة و يكون ما قبله وما بعده طهرا، ويحتمل أن يكون في الخمسة الخامسة وما قبله طهرا فإذا احتمل ذلك فينبغي لها أن تفعل في الخمسة الأولى ما تفعله المستحاضة عند كل صلوة وتصلي وتصوم وتغتسل فيما بعد ذلك عند كل صلوة إلى آخر يوم الخامس والعشرين لاحتمال أن يكون الحيض انقطع عنها [ عندها خ ل ] وتفعل في الخمسة الأخيرة ما تفعله المستحاضة لأنه طهر مقطوع به. إذا قالت: كان حيضي في كل شهر عشرة أيام، ولا أعرف موضعها إلا أني أعلم أني كنت أكون اليوم العاشر حايضا فإن هذه يمكن أن يكون العاشر آخر حيضها و ابتداؤه من أول الشهر، ويمكن أن يكون العاشر أول حيضها ويكون آخره التاسع عشر، ويحتمل أن يكون ابتداء حيضها ما بين اليوم الأول من الشهر والعاشر فإذا كان كذلك كان من أول الشهر إلى يوم العاشر طهرا مشكوكا فيه تصوم وتصلي إذا فعلت ما تفعله المستحاضة ولا يطأها زوجها، ولا يحتمل انقطاع الحيض، واليوم العاشر يكون حيضا بيقين تترك فيه ما تتركه الحايض وتغتسل في آخره. ثم تغتسل لكل صلوة بعد ذلك إلى تمام التاسع عشر إلا أن تعلم انقطاع الحيض في وقت بعينه فتغتسل من الوقت إلى الوقت وما بعد ذلك إلى تمام الشهر طهر بيقين تعمل ما تعمله المستحاضة فيحصل لها في كل شهر أحد عشر يوما طهرا بيقين ويوما واحدا حيضا بيقين، وما عدا ذلك فهو طهر مشكوك فيه. وإذا قالت: كان حيضي خمسة أيام في كل شهر، ولا أعرف موضعها إلا أني أعلم أني كنت أكون اليوم الثاني عشر حايضا بيقين فإن هذه يمكن أن تكون أول حيضها من أول الثامن من الشهر وآخره تمام الثاني عشر ويمكن أن يكون ابتداء

[ 56 ]

حيضها من الثاني عشر ويكون آخره تمام السادس عشر فإذا كان كذلك كان من أول الشهر إلى آخر السابع طهرا بيقين تفعل ما تفعله المستحاضة، ومن أول الثامن إلى تمام الحادي عشر طهرا فيه شك تفعل فيه ما تفعله المستحاضة لكل صلوة لأن انقطاع الدم فيها غير ممكن، واليوم الثاني عشر حيض بيقين تترك فيه ما تتركه الحايض. ثم تغتسل في آخره وتغتسل لكل صلوة إلى تمام السادس عشر وما بعد ذلك إلى آخر الشهر طهر بيقين تفعل فيه ما تفعله المستحاضة عند كل صلوة. إذا قالت: كان حيضي عشرة أيام في كل شهر ولي طهر صحيح في كل شهر، وأعلم أني كنت اليوم الثاني عشر حايضا فهذه لها ثمانية أيام من آخر الشهر طهر بيقين و اليوم الأول والثاني أيضا طهر بيقين تفعل ما تفعله المستحاضة وتصلي وتصوم لأنها لا تخلوا أن يكون اليوم الثاني عشر أول الحيض أو آخره أو ما بين ذلك فإن كان أولها فإلى آخر اليوم الثاني والعشرين يكون حيضا وما بعده إلى آخر الشهر طهر بيقين، و إن كان اليوم الثاني عشر آخر يوم من الحيض صار ما بعده إلى آخر اليوم الثاني والعشرين طهرا مشكوكا فيه لاحتمال القسم الأول، وما بعده طهر مقطوع به إلى آخر الشهر على كل حال، وأما اليوم الأول والثاني طهر لأنه إن كان اليوم الثاني عشر آخر الحيض فيكون أوله الثالث وإن كان أوله فلا شبهة أن اليوم الأول والثاني طهر على كل حال بيقين، وإذا ثبت هذا فالذي يجب عليها أن تفعل في اليوم الأول والثاني، ومن أول الثالث والعشرين إلى آخر الشهر ما تفعله المستحاضة وتصلي وتصوم ولا قضاء عليها في الصلوة ولا الصوم، ومن أول اليوم الثالث تعمل ما تعمله المستحاضة أيضا إلى آخر اليوم الثاني عشر وتصوم وتصلي. ثم تقضي الصوم لأنه مشكوك فيه، ولا يحتمل انقطاع الدم في ذلك اليوم فوجب عليها الغسل فإذا كان اليوم الثالث عشر اغتسلت لكل صلوة وصلت وصامت لاحتمال أن يكون انقطع الدم فيه. ثم تقتضي الصوم لجواز أن يكون غير طهر. فإذا قالت: كان حيضي خمسة أيام من العشر الأول لا أعرف موضعها إلا أني أعلم أني كنت اليوم الثاني من الشهر طاهرا واليوم الخامس حايضا فإن ذلك يحتمل

[ 57 ]

أن يكون ابتداء حيضها من اليوم الثالث، ويكون آخره تمام السابع، ويحتمل أن يكون ابتداؤه من اليوم الخامس ويكون آخره تمام التاسع فإذا كان كذلك فإن اليوم الأول والثاني طهر بيقين، واليوم الثالث والرابع طهر مشكوك فيه، وتعمل ما تعمله المستحاضة عند كل صلوة، واليوم الخامس والساس والسابع حيض بيقين لأنها تقع في الحيض على كل حال. ثم تغتسل في آخر السابع، ويكون ما بعدها إلى تمام التاسع طهرا مشكوكا فيه فتغتسل فيه لكل صلوة وما بعده طهر بيقين إلى آخر الشهر تعمل ما تعمله المستحاضة عند كل صلوة، وينبغي أن تصوم في الأيام كلها إلا ما تيقن أنه حيض على ما قلناه. ومتى صامت قضت الأيام التي حكمنا أنها حيض فقط لأن الاستحاضة طهر ويصح معها الصوم، وليس من شرط الصوم تعيين النية عندنا. إذا قالت: كان حيضي خمسة أيام في كل شهر لا أعلم موضعها إلا أني أعلم إن كنت اليوم السادس طاهرا كنت السادس والعشرين حايضا، وإن كنت يوم السادس حايضا كنت يوم السادس والعشرين طاهرا، وتقدير هذا الكلام إني كنت حايضا في أحد هذين اليومين وطاهرا في الآخر وهما السادس والسادس والعشرون، ولا أدرى في أيهما كنت حايضا فإذا كان كذلك فإنها إن كانت حايضا في اليوم السادس من الشهر فإن اليوم الأول طهر بيقين، وما بعده مشكوك فيه إلى آخر الخامس واليوم السادس حيض بيقين وما بعده إلى آخر العشر [ العاشر خ ل ] طهر مشكوك فيه وما بعده إلى آخر الشهر طهر بيقين وإن كان في السادس والعشرين كان الحكم في العشر الآواخر كما بينا في العشر الأول وهو أن يكون اليوم الحادي والعشرون طهرا بيقين، واليوم الثاني إلى السادس طهرا مشكوكا فيه، واليوم السادس حيض بيقين، وما بعده طهر مشكوك فيه إلى آخر الشهر فإذا كان كذلك تصلي في اليوم الأول من الشهر إذا عملت ما تعمله المستحاضة لأنه طهر بيقين، وتصلي إلى آخر السادس وهو طهر مشكوك فيه إذا عملت ما تعمله المستحاضة وتغتسل بعد انقضاء السادس لجواز أن يكون السادس آخر حيضها، وكان الابتداء من أول اليوم الثاني. ثم تغتسل لكل صلوة إلى آخر العاشر لاحتمال انقطاع الحيض فيه. ثم تصلي بعده إلى آخر الحادي والعشرين إذا عملت ما تعمله المستحاضة

[ 58 ]

وهو طهر بيقين وتصلي بعده إذا فعلت ما تفعله المستحاضة. وإلى آخر السادس والعشرين وهو طهر مشكوك فيه. ثم تغتسل بعد انقضاء السادس والعشرين لجواز أن يكون ذلك آخر حيضها، وكان الابتداء من اليوم الثاني والعشرين، ثم تغتسل لكل صلوة إلى آخر الشهر لاحتمال انقطاع الحيض فيه، ولا يحصل لها حيض بعينه، إن علمنا في الجملة أنها كانت تكون حائضا في أحد اليومين من السادس من الشهر. ومن السادس والعشرين من الشهر إلا أنها لا تعرفه بعينه ولم يجز لها أن تترك الصلوة في واحد منهما لجواز أن يكون الحيض في الآخر. هذا فرع ذكره المروزي في كتاب الحيض وهو موافق لمذهبنا سواء. وأما القسم الثاني. وهو أن لا تذكر العدد ولا الوقت فإن هذه يحتمل أن يكون ابتداء شهرها طهرا، ويحتمل أن يكون حيضا فإن كان ابتداء شهرها حيضا فلا يكون أقل من ثلاثة أيام، ويحتمل أن يكون أكثر الحيض وهو عشرة أيام، ويحتمل ما بين ذلك ويكون ما بعد ذلك عشرة أيام طهرا مقطوعا به لأنه أقل ما يكون من الطهر، وما بعده يحتمل أن يكون من الحيضة الثانية، ويكون احتماله لأقله و لأكثره على ما قلناه أولا. ثم يكون بعد ذلك طهرا آخر فإذا احتمل ذلك فالثلاثة أيام الأولة تعمل فيها ما تعمله المستحاضة وتصلي وتصوم فإن كانت حايضا فيها فلا يضرها ذلك، وإن كانت مستحاضة فقد فعلت ما وجب عليها. ثم تغتسل يوم الثالث وفيما بعده لكل صلوة لجواز أن يكون انقطاع حيضها فيه تصوم وتصلي وتقضي الصوم، وإن صامت من أول الشهر إلى آخره عشرين يوما لأن في الشهر عشرة أيام مقطوعا به على كل حال أنه طهر، وهو أقل الطهر لأنه إن كان ابتداء شهرها حيضا وكان أقل الحيض وهو ثلاثة أيام، وبعده طهر عشرة أيام، وبعده حيض ثلاثة أيام، وبعده طهر عشرة أيام، وبعده حيض ثلاثة أيام، ويكون يوم الثلاثين طهرا فيحصل لها على هذا الحساب أحد وعشرون طهرا والعشرة داخلة في ذلك، وإن كان حيضها أكثره وهو عشرة أيام كان بعده طهرا عشرة أيام وعشرة أيام بعدها حيضا آخر فالعشرة طهر على كل حال وكذلك الحكم إن كان الحيض فيما بين ذلك فيكون بحساب ذلك فلا يخرج الطهر أقل

[ 59 ]

من عشرة أيام على ساير الأحوال: فأما الصلوة فلا قضاء عليها على حال لكنها لا تصلي فيما بعد الثلاثة أيام كل صلوة إلا بغسل لجواز احتمال انقطاع الحيض عند ذلك فينبغي أن تحتاط في ذلك ولا تفرط فيه، وقد روى أصحابنا في هذه أنها تترك الصوم والصلوة في كل شهر سبعة أيام أي وقت شاءت (1) والباقي تفعل ما تفعله المستحاضة وتصلي و تصوم ويصح صومها وصلاتها والأول أحوط للعبادة. وأما القسم الثالث: وهو أن تذكر وقت الحيض ولا تذكر عدده فهذه لا تخلوا حالها من ثلاثة أحوال: أحدها: إما أن تذكر أول الحيض أو تذكر آخره أو لا تذكر واحدا منهما، وإنما تذكر أنها كانت حايضا في وقت بعينه، ولا تعلم هل كان ذلك أول الحيض أو آخره أو وسطه. فإن الحكم فيها إن كانت ذاكرة لأول الحيض أن تجعل حيضها أقل مما يمكن الحيض وهو ثلاثة أيام. ثم تغتسل بعد ذلك وتصلي فيما بعد إذا عملت ما تعمله المستحاضة عند كل صلوة احتياطا، وإن ذكرت آخر الحيض جعلت ما قبله حيضا ثلاثة أيام، ووجب عليها الغسل في آخرها وعملت في ما عدا ذلك ما تعمله المستحاضة وتصلي فإن كانت غير ذاكرة لأول الحيض ولآخره فينبغي أن تجعل ذلك اليوم مقطوعا على أنه حيض، ولا تجعل ما قبله حيضا لجواز أن يكون ذلك أول الحيض ولا تجعل ما بعده حيضا لجواز أن يكون ذلك آخر الحيض، وينبغي أن تترك الصلوة والصوم ذلك اليوم وفيما بعد ذلك تعمل ما تعمله المستحاضة عند كل صلوة. ثم تقضي الصوم عشرة أيام لأنها تعلم أن أكثر الحيض لا يكون أقل من عشرة أيام احتياطا. من مسائل الخلط على ما يقتضيه مذهبنا. إذا قالت: كان حيضي في كل شهر عشرة أيام، وكنت أخلط العشر بالعشر الذي يليه بيوم، ولا أدري أي العشرات كان ويقيني أني كنت أحيض في واحد منهما تسعة وفي الآخر يوما فإنه يحتمل أن يكون حاضت في العشر الأول تسعة أيام وفي العشر الثاني يوما، ويحتمل أن يكون حاضت في العشر الأول يوما، ومن الثاني تسعة أيام فإنه يحصل لها العلم بأن أول يوم من الشهر كان طهرا بيقين، والباقي مشكوك فيه. ثم اليوم الحادي عشر يحتمل أن يكون آخر

(1) هي رواية يونس المتقدم ذكرها

[ 60 ]

أيام الحيض، ويحتمل أن يكون ثانيه فإن كان ثانيه فيكون آخره التاسع عشر ويوم العشرين يحتمل أن يكون أول الحيض وما بعده تسعة أيام تمام العشرة، ويحتمل أن يكون اليوم الحادي والعشرين آخر الحيض وما قبله تسعة أيام تمام العشرة فيحصل من ذلك أن يكون اليوم الأول من الشهر طهرا بيقين واليوم الثلاثون طهرا بيقين. تفعل فيهما ما تفعله المستحاضة وتصلي وتصوم. ثم تعمل ما تعمله المستحاضة في اليوم الثاني إلى تمام الحادي عشر فإن كانت حايضا فلا تضرها ذلك، وإن كانت مستحاضة فقد فعلت ما وجب عليها. ثم تغتسل آخر يوم من الحادي عشر لاحتمال انقطاع الدم فيه ثم تعمل في اليوم الثاني عشر إلى آخر يوم التاسع عشر ما تعمله المستحاضة وتصلي و تصوم لأنه لا يحتمل انقطاع الدم فيه بل هو طهر مشكوك فيه. ثم تغتسل آخر يوم التاسع عشر لاحتمال انقطاع الدم فيه. ثم تفعل بعد ذلك ما تفعله المستحاضة إلى تمام التاسع والعشرين لأنه طهر مشكوك فيه، ولا يحتمل انقطاع الدم فيه فيجب عليها الغسل. ثم تغتسل أول يوم الثلاثين وتفعل ما تفعله المستحاضة عند كل صلوة لأنها طاهرة، ولأنه طهر بيقين وتصوم في هذه الأيام كلها، ويسقط عنها قضاء أول يوم من الشهر والثلاثين لأنها طهران بيقين، وتقضي ما بعد ذلك لأنها صامت مع الشك في أنه طهر فوجب عليها القضاء، ولو قلنا: إنه لا يجب عليها إلا قضاء عشرة أيام كان صحيحا لأنه معلوم أن الحيض لم يكن في الشهر أكثر من عشرة أيام، والباقي استحاضة وصوم المستحاضة صحيح، ولا يحتاج إلى تجديد النية عند كل ليلة وهذا هو المعول عليه دون الأول، والأول مذهب الشافعي. وإن قالت: كان حيضي تسعة أيام وكنت أخلط إحدى العشرات بالأخرى بيوم ولا أدرى أيها هي فإنه يحتمل أن يكون اليوم الحادي عشر آخر يوم الحيض، ويحتمل أن يكون ثانيه فإن آخره فإنه يكون من أول الشهر يوما طهرا بيقين والباقي طهرا مشكوكا فيه، وإن كان ثانيه فيكون آخره يوم الثامن عشر يكون حيضا مشكوكا فيه. ثم اليوم الحادي والعشرين يحتمل أن يكون ثاني الحيض، ويحتمل أن يكون آخره فإن كان ثانيه كان آخره يوم الثامن والعشرين ويكون اليومان الأخيران طهرا بيقين فإذا كان كذلك فإنها

[ 61 ]

ينبغي أن تصلي اليومين الأولين والآخرين إذا عملت ما تعمله المستحاضة وكذلك تفعل فيما بعد إلى اليوم الحادي عشر. ثم تغتسل في آخره. ثم تعود إلى ما تفعله المستحاضة إلى الثامن عشر. ثم تغتسل في آخره. ثم تفعل ما تفعله المستحاضة إلى تمام الثامن والعشرين. ثم تغتسل في آخره وتعمل ما تعمله المستحاضة إلى آخر الشهر. ثم على هذ الترتيب كلما نقص من حيضها يوم وخلطت العشر بالعشر تزيد في الطهر من أول الشهر يوما، ومن آخره يوما إلى أن ترجع إلى خمسة أيام، وتنظر الأيام التي يجب عليها فيها الغسل على التنزيل الذي نزلناه، ويكون ما بين ذلك طهرا مشكوكا فيه أو حيضا مشكوكا فيه. وإذا قالت: كان حيضي خمسة أيام، وكنت أخلط إحدى العشرات بالأخرى فإنه يصير طهرها من أول الشهر ستة أيام، ومن آخره مثل ذلك، ويصير يوم الخامس عشر والسادس عشر طهرا مقطوعا به. وإن قالت: كان حيضي أربعة أيام يصير الطهر من أول الشهر سبعة أيام، و من آخره مثل ذلك، ومن أول يوم الرابع عشر إلى السابع عشر مثله فيصير يوم السابع عشر مقطوعا أيضا على أنه طهر. وإن قالت: كان حيضي ثلاثة أيام كان طهرها من العشر الأول ثمانية أيام و من أخره مثل ذلك، ويكون الثاني عشر إلى أول التاسع عشر طهرا بيقين، ولا يكون الحيض أقل من ثلاثة أيام عندنا فيتفرع عليه أكثر من ذلك. فإن قالت: كنت أحيض عشرة أيام وكنت أخلط العشر بالعشر بيومين فإنه يكون لها من أول الشهر يومان طهرا بيقين، ومن أخره مثل ذلك تفعل فيها ما تفعله المستحاضة، وتفعل في اليوم الثالث إلى اليوم الثاني عشر ما تفعله المستحاضة ثم تغتسل لاحتمال انقطاع الدم فيه. ثم تفعل من أول يوم الثالث عشر ما تفعله المستحاضة إلى آخر يوم الثاني والعشرين وتصلي وتصوم. ثم تغتسل. ثم تفعل ما تفعله المستحاضة إلى آخر يوم الثامن والعشرين وتصلي وتصوم وتغتسل، ويكون اليومان الباقيان طهرا بيقين تفعل فيهما ما تفعله المستحاضة وتصوم وتصلي، وليس عليها قضاء في اليومين

[ 62 ]

الأولين واليومين الآخرين في الصوم لأنها طهر بيقين، وتقضي ما عدا ذلك عند الشافعي وعندنا تقضي عشرة أيام التي هي أيام الحيض فقط. وكذلك إذا قالت: كنت أخلط ثلاثة أيام من العشر بالعشر فإنه يكون طهرها من أول الشهر ثلاثة أيام ومن آخره ثلاثة أيام، ويكون من الرابع إلى آخر يوم الثالث عشر طهرا مشكوكا فيه. ثم تغتسل وتفعل من أول الرابع عشر إلى أول الرابع والعشرين ما تفعله المستحاضة. ثم تغتسل في أول الرابع والعشرين، وتفعل ما تفعله المستحاضة إلى آخر يوم السابع والعشرين. ثم تغتسل في آخره وتفعل ما تفعله المستحاضة إلى آخر الشهر وتصلي وتصوم وتقضي الصوم في الأيام المشكوك فيها على مذهب الشافعي وعندنا تقضي أيام الحيض لا غير. وإذا قالت: كنت أخلط أربعة أيام من العشر بالعشر فإنه يكون من أول الشهر أربعة أيام طهرا بيقين، ومن آخره مثل ذلك، ويكون من أول يوم الخامس إلى آخر يوم الرابع عشر طهرا مشكوكا فيه تفعل فيه ما تفعله المستحاضة وتغتسل في آخره. ثم تفعل ما تفعله المستحاضة من أول يوم الخامس عشر إلى آخر يوم الرابع و العشرين وتغتسل. ثم تفعل إلى آخر الشهر ما تفعله المستحاضة. وإن قالت: كنت أخلط خمسة أيام من العشر بالعشر فإنه يكون خمسة أيام من أول الشهر طهرا بيقين، ومن آخره مثل ذلك، ومن أول يوم السادس إلى آخر الخامس عشر طهرا مشكوكا فيه تفعل فيه ما تفعله المستحاضة. ثم تغتسل وتفعل ما تفعله المستحاضة إلى آخر يوم الخامس والعشرين ثم تغتسل وتفعل إلى آخر الشهر ما تفعله المستحاضة وتصوم وتصلي وتقضي الصوم عند الشافعي في الأيام المشكوك فيها، وعندنا أيام الحيض لا غير. وإن قالت: كنت أخلط ستة أيام من العشر بالعشر فإنه يحتمل أن يكون أوله يوم الخامس وآخره يوم الرابع عشر، ويحتمل أن يكون أوله يوم السابع و آخره يوم السادس عشر، وفي العشر الثاني مثله يحتمل أن يكون أوله أول يوم الخامس عشر وآخره آخر اليوم الرابع والعشرين، ويحتمل أن يكون أوله أول السابع عشر

[ 63 ]

وآخره آخر يوم السادس والعشرين فيحصل لها اليقين بأن أربعة أيام من أول الشهر طهر بيقين ومن آخره مثل ذلك. ثم تفعل في اليوم الخامس إلى آخر يوم الرابع عشر ما تفعله المستحاضة. ثم تغتسل لاحتمال انقطاع الدم. ثم تفعل ما تفعله المستحاضة إلى آخر يوم الرابع والعشرين. ثم تغتسل. ثم تفعل ما تفعله المستحاضة إلى آخر الشهر، وقضى الصوم على ما بينا. وإذا قالت: كنت أخلط سبعة أيام من العشر بالعشر فإنه يحصل لها اليقين بثلاثة أيام من أول الشهر طهرا ومن آخره مثل ذلك وفيما بين ذلك على ما قدمناه، وقضئ الصوم على ما مضى القول فيه. فإن قالت: كنت أخلط ثمانية أيام من العشر بالعشر فإنه يحصل لها العلم بطهر يومين من أول الشهر ومن آخره مثل ذلك، وفيما بينهما بحساب ذلك على ما مضى من الترتيب. وإن قالت: كنت أخلط تسعة أيام من العشر بالعشر فإنه يحصل لها العلم بطهر يوم من أول الشهر ومن آخره، وفيما بين ذلك تفعل على الترتيب الذي قدمناه ما تفعله المستحاضة في اليوم الثاني إلى يوم الحادي عشر. ثم تغتسل في آخره. ثم تفعل ما تفعله المستحاضة إلى يوم الحادي والعشرين. ثم تغتسل. ثم تفعل ما تفعله المستحاضة إلى آخر الشهر وتصوم وتصلي ولا يكون عليها قضاء الصوم في اليوم الذي تعلم أنها كانت طاهرا فيه، وتقضي اليوم المشكوك فيه كونها طاهرا أو حايضا، وعندنا تقضي أيام الحيض لا غير لما قدمناه، وفيما تركب من ذلك من النقصان عن عشرة أيام من الحيض وخلطه بالعشر الآخر بالزيادة، والنقصان يكون على الترتيب الذي رتبناه فإن أصول المسايل هي التي ذكرناها. وإذا قالت: كان حيضي عشرة أيام، وكنت أخلط النصف الأول بالنصف الأخير من الشهر بيوم، ولا أدرى أيهما كان فإنه يحتمل أن يكون حيضها من أول يوم السابع ويكون آخرها يوم السادس عشر، ويحتمل أن يكون أوله يوم الخامس عشر وآخره يوم الرابع والعشرين فيحصل لها العلم بأن ستة أيام من أول الشهر طهر بيقين ومن

[ 64 ]

آخره مثل ذلك تفعل ما تفعله المستحاضة، ومن أول يوم السابع إلى آخر يوم الرابع عشر تفعل أيضا ما تفعله المستحاضة. ثم تغتسل لاحتمال انقطاع الدم الحيض عنده. ثم تفعل من أول يوم السابع عشر إلى آخر يوم الرابع والعشرين ما تفعله المستحاضة ثم تغتسل لاحتمال انقطاع الدم فيه. ثم تفعل ما تفعله المستحاضة إلى آخر الشهر ثم على هذا التنزيل ما يتركب من نقصان أيام الحيض عن عشرة أيام وزيادة الخلط في الأيام من النصف بالنصف فإن أصولها قد ذكرناها من ضبطها وقف على استخراج ذلك. وإذا قالت: كان حيضي تسعة أيام ونصف يوم، وكنت أخلط بالنصف الآخر بيوم كامل والكسر من أوله فإن هذه تعلم أن اليوم الكامل لا يجوز أن يكون في النصف الأول، وإنما يكون في النصف الثاني وإذا وجب أن يكون في النصف الثاني كان ستة أيام ونصف من أول الشهر طهرا بيقين، وتمام اليوم السابع إلى آخر يوم السادس عشر حيض بيقين تعمل فيه ما تعمله الحياض من ترك الصوم والصلوة. ثم تعمل في بقية الشهر ما تعمله المستحاضة وتصلي وتصوم، وليس عليها قضاء في الصوم لأنه لا يحتمل أيامها الحيض على كل حال، ومتى قالت في هذه المسألة بعينها: إن الكسر من الثاني كانت المسألة بالعكس فيكون من أول الشهر إلى آخر يوم الرابع عشر طهرا بيقين تعمل فيه ما تعمله المستحاضة، ومن أول يوم الخامس عشر إلى يوم الثالث والعشرين و نصف يوم حيضا بيقين تعمل فيه ما تعمله المستحاضة وتقضي فيه الصوم وما بعده إلى آخر الشهر تعمل ما تعمله المستحاضة، وتصلي وتصوم، وليس عليها قضاء لفقد الاحتمال. وإذا قالت: كان حيضي تسعة أيام ونصفا، وكنت أخلط بعشر آخر بيوم كامل والكسر من أوله فإن هذه تعلم أن الكسر لا يكون في العشر الآخر بل يكون التسعة أيام الآخر من الشهر طهرا كاملا والعشران الأولان يحتمل أن يكون ابتداء الحيض من النصف الآخر من اليوم الثاني وآخره آخر اليوم الحادي عشر، ويحتمل أن يكون النصف الأخير من اليوم الثاني عشر وآخره آخر يوم الحادي والعشرين، ولا يحتمل أن يكون أوله اليوم التاسع كما لا يحتمل كونه يوم التاسع عشر لكون الكسر في أوله

[ 65 ]

فإذا ثبت ذلك فينبغي أن تعمل ما تعمله المستحاضة في أول الشهر يوما ونصفا، وتصلي وهو طهر بيقين وتصوم الأول وليس عليها فيه الإعادة، وتعمل ما تعمله المستحاضة من النصف الأخير من اليوم الثاني إلى آخر يوم الحادي عشر، وتصلي وتصوم، و تقضي الصوم عند الشافعي لأنه مشكوك في طهره. ثم تغتسل آخر يوم الحادي عشر لاحتمال انقطاع الدم فيه. ثم تعمل ما تعمله المستحاضة عند كل صلوة إلى آخر يوم الحادي والعشرين فتصلي وتصوم وتقضي الصوم لأنه طهر مشكوك فيه عنده، وعندنا لا يلزمها قضاء الصوم إلا قدر أيام الحيض. ثم تغتسل لاحتمال انقطاع الدم فيه. ثم تعمل ما تعمله المستحاضة إلى آخر الشهر وتصوم وتصلي ولا تقضي الصوم لأنه طهر بيقين بلا خلاف. وإذا كانت المسألة بحالها إلا أنها قالت: وكان الكسر من العشر الثاني كان تسعة أيام من أول الشهر طهرا بيقين تعمل فيها ما تعمله المستحاضة وتصلي وتصوم، وليس عليها قضاء لأنه لا يحتمل أن يكون حيضا. ثم يحتمل أن يكون ابتداء الحيض أول يوم العاشر من الشهر، وآخره آخر النصف الأول من التاسع عشر، ويحتمل أن يكون أوله يوم التاسع عشر وآخره آخر النصف الأول من التاسع والعشرين ولا يحتمل أن يكون أوله النصف الأخير من الثاني عشر ولا النصف الأخير من اليوم الثاني لكون الكسر من العشر الثاني. فإذا ثبت فينبغي أن تعمل ما قلناه تسعة أيام. ثم تعمل ما تعمله المستحاضة إلى آخر النصف الأول من التاسع عشر وتغتسل لاحتمال انقطاع دم الحيض فيه. ثم تعمل ما تعمله المستحاضة عند كل صلوة إلى آخر النصف الأول من اليوم التاسع والعشرين وتصلي وتصوم، وكان عليها القضاء على ما قدمناه ثم تغتسل لاحتمال انقطاع دم الحيض. ثم تفعل بقية الشهر ما تفعله المستحاضة عند كل صلوة إلى آخر الشهر، وليس عليها قضاء الصوم لأنه طهر بيقين. ثم على هذا التنزيل ما يتركب من المسائل فإن أصولها ما ذكرناه. فينبغي أن تضبط الأصول و يفرع عليها على ما أنهجنا الطريق فيه إن شاء الله. وإذا قالت: كان حيضي تسعة أيام ونصفا وكنت أخلطه بيوم كامل، وكان الكسر

[ 66 ]

من العشرين كانت المسألة محالة لأنه إذا كان الكسر في العشرين لا تخليط بيوم كامل. وإذا قالت: كان حيضي عشرة أيام ولا أعلم هل كنت أخلط العشر بالعشر أم لا فإن هذه ليس لها زمان حيض بيقين، ولا زمان طهر بيقين لأن حيضها يمكن أن يكون بعضه من العشر الأول وبعضه من العشر الثاني: ويحتمل أن يكون بعضه في العشر الثاني وبعضه في العشر الأخير. فإذا كان كذلك عملت ما تعمله المستحاضة إلى يوم العاشر ثم تغتسل لكل صلوة بعد ذلك إلى آخر الشهر لجواز انقطاع الحيض فيه فتغتسل منه. وإذا قالت: كنت أحيض عشرة أيام، وكنت أخلط العشر بالعشر بجزء ولا أدرى كان الترتيب في الجزء كالترتيب في اليوم على ما مضى القول فيه. فينبغي أن يعرف الباب ويبني عليه المسائل. فإنه يمكن من التفريع على هذه المسائل ما لا تحصى كثرة. من مسائل التلفيق: إذا رأت دم الحيض ثلاثة أيام. ثم رأت يوما نقاء ويوما دما إلى تمام العشرة وانقطع كان الكل حيضا لأنا قد بينا أن الصفرة في أيام الحيض حيض وفي أيام الطهر طهر. فإن جاوز ذلك عشرة أيام فإن لها ثلاثة أحوال: إما أن يكون مبتدأة أو تكون لها عادة أو يكون لها تمييز من غير عادة، فإن كانت مبتدأة فإنها تدع الصلوة والصوم إذا رأت الدم، وإذا رأت الطهر صلت وصامت إلى أن يستقر لها عادة بأن يمر لها شهران على ما مضى القول فيه فترى فيهما الدم على حد واحد و وقت واحد فتعمل عليه، وإنما قلنا ذلك لما روي عنهم - عليهم الصلوة والسلام - من قولهم: كلما رأت الطهر صلت وصامت، وكلما رأت الدم تركت الصلوة إلى أن يستقر لها عادة، وإن كانت لها عادة فإنها تجعل أيام عادتها كلها حيضا سواء رأت فيها دما أسودا أو أحمرا أو نقاء وما بعد ذلك يكون طهرا، وإن لم يكن لها عادة بأن يكون قد نسيتها وكان لها تمييز تركت الصلوة كلما رأت دم الحيض واغتسلت كلما رأت الطهر وتراعي بين الحيضتين الطهر عشرة أيام على ما مضى القول فيه. فإذا رأت الحيض ثلاثة أيام. ثم رأت الطهر بعد ذلك. ثم عادها قبل العشرة أيام كان العشر كلها حيضا، وما يكون قد صامت وصلت فيما بين ذلك يكون باطلا، ويجب عليها قضاء الصوم والصلوة، ويجوز للزوج وطئها في الأيام التي ترى فيها الطهر، وإن جوز أن ترى في تمام العشرة

[ 67 ]

أيام حيضا. فإذا تبين بعد ذلك أن ذلك كان حيضا لم يكن عليه شئ، ومتى رأت الدم أقل من ثلاثة أيام. ثم رأت بعد ذلك دما يوما ويوما إلى تمام العشرة أيام فإنه يكون كله طهرا على مذهب أكثر أصحابنا، وعلى ما رواه يونس يضاف ما ترى في العشرة بعضها إلى بعض فإن تم ثلاثة أيام كان الكل حيضا، وإن لم تتم كان طهرا، وكذلك إذا رأت ساعة دما وساعة طهرا كذلك إلى عشرة أيام لم يكن ذلك حيضا على مذهب من يراعي ثلثة أيام متواليات، ومن يقول: تضاف الثاني إلى الأول يقول: تنتظر فإن كان تتم ثلاثة أيام من جملة العشرة كان الكل حيضا، وإن لم تتم كان طهرا. إذا رأت ثلاثة أيام دما. ثم انقطع سبعة أيام. ثم رأت أيام وانقطع كان الأول حيضا والثاني دم فساد. فإن رأت أقل من ثلاثة أيام دما. ثم رأت إلى تمام العشرة طهرا. ثم رأت ثلاثة أيام دم الحيض كان الثاني دم حيض والأول دم فساد لأن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام. فإن رأت دما ثلاثة أيام وعشرة أيام طهرا. ثم رأت ثلاثة أيام كان ذلك من الحيضة الثانية فإن كان أقل من ثلاثة أيام كان ذلك دم فساد. والمستحاضة لها ثلاثة أحوال: حالة ترى الدم القليل، وحده ألا يرشح على القطنة فعليها تجديد الوضوء عند كل صلوة وتغيير القطنة والخرقة. والثانية: أن ترى أكثر من ذلك، وهو أن يرشح الدم على الكرسف ولا يسيل فعليها غسل لصلوة الغداة وتجديد الوضوء عند كل صلوة فيما بعد مع تغيير القطن و الخرق. والثالثة: أن يرشح الدم على الكرسف ويسيل فعليها ثلاثة أغسال في اليوم والليلة غسل لصلوة الظهر والعصر تجمع بينهما، وغسل للمغرب والعشاء الآخرة تؤخر المغرب وتقدم العشاء الآخرة، وغسل لصلوة الليل وصلوة الغداة تؤخر صلوة الليل إلى قرب الفجر وتصلي الفجر في أول الوقت فإن لم تصل صلوة الليل اغتسلت لصلوة الفجر، وإذا فعلت ما يجب عليها من الأغسال وتجديد الوضوء لم يحرم عليها شئ مما يحرم على الحايض ويجوز لزوجها وطوءها، ومتى صامت لم يجب عليها القضاء

[ 68 ]

إلا في أيام الحيض، وإن لم تفعل ما يجب عليها وصامت فقد روي أصحابنا أن عليها القضاء (1) ولا يجوز للمستحاضة أن تجمع بين فرضين بوضوء واحد، وأما من به سلس البول فيجوز له أن يصلي بوضوء واحد صلوات كثيرة لأنه لا دليل على تجديد الوضوء عليه، وحمله على الاستحاضة قياس لا نقول به، وإنما يجب عليه أن يشد رأس الإحليل بقطن، ويجعله في كيس أو خرقة، ويحتاط في ذلك. فإذا انقطع دم الاستحاضة في خلال الصلوة مضت في صلوتها ولم يلزمها الاستيناف، ولا إعادة عليها لأنه لا دليل عليه، وإذا كان دمها متصلا فتوضأت. ثم انقطع دمها قبل أن تدخل في الصلوة استأنفت الوضوء وإن لم تفعل وصلت لم تصح صلوتها سواء عاد إليها الدم قبل الفراغ أو بعد الفراغ، و على كل حال لأن دم الاستحاضة حدث فإذا انقطع وجب منه الوضوء، وإذا توضأت المستحاضة قبل دخول الوقت لم يصح وضوءها، وإن توضأت بعد دخول الوقت وصلت عقيبه كانت صلوة ماضية، وإذا توضأت في أول الوقت وصلت في آخر الوقت لم تصح صلوتها لأن المأخوذ عليها أن تتوضأ عند الصلوة، وذلك يقتضي أن يتعقب الصلوة الوضوء فلا يتأخر عنه على حال، وإذا توضأت المستحاضة للفرض جاز أن تصلي معه ما شاءت من النوافل لأنه لا مانع فيه، والجرح الذي لا يندمل ولا ينقطع دمه معفو عنه، ولا يجب شده عند كل صلاة، وحمله على الاستحاضة قياس لا نقول به، وكذلك القول في سلس البول على ما قلناه. * (فصل: في ذكر النفاس وأحكامه) * النفاس عبارة عن الدم الخارج من فرج المرأة عند الولادة، وهو مأخوذ من النفس الذي هو الدم، وكل دم يخرج قبل الولادة لا يكون نفاسا لأن ذلك لا يكون إلا مع الولادة أو بعده، وسواء كانت الولادة للتمام أو للنقصان أو للاسقاط، وإذا لم يكن نفاسا لا يكون أيضا حيضا لأنا قد بينا أن الحامل المستبين حملها لا ترى دم

(1) هذا هو المشهور بين الأصحاب كما قال في الجواهر، وكذا لإشكال في الجملة في أنها إن أخلت بالأغسال اللازمة عليها لم يصح صومها من غير خلاف أجده فيه. بل في جامع المقاصد وعن حواشي التحرير ومنهج السداد والطالبية والروض الاجماع عليه.

[ 69 ]

الحيض، ومتى ولدت ولم يخرج دم لم يتعلق بها حكم النفاس، ويتعلق بالنفاس جميع ما يتعلق بالحيض على السواء من المحرمات والمكروهات وكيفية الغسل لا يختلف حكمها، وأكثر النفاس عند أكثر أصحابنا مثل أكثر الحيض عشرة أيام، وعند قوم منهم يكون ثمانية عشر يوما، وما زاد عليه لا خلاف بينهم أن حكمه حكم دم الاستحاضة فأما قليله فلا حد له لأنه يجوز أن يكون لحظة ثم ينقطع فيجب على المرأة الغسل له، وإذا ولدت ولدين، وخرج معهما جميعا الدم كان أول النفاس من الولد الأول وتستوفي أكثر النفاس من وقت الولادة الأخيرة لأن اسم النفاس يتناولهما، وإذا رأت دما ساعة. ثم انقطع، ثم عاد قبل خروجها من العشر كانت الأيام كلها نفاسا، وإن لم يعاودها حتى يجوز عشرة أيام طهرا كان ذلك من دم الحيض ولا يكون من النفاس لأنه قد مضى بعد انقطاع دم النفاس طهر كامل أقل ما يكون وهو عشرة أيام، ويمكن أن يكون بعده حيض، والحيض لا يتعقب النفاس بلا طهر بينهما بل لا بد من أقل الطهر بينهما وهو عشره أيام لأن ما روي من أن أقل الطهر عشره أيام عام في النفاس و الحيض فوجب حمله على عمومه. فإن رأت الدم بعد مضي طهر عقيب النفاس أقل من ثلاثة أيام لم يكن ذلك دم حيض لأن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام بل يكون دم فساد. إذا كانت امرأة تحيض عشرة أيام، وتطهر عشرين يوما في كل شهر. ثم ولدت ورأت عشرة أيام نفاسا وشهرا طهرا. ثم رأت الدم واتصل بها لم تبطل بذلك عادتها بل نرجع إلى العادة التي كانت لها قبل الولادة من اعتبار الحيض والطهر.

[ 70 ]

(كتاب الصلوة) الصلوة في اللغة هي الدعاء لقوله تعالى " وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم " وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه " قال الشاعر: وصل على دنها وارتسم يعني دعا لها، وهي في الشريعة عبارة عن أفعال مخصوصة من قيام وركوع و سجود إذا ضامه أذكار مخصوصة، وفي الناس من قال: إنها في الشرع أيضا الدعاء إذا وقع في محال مخصوصة، والأول أصح فإذا ثبت ذلك نحتاج فيها إلى معرفة شيئين أحدهما: مقدماتها، والآخر ما يقارنها. فما يتقدمها على ضربين: مفروض ومسنون فالمفروض: الطهارة وأعداد الصلوة، ومعرفة الوقت، ومعرفة القبلة، ومعرفة ما تجوز الصلوة فيه من اللباس وما لا تجوز، ومعرفة ما تجوز الصلوة فيه من المكان وما لا تجوز ومعرفة ما يجوز السجود عليه، وما لا يجوز من المكان واللباس، ومعرفة ستر العورة ومعرفة تطهير الثياب والبدن من النجاسات، والمسنون هو الأذان والإقامة. فأما الطهارة فقد مضى ذكرها وكذلك تطهير الثياب من النجاسات، ونحن نذكر الآن ما بقي قسما قسما إن شاء الله تعالى، ونذكر بعده ما يقارن حال الصلوة إن شاء الله تعالى. * (فصل: في ذكر أقسام الصلوة، وبيان أعدادها وعدد ركعاتها) * * (في السفر والحضر) * الصلوة على ضربين: مفروض ومسنون. فالمفروض على ضربين: أحدهما: يجب بالاطلاق بأصل الشرع، والآخر يجب عند سبب. فما يجب عند سبب على ضربين: أحدهما: يجب عند سبب من جهة المكلف، والآخر يجب عند سبب لا يتعلق به. فالأول هو ما يجب بالنذر، وذلك يجب بحسبه من قلة وكثرة، والآخر مثل صلوة الكسوف

(1) التوبة: 103.
(2) الأحزاب: 56.

[ 71 ]

والعيدين فإنهما يجبان عندنا وإن لم يتعلق سببهما به، وأما ما يجب بالاطلاق فالخمس صلوات في اليوم والليلة في السفر والحضر، وشرايط وجوبها البلوغ وكمال العقل لأن من ليس ببالغ لا تجب عليه الصلوة، وإنما يؤخذ بها تعليما وتمرينا من بعد ست سنين إلى حين البلوغ، وإن بلغ ولا يكون كامل العقل لا تجب عليه الصلوة وإن كانت امرأة فمن شرط وجوبها عليها أن تكون طاهرا من الحيض. فأما الاسلام فليس من شرط الوجوب عندنا لأن الكافر مخاطب بالعبادات، وإنما هو من شرط صحة الأداء. وعدد ركعاتها في الحضر سبع عشر ركعة، وفي السفر إحدى عشرة ركعة تفصيلها الظهر أربع ركعات في الحضر بتشهدين وتسليم في الرابعة، وفي السفر ركعتان بتشهد واحد وتسليم بعده، والعصر مثل ذلك، والمغرب ثلاث ركعات في الحضر والسفر بتشهدين أحدهما في الثانية، والثاني في الثالثة وتسليم بعده، والعشاء الآخرة مثل الظهر والعصر، والغداة ركعتان بتشهد في الثانية وتسليم بعده في الحضر والسفر. والنوافل في اليوم والليلة المرتبة في الحضر أربع وثلاثون ركعة، وفي السفر سبع عشرة ركعة بعد الزوال قبل الفرض ثمان ركعات، وبعد الفرض ثمان ركعات كل ركعتين بتشهد في الثانية، وكذلك ساير النوافل نوافل النهار كانت أو نوافل الليل مرتبة كانت أو غير مرتبة فلا يجوز صلوة أكثر من ركعتين من النوافل بتشهد واحد وتسليم واحد، وتسقط نوافل النهار في السفر، ونوافل المغرب أربع ركعات في السفر والحضر بتشهدين وتسليمين، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة في الحضر يعدان بركعة، ويسقطان في السفر، ويسميان الوتيرة، وصلوة الليل إحدى عشرة ركعة في السفر والحضر كل ركعتين بتشهد وتسليم بعده، والوتر مفردة بتشهد وتسليم بعده في الحالتين معا.

[ 72 ]

* (فصل: في ذكر المواقيت) * لكل صلوة وقتان: أول وآخر فأول الوقت وقت من لا عذر له ولا ضرورة تمنعه والوقت الآخر وقت من له عذر أو به ضرورة. والأعذار أربعة أقسام: السفر والمطر والمرض وأشغال تضر به تركها في باب الدين والدنيا. والضرورات خمسة: الكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ، والحايض إذا طهرت والمجنون إذا أفاق، وكذلك المغمى عليه. فإذا زالت الشمس فقد دخل وقت فريضة الظهر ويختص به مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات. ثم يشترك الوقت بعده بينه وبين العصر إلى أن يصير ظل كل شئ مثله وروي حتى يصير الظل أربعة أقدام (1)، وهو أربعة أسباع الشخص المنتصب. ثم يختص بعد ذلك بوقت العصر إلى أن يصير ظل كل شئ مثليه فإذا صار كذلك فقد فات وقت العصر هذا وقت الاختيار. فأما وقت الضرورة فهما مشتركان فيه إلى أن يبقى من النهار ما يصلي فيه أربع ركعات فإذا صار كذلك اختص بوقت العصر إلى أن تغرب الشمس، وفي أصحابنا من قال: إن هذا أيضا وقت الاختيار إلا أن الأول أفضل (2) فإن لحق بركعة من العصر قبل غروب الشمس لزمه العصر كلها. ويكون مؤديا لها لا قاضيا لجميعها ولا لبعضها على الظاهر من المذهب، وفي أصحابنا من قال: يكون قاضيا لجميعها (3)، وفيهم من قال: يكون قاضيا لبعضها. فأما إن لحق أقل من ركعة

(1) التهذيب: ص 19 ج 55 عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن وقت الظهر فقال: ذراع من زوال الشمس، ووقت العصر ذراع عن وقت الظهر فذلك أربعة أقدام من زوال الشمس.
(2) قال في الحلاف: وقال قوم: وقت الظهر ممتد من حين الزوال إلى غروب الشمس، به قال عطا وطاووس ومالك، واختاره المرتضى من أصحابنا، وذهب إليه قوم من أصحاب الحديث من أصحابنا.
(3) وهو مختار السيد لأنه قال: كان قاضيا لجميع الصلاة.

[ 73 ]

فإنه لا يكون أدرك الصلاة، ويكون قاضيا بلا خلاف بينهم، وإذا لحق قبل أن يختص الوقت بالعصر ركعة لزمه فريضة الظهر، وهو إذا بقي من النهار مقدار ما يصلي فيه خمس ركعات فإن مقدار الأربع ركعات يختص بالعصر والركعة للظهر فحينئذ يجب عليه الصلاتان معا فإن لحق أقل من خمس ركعات لم يلزمه إلا العصر لا غير لأنه لا دليل على ذلك، وينبغي أن يكون قد لحق مقدار ما يمكنه الطهارة إما وضوءا أو غسلا، ويبقى بعده مقدار ما يصلي من ركعة فإن لحق مقدار ما يتطهر فيه من غير تفريط فخرج الوقت لم يلزمه القضاء. هذا إذا عملنا على ما روي من الأخبار من أن الحايض إذا طهرت قبل مغيب الشمس كان عليها الصلاتان فأما إذا عملنا بالأخبار الأولة، و الجمع بينهما فنقول: إنه إذا خرج وقت الظهر لم يلزمها إلا العصر لا غير، وإنما نحمل هذه الأخبار المقيدة إلى غروب الشمس على ضرب من الاستحباب دون الفرض والايجاب وحكم المجنون والمغمى عليه، والذي يبلغ والذي يسلم بحكم الحايض على السواء ومتى أفاق المجنون أو المغما عليه قبل أن يمضي من الوقت مقدار ركعة وجب عليه الصلاة على ما بيناه فإن عاد إليه الجنون قبل انقضاء الوقت أو عند انقضائه لم يلزمه قضاءها لأنه لم يلحق جميع الوقت الذي يمكنه أداء شئ من الفرض فيه. وأما الصبي إذا بلغ في خلال الصلوة بما لا يفسد الصلوة من كمال خمس عشر سنة أو الانبات والوقت باق وجب عليه إتمام الصلوة، وإن بلغ بما ينافيها أعادها من أولها فأما الصوم فإنه يمسك بقية النهار تأديبا ولا قضاء عليه. والدلوك وهو الزوال، ويعتبر بزيادة الفئ من الموضع الذي انتهى عليه الظل دون أصل الشخص فإذا كان في موضع لا يكون للشخص ظل أصلا مثل مكة وما أشبهها فإنه يعتبر الزوال بظهور الفئ فإذا ظهر الفئ دل على الزوال، وفي البلاد التي للشخص فئ تعرف الزوال بأن ينصب شخص فإذا ظهر له ظل في أول النهار فإنه ينقص مع ارتفاع الشمس إلى نصف النهار فإذا وقفت الفئ فيعلم على الموضع فإذا زالت رجع الفئ إلى الزيادة، وقد روي أن من يتوجه إلى الركن العراقي إذا استقبل القبلة و وجد الشمس على حاجبه الأيمن علم أنها قد زالت. فأما اعتبار الذراع والقدم والقامة

[ 74 ]

وما أشبه ذلك من الألفاظ التي وردت بها الأخبار فإنما هي لتقدير النافلة. فإن النافلة يجوز تقديمها هذا المقدار فإذا بلغ ذلك القدر كانت البدأة بالفرض أولى، و هذه الأوقات والتقديرات يراعي إذا كانت الشمس طالعة فأما إذا كانت السماء متغيمة وتحقق الزوال فينبغي أن يبادر بالصلوة لئلا يفوت وقت الفضل. فإن اتفق له ما يقطعه عنه وغلب في ظنه أنه قد مضى من الزوال مقدار ما كان يصلي فيه النوافل بدأ بالفرض وترك النوافل إلى أن يقضيها وكذلك إذا غلب في ظنه تضيق الوقت المختار بدأ بالفرض لئلا يفوته الصلاة. فإن أخبره غيره ممن ظاهره العدالة عمل على قوله وبدأ بالفرض لأنه قد تحقق دخول الوقت بتحققه زوال الشمس، وكذلك إلا عما يجوز له أن يقبل قول غيره في دخول الوقت فإن انكشف له بعد ذلك أنه كان قبل الوقت أعاد الصلوة، وإن تبين أنه كان بعده كان ذلك جايزا ولم يلزمه شئ فأما مع زوال الأعذار وكون السماء مصحية صحا حاسة لا يجوز أن يقبل قول غيره في دخول الوقت فإن كان ممن لا طريق له إلى معرفة ذلك استظهر حتى يغلب في ظنه دخول الوقت ويصلي إذ ذاك. وحكم المحبوس بحيث لا يهتدي إلى الزوال والأوقات حكم إلا عما سواء، و معرفة الوقت واجبة لئلا يصلي في غير الوقت فإن صلى قبل الوقت متعمدا أو ناسيا أعاد الصلوة فإن دخل فيها بأمارة وغلب معها في ظنه دخوله، ثم دخل الوقت وهو في شئ منها فقد أجزأه فإن فرغ منها قبل دخول الوقت أعاد على كل حال. ووقت المغرب غيبوبة الشمس وآخره غيبوبة الشفق وهو الحمرة من ناحية المغرب وعلامة غيبوبة الشمس هو أنه إذا رأى الآفاق والسماء مصحية ولا حايل بينه وبينها ورأها قد غابت عن العين علم غروبها، وفي أصحابنا من يراعي زوال الحمرة من ناحية المشرق (1) وهو الأحوط. فأما على القول الأول إذا غابت الشمس عن البصر ورأى ضوئها على جبل يقابلها أو مكان عال مثل منارة إسكندرية أو شبهها فإنه يصلي ولا يلزمه حكم طلوعها بحيث طلعت، وعلى الرواية الأخرى لا يجوز ذلك حتى تغيب في كل

(1) قال في مفتاح الكرامة: إجماعا كما في السرائر، وعليه عمل الأصحاب كما في المعتبر.

[ 75 ]

موضع تراه، وهو الأحوط. وغيبوبة الشفق هو أول وقت العشاء الآخرة، وآخره ثلث الليل هذا وقت الاختيار فأما وقت الضرورة فإنه يمتد في المغرب إلى ربع الليل وفي العشاء الآخرة إلى نصف الليل، وفي أصحابنا من قال: إلى طلوع الفجر (1) فأما من يجب عليه القضاء من أصحاب الأعذار والضرورات فإنا نقول هيهنا: عليه القضاء إذا لحق قبل الفجر مقدار ما يصلي ركعة أو أربع ركعات صلى العشاء الآخرة وإذا لحق مقدار ما يصلي خمس ركعات صلى المغرب أيضا معها استحبابا، وإنما يلزمه وجوبا إذا لحق قبل نصف الليل بمقدار ما يصلي فيه أربع ركعات وقبل أن يمضي مقدار ما يصلي ثلاث ركعات المغرب، وفي أصحابنا من قال: إذا غابت الشمس يختص بالمغرب مقدار ما يصلي فيه ثلاث ركعات وما بعده مشترك بينه وبين العشاء الآخرة إلى أن يبقى إلى آخر الوقت مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات فيختص بالعشاء الآخرة، والأول أظهر وأحوط. ويكره تسمية العشاء الآخرة بالعتمة، وكذلك يكره تسمية صلاة الصبح بالفجر بل يسميان بما سمى الله تعالى " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " يعني المغرب وصلاة الصبح " وله الحمد في السموات والأرض وعشيا " يعني العشاء الآخرة " و حين تظهرون " يعني الأولى، وإن سمي بغير ذلك لم يكن به إثم ولا عقاب، وصلوة الوسطى هي صلوة الظهر على ما روي في الأخبار. وأما أول وقت صلوة الصبح فهو إذا طلع الفجر الثاني الذي يعترض في أفق السماء ويحرم عنده الأكل والشرب على الصايم. وآخره طلوع الشمس وآخر وقت المختار طلوع الحمرة من ناحية المشرق فمن لحق قبل طلوع الشمس ركعة على التمام كان قد أدرك الوقت، ويجب على أصحاب الضرورات عند ذلك صلوة الصبح بلا خلاف وإن لحق أقل من ذلك لم يكن عليه شئ.

(1) قال الشهيد في الذكرى: إنه يظهر من الصدوق في الفقيه، وفي الخلاف اختصه لذوي الأعذار حيث قال، لا خلاف من أهل العلم في أن أصحاب الأعذار إذا أدرك أحدهم قبل طلوع الفجر الثاني مقدار ركعة أنه يلزمه العشاء الآخرة.

[ 76 ]

فإذا أدرك من أول وقت الظهر دون أربع ركعات. ثم جن أو أغمي عليه أو حاضت المرأة لم يكن عليهم قضاء فإن لحقوا مقدار أربع ركعات كان عليهم قضاء الظهر. والمسافر إذا قدم أهله قبل أن يخرج الوقت بمقدار ما يصلي فيه الصلوة على التمام أتم، وإن خرج بعد أن يمضي من الوقت مقدار ما يمكنه منه فرض الوقت كان عليه التمام، وإن خرج قبل ذلك قصر، وقد روي أنه يقصر إذا خرج قبل آخر الوقت بمقدار ما يصلي فيه فرض الوقت (1) فإن خرج بعده صلا على التمام خمس صلوات يصلي في كل وقت ما لم يتضيق وقت فريضة حاضرة. من فاتته صلوة فوقتها حين يذكرها، وكذلك قضاء النوافل ما لم يدخل وقت فريضة، وصلوة الكسوف، وصلوة الجنازة، وركعتا الاحرام، وركعتا الطواف. فأما أوقات النوافل المرتبة فإنه يصلي نوافل الزوال من بعد الزوال إلى أن يبقى إلى آخر الوقت مقدار ما يصلي فيه فريضة الظهر، ونوافل العصر ما بين الفراغ من فريضة الظهر إلى خروج وقت المختار، ولا يجوز تقديم نوافل النهار قبل الزوال إلا يوم الجمعة على ما سنبينه، ووقت نوافل المغرب عند الفراغ من فريضته، ووقت الوتيرة بعد الفراغ من فريضة العشاء الآخرة فإن كان عليه صلوة أخرى ختم بهاتين الركعتين ووقت صلوة الليل بعد انتصاف الليل إلى طلوع الفجر الثاني فلا يجوز في أول الليل إلا قضاء أو يكون مسافرا يخاف الفوات أو من يمنعه آخر الليل مانع من مرض وغير ذلك فإنه يجوز له التقديم أول الليل والقضاء أفضل. ووقت ركعتي الفجر عند الفراغ من صلوة الليل بعد أن يكون الفجر الأول قد طلع إلى طلوع الحمرة من ناحية المشرق سواء طلع الفجر الثاني أو لم يطلع، وأن يصلي مع صلوة الليل فهو أفضل. والأوقات المكروهة لا يبتدء النوافل فيها خمس: بعد فريضة الغداة، وعند طلوع الشمس وعند قيامها نصف النهار إلى أن تزول إلا يوم الجمعة بعد فريضة العصر، وعند غروب الشمس فأما إذا كانت نافلة لها سبب مثل قضاء النوافل أو صلوة زيارة أو تحية مسجد أو

(1) لعله أشار إلى ما رواه في التهذيب: ص 222 ج 3 ح 558 عن إسماعيل بن جابر.

[ 77 ]

صلاة إحرام أو طواف نافلة فإنه لا يكره على حال. والصلوة قبل دخول وقتها لا يجزي على كل حال، ويكون بعد خروج وقتها قضاء وفي وقتها أداء إلا أن الوقت الأول أفضل من الأوسط والأخير غير أنه لا يستحق عقابا ولا ذما، وإن كان تاركا فضلا هذا إذا كان لغير عذر فأما إذا كان لعذر فلا حرج عليه على حال، وفي أصحابنا من قال: يتعلق الفرض بأول الوقت. ومتى أخره لغير عذر أثم واستحق العقاب غير أنه قد عفى عن ذلك (1) والأول أبين في المذهب. ويستحب أن يقضي من النوافل ما فات بالليل بالنهار وما فات بالنهار بالليل. تقديم الصلوة في أول الوقت أفضل في جميع الصلوات الخمس، وكذا صلوة الجمعة آكد فإنه إذا زالت الشمس يوم الجمعة بدأ بالفرض وترك النوافل إلى بعد ذلك فإن كان الحر شديدا في بلاد حارة، وأرادوا أن يصلوا جماعة في مسجد جاز أن يبردوا بصلوة الظهر قليلا ولا يؤخر إلى آخر الوقت. فأما العشاء الآخرة فقد رخص في تأخيرها إلى ثلث الليل، والأفضل تقديمها. * (فصل: في ذكر القبلة وأحكامها) * معرفة القبلة واجبة للتوجه إليها في الصلوات مع الامكان، واستقبالها عند الذبيحة واحتضار الأموات وغسلهم والصلوة عليهم ودفنهم والتوجه إليها واجب في جميع الصلوات فرايضها وسننها مع التمكن وارتفاع الأعذار، والمكلفون على ثلاثة أقسام: منهم من يلزمه التوجه إلى نفس الكعبة، وهو كل من كان مشاهدا لها بأن يكون في المسجد الحرام أو في حكم المشاهد بأن يكون ضريرا أو يكون بينه وبين الكعبة حايل أو يكون خارج المسجد بحيث لا يخفى عليه جهة الكعبة. والقسم الثاني: من يلزمه التوجه إلى نفس المسجد، وهو كل من كان مشاهدا

(1) قال المفيد في المقنعة ولكل صلاة من الفرائض الخمس وقتان: أول وآخر. فالأول لمن لا عذر له، والثاني لأصحاب الأعذار، ولا ينبغي لأحد أن يؤخر الصلاة عن أول وقتها وهو ذاكر لها غير ممنوع منها فإن أخرها ثم اخترم في الوقت قبل أن يؤديها كان مضيعا لها، وإن بقي حتى يؤديها في آخر الوقت أو فيما بين الأول والآخر عفي عن ذنبه في تأخيرها

[ 78 ]

للمسجد أو في حكم المشاهد ممن كان في الحرم. والقسم الثالث: من يلتزمه التوجه إلى الحرم، وهو كل من كان خارج الحرم ونائيا عنه. وفرض الناس في التوجه على أربعة أقسام: فأهل العراق يتوجهون إلى الركن العراقي، وأهل الشام إلى الركن الشامي، وأهل اليمن إلى الركن اليماني، وأهل المغرب إلى الركن الغربي، ويلزم أهل العراق التياسر قليلا، ويعرف أهل العراق قبلتهم بأربعة أشياء: أحدها: أن يكون الجدي خلف منكبه الأيمن. وثانيها: أن يكون الفجر موازيا لمنكبه الأيسر. وثالثها: أن يكون الشفق موازيا لمنكبه الأيمن. ورابعها: أن يكون عين الشمس عند الزوال على حاجبه الأيمن. فإن فقد هذه الأمارات صلى إلى أربع جهات مع الاختيار الصلوة الواحدة، ومع الضرورة يصلي إلى أي جهة شاء، وهذه أمارات قبلة أهل العراق ومن يصلي إلى قبلتهم من أهل المشرق. فأما من يتوجه إلى غير قبلتهم من أهل المغرب والشام واليمن فأماراتهم غير هذه الأمارات. وقد تعلم القبلة بالمشاهدة أو بخبر عن المشاهدة توجب العلم أو بنصب قبلة نصبها النبي صلى الله عليه وآله أو واحد من الأئمة عليهم السلام أو علم أنهم صلوا إليها فإن بجميع ذلك تعلم القبلة، ومن كان بمكة خارج المسجد وجب عليه التوجه إلى المسجد مع العلم سواء غريبا أو قاطنا، ولا يجوز أن يجتهد في بعض بيوتها لأنه لا يتعذر عليه طريق العلم ومن كان وراء جبل وهو في الحرم وأمكنه معرفة القبلة من جهة العلم لم يجز أن يعمل على الاجتهاد بل يجب عليه طلبه من جهة العلم، ومن نأى عن الحرم فقد قلنا: إنه يطلب جهة الحرم مع الامكان فإن كان له طريق يعلم معه جهة الحرم وجب عليه ذلك فإن لم يكن له طريق يعلم معه ذلك رجع إلى الأمارات التي ذكرنا، وعمل على غالب الظن فإن فقد الأمارات صلى إلى أربع جهات على ما قلناه فإن لم يتسع له الزمان

[ 79 ]

أولا يتمكن من ذلك صلى إلى أي جهة شاء، وعلى هذا إذا كانوا جماعة وأرادوا أن يصلوا جماعة جاز أن يقتدوا بواحد منهم إذا تساوت حالهم في التباس القبلة فإن غلب في ظن بعضهم جهة القبلة وتساوى ظن الباقين جاز أيضا أن يقتدوا به لأن فرضهم الصلوة إلى أربع جهات مع الامكان، وإلى واحدة منها مع الضرورة وهذه الجهة واحدة منها، ومتى اختلف ظنونهم وأدى اجتهاد كل واحد منهم إلى أن القبلة في خلاف جهة صاحبه لم يجز لواحد منهم الاقتداء بالآخر على حال، ومتى لزم جماعة الصلوة إلى أربع جهات لفقد الأمارات جاز أن يصلوا جماعة، ويقتدي كل واحد بصاحبه في الأربع جهات. وإذا دخل غريب إلى بلد جاز له أن يصلي إلى قبلة البلد إذا غلب في ظنه صحتها فإن غلب أنها غير صحيحة وجب عليه أن يجتهد ويرجع إلى الأمارات الدالة على القبلة، ومتى فقد أمارات القبلة أو يكون ممن لا يحسن ذلك و أخبره عدل مسلم بكون القبلة في جهة بعينها جاز له الرجوع إليه. والأعمى يجوز له أن يرجع إلى غيره في معرفة القبلة لأنه لا يمكنه معرفتها بنفسه، والمسافر يصلي الفريضة إلى القبلة لا يجوز له إلا ذلك، ولا يصلي على الراحلة مع الاختيار. فإن لم يمكنه ذلك جاز له أن يصلي على الراحلة غير أنه يستقبل القبلة على كل حال لا يجوز له غير ذلك. وأما النوافل فلا بأس أن يصليها على الراحلة في السفر في حال الاختيار، وكذلك حال المشي، ويستقبل القبلة فإن لم يمكنه استقبل بتكبيرة الاحرام القبلة والباقي يصلي إلى حيث تسير الراحلة، ويتوجه إليه في مشيه، ولا يلزمه التوجه إلى القبلة حال الركوع أو السجود، ويجوز له أن يقتصر على الايماء وإن لم يسجد على الأرض فإن كان راكبا منفردا وأمكنه أن يتوجه إلى القبلة كان ذلك هو الأفضل فإن لم يفعل لم يكن عليه شئ لأن الأخبار الواردة في جواز ذلك على عمومها. هذا إذا لم يتمكن في حال كونه راكبا من استقبال القبلة فإن تمكن من ذلك بأن يكون في كنيسة واسعة يمكنه أن يدور فيها ويستقبل القبلة كان فعل ذلك أفضل، وكذلك الصلوة

[ 80 ]

في السفينة إذا دارت يدور معها حيث تدور فإن لم يمكنه صلى إلى صدر السفينة بعد أن يستقبل القبلة بتكبيرة الاحرام، فأما حال شدة الخوف أو حال المطاردة والمسايفة فإنه يسقط فرض استقبال القبلة، ويصلي كيف شاء ويمكن منه إيماء أو يقتصر على التكبير على ما سنبينه فيما بعد. كل صلوة فريضة غير الصلوة الخمس مثل صلوة نذر أو قضاء فرض أو صلاة جنازة أو صلاة كسوف أو صلوة عيد لا يصلي على الراحلة مع الاختيار، ويجوز ذلك مع الضرورة لعموم أخبار المنع من ذلك، ويجوز أن يصلي النوافل على الراحلة في الأمصار مع الضرورة والاختيار، وفعلها على الأرض أفضل، ومتى كان الانسان عالما بدليل القبلة غير أنه اشتبه عليه الأمر لم يجز أن يقلد غيره في الرجوع إلى إحدى الجهات لأنه لا دليل عليه بل يصلي إلى أربع جهات مع الاختيار، ومع الضرورة يصلي إلى أي جهة شاء، وإن قلد غيره في حال الضرورة جازت صلوته لأن الجهة التي قلده فيها هو مخير في الصلوة إليها وإلى غيرها. يجوز للأعمى أن يقبل من غيره ويرجع إلى قوله: في كون القبلة في بعض الجهات سواء كان ذلك رجلا أو امرأة عبدا كان أو حرا صبيا كان أو بالغا، وإن لم يرجع إلى غيره وصلى برأي نفسه وأصاب القبلة كانت صلوته ماضية، وإن أخطأ القبلة أعاد الصلوة لأن فرضه أن يصلي إلى أربع جهات مع الاختيار، وإن كان في حال الضرورة كانت صلوته ماضية، ولا يجوز له أن يقبل من الكافر، ومن ليس على ظاهر الاسلام، ولا من الفاسق لأنه غير عدل، وإذا صلى البصير إلى بعض الجهات. ثم تبين أنه صلى إلى غير القبلة، والوقت باق أعاد الصلوة، فإن كان صلى بصلوته أعمى وجب عليه أيضا إعادة الصلوة، وكذلك إن صلى بقوله ولم يصل معه، وإن انقضى الوقت فلا إعادة عليه إلا أن يكون استدبر القبلة فإنه يعيدها على الصحيح من المذهب، وقال قوم من أصحابنا: لا يعيد (1) هذا

(1) وهو مختار السيد في الجمل والناصريات، ونقل في مفتاح الكرامة هذا القول عن العجلي والمحقق واليوسفي في كشفه، والعلامة في التذكرة والمختلف والمنتهى، والشهيد في الدروس والبيان والذكرى.

[ 81 ]

إذا خرج من صلاته فإن كان في حال الصلوة. ثم ظن أن القبلة عن يمينه أو عن شماله بنى عليه واستقبل القبلة وتممها، وإن كان مستدبر القبلة أعاد الصلوة من أولها بلا خلاف، وإن كان صلى بصلوته أعمى انحرف بانحراف فإن دخل الأعمى في صلوته بقول واحد. ثم قال له آخر: القبلة في جهة غيرها عمل على قول أعدلهما عنده فإن تساويا في العدالة مضى في صلوته لأنه دخل فيها بيقين فلا ينصرف إلا بيقين. ومثله إذا دخل الأعمى في صلوة بقول بصير. ثم أبصر وشاهد أمارات القبلة صحيحة بنى على صلوته. وإن احتاج إلى تأمل كثير ويطلب أمارات ومراعاتها أستأنف الصلوة لأن ذلك عمل كثير في الصلوة، وإن قلنا: إنه يمضي فيها لأنه لا دليل على انتقاله كان قويا غير أن الأحوط للعبادة الأول. فإن دخل بصيرا في الصلوة ثم عمى تمم صلوته لأنه توجه إلى القبلة بيقين ما لم يلتو عن القبلة فإن التوى عنها التواء لا يمكنه الرجوع إليها بيقين بطلت صلوته، ويحتاج إلى استينافها بقول من يسدده فإن كان الطريق رجع إليها وتمم صلوته فإن وقف قليلا. ثم جاء من يسدده جازت صلوته وتممها إذا تساوت عنده الجهات فقد قلنا: إنه يصلي إلى أربع جهات مع الامكان، ويكون مخيرا في حال الضرورة فإن دخل فيها. ثم غلب على ظنه أن الجهة في غيرها مال إليها، وبنا على صلوته ما لم يستدبر القبلة فإن كان استدبرها أعاد الصلوة كما قلنا مع العلم سواء. وإذا اجتهد قوم فأدى اجتهادهم إلى جهة واحدة جازت صلوتهم إليها جماعة و فرادى فإن صلوا. ثم رأى الإمام في صلوته أنه أخطأ رجع إلى القبلة على ما فصلناه وأما المأمومون فإن غلب على طنم فعلوا مثل ذلك، وإن لم يغلب على ظنهم ذلك بقوا على ما هم عليه وتمموا صلوتهم منفردين، وكذلك الحكم في بعض المأمومين سواء يجب على الانسان أن يتبع أمارات القبلة كلما أراد الصلوة عند كل صلوة اللهم إلا أن يكون قد علم أن القبلة في جهة بعينها أو ظن ذلك بأمارات صحيحة. ثم علم أنها لم يتغير جاز حينئذ التوجه إليها من غير أن يجدد اجتهاده في طلب الأمارات. من صلى في السفينة استقبل بتكبيرة الاحرام القبلة. فإن دارت دار معها مع

[ 82 ]

الامكان فإن لم يمكنه صلى إلى صدر السفينة. * (فصل: فيما يجوز الصلوة فيه من اللباس) * يجوز الصلوة في القطن والكتان وجميع ما ينبت من الأرض من أنواع الحشيش والنبات بشرطين: أحدهما: أن يكون ملكا أو مباحا. وثانيها: أن يكون خاليا من نجاسة، فإن كان مغصوبا لم يجز الصلوة فيها، و يجوز الصلوة في الشعر والوبر والصوف إذا كان مما يؤكل لحمه بالشرطين المتقدمتين و متى كان مما لا يؤكل لحمه لم تجز الصلوة فيه من أوبار الثعالب والأرانب وغيرهما وأما الخز إذا كان خالصا فلا بأس بالصلوة فيه، وإن كان مغشوشا بوبر الأرانب وغيرها مما لا يؤكل لحمه لم تجز الصلوة فيها، والابريسم المحض لا يجوز لبسه، ولا يجوز الصلوة فيه ومتى كان سلاه أو لحمته قطنا أو كتانا أو خزا خالصا جاز لبسه، والصلوة فيه، وسواء كان القطن أو الكتان أو الخز مثله أو أكثر منه بعد أن يكون في نفس الثوب فأما إذا خيط بالقطن أو الكتان لم يزل التحريم عنه بحال، ولا فرق بين أن يلبسه الانسان منفردا أو يكون بطانة لقطن أو كتان أو ظهارة أو يلبسه بينهما فإنه لا تجوز الصلوة فيه، ولو كان على جيبه أو ذيله أو مواضع منه خروق مخيط كره الصلوة فيه، ويكون مجزية، وجلد ما يؤكل لحمه إذا كان مذكى يجوز لبسه والصلوة فيه سواء كان مدبوغا أو لم يكن بالشرطين المقدمين. وما لا يؤكل لحمه لا يجوز الصلوة في جلده ذكي أو لم يذكى دبغ أو لم يدبغ، و يجوز استعماله ولبسه في غير الصلوة إذا ذكي ودبغ إلا الكلب والخنزير فإنهما لا يطهران بالذكاة والدباغ، وعلى هذا لا يجوز الصلوة في جلد الثعلب والأرنب و ساير السباع والسنور وغيرها مما لا يحل أكله مما نذكره فيما بعد، ورويت رخصة فأي جواز الصلوة في الفنك والسمور (2) والأصل ما قدمنا. فأما السنجاب و

(2) روى الشيخ في التهذيب، ص 211 ج 2 ح 826 عن على بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود قال: لا باس بذلك.

[ 83 ]

الحواصل فأنه لا خلاف أنه يجوز الصلوة فيهما. وجلد الميتة لا تطهر بالدباغ سواء أكل لحمه أو لم يؤكل، وكلما لا تتم الصلوة فيه منفردا جازت الصلوة فيه، وإن كان من أبريسم مثل التكة، والجورب والقلنسوة والخف والنعل، والتنزه عنه أفضل، والثوب إذا كان فيه تمثال وصورة لا يجوز الصلوة فيه، و يجوز للنساء الصلوة في الابريسم المحض والتنزه عنه أفضل، ومن اشترى جلدا على أنه مذكى جاز أن يصلي فيه، وإن لم يكن كذلك إذا اشترى ذلك من سوق المسلمين ممن لا يستحل الميتة، ولا يجوز شراؤها ممن يستحل ذلك أو كان متهما فيه. ويكره الصلوة في الثياب السود كلها ما عدا العمامة والخف فإنه لا بأس بالصلوة فيهما، وإن كانا سوادين، ويجوز للرجال الصلوة في ثوب واحد إذا كان صفيفا، و إن كان رقيقا كره له ذلك إلا أن يكون تحته مئزر يستر العورة. ويكره أن يأتزر فوق القميص. ويكره اشتمال الصماء، وهو أن يلتحف بالإزار، ويدخل طرفيه من تحت يده ويجمعهما على منكب واحد كفعل اليهود، ويجوز أن يأتزر ببعض ثوب، ويرتدي بالبعض الآخر فإن لم يكن معه إلا سراويل لبسه وطرح على عنقه خيطا أو تكة أو ما أشبههما. ويكره للرجل أن يصلي في عمامة لا حنك لها، ولا يصلي الرجل وعليه لئام بل يكشف موضع جبهته للسجود وفاه لقراءة القرآن. ويكره للمرأة النقاب في الصلوة، ولا يصلي الرجل وعليه قباء مشدود إلا بعد أن يحله إلا في حال الحرب. ويكره الصلوة في الشمشك والنعل السندي، ويستحب الصلوة في النعل العربي ويجوز الصلوة في الخفين والجرموقين إذا كان لهما ساق. ويكره للإمام في الصلوة ترك الرداء مع الاختيار، ويجوز ذلك عند الضرورة ولا يجوز الصلوة في الثوب الذي يكون تحت وبر الثعالب ولا الذي فوقه على ما وردت به الرواية (1) وعندي أن هذه الرواية محمولة على الكراهة أو على أنه إذا كان أحدهما

(1) المروية في الكافي ج 3 ص 399 ح 8.

[ 84 ]

رطبا لأن ما هو نجس إذا كان يابسا لا تتعدى فيه النجاسة إلى غيره. ويكره الصلوة في القلنسوة والتكة إذا عملا من وبر ما لا يؤكل لحمه، وكذلك يكره إذا كانا من حرير محض. ويكره الصلوة في الحديد المشهر مثل السكين والسيف فإن كان في غمد أو قراب فلا باس، به وكذلك حكم المفتاح والدرهم السود، ويجوز للرجل أن يصلي في ثوب المرأة إذا كانت مأمونة، وكذلك تصلي المرأة في ثوب الرجل، وإذا عمل كافر لمسلم ثوبا فلا يصلي فيه إلا بعد غسله، وكذلك إذا أصبغه له لأن الكافر نجس وسواء كان كافر أصل أو كافر ردة أو كافر ملة، وإذا استعار ثوبا من مستحل شئ من النجاسات أو المسكرات فلا يصلي فيه حتى يغسله. ويكره للمرأة أن تصلي في خلاخل له صوت فإن كانت صماء لم يكن بالصلوة فيها بأس ولا بأس أن يصلي وفي كمه طاير إذا خاف ضياعه، ولا يصلي في ثوب فيه تماثيل، ولا في خاتم كذلك، ويجوز الصلوة في خرق الخضاب للرجال والنساء إذا كانت طاهرة. * (فصل: في ذكر ما يجوز الصلوة فيه من المكان وما لا يجوز) * يجوز الصلوة في الأماكن كلها بشرطين: أحدهما: أن يكون ملكا أو في حكم الملك بأن يكون مأذونا له فيه. والثاني: أن يكون خاليا من نجاسة. فإن صلى في مكان مغصوب مع الاختيار لم تجز الصلوة فيه. فلا فرق بين أن يكون هو الغاصب أو غيره ممن أذن له في الصلوة فيه لأنه إذا كان الأصل مغصوبا لم تجز الصلوة فيه، وإن كان في مكان مغصوب ولا يمكنه الخروج منه بأن يكون محبوسا أو يخاف على نفسه في الخروج منه فإنه يجوز له الصلوة فيه، ومتى أذن له المالك في الدخول إلى ملكه والتصرف فيه جاز له الصلوة لأن ذلك من جملة التصرف، وكذلك إذا دخل ملكه بغير إذنه وعلم بشاهد الحال أنه لا يكره مالكه الصلوة فيه فإن الصلوة فيه صحيحة، وعلى هذا إذا دخل الانسان ملك غيره في الصحارى والبساتين وغيرها فإنه يجوز أن يصلي فيها لأن من المعلوم أن أصحابها

[ 85 ]

لا يكرهون الصلوة فيها، وإنما الممنوع منه هو ما يعلم أن صاحبه كره له التصرف في ملكه على كل حال فلا يجوز له الصلوة فيه. فأما من حصل في ملك غيره بإذنه فأمر بالخروج منه أو نهاه عن المقام فيه فإن أقام في موضعه وصلا لم يجزه به صلاته، وإن تشاغل بالخروج فصلى في طريقه كانت صلوته ماضية لأنه متشاغل بالخروج، وإنما قدم فرض الله تعالى على فرض غيره غير أن هذا إنما يجزيه إذا كان تضيق عليه الوقت وأما إذا كان أول الوقت فينبغي أن يقدم الخروج أولا فإن لم يفعل وصلى لم يجزه صلوته. ويكره الصلوة في اثني عشر موضعا: وادي ضجنان، ووادي الشقرة والبيداء وذات الصلاصل، وبين المقابر إلا إذا جعل بينه وبين القبر عشرة أذرع عن يمينه و عن شماله وقدامه ولا يعتبر ذلك من خلفه وقد روي جواز الصلوة إلى قبور الأئمة عليهم السلام خاصة في النوافل (1)، والأحوط ما قدمناه، وأرض الرمل والسبخة إذا لم يتمكن الجبهة من السجود عليها، ومعاطن الإبل، وقرى النمل وجوف الوادي، وجواد الطرق والحمامات وليس ذلك بمحظور لأنه إن صلى في هذه المواضع على الشرطين اللذين قدمنا ذكرهما كانت صلوته ماضية، ويستحب أن يجعل بينه وبين ما يمر به ساترا ولو عنزة وإن لم يفعل فلا يقطع صلوته بما يمر به كلب أو خنزير أو امرأة أو رجل وغير ذلك. ويكره الفريضة جوف الكعبة فإن تضيق عليه الوقت ولم يمكنه الخروج منها جاز أن يصلي فيها وكذلك إن كان محبوسا فيها. وأما النوافل فإنه مأمور بالصلوة فيها، ومتى انهدم البيت جاز الصلوة إلى جهته وإن حصل فوق الكعبة روى أصحابنا أنه يصلي مستلقيا، ويصلي إلى البيت المعمور في السماء الثالثة أو الرابعة على الخلاف فيه إيماء، ويعرف البيت بالصراح، وإن صلى كما يصلي إذا كان جوفها كانت صلوته ماضية سواء كان السطح له سترة من نفس البناء أو مفروضا فيه السترة، وسواء وقف على سطح البيت أو على حائطه اللهم إلا أن يقف على

(1) رواه في التهذيب ج 2 ص 228 ح 898.

[ 86 ]

طرف الحائط حتى لا يبقى بين يديه جزء من البيت فإنه لا يجوز حينئذ صلوته لأنه يكون حينئذ استدبر القبلة، وإذا صلى جوف الكعبة فلا فرق بين أن يصلي إلى بعض البنيان أو إلى ناحية الباب، وسواء كان الباب مفتوحا أو لم يكن، وسواء كان للباب عتبة أو لم يكن فإن الصلوة جايزة في جميع هذه الأحوال، وسواء صلى منفردا أو جماعة فإن الصلوة ماضية، ومتى انهدم البيت وصلى جوف عرصته كان جايزا إذا بقي من البيت جزء يستقبله على ما قلناه فوق الكعبة سواء. مرابض الغنم لا بأس بالصلوة فيها، ولا يصلي على الثلج فإن لم يقدر على الأرض فرش فوقه ما يسجد عليه فإن لم يجد صلب بيده الثلج وسجد عليه مع الضرورة. فإن كان في أرض وحل أو في حال خوض الماء صلى إيماء ولا يسجد عليها، ولا يصلي في بيوت النيران وليس ذلك بمحظور. والصلوة في الظواهر بين الجواد ليس به بأس، ويجوز الصلوة في البيع والكنايس. ويكره في بيوت المجوس فإن فعل رش الموضع بالماء فإذا جف صلى فيه. ولا يصلي وفي قبلته أو يمينه أو شماله صورة تماثيل إلا أن يغطيها فإن كانت تحت رجله لم يكن به بأس. ويكره أن يصلي وفي قبلته نار في مجمرة أو قنديل أو غيرهما، وكذلك يكره أن يكون في قبلته سيف مشهر إلا عند الخوف من العدو، ولا يصلي الرجل وإلى جنبه امرأة تصلي سواء كانت مقتدية به أو لم تكن كذلك فإن فعلا بطلت صلوتهما فإن صلت خلفه في صف بطلت صلوة من عن يمينها وشمالها، ومن يحاذيها من خلفها، ولا تبطل صلوة غيرهم، وإن صلت بجنب الإمام بطلت صلوتها وصلوة الإمام، ولا تبطل صلوة المأمومين الذين هم وراء الصف الأول فإن كانت بين يديه أو عن يمينه أو شماله قاعدة لا تصلي أو من خلفه، وإن كانت تصلي لم يكن صلوة واحد منهما باطلة فإن اجتمعا في محمل صلى الرجل أولا أو المرأة ولا يصليان معا في حالة واحدة. وتكره الصلوة في موضع بين حايط قبلته من بول أو قذر، وكذلك تكره الصلوة في بيت فيه مجوسي، وتكره إذا كان فيه يهودي أو نصراني.

[ 87 ]

ويكره أن يكون بين يديه مصحف مفتوح أو شئ مكتوب لأنه يشغله عن الصلوة ويستحب أن يكون جميع مكان المصلى طاهرا لا نجاسة فيه غير أنه متى كان موضع سجوده طاهرا وعلى الباقي نجاسة يابسة لا تتعدى إليه أجزأت صلوته سواء تحركت بحركته أو لم يتحرك بأن يكون النجاسة في أطرافه. * (فصل: في ستر العورة) * ستر العورتين اللتين هما القبل والدبر واجب على الرجال، والفضل في ستر ما بين السرة إلى الركبة، وستر الركبتين مع ذلك، وأفضل من ذلك أن يكون عليه ثوب صفيق أو إزار فإن انكشف عورتاه في الصلاة وجب عليه سترهما ولا تبطل صلوته سواء كان ما انكشف عنه قليلا أو كثيرا بعضه أو كله. فأما العريان فإن قدر على ما يستر به عورته من خرق أو ورق أو طين يطلي به وجب عليه أن يستره فإن لم يقدر ووجد موضعا يستر فيه وجب عليه أيضا ذلك ويصلي قايما، وإن لم يقدر على ذلك وكان في موضع لا يراه أحد صلى قايما، وإن كان بحيث لا يأمن أن يطلع عليه غيره صلى من جلوس فإن كانوا جماعة صلوا صفا واحدا من جلوس، ويتقدمهم إمامهم بركبتيه، وإن كان مع واحد منهم ثوب صلى بهم ذلك، وإن لم يكن أقرأهم صلى منفردا. ويستحب له أن يعير ثوبه لغيره واحدا واحدا حتى يصلوا كلهم، مع ستر العورة فإن لم يفعل لم يجب عليه ذلك. فأما المرأة الحرة فإنه يجب عليها ستر رأسها وبدنها من قرنها إلى قدمها، ولا يجب عليها ستر الوجه والكفين وظهور القدمين، وإن سترته كان أفضل، والفضل لها في ثلاثة أثواب: مقنعة وقميص ودرع، وأما الأمة فلا يجب عليها ستر رأسها سواء كانت مطلقة أو مدبرة أو أم ولد مزوجة كانت أو غير مزوجة. فإن كانت مكاتبة مشروطا عليها فهي كالقن سواء، وإن كانت مطلقة وقد أدت بعض مكاتبتها أو انعتق بعضها أو كان بعضها حرا من غير مكاتبة فعلت ما تفعله الحرة سواء. فإن أعتقت المملوكة في حال الصلوة وقدرت على ثوب تغطي رأسها وجب عليها أخذه

[ 88 ]

وتغطية الرأس به، وإن لم تتم لها ذلك إلا بأن تمشي إليه خطوا قليلة من غير أن تستدبر القبلة كان مثل ذلك، وإن كان بالبعد منها وخافت فوات الصلوة أو احتاجت إلى استدبار القبلة صلت كما هي وليس عليها شئ ولا تبطل صلوتها لأنه لا دليل على ذلك وأما ما عدا الرأس فأنه يجب عليها تغطيته من جميع جسدها لأن الأخبار وردت بأن لا يجب عليها ستر الرأس، ولم ترد بجواز كشف ما عداه. ولا بأس أن يصلي الانسان في ثوب وإن لم يزر جيبه وإن كان في الثوب خرق لا يواري العورة لا بأس به فإن حاذى العورة لم يجز وصفة الثوب أن يكون صفيقا لا ترى ما تحته فإن ظهر البشرة من تحته لم يجز لأنه لا يستر العورة. فإن لم يجد ثوبا يستر العورة ووجد جلدا طاهرا أو ورقا أو قرطاسا أو شيئا يمكنه أن يستر عورته وجب عليه ذلك على ما بيناه فإن وجد طينا وجب أن يطين عورته به فإن لم يجد ووجد نقبا دخل فيه وصلا فيه قايما فإن لم يجد صلى من قعود على ما فصلناه. فإن وجد ما يستر بعض عورته وجب عليه ستر ما قدر عليه فإن أعاره غيره ثوبا أو وهبه له وجب عليه قبوله وستر عورته به لأنه صار متمكنا فإذا كانوا جماعة عراة مع واحد ثوب يعير واحد بعد واحد وجب عليهم قبوله، ولا يصلوا عراة. فإن خافوا فوات الوقت صلوا عراة ولم ينتظروا الثوب، وكذلك إن كانوا في سفينة ولم يكن لجميعهم موضع وكان لواحد انتظروا حتى يصلي واحد واحد قايما في موضعه فإن خافوا فوات الوقت صلوا من قعود، وإن أرادوا أن يصلوا جماعة جلس إمامهم وسطهم ولا يتقدمهم إلا بركبتيه إلا أن يكون مستور العورة فيخرج حينئذ عنهم فإن كن نساء ورجالا صلى الرجال منفردين عن النساء لأنه لا يمكنهن الوقوف معهم في الصف فتفسد صلوة الجميع، وإن وقفن خلفهم نظرن إلى عورات الرجال، وإن كان بينهن وبينهم حايل جاز ذلك، وإلا صلى كل واحد من الفريقين منفردا. ولا بأس أن يصلي الرجل في قميص واحد وأزاره محلولة واسع الجيب كان أو ضيقة دقيق الرقبة كان أو غليظه كان تحته مئزر أو لم يكن، والأفضل أن يكون تحته مئزرا، ويزر القميص على نفسه فأما شد الوسط فمكروه.

[ 89 ]

والصبية التي لم تبلغ فلا يجب عليها تغطية الرأس وحكمها حكم الأمة، و إن بلغت في حال الصلوة بالحيض بطلت صلوتها، وإن بلغت بغير ذلك فعليها ما على الأمة إذا أعتقت سواء. * (فصل: فيما يجوز السجود عليه، وما لا يجوز) * لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض مما لا يؤكل ولا يلبس بشرطين: أحدهما: أن يكون له التصرف فيه إما بالملك أو الإذن. والثاني: أن يكون خاليا من نجاسة فأما الوقوف عليه فإنه يجوز وإن كان عليه نجاسة إذا كانت يابسة لا تتعدى إليه، وإن كانت رطبة لم يجز، والتنزه عنه أفضل، وعلى هذه الجملة لا يجوز السجود على الكتان والقطن والصوف والشعر و الوبر والجلود كلها مذكاة كانت أو غير مذكاة مدبوغة كانت أو غير مدبوغة مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه، وكذلك حكم ما عمل من هذه الأجناس لا يجوز السجود عليه، والثمار كلها والمطعومات لا يجوز السجود عليها، وكذلك الكحل والزرنيخ والنورة وجميع المعادن من الذهب والفضة، والصفر والنحاس والحديد وغير ذلك لا يجوز السجود عليها كله. فأما القير والقفر (1) فلا يجوز السجود عليهما مع الاختيار فإن اضطر إلى ذلك بأن لا يكون بحيث لا يقدر على غيره ولا معه ما يغطيه به جاز السجود عليه وكذلك إن كان في أرض رمضاء جاز أن يسجد على ثوب يقي به الحر وإن كان قطنا أو كتانا، ولا يجوز أن يسجد على ما هو بعض له مثل يده أو كفه أو ساعده أو غير ذلك. فأما ما ينبت من غير المأكولات والملبوسات فإنه يجوز السجود عليه من ساير أنواع الحشيش، وكذلك إذا حصل في موضع قذر لا يقدر على مكان طاهر جاز أن يسجد على القطن أو الكتان إذا لم يقدر على سواهما، ويجوز السجود على الجص والآجر والحجر والخشب، ولا يجوز على الزجاج، ولا على الرماد، ويجوز أن يترك كفا

(1) القفر: شئ يشبه الزفت، ورائحته كرائحة القير. مجمع.

[ 90 ]

من حصا على البساط يسجد عليه، ولا يسجد على الصهروج، والسجادة إذا كانت معمولة بالخيوط جاز السجود عليها وإن عمل بالسيور وكانت ظاهرة يقع الجبهة عليها لم يجز وكذلك حكم الحصر وما يعمل من نبات الأرض. ويكره السجود على القرطاس إذا كان مكتوبا لمن يحسن القراءة فإن كان خاليا من الكتابة أو لا يحسن أن يقرأها أو كان الموضع مظلما زالت الكرهة، والبواري و الحصر وكلما عمل من نبات الأرض غير القطن والكتان إذا أصابها نجاسة مايعة مثل البول وما أشبهه وجففتها الشمس جاز السجود عليها. فأما غير ذلك من الثياب فإنه لا يطهر بالشمس، وإن جففته الريح أو الفئ لم يجز السجود عليها، وحكم الأرض إذا كانت عليها نجاسة مايعة حكم البواري والحصر سواء، ومتى كانت النجاسة جامدة لا يطهرها غير الغسل بالماء، ولا يجوز أن يسجد على ما هو لا بس له فإن خاف الرمضاء جاز أن يسجد على كمه فإن لم يكن معه ثوب سجد على كفه، وإذا حصل في ثلج ولم يكن معه ما يسجد عليه جاز أن يسجد عليه إذ أمكن جبهته من السجود عليه. * (فصل: في حكم الثوب والبدن والأرض إذا أصابته) * * (نجاسة وكيفية تطهيره) * قد فصلنا في كتاب الطهارة النجاسة التي يجب إزالة قليلها وكثيرها، وما لا يجب إزالة قليلها ولا كثيرها، وما يجب إزالة قليلها ولا كثيرها، وما يجب إزالة كثيرها دون قليلها. فلا وجه لا عادته. فمتى صلى في ثوب نجس متعمدا أعاد الصلوة على كل حال. وإن صلى ساهيا والوقت باق أعاد، وإن خرج الوقت وكان علم حصول النجاسة في ثوبه فلم يزله أعاد، وإن لم يعلم أصلا إلا بعد أن صلى وقد خرج الوقت فلا إعادة عليه، وحكم الظن في هذا الباب حكم العلم سواء. فإذا علم في حال الصلوة أن ثوبه نجس طرحه وصلى في غيره بقية الصلوة. وإن لم يكن عليه غيره وبالقرب منه ثوب و أمكنه أخذه من غير أن يستدبر القبلة أخذه وتمم صلوته، وإن لم يمكنه إلا بقطع الصلوة فالأحوط قطعها وأخذ الثوب أو غسل النجاسة واستأنف الصلوة، وإن لم يقدر على غيره، أصلا صلى عريانا إيماء، ومن كان معه ثوبان: أحدهما نجس واشتبها عليه

[ 91 ]

صلا في كل واحد منهما منفردا تلك الصلوة، وفي أصحابنا من قال ينزعهما ويصلي عريانا (1) فإن كنت ثيابا كثيرة واحد منهما نجس صلى في ثوبين منها في كل واحد منهما تلك الصلوة لأن فيها طاهرا بيقين، وإن كانت ثيابا كثيرة واحد منهما طاهر والباقي نجس وأمكنه الصلوة في كل واحد منها فعل ذلك، وإن خاف الفوات أو شق عليه ذلك تركها وصلا عريانا، وإذا كان معه ثوب واحد وأصابته نجاسة نزعه وصلى عريانا فإن لم يمكنه خوفا من البرد أو غيره صلى فيه. ثم يعيدها في ثوب طاهر إذا أصاب ثوبه نجاسة لا يعرف موضعها وجب عليه غسله كله. فإن علم النجاسة في إحدى الكمين وجب عليه غسلهما فإن لم يكن معه ماء يغسله به صلى عريانا إن أمكنه وإلا صلى فيه. ثم أعاد الصلوة. فإن نجس أحد كميه. ثم قطع أحدهما لم يجز له التجزي، وكذلك إن أصاب موضعا من الثوب. ثم قطعه بنصفين لا يجوز التجزي ويصلي عريانا أو يقطعه ويصلي في كل واحد على الانفراد، وإذا أصاب الأرض نجاسة ولم يعرف موضعها فإن كان الموضع محصورا تجنبه وصلى في غيره مثل بيت ودار وما أشبه ذلك، وإن كان فضاء من الأرض صلى كيف شاء لأن هذا يشق، والأصل الطهارة. هذا إذا لم يكن معه ما يسجد عليه فأما إن كان معه ما يسجد عليه سجد عليه. دم الحيض يجب غسله ويستحب حته وقرضه، وليسا بواجبين فإن اقتصر على الغسل أجزأه فإن بقي له أثر استحب صبغه بالمشق أو بما يغير لونه. يجوز الصلوة في ثوب الحايض ما لم يعلم فيه نجاسة، وكذلك في ثوب الجنب فإن عرق فيه وكانت الجنابة عن حرام روى أصحابنا أنه لا تجوز الصلوة فيه، وإن كان من حلال لم يكن به بأس، ويقوى في نفسي أن ذلك تغليظ في الكراهية دون فساد الصلوة لو صلى فيه. والمني لا يجوز الصلوة في قليله وكثير ولا يزيله غير الغسل بالماء. المذي والوذي طاهران. ولا يجوز الصلوة في ثياب الكفار التي باشروها بأجسامهم الرطبة أو كانت الثياب

(1) هذا مذهب ابن إدريس وابن سعيد على ما نقل عنها في مفتاح الكرامة.

[ 92 ]

رطبة سواء كانوا متدينين بذلك أو لم يكونوا كذلك، ولا بأس بثياب الصبيان ما لم يعلم فيها نجاسة. والنجاسة إذا كانت يابسة لا ينجس بها الثوب. العلقة نجسة وكذلك المني من ساير الحيوان. إذا جبر عظم بعظم ميت لا يجب قلعه لأن العظم لا ينجس بالموت فإن كان من حيوان نجس العين كالكلب والخنزير ففيه ثلاث مسائل: أحدها: أنه يمكنه قلعه من غير مشقة فإنه يجب قلعه بلا خلاف. الثانية: يمكنه قلعه بمشقة بأن يكون قد نبت عليه اللحم، ولا يخاف على النفس من قلعه فإنه لا يجب قلعه لقوله تعالى " وما جعل عليكم في الدين من حرج ". (1) الثالثة: أن يخاف على النفس من قلعه فلا يجب أيضا قلعه للآية، والذي يجب عليه قلعه من غير مشقة متى لم يقلعه وصلا بطلت صلوته لأنه حامل للنجاسة وعلى السلطان إجباره على ذلك فإن مات ولم يقلع فلا يجوز قلعه. إذا اضطربت سن الانسان وتحركت ولم تر قيل: كان له أن يربطها بشئ طاهر كالفضة والذهب والحديد ونحو ذلك لأن جميعه طاهر. ويكره أن يصل شعره بشعر غيره رجلا كان أو امرأة فإن فعلت المرأة لزوجها ذلك لم يكن عليها شئ والأفضل تركه، والماشطة لا ينبغي أن تفعل ذلك فإن فعلت ووصلت شعرها بشعر غير الآدمي مما هو طاهر كان جايزا. إذا بال الانسان على الأرض فتطهيره أن يطرح عليه ذنوب من ماء، ويحكم بطهارة الأرض وطهارة الموضع الذي ينتقل إليه ذلك الماء، فإن بال اثنان وجب أن يطرح مثل ذلك، وعلى هذا أبدا لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر بذنوب من ماء على بول الأعرابي. الماء الذي يزال به النجاسة نجس لأنه ماء قليل خالطه بنجاسة، وفي الناس من قال: ليس بنجس إذا لم يغلب على أحد أوصافه بدلالة أن ما بقي في الثوب جزء منه وهو طاهر بالاجماع فما انفصل عنه فهو مثله، وهذا أقوى، والأول الأحوط، والوجه

(1) الحج 78.

[ 93 ]

فيه أن يقال: إن ذلك عفي عنه للمشقة. إذا بال في موضع فإنه يزول نجاسته بستة أشياء: أحدها: أن يكاثر عليها الماء حتى يستهلكه فيرى له لون ظاهر ولا رايحة. الثاني: أن يمر عليه سيل أو ماء جاري فإنه يطهر. الثالث: أن يحفر الموضع في حال رطوبة البول فينقل جميع الأجزاء الرطبة و يحكم بطهارة ما عداه. الرابع: أن يحفر الموضع وينقل ترابه حتى يغلب على الطن أنه نقل جميع الأجزاء التي أصابها النجاسة. الخامس: يجئ عليها مطر أو يجئ عليها سيل فيقف فيه بمقدار من يكاثره من الماء. السادس: أن يجف الموضع بالشمس فإنه يحكم بطهارته فإن جف بغير الشمس لم يطهر، وحكم الخمر حكم البول إذا أصاب الأرض إلا إذا جففتها الشمس فإنه لا يحكم بطهارته، وحمله على البول قياس لا يجوز استعماله، وإذا أصاب الخمر الأرض فطريق تطهيرها ما قدمناه، ولا يحكم مع بقاء أحد أوصافها لونها أو رايحتها لأن بقاء أحد الأمرين يدل على بقاء العين إلا أن يظن أن رايحته بالمجاورة فحينئذ يحكم بطهارته، وبول المرطوب والمحرور حكمه حكم واحد، وإذا أصاب الأرض بول و جففتها الشمس جاز التيمم فيها. وقد قدمنا كراهية الصلاة إلى شئ من القبور وفصلناه. فأما إذا نبش قبر وأخذ ترابه وقد صار الميت رميما واختلط بالتراب فلا يجوز السجود على ذلك التراب لأنه نجس فإن لم يعلم أن هناك ميتا اختلط بالتراب جاز والأولى تجنبه احتياطا، وإلا فالأصل الطهارة فإن كان القبر طريا وعلم أنه لم ينبش فلا تبطل الصلوة عليها والسجود وإن كان مكروها. فأما إذا كانت مقبرة مجهولة فلا يدري هي منبوشة أم لا فالصلوة تجزي وإن كان الأولى تجنبها. والنجاسة على ضربين: مايع وجامد. فالمايع قد بينا كيفية تطهيرها من

[ 94 ]

الأرض، والجامد لا يخلوا من أحد أمرين: إما أن يكون عينا قائمة متميزة عن التراب أو مستهلكة فيه فإن كانت عينا كالعذرة والدم وغيرهما، وجلد الميتة ولحمه نظرت فأن كانت نجاسة يابسة فإذا أزالتها عن المكان كان مكانها طاهرا، وإن كانت رطبة فإذا أزالتها وبقيت رطوبتها في المكان فتلك الرطوبة بمنزلة البول، وقد مضى حكمه، وإن كانت العين مستهلكة فيها كجلود الموتى ولحومهم والعذرة ونحو ذلك فهذا المكان لا يطهر بصب الماء عليه، وإنما يجوز السجود عليه بأحد أمرين: قلع التراب حتى يتحقق أنه لم يبق من النجاسة شئ بحال، والثاني: أن يتطين المكان بطين طاهر فيكون حايلا، دون النجاسة فيجوز السجود على الحايل فإن ضرب لبنا لا يجوز السجود عليه فإن حمله المصلي معه لم تجز صلوته لأنه حامل النجاسة. فإن طبخ آجرا طهرته النار وكذلك الجص، ويكره أن يبنى المسجد بذلك اللبن، ومواضع التراب فإن فعل تجنب السجود عليه وجاز أن يبنى به الحيطان. إذا أصابت الأرض نجاسة وتعين الموضع لم يسجد عليه، وإن لم يتعين الموضع وتعينت الناحية التي فيها النجاسة تجنبها وإن لم يتعين له أصلا صلى كيف شاء لأن معرفة ذلك لا طريق إليه ويشق لأنه ربما لا يتعين له جميع ذلك أصلا فيؤدي إلى أن لا يصلي على الأرض أصلا. إذا كانت العمامة على أحد طرفيها نجاسة والطرف الآخر طاهر فترك الطاهر على رأسه والطرف الآخر على الأرض أو على سرير هو واقف عليه فتحرك بحركته أو لم يتحرك صحت صلوته لأنه ليس بحامل للنجاسة ولا بلابس لثوب نجس. ومتى شد حبلا في كلب أو في سفينة فيها نجاسة إما في موضع النجاسة أو في موضع طاهر، والطرف الآخر معه سواء كان واقفا عليه أو في يده أو مشدودا به فإنه لا تبطل صلوته لأنه لا دليل عليه. من حمل حيوانا طاهرا مثل الطيور وغيرها أو مثل حمل صغير أو صبيا صغيرا لم تبطل صلوته فإن حمل ما هو نجس مثل الكلب والخنزير والأرنب والثعلب بطلت صلوته، وإن حمل قارورة فيها نجاسة مشدودة الرأس بالرصاص فجعلها في كمه أو في جيبه بطلت صلوته لأنه حامل للنجاسة، وفي الناس من قال: لا تبطل قياسا على حمل

[ 95 ]

حيوان في جوفه نجاسة، والأول أصح. التختم بالذهب حرام على الرجال، وكذا لبس الحرير، ومباح ذلك للنساء، ولبس الثياب المقدمة بلون من الألوان، والتختم بالحديد مكروه في الصلوة. ولا يجوز للمشركين دخول شئ من المساجد لا بإذن ولا بغير إذن، ولا يحل المسلم أن يأذن له في ذلك لأن المشرك نجس والمساجد تنزه من النجاسات. * (فصل: في ذكر الأذان والإقامة وأحكامهما) * الأذان والإقامة سنتان مؤكدتان في الخمس صلوات المفروضات في اليوم والليلة للمنفرد، وأشدهما تأكيدا الإقامة، وهما واجبتان في صلوة الجماعة، ومتى صلى جماعة بغير أذان وإقامة لم يحصل فيه فضيلة الجماعة والصلوة ماضية، وآكد الصلوات بأن يفعلا فيها ما يجهر فيها بالقراءة، وآكد من ذلك المغرب والغداة لأنهما لا يقصران في سفر ولا حضر ولا يجوز الأذان والإقامة بشئ من النوافل. فأما قضاء الفرايض فيستحب فيه الآذان والإقامة كما يستحب في الأداء ويجب في الموضع الذي يجب وهو إذا صلوا جماعة قضاء، ومتى دخل المنفرد في الصلوة من غير أذان وإقامة استحب له الرجوع ما لم يركع ويؤذن ويقيم ويستقبل الصلوة فإن ركع مضى في صلوته، والأذان مأخوذ من الوحي النازل عن النبي صلى الله عليه وآله دون الرويا والمنام، والترجيع غير مسنون في الأذان وهو تكرار التكبير والشهادتين في أول الأذان فإن أراد ينبه غيره جاز تكرار الشهادتين والتثويب مكروه في الأذان وهو قول: الصلوة خير من النوم في صلوة الغداة والعشاء الآخرة وما عدا هاتين الصلوتين فلا خلاف أنه لا تثويب فيها يعتد به. ويشتملان على الواجب والمسنون، والواجب فيهما الترتيب لأنه لا يجوز تقديم بعض الفصول على بعض. والمسنون عشرة أشياء: أن يكون على طهارة، وأشدها تأكيدا في الإقامة، وأن يكون مستقبل القبلة ولا يتكلم في حالهما، ويكون قايما مع الاختبار، ولا يكون ماشيا ولا راكبا، ويرتل الأذان ويحدر الإقامة، ولا يعرب أواخر الفصول، ويفصل

[ 96 ]

بينهما بجلسة أو سجدة أو خطوة أو ركعتي نافلة إلا في المغرب فإنه لا نافلة قبل الفريضة لضيق الوقت، وأشدها تأكيدا في الإقامة، ومن شرط صحتها دخول الوقت، وقد روي جواز تقديم الأذان لصلوة الغداة تنبيها للنايم (1) ولا بد من إعادته بعد دخول الوقت ولا فرق بين أن يكون الأذان في المنارة أو على الأرض، والمنارة لا يجوز أن تعلى على حايط المسجد. ويكره الأذان في الصومعة وإن وضع إصبعيه في أذنيه في حال الأذان كان جايزا وإن لم يفعل لم يكن به بأس، ويستحب رفع الصوت بالأذان من غير أن يبلغ ما يقطع صوته، وإن تكلم في خلال الأذان جاز له البناء وإن كان في الإقامة استحب له الاستقبال إذا كان الكلام لا يتعلق بالصلوة فأما إذا تعلق جاز البناء عليه. السكوت الطويل بين فصول الأذان يبطل حكمه، ويستحب معه الاستقبال والقليل لا يوجب ذلك. أواخر الفصول موقوفة غير معربة فإن أعرب لم يبطل حكمه. من نام في خلالهما أو أغمي عليه ثم انتبه أو أفاق استحب له استينافه، وإن لم يفعل فلا شئ عليه لأنه ليس من شرطها الطهارة. فأما الإقامة فأشدهما تأكيدا في الاستيناف فإذا أذن في بعض الأذان. ثم ارتد ثم رجع إلى الاسلام استأنف الأذان، وإن أذن بعض الأذان وأغمي عليه وتمم غيره أو أذن انسان آخر. ثم أفاق الأول جاز له البناء عليه، وإن استأنفه كان أفضل، و إن تمم الأذان. ثم ارتد جاز لغيره أن يقيم، ويعتد بذلك الأذان لأنه وقع صحيحا في الأول، وحكم بصحته، ولا يبطل إلا بدليل، وإن فاتته صلوات كثيرة أذن لكل واحد منهما ويقيم إذا أراد القضاء وإن أذن للأولى وأقام واقتصر على الإقامة في باقي الصلوات كان أيضا جايزا، ومن جمع بين صلوتين أذن وأقام للأولى منهما ويقيم للأخرى بلا أذان سواء جمع بينهما في وقت الأولى أو الثانية، ولا أذان ولا إقامة إلا لصلوات الخمس المفروضات، ولا يؤذن ولا يقام لغيرها كصلوة الكسوف والاستسقاء والعيدين وغير ذلك، ويكفي أن يقال: الصلوة الصلوة، وليس على النساء أذان ولا إقامة فإن فعلن كان لهن فيه الثواب غير أنهن لا يرفعن أصواتهن بحيث يسمعن الرجال، و

(1) رواه في التهذيب ج 2 ص 53 ح 128 عن ابن سنان.

[ 97 ]

إن أذنت المرأة للرجال جاز لهم إن يعتدوا به ويقيموا لأنه لا مانع منه. ويستحب للانسان أن يقول مع نفسه مثل ما يسمع من فصول الأذان، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يقول إذا قال حي على الصلوة: لا حول ولا قوة إلا بالله إلا أن يكون في حال الصلوة فإنه لا يقول ذلك، ولا فرق بين أن يكون فريضة أو نافلة إلا أنه متى قاله في الصلوة لم تبطل صلوته فإذا لم يقل ذلك وفرغ من الصلوة كان مخيرا إن شاء قاله، وإن شاء لم يقله ليس لأحدهما مزية على الآخر إلا من حيث كان تسبيحا أو تكبيرا لا من حيث كان أذانا هذا في جميع فصول الأذان والإقامة إلا في قوله: حي على الصلوة فإنه متى قال: ذلك مع العلم بأنه لا يجوز فإنه يفسد الصلوة لأنه ليس بتحميد ولا تكبير بل هو كلام الآدميين المحض. فإن قال بدلا من ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله لم تبطل صلوته، وكل من كان خارج الصلوة وسمع المؤذن فينبغي أن يقطع كلامه إن كان متكلما، وإن كان يقرأ القرآن فالأفضل له أن يقطع القرآن و يقول كما يقول المؤذن لأن الخبر على عمومه، وروي أنه إذا سمع المؤذن يؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله أن يقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا، وبالأئمة الطاهرين أئمة، ويصلي على النبي وآله. ثم يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلوة القايمة آت محمد الوسيلة والشفاعة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وارزقني شفاعته يوم القيامة، ويقول عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك فاغفر لي. ويستحب أن يكون المؤذن عدلا أمينا عارفا بالمواقيت مضطلعا بها، وأن يكون صيتا لتكثر الانتفاع بصوته، وأن يكون حسن الصوت مرتلا مبينا للحروف مفصحا بها ويرتل الأذان ويحدر الإقامة مع بيان ألفاظها فإن أدرج الأذان أو رتل الإقامة كان مجزيا، ويكره أن يلتوي ببدنه كله عن القبلة في حال الأذان، ولا يبطل ذلك الأذان فأما الإقامة فلا بد فيها من استقبال القبلة، وإن أذن الصبي غير البالغ كان جايزا، ويكره أن يكون المؤذن أعمى لأنه لا يبصر الوقت فإن كان معه من يسدده

[ 98 ]

ويعرفه من البصراء كان ذلك جايزا، ولا يلزم أن يكون المؤذن من قوم بأعيانهم، ولا من نسب مخصوص بل كل من قام به كان سايغا له، وإذا تشاح الناس في الأذان أقرع بينهم لقول النبي صلى الله عليه وآله: لو يعلم الناس ما في الأذان والصف الأول. ثم لم تجدوا إلا أن يستهموا عليه لفعلوا فدل على جواز الاستهام فيه، ويجوز أن يكون المؤذنون اثنين اثنين إذا أذنوا في موضع واحد فإنه أذان واحد فأما إذا أذن واحد بعد الآخر فليس ذلك بمسنون ولا مستحب، ولا بأس أن يؤذن جماعة كل واحد منهم في زاوية من المسجد لا مانع منه. إذا وجد من يتطوع بالأذان فلا يجوز أن يقدم غيره، ويعطى شيئا من بيت المال فإن لم يوجد من يتطوع به كان للإمام أن يعطيه شيئا من بيت المال بعينه على حاله من سهم المصالح، ولا يكون من الصدقات ولا من الأخماس لأن لذلك أقواما مخصوصين، وإن أعطى الإمام من مال نفسه ذلك مع وجود من يتطوع به كان له ذلك، والأذان فيه فضل كبير وثواب جزيل وكذلك الإقامة فإن جمع بينهما كان أفضل فإن أضاف إليهما أو إلى واحد منهما الإمامة كان أفضل، وأما الإمامة بانفرادها أفضل من الأذان والإقامة بانفرادهما لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يأم الناس ولا يؤذن ولا يقيم بل يقوم بهما غيره، ولا يجوز أن يترك الأفضل لغيره، ويستحب أن يكون المؤذن على موضع مرتفع. أذان المسافر مثل أذان الحاضر. إذا أذن في مسجد دفعة لصلوة بعينها كان ذلك كافيا لكل من يصلي تلك الصلوة في ذلك المسجد، ويجوز له أن يؤذن ويقيم فيما بينه وبين نفسه فإن لم يفعل فلا شئ عليه، ومن أذن وأقام ليصلي وحده وجاء قوم أرادوا أن يصلوا جماعة أعادهما فلا يكتفي بما تقدم، وإذا دخل قوم المسجد وقد صلى الإمام جماعة، وأرادوا أن يجمعوا فليس عليهم أذان ولا إقامة يتقدم أحدهم يجمع بهم إذا لم ينفض الجميع فإن انفضوا أذنوا وأقاموا، ومن أحدث في حال الأذان أعاد الوضوء وبنى عليه وإن كان في الإقامة استقبلها وإن أحدث في الصلوة استأنفها إذا توضأ، و ليس عليه إعادة الإقامة إلا أن يتكلم فإن تكلم أعاد الإقامة، ومن صلى خلف من لا يقتدي به أذن لنفسه وأقام، وليس عليه ذلك إذا صلى خلف من يقتدي به، وإذا

[ 99 ]

دخلت المسجد وكان الإمام ممن لا يقتدى به وخشيت أن اشتغلت بالأذان والإقامة فاتتك الصلوة جاز الاقتصار على التكبيرتين، وعلى قول: قد قامت الصلوة، وروي أنه يقول: حي على خير العمل دفعتين لأنه لم يقل ذلك، وإذا قال المقيم: قد قامت الصلوة فقد حرم الكلام على الحاضرين إلا ما يتعلق بالصلوة من تقديم إمام أو تسوية صف، ويستحب رفع الصوت بالأذان في المنزل فإنه ينفي العلل والأسقام على ما روي عنهم عليهم السلام والأذان والإقامة خمسة وثلاثون عشر فصلا: ثمانية عشر فصلا الأذان وسبعة عشر فصلا الإقامة. ففصول الأذان: أربع تكبيرات في أوله، والاقرار بالتوحيد مرتين والاقرار بالنبي مرتين والدعاء إلى الصلوة دفعتين، وإلى الفلاح مرتين، والدعاء إلى خير العمل مرتين، وتكبيرتان والتهليل دفعتين، وفصول الإقامة مثل ذلك ويسقط في أوله التكبير دفعتين، ويزيد بدله قد قامت الصلوة مرتين ويسقط التهليل مرة واحدة، ومن أصحابنا من جعل فصول الإقامة مثل فصول الأذان، وزاد فيها قد قامت الصلوة مرتين (1) ومنهم من جعل في آخرهما التكبير أربع مرات، فأما قول: أشهد أن عليا أمير المؤمنين وآل محمد خير البرية على ما ورد في شواذ الأخبار فليس بمعمول عليه في الأذان ولو فعله الانسان يأثم به غير أنه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله. * (فصل: فيما يقارن حال الصلوة) * ما يقارن حال الصلوة على ثلاثة أقسام: أفعال، وكيفياتها، وتروك، وكل واحد منها على ضربين: مفروض ومسنون. فالمفروض من الأفعال في أول ركعة ثلاثة عشر فعلا: القيام مع القدرة أو ما يقوم مقامه مع العجز، والنية، وتكبيرة الافتتاح [ الاحرام خ ل ] والقراءة، والركوع، والتسبيح فيه، ورفع الرأس منه، والسجود الأول والتسبيح فيه، ورفع الرأس منه، والسجود الثاني والذكر فيه، ورفع الرأس منه وفي الركعة الثانية أحد عشر فعلا لأنه تسقط تكبيرة الاحرام وتجديد النية، و

(1) قال في الفقيه بعد ذكر خبر أبي بكر الحضرمي: هذا هو الأذان الصحيح، وفي الخبر بعد ذكر الأذان أن الإقامة كذلك لكنه قد تأولوه بوجوه.

[ 100 ]

يزيد عليه بخمسة أشياء الجلوس في التشهد والشهادتان، والصلوة على النبي والصلوة على آله يصير الجميع في الركعتين تسعة وعشرين فعلا. فإن كانت صلوة الفجر أضاف إلى ذلك التسليم فيصير ثلاثين، وفي أصحابنا من قال: إنه سنة، وإن كانت المغرب زاد في الثالثة مثل ما زاد في الثانية، وجعل التسليم في آخرها، وإن كانت رباعية أضاف إلى الركعتين مثلها وجعل التسليم في آخرها، وتنقسم هذه الأفعال قسمين: أحدها: تسمى ركنا، والآخر ليس بركن، والأركان ما إذا تركه عامدا أو ناسيا بطلت صلوته إذا ذكرها، وهي خمسة أشياء: القيام مع القدرة، والنية، وتكبيرة الاحرام، والركوع والسجود، وما ليس بركن هو ما إذا تركه عامدا بطلت صلوته وإن تركه ناسيا لم يبطل وله حكم، وهو ما عدا الأركان من الأفعال الواجبات، ونحن نذكر قسما قسما من ذلك، ونذكر ما فيه ونذكر كيفياته، ونورد في خلال ذلك الأفعال المسنونة وكيفياتها ونذكر بعد ذلك التروك إن شاء الله تعالى. * (فصل: في ذكر القيام وبيان أحكامه) * القيام شرط في صحة الصلوة وركن من أركانها مع القدرة. فمن صلى قاعدا مع قدرته على القيام فلا صلوة له متعمدا كان أو ناسيا وإن لم يمكنه وأمكنه أن يتكأ على الحايط أو عكاز وجب عليه ذلك، وليس لما يبيح له الجلوس حد محدود بل الانسان على نفسه بصيرة، وقد قيل: إنه إذا لم يقدر على الوقوف بمقدار زمان صلوته جاز له أن يصلي جالسا، وقد روي أصحابنا أنه إذا لم يقدر على القيام في جميع الصلوة قرأ جالسا فإذا أراد الركوع نهض وركع عن قيام (1). ومن لا يقدر على القيام، وقدر على أن يصلي جالسا صلى من قعود، ويستحب أن يكون متربعا في حال القراءة، و متوركا في حال التشهد، فإذا لم يقدر على الجلوس صلى مضطجعا فإن لم يقدر عليه صلى مستلقيا مؤميا وإن صلى مؤميا. ثم قدر في خلال الصلوة على الاضطجاع صلى

(1) هذا مختار ابن إدريس في السرائر، والشيخ في النهاية، وقد يظهر ذلك من الوسيلة وجامع الشرائع والشرائع والتذكرة والتحرير.

[ 101 ]

كذلك وبنى على صلوته، وإن صلى مضطجعا وقدر على الجلوس جلس ويبني على ما صلى، وإن صلى جالسا. ثم قدر على القيام قام وبنى على صلوته، وبالعكس من ذلك إذا صلى قائما فعجز جلس أو صلا جالسا فضعف صلا مضطجعا أو صلى مضطجعا فزاد مرضه صلى مستلقيا، وبنى على صلوته، ومتى كان في إحدى هذه الحالات لم يقدر على السجود جاز أن يرفع شيئا من الأرض إليه ويسجد عليه من سجادة أو غيرها، و إن لم يقدر أن يتوضأ بنفسه وضأه غيره، ونوي هو رفع الحدث بذلك، وينبغي أن يكون نظره في حال قيامه إلى موضع سجوده، وفي حال ركوعه إلى ما بين رجليه، وفي حال سجوده إلى طرف أنفه، وفي حال تشهده إلى حجره، وينبغي أن يفرق بين قدميه في حال قيامه مقدار أربع أصابع إلى شبر، ويضع يديه على فخذيه محاذيا عيني ركبتيه. * (فصل: في ذكر النية وبيان أحكامها) * النية واجبة في الصلوة، ولا بد فيها من نية التعيين، ومن صلا بلا نية أصلا فلا صلوة له، والنية تكون بالقلب ولا اعتبار بها باللسان بل لا يحتاج إلى تكلفها لفظا أصلا وكيفيتها أن ينوي صلوة الظهر مثلا فريضة على جهة الأداء لا على جهة القضاء لأنه لو نواها فريضة فقط لم يتخصص بظهر دون غيرها، وإن نواها ظهرا فقط انتقض بمن صلى الظهر ثم أعاد ما في صلوة الجماعة فإن الثانية ظهر وهو مستحب غير واجب. فلا بد من نية الأداء لأنه لو كان عليه قضاء ظهر آخر لم يتخصص هذه الصلوة بظهر الوقت دون الظهر الفايت، ولا بد من جميع ما قلناه. ووقت النية هو أن يقارن أول جزء من حال الصلوة، وأما ما يتقدمها فلا اعتبار بها لأنها تكون عزما، ومن كان عليه الظهر والعصر ونوى بالصلوة أداهما لم يجز عن واحدة منهما لأنهما لا يتداخلان، ولم ينو منهما واحدة بعينها. من فاتته صلوة لا يدري أيها هي صلى أربعا وثلاثا واثنتين، وينوي بالأربع إما ظهرا أو عصرا أو العشاء الآخرة وينوي بالثلاث المغرب، وبالثنتين صلوة الصبح. من دخل في صلوة حاضرة. ثم نقل نيته

[ 102 ]

إلى غيرها فائتة كان ذلك صحيحا ما لم يتضيق وقت الحاضرة، فإن تضيق لم يصح ذلك وبطلت الصلاتان معا، وكذلك إن دخل في الفريضة، ثم نقلها إلى النفل أو دخل في النافلة. ثم جعلها فريضة لم يصح ذلك ولم يجزه عن واحدة منهما، واستدامة حكم النية واجبة واستدامتها معناه أن لا ينقض نيته ولا يعزم على الخروج من الصلوة قبل إتمامها ولا على فعل ينافي الصلوة فمتى فعل العزم على ما ينافي الصلوة من حدث أو كلام أو فعل خارج عنها ولم يفعل شيئا من ذلك فقد أثم ولم تبطل صلوته لأنه لا دليل على ذلك، وإن نوي بالقيام أو القراءة أو الركوع أو السجود غير الصلوة بطلت صلوته لقوله عليه السلام: الأعمال بالنيات، وهذا عمل بغير نية أو بنية لا تطابقها. * (فصل: في تكبيرة الافتتاح وبيان أحكامها) * تكبيرة الاحرام من الصلوة، وهي ركن من أركانها لا ينعقد الصلوة إلا بها فمن تركها عامدا فلا صلوة له فإن تركها ناسيا. ثم ذكر استأنف الصلوة بها، وإن لم يذكرها أصلا مضى في صلوته إذا كان انتقل إلى حالة أخرى، ولا ينعقد الصلوة إلا بقول: الله أكبر، ولا تنعقد بغيرها من الألفاظ وإن كانت في معناها، ولا بها إذا دخلها الألف و اللام، ومن اقتصر على بعضها لم تنعقد صلوته مثل أن يقول: الله أكب، ومن يحسن ذلك ويتمكن أن يتلفظ بالعربية فتكلم بغيرها لم تنعقد صلوته. فإن لم يتمكن من ذلك ولا يحسنه ولا يتأتى له جاز أن يقول بلسانه ما في معناه، ولا يجوز أن يمد لفظ الله ولا يمطط أكبر فيقول: إكبار لأن إكبار جمع كبر وهو الطبل، وينبغي للإمام أن يسمع المأمومين تكبيرة الافتتاح ليقتدوا به فيها، ومن لحق الإمام وقد ركع وجب عليه أن يكبر تكبيرة الافتتاح. ثم يكبر تكبيرة الركوع فإن خاف الفوت اقتصر على تكبيرة الاحرام وأجزأه عنهما وإن نوي بها تكبيرة الركوع لم تصح صلوته لأنه لم يكبر للاحرام. وأما صلوة النافلة فلا يتعذر فيها لأن عندنا صلوة النافلة لا تصلى جماعة إلا أن يفرض في صلوة الاستسقاء فإن فرض فيها كان حكمها حكم الفريضة سواء في وجوب

[ 103 ]

الاتيان بها مع الاختيار، وفي جواز الاقتصار على تكبيرة الاحرام عند التعذر. والترتيب واجب في تكبيرة الاحرام يبدأ أولا بالله. ثم يقول أكبر فإن عكس لم تنعقد صلوته، ومن يحسن العربية لا يجوز أن يكبر تكبيرة الاحرام ولا يسبح ولا يقرأ القرآن ولا غير ذلك من الأذكار إلا بها. فإن لم يحسن ذلك جاز له أن يقول كما يحسنه إلا أنه يجب عليه أن يتعلم حتى يؤدي صلوته به. فإن أمكنه أن يتعلم ولم يتعلم لم تصح صلوته وكان عليه قضاؤها بعد التعليم، وإن لم يتأت له ذلك كانت صلوته ماضية. هذا إذا كان الوقت ضيقا يخاف فوت الصلوة بالاشتغال بالتعلم. فأما إذا لم يكن الوقت ضيقا وجب الاشتغال بتعلم ذلك المقدار، ومن كان في لسانه آفة من تمتمة أو غنة أو لثغة وغير ذلك جاز له أن يقول كما يتأتى له. ويقدر عليه، ولا يجب عليه غير ذلك، وكذلك إذا كان أخرس فإن لم ينطلق لسانه أصلا كان تكبيرة إشارته بأصابعه وإيماؤه، وكذلك تشهده وقراءة القرآن لا تدخل في الصلوة إلا بإكمال التكبير وينبغي إذا فرغ المؤذن من الإقامة أن يقوم الإمام والمأمومون، وليس بمسنون أن يلتفت يمينا وشمالا، ولا أن يقول: استووا رحمكم الله، وينبغي أن يكون تكبيرة المأموم بعد تكبيرة الإمام وفراغه منه. فإن كبر معه كان جايزا غير أن الأفضل ما قدمناه. فإن كبر قبله لم يصح ووجب عليه أن يقطعها بتسليمة ويستأنف بعده أو معه تكبيرة الاحرام، وكذلك إن كان قد صلى شيئا من الصلوة وأراد بأن يدخل في صلوة الإمام قطعها واستأنف معه الصلوة. رفع اليدين في الصلوة مع كل تكبيرة مستحب، وأشدها تأكيدا تكبيرة الاحرام وهو أن يرفع يديه إلى شحمتي أذنيه فإن كان بهما علة رفعهما ما استطاع، ولا يضع يمينه على شماله على حال إلا في حال التقية فإن استعمل التقية وضعهما كيف شاء سواء كان فوق السرة أو تحتها وينبغي أن تكون أصابعه مضمومة حال رفع اليدين فإن كانت إحدى يديه عليلة لم يقدر على رفعها رفع الأخرى إلى حيث يتمكن، ويرفع يديه في كل صلوة نافلة كانت أو فريضة وفي كل تكبيرة للعيدين، وصلوة الاستسقاء ولا فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد في ذلك. فإن ترك رفع اليدين في جميع هذه المواضع

[ 104 ]

لم تبطل صلوته إلا أنه يكون تاركا فضلا. ويستحب التوجه بسبع تكبيرات في أول كل فريضة وأول ركعة من نوافل الزوال وأول ركعة من نوافل المغرب، وفي أول ركعة من الوتيرة، وأول ركعة من صلوة الليل، وفي المفردة من الوتر، وفي أول ركعة من ركعتي الاحرام بينهن ثلاثة أدعية يكبر ثلاث تكبيرات ويقول. اللهم أنت الملك الحق لا إله إلا أنت عملت سوء، وظلمت نفسي، واعترفت بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ويكبر تكبيرتين ويقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت عبدك وابن عبديك منك وبك ولك وإليك لا ملجأ ولا منجأ ولا مفر ولا مهرب منك إلا إليك سبحانك وحنانيك تباركت وتعاليت سبحانك ربنا ورب البيت الحرام ويكبر تكبيرتين ويقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض. إلى آخره فإن اقتصر على وجهت وجهي كان جايزا، وإن قرن بين هذه التكبيرات من غير فصل بدعاء وقرأ بعدها كان أيضا جايزا، وواحدة من هذه التكبيرات السبع تكبيرة الاحرام والباقي فضل، وليس بفرض، وتكبيرة الاحرام هي التي ينوي بها الدخول في الصلوة سواء قصد بالأولى وبالأخيرة أو بالوسطى، أو غيرها فإن نوي بالأولى تكبيرة الاحرام كان ما عداها واقعا في الصلوة، وإن نوي بالأخيرة ذلك كان ما عداها واقعا خارج الصلوة، والأفضل أن ينوي بالأخيرة، ومتى لحق الإمام في حال القراءة استحب له أن يتوجه بما قدمناه فإن خاف فوت القراءة اشتغل بالقراءة وترك التوجه، وإن توجه في النوافل كلها بما قدمناه كان فيه فضل، وإن كان ما ذكرناه أفضل، وينبغي أن يقول: وأنا من المسلمين، ولا يقول: وأنا أول المسلمين، وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله - أفضل الصلوة والسلم - أنه قال: كذلك إنما جاز لأنه كان أول المسلمين من هذه الأمة ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكيفية التلفظ أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لأنه لفظ القرآن فإن قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم كان أيضا جايزا، وينبغي أن يكون التعوذ قبل القراءة في أول الركعة لا غير، وليس بمسنون بعد القراءة ولا تكراره في كل ركعة قبل القراءة، ومن ترك التعوذ لم يكن عليه شئ

[ 105 ]

ويستحب أن يتعوذ سرا، ويجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل الحمد وقبل كل سور سواء كانت الصلوة يجهر بها أو لم يجهر، وإن تعوذ جهرا وأخفى بسم الله الرحمن الرحيم لم تبطل صلوته، وإن كان قد ترك الأفضل. إذا كبر تكبيرة الاحرام انعقدت صلوة فإن كبر أخرى ونوى بها الافتتاح بطلت صلوته لأن الثانية غير مطابقة للصلوة فإن كبر ثالثة ونوي بها الافتتاح انعقدت صلوته، وعلى هذا أبدا، وإن لم ينو بما بعد تكبيرة الاحرام الافتتاح صحت صلوته بل هو مستحب على ما قلناه من الاستفتاح بسبع تكبيرات، إذا كبر للافتتاح والركوع ينبغي أن يأتي بهما وهو قائم ولا تبطل صلوته إن أتى ببعض التكبيرات منحنيا. * (فصل: في ذكر القراءة وأحكامها) * القراءة فرض في الصلوة فمن صلى بغير قراءة بطلت صلوته إذا كان متعمدا وإن تركه ناسيا ولم يفته محل القراءة وهو أن لا يكون ركع قرأ، فإن فاته ذلك وذكر بعد الركوع مضى في صلوته، ولا شئ عليه، وفي أصحابنا من قال: يستأنف الصلوة. فجعل القراءة ركنا (1) والأول أظهر، وفي الروايات بسم الله الرحمن الرحيم آية من الحمد ومن كل سورة من سور القرآن، وبعض آية من سورة النمل بلا خلاف، ويجب الجهر بها فيما يجب الجهر فيه بالقراءة من الصلوات، ويستحب الجهر بها فيما لا يجهر بها. فإن نسي بسم الله الرحمن الرحيم حتى قرأ بعد الحمد استأنف من أولها لأنه لا صلوة إلا بقراءتها على الكمال، ويجب أن يرتبها على أول الحمد، وكذلك آيات الحمد يجب ترتيب بعضها على بعض فمن قدم شيئا منها على شئ فلا صلوة له فإن قرأ في خلالها آية أو آيتين من غيرها ساهيا أتم قراءتها من حيث انتهى إليه حتى يرتبها فإن وقف في خلالها ساعة، ثم ذكر مضى على قرائته وإن قرأ متعمدا في خلالها من غيرها وجب عليه أن يستأنفها من أولها، وإن نوي أن يقطعها ولم يقطعها بل قرأها كانت صلوته ماضية، وإن نوي قطعها ولم يقرأ بطلت صلوته واستأنفها فإن قدم السورة على الحمد قرأ الحمد، وأعاد السورة.

(1) نقل في التنقيح عن ابن زهرة أنه قال: إن القراءة ركن.

[ 106 ]

وقراءة الحمد واجبة في كل صلوة في الركعتين الأولتين، ولا يقوم قراءة غيرها مقامها سواء كان عدد آياتها أو أقل أو أكثر، ومن لا يحسن الحمد وأحسن غيرها قرء ما يحسنه إذا خاف خروج الوقت سواء كان بعدد آياتها أو دونها أو أكثر. ثم يتعلمها فيما بعده، وينبغي أن يرتل القراءة ولا يخل بشئ من حروفها، ولا تشديدها لأنه حرف فإن ترك تشديد من سورة الحمد متعمدا فلا صلوة له لقوله عليه السلام: لا صلوة إلا بفاتحة الكتاب، وذلك يفيد قراءة جميعها، والتشديد حرف منها. فإن لحن متعمدا أو مع التمكن من إصلاح لسانه بطلت صلوتة سواء أخل بالمعنى أو لم يخل فإن فعل ذلك ناسيا لم يلزمه شئ ومن لا يمكنه ذلك وجب عليه تعلمه فإن لم يتأت له ذلك وشق عليه لم يكن عليه شئ. قول أمين يقطع الصلوة سواء كان ذلك في خلال الحمد أو بعده للإمام والمأمومين وعلى كل حال في جهر كان ذلك أو إخفات. يجوز أن يدعوا الانسان في حال الصلوة بما يريده لدينه أو دنياه، وينبغي أن يبين القراءة ويرتلها، ولا يجوز أن يقرأ في نفسه بل ينبغي أن يسمع نفسه ذلك، و يحرك به لسانه، والإمام يسمع المأمومين التكبير في جميع الصلوة، ولا يجوز من القرآن ما لا يسمعه نفسه، وقراءة الأخرس ومن به آفة لا يقدر على القراءة أن يحرك لسانه. يجب القراءة في الأولتين من كل صلوة، وفي الأخيرتين أو الثالثة من المغرب وهو مخير بين القراءة وبين التسبيح عشر تسبيحات فإن نسي القراءة في الأولتين لم يبطل تخييره في الأخيرتين، وإنما الأولى له القراءة لئلا تخلو الصلوة من القراءة، وقد روي أنه إذا نسي في الأولتين القراءة تعين في الأخيرتين (1). والترتيب واجب في القراءة في سورة الحمد وهو ألا يقدم آية ويؤخر آية ولا يقرأ في خلال الحمد من غيرها فإن فعل ذلك متعمدا استأنف قراءة الحمد ولا تبطل

(1) رواه في التهذيب ج 2 ص 148 ح 579.

[ 107 ]

صلوته إذا قرأ سورة قبل الحمد لم يجزه، وكان عليه إذا قرأ الحمد أن يقرأ سورة بعدها. الظاهر من المذهب أن قرأته سورة كاملة مع الحمد في الفرايض واجبة، وأن بعض السورة أو أكثرها يجوز مع الاختيار غير أنه إن قرأ بعض السورة أو قرن بين سورتين بعد الحمد لا يحكم ببطلان الصلوة، ويجوز كل ذلك في حال الضرورة، وكذلك في النافلة مع الاختيار، والضحى وألم نشرح سورة واحدة، وكذلك سورة الفيل ولايلاف لا يبعضان في الفريضة، وقد بينا أن قراءة الحمد لا بد منها مع القدرة فمن لا يحسن وجب عليه تعلمها فإن خاف فوت الصلوة صلى بما يحسنه من قراءة وتكبير وتهليل و تسبيح. ثم يتعلم فيما بعد ما يؤدي به الصلوة، ولا يجوز أن يقرأ القرآن بغير لغة العرب بأي لغة كان، ومتى قرأ بغير العربية على ما أنزله الله لم يكن ذلك قرآنا، ولا يجزيه صلوته. قد بينا أن رفع اليدين مع كل تكبيرة مستحب في جميع الصلوات فرايضها و نوافلها وعلى اختلاف أحوالها من صلوة قايم وقاعد ونوم ومستلق، ومن صلوة عيد واستسقاء، وصلوة جنازة على خلاف بين أصحابنا في صلوة الجنازة، وعند رفع الرأس في السجود للتلاوة لأن عموم الأخبار يقتضي ذلك فإن نسي الرفع قبل انتهاء التكبير رفع فإن لم يذكر إلا بعد الانتهاء مضى في صلوته ولا شئ عليه، وإن تركه متعمدا فقد فاته فضل وثواب ولا يجب منه الإعادة، ويجوز أن يكبر للركوع وهو قايم ثم يركع ويجوز أن يهوي بها إلى الركوع إذا قرأ سورة بعد الحمد في الفريضة وأراد الانتقال إلى غيرها جاز له ذلك ما لم يتجاوز نصفها إلا سورة الكافرين والاخلاص فإنه لا ينتقل منهما إلى غيرهما إلا في الظهر يوم الجمعة فإنه يجوز له الانتقال عنهما إلى الجمعة والمنافقين. ويقرأ في الفريضة أي سورة شاء مع الحمد إلا أربع سور العزائم فإنه لا يقرأها في الفريضة على حال. وأفضل ما يقرأه في الفريضة بعد الحمد سورة القدر والاخلاص، وسورة الجحد

[ 108 ]

وهو مخير فيما سوى ذلك، ولا يقرأ في الفريضة السور الطوال التي يخرج الوقت بقراءتها بل يقرء القصار والمتوسطة، ويقرأ في الظهر والعصر والمغرب مثل سورة القدر، وإذا جاء نصر الله وألهيكم وما أشبهها، وفي عشاء الآخرة مثل الطارق و الأعلى وإذا السماء انفطرت وما أشبهها، وفي الغداة مثل المزمل والمدثر وهل أتى وما أشبهها وإن اقتصر على سورة الاخلاص في جميع الصلوات كان جايزا. ويستحب أن يقرأ غداة يوم الاثنين والخميس سورة هل أتى، وليلة الجمعة في المغرب والعشاء الآخرة الجمعة وسورة الأعلى، وغداة يوم الجمعة الجمعة وقل هو الله أحد، وروي المنافقين، وفي الظهر والعصر الجمعة والمنافقين، وفي النوافل يقرء من أي موضع شاء ما شاء، ويجوز قراءة العزايم فيها فإن قرأها وبلغ موضع السجود سجد فإذا رفع رأسه من السجود قام بالتكبير فتمم ما بقي من السورة إن شاء وإن كانت السجدة آخر السورة ولم يرد أن يقرأ سورة أخرى قرأ الحمد. ثم يركع عن قراءة، وينبغي أن يقرأ في نوافل النهار السور القصار، والاقتصار على سورة الاخلاص أفضل، ويستحب أن يقرأ قل يا أيها الكافرون في سبعة مواضع: أول ركعة من ركعتي الزوال، وأول ركعة من نوافل المغرب، وأول ركعة من صلوة الليل، وأول ركعة من ركعتي الاحرام وركعتي الفجر وركعتي الغدات إذا أصبح بها، وفي ركعتي الطواف وقد روي أنه يقرأ في هذه المواضع في الأولى قل هو الله أحد، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون (2) ويستحب أن يقرأ في الركعتين الأولتين من صلوة الليل ثلاثين مرة قل هو الله أحد في كل ركعة، وفي باقي الصلوة السور الطوال مثل الأنعام والكهف والأنبياء والحواميم إذا كان عليه وقت فإن قرب من الفجر خفف صلوته، و ينبغي أن يجهر بالقراءة في صلوة المغرب والعشاء الآخرة والغداة فإن خافت فيها متعمدا أعاد الصلوة، ويخافت في الظهر والعصر فإن جهر فيهما متعمدا وجب عليه الإعادة وإن كان ناسيا لم يجب عليه شئ وإذا جهر فلا يرفع صوته عاليا بل يجهر متوسطا ولا

(2) رواه في التهذيب ج 2 ص 74 چ 273.

[ 109 ]

يخافت دون إسماع نفسه على ما بيناه، ويستحب الجهر بالقراءة في نوافل الليل، و إن جهر في نوافل النهار كان جايزا غير أن الاخفات فيها أفضل، وليس على النساء جهر بالقراءة في شئ من الصلوة، وعلى الإمام أن يسمع من خلفه القراءة ما لم يبلغ صوته حد العلو فإن احتاج إلى ذلك لم يلزمه بل يقرأ قرائة وسطا، ويستحب للإمام أن يسمع من خلفه الشهادتين، وليس على المأموم ذلك، ويكره أن يكون على فمه لثام عند القراءة إذا منع من سماع القراءة فإن لم يمنع من السماع لم يكن به بأس، وإذا غلط الإمام في القراءة رد عليه من خلفه، وإذا أراد المصلي أن يتقدم بين يديه خطوة أو أكثر أمسك عن القراءة، وتقدم فإذا استقر به المكان عاد إلى القراءة ويجوز أن يقرأ في الصلوة من المصحف إذا لم يحسن ظاهرا، وإذا مر المصلي بآية رحمة ينبغي أن يسئل الله تعالى فيها، وإذا مر بآية عذاب جاز أن يستعيذ منها. * (فصل: في ذكر الركوع والسجود وأحكامهما) * الركوع ركن من أركان الصلوة من تركه عامدا أو ناسيا بطلت صلوته إذا كان في الركعتين الأولتين من كل صلوة، وكذلك إن كان في الثالثة من المغرب، وإن كان في الركعتين الأخيرتين من الرباعية إن تركه متعمدا بطلت صلوته وإن تركه ناسيا وسجد السجدتين أو واحدة منهما أسقط السجدة و قام فركع وتمم صلوته، وكمال الركوع أن ينحني ويضع يديه على ركبتيه مفرجا أصابعه، ولا يدلي رأسه ولا يرفعه عن ظهره ويسوى ظهره ولا يتبازخ وهو أن يجعل ظهره مثل سرج فإن كان ببدنه علة انحناء إلى حيث يمكنه وضع اليدين على الركبتين ويرسلهما وإن كان بأحدهما علة وضع الأخرى على الركبة وأرسل الأخرى والطمأنينة واجبة في الركوع، وكذلك رفع الرأس منه حتى ينتصب ويطمئن واجب ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع صلى قائما وإن قدر على كمال الركوع وجب عليه ذلك وإن لم يقدر عليه وأمكنه أن يعتمد على شئ حتى يركع لزمه الاعتماد عليه فإن لم يمكنه أن يركع على سنن الركوع وقدر أن ينحني إلى جانب لزمه ذلك

[ 110 ]

فإن لم يقدر على ذلك حتى رأسه وظهره فإن لم يقدر عليه أومأ برأسه وظهره، وإن كان عاجزا عن الانتصاب لكنه إذا قام في صورة الراكع لكبر أو زمانة قام على حسب حاله. فإذا أراد الركوع زاد على الانحناء قليلا ليفرق بين حال القيام والركوع فإن لم يفعل لم يلزمه ويكفيه ذلك، وإذا عجز عن القيام والركوع صلى جالسا فإن قدر على القيام غير أنه يلحقه مشقة شديدة يستحب له أن يتكلفها، وإن احتاج إلى ما يستعين به من عصا أو حايط فعل وكان أفضل وإن لم يفعل وصلى جالسا كانت صلوته ماضية فإذا صلى جالسا تربع في حال القراءة، وإذا فرش جاز في حال التشهد على العادة وإذا جاء وقت السجود فإن قدر على كمال السجود سجد وإن عجز عنه وضع شيئا. ثم سجد عليه، وإن رفع إليه شيئا وسجد عليه كان أيضا جايزا، وإن كان صحيحا و وضع بين يديه شبه مخدة وسجد عليه كان مكروها وأجزأه، وإن كان أكثر من ذلك لم يجزه، ومتى لم يتمكن من السجود أصلا. أومأ إيماء وأجزأه، وإذا قدر على القيام في خلال الصلوة قام وبنى ولم تبطل صلوته، وإذا قدر على القيام لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يقدر عليه قبل القراءة أو بعدها أو في خلالها فإن قدر قبل القراءة لزمه القيام، ثم القراءة، وإن قدر عليه بعدها قبل الركوع وجب عليه القيام. ثم الركوع عن قيام، ولا يجب عليه استيناف القراءة وإن أعادها لم تبطل صلوته وإن قدر عليه في خلال القراءة وجب عليه القيام، وإتمام القراءة ويمسك عن القراءة في حال قيامه ليكون قراءته قائما، وإذا صلى مع إمام فقرأ الحمد وسورة طويلة فعجز المأموم عن القيام جاز له أن يقعد، وإن صلى من وصفناه منفردا كان أولى. من عجز عن الجلوس صلى جنبه الأيمن كما يوضع الميت في اللحد فإن عجز عن ذلك صلى مستلقيا مؤميا بعينه وإذا صلى على جنبه فقدر على الجلوس أو جالسا فقدر على القيام انتقل إلى ما يقدر عليه وبنى ولا تبطل صلوته. من كان به وجع العين وقيل له: إن صليت قائما زاد في مرضك جاز له أن يصلي جالسا أو على جنبه تكبير الركوع مع باقي التكبيرات سنة مؤكدة على الظاهر من المذهب لا تبطل

[ 111 ]

بتركها الصلوة عمدا كان أو ناسيا وإن كان تاركا فضلا، وفي أصحابنا من قال: إنها واجبة من تركها متعمدا بطلت صلوته. فأما تكبيرة الاحرام فلا خلاف أنها ركن على ما قدمناه. وعدد التكبيرات في الخمس صلوات خمس وتسعون تكبيرة خمس منها تكبيرات الاحرام وتسعون مسنونة منهما خمس للقنوت. في الظهر اثنان وعشرون تكبيرة وفي العصر والعشاء الآخرة مثل ذلك، وفي المغرب سبع عشر تكبيرة، وفي الفجر اثنا عشر تكبيرة شرحها: تكبيرة الاحرام، وتكبيرة الركوع، وتكبيرة السجود، وتكبيرة رفع الرأس منه، وتكبيرة العود إليه، وتكبيرة الرفع من الثانية، وفي الركعة الثانية مثل ذلك إلا تكبيرة الاحرام فإنها تسقط، ويكبر بدلها للقنوت فيصير اثنتي عشرة تكبيرة إن كانت صلوة الفجر وإن كانت المغرب أضيف في الركعة الثالثة خمس تكبيرات، و تسقط تكبيرة الاحرام وتكبيرة القنوت فيصير سبع عشرة تكبيرة، وإن كانت رباعية ففي الأولتين اثنتا عشرة تكبيرة على ما فصلناه، وفي الأخيرتين عشر تكبيرات يكون الجميع في الرباعيات اثنتين وعشرين تكبيرة، وفي أصحابنا من أسقط تكبيرات القنوت وجعل بدلها التكبير عند القيام من التشهد في الثانية إلى الثالثة، وجعل التكبيرات أربعا وتسعين تكبيرة، والمنصوص المشروح ما فصلناه، ومن كبر للقنوت قال عند القيام من التشهد الأول إلى الثانية: بحول الله وقوته أقوم وأقعد كما يقول عند القيام من الأولة إلى الثانية وهو الذي أعمل عليه وأفتي به، وأقل ما يجزي من الركوع أن ينحني إلى موضع يمكنه وضع يديه على ركبتيه مع الاختيار وما زاد عليه فمندوب إليه، والتسبيح في الركوع أو ما يقوم مقامه من الذكر واجب تبطل بتركه متعمدا الصلوة وإن تركه ناسيا حتى رفع رأسه لم يكن عليه شئ وأقل ما يجزي فيه منه تسبيحة واحدة، وأفضل منه ثلاث تسبيحات وأفضل من ذلك خمس والكمال في سبع فإن جمع بين التسبيح والدعاء كان أفضل، ويكره القراءة في حال الركوع والسجود والتشهد و ليس بمبطل للصلوة، والرفع من الركوع واجب فمن تركه متعمدا فلا صلاة له وإن تركه ناسيا وسجد مضى في صلوته، وقول: سمع الله لمن حمده عند الرفع مستحب، و

[ 112 ]

إذا رفع رأسه قبل الإمام وهو مقتد به عاد إلى الركوع ليرفع برفعه فإن لم يكن مقتديا به فلا يعد لأنه يزيد في الصلوة فإذا أهوى إلى السجود ثم شك في الرأس عن الركوع مضى لأنه قد انتقل إلى حالة أخرى فإن ركع. ثم اعترضت به علة منعته عن الرفع والاعتدال لم يجب عليه الرفع بل يسجد عن ركوعه فإذا زالت العلة، وقد أهوى إلى السجود مضى في صلوته سواء كان ذلك قبل السجود أو بعده، ويكره أن يركع ويده تحت ثيابه ويستحب أن يكون بارزة أو في كمه فإن خالف لم تفسد صلوته، والإمام يرفع صوته بالذكر عند الرفع ويخفي المأموم، والمسنون للإمام والمأموم قول: سمع الله لمن حمده، وإن قال، ربنا ولك الحمد لم تفسد صلوته، وإذا رفع وبقي يدعو أو يقرأ ساهيا مضى في صلوته ولا شئ عليه، وإذا انتصب قائما رفع يديه بالتكبير، وأهوى إلى السجود بخشوع وخضوع ويتلقى الأرض بيديه ولا يتلقاها بركبتيه، وإذا سجد سجد على سبعة أعظم فريضة: الجبهة واليدين والركبتين وطرف أصابع الرجلين، و يرغم بأنفه ستة. والسجود فرض في كل ركعة دفعتين فمن تركهما أو واحدة منهما متعمدا فلا صلوة له وإن تركهما ساهيا فلا صلوة له وإن ترك واحدة منهما ساهيا قضاها بعد التسليم، وسجد سجدتي السهو وإن ترك سجدتين من ركعتين ناسيا قضاها بعد التسليم وسجد سجدتي السهو مرتين، وكذلك إن ترك أربع سجدات من أربع ركعات قضاها كلها بعد التسليم، وسجد سجدتي السهو أربع مرات، ولا يجوز السجود على كور العمامة ولا على شئ هو لابسه، ولا على شئ من جوارحه مثل كفه إلا عند الضرورة على ما قدمناه، وكشف الجبهة واجب في حال السجود والأعضاء الآخر إن كشفها كان أفضل وإن لم يكشفها كان جايزا، وإن وضع بعض كفيه أو بعض ركبتيه أو بعض أصابع رجليه أجزأ عنه، والكمال أن يضع العضو بكماله. والطمأنينة في السجود واجبة، وهيئة السجود أن يكون متخويا (1) تجافى مرفقيه عن جنبيه، ويعل بطنه ولا يلصقه بفخذيه، ويضع يديه حذاء منكبيه، ويضم

(1) قال في القاموس: خوى في سجوده تخوية: تجافى، وخرج ما بين عضديه وجنبيه

[ 113 ]

أصابع يديه، ويوجههن نحو القبلة ولا يحط صدره ولا يرفع ظهره فيجدد به، و يفرج بين فخذيه. والذكر في السجود فريضة من تركه متعمدا بطلت صلوته، وإن تركه ناسيا حتى يرفع رأسه فلا شئ عليه، وأقل ما يجزيه تسبيحة واحدة، والثلاث أفضل، و الفضل في خمسة، والكمال في سبعة. فإن جمع بين التسبيح والدعاء المخصوص بذلك كان أفضل. ثم يرفع رأسه من السجدة الأولى، والرفع منها فريضة والاطمينان فيه واجب ويستحب أن يجلس بين السجدتين جلسة الاستراحة، ثم يسجد الثانية على هيئة الأولى سواء. فإذا رفع رأسه منها جلس جلسة الاستراحة، والأفضل أن يجلس متوركا، و إن جلس بين السجدتين وبعد الثانية مقعيا كان أيضا جايزا. ثم يقوم بعدها معتمدا على يديه. فإذا انتصب قائما صلى الركعة الثانية على هيئة الأولى، ويقنت بعد الفراغ من القراءة قبل الركوع، ويرفع يديه إلى القنوت بتكبيرة ويدعو بما شاء، وأفضله كلمات الفرج، إن قنت بغيرها كان جايزا. والقنوت سنة مؤكدة في جميع الصلوات فرائضها ونوافلها، ومحلها قبل الركوع بعد الفراغ من القراءة لا ينبغي تركه مع الاختيار إلا في حال الضرورة أو التقية فإن لم يحسن الدعاء سبح ثلاث تسبيحات. فإن ترك القنوت عامدا لم تبطل صلوته، ويكون تاركا فضلا، فإن تركه ساهيا قضاه بعد الانتصاب من الركوع فإن فاته فلا قضاء عليه، وروي أنه يقضيه بعد التسليم (1) وإن كانت الصلوة رباعية ففيها قنوت واحد في الركعة الثانية وكذلك في باقي الصلوات في كل ركعتين إلا في يوم الجمعة فإن على الإمام أن يقنت قنوتين في الركعة الأولى قبل الركوع، وفي الثانية بعد الركوع. والقنوت في الفرايض آكد منه في النوافل، وفيما يجهر فيها بالقراءة آكد مما لا يجهر، ولا بأس أن يدعوا فيه لدينه ودنياه بما شاء. سجدات القرآن خمسة عشر موضعا: آخر الأعراف، وفي الرعد، وفي النحل

(1) رواها في التهذيب ج 2 ص 160 ح 631.

[ 114 ]

وفي بني إسرائيل، وفي مريم، وفي موضعين من الحج، وفي الفرقان، وفي النمل وفي إذا السماء انشقت، وفي اقرأ باسم ربك. أربعة منها فريضة: في ألم السجدة، وحم السجدة والنجم، واقرأ باسم ربك، والباقي سنة، وقد بينا أن العزايم لا تقرأ في الفرايض فأما في النوافل فلا بأس بقرائتها فإذا انتهى إلى موضع السجود وسجد يهوي بغير تكبير ويرفع رأسه ويكبر، وكذلك الحكم إذا قرأها خارج الصلوة فإن كانت السجدة في آخر السورة قام من السجود وقرأ إما الحمد وسورة أخرى أو آية من القرآن. ثم يسجد عن قراءة وقيام، وإذا صلى مع قوم فتركوا سجدة العزيمة في الصلوة أومئ إيماء ويجب سجدة العزايم على القارئ والمستمع، ويستحب للسامع إذا لم يكن مصغيا فإذا كان خارج الصلوة وقرأ وسمع شيئا من العزايم وجب عليه السجود وليس عليه إذا أراد السجود تكبيرة الافتتاح بل يكبر إذا رفع رأسه منها، وليس بعدها تشهد ولا تسليم، وأما سجدات النوافل فإن قرأها في الفرايض فلا يسجد وإن قرأها في النوافل سجد إن شاء وهو أفضل، وإن تركه كان جايزا، ويجوز للحايض والجنب أن يسجد للعزايم وإن لم يجز لهما قرائته ويجوز لهما تركه، وموضع السجود من حم السجدة عند قوله: إن كنتم إياه تعبدون، ويجوز سجود العزايم في جميع الأوقات، وإن كان وقت يكره فيه الابتداء بالنوافل من الصلوة. فأما سجدات النوافل فإنها تكره عند طلوع الشمس وغروبها، وإن اتفق للمصلي إن يقرأ سورة العزايم في شئ من الفرايض فلا يقرأ موضع السجود، وإن انتقل إلى غيرها من السور كان جايزا، ومن لقن انسانا موضع العزيمة وجب عليه أن يسجد كلما أعاد الموضع الذي فيه السجود. فإن فاتته سجدة العزيمة أو نسيها وجب عليه قضاؤها، وأما النافلة فإن شاء قضاها وإن لم يقضها لم يكن عليه شئ. وسجدة الشكر مستحبة عند تجديد نعم الله ودفع المضار، وعقيب الصلوات ويستحب فيها التعفير، وليس فيها تكبير الافتتاح، ولا التشهد، ولا التسليم، ويستحب أن يكبر إذا رفع رأسه من السجود، وموضع السجود من قصاص شعر الرأس إلى الجبهة أي شئ وقع منه على الأرض أجزأ فإن كان هناك دمل أو جراح ولم يتمكن من

[ 115 ]

السجود عليه سجد على أحد جانبيه فإن لم يتمكن سجد على ذقنه فإن جعل لموضع الدمل حفيرة يجعله فيها كان جايزا، وينبغي أن يكون موضع سجوده مساويا لموضع قيامه، ولا يكون أرفع منه إلا بمقدار ما لا يعتد به مثل لبنة وما أشبهها فإن كان أكثر منها لم يكن جايزا. * (فصل: في ذكر التشهد وأحكامه) * التشهد في الصلوة فرض واجب للأول والثاني في الثلاثية والرباعيات، وفي كل ركعتين في باقي الصلوات. فمن تركهما أو واحدا منهما متعمدا فلا صلوة له، ومن تركهما أو واحدا منهما ناسيا حتى فرغ من الصلوة قضاهما بعد التسليم، وأعاد التسليم بعد التشهد الأخير، فإن ترك التشهد الأول قضاه، وليس عليه تسليم بعده، والتشهد يشتمل على خمسة أجناس: الجلوس، والشهادتان، والصلوة على محمد النبي، والصلوة على آله. فهذه الخمسة لا خلاف بين أصحابنا فيها إنها واجبة. والسادس: التسليم ففي أصحابنا من جعله فرضا، وفيهم من جعله نفلا (1) وصفة الجلوس أن يجلس متوركا يضع ظاهر رجله اليمنى على باطن رجله اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، واليسرى على فخذه اليسرى، ويبسطهما مضمومتي الأصابع وهذه الهيئة مسنونة ويطمئن فيه وهو فرض ويشهد الشهادتين، وهو أقل ما يجزيه

(1) قال في مفتاح الكرامة: وقد اختلف الأصحاب فيه على قولين: الأول: أنه واجب كما في الناصريات والوسيلة والمراسم والغنية وجامع الشرائع إلى أن قال: وإذا ثبت ذلك لم يجز بلا خلاف بين أصحابنا الخروج منها بغير التسليم من الأفعال المنافية. إلى أن قال: قد عرفت أن التسليم كان مشهورا بين الخاصة والعامة في السلام عليكم وكان السلام علينا محسوبا من التشهد كالسلام عليك أيها النبي، وكان المتعارف ذكرهما فيه كما هو المتعارف الآن، وقال في الذكرى: إن الشيخ في جميع كتبه جعل التسليم الذي هو خبر التحليل السلام عليكم، وإن السلام علينا قاطع الصلوة وأنه ليس بواجب، ولا يسمى تسليما والثاني: الاستحباب فهو مختار المقنعة والنهاية والاستبصار والجمل والسرائر.

[ 116 ]

في التشهد والصلوة على النبي محمد صلى الله عليه وآله فإن نقص شيئا من ذلك فلا صلوة له، وكلما زاد على ذلك من الألفاظ الواردة فيه فهو زيادة في العبادة والثواب، ومن ترك التشهد ناسيا أو شيئا منه قضاه بعد التسليم طالت المدة أم قصرت. ويسجد سجدتي السهو على قول بعض أصحابنا، وعلى قول الباقين وهم الأكثر ليس عليه ذلك، ولا يجب عليه إعادة الصلوة، إذا أدرك المأموم إمامه في صلوة المغرب في الركعة الثالثة فدخل معه في صلوة جلس معه في التشهد الذي هو فرض للإمام وهو متبع له في ذلك لا يعتد به لنفسه فإذا سلم إمامه قام فصلى ما عليه فيصلي ركعة أخرى، و يجلس عقيبها وهو التشهد الأول. ثم يصلي الثالثة ويجلس عقيبها وهو التشهد الثاني فيكون صلى ثلاث ركعات بثلاث جلسات، ويتقدر أن يجلس أربع جلسات، وهو إذا أدركه في التشهد الأول فإنه يجلس معه فإذا قام قام معه في ثالثة الإمام وهي أولة له، ثم يجلس عقيبها تبعا لإمامه فيحصل جلستان على سبيل التبع فإذا سلم الإمام قام فيصلي بقية الصلوة، وقد بقي له ركعتان يجلس عقيب كل واحدة منهما فيحصل له أربع جلسات فأما أربع جلسات في الرباعيات فهي اثنين لأنه إذا لحق الإمام في الركعة الثانية. فإذا جلس الإمام بعدها جلس هو تبعا له فإذا صلى معه الثالثة وهي ثانية له جلس هو لنفسه عقيبها ويتشهد تشهدا خفيفا، ويلحق بالامام. فإذا جلس الإمام في الرابعة جلس معه تبعا له فإذا سلم الإمام قام فصلى الرابعة لنفسه، وجلس عقيبها فيحصل له أربع جلسات اثنتان تبعا للإمام واثنتان له. من لا يحسن التشهد والصلوة على النبي عليه السلام وجب عليه أن يتعلم ذلك إذا كان عليه وقت. فإن ضاق الوقت أتى بما يحسنه، ويتعلم لما يستأنف من الصلوة، ومن قال من أصحابنا: إن التسليم سنة يقول إذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد خرج من الصلوة، ولا يحوز التلفظ بذلك في التشهد الأول، ومن قال: إنه فرض فبتسليمة واحدة يخرج من الصلوة، وينبغي أن ينوي بها ذلك، والثانية ينوي بها السلام على الملائكة أو على من في يساره. والتسليم على أربعة أضرب: الإمام والمنفرد يسلمان تجاه القبلة، والمأموم

[ 117 ]

الذي لا أحد على يساره يسلم على يمينه، ومن كان على يساره غيره يسلم يمينا وشمالا ويستحب الانصراف من الصلوة عن اليمين، وإن خالف كان جايزا وقد ترك الأفضل وينبغي أن يكون نظره في حال التشهد إلى حجره، ولا يلتفت يمينا وشمالا فإذا سلم كبر ثلاثا رافعا بها يديه إلى شحمتي أذنيه، ويعقب بعدها بما شاء من الدعاء فإن التعقيب مرغب فيه عقيب الفرايض، والدعاء فيه مرجو ولا يترك تسبيح فاطمة (عليها السلام) خاصة، وهي أربع وثلاثون تكبيرة، وثلث وثلاثون تحميدة، وثلث وثلاثون تسبيحة يبدأ بالتكبير. ثم بالتحميد. ثم بالتسبيح، وفي أصحابنا من قدم التسبيح على التحميد (1) وكل ذلك جايز، فأما الأدعية في ذلك فكثيرة وأفضلها ما يصدر عن صدق النية و خالص الطوية، وقد استوفينا ذلك في مصباح المتهجد، ولا تطول بذكره هاهنا. * (فصل: في ذكر تروك الصلوة وما يقطعها) * تروك الصلوة على ضربين: مفروض ومسنون. فالمفروض أربعة عشر تركا: لا يكتف ولا يقول آمين لا في خلال الحمد ولا في آخرها، ولا يلتفت إلى ما وراه، ولا يتكلم بما ليس من الصلوة سواء كان متعلقا بمصلحة الصلوة أولا يكون كذلك، ولا يفعل فعلا كثيرا ليس من أفعال الصلوة، ولا يحدث ما ينقض الوضوء من البول والغايط والريح، و استمناء أو جماع في فرج أو مس ميت برد بالموت قبل تطهيره بالغسل، ولا يأن بحرفين ولا يتأفف مثل ذلك بحرفين، ولا يقهقه، فأما التبسم فلا بأس به، وهذه التروك الواجبة على ضربين. أحدهما: متى حصل عامدا كان أو ناسيا أبطل الصلوة، وهو جميع ما ينقض الوضوء فإنه إذا انتقض الوضوء انقطعت الصلوة، وقد روي أنه إذا سبقه الحدث جاز أن يعيد الوضوء ويبني على صلوته (2) والأحوط الأول. والقسم الآخر: متى حصل ساهيا أو ناسيا أو للتقية فإنه لا يقطع الصلوة، و

(1) وهو مختار الصدوق في الهداية والفقيه.
(2) رواها الشيخ في التهذيب ج 2 ص 355 ح 1468.

[ 118 ]

هو كلما عدا نواقض الوضوء فإنه متى حصل متعمدا وجب منه استيناف الصلوة، ويقطع الصلوة أيضا ما لا يتعلق بفعله زايدا على ما قدمناه، وهو خمسة أشياء: الحيض والاستحاضة والنفاس والنوم الغالب على السمع والبصر، وكلما يزيل العقل من الاغماء والجنون ومتى اعتقد أنه فرغ من الصلوة لشبهة. ثم تكلم عامدا فإنه لا يفسد صلوته مثل أن يسلم في الأولتين ناسيا. ثم يتكلم بعده عامدا. ثم يذكر أنه صلى ركعتين فإنه يبني على صلوته، ولا تبطل صلوته، وقد روي أنه إذا كان ذلك عامدا قطع الصلوة، والأول أحوط، والحدث الذي يفسد الصلوة هو ما يحصل بعد التحريمة إلى حين الفراغ من كمال التشهد والصلوة على النبي محمد صلى الله عليه وآله. فمتى حدث فيما بين ذلك بطلت صلوته هذا على قول من يقول من أصحابنا: إن التسليم ليس بواجب، ومن قال: إنه واجب قال تبطل صلوته ما لم يسلم، والأول أظهر في الروايات، والثاني أحوط للعبادة، والعمل القليل لا يفسد الصلوة وحده ما لا يسمى في العادة كثيرا مثل إيماء إلى شئ أو قتل حية أو عقرب أو تصفيق أو ضرب حايط تنبيها على حاجة وما أشبهه، والأكل والشرب يفسدان الصلوة، وروي جواز شرب الماء في صلوة النافلة، وما لا يمكن التحرز منه مثل ما يخرج من بين الأسنان فإنه لا يفسد الصلوة ازدراده، والبكاء من خشية الله لا يفسدها وإن كانت لمصيبة أو أمر دنياوي فإنه يفسدها. وإما التروك المسنونة فثلاثة عشر تركا: لا يلتفت يمينا ولا شمالا، ولا يتثاءب ولا يتمطى، ولا يفرقع أصابعه، ولا يعبث بلحيته، ولا شئ من جوارحه، ولا يقعى بين السجدتين، ولا يتنخم، ولا يبصق فإن عرض شئ من ذلك أخذه في ثيابه أو رمى به تحت رجليه أو يمينا أو شمالا، ولا يرميه تجاه القبلة، ولا ينفخ موضع سجوده، ولا يتأوه بحرف فأما بحرفين فإنه كلام يقطع الصلوة، وهذه المسنونات متى حصلت عامدا كانت أو ناسيا لم تبطل الصلوة، وإنما ينقصها، ومتى نوى الصلوة بنية التطويل. ثم خفف لم تبطل صلوته. قتل القملة والبرغوث جايز في الصلوة والأفضل رميها، وإذا رعف في صلوته انصرف وغسل الموضع والثوب إن أصابه ذلك. ثم يبني على صلوته ما لم ينحرف عن القبلة أو يتكلم مما يفسد الصلوة فإن انحرف أو تكلم متعمدا أعاد الصلوة

[ 119 ]

ولا يقطع الصلوة ما يمر بين يديه من كلب أو دابة أو رجل أو امرأة أو شئ من الحيوان والأفضل أن يحيل بينه وبين ممر الطريق ساترا ولو عنزة أو لبنة، وإذا عطس في صلوته حمد الله، وليس عليه شئ، وإذا سلم عليه وهو في الصلوة رد مثل ذلك فيقول: سلام عليكم، ولا يقول: وعليكم السلام، وإذا عرض له ما يخافه من سبع أو عدو دفعه عن نفسه فإن لم يمكنه إلا بقطع الصلوة قطعها. ثم استأنف، ومتى رأى دابة انفلتت أو غريما يخاف فوته أو ما لا يخاف ضياعه أو غريقا يخاف هلاكه أو حريقا يلحقه أو شيئا من ماله أو طفلا يخاف سقوطه جاز أن يقطع الصلوة ويستوثق من ذلك. ثم يستأنف الصلوة، ولا يصلي الرجل وهو معقوص الشعر فإن صلى كذلك متعمدا كان عليه الإعادة. * (فصل: في أحكام السهو والشك في الصلوة) * السهو على خمسة أقسام: أحدها: يوجب الإعادة، والثاني: لا حكم له، و الثالث: يوجب تلافيه في الحال أو فيما بعده. والرابع: يوجب الاحتياط، والخامس: يوجب الجبران بسجدتي السهو، فما يوجب الإعادة في أحد وعشرين موضعا: من صلى بغير طهارة، ومن صلى قبل دخول الوقت، ومن صلى إلى غير القبلة، ومن صلى إلى يمينها وشمالها مع بقاء الوقت، ومن صلى في ثوب نجس مع تقدم علمه بذلك، ومن صلى في مكان مغصوب مع تقدم علمه بذلك مختارا، ومن صلى في ثوب مغصوب كذلك، ومن ترك النية، ومن ترك تكبيرة الاحرام، ومن ترك الركوع حتى سجد، وفي أصحابنا من قال: يسقط السجود ويعيد الركوع. ثم يعيد السجود، والأول أحوط لأن هذا الحكم يختص الركعتين الأخيرتين، ومن ترك ركوعا واحدا ولا يدري أين موضعه. فعلى المذهب الأول يجب عليه الإعادة لأنه لا يأمن أن يكون من الركعتين الأولتين، وعلى المذهب الثاني يجب أن يعيد ركعة أخرى، وقد تمت صلوته لأنه إن كان تركه من الركعة الأولى بطل حكم السجدتين فيها وبنى على الثانية. وإن كان في الثالثة بطل حكم السجدتين فيها، وبنى على الثانية

[ 120 ]

وإن كان في الثالثة بطل حكم السجدتين فيها وصارت الثالثة ثانية، وإن كان من الثالثة فقد بطل حكم السجدتين فيها وتمت الثالثة بالرابعة فيضيف إليها ركعة أخرى، ومتى تحقق صحة الأولتين وشك في الأخرتين أضاف إليها ركعة أخرى وتمت صلوته على المذهبين، ومن ترك سجدتين من ركعة من ركعتين الأولتين حتى يركع بعدها أعاد على المذهب الأول، وعلى الثاني يجعل السجدتين في الثانية للأول، وبنى على صلاته ومتى ترك سجدتين من ركعة واحدة ولا يدري من أيها هي فعلى المذهب الأول متى جوز ترك السجدتين من الركعتين الأولتين وجب عليه إعادة الصلوة، وعلى المذهب الثاني صحت له ثلاث ركعات، ويضيف إليها ركعة لأنه إن كان تركهما من الركعة الأولى فقد تمت الأولى بالسجدتين في الثانية، وبطل حكم الركوع في الثاني لأنه زيادة فعل في الصلاة لا حكم له مع السهو، وإن كان تركهما من الثانية فقد تمت الثانية بالثالثة، وإن كانتا من الثالثة فقد تمت الثالثة بالرابعة وبطل حكم الركوع في الرابعة فيأتي بركعة وقد تمت صلوته، وإن كانتا من الرابعة فقد تمت الثالثة، وصح له الركوع في الرابعة فليضف إليها سجدتين، وقد تمت صلوته ولا يضره الركوع، وكذلك الحكم إن تحقق أنه تركهما من الثانية أو الثالثة أو الرابعة فالحكم فيه سواء فإن تحقق صحة الأولتين و شك في الأخرتين فقد تمت له الثالثة بالرابعة فيضيف إليها ركعة أخرى، وقد تمت صلوته، ومن ترك سجدة واحدة من الركعة الأولى وذكرها وهو قايم قبل الركوع عاد فسجد، ولا يلزمه الجلوس ثم السجود سواء كان جلس في الأولى جلسة الاستراحة أو جلسة الفصل أو لم يجلسهما وإن لم يذكر حتى يركع مضى في الصلاة، فإذا سلم أعادها وسجد سجدتي السهو وهذا الحكم في الركعة الثانية والثالثة والرابعة، ومن صلى أربع ركعات. ثم ذكر أنه ترك أربع سجدات. فالذي يقتضيه عموم الأخبار أن عليه أربع سجدات، وعقيب كل سجدة سجدتي السهو، ومن قال من أصحابنا: إن كل سهو يلحق الركعتين الأولتين يجب منه إعادة الصلاة يجب أن يقول في هذه المسائل: إنه يعيد الصلاة، فإن ذكر أنه ترك ثلاث سجدات، ولا يدري موضعها فعلى المذهب الأول يعيد ثلاث سجدات ومع كل سجدة سجدتي السهو، وعلى المذهب الثاني يجب منه إعادة الصلوة لأنه لم تسلم له

[ 121 ]

الأولتان، ومن ذكر أنه ترك سجدتين من ركعتين، ولا يدري موضعهما فعلى المذهب الأول يعيد السجدتين مع كل سجدة سجدتي السهو، وعلى الثاني يجب إعادة الصلاة لأنه لا يأمن أن يكونا من الركعتين الأولتين والثانية أو الثالثة فإن ذكر أنه ترك سجدتين من الركعتين الأخيرتين فعلى المذهبين معا يجب أن يعيد السجدتين مع كل سجدة سجدتي السهو لأنه سلمت له الأولتان. فإن ذكر أنه ترك سجدة واحدة ولا يدري موضعها وجب عليه أن يعيدها ويسجد سجدتي السهو على المذهب الأول، وعلى المذهب الثاني يعيد الصلاة لأنه لا يأمن أن يكون من الأولة أو الثانية، وإن تحقق أنها من الأخيرتين ولا يدري من أيهما هي أعاد السجدة مع سجدتي السهو على المذهبين معا، ومن زاد ركوعا في الأولتين أعاد، ومن زاد سجدتين في ركعة من الأولتين أعاد، ومن زاد في الصلوة ركعة أعاد، وفي أصحابنا من قال: إن كانت الصلوة رباعية و جلس في الرابعة مقدار التشهد فلا إعادة عليه (1) والأول هو الصحيح لأن هذا قول من يقول: إن الذكر في التشهد غير واجب. من شك في الأولتين من كل رباعية فلا يدري كم صلى أعاد، ومن شك في المغرب والغداة ولا يدري كم صلى أعاد ومن شك في صلوة السفر ولا يدري كم صلى أعاد، ومن نقص ركعة أو ما زاد عليها، ولا يذكره حتى يتكلم أو يستدبر القبلة أعاد، وفي أصحابنا من قال: إنه إذا نقص ساهيا لم يكن عليه إعادة الصلوة لأن الفعل الذي يكون بعده في حكم السهو، وهو الأقوى عندي سواء كان ذلك في صلوة الغداة، أو المغرب أو صلاة السفر أو غيرها من الرباعيات فإنه متى تحقق ما نقص قضى ما نقص، وبنى عليه (2) وفي أصحابنا من يقول: إن ذلك توجب استيناف الصلاة في هذه الصلاة

(1) قال في مفتاح الكرامة: قلت: وقد سمعت إن الشيخ في الخلاف نسب ذلك إلى بعض أصحابنا، وكذا في المبسوط، ولعله أراد أبا على كما قطع بذلك في المختلف، وقال في المسالك: ذهب المتأخرون إلى أنه إن كان جلس آخر الرابعة بقدر التشهد صحت صلوته.
(2) نسب هذا القول إلى الصدوق في المقنع كما عن المختلف والذكرى، ووافقه الكاشاني في المفاتيح، وعبارته المنقول في المختلف والذكرى هكذا، فإن صليت ركعتين. ثم قمت فذهب في حاجة فأضف إلى صلوتك ما نقص منها ولو بلغت الصين الخ، ولكن قال في كشف اللثام وفيما عندنا من نسخ المقمع: وإن صليت ركعتين ثم قمت فذهبت في حاجة لك فأعد الصلوة فلا تبن على ركعتين، ونحوه قال علامة المجلسي.

[ 122 ]

التي ليست رباعيات، ومن شك فلا يدري كم صلى أعاد. والقسم الثاني وهو ما لا حكم له ففي اثني عشر موضعا: من كثر سهوه وتواتر، و قيل: إن حد ذلك أن يسهو مرات متوالية، ومن شك في شئ وقد انتقل إلى غيره مثل من شك في تكبيرة الافتتاح وهو في حال القراءة. فإن شك قبل القراءة كبر وأعاد القراءة. فإن شك في القراءة في حال الركوع أو في الركوع في حال السجود، أو في السجود في حال القيام أو في التشهد الأول، وقد قام إلى الثالثة فإنه لا يلتفت إليه ويمضي في الصلاة، ومن شك في النية فإنه يجدد النية إن كان في وقت محلها وإن انتقل إلى حالة أخرى مضى في صلاته فإن تحقق أنه نوى ولا يدري نوى فرضا أو نفلا استأنف الصلاة احتياطا، ومن سهى في النافلة أو سهى في سهو أو سهى عن تسبيح الركوع حتى يرفع رأسه أو عن تسبيح السجود حتى يرفع فإنه يمضي في صلاته لأنه انتقل إلى حالة أخرى. وأما ما يوجب تلافيه إما في الحال أو بعده ففي تسعة مواضع: من سهى عن قرائة الحمد حتى قرء سورة أخرى قرأ الحمد وأعاد السورة، ومن سهي عن قرائة سورة بعد الحمد قبل أن يركع قرأ ثم يركع، ومن شك في القراءة وهو قائم لم يركع قرأ ثم ركع فإن ذكر أنه كان قرأ لم يضره شئ، ومن شك في الركوع وهو قائم. ثم ركع فإن ذكر أنه كان ركع أرسل نفسه إرسالا. ومن سهي عن تسبيح الركوع وهو راكع سبح، ومن شك في السجدتين أو واحدة منهما قبل أن يقوم سجدهما أو واحدة منهما فأن ذكر فيما بعد أنه كان سجدهما أعاد الصلوة وإن كان زاد واحدة لم يجب عليه الإعادة. ومن ترك التشهد الأول، وذكر وهو قائم رجع فتشهد. فإن لم يذكر حتى يركع مضى في صلاته وقضاه بعد التسليم، وسجد سجدتي السهو، ومن نسي سجدة واحدة وقام. ثم ذكر أنه لم يسجد قبل أن يركع رجع فسجد فإن ذكر بعد الركوع مضى في صلاته وقضاها بعد التسليم، ومن نسي التشهد الأخير حتى يسلم قضاه بعد التسليم أي وقت كان.

[ 123 ]

وأما يوجب الاحتياط فخمسة مواضع: من شك فلا يدري صلى اثنتين أم ثلاثا في الرباعيات وتساوت ظنونه بني على الثلاث وتمم. فإذا سلم صلى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس، وكذلك من شك بين الثلاث والأربع. ومن شك بين الثنتين والأربع بني على الأربع فإذا سلم صلى ركعتين من قيام. ومن شك بين الثنتين والثلاث والأربع بني على الأربع. ثم صلى ركعتين من قيام، وركعتين من جلوس. فإن غلب في ظنه في أحد هذه المواضع أحدهما عمل عليه لأن غلبة الظن في جميع أحكام السهو يقوم مقام العلم سواء. ومن سهى في النافلة بني على الأقل وإن بني على الأكثر جاز. وأما ما يوجب الجبران بسجدتي السهو فخمسة مواضع: من تكلم في الصلاة ساهيا، ومن سلم في الأولتين ناسيا، ومن نسي التشهد الأول حتى يركع في الثالثة قضاه بعد التسليم وسجد سجدتي السهو، ومن ترك واحدة من السجدتين حتى يركع فيما بعدها قضاها بعد التسليم وسجد سجدتي السهو، ومن شك بين الأربع والخمس بني على الأربع و سجد سجدتي السهو، ومن أصحابنا من قال: إن من قام في حال قعود أو قعد في حال قيام فتلافاه كان عليه سجدتا السهو، ومن شك في سجدتي السهو أو واحدة منها فالأحوط أن يأتي بهما فإن انتقل إلى حالة أخرى لم يلتفت إليه، ومن سهى سهوين أو أكثر منهما بما يوجب سجدتي السهو فليس عليه أكثر من سجدتي السهو لأن زيادته يحتاج إلى دلالة. وإن قلنا: إن كل ما كان منه فيه سجدتا السهو إذا اجتمع مع غيره لا يتداخل ووجب سجدتا السهو لكل واحدة من هذه لعموم الأخبار كان أحوط. وسجدتا السهو واجبتان فمن تركهما وجب عليه إعادتهما فإن تطاول الزمان ومضى لم يجب عليه إعادة الصلاة وأعادهما، وليس للطول حد إذا بلغه سقطت عنه الإعادة. ولا سهو على المأموم إذا حفظ عليه الإمام. فإن سهى الإمام وجب عليه سجود

[ 124 ]

السهو، ويجب على المأموم اتباعه في ذلك. فإن كان المأموم ذاكرا ذكر الإمام، و نبهه عليه، ووجب على الإمام الرجوع إليه، فإن لم يذكره كان على الإمام سجدتا السهو، ويجب على المأموم أيضا اتباعه في ذلك، وقد قيل: إنه لا يجب لأنه متيقن ومتى سها المأموم والإمام فيما يوجب الاستيناف استأنفوا، وفيما يوجب الجبران أو الاحتياط فعلوا ذلك، وإذا سجد الإمام سجود السهو سجد من خلفه أيضا معه فإن لم يسجد الإمام عامدا أو ساهيا سجد المأموم. فإن كان إمامه قد سبقه ببعض صلاته سجدهما بعد القضاء اتباعا للإمام فإن سجد الإمام واحدة وأحدث كان على المأموم أن يأتي بالثانية، وإذا دخل على الإمام في أثناء صلاته مثل أن أدركه وقد صلى ركعة فكبر ودخل معه فيما بقي من الصلوة فيه مسألتان: إحداهما: إذا سهى الإمام فيما بقي من الصلوة. والثانية: وهي إذا كان قد سهى فيما مضى قبل دخول المأموم في صلاته معه. فأما الثانية وهي أن يكون قد سهى فيما مضى فإذا كان آخر صلاة الإمام. و قد بقي على المأموم ركعة لم يخل الإمام من أحد أمرين: إما أن يسجد للسهو أو يترك فإن سجد للسهو لم يتبعه المأموم، وكذلك إن تركه عامدا أو ساهيا لم يجب عليه الاتيان به لأن سجدتي السهو لا يكونان إلا بعد التسليم، وقد انفصل بالتسليم من أن يكون مقتديا به فلا يجب عليه اتباعه فإذا لم يتبعه وقضى صلاته لم يجب عليه الاتيان بهما لأنه إنما كان يتبع الإمام في سهوه، وفي هذه الحال ليس هو مؤتما به. وأما المسألة الأولى وهو أن يسهو الإمام كان فيما بعد فإذا سلم الإمام وسجد للسهو لم يتبعه المأموم في هذه الحال ويؤخر حتى تمم صلاته، ويأتي بسجدتي السهو لأن سجدتي السهو لا يكونان إلا بعد التسليم، وهو لم يسلم بعد لأن عليه فائتا من الصلوة يحتاج أن يتممه فإن أخل الإمام بسجدتي السهو عامدا أو ساهيا أتى بهما المأموم إذا فرغ من الصلوة لأنهما جبران للصلوة، ولا يجوز تركهما، وقد بينا أن سجدتي السهو لا يجبان إلا في خمس مواضع وفي أصحابنا من قال: يجبان في كل زيادة و

[ 125 ]

نقصان (1) فعلى هذا يجبان في كل زيادة على أفعال الصلوة أو هيئاتها فرضا كان أو نفلا وكذلك في كل نقصان فعلا كان أو هيئة نفلا كان أو فرضا إلا أن الأول أظهر في الروايات والمذهب. سجدتا السهو موضعهما بعد التسليم سواء كان لزيادة أو نقصان، وفي أصحابنا من قال: إن كانت لزيادة كانتا بعد التسليم، وإن وجبا لنقصان كانتا قبل التسليم (2) والأول أظهر. فإذا أراد أن يسجد سجدتي السهو استفتح بالتكبير وسجد عقيبه، و يرفع رأسه. ثم يعود إلى السجدة الثانية، ويقول فيها: بسم الله وبالله والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وغير ذلك من الأذكار. ثم يتشهد بعدهما تشهدا خفيفا فأتا بالشهادتين والصلوة على النبي وآله ويسلم بعده. * (فصل: في حكم قضاء الصلوات وحكم تاركها) * من يفوته الصلوة على ضربين: أحدهما: كان مخاطبا بها، والآخر لم يكن مخاطبا بها أصلا. فمن لم يكن مخاطبا بها لم يلزمه قضاؤها، وذلك مثل المجنون والمغمى عليه، ومن زال عقله بشئ من فعل الله تعالى فإن هؤلاء لا يجب عليهم قضاء ما يفوتهم من الصلوات إذا أفاقوا إلا الصلاة التي يفيقون في وقتها وقد بقي مقدار ما يؤدونها أو مقدار ركعة على ما مضى بيانه فيلزمهم حينئذ أداؤها، فإن فرطوا كان عليهم قضاؤها وما سواها فليس عليهم قضاؤها، و

(1) قال في مفتاح الكرامة، هذا هو المشهور كما في كنز الفوائد. إلى أن قال، ومختار الفقيه والمرتضى والتقي وسلار والحسن وابن إدريس كما في المهذب البارع، وهو خيرة المقنع ما تأخر عنه.
(2) نسب قول التفصيل إلى أبي علي، وعبارته هكذا: إن كرر بعض أفعال الصلوة في الأخيرتين ساهيا سجد للسهو بعد سلامه، وإن عدل من النفل إلى الفرض استحب أن يسجد قبل سلامه لسهوه عن نية الفرض الذي قضاه لأنه نقص الصلوة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله من يزد شيئا في صلوته فليسجد سجدتي السهو بعد سلامه، وإن كان بنقصان سجد قبل سلامه. إنتهى.

[ 126 ]

قد روي أنهم يقضون صلاة يوم وليلة، وروي ثلاثة أيام، وذلك محمول على الاستحباب ويجري مجرى هؤلاء الحائض فإن ما يفوتها في حال الحيض لا يلزمها قضاؤه على حال إلا ما يدركه في وقته أو بعضه على ما قدمناه القول فيه. وأما من كان مخاطبا بها ففاتته فعلى ضربين: أحدهما: لا يلزمه قضاؤها، والثاني: يلزمه القضاء. والأول من كان كافرا في الأصل فإنه إذا فاتته الصلوة في حال كفره لكونه مخاطبا بالشرايع فلا يلزمه قضاؤها على حال. والضرب الآخر وهو من يلزمه، وهو كل من كان على ظاهر الاسلام كامل العقل بالغا فإن جميع ما يفوته من الصلوة بمرض وغيره يلزمه قضاؤها حسب ما فاتته، وكذلك ما يفوته في حال السكر أو بتناول الأشياء المرقدة والمنومة كالبنج وغيره، وفي حال النوم المعتاد فإنه يجب عليهم قضاؤها على كل حال، وكذلك من كان مسلما فأرتد فإنه يلزمه قضاء جميع ما يفوته في حال ردته من العبادات، ووقت الصلوة الفائتة حين يذكرها أي وقت كان من ليل أو نهار، ما لم يتضيق وقت صلاة حاضرة فإن دخلت وقت صلاة حاضرة، ودخل فيها من أول وقتها. ثم ذكر أن عليه صلاة فائتة نقل نيته إلى ما فاتته ثم استأنف الحاضرة مثال ذلك أنه إذا فاتته صلاة الظهر فإنه يصليها ما دام يبقى إلى آخر الوقت مقدار ما يصلي الظهر فإنه عند ذلك يصلي الظهر، ويعود إلى الفائتة، وفي أصحابنا من يقول: يصلي الفائتة ما دام يبقى من النهار مقدار ما يصلي فيه الظهر والعصر يبدأ بالظهر. ثم العصر فإن لم يبق من النهار إلا مقدار ما يصلي فيه العصر بدأ به. ثم قضى الظهر فإن كان دخل في العصر ما بينه وبين الوقت الذي ذكرناه نقل نيته إلى الظهر، ثم يصلي بعده العصر، وكذلك متى دخل وقت المغرب و عليه صلاة صلى الفائتة ما بينه وبين أن يبقى إلى سقوط الشفق مقدار ما يصلي فيه ثلاث ركعات فإن بدأ بالمغرب قبل ذلك. ثم ذكر نقل نيته إلى التي فاتته ثم استأنف المغرب، وإذا دخل وقت العشاء الآخرة وعليه صلاة صلى صلاة الفائتة ما بينه وبين نصف الليل. ثم يصلي بعدها العشاء الآخرة فإن انتصف الليل بدأ بالعشاء الآخرة ثم

[ 127 ]

صلى الفائتة، وإذا طلع الفجر وعليه صلاة فليصليها ما بينه وبين أن يبقى إلى طلوع الشمس مقدار ما يصلي فيه ركعتي الغداة فإن بدأ بهما نقل نيته إلى التي فاتته. ثم يصلي بعدها ركعتي الغداة، ومن فاتته صلوات كثيرة وتحققها قضاها كما فاتته يبدء بالأول فالأول حتى يقضيها كلها سواء دخل في حد التكرار أو لم يدخل فإن قدم منها شيئا على شئ لم يجزه واحتاج إلى إعادتها لقوله عليه السلام: لا صلوة لمن عليه صلوة، ولما رواه زرارة عن أبي عبد الله في الخبر الطويل الذي فيه كيفية قضاء الصلوات، وقال له: إقضي الأول فالأول مثال ذلك أن يكون قد فاتته خمس صلوات، ويكون أول ما فاته الظهر فإنه ينبغي أن يقضي أولا الظهر. ثم يرتب بعدها العصر إلى تمام الخمس صلوات فإن قضى أولا العصر أو المغرب قبل الظهر لم يجزه واحتاج إلى إعادته، ومتى كانت عليه صلوات كثيرة فإنه يقضي أولا فأولا فإذا تضيق وقت صلوة فريضة حاضرة قطع القضاء وصلى فريضة الوقت، ثم عاد إلى القضاء على الترتيب فأما الصلوات التي يؤديها في أوقاتها قبل أن يعلم أن عليه صلوة فائتة فإنه لا يبطل أداؤها لكونها مرتبة على الفوائت سواء أداها في أول وقتها أو في آخر الوقت إذا لم يعلم أن عليه قضاء فإن علم أن عليه قضاء وأدى فريضة الوقت في أوله فإنه لا يجزيه. فإذا خرج وقتها صارت مثل سائر الفوائت و يرتب عليها، ومن دخل في صلوة نافلة. ثم ذكر أن عليه فريضة قبل أن يفرغ منها استأنف التي فاتته. ثم استأنف النافلة، ومن فاتته صلوة واحدة من الخمس ولا يدري أيها هي صلى أربعا وثلاثا واثنتين ينوي بالثلاث المغرب، وبالثنتين الغداة، وبالأربع إما الظهر أو العصر أو العشاء الآخرة، فإن فاتته صلوة واحدة مرات كثيرة وهو يعلمها بعينها غير أنه لا يعلم كم مرة فاتته صلى من تلك الصلوة إلى أن يغلب على ظنه أنه قضاها أو زاد عليه فإن لم يعلم الصلوة بعينها صلى في كل وقت ثلاثا وأربعا واثنتين إلى أن يغلب على ظنه أنه قضاها، ومن فاتته صلوة فريضة لمرض لا يزيل العقل لزمه قضاء فإن أدركته الوفاة وجب على وليه القضاء عنه، ومن فاتته صلوة في الحضر فذكرها و هو مسافر قضى صلوة الحاضر، وإن فاتته في السفر من هو حاضر قضى صلوة المسافر، و أما المرتد الذي يستتاب فإنه يقضي كلما يفوته من الصلوة والصوم والزكاة إذا حال

[ 128 ]

عليه الحول في حال الردة، وكذلك إن كان فاته شئ من ذلك قبل الارتداد وجب عليه أن يقضيه إذا عاد إلى الاسلام، وإن كان قد حج حجة الاسلام قبل أن يرتد ثم ارتد. ثم عاد إلى الاسلام لم يجب عليه إعادة الحج، وما يلحقه من زوال العقل و الاغماء في حال الارتداد على ضربين: أحدهما: أن يكون بفعله من شرب المسكر والبنج أو المرقد وما أشبه ذلك مما يزيل العقل. فإنه يجب عليه إعادة ما يفوته في تلك الحال وإن كان زوال عقله بشئ من فعل الله مثل الجنون والاغماء فإنه لا يجب عليه قضاء ما يفوته في تلك الحال، ومن فاته شئ من النوافل المرتبة قضاه أي وقت ذكره ما لم يكن وقت فريضة. فإن فاته شئ كثير منها صلى إلى أن يغلب على ظنه أنه قضاها فإن لم يتمكن من ذلك جاز له أن يتصدق عن كل ركعتين بمدين من طعام فإن لم يتمكن فعن كل يوم بمد منه. فإن لم يمكنه ذلك فلا شئ عليه، ومن فاته شئ من النوافل ثم جن فليس عليه قضاؤه فإن قضاها أو تصدق عنها كان أفضل. ويستحب أن يقضي نوافل النهار بالليل، ونوافل الليل بالنهار، ومن فاتته صلوة الليل فليصلها أي وقت شاء، وإن كان بعد الغداة أو بعد العصر، ومتى قضاها فليس عليه إلا ركعة مكان ركعة، ولا بأس أن يقضي أوتارا جماعة في ليلة واحدة وسعى أن يجعل القضاء أول الليل والأداء آخره. من فاتته الجمعة لم يجب عليه قضاؤها، وإنما يلزمه الظهر أربع ركعات، و كذلك إن فاتته صلوة العيد لم يجب عليه قضاؤها، وإن صلى لنفسه منفردا كان له فيه فضل. وصلوة الكسوف إذا تعمد تركها يجب عليه قضاؤها فإن كان احترق القرص كله اغتسل مع ذلك. من ترك الصلوة لغير عذر حتى خرج وقتها قيل له: لم تركتها. فإن قال: لأنها غير واجبة وأنا لا اعتقد وجوبها فقد ارتد ووجب عليه القتل بلا خلاف، ولا يصلي عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويكون ماله لورثته المسلمين. فإن لم يكن له ورثة كان للإمام عندنا، وعند الفقهاء لبيت المال، وإن قال: ما علمت وجوبها و

[ 129 ]

مثله يعذر مثل أن يكون قريب العهد بالاسلام عرف أنها واجبة عليه. فإن اعتقد وجوبها ترك، وإن قال: لا أعتقد وجوبها لحق بالقسم الأول: فإن قال: نسيتها قيل له: صلها الآن فقد ذكرتها فإن قال: إنا عاجز عنها لعلة. قلنا: صلها على حسب حالك قائما أو جالسا أو مضطجعا أو إيماء على حسب طاقتك فإن قال: هي واجبة، وأنا ذاكر وعلى فعلها قادر لكني لست أنشط لفعلها أو أنا كسلان عن إقامتها وأقام على ذلك حتى خرج وقتها أنكر عليه ذلك وأمر بأن يصليها قضاء. فإن لم يفعل عزر فإن انتهى وصلى برئت ذمته فإن أقام على ذلك حتى ترك ثلاث صلوات وعزر فيها ثلاث مرات قتل في الرابعة لما روي عنهم عليه السلام أن أصحاب الكباير يقتلون في الرابعة، وذلك عام في جميع الكباير ولا يقتل حتى يستتاب فإن تاب وإلا قتل وكفن وصلى عليه وكان ميراثه لورثته المسلمين فإن لم يكن له وارث مسلم كان للإمام ويدفن في مقابر المسلمين. * (فصل: في ذكر صلوة أصحاب الأعذار: من المريض والموتحل) * * (والعريان، ومن كان في السفينة) * المريض لا يسقط عنه فرض الصلوة، ويجب عليه أداؤها على حسب طاقته إذا كان عقله ثابتا فإن زال عقله بجنون أو إغماء فلا يجب عليه القضاء إلا ما أفاق في وقته، وما يقضي وقته فلا يجب عليه قضاؤه على ما فصلناه في الفصل الأول، وإذا لم يزل عقله فإنه يجب أن يصلي قائما مع القدرة على ذلك فإن لم يمكنه قائما إلا بأن يعتمد على حايط أو عكاز صلى كذلك. فإن لم يقدر على ذلك صلى جالسا وقرأ جالسا فإذا فرغ من القراءة وقدر على أن يقوم فيركع عن قيام فعل، وإن لم يقدر عليه ركع عن جلوس ويسجد كذلك. فإن لم يتمكن من السجود رفع إليه ما يسجد عليه، وإن لم يقدر على الصلوة جالسا صلى مضطجعا على جانبه الأيمن وسجد فإن لم يتمكن من السجود أومئ إيماء فإن لم يتمكن من الاضطجاع صلى مستلقيا على قفاه مؤميا يستفتح الصلوة بالتكبير ويقرأ فإذا أراد الركوع غمض عينيه فإذا أراد رفع الرأس فتحهما فإذا أراد السجود غمضهما فإذا أراد رفع الرأس منه فتحهما فإذا أراد السجود ثانيا غمضهما فإذا أراد

[ 130 ]

رفع الرأس ثانيا فتحهما، وعلى هذا يكون صلوته. فإن صلى على وجه ثم تجددت له قدرة على غير تلك الهيئة انتقل إلى ما يقدر عليه ويبني على ما فصلناه فيما مضى. والمتوحل والغريق والحائض والسابح إذا تضيق عليهم وقت الصلوة ولا يتمكنون من موضع يصلون عليه أو فيه صلوا إيماء ويكون ركوعهم وسجودهم إيماء، ويكون السجود أخفض من الركوع، ويلزمهم استقبال القبلة مع الامكان فإن لم يمكنهم صلوا على ما يتمكنون منه، والمريض إذا كان مسافرا راكبا ولا يقدر على النزول صلى الفريضة على ظهر الدابة على حسب ما يتمكن منه من الركوع والسجود، وإن لم يقدر إلا على الايماء كان جايزا، ويجزيه في النوافل أن يصلي إيماء مع القدرة على إتمام الركوع والسجود، وحد المرض الذي يبيح له الصلوة جالسا ما يعلمه الانسان من حال نفسه أنه لا يتمكن من الصلوة قائما، وقد روي أنه إذا لم يقدر على المشي بمقدار زمان صلوته، والمبطون إذا صلى. ثم حدث به ما ينقض صلوته أعاد الوضوء وبنا على صلوته، ومن به سلس البول صلى كذلك بعد أن يستبرئ، ويستحب له أن يلف خرقة على ذكره لئلا تتعدى النجاسة إلى ثيابه وبدنه، وإذا صلى المريض جالسا قعد متربعا في حال القراءة فإذا أراد الركوع ثنى رجليه فإن لم يتمكن من ذلك جلس كيف ما سهل عليه، والممنوع بالقيد إذا كان أسيرا في أيدي المشركين أو كان مصلوبا إذا لم يقدر على الصلوة صلى إيماء، والعريان إذا لم يكن معه ما يستر به عورته وكان وحده بحيث لا يرى أحد سوئته صلى قائما، وإن كان معه غيره أو كان بحيث لا يأمن من اطلاع غيره عليه صلى جالسا. فإن كانوا جماعة بهذه الصفة تقدم إمامهم بركبتيه وصلى بهم جالسا وهم جلوس ويكون ركوع الإمام وسجوده إيماء يكون سجوده أخفض من ركوعه، ويركع المأمومون ويسجدون، وإن وجد العريان ما يستر به عورته من حشيش الأرض وغيره ستر به عورتيه وصلا قائما. وأما من كان في السفينة فإن تمكن من الخروج منه والصلوة على الأرض خرج فإنه أفضل، وإن لم يفعل أو لا يتمكن منه جاز أن يصلي فيها الفرايض والنوافل سواء كانت صغيرة أو كبيرة فإذا صلى قائما مستقبل القبلة فإن لم يمكنه قائما صلى جالسا

[ 131 ]

مستقبل القبلة فإن دارت السفينة دار معها كيف ما دارت، واستقبل القبلة. فإن لم يمكنه استقبل بأول تكبيرة القبلة. ثم صلى كيف ما دارت، وقد روي أنه يصلي إلى صدر السفينة، وذلك يختص النوافل، وإذا لم يجد فيها ما يسجد عليه سجد على خشبها فإن كان مقيرا غطاه بثوب وسجد عليه. فإن لم يقدر عليه سجد على القير عند الضرورة وأجزأه. * (فصل: في ذكر النوافل من الصلوة) * صلوة النوافل على ضربين: أحدهما: ما كان مرتبا في اليوم والليلة، والآخر ما لم يكن مرتبا بل هو مرغب فيه على الجملة أو في وقت مخصوص. فالمرتب قد بينا أنه في اليوم والليلة أربع وثلاثون ركعة في الحضر، وفي السفر سبع عشرة ركعة وقد فصلنا ذلك فيما مضى، ورتبناه، وبينا أيضا مواقيتها فلا وجه لإعادته، وذكرنا أن صلوة الليل لا يجوز أن تصلى في أول الليل إلا قضاء أو عند الضرورة والخوف من الفوت وتعذر القضاء وإن وقتها بعد نصف الليل. فإذا قام إلى صلوة الليل استعمل السواك فإن فيه فضلا في هذا الوقت خاصة كثيرا، ويستفتح الصلوة بسبع تكبيرات، ويقرأ في الركعة الأولى سورة الاخلاص، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون، وروي في كل واحدة منهما الحمد وقل هو الله أحد ثلاثين مرة، وفي الست البواقي ما شاء، ويستحب السور الطوال. فإن قام إلى صلوة الليل، ولم يكن بقي من الوقت مقدار ما يصلي كل ليلة خفف صلوته واقتصر على الحمد وحدها. فإن خاف مع ذلك من طلوع الفجر صلى ركعتين وأوتر بعدهما، وصلى ركعتي الفجر. ثم صلى الغداة وقضى الثمان ركعات، وإن كان قد صلى أربع ركعات وطلع الفجر تمم صلوة الليل وخفف القراءة فيها، وقد روي أنه إذا طلع الفجر جاز أن يصلي صلوة الليل ويخفف فيها ثم يصلي الفرض، والأحوط الأول وهذه رخصة، ومن نسي ركعتين من صلوة الليل. ثم ذكر بعد أن أوتر قضاهما، وأعاد الوتر، ومن نسي التشهد في النافلة وذكر في حال الركوع أسقط الركوع وجلس وتشهد. فإذا فرغ من صلوة الليل قام فصلى ركعتي الفجر، و

[ 132 ]

إن لم يكن بعد طلوع الفجر الثاني فإن صلاهما وقد بقي من الليل كثير، وهو أن لا يكون قد طلع الفجر الأول أعادهما استحبابا، ويستحب الاضطجاع بعد هاتين الركعتين والدعاء فيه بما روي، وقراءة خمس آيات من آل عمران. وإن جعل مكان الضجعة سجدة كان ذلك جايزا. ويجوز أن يصلي النوافل جالسا مع القدرة على القيام، وقد روي أنه يصلي بدل كل ركعة ركعتين، وروي أنه ركعة بركعة وجميعهما جايزان، ومن كان في دعاء الوتر ولم يرد قطعة وفي عزمه الصوم وبين يديه ماء جاز له أن يتقدم خطوا ويشرب ولا يستدبر القبلة، ويرجع فيبني على صلوته، وأما ما ليس بمرتب من النوافل فعلى ضربين: أحدهما: لا وقت له معين، والآخر له وقت معين، فالأول مثل صلوة أمير المؤمنين عليه السلام وصفتها أربع ركعات بتسليمتين يقرأ في كل ركعة الحمد مرة و خمسين مرة قل هو الله أحد، ومثل صلوة فاطمة عليهما السلام، وهي ركعتان يقرأ في الأولى منهما الحمد مرة وإنا أنزلناه مائة مرة، وفي الثانية الحمد مرة وقل هو الله أحد مائة مرة، ومثل صلوة جعفر عليه السلام وتسمى صلوة التسبيح، وصلوة الحبوة وهي أربع ركعات في كل ركعة خمس وسبعون مرة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يبتدء الصلوة فيقرء الحمد ويقرأ في الأولى إذا زلزلت. ثم يسبح خمس عشرة مرة على ما قلناه. ثم يركع ويقول في ركوعه عشر مرات، ويرفع رأسه، ويقول عشرا ثم يسجد ويقول في سجوده عشرا. ثم يرفع رأسه فيقول عشرا. ثم يعود إلى السجدة الثانية فيقول ذلك عشرا. ثم رفع رأسه ويقول عشرا. ثم ينهض فيصلي الثانية مثل ذلك، ويقرء بعد الحمد والعاديات. ثم يصلي الركعتين الأخرتين مثل ذلك يقرأ في الأولى إذا جاء نصر الله، وفي الثانية التي هي الرابعة قل هو الله أحد، ويدعو في آخر السجدة بما أراد ويستحب أن يكون ذلك بما روي من قول: يا من لبس العز والوقار إلى تمام الدعاء وغير ذلك من الصلوات المرغبة فيها ذكرناها في مصباح المتهجد وفي عمل السنة. وأما ما له وقت معين فمثل تحية المسجد فإن وقتها عند دخول المسجد، ومثل صلوة يوم الغدير فإنه يستحب أن يصلى ذلك إذا بقي إلى الزوال نصف ساعة بعد أن

[ 133 ]

يغتسل ركعتين يقرأ في كل واحدة منهما الحمد مرة وقل هو الله أحد عشر مرات، وآية الكرسي عشر مرات، وإنا أنزلناه عشر مرات فإذا سلم دعا بعدها بالدعاء المعروف، ويستحب أن يصلي يوم المبعث أو ليلته، وهو اليوم السابع والعشرين من رجب اثني عشرة ركعة يقرء في كل ركعة الحمد وما سهل عليه، وقيل: يس فإذا فرغ قرأ سبع مرات الحمد، وقل هو الله أحد مثل ذلك، والمعوذتين مثل ذلك، وقل يا أيها الكافرون وإنا أنزلناه وآية الكرسي مثل ذلك، وروي أربع مرات. ثم يقول سبع مرات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ثم يقول سبع مرات: الله لا أشرك به شيئا، وقد روي مثل ذلك في ليلة المبعث، ويستحب أن يصلي ليلة النصف من شعبان أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وقل هو الله أحد مأة مرة. فإذا أراد أمرا من الأمور لدينه أو دنياه يستحب له أن يصلي ركعتين يقرأ فيهما ما شاء ويقنت في الثانية. فإذا سلم دعا بما أراد ويسجد ويستخير الله في سجوده مائة مرة يقول: أستخير الله في جميع أموري. ثم يمضي في حاجته، وإذا عرضت له حاجة صام الأربعاء والخميس والجمعة، وبرز تحت السماء يوم الجمعة، وصلى ركعتين يقرأ فيهما مأتي مرة وعشر مرات قل هو الله أحد على ترتيب صلوة التسبيح إلا أنه يجعل بدل التسبيح في صلوة جعفر عليه السلام خمس عشر مرة قل هو الله أحد بعد الحمد، وكذلك في الركوع والسجود وفي جميع الأحوال. فإذا فرغ منها سئل الله حاجته. فإذا قضيت حاجته صلى ركعتين شكرا لله تعالى يقرأ في الأولى الحمد وإنا أنزلناه، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد ثم يشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه في حال السجود والركوع وبعد التسليم. * (فصل: في ذكر النوافل الزائدة في شهر رمضان) * يستحب أن يصلى في شهر رمضان من أول ليلة فيه إلى آخر الشهر زيادة ألف ركعة على نوافله في سائر الشهور، ويصلى في أول ليلة إلى ليلة الثامن عشر كل ليلة عشرين ركعة ثمان ركعات بين المغرب والعشاء الآخرة واثنتي عشرة ركعة بعد العشاء الآخرة قبل الوتيرة، ويختم صلوته بالوتيرة، وفي ليلة تسع عشرة مائة ركعة، وفي

[ 134 ]

ليلة العشرين عشرين ركعة على ما فصلناه، وفي ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين كل ليلة مأة ركعة، وتصلى ليلة اثنتين وعشرين، وليلة أربع وعشرين إلى آخر الشهر كل ليلة ثلاثين ركعة ثمان ركعات بين العشائين واثنتين وعشرين بعد العشاء الآخرة وروي أنه يصلى بين العشائين اثني عشرة ركعة والثمان عشرة بعد العشاء الآخرة فهذه تسع مأة وعشرين ركعة، ويصلى في كل جمعة من شهر رمضان أربع ركعات صلوة أمير المؤمنين عليه السلام، وركعتين صلوة فاطمة عليها السلام، وأربع ركعات صلوة جعفر عليه السلام ويصلى ليلة آخر جمعة من الشهر عشرين ركعة صلوة أمير المؤمنين عليه السلام وفي عشية تلك الجمعة عشرين ركعة صلوة فاطمة عليها السلام فهذه تمام الألف ركعة، ويستحب أيضا أن يصلي ليلة النصف مائة ركعة يقرء في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد عشر مرات، ويستحب أن يصلى ليلة الفطر ركعتين يقرأ في الأولى الحمد مرة وألف مرة قل هو الله أحد، و الثانية الحمد مرة وقل هو الله أحد مرة واحدة. * (فصل: في ذكر صلوة الاستسقاء) * إذا أجدبت البلاد، وقلت الأمطار استحب صلوة الاستسقاء، وينبغي أن يتقدم الإمام أو من يقوم مقامه أو من نصبه الإمام إلى الناس أن يصوموا ثلاثة أيام. ثم يخرجوا يوم الثالث إلى الصحراء، ويستحب أن يكون ذلك يوم الاثنين، ولا يصلوا في المساجد في ساير البلدان إلا بمكة خاصة، ويقدم المؤذنين كما يفعل في صلوة العيدين، و يخرج على أثرهم بسكينة ووقار. فإذا انتهى إلى الصحراء قام فصلى بهم ركعتين من غير أذان ولا إقامة يقرء فيهما ما شاء من السور، ويكون ترتيب الركعتين كترتيب صلوة العيدين سواء على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. فإذا فرغ منهما استقبل القبلة، وكبر الله مائة تكبيرة يرفع بها صوته، ويكبر معه من حضر، ويلتفت عن يمينه فيسبح الله مائة مرة يرفع بها صوته، ويسبح معه من حضر. ثم يلتفت عن يساره فيهلل الله مائة مرة يرفع بها صوته، ويقول ذلك من حضر معه. ثم يستقبل الناس بوجهه ويحمد الله مائة مرة يرفع بها صوته ويقول ذلك

[ 135 ]

من حضر معه. ثم يدعوا ويخطب بخطبة الاستسقاء المروية عن أمير المؤمنين عليه السلام فإن لم يحسنها اقتصر على الدعاء. ويستحب أن يخرج للاستسقاء الشيوخ الكبار والصبيان الصغار والعجايز، و يخرج الشباب منهن، ويكره إخراج أهل الذمة في الاستسقاء لأنهم مغضوب عليهم ويستحب لأهل الخصب أن يدعوا لأهل الجدب فإن خرج فسقوا قبل أن يصلوا صلوا شكرا لله فإن صلوا ولم يسقو أخرجوا ثانيا وثالثا لأنه لا مانع من ذلك، وتحويل الرداء مستحب للإمام والمأموم مقورا (1) كان الرداء أو مربعا، ولا يحتاج أن يقلب الرداء، وإذا نذر الإمام أن يصلي صلوة الاستسقاء انعقد نذره لأنه نذر في طاعة، و ليس له أن يخرج غيره ولا أن يلزمهم الخروج، وإن نذر غير الإمام انعقد أيضا نذره لمثل ذلك. فإن نذر الإمام أن يستسقي هو وغيره لزمه في نفسه دون غيره لأن نذره لا ينعقد فيما لا يملك، ويستحب له أن يخرج فيمن يطيعه من ولده وغيرهم، فإذا انعقد نذره صلاها بحيث يصلي صلوة الاستسقاء في الصحراء، فإن نذر أن يصلي في المسجد وجب عليه الوفاء به فإن صلى في غيره لم يجزه عما نذر فإن نذر أن يخطب انعقد نذره ويخطب إن شاء جالسا، وإن شاء قائما أو على منبر أو على غيره، وإن نذر أن يخطب على المنبر وجب عليه أن يخطب كذلك فإن لم يفعل لم يجزه إذا خطب على حائط وما أشبه ذلك. إذا نصب ماء العيون أو مياه الآبار جاز صلوة الاستسقاء، لأنه لا مانع، ولا يجوز أن يقول: مطرنا نبأ كذا لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك.

(1) قورت الشئ: أي قطعت عن وسطه.

[ 136 ]

* (كتاب صلوة المسافر) * السفر على أربعة أقسام: واجب مثل الحج والعمرة، وندب مثل الزيارات وما أشبهها، ومباح مثل تجارة وطلب معيشة وقوت وما أشبهها. فهذه الأنواع الثلاثة كلها يجب فيها التقصير في الصوم والصلوة، والرابع سفر معصية مثل باغ أو عاد أو سعاية أو قطع طريق وما أشبه ذلك من اتباع سلطان جائر في طاعته مختارا أو طلب صيد للهو والبطر فإن جميع ذلك لا يجوز فيه التقصير لا في الصوم ولا في الصلوة. فأما الصيد فإن كان لقوته أو قوت عياله فهو مباح، وهو من الأقسام الأولى، وإن كان للتجارة دون الحاجة روى أصحابنا أنه يتم الصلوة ويفطر الصوم، وفرض السفر لا يسمى قصرا لأن فرض المسافر مخالف لفرض الحاضر، ولا يجوز أن يقصر حتى يغيب عنه أذان مصره أو يتوارى عنه جدران بلده، ولا يجوز أن يقصر ما دام بين بنيان البلد سواء كان عامرا أو خرابا فإن اتصل بالبلد بساتين فإذا حصل بحيث لا يسمع أذان المصر قصر فإن كان دونه تمم. وإذا سافر فمر في طريقه بضيعة له أو على مال له أو كانت له أصهارا وزوجة فنزل عليهم ولم ينو المقام عشرة أيام قصر، وقد روي أنه عليه التمام، وقد بينا الجمع بينهما وهو أن ما روي أنه إن كان منزله أو ضيعته مما قد استوطنه سته أشهر فصاعدا تمم، و إن لم يكن استوطن ذلك قصر (1). وإذا أبق له عبد فخرج في طلبه فإن قصدا بلدا يقصر في مثله الصلوة وقال: إن وجدته قبله رجعت معه لم يجز له أن يقصر لأنه لم يقصد سفرا يقصد فيه الصلوة، و إن لم يقصد بلدا لكنه نوى أن يطلبه حيث بلغ لم يكن له القصر لأنه شاك في المسافة التي يقصر فيها الصلوة، وإن نوى قصد ذلك البلد سواء وجد العبد قبل الوصول إليه أولم يجده كان عليه التقصير لأنه نوى سفرا يجب فيه التقصير. فإذا خرج بهذه النية

(1) رواه في التهذيب ج 3 ص 113، ح 520.

[ 137 ]

قصر فإن وجده في بعض الطريق فعن عليه الرجوع إلى وطنه وترك قصد تلك البلدة انقطع سفره ها هنا وكان في رجوعه مستأنفا للسفر فإن كان بين هذا المكان وبين بلده مسافة يقصر فيها وجب عليه التقصير وإلا فعليه التمام. إذا قصد بلدا وبينه وبين ذلك البلد بلد آخر في طريقه فسافر عن وطنه بنية أنه يقيم في البلد الأول عشرة أيام. ثم يسير إلى الثاني نظرت فإن كان بين بلده وبين البلد الأول مسافة يقصر فيها قصر وإلا أتم، وإن كانت المسافة إليه أقل منها وجب عليه التقصير فإذا وصل إليه انقطع قصره لعزمه منه على المقام عشرة أيام فيه سواء قام فيه أو لم يقم. فإذا أراد السفر إلى البلد الثاني فإن كانت المسافة إليه يقصر فيها الصلوة قصر، وإلا أتم لأنه ابتدأ بالسفر منه. فإذا حصل في البلد الثاني وأراد العود إلى وطنه نظرت فإن كانت المسافة يقصر فيها الصلوة قصر، وإلا فعليه التمام، وإذا قصد وطنه من الثاني والمسافة يقصر فيها قصر سواء دخل البلد الأول أو لم يدخل لأنه طريقه ولم ينو المقام به في رجوعه. إذا خرج من بغداد يريد الكوفة قصر فلما أتى القصر خاف من الطريق، وأقام فيه بنية أن يقيم عشرة أيام ليعرف خبر الطريق أو عدل منه إلى بلد آخر للمقام به أو ليعرف الخبر فيه انقطع قصره بالقصد لأنه قد قطع منه السفر الأول. ثم ينظر في البلد الذي يقصده من القصر فإن كان على مسافة يقصر فيها الصلوة قصر وإلا لم يقصر لأن السفر الأول قد انقطع اللهم إلا أن يرجع عن طريق القصر بأم الكوفة فحينئذ يستديم التقصير للنية الأولى. إذا سافر فدخل في سفره بلدا وقال، إن لقيت فلانا فيه أقمت عشرة أيام أو أكثر فله القصر حتى يلقى فلانا لأنه ما نوى المقام قطعا. فإن لقي فلانا أتم لأنه قد وجد شرطه في نية الإقامة عشرا فإن لقيه، ثم بدا له في المقام عشرا، وقال: أخرج من وقتي أو قبل عشرة أيام لم يكن له القصر لأنه قد صار مقيما بالنية ولا يصير مسافرا بمجرد النية حتى يسافر، وإن دخل البلد وقال: أن لقيت فلانا أقمت عشرة وانتظره كان له القصر. فإن اتصل له المقام على هذا شهرا قصر فإن زاد أتم. والمسافر في البحر والبر والنهر سواء في جميع أحكام السفر من وجوب تقصير أو

[ 138 ]

تمام لا يختلف الحال فيه ومتى دخل المركب في البحر إلى موضع من الجزائر أو موضع يقف فيه فالحكم فيه كالحكم في دخوله في البر إلى بلد لا يختلف الحال فيه فكل موضع يجب فيه التمام أو التقصير في البر فالبحر مثله سواء فإذا خرج إلى مسافة يقصر في مثلها فرد ته الريح كان له التقصير لأنه ما رجع ولا نوى مقاما. فأما مالك السفينة فإنه يجب عليه التمام لأنه ممن يجب عليه التمام من جملة المسافرين. والبدوي على ضربين: أحدهما: له دار مقام جرت عادته فيها بالإقامة فهذا يجب عليه التقصير. إذا سافر عن بلده سفرا يوجب التقصير والآخر لا يكون له دار مقام وإنما يتبع مواضع النبت ويطلب مواضع القطر وطلب المرعي والخصب. فهذا يجب عليه التمام، ولا يجوز له التقصير. إذا خرج حاجا إلى مكة وبينه وبينها مسافة يقصر فيها الصلوة ونوى أن يقيم بها عشرا قصرا في الطريق فإذا وصل إليها أتم فإن خرج إلى عرفة يريد قضاء نسكه لا يريد مقام عشرة أيام إذا رجع إلى مكة كان له القصر لأنه نقض مقامه لسفر بينه و بين بلده يقصر في مثله، وإن كان يريد إذا قضى نسكه مقام عشرة أيام بمكة أتم بمنى وعرفة ومكة حتى يخرج من مكة مسافرا فيقصر هذا على قولنا بجواز التقصير بمكة. وأما على ما روي من الفضل في الاتمام بها فإنه يتم على كل حال غير أنه يقصر فيما عداها من عرفات ومنى، وغير ذلك إلا أن ينوي المقام عشرا فيتم حينئذ على ما قدمناه. الوالي يجب عليه أن يتم إذا كان يدور في أمارته وولايته. يكره للمسافر أن يؤم بالمقيم، وكذلك يكره للمقيم أن يؤم بالمسافر فإن كانا جميعا مسافرين فدخلا بلدا نوى أحدهما المقام عشرا والآخر لم ينو ذلك لا ينبغي أن يؤم أحدهما صاحبه فإن فعلا أتم الناوي صلوته، وقصر الآخر فإن كان الناوي للمقام هو الإمام فإذا صلى ركعتين سلم الذي خلفه وانصرف، وإن كان الإمام من لم ينو المقام

[ 139 ]

صلى ركعتين ويسلم ولم يسلم المأموم وقام فصلى تمام صلوته، وكذلك القول إذا كان أحدهما مقيما والآخر مسافرا سواء من خرج من البلد إلى موضع بالقرب من مسافة فرسخ أو فرسخين بنية أن ينتظر الرفقة هناك والمقام عشرا فصاعدا فإذا تكاملوا ساروا سفرا يجب عليهم القصر لا يجوز أن يقصر إلا بعد المسير من الوضع الذي يجتمعون فيه لأنه ما نوى بالخروج إلى هذا الموضع سفرا يجب فيه التقصير، وإن لم ينو المقام عشرة أيام وإنما خرج بنية أنه متى تكاملوا ساروا قصر ما بينه وبين شهر. ثم يتمم فإن عن لبعضهم حاجة في البلد فعاد إليه في طريقه في الرجوع فإن دخل بيته وحضرت الصلوة تمم لأنه في موضع مقامه، وإن أراد الخروج بعده بلا فصل، ومن دخل عليه الوقت وهو مسافر وجب عليه التقصير فإن نوي المقام قبل يخرج الوقت لزمه التمام. من دخل في الصلوة بنية القصر ثم عن له المقام عشرا تمم الصلوة فإن شك فلا يدري بنية القصر دخل أولا ولم ينو المقام عشرا قصر ولم يتمم. فإن كان نوى المقام عشرا ودخل في الصلوة بنية التمام. ثم عن له الخروج لم يجز له القصر إلى أن يخرج مسافرا. المسافر إذا صلى خلف مقيم لا يلزمه التمام دخل معه في أول صلوته أو آخرها. من ترك الصلوة في حضر قضاها على التمام مسافرا كان أو حاضرا، وإن تركها في السفر وذكر قضاها على التقصير مسافرا كان أو حاضرا. إذا أم مسافر بمسافرين ومقيمين وأحدث. ثم استخلف مقيما صلى المستخلف صلوة المقيم، ولا يلزم المسافرين التمام، ومتى نوى المسافر في خلال الصلوة المقام تمم الصلوة ولا يستأنفها صلوة مقيم فإن كان المأمومون مسافرين لم يلزمهم التمام. ومن نسي في السفر فصلى صلوة مقيم لم يلزمه الإعادة إلا إذا كان الوقت باقيا فإنه يعيد ومتى صلى صلوة مقيم متعمدا أعاد على كل حال اللهم إلا من لم يعلم وجوب التقصير فحينئذ يسقط عنه فرض الإعادة. إذا قصر المسافر مع الجهل بجواز التقصير بطلت صلوته لأنه صلى صلوة يعتقد أنها باطلة.

[ 140 ]

إذا أحرم في السفينة بصلاة مقيم. ثم سارت السفينة لم يلزمه التقصير لأن من شرط التقصير أن يتوارى عنه جدران مصره أو يخفى عليه أذان مصره فإن دخل في الصلوة مسافرا بنية التقصير وسارت السفينة فدخلت بلدة وهو فيها تمم صلوة المسافر إذا كان في آخر الوقت فإن كان في أوله صلى صلوة مقيم. إذا صلى خلف مقيم عالما به أو ظانا بحاله أو لم يعلم أصلا ولا ظن أو خلف مسافر عالما أو ظانا لزمه التقصير على كل حال. إذا سافر إلى بلد له طريقا فسلك إلا بعد لغرض أو لا لغرض لزمه التقصير وإن كان الأقرب لا يجب فيه التقصير لأن ما دل على وجوب التقصير عام، إذا صلى المسافر فسها فصلى أربعا بطلت صلوته لأن من أصحابنا من قال: إن كل سهو يلحق الانسان في صلوة السفر فعليه الإعادة، ومن لم يقل ذلك يقول هذا زاد في صلوته فعليه الإعادة على كل حال. إذا كان قريبا من بلده وصار بحيث يغيب عنه أذان مصره فصلى بنية التقصير فلما صلى ركعة رعف فانصرف إلى أقرب بنيان البلد ليغسله فدخل البنيان أو شاهدها بطلت صلوته لأن ذلك فعل كثير فإن صلى في موضعه الآن تمم لأنه في وطنه ومشاهد لبنيانه فإن لم يصل وخرج إلى السفر والوقت باق قصر فإن فاتت الصلوة قضاه على التمام لأنه فرط في الصلوة وهو في وطنه. فإن دخل في طريقه بلدا يعزم فيه على المقام عشرا لزمه التمام فإن خرج منه وفارق بنيانه لزمه التقصير فإن عاد إليه لقضاء حاجة أو أخذ شئ نسيه لم يلزمه التمام لأنه لم يعد إلى وطنه وكان هذا فرقا بين هذه المسألة والتي قبلها. إذا صلى مسافر بمقيمين ومسافرين صلى المسافرون ركعتين، ثم يسلم بهم ويأمر المقيمين أن يتموا أربعا. يجوز الجمع بين الصلوتين الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة في السفر و الحضر عند المطر وغير المطر والجمع بينهما في أول وقت الظهر فإن جمع بينهما في

[ 141 ]

وقت العصر كان جايزا، وإنما يكون جمعا إذا جمع بين الفرضين فأما إذا صلى بينهما نافلة فلا جمع وليس بمحتاج إلى نية مفردة على نية الصلوة للجمع لأنه لا دلالة عليها وحد المسافة التي يجب فيها التقصير ثمانية فراسخ أربعة وعشرون ميلا فإن كانت أربعة فراسخ، وأراد الرجوع من يومه وجب أيضا التقصير، وإن لم يرد الرجوع من يومه كان مخيرا بين التقصير والاتمام، ولا يجوز التقصير للمكاري والملاح والراعي والبريد والبدوي الذي قدمنا وصفه ممن لا يكون له دار مقام، والوالي الذي يدور في ولايته أو جبايته، ومن يدور في تجارته من سوق إلى سوق ومن كان سفره أكثر من حضره فهؤلاء كلهم لا يجوز لهم التقصير ما لم يكن لهم مقام في بلدهم عشرة أيام. فإن كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيام كان عليهم التقصير، وإن كان مقامهم في بلدهم خمسة أيام قصروا بالنهار وتمموا الصلوة بالليل. ومن خرج بنية السفر. ثم بدا له وكان قد صلى على التقصير لم يلزمه شئ فإن لم يكن صلى أو كان في الصلوة تمم صلوته فإن خرج من منزله وقد دخل الوقت وجب عليه التمام إذا بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه على التمام فإن تضيق الوقت قصر ولم يتمم، وإن كان دخل في سفره قبل دخول الوقت وقد بقي من الوقت مقدار ما يتمكن فيه من التمام، تمم وإن لم يبق مقدار ذلك قصر ومن عزم عن المقام في بلد عشرة أيام وجب عليه التمام فإن غير نيته عن المقام نظرت فإن كان قد صلى على التمام ولو صلوة واحدة لم يجز له التقصير إلا بعد الخروج، وإن كان لم يصل شيئا على التمام قصر فإن لم يدر ما مقامه قصر ما بينه وبين شهر. فإذا مضي شهر صلى على التمام ولو صلوة واحدة. ويستحب الاتمام في أربعة مواطن في السفر: بمكة والمدينة ومسجد الكوفة و الحاير على ساكنه السلام، وقد روي الاتمام في حرم الله وحرم الرسول صلى الله عليه وآله وحرم أمير المؤمنين عليه السلام وحرم الحسين عليه السلام فعلى هذه الرواية يجوز الاتمام خارج المسجد بالكوفة وبالنجف، وعلى الرواية الأولى لا يجوز إلا في نفس المسجد، ولو قصر في هذه المواضع كلها كان جايزا غير أن الأفضل ما قدمناه، ويسقط عن المسافر الجمعة و

[ 142 ]

صلوة العيد، والمشيع لأخيه المؤمن يجب عليه التقصير لأنه إما طاعة أو مباح. ومن وجب عليه التقصير في السفر إذا مال إلى الصيد لهوا وبطرا تمم فإذا عاد إلى السفر رجع إلى التقصير. ويستحب للمسافر أن يقول عقيب كل صلوة ثلاثين مرة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فإن ذلك جبران الصلوة، وليس على المسافر نوافل النهار فإن سافر بعد زوال الشمس قبل أن يصلي نوافل الزوال قضاها في السفر ليلا ونهارا، وعليه نوافل الليل على ما قدمناه.

[ 143 ]

* (كتاب صلوة الجمعة) * صلوة الجمعة فريضة إذا حصلت شرائطها، وشروطها على ضربين: أحدهما: يرجع إلى من وجبت عليه، والآخر يرجع إلى صحة انعقادها. فما يرجع إلى من وجبت عليه على ضربين: أحدهما: يرجع إلى الوجوب، والآخر يرجع إلى الجواز فشرائط الوجوب عشرة: الذكورة والحرية والبلوغ وكمال العقل والصحة من المرض وارتفاع العمى، وارتفاع العرج، وأن لا يكون شيخا لا حراك به وألا يكون مسافرا ويكون بينه وبين الموضع الذي يصلي فيه فرسخان فما دونه، وما يرجع إلى الجواز الاسلام والعقل. فالعقل شرط في الوجوب والجواز معا، والاسلام شرط في الجواز لا غير دون الوجوب لأن الكافر عندنا متعبد بالشرايع، وإنما قلنا ذلك لأن من ليس بعاقل أو ليس بمسلم لا تصح منه الجمعة، وما عدا هذين الشرطين من الشرايط المقدم ذكرها شرط في الوجوب دون الجواز لأن جميع ما قدمنا ذكره يصح منه فعل الجمعة. فأما الشروط الراجعة إلى صحة الانعقاد فأربعة: السلطان العادل أو من يأمره السلطان، والعدد سبعة وجوبا، وخمسة ندبا، وأن يكون بين الجمعتين ثلاثة أميال فما زاد عليها، وأن يخطب خطبتين. والناس في باب الجمعة على خمسة أضرب: من تجب عليه وتنعقد به، ومن لا تجب عليه ولا تنعقد به ومن تنعقد به ولا تجب عليه، ومن تجب عليه ولا تنعقد به، ومختلف فيه. فأما من تجب عليه وتنعقد به فهو كل من جمع الشرائط العشرة التي ذكرناها، ومن لا تجب عليه ولا تنعقد به فهو الصبي، والمجنون والعبد والمسافر والمرأة فهؤلاء لا تجب عليهم، ولا تنعقد بهم، ويجوز لهما فعلها تبعا لغيرهم، وأما من تنعقد به ولا تجب عليه فهو المريض والأعمى والأعرج، ومن كان على رأس أكثر من فرسخين فإن هؤلاء لا يجب عليهم الحضور فإن حضروا الجمعة وتم بهم العدد وجب عليهم و انعقدت بهم الجمعة، وأما من تجب عليه ولا تنعقد به فهو الكافر لأنه مخاطب عندنا

[ 144 ]

بالعبادة، ومع هذا لا تنعقد به لأنه لا تصح منه الصلوة. وأما المختلف فيه فهو من كان مقيما في بلد من التجار وطلاب العلم ولا يكون مستوطنا بل يكون من عزمه متى انقضت حاجته خرج فإنه تجب عليه وتنعقد به عندنا وفي انعقادها خلاف. ومن كان في بلد وجب عليه حضور الجمعة سمع النداء أو لم يسمع. فإن كان خارجا عنه وبينه فرسخان فما دونه وجبت عليه أيضا الحضور فإن زاد على ذلك لا تجب عليه. ثم لا يخلو أن يكون فيهم العدد الذي تنعقد بهم الجمعة أم لا فإن كانوا كذلك وجب عليهم الجمعة، وإن لم يكونوا لم يجب عليهم غير الظهر، ومتى كان بينهم و بين البلد أقل من فرسخين وفيهم العدد الذي ينعقد بهم الجمعة جاز لهم إقامتها ويجوز لهم حضور البلد. ومن وجبت عليه الجمعة فصلى الظهر عند الزوال لم يجزه عن الجمعة فإن لم يحضر الجمعة وخرج الوقت وجب عليه إعادة الظهر أربعا لأن ما فعله أولا لم يكن فريضة. يجب على أهل القرى والسواد إذا كان فيهم العدد الجمعة، ومن شرط ذلك أن يكون قراهم مواضع استيطان. فأما أهل بيوت مثل البادية والأكراد فلا تجب عليهم ذلك لأنه لا دليل على وجوبها عليهم، ولو قلنا: إنها تجب عليهم إذا حضر العدد لكان قويا لعموم الأخبار في ذلك. إذا كان في قرية جماعة تنعقد بهم الجمعة، وكل من كان بينه وبينهم مسافة فرسخين فما دونها وليس فيهم العدد الذي تنعقد بهم الجمعة وجب عليهم الحضور، و إن كان فيهم العدد جمعوا لنفوسهم. قد بينا أن العدد معتبر سبعة وجوبا وخمسة ندبا، و العدد شرط في صحة الخطبة أيضا لعموم الأخبار وهو شرط في واجبات الخطبة لا في مسنوناتها لأن المسنونات يجوز تركها. إذا انعقدت الجمعة عند حضور شرائطها وبعد تكبيرة الاحرام. ثم انتقض العدد بعضهم أو أكثرهم أو لم يبق إلا الإمام فإنه يتم الجمعة ولا يلزم الظهر أربعا لأنه لا دليل عليه.

[ 145 ]

بقاء الوقت ليس بشرط في صحة الجمعة بل لو خرج الوقت قبل الفراغ منها لم ينتقل إلى الظهر أربعا إلا أن يخرج الوقت كله قبل التلبس بها فحينئذ ينتقل إلى فرض الظهر قضاء بلا خلاف. إذا ركع الإمام وركع معه المأموم فلما سجد الإمام زوحم المأموم فلم يتمكن من السجود، ويتمكن من السجود على ظهر غيره لا يجوز أن يسجد عليه ويصبر حتى يسجد على الأرض لأنه لا دليل على جواز ذلك، فإذا رفع الإمام رأسه من السجود وتخلص المأموم لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يتخلص المأموم قبل ركوع الإمام في الثانية أو بعد ركوعه في الثانية أو هو راكع. فإن تخلص والإمام في الثانية قبل الركوع فعلى المأموم أن يتشاغل بقضاء ما عليه. ثم يلحق به فإذا سجد والإمام قائم بعد قام معه، وإن قام والإمام راكع انتصب ثم ركع ولا يتشاغل بالقراءة لأنه ليس على المأموم قرائة، وهذا إذا تخلص قبل أن يركع الإمام في الثانية فإما إن تخلص بعد أن يركع في الثانية فعليه أن يسجد مع الإمام، وينوي بهما للركعة الأولى فإن لم ينوه كذلك فلا يعتد بهما، ويستأنف سجدتين للركعة الأولى. ثم استأنف بعد ذلك ركعة أخرى، وقد تمت جمعته، وقد روي أنه تبطل صلاته. إذا سبق للإمام حدث جاز له أن يستخلف غيره ويقدمه ليتم بهم الصلوة في جميع الصلوات وكذلك الجمعة وسواء أحدث بعد الخطبة قبل التحريمة أو بعد التحريمة و على كل حال لعموم الأخبار في جواز الاستخلاف، ويتمم بهم الإمام الثاني الجمعة ولا ينتقل إلى الظهر لأنه لا دليل على ذلك، وكذلك إن يقدم انسان عند انصراف الإمام فصلى بهم أو قدمه غير الإمام فصلى بهم كان جايزا. إذا صلى المسافر بمقيمين ففرغ من فرضه جاز له أن يقدم من يصلي بهم تمام صلوتهم. العبد يسقط عنه فرض الجمعة وكذلك المدبر والمكاتب المشروط عليه. فأما من انعتق بعضه واتفق مع مولاه على مهاياة في الإمام واتفق يوم نفسه يوم الجمعة يجب عليه حضورها لأنه ملك نفسه في هذا اليوم، فإن لم يحصل بينه وبين مولاه مهاياة لم يلزمه لأنه لا يتميز له حق نفسه. المسافر لا تجب عليه الجمعة إلا إذا أقام في بلد عشرة أيام فصاعدا.

[ 146 ]

والمرأة ليس عليها الجمعة عجوزا كانت أو شابة، والأفضل أن تصلي في بيتها. والمريض لا تجب عليه الجمعة فإن حضرها وجب عليه الدخول فيها، وكل من لا تجب عليه الجمعة إذا تكلف وحضر وصلاها سقط عنه فرض الظهر. من كان فرضه الظهر دون الجمعة جاز له أن يصليه في أول الوقت، ولا يجب عليه التوقف حتى يفرغ الإمام من الجمعة، ويجوز له أن يصلي جماعة فإن صلى في أول الوقت ثم حضر الجمعة فقد سقط فرض الوقت عنه فإن دخلها كان له فيه فضل. من تجب عليه الجمعة يجوز له أن يتركها لعذر في نفسه أو أهله أو قرابته أو أخيه في الدين مثل أن يكون مريضا يهتم بمراعاته أو ميتا يقوم على دفنه وتجهيزه أو ما يقوم مقامه إذا زالت الشمس يوم الجمعة لا يجوز أن يسافر إلا بعد أن يصلي الجمعة لأنه تعين عليه فرض الجمعة فلا يجوز أن يشرع فيما يسقطه، ويكره له السفر إذا طلع عليه الفجر من يوم الجمعة إلى أن يصلي الجمعة. العدد شرط في صحة الخطبة فإن خطب وحدة. ثم حضر العدد أعاد الخطبة وإلا لم تصح الجمعة. المعذور من العبد والمسافر والمريض إذا صلوا في منازلهم الظهر. ثم سعوا إلى الجمعة لم يبطل ظهرهم لأنه لا دليل عليه. تكره النوافل عند وقوف الشمس وسط النهار في ساير الأيام إلا يوم الجمعة فإنه يجوز ذلك ما لم يقعد الإمام على المنبر ويأخذ في الخطبة فإذا أخذ فيها فليس لأحد أن يصلي وينبغي أن يصغي إليه، ولا ينبغي أن يتكلم في حال خطبة الإمام ولا ينبغي لأحد أن يتخطى رقاب الناس ظهر الإمام أولم يظهر سواء كان له عادة في الصلوة في موضع أو لم يكن فإن كان داخل الزحمة سعة لم يكره ذلك. فأما الإمام فلا يكره له ذلك لأنه لا يجد عنه مندوحة، وينبغي أن يفرجوا له. إذا كان جالسا ينتظر الخطبة فغلبه النعاس فينبغي أن يتشاغل بما يمنع من النعاس وإن احتاج إلى الانتقال من مكانه انتقل ليزول عنه النعاس، ولا ينبغي لأحد أن يقيم غيره عن مكانه الذي هو جالس فيه ليجلس فيه في الجامع وإن تبرع انسان بالقيام، أو تأديب عنه لم يكره، وإن انفذ بثوب ففرش له في مكان لم يكن بذلك أحق من غيره فيه، وللغير رفعه والجلوس فيه

[ 147 ]

فإن قام من موضعه لحاجة. ثم عاد فكان أحق بمكانه من غيره. الخطبة شرط في صحة الجمعة لا تصح من دونها، ومن شرط الخطبة أن يأتي بها قائما، ويفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة، والكلام فيهما وبينهما مكروه. و ليس بمحظور، وإن خطب جالسا مع العذر من علة أو زمانة صحت صلوته وصلوة من خلفه. فإن لم يكن به علة بطلت صلوته، وصحت صلوة من خلفه إذا لم يعلموا ذلك فإن علموا أو علم بعضهم أنه ليس به علة بطلت صلوة من علم ذلك وصحت صلوة من لم يعلم. من شرط الخطبة الطهارة وأقل ما يكون الخطبة أربعة أصناف: حمد الله تعالى، والصلوة على النبي وآله، والوعظ، وقراءة سورة خفيفة من القرآن، وما زاد عليه مستحب، ولا يطول الخطبة بل يقتصد فيها لئلا يفوته فضيلة أول الوقت. إذا دخل في الجمعة فدخل عليه وقت العصر قبل أن يتم الجمعة تممها جمعة ولم يلزمه أن يتمها ظهرا لأنه لا دليل عليه، وإن بقي من وقت الظهر ما يأتي فيه بخطبتين وركعتين خفيفتين أتى بهما وصحت الجمعة. فإن بقي من الوقت ما لا يتسع للخطبتين وركعتين فينبغي أن يصلي الظهر، ولا يصح له الجمعة لأن من شرط الجمعة الخطبة، وهذا ليس يمكنه أن يأتي بالخطبتين لأنه لو خطبهما فاته الوقت، وقد روي أنه من فاته الخطبتان صلى ركعتين (1) فعلى هذه الرواية يمكن أن يقال: يصلي الجمعة ركعتين ويترك الخطبتين، والأول أحوط، والوجه في هذه الرواية أن يكون مختصة بالمأموم الذي يفوته الخطبتان فإنه يصلي الركعتين مع الإمام فأما إن تنعقد الجمعة من غير خطبتين فلا تصح على حال، ومن خطب وصلى الجمعة وشك هل كان الوقت باقيا قبل التسليم أو خارجا صحت صلاته لأن الأصل بقاء الوقت ولم يعلم خروجه على أنا قد بينا أن بقاء الوقت ليس بشرط في صحة الجمعة إذا كان دخل فيها في الوقت إذا أدرك ركعة من الجمعة فقد لحق الجمعة، وآخر ما يلحق الجمعة أن يلحق الإمام

(1) رواها في التهذيب ج 3 ص 243 ج 656.

[ 148 ]

في الركوع في الثانية فإن لحقه وقد رفع رأسه من الركوع في الثانية فقد فاتته الجمعة و عليه الظهر أربع ركعات وكذلك إن كبر تكبيرة الاحرام والإمام راكع فحين كبر رفع الإمام رأسه فقد فاتته تلك الركعة وسجد مع الإمام تابعا له ولا يقتديه ويصلي لنفسه الظهر إن شاء، وإن كبر خلفه وركع والإمام راكع ورفع الإمام لكنه شك هل لحق بإمامه قبل أن يرفع أو بعده فعليه الظهر لأنه لم يتحقق أنه لحق مع الإمام ركعة، ولو أدركه راكعا وركع ورفع وسجد سجدتين. ثم شك هل سجد مع إمامه سجدة أو سجدتين تمم الجمعة لأنه لا سهو على المأموم خلف الإمام، وإن أدرك معه ركعة فصلاها معه. ثم سلم الإمام وقام فصلى ركعة أخرى. ثم ذكر أنه ترك سجدة فلم يدر هل هي من التي صلاها مع الإمام أو من الأخرى أضاف إليها سجدة، وقد تمت صلاته لأن الركعة الأولى مع الإمام لا حكم لسهوه فيها، والركعة التي انفرد بها إذا شك أنه سجد واحدة أو ثنتين أضاف إليها سجدة أخرى فإن ذكر بعد ذلك أنه كان تركها من الركعة التي مع الإمام قضى سجدة إذا سلم، وقد تمت جمعته، وإن ذكر أنها كانت من التي انفرد بها فقد تممها بالتي فعلها. ويستحب للإمام أن يصعد المنبر بسكينة ووقار ويقعد دون الدرجة العليا، ثم يجلس عليه للاستراحة وينبغي أن يعتمد على سيف أو عصا أو قوس لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وآله فعل هكذا، ولا يضع يمينه على شماله كما لا يفعل ذلك في الصلاة، وينبغي أن يكون الإمام فصيحا في خطبته بليغا لا يلحن، ويكون صادقا اللهجة، ويكون ممن يصلي في أول الوقت، ولا ينبغي أن يطول الخطبة لما بيناه فإن ارتج على الإمام جاز أن يفتح عليه من خلفه إذا لم يتذكر من قبل نفسه. فإن قرأ الإمام سورة على المنبر فيها سجدة فإن كانت من العزايم نزل وسجدها وسجد الناس معه، وإن لم يكن من العزايم جاز أن لا ينزل ولا يسجد. والانصات للخطبة مستحب ليس بواجب، وموضع الانصات من وقت أخذ الإمام في الخطبة إلى أن يفرغ من الصلوة، وأن تكلم بعد فراغه من الخطبتين قبل الصلوة لم يكن به بأس غير أن الأفضل ما قلناه، وإذا دخل المسجد والإمام يخطب ترك السلام.

[ 149 ]

فإن سلم عليه جاز أن يرد الجواب كما يجوز أن يرده في الصلوة، ويجوز أن يسمت العاطس، ولا بأس بشرب الماء والإمام يخطب، وقد بينا أن من شرط انعقاد الجمعة الإمام أو من يأمره بذلك، ولا يجوز مع حضور الإمام العادل أن يتولى الجمعة غيره إلا إذا منعه من الحضور مانع من مرض وغيره، ولا تنعقد الجمعة بإمامة فاسق ولا امرأة، وكل من لا تنعقد به الجمعة لا يكون إماما فيها، ويجوز أن يكون الإمام في الجمعة عبدا إذا كان أقرأ الجماعة ويكون العدد قد تم بالأحرار. والمسافر يجوز أن يصلي بالمقيمين وإن لم يكن واجبا عليه إلا أنه لا يصح منه ذلك إلا إذا أتى بالخطبتين ويكون العدد قد تم بغيره وإن صلى بقوم مسافرين بلا خطبة كان ظهرا لا جمعة. والنساء إذا اجتمعن فلا تنعقد بهن جمعة لأنه لا دليل على ذلك، والصبي الذي لم يبلغ لا تنعقد به الجمعة. وأقل ما يكون بين الجمعتين ثلاثة أميال. فإن صلى في موضعين بينهما أقل من ثلاثة أميال فلا يخلو أن يكون الجمعتان وقعتا في حالة واحدة أو تقدمت أحدهما الاخرى فإن وقعتا في حالة واحدة بطلتا معا، وإذا بطلتا فإن كان الوقت باقيا ففرضهما الجمعة وإن فات الوقت وجب عليهما الظهر أربع ركعات، وإن تقدمت إحداهما الأخرى كانت المتقدمة صحيحة والأخرى باطلة، وإن لم يعلم أيهما سبق أو علم أن أحدهما سابقة غير أنه لا يعلم عينها أو عرف عينها إلا أنها نسيت بطلت في الأحوال الثلاث الصلاتان معا، وكان فرضهما الجمعة مع بقاء الوقت والظهر مع تقضى الوقت، والسابق منهما يكون بمقدار تكبيرة الاحرام لأنها إذا سبقت بذلك فقد انعقدت فما يطرأ عليها يكون باطلا، وإذا أحرم بالجمعة فأخبر أنه قد صلي في البلد في موضع آخر الجمعة لم تنعقد جمعته، ويصلي ظهرا إذا لم يكن بينهما ثلاثة أميال، ولا يؤذن إلا أذان واحد يوم الجمعة، والثاني مكروه روي أن أول من فعل ذلك عثمان وقال عطا إن أول من فعل ذلك معاوية، وقال الشافعي: ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وأبو بكر وعمر أحب إلي و هو السنة وهو مثل ما قلناه.

[ 150 ]

والوقت الذي يحرم البيع فيه يوم الجمعة حين يقعد الإمام على المنبر بعد الأذان وإنما يحرم ذلك على من تجب عليه الجمعة من الأحرار البالغين العقلاء المقيمين فأما المسافر والعبد والصبي والمرأة وغيرهم ممن لا تجب عليهم الجمعة فإنه لا يحرم عليه البيع فإن كان أحدهما يجب عليه والآخر لا يجب عليه كره لمن لا يجب عليه مبايعته لأنه يكون إعانة على ما هو محرم عليه. فإن خالف من يحرم عليه البيع وتبايعا فالظاهر من المذهب أنه لا ينعقد البيع لأنه منهى عنه، والنهي يدل على فساد المنهى عنه، وفي أصحابنا من قال: ينعقد العقد وإن كان محرما (1) ويملك به ما يملكه بالعقد الصحيح. وتقديم النوافل يوم الجمعة خاصة قبل الزوال أفضل، وفي غيرها من الأيام لا يجوز، ويستحب أن يصلى ست ركعات عند انبساط الشمس، وست ركعات عند ارتفاعها، وست ركعات إذا قرب من الزوال، وركعتين عند الزوال. ثم يجمع بين الفرضين بأذان واحد وإقامتين. فإن فصل بين الفرضين بست ركعات على ما ورد به بعض الروايات والباقي على ما بيناه كان أيضا جايزا، وإن أخر جميع النوافل إلى بعد العصر جاز أيضا، غير أن الأفضل ما قلناه. فإن زالت الشمس ولم يكن قد صلى شيئا من النوافل أخرها كلها وجمع بين الفرضين فإنه أفضل. والزيادة في نوافل نهار يوم الجمعة أربع ركعات مستحبة على ما فصلناه. ومن السنن اللازمة يوم الجمعة الغسل على النساء والرجال والعبيد والأحرار في الحضر والسفر مع الامكان، ووقته من طلوع الفجر إلى زوال الشمس، وكلما قرب من الزوال كان أفضل فإن فاته قضاه إما بعد الزوال أو يوم السبت، وإن قدمه يوم الخميس جاز إذا خاف ألا يجد الماء يوم الجمعة أو لا يتمكن من استعماله. ويستحب أن يتنظف يوم الجمعة ويحلق رأسه ويقص أظفاره ويأخذ من شاربه

(1) قال في مفتاح الكرامة: وهو خيره الجامع والشرائع والنافع والمعتبر والشهيد وكنز العرفان، والتنقيح، والموجز الحاوي، وجامع المقاصد، والجعفرية وشرحيها، و فرائد الشرائع، والمدارك، والكفاية وغيرها.

[ 151 ]

ويلبس أطهر ثيابه، ويمس شيئا من الطيب جسده فإذا توجه إلى المسجد الأعظم مشى على سكينة ووقار ويدعو في توجهه بما هو معروف. وينبغي للإمام إذا قرب من الزوال أن يصعد المنبر ويأخذ في الخطبة بقدر ما إذا فرغ منها تزول الشمس. فإذا زالت نزل فصلا بالناس، ويفصل بين الخطبتين بجلسة وبقراءة سورة خفيفة. ولا يجوز أن يكون الإمام أجذم أو أبرص أو مجنونا بل يكون مسلما مؤمنا عدلا غير فاسق، ويستحب له أن يلبس العمامة شاتيا أو قايظا ويتردا ببرد يمنية، و إذا اختل شئ مما وصفناه من صفات الإمام سقط فرض الجمعة وكان الفرض الظهر مثل ساير الأيام فإن حضر ليصلي خلف من لا يقتدى به جمعة فإن تمكن أن يقدم فرضه أربع ركعات فعل، وإن لم يتمكن صلى معه ركعتين. فإذا سلم الإمام قام فأضاف إليهما ركعتين أخرتين، ويكون ذلك تمام صلاته. وإذا صلى الإمام بالناس ركعتين جهر فيهما بالقراءة ويقرأ في الأولى منهما الحمد وسورة الجمعة، وفي الثانية الحمد والمنافقين، ويقنت قنوتين: أحدهما في الركعة الأولى قبل الركوع، والثاني في الركعة الثانية بعد الركوع، ومن صلى وحدة استحب له أيضا أن يقرء السورتين اللتين ذكرناهما في الظهر والعصر. فإن سبق إلى غيرهما. ثم ذكر عاد إليهما ما لم يتجاوز فيما أخذ نصف السورة فإن تجاوز نصفها تمم الركعتين واحتسب بهما نافلة، واستأنف الفريضة بالسورتين هذا هو الأفضل. فإن لم يفعل و قرأ غيرهما كانت الصلوة ماضية، ويكون ترك الأفضل، ومن صلى الظهر فليس عليه إلا قنوت واحد، ويستحب له أن يجهر بالقراءة، ولا بأس أن يجمع المؤمنون في زمان التقية بحيث لا ضرر عليهم فيصلون جمعة بخطبتين. فإن لم يتمكنوا من الخطبة صلوا جماعة ظهرا أربع ركعات، والصلوة يوم الجمعة في المسجد الأعظم أفضل منها في المنزل، وإن لم يكن هناك إمام يقتدى به، ويكره الأذان لصلوة العصر يوم الجمعة بل ينبغي إذا فرغ من فريضة الظهر أن يقيم للعصر، ويصلي إماما كان أو مأموما.

[ 152 ]

* (كتاب صلوة الجماعة) * صلوة الجماعة فيما عدا الجمعة سنة مؤكدة في جميع الصلوات، وليست بفرض لا على الأعيان، ولا على الكفايات فمن فعلها جماعة فقد فضلت صلاته على صلوة المنفرد بخمس وعشرين صلوة، ومن صلى منفردا جازت صلوته وفاته الفضل، وأقل ما ينعقد به الجماعة اثنان فصاعدا وأكثره لا حصر له، وكلما كثروا كان أفضل والظاهر من المذهب أن الجماعة لا تنعقد جماعة إلا بشرط تقديم الأذان والإقامة، وفي أصحابنا من قال: إن ذلك من الفضل دون الوجوب. إذا صلى في مسجد جماعة كره أن يصلى فيه دفعة أخرى جماعة تلك الصلاة فإن حضر قوم صلوا فرادى، وروي صحة ذلك غير أنهم لا يؤذنون ولا يقيمون، ويجتزون بما تقدم من الأذان والإقامة. هذا إذا لم يكن الصف قد انفض. فإن انفض جاز لهم أن يؤذنوا ويقيموا، ولا ينبغي أن يترك صلوة الجماعة إلا لعذر عام أو خاص. فالعام المطر والوحل والرياح الشديدة وما أشبه ذلك، وهذه الأعذار في الجماعة هي أعذار في ترك الجمعة لقول النبي صلى الله عليه وآله إذا ابتلت النعال فالصلوة على الرحال قال الأصمعي: النعال وجه الأرض الصلبة، والعذر الخاص المرض، والخوف، ومدافعة الأخبثين، وحضور الطعام مع شدة الشهوة أو فوات رفقة أو هلاك طعام له من طبيخ أو خبز يخاف احتراقه أو خوف ضرر يلحقه دينا أو دنيا أو يكون له عليل أو يغلبه النعاس فيخاف في انتظار الجماعة عليه النوم وانتقاض الطهر فتفوته الصلوة أو ذهاب مال أو إباق عبد وما أشبه ذلك فإن عند جميع ذلك يجوز له التأخير لقوله عليه السلام: ما جعل عليكم في الدين من حرج. ويجوز للمنتفل أن يأتم بالمفترض، والمفترض بالمنتفل والمفترض بالمفترض مع اختلاف فرضيهما، ومع اتفاقهما إذا رأى رجلين يصليان فرادى فنوى أن يأتم بهما لم يصح صلوته لأن الاقتداء بإمامين لا يصح، وإذا نوي أن يأتم بأحدهما لا بعينه

[ 153 ]

لم يصح لأنه إذا لم يعرف إمامه لم يمكنه الايتمام به فإذا رأى رجلين أحدهما إمام فنوى الاقتداء بالمأموم لم يصح لأن الإمام هو الذي يتبع ولا يتبع المأموم، وكذلك إذا نوى الايتمام بالامام ثم بان أن المأموم كان قد خالف سنة الموقف ووقف مكان الإمام لا تصح صلوته لأنه بان أنه ائتم بمن لا يصح أن يكون إماما. وإذا صلى رجلان فذكر كل واحد منهما أنه إمام صحت صلوتهما، وإن ذكر كل واحد منهما أنه مأموم بطلت صلوتهما، وإن شكى فلم يعلم كل واحد منهما أنه إمام أو مأموم لم يصح أيضا صلوتهما لأن الصلوة لا تنعقد إلا مع القطع. يكره للإمام أن يطول صلوته انتظارا لمن يجئ فيكثر به الجماعة أو ينتظر من له قدر فإن أحس بداخل لم يلزمه التطويل ليلحق الداخل الركوع، وقد روي أنه إذا كان راكعا يجوز أن يطول ركوعه مقدار الركوع دفعتين ليلحق الداخل تلك الركعة. يكره إمامة من يلحن في قرائته سواء كان في الحمد أو غيرها أحال المعنى أو لم يحل إذا لم يحسن إصلاح لسانه. فإن كان يحسن ويتعمد اللحن فإنه تبطل صلاته و صلوة من خلفه إن علموا بذلك، وإن لم يعلموا لم تبطل صلوتهم، وإنما قلنا: ذلك لأنه إذا لحن لم يكن قاريا للقرآن لأن القرآن ليس بملحون. ويكره الصلوة خلف التمتام ومن لا يحسن أن يؤدي الحرف، وكذلك إلفافا والتمتام: هو الذي لا يؤدي التاء. وإلفافا: هو الذي لا يؤدي الفاء، وكذلك لا يأتم بأرث ولا ألثغ ولا أليغ. فالارث: الذي يلحقه في أول كلامه ريح فيتعذر عليه. فإذا تكلم انطلق لسانه. والألثغ: الذي يبدل حرفا مكان حرف. والأليغ: هو الذي لا يأتي بالحروف على البيان والصحة، وإذا أم أعجمي لا يفصح بالقراءة أو عربي بهذه الصفة كرهت إمامته، ولا يأتم رجل بامرأة ولا خنثى لأن الخنثى يجوز أن يكون امرأة فإن ثبت أنه رجل جاز، وإن ثبت أنها امرأة لم يجز، ولا يجوز أن يأتم الخنثى بخنثى لأنه لا يجوز أن يكون الإمام امرأة والمأموم رجلا فلا يصح صلوته ويجوز أن تأتم المرأة بالرجل وبخنثى لأنه يجوز لها أن تأتم بالرجل والمرأة، ولا بأس أن يأتم الرجل بجماعة النساء وإن لم يكن له فيهن محرم، ولا يجوز أن يأتم

[ 154 ]

بفاسق ولا مخالف في اعتقاد الحق من القول بالتوحيد والعدل والنبوة وإمامة الاثني عشر على اختلاف مذاهبهم وآرائهم، ولا بمن يوافقه في الاعتقاد إذا لم يكن عدلا مرضيا لأن إمامة الفاسق غير جايزة، ولا يأتم القارئ بالأمي، وحد الأمي من لا يحسن قراءة الحمد ويجوز أن يأتم أمي بأمي فإن صلى أمي بقارئ بطلت أيضا صلوة القارئ و صحت صلوة الأمي فإن صلى بقارئ وأمي بطلت أيضا صلوة القارئ وحدة وصحت صلوة الإمام والمأموم الأمي. من صلى خلف رجل ثم تبين أنه كان كافرا لم تجب عليه الإعادة، ولأنه يحكم على المصلي بالاسلام سواء صلى منفردا أو في جماعة في مسجد كان أو في بيته، ولا يحكم بارتداده إذا قال: لم أسلم لأن الحكم بهما يحتاج إلى دليل. من صلى بقوم بعض الصلوة ثم سبقه الحدث فاستخلف فأتم الثاني الصلوة جاز ذلك. ويستحب أن لا يستخلف إلا من شهد الإقامة، وإن استخلف غيره كان جايزا فإن استخلف من سبق بركعة صلى بهم تمام ما بقي لهم ويؤمى إليهم ليسلموا ويقوم هو فيتمم الصلوة لنفسه فإن لم يعلم كم فاتته مع الإمام نبهه عليه من خلفه بالايماء، وإذا صلى بقوم وهو محدث أو جنب ولا يعلم حال نفسه، ولا علم المأموم ذلك، ثم علم في أثناء الصلوة خرج واغتسل أو توضأ، وأعاد الصلوة من أولها لأنه صلى بغير طهارة ولا يلزم المأمومين استيناف الصلوة بل صلوتهم تامة إن لم يعلموا فإن علموا حاله كانت صلوتهم أيضا باطلة، وعليهم استينافه. المراهق إذا كان عاقلا مميزا يصلي صلوة صحيحة جاز أن يكون إماما، وإن لم يكن مميزا عاقلا لم يجز ذلك، ولا يتقدم أحد على غيره في مسجده ولا في منزله ولا في إمارته إلا بأمره وإذنه. فإن أذن له جاز له ذلك إذا كان يصلح للإمامة، وإذا حضر رجل من بني هاشم فهو أولى بالتقدم إذا كان ممن يحسن القراءة، ويكره أن يؤم المتيمم المتوضين، وكذلك يكره أن يؤم المسافر الحاضرين فإن فعل صحت صلوتهم وسلم وقدم من يصلي بهم تمام الصلوة، وإن صلى مسافر خلف مقيم صلى فرضه و

[ 155 ]

انصرف، ولا يلزمه الاتمام، ولا يحوز أن يؤم ولد الزنا ولا الأعرابي المهاجرين، ولا العبيد الأحرار، ويجوز أن يؤم العبد بمواليه إذا صلح للإمامة، ويجوز أن يؤم الأعمى بالمبصر إذا كان من ورائه من يسدده ويوجهه إلى القبلة، ولا يؤم المجذوم والأبرص والمحدود والمجنون من ليس كذلك، ويجوز إمامته بمن كان مثله، ولا يؤم المقيد المطلقين، ولا صاحب الفالج الأصحاء، ولا يصلى خلف الناصب، ولا خلف من يتولى أمير المؤمنين إذا لم يتبرء من عدوه، ولا يؤم العاق أبويه ولا قاطع الرحم ولا السفيه ولا الأغلف. المأموم إذا كان واحدا وقف عن يمين الإمام فإن وقف على يساره أو ورائه لم تبطل صلوته وإن كان ترك الأفضل، وإن صلى قدامه بطلت صلوته دون صلوة الإمام فإن كانا اثنين وقفا خلفه فإن لم يفعلا ووقفا عن يمينه وشماله لم تبطل صلوتهما. المرأة تقف خلف الإمام وكذلك الخنثى المشكل أمره. فإن اجتمع امرأة وخنثى وقف الخنثى خلف الإمام، والمرأة خلف الخنثى فإن اجتمع رجال ونساء وخناثا و صبيان وقف الرجال وراء الإمام. ثم الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء، ولا يمكن الصبيان من الصف الأول، وأما جنايزهم فإنه يترك جنازة الرجال بين يدي الإمام ثم جنايز الصبيان. ثم جنايز الخناثى، ثم النساء فأما دفنهم فالأولى أن يفرد لكل واحد منهم قبر لما روي عنهم عليه السلام أنه لا يدفن في قبر واحد اثنان. فإن دعت الضرورة إلى ذلك جاز أن يجمع اثنان وثلاثة في قبر واحد كما فعل النبي صلى الله عليه وآله يوم أحد فإذا اجتمع هؤلاء جعل الرجال مما يلي القبلة والصبيان بعدهم. ثم الخناثى. ثم النساء، و إذا دخل المسجد وخاف فوت الركوع مع الإمام جاز أن يحرم ويركع مكانه، وينتظر مجئ من يقف معه، فإن لم يجئ أحد جاز له أن يمشي في ركوعه حتى يلحق بالصف وإن سجد في موضعه. ثم لحق بالصف في الركعة الثانية كان أفضل. من صلى قدام الإمام فقد قلنا: إنه لا تصح صلوته لأنه لا دليل على صحتها، فإن وقف في طرف المسجد والإمام في طرف آخر ولم يتصل الصفوف بينه وبين الإمام أو فوق سطح المسجد أجرأه ما لم يحل بينه وبين الإمام حايل أو بين الصفوف وبينه ذلك، ولا يجوز أن

[ 156 ]

يكون الإمام على موضع أعلى من موضع المأموم، ويجوز أن يكون المأموم على مكان أعلى منه. من صلى خارج المسجد، ولم يحل بينه وبين الإمام حايل أو بينه وبين الصفوف المتصلة المشاهدة للإمام ذلك، ولا بعد مفرط صحت صلوته، ومتى بعد ما بينهما لم تصح صلوته، وإن علم بصلوة الإمام. وحد البعد ما جرت العادة بتسميته بعدا وحد قوم ذلك بثلاث مائة ذراع، وقالوا على هذا إن وقف وبينه وبين الإمام ثلاث مائة ذراع. ثم وقف الآخر وبينه وبين هذا المأموم ثلاث مائة ذراع وثم على هذا الحساب، والتقدير بالغا ما بلغوا صحت صلوتهم قالوا: وكذلك إذا اتصلت الصفوف في المسجد. ثم اتصلت بالأسواق والدروب والدور بعد أن يشاهد بعضهم بعضا، ويرى الأولون الإمام صحت صلوة الكل، وهذا قريب على مذهبنا أيضا، والشارع ليس بحائل يمنع الايتمام بصلوة الإمام لأنه لا دليل عليه. الحايط وما يجري مجراه مما يمنع من مشاهدة الصفوف يمنع من صحة الصلوة والاقتداء بالامام، وكذلك الشبابيك والمقاصير يمنع من الاقتداء بإمام الصلوة إلا إذا كانت مخرمة لا يمنع من مشاهدة الصفوف. الصلوة في السفينة جماعة جايزة، وكذلك فرادى سواء كان الإمام في سفينة واحدة أو في سفن كثيرة، وسواء كانت مشدودة بعضها إلى بعض أو لم يكن كذلك لا فرق بين أن يكون الإمام على الشط والمأمومون في السفينة أو الإمام في السفينة والمأمومون على الشط إذا لم يحل بينهما حائل لأن ما روي من جواز الصلوة في السفينة عام في جميع الأحوال. إذا كانت دار بجنب المسجد كان من يصلي فيها لا يخلوا من أن يشاهد من في المسجد والصفوف أو لا يشاهد فإن من هو داخل المسجد صحت صلوته وإن لم يشاهد غير أنه اتصلت الصفوف من داخل المسجد إلى خارج المسجد واتصلت به صحت صلوته أيضا وإلا لم تصح وإن كان باب الدار بحذاء باب المسجد عن يمينه أو عن يساره واتصلت الصفوف من المسجد إلى داره صحت صلوتهم فإن كان قدام هذا الصف في داره صف لم تصح صلوة من كان قدامه، ومن صلى خلفهم صحت صلوتهم سواء كان على الأرض أو في غرفة منها لأنهم مشاهدون الصف المتصل بالامام.

[ 157 ]

والصف الذي قدامه لا يشاهدون الصف المتصل بالامام. يستحب أن ينتظر الإمام الذي جرت عادته بالصلوة في المسجد فإن خيف فوت الوقت أو فوت الفضل جاز تقديم غيره. من فارق الإمام لغير عذر بطلت صلوته، وإن فارقه لعذر وتمم صلوته صحت صلوته ولا يجب عليه إعادتها. شرايط إمام الصلوة خمسة: القراءة والفقه والشرف والهجرة والسن. فالقراءة والفقه مقدمان، والقراءة مقدمة على الفقه إذا تساويا في الفقه، ويعني بالقراءة القدر الذي يحتاج إليه في الصلوة فإذا تساويا في القراءة قدم الأفقه. فإن كان أحدهما فقيها لا يقرأ والآخر قارئ لا يفقه. فالقارئ أولى لأن القراءة شرط في صحة الصلوة والفقه ليس بشرط، وإن كان أحدهما يقرأ ما يكفي في الصلوة لكنه أفقه، والآخر كامل القراءة وغير كامل الفقه لكنه معه من الفقه ما يعرف معه أحكام الصلوة جاز تقديم أيهما كان. فإن تساويا في الفقه والقراءة قدم الأشرف. فإن تساويا في الشرف قدم أقدمهما هجرة فإن تساويا في الهجرة قدم أسنهما ويريد بذلك من كان سنه في الاسلام أكثر لأنه لو أسلم كافر وله تسعون سنة وهناك من له ثمانون سنة مسلما لم يقدم الأسن فإن تساويا في ذلك قدم أصبحهما وجها. يجوز للمرأة أن تؤم النساء في الفرايض والنوافل، وتقوم وسطهن، ولا تبرز من الصف فإن كثر النساء وقفن صفوفا مثل الرجال. ويكره للرجل أن يصلي بقوم وهم له كارهون. وقت القيام إلى الصلوة عند فراغ المؤذن من كمال الأذان، وكذلك وقت الاحرام بها وقت الفراغ منه على التمام. ليس من شرط صلوة الإمام أن ينوي أنه يصلي بقوم نساء كانوا أو رجالا، ويجب على المأموم أن ينوي الايتمام. إذا ابتداء الانسان بصلوة نافلة ثم أحرم الإمام بالفرض فإن علم أنه لا يفوته الإمام في الجماعة تمم صلوته وخففها، وإلا قطعها ودخل معه في الصلوة، وإن كانت فريضة كمل ركعتين وجعلهما نافلة وسلم ودخل مع الإمام في الصلوة فإن لم يمكنه قطعها هذا إذا كان مقتديا به فإن لم يكن مقتديا به دخل معه

[ 158 ]

في الصلوة من غير أن يقطعها. فإذا تمم صلوة نفسه سلم إيماء وقام فصلى مع الإمام بقية صلوته واحتسبها نافلة. وإذا صلى خلف من يقتدى به لا يجوز أن يقرأ خلفه سواء كانت الصلوة يجهر فيها أو لا بل يسمع وينصت إذا سمع القراءة. فإن كانت بما لا يجهر فيها سبح مع نفسه وحمد الله تعالى، وإن كانت يجهر فيها وخفى عليه القراءة قرأ لنفسه، وإن سمع مثل الهمهمة أجزأه، وإن قرأ في هذه الحال كان أيضا جايزا. ويستحب أن يقرأ الحمد فيما لا يجهر فيها بالقراءة، وإن لم يقرأها كانت صلوته صحيحة لأن قراءة الإمام مجزية عنه، وإذا صلى خلف من لا يقتدى به قرأ على كل حال سمع القراءة أو لم يسمع. فإن كان في حال تقية أجزأه من القراءة مثل حديث النفس، ولا يجوز أن يترك القراءة على حال، وإن لم يقرأ أكثر من الحمد وحدها كان جايزا، ولا يجوز أقل منها، وإذا فرغ المأموم من القراءة قبل الإمام سبح مع نفسه. ويستحب أن يبقي آية من السورة فإذا فرغ الإمام قرأ تلك الآية وركع عن قرائة. ومن صلى بقوم إلى غير القبلة متعمدا كانت عليه إعادة الصلوة، ولم يكن عليهم ذلك إذا لم يكونوا عالمين. فإن علموا ذلك كان عليهم أيضا الإعادة، ومتى لم يعلم الإمام والمأموم ذلك أعادوا إن بقي الوقت، وإن فات الوقت وكانوا صلوا مستدبري القبلة أعادوا أيضا فإن كانت يمينا وشمالا لم يكن عليهم شئ، ومتى مات الإمام فجأة نحي عن القبلة وتقدم من يتم بهم الصلوة، ومن نحاه فإن باشر جسمه وقد برد بالموت بطلت صلوته وعليه الغسل وإعادة الصلوة، ومن لحق بتكبيرة الركوع فقد أدرك تلك الركعة فإن خاف فوت الركوع أجزأه تكبيرة واحدة عن الاستفتاح والركوع إذا نوى به الاستفتاح. فإن نوى به تكبيرة الركوع لم تصح صلاته، ومن فاتته ركعة مع الإمام جعل ما يلحق معه أول صلوته فإذا سلم الإمام قام فتمم ما فاته مثال ذلك: من صلى مع الإمام الظهر أو العصر وفاتته ركعتان قرأ في الركعتين معه الحمد وسورة إن تمكن فإن لم يمكنه اقتصر

[ 159 ]

على الحمد وحدها. ثم صلى بعد تسليم الإمام ركعتين يقرأ فيهما الحمد وحدها، و يسبح وإن فاتته ركعة قرأ في الثانية الحمد وسورة وجلس مع الإمام في التشهد الأول تبعا له ولا يعتد به ويحمد الله ويسبحه فإذا قام الإمام إلى الثالثة قام إليها وكانت ثانية له. فإذا صلى الإمام الثالثة جلس هو للتشهد، وتشهد تشهدا خفيفا، ثم يلحق به في الرابعة للإمام وتكون ثالثة له فإذا جلس للتشهد الأخير جلس معه يحمد الله تعالى ويسبحه. فإذا سلم الإمام قام فأضاف إليها ركعة وتشهد وسلم، وينبغي ألا يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام فإن رفع رأسه ناسيا عاد إليه ليكون رفعه مع رفع الإمام وكذلك القول في السجود وإن فعل ذلك متعمدا لم يجز له العود إليه أصلا بل يقف حتى يلحقه الإمام هذا إذا كان مقتديا به فإن لم يكن مقتديا به لم يجز له العود إليه على كل حال لأنه يزيد في صلوته، ومن أدرك الإمام وقد رفع رأسه من الركوع استفتح الصلوة وسجد معه السجدتين ولا يعتد بهما، وإن وقف حتى يقوم الإمام إلى الثانية كان له ذلك فإن أدركه في حال التشهد استفتح وجلس معه فإذا سلم الإمام قام واستقبل القبلة، ولا يجب عليه إعادة تكبيرة الاحرام، وتسليمة الإمام في الصلوة مرة واحدة تجاه القبلة يشير بعينه إلى يمينه، ولا ينبغي أن يزول من مكانه حتى يتم من فاته شئ من الصلوة صلوته. ويستحب للإمام أن يسمع من خلفه الشهادتين في جميع الصلوات، وليس عليهم أن يسمعوه ذلك، ولا يجوز لمن يصلي الظهر أن يصلي مع الإمام العصر ويقتدي به. فإن نوي أنها ظهر له، وإن كان عصرا للإمام جاز له ذلك. من صلى وحدة ولحق جماعة جاز له أن يعيدها مرة أخرى تلك الصلوة سواء كان إماما أو مأموما، ويكون الأولى فرضه والثانية إما أن ينوي بها فائتة وهو الأفضل أو ينوي بها تطوعا فإنها تكون على ما نوى سواء كانت ظهرا أو عصرا أو مغربا أو العشاء الآخرة، أو الفجر، ولا يقف في الصف الأول الصبيان والعبيد والمخانيث، وينبغي أن يكون بين الصفين مقدار مربض عند ولا بأس أن يقف الرجل وحدة في صف إذا امتلأت الصفوف. فإن كان في الصف فرجة كره له ذلك، ويجوز الوقوف بين الأساطين. ويكره وقوف

[ 160 ]

الإمام في المحراب الداخل في الحايط، ولا تفسد ذلك الصلوة، وقد رخص ذلك للنساء أن يصلين مع الإمام من وراء الحوايل. ولا يجوز أن يكون الإمام على موضع مرتفع مثل سقف أو دكة عالية، وما أشبه ذلك، والمأمومون أسفل منه، وإن كان على أرض عالية منحدرة جاز أن يكون أعلى منهم، ويجوز للمأموم أن يقف على موضع عالي، وإن كان الإمام في موضع أسفل منه، ويجوز أن يسلم المأموم قبل الإمام وينصرف في حوائجه عند الضرورة، وليس عليه الوقوف لتعقيب الإمام، ولا يجوز للجالس أن يؤم بقيام فإن كانوا كلهم جلوسا جاز ذلك غير أنه لا يتقدمهم إلا بركبتيه إذا كانوا عراة، وإذا أقيمت الصلوة فلا يجوز أن يصلي النوافل إذا كان الإمام مقتديا به فإن لم يكن كذلك كان جايزا، وموقف النساء خلف الرجال، وإن كانت الصفوف كثيرة وقفن صفا مفردا فإن وقفن كذلك ودخل جماعة من الرجال تأخرن قليلا حتى يقف الرجال قدامهن، ومن صلى خلف من لا يقتدى به فقرأ سجدة العزائم ولم يسجد الإمام سجد إيماءا وقد أجزأه. بناء المساجد فيه فضل كثير وثواب جزيل ويكره تعلية المساجد بل يبنى وسطا ويكره أن تكون مظلة، ويستحب أن تكون مكشوفة، ولا يجوز أن تكون مزخرفة أو مذهبة أو فيها شئ من التصاوير ولا تبنى المساجد بشرافات بل تبنى جما، ولا تبنى المنارة في وسط المسجد بل تبنى مع حايط المسجد لا تعلى عليه، ويكره المحاريب الداخلة في الحايط، وتجعل الميضاة على أبواب المساجد دون داخلها، وإذا استهدم مسجد استحب نقضه وإعادته إذا أمكن وكان بحيث ينتابه (1) الناس فيصلون فيه، ولا بأس باستعمال آلته في إعادته أو في بناء غيره من المساجد، ولا يجوز بيع آلته بحال، ولا يؤخذ من المساجد في الملك، ولا في الطريق، ويكره أن يتخذ المسجد طريقا إلا عند الضرورة. ومن أخذ شيئا من آلة المسجد فعليه أن يرده إليه أو إلى غيره من المساجد و إذا انهدم المسجد وخرب ما حوله لا يعود ملكا، ويجوز نقض البيع والكنايس واستعمال آلتها في المساجد إذا اندرس أهلها أو كانت في دار حرب. فأما إذا كان لها أهل من الذمة

(1) ينتابه: قصده مرة بعد أخرى.

[ 161 ]

يؤدون الجزية ويقومون بشرائط الذمة ولا يجوز ذلك، ويجوز أن تبنى مساجد، ولا يجوز اتخاذهما ملكا ولا استعمال آلتهما في الأملاك. وتجنب المساجد البيع والشراء والمجانين والصبيان والأحكام، والضالة، وإقامة الحدود، وإنشاد الشعر، ورفع الأصوات فيها، وعمل الصنايع فيها. ولا يجوز إزالة النجاسة في المساجد ولا الاستنجاء من البول والغايط فيها، و غسل الأعضاء في الوضوء لا بأس به فيها. ويكره النوم في المساجد كلها وخاصة في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله و إذا احتلم في أحد هذين المسجدين تيمم في مكانه وخرج واغتسل، وليس عليه ذلك في غيرها، ويستحب كنس المساجد وتنظيفها. ويكره إخراج الحصى منها فمن أخرجها ردها إليها أو إلى غيرها من المساجد. ويستحب الاسراج في المساجد كلها، ومن أكل شيئا من الموذيات مثل الثوم والبصل وما أشبههما نيا فلا يحضر المسجد حتى تزول رائحته، وإن كان مطبوخا لا رايحة له لم يكن به بأس، وإذا أراد دخول المسجد ينبغي أن يتعاهد نعله أو خفه أو غير ذلك لئلا يكون فيها شئ من النجاسة، ثم يقدم رجله اليمنى قبل اليسرى، ويقول: اللهم صل على محمد وآل محمد وافتح لنا باب رحمتك واجعلنا من عمار مساجدك، وإذا خرج قدم رجله اليسرى قبل اليمنى، وقال: اللهم صل على محمد وآل محمد وافتح لنا باب فضلك، ولا ينبغي أن يتنعل وهو قايم بل يجلس ويلبسهما، ولا يبصق ولا يتنخم في شئ من المساجد. فإن فعل غطاه بالتراب، ولا يقصع القمل في المساجد فإن خالف دفنها في التراب. ويكره سل السيف وبري النبل، وساير الصناعات في المساجد، ولا يكشف عورته في شئ من المساجد، ويستحب أن يستر ما بين السرة والركبة، ولا يرمي الحصى خدفا

[ 162 ]

ولا يجوز نقض شئ من المساجد إلا إذا استهدمت، ومن كان في داره مسجد قد جعله للصلوة جاز له تغييره وتبديله وتوسيعه وتضييقه حسب ما يكون أصلح له وأراده، و إذا بنى مسجدا خارج داره في ملكه فإن نوى به أن يكون مسجدا يصلى فيه كل من أراده زال ملكه عنه، وإن لم ينو ذلك فملكه باق عليه سواء صلي فيه أو لم يصل، ولا يدفن الميت في المساجد، ويجوز أن يبنى مسجدا على بئر غايط إذا طم وانقطعت الرايحة ولا يجوز ذلك مع الرايحة، وصلاة المكتوبة في المسجد أفضل منها في المنزل، وصلاة النوافل في المنزل أفضل وخاصة نوافل الليل.

[ 163 ]

* (كتاب صلوة الخوف) * صلوة الخوف على ضربين: أحدهما: صلوة الخوف، والثاني: صلوة شدة الخوف وهو الذي يسميه أصحابنا صلوة المطاردة والمسايفة، فصلوة الخوف غير منسوخة بل فرضها ثابت، ولا يجوز إلا بثلاثة شرايط: أحدها: أن يكون العدو في غير جهة القبلة بحيث لا يتمكن من الصلوة حتى يستدبر القبلة أو يكون عن يمينه وشماله. والثاني: خوف العدو أن يتشاغلوا بالصلوة أكبوا عليهم، ولا يأمنون كثرتهم وغدرهم. والثالث: أن يكون في المسلمين كثرة إذا افترقوا فرقتين كل فرقة تقاوم العدو حتى تفرغ الأخرى من صلوتها، وإذا ثبتت هذه الشروط قصرت الصلوة وصلت ركعتين واختلف أصحابنا. فظاهر أخبارهم تدل على أنها يقصر مسافرا كان أو حاضرا، ومنهم من قال: لا يقصر إلا بشرط السفر (1) والإمام والمأموم سواء في أنه يجب عليهما ركعتين في جميع الصلوة إلا المغرب فإنها ثلاث ركعات على كل حال، وكيفيتها أن يفترق القوم فرقتين: فرقة تقف بحذاء العدو، وفرقة أخرى تقوم إلى الصلوة، ويتقدم الإمام فيستفتح بهم الصلوة، ويصلي ركعة فإذا قام إلى الثانية وقف قايما يقرأ ويطول قرائته ويصلون الذين خلفه الركعة الثانية، وينوون الانفراد بها ويتشهدون ويسلمون ويقومون إلى لقاء العدو، ويجئ الباقون فيقفون خلف الإمام، ويفتتحون الصلوة بالتكبير، ويصلي الإمام الركعة الثانية بهم، وهي أولة لهم. فإذا جلس في تشهده قاموا هم إلى الركعة الثانية لهم فيصلونها، فإذا فرغوا منها تشهدوا. ثم يسلم بهم

(1) قال في مصباح الفقيه بعد ذكر كلام المصنف، وهي مقصورة سفرا وفي الحضر: وقيل، لا كما عن الشيخ في المبسوط، وعن الشهيد أنه نسبه إلى ظاهر جماعة من الأصحاب، وعن المصنف في المعتبر أنه نقل عن بعض الأصحاب قولا بأنها إنما تقصر في السفر خاصة.

[ 164 ]

الإمام، وإن كانت الصلوة صلوة المغرب صلى بالطائفة الأولى ركعة على ما قدمناه ويقف في الثانية ويصلون هم ما بقي لهم من الركعتين ويخففون فيها فإذا سلموا انصرفوا إلى لقاء العدو وجاء الباقون فاستفتحوا الصلوة بالتكبير، وصلى بهم الإمام الثانية له، وهي أولة لهم فإذا جلس في تشهده الأول جلسوا معه، وذكروا الله فإذا قام إلى الثالثة له قاموا معه، وهي ثانية لهم فيصليها فإذا جلس للتشهد الثاني جلسوا معه وتشهدوا وهو أول تشهد لهم وخففوا. ثم قاموا إلى الثالثة لهم فيصلونها فإذا جلسوا للتشهد الثاني لهم وتشهدوا سلم بهم الإمام، وقد بينا أن الطايفة الأولى ينبغي أن تنوي مفارقة الإمام عند القيام إلى الثانية فإذا فعلت ذلك وسهت الطايفة الأولى بعد مفارقة الإمام لحقها حكم سهوها، وإن رفع الإمام رأسه من السجدة الأخير من الركعة الأولى ولم يقم إلى الثانية بل جلس فلا يخلو أن يكون ذلك سهوا أو عمدا فإن كان لسهو لحقه حكم سهوه دون الطايفة الأولى لأنها برفع الرأس قد فارقته، وإن كان عامدا فلا يخلو أن يكون لعلة أو لغير علة فإن كان لعلة فصلاته وصلوة من يصلي معه صحيحة، وإن كان لغير عذر فقد بطلت صلوته ولا تبطل صلوة الطائفة الأولى لأنها فارقته حين رفع الرأس، ومتى جاءت الطائفة الأخرى فاقتدت به وهو جالس لعلة صحت صلوة الجميع، وإن كان لغير عذر [ علة خ ل ] وكانت عالمة بحاله بطلت صلوتها، و إن لم تعلم بحالة صحت صلوتها وبطلت صلوته هو. وينبغي أن يكون الطائفتان ثلاثة ثلاثة وصاعدا فإن كان واحدا واحدا صح ذلك أيضا لأن اسم الطائفة تقع على الواحد وعلى الجماعة. ذكر ذلك الفراء. وصلوة المغرب مخير بين أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة واحدة وبالأخرى ثنتين، وبين أن يصلي بالأولى ثنتين وبالأخرى واحدة كل ذلك جايز، وأخذ السلاح واجب على الطائفة لقوله تعالى (وليأخذوا أسلحتهم) (1) والسلاح الذي يحمله ينبغي أن يكون خاليا من نجاسة فإن كان عليه ريش ما لا يؤكل لحمه مثل النسر والعقاب فلا بأس به، ويكره أن يكون ثقيلا لا يتمكن معه من الصلوة والركوع والسجود

(1) النساء 102.

[ 165 ]

كالجوشن الثقيل والمغفر السائغ لأنه يمنع من السجود على الجبهة، وينبغي أن يحمل مثل السيف والسكين والقوس وعنزة والرمح. فإن كان عليه شئ من النجاسة لم يكن به بأس لأنه لا يتم الصلوة فيه منفردا، وحمل الرمح إنما يجوز إذا كان في طرف الصفوف لأنه لا يتأذى به أحد فإن كان في وسط الصفوف كره له ذلك لأنه يتأذى به الناس إذا أصاب السيف الصقيل نجاسة فمسح ذلك بخرقة فمن أصحابنا من قال: إنه يطهر ومنهم من قال، إنه لا يطهر غير أنه تجوز الصلوة فيه لأنه لا يتم الصلوة فيه منفردا. إذا سهى الإمام بما يوجب سجدتي السهو في الركعة الأولى مع الطائفة الأولى فإذا فرغت هذه الطائفة من تمام صلوتها كان عليها أن تسجد سجدتي السهو لسهو الإمام فإن كانت سهت في الركعة التي صلت مع الإمام لم يعتد بذلك السهو، وإن سهت في الركعة التي ينفرد بها لزمها سجدتا السهو. فإذا اجتمع سهوها في حال الانفراد مع سهو الإمام في الأولى أجزأها سجدتا السهو دفعة واحدة لأنه مجمع على وجوبهما، ولا دليل على ما زاد عليه، وإن قلنا: إنها تسجد لكل سهو سجدتين كان أحوط لعموم الأخبار. وأما الطائفة الثانية إذا صلت مع الإمام، وكان الإمام قدمها في الأولى فإذا سلم بهم الإمام وسجد سجدتي السهو لم يجب عليها اتباعه فيه، وإن تبعته كان أحوط. وإن سهى الإمام في الركعة التي يصلي بهم فإذا سجدهما تبعوه على ذلك، ومتى سهت هذه الطايفة فيما ينفرد به. فإذا سلم بهم الإمام سجدوهم لنفوسهم سجدتي السهو ولا يجب على الإمام متابعتهم على ذلك، ومتى سهت في الركعة التي تصلي مع الإمام لم يلزمها حكم ذلك السهو ولا يجب عليها شئ. وإذا احتاج الإمام أن يفرق الناس أربع فرق في أربع وجوه لا يمكنه أن يصلي بهم صلوة واحدة لأن صلوة الخوف قد بينا أنها ركعتان فإذا كان كذلك صلى الركعتين بفرقتين. ثم يعيدها فتكون نفلا له وفرضا للباقين على الترتيب الأول سواء. هذا الترتيب كله إذا أرادوا أن يصلوا جماعة فأما إذا انفرد كل واحد منهم وصلى منفردا كانت صلاته ماضية ويبطل حكم القصر إلا في السفر.

[ 166 ]

فأما صلوة شدة الخوف فيكون في حال المسايفة والمعانقة، ويصلي إيماء كيف أمكنه مستقبل القبلة وغير مستقبل القبلة راكبا كان أو ماشيا، وعلى كل حال غير أنه يستقبل القبلة بتكبيرة الاحرام، وإن أمكنه أن يسجد على قربوس السرج فعل، وإن لم يمكنه وصلى إيماء جعل سجوده أخفض من ركوعه في جميع الأحوال، وعند المطاعنة والمضاربة، ولا إعادة عليه، ولا يجوز له تأخير الصلوة حتى يخرج الوقت، وإن أخرها إلى آخر الوقت كان جايزا، ومتى زاد الخوف ولا يمكنه الايماء أيضا أجزأه عن كل ركعة تسبيحة واحدة، وهي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام ليلة الهرير، ومتى صلى ركعة مع شدة الخوف. ثم أمن نزل وصلى بقية صلوته على الأرض، وإن صلى على الأرض آمنا ركعة فلحقه شدة الخوف ركب فصلى بقية صلوته إيماء ما لم يستدبر القبلة في الحالتين، وإن استدبرها بطلت صلوته واستأنفها. من رأى سوادا يظنه عدوا جاز له أن يصلي صلوة شدة الخوف إيماء ولا إعادة عليه سواء كان ما رآه صحيحا أو لم يكن كذلك لأنه لا دليل على وجوب الإعادة، ومتى كان بينهم وبين العدو خندق أو حايط وخافوا أن تشاغلوا بالصلوة أن يطموا الخندق أو ينقبوا الحايط جاز لهم أن يصلوا صلوة الخوف إيماء إذا ظنوا أنهم يطموا قبل أن يصلوا فإن ظنوا أنهم لا يطمون ولا ينقبون الحايط إلا بعد فراغهم من الصلوة لم يصلوا صلوة شدة الخوف ومتى رأوا العدو فصلوا صلوة شدة الخوف. ثم بان لهم أن بينهم خندقا أو نهرا كبيرا لا يصلون إليهم لم تجب عليهم الإعادة، ومتى كان العدو في جهة القبلة، ويكونون في مستوى الأرض لا يسترهم شئ ولا يمكنهم أمر يخاف منه، ويكون في المسلمين كثرة لا يلزمهم صلوة الخوف ولا صلوة شدة الخوف، وإن صلوا كما صلى النبي صلى الله عليه وآله بعسفان جاز فإنه قام صلى الله عليه وآله مستقبل القبلة والمشركون أمامه فصف خلف رسول الله صلى الله عليه وآله صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر فركع رسول الله صلى الله عليه وآله وركعوا جميعا ثم سجد صلى الله عليه وآله وسجد الصف الذي يلونه، وقام الآخرون يحرسونه فلما سجد الأولون السجدتين وقاموا سجدوا الآخرون الذين كانوا خلفهم. ثم تأخر الصف الذي يلونه إلى مقام الآخرين

[ 167 ]

ويقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول. ثم ركع رسول الله وركعوا جميعا في حالة واحدة. ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونه فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وآله والصف الذي يليه سجد الآخرون. ثم جلسوا جميعا وسلم بهم جميعا. وصلى بهم صلى الله عليه وآله أيضا هذه الصلوة يوم بني سليم. وإذا كان بالمسلمين كثرة يمكن أن يفترقوا فرقتين، وكل فرقة تقاوم العدو جاز أن يصلي بالفرقة الأولى الركعتين، ويسلم بهم ثم يصلي بالطائفة الأخرى، ويكون نفلا له، وهي فرض للطائفة الثانية، ويسلم بهم، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وآله ببطن النحل، وروى ذلك الحسن عن أبي بكرة إن النبي صلى الله عليه وآله هكذا صلى، وهذا يدل على جواز صلوة المفترض خلف المتنفل. وإذا أراد أن يصلي صلوة الخوف صلوة الجمعة فإنه يخطب بالفرقة الأولى، وصلى بهم ركعة، ويصلي بالثانية الركعة الثانية على ما بيناه في غير يوم الجمعة سواء لعموم الأخبار في صلوة الخوف هذا إذا كان الفرقة الأولى تبلغ عدد هم الذين تنعقد بهم الجمعة، فإن كانوا أقل من ذلك لم تنعقد بهم الجمعة يصلون الظهر غير أنهم يصلون الظهر في حال الخوف أيضا ركعتين لكن يسقط اعتبار الخطبة والعدد معا، ومتى كان في الفرقة الأولى العدد الذي تنعقد بهم الجمعة وخطب بهم. ثم انصرفوا وجاء الآخرون لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة إلا بعد أن يعيد الخطبة لأن الجمعة لا تنعقد إلا بخطبة مع تمام العدد. فإن صلى بالطايفة الأولى الجمعة كاملة لم يجز أن يصلي بالثانية جمعة فإن صلى بهم الظهر كان جايزا، وسواء كان إقامة الجمعة على هذا الوجه في مصر أو صحراء لا يختلف الحكم فيه. ومن صلى صلوة الخوف في غير الخوف كانت صلوة الإمام والمأموم صحيحة وإن تركوا الأفضل من حيث فارقوا الإمام وصاروا منفردين وسواء كان كصلوة النبي صلى الله عليه وآله بذات الرقاع أو بعسفان أو ببطن النحل، وعلى كل حال. ولا يجوز صلوة الخوف في طالب العدو لأنه ليس هناك خوف فإن طلبهم ليس بفرض، والخوف إنما يكون بمشاهدتهم أو الظن لرؤيتهم بشئ من الأمارات.

[ 168 ]

كل قتال كان واجبا مثل الجهاد أو مباحا مثل الدفع عن النفس أو عن المال جاز أن يصلى في صلوة الخوف وصلوة شدة الخوف، وكل قتال كان محظورا مثل قتال اللصوص وقطاع الطريق فلا يجوز لهم صلوة الخوف. فإن خالفوا وصلوا صلوة الخوف كانت صلوتهم ماضية لأنهم لم يخلو بشئ من أركان الصلوة، وإنما يصيرون منفردين بعد أن كانوا مأمومين، وذلك لا يبطل الصلوة، وإن صلوا صلوة شدة الخوف بالايماء و التكبيرات فإنه لا يجزيهم ويجب عليهم الإعادة لأنه لم يقم دليل على أن لهم هذه الرخصة. الفار من الزحف إذا صلى صلوة شدة الخوف وجب عليه الإعادة متى كان عاصيا بفراره فإن لم يكونوا عاصيين بأن يكونوا متحيرين إلى فئة أو منحرفين لقتال كانت صلوتهم ماضية، ويكون الفار عاصيا متى فر من اثنين فإن فر من أكثر منهما لم يكن عاصيا وجازت صلوته. فإذا خاف من سيل يلحقه أو عدو يأخذه أو سبع يفترسه ولم يقدر على التحرز منه جاز له أن يصلي صلوة الخوف. لبس الحرير محرم على جميع الأحوال على الرجال فإن فاجأته أمور لا يمكنه معها نزعه في حال الحرب لم يكن به بأس. فأما فرشه والتدثر به والاتكاء عليه فهو أيضا محرم لعموم تناول النهي له، وكذلك الحكم في الستور المعلقة كأنه محرم. فأما إذا خالطه كتان أو قطن أو خز خالص لم يكن به بأس سواء كان غالبا أو نصفين أو أقل من الابريسم فإنه يزول التحريم. فأما إذا كان جيبا أو كما أو ذيلا أو تكة أو جوربا أو قلنسوة، وما أشبه ذلك فمكروه غير محرم. لبس الذهب محرم على الرجال سواء كان خاتما أو طرازا وعلى كل حال وإن كان مموها أو يحرى عليه فيه ويكون قد اندرس وبقي أثره لم يكن به بأس

[ 169 ]

* (كتاب صلوة العيدين) * صلوة العيدين فريضة عند حصول شرايطها، وشرايطها شرايط الجمعة سواء في العدد والخطبة وغير ذلك وتسقط عمن تسقط عنه الجمعة، ومن فاتته صلوة العيد لا يلزمه قضاؤها، ومتى تأخر عن الحضور لعارض صلاها في المنزل منفردا سنة وفضيلة كما يصليها مع الإمام سواء، وقد روي أنه إن أراد أن يصليها أربع ركعات جاز (1) و من امتنع من الحضور لغير عذر مع حصول جميع شرايطها فعلى الإمام أن ينكر عليه فإن امتنع قاتله عليه، والغسل فيه مستحب، ووقته بعد طلوع الفجر إلى أن يصلى صلوة العيد، ووقت صلوة العيد إذا طلعت الشمس وارتفعت وانبسطت فإن كان يوم الفطر أصبح بها أكثر (2) لأن من المسنون يوم الفطر أن يفطر أو لا على شئ من الحلاوة ثم يصلي، وفي يوم الأضحى ألا يذوق شيئا حتى يصلي ويضحي ويكون إفطاره على شئ مما يضحى به، والوقت باق إلى زوال الشمس. فإذا زالت فقد فاتت ولا قضاء على ما بيناه. ويستحب التكبير ليلة الفطر عقيب المغرب والعشاء الآخرة، وصلوة الفجر وصلوة العيد، وليس بمسنون في غير هذه الصلوات ولا في الشوارع والأسواق ولا غيرهما. وصلوة العيدين في الصحراء أفضل مع القدرة وارتفاع الأعذار من المطر والوحل والخوف، وغير ذلك إلا بمكة فإنه يصلى بها في المسجد الحرام. وينبغي أن يتعمم الإمام شاتيا كان أو قايضا، ويخرج ماشيا مع القدرة فإن لم يتمكن جاز له الركوب. والأذان والإقامة في صلوة العيد بدعة، وينبغي أن يقتصر المؤذن على أن

(1) رواها في الاستبصار ج 1 ص 446 ح 1725 عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال: من فاتته صلاة العيد فليصل أربعا.
(2) أي لا يعجل بالخروج إلى الصلوة.

[ 170 ]

يقول ثلاث مرات: الصلوة الصلوة الصلوة. ويستحب أن يسجد المصلي على الأرض وإن صلى على غيرها مما يجوز السجود عليه كان جايزا. ولا تصلي يوم العيد قبل صلوة العيد ولا بعدها شئ من النوافل لا ابتداء ولا قضاء إلا بعد الزوال إلا بالمدينة خاصة فإنه يستحب أن يصلى ركعتين في مسجد النبي صلى الله عليه وآله قبل الخروج إلى المصلى فأما قضاء الفرائض فإنه يجوز على كل حال، والمشي حافيا مستحب للإمام خاصة على سكينة ووقار. وإذا اجتمعت صلوة عيد وجمعة في يوم واحد فمن شهد صلوة العيد كان مخيرا بين حضور الجمعة، وبين الرجوع إلى المنزل، وعلى الإمام أن يعلمهم ذلك في خطبته بعد صلوة العيد. ويستحب له أن يتطيب ويلبس أطهر ثيابه. وصلوة العيدين ركعتان بإثني عشرة تكبيرة: سبع في الأولى وخمس في الثانية منها تكبيرة الاحرام، وتكبيرة الركوع فتكون الزايدة على المعتادة في ساير الصلوات تسع تكبيرات. وكيفيتها أن يفتتح صلوته بتكبيرة الاحرام ويتوجه إنشاء. ثم يقرأ الحمد و سورة الأعلى ثم يكبر خمس تكبيرات يقنت بين كل تكبيرتين منها بما شاء من الدعاء والتحميد فإن دعا بما روي في هذا المواضع من الدعاء كان أفضل. ثم يكبر السابعة و يركع بها فإذا قام إلى الثانية قام بغير تكبير، ثم يقرأ الحمد ويقرأ بعدها والشمس وضحيها. ثم يكبر أربع تكبيرات. يقنت بين كل تكبيرتين فيها. ثم يكبر الخامسة ويركع فإذا فرغ من الصلوة قام الإمام فخطب بالناس، ولا تجوز الخطبة إلا بعد الصلوة وكيفية الخطبة مثل خطبة الجمعة سواء، ومن حضر وصلى صلوة العيد كان مخيرا في سماع الخطبة وتركها، وينبغي أن يقوم الإمام في حال الخطبة على شبه المنبر معمول من طين، ولا ينقل المنبر من موضعه. ويستحب أن يكبر في الأضحى عقيب خمس عشرة صلوة إن كان بمنى: أولها

[ 171 ]

الظهر يوم النحر وآخرها الفجر من آخر أيام التشريق وهو الرابع من النحر، و في غيره من الأمصار عقيب عشر صلوات أولها الظهر من يوم النحر وآخرها الفجر من يوم الثاني من التشريق سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا، وليس بمسنون عقيب النوافل، ولا في غير أعقاب الصلوة. وكيفية التكبير في الفطر أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد والحمد لله على ما هدانا، وله الشكر على ما أولانا، وفي الأضحى مثل ذلك، ويزيد في آخرها بعد قوله: وله الشكر على ما أولانا، ورزقنا من بهيمة الأنعام، ويكره أن يخرج من البلد بعد الفجر إلا بعد أن يشهد صلوة العيد فإن خالف فقد ترك الأفضل فأما قبل ذلك فلا بأس، ولا يخرج إلى المصلي بسلاح إلا عند الخوف من العدو ومتى نسي التكبيرات في صلوة العيد حتى يركع مضى في صلوته ولا شئ عليه، وإن شك في أعداد التكبيرات بنى على اليقين احتياطا، وإن أتى بالتكبيرات قبل القراءة ناسيا أعادها بعد القراءة، وإن فعل ذلك تقية لم يكن عليه شئ. ويستحب أن يرفع يديه مع كل تكبيرة، وإذا أدرك مع الإمام بعض التكبيرات تممها مع نفسه. فإن خاف فوت الركوع وإلى بينها من غير قنوت. فإن خاف الفوت تركها وقضاها بعد التسليم، ولا يجوز أن يصلي في المساجد في مواضع كثيرة. ويستحب للإمام أن يحث الناس في خطبته في الفطر على الفطرة، وفي الأضحى على الأضحية. ومن لا تجب عليه صلوة العيد من المسافر والعبد وغيرهما يحوز لهما إقامتها منفردين سنة. ولا بأس بخروج العجايز ومن لا هيأة لهن من النساء في صلوة الأعياد ليشهدن الصلوة، ولا يجوز ذلك لذوات الهيئات منهن والجمال. ويستحب للانسان إذا خرج في طريق أن يرجع من غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله

[ 172 ]

* (كتاب صلوة الكسوف) * صلوة كسوف الشمس وخسوف القمر فرض واجب، كذلك عند الزلازل والرياح المخوفة والظلمة الشديدة يجب مثل ذلك. ويستحب أن تصلى هذه الصلوة جماعة، وإن صلى فرادى كان جايزا، ومن ترك هذه الصلوة متعمدا عند كسوف الشمس أو القمر بأجمعها قضاها مع الغسل، و إن تركها ناسيا، والحال ما قلناه قضاها بلا غسل، ومتى احترق بعض الشمس أو القمر وترك الصلوة متعمدا قضاها بلا غسل، وإن تركها ناسيا لم يكن عليه قضاء، ووقت هذه الصلوة إذا ابتدأ الشمس أو القمر في الانكساف إلى أن يبتدء في الانجلاء. فإذا ابتدأ في ذلك فقد مضى وقتها. فمتى كان وقت صلوة الكسوف وقت فريضة فإن كان أول الوقت صلى صلوة الكسوف. ثم صلوة الفرض فإن تضيق الوقت بدأ بصلوة الفرض. ثم قضى صلوة الكسوف، وقد روي أنه يبدء بالفريضة على كل حال (1) وإن كان في أول الوقت وهو الأحوط. فإن دخل في صلوة الكسوف فدخل عليه الوقت قطع صلوة الكسوف، ثم صلى الفرض. ثم استأنف صلوة الكسوف. فإن كان وقت صلوة الليل صلى أولا صلوة الكسوف. ثم صلى صلوة الليل. فإن فاتته صلوة الليل قضاها بعد ذلك وليس عليه شئ. وإذا اجتمع صلوة الكسوف وصلوة الجنازة وصلوة الاستسقاء بدأ بالصلوة على الميت. ثم بصلوة الكسوف. ثم الاستسقاء لأنه مسنون يجب تأخره عن الفرض، و متى علم بالكسوف صلى صلوة الكسوف. فإن غابت الشمس أو القمر أو تغيمت ولا يعلم وقت الانجلاء استظهر. وصلوة الكسوف واجبة على الرجال والنساء لأن عموم الأخبار يقتضي ذلك

(1) رواها في الكافي ج 3 ص 464 عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال سألته عن صلوة الكسوف في وقت الفريضة فقال: ابدء بالفريضة فقيل له: في وقت صلاة الليل فقال: صل صلاة الكسوف قبل صلاة الليل.

[ 173 ]

غير أنه لا ينبغي أن يحضر جماعة الرجال إلا العجايز من النساء. فأما غيرهن فينبغي أن يصلين في بيوتهن. فإن اجتمع جماعة من النساء جاز أن يصلين جماعة منفردات عن الرجال. وصلوة الكسوف عشر ركعات بأربع سجدات، وتشهد واحد ركع خمس ركعات ويسجد في الخامسة. ثم يقوم فيصلي خمس ركعات، ويسجد في العاشرة، ويقرأ في أول ركعة سورة الحمد وسورة أخرى إن شاء وإن أراد قراءة بعض السورة كان أيضا جائزا فإذا أراد في الثانية تتم بقية تلك السورة قرأها، ولا يلزمه قراءة سورة الحمد بل يبني من الموضع الذي انتهى إليه فإن أراد أن يقرأ سورة أخرى قرأ الحمد. ثم قرأ بعدها سورة وكذلك القول في باقي الركعات ويقنت في كل ركعتين قبل الركوع، فإن لم يفعل واقتصر على القنوت في العاشر لم يلزمه شئ، وكلما رفع رأسه من الركوع قال: الله أكبر إلا في الخامسة والعاشرة فإنه يقول: سمع الله لم حمده. ويستحب أن يكون مقدار مقامه في الصلوة مقدار زمان الكسوف، ويكون مقدار قيامه في الركوع مقدار قيامه للقراءة ويطول سجوده. ويستحب قرائة السور الطوال مثل الأنبياء والكهف، ومتى فرغ من الصلوة ولم يكن انجلاء الكسوف استحب له إعادة الصلوة، وإن اقتصر على التسبيح والتحميد لم يكن به بأس. ويجوز أن يصلي صلوة الكسوف على ظهر الدابة ويصليها وهو ماش إذا لم يمكنه النزول والوقوف.

[ 174 ]

* (كتاب الجنائز) * مدار هذا الكتاب على أربعة أشياء أولها: الغسل وبيان أحكامه، والثاني: التكفين وبيان أحكامه. الثالث: دفنه وبيان أحكامه. الرابع: الصلوة وبيان أحكامها. فأما الغسل فيتقدم ذلك آداب وسنن تتعلق بحال الاحتضار. فإذا حضر الانسان الوفاة استقبل بوجهه القبلة فيجعل باطن قدميه إليها على وجه لو جلس لكان مستقبلا للقبلة، وكذلك يفعل به حال الغسل. فأما في حال الدفن والصلوة عليه يجعل معترضا ويكون رأس الميت مما يلي يمين المتوجه إلى القبلة ورجلاه مما يلي يساره، وينبغي أن يلقن الشهادتين والاقرار بالأئمة واحدا واحدا، ويلقن كلمات الفرج وهي: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السموات السبع ورب الأرضين السبع، وما فيهن وما بينهن وما تحتهن ورب العرش العظيم، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، ولا يحضره جنب ولا حائض، ومتى يصعب عليه خروج الروح نقل إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه في حياته، ويتلي القرآن عنده ليسهل الله عليه خروج نفسه، فإذا قضي نحبه غمضت عيناه، وشد لحيته، ومدت ساقاه، وأطبق فوه، ومدت يداه إلى جنبيه، وغطي بثوب، وإن كان ليلا أسرج في البيت مصباح إلى الصباح، ولا يترك وحدة بل يكون عنده من يذكر الله تعالى، ولا يترك على بطنه حديدة أصلا. ومتى مات أخذ في أمره عاجلا وفي تجهيزه، ولا يؤخر إلا لضرورة. واعلم أن غسل الميت وتكفينه والصلوة عليه ودفنه فرض على الكفاية بلا خلاف والميت لا يخلوا من أن يكون رجلا أو امرأة فإن كان رجلا فأولى الناس بميراثه أولاهم بحمله ودفنه والصلوة عليه أبا كان أو ابنا أو أخا أو عما أو جدا فإن تشاجروا في ذلك فأولاهم بميراثه أولاهم بتولي أمره، ومتى كان هناك رجال أباعد ونساء أقارب ليس لهن رحم محرم. فالرجال أولى بتولي غسله، فقد روي أنه إذا كانت ذات رحم محرم

[ 175 ]

جاز لها أن تتولى غسله من وراء الثياب (1) والأول أحوط فأما إن لم يكن لها رحم محرم فهي كالأجنبيات سواء، ومن مات بين رجال كفار ونساء مسلمات لا ذات رحم له فيهن أمر بعض النساء رجالا من الكفار بالاغتسال. ثم تعلمهم بغسل أهل الاسلام ليغسلوه كذلك، وإن مات بين نساء مسلمات ورجال كفار، وكان له فيهن محرم من زوجة أو غيرها غسلته من وراء الثياب، ولم يجردنه من ثياب، وإن لم يكن له فيهن محرم ولا معهن رجال مسلمون، ولا كفار دفنه بثيابه ولم يغسله على حال، وأما إن كان امرأة فلا تخلوا أن يكون لها زوج أو لم يكن فإن كان لها زوج فالزوج أولى بجميع ذلك من كل أحد، وإن لم يكن لها زوج فلا يخلو من أن يكون نساء بلا رجال أو رجال بلا نساء أو رجال ونساء فإن كان هناك نساء بلا رجال فهو على ثلاثة أضرب: من لها رحم ومحرم، ومن لها رحم بلا محرم، ومن كان لا رحم لها ولا محرم، وكل من لو كانت رجلا لم يحل له نكاحها كامها وجدتها وبنتها فهي أولى من كل أحد، والترتيب فيه كالترتيب في الرجل ويكون أولاهم بميراثها أولاهم بميراثها أولاهم بتولي أمرها، والتي لها رحم وليست بمحرم. فكل من لو كانت رجلا حل له نكاحها كبنات عمها. وبنات خالها، وبنات خالاتها وبنات عماتها فهي أولى من الأجنبيات. فإن لم يكن هناك رحم ولا محرم فهن الأجنبيات فهي أولى ممن له الولاء، وإن كان رجالا بلا نساء فكل من كان محرما لها جاز له أن يتولى ذلك منها الأولى فالأولى كما قلناه في الرجال سواء، ومن لا محرم له من الرجال كابن العم، وابن الخال فهو كأجنبي. فإن اجتمع رجال ونساء من القرابات فالنساء أولى من الرجال لأنهن أعرف وأوسع في باب النظر إليهن، ومتى لم يكن هناك قرابة فالمذهب أنه لا يجوز لأحد أن يغسلها ولا يتيممها وتدفن بثيابها. وقد رويت في أنه يجوز لهم أن يغسلوا محاسنها يديها ووجهها (2) والأول أحوط.

(1) رواها في التهذيب ج 1 ص 439 ج 1416 عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سئلت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يموت وليس عنده من يغسله إلا النساء هل تغلسه النساء فقال: تغسله امرأته أو ذات محرمة ونصب عليه النساء الماء صبا من فوق الثياب.
(2) رواها في التهذيب ح 1 ص 442 ح 1429 عن مفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما تقول: في المرأة تكون في السفر مع الرجال ليس فيهم ذو محرم بها، ولا معهم امرأة فتموت المرأة فما يصنع بها؟ قال يغسل منها ما أوجب الله عليه التيمم ولا يمس ولا يكشف لها شئ من محاسنها التي أمر الله بسترها فقلت: كيف بصنع بها؟ قال: يغسل بطن كفيها ثم يغسل وجهها ثم يغسل ظهر كفيها.

[ 176 ]

وإذا ماتت بين رجال مسلمين أجانب ولا زوج لها فيهم ونساء كافرات أمر الرجال بعض النساء الكافرات بالاغتسال، وتغسلها تغسيل أهل الاسلام، وإن كان لها في الرجال محرم أو زوج غسلوها من وراء ثيابها ولم تقربها الكافرة. فإن كانت صبية لها ثلاث سنين فصاعدا فحكمها حكم النساء البالغات. فإن كان دون ذلك جاز للرجال تغسيلها عند عدم النساء. والصبي إذا مات وله ثلاث سنين فصاعدا فحكمه حكم الرجال سواء، وإن كان دون ذلك جاز للأجنبيات غسله مجردا من ثيابه. إذا اجتمع أموات جماعة فإن كان فيهم من يخشى فساده بدء به وإن لم يكن كذلك فالأولى بالتقديم الأب ثم الابن وابن الابن ثم الجد، وإن كان إخوان في درجته قدم أسنهما فإن تساويا أقرع بينهما فإن كان أحدهما أقوى سببا قدم لذلك، و الزوجتان إذا اجتمعا قدمت أسنهما فإن تساوتا أقرع بينهما. والكفن المفروض ثلاثة أثواب لا يجوز أقل منها مع القدرة: مئزر وقميص و إزار، والفضل في خمسة أثواب والزيادة عليها سرف ولا يجوز، وهي لفافتان أحدهما حبرة (1) وعبرية غير مطرزة أو شئ من الحرير المحض، وقميص وإزار وخرقة فهذه الخمسة جملة الكفن، ويضاف إليها العمامة، وليست من جملة الكفن لكنها سنة مؤكدة لا ينبغي تركها هذا إذا كان رجلا وإن كان امرأة زيدت لفافتين فيكمل لها سبعة أثواب ولا يزدن على ذلك، والاقتصار على مثل ما للرجال جايز هذا إذا تمكن منه فإن تعذر ذلك أو أجحف بالورثة اقتصر من الكفن على ما يستره فحسب. ولا يجوز أن يكفن في الحرير المحض، ويكره تكفينه فيما قد خلط فيه الغزل مع الاختيار، ويكره أيضا أن يكفن في الكتان، والمستحب ما كان قطنا محضا ومتى

(1) الحبرة: كعنبة برد يماني.

[ 177 ]

لم يكن له ما يكفن به وكانت له قميص مخيطة فلا بأس أن يكفن فيه إذا كانت خالية من نجاسة نظيفة ويقطع أزرارها ولا يقطع أكمامها، وإنما يكره الأكمام فيما يبتدي من القمصان وإذا حصلت الأكفان فرشت الحبرة في موضع نظيف وينشر عليها شئ من الذريرة المعروفة بالقميحة، ويفرش فوقه الإزار وينشر عليه شئ من الذريرة، و يفرش فوق الإزار قميص، ويستحب أن يكتب على الحبرة والأزار والقميص و العمامة فلان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أمير المؤمنين والأئمة من بعده يذكرون واحدا واحدا أئمته أئمة الهدى الأبرار، ويكتب ذلك بتربة الحسين عليه السلام إن وجد وإن لم يوجد يكتب بالأصبع، ولا يكتب ذلك بالسواد، وإن لم يوجد حبرة جعل بدلها لفافة أخرى. ويكره أن يقطع شئ من الأكفان بالحديد بل ينبغي أن يخرق، والمستحب أن يخاط بخيوطه منه ولا تبل بالريق. فإذا فرغ من الكفن لفف جميعه وعزل ويستعد معه من الكافور الذي لم تمسه النار وزن ثلاثة عشر درهما وثلث إن تمكن منه وهو الأفضل وإن لم يتمكن منه وأوسطه وزن أربعة مثاقيل فإن لم يوجد فمقدار درهم فإن لم يوجد فما تيسر فإن لم يوجد أصلا دفن بغير كافور. ولا يخلط بالكافور مسك أصلا ولا شئ من أنواع الطيب، ويستعد شئ من السدر لغسل رأسه فإن لم يوجد فالخطمى أو ما يقوم مقامه في تنظيف الرأس، وقليل من الكافور للغسلة الثانية، ويستعد أيضا جريدتان خضراوان من النخل فإن لم يوجد فمن السدر. فإن لم يوجد فمن الخلاف فإن لم يوجد فمن غيره من الشجر الرطب فإن لم يوجد أصلا فلا بأس بتركه، ويكتب عليه أيضا ما كتب على الأكفان، ويستعد أيضا مقدار رطل من القطن ليحشي به المواضع التي يخاف من خروج شئ منها. فإذا فرغ من جميع ذلك أخذ في أمر غسله أولى الناس به على ما بيناه ومن يأمره هو به وتوضع ساجة أو سرير مستقبل القبلة عرضا على ما بيناه، ويوضع عليها الميت مثل ذلك ويحفر لصب الماء حفيرة يدخل فيها الماء فإن لم يمكن جاز أن ينصب إلى البالوعة، ويكره أن ينصب إلى الكنيف ولا يسخن الماء لغسل الميت. فإن كان بردا شديدا يخاف الغاسل

[ 178 ]

على نفسه جاز إسخان الماء، ثم يؤخذ السدر فيطرح في إجانة ويصب عليه الماء ويضرب حتى يرغو، ويؤخذ رغوته فيطرح في موضع نظيف ليغسل به رأسه، وينبغي أن يغسل الميت تحت سقف، ولا يغسل تحت السماء فإن لم يمكن جاز خلافه. ثم ينزع قميصه يفتق جيبه، وينزع من تحته، ويترك على عورته ما يسترها. ثم يلين أصابعة فإن امتنعت تركها على حالها. ثم يبدأ بفرجه فيغسله بماء السدر والحرض، ويغسله ثلاث مرات ويكثر الماء ويمسح بطنه مسحا رفيقا. ثم يتحول الغاسل إلى رأسه فيبدء بغسل رأسه يبدأ بشق رأسه الأيمن ولحيته ورأسه ويثني بالشق الأيسر منه ولحيته ووجهه ويغسله برفق ولا يعنف به. فإذا غسله ثلاث مرات أضجعه على شقه الأيسر ليبدو له الأيمن ثم يغسله من قرنه إلى قدمه ثلاث غسلات متواليات، ويكون الذي يصب عليه الماء لا يقطعه بل يصب من قرنه إلى قدمه متواليا فإذا بلغ حقويه أكثر من الماء. ثم يرده إلى جانبه الأيمن ليبدوا له الأيسر فيغسل من قرنه إلى قدمه ثلاث مرات مثل ذلك، و يمسح يده على بطنه وظهره. ثم يرده على قفاه فيبدأ بفرجه بماء الكافور فيصنع كما صنع أول مرة فيغسله ثلاث مرات بماء الكافور ويمسح يده على بطنه مسحا رفيقا. ثم يتحول إلى رأسه فيصنع كما صنع أولا فيغسل رأسه من جانبيه كليهما ووجهه، و جميع رأسه بماء الكافور ثلاث غسلات. ثم يرده إلى جانبه الأيسر ليبدو له الأيمن فيغسله ثلاث غسلات من قرنه إلى قدميه، ويدخل يده تحت منكبيه وذراعيه، ويكون الذراع والكف مع جنبه طاهرة كلما غسل شيئا منه أدخل يده تحت منكبيه وباطن ذراعه. ثم يرده على ظهره ويغسله بماء قراح كما فعل أولا ويبدأ بالفرج. ثم يتحول إلى الرأس والوجه ويصنع كما صنع أولا بماء قراح. ثم الجانب الأيمن ثم الأيسر على ما بيناه في الغسلتين، وكلما غسل الميت غسلة غسل الغاسل يده إلى المرفقين، ويغسل الإجانة بماء قراح. ثم يطرح فيها ماء آخر للغسلة المستأنفة، ولا يركب الميت في حال غسله بل يكون على جانبه، ولا يقعده ولا يغمز بطنه، وقد روي أنه يوضأ الميت قبل غسله (1) فمن عمل بها كان جايزا غير أن عمل الطايفة على

(1) رواها في التهذيب ج 1 ص 702 ح 878 عن عبد الله بن عبيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الميت قال: يطرح عليه خرقة ثم يغسل فرجه، ويوضأ وضوء الصلوة ثم يغسل رأسه بالسدر والأشنان. ثم بالماء والكافور. ثم بالماء القراح يطرح فيه سبع ورقات صحاح في الماء.

[ 179 ]

ترك العمل بذلك لأن غسل الميت كغسل الجنابة. ولا وضوء في غسل الجنابة فإذا فرغ من غسله نشفه بثوب نظيف. ثم يأخذ في تكفينه فيتوضأ أولا الغاسل وضوء الصلوة وإن ترك تكفينه حتى يغتسل كان أفضل إلا أن يخاف على الميت بأن يظهر به حادثة فيبدأ أولا بتكفينه. وغسل الغاسل للميت فرض واجب، وكذلك كل من مسه بعد برده بالموت، و قبل غسله يجب عليه الغسل فإن مسه بعد تطهيره لم يجب عليه شئ، وإن مسه قبل برده لم يلزمه الغسل ويغسل يده. فإذا فرغ من ذلك حنطه فيعمد إلى قطن ويذر عليه شيئا من الذريرة، ويضعه على فرجيه قبله ودبره، ويحشو القطن في دبره لئلا يخرج منه شئ، ويأخذ الخرقة، ويكون طولها ثلاثة أذرع ونصفا في عرض شبر أو أقل أو أكثر فيشدها في حقويه، ويضم فخذيه ضما شديدا ويلفها في فخذيه. ثم يخرج رأسها من تحت رجليه في الجانب الأيمن ويغمرها في الموضع الذي لف فيه الخرقة ويلف فخذيه من حقويه إلى ركبتيه لفا شديدا. ثم يأخذ الإزار فيؤزره به، ويكون عريضا يبلغ من صدره إلى الرجلين فإن نقص عنه لم يكن به بأس، ويعمد إلى الكافور فيسحقه بيده، ويكره أن يسحقه بحجر أو غير ذلك، ويضعه على مساجده جبهته وباطن كفيه ويمسح به راحتيه وأصابعهما، ويضع على عيني ركبتيه وظاهر أصابع قدميه، ولا يجعل في سمعه وبصره وفيه شيئا من الكافور، ولا يجعل فيها أيضا شيئا من القطن إلا أن يخاف خروج شئ منه فإن فضل من الكافور شئ جعله على صدره ومسح صدره به. ثم يرد القميص عليه ويأخذ الجريدتين فيجعل إحديهما من جانبه الأيمن مع ترقوته ويلصقها بجلده والأخرى من جانبه الأيسر ما بين القميص والأزار. ثم يعممه فيأخذ وسط العمامة فيثبتها على رأسه بالتدور، ويحنكه بها ويطرح طرفيها جميعا على صدره، ولا يعممه عمة الأعرابي بلا حنك. ثم يلفه في اللفافة فيطوي جانبها الأيسر على جانبها الأيمن، وجانبها الأيمن على جانبها الأيسر. ثم يضع بالحبرة أيضا ذلك ويعقد

[ 180 ]

طرفيها مما يلي رأسه ورجليه فإذا فرغ من جميع ما ذكرناه حمله إلى قبره على سريره. وإن كان الميت مجدورا أو كسيرا أو صاحب قروح أو محترقا ولم يخف من غسله غسل فإن خيف من مسه صب عليه الماء صبا فإن خيف أيضا من ذلك يتيمم بالتراب. وإن كان الميت غريقا أو مصعوقا أو مبطونا أو مدخنا أو مهدوما عليه استبرى بعلامات الموت فإن اشتبه ترك ثلاثة أيام. ثم غسل ودفن بعد أن يصلى عليه فإن كان الميت محرما غسل كما يغسل الحلال وكفن كتكفينه غير أنه لا يقرب شيئا من الكافور. وإن كان الميت صبيا غسل كتغسيل الرجال، وكفن كتكفينهم وتحنيطهم فإن كان قد بلغ ست سنين فصاعدا صلى عليه، وإن كان دون ذلك لم تجب عليه الصلوة، ويجوز ذلك عند التقية. وإن كان الصبي سقطا، وقد بلغ أربعة أشهر فصاعدا وجب غسله وتحنطه وتكفينه وإن كان الأقل من ذلك دفن كما هو بدمه. وغسل المرأة كغسل الرجل وتحنيطها كتحنيطه إلا أنه تزاد لفافتين على ما قدمناه. ويستحب أن تزاد خرقة يشد بها ثدياها إلى صدرها، ويكثر القطن لقبلها، وإذا أريد دفنها جعل سريرها قدام القبر، ويؤخذ إلى القبر عرضا ويأخذها من قبل وركيها زوجها أو أحد ذوي أرحامها، ولا يتولى ذلك أجنبي إلا عند الضرورة، وإن كانت نفساء أو حايضا غسلت كتغسيلها طاهرا، وإن كانت حبلى لا يغمز بطنها في الغسلات، وإن مات الصبي معها في بطنها دفن معها فإن كانت ذمية والولد من مسلم دفنت في مقابر المسلمين لحرمة ولدها، وروي أنه يجعل ظهرها إلى القبلة إذ الجنين في بطن أمه وجهه إلى ظهرها ليكون الولد مستقبل القيلة. وإن ماتت المرأة ولم يمت الولد شق بطنها من الجانب الأيسر وأخرج الولد وخيط الموضع، وغسلت، ودفنت. فإن مات الولد ولم تمت هي ولم يخرج الولد

[ 181 ]

أدخلت القابلة أو من يقوم مقامها يدها في فرجها فقطعت الصبي وأخرجته قطعة قطعة، وغسل وكفن وحنط ودفن إن أمكن ذلك. ولا يجوز قص شئ من شعر الميت ولا من ظفره، ولا يسرح رأسه ولا لحيته ومتى سقط من ذلك جعل معه في أكفانه، وإذا خرج شئ من الميت من النجاسة بعد الفراغ من غسله غسل منه، ولم يجب عليه إعادة الغسل. فإن أصاب ذلك كفنه قرض الموضع منه بالمقراض، والجريدة توضع مع جميع الأموات من النساء والرجال والصبيان مع التمكن. فإن كانت الحال حال تقية ولم يتمكن من وضعها مع الكفن طرحت في القبر فإن لم يمكن ذلك ترك بغير جريدة، ولا ينبغي للمؤمن من أن يغسل أهل الخلاف فإن اضطر إليه غسله غسل أهل الخلاف ويترك معه الجريدة، وإذا لم يوجد كافور ولا سدر غسل بالماء القراح. وإذا مات الميت في مركب في البحر ولا يقدر على الشط يغسل ويحنط ويكفن ويصلى عليه. ثم يثقل ويطرح في البحر ليرسب إلى قرار الماء، ومن وجب عليه القود والرجم أمر أولا بالاغتسال والتحنط. ثم يقام عليه الحد ويدفن بعد ذلك، ولا يجب غسله بعد موته لكن يصلى عليه إذا كان مسلما. والشهيد هو الذي يقتل بين يدي إمام عدل في نصرته أو بين يدي من نصبه الإمام وينبغي أن يدفن بثيابه ولا يغسل، ويدفن معه جميع ما عليه، ويصلى عليه إذا أصابه الدم إلا الخفين، وقد روي أنهما إذا أصابهما دم دفنا معه (1) ومن حمل من المعركة وبه رمق. ثم مات نزع عنه ثيابه وغسل وكفن وحنط وصلي عليه. وكل مقتول سوى من ذكرناه فلا بد من غسله وتحنيطه وتكفينه ظالما كان أو مظلوما، وحكم الصغير والكبير والذكر والأنثى سواء إذا قتل في المعركة غير أنه

(1) رواها في الكافي ج 3 ص 211 عن زيد بن علي عن آبائه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ينزع عن الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلا أن يكون أصابه دم فإن أصابه دم ترك، ولا يترك عليه شئ معقود إلا حل.

[ 182 ]

يصلى عليه، ولا فرق من أن يقتل بحديد أو بخشب أو بحجارة أو برفس، والحكم فيه سواء لعموم الأخبار. الجنب إذا استشهد لا يجب غسله، وكان حكمه حكم من ليس كذلك لأنه لا دليل عليه. إذا وجد في المعركة ميت وليس به أثر حكم له بحكم الشهداء إذا خرج من المعركة، ومات قبل أن ينقضي الحرب، وينتقل عنها فهو شهيد أكل أو لم يأكل وإن مات بعد تقضي الحرب وجب غسله وإن لم يأكل ويشرب. كل من قتل في المعركة حكم له بحكم الشهادة عمدا قتل أو خطأ بسلاح أو غير سلاح شوهد قاتله أو لم يشاهد. إذا وجد غريق أو محترق في حال القتال حكم له بالشهادة، وإن خرج بعد القتال وبقي ولو كانت ساعة أو أوصي أو أكل وجب غسله. ولد الزنا يغسل عليه إذا مات خلافا لقتادة في أنه لا يغسل ويصلى عليه. والنفساء تغسل ويصلى عليها خلافا للحسن البصري في أنه لا يصلى عليها. قتيل أهل البغي لا يغسل ولا يصلى عليه لأنه كافر. قتيل أهل العدل في جبهة أهل البغي لا يغسل ويصلى عليه. قطاع الطريق إذا قتلوا غسلوا وصلي عليهم، ومن قتله قطاع الطريق غسلوا وصلي عليهم. إذا اختلط قتلى المسلمين بالمشركين روي أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ينظر مؤتزرهم فمن كان صغير الذكر يدفن. فعلى هذا يصلى على من هذه صفته. وإن قلناه: إنه يصلى على كل واحد منهم منفردا بنية شرط إسلامه كان احتياطا، وإن قلنا: يصلى عليهم صلوة واحدة، وينوي بالصلوة الصلوة على المؤمنين منهم كان قويا. ومن وجد من المقتول قطعة فإن كان فيه عظم وجب غسله وتحنيطه وتكفينه وإن كان موضع الصدر صلي عليه أيضا. ويجب على من يمسه الغسل إذا كان ذلك في غير المعركة فإن كان في المعركة سقط غسله، ووجب باقي الأحكام، وإن كانت القطعة

[ 183 ]

التي فيها العظم قطعت من حي وجب على من مسها الغسل، وإن لم يكن فيها عظم دفن كما هو ولم يغسل ولا يجب على من مسه الغسل. وإذا أراد الغاسل للمقتول غسله بدأ بغسل دمه. ثم صب عليه الماء صبا ولا يدلك جسده، ويبدأ بيديه ودبره ويربط جراحاته بالقطن والعصيب، وكذلك موضع الرأس، ويجعل عليه بزيادة قطن، وإن كان الرأس قد بان من الجسد وهو معه غسل الرأس أولا. ثم الجسد على ما بيناه ويوضع القطن فوق الرقبة، ويضم إليه الرأس ويجعل معه في الكفن، وكذلك إذا أنزله في القبر يتناوله مع الجسد وأدخله اللحد، ووجهة إلى القبلة. وإذا حمل الميت إلى قبره ينبغي أن يتبع الجنازة ولا يتقدمها وإن مشى يمينها وشمالها كان أيضا جايزا، وإن تقدمها لعارض من مرض أو ضرورة كان جايزا، وإن كان لغير ذلك فقد ترك الفضل، ويكره الركوب خلف الجنازة إلا عند الضرورة. ويستحب لمن شيع الجنازة أن يحمله من أربع جوانبه يبدأ بمقدم السرير الأيمن. ثم يمر معه ويدور من خلفه إلى الجانب الأيسر فيأخذ رجله الأيسر ويمر معه إلى أن يرجع إلى المقدم كذلك دور الرحا. ويستحب إعلام المؤمنين بجنازة المؤمن ليتوفروا على تشييعه، ويستحب لمن رأى جنازة أن يقول: الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم. ثم يمر بها إلى المصلى فيصلي عليه. وأولى الناس بالصلوة على الميت الولي أو من يقدمه الولي. فإن حضر الإمام العادل كان أولى بالتقدم، ويجب على الولي تقديمه. فإن لم يفعل لم يجز له أن يتقدم فإن لم يحضر الإمام وحضر رجل من بني هاشم استحب للولي أن يقدمه. فإن لم يفعل لم يجز أن يتقدم فإن حضر جماعة من الأولياء كان الأب أولى. ثم الولد، ثم ولد الولد. ثم الجد من قبل الأب والأم. ثم الأخ من قبل الأب والأم. ثم الأخ من قبل الأب. ثم الأخ من قبل الأم. ثم العم. ثم الخال. ثم ابن العم. ثم ابن الخال، وجملته أن من كان أولى بميراثه كان أولى بالصلوة عليه لقوله تعالى

[ 184 ]

(وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) (1) وذلك عام، وإذا اجتمع جماعة في درجة قدم الأقرء ثم الأفقه. ثم الأسن لقوله عليه السلام يؤمكم أقرءكم. الخبر. فإن تساووا في جميع الصفات أقرع بينهم الولي. الحر أولى من المملوك في الصلوة على الميت، وكذلك الذكر أولى من الأنثى إذا كان ممن يعقل الصلوة، ويجوز للنساء أن يصلين على الجنازة مع عدم الرجال، و حدهن إن شئن فرادى، وإن شئن جماعة فإن صلين جماعة وقفت الإمامة وسطهن المعمول به من وقت النبي صلى الله عليه وآله إلى وقتنا هذا في الصلوة على الجنازة أن يصلى جماعة فإن صلي فرادى جاز كما صلى النبي صلى الله عليه وآله الأوقات المكروهة للنوافل يجوز أن يصلي فيها على الجنازة. لا بأس بالصلوة والدفن ليلا، وإن فعل بالنهار كان أفضل إلا أن يخاف على الميت إذا اجتمع جنازة رجل وصبي يصلى عليه وخنثى وامرأة قدمت المرأة إلى القبلة وبعدها الخنثى. ثم الصبي ثم الرجل، ويقف الإمام عند الرجل، وإن كان الصبي لا يصلى عليه قدم أولا الصبي. ثم على ما رتبناه، وإن صلى عليهم فرادى كان أفضل. يسقط الصلوة على الميت إذا صلى عليه واحد، والزوج أحق بالصلوة على المرأة من جميع أوليائها. وإذا أراد الصلوة وكانوا جماعة تقدم الإمام ووقفوا خلفه صفوفا فإن كان فيهم نساء وقفن آخر الصفوف. فإن كان فيهن حايض وقفت وحدها في صف بارزة عنهن و عنهم. فإن كانوا نفسين تقدم واحد ووقف الآخر خلفه بخلاف صلوة الجماعة، ولا يقف على يمينه، وإن كان الميت رجلا وقف الإمام في وسط الجنازة، وإن كان امرأة وقف عند صدرها، وينبغي أن يكون بين الإمام وبين الجنازة شئ يسير لا يبعد عنها ويتحفى عند الصلوة عليه إن كان عليه نعلان فإن لم يكن عليه نعل أو كان عليه خف صلي عليه كذلك ولا ينزعهما. وكيفية الصلوة عليه أن يرفع يديه بالتكبير ويكبر تكبيرة، ويشهد أن لا إله إلا الله. ثم يكبر تكبيرة أخرى، ولا يرفع يديه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله.

(1) الأنفال 75.

[ 185 ]

ثم يكبر الثالثة ويدعو للمؤمنين. ثم يكبر الرابعة ويدعو للميت إن كان مؤمنا، وعليه إن كان ناصبا ويلعنه ويبرء منه، وإن كان مستضعفا قال: ربنا اغفر للذين تابوا إلى آخر الآية، وإن كان لا يعرف مذهبه سئل الله أن يحشره مع من كان يتولاه، وإن كان طفلا سئل الله أن يجعله له ولأبويه فرطا ثم يكبر الخامسة، ولا يبرح من مكانه حتى يرفع الجنازة ويراها على أيدي الرجال،: ومن فاته شئ من التكبيرات أتمها عند فراغ الإمام فيتابعه. فإن رفعت الجنازة كبر عليها، وإن كانت مرفوعة، وإن بلغت إلى القبر كبر على القبر إن شاء. والأفضل ألا يرفع يده فيما عدى الأولة فإن رفعها كان أيضا جايزا ومن كبر تكبيرة قبل الإمام أعادها مع الإمام ومن فاتته الصلوة على الجنازة جاز أن يصلي على القبر بعد الدفن يوما وليلة فإن زاد على ذلك لم تجز الصلوة عليه، ولا تجوز الصلوة على غايب مات في بلد آخر لأنه لا دليل عليه. ويكره أن يصلى على جنازة واحدة دفعتين. وإذا تضيق وقت فريضة بدء بالفرض. ثم الصلوة على الميت إلا أن يكون الميت يخاف من ظهور حادثة فيه فحينئذ يبدأ بالصلوة عليه. وأفضل ما يصلى على الجنائز في مواضعها المرسومة بذلك، وإن صلي عليها في المساجد كان أيضا جايزا، ومتى صلي على جنازة. ثم بان أنها كانت مقلوبة سويت وأعيدت الصلوة عليها ما لم تدفن فإن دفن مضت الصلوة. والأفضل أن لا يصلي على الجنازة إلا على طهر فإن فاجأته جنازة ولم يكن على طهر تيمم وصلى عليها. فإن لم يمكنه صلى عليها بغير طهر، وكذلك الحكم إن كان جنبا، والمرأة إن كانت حايضا جاز أن يصليا من غير اغتسال، ومع الغسل أفضل، و من صلى بغير تيمم أيضا جاز. وإذا كبر على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين وأحضرت جنازة أخرى فهو مخير بين أن يتم خمس تكبيرات على جنازة الأولة. ثم يستأنف الصلوة على الأخرى، و

[ 186 ]

بين أن يكبر الخمس تكبيرات من الموضع الذي انتهى إليه، وقد أجزأه عن الصلوة عليهما. ومتى صلى جماعة عراة على ميت فلا يتقدم إمامهم بل يقف في الوسط فإن كان الميت عريانا نزل في القبر أولا وغطيت سوئته. ثم يصلى عليه بعد ذلك ويدفن. فإذا فرغ من الصلوة عليه حمل إلى القبر فإذا دنا من قبره وضع دون القبر بمقدار ذراع. ثم يمر بها إلى شفير القبر مما يلي رجليه في ثلاث دفعات إن كان رجلا، ولا يفدحه في القبر دفعة واحدة، وإن كانت امرأة تركها قدام القبر مما يلي القبلة. ثم ينزل إلى القبر الولي أو من يأمره الولي به سواء كان شفعا أو وترا، وإن كانت امرأة لا ينزل إلى قبرها إلا زوجها أو ذو رحم لها. فإن لم يكن أحد منهم جاز أن ينزل إليه بعض الرجال المؤمنين، وإن نزل بعض النساء عند عدم الرجال من ذوي الأرحام كان أفضل. وينبغي أن يتحفى من ينزل إلى القبر ويكشف رأسه ويحل أزراره، ويجوز أن ينزل بالخفين عند الضرورة والتقية. ثم يؤخذ الميت من قبل رجلي القبر فيسل سلا فيبدأ برأسه وينزل به القبر، ويقول عند معاينة القبر: اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة ولا تجعلها حفرة من حفر النار، ويقول إذا تناوله: بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله اللهم زدنا إيمانا وتصديقا. ثم يضجعه على جانبه الأيمن ويستقبل به القبلة، ويحل عقد كفنه من قبل رأسه ورجليه، ويضع خده على التراب. ويستحب أن يجعل معه شئ من تربة الحسين عليه السلام ثم يشرج عليه اللبن، و يقول من يشرجه: اللهم صل وحدته وآنس وحشته وارحم غربته واسكن إليه من رحمتك مرحمة يستغني بها عن رحمة من سواك واحشره مع من كان يتولاه. ويستحب أن يلقن الميت الشهادتين وأسماء الأئمة عليه السلام عند وضعه في القبر قبل تشريج اللبن. فيقول الملقن: يا فلان بن فلان اذكر العهد الذي خرجت عليه من دار الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، وأن

[ 187 ]

عليا أمير المؤمنين والحسن والحسين ويذكر الأئمة إلى آخرهم أئمتك أئمة الهدى الأبرار فإذا فرغ من تشريج اللبن عليه أهال التراب عليه، ويهيل كل من حضر الجنازة استحبابا بظهور أكفهم. ويقولون عند ذلك: إنا لله وإنا إليه راجعون هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله اللهم زدنا إيمانا وتسليما، ولا يهيل الأب على ولده ولا ذو رحم على رحمه وكذلك لا ينزل إلى قبره فإنه يقسي القلب، وإذا أراد الخروج من القبر خرج من قبل رجليه، ثم يطم القبر، ويرفع من الأرض مقدار أربع أصابع ولا يطرح فيه من غير ترابه ويجعل عند رأسه لبنة أو لوح. ثم يصب الماء على القبر يبدأ بالصب من عند الرأس ثم يدار من أربع جوانبه حتى يعود إلى موضع الرأس فإن فضل من الماء شئ صب على وسط القبر. فإذا سوى القبر وضع يده على قبره من حضر الجنازة استحبابا، ويفرج أصابعه بعد ما ينضح القبر بالماء ويدعو للميت فإذا انصرف الناس عن القبر تأخر أولى الناس بالميت وترحم عليه، ونادى بأعلى صوته إن لم يكن في موضع تقية يا فلان بن فلان: الله ربك ومحمد نبيك وعلي إمامك و الحسن والحسين ويسمي الأئمة واحدا واحدا أئمتك أئمة الهدى الأبرار، ويكره التابوت إجماعا فإن كان القبر نديا جاز أن تفرش بشئ من الساج أو ما يقوم مقامه. تجصيص القبور والبناء عليه في المواضع المباحة مكروه إجماعا. ويستحب أن يكون حفر القبر قدر قامة أو إلى الترقوة، واللحد ينبغي أن يكون واسعا بمقدار ما يتمكن الرجل فيه من الجلوس، ويجوز الاقتصار على الشق واللحد أفضل، ويكره نقل الميت من الموضع الذي مات فيه إلى بلد آخر إلا إذا نقل إلى بعض المشاهد فإنه يستحب ذلك. فإذا دفن في موضع مباح أو مملوك لا يجوز تحويله من موضعه، وقد رويت رخصة في جواز نقله إلى بعض المشاهد سمعناها مذاكرة والأول أفضل، ولا يترك المصلوب على خشبة أكثر من ثلاثة أيام. ثم ينزل إلى القبر ويوارى في التراب، ويكره تجديد القبور بعد اندراسها، ولا بأس بتطينها ابتداء والأفضل أن يترك عليه شئ من الحصا، ويكره أن يحفر قبر مع العلم به فيدفن فيه ميت آخر إلا عند الضرورة، والكفن يؤخذ من نفس التركة قبل قسمة الميراث وقضاء

[ 188 ]

الديون والوصايا. ثم يقضي الديون. ثم الوصايا. ثم الميراث، وإن كانت الميت امرأة لزم زوجها كفنها وتجهيزها ولا يلزم ذلك في مالها. ويستحب أن يدفن الميت في أشرف البقاع فإن كان بمكة ففي مقبرتها وكذلك المدينة والمسجد الأقصى، وكذلك مشاهد الأئمة عليه السلام وكذلك كل بلد له مقبرة تذكر بخير وفضيلة من شهداء أو صالحين وغيرهم، والدفن في المقبرة أفضل من الدفن في البيت لأن النبي صلى الله عليه وآله أجاز لأصحابه المقبرة فإن دفن في البيت جاز أيضا، ويستحب أن يكون للانسان مقبرة ملك يدفن فيها أهله وأقرباه، وإذا تشاح نفسان في مقبرة مسبلة فمن سبق إليها كان أولى بها لأنه بالحيازة قد ملكه وإن جاءا دفعة واحدة أقرع بينهما فمن خرج اسمه قدم على صاحبه، ومتى دفن في مقبرة مسبلة لا يجوز لغيره أن يدفن فيه إلا بعد اندراسها، ويعلم أنه قد صار رميما، وذلك على حسب الأهوية والترب فإن بادر انسان فنبش قبرا. فإن لم يجد فيه شيئا جاز أن يدفن فيه وإن وجد فيه عظاما أو غيرها رد التراب فيه ولم يدفن فيه. ومن استعار أرضا فدفن فيها فإن رجع فيه قبل الدفن كان له، وإن رجع فيه بعد الدفن لم يكن له لأن العارية على حسب العادة والدفن فيه يكون مؤبدا إلى أن يبلى الميت فحينئذ تعود الأرض إلى مالكها، ومن غصب غيره أرضا فدفن فيها جاز لصاحبها قلعه منها، والأفضل أن يتركه ولا يهتك حرمته، وإذا مات انسان وخلف ابنين أحدهما حاضر والآخر غايب فدفن الحاضر الميت في أرض مشتركة بينه وبين الغايب. ثم قدم الغايب يستحب له ألا ينقله لأنه لو كان أجنبيا استحب له ألا ينقله فإن اختار النقل كان له ذلك، ومتى اتفق ساير الورثة على دفنه في موضع ثم أراد بعضهم نقله فليس له ذلك، ومتى اختلفوا فقال بعضهم: يدفنه في الملك، وقال الباقون، يدفنه في المسبل فدفنه في المسبل أولى، ومتى دفن الميت في القبر ثم بيعت الأرض جاز للمشتري نقل الميت عنها، والأفضل أن يتركه لأنه لا دليل يمنع من ذلك. يكره أن يتكي على قبر أو يمشى عليه، ويكره أن يبنى على القبر مسجدا يصلى عليه إجماعا. إذا اختلفت الورثة في الكفن اقتصر على المفروض منه، إذا غصب ثوبا وكفن به

[ 189 ]

ميتا جاز لصاحبه نزعه منه والأفضل تركه وأخذ قيمته. إذا أخذ السيل الميت أو أكله السبع وبقي الكفن كان ملكا للورثة دون غيرهم إلا أن يكون تبرع انسان بتكفينه فيعود إليه دون الورثة إن شاء وإن يرد عليهم كان لهم. التعزية جايزة قبل الدفن وبعد الدفن، ويكفي في التعزية أن يراه صاحب المصيبة، ويكره الجلوس للتعزية يومين و ثلاثة إجماعا، ويستحب تعزية الرجال والنساء والصبيان ويكره تعزية الشباب من النساء للرجال الذين لا رحم بينهم وبينهن، ويستحب لقرابة الميت وجيرانه أن يعملوا طعاما لأرباب المصيبة ثلاثة أيام كما أمر النبي صلى الله عليه وآله لأهل جعفر رحمة الله عليه -. البكاء ليس به بأس، وأما اللطم والخدش وجز الشعر والنوح فإنه كله باطل محرم إجماعا، وقد روي جواز تخريق الثوب على الأب والأخ ولا يجوز على غيرهم وكذلك يجوز لصاحب الميت أن يتميز من غيره بإرسال طرف العمامة أو أخذ مئزر فوقها على الأب والأخ فأما على غيرهما فلا يجوز على حال

[ 190 ]

(كتاب الزكوة) * (فصل: في حقيقة الزكوة وما يحب فيها وبيان شروطها) * الزكوة في اللغة هي النمو يقال: زكى الزرع إذا نمى. وزكى الفرد إذا صار زوجا فشبه في الشرع إخراج بعض المال زكوة ما يؤول إليه من زيادة الثواب. وقيل أيضا إن الزكوة هي التطهير لقوله تعالى " أقتلت نفسا زكية " أي طاهرة من الذنوب. فشبه إخراج المال زكوة من حيث تطهر ما بقي، ولو لا ذلك لكان حراما من حيث إن فيه حقا للمساكين، وقيل: تطهير المالك من مآثم منعها، ومدار الزكوة على أربعة فصول: أحدها: ما يجب فيه الزكوة، وبيان أحكامه. وثانيها: من يجب عليه الزكوة وبيان شروطه. وثالثها: مقدار ما يجب فيها. ورابعها: بيان المستحق وكيفية القسمة. فأما الذي تجب فيه الزكوة فتسعة أشياء: الإبل، والبقر، والغنم، والدنانير، والدراهم، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. وشروط وجوب الزكوة في هذه الأجناس ستة: اثنان يرجعان إلى المكلف، و أربعة ترجع إلى المال. فما يرجع إلى المكلف: الحرية وكمال العقل، وما يرجع إلى المال: الملك والنصاب والسوم وحوؤل الحول، والحرية شرط في الأجناس كلها لأن المملوك لا تجب عليه الزكوة لأنه لا يملك شيئا، وكمال العقل شرط في الدنانير والدراهم فقط. فأما ما عداهما فإنه يجب فيه الزكوة، وإن كان مالكها ليس بعاقل من الأطفال والمجانين، والملك شرط في الأجناس كلها، وكذلك النصاب والسوم شرط في المواشي لا غير، وحوؤل الحول شرط في المواشي والدنانير والدراهم لأن الغلات لا تراعى فيها حؤول الحول. فهذه شرايط الوجوب. فأما شرايط الضمان فاثنان: الاسلام، وإمكان الأداء لأن الكافر وإن وجبت

[ 191 ]

عليه الزكوة لكونه مخاطبا بالعبادات فلا يلزمه ضمانها إذا أسلم، وإمكان الأداء لا بد منه لأن من لا يتمكن من الأداء وإن وجبت عليه. ثم هلك المال لم يكن عليه ضمان ونحن نذكر لكل جنس من ذلك فصلا مفردا إن شاء الله تعالى. * (فصل: في زكوة الإبل) * شرايط وجوب زكوة الإبل أربعة: الملك والنساب والسوم وحؤول الحول، و الكلام في ذلك كلام في ثلاثة فصول: في النصاب والوقص والفريضة. فالنصاب هو الذي يتعلق به الفريضة، والوقص هو ما لم يبلغ نصابا فهو وقص ذلك ويسمى شنقا، والفريضة فهي المأخوذ من النصاب. فالنصب في الإبل ثلاثة عشر نصابا: خمس وعشر وخمس عشرة وعشرون خمس وعشرون ست وثلاثون ست وأربعون إحدى وستون ست وسبعون إحدى و تسعون مائة وإحدى وعشرين، وما زاد على ذلك أربعون أو خمسون، والأوقاص فيها ثلاثة عشر وقصا، خمسة منها أربعة أو لها الأربعة الأولة، والثاني ما بين الخمس و العشر وما بين العشر إلى خمس عشر وما بين خمس عشرة إلى عشرين، وما بين عشرين إلى خمس وعشرين، وليس بين خمس وعشرين وست وعشرين وقص، واثنان تسعة تسعة بين ست وعشرين إلى ست وثلاثين، وما بين ست وثلاثين إلى ست وأريعين وثلاث بعد ذلك كل واحد أربع عشرة ما بين ست وأربعين إلى إحدى وستين وما بين إحدى وستين إلى ست وسبعين، وما بين ست وسبعين إلى إحدى وتسعين، وواحد تسع وعشرون، وهو ما بين إحدى وتسعين إلى مائة وإحدى وعشرين، وبعد ذلك واحد ثمانية وهو ما بين مائة وواحد وعشرين إلى مائة وثلاثين: ثم بعد ذلك تستقر الأشناق تسعة تسعة لا إلى نهاية. والفريضة المأخوذة منها اثنتي عشر فريضة خمس منها متجانسة وهو ما يجب في كل خمس من الإبل شاة إلى خمس وعشرين وسبعة مختلفة في ست وعشرين بنت مخاض أو ابن لبون ذكر نصا مقدرا لا بالقيمة، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة وفي إحدى وستين جذعة، وفي ست وسبعين بنت لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان. فإذا

[ 192 ]

بلغت مائة وإحدى وعشرين ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون بلا خلاف بين أصحابنا إلا أنهم يفصلوا، والأخبار مطلقة، والذي يقتضيه عمومها أن يراعي العدد فإن انقسمت خمسينات أخرجنا عن كل خمسين حقة، وإن انقسمت أربعينات أخرجنا عن كل أربعين بنت لبون فإن اجتمع فيها هذان أخرجنا عن كل خمسين حقة وعن كل أربعين بنت لبون. فيخرج من ذلك إن في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون إلى مائة و ثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون إلى مائة وأربعين حقتان، وبنت لبون إلى مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق إلى مائة وستين ففيها أربع بنات لبون إلى مائة وسبعين ففيها حقة وثلاث بنات لبون إلى مائة وثمانين ففيها حقتان وبنت لبون إلى مائة وتسعين ففيها ثلاث حقتان وبنت لبون إلى مأتين ففيها إما أربع حقاق أو خمس بنات لبون وعلى هذا الحساب بالغا ما بلغ لعموم قوله عليه السلام: في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون. وأسنان الإبل التي يؤخذ في الزكاة أربعة: أولها بنت مخاض، وهي التي استكملت سنه ودخلت في الثانية، وإنما سميت بنت مخاض لأن أمها ما خض وهي الحامل. والمخاض: اسم جنس لا واحد له من لفظه والواحد خلفه. وبنت لبون، وهي التي تم لها سنتان ودخلت في الثالثة، وسميت بنت لبون لأن أمها قد ولدت وصار لها لبن. والحقة وهي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل. وقيل: لأنها استحقت أن يحمل عليها. والجذعة بفتح الذال، وهي التي لها أربع سنين، وقد دخلت في الخامسة، وهي أكبر سن يؤخذ في الزكوة. فأما ما دون بنت مخاض فأول ما تنفصل ولدها يقال له فصيل ويقال له: حوار أيضا. ثم بنت مخاض بنت لبون. ثم الحقة. ثم الجذع، وقد فسرناها. فإذا كان له خمس سنين ودخل في السادسة فهو الثنى، وإن كان له ست سنين ودخل في السابعة فهو رباع ورباعية. فإن كان له سبع سنين ودخل في الثامنة فهو سديس وسدس. فإذا كان له ثمان سنين ودخل في التاسعة فهو بازل، وإنما سمي بازلا لأنه طلع نابه، ويقال له: بازل عام وبازل عامين. والبازل والمخلف واحد. فمن وجب عليه بنت مخاض

[ 193 ]

ولم يكن عنده وعنده ابن لبون ذكر أخذ منه لا على وجه القيمة بل هو مقدر فإن عدمهما كان مخير أن يشتري أيهما شاء. فإن وجبت عليه بنت مخاض وكانت عنده إلا أنها سمينة وجميع إبله مهازيل لا يلزمه إعطاؤها، وجاز أن يشتري من الجنس الذي وجب عليه. فإن تبرع بإعطائه أخذ منه. فإن اختار إعطاء ثمنه أخذ منه. والزكوة تجب بحؤول الحول فيما يراعى فيه الحول إذا كمل النصاب وباقي الشروط، ولا يقف الوجوب على إمكان الأداء فإن أمكنه ولم يخرج كان ضامنا، و الامكان شرط في الضمان، وفي الناس من قال: إن إمكان الأداء شرط في الوجوب، و الأول أظهر لقولهم عليه السلام: لا زكوة في مال حتى يحول عليه الحول (1) ولم يقولوا: إذا أمكن الأداء، وما بين النصاب والنصاب وقص لا يتعلق به الزكوة لا منفردا ولا مضافا إلى النصاب. من كان له خمس من الإبل فتلف بعضها أو كلها قبل الحول فلا زكوة فيها لأن الحول ما حال على نصاب، وإن حال الحول وأمكنه الأداء فلم يخرج زكاتها حتى هلكت أو بعضها فعليه زكوتها لأنه ضمنها بالتفريط. فإن حال الحول فتلفت كلها بعد الحول قبل إمكان الأداء فلا ضمان عليه لأن شرط الامكان لم يوجد بعد، وإن تلف منها واحدة بعد الحول قبل الامكان فمن قال: الامكان شرط في الوجوب يقول: لا شئ عليه، وعلى ما قلناه: من أن الامكان شرط في الضمان فقد هلكت بعد الوجوب وقبل الضمان خمس المال. فإذا هلك كان من ماله ومال المساكين لأن مال المساكين أمانة في يديه لم يفرط فيها فيكون عليها أربعة أخماس الشاة هذا إذا هلكت واحدة بعد الحول وقبل إمكان الأداء، وهكذا إذا هلك اثنتان أو ثلاث أو أربع. فإذا هلكت الكل فلا شئ عليه لأن شرط الضمان ما وجد. ومتى كان عنده تسع من الإبل فهلكت أربع بعد حؤول الحول قبل إمكان الأداء فعليه شاة لأن وقت الزكوة جاء وعنده خمس من الإبل سواء قلنا: إن إمكان الأداء

(1) المروية في الكافي ج 3 ص 525 عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يفيد المال. قال: لا يزكيه حتى يحول عليه الحول.

[ 194 ]

شرط في الوجوب أو الضمان لأن النصاب وجد على الوجهين. فإن كانت المسألة بحالها فهلك منها خمس بعد الحول قبل إمكان الأداء فمن قال: الامكان شرط في الوجوب قال: لا شئ عليه، وعلى ما قلناه: من أن الامكان شرط في الضمان فقد هلك خمسة أتساع المال بعد الوجوب وقبل الضمان فعليه أربعة أخماس شاة لأنه هلك من المال الذي تعلق الوجوب به خمسه. فإن كانت له ثمانون شاة فهلك منها أربعون بعد الحول قبل إمكان الأداء كان فيها شاة سواء قيل: إن الامكان شرط في الوجوب أو الضمان لأنه قد بقي معه نصاب كامل يجب فيه شاة. وإن كان له ست وعشرون من الإبل فحال الحول عليها. ثم هلك منها خمس قبل إمكان الأداء فمن قال: إمكان الأداء شرط في الوجوب قال: عليه أربع شياة لأن وقت الوجوب جاء ومعه أحد وعشرون، وفي عشرين أربع شياة وواحدة عفو، وعلى ما قلناه: إن إمكان الأداء شرط في الضمان فقد هلك خمس المال إلا خمس الخمس بعد الوجوب وقبل الضمان فما هلك منه ومن مال المساكين فيكون عليه أربعة أخماس بنت مخاض و أربعة أخماس خمسها وعلى المساكين خمس بنت مخاض إلا أربعة أخماس خمسها و إنما كان الأمر على ما قلناه في هذه المسائل لقوله عليه السلام: الإبل إذا بلغت خمسا ففيها شاة فأوجب فيها ولو وجبت في الذمة للزمه على كل حال. من وجبت عليه بنت مخاض وليست عنده وعنده ابن لبون ذكر أخذ منه ولا شئ له ولا عليه، وإن كانت عنده بنت لبون أخذت منه وأعطى شاتين أو عشرين درهما. وإن كانت عنده بنت مخاض وعليه بنت لبون أخذت منه ومعها شاتان أو عشرين درهما، وبين بنت لبون وحقة مثل ما بين بنت لبون وبنت مخاض لأيهما فضل أخذ الفضل، وكذلك ما بين حقة وجذعة سواء. فإن وجبت جذعة وليس معه إلا ما فوقها من الأسنان أي سن كان فليس فيه شئ مقدر إلا أنه يقوم ويترادان الفضل، وليس الخيار للساعي فيها من استيفاء أجوده

[ 195 ]

ولا للمعطي أيضا أن يعطي ردية، وإن تشاحا أقرع بين الإبل ويقسم أبدا حتى يبقى المقدار الذي فيه ما يجب عليه فيؤخذ عند ذلك. وأن وجبت عليه أسنان مختلفة مثل حقة وبنت لبون وعنده إحدى النوعين تراد الفضل، وقد بيناه، وكذلك الحكم فيما عداهما من الأسنان يؤخذ بالقيمة وتراد الفضل، وإن اختار المعطي أن يشتري ما وجب عليه كان له ذلك بعد أن لا يقصد شراء ردية. فإن كانت إبله كلها مهازيل لزمه منها. فإن كان فيها مهازيل وسمان أخذ منه وسطا ولا يؤخذ سمين ولا هزيل فإن تبرع فأعطا السمان جاز أخذه. وإن اجتمع مال يمكن أن يؤخذ منه حقة على حدته أو بنت لبون مثل أن يكون المال مأتين فإنه يجوز أن يؤخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون غير أن الأفضل أن يؤخذ أرفع الأسنان ولا يتشاغل بكسرة العدد فيؤخذ الحقاق. وإن كانت إبله صحاحا والأسنان الواجبة مراضا لا يؤخذ ذلك، ويؤخذ من الصحاح بالقيمة، وإنما قلنا: ذلك لقوله عليه السلام: ولا يؤخذ هرمة ولا ذات عوار، ويجوز النزول من الجذعة إلى بنت مخاض، والصعود من البنت مخاض إلى جذعة على ما قدر في الشرع بين الأسنان، فأما الصعود من جذعة إلى الثني وما فوقه فليس بمنصوص عليه لكنه يجوز على وجه القيمة، وكذلك النزول عن بنت مخاض يجوز على وجه القيمة وإن لم يكن منصوصا عليه. فإن كانت الإبل كلها مراضا أو معيبا لم يكلف شراء صحيح، ويؤخذ من وسط ذلك لا من جيدها ولا رديها فإن تشاحا استعمل القرعة. فإن كان عنده مهازيل وسمان أخذ بمقدار ما يصيب كل واحد من النوعين، وإن كان نصاب واحد نصفه مهازيل ونصفه سمان فإن تبرع صاحب المال فأعطى ما يجب عليه سمينا أخذ، وإن لم يفعل قوم ما يجب عليه مهزولا وسمينا، ويؤخذ منه نصفه بقيمة المهزول ونصفه بقيمة السمين، وعلى هذا يجري هذا الباب، وكذلك حكم المعايب سواء، ومن وجب عليه

[ 196 ]

جذعة حايلا جاز أن يؤخذ حاملا، ويسمى ماخضا إذا تبرع به صاحبه، وكذلك إذا اضربها الفحل ولا يعلم أهي حايل أو حامل؟ جاز أخذها به، والشاة التي تجب في الإبل ينبغي أن يكون الجذعة من الضأن والثنية من المعز روي ذلك سويد بن غفلة عن النبي صلى الله عليه وآله، ويؤخذ من نوع البلد لا من نوع بلد لا من نوع بلد آخر لأن الأنواع تختلف فالمكية بخلاف العربية، والعربية بخلاف النبطية، وكذلك الشامية والعراقية وسواء كان ما أخذ من الشاة ذكرا أو أنثى لأن الاسم يتناوله، وسواء كانت الإبل ذكورا أو إناثا لأنه لم يفرق في الشرع ذلك. وأما المعلوف فلا يلزمه فيه الزكوة على حال. والمال على ضربين: صامت وناطق، وإن شئت قلت: باطن وظاهر. فالوجوب قد بينا أنه يتعلق بحؤول الحول فيما عدا الغلات، وبلوغ النصاب، والضمان يتعلق بإمكان الأداء مع الاسلام، ومعناه إذا كانت الأموال باطنة من الذهب والفضة أن يقدر على دفعها إلى من تبرأ ذمته بالدفع إليه من الإمام أو خليفة الإمام أو مستحقيه. وإن كانت ظاهرة وهي الماشية والثمار والحبوب فالكلام في أحكامه مثل ما قلناه في الأموال الباطنة: من إمكان دفعها إلى الإمام أو خليفته أو مستحقيه سواء، وإن كان حمل ذلك إلى الإمام أولى لأن له المطالبة بهذه الصدقات. فإذا ثبت ما قلناه فإذا كان عنده مثلا أربعون شاة أو خمس من الإبل فحال عليها الحول وعدها الساعي أو لم يعدها فتلف بعضها قبل أن يمكنه تسليمها فما تلف فمنه و من المساكين على ما بيناه وهكذا الحكم فيه. إذا حال الحول على مائتي درهم فأفرد منها خمسة فتلف قبل إمكان الأداء ضمن بالحصة. إذا قبض الساعي مال الزكوة برئت ذمة المزكي فإن هلك في يد الساعي ما الزكوة من غير تفريط لم يكن عليه ضمان، وإن كان بتفريط ضمن الساعي، وتفريطه أن يقدر على إيصاله إلى مستحقه فلا يفعل على ما بيناه. والصعود والنزول في صدقة الإبل واحد وهو منصوص عليه من غير قيمة، و يجوز مثل ذلك في ساير أنواع ما يجب فيه الزكوة من البقر والغنم إلا أنه يكون بقيمة

[ 197 ]

من كان عنده ست وعشرون من الإبل فمرت ثلاث سنين يلزمه بنت مخاض للسنة الأولى. ثم ينقص عن النصاب الذي يجب فيه بنت مخاض فيلزمه خمس شياة في السنة الثانية، وفي الثالثة ينقص عن النصاب الذي فيه خمس شياة فيلزمه أربع شياة فيجتمع عليه بنت مخاض وتسع شياة، ومن كان عنده خمس من الإبل ومرت به ثلاث سنين لم يلزمه أكثر من شاة واحدة لأن الشاة استحقت فيها فيبقى أقل من خمس فلا يلزمه فيها شئ. * (فصل: في زكوة البقر) * شرائط زكوة البقر مثل شرائط الإبل. وهي الملك والنصاب والحول والسوم. فالنصب في البقر أربعة: أولها: ثلاثون فيه تبيع أو تبيعة. والثاني: أربعون فيه مسنة لا غير، ولا يجوز الذكر إلا بالقيمة. والثالث: ستون فيه تبيعان أو تبيعتان. والرابع: في كل أربعين مسنة وكل ثلاثين تبيع أو تبيعة فإن اجتمع عدد يمكن أن يخرج عن كل واحد منهما على الانفراد كان مخيرا في إخراج أيها شاء مثال ذلك مائة وعشرون من البقر فإن شاء أخرج ثلاث مسنات، وإن شاء أربع تبايع، وإخراج المسنات أفضل. والأوقاص فيها أربعة: أولها: تسع وعشرون، والثاني: تسعة ما بين الثلاثين إلى الأربعين. والثالث: تسع عشرة ما بين أربعين إلى ستين، والرابع: تسعة تسعة بالغا ما بلغ. والفرص فيها اثنان: تبيع أو تبيعة مخير في ذلك. والثاني: مسنة لا غير، و الخيار إلى رب المال غير أنه لا يؤخذ منه الردي، ولا يلزمه الجياد بل يؤخذ وسطا فإن تشاحا استعمل القرعة. فأما أسنان البقر فإذا استكمل ولد البقر سنة ودخل في الثانية فهو جذع وجذعة

[ 198 ]

فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة فهو ثنى وثنية. فإذا استكمل ثلاثا ودخل في الرابعة فهو رباع ورباعية. فإذا استكمل أربعا ودخل في الخامسة فهو سديس وسدس فإذا استكمل خمسا ودخل في السادسة فهو صالغ. بالصاد غير المعجمة والغين المعجمة ثم لا اسم له بعد ذلك هذا، وإنما يقال: صالغ عام، وصالغ عامين، وصالغ ثلاثة أعوام قال أبو عبيده: تبيع لا يدل على سن، وقال غيره: إنما سمي تبيعا لأنه يتبع أمه في الرعي، وفيهم من قال: لأن قرنه يتبع أذنه حتى صارا سواء. فإذا لم يدل اللغة على معنى التبيع والتبيعة فالرجوع فيه إلى الشرع، والنبي صلى الله عليه وآله قد بين. و قال تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة، وقد فسره أبو جعفر عليه السلام وأبو عبد الله عليه السلام بالحولي وأما المسنة فقالوا أيضا: فهي التي لها سنتان وهو الثنى في اللغة. فينبغي أن يعمل عليه، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: المسنة هي الثنية فصاعدا، ولا زكوة في شئ من البقر حتى يحول عليه الحول، ولا تعدلا مع أمهاتها ولا منفردا عنها بل لكل شئ حول نفسه وسواء كانت متولدة من أمهاتها أو مستفادة من غيرها أو من جنسها أو غير جنسها، وكذلك حكم الإبل والغنم سواء، ولا زكوة في شئ من العوامل منها، ولا المعلوف مثل ما قلناه في الإبل سواء فإن كانت المواشي معلوفة أو للعمل في بعض الحول وسائمة في بعضه حكم لأغلب فإن تساويا فالأحوط إخراج فإن قلنا: لا يجب فيها الزكوة كان قويا لأنه لا دليل على وجوب ذلك في الشرع والأصل براءة الذمة. * (فصل: في زكوة الغنم) * شرائط زكوة الغنم مثل شرائطا الإبل والبقر، وهي الملك والنصاب والسوم و الحول. والنصب في الغنم خمسة: أولها: أربعون فيها شاة. والثاني: مائة وإحدى وعشرون فيه شاتان. الثالث: مائتان وواحدة فيها ثلاث شياة.

[ 199 ]

والرابع: ثلاثمائة وواحدة فيها أربع شياة. الخامس: أربع مائة يؤخذ من كل مائة شياة بالغا ما بلغ. والعفو فيها خمسة: أولها: تسع وثلاثون: الثاني: ثمانون، وهي ما بين أربعين إلى مائة وأحد وعشرين. الثالث: تسعة وسبعون وهو ما بين مائة وأحد وعشرين إلى مأتين وواحدة. الرابع: مأة إلا واحدة ما بين مأتين وواحدة إلى ثلاث مائة و واحدة، الخامس: مائة إلا اثنتين وهو ما بين ثلاث مأة وواحدة إلى أربع مائة، ولا يؤخذ الربا وهي التي تربي ولدها إلى خمسة عشر يوما قيل: خمسين يوما فهي في هذه الحال بمنزلة النفساء من ابن آدم، ولا المخاض وهي الحامل ولا الأكولة وهي السمينة المعدة للأكل، ولا الفحل. وأسنان الغنم أول ما تلد الشاة يقال لولدها: سخلة ذكرا كان أو اثنى في الضأن والمعز سواء. ثم يقال بعد ذلك: بهيمة ذكرا كان أو أنثى فيهما سواء. فإذا بلغت أربعة أشهر فهي من المعز جفر للذكر والأنثى جفرة، وجمعها جفار. فإذا جازت أربعة أشهر فهي العقود وجمعها عقدان، وعريض وجمعها عراض، ومن حين ما يولد إلى هذه الغاية يقال لها: عناق للأنثى والذكر جدي، وإذ استكملت سنة الأنثى عنز والذكر تيس. فإذا دخلت في الثانية فهي جذعة، والذكر جذع، فإذا دخلت في الثالثة فهي الثنية والذكر الثنى. فإذا دخلت في الرابعة فرباع ورباعية. فإذا دخلت في الخامسة فهي سديس وسدس. فإذا دخلت في السادسة فهو صالغ. ثم لا اسم له بعد هذا السن لكن يقال: صالغ عام، وصالغ عامين، وعلى هذا أبدا. وأما الضأن فالسخلة والبهيمة مثل ما في المغز سواء ثم هو حمل للذكر والأنثى حتى دخل إلى سبعة أشهر. فإذا بلغت سبعة أشهر قال ابن الأعرابي: إن كان بين شابين فهو جذع، وإن كان بين هرمين فلا يقال: جذع حتى يستكمل ثمانية أشهر وهو جذع أبدا حتى يستكمل سنة. فإذا دخل في الثانية فهو ثنى وثنيه على ما ذكرناه في المعز سواء إلى آخرها، وإنما قيل: جذع في الضأن إذا بلغ سبعة أشهر وأجزأ في الأضحية لأنه إذا بلغ سبعة أشهر فإن له في هذا الوقت نزو وضراب، والمعز لا ينزو

[ 200 ]

حتى يدخل في السنة الثانية. فلهذا أقيم الجذع في الضحايا مقام الثنى من المعز، وأما الذي يؤخذ في الجذع الصدقة من الضأن ومن المعز الثني. فإذا ثبت ذلك فلا يخلو حال الغنم من أمور: إما أن يكون كلها من السن الذي يجب فيها فإنه يؤخذ منها، وإن كانت دونها في السن جاز أن يؤخذ منه بالقيمة، و إن كانت فوقه وتبرع بها صاحبها أخذت منه، وإن لم يتبرع رد عليه فاضل ما يجب عليه ولا يلزمه أكثر ما يجب عليه، ومتى كان عنده أربعون شاة أحد عشر شهرا، وأهل الثاني عشر فقد وجبت عليه الصدقة وأخذت منها. فإن ماتت قبل إمكان أدائه لا يجب عليه ضمانها، وإن ماتت بعد إمكان أدائها ضمنها، وإن لم يهل الثاني عشر وولدت أربعين سخلة وماتت الأمهات لم تجب الصدقة في السخال وانقطع حول الأمهات واستونف حول السخال. إذا كان المال ضأنا وما عزا وبلغ النصاب أخذ منه لأن كل ذلك يسمى غنما، ويكون الخيار في ذلك إلى رب المال إن شاء أعطى من الضأن، وإن شاء من المعز لأن اسم ما يجب عليه من الشياة يتناولهما إلا أنه لا يؤخذ أرداها، ولا يلزمه أعلاها وأسمنها بل يؤخذ وسطا، فإن كانت كلها ذكورا أخذ منه ذكرا، وإن كانت إناثا أخذ منه أنثى فإن أعطا بدل الذكر أنثى أو بدل الأنثى ذكرا أخذ منه لأن الاسم تناوله. إذا قال له رب الماشية: لم يحل على مالي الحول صدق، ولا يطالب ببينة ولا يلزمه يمين، ولا يقبل قول الساعي عليه لقول أمير المؤمنين عليه السلام لعامله: لا تخالط بيوتهم بل قل لهم: هل لله في أموالكم حق؟ فإن أجابوك نعم فامض معهم، وإن لم يجبك مجيب فارجع عنهم. فأما إذا شهد عليه شاهدان عدلان بحؤول الحول قبل ذلك أخذ منه الحق. إذا كان من جنس واحد نصاب، وكانت من أنواع مختلفة مثل أن يكون عنده أربعون شاة بعضها ضأن وبعضها ما عز، وبعضها مكية وبعضها عربية وبعضها شامية

[ 201 ]

يؤخذ منها شاة لأن الاسم يتناوله، ولا يقصد أخذ الأجود ولا يرضى بأدونه بل يؤخذ ما يكون قيمته على قدر قيمة المال، وكذلك الحكم في ثلاثين من البقر بعضها سوسي وبعضها نبطي وبعضها جواميس يؤخذ منها تبيع أو تبيعة من أوسط ذلك على قدر المال وكذلك الإبل إذا كان عنده ست وعشرون إبلا بعضها عربية وبعضها بختية وبعضها الوك وغير ذلك وجبت فيها بنت مخاض على قدر المال. وكذلك الحكم في الغلات إذا اتفق جنس واحد من أنواع مختلفة مثل أن يكون طعام بلغ النصاب بعضه أجود من بعض أو التمر بعضه أجود من بعض أو الزبيب مثل ذلك أخذ ما يكون على قدر المال. وكذلك القول في الذهب والفضة سواء بأن يكون بعضه دنانير صحاحا وبعضها مكسرة فالحكم فيه سواء. فإن كان سبايك أو غير منقوشة فلا زكوة فيها على ما نبينه إن شاء الله تعالى. إذا كان عنده نصاب في بلدين من الماشية كانت فيها فريضة واحدة مثال ذلك أن يكون له أربعون شاة في بلدين يلزمه زكوته لأنه قد اجتمع في ملكه نصاب وإن كانت أقل من نصاب في بلدين لا يلزمه كذلك، وإن كان له ثمانون شاة أو مائة وعشرون شاة في بلدين أو ثلاث بلاد لا يلزمه أكثر من شاة واحدة لأنها في ملك واحد، وإن كان في كل بلد نصاب فرب المال بالخيار بين أن يعطي في أي البلدين شاء. فإن وجبت عليه شياة كثيرة وله غنم في مواضع متفرقة يستحب أن يفرق ما يجب عليه في الموضع الذي فيه الماشية إذا وجد مستحقه فيه فإن كان له مثلا ثمانون شاة في بلدين فطالبه الساعي في كل بلد شاة فقال: إني أخرجتها في البلد الآخر قبل قوله، ولا يلزمه يمين لقول أمير المؤمنين عليه السلام لساعيه المقدم ذكره فجعل الأمر إلى صاحب المال ولم يأمره باليمين. فإن كان عنده مال فذكر أنه وديعة أو لم يحل عليه الحول قبل قوله ولا يلزمه اليمين لا وجوبا ولا استحبابا. والزكوة تجب في الأعيان يجب فيه الزكوة لا في الذمة لما روي عنهم عليه السلام

[ 202 ]

إذا بلغت أربعين ففيها شاة، والإبل إذا بلغت خمسا ففيها شاة، والبقر إذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة، والدنانير إذا بلغت عشرين ففيها نصف دينار، والدراهم إذا بلغت مأتين خمسة دراهم، وهذا صريح بأن الوجوب يتعلق بالأعيان لا بالذمة (1) ولأنه لا خلاف أنه لو تلف المال كله بعد الحول لم يلزمه شئ فدل على أن الفرض يتعلق بالأعيان لا بالذمة. من كان عنده أربعون شاة فحال عليها الحول فولدت شاة منها. ثم حال عليها الحول الثاني فولدت شاة ثانية ثم حال عليها حول ثالث وجب عليه ثلاث شياة لأن الحول الأول أتى عليه وهو أربعون وجب عليها فيها شاة فلما ولدت تمت من الرأس أربعين فلما حال الحول الثاني فقد حال الأمهات وعلى السخل الحول وهي أربعون وجب فيها شاة أخرى فلما ولدت تمت أربعين فلما حال عليها الحول وجب عليه ثلاث شياة فأما إذا كانت أربعين ولم تلد منها شئ أصلا وجبت فيها شاة فلما حال عليها الحول الثاني والثالث لم يلزمه أكثر من شاة واحدة لأن المال فد نقص عن النصاب، وإن كان معه مائتا شاة وواحدة ومرت به ثلاث سنين كان عليه سبع شياة لأنه، يلزمه في السنة الأولة ثلاث شياة، وفي كل سنة شاتان لأن المال في الثاني والثالث قد نقص عن مأتين وواحدة فلم يلزمه أكثر من شاتين، وعلى هذا الترتيب بالغا ما بلغ وبقي ما بقي. ومن قال: إن الزكوة تتعلق بالذمة فمتى مز على ذلك ثلاث سنين فما زاد عليها كان عليه في كل سنة مثل ما في الأولى فإن استكمل أربعين شاة صار كلها للفقراء و المساكين. من كان عنده نصاب من الماشية فغصبت. ثم عادت إلى ملكه في مدة الحول استأنف بها الحول سواء كانت سائمة عنده ومعلوفة عند الغاصب أو بالعكس من ذلك

(1) هذا هو المشهور، وادعى عليه الاجماع في المصابيح، ونسبه في التذكر إلى علمائنا وقال في السرائر، إنهم عليهم السلام أوجبوا الزكوة في الأعيان دون غيرها من الذمم، وقال بعض: القائل بالذمة مجهول ونسبه بعض إلى شذوذ من الأصحاب، ونقله في المعتبر عن بعض العامة، وحكي في البيان عن ابن حمزة أنه نقله عن بعض الأصحاب ولعله في الواسطة إذ ليس في الوسيلة أثره انظر مفتاح الكرامة كتاب الزكاة ص 109.

[ 203 ]

وقيل: إنه إذا كمل الحول فعليه الزكوة لأنه مالك النصاب، وقد حال عليه الحول، والأول أحوط لأنه يراعي في المال إمكان التصرف فيه طول الحول، وهذا لم يتمكن وعلى هذا إذا كان معه دنانير أو دراهم نصابا فغصبت أو سرقت أو دفنها فنسيها فليس عليه فيها الزكوة ولا يتعلق في أعيانها الزكوة. فإذا عادت إليه استأنف بها الحول ولا يلزمه أن يزكي لما مضى، وقد روي: أنه يزكي لسنة واحدة وذلك محمول على الاستحباب. ومن أسر في بلد الشرك وله في بلد الاسلام مال فعلى ما اعتبرناه من إمكان التصرف في المال لا زكوة عليه، وعلى القول الثاني يزكي لما مضى لحصول الملك والنصاب، و يقوي القول الآخر قولهم عليه السلام: لا زكوة في مال الغائب. إذا كانت عنده أربعون شاة فنتجت شاة. ثم ماتت واحدة منها فلا يخلو من أن يموت قبل الحول أو بعده. فإن ماتت قبله فليس فيها شئ سواء ولدت الشاة في حال موت الأخرى أو بعدها لأن الحول ما حال على النصاب كاملا، والسخال لا تعد مع الأمهات على ما بيناه، وإن ماتت بعد الحول أخذ منها شاة لأنها وجبت فيها بحؤول الحول إلا أن على ما قلناه: من أن الشاة يجب فيها يحب أن ينقص من الشاة جزء من أربعين لأن الشاة ماتت من مال رب الغنم، ومن مال المساكين لأن مالهم واحدة منها، ومن كانت عنده أربعون شاة فضلت واحدة. ثم عادت قبل حؤول الحول أو بعده وجب عليه فيها شاة لأن النصاب والملك وحؤول الحول قد حصل فيه فإن لم يعد إليه أصلا فقد انقطع الحول بنقصان النصاب فلا يلزمه شئ، وإن قلنا: إنها حين ضلت انقطع الحول لأنه لم يتمكن شيئا من التصرف فيها مثل مال الغايب فلا يلزمه شئ، وإن عادت كان قويا. المسلم الذي ولد على فطرة الاسلام إذا ارتد وله مال فلا يخلو أن يكون قد حال عليه الحول أو لم يحل. فإن كان قد حال عليه الحول وجب في ماله الزكاة وأخذت منه، ولا ينتظر عوده إلى الاسلام فإنه يجب قتله على كل حال، وإن كان لم يحل على ماله الحول لم يجب فيه شئ، وكان المال لورثته يستأنف به الحول فإن ملكه قد زال

[ 204 ]

بارتداده ووجب القتل عليه على كل حال، وإن كان قد أسلم عن كفر. ثم ارتد لم يزل ملكه، وإن كان قد حال على المال الحول أخذ منه الزكوة، وإن لم يكن حال الحول. انتظر به حؤول الحول ثم يؤخذ منه الزكوة فإن عاد إلى الاسلام وإلا قتل فإن لحق بدار الحرب ولا يقدر عليه زال ملكه وانتقل المال إلى ورثته إن كان له ورثة وإلا إلى بيت المال، وإن كان حال عليه الحول أخذ منه الزكوة، وإن لم يحل عليه لم يجب عليه شئ من غل ماله أو بعضه حتى لا يؤخذ منه صدقة فإذا وجد أخذ منه الواجب من غير زيادة عليه، وعلى الإمام تعزيره. المتغلب على أمر المسلمين إذا أخذ من الانسان صدقة ماله لم يجز عنه ذلك، و يجب عليه إعادته لأنه ظلم بذلك، وقد روي أن ذلك يجزيه، والأول أحوط. المتولد بين الظباء والغنم إن كانت الأمهات ظباء لا خلاف أنه ليس فيه زكوة وإن كانت الأمهات غنما فالأولى أن يجب فيها الزكوة لأن اسم الغنم يتناوله فإنها تسمى بذلك، وإن قلنا: لا يجب عليه شئ لأنه لا دليل عليه، والأصل براءة الذمة كان قويا، والأول أحوط. الخلطة لا تأثير لها في الزكوة سواء كانت خلطة أعيان أو خلطة أو صاف بل يعتبر ملك كل مالك على حدته فإذا بلغ ملكه نصابا تجب فيه الزكوة أخذ منه في موضع واحد كان أو مواضع متفرقة فإن لم يبلغ ملكه مفردا النصاب لم يلزمه شئ، ولا يؤخذ من ماله شئ، وسواء كانت الخلطة في المواشي أو الغلات أو الدراهم أو الدنانير، وعلى كل حال، وصفة خلطة الأعيان أن يكون بين شريكين مثلا أربعون شاة فليس عليهما شئ، وإن كان بينهما ثمانون شاة كان عليهما شاتان، وإن كانت مائة وعشرين بين ثلاث كان عليهم ثلاث شياة، وإن كانت المأة وعشرون لاثنين كان عليهما شاتان، وإن كانت لواحد كان عليه شاة واحدة، وكذلك حكم الأصناف الباقية من الإبل والبقر غير ذلك يجري على هذا المنهاج. وخلطة الأوصاف أن يكون الملك متميزا غير أنهم يشتركون في مرعى واحد أو مشرب واحد أو مراح أو محل واحد فالحكم مثل ذلك سواء، وقد بينا أن حكم

[ 205 ]

الدنانير والدراهم في أنه لا يجب الزكوة في نصاب واحد إذا كان بين شريكين حكم المواشي سواء، وكذلك حكم الغلات. إذا كان وقف على انسان واحد أو جماعة ضيعة فدخل منها الغلة وبلغت نصابا فإن كان لواحد تجب فيه الزكوة، وإن كان لجماعة وبلغ نصيب كل واحد النصاب كان عليهم الزكوة، وإن نقص من ذلك لا يلزمهم شئ لأن ملك كل واحد قد نقص عن النصاب وإنما أوجبنا الزكوة لأنهم يملكون الغلة، وإن كان الوقف غير مملوك وإن وقف على انسان أربعين شاة وحال عليها الحول لا تجب فيه الزكوة لأنها غير مملوكة و الزكوة تتبع الملك فإن ولدت وحال على الأولاد الحول، وكانت نصابا وجب عليه فيها الزكوة. إذا كان الواقف شرط أن جميع ما يكون منها للموقوف عليه، وإن ذكر أن الغنم وما يتوالد عنها وقف فإنما لهم منافعها من اللبن والصوف لا تجب عليهم الزكوة لما قلناه من عدم الملك، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وآله: لا نجمع بين متفرق، ولا نفرق بين مجتمع إنه إذا كان لانسان مائة وعشرون شاة في ثلاثة مواضع لم يلزمه أكثر من شاة واحدة لأنها قد اجتمعت في ملكه، ولا يفرق عليه ليؤخذ ثلاث شياة، وكذلك إن كان أربعون شاة بين شريكين فقد تفرق في الملك فلا يجمع ذلك ليؤخذ شاة، وعلى هذا ساير الأشياء ولا فرق بين أن يكون الشركة من أول الحول أو بعد الحول بزمان، وسواء كان ذلك ببيع أو غير بيع كل ذلك لا معتبر به. فإذا ثبت ذلك فكل ما يتفرع على مال الخلطة، وكيفية الزكوة فيها تسقط عنا وهي كثيرة. من اشترى أربعين شاة ولم يقضها حتى حال عليها الحول فإن كان متمكنا من قبضها أي وقت شاء كان عليه الزكوة، وإن لم يتمكن من قبضها لم يكن عليه شئ. من كان له أربعون شاة فاستأجر أجيرا بشاة منها. ثم حال عليها الحول لم يجب فيها الزكوة لأنه قد نقص الملك عن النصاب سواء فرد تلك الشاة أو لم يفرد، والخلطة لا تتعلق بها زكوة على ما بيناه. المكاتب المشروط عليه لا زكوة في ماله ولا على سيده لأنه ليس بملك لأحدهما

[ 206 ]

ملكا صحيحا لأن العبد لا يملكه عندنا، والمولى لا يملكه إلا بعد عجزه. فإذا ثبت ذلك فإذا أخذه السيد استأنف به الحول، وكذلك إن أدى مال مكاتبته استأنف الحول بما يبقى معه، وعلى هذا لا يلزمه أيضا الفطرة لأنه غير مالك. ولا يلزم مولاه إلا أن يكون في عيلولته، وإن قلنا: إنه لا يلزم مولاه فطرته كان قويا لعموم الأخبار في أنه يلزمه الفطرة أن يخرجه عن نفسه وعن مملوكه والمشروط عليه مملوك، وإن كان غير مشروط عليه يلزمه ومقدار ما تحرر منه، ويلزم مولاه بمقدار ما يبقى، وإن قلنا: لا يلزم واحد منهما لأنه لا دليل عليه لأنه ليس بحر فيلزمه حكم نفسه ولا هو مملوك لأنه يحرر منه جزء، ولا هو من عيلولة مولاه فيلزمه فطرته لمكان العيلولة كان قويا. إذا ملك المولى عبده مالا فلا يملكه، وإنما يجوز له التصرف فيه والتسري منه إذا كان مطلقا، ويلزم المولى زكوته لأنه ملكه لم يزل عنه، وأما فاضل الضريبة وأروش ما يصيبه في نفسه من الجنايات فمن أصحابنا من قال: إنه يملكه فعلى قوله يلزمه الزكوة، ومنهم من قال: لا يملكه، وهو الصحيح فعلى المولى زكوته لأنه له، ويجوز له أن يأخذ منه أي وقت شاء ويتصرف فيه، وإن جاز للعبد أيضا التصرف فيه. من نقص ماله من النصاب لحاجة إليه لم يلزمه الزكوة إذا حال عليه الحول، وإن نقصه من غير حاجة فعل مكروها، ولا يلزمه شئ إذا كان التنقيص قبل الحول فأما إذا نقصه بعد الحول فإنه يلزمه الزكوة إذا بادل جنسا بجنس مخالف مثل إبل ببقر أو بقر بغنم أو غنم بذهب أو ذهب بفضة أو فضة بذهب استأنف الحول بالبدل وانقطع حول الأول، وإن فعل ذلك فرارا من الزكوة لزمته الزكوة، وإن بادل بجنسه لزمه الزكوة مثل ذهب بذهب أو فضة بفضة أو غنم بغنم وما أشبه ذلك، و متى بادل ما تجب الزكوة في عينه بما يجب الزكوة في عينه لم تخل المبادلة من أحد أمرين: إما أن يكون صحيحة أو فاسدة فإن كان صحيحة استأنف الحول من حين المبادلة. فإن أصاب بما بادل به عيبا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون علم قبل وجوب الزكوة فيه أو بعد وجوبها. فإن علم بالعيب قبل وجوب الزكوة فيه مثل أن

[ 207 ]

مضى من حين المبادلة دون الحول كان له الرد بالعيب. فإذا أراد استأنف الحول من حين الرد لأن الرد بالعيب فسخ العقد في الحال وتجدد ملك في الوقت. فإذا كان بعد وجوب الزكوة فيه لم يخل من أحد أمرين فيه: إما أن يعلم قبل إخراج الزكوة منه أو بعد إخراجها. فإن كان قبل إخراج الزكوة منه لم يكن له رده بالعيب لأن المساكين قد استحقوا جزءا من المال على ما بيناه من أن الزكوة تتعلق بالمال لا بالذمة، وليس له رد ما يتعلق حق الغير به فإن أخرج الزكوة منها لم يكن له رده بالعيب وله المطالبة بأرش العيب لأنه تصرف فيه، وإن أخرج من غيرها كان له الرد، وإن كانت المبادلة فاسدة فالملك ما زال من واحد منهما ويبنى على كل واحد منهما على حوله، ولم يستأنف من كان عنده نصاب من مال فحال عليه الحول، ووجبت الزكوة فباع رب المال النصاب كله فقد باع ما يملك وما لا يملك من حق المساكين لأنا قد بينا أن الحق يتعلق بالعين لا بالذمة فيكون العقد ماضيا فيما يملكه وفاسدا فيما لا يملكه فإن أقام عوضا للمساكين من غيره مضى البيع صحيحا لأن له أن يقيم حق المساكين من غير ذلك المال وإن لم يقم كان للمشتري رد المال بالعيب لأنه باع ما لا يملك وليس يمكنه مقاسمة المساكين لأن ذلك إلى رب المال وهو المطالب به. إذا أصدق الرجل امرأته شيئا ملكته بالعقد وضمنه بالقبض فهو من ضمانه حتى يقبض فإذا قبضت صار من ضمانها. فإن طلقها لم تخل من أحد أمرين: إما أن يكون قبل الدخول أو بعده. فإن كان بعد الدخول استقر لها كله ولم يعد إليه شئ منه، و إن كان قبل الدخول عاد إليه نصف الصداق ولا يخلوا أن يكون العين باقية أو تالفة. فإن كانت قائمة أخذ نصفها دون قيمتها، وإن كان لها نماء نصف نمائها، وإن كانت تالفة نظر فإن كان لها مثل الحبوب والأدهان والأثمار كان له نصف المثل، وإن لم يكن له مثل كالعبد والثياب وغيرهما رجع بنصف القيمة يوم العقد لأن بالعقد قد صار ملكها، وإن كان قد زاد في الثمن كانت الزيادة لها، وإن نقص كان من ضمانها يرجع عليها به، وإن كان أصدقها أربعين شاة معينة فقد ملكها بالعقد وجرت في الحول من

[ 208 ]

حين ملكتها قبل القبض وبعده فإن طلقها بعد الدخول بها فقد استقر لها الملك والصداق ولا شئ له فيه. فإذا حال الحول وجبت فيه الزكوة، وإن كان قبل الدخول لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون قبل الحول أو بعده. فإن كان قبل الحول عاد إليه النصف، و إن كان بعد الحول لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يكون قد أخرجت منه الزكوة من عينها أو من غيرها أو لم يخرج أصلا فإن كان قد أخرجت من غيرها أخذ الزوج نصف الصداق لأنه أصابه بعينه حين الطلاق، وإن كان أخرجت الزكوة من عينها و بقي تسعة وثلاثون شاة كان له منها عشرون لأنه نصف ما أعطاها، وإن لم يكن أخرجت الزكوة بعد نظرت فإن أخرجتها من عين المال كان كما لو طلقها بعد أن أخرجتها من عينه أخذ مما بقي عشرين شاة وإن أخرجتها من غيرها فهو كما لو طلقها بعد أن أخرجتها من غيره، وإن لم يكن أخرجت الزكوة لكن اقتسمت هي والزوج الصداق كان ما أخذه الزوج صحيحا، وعليها فيما أخذته حق أهل الصدقات فإن هلك نصيبها وبقي نصيب الزوج كان للساعي أن يأخذ حقه من نصيب الزوج، ويرجع الزوج عليها بقيمته لأن الزكوة استحقت في العين دون الذمة هذا إذا أصدقها أربعين شاة بأعيانها. فأما إذا أصدقها أربعين شاة في الذمة فلا يتعلق بها الزكوة لأن الزكوة لا تجب إلا فيما يكون سائما، وما يكون في الذمة لا يكون سائما، وأما إذا قال لها: أصدقتك أربعين شاة من جملة غنم له كثيرة كان الصداق باطلا لأنه مجهول. إذا وجبت الزكوة في ماله فرهن المال قبل إخراج الزكوة منه لم يصح الرهن في قدر الزكوة ويصح فيما عداه، وكذلك الحكم لو باعه فيما عدا مال المساكين، ولا يصح فيما لهم. ثم ينظر فإن كان الرهن مال غيره وأخرج حق المساكين منه سلم الرهن جميعه وكذلك البيع، وإن لم يكن له مال سواه أخرج الزكوة منه. فإذا فعل ذلك كان الرهن فيما عدا مال المساكين، ومتى رهن قبل أن تجب فيه الزكوة. ثم حال الحول وهو رهن وجبت الزكوة، وإن كان رهنا لأن ملكه حاصل. ثم ينظر فيه فإن كان للراهن مال سواه كان إخراج الزكوة منه، وإن كان معسرا فقد تعلق

[ 209 ]

بالمال حق المساكين يؤخذ منه لأن حق المرتهن بدلالة إن هلك المال رجع على الراهن بماله، ثم يليه حق الرهن الذي هو رهن به، وإن كان على صاحبه دين آخر سواه تعلق بعد إخراج الحقين به * (فصل: في زكوة الذهب والفضة) * شروط زكوة الذهب والفضة أربعه: الملك والنصاب والحول وكونهما مضروبين دنانير أو دراهم منقوشين. ولكل واحد منهما نصابان، وعفوان: فأول نصاب الذهب: عشرون مثقالا ففيه نصف دينار. والثاني: كلما زاد أربعه فيه عشر دينار بالغا ما بلغ. والعفو الأول فيه: ما نقص عن عشرين مثقالا ولو حبة أو حبتين. والثاني: ما نقص عن أربعة مثاقيل مثل ما قلناه. والأول نصاب الفضة: مأتا درهم ففيه خمسة دراهم. والثاني: كلما زاد أربعين درهما ففيه درهم. والعفو الأول: ما نقص عن المأتين ولو حبة أو حبتين. الثاني: ما نقص عن الأربعين مثل ذلك، ولا اعتبار بالعدد في الجنسين سواء كانت ثقالا أو خفافا، وإنما المراعى الوزن، والوزن هو ما كان من أوزان الاسلام كل درهم ستة دوانيق وكل عشرة سبعة مثاقيل. إذا كان معه دراهم جيدة الثمن مثل الروضية منه والراضية ودراهم دونها في القيمة ومثلها في العيار ضم بعضها إلى بعض، وأخرج منها الزكوة، والأفضل أن يخرج من كل جنس ما يخصه، وإن اقتصر على الاخراج من جنس واحد لم يكن به بأس لأنه عليه السلام قال: في كل مأتين خمسة دراهم ولم يفرق، وكذلك حكم الدنانير سواء الدراهم المحمول عليها لا يجوز إنفاقها إلا بعد أن يتبين ما فيها، ولا يجب فيها الزكوة حتى يبلغ ما فيها من الفضة نصابا فإذا بلغ ذلك فلا يجوز أن يخرج دراهم مغشوشة، وكذلك إن كان عليه دين دراهم فضة لا يجوز أن يعطي مغشوشة، وإن أعطى لم تبرأ

[ 210 ]

ذمته بها وكان عليها تمامها، ومتى كان معه مثلا ألف درهم مغشوشة فإن أخرج منها خمسة وعشرين درهما فضة خالصة فقد أجزأ لأنه أخرج الواجب وزيادة. فإن أراد إخراج الزكوة منها ففيه ثلاث مسائل: أحدها: أن يحيط علمه بقدر الفضة فيها فيعلم أن في الألف ست مائة فضة، و في كل عشرة ستة. فإذا عرف ذلك أخرج منها خمسة وعشرين من الألف فيكون قد أخرج زكوة ستمائة خمسة عشرة بقرة. الثانية: أن لا يحيط علمه بالمقدار لكنه إذا استظهر عرف أنه أعطا الزكوة وزيادة. فإنه يخرج على هذا الاستظهار ما يقطع بأنه أخرج قدر الواجب. الثالثة: قال: لا أعرف مبلغها ولا استظهر قيل له: عليك تصفيتها حتى تعرف مبلغها خالصة فحينئذ يخرج الزكوة على ذلك، ولا فرق بين أن يتولى ذلك بنفسه أو يحمله إلى الساعي لأن حمله على وجه التبرع دون الوجوب لأن الأموال الباطنة لا يلزمه حملها إلى الساعي، وإنما يستحب له حملها إلى الساعي. فأما سبايك الذهب والفضة فإنه لا يجب فيها الزكوة إلا إذا قصد بذلك الفرار فيلزمه حينئذ الزكوة. فإذا ثبت ذلك فمتى كان معه ذهب وفضة مختلطين مضروبين دراهم أو دنانير يلزمه أن يخرج بمقدار ما فيه من الذهب ذهبا، ومن الفضة فضة، وإن كانت أواني ومراكب وحليا وغير ذلك أو سبايك فإنه لا يلزمه زكوتها، وكذلك الحكم فيما كان محرى في السقوف المذهبة وغير ذلك، وإن كان فعل ذلك محظورا لأنه من السرف غير أنه لا يلزمه الزكوة، ومن قصد بذلك الفرار لزمه زكوته في جميع ذلك فإن تحقق أخرج ما تحقق وإلا أخذ بالاستظهار أو صفاها. إذا كان معه مائتا درهم خالصة منها خمسة دراهم مغشوشة لم يجزه، و عليه إتمام الجياد سواء كانت نصفين أو أقل أو أكثر إذا كان معه خلخال فيه مائتان وقيمته لأجل الصنعة ثلاث مائة لا يلزمه زكوته لأنه ليس بمضروب، وإن كان قد فر به من الزكوة لزمه زكوته على قول بعض علماءنا فعلى هذا يلزمه ربع عشرها، وفيه خمس

[ 211 ]

مسائل فإن كسرها لا يمكنه لأنه يتلف ماله ويهلك قيمته. فإن أعطا خمسة قيمتها سبعة ونصف قبلت منه لأنه مثل ما وجب عليه، وإن جعل للفقراء ربع عشرها إلى وقت بيعها قبل منه ذلك، وإن أعطا بقيمته ذهبا يساوي سبعة ونصف أجزأه أيضا لأنه يجوز إخراج القيمة عندنا، وإن كان مكان الخمسة سبعة دراهم ونصف لم يقبل منه لأنه ربا. أواني الذهب والفضة محظور استعمالها ولا قيمة للصنعة يتعلق الزكوة بها إلا إذا قصد الفرار فإنه إذا قصد الفرار ربع عشرها، وفيه الخمس مسائل: فإذا أراد كسرها للزكوة جاز، وإن أعطى مشاعا جاز، وإن أعطى من غيره من جنسه وطبعه أجزأه، وإن أعطى بقيمته ذهبا أو غيره جاز، وإن أعطى بقيمته فضة لم يجز لأنه ربا ومن أتلفها لزمه قيمتها قيمة الفضة لأن الصنعة محرمة لا يحل تملكها و عليه وزنها من نوعها، ومن قال: اتخاذها مباح ألزمه قيمتها مع الصنعة، ويؤخذ منه وزنا مثل وزنه بحذاء وزنه لمكان الصنعة من غير جنسه لئلا يؤدي إلى الربا، والأولى أن يجوز ذلك لأن الزيادة يكون لمكان الصنعة لا للتفاضل. ولا زكوة في المال الغايب، ولا في الدين إلا أن يكون تأخيره من جهته. فأما إن لم يكن متمكنا فلا زكوة عليه في الحال. فإذا حصل في يده استأنف له الحول، و في أصحابنا من قال: يخرج لسنة واحدة هذا إذا كان حالا فإن كان مؤجلا فلا زكوة فيه أصلا لأنه لا يمكنه في الحال المطالبة به، وقد روي أن مال القرض الزكوة فيه على المستقرض (1) إلا أن يكون صاحب المال قد ضمن الزكوة عنه، وإن كان معه بعض النصاب وبعضه دين فتمكن من أخذه ضم الدين إلى الحاصل وأخرج زكوة جميعه، وحكم مال الغايب حكم الدين سواء فإن لم يتمكن منه لم يضم إليه، ويعتبر نصاب

(1) رواها في الكافي ج 3 ص 520 عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل دفع حينئذ إلى رجل مالا قرضا على من زكاته على المقرض أو على المقترض قال: لا بل زكاتها إن كانت موضوعة عنده حولا على المقترض الحديث.

[ 212 ]

الحاصل مفردا، ومن كان له مال دفنه وخفى عليه موضعه سنين. ثم وجده لم يلزمه زكوة ما مضى، وقد روي أنه يزكيه لسنة واحدة. يكره أن يخرج الزكوة من ردئ ماله، وينبغي أن يخرجه من جيده أو من وسطه، والأفضل إخراجه من الجنس الذي وجب فيه، ومتى أخرج من غير جنسه أخرجه بالقيمة إذا لم يكن مما فيه ربا. فإن كان مما فيه ربا أخرج مثلا بمثل، و يكون ترك الاحتياط. والحلي على ضربين: مباح ومحظور، فالمحظور مثل حلي النساء للرجال مثل أن يتخذ الرجل خلخالا أو سوارا أو غير ذلك، ومثل حلي الرجال إذا اتخذته النساء مثل المنطقة، وحلي السيف والخاتم إذا كان من فضة وما أشبه ذلك. فإنه لا زكوة فيها لأنا قد قدمنا أن المسبوك لا زكوة فيه فإن قصد الفرار بذلك من الزكوة لزمه ذلك وأما الحلي المباح فهو حلي النساء للنساء، وحلي الرجال للرجال فهي أيضا لا زكوة فيه لما مضى، ولما روي أنه لا زكوة في الحلي وزكوته إعارته (1). يجوز للرجال أن يتحلى بمثل المنطقة والخاتم والسكين والسيف من فضة ولا يجوز ذلك في حلي الدواة، وحلي القوس لأن ذلك من الآلات، والآلات الفضة محرمة استعمالها، وإن قلنا: إنه مباح لأنه لا دليل على تحريمه كان قويا. وأما الذهب فإنه لا يجوز أن يتحلى بشئ منه على حال لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه خرج يوما وفي يده هرير وقطعة ذهب فقال: هذان حرامان على ذكور أمتي، وحلالان على إناثها، ولا يجوز أن يحلى المصحف بفضة لأن ذلك حرام. حلي النساء المباح مثل السوار والخلخال والتاج والقرطة. فأما إذا اتخذت حلي الرجال مثل السيف والسكين فإنه حرام، وحكم المرأة حكم الرجل سواء. والمفدمة (2)

(1) رواها في الكافي ج 3 ص 518 عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: زكاة الحلي عاريته.
(2) الثوب المقدم بإسكان الفاء: المصبوغ بالحمرة صبغا مشبعا، والظاهر أن المقدمة آنية توضع فيها الصبغ الأحمر للتزيين.

[ 213 ]

والمعندمة (1) والمرآة والمشط والميل والمكحلة، وغير ذلك فكله حرام لأنه من الأواني والآلات غير أنه لا يجب فيها الزكوة لأنه ليس بمنقوش. ونصب الأواني بالفضة مكروه للحاجة وغير الحاجة، ومتى حصل شئ من ذلك يجتبت موضع الفضة في الاستعمال. إذا انكسر الحلي كسرا يمنع من الاستعمال والصلاح أولا يمنع من الاستعمال والصلاح فعلى جميع الوجوه لا زكوة فيه وسواء نوى كسره أولم ينو لأنه ليس بدراهم ولا دنانير. وإذا ورث حليا فلا زكوة عليه فيه سواء نوى استعماله للزوجة أو الجارية أو لم ينو أو العارية أو لم ينو لأنه ليس بدراهم ولا دنانير، وإذا خلف دنانير أو دراهم نفقة لعياله لسنة أو لسنتين أو أكثر من ذلك فكانت نصابا فإن كان حاضرا وجب عليه فيها الزكوة، وإن كان غايبا لم يلزمه فيها الزكوة، ومن ورث مالا ولم يصل إليه إلا بعد أن يحول عليه حول أو أحوال فليس عليه زكوة إلى أن يتمكن منه ويحول بعد ذلك عليه حول، ومال القرض زكوته على المستقرض دون المقرض إلا أن يشرط على المقرض زكوته فإنه يلزمه حينئذ بحسب الشرط، وإذا ملك من أجناس مختلفة وما يكون بمجموعها أكثر من نصاب ونصابين، ولا يبلغ كل جنس نصابا لم يلزمه زكوتها ولا يضم بعضها إلى بعض بل يراعى كل جنس بإنفراده نصابا مثل أن يكون معه مأتا درهم إلا عشرة وتسعة عشر دينارا وتسعة وثلاثون شاة وتسعة وعشرون بقرة وأربع من الإبل وأربعة أوسق من الغلات لم يلزمه زكوة، و كذلك الغلات يراعى في كل جنس منها نصاب منفرد ولا يضم بعضها إلى بعض، ويجوز إخراج القيمة في سائر الأجناس بقيمة الوقت سواء كان من جنس الأثمان أو من غير الأثمان.

(1) المعندمة: هي آنية العندم. قال بعض أهل اللغة: العندم: خشب نبات يصبغ به.

[ 214 ]

* (فصل: في زكاة الغلات) * شروط زكوة الغلات اثنان: الملك والنصاب. فالنصاب فيها واحد والعفو واحد فالنصاب ما بلغ خمسة أو ساق بعد إخراج حق السلطان والمؤن كلها. والوسق: ستون صاعا والصاع أربعة إمداد، والمد: رطلان وربع بالعراقي. فإذا بلغ ذلك ففيه العشر إن كان سقى سيحا أو شرب بعلا (1) أو كان عذيا، وإن سقى بالغرب (2)، والدوالي وما يلزم عليه مؤن ففيه نصف العشر وما زاد على النصاب فبحسابه بالغا ما بلغ، والعفو ما نقص عن خمسة أوسق، وإذا كانت الغلة مما قد شربت سيحا وغير سيح حكم فيها بحكم الأغلب. فإن كان الغالب سيحا أخذ منه العشر، وإن كان الغالب غير السيح أخذ منها نصف العشر. فإن تساويا أخذ نصفه بحساب العشر، والنصف الآخر بحساب نصف العشر. والقول قول رب المال في ذلك مع يمينه. ووقت وجوب الزكوة في الغلات إذا كانت حبوبا إذا اشتدت، وفي الثمار إذا بدا صلاحها، وعلى الإمام أن يبعث سعاته لحفظها، والاحتياط عليها كما فعل النبي صلى الله عليه وآله بخيبر، ووقت الاخراج إذا ديس الحب ونقى وصفي، وفي الثمرة إذا جففت وشمست، والمراعي في النصاب مجففا مشمسا. فإن أراد صاحب الثمرة جذاذها (3) رطبا خرصت عليه ما يكون تمرا وأخذ من التمر زكوته، والحكم إن أراد أن يأخذ بلحا أو بسرا مثل ذلك، ووقت الاخراج في الحب إذا ذري وصفي. وإذا أخرج زكوة الغلات فلا شئ فيها بعد ذلك وإن بقيت أحوالا إلا أن تباع وتصير أثمانا ويحول على الثمن الحول. إدراك الغلات والثمار يختلف أوقاتها باختلاف البلاد، فثمره النخل بتهامة قبل ثمرة العراق، وبعض الأنواع أيضا يتقدم على بعض بالشهر والشهرين، وأكثر

(1) السيح: الماء الجاري، والبعل من الأرض ما سقته السماء ولم يسق بماء الينابيع.
(2) المغرب: الدلو العظيم.
(3) الجذ: القطع والكسر، ومنه الجذاء بالضم والكسر.

[ 215 ]

من ذلك، وفي ذلك أربع مسائل: أولها: إذا طلعت كلها في وقت واحد وأدركت في وقت واحد فاتفق وقت إطلاعها وإدراكها فهذه كلها ثمرة عام واحد فإذا بلغت نصابا ففيها الزكوة. الثانية: اتفق اطلاعها واختلف إدراكها مثل أن اطلعت دفعة واحدة. ثم أدرك بعضها بعد بعض ضمها بعضها إلى بعض لأنها ثمرة عام واحد. الثالث: اختلف إطلاعها وإدراكها وهو أن اطلع بعضها وأرطب. ثم اطلع الباقي بعد ذلك فإنه يضم بعضها إلى بعض. وإن كان بينهما الشهر والشهران لأنها ثمرة سنة واحدة. الرابعة: اختلف إطلاعها وإدراكها وهو أن اطلع بعضها وأرطب وجذ. ثم اطلع الباقي بعد جذاذ الأول. فكل هذا يضم بعضها إلى بعض لأنه ثمرة عام واحد وكذلك إن كان له نخل كثير في بعضه رطب وفي بعضه بلح وفي بعضه طلع فجذ الرطب ثم أدراك البسر فجذ. ثم أدرك البلح فجذ. ثم أدرك الطلع فجذ ضم بعضها إلى بعض لأنها ثمرة عام واحد. وإن كان له ثمرة بتهامة وثمرة بنجد فأدركت التهامية وجذت. ثم اطلعت النجدية. ثم اطلعت التهامية مرة أخرى لا يضم النجدية إلى التهامية الثانية وإنما يضم إلى الأولى لأنها لسنة واحدة والتهامية الثانية لا تضم إلى الأولى ولا إلى النجدية لأنها في حكم سنة أخرى. إذا كانت الثمرة نوعا واحدا أخذ منه، وإن كانت أنواعا مختلفة أخذ على حساب ذلك ولا يؤخذ كلها جيدا ولا كله رديا، والنخل إذا حمل في سنة واحدة دفعتين كان لكل حمل حكم نفسه لا يضم بعضه إلى بعض لأنها في حكم سنتين. إذا بدا صلاح الثمار ووجبت فيها الزكوة وبعث الإمام الساعي على ما قدمناه ليخرص عليهم ثمارهم، وهو الحزر (1) فينظر كم فيها من الرطب والعنب فإذا شمس كم

(1) الحزر بالحاء المهملة والزاي المعجمة والراء المهملة: التقدير ومنه حرزت النخل: إذا أخرصته.

[ 216 ]

ينقص وماذا يبقى فإذا عرف هذا نظر فإن كانت الثمرة خمسة أوسق ففيها الزكوة، و إن كانت دونها فلا شئ فيها. ثم يخير أرباب الأرض بين أن يأخذوا بما يخرص عليهم ويضمنوا نصيب الزكوة أو يؤخذ منهم ذلك ويضمن لهم حقهم كما فعل النبي صلى الله عليه وآله مع أهل خيبر فإنه كان ينفذ عبد الله بن رواحة حتى يخرص عليهم، وإن أراد أن يترك في أيديهم أمانة ووثق بهم في ذلك كان أيضا جايزا إذا كانوا أهلا لذلك فمتى كان أمانة لم يجز لهم التصرف فيها بالأكل والبيع والهبة لأن فيها حق المساكين، وأن كان ضمانا جاز لهم أن يفعلوا ما شاء، ومتى أصاب الثمرة آفة سماوية أو ظلم ظالم أو غير ذلك من غير تفريط منهم سقط عنهم مال الضمان لأنهم أمناء في المعنى: فإن اتهموا في ذلك كان القول قولهم مع يمينهم، ومتى خرص عليهم الثمرة، ثم ظهر في الثمرة أمارة اقتضت المصلحة تخفيف الحمل عنها خفف وسقط عنهم بحساب ذلك. وإذا أراد قسمة الثمرة على رؤوس النخل كان ذلك جايزا إلا أن الأولى في القسمة أن يكون أفراد الحق دون أن يكون بيعا فلأجل ذلك تصح القسمة، ولو كان بيعا لم يصح لأن بيع الرطب بالرطب لا يجوز، وإذا كان أفرادا جاز من الساعي بيع نصيب المساكين من رب المال، ومن غيره وتفريق ثمنها فيهم، وإن رأى قسمتها خرصا على رؤوس النخل فيفرد للمساكين تقسيمهم من نخلات بعينها فعل، وإن رأى أن يبيعها أو يجددها فعل، وإن رأى قسمتها بعد الجذاذ كان أيضا جايزا لأنه أفراد الحق ولا ينبغي لرب المال أن يقطع الثمرة إلا بإذن الساعي. إذا لم يكن ضمن حقهم فإن كان ضمنه جاز له ذلك، وإنما قلنا: ذلك لأنه يتصرف في مال غيره بغير إذنه، وذلك لا يجوز، ومتى أتلف من الثمرة شيئا لزمه بحصة المساكين، وهو مخير بين أن يأخذ حقة من الثمرة وبين أن يأخذ ثمنه منه بقيمته، ومتى أراد رب الثمرة قطعها قبل بدو صلاحها مثل الطلع لمصلحة جاز له ذلك من غير كراهية، ويكره له ذلك فرارا من الزكوة، وعلى الوجهين معا لا يلزمه الزكوة، وأما قطع طلع الفحل فلا يكره ذلك على حال. الرطب على ضربين: ضرب يجئ منه تمر، والثاني لا يجئ منه. فأما الأول

[ 217 ]

كلما كثر لحمه وقل ماؤه كالبرني والمعقلي وغير ذلك، والكلام فيه في ثلاث فصول في جواز التصرف، وفي قدر الضمان، والنوع الذي يضمنه. فأما التصرف فلا يجوز فيه قبل قبول الضمان بالخرص لأن فيه حق المساكين ومتى خرص عليه واختار رب المال ضمانها وضمن جاز له التصرف على الاطلاق، ومتى أتلف الثمرة ببيع أو أكل وغير ذلك فإن كان ذلك بعد الضمان فعليه قدر الزكوة على ما خرص عليه، وإن أتلفه قبل الخرص والضمان فالقول قوله مع يمينه، ويضمن قدر الزكوة تمرا، وإنما قلنا ذلك لأن عليه القيام به حتى يصير تمرا، والنوع الذي يخرجه فإنه يلزمه في كل شئ بحصته فإن كانت الأنواع كثيرة ضمن من أوسطها، وكذلك الحكم في العنب سواء إذا كان مما يجئ منه زبيب، وأما ما لا يجئ منه التمر مثل الخاسوي والإبراهيمي والعنب الحمري فإن هذا لا يجئ منه تمر ولا زبيب مثل الأول لكن حكمه وحكم الأول سواء في أنه يقدر ويحرز بتمر وزبيب لأن عموم الاسم في الفرض يتناول الكل، وينبغي أن يحرز ما يجئ منه التمر والزبيب من نوعه لا من نوع آخر، و يكفي في الخرص خارص واحد إذا كان أمينا ثقة لأن النبي صلى الله عليه وآله بعث عبد الله بن رواحة ولم يرو أنه أنفذ معه غيره وإن استظهر بآخر معه كان أحوط. لا زكوة في شئ من الحبوب غير الحنطة والشعير والسلت وشعير فيه مثل ما فيه، وكل مؤونة تلحق الغلات إلى وقت إخراج الزكوة على رب المال دون المساكين، والعلس نوع من الحنطة يقال: إذا ديس بقي كل حبتين في كمام. ثم لا يذهب ذلك حتى يدق أو يطرح في رحى خفيفة ولا يبقى بقاء الحنطة، وبقاؤها في كما مها ويزعم أهلها أنها إذا هرست أو طرحت في رحى خفيفة خرجت على النصف فإذا كان كذلك تخير أهلها بين أن يلقي عنها الكمام ويكال على ذلك. فإذا بلغت النصاب أخذ منها الزكوة أو يكال على ما هي عليه ويؤخذ عن كل عشرة أوسق زكوة، وإذا اجمتع عنده حنطة وعلس ضم بعضه إلى بعض لأنها كلها حنطة، ووقت إخراج الزكوة عند التصفية والتذرية لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا بلغ خمسة أوسق ولا يمكن الكيل إلا بعد التصفية. متى أخذ الساعي الرطب قبل أن يصير تمرا وجب عليه رده على صاحبه فإن

[ 218 ]

هلك كان عليه قيمته فإذا رده أو قيمته أخذ الزكوة في وقتها فإن لم يرده وشمس عنده فصار تمرا نظر فإن كان بقدر حقه فقد استوفاه، وإن كان دونه وفي، وإن كان فوقه وجب عليه رده. إذا كان لمالك واحد زرع في بلاد مختلفة الأوقات في الزراعة والحصاد ضم بعضه إلى بعض لأن الحنطة والشعير لا يكون في البلاد كلها في السنة إلا دفعة واحدة، وإن تقدم بعضه إلى بعض بالشئ اليسير. وإذا أراد القسمة بدأ بصاحب المال وكان له تسعة وللمساكين واحد إذا كانت الأرض عشرية وإن وجب فيها نصف العشر كان له تسعة عشر وللمساكين واحد. والحنطة والشعير كل واحد منها جنس مفرد يعتبر فيه النصاب منفردا ولا يضم بعضه إلى بعض. إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها من ذمي سقط زكوتها فإذا بدا صلاحها في ملك الذمي لا يؤخذ منه الزكوة لأنه ليس ممن يؤخذ من ماله الزكوة فإن اشتراها من الذمي بعد ذلك لم يجب عليه الزكوة لأنه دخل وقت وجوب الزكوة وهو في ملك غيره، و كذلك إن كان عنده نصاب من الماشية فباعه قبل الحول من غيره انقطع الحول. فإذا حال الحول واشتراه استأنف الحول، ومن اشتراه لا يجب عليه أيضا لأنه لم يبق في ملكه حولا كاملا. إذا أخذ من أرض الخراج وبقي بعد ذلك مقدار ما يجب فيه الزكوة وجب فيه العشر أو نصف العشر فيما يبقى لا في جميعه. إذا كان له نخيل وعليه دين بقيمتها ومات لم ينتقل النخيل إلى الورثة حتى يقضي الدين. فإذا ثبت ذلك فإن اطلعت بعد وفاته أو قبل وفاته كانت الثمرة مع النخيل يتعلق بها الدين. فإذا قضي الدين وفضل شئ كان للورثة فإذا بلغت الثمرة النصاب الذي تجب فيه الزكوة لم تجب فيها الزكوة لأن مالكها ليس بحي ولم يحصل بعد للورثة ولا تجب هذا المال الزكوة، ومتى بدا صلاح الثمرة قبل موت صاحبه وجب فيه الزكوة.

[ 219 ]

ولم تسقط الزكوة بحصول الدين لأن الدين في الذمة والزكوة تستحق في الأعيان ويجتمع الدين والزكوة في هذه الثمرة ويخرجان معا وليس أحدهما بالتقديم أولى من صاحبه فإن لم يسع المال الزكوة والدين كان بحساب ذلك. إذا كان للمكاتب ثمار وكان مشروطا عليه أو مطلقا لم يؤد من مكاتبه شيئا ولا زكوة عليه لأن الزكوة لا تجب على المماليك، وإن كان مطلقا، وقد تحرر شئ منه أخرج من ماله بحساب حريته الزكوة إذا بلغت ما يصيبه بالحرية النصاب. من استأجر أرضا فزرعها كان الزكوة واجبة على الزارع في زرعه دون مالك الأرض لأن المالك يأخذ الأجرة، والأجرة لا يجب فيها الزكوة بلا خلاف لأن النبي صلى الله عليه وآله، قال: فيما سقت السماء العشر فأوجب العشر في نفس الزرع دون أجرة الأرض، وعلى مذهبنا بجواز إجارتها بطعام أو شعير فعلى هذا إن آجرها بغلة منها كانت الإجارة باطلة والغلة للزارع، وعليه أجرة المثل وعليه في الغلة الزكوة إذا بلغت النصاب وإن آجرها بغلة من غيرها كانت الإجارة صحيحة، ولا يلزمه الزكوة فيما يأخذه من الغلة لأنها ما أخرجت أرضه، وإنما أخذه أجرة والأجرة لا تجب فيها الزكوة. ومن اشترى نخلا قبل أن يبدو صلاح الثمرة. ثم بدا صلاحها كانت الثمرة في ملكه وزكوتها عليه، وكذلك إن وصي له بالثمرة فقبلها بعد موت الموصي. ثم بدا صلاحها وهي على النخل فإنها ملك له وزكوتها عليه لأن زكوة الثمار لا يراعى فيها الحول وإن اشترى الثمرة قبل بدو الصلاح كان البيع باطلا، والبيع على أصل وزكوتها على مالكها وإن اشترها بعد بدو الصلاح ووجوب الزكوة فيها. فإن كان بعد الخرص وضمان رب المال الزكوة، كان البيع صحيحا في جميعه، والزكوة على البايع. وإن باعها قبل الخرص وقبل ضمان الزكوة بالخرص كان البيع باطلا فيما يختص من مال المساكين وصحيحا فيمال صاحب المال، وإن باعها قبل بدو الصلاح بشرط القطع فقطعت قبل وجوب الزكوة فلا كلام، وإن توانى فلم يقطع حتى بدا صلاحها فإن طالب البايع بالقطع أو اتفقا على ذلك أو طالب المشتري بذلك كان لهم ذلك، ولا زكوة على واحد

[ 220 ]

منهما لأنه لا دلالة على ذلك، وإن اتفقا على البقية أو برضا البايع كان له ذلك، و كان الزكوة على المشتري لأن الثمرة في ملكه إذا بدا صلاح الثمرة فأهلكها ربها كان عليه ضمان مال الزكوة فإن كان لم يخرص بعد قوله في مقدار، وإن كان بعد الخرص طولب بما يجب عليه من الخرص، وكلما يكال مما يخرج من الأرض ففيه الزكوة مستحبة دون أن تكون واجبة، وكيفيتها مثل الغلات على ما بيناه. وأما الخضراوات كلها والفواكه والبقول فلا زكوة في شئ منها. * (فصل: في مال التجارة هل فيه زكاة أم لا؟) * لا زكوة في مال التجارة على قول أكثر أصحابنا وجوبا: وإنما الزكوة فيها استحبابا (1) وقال قوم منهم: تجب فيه الزكوة في قيمتها تقوم بالدنانير والدراهم، وقال بعضهم: إذا باعه زكاه لسنة واحدة إذا طلب بربح أو برأس المال. فأما إذا طلب بنقصان فلا خلاف بينهم أنه ليس فيه الزكوة. فإذا ثبت هذا فعلى قول من أوجب فيه الزكوة أو من استحب ذلك. إذا اشترى مثلا سلعة بمأتين. ثم ظهر فيها ربح ففيه ثلاث مسائل: أولها: اشترى سلعة بمأتين فأقامت عنده حولا فباعها مع الحول بألفين يزكي زكوة المأتين لحوله، وزكوة الفايدة من حين ظهرت، ويستأنف بالفائدة الحول. الثانية: حال الحول على السلعة. ثم باعها بزيادة بعد الحول فلا يلزمه أكثر من زكوة المأتين، ويستأنف بالفايدة الحول. الثالثة: اشترها بمأتين فلما كان بعد ستة أشهر باعها بثلاث مائة استأنف بالفايدة الحول، وإذا اشترى سلعة فحال الحول على السلعة كان حول الأصل السلعة

(1) الاستحباب مذهب أكثر الفقهاء كما نقل في مفتاح الكرامة الجزء الثالث ص 112 من كتاب الزكوة أقوالهم مفصلا، ونسب الوجوب بعض كالشهيدين وأبي العباس والصيمري وغيرهم إلى ابني بابويه. ونقل صاحب الوسيلة أن القائلين بالاستحباب اختلفوا فقال بعضهم: باستحباب الزكوة في سنة واحدة وإن مر عليه سنون، وقال آخرون يلزم كل سنة.

[ 221 ]

لأنها مردودة إليه بالقيمة، ولا يستأنف، وإن كان اشتراها بعوض كان للقنية استأنف بالسلعة الحول، والزكوة يتعلق بقيمة التجارة لا بها نفسها. إذا ملك عرضا للتجارة فحال عليها الحول من حين ملكه وقيمتها نصاب وجب فيها الزكوة، وإن نقص لم يجب فإن بلغ نصابا في الحول الثاني استأنف الحول من حين كمل النصاب إذا ملك سلعة للتجارة في أول الحول. ثم ملك أخرى بعده بشهر. ثم أخرى بعده بشهر. ثم حال الحول فإن كان حول الأولى وقيمتها نصابا وحول الثانية وقيمتها نصابا، وكذلك الثالثة زكى كل سلعة بحولها، وإن كانت الأولى نصابا فحال حولها وقيمتها نصاب، وحال الحول الثانية والثالثة، وقيمتها أقل من نصاب أخذ من الأولى الزكوة خمسة دراهم ومن الثانية والثالثة من كل أربعين درهم درهما. إذا اشترى عرضا للتجارة بدراهم أو دنانير وكان الثمن نصابا فإن حول العرض حول الأصل لأنه مردود إليه بالقيمة، وإن كان اشترى السلعة للتجارة بسلعة قنية استأنف الحول، وقد ذكرناها، وإن اشتراها بنصاب من غير الأثمان مثل خمس من الإبل أو ثلاثين من البقر أو أربعين من الغنم استأنف الحول لأنه مردود إلى القيمة بالدراهم والدنانير لا إلى أصله، وإذا كان معه سلعة ستة أشهر. ثم باعها بني على حول الأصل لأن له ثمنا وثمنه من جنسه، إذا اشتري سلعة من جنس الأثمان فحال الحول قومها بما اشتراه من الدراهم أو الدنانير، ولا يراعي نقد البلد، وكذلك إن لم يكن نصابا فإن اشترى بالدراهم و الدنانير قومها بما اشتراها من النقدين فإن كان كل واحد منهما نصابا في الأصل زكاه، وإن نقص كل واحد منهما عن النصاب لم تجب فيه الزكوة، وإن بلغ أحدهما ولم يبلغ الآخر زكا الذي بلغه، ولا يضم إليه الآخر. إذا اشترى سلعة بدراهم فحال عليها الحول وباعها بالدنانير قومت السلعة دراهم وأخرج منها الزكوة لأن الزكوة تجب في ثمنها، وثمنها كان دراهم، وإن باعها قبل الحول بالدنانير وحال الحول قومت الدنانير لأنها ثمن الدراهم التي حال عليها الحول، وإذا حال الحول على السلعة فباعها صح البيع لأن الزكوة تجب في ثمن السلعة لا في عينها، وليس كذلك

[ 222 ]

إذا كان معه نصاب المواشي فباعها بعد الحول لأن الزكوة تستحق فيها وهو جزء من الماشية فيصح العقد فيما عدا مال المساكين ولا يصح فيمال المساكين فإن عوض المساكين من غير ذلك المال مضى البيع. إذا كانت معه سلعة للتجارة فنوى بها القنية سقطت زكوته، وإن كانت عنده للقنية فنوى بها التجارة لا تصير تجارة حتى يتصرف فيها للتجارة. إذا اشترى سلعة للقنية انقطع حول الأصل، وإن اشتراه للتجارة بني على الحول الأول، وإن كان المال أقل من النصاب أول الحول، ونصابا آخره لم يعتد به، ويراعي كمال النصاب من أوله إلى آخره. تجتمع في قيمة المماليك إذا كانوا للتجارة الزكوة ويلزمه فطرة رؤوسهم لأن سبب وجوبهما مختلف. كل من ملك جنسا يجب فيه الزكوة للتجارة فإنه لم يلزمه زكوة العين دون زكوة التجارة مثل أن يشتري أربعين شاة سائمة أو خمسا من الإبل سائمة أو ثلاثين من البقر مثل ذلك كل ذلك للتجارة فإنه يلزمه زكوة الأعيان، ولا يلزمه زكوة التجارة لعموم تناول الأخبار لها فإذا ثبت ذلك فاشترى أربعين شاة ثمنها أقل من نصاب فحول هذا من حين ملك الماشية وأخذ زكوة الماشية وانقطع حول الأصل. وإن ملك للتجارة أقل من أربعين شاة قيمتها مائتان أخرج زكوة التجارة استحبابا أو على الخلاف فيه وعلى ما قلناه: من أن الزكوة تتعلق بعينها يجب أن نقول: لا زكوة فيها لأنها أقل من النصاب فإن اتفق النصابان مثل أن يكون أربعين شاة تساوي مأتين أخذ زكوة العين لأنها واجبة. وزكوة التجارة مستحبة أو مختلف فيها لعموم الأخبار هذا إذا كان حولهما واحدا فإن اختلف حولهما مثل أن كان عنده مائتا درهم ستة أشهر. ثم اشترى بها أربعين شاة للتجارة بناه على حول الأصل لأن التجارة مردودة إلى ثمنها وهو الأصل، وعلى ما قلناه: من إن الزكوة تتعلق بالعين ينقطع حول الأصل. إذا اشترى نخلا للتجارة فأثمرت قبل الحول في التجارة فإنه يؤخذ منه زكوة الثمرة لتناول الظاهر له ولا يلزمه زكوة التجارة في ثمن النخل والأرض لأن ذلك

[ 223 ]

تابع للنخل والزرع إذا كان عنده أربعون شاة سائمة للتجارة ستة أشهر فاشترى بها أربعين شاة سائمة للتجارة كان حول الأصل حولها في إخراج زكوة مال التجارة، ولا يلزمه زكوة العين لأنه لم يحل على كل واحد منهما الحول، وعلى ما قلناه: إنه يتعلق يتعلق الزكوة بالعين ينبغي أن نقول: إنه يؤخذ زكوة العين لأنه بادل بما هو من جنسه والزكوة تتعلق بالعين، وقد حال عليه الحول. إذا اشترى غراسا للتجارة إذا حال الحول، وكذلك إذا اشترى نخلا حايلا للتجارة أو أرضا بورا لم يزرع فيها فإنه يخرج زكاة التجارة إذا حال الحول على ثمن الأرض والنخل. إذا اشتري مأتي قفيز طعام بمأتي درهم للتجارة وحال عليه الحول وقيمته مائتا درهم أخرج منه خمسة دراهم لأن قيمته مائتا درهم، وإن شاء أخرج خمسة أقفزة فإن عدل إلى طعام جيد فأخرج منه قفيزا يساوي خمسة دراهم كان جايزا لأن الذي وجب عليه خمسة دارهم، ويجوز إخراج القيمة، ومتى كانت المسألة بحالها وحال الحول وقيمة الطعام مأتان لكن يغير الحال بعد الحول إما بنقصان قيمة لنقصان السوق أو يزيد لزيادته أو ينقص قيمته لعيب حدث فإن نقص لنقصان السوق أو لعيبه فيه فلا يسقط عنه زكوته لأنه نقص النصاب بعد أن وجب عليه. هذا إذا كان بعد الامكان فإن كان قبل إمكان الأداء فلا شئ عليه من ضمان النقصان لكن ما ينقص نقص عنه، ومن المساكين. فإن زاد ليس عليه أكثر من خمسة دراهم لأن الزيادة ما حال عليها الحول. من أعطى غيره مالا مضاربة على أن يكون الربح بينهما فاشترى مثلا بألف سلعة فحال الحول، وهو يساوي ألفين فإن زكوة الألف على رب المال، والربح إذا حال عليه الحول من حين الظهور كان فيه الزكوة على رب المال نصيبه، وعلى العامل نصيبه إذا كان العامل مسلما فإن كان ذميا يلزم رب المال ما يصيبه، ويسقط نصيب الذمي لأنه ليس من أهل الزكوة هذا على قول من أوجب له الربح من أصحابنا وهو الصحيح فأما من أوجب له أجرة المثل فزكاة الأصل والربح على رب المال، وعلى القول الأول رب المال بالخيار بين أن يخرج الزكوة من هذا المال، وبين أن يخرجه من

[ 224 ]

غيره. فأما العامل فلا يجوز له إخراجه بنفسه إلا بعد القسمة لأن ربحه وقاية للمال لما لعله يكون من الخسران. ولو قلنا: إن ذلك له كان أحوط لأن المساكين يملكون من ذلك المال جزءا، وإذا ملكوه خرج من أن يكون وقاية لخسران يعرض. ومن ملك نصابا ويجب فيه الزكوة أي جنس كان، وعليه دين يحيط به فإن كان له مال غير هذا النصاب بقدر الدين كان الدين في مقابلة ما عدا مال الزكوة سواء كان ذلك عقارا أو أثاثا، وأي شئ كان بعد أن لا يكون دار مسكن أو خادما يخدمه، و تجب الزكوة في المال، وإن لم يملك غير ذلك النصاب فعندنا أنه تجب فيه الزكوة، ولا يمنع الدين من وجوب الزكوة عليه لأن الدين يتعلق بالذمة، والزكوة تجب في المال بدلالة قوله عليه السلام: الزكوة في تسعة أشياء. ثم فصل فقال: في مائتي درهم خمسة، وفي عشرين مثقالا نصف مثقال، وكذلك باقي الأجناس، ولم يقل: إن لم يكن عليه دين فإذا ثبت هذا وحال الحول ولم يقض الحاكم عليه بالدين أخرج زكوة العين، وقضى بعد ذلك ما عليه من الدين، وإن كان حكم عليه الحاكم وحجر عليه فيه ثلاث مسائل: إحديها: حجر عليه وفرق ماله على الديان. ثم حال الحول فلا زكوة عليه لأنه حال الحول ولا مال له. الثانية: عين لكل ذي حق شيئا من ماله وقال: هذالك بمالك في الحول قبل أن يقبض ذلك فلا زكوة عليه لأن الحول حال ولا مال له لأنهم ملكوه قبل القبض. الثالثة: حجر ولم يعين فحال الحول فهيهنا المال له لكنه محجور عليه فيه ممنوع من التصرف فيه فلا زكوة عليه أيضا لأنه غير متمكن من التصرف فيه، وقد روي عنهم عليهم السلام في المال الغائب الذي لا يمكنه التصرف فيه أنه لا زكوة فيه (1).

(1) روي في التهذيب في باب زكاة مال الغائب ج 4 ص 1 الرقم 77 عبد الله بن بكر عمن رواه [ في الوافي عن زرارة ] عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه قال: فلا زكوة عليه حتى يخرج. الحديث، وبهذا المضمون نقل روايتين بعد هذه بالرقم 78 و 79.

[ 225 ]

إذا كان معه مأتان فقال: لله على أن أتصدق بمائة منها. ثم حال عليها الحول لم تجب عليه الزكوة لأنه زال ملكه عن مائته وما يبقى فليس بنصاب، وإن قال: لله على أن أتصدق بمأتين ولم يقل بهذه المأتين لزمه زكوة المأتين لأن الدين يتعلق بذمته. إذا ملك مأتين فحال عليها الحول فتصدق بها كلها تطوعا لم تسقط عنه فرض الزكوة سواء ملك غيرها أو لم يملك، وكانت الزكوة في ذمته. إذا كان معه مائتان وعليه مائتان فطالبه الديان عند الحاكم فأقر أن عليه زكوتها أو عليه زكوة سنين كثيرة فإن كان إقراره قبل أن يحجر الحاكم عليه كان القول قوله مع يمينه فإذا حلف أخرج منه الزكوة وتقاسم باقي الغرماء لأن الزكوة في العين و الدين في الذمة. فإن كان إقراره بعد أن حجره الحاكم بدين لزمه مثل ذلك الزكوة، و بقي في ذمته وتقاسم الغرماء بالمال. من كان له أربعون شاة فاستأجر أجيرا يرعاها سنة بشاة منها معينة فإن الأجير يملك تلك الشاة بالعقد فإذا حال الحول لم يلزمه في المال الزكوة لأنه قد نقص عن النصاب، وكذلك الحكم إذا استأجر بثمرة نخلة بعينها لينظر الباقي، وكان ما يبقي أقل من النصاب لا يلزم أحدا منهما الزكوة فإن استأجر بشاة في الذمة أو بثمرة في الذمة لم تسقط بذلك فرض الزكوة. إذا استأجر بأربعين شاة في الذمة أو بخمسة أوسق من التمر لم يلزم الأجير الزكوة لأن الغنم لا يجب فيها الزكوة إلا إذا كانت سائمة، وما في الذمة لا يكون سائمة، والثمرة فلا يجب فيها الزكوة إلا إذا ملكها من شجرها. وأما رب المال فعليه هذه الأجرة في ذمته، وذلك لا يمنع من وجوب الزكوة على ما مضى القول فيه. فإن استأجر بمأتي درهم أو عشرين دينارا وحال عليه الحول كان على الأجير زكوته لأنه ملكه بالعقد إذا كان متمكنا من أخذه. وأما المستأجر فالأجرة دين عليه على ما بيناه. إذا كان له ألف درهم واستقرض ألفا غيرها ورهن عنده هذه الألف، وقد حصل

[ 226 ]

له ألفان. فإذا حال عليهما الحول لزمه زكوة الألف التي في يده من مال القرض لأن زكوته على المستقرض، والألف الرهن ليس بمتمكن منه ولا يلزمه زكوته. فأما المقرض فلا يلزمه شئ لأن المذهب أن القارض لا يلزمه الزكوة، وإنما هي على المستقرض. إذا وجد نصابا في غير الحرم عرفها سنة. ثم هو كسبيل ماله إذا تملكه، وهو ضامن لصاحبه فإذا حال بعد ذلك عليه حول أو أحوال لزمه زكاته لأنه ملكه، وأما صاحبه فلا يلزمه شئ لأن ماله غائب عنه لا يتمكن من التصرف فيه فلا يلزمه زكوته. إذا أكرى داره بمائة دينار وأربع سنين معجلة أو مطلقة فقد ملك الأجرة بالعقد فإذا حال الحول لزمه زكوة الكل إذا كان متمكنا من قبضه، وإذا باع سلعة بنصاب وقبض الثمن ولم يسلم المبيع وحال الحول على الثمن لزمه زكوته لأنه قد ملك الثمن بدلالة أن له التصرف فيه على كل حال ألا ترى أن له وطؤها إن كانت جارية، وهذا بعينه دليل المسألة الأولى غير أن في المسألتين لا يجب عليه إخراج الزكوة إلا بعد أن يستقر ملكه على الأجرة والثمن لأنهما معرضان للفسخ بهلاك المبيع أو هدم المسكن فإذا مضت المدة أخرج الزكوة من حين ملكه حال العقد. إذا حاز المسلمون أموال المشركين فقد ملكوها سواء كان ذلك قبل تقضي الحرب أو بعد تقضيه. فإذا ملك من الغنيمة نصابا وجب عليه الزكوة إذا حال عليه الحول سواء كانت الغنيمة أجناسا مختلفة زكاتية أو جنسا واحدا بعد أن يكون له من كل جنس قدر النصاب، وإن قلنا: لا زكوة عليه لأنه غير متمكن من التصرف فيه قبل القسمة كان قويا. إذا عزل الإمام صنفا من مال الغنيمة لقوم حضور، وكان من الأموال الزكاتية جرى في حول الزكاة، وإذا عزل صنفا من المال لقوم غيب فلا زكوة عليهم لأنهم غير متمكنين من التصرف فيه وهو في حكم المال الغايب. إذا عزل الخمس لأهله فلا زكوة عليهم لأنهم غير متمكنين من التصرف فيه قبل القسمة، ولا يختص أيضا بمن حضر دون من غاب بل كلهم مشتركون ومال الغنيمة

[ 227 ]

تختص بمن حضر القتال. وأما الأنفال فهي للإمام خاصة تلزمه زكوته إذا حال عليه الحول لأنه يملك التصرف فيها. إذا باع نصابا يجب فيه الزكوة قبل حؤول الحول بشرط الخيار مدة فحال عليه الحول في مدة الشرط فإن كان الشرط للبايع أولهما فإنه يلزمه زكوته لأن ملكه لم يزل، وإن كان الشرط للمشتري استأنف الحول. فإن كان المبيع عبدا وقد بيع بخيار الشرط للمشتري لزمه فطرته، وإن كان الخيار للبايع، أولهما كان على البايع فطرته. العقار والدكاكين والدور والمنازل إلا ما كانت للغلة فإنه يستحب أن يخرج منه الزكوة، ورحل البيت والقماش والفرش والآنية من الصفر والنحاس والحديد والزيبق، وفي الماشية البغال والحمير كل هذا لا زكوة فيه بلا خلاف. فأما الخيل فإن كانت عتاقا ففي كل فرس في كل سنة ديناران، وإن كانت برازين فدينار واحد إذا كانت سائمة إناثا فإن كانت معلوفة فلا زكوة فيها بحال. * (فصل: في وقت وجوب الزكوة وتقديمها قبل وجوبها أو تأخيرها) * الأموال الزكاتية على ضربين: أحدهما: يراعى فيه الحول: والآخر: لا يراعى. فما يراعى فيه الحول الأجناس الخمسة التي ذكرناها من المواشي والأثمان. فما هذه صورته إذا استهل الشهر الثاني عشر فقد وجب فيه الزكوة، وإذا أمكن بعد ذلك إخراجها فلا يخرجها كان ضامنا لها إذا كان من أهل الضمان على ما فسرناه، وما لا يراعي فيه الحول فهي الثمار والغلات ويجب الزكوة فيها، إذا بدء صلاحها، وعلى الإمام أن يبعث الساعي في الزرع إذا اشتد، وفي الثمار إذا بدء صلاحها كما فعل النبي صلى الله عليه وآله بخيبر. ولا يجوز تقديم الزكوة قبل محلها إلا على وجه القرض فإذا جاء وقتها وكان الدافع على الصفة التي يجب عليه فيها الزكوة، المدفوع إليه على الصفة التي معها يجب

[ 228 ]

له الزكوة واحتسب به من الزكوة. فإن تغيرت صفات الدافع من غنى إلى فقر، ومن حيات إلى موت جاز استرجاعها، وكذلك إن تغير صفات المدفوع إليه من فقر إلى غنى وإيمان إلى كفر أو فسق جاز استرجاعها منه، ولا يجوز احتسابها من الزكوة فإن كان المدفوع إليه قد مات جاز أن يحتسب به من الزكوة. فإذا ثبت ذلك فإن أسلف الساعي الزكوة لم يخل من أربعة أقسام: إما أن يكون مسألة الدافع أو بمسألة المدفوع إليه أو بمسئلتهما أو من غير مسألة من واحد منهما. فإن كان بغير مسألة منهما مثل أن رأى في أهل الصدقة حاجة وفاقة وإضافة فاستسلف لهم نظر فإن حال الحول والدافع والمدفوع إليه من أهل الزكوة فقد وقعت موقها، وإن جاء وقت الوجوب وقد تغيرت الحال لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون تغيرها بعد الدفع أو قبله. فإن كان بعد الدفع مثل أن افتقر الدافع أو مات أو استغنى المدفوع إليه أو ارتد فمتى تغير حالهما أو حال أحدهما لم تقع الزكوة في موقعها. فإذا ثبت ذلك فإن الإمام يردها. ثم نظر فإن كان لتغير حال المدفوع إليه فإنه يدفعها إلى غيره من أهل الصدقة، وإن تغيرت الحال قبل الدفع إليهم وهلكت في يد الساعي بغير تفريط فإن عليه ضمانها، وكذلك إن كان بتفريط لأنه أخذ من غير مسألة من الفريقين وكان أخذه مضمونا، فإن كان بإذن أهل السهمان دون رب المال فإن حال الحول والحال ما تغيرت وقعت موقعها، وإن كانت الحال منه متغيرة فإن كان بعد الدفع فالحكم على ما مضى حرفا بحرف، وإن كان قبل الدفع وهلك في يد الساعي كان من ضمان أهل السهمان لأنهم صرحوا له بالإذن، وإن كان بإذن صاحب المال دون أهل السهمان فإن لم يتغير الحال فقد وقعت موقعها، وإن تغيرت الحال، فإما أن يكون بعد الدفع أو قبله. فإن كان بعد الدفع فالحكم على ما مضى في القسم الأول، وإن كان قبل الدفع وهلك في يد الساعي فهو من ضمان رب المال، والساعي أمين لأنه ائتمنه، وإن كان بإذن من الفريقين فإن لم يتغير الحال فقد وقعت موقعها، وإن تغيرت فإما أن يكون بعد الدفع أو قبله. فإن كان بعد الدفع فالحكم على ما مضى، وإن كان قبل الدفع و هلكت فالأولى إن يكون بينهما لأن كل فرقة لها إذن في ذلك ولا ترجيح لأحدهما

[ 229 ]

على صاحبه. إذا استسلف الوالي بعير الرجلين وسلمه إليهما وماتا بعد ذلك فلا يخلوا من أن يموتا قبل الحول أو بعده فإن ماتا بعد الحول وبعد وجوب الزكوة، وكانا من أهلها حين الوجوب، وكان الدافع من أهلها حين الوجوب، وقعت الزكوة موقعها، و إن ماتا قبل الحول وقبل الوجوب. فإن الزكوة لا تقع موقعها إلا أن يكون لم يخلفا شيئا فعندنا يجوز أن يحتسب به من الزكوة، وإن خلف تركة لا يجوز له معها لو كان حيا الزكوة استرجعت من تركته. وإذا ثبت أن له أن يسترده لم يخل البعير من أحد أمرين: إما أن يكون قائما أو تالفا فإن كان تالفا كان له أن يسترد قيمته من تركته، ويلزمه قيمته يوم قبضه لأنه قبضه على جهة القرض فيلزمه قيمته يوم القرض، وإن كان قائما بعينه أخذت عينه بلا كلام، ومتى استرد الوالي قيمة البعير نظر في حال رب المال. فإن كان ما بقي عنده بعد التعجيل نصابا كاملا أخرج زكوة ما بقي عنده، وإن كان الباقي أقل من نصاب لم يضم هذه القيمة إلى ما عنده ليكمل نصابه لأنه لما هلك البعير كان الواجب لرب المال قيمته، والقيمة لا تضم إلى الماشية ليكمل النصاب بلا خلاف بين أصحابنا ومتى كان البعير قائما بعينه فلا كلام، وقد بيناه. ثم لا يخلوا من ثلاثة أحوال: إما أن يكون نقص أو زاد أو يكون بحاله. فإن كان بحاله أخذه ولا كلام، وإن كان نقص لم يلزمه أكثر من ذلك لأنه لا دليل على وجوب رد شئ معه والأصل برائة الذمة، وإن كان زايدا غير متميز مثل السمن والكبر فإنه يرده بزيادته لأنه عين مال صاحب المال، وإن كانت متميزة مثل أن كانت ناقة فولدت أو شاة فولدت لزمه رده [ رد النماء خ ل ] لأنه نماء ماله. فإذا ثبت أنه يأخذ بعيره زاد أو نقص ينظر في ماله فإن كان معه نصاب كامل أخرج زكوته، وإن نقص عن نصاب إلا أنه يكمل بهذا البعير نصاب وجب عليه ذلك لأن هذا ماله بعينه وكان حكم ملكه ثابتا هذا إذا عجلها الوالي. فأما إذا عجل رب المال زكوة نفسه. ثم تغيرت حال المدفوع إليه لغنى أو ردة لم يقع الزكوة موقعها وله أن يستردها منه. ثم لا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن

[ 230 ]

يكون أعطاه مقيدا أو مطلقا. فإن أعطاه مقيدا بأن يقول: هذه زكوتي عجلتها لك فإن هذا يكون دينا، وله أن يستردها، وإن أعطاه مطلقا بأن يقول: هذه زكوتي ولم يقل: عجلتها لم يكن له مطالبة لأن قوله: هذه زكوتي الظاهر أنه كان واجبا عليه ولا يقبل قوله بعد ذلك لأنه عجلها له. فإذا ثبت أنه ليس له الرجوع مع الاطلاق فقال الدافع: أحلف إنك لا تعلم أني إنما عجلت زكوتي قبل وجوبها كان له ذلك لأنه مدع على ما يقوله. فإذا فقد البينة كان على المدعى عليه اليمين. إذا عجل الزكوة لمسكين قبل الحول. ثم حال الحول وقد أيسر لم يخل من أحد أمرين: إما أن يؤسر من هذا المال أو غيره فإن أيسر منه مثل أن كانت ماشية فتوالد أو مالا فاتجر به وربح وقعت الصدقة موقعها، ولا يجب استرجاعها لأنه يجوز أن يعطيه عندنا من مال الزكوة ما يغنيه به لقول أبي عبد الله عليه السلام: واعطه واغنه (1) وأيضا لو استرجعنا افتقر وصار مستحقا للاعطاء، ويجوز أن يرد عليه. وإذا جاز ذلك جاز أن يحتسب به، وإن كان قد أيسر بغير هذا المال مثل أن ورث غنم أو وجد كنزا أو ما يجري مجراه لم يقع الصدقة موقعها، ووجب استرجاعها أو إخراج عوضها لأن ما كان أعطاه كان دينا عليه، وإنما يحتسب عليه بعد حؤول الحول، وفي هذه الحال لا يستحق الزكوة لغناه فيجب أن لا يحتسب له به. إذا عجل له مالا ثم أيسر. ثم افتقر عند الحول جاز له أن يحتسب به من الزكوة لأن المراعى في صفة المستحق حال حؤول الحول ولا اعتبار بما تقدم من الأحوال وفي هذا الوقت هو مستحق. إذا عجل زكوة مأتي درهم يملكها خمسة دراهم فهلك ما بقي قبل الحول كان له الرجوع فإن كان قال لمن أعطاه الزكوة: هذه زكوتي عجلتها لك أحتسبها لك عند الحول

(1) لم أظفر في الروايات الباب على هذه العبارة بعينه، ولكن روي عبارات قريبة بها مثل المروي في الكافي ج 3 ص 548 ح 4 عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تعطيه من الزكاة حتى تغنيه ومثل أغنه إن قدرت أن تغنيه، واعطه من الزكاة حتى تغنيه، وغير ذلك.

[ 231 ]

فله أن يستردها، وإن قال له: هذه زكوتي مطلقا ولم يقل: عجلتها لم يكن له الرجوع لما مضى فإن تشاحوا واختلفوا كان الحكم ما تقدم، وإن قال له: هذه صدقة لم يكن له أيضا الرجوع لأن الصدقة تقع على الواجب والندب وليس له الرجوع بواحد منهما على حال، وإن كان المعطي الوالي كان له أن يرجع أطلق القول أو لم يطلق أو قيد ورب المال إن قيد رجع وإن أطلق لم يرجع. فإن مات المدفوع إليه جاز لرب المال أن يحتسب به من الزكوة على كل حال عند الحول فإن عجل الزكوة وبقي معه أقل من النصاب. فإن كان في المواضع الذي له أن يسترده وجب عليه أن يخرج من الرأس فإن كان في الموضع الذي له الاحتساب احتسب به لأن ما له استرجاعه في حكم ما في يده، ولو كان في يده لوجب عليه إخراج الزكوة هذا إذا أمكنه استرجاعه أي وقت شاء فإن لم يمكنه لم يلزمه الزكوة لأن الدين الذي لا يتمكن من أخذه لا زكوة على صاحبه وكذلك الحكم في أسلاف المواشي، وسواء كان تلف فاستحق القيمة أو كانت العين باقية لأن ذلك دين له فهو في حكم ملكه يلزمه زكوته، والذي يستحقه عين ما أعطاه، وإنما ينتقل إلى القيمة إذا فقدت العين. إذا كان معه مائتا درهم فأخرج منها خمسة دراهم وأعطاها الفقير فخرج واحد منها رديا ليس له قيمة أوله قيمة ينقص عن المأتين كان له استرجاع ما أعطاه. إذا كان معه مأتان فعجل زكوة أربع مائة فحال الحول، ومعه أربع مائة لا يلزمه أكثر من زكوة مأتين لأن المستفاد لا يضم إلى الأصل على ما بيناه. إذا كان عنده أربعون شاة فعجل واحدة. ثم حال الحول جاز أن يحتسب بها لأنها تعد في ملكه ما دامت عينها باقية فإن أتلفها المدفوع إليه قبل الحول فقد انقطع حول النصاب ولا يجب على صاحبها زكوة، وكان له استرجاع ثمنها فإن كان عنده مائة وعشرون شاة فعجل واحدة ونتجت أخرى، وحال الحول لم يلزمه أخرى لأن النتاج لا يضم إلى الأمهات، وكذلك إذا كانت عنده مائتان وعجل اثنين وولدت واحدة لا يلزمه شئ آخر لمثل ما قلناه. إذا مات المالك انقطع الحول واستأنف الوارث الحول، ولا يبني على حوله.

[ 232 ]

* (فصل: في اعتبار النية في الزكوة) * النية معتبرة في الزكوة، ويعتبر نية المعطي سواء كان المالك أو من يأمره المالك أو من يتولى مال اليتيم الذي يجب فيه الزكوة، ومال المجنون، وينبغي أن يقارن النية حال الاعطاء، وينبغي أن ينوي بها زكوة أو صدقة الفرض، ولا يحتاج إلى أن يعين نيته بأن يقول: هذا زكوة مال معين دون مال لأنه ليس على ذلك دليل. من كان له مال غايب يجب عليه فيه الزكوة فأخرج زكوته. وقال: إن كان مالي باقيا فهذه زكوته أو نافلة أجزأه. وقد قيل: إنه لا يجزيه لأنه لم يعين النية في كونها فرضا، وإن قال: إن كان مالي باقيا سالما فهذه زكوته، وإن لم يكن سالما فهو نافلة أجزأه بلا خلاف لأنه أفرده بالنية، وإن كان له مال غائب ومثله حاضر فأخرج زكوة أحدهما وقال، هذا زكوة أحدهما أجزأه لأنه لم يشرك بين نيته الفرض وبين نيته النفل، وإن قال: هذا زكوة مالي إن كان سالما وكان سالما أجزأه، وإن كان تالفا لم يجز أن ينقله إلى زكوة غيره لأن وقت النية قد فاتته. ومن كان له والد غايب عنه شيخ وله مال فأخرج زكوته، وقال: هذا زكوة ما ورثت من أبي فإن كان أبوه مات وانتقل المال إلى ملكه فقد أجزء عنه، وإن كان لم يمت. ثم مات بعد ذلك لم يجزه لأن وقت النية قد فاتت هذا على قول من يقول: إن المال الغايب تجب فيه الزكوة فأما من قال: لا تجب (1) فلا تجب عليه الزكوة إلا بعد أن يعلم أنه ورثه وتمكن من التصرف فيه.

(1) لا خلاف بين الأصحاب في عدم وجوب الزكاة في مال الغائب الذي لا يتمكن التصرف فيه بنفسه، ولكن اختلفوا فيمن كان ماله بيد وكيله قال شيخنا الأنصاري - رحمه الله -: واعلم أنه ألحق جماعة من المتأخرين منهم المصنف [ المحقق ] بالمالك وكيله فأوجبوا الزكاة في مال الغائب عن المالك إذا كان في يد وكيله، وظاهرهم ذلك، وإن لم يقدر المالك على التصرف فيه وأخذه، والمحكى عن جماعة الاقتصار على المالك فقط، ولعله الأوفق باطلاق الأخبار و اشتراط التمكن من التصرف إلا أن يدعى صدق التمكن على المالك عرفا بتمكن وكيله. إنتهى،

[ 233 ]

وإن قال: إن كان مات فهذا زكوته أو نافلة لم يجز لأنه لم يخلص نية الفرض وإن قال: وإن لم يكن مات فهو نافلة. ثم إنه كان قد مات فقد أجزأه لأنه خلص النية للفرض. من أعطى زكوته لوكيله ليعطيها الفقير ونواه أجزأه، وإذا نوى الوكيل حال الدفع لأن النية ينبغي أن يقارن حال الدفع إلى الفقير، وإن لم ينو رب المال ونوى الوكيل لم يجز لأنه ليس بمالك له، وإن نوى هو ولم ينو الوكيل لم يجز لما قلناه لأنه يدفعها إلى الوكيل لم يدفعها إلى المستحق، وإن نويا معا أجزأه. ومتى أعطى الإمام أو الساعي، ونوى حين الاعطاء أجزأه لأن قبض الإمام أو الساعي قبض عن أهل السهمان، وإن لم ينو الإمام أيضا أجزأه لما قلناه، وإن نوى الإمام ولم ينو رب المال. فإن كان أخذها منه كرها أجزأه لأنه لم يأخذ إلا الواجب وإن أخذه طوعا، ولم ينو رب المال لم يجزه فيما بينه وبين الله غير أنه ليس للإمام مطالبته دفعة ثانية. يجوز لرب المال أن يتولى إخراج الزكوة بنفسه ويفرقها في أهلها سواء كان ماله ظاهرا أو باطنا، والأفضل حمل الظواهر إلى الإمام أو الساعي من قبله ومتى طالبه الإمام بالزكوة وجب عليه دفعها إليه، وإذا أراد أن يتولى بنفسه فلا ينبغي أن يوكل في ذلك لأنه من نفسه على يقين ومن غيره على شك إن حمله إلى بعض إخوانه ممن يثق به جاز أيضا، والأفضل دفعها إلى العلماء ليتولوا تفريقها لأنهم أعرف بمواضعها. إذا جمع الساعي السهمان من المواشي وغيرها من الغلات والثمار، ووجد مستحقها في المواضع الذي جمع فرقه فيهم، وإن لم يجد حملها إلى الإمام ولا يجوز له بيعها إلا أن يخاف عليها من هلاك في الحمل. فإن باعها من غير خوف كان البيع باطلا لأن السهمان لمستحقها لقوله تعالى " إنما الصدقات للفقراء (1) " فلا يجوز بيعها إلا بإذنهم أو بإذن الإمام. فإذا انفسخ البيع رجع على المشتري واسترجع المبيع، ورد الثمن إن كان من الأثمان وإلا قيمته إن كان سلعة قد استهلكها.

(1) التوبة 60.

[ 234 ]

ويكره أن يشتري الانسان ما أخرجه في الصدقة وليس بمحظور وإن اشتراه كان شراؤه صحيحا. إذا باعه بإذن الإمام أو باعه مستحقه، وإذا وجبت الزكوة وتمكن من إخراجها وجب إخراجها على الفور والبدار فإن عدم مستحقها عزلها من ماله وانتظر به المستحق فإن حضرته الوفاة وصى به أن يخرج عنه، وإذا عزل ما يجب عليه جاز أن يفرقه ما بينه وبين شهر وشهرين ولا يكون أكثر من ذلك. فأما حمله إلى بلد آخر مع وجود المستحق فلا يجوز إلا بشرط الضمان، ومع عدم المستحق يجوز له حمله، ولا يلزمه الضمان. * (فصل: في مال الأطفال والمجانين) * مال الطفل ومن ليس بعاقل على ضربين: أحدهما: يجب فيه الزكوة، والآخر لا يجب فيه. فالأول: الغلات والمواشي فإن حكم جميع ذلك حكم أموال البالغين على السواء وقد مضى ذكره غير أن الذي يتولى إخراجها الولي، أو الوصي أو من له ولاية على التصرف في أموالهم، ولا يجوز لغيرهم ذلك على حال. والقسم الثاني: الدنانير والدراهم فإنه لا يتعلق بهما زكوة فإن اتجر متجر بمالهم نظرا لهم استحب له أن يخرج من الزكوة كما قلناه في أموال التجارة، وجاز له أن يأخذ من الربح بقدر ما يحتاج إليه على قدر الكفاية، وإن اتجر لنفسه دونهم، وكان في الحال متمكنا من ضمانه كانت الزكوة عليه والربح له، وإن لم يكن متمكنا في الحال من ضمان مال الطفل وتصرف فيه لنفسه من غير وصية ولا ولاية لزمه ضمانه وكان الربح لليتيم، ويخرج منه الزكوة. * (فصل: في حكم أراضي الزكوة وغيرها) * الأرضون على أربعة أقسام حسب ما ذكرناه في النهاية: فضرب منها أسلم أهلها طوعا من قبل أنفسهم من غير قتال فتترك الأرض في أيديهم يؤخذ

[ 235 ]

منهم العشر أو نصف العشر، وكانت ملكا لهم يصح لهم التصرف فيها بالبيع والشراء والوقف، وساير أنواع التصرف إذا عمروها وقاموا بعمارتها. فإن تركوا عمارتها وتركوها خرابا جاز للإمام أن يقبلها ممن يعمرها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع، وكان على المتقبل بعد إخراج حق القبالة ومؤونة الأرض إذا بقي معه النصاب العشر أو نصف العشر. ثم على الإمام أن يعطي أربابها حق الرقبة. والضرب الآخر من الأرضين هو ما أخذ عنوة بالسيف فإنها تكون للمسلمين قاطبة المقاتلة وغير المقاتلة، وعلى الإمام تقبيلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث، وعلى المتقبل إخراج مال القبالة وحق الرقبة، وفيما يفضل في يده إذا كان نصابا العشر أو نصف العشر، وهذا الضرب من الأرضين لا يصح التصرف فيها بالبيع والشراء والوقف وغير ذلك، وللإمام أن ينقله من متقبل إلى غيره إذا انقضت مدة ضمانه، وله التصرف فيه بحسب ما يراه من مصلحة المسلمين وارتفاع هذه الأرضين ينصرف إلى المسلمين بأجمعهم، وإلى مصالحهم، وليس للمقاتلة خصوصا إلا ما يحويه العسكر. والضرب الثالث: كل أرض صالح أهلها عليها، وهي أرض الجزية يلزمهم ما يصالحهم الإمام عليه من نصف ثلث، وليس عليهم غير ذلك، فإذا أسلم أربابها كان حكم أراضيهم حكم أرض من أسلم طوعا ابتداء، ويسقط عنهم الصلح لأنه جزية وقد سقطت بالاسلام، وصح في هذا الضرب من الأرضين التصرف بالبيع والشراء والهبة وغير ذلك، وللإمام أن يزيد وينقص ما صالحهم عليه بعد انقضاء مدة الصلح حسب ما يراه من زيادة الجزية ونقصانها. والضرب الرابع: أرض انجلا عنها أهلها، وكانت مواتا لغير مالك فأحييت أو كانت آجاما وغيرها مما لا يزرع فاستحدثت مزارع فإنها كلها للإمام خاصة ليس لأحد معه فيها نصيب، وكان له التصرف فيها بالقبض والهبة والبيع والشراء حسب ما يراه، وكان له أن يقبلها بما يراه من نصف أو ثلث أو ربع ويجوز له نزعها من يد متقبلها إذا انقضى مدة الضمان إلا ما أحييت بعد مواتها. فإن من أحياها أولى بالتصرف فيها إذا تقبلها

[ 236 ]

بما يقبلها غيره. فإن أبى ذلك كان للإمام نزعها من يده وتقبيلها لمن يراه وعلى المتقبل بعد إخراج مال القبالة والمؤن فيما يحصل من حصته العشر أو نصف العشر وكل موضع أو جبنا فيه العشر أو نصف العشر من أقسام الأرضين إذا أخرج الانسان مؤونته و مؤونة عياله لسنة وجب عليه فيما بعد ذلك الخمس لأهله. * (فصل: في ذكر ما يجب فيه الخمس) * الخمس يجب في كل ما يغنم من دار الحرب ما يحويه العسكر وما لم يحوه، و ما يمكن نقله إلى دار الاسلام، وما لا يمكن من الأموال والذراري والأرضين و العقارات والسلاح والكراع، وغير ذلك مما يصح تملكه وكانت في أيديهم على وجه الإباحة أو الملك ولم يكن غصبا لمسلم، ويجب أيضا الخمس في جميع المعادن ما ينطبع منها مثل الذهب والفضة والحديد والصفر والنحاس والرصاص والزيبق، وما لا ينطبع مثل الكحل والزرنيخ والياقوت والزبرجد والبلخش والفيروزج والعقيق. ويجب أيضا في القير والكبريت والنفط والملح والموميا، وكلما يخرج من البحر، وفي العنبر، وأرباح التجارات والمكاسب وفيما يفضل من الغلات من قوت السنة له ولعياله. ويجب أيضا في الكنوز التي توجد في دار الحرب من الذهب والفضة والدراهم والدنانير سواء كان عليها أثر الاسلام أو لم يكن عليها أثر الاسلام. فأما الكنوز التي توجد في بلاد الاسلام فإن وجدت في ملك الانسان وجب أن يعرف أهله فإن عرفه كان له، وإن لم يعرفه أو وجدت في أرض لا مالك لها فهي على ضربين: فإن كان عليها أثر الاسلام مثل أن يكون عليها سكة الاسلام فهي بمنزلة اللقطة سواء وسنذكر حكمها في كتاب اللقطة، وإن لم يكن عليها أثر الاسلام أو كانت عليها أثر الجاهلية من الصور المجسمة وغير ذلك. فإنه يخرج منها الخمس، وكان الباقي لمن وجدها. وإذا اختلط مال حرام بحلال حكم فيه بحكم الأغلب فإن كان الغالب حراما احتاط في إخراج الحرام منه، وإن لم يتميز له أخرج منه الخمس وصار الباقي حلالا

[ 237 ]

وكذلك إن ورث ما لا يعلم أن صاحبه جمعه من جهات محظورة من غصب وربا وغير ذلك ولم يعلم مقداره أخرج منه الخمس واستعمل الباقي. فإن غلب في ظنه أو علم أن الأكثر حرام احتاط في إخراج الحرام منه. هذا إذا لم يتميز له الحرام فإن تميز له بعينه وجب إخراجه قليلا كان أو كثيرا ورده إلى أربابه إذا تميزوا فإن لم يتميزوا تصدق به عنهم. وإذا اشترى ذمي من مسلم أرضا كان عليه فيها الخمس. والعسل الذي يوجد في الجبال وكذلك المن يؤخذ منه الخمس. وإذا كان المعدن لمكاتب أخذ منه الخمس لأنه ليس بزكوة، وإذا كان العامل في المعدن عبدا وجب فيه الخمس لأن كسبه لمولاه، والمعدن يملك منه أصحاب الخمس خمسهم والباقي لمن استخرجه إذا كان في المباح فأما إذا كان في الملك فالخمس لأهله والباقي لمالكه فلا يعتبر في شئ من المعادن والكنوز الذي يجب فيها الخمس الحول لأنه ليس بزكوة ولا يضم أيضا إلى ما معه من الأموال الزكاتية لأنه لا يجب فيها الزكوة فإذا حال بعد إخراج الخمس منه حول كان عليه فيه الزكوة إن كان دراهم أو دنانير وإن كان غيره فلا شئ عليه فيه. وإذا وجد الكنز في ملك انسان فقد قلنا: إنه يعرف فإن قال: ليس لي وأنا اشتريت الدار عرف البايع فإن عرف كان له، وإن لم يعرف كان حكمه ما قدمناه. وإذا وجد في دار استأجرها ركاز واختلف المكري والمكتري في الملك كان القول قول المالك لأن الظاهر أنه ملكه، وإن اختلفا مقداره كان القول قول المكتري، وعلى المالك البينة لأنه المدعي. وجميع ما ذكرناه يجب فيه الخمس قليلا كان أو كثيرا إلا الكنوز ومعادن الذهب والفضة. فإنه لا يجب فيها خمس إلا إذا بلغت إلى القدر الذي يجب فيه الزكوة. والغوص لا يجب فيه الخمس إلا إذا بلغ قيمته دينارا. وما يصطاد من البحر من ساير أنواع الحيوانات لا خمس فيه لأنه ليس بغوص

[ 238 ]

فأما ما يخرج منه بالغوص أو يؤخذ قفيا على رأس الماء فيه الخمس، والغلات والأرباح يجب فيها الخمس بعد إخراج حق السلطان ومؤونة الرجل ومؤونة عياله بقدر ما يحتاج إليه على الاقتصار. والكنوز والمعادن يجب فيها الخمس بعد إخراج مؤنها ونفقاتها إن كانت يحتاج إلى ذلك، وإن لم يحتج إليه وبلغت الحد الذي ذكرناه كان فيه الخمس، وسنذكر كيفية قسمة الخمس في كتاب قسمة الفئ.

[ 239 ]

* (كتاب الفطرة) * الفطرة واجبة على كل حر بالغ مالك لما يجب فيه زكوة المال مسلما كان أو كافرا غير أنه لا يصح إخراجه إلا بشرط تقدم الاسلام، ولا يضمن إلا بشرط الاسلام ويلزم من يجب عليه أن يخرجه عن نفسه وجميع من يعوله من ولد ووالد وزوجة ومملوك وضيف مسلما كان أو ذميا، وكذلك يلزمه عن المدبر والمكاتب المشروط عليه. فإن كان مطلقا، وقد تحرر منه جزء يلزمه بحساب ذلك إن لم يكن في عيلته، وإن كان في عيلته فزكوة فطرته عليه، ويلزمه أيضا الفطرة عن عبد العبد لأنه ملكه والعبد لا يملك شيئا، والولد الصغير يجب إخراج الفطرة عنه معسرا كان أو مؤسرا، وحكم ولد الولد حكم الولد للصلب سواء كان ولد ابن أو بنت لأن الاسم يتناوله، و أما الولد الكبير فله حكم نفسه إن كان مؤسرا فزكوته على نفسه، وإن كان بحيث يلزم الوالد نفقته فعليه أيضا فطرته، والوالد إن كان مؤسرا فنفقته وفطرته على نفسه بلا خلاف، وإن كان معسرا كانت نفقته وفطرته على ولده، وكذلك حكم الوالدة، وحكم الجد والجدة من جهتهما وإن عليا حكمهما على سواء، ويلزم الرجل إخراج الفطرة عن خادم زوجته كان ملكه أو ملكها أو مكترى لخدمتها لأنه ليس يجب على المرأة الخدمة، وإنما يجب على الزوج أن يقوم بخدمتها أو يقيم من يخدمها إذا كانت امرأة لم تجر عادتها وعادة مثلها بالخدمة، وإن كانت عادتها وعادة مثلها الخدمة لا يجب عليه ذلك، وفطرة خادمتها التي تملكها في مالها خاصة، وإنما قلنا: لا يجب عليها الخدمة لقوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف (1) " وهذا من المعروف، وإذا كان له مملوك غايب يعرف حياته وجبت عليه فطرته رجي عوده أو لم يرج، وإن لم يعلم حياته لا يلزمه إخراج فطرته، وفي الأول يلزمه إخراج الفطرة في الحال، ولا ينتظر عود المملوك.

(1) النساء 19.

[ 240 ]

إذا كان له عبد مرهون لزمه فطرته لعموم الأخبار وإن كان مقعدا وهو المعضوب (1) لا يلزمه فطرته لأنه ينعتق عليه، وإن كان معضوبا لا يلزمه فطرته لأنه ليس بملك له، ولا يلزم أيضا مالكه لأنه ليس متمكن منه. العبد إذا كان بين شريكين كان عليهما فطرته، وكذلك إذا كان بين أكثر من اثنين وإن كان عبد بين أكثر من اثنين أو بين اثنين كانت فطرته عليهم، وإن كان بعضه حرا وبعضه مملوكا. فإن كان عليه بقدر ما يملكه منه وإذا مات وقد أهل شوال وله عبد وعليه دين يلزم في ماله فطرته وفطرة مملوكه، ويكون ماله قسمة بين الديان والفطرة فإن مات قبل أن يهل شوال فلا يلزم أحدا فطرته لأنه لم ينتقل إلى ورثته لأن عليه دينا، وإن مات قبل هلال شوال ولا دين عليه كانت فطرته على الورثة لأنه ملكهم. إذا أوصى له بعبد ومات الموصي قبل أن يهل شوال. ثم قبله الموصى له قبل أن يهل شوال ففطرته عليه لأنه ملكه بلا خلاف، وإن قبله بعده لا يلزم أحدا فطرته لأنه ليس بملك لأحد في تلك الحال فإن مات الموصى له أيضا قبل أن يهل شوال قام ورثته مقامه في قبول الوصية فإن قبلوها قبل أن يهل شوال لزمهم فطرته لأنهم ملكوه، وإن قبلوها بعده فلا يلزم أحدا لأن الملك لم يحصل لأحد. ومن وهب لغيره عبدا قبل أن يهل شوال فقبله، ولم يقبض العبد حتى يستهل شوال. فالفطرة على الموهوب له لأنه ملكه بالايجاب والقبول، وليس القبض شرطا في الانعقاد، ومن قال: القبض شرط في الانعقاد قال: على الواهب فطرته لأنه ملكه وهو الصحيح عندنا فإن قبل ومات قبل القبض وقبل أن يهل شوال فقبضه ورثته بعد دخول شوال لزم الورثة فطرته. لا تجب الفطرة إلا على من ملك نصابا من الأموال الزكوية والفقير لا تجب عليه، وإنما يستحب له ذلك فإن ملك قبل أن يهل شوال بلحظة نصابا وجب عليه إخراج الفطرة، وكذلك إن ملك عبدا قبل أن يهل شوال بلحظة. ثم أهل شوال لزمه فطرته، وإن باعه بعد هلاله لم تسقط عنه فطرته.

(1) رجل معضوب: زمن لا حراك له.

[ 241 ]

وإذا ولد له ولد بعد هلال شوال لم يلزمه فطرته، وقد روي أنه إذا ولد إلى وقت صلوة العيد كان عليه فطرته، وإن ولد بعد الصلوة لم يكن عليه شئ وذلك محمول على الاستحباب (1) وفي أصحابنا من قال: تجب الفطرة على الفقير والصحيح أنه مستحب. المرأة الموسرة إذا كانت تحت معسر أو مملوك لا يلزمها فطرة نفسها، وكذلك أمة الموسرة إذا كانت تحت معسر أو مملوك لا يلزم المولى فطرتها لأن بالتزويج قد سقط عنه فطرتها ونفقتها. وسقط عن الزوج لإعساره. الفقير الذي يجوز له أخذ الفطرة إذا تبرع بإخراج الفطرة فرد عليه ذلك بعينه كره له أخذه وليس بمحظور. إذا أسلم قبل هلال شوال بلحظة لزمه الفطرة، وإن أسلم بعد الاستهلال لا يلزمه وجوبا، وإنما يستحب له أن يصلي صلوة العيد، ومن لا تجب عليه الفطرة لفقر و أحب إخراجها عن نفسه وعياله يرادوها. ثم أخرجوا رأسا واحدا إلى خارج وقد أجزء عن الجميع. والفطرة تجب صاع وزنه تسعة أرطال بالعراقي وستة أرطال بالمدني من التمر أو الزبيب أو الحنطة أو الشعير أو الأرز أو الأقط أو اللبن، واللبن يجزي منه أربعة أرطال بالمدني، والأصل في ذلك أنه أفضله أقوات البلد الغالب على قوتهم، وقد خص أهل كل بلد شئ مخصوص استحبابا. فعلى أهل مكة والمدينة وأطراف الشام واليمامة والبحرين والعراقين وفارس والأهواز وكرمان التمر، وعلى أوساط أهل الشام و مرو من خراسان والري الزبيب، وعلى أهل الجزيرة والموصل والجبال كلها وباقي خراسان الحنطة أو الشعير، وعلى أهل طبرستان الأرز، وعلى أهل مصر البر، ومن سكن البوادي من الأعراب والأكراد فعليهم الأقط فإن عدموه كان عليهم اللبن، وإن أخرج واحد من هؤلاء من غير ما قلناه كان جايزا إذا كان من أحد الأجناس التي قد منا ذكرها، ولا يجوز أن يخرج صاعا واحدا من جنسين لأنه يخالف الخبر. فإن

(1) نقل هذا العبارة بعينه في التهذيب ج 4 ص 72، وكذلك نقلها منه في الوسائل ج 4 ص 245 الرقم 3 الطبعة الأخيرة.

[ 242 ]

كان ممن تجب عليه أصواع عن رؤوس فأخرج عن كل رأس جنسا كان جايزا فإن غلب على قوته جنس جاز أن يخرج ما هو دونه، والأفضل أن يخرج من قوته أو ما هو أعلى منه وأفضل ما يخرجه التمر، ولا يجوز إخراج المسوس ولا المدود لقوله تعالى " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " (1). والوقت الذي يجب فيه إخراج الفطرة يوم الفطر قبل صلوة العيد. فإن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين أو من أول الشهر إلى آخره كان جايزا غير أن الأفضل ما قدمناه. فإذا كان يوم الفطر أخرجها وسلمها إلى مستحقها فإن لم يجد له مستحقا عزلها من ماله. ثم يسلمها بعد الصلوة أو من غد يومه إلى مستحقها. فإن وجد لها أهلا وأخرها كان ضامنا، وإن لم يجد لها أهلا وعزلها لم يكن عليه ضمان. ويستحب حمل الفطرة إلى الإمام أو إلى العلماء ليضعها حيث يراه، وإن تولى تفريقها بنفسه كان جايزا، ولا يجوز أن يعطيها إلا لمستحقها، ومستحقها هو كل من كان بالصفة التي يحل له معها الزكوة، ويحرم على من يحرم عليه زكوة الأموال، ولا يجوز حمل الفطرة من بلد إلى بلد إلا بشرط الضمان. فإن لم يوجد لها مستحق جاز أن يعطي المستضعفين من غيرهم، ولا يجوز إعطاؤها لمن لا معرفة له إلا عند التقية أو عدم مستحقيه، والأفضل أن يعطي من يخافه من غيره الفطرة، ويضع الفطرة في مواضعها، وأقل ما يعطى الفقير من الفطرة صاعا، ويجوز إعطاءه أصواعا، وقد روي أنه إذا حضر نفسان محتاجان ولم يكن هناك إلا رأس واحد جاز تفرقته بينهما. وأفضل من تصرف الفطرة إليه الأقارب ولا يعدل عنهم إلى إلا باعد، وكذلك لا يعدل عن الجيران إلى الأقاصي فإن لم يجد جاز ذلك، وإن خالف فإنه تبرأ ذمته غير أنه قد ترك الأفضل، ويجوز إخراج القيمة عن أحد الأجناس التي قد مناها سواء كان الثمن سلعة أو حبا أو خبزا أو ثيابا أو دراهم أو شيئا له ثمن بقيمة الوقت، وقد روي أنه يجوز أن يخرج عن كل رأس درهما، وروي أربعة دوانيق في الرخص والغلا، والأحوط إخراجه بسعر الوقت.

(1) البقر: 267.

[ 243 ]

إذا نشزت المرأة عن الرجل [ زوجها خ ل ] سقطت نفقتها فإن أهل شوال وهي مقيمة على النشوز لم يلزمه فطرتها لأنه لا يلزمه نفقتها. وإن أبق عبده فأهل شوال لم تسقط فطرته عنه لأن ملكه ثابت فيه، ويجب عليه أن يخرج الزكوة عن عبيده، وهذا منهم. وإذا طلق زوجته قبل أن يهل شوال وهي في العدة فإن كانت عدة يملك فيها رجعتها لزمته فطرته لأن عليه نفقتها، وإن كانت التطليقة باينة فلا فطرة عليه لأنه لا يلزمه نفقتها.

[ 244 ]

* (كتاب قسمة الزكوة) * * (والأخماس والأنفال) * المستحق للزكوة هم الثمانية أصناف الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز في قوله عز وجل " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم و في الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل " (1) ولا يجوز أن يعطى شيئا من الزكوة من ليس على ظاهر الاسلام من سائر أصناف الكفار لا زكوة الفطرة، ولا زكوة الأموال ولا شئ من الكفارات. والأموال على ضربين: ظاهرة وباطنة، فالباطنة الدنانير والدراهم وأموال التجارات فالملك بالخيار في هذه الأشياء بين أن يدفعها إلى الإمام أو من ينوب عنه، وبين أن يفرقها بنفسه على مستحقيه بلا خلاف في ذلك. وأما زكوة الأموال الظاهرة مثل المواشي والغلات فالأفضل حملها إلى الإمام إذا لم يطلبها، وإن تولى تفرقتها بنفسه فقد أجزأ عنه، ومتى طلبها الإمام وجب دفعها إليه، وإن فرقها بنفسه مع مطالبته لم يجزه. فإذا وجب عليه الزكوة وقدر على دفعها إلى من يجوز دفعها إليه إما الإمام أو الساعي فإنه يلزمه إخراجها إليه، ولا يجوز له حسبها. فإذا ثبت ذلك. فالأموال على ضربين: أحدهما: يعتبر فيه الحول، والآخر لا يعتبر فيه ذلك فما يعتبر فيه الحول المواشي والأثمان، وأموال التجارات، والذي لا يعتبر فيه الحول الزرع والثمار ويجب الزكوة فيها عند تكاملها على ما بيناه. وعلى الإمام أن يبعث الساعي في كل عام إلى أرباب الأموال لجباية الصدقات ولا يجوز له تركه لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يبعث بهم كل عام. فإذا أنفذ الساعي فمن دفع إليه أخذه، ومن لم يدفع، وذكر أنه قد أخرج الزكوة صدقه على ذلك على ما بيناه. فإذا أخذ الإمام صدقة المسلم دعا له استحبابا لقوله تعالى " خذ من أموالهم

(1) التوبة 60.

[ 245 ]

صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم " (1) وذلك على الاستحباب. ومن تجب عليه الزكوة فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يدفعها إلى الإمام أو إلى الساعي أو يتولى بنفسه تفريقها. فإن دفعها إلى الإمام فالفرض قد سقط عنه و الإمام يضعها كيف شاء لأنه مأذون له في ذلك، وإن دفعها إلى الساعي فإنها يسقط عنه أيضا الفرض لأنه بمنزلة دفعها إلى الإمام. فإن كان الإمام أذن للساعي في تفرقها على أهلها فرقها حسب ما يراه من المصلحة بحسب اجتهاده، وإن لم يكن أذن له في ذلك لم يجز له تفرقتها بنفسه. وإن أراد رب المال تفرقتها بنفسه وكان من الأموال الباطنة أو الظاهرة إذا قلنا له ذلك فإنه يلزمه تفرقتها على من يوجد من الأصناف الثمانية الذين تقدم ذكرهم إلا العامل فإنه لا يدفع إليه شيئا لأنه إنما يستحق إذا عمل وهيهنا ما عمل شيئا فإن أخل بصنف منهم جاز عندنا لأنه مخير في أن يضع في أي صنف شاء، وإذا وجبت عليه زكوة فعليه أن يصرفها [ يفرقها خ ل ] في فقراء أهل بلده ومستحقيها فإن نقلها إلى بلد آخر مع وجود المستحق في بلده ووصل إليهم فقد أجزأه، وإن هلك كان ضامنا وإن لم يجد لها مستحقا في بلده جاز له حملها إلى بلد آخر ولا ضمان عليه على حال وإنما قلنا، إن تفرقتها في بلده أولى لقول النبي صلى الله عليه وآله لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم. فثبت أنه للحاضرين فإذا ثبت هذا فكان الرجل ببلد والمال في ذلك البلد فعليه أن يفرقه في ذلك البلد، ولا يجوز له نقلها إلا على ما قلناه. فإن كان هو في موضع وماله في موضع آخر وكان ماله زرعا أو ثمارا أخرج صدقته في موضع ماله، وإن كان غير ذلك من الأموال التي يعتبر فيها الحول فإنه يخرج زكاته في الموضع الذي يحول عليه الحول. وأما زكوة الفطرة فإنه إن كان هو وماله في بلد واحد أخرج زكوة الفطرة منه، و إن كان هو في بلد وماله في بلد آخر أخرج الفطرة في البلد الذي فيه صاحب المال لأنها

(1) التوبة 103.

[ 246 ]

يتعلق بالبدن لا بالمال، وقد قيل: إنه يخرج في البلد الذي فيه المال والأول أصح ولا فرق بين أن ينقلها إلى موضع قريب أو موضع بعيد. فإنه لا يجوز نقلها عن البلد مع وجود المستحق إلا بشرط الضمان، ومع عدم المستحق يجوز بالاطلاق غير أنه متى وصل إلى مستحقه في البلد الذي حمل إليه فإنه يسقط به الفرض عنه. وإذا أراد أن يفرق الزكوة بنفسه فرقها في الأصناف السبعة إن كانوا موجودين وإن لم يكونوا موجودين وضعها فيمن يوجد منهم، والأفضل أن يجعل لكل جنس منهم سهما من الزكوة. فإن لم يفعل ووضعها في جنس أو جنسين كان جايزا، وإن فرق في الجنس على جماعة كان أفضل، وإن أعطاها لواحد فقد برئت ذمته. وأما العامل فليس له شئ هيهنا فإذا دفعها إلى الساعي فقد سقط عنه الفرض فإذا حصلت في يد الساعي وكان مأذونا له في التفرقة فإنه يأخذ سهمه. ثم يصرف الباقي على حسب ما يراه، وإن لم يكن قد أذن له في التفرقة دفعها إلى الإمام، و إذا عدم صنف من الأصناف فلا يخلو من أن يعدموا في ساير البلاد أو في بلد المال وحده فإن عدموا في ساير البلدان كالمؤلفة قلوبهم والمكاتبين فإن سهمهم ينتقل إلى باقي الأصناف فيقسم فيهم لأنهم أقرب، وإن عدموا في بلد المال، وكانوا موجودين في بلد آخر فرق فيمن بقي من الأصناف في بلد المال ولا يحمل إلى غيره إلا بشرط الضمان. سبب استحقاق الزكوة على ضربين: سبب مستقر وسبب مراعى. فالمستقر الفقر و المسكنة وغير ذلك. فإن الفقراء والمساكين يأخذون الصدقة أخذا مستقرا ولا يراعى ما يفرقونه [ يصرفونه خ ل ] فيه سواء فرقوها في حاجتهم أولم يفرقوها لا اعتراض عليهم والمراعى مثل الغارمين والمكاتبين فإنه يراعي حالهم فإن صرفوها في قضاء الدين و مال الكتابة وإلا استرجعت عنهم. الفقراء إذا أطلق دخل فيه المسكين، وكذلك لفظة المسكين إذا أطلق دخل فيه الفقر لأنهما متقاربان في المعنى فأما إذا جمع بينهما كآية الصدقة وغيرها ففيه خلاف بين العلماء فقال قوم وهو الصحيح: إن الفقير هو الذي لا شئ له ولا معه، والمسكين هو الذي له بلغة من العيش لا يكفيه، وفيهم من قال: بالعكس من ذلك، والأول

[ 247 ]

أولى لقوله تعالى " أما السفينة فكانت لمساكين " وهي تساوي جملة. تحرم الصدقة على من يقدر على التكسب الذي يقوم بأوده وأود عياله. إذا جاء رجل إلى الإمام أو الساعي، وذكر أنه لا مال له ولا كسب وسأله أن يعطيه شيئا من الزكوة فإن عرف الإمام صدقه أعطاه وإن عرف كذبه لم يعطه، وإن جهل حاله نظر فإن كان جلدا في الظاهر أعطاه، وقيل: إنه يحلف لأنه يدعي أمرا يخالف الظاهر وقيل: إنه لا يحلف وهو الأقوى. وأما إذا كان ضعيفا في الظاهر فإنه يعطيه من الصدقة ولا يحلفه لأن الظاهر موافق لما يدعيه. فإن ادعا هذا السائل أنه يحتاج إلى الصدقة لأجل عياله فهل يقبل قوله قيل فيه قولان: أحدهما: يقبل قوله بلا بينة. والثاني: لا يقبل إلا ببينة لأنه لا يتعذر وهذا هو الأحوط. هذا فيمن لا يعرف له أصل مال فإذا عرف له أصل مال فادعى أنه محتاج لا يقبل قوله إلا ببينة لأن الأصل بقاء الملك [ المال خ ل ] وهكذا الحكم في العبد إذا ادعى أن سيده أعتقه أو كاتبه فإنه يستحق الصدقة فإنه لا يقبل ذلك إلا ببينة لأن الأصل بقاء الرق. ويعتبر مع الفقر والمسكنة الايمان والعدالة. فإن لم يكن مؤمنا أو كان فاسقا فإنه لا يستحق الزكوة. والمخالف إذا أخرج زكوته. ثم استبصر كان عليه إعادة الزكوة لأنه أعطاها لغير مستحقها، ويجوز أن يعطي أطفال المؤمنين الزكوة، ولا يجوز أن يعطي الزكوة أطفال المشركين. يجوز أن يعطي الزكوة لمن كان فقيرا ويستحيي من أخذه على وجه الصلة، و إن لم يعلم أنه من الزكوة المفروضة. ومن أعطي زكوة ليفرقها وكان محتاجا جاز له أن يأخذ مثل ما يعطي غيره فإن عين له على أقوام لم يجز له أن يأخذ منها شيئا. والعامل هو الذي يجبي الصدقة فإذا جباها استحق سهما منها ولا يستحق فيما

[ 248 ]

يأخذه الإمام بنفسه أو فرقه رب المال بنفسه لأنه لم يعمل. وإذا أراد الإمام أن يولي رجلا على الصدقات احتاج أن يجمع ست شرايط البلوغ والعقل والحرية والاسلام والأمانة والفقه. فإن أخل بشئ منها لم يجز أن يوليه فإذا قبض الإمام الصدقات بنفسه لم يجز له أن يأخذ منها شيئا بلا خلاف عندنا لأن الصدقة محرمة عندنا عليه وعند الفقهاء لأن له رزقا من بيت المال على تولية أمر المسلمين فلا يجوز أن يأخذ شيئا آخر، وكذلك خليفة الإمام على إقليم أو بلد إذا كان عمل على الصدقات وجباها فلا يستحق عوضا على ذلك لكن إن تطوع به جاز لأنه قائم مقام الإمام، وإذا ولى الإمام رجلا للعمالة فإنه يستحق العوض ثم لا يخلو حالة من ثلاثة أقسام: إما أن يكون من ذوي القربى أو من مواليهم أو لا منهم ولا من مواليهم. فإن كان من أهل ذوي القربى فإنه لا يجوز أن يتولى العمالة لأنه لا يجوز له أن يأخذ الصدقة. وقال قوم: يجوز ذلك لأنه يأخذ على وجه العوض و الأجرة فهو كساير الاجارات، والأول أولى لأن الفضل بن العباس والمطلب بن ربيعة سئلا النبي صلى الله عليه وآله أن يوليهما العمالة فقال لهما: الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وأنها لا تحل لمحمد وآل محمد، هذا إذا كانوا متمكنين من الأخماس، وأما إذا لم يكونوا كذلك فإنه يجوز لهم أن يتولوا الصدقات، ويجوز لهم أيضا أخذ الزكوة عند الحاجة. فأما موالي ذوي القربى فإنه يجوز لهم أن يولوا العمالة، ويجوز لهم أن يأخذوا منها بلا عمالة. فأما ساير الناس غير ذي القربى ومواليهم فإنه يجوز أن يكونوا عمالا ويأخذوا من الصدقة لعموم الأخبار والآية. فإذا ثبت هذا فالإمام في العامل بالخيار إن شاء استأجره مدة معلومة، وإن شاء عقد معه عقد جعالة، وإذا وفي العمل دفع إليه العوض الذي شرط له. فإذا عمل العامل العمل واستقر له العوض نظر في السهم من الصدقة فإن كان بقدر الأجرة دفع إليه، و إن كان أكثر دفع إليه قدر أجرته وصرف الباقي إلى أهل السهمان، وإن كان أقل تمت له أجرته من سهمان الصدقات لعموم الآية. وقيل: إنه من سهم المصالح. فإن قبض الساعي الصدقات وتلف في يده فإنها تتلف من حق المساكين لأنه

[ 249 ]

أمينهم وقبضه عنهم، والمؤلفة قلوبهم عندنا هم الكفار الذين يستمالون بشئ من مال الصدقات إلى الاسلام، ويتألفون ليستعان بهم على قتال أهل الشرك، ولا يعرف أصحابنا مؤلفة أهل الاسلام، وللمؤلفة سهم من الصدقات كان ثابتا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وكل من قام مقامه عليه جاز له أن يتألفهم لمثل ذلك، ويعطيهم السهم الذي سماه الله تعالى لهم، ولا يجوز لغير الإمام القائم مقام النبي صلى الله عليه وآله ذلك، وسهمهم مع سهم العامل ساقط اليوم. وقال الشافعي: المؤلفة قلوبهم ضربان، مسلمون ومشركون. فالمشركون ضربان أحدهما: قوم لهم شرف وطاعة في الناس وحسن نية في الاسلام يعطون استمالة لقلوبهم وترغيبا لهم في الاسلام مثل صفوان بن أمية وغيره. والثاني: قوم من المشركين لهم قوة وشوكة وطاعة إذا أعطاهم الإمام كفوا شرهم عن المسلمين، وإذا لم يعطوا تألبوا عليه وقاتلوه فهؤلاء كان النبي صلى الله عليه وآله يعطيهم استكفافا لشرهم، وبعد النبي صلى الله عليه وآله هل لمن قام مقامه أن يعطيهم ذلك؟ فيه قولان، ومن أين يعطهم من سهم المصالح أو من سهم الصدقات فيه قولان. وأما مؤلفة الاسلام فعلى أربعة أضرب: أحدها: قوم لهم شرف وسداد لهم نظراء إذا أعطوا هؤلاء نظر إليهم نظراؤهم فرغبوا في الاسلام فهؤلاء أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله مثل الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم وغيرهما. والضرب الثاني: قوم لهم شرف وطاعة أسلموا وفي نياتهم ضعف أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله ليقوي نياتهم مثل أبي سفيان بن حرب أعطاه النبي صلى الله عليه وآله مائة من الإبل وأعطى صفوان مائة، وأعطى الأقرع بن حابس مائة، وأعطى عتبة ابن الحصين مائة، وأعطى العباس بن مرداس أقل من مائة فاستعتب فتمم المائة، ولمن قام مقام النبي صلى الله عليه وآله أن يعطي هذين فيه قولان، ومن أين يعطيه فيه قولان. الضرب الثالث: هم قوم من الأعراب في طرف من بلاد الاسلام وبإزائهم قوم من المشركين إن أعطاهم قاتلوا عن المسلمين، وإن لم يعطوا لم يقاتلوا، واحتاج الإمام

[ 250 ]

إلى مؤونة في تجهيز الجيوش إليهم فهؤلاء يعطون ويتألفون ليقاتلوا المشركين ويدفعوهم. والضرب الرابع: قوم من الأعراب في طرف من بلد الاسلام بإزائهم قوم من أهل الصدقات إن أعطاهم الإمام جبوا الصدقات وحملوها إلى الإمام، وإن لم يعطهم لم يجبوها واحتاج الإمام في إنفاذ من يجبها إلى مؤونة كثيرة فيجوز أن يعطيهم لأن فيه مصلحة. ومن أين يعطيهم أعني هذين الفريقين فيه أربعة أقوال: أحدها: من سهم المصالح. الثاني: من سهم المؤلفة من الصدقات. الثالث: يعطون من سهم سبيل الله لأنه في معنى الجهاد. الرابع: يعطون من سهم المؤلفة ومن سهم سبيل الله، وهذا التفصيل لم يذكره أصحابنا غير أنه لا يمنع أن يقول: إن للإمام أن يتألف هؤلاء القوم ويعطيهم إن شاء من سهم المؤلفة، وإن شاء من سهم المصالح لأن هذا من فرائض الإمام وفعله حجة، وليس يتعلق علينا في ذلك حكم اليوم فإن هذا قد سقط على ما بينا وفرضنا تجويز ذلك والشك فيه ولا يقطع على أحد الأمرين. وأما سهم الرقاب فإنه يدخل فيه المكاتبون بلا خلاف، وعندنا أنه يدخل فيه العبيد إذا كانوا في شدة فيشترون ويعتقون عن أهل الصدقات ويكون ولايتهم لأرباب الصدقات، ولم يجز ذلك أحد من الفقهاء، وروي أصحابنا أن من وجبت عليه عتق رقبة في كفارة ولا يقدر على ذلك جاز أن يعتق منه، والأحوط عندي أن يعطي ثمن الرقبة لكونه فقيرا فيشتري هو ويعتق عن نفسه. وأما المكاتب فإنما يعطى من الصدقة إذا لم يكن معه ما يعطي ما عليه من مال الكتابة ومتى كان معه ما يؤدي به مال الكتابة فإنه لا يعطى شيئا هذا إذا دخل [ حل خ ل ] عليه نجم وليس معه ما يعطيه أو ما يكفيه لنجمه، وإن لم يكن معه شئ غير أنه لم يحل عليه نجم فإنه يجوز أيضا أن يعطى لعموم الآية، ومتى أعطي المكاتب وصرفه فيما عليه مضى من مال الكتابة فإنه قد وقع موقعه، وإن صرفه في غير ذلك استرجع فيه عند الفقهاء، ويقوى عندي أنه لا يسترجع لأنه لا دليل عليه وسواء في ذلك عجز نفسه

[ 251 ]

أو تطوع انسان أو أبرأه مالكه من مال الكتابة. وأما الغارمون فصنفان: صنف استدانوا في مصلحتهم ومعروف في غير معصية ثم عجزوا عن أدائه فهؤلاء يعطون من سهم الغارمين بلا خلاف، وقد ألحق بهذا قوم أدانوا مالا في دم بأن وجد قتيل لا يدرى من قتله وكاد أن تقع بسببه فتنة فتحمل رجل ديته لأهل القتيل فهؤلاء أيضا يعطون أغنياء كانوا أو فقراء لقوله عليه السلام: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمس: غاز في سبيل الله أو عامل عليها أو غارم، وألحق به أيضا قوم تحملوا في ضمان مال بأن يتلف مال الرجل، ولا يدري من أين أتلفه وكاد أن يقع بسببه فتنة فتحمل رجل قيمته وأطفى الفتنة. والغارمون في مصلحة أنفسهم فعلى ثلاثة أضرب: ضرب: انفقوا المال في الطاعة والحج والصدقة ونحو ذلك. وضرب: انفقوا في المباحات من المأكول والملبوس فهذان يدفع إليهما مع الفقر لأنهم محتاجون ولا يدفع إليهم مع الغنا. والضرب الثالث: من أتلف ماله في المعاصي كالزنا وشرب الخمر واللواط. فإن كان غنيا لم يعط شيئا، وإن كان فقيرا نظر فإن كان مقيما على المعصية لم يعطه لأنه إعانة على المعصية، وإن تاب فإنه يجوز أن يعطى من سهم الفقراء، ولا يعطى من سهم الغارمين. وكل من قلنا: إنه يعطى من الصدقات من مكاتب وغارم وغيرهما. فإنما يعطى إذا كان مسلما مؤمنا عدلا فأما إذا كان كافرا فإنه لا يعطى، وكذلك حكم المخالف والفاسق. إذا أعطي الغارم فإنما يعطى بقدر ما عليه من الدين لا يزاد عليه لقوله عليه السلام: أو رجل حمل حمالة فحلت له المسألة يؤديها ثم يمسكه، وإذا أعطي فقضى به دينه فقد وقعت موقعه، وإن لم يقضه بأن أبرء منه أو تطوع غيره بالقضاء عنه فإنه يسترجع معه كالمكاتب، والذي يقوى في نفسي أنه لا يسترجع لأنه لا دليل عليه، وأما إذا قضاه من ماله أو قضى عنه غيره فلا يجوز أن يأخذ عوضه من مال الصدقة.

[ 252 ]

وأما سبيل الله فإنه يدخل فيه الغزاة في سبيل الله المطوعة الذين ليسوا بمرابطين لأن المرابطين، وأصحاب الديوان لهم سهم من الغنايم والفئ دون الصدقات، ولو حمل على الكل لعموم الآية كان قويا. ويدخل في سبيل الله معونة الحاج وقضاء الديون عن الحي والميت وجميع سبيل الخير والمصالح، وسواء كان الميت الذي يقضي عنه إذا لم يخلف شيئا كان ممن يجب عليه نفقته في حياته أو لم يكن، ويدخل فيه معونة الزوار والحجيج وعمارة المساجد و المشاهد وإصلاح القناطر وغير ذلك من المصالح، والغزاة يأخذون الصدقة مع الغنى والفقر، ويدفع إليهم قدر كفايتهم لذهابهم ومجيئهم على قدر كفاياتهم من كونهم رجالة وفرسانا، ومن له صاحب ومن ليس له كذلك، وعلى قدر السفر إن كان طويلا أو قصيرا. ومتى أعطي الغازي ذلك وخرج وغزا وقعت الصدقة موقعها، وإن بدا له فلم يخرج أو رجع من الطريق استرجع منه. وأما ابن السبيل فعلى ضربين: أحدهما: المنشئ للسفر من بلده. الثاني: المجتاز بغير بلده، وكلاهما يستحق الصدقة عند أبي حنيفة والشافعي، ولا يستحقها إلا المجتاز عند مالك، وهو الأصح لأنهم عليه السلام فسروه فقالوا: هو المنقطع به، وإن كان في بلده ذا يسار فدل على أنه المجتاز، وقد روي أن الضيف داخل فيه، والمنشئ للسفر من بلده إن كان فقيرا جاز أن يعطى من سهم الفقراء دون سهم ابن السبيل. والسفر على أربعة أضرب: واجب وندب ومباح ومعصية. فالواجب كالحج و العمرة الواجبتين. والندب كالحج المتطوع والعمرة كذلك، والزيارات، وغير ذلك من بر الوالدين وصلة الأرحام فهذين السفرين يستحق الصدقة بلا خلاف، والمباح يجري هذا المجرى على السواء. وفي الناس من منع ذلك. وأما السفر إذا كان معصية لقطع طريق أو قتل مؤمن أو سعاية، وما أشبه ذلك فإنه

[ 253 ]

لا يستباح به الصدقة ولا يستحقها بلا خلاف. فإذا ثبت هذا فابن السبيل متى كان منشئا من بلده ولم يكن له مال أعطي من سهم الفقراء، وعندنا وعندهم من سهم ابن السبيل، وإن كان له مال لا يدفع إليه لأنه غير محتاج بلا خلاف، وإن كان مجتازا بغير بلده وليس معه شئ دفع إليه، وإن كان غنيا في بلده لأنه محتاج في موضعه فإذا دفع إليه فإنه يدفع بقدر كفايته لذهابه ورجوعه. ثم ينظر فإن صرف ذلك في سفره وقع موقعه، وإن بدا له من السفر وأقام استرجع منه وإن دفع إليه قدر كفايته فضيق على نفسه حتى فضل له فضل، ووصل إلى بلده استرجع منه لأنه غني في بلده. والغازي إذا ضيق على نفسه وفضل معه فضل إذا فرغ من غزوه لا يسترجع منه لأنه يعطي مع الغني والفقر. وأهل الأصناف على ثلاثة أقسام: أحدها: من يقبل قوله: في استحقاق الصدقة من غير بينة، ومن لا يقبل إلا ببينة: ونحن نذكر ذلك على ترتيب الأصناف فالفقراء والمساكين إذا ادعى انسان أنه منهم، وطلب أن يعطى من الصدقة. فإن لم يكن عرف له مال فالقول قوله ويعطى من غير بينة ولا استخلاف لأن الأصل عدم المال وإن عرف له مال وادعى ذهابه وتلفه لم يقبل قوله إلا ببينة لأن الأصل بقاء المال. وأما العامل فإن خرج وعمل استحق، وإن لم يعمل فلا شئ له، وكذلك في المؤلفة قلوبهم لأن كفرهم [ أمرهم خ ل ] ظاهر. وأما الرقاب والمكاتبون فيهم ثلاث مسائل: أحدها: أن يدعي عبد أن سيده كاتبه وأنكر سيده فالقول قول السيد، ولا يقبل قول العبد، ولا يعطى من الصدقة لأن الأصل عدم الكتابة. وإن أقام البينة على الكتابة فإنه يعطى من الصدقة، لأنه ثبت كونه مكاتبا. وإن ادعى الكتابة وصدقه السيد يقبل قولهما وأعطي لأن تصديق السيد مقبول لأنه إقرار في حقه. وقيل: إنه لا يقبل لأنه يجوز أن يكون تواطئا على ذلك ليأخذوا من الصدقة، والأول أولى فيمن عرف أن له عبدا، والثاني أحوط فيمن

[ 254 ]

لا يعرف ذلك من حاله. وأما الغارمون فعلى ضربين: غارمون لمصلحة ذات البين. فأمره ظاهر لأنه يتحمل حمالة ظاهرة معروفة. فإذا فعل ذلك أعطي من الصدقات، وأما الغارم لمصلحة نفسه فإن أقام البينة بأن عليه دينا أعطي من الصدقة لأنه بدت غرمه، وإن ادعى الدين وصدقه صاحبه عليه فالقول فيه كالقول في المكاتب سواء. وأما سبيل الله الذين هم الغزاة فأمره أيضا ظاهر لأن الذي ينفذ الغزاة هو الإمام أو خليفته فإذا بعثهم أعطاهم. وابن السبيل فأمره ظاهر أيضا سواء كانوا أنشؤوا السفر أو كانوا مجتازين، ويقبل قولهم لأن الأصل عدم المال، وإن قال المجتاز: كان لي مال ها هنا فتلف لم يقبل قوله منه إلا ببينة، وإن قال: لا مال لي أصلا أو قال: لي مال في بلدي وليس لي ها هنا قبل قوله. * (الفصل الثاني: في أحكامهم) * وهو من يدفع إليه دفعا مراعا ومن يدفع إليه مقطوعا. فالفقراء والمساكين والعاملون والمؤلفة فهؤلاء يعطون عطاء مقطوعا لا يراعي ما يفعلون بالصدقة. وأما الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل فإنهم يعطون عطاء مراعا فإن صرف المكاتب ما آخذه في دينه والغارم في غرمه، والغازي في جهاده، وابن السبيل في سفره، وإلا استرجع لقوله تعالى " وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله و ابن السبيل " (1) فجعلهم ظرفا للزكوة ولم يجعلهم مستحقين كما جعل الأصناف الأربعة المتقدمة فإنه أضاف إليهم بلام الملك. فإذا ثبت ذلك فإنه يراعى. والمكاتب إذا أخذ الصدقة ودفعها في مال الكتابة وعتق فلا كلام، وإن أبرأه سيده من مال الكتابة أو تطوع به انسان بالأداء أو عجز نفسه فاسترقه السيد استرجعت منه، وإن أخذها فقضى بعض ما عليه من الدين وبقي البعض فعجزه السيد فيه وجهان، والأقوى عندي أنه لا يسترجع منه لأنه لا دليل عليه.

(1) التوبة 60.

[ 255 ]

وأما الغارم فإن قضى بها دينه أجرأه، وإن تطوع عنه انسان بقضائه أو أبرأه صاحب الدين استرجعت منه. وأما الغازي فإن صرفها في جهة الغزو أجزأه، وإن بدا له ولم يخرج استرجعت منه. وابن السبيل إن صرفت ماله في سفره أجزأه، وإن ترك السفر استرجعت منه. * (الفصل الثالث: في بيان من يأخذ) * * (الصدقة مع الغنى والفقر، ومن لا يأخذها إلا مع الفقر) * فالفقراء، والمساكين والرقاب، والغارمون لمصلحة نفوسهم، وابن السبيل المنشئ للسفر من بلد لا يأخذون هؤلاء كلهم إلا مع الفقر والحاجة ولا يأخذونها مع الغناء، و العاملون والمؤلفة والغزاة والغارمون لمصلحة ذات البين، وابن السبيل المجتاز بغير بلده يأخذون الصدقة مع الغنى والفقر. فالأصناف الخمسة الذين لا يأخذون إلا مع الفقر لا خلاف فيه بين أهل العلم، وأما الأصناف الذين يأخذون مع الغنى والفقر فيه خلاف. وإذا ولى الإمام رجلا عمالة الصدقات، وبعث فيها فينبغي أن يعرف عدد أهل الصدقات وأسمائهم وأنسابهم وحلالهم، وقدر حاجتهم حتى إذا أعطى واحدا منهم أثبت اسمه ونسبه وحليته حتى لا يعود فيأخذ دفعة أخرى ويعرف قدر حاجتهم حتى يقسم الصدقة بينهم على ذلك. ثم يبتدء فيفرغ أولا من جبايتها. فإذا تكاملت تشاغل بتفرقتها عقيب حصولها، ولا تؤخر فربما استضر بتأخرها، وربما تلفت الصدقة فيلزمه غرامتها فإذا عرف ذلك وحصلت الصدقات فإن كانت الأصناف كلهم موجودين. فالأفضل أن يفرقها على ثمانية أصناف كما قال الله تعالى، وإن سوي بينهم جاز، وإن فضل صنفا على صنف كان أيضا جايزا، وإن فقد منهم صنفا قسمها على سبعة، وإن فقد صنفين قسمها على ستة ولو أنه قسم ذلك في صنف من أرباب الصدقة على حسب ما يراه من المصلحة كان جايزا، وتفضيل بعضهم على بعض أيضا جايز، وإن كان الأفضل ما قلناه وينبغي أن يبدأ أو لا فيخرج منه سهم العامل لأنه يأخذ عوض عمله فإن كان قدر

[ 256 ]

الصدقة وفق أجرته دفع إليه، وإن كان أكثر صرف الفضل إلى باقي الأصناف، وإن كان أقل تممه الإمام من المصالح، وإن احتيج إلى كيال أو وزان في قبض الصدقة فعلى من تجب؟ قيل فيه وجهان: أحدهما: على أرباب الأموال لأن عليهم أيضا الزكوة كأجرة الكيال والوزان في البيع على البايع. والآخر أنه على أرباب الصدقات لأن الله تعالى أوجب عليهم قدرا معلوما من الزكوة فلو قلنا: إن الأجرة تجب عليهم لزدنا على قدر الواجب، والأول أشبه. وإن تولى الإمام تفرقتها أعطى العامل أجرته وصرف الباقي في باقي الأصناف على قدر حاجاتهم وكفاياتهم فإن كانوا فقراء فعلى قدر كفايتهم، وإن كانوا غارمين فعلى قدر ديونهم، وإن كانوا غزاة فعلى قدر حاجتهم لغزوهم. فإذا فرق في صنف قدر حاجتهم وكفايتهم وفضل فرق في الباقين، وإن فضل عن الجميع بقدر حاجتهم وكفايتهم صرفه إلى مستحقي أقرب البلاد إليه. ثم لا يزال كذلك حتى يستوفي تفرقة مال الصدقة وإن نقص عن قدر كفاياتهم فرقها على حسب ما يراه ويتم سهام الباقين من سهام المصالح أو من بيت مال الصدقة، والغني الذي يحرم معه أخذ الصدقة أن يكون قادرا على كفايته وكفاية من يلزم كفايته على الدوام. فإن كان مكتفيا بصنعة وكانت صنعته ترد عليه كفايته وكفاية من تلزمه ونفقته حرمت عليه، وإن كانت لا ترد عليه حل له ذلك وهكذا حكم العقار، وإن كان من أهل الصنايع احتاج أن يكون معه بضاعة ترد عليه قدر كفايته فإن نقصت عن ذلك حلت له الصدقة، ويختلف ذلك على حسب اختلاف حاله حتى إن كان الرجل بزازا أو جوهريا يحتاج إلى بضاعة قدرها ألف دينار أو ألفي دينار فنقص عن ذلك قليلا حل له أخذ الصدقة هذا عند الشافعي، والذي رواه أصحابنا أنه تحل لصاحب السبع مائة وتحرم على صاحب الخمسين (1) وذلك على قدر حاجته

(1) المروية في الوسائل. الطبعة الحديثة ج 4 ص 160 الرقم 6 [ عن علل الشرائع ص 130 ] عن محمد بن مسلم أو غيره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تحل الزكاة لمن له سبعمائة درهم إذا لم يكن له حرفة ويخرج زكاتها ويشتري منها بالبعض قوتا لعياله ويعطي البقية أصحابه، ولا تحل الزكاة لمن له خمسون درهما وله حرفة يقوت بها عياله.

[ 257 ]

إلى ما يتعيش به، ولم يرووا أكثر من ذلك، وفي أصحابنا من قال: إن ملك نصابا تجب عليه فيه الزكوة كان غنيا وتحرم عليه الصدقة، وذلك قول أبي حنيفة. وأما العامل فالإمام مخير بين أن يستأجره إجارة صحيحة بأجرة معلومة، وإن شاء بعثه بعثة مطلقة ويستحق أجرة مثل عمله، وإن استأجره لم يجز أن يزيده على أجرة مثله، وإن بعثه مطلقا فعمل استحق أجرة مثله، ويختلف ذلك باختلاف عمله في طول المسافة وقصرها وكثرة العمل وقلته، وعلى حسب أمانته ومعرفته في الظاهر والباطن ويعطي الحاسب والوزان والكاتب من سهم العاملين. والمؤلفة قلوبهم فقد مضى القول فيهم. والمكاتب فإن كان معه ما يفي بمال الكتابة لم يعطه شيئا لأنه غير محتاج، و إن لم يكن معه شئ أعطي قدر ما يؤديه من المال الذي عليه، وإن كان معه بعض ما عليه أعطي تمام ما عليه، وإن دفع إلى سيده كان جايزا. ويعطى الغازي الحمولة والسلاح والنفقة والكسوة، وإن كان القتال بباب البلد أو موضع قريب، ولا يحتاج الغازي إلى حمولة لكن يحتاج إلى سلاح ونفقة أعطي ذلك، وإن كان فارسا ودفع إليه السلاح والفرس ونفقة فرسه، وإن كان القتال في موضع بعيد أعطي ما يركبه، ويحمل عليه آلته، ويدفع إليه قدر كفاية نفقته لذهابه ورجوعه. ابن السبيل ينظر فيه فإن كان ينشئ السفر من بلده ويقصد موضعا بعيدا أعطي قدر كفايته لسعره في ذهابه ورجوعه وأعطي ما يشتري به المركوب، وإن كان يقصد موضعا قريبا أعطي النفقة ولم يعطه المركوب إلا أن يكون شيخا أو ضعيفا لا يقدر على المشي. وأما المجتاز بغير بلده فإن كان يقصد الرجوع إلى بلده أعطي ما يبلغه إليه، وإن كان يقصد الذهاب إلى موضع والرجوع منه إلى بلده أعطي ما يكفيه لذهابه و رجوعه فإن دخل بلدا في طريقه فإن أقام به يوما أو يومين إلى عشرة أعطي نفقته، و إن أقام أكثر من ذلك لم يعط لأنه يخرج من حكم المسافرين، وإذا لم يوجد إلا صنف واحد جاز أن يفرق فيهم على ما بيناه.

[ 258 ]

إذا أخرج الرجل زكوته بنفسه إما زكوة الظاهرة أو الباطنة فلا يخلو من أن يكون من أهل الأمصار أو البوادي فإن كان من أهل الأمصار ينبغي أن يفرقها فيمن قدمناه ببلد المال، ويجوز أن يخص بها قوما دون قوم ويجوز التفضيل والتسوية على ما بيناه، فإن عمت الأصناف وإلا فرق فيمن يبلغهم [ يسعهم خ ل ] لكفاياتهم وإن لم يسع جاز تفرقتها في بعضهم لأنه ربما كان في تفرقتها في جميعهم مشقة. فإن كان له أقارب فتفريقها فيهم أولى من الأجانب فإن عدل إلى الأجانب جاز. فإن كان له أقارب بغير بلد المال لم يجز نقلها إليهم إلا بشرط الضمان على ما بيناه. فإن كان من أهل البادية فهم بمنزلة أهل المصر سواء، وإن كانوا يظعنون من موضع إلى موضع وينتجعون الماء والكلاء فإن لم يكن لهم حلل مجتمعة وكانوا متفرقين فإن كان منهم على مسافة لا يقصر إليها الصلاة من موضع المال فهو من أهلها، ومن كان على أكثر من ذلك فليس من أهلها، وإن كان لأهل البادية حلل مجتمعة كل حلة متميزة عن الأخرى فكل حلة منها لها حكم نفسها مثل بلد بجنب بلد. من يجبر على نفقته لا يجوز أن يعطيه الصدقة الواجبة ومن لا يجبر عليها جاز أن يعطيه، ومن يجبر على نفقته، من كان من عمود الولادة من الآباء والأمهات وإن علوا، والأولاد وأولاد الأولاد وإن نزلوا سواء كانوا أولاد بنين أو أولاد بنات. ومن خرج عن عمود الولادة من الإخوة والأخوات وأولادهم والأعمام والعمات وأولادهم فلا نفقة لهم، ويجوز دفع الصدقة إليهم. وكل من لا تجب نفقته إذا كان فقيرا جاز دفع الصدقة إليه وهو أفضل من الأباعد على ما بيناه. ومن تجب نفقته لا يجوز دفعها إليه، وإن كان من الفقراء والمساكين فإن كان أراد أن يدفع إليهم من غير سهم الفقراء جاز أن يدفع إليهم من سهم العاملين والمؤلفة والغارمين والغزاة ومن سهم الرقاب وابن السبيل يجوز أن يدفع إليه قدر حاجته للمحمولة. فأما قدر النفقة فلا يجوز فإنه يجب عليه نفقته، وإذا كانت له زوجة فلا يخلو

[ 259 ]

أن تكون مقيمة أو مسافرة. فإن كانت مقيمة فلا يجوز له أن يعطيها الزكوة الواجبة بسهم الفقراء والمسكنة لأنها كانت طالقة رجعية فنفقتها واجبة عليه فهي مستغنية بذلك وإن كانت باينه ناشزا يمكنها أن تعود إلى طاعته وتأخذ النفقة منه فهي مستغنية أيضا وأما إن كانت مسافرة فإن كانت مع الزوج فنفقتها عليه لأنها في قبضه ونفقتها عليه. وأما الحمولة فإن كانت سافرت بإذنه فحمولتها واجبة عليه، ولا يجوز أن يعطيها شيئا من الصدقة لأجلها فإن سافرت بغير إذنه فحمولتها غير واجبة لكن لا يجوز أن يعطيها الحمولة من الصدقة لأنها عاصية بسفرها فلا تستحق شيئا من الصدقة، وأما إذا سافرت وحدها فإن خرجت بإذنه فعليه نفقتها. فلا يجوز أن يعطيها الزكوة، وأما الحمولة فلا يجب عليه بحال فيجوز أن يعطيها من سهم ابن السبيل. وإن خرجت بغير إذنه فلا نفقة لها عليه ولا حمولة، ولا يجوز أن يعطيها الحمولة لأنها عاصية بخروجها، وأما النفقة فإنه يجوز أن يعطيها، وإن لم تكن واجبة عليه، والعصيان لا يمنع من النفقة. فأما إذا أراد أن يعطيها من غير سهم الفقراء فلا يتصور أن يكون عاملة لأن المرأة لا تكون عاملة، ولا مؤلفة، ولا غازية، ويتصور مكانه فيجوز أن يعطيها من سهم الرقاب لأنه لا يلزمه أن يفك عنها الدين، وكذلك إن كانت غارمة جاز أن يعطيها ما تقضي دينها، وإن كانت من أبناء السبيل فقد ذكرنا حكمها. وإذا كانت المرأة غنية وزوجها فقيرا جاز أن تدفع إليه زكوتها بسهم الفقراء. الصدقة المفروضة محرمة على النبي صلى الله عليه وآله وآله وهم ولد هاشم، ولا تحرم على من لم يلده هاشم من المطلبين وغيرهم، ولا يوجد هاشمي إلا من ولد أبي طالب العلويين و العقيليين والجعفريين ومن ولد العباس بن عبد المطلب، ومن أولاد الحرث بن عبد المطلب، ويوجد من أولاد أبي لهب أيضا. فأما صدقة التطوع فإنها تحرم عليهم ولا تحرم الصدقة الواجبة من بعضهم على بعض، وإنما تحرم صدقة غيرهم عليهم. فأما الصدقة على مواليهم فلا تحرم على حال هذا في حال تمكنهم من الأخماس فأما إذا منعوا من الخمس فإنه يحل لهم زكوة الأموال الواجبة، وإذا اجتمع لشخص

[ 260 ]

واحد سببان يستحق بكل واحد منهما الصدقة مثل أن يكون فقيرا غارما أو فقيرا غازيا أو غارما جاز أن يعطى بسببين، ويجوز أن يعطى لسبب واحد. ولا مانع يمنع إذا كان الرجل من أهل الفئ المرابطين في الثغور فأراد أن يصير من أهل الصدقات يغز وإذا نشط ويأخذ سهما منها كان له ذلك، وإن كان من أهل الصدقات فأراد أن يصير من أهل الفئ كان له ذلك أيضا إذا اجتمع أهل السهمان فإن كانت الصدقة مما تنقسم، وتتجزئ كالدراهم والدنانير والغلات أوصل إلى كل واحد منهم قدر ما يراه الإمام أو رب المال أو الساعي. ولا يعطى فقيرا أقل مما يجب في نصاب وهو أول ما يجب في نصاب الدنانير نصف دينار وبعد ذلك عشر دنانير، ومن الدراهم ما يجب في مائتي درهم خمسة دراهم وبعد ذلك ما يجب في كل أربعين، ويجوز الزيادة على ذلك. وزكوة الدنانير والدراهم يختص بها أهل الفقر والمسكنة الذين يتبذلون و يسألون. وصدقة المواشي يختص بها أهل العفاف والمتجملين الذين لا يتبذلون ولا يسألون ويجوز أن يشرك بين جماعة في صدقة المواشي، وإن أعطى ما يجب في نصاب كان أيضا جايزا، وإذا أعطى جماعة شيئا من المواشي فإن شاءوا ذبحوا واقتسموا اللحم، وإن شاءوا باعوه واقتسموا الثمن، وإن أراد رب المال أن يعطيهم قيمة ما يحب عليه كان ذلك جايزا. فأما الإمام والساعي فلا يجوز أن يبيع ذلك، ويفرق ثمنه على أهل السهمان لأنه لا دليل عليه، وإن قلنا: له ذلك من حيث كان حاكما عليهم وناظرا لهم كان قويا. إذا دفع الإمام الصدقة الواجبة إلى من ظاهره الفقر. ثم بان أنه كان غنيا في تلك الحال فلا ضمان عليه لأنه أمين، وما تعدى ولا طريق له إلى الباطن، فإن كانت الصدقة باقية استرجعت سواء كان الإمام شرط حال الدفع أنها صدقة واجبة أو لم يشرط وإن كانت تالفة رجع عليه بقيمتها. فإن كان موسرا أخذها ودفعها إلى مسكين آخر، و

[ 261 ]

إن لم يكن موسرا وكان قد مات فقد تلف المال من المساكين ولا ضمان على الإمام لأنه أمين. وإذا تولى الرجل إخراج صدقته بنفسه فدفعها إلى من ظاهره الفقر. ثم بان أنه غني فلا ضمان عليه أيضا لأنه لا دليل عليه فإن شرط حالة الدفع أنها صدقة واجبة استرجعها سواء كانت باقية أو تالفة، فإن لم يقدر على استرجاعها فقد تلف من مال المساكين. وقيل: إنه تلف من ماله لأنه يمكنه إسقاط الفرض عن نفسه بدفعها إلى الإمام، والأول أولى، وأما إن دفعها مطلقا أو لم يشترط أنها صدقة واجبة فليس له الاسترجاع لأن دفعه محتمل للوجوب والتطوع فما لم يشترط لم يكن له الرجوع وإذا دفعها إلى من ظاهره الاسلام. ثم بان أنه كان كافرا أو إلى من ظاهره الحرية فبان أنه كان عبدا أو إلى من ظاهره العدالة. ثم بان أنه كان فاسقا أو بان أنه من ذوي القربى كان الحكم فيه مثل ما قلناه في المسألة الأولى. ومتى لم يأت السعاة أو يكون في وقت لا يكون فيه إمام فعلى رب المال أن يتولى تفرقتها بنفسه، ولا يدفعها إلى سلطان الجور. فإن أخرج رب المال الزكوة ثم جاء الساعي وادعى رب المال أنه أخرجها صدقه الساعي وليس عليه يمين لا واجبة ولا مستحبة، وأهل السهمان لا يستحقون شيئا من مال الصدقة إلا بعد القسمة لأنه لا يتعين مستحقهم سواء كانوا كثيرين في بلد كبير أو قليلين في بلد صغير، ومتى مات واحد منهم لم ينتقل حقه إلى ورثته لأنهم لم يتعينوا لأن لرب المال والإمام أن يخص بها قوما دون قوم ويحمل إلى بلد آخر بشرط الضمان، وينبغي لوالي الصدقة أن يسم كل ما أخذ منها من إبل الصدقة وبقرها وغنمها لما روي أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسم إبل الصدقة ولأنها إذا وسمت تميزت من غيرها في المرعى والمشرب، و ينبغي أن يسمها في أقوى موضع وأصلبه وأعراه من الشعر لئلا يضر الوسم بالحيوان و يظهر السمة فالإبل والبقر توسم في أفخاذها والغنم في أصول آذانها ويكون ميسم الإبل والبقر أكبر من ميسم الغنم لأنها أضعف، ويكتب في الميسم إذا كان إبل الصدقة صدقة أو زكوة، وإن كان للجزية جزية أو شعار، ويكتب لله فإن فيه تبركا باسم الله تعالى.

[ 262 ]

* (فصل: في ذكر قسمة الأخماس) * قد ذكرنا في كتاب الزكوة ما يجب فيه الخمس، وما لا يجب، ونحن نذكر الآن كيفية قسمته. والخمس إذا أخذه الإمام ينبغي أن يقسمه ستة أقسام: سهم لله ولرسوله وسهم لذي القربى. فهذه الثلاثة أقسام للإمام القائم مقام النبي صلى الله عليه وآله يصرفه فيما شاء من نفقته ونفقة عياله وما يلزمه من تحمل الأثقال ومؤن غيره، وسهم ليتامى آل محمد و لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم، وليس لغيرهم من ساير الأصناف شئ على حال، وعلى الإمام أن يقسم هذه السهام بينهم على قدر كفايتهم ومؤونتهم في السنة على الاقتصاد، ولا يخص فريقا منهم بذلك دون فريقهم بل يعطي جميعهم على ما ذكرناه من قدر كفاياتهم ويسوي بين الذكر والأنثى فإن فضل منه شئ كان له خاصة، وإن نقص كان عليه أن يتمم من حصة خاصة، واليتامى وأبناء السبيل منهم يعطيهم مع الفقر والغنى لأن الظاهر يتناولهم، ومستحقوا الخمس هم الذين قدمنا ذكرهم ممن يحرم عليهم الزكوة الواجبة ذكرا كان أو أنثى، ومن كانت أمه هاشمية وأبوه عاميا لا يستحق شيئا، ومن كان أبواه هاشميا وامه عامية كان له الخمس، وكذلك من ولد بين هاشميين، ومن حل له الخمس حرمت عليه الصدقة، ومن حلت له الصدقة حرم عليه الخمس، ولا يستحق بنوا المطلب وبنوا عبد مناف شيئا من الخمس ولا تحرم عليه الصدقة. وينبغي أن يفرق الخمس في الأولاد وأولاد الأولاد ولا يخص بذلك الأقرب فالأقرب لأن الاسم يتناول الجميع وليس ذلك على وجه الميراث ولا يفضل ذكر على أنثى من حيث كان ذكرا لأن التفرقة إنما هي على قدر حاجتهم إلى ذلك، و ذلك يختلف بحسب أحوالهم ويعطى الصغير منهم، والكبير لتناول الاسم، والظاهر يقتضي أن يفرق في جميع من يتناوله الاسم في بلد الخمس كان أو في غيره من البلاد قريبا كان أو بعيدا إلا أن ذلك يشق. والأولى أن يقول: يخص إلى غيره لذلك من حضر البلد الذي فيه الخمس ولا يحمل إلا مع عدم مستحقه، ولو إن انسانا حمل ذلك إلى

[ 263 ]

بلد آخر ووصل إلى مستحقه لم يكن عليه شئ إلا أنه يكون ضامنا إن هلك مثل الزكوة فعلى هذا إذا غنم من الروم مثلا قسم الخمس على من كان ببلد الشام، وإذا غنم في بلاد الهند والترك لم يحمل إلى بلد الشام بل يفرق في بلد خراسان، ولا ينبغي أن يعطى إلا من كان مؤمنا أو بحكم الايمان، ويكون عدلا مرضيا فإن فرق في الفساق لم يكن عليه ضمان لأن الظاهر يتناولهم، ومتى فرق في الحاضرين وفضل منه شئ جاز حمله إلى البلد الذي يقرب. ثم على هذا التدريج الأقرب فالأقرب، ومتى حضر الثلاثة أصناف ينبغي ألا يخص بها قوم دون قوم بل يفرق في جميعهم، وإن لم يحضر في ذلك البلد إلا فرقة منهم جاز أن يفرق فيهم ولا ينتظر غيرهم ولا يحمل إلى بلد آخر. * (فصل: في ذكر الأنفال ومن يستحقها) * الأنفال في كل أرض خربة باد أهلها، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب أو سلمها أهلها طوعا بغير قتال، ورؤوس الجبال، وبطون الأودية والآجام والأرضون الموات التي لا أرباب لها، وصوافي الملوك، وقطايعهم التي كانت في أيديهم من غير جهة الغصب، وميراث من لا وراث له وله من الغنايم قبل أن يقسم الجارية الحسناء، والفرس الفارة والثوب المرتفع، وما أشبه ذلك مما لا نظير له من رقيق أو متاع. وإذا قوتل قوم من أهل الحرب بغير إذن الإمام فغنموا كان الغنيمة للإمام خاصة دون غيره فجميع ما ذكرناه كان للنبي صلى الله عليه وآله خاصة، وهي لمن قام مقامه من الأئمة في كل عصر فلا يجوز التصرف في شئ من ذلك إلا بإذنه فمن تصرف في شئ من ذلك بغير إذنه كان عاصيا، وما يحصل فيه من الفوايد والنمى للإمام دون غيره، و متى تصرف في شئ من ذلك بأمر الإمام وبإباحته أو بضمانه كان عليه أن يؤدي ما يصالحه الإمام عليه من نصف أو ثلث، والباقي له هذا إذا كان في حال ظهور الإمام وانبساط يده. وأما حال الغيبة فقد رخص [ رخصوا خ ل ] لشيعتهم التصرف في حقوقهم فما يتعلق بالأخماس وغيرها مما لا بد له من المناكح والمتاجر والمساكن. فأما ما عدا

[ 264 ]

ذلك فلا يجوز التصرف فيه على حال، وما يستحقونه من الأخماس في الكنوز والمعادن وغيرهما في حال الغيبة فقد اختلف أقوال الشيعة في ذلك وليس فيه نص معين فقال بعضهم: إنه جار في حال الاستتار مجرى ما أبيح لنا من المناكح والمتاجر، وهذا لا يجوز العمل عليه لأنه ضد الاحتياط وتصرف في مال الغير بغير إذن قاطع. وقال قوم: إنه يجب حفظه ما دام الانسان حيا فإذا حضرته الوفاة وصى به إلى من يثق به من إخوانه ليسلم إلى صاحب الأمر عليه السلام إذا ظهر ويوصي به كما وصي إليه إلى أن يصل إلى صاحب الأمر، وقال قوم: يجب دفنه لأن الأرضين تخرج كنوزها عند قيام القايم، وقال قوم يجب أن يقسم الخمس ستة أقسام. فثلاثة أقسام للإمام يدفن أو يودع عند من يوثق بأمانته. والثلاثة أقسام الأخر تفرق على أيتام آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم لأنهم المستحقون لها وهم ظاهرون، وعلى هذا يجب أن يكون العمل لأن مستحقها ظاهر، وإنما المتولي لقبضها أو تفرقها ليس بظاهر فهو مثل الزكوة في أنه يجوز تفرقها وأنه يجوز تفرقة الخمس مثل الزكوة إذا كان المتولي عليه السلام لقبضها ليس بظاهر بلا خلاف وقدم تقدم في بحث الزكوة، وإن كان الذي يجئ حمل الصدقات إليه ليس بظاهر، وإن عمل عامل على واحد من القسمين الأولين من الدفن أو الوصاية لم يكن به بأس. فأما القول الأول فلا يجوز العمل به على حال.

[ 265 ]

* (كتاب الصوم) * * (فصل: في ذكر حقيقة الصوم وشرايط وجوبه) * الصوم في اللغة هو الامساك والكف يقال: صام الماء: إذا سكن. وصام النهار: إذا قام في وقت الظهيرة، وهو أشد الأوقات حرارة، وفي الشرع هو إمساك مخصوص على وجه مخصوص ممن هو على صفة مخصوصة، ومن شرط انعقاده النية المقارنة فعلا أو حكما لأنه لو لم ينو وامسك عن جميع ذلك لم يكن صائما. وقولنا: إمساك مخصوص أردنا الامساك عن المفطرات التي سنذكرها: وأردنا على وجه مخصوص العمد دون النسيان لأنه لو تناول جميع ذلك ناسيا لم يبطل صومه. وقولنا: في زمان مخصوص أردنا به النهار دون الليل فإن الامساك عن جميع ذلك ليلا لا يسمى صوما. وقولنا: ممن هو على صفات مخصوصة أردنا به من كان مسلما لأن الكافر لو أمسكه عن جميع ذلك لم يكن صائما. وأردنا به أيضا ألا تكون حايضا لأنها لا يصح منها الصوم وكذلك لا يكون مسافرا سفرا مخصوصا عندنا لأن المسافر لا ينعقد صومه ولا يكون جنبا لأن الجنب لا ينعقد صومه مع التمكن من الغسل. وقولنا: من شرطه مقاربة النية له فعلا أو حكما معناه أن يفعل النية في الوقت الذي يجب فعلها فيه، وحكما أن يكون ممسكا عن جميع ذلك، وإن لم يفعل النية كالنايم طول شهر رمضان والمغمى عليه. فإنه لا نية لهما، ومع ذلك يصح صومهما وكذلك كل من أمسكه غيره عن جميع ما يجب إمساكه يكون في حكم الصايم إذا نوى و إن لم يكن في الحقيقة ممتنعا لأنه لا يتمكن منها، ومن شرط وجوبه كمال العقل و الطاقة والبلوغ، وليس الاسلام شرطا في الوجوب لأن الكافر عندنا يجب عليه العبادات الشرعية، وإن لم يكن مسلما إلا أنه لم يلزمه القضاء متى أسلم لأن القضاء فرض ثان من شرطه الاسلام.

[ 266 ]

وأما المرتد عن الاسلام إذا رجع فإنه يلزم قضاء الصوم، وجميع ما فاته من العبادات في حال ارتداده لأنه كان بحكم الاسلام لالتزامه له أولا فلأجل ذلك وجب عليه القضاء فأما إذا ارتد. ثم عاد إلى الاسلام قبل أن يفعل ما يفطره فلا يبطل صومه بالارتداد لأنه لا دليل عليه. وأما كمال العقل فإنه شرط في وجوبه عليه لأن من ليس كذلك لا يكون مكلفا من المجانين والبله، ولا فرق بين أن لا يكون كامل العقل في الأصل أو يزول عقله فيما بعد في أن التكليف يزول عنه اللهم إلا أن يزول عقله بفعل يفعله على وجه يقتضي زواله بمجرى العادة فإنه إذا كان كذلك لزمه قضاء جميع ما يفوته في تلك الحال وذلك مثل السكران وغيره فإنه يلزمه قضاء ما فاته من العبادات كلها، وإن كان جنى جناية زال معها عقله علي وجه لا يعود بأن، يصير مجنونا مطبقا فإنه لا يلزمه قضاء ما يفوته. وأما إذا زال عقله بفعل الله مثل الاغماء والجنون وغير ذلك فإنه لا يلزمه قضاء ما يفوته في تلك الأحوال. فعلى هذا إذا دخل عليه شهر رمضان وهو مغمى عليه أو مجنون أو نائم وبقي كذلك يوما أو أياما كثيرة. ثم أفاق في بعضها أو لم يفق لم يلزمه قضاء شئ مما مر به إلا ما أفطر فيه أو طرح في حلقه على وجه المداواة له فإنه لا يلزمه حينئذ قضاء لأن ذلك لمصلحته ومنفعته، وسواء أفاق في بعض النهار أو لم يفق فإن الحال لا يختلف فيه. وأما البلوغ فهو شرط في وجوب العبادات الشرعية، وحده هو الاحتلام في الرجال والحيض في النساء أو الانبات أو الاشعار أو يكمل له خمس عشرة سنة، و المرأة تبلغ عشر سنين. فأما قبل ذلك فإنما يستحب أخذه به على وجه التمرين له و التعليم، ويستحب أخذه بذلك إذا أطاقه، وحد ذلك بتسع سنين فصاعدا وذلك بحسب حاله في الطاقة.

[ 267 ]

* (فصل: في ذكر علامة شهر رمضان ووقت الصوم والافطار) * علامة شهر رمضان رؤية الهلال أو قيام البينة برؤيته. فإذا رأى الانسان هلال شهر رمضان وتحققه وجب عليه الصوم سواء رآه معه غيره أو لم يره، وإذا رأى الهلال شهر شوال أفطر سواء رآه غيره أو لم يره. فإن أقام بذلك الشهادة فردت لم يسقط فرضه فإن أفطر فيه وجب عليه القضاء والكفارة. ومتى لم يره ورأى في البلد رؤية شايعة وجب أيضا الصوم فإن كان في السماء علة من غيم أو قتام أو غبار وشهد عدلان مسلمان برؤيته وجب أيضا الصوم. ومتى كانت في السماء علة ولم ير في البلد أصلا، وشهد من خارج البلد نفسان عدلان قبل قولهما ووجب الصوم، وإن لم يكن هناك علة لم يقبل إلا شهادة القسامة خمسين رجلا، وإن لم يكن علة غير أنهم لم يروه لم يقبل من خارج البلد إلا شهادة القسامة خمسين رجلا، ولا يقبل شهادة النساء في الهلال لامع الرجال، ولا على الانفراد فإن أخبر من النساء جماعة يوجب خبرهن العلم برؤية الهلال أو جماعة من الكفار كذلك وجب العمل به لمكان العلم دون الشهادة، وهذا الحكم فيمن لا يقبل شهادته من الفساق والصبيان، ولا يجوز العمل في الصوم على العدد ولا على الجدول ولا غيره، وقد رويت روايات بأنه إذا تحقق هلال العام الماضي عد خمسة أيام وصام يوم الخامس (1) أو تحقق هلال رجب عد تسعة وخمسون يوما ويصام يوم الستين، وذلك محمول على أنه يصوم ذلك بنية شعبان استظهارا فأما بنية أنه من رمضان فلا يجوز على حال. ومتى غم الهلال عد من شعبان ثلاثون ويصام بعده بنية رمضان. فإن غم هلال

(1) المروية في التهذيب ج 4 ص 179 ح 496 وفي الاستبصار ج 2 ص 75. وفي الكافي ج 1 ص 184 وفي الفقيه ج 2 ص 78 عن عمران الزعفراني قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إن السماء تطبق علينا بالعراق اليوم واليومين والثلاثة فأي يوم نصوم؟ قال: انظر اليوم الذي صمت من السنة الماضية وصم يوم الخامس. وروي من الزعفراني في التهذيب ج 4 ص 176 الرقم 497 حديثا مثله.

[ 268 ]

شعبان عد رجب أيضا ثلاثون وصام فإن رأى بعد ذلك هلال شوال ليلة تسعة وعشرين قضى يوما واحدا لأن الشهر لا يكون أقل من تسعة وعشرين يوما ولا يلزمه قضاء أكثر من يوم واحد لأن اليوم الواحد متيقن وما زاد عليه ليس عليه دليل، ومتى غمت الشهور كلها عدوها ثلاثين ثلاثين فإن مضت السنة كلها ولم يتحقق فيها هلال شهر واحد ففي أصحابنا من قال: إنه يعد الشهور كلها ثلاثين، ويجوز عندي أن يعمل على هذه الرواية التي وردت بأنه يعد من السنة الماضية خمسة أيام ويصوم يوم الخامس لأن من المعلوم أنه لا يكون الشهور كلها تامة، وأما إذا رأي الهلال وقد تطوق أو رأي ظل الرأس فيه أو غاب بعد الشفق فإن جميع ذلك لا اعتبار به، ويجب العمل بالرؤية لأن ذلك يختلف بحسب اختلاف المطالع والعروض. ومتى لم ير الهلال في البلد ورأي خارج البلد على ما بيناه وجب العمل به إذا كان البلدان التي رأى فيها متقاربة بحيث لو كانت السماء مضحية والموانع مرتفعة لرأى في ذلك البلد أيضا لاتفاق عروضها تقاربها مثل بغداد وأوسط والكوفة وتكريت والموصل فأما إذا بعدت البلاد مثل بغداد وخراسان، وبغداد ومصر فإن لكل بلد حكم نفسه. ولا يجب على أهل بلد العمل بما رآه أهل البلد الآخر. ومتى رأى الهلال قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المستقبلة دون الماضية. وصوم يوم الشك إن صامه بنية شعبان. ثم بان أنه من رمضان فقد أجزأه عنه، وإن صامه بنية رمضان بخبر واحد أو بأمارة أجزأه أيضا لأنه يوم من رمضان فأما مع عدم ذلك فلا يجزيه لأنه منهي عن صومه على هذا الوجه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ومتى عد شعبان ثلاثين وصام بعده. ثم قامت البينة بأنه رأى الهلال قبله بيوم قضى يوما بدله، وليس عليه شئ، ومن كان أسيرا أو محبوسا بحيث لا يعلم شهر رمضان فليتوخ شهرا فليصمه بنية القربة فإن وافق شهر رمضان فقد أجزئه، وإن وافق بعده كان قضاء وإن كان قبله لم يجزه وعليه القضاء. والوقت الذي يجب فيه الامساك عن الطعام، والشراب هو طلوع الفجر الثاني الذي تجب عنده الصلوة فإن طلع الفجر وفي فمه طعام أو شراب لفظه وتم صومه.

[ 269 ]

فأما الجماع فإنه مباح إلى أن يبقى مقدار ما يمكنه الاغتسال بعده فإن جامع بعد ذلك فقد أفسد صومه وكان عليه القضاء والكفارة. ووقت الافطار سقوط القرص، وعلامته زوال الحمرة من ناحية المشرق، وهو الذي تجب عنده صلوة المغرب، ومتى اشتبه الحال للحوايل وجب أن يستظهر إلى أن يتيقن دخول الليل، ومتى كان بحيث يرى الآفاق وغاب الشمس عن الأبصار ورأى ضوءها على بعض الجبال من بعيد أو بناء عال مثل منارة إسكندرية في أصحابنا من قال يجوز له الافطار. والأحوط عندي أن لا يفطر حتى تغيب عن الأبصار في كل ما يشاهده فإنه يتيقن معه تمام الصوم. ومتى شك في الفجر فأكل وبقي على شكه فلا قضاء عليه، وإن علم فيما بعد أنه كان طالعا فعليه القضاء. ومتى ظن أنه بقي وقت إلى الفجر فجامع وطلع الفجر وهو يجامع نزع و اغتسل، وقد صح صومه لأنه لم يتعمد ذلك، والأفضل أن يقدم الصلوة على الافطار إلا أن يكون ممن لا يصبر عليه أو يكون هناك من ينتظره من الصيام فعند ذلك يقدم الافطار فإذا فرع بادر إلى الصلوة. والسحور فيه فضل كثير ولو بشربة من الماء. * (فصل: في ذكر ما يمسك عنه الصائم) * ما يمسك عنه الصائم على ضربين: واجب وندب. فالواجب على ضربين: أحدهما: فعله يفسده، والآخر لا يفسده. والذي يفسده على ضربين: أحدهما: يصادف ما يتعين صومه مثل شهر رمضان أو صوم نذر معين بيوم أو يومين، والآخر يصادف ما لا يتعين صومه بمثل ما عدا هذين النوعين من أنواع الصوم. فما يصادف شهر رمضان والنذر المعين على ضربين: أحدهما: يوجب القضاء

[ 270 ]

والكفارة والآخر يوجب القضاء دون الكفارة. فما يوجب القضاء والكفارة تسعة أشياء: الأكل لكل ما يكون به أكلا سواء كان مطعوما معتادا مثل الخبز واللحم و غير ذلك أو لا يكون معتادا مثل التراب والحجر والفحم والحصى والخزف والبرد و غير ذلك. والشرب بجميع ما يكون به شاربا سواء كان معتادا مثل الماء والأشربة المعتادة أو لم يكن معتاد مثل ماء الشجر والفواكه وماء الورد وغير ذلك. والجماع في الفرج أنزل أو لم ينزل سواء كان قبلا أو دبرا فرج امرأة أو غلام أو ميتة أو بهيمة، وعلى كل حال على الظاهر من المذهب. وقد روي أن الوطي في الدبر لا يوجب نقض الصوم إلا إذا أنزل معه، وإن المفعول به لا ينتقض صومه بحال (1) و الأحوط الأول. وإنزال الماء الدافق على كل حال عامدا لمباشرة وغير ذلك من أنواع ما يوجب الانزال والكذب على الله وعلى رسوله والأئمة عامدا، وفي أصحابنا من قال: إن ذلك لا يفطر وإنما ينقص (2). والارتماس في الماء على أظهر الروايات، وفي أصحابنا من قال: إنه لا يفطر (3)

(1) رواها في التهذيب ج 4 ص 319 ح 977 عن علي بن الحكم عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أتى الرجل المرأة في الدبر صائمة لم ينقض صومها وليس عليه غسل.
(2) قال في مصباح الفقيه، وقيل [ الكذب على الله وعلى رسوله لا يفسد الصوم ] كما عن العماني والسيد في جملة والحلي وأكثر المتأخرين أن لم يكن جميعهم كما ادعاه في الجواهر والحدائق نسبته إلى المشهور بين المتأخرين للأصل، وحصر المفطر في غيره في صحيحة محمد ابن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال [ أو أربع خصال على اختلاف نقلها ]، الطعام، والشراب، والنساء، والارتماس في الماء.
(3) حكي هذا القول عن العماني والسيد في أحد قوليه والحلي انظر مصباح الفقيه كتاب الصوم ص 179.

[ 271 ]

وإيصال الغبار الغليظ إلى الحلق متعمدا مثل غبار الدقيق أو غبار النفض، وما جرا مجراه على ما تضمنته الروايات، وفي أصحابنا من قال: إن ذلك لا يوجب الكفارة وإنما يوجب القضاء (1). والمقام على الجناية متعمدا حتى يطلع الفجر من غير ضرورة إلى ذلك. ومعاودة اليوم بعد انتباهتين حتى يطلع الفجر. والكفارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مدين من طعام، قد روي مد مخيرا في ذلك، وقد روي أنها مرتبة مثل كفارة الظهار والأول أظهر الروايات. وقد روي أنه إذا أفطر بمحظور مثل الخمر والزنا أنه يلزمه ثلاث كفارات هذا في إفطار يوم من شهر رمضان. فأما إفطار يوم نذر صومه فالأظهر من المذهب أن كفارته مثل هذا. وقد روي أن عليه كفارة اليمين، وروي أنه لا شئ عليه، وذلك محمول على من لا يقدر إلا على كفارة اليمين فيلزمه ذلك أولا أو لا يقدر أصلا فلا شئ عليه، واستغفر الله تعالى. وأما ما يوجب القضاء ودون الكفارة فثمانية أشياء: الاقدام على الأكل والشرب أو الجماع قبل أن يرصد الفجر مع القدرة عليه ويكون طالعا وترك القبول عمن قال: إن الفجر طلع، وكان طالعا فأكل وشرب وتقليد الغير في أن الفجر لم يطلع مع قدرته على مراعاته، ويكون قد طلع وتقليد الغير في دخول الليل مع القدرة على مراعاته والاقدام على الافطار، ولم يكن دخل

(1) ذهب الأصحاب في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال كما صرح بها في الحدائق قال ما لفظه اختلف الأصحاب في إيصال الغبار إلى الحلق فذهب جمع منهم الشيخ في أكثر كتبه إلى أن إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق متعمدا موجب للقضاء والكفارة. وإليه مال من أفاضل متأخر المتأخرين المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر في كتاب الوسائل، وذهب جمع منهم ابن إدريس والشيخ المفيد على ما نقل عنه، وأبو الصلاح وغيرهم، والظاهر أنه المشهور إلى وجوب القضاء خاصة متى كان متعمدا، وذهب جمع من متأخري المتأخرين إلى عدم الافساد وعدم وجوب شئ من قضاء أو كفارة وهو الأقرب. إنتهى.

[ 272 ]

وكذلك الافطار لعارض يعرض في السماء من ظلمه. ثم تبين أن الليل لم يدخل، وقد روي أنه إذا أفطر عند أمارة قوية لم يلزمه القضاء. وتعمد القئ فأما إذا ذرعه القئ فلا يفطر لكن لا يبلغ منه شيئا بحال فإن بلعه عامدا فقد أفطر ومعاودة النوم بعد انتباهة واحدة قبل أن يغتسل من جنابة ولم ينتبه حتى يطلع الفجر. ووصول الماء إلى الحلق لمن يتبرد بتناوله دون المضمضة للصلاة. والحقنة بالمايعات. ويجري مجرى ذلك في كونه مفطرا يوجب القضاء دون الكفارة دم الحيض و النفاس فإنه مفطر أي وقت كان، وإن كان قبل المغيب بقليل إلا أن المرأة إذا رأت بعد الزوال امسكت تأديبا وقضت على كل حال، وإذا تخلل فخرج من أسنانه ما يمكنه التحرز منه فبلعه عامدا كان عليه القضاء. وأما ما لا يتعين صومه فمتى صادف شيئا مما ذكرناه بطل صوم ذلك اليوم، ولا يلزمه شئ ويقضي يوما بدله اللهم إلا أن يصادف الأكل والشرب أو ما يفطر عامدا بعد الزوال في يوم يقضيه من رمضان فإن عليه إطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام. وأما ما يجب الامساك عنه وإن لم يفسده فهو جميع المحرمات من القبايح التي هي سوى ما ذكرناه فإنه يتأكد وجوب الامتناع منها لمكان الصوم. وأما المكروهات فاثني عشر شيئا السعوط سواء بلغ الدماغ أو لم يبلغ إلا ما ينزل الحلق فإنه يفطر، ويوجب القضاء، والكحل الذي فيه شئ من الصبر والمسك وإخراج الدم على وجه يضعفه، ودخول الحمام المؤدي إلى ذلك، وشم النرجس والرياحين وأشد كراهية النرجس، واستدخال الأشياف الجامدة، وتقطر الدهن في الأذن، وبل الثوب على الجسد، والقبلة وملاعبة النساء، ومباشرتهن بشهوة ومن جعل في فيه بعض الأحجار من ذهب أو فضه لضرورة إلى ذلك. ثم بلعه ساهيا لم يكن عليه قضاء فإن فعل ذلك عابثا ومع انتفاء الحاجة وبلعه كان عليه القضاء. ومن نظر إلى ما لا يحل النظر إليه بشهوة فأمنى فعليه القضاء فإن كان نظره

[ 273 ]

إلى ما يحل فأمنى لم يكن عليه شئ فإن أصغى أو سمع إلى حديث فأمنى لم يكن عليه شئ. فأما ما لا يفطر ويلتبس الحال فيه فعلى ضروب: أولها: ما كان عن سهو أو نسيان أو غلبة على [ علة خ ل ] على العقل مثل الأكل والشرب ناسيا أو ساهيا فإنه لا يفطر فإن اعتقد أن ذلك يفطر. فأكل وشرب أو فعل ما لو فعله الذاكر كان مفطرا أفطر وعليه القضاء والكفارة لأنه فعل ذلك في صوم صحيح، وفي أصحابنا من قال: عليه القضاء دون الكفارة. ومنها ما يحدث من غير قصد إليه مثل دخول الذباب في حلقه أو غيره من الهوام أو وصوله إلى جوفه أو قطر المطر في حلقه من غير قصد منه أو أدخل غيره في حلقه ما يفطره من غير منع من جهته إما بأن كان نائما أو أكرهه عليه فإن ذلك لا يفطر فإن ألزمه التناول فتناول بنفسه أفطر فإن طعنه غيره طعنة وصلت إلى جوفه لم يفطر، وإن أمره هو بذلك ففعل به أو فعل هو بنفسه ذلك أفطر، ومتى صب الدواء في إحليله فوصل إلى جوفه أفطر، وإن كان ناسيا لم يفطر، ومتى ذرعه القئ أو تجشأ من غير استدعاء فوصل إلى حلقه لم يفطر، وكذلك القول في النخامة، وكذلك إن نزل من رأسه شئ فوصل إلى جوفه من غير فعله لم يلزمه شئ، وكذلك من احتلم في يومه. ومنها ما لا حرج فيه وإن تعمده مثل مص الخاتم وغير ذلك من الجمادات. والمضمضة والاستنشاق للطهارة فيصل من الماء إلى الحلق والجوف من غير عمد. و السواك بالرطب واليابس سواء كان قبل الزوال أو بعده فإنه لا يكره في وقت من النهار وبلع الريق مستجلبا كان الريق أو غير مستجلب، وسواء جمعه في فيه وبلعه أو لم يجمعه ما لم ينفصل فإن انفصل من فيه. ثم بلعه أفطر. ويكره استجلابه بما له طعم، ويجري مجرى ذلك العلك كالكندر، وما أشبهه وليس ذلك بمفطر في بعض الروايات، وفي بعضها أنه يفطر وهو الاحتياط فأما استجلابه بما لا طعم له من الخاتم والحصاة فلا باس به، ويجوز للصائم أن يزق الطاير، وللطباخ أن يذوق المرق، وللمرأة أن تمضغ الطعام للصبي بعد أن لا يبلعوا شيئا من ذلك، ويجوز

[ 274 ]

للرجال الاستنقاع في الماء ما لم يرتمس فيه. ويكره ذلك للنساء، ومن طلع عليه الفجر وفي فيه طعام أو شراب فألقاه ولم يبلعه صح صومه. فإن طلع عليه الفجر وهو مجامع ولم يعلم أن الفجر قريب فنزع في الحال من غير تلوم صح صومه فإن تلوم أو تحرك حركة تعين على الجماع لا على النزوع فقد أفطر هذا إذا لم يعلم أن الفجر قد قرب فإن غلب في ظنه ذلك علم وجب عليه القضاء و الكفارة إذا جامع لأنه يحرم عليه الاقدام عليه إذا لم يبق مقدار ما إذا فرغ تمكن من الاغتسال. ومتى تكرر منه ما يوجب الكفارة فلا يخلو أن يتكرر ذلك في يومين أو أيام من شهر رمضان واحد أو يتكرر في رمضانين متغايرين أو يتكرر منه قبل التكفير عن الأول أو بعده، ولا خلاف أن التكرار في رمضانين يوجب الكفارة سواء كفر عن الأول أو لم يكفر. وأما إذا تكرر في يومين في رمضان واحد ففيه الخلاف ولا خلاف بين الفرقة أن ذلك يوجب تكرار الكفارة سواء كفر عن الأول أو لم يكفر. فأما إذا تكرر ذلك في يوم واحد فليس لأصحابنا فيه نص معين، والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يتكرر عليه الكفارة لأنه لا دلالة على ذلك، والأصل برائة الذمة، وفي أصحابنا من قال: إن كان كفر عن الأول فعليه كفارة، وإن لم يكن فالواحدة تجزيه، وإنما قاله قياسا وذلك لا يجوز عندنا، وفي أصحابنا من قال: يوجب تكرار الكفارة عليه على كل حال، ورجع إلى عموم الأخبار، والأول أحوط. فأما من فعل ما يوجب عليه الكفارة في أول النهار ثم سافر أو مرض مرضا يبيح له الافطار أو حاضت المرأة فإن الكفارة لا تسقط عنه بحال، ومن رأى الهلال وحده فشهد به فردت شهادته وجب عليه الصوم فأن أفطر فيه كان عليه القضاء والكفارة، ومن قامت عليه البينة بأنه أفطر في رمضان متعمدا لغير عذر سئل هل عليك في ذلك حرج؟ فأن قال: لا وجب قتله، وإن قال: نعم عزره الإمام بغليظ العقوبة. فإن فعل ذلك مرات

[ 275 ]

وعزر فيها دفعتين كان عليه القتل. ومن جامع زوجته في نهار شهر رمضان وكانت هي صائمة أيضا مطاوعة له كان عليها أيضا الكفارة مثل ما عليه. فإن أكرهها على الجماع كانت عليه كفارتان واحدة عنه والأخرى عنها، وقد روي أنه يضرب إذا أكرهها خمسين سوطا، وإذا طاوعته ضرب كل منهما خمسا وعشرين سوطا (1) وإن أكره أجنبية على الفجور بها ليس لأصحابنا فيه نص، والذي يقتضيه الأصل أن عليه كفارة واحدة لأن حملها على الزوجة قياس لا نقول به. ولو قلنا: إن عليه كفارتين لعظم المآثم فيه كان أحوط. فأما ما روي من أن من أفطر على محرم كان عليه الجمع بين ثلاث كفارات (2) فيجب على هذا ثلاث كفارات وإذا وجبت عليه الكفارة فعجز عن الثلاث التي ذكرناها فقد روي أنه يصوم ثمانية عشر يوما (3) وكذلك كل من وجب عليه صوم شهرين متتابعين يصوم مثل ذلك. فإن عجز عن ذلك أيضا استغفر الله ولا يعود.

(1) رواها في التهذيب ج 4 ص 215 ح 625 عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة فقال، إن كان استكرهها فعليه كفارتان وإن كان طاوعته فعليه كفارة، وعليها كفارة، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد، وإن كان طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطا، وضربت خمسة وعشرين سوطا (2) رواها في التهذيب ج 4 ص 209 ح 605 عن سليمان عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضا (ع): يا ابن رسول الله قد روي عن آبائك عليهم السلام فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفارات، وروي عنهم أيضا كفارة واحدة فبأي الحديثين نأخذ؟ قال: بهما جميعا متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا وقضاء ذلك اليوم: وإن كان قد نكح حلالا أو أفطر على حلال فعليه كفارة واحدة، وإن كان ناسيا فلا شئ عليه.
(3) رواها في التهذيب ج 4 ص 207 ح 601 عن أبي بصير وسماعة بن مهران قالا: سألنا أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام ولم يقدر على العتق، ولم يقدر على الصدقة قال: فليصم ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام.

[ 276 ]

وإذا وجب على الرجل والمرأة الكفارة فأعتق أحدهما وأطعم الآخر أو صام كان جايزا، ولا يلزم الرجل أن يتحمل عن المرأة ما يجب عليها، وإنما يلزمه ما أكرهها عليه فقط وما عداه فعليها في مالها، ومن وجبت عليه كفارة فتبرع عنه انسان بها كان ذلك جايزا. * (فصل: في ذكر النية وبيان أحكامها في الصوم) * الصوم على ضربين: مفروض ومسنون. فالمفروض متعين وغير متعين. فالمتعين على ضربين: متعين بزمان ومتعين بصفة. فالمتعين بزمان على ضربين: أحدهما: لا يمكن أن يقع فيه غير ذلك الصوم والشرع على ما هو عليه، والآخر يمكن ذلك فيه أو كان يمكن. فالأول: صوم شهر رمضان فإنه لا يمكن أن يقع فيه غير شهر رمضان إذا كان مقيما في بلده. فأما إذا كان مسافرا سفرا مخصوصا جاز أن يقع فيه غيره على ما نبينه. فأما إذا كان حاضرا فلا يمكن ذلك فيه وما هذه حاله لا يحتاج في انعقاده إلى نية التعيين، ويكفي فيه نية القربة، ومعنى نية القربة أن ينوي أنه صائم فقط متقربا به إلى الله تعالى. ونية التعيين أن ينوي أنه صائم شهر رمضان فإن جمع بينهما كان أفضل فإن اقتصر على نية القربة أجزأه، ونية القربة الأفضل أن يكون مقارنه ومحلها ليلة الشهر من أولها إلى آخرها أي وقت فعلها أجزئه سواء نام بعدها أو لم لم ينم، ويجزيه أن ينوي ليلة الشهر صيام الشهر كله، وإن جددها كل ليلة كان أفضل، ونية القربة يجوز أن تكون مقدمة فإنه إذا كان من نيته صوم الشهر إذا حضر. ثم دخل عليه الشهر وإن لم يجددها لسهو لحقه أو نوم أو إغماء كان صومه ماضيا صحيحا فإن كان ذاكرا فلا بد من تجديدها، ومتى نوى أن يصوم في شهر رمضان النذر أو القضاء أو غير ذلك أو نفلا فإنه يقع عن شهر رمضان دون غيره. فإن كان شاكا فصام بنية النفل

[ 277 ]

أجزئه فإن صام بنية الفرض روي أصحابنا أنه لا يجزيه (1) وإن صام بنية الفرض إن كان فرضا، وبنية النفل إن كان نفلا فأنه يجزيه. ومتى تأخرت نية الفرض عن طلوع الفجر لسهو أو عدم علم بأنه من رمضان وتجددت قبل الزوال كان صحيحا ويكون صائما من أول النهار إلى آخره، وهكذا إن جدد نية الصوم في أنواع الفرض أو النفل قبل الزوال كان صوما صحيحا. ومتى فاتته النية إلى بعد الزوال في شهر رمضان جدد النية، وكان عليه القضاء هذا إذا أصبح بنية الافطار مع عدم علمه بأنه من الشهر فأما إن صامه بنية النفل و التطوع فإنه يجزيه على كل حال. ومتى نوى الافطار مع العلم بأنه من الشهر. ثم جدد النية فيما بعد لم ينعقد صومه على حال وكان عليه القضاء. فأما إذا كان مسافرا سفرا يوجب التقصير فإن صام بنية رمضان لم يجزه، وإن صام بنية التطوع كان جايزا، وإن كان عليه صوم نذر معين ووافق ذلك شهر رمضان فصام عن النذر وهو حاضر وقع عن رمضان ولا يلزمه القضاء لمكان النذر، وإن كان مسافرا وقع عن النذر وكان عليه القضاء لرمضان، وكذلك الحكم إن صام وهو حاضر بنية صوم واجب عليه غير رمضان وقع عن رمضان ولم يجزه عما نواه، وإن كان مسافرا وقع عما نواه، وعلى الرواية التي رويت أنه لا يصام في السفر (2) فإنه لا يصح هذا الصوم بحال. وأما الضرب الآخر من الصوم المتعين بيوم فهو أن يكون نذر أن يصوم يوما

(1) رواها في التهذيب ج 4 ص 183 ح 511 عن محمد بن شهاب الزهري قال: سمعت علي ابن الحسين عليه السلام يقول: يوم الشك أمرنا بصيامه ونهينا عنه: أمرنا أن يصومه الانسان على أنه من شعبان، ونهينا عن أن يصومه الانسان على أنه من شهر رمضان وهو لم ير الهلال.
(2) المروية في التهذيب ج 4 ص 230 ح 677 عن سماعة قال: سألته عن الصيام في السفر فقال: لا صيام في السفر قد صام أناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فسماهم العصاة - الخ.

[ 278 ]

بعينه فهذا إلى نية التعيين، ونية القربة معا، ومتى أتى بنية القربة لم يجزه عن نية التعيين، وإن أتى بنية التعيين أجزأه عن نية القربة لأن نية التعيين لا تنفك من القربة، وهذه النية لا يجوز أن يكون متقدمة بل وقتها ليلة اليوم الذي يريد صومه من الغد من أول الليلة إلى طلوع الفجر الثاني أي وقت جاء بها كان جايزا فإن فاتت جاز تجديدها إلى الزوال فإن زالت فقد فات وقت النية. وأما المعين بصفة فهو ما يجب بالنذر بأن يقول: متى قدم فلان فلله على أن أصوم يوما أو أياما فإن هذا القسم مع باقي الأقسام من المفروض والمسنون فلا بد فيه من نية التعيين والقربة، ولا يجزي نية القربة عن نية التعيين، ويجزي نية التعيين عن نية القربة لأنها لا تنفك عن القربة على ما قلناه، ويجوز تجديد هذه النية إلى قرب الزوال أيضا ومحلها ليلة الصوم. ومتى فاتت إلى بعد الزوال فقد فات وقتها إلا في النوافل خاصة فإنه روي في بعض الروايات جواز تجديدها بعد الزوال، وتحقيقها أنه يجوز تجديدها إلى أن يبقى من النهار بمقدار ما يبقى زمان بعدها يمكن أن يكون صوما. فأما إذا كان انتهاء النية مع انتهاء النهار فلا صوم بعده على حال، وإذا جدد نية الافطار في خلال النهار و كان قد عقد الصوم في أوله فإنه لا يصير مفطرا حتى يتناول ما يفطر، وكذلك إن أكره الامتناع من الأشياء المخصوصة لأنه لا دليل على ذلك. والنية وإن كانت إرادة لا تتعلق إلا بالحدوث بأن لا يكون الشئ قائما وإنما تتعلق بالصوم بإحداث توطين النفس وقهرها على الامتناع بتجديد الخوف من عقاب الله وغير ذلك أو يفعل كراهية لحدوث هذه الأشياء فيكون متعلقة على هذا الوجه فلا تنافي الأصول، والصبي إذا نوى صح ذلك منه وكان صوما شرعيا.

[ 279 ]

* (فصل: في ذكر أقسام الصوم) * الصوم ينقسم خمسة أقسام: مفروض، ومسنون قبيح، وصوم إذن، وصوم تأديب. فالمفروض على ضربين: مطلق من غير سبب، وواجب عند سبب. فالمطلق من غير سبب صوم شهر رمضان، وشرايط وجوبه ستة، خمسة مشتركة بين الرجال والنساء وواحد يختص النساء فالمشترك: البلوغ وكمال العقل والصحة والإقامة، ومن حكمه حكم المسافرين، وما يختص النساء فكونها طاهرا. فهذه شروط في وجوب الأداء وأما صحة الأداء فهذه شروطها أيضا مع الاسلام، وأما القضاء فلو جوبه ثلاثة شروط الاسلام والبلوغ وكمال العقل في النساء والرجال. والواجب عند سبب على ضربين: أحدهما: ما كان سببه تفريطا أو معصية، و الآخر: ما لم يكن كذلك. فالأول ستة أقسام: صوم كفارة الظهار، وصوم كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، وصوم قضاء من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال، وصوم كفارة القتل، وصوم جزاء الصيد، وصوم كفارة اليمين. والضرب الآخر خمسة أقسام: قضاء ما فات من شهر رمضان لعذر من مرض أو سفر، وصوم النذر، وصوم كفارة أذى حلق الرأس، والصوم دم المتعة، وصوم الاعتكاف. وينقسم هذه الواجبات ثلاثة أقسام: مضيق ومخير ومرتب. فالمضيق أربعة أقسام: صوم شهر رمضان، وقضاء ما يفوت من رمضان، وصوم النذر، وصوم الاعتكاف. والمخير أربعة: صوم كفارة أذى حلق الرأس، وصوم كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا على خلاف فيه بين الطائفة، وصوم كفارة من أفطر يوما من قضاء رمضان بعد الزوال متعمدا لغير عذر، وهو ثلاثة أيام، وصوم جزاء الصيد. والمرتب أربعة: صوم كفارة اليمين، وصوم كفارة قتل الخطاء، وصوم كفارة الظهار، وصوم دم الهدي، وسنبين كيفية التخيير في ذلك فيما بعد في أبوابه إن شاء الله.

[ 280 ]

وينقسم الصوم الواجب قسمين آخرين: أحدهما: يتعلق بإفطاره متعمدا من غير ضرورة قضاء وكفارة، والآخر لا يتعلق به ذلك. فالأول أربعة أجناس: صوم شهر رمضان، وصوم النذر المعين بيوم أو أيام، وصوم قضاء شهر رمضان إذا أفطر بعد الزوال والاعتكاف، وما لا يتعلق بإفطاره كفارة فهو ما عدا هذه الأربعة أجناس من الصوم الواجب وهي ثمانية على ما قدمنا، وتنقسم هذه الواجبات قسمين آخرين: أحدهما: يراعي فيه التتابع، والآخر، لا يراعي فيه ذلك. فالأول على ضربين: أحدهما: متى أفطر في حال دون حال بني، والآخر: يستأنف على كل حال. فالأول: ستة مواضع: من وجب عليه صوم شهرين متتابعين إما في قتل الخطاء أو الظهار أو إفطار من شهر رمضان أو نذر معين بيوم أو وجب عليه صوم شهرين متتابعين بنذر غير معين. فمتى صادف الافطار في الشهر الأول أو قبل أن يصوم من الثاني شيئا. من غير عذر من مرض أو حيض استأنف، وإن كان إفطاره بعد أن صام من الثاني ولو يوما واحدا أو كان إفطاره من الشهر الأول لمرض أو حيض بنى على كل حال، و كذلك من أفطر يوما من شهر نذر صومه متتابعا أو وجب عليه ذلك في كفارة قتل الخطاء أو الظهار لكونه مملوكا قبل أن يصوم خمسة عشر يوما من غير عذر من مرض أو حيض استأنف، وإن كان بعد أن صام خمسة عشر يوما أو كان إفطاره قبل ذلك لمرض أو حيض بنى على كل حال. وصوم دم المتعة إن صام يومين. ثم أفطر بنا، وإن صام يوما ثم أفطر أعاد. وما يوجب الاستيناف على كل حال ثلاثة مواضع: صوم كفارة اليمين، وصوم الاعتكاف، وصوم كفارة من أفطر يوما يقضيه في شهر رمضان بعد الزوال. وما لا يراعى فيه التتابع أربعة مواضع: السبعة الأيام في دم المتعة، وصوم النذر إذا لم يشرط التتابع لفظ أو معنا [ وصوم جزاء الصيد خ ل ] وصوم قضاء شهر رمضان لمن أفطر لعذر، وإن كان التتابع فيه أفضل. فإن أراد أفضل فليصم ستة أيام أو ثمانية أيام

[ 281 ]

متتابعات. ثم يفرق الباقي. ومن وجب عليه شئ من هذه الأنواع فلا يصمه في سفر ولا في يوم العيدين، ولا أيام التشريق إن كان بمنى. فإن كان في غيره من الأمصار جاز أن يصوم أيام التشريق ولا تصوم المرأة أيام حيضها. فإن وافق الصوم أحد هذه الأوقات أفطر وقضى يوما مكانه إلا القاتل في أشهر الحرم فإنه يجب عليه صوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم، وإن كان دخل فيهما صوم يوم العيد وأيام التشريق، ومن وجب عليه الصوم بنذر عينه وقيده بأن يصومه في سفر كان أو حضر فإنه يلزمه صومه في السفر. وأما يوم العيدين فإن صادف نذره المعين أفطر، وعليه القضاء، وإن علق النذر بصوم العيدين أفطر، ولا قضاء عليه لأنه نذر في معصية، وإن نذر أن يصوم يوم يقدم فلان فقدم فلان ليلا أو في بعض النهار لا يلزمه صوم ذلك اليوم لأن بعض النهار لا يكون صوما، وإن كان قدومه ليلا فما وجد شرط النذر. فإن وافق قدومه في بعض النهار قبل الزوال ولم يكن تناول شيئا مفطرا جدد النية وصام ذلك اليوم، وإن كان بعد الزوال أفطر ولا قضاء عليه فيما بعد، وإن كان نذر أن يصوم بعد قدوم زيد فإنه يلزمه أن يصوم. ثم ينظر فإن لم يعين ما يصوم صام أقل ما يكون به صائما وهو يوم واحد وإن كان عين فعلى حسب ما عين، وكذلك القول في سائر الأسباب التي علق النذر بها. ولا يجب الصوم بالدخول فيه فمتى صام بنية التطوع جاز له أن يفطر أي وقت شاء ولا قضاء عليه إلا أن يكون بعد الزوال فإن إفطاره مكروه. وما يفطره المرأة في أيام الحيض يقضيه إذا طهرت. ومن وجب عليه صوم شهرين متتابعين في أول شعبان تركه إلى انقضاء شهر رمضان. ثم يصومهما فإن صام شعبان ورمضان لم يجزه إلا أن يكون قد صام مع شعبان شيئا مما تقدم من الأيام فيكون قد زاد على الشهر فيجوز له البناء عليه ويتمم شهرين. ومن نذر أن يصوم شهرا فلا يخلوا من أحد أمرين: إما أن يعينه أو يطلقه. فإن عينه بأن يقول: شعبان أو رجب أو غيره فإنه يلزمه الوفاء، ويصوم إذا رأى الهلال من ذلك الشهر إلى أن يرى الهلال من الشهر الآخر سواء كان تاما أو ناقصا،

[ 282 ]

وإن عينه بأن قال: من وقت قدوم زيد أو صلاح أو ما جرى مجرى وافق ذلك في بعض الشهر لزمه أن يصوم ثلاثين يوما لأن الهلال لا يمكن اعتباره، والأخذ بالاحتياط أولى في الشرع. وإن أطلق النذر ولم يعينه كان مخيرا بين أن يصوم شهرا بين هلالين أو يصوم ثلاثين يوما. ومتى نذر صوم يوم بعينه فقدم صومه لم يجزه. فإن نذر أن يصوم زمانا صام خمسة أشهر. ومن نذر أن يصوم حينا صام ستة أشهر. ومن نذر أن يصوم بمكة أو المدينة أو أحد المواضع المعينة شهرا وجب عليه أن يحضره. فإن حضره وصام بعضه ولم يمكنه المقام جاز له الخروج ويقضي إذا عاد إلى أهله ما فاته. إذا نذر أن يصوم مثلا الخميس فوافق ذلك شهر رمضان فصامه عن رمضان لم يجب عليه القضاء للنذر لأنه لا دليل عليه، وإن صامه بنية النذر وقع عن رمضان ولا قضاء عليه أيضا. وإن نذر أن يصوم غدا وكان غدا الأضحى، ولم يعلم لم يلزمه قضاؤه، و الأحوط قضاؤه. وإن نذر أن يصوم لا على وجه القربة على جهة اليمين ومنع النفس لم ينعقد نذره بحال. وأما المسنون: فجميع أيام السنة إلا الأيام التي يحرم فيها الصوم غير أن فيها ما هو أشد تأكيدا وأكثر ثوابا مثل ثلاثة أيام من كل شهر أول خميس في العشر الأول، وأول أربعا في العشر الثاني، وآخر خميس في العشر الأخير، وصوم يوم الغدير ويوم المبعث، وهو السابع والعشرون من رجب، ويوم مولد النبي صلى الله عليه وآله، وهو اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول، وصوم يوم دحو الأرض من تحت الكعبة وهو يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، وصوم يوم عاشورا على وجه المصيبة والحزن

[ 283 ]

وصوم يوم عرفة لمن لا يضعفه عن ادعاء، وأول يوم من ذي الحجة، وأول يوم من رجب، ورجب كله، وشعبان كله، وصوم أيام البيض من كل شهر وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. وأما الصوم القبيح فعشرة أيام: يوم الفطر ويوم الأضحى، ويوم الشك على أنه من شهر رمضان. وثلاثة أيام التشريق لمن كان بمنى، وصوم نذر المعصية، وصوم الصمت، وصوم الوصال، وهو أن يجعل عشائه سحوره، وصوم الدهر لأنه يدخل فيه العيدان والتشريق. وأما صوم الإذن فثلاثة أقسام: أحدها صوم المرأة تطوعا بإذن زوجها فإن صامت بغير أذنه لم ينعقد صومها وكان له أن يفطرها، وأما ما هو واجب عليها من أنواع الواجبات فلا يعتبر فيه إذن الزوج، وكذلك المملوك لا يتطوع إلا بإذن سيده ولا يعتبر إذنه في الواجبات، والضيف كذلك لا يصوم تطوعا إلا بإذن عليه في الواجبات. أما صوم التأديب فخمسة أقسام: المسافر إذا قدم أهله، وقد أفطر أمسك بقية النهار تأديبا فإن لم يمسك أو جامع فيما بعد لم يكن عليه شئ، وكذلك الحائض إذا طهرت والمريض إذا برئ والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ. * (فصل: في حكم المريض والمسافر والمغمى عليه والمجنون) * * (وغيرهم من أصحاب الأعذار) * كل مريض يخاف معه من الهلاك أو الزيادة فيه وجب عليه الافطار فإن تكلف الصوم مع ذلك وجبت عليه الإعادة، وكذلك المسافر الذي يجب عليه الافطار متى صامه وجب عليه الإعادة إذا كان عالما بوجوب ذلك عليه. فإن لم يعلم لم يكن عليه الإعادة وهو كل سفر يجب معه التقصير في الصلوة، وقد بينا حده في كتاب الصلوة، وكل شرط راعينا في السفر الذي يجب فيه التقصير في الصلوة فهو مراعا فيما يوجب الافطار من كونه طاعة أو مباحا، ولا يكون معصية. فإذا قدم إلى وطنه نهارا وقد أكل في صدره أمسك عن الأكل والشرب وما يجري مجريهما بقية النهار، وعليه القضاء.

[ 284 ]

وكذلك حكمه إذا ورد إلى بلد يريد المقام فيه أكثر من عشرة أيام فإن خالف وأكل أو شرب لم يلزمه الكفارة. هذا إذا كان أفطر في أول النهار فأما إذا أمسك في أول النهار. ثم دخل البلد وجب عليه الامتناع وتجديد النية إن كان قبل الزوال ولا قضاء عليه وإن كان بعد الزوال أمسك وعليه القضاء. والأفضل لمن يعلم وصوله إلى البلد أن ينوي صوم ذلك اليوم. وحكم المريض إذا برأ حكم المسافر إذا قدم أهله في أنه يمسك بقية النهار، وعليه القضاء. ومن سافر عن بلده في شهر رمضان وكان خروجه قبل الزوال فإن كانت يبيت نية السفر أفطر، وعليه القضاء، وإن كان بعد الزوال لم يفطر، ومتى لم يبت النية للسفر، وإنما تجددت له أتم ذلك اليوم ولا قضاء عليه. فإن جامع أو أفطر فيه فعليه الكفارة والقضاء. وكل من وجب عليه شئ من الصيام الواجب فلا يصمه في سفر إلا النذر المعين المقيد صومه بحال السفر، ويجب إن يصوم الثلاثة أيام لدم المتعة وإن كان مسافرا. ويجب الاتمام في الصلوة والصوم على عشرة من بين المسافرين: أحدها: من نقص سفره عن ثماني فراسخ، ومن كان سفره معصية لله ومن كان سفره للصيد لهوا وبطرا، ومن كان سفره أكثر من حضره، وحده ألا يقيم في بلده عشرة أيام، والمكاري والملاح، والبدوي، والذي يدور في أمارته، والذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والبريد، ولا يجوز التقصير، ولا الافطار إلا أن يخرج، ويتوارى عنه جدران بلده أو يخفى عليه أذان مصره. ويكره إنشاء السفر في شهر رمضان إلا بعد أن يمضي ثلاث وعشرون منه فإن دعته الحاجة إلى الخروج من حج أو عمرة أو زيارة أو خوف من تلف مال أو هلاك أخ جاز له الخروج أي وقت شاء، ومتى كان السفر أربعة فراسخ، ولا يريد الرجوع من يومه لم يجز الافطار، و هو مخير في التقصير في الصلوة.

[ 285 ]

ويكره صوم التطوع في السفر، وروي جواز ذلك (1). وأما الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة إذا عجزا عن الصيام أفطرا أو تصدقا عن كل يوم بمدين من طعام. فإن لم يقدرا فبمد منه، وكذلك الحكم فيمن يلحقه العطاش ولا يقدر معه على الصوم ولا يرجى زواله وليس على واحد منهم القضاء. والحامل المقرب والموضعة القليلة اللبن إذا أضر بهما الصوم وخافا على الولد أفطرتا وتصدقتا عن كل يوم ويقضيان ذلك فيما بعد، وكذلك من به عطاش يرجى زواله وكل من أبيح له الافطار لا ينبغي أن يروى من الشراب ولا أن يتملأ من الطعام، ولا يجوز أن يقرب من الجماع. والمغمى عليه إذا كان مفيقا في أول الشهر ونوى الصوم. ثم أغمي عليه واستمر به أياما لم يلزمه قضاء شئ فاته لأنه بحكم الصيام فإن لم يكن مفيقا في أول الشهر بل كان مغمى عليه وجب عليه القضاء على قول بعض أصحابنا (2) وعندي أنه لا قضاء عليه أصلا لأن نيته المتقدمة كافية في هذا الباب، وإنما يجب ذلك على مذهب من راعى تعيين النية أو مقارنة النية التي هي المقربة، ولسنا نراعي ذلك من جن أياما متوالية. ثم أفاق لا يلزمه ما فاته أن أفطر فيه لأنه ليس بمكلف، ومن بقي نائما قبل دخول الشهر أو بعده أياما وقد سبقت منه نية القربة فلا قضاء عليه، وكذلك إن أصبح صائما. ثم جن في بقيته أو أغمي عليه فالحكم فيه سواء في أن صومه صحيح.

(1) روي في التهذيب ج 4 ص 238 الرقم 693 وكذا في الاستبصار ج 2 ص 103 الرقم 335 عن الحسن بن بسام الجمال عن رجل قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر. فقلت له: جعلت فداك أمس كان من شعبان وأنت صائم واليوم من شهر رمضان، وأنت مفطر فقال: إن ذاك تطوع، ولنا أن نفعل ما شئنا. وهذا فرض فليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا.
(2) تدل على هذا القول ما رواه الشيخ في التهذيب ج 4 ص 243 ح 716 عن حفص عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقضي المغمى عليه ما فاته

[ 286 ]

* (فصل: في حكم قضاء ما فات من الصوم) * من فاته شئ من شهر رمضان لمرض لا يخلو حاله من ثلاثة أقسام: إما أن يبرئ من مرضه أو يموت فيه أو يستمر به المرض إلى رمضان أخر. فإن برأ وجب عليه القضاء فإن لم يقض ومات فيما بعد كان على وليه القضاء عنه، والولي هو أكبر أولاده الذكور فإن كانوا جماعة في سن واحد كان عليهم القضاء بالحصص أو يقوم به بعضهم فيسقط عن الباقين، وإن كانوا إناثا لم يلزمهن القضاء، وكان الواجب الفدية من ماله عن كل يوم بمدين ممن طعام وأقله مد، وإن لم يمت وفي عزمه القضاء من غير توان ولحقه رمضان آخر صام الثاني وقضى للأول، ولا كفارة عليه، وإن أخره توانيا صام الحاضر وقضى الأول وتصدق عن كل يوم بمدين من طعام وأقله مده فإن لم يبرء أو لحقه رمضان آخر صام الحاضر، وتصدق عن الأول ولا قضاء عليه، وحكم ما زاد على رمضانين حكمهما سواء، وإن مات مرضه ذلك صام وليه عنه ما فاته استحبابا، وكل صوم كان واجبا عليه بأحد الأسباب الموجبة له متى مات وكان متمكنا منه فلم يصمه فإنه يتصدق عنه أو يصوم عنه وليه. والكفارة تكون من أصل المال القدر الذي ذكرناه، وحكم المرأة في هذا الباب حكم الرجل سواء وكذلك ما يفوتها في أيام حيضها وجب عليها القضاء فإن لم تقض و ماتت وجب على وليها القضاء عنها إذا فرطت فيه أو يتصدق عنها على ما قدمناه. ومن أسلم في شهر رمضان وقد مضت منه أيام فليس عليه قضاء ما فاته ويصوم ما أدركه فإن أسلم في بعض النهار أمسك بقية النهار تأديبا، ومن أسلم قبل طلوع الفجر صام ذلك اليوم وجوبا، وإن أسلم بعده ولم يتناول ما يفطره إلى عند الزوال جدد النية وكان صومه صحيحا، وإن كان بعد الزوال أمسك تأديبا ولا قضاء عليه، وحكم من بلغ في حال الصوم حكم من أسلم على السواء في أنه يصوم ما بقي ولا قضاء عليه فيما فاته و الحايض يجب عليها قضاء ما يفوتها في حال الحيض فإن طهرت في بعض النهار أمسكت تأديبا وعليها القضاء سواء تناولت ما يفطر أولم يتناول لأن كونها حايضا في أول النهار يمنع من انعقاد صومها.

[ 287 ]

والمريض إذا برأ في وسط النهار وقدر على الصوم فإن كان تناول ما يفسد الصوم أمسك بقية النهار تأديبا وعليه القضاء، وإن لم يكن فعل ما يفطر أمسك بقية النهار وقد تم صومه إذا كان قبل الزوال فإن كان بعده وجب القضاء، والأفضل أن يقضي ما فاته متتابعا، وروي أنه يصوم ستة أيام أو ثمانية أيام متتابعا (1)، ويفرق الباقي، والأول أحوط، ولا بأس أن يقضي ما فاته في أي شهر شاء إلا أن يكون مسافرا فإنه لا يقضيه في حال السفر على الصحيح من المذهب، ومتى صامه في السفر قضاه، وإن لم يجزه فإن أقام في بلد عشرة أيام ثم صام كان ذلك مجزيا، ومن أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال قضاه، وكفر بإطعام عشرة مساكين فإن لم يتمكن صام ثلاثة أيام وقد روي أن عليه مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان (2) والصحيح الأول، ومن أفطر قبل الزوال فلا شئ عليه، وروي أيضا أنه لا شئ عليه وإن أفطر بعد الزوال (3) وذلك محمول على من لم يتمكن، ومتى أصبح جنبا عامدا أو ناسيا فلا يصم ذلك اليوم لا قضاء ولا تطوعا، ومتى أصبح صائما متطوعا لا يجب عليه المضي فيه

(1) رواها في التهذيب ج 4 ص 275 ح 831 عن عمار بن موسى الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان كيف يقضيها؟ فقال: إن كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما، وإن كان عليه خمسة فليفطر بينهما أياما، وليس له أن يصوم أكثر من ستة أيام متوالية، وإن كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أفطر بينهما يوما.
(2) روي في التهذيب ج 4 ص 279 ج 846 عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل صام قضاءا من شهر رمضان فأتى النساء قال: عليه الكفارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان.
(3) روي في التهذيب ج 4 ص 288 ح 847 عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها متى يريد أن ينوي الصوم فليصم وإن كان نوى الافطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس قال: لا. سئل: فإن نوى الصوم ثم أفطر بعد ما زالت الشمس. قال، قد أساء وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه.

[ 288 ]

فإن أفطر لم يلزمه قضاء ولا كفارة، والمستحاضة إذا فعلت من الأغسال ما يلزمها من تجديد القطن والخرق وتجديد الوضوء صامت وصح صومها إلا الأيام التي يحكم لها بالحيض فيها، ومتى لم تفعل ما تفعله المستحاضة وجب عليه قضاء الصلوة والصوم ومن أجنب في أول الشهر ونسي أن يغتسل وصام كان عليه قضاء الصلوة والصوم معا ومن وجب عليه صوم شهرين متتابعين فعجز عنه صام ثمانية عشر يوما، ومن وجب عليه صوم فلا يجوز له أن يتطوع بالصوم، ومتى قامت البينة على هلال شوال بعد الزوال في الليلة الماضية وجب عليه الافطار، ولا يلزمه قضاء صلوة العيد لأن وقتها قد فات.

[ 289 ]

* (كتاب الاعتكاف) * * (فصل: في حقيقة الاعتكاف وشروطه) * الاعتكاف في اللغة: هو اللبث الطويل، وفي عرف الشرع هو طول اللبث للعبادة، وله شروط ثلاثة: أحدها: يرجع إلى الفاعل، وثانيها: يرجع إلى الفعل، وثالثها: يرجع إلى البقعة. فالراجع إلى الفاعل هو أن يكون مسلما بالغا عاقلا لأن من كان بخلافه لا يصح اعتكافه، وما يرجع إلى الفعل فهو أن يكون مع طول اللبث صائما لأن الصوم شرط في انعقاد الاعتكاف، والراجع إلى البقعة هو أن يكون الاعتكاف في مساجد مخصوصة وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة، ولا ينعقد الاعتكاف في غير هذه المساجد لأن من شرط المسجد الذي ينعقد فيه الاعتكاف أن يكون صلى فيه نبي أو إمام عادل جمعة بشرايطها وليست إلا هذه التي ذكرناها، وحكم المرأة حكم الرجل في هذا سواء، ولا يصح اعتكافها في مسجد بيتها والاعتكاف أصل في نفسه في الشرع دون أن يكون له أصل يرد إليه. * (فصل: في أقسام الاعتكاف) * الاعتكاف على ضربين: واجب وندب. فالواجب ما أوجبه على نفسه بالنذر أو العهد، والمندوب إليه هو ما يبتديه من غير إيجاب على نفسه بنذر أو عهد. ومتى شرط المعتكف على نفسه [ ربه خ ل ] أنه متى عرض له عارض رجع فيه كان له الرجوع فيه أي وقت شاء ما لم يمض به يومان فإن مضى به يومان وجب عليه تمام الثالث. فإن لم يشرط وجب عليه بالدخول فيه تمام ثلاثة أيام لأن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام، ولا يصح الاعتكاف ممن عليه ولاية إلا بإذن من له ولاية عليه كالمرأة مع زوجها والعبد مع سيده والمكاتب قبل كمال حريته والمدبر والأجير والضيف إلا بإذن مضيفه لأنهم ممنوعون من الصوم تطوعا إلا بإذن من له ولاية عليهم

[ 290 ]

والاعتكاف لا يصح إلا بصوم، ولا يصح الاعتكاف من الحايض. ومتى اعتكف من عليه ولاية بإذن من له الولاية لم يكن للآذن فسخه عليه ويلزمه أن يصبر عليه حتى يمضي مدة الإذن فإن لم يكن قيد وأطلق لزمه أن يصبر عليه ثلاثة أيام، وهو أقل ما يكون اعتكافا، ومن كان بعضه مملوكا وبعضه حرا فإن جرى بينه وبين سيده مهاياة بأن يكون له من نفسه ثلاثة أيام فصاعدا، ولسيده مثله صح منه الاعتكاف في أيامه بغير إذن سيده، وإن لم يكن بينهما مهاياة أو كان أقل من ثلاثة أيام كان كالقن سواء. ومتى اعتكف المملوك بإذن مولاه فأعتقه مولاه لزمه إتمامه، وإن كان بغير إذنه وأعتقه في الحال لزمه التمام. والاعتكاف يجوز في جميع أيام السنة، وإن كان في بعضها أفضل منه في بعض. ولا يجوز الاعتكاف في الأيام التي لا يصح صومها كالعيدين لأن من شرطه الصوم وفي العشر الآواخر من شهر رمضان أفضل منه في غيره لدخول ليلة القدر فيها، وأقل الاعتكاف ثلاثة أيام وأكثره لا حد له. فإن زاد على الثلاثة يومين آخرين لزمه إتمام ثلاثة أخر، وإن كان أقل من ذلك كان له الرجوع مع الشرط على ما بيناه. ولا يصح الاعتكاف إلا مع الصوم فعلى هذا لا يصح اعتكاف الليالي مفردا من الأيام ولا يكفي أيضا يوم واحد لأن أقله ثلاثة أيام. ومتى نذر اعتكاف شهر بعينه وجب عليه الدخول فيه مع طلوع الهلال من ذلك الشهر فإذا أهل الشهر الذي بعده فقد وفي وخرج من الاعتكاف، ويلزمه الليالي و الأيام لأن الشهر عبارة عن جميع ذلك، وإن نذر أياما بعينها لم يدخل فيها لياليها إلا أن يقول: العشر الآواخر أو ما يجري مجراه فيلزمه حينئذ الليالي لأن الاسم يقع عليه. وإذا نذر اعتكاف شهر غير معين كان بالخيار بين أن يعتكف شهرا هلاليا على الصفة التي قدمناها، وبين أن يعتكف ثلاثين يوما غير أنه لا يبتدي بإنصاف النهار، ولا يعتد من أولها لأنه لا بد من الصوم، والصوم لا يكون إلا من أول النهار.

[ 291 ]

وإن نذر اعتكاف شهر أو أيام مطلقا، ولم يشرط فيه التتابع كان مخيرا بين التتابع والتفرق غير أنه لا يفرق أقل من ثلاثة أيام. وإن شرط التتابع. فإما أن يقيد بوقت أو بشرط فإن قيده بوقت مثل أن قال: لله على أن أعتكف العشر الآواخر من شهر رمضان فإنه يلزمه الاعتكاف فيها، وعليه المتابعة من جهة الوقت لا من جهة الشرط، ولا يجوز له أن يخرج فإن خالف، و خرج بطل قدر ما يخرج إذا كان اعتكف ثلاثة أيام، ولا يبطل ما مضى، وإن كان دونها استأنف الاعتكاف. وإن كان شرط التتابع مثل أن يقول: لله على أن أعتكف عشرة أيام متتابعات لزمه ذلك فإن تلبس بها ثم خرج بطل وعليه الاستقبال. وإذا قال: لله على أن أعتكف شهرا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يعينه أو لا يعينه. فإن عينه مثل أن يقول: شعبان أو شهر رمضان لزمه أن يعتكف الشهر الذي عينه، وعليه متابعته من ناحية الوقت لا من حيث الشرط لأنه علقه بزمان بعينه فإن ترك يوما منه لم يلزمه الاستيناف بل يقضي ما ترك، ويعتكف ما أدركه، وإن قال: لله على أن أعتكف شهر رمضان متتابعا لزمه المتابعة هنا من ناحية الشرط. فإن أخل بها استأنف لأن المتابعة من ناحية الشرط. فإذا لم يعلقه بشهر بعينه لم يخل من أحد أمرين: إما أن يطلق أو يشرط التتابع فإن شرط التتابع لزمه أن يأتي به متتابعا فمتى أفسد شيئا منه لزمه الاستيناف فإن صام شهرا بين هلالين أجزأه ناقصا كان أو تاما، وإن صام بالعدد صام ثلاثين يوما وإن لم يقل: متتابعات نظرت فإن قال: أعتكف شهرا من وقتي هذا فقد يعينه بزمان فعليه أن يأتي به متتابعا من ناحية الوقت لا من ناحية الشرط فمتى أفطر يوما منه فعليه ما ترك واعتكف ما بقي. هذا كله لا خلاف فيه. إذا قال: لله على أن أعتكف شهر رمضان من هذه السنة نظرت فإن كان رمضان قد مضى فإن نذره باطل، وإن كان لم يمض لزمه الوفاء به فإن لم يعلم حتى خرج لزمه قضاؤه، وإذا نذر اعتكاف ثلاثة أيام وجب عليه أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر من أول

[ 292 ]

يومه إلى بعد الغروب من ذلك اليوم، وكذلك اليوم الثاني والثالث هذا إذا أطلقه، وإن شرط التتابع لزمه الثلاثة أيام بينهما ليلتان، ومتى أخل بيوم من أيام الاعتكاف الذي نذره وجب عليه أن يقضيه، ويتم ثلاثة أيام لأن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام. المسافر وكل من لا تجب عليه الجمعة يصح اعتكافه من عبد أو امرأة أو مريض أو مسافر غير أنه لا يعتكف إلا في المساجد التي قدمنا ذكرها، ولا يصح الاعتكاف على وجه اليمين ومنع النفس والغضب مثل أن يقول: إن دخلت الدار أو إن كلمت زيدا إلا إذا تقرب به إلى الله. فإذا لم يتقرب به، وقصده منع النفس فلا يلزمه ولا كفارة عليه في يمينه. ومن نذر أن يعتكف شهر رمضان ففاته قضى شهرا آخر بالصوم، وإن أخره إلى رمضان آخر فاعتكف فيه أجزأه، وإذا نذر أن يعتكف يوم يقدم فلان فقدم ليلا أو في بعض النهار لا يلزمه شئ، وإن نذر أن يعتكف يوم يقدم فلان أبدا فقدم ليلا لم يلزمه شئ، وإن قدم في بعض النهار صام ذلك اليوم فيما بعد غير أنه يتمه ثلاثة أيام إلا أن يكون نوى أن يعتكف يوما واحدا فإنه لا ينعقد نذره، وإن نذر أن يعتكف بعد قدوم فلان لزمه ذلك فإن كان قيده لزمه بحسب ما قيده، وإن لم يقيد اعتكف أقل ما يكون الاعتكاف ثلاثة أيام. وإذا نذر أن يعتكف في إحدى المساجد وجب عليه الوفاء به فإن كان بعيدا رجل إليه فإن كان المسجد الحرام لم يدخله إلا بحجة أو عمرة لأنه لا يجوز دخول مكة إلا محرما. * (فصل: فيما يمنع الاعتكاف منه وما لا يمنع) * الاعتكاف يمنع من الوطئ وساير ضروب المباشرة والقبلة والملامسة، واستنزال الماء بجميع أسبابه، ويمنع من الخروج من المسجد الذي اعتكف فيه إلا لضرورة كالبول والغايط وغسل الجنابة إن احتلم أو قربة أو عبادة أو أداء فريضة كالجمعة والعيدين

[ 293 ]

ويجوز له أن يشهد الجنازة، ويعود المريض غير أنه لا يجلس تحت الضلال إلى أن يعود، ولا يجلس في المكان الذي يدخله، وإن دخل وقت الصلاة لم يصل حتى يعود إلى المسجد إلا بمكة فإنه يصلي في أي بيوتها شاء. وإذا تعينت عليه إقامة شهادة أو تحملها جاز له الخروج ولا يفسد اعتكافه و يقيمها قائما ويعود إلى موضعه، ولا يجوز له البيع والشرى، ويجوز له أن ينكح و ينظر في أمر معيشته وضيعته، ويتحدث بما شاء من الحديث بعد أن يكون مباحا و يأكل الطيبات ويشم الطيب، وقد روي أنه يجتنب ما يجتنبه المحرم وذلك مخصوص بما قلناه لأن لحم الصيد لا يحرم عليه وعقد النكاح مثله، والجمعة إن أقيمت فيه دخل فيها، وإن أقيمت في غيره خرج إليها. وإن انهدم بعض المسجد تحول إلى موضع العمارة. فإن انهدم كله جاز أن يتم اعتكافه في عرصته، وقد قيل: إنه يخرج فإذا أعيد بناؤه عاد، وقضى اعتكافه، وجميع ما يمنع الاعتكاف منه فالليل فيه كالنهار إلا ما هو ممنوع لأجل الصوم من الأكل والشرب فإنه يمنع منه النهار دون الليل، ومتى عرض للمعتكف مرض أو جنون أو إغماء أو حيض أو طلبه سلطان ظالم يخاف على نفسه أو ماله فإنه يخرج من موضعه فإن كان خروجه بعد مضي أكثر مدة اعتكافه أعاد بعد زوال عذره وبنى على ما تقدم وتمم، وإن لم يكن مضى أكثر من النصف استأنف الاعتكاف سواء كان الاعتكاف واجبا أو مندوبا إليه، وسواء كان مع الشرط أو عدمه فإنه يجوز بالدخول فيه على ما تقدم، وكل من خرج من الاعتكاف لعذر أو غيره وجب عليه قضاؤه سواء كان واجبا أو مندوبا لأنا قد بينا أنه يجب بالدخول فيه إلا ما استثناه من الشرط. ومتى خرج من الاعتكاف قبل أن يمضي ثلاثة أيام استأنف الاعتكاف لأن الثلاثة أيام متوالية لا يجوز الفصل بينها سواء كانت متتابعة أو غير متتابعة على ما فصلناه، و إنما يقضي ما يفوته بعد أن يزيد على الثلاثة أيام، ومن مات قبل انقضاء مدة اعتكافه في أصحابنا من قال: يقضى عنه وليه أو يخرج من ماله إلى من ينوب عنه قدر كفايته لعموم ما روي من أن من مات وعليه صوم واجب وجب على وليه أن يقضي عنه أو

[ 294 ]

يتصدق عنه (1) وقضاء ما فات من الاعتكاف ينبغي أن يكون على الفور والبدار. ومتى كان خروجه من الاعتكاف بعد الفجر كان دخوله في قضائه قبل الفجر ويصوم يومه ولا يعيد الاعتكاف ليله، وإن كان خروجه ليلا كان قضاؤه من مثل ذلك الوقت إلى آخر مدة الاعتكاف المضروبة، وإن كان خرج وقتا من مدة الاعتكاف المضروبة بما فسخه به. ثم عاد إليه، وقد بقيت مدة من التي عقدها تمم باقي المدة وزاد في آخرها مقدار ما فاته من الوقت. * (فصل: فيما يفسد الاعتكاف وما يلزمه من الكفارة) * الاعتكاف يفسده الجماع، ويجب به القضاء والكفارة، وكذلك كل مباشرة تؤدي إلى إنزال الماء عمدا يجرى مجراه، وفي أصحابنا من قال: ما عدا الجماع يوجب القضاء دون الكفارة، وكذلك الخروج من المسجد لغير عذر ولغير طاعة يفسد الاعتكاف والسكر يفسد الاعتكاف والارتداد لا يفسده فإن رجع إلى الاسلام بني عليه. ومتى وطئ المعتكف ناسيا أو أكل نهارا ساهيا أو خرج من المسجد كذلك لم يفسد اعتكافه. ومتى جامع نهارا لزمه كفارتان، وإن جامع ليلا لزمه كفارة واحدة فإن أكرهها على الجماع وهي معتكفة بأمره نهارا لزمه أربع كفارات، وإن كان ليلا كفارتان على قول بعض أصحابنا، وإن كان اعتكافها بغير إذنه لم يلزمه إلا كفارة نفسه. والكفارة في وطئ المعتكف في الكفارة في إفطار يوم من شهر رمضان سواء على الخلاف بين الطائفة في كونها مرتبة أو مخيرا فيها، ويجوز للمعتكف صعود المنارة و الأذان فيها سواء كانت داخلة المسجد أو خارجه لأنه من القربات، وإذا خرج دار الوالي، وقال: حي على الصلوة أيها الأمير أو قال، الصلوة أيها الأمير بطل اعتكافه. وإذا طلقت المعتكفة أو مات زوجها فخرجت واعتدت في بيتها استقبلت الاعتكاف

(1) روي في التهذيب ج 4 ص 246 ح 731 عن حماد بن عثمان عمن ذكره عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يموت وعليه دين عن شهر رمضان من يقضي عنه؟ قال: أولى الناس به. الحديث، وروي في هذا الباب روايات أخر.

[ 295 ]

وإذا أخرجه السلطان ظلما لا يبطل اعتكافه، وإنما يقضي ما يفوته، وإن أخرجه لإقامة حد عليه أو استيفاء دين منه يقدر على قضائه بطل اعتكافه لأنه أخرج إلى ذلك فكأنه خرج مختارا. إذا أحرم بحجة أو عمرة وهو معتكف لزمه الاحرام، ويقيم في اعتكافه إلى أن يفرغ منه. ثم يمضي في إحرامه إلا أن يخاف الفوت في الحج فيترك الاعتكاف. ثم يستأنف عند الفراغ غير أن هذا لا يصح عندنا إلا إذا كان في المسجد الحرام فأما في غيره من المساجد التي ينعقد فيها الاعتكاف فلا ينعقد فيها الاحرام لأنها قبل المواقيت إذا أغمي على المعتكف أياما. ثم أفاق لم يلزمه قضاؤه لأنه لا دليل عليه، وإذا خرج رأسه إلى بعض أهله فغسلوه لم يبطل اعتكافه لمثل ذلك، وإن باع واشترى في حال الاعتكاف فالظاهر أنه لا ينعقد لأنه منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. وقال قوم: أخطأ، ويكون ماضيا. والنظر في العلم ومذاكرة أهله لا يبطل الاعتكاف، وهو أفضل من الصلوة تطوعا عند جميع الفقهاء، ولا يفسد الاعتكاف جدال ولا خصومة ولأسباب.

[ 296 ]

* (كتاب الحج) * * (فصل: في حقيقة الحج والعمرة وشرايط وجوبها) * الحج في اللغة هو القصد، وفي الشريعة كذلك إلا أنه اختص بقصد البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة عنده متعلقة بزمان مخصوص، والعمرة هي الزيارة في اللغة، و في الشريعة عبارة عن زيارة البيت الحرام لأداء مناسك عنده، ولا يختص بزمان مخصوص وهما على ضربين: مفروض ومسنون. فالمفروض منهما على ضربين: مطلق من غير سبب وواجب عند سبب. فالمطلق من غير سبب هي حجة الاسلام وعمرة الاسلام، وشرايط وجوبهما ثمانية: البلوغ وكمال العقل والحرية والصحة ووجود الزاد والراحلة والرجوع إلى كفاية إما من المال أو الصناعة أو الحرفة، وتخلية السرب من الموانع وإمكان المسير، ومتى اختل شئ من هذه الشرايط سقط الوجوب، ولم يسقط الاستحباب. ومن شرط صحة أدائهما الاسلام، وكمال العقل لأن الكافر، وإن كان واجبا عليه لكونه مخاطبا بالشرع فلا يصح منه أداؤهما إلا بشرط الاسلام، وعند تكامل الشروط يجبان في العمر مرة واحدة، وما زاد عليها مستحب مندوب إليه، ووجوبهما على الفور دون التراخي. وأما ما يجب عند سبب فهو ما يجب بالنذر أو العهد أو إفساد حج دخل فيه أو عمرة، ولا سبب لوجوبهما غير ذلك بحسبها إن كان واحدا فواحدا، وإن كان أكثر فأكثر، ولا يصح النذر بهما إلا من كامل العقل حر فأما من ليس كذلك فلا ينعقد نذره، ولا يراعى في صحة انعقاد النذر ما روعي في حجة الاسلام من الشروط لأنه ينعقد نذر من ليس بواجد للزاد والراحلة، ولا ما يرجع إليه من كفاية، وكذلك ينعقد نذر المريض بذلك غير أنه إذا عقد نذره بذلك. ثم عجز عن المضي فيه أو حيل بينه أو منعه مانع أو نذر في حال الصحة. ثم مرض فإنه يسقط فعله في الحال، ويجب

[ 297 ]

عليه أن يأتي به في المستقبل إذا زال العارض اللهم إلا أن يعقد نذره إنه يحج في سنه معينة فمتى فاته في تلك السنة بتفريط منه وجب عليه أن يأتي به في المستقبل، و إن منعه مانع من ذلك أو حال بينه وبين فعله حايل من عدو أو مرض أو غير ذلك فإنه لا يلزمه فيما بعد لأنه لا دليل عليه، ومتى نذر أن يحج ولم يعتقد أن يحج زايدا على حجة الاسلام. ثم حج بنية النذر أجزأه عن حجة الاسلام، وإن نذر أن يحج حجة الاسلام. ثم حج بنية النذر لم يجزه عن حجة الاسلام، والأولى أن نقول: لا يجزيه أيضا عن النذر لأنه لا يصح منه ذلك قبل أن يقضي حجة الاسلام، ولو قلنا: بصحته كان قويا لأنه لا مانع من ذلك. وأما المسنون: فهو ما زاد على حجة الاسلام وعمرته ولم يكن نذر فيه فإن ذلك مستحب مندوب إليه. ونعود الآن إلى ذكر بيان الشروط التي اعتبرناها في وجوب حجة الاسلام فالشروط التي اعتبرناها على ثلاثة أضرب: أحدها شرط في الصحة والوجوب وهو العقل، والآخر شرط في صحة دون الوجوب وهو الاسلام لأن الكافر يجب عليه وإن لم تصح منه، والثالث شرط في الوجوب دون الصحة لأن الصبي والمملوك ومن ليس له زاد ولا راحلة وليس بمخلي السرب ولا يمكنه المسير لو تكلفوا لصح منهم الحج غير أنه لا يجزيهم عن حجة الاسلام. وراعينا البلوغ والحرية وكمال العقل لأن هؤلاء لو تكلفوا الحج وحجوا لا خلاف أنه لا يجزيهم، ووجب عليهم إعادة حجة الاسلام. فإن بلغ الصبي أو أعتق العبد أو رجع إليه العقل قبل أن يفوته المشعر الحرام فوقف بها أتى بباقي المناسك فإنه يجزيه عن حجة الاسلام. والزاد والراحلة شرط في الوجوب، والمراعي في ذلك نفقته ذاهبا وجائيا وما يخلفه لكل من يجب عليه نفقته قدر كفايتهم، ويفضل معه ما يرجع إليه يستعين به على أمره أو صناعة يلتجئ إليها فإن كان ضياع أو عقار أو مسكن يمكنه أن يرجع إليها، ويكون قدر كفايتهم لزمه، ولا يلزمه بيع مسكنه الذي يسكنه ولا بيع خادمه

[ 298 ]

الذي يخدمه في الزاد والراحلة، ويلزمه بيع ما زاد على ذلك من ضياع أو عقار وغير ذلك من الذخاير، والأثاث التي له منها بد إذا بقي معه ما يرجع إلى كفايته. وإن كان له دين حال على موسر باذل له لزمه فرض الحج، وإن كان على ملى جاحد أو معترف معسر أو إلى أجل لم يجب عليه الحج لأنه عاجز. وإن كان عليه دين وله مال بقدر الدين لا يلزمه فرض الحج سواء كان حالا أو مؤجلا، وإذا لم يكن له مال لا يجب عليه الحج وإن كان قادرا على القرض ولا يجب عليه الاستسلاف. وقد روي جواز الاستدانة في الحج (1) وذلك محمول على أنه إذا كان له ما يقضي عنه إن حدث الموت فأما مع عدم ذلك فلا يلزمه ذلك، وإن قدر على زاد وراحلة ولا زوجة له لزمه فرض الحج وتقديمه على النكاح لأنه فرض والنكاح مسنون سواء خاف العنت أو لم يخف ويلزمه الصبر. من وجب عليه الحج فحج مع غيره في نفقته أجزأه عن حجة الاسلام فإن أجر نفسه من غيره ليخدمه. ثم حج أجزأه أيضا، وإنما يعتبر الزاد والراحلة في وجوب من كان على مسافة يحتاج فيها إلى الزاد والراحلة، وأما أهل مكة ومن كان بينه و بين مكة قريب فلا يحتاج إلى ذلك، وليس ذلك من شرط وجوبه عليه إذا كان قادرا على المشئ لأنه لا مشقة عليه، واعتبار الزاد لا بد فيه على كل حال، وإن كان لا يقدر على المشي لا يلزمه فإن كان من هذه صورته وذا صناعة وحرفة لا يقطعه الحج عنها ويكون كسبه حاضرا ومسافرا على حد واحد لزمه، وإن قطعه عن كسبه لم يجب عليه فرض الحج. إذا بذل له الاستطاعة قدر ما يكفيه ذاهبا وجائيا، ويخلف لمن عليه نفقته لزمه فرض الحج لأنه مستطيع.

(1) روي في الكافي ج 4 ص 279 باب الرجل يستدين ويحج عن موسى بن بكر عن أبي الحسن الأول (ع) قال: قلت له: هل يستقرض الرجل ويحج إذا كان خلف ظهره ما يؤدي عنه إذا حدث به حدث؟ قال، نعم. وروي في الباب أخبار أخر.

[ 299 ]

إذا علم أن له من يطيقه على أداء الحج عنه لا يلزم فرضه لأنه ليس بمستطيع بنفسه ولدا كان أو ذا قرابة، وقد روي أصحابنا أنه إذا كان له ولد له مال وجب عليه أن يأخذ من ماله ما يحج به ويجب عليه إعطاؤه. المعضوب الذي لا يقدر أن يستمسك على الراحلة من كبر أو ضعف إلا بمشقة عظيمة وله مال لزمه أن يحج عنه غيره، ويجوز أن يكون ذلك الغير صرورة، ولا يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة، ويجوز أن يكون غير صرورة ويحتاج أن يعطيه ما يكفيه لنفقته ذاهبا وجائيا ويخلفه لأهله. إذا كان به علة يرجى زوالها يستحب له أن يحج رجلا عن نفسه فإذا فعل و برأ وجب عليه أن يحج بنفسه، وإن مات من تلك العلة سقط عنه فرض الحج. والمعضوب الذي خلق نضوا (1) ولا يرجى زوال خلقته كان فرضه أن يحج رجلا عن نفسه فإذا فعل ثم برأ وجب عليه أن يحج بنفسه لأن ما فعله كان واجبا في ماله و هذا يلزم في نفسه، والمعضوب إذا وجب بالنذر أو بإفساد حجه وجب عليه أن يحج عن نفسه رجلا فإذا فعل فقد أجزأه فإن برأ فيما بعد تولاها بنفسه. وحجة التطوع يجوز أن يعطيها غيره ليحج عنه، وكذلك يجوز أن يوصي بأن يحج عنه تطوعا، ويكون ذلك ثلاثة وتقع الحج عن الآمر دون المتولي. متى استأجر انسانا في ذلك كانت الإجارة صحيحة، ويستحق الأجير المسمى. وإذا أوصى فللوصي أن يكتري فإذا اكترى كان من الثلث، ويستحق الأجر الذي سمي له حين العقد ما لم يتعد فإن تعدى الواجب رد إلى أجرة المثل. إذا أحرم عمن استأجره سواء كانت في حجة الفرض أو التطوع. ثم نقل الاحرام إلى نفسه لم يصح نقله، ولا فرق بين أن يكون الاحرام بالحج أو بالعمرة فإن النقل لا يصح أبدا فإن مضى على هذه النية وقعت الحجة عمن بدأ بنيته لأن النقل ما يصح، وإنما قلنا: ذلك لأن صحة النقل يحتاج إلى دليل. فإذا ثبت هذا فالأجرة يستحقها على من وقعت الحجة عنه لأن اعتقاده أنه يحج عن نفسه لا يؤثر في وقوع الحجة عن

(1) النضو: أي المهزول.

[ 300 ]

غيره فلم تسقط الأجرة بحال. إمكان المسير أحد شروط الحج على ما قلناه، ومعناه أن يجد رفقة يمكنه المسير معهم ويتسع له وقت المسير على مجرى العادة. فإن لم يجد من يخرج معه أو ضاق عليه الوقت حتى لا يلحق إلا بأن يصعب المسير لا يلزمه تلك السنة. وشرايط الوجوب قد بيناها، وشرايط الاستقرار أن يمضي من الزمان ما يمكنه فيه الحج بعد الوجوب ولا يفعل فإنه يستقر في ذمته. إذا ثبت هذا، وكان له مال وذهب ثبت الحج في ذمته وإن مات حج عنه من تركته من أصل المال، وإن لم يكن له مال استحب لوليه أن يحج عنه، وقد بينا أن إمكان المسير شرط الوجوب وهو عند وجود الاستطاعة يتمكن من المسير، وتحصيل الآلات التي يحتاج إليها للطريق وبعد ذلك يلحق الرفقة. فإن حصلت له الاستطاعة وحصل بينه وبين الرفقة مسافة لا يمكنه الالحاق بهم أو يحتاج أن يتكلف إما لمناقله أو يجعل منزلين منزلا لا يلزمه الحج تلك السنة، فإن بقي في حالته في إزاحة العلة إلى السنة المقبلة لزمه. فإن مات قبل ذلك لا يجب أن يحج عنه فإن فاتته السنة المقبلة ولم يحج وجب حينئذ أن يحج عنه. الراحلة المعتبرة في الاستطاعة راحلة مثله إن كان شابا يقدر على ركوب السرج والقتب وجب عليه عند وجوده، وإن كان أضعف منه فزاملة وما أشبهها، وإن كان ضعيفا لكبر أو ضعف خلقة فراحلة مثله أن يكون له محمل وما في معناه. وأما الزاد فهو عبارة عن المأكول والمشروب. فالمأكول هو الزاد فإن لم يجده بحال أو وجده بثمن يضر به، وهو أن يكون في الرخص بأكثر من ثمن مثله، وفي الغلا مثل ذلك لم يجب عليه، وهكذا حكم المشروب. وأما المكان الذي يعتبر وجوده فيه فإنه يختلف أما الزاد إن وجده في أقرب البلدان إلى البر فهو واجد، وكذلك إن لم يجده إلا في بلده فيجب عليه حمله معه ما يكفيه لطول طريقه إذا كان معه ما يحمل عليه. وأما الماء فإن كان يجده في كل منزل أو في كل منزلين فهو واجد فإن لم يجده

[ 301 ]

في أقرب البلدان إلى البر أو في بلده فهو غير واجد، والمعتبر في جميع ذلك العادة فما جرت العادة بحمل مثله وجب حمله وما لم تجر سقط وجوب حمله. وأما علف البهايم ومشروبها فهو كما للرجل سواء إن وجده في كل منزل أو منزلين لزمه فإن لم يجد إلا في أقرب البلاد إلى البر أو في بلده سقط الفرض لاعتبار العادة هذا كله إذا كانت المسافة بعيدة. فأما إن كان بلده بالقرب من الحرم على منزلين ونحو عشرين فرسخا أو ثلاثين فرسخا متى لم يجد كل ذلك إلا في أقرب البلاد إلى البر من ناحية بلده فهو واجد لأنه يمكنه نقله، وهكذا ما لا بد له من ظروف الزاد، والماء إذا تعذرت سقط الحج لأنه لا بد له من الظروف. فإذا تعذر الامكان فوجودها شرط في الاستطاعة. وأما تخلية الطريق فشرط، وينظر فيه وإن كان له طريقان مسلوك وغير مسلوك لكون العدو فإنه يلزمه الفرض وإن كان المسلوك أبعد من المخوف لأن له طريقا مخلا بينه وبينه. فإن لم يجد إلا طريقا واحدا فيه عدو أو لص لا يقدر على رفعهم سقط فرض الحج لأن التخلية لم تحصل فإن لم يندفع العدو إلا بمال يبذله أو خفارة فهو غير واجد لأن التخلية لم تحصل فإن تحمل ذلك كان حسنا فإن تطوع بالبذل عنه غيره لزمه لأن التخلية حصلت. وطريق البحر ينظر فإن كان له طريقان: أحدهما في البر، والآخر في البحر لزمه الفرض، وإن لم يكن له غير طريق البحر مثل سكان البحر والجزاير لزمه أيضا لعموم الأخبار المتضمنة لتخلية الطريق إذا غلب في ظنهم السلامة. فإن غلبت في ظنهم الهلاك لم يلزمهم. فإذا وجب عليه الحج ومات وخلف عليه دينا فإن كان المال يسع لهما قضي الدين وحج عنه، والحج يجب أن يقضى عنه من الميقات بأقل ما يكون أجرة من يحج من هناك، ولا يجب من بلده إلا أن يتبرع به الورثة لأنه لا دليل عليه وإن لم يسع المال لهما قسم بينهما بالسوية وحج بما يخصه من الموضع الذي يمكن هذا إذا لم يوص به فإن أوصى فله حكم مفرد سنذكره فيما بعد.

[ 302 ]

من وجبت عليه حجة الاسلام لا يجوز أن يحج عن غيره، ولا يجوز له أن يحج تطوعا فإن تطوع وقعت عن حجة الاسلام وإن حج عن غيره لم يجز عن غيره ولا عنه لأن شرط الاجزاء عن الغير لم يحصل فلا يجزي فيستحق عليه الأجرة بذلك، و شرط الاجزاء عن نفسه من النية لم تحصل فلا يجزي عن واحد منهما، ومن لا يجب عليه الحج جاز أن يحج عن غيره، ويجوز له أن يحج عن نفسه تطوعا، ولا يجزي ذلك عن حجة الاسلام فيما بعد، ويجوز لمن عدم الاستطاعة أن يعتمر عن غيره، ويجوز أن يتطوع بهما ولا يجزيه عما يجب عليه إذا وجد الاستطاعة مثل ما قلناه في الحج سواء. المستطيع للحج والعمرة لا يجوز أن ينوب عن غيره فيهما على ما بيناه فإن حج عن نفسه دون العمرة جاز أن يحج عن غيره، ولا يجوز أن يعتمر عنه. فإن اعتمر عن نفسه ولم يحج جاز أن يعتمر عن غيره، ولا يجوز أن يحج عن غيره هذا إذا جاز له إفراد أحد الأمرين عن الآخر لعذر فأما مع زوال الأعذار فلا يجوز له غير التمتع. وأما أهل مكة وحاضريها فإنه يتقدر جميع ما قلناه فيهم. من حج حجة الاسلام ثم نذر أن يحج لم يجز له أن يحج عن غيره إلا بعد أن يقضي ما عليه من النذر فإن عدم الاستطاعة في النذر جاز أن يحج عن غيره هذا إذا نذر بشرط الاستطاعة فإن نذر على كل حال لزمه مع فقد الاستطاعة على الوجه الذي يمكنه، ولا يجوز أن يحج عن غيره، ويجوز أن يحج الرجل عن الرجل وعن المرأة، وللمرأة أن يحج عن مثلها وعن الرجل بلا خلاف، ويجوز أن يحج العبد عن غيره إذا أذن له مولاه فيه لعموم الأخبار. فأما الصبي فلا يصح أن يحج عن غيره لأنه ليس بمكلف تصح منه العبادة ولا نية القربة. والصرورة إذا حج عن غيره لعدم الاستطاعة. ثم وجدها كان عليه إعادة الحج عن نفسه. ومن كان مستطيعا للزاد والراحلة وخرج ماشيا كان أفضل له من الركوب إذا لم يضعفه عن القيام بالفرايض فإن أضعفه عن ذلك كان ركوبه أفضل، ومن لا يملك

[ 303 ]

الاستطاعة وخرج ماشيا أو متسكعا وحج كان له فيه فضل كثير إلا إذا أيسر كان عليه حجة الاسلام لأن ما حجه لم يكن عليه واجبا، وإنما تبرع به، ومن نذر أن يحج ماشيا وجب عليه الوفاء به فإن عجز عن ذلك ركب وساق بدنة كفارة عن ذلك، وإن لم يعجز وجب عليه الوفاء به. فإذا انتهى إلى مواضع العبور قام قائما، وإن ركب ناذر المشئ مع القدرة على المشي لم يجزه، وعليه أن يعيد الحج يركب ما مشى ويمشي ما ركب. وقد بينا أن حجة الاسلام تجب في العمر مرة واحدة. ويستحب لذوي الأموال أن يحجوا كل سنة إذا قدروا عليه. ومن حج وهو مخالف للحق ثم استبصر فإن كان قد حج بجميع شرايط الوجوب ولم يخل بشئ من أركانه أجزأه، ويستحب له إعادته، وإن كان أخل بشئ من ذلك فعليه الإعادة على كل حال. وقد بينا أن الحج والعمرة واجبان على النساء والرجال وشروط وجوبهما عليهن مثل شروط الرجال سواء، وليس من شرط الوجوب ولا من شرط صحة الأداء وجود محرم لها ولا زوج، ومتى كان لها زوج أو ذو محرم ينبغي أن لا تخرج إلا معه فإن لم يساعدها على ذلك جاز لها أن تحج حجة الاسلام بنفسها، ولا طاعة للزوج عليها في ذلك وليس لها ذلك في حجة التطوع. وإذا كانت في عدة الطلاق وكان للزوج عليها رجعة لم يجز لها أن تخرج في حجة التطوع إلا بإذنه، ويجوز لها ذلك في حجة الاسلام، وإن لم يكن له عليها رجعة جاز لها أن تخرج في حجة التطوع بغير إذنه. فأما التي في عدة المتوفي عنها زوجها فإنه يجوز لها أن تخرج على كل حال في حجة التطوع، وفي حجة الاسلام ومن وجبت عليه حجة الاسلام. ثم مات لم تسقط عنه بالموت. ثم لا يخلو إما أن يوصي بأن يحج عنه أو لا يوصي فإن لم يوص أصلا أخرجت حجة الاسلام من صلب ماله، وما يبقى يكون تركة، وإنما يجب أن يخرج من ميقات أهله من يحج عنه لا يجب أكثر من ذلك.

[ 304 ]

وإن أوصى بأن يحج عنه فلا يخلوا من أن يقول: من أصل المال أو من الثلث فإن قال: من أصل المال فعل كما قال من الميقات، وإن قال: من دويرة أهله نظر فإن كان ما زاد على الميقات يسعه الثلث فعل كما قال، وإن لم يسعه الثلث لم يجب أكثر من إضافة الثلث إلى قدر ما يحج عنه به من الميقات، وإن قال: حجوا عني من الثلث فعل ذلك من الميقات، وإن قال من دويرة أهله، وكان الثلث فيه كفاية لذلك فعل كما قال، وإن لم يكف فعل من حيث يسعه الثلث، ومن قرن بالحج في الوصية أحد أبواب البر من الصدقة وغيرها بدأ بالحج أولا، وإن كان قرن به أمورا واجبة عليه من الزكوة والدين، والكفارات جعل ذلك بالحصص، وقد بينا أن العمرة فريضة مثل الحج وأن شروط وجوبهما واحدة، ومن تمتع بالعمرة إلى الحج سقط عنه فرضها، وإن أفرد أو قرن كان عليه أن يعتمر بعد انقضاء الحج إن أراد بعد انقضاء أيام التشريق إن شاء أخرها إلى استقبال المحرم. ومن دخل مكة بعمرة مفردة في غير أشهر الحج لم يجز أن يتمتع بها إلى الحج فإن أراد التمتع اعتمر عمرة أخرى في أشهر الحج، وإن دخل مكة بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز له أن يقضيها، ويخرج إلى بلده أو إلى أي موضع شاء، والأفضل أن يقيم حتى يحج ويجعلها متعة. وإذا دخلها بنية التمتع لم يجز له أن يجعلها مفردة، ويخرج من مكة لأنه صار مرتبطا بالحج، وأفضل العمرة ما كانت في رجب، وهي تلي الحج في الفضل. ويستحب أن يعتمر في كل شهر مع الامكان فقد روي أنه يجوز أن يعتمر كل عشرة أيام (1) فمن عمل بذلك فلا شئ عليه، وينبغي إذا أحرم المعتمر أن يذكر في دعائه أنه محرم بالعمرة المفردة وإذا دخل الحرم قطع التلبية فإذا دخل مكة طاف

(1) روي في الكافي ج 4 ص 534 باب العمرة المبتولة عن علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل يدخل مكة في السنة المرة أو المرتين أو الأربعة كيف يصنع! قال: إذا دخل فليدخل ملبيا. وإذا خرج محلا قال: ولكل شهر عمرة فقلت: يكون أقل! قال: لكل عشرة أيام عمرة. الحديث.

[ 305 ]

بالبيت طوافا واحدا للزيارة، ويسعى بين الصفا والمروة. ثم يقصر إن شاء، وإن شاء حلق، والحلق أفضل، ويجب عليه بعد ذلك لتحله النساء طواف آخر. فإذا فعله فقد أحل من كل شئ أحرم منه. الكافر لا يصح منه الحج فإن أحرم من الميقات لا ينعقد إحرامه فإن أسلم بعد ذلك وجب عليه الحج والعمرة معا على الفور فإن أمكنه الرجوع إلى الميقات والاحرام منه فعل، وإن لم يمكنه أحرم من موضعه فإن لحق أحد الموقفين في وقته فقد أدرك الحج، ويقضي بعد ذلك العمرة، وإن فاته الحج وأسلم يوم النحر كان عليه الحج في العام المقبل متمتعا إن كان في الآفاق، وإن كان من حاضري المسجد الحرام قرن أو أفرد وعليه العمرة بعد ذلك، ويجوز له أن يعتمر في الحال العمرة المفردة. والمرتد إذا حج حجة الاسلام في حال إسلامه. ثم عاد إلى الاسلام لم يجب عليه الحج، وإن قلنا: إن عليه الحج كان قويا لأن إسلامه الأول لم يكن إسلاما عندنا لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يكفر، وإن لم يكن إسلاما لم يصح حجه وإذا لم يصح فالحجة باقية في ذمته. وأما ساير العبادات التي تفوته في حال الارتداد من الصلوة والزكوة وغيرهما فإنه يجب عليه القضاء في جميع ذلك، وكذلك ما كان فاته في حال إسلامه. ثم ارتد. ثم رجع إلى الاسلام يلزمه قضاؤه. ومتى أحرم المرتد في حال ارتداده. ثم أسلم استأنف الاحرام فإن إحرامه لم ينعقد فإن أحرم. ثم ارتد. ثم عاد إلى الاسلام جاز أن يبني عليه لأنه لا دليل على فساده إلا على ما استخرجناه في المسألة المتقدمة في قضاء الحج فإن على ذلك التعليل لم ينعقد إحرامه الأول أيضا غير أنه يلزم عليه إسقاط العبادات التي فاتته في حال الارتداد عنه لمثل ذلك لأنا إذا لم نحكم بإسلامه الأول فكأنه كان كافرا في الأصل وكافر الأصل لم يلزمه قضاء ما فاته في حال الكفر، وإن قلنا: بذلك كان خلاف المعهود من المذهب، وفي المسألة نظر، ولا نص فيها على المسألة عن الأئمة عليه السلام.

[ 306 ]

إذا أوصى الانسان بحجة تطوع أخرجت من الثلث فإن لم يبلغ الثلث ما يحج عنه من موضعه حج عنه من بعض الطريق فإن لم يمكن أن يحج به أصلا صرف في وجوه البر، ومن نذر أن يحج ثم مات قبل أن يحج ولم يكن أيضا حج حجة الاسلام أخرجت حجة الاسلام من صلب المال، وما نذر فيه من ثلثه فإن لم يكن له من المال إلا قدر ما يحج عند حجة الاسلام حج به. ويستحب لوليه أن يحج عنه ما نذر فيه، ومن وجب عليه حجة الاسلام فخرج لأدائها فمات في الطريق فإن كان قد دخل الحرم فقد أجزأه عنه، وإن لم يكن دخل الحرم فعلى وليه أن يقضي عنه حجة الاسلام من تركته، ومن أوصى أن يحج عنه كل سنة من وجه بعينه فلم يسع ذلك المال للحج في كل سنة جاز أن يجعل ما لسنتين لسنة واحدة، ومن أوصى أن يحج عنه، ولم يذكركم مرة ولا بكم من ماله حج عنه ما بقي من ثلثه بشئ يمكن أن يحج به عنه. * (فصل في ذكر أنواع الحج وشرايطها) * الحج على ثلاثة أضرب: تمتع بالعمرة إلى الحج، وقران، وإفراد. فالتمتع فرض من لم يكن من حاضري المسجد الحرام وهو كل من كان بينه وبين المسجد أكثر من اثني عشر ميلا من أربع جهاته فهؤلاء فرضهم التمتع مع الامكان، ولا يجزي عنهم القران والافراد، فإن لم يتمكنوا من ذلك جاز لهم القران والافراد عند الضرورة والقران والافراد فرض من كان حاضري المسجد الحرام، وهو كل من كان بينه، وبين المسجد الحرام من أربع جوانبه اثني عشر ميلا فما دونه فهؤلاء لا يجب عليهم التمتع على وجه، وإنما يجب عليهم أخد النوعين اللذين ذكرناهما فإن تمتع من قلناه من أصحابنا من قال: إنه لا يجزيه، وفيهم من قال: يجزيه وهو الصحيح لأن من تمتع قد أتى بالحج وبجميع أفعاله، وإنما أضاف إليه أفعال العمرة قبل ذلك، ولا ينافي ذلك ما يأتي به من أفعال الحج في المستقبل، وفي الناس من قال: المكي

[ 307 ]

لا يصح منه التمتع أصلا، وفيهم من قال: يصح ذلك منه غير أنه لا يلزمه دم المتعة وهو الصحيح لقوله تعالى " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " يعني الهدي الذي تقدم ذكره قبل هذا الكلام بلا فصل. وشروط التمتع خمسة بلا خلاف، والسادس فيه خلاف. فالخمسة: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويحج من سنته ويحرم بالحج من جوف مكة، ولا يكون من حاضري المسجد الحرام، ويحرم بعمرته من الميقات، والسادس النية وفيها خلاف فعندنا أنها شرط في التمتع، والأفضل أن يكون مقارنة للاحرام فإن فاتت جاز تجديدها إلى وقت التحلل فإذا فعل العمرة في غير أشهر الحج بتمامها أو فعل معظم أفعالها أو أحرم في غيرها وأتى بباقي أفعالها من الطواف والسعي في أشهر الحج لا يكون متمتعا ولا يلزمه دم ومن أحرم في أشهر الحج ثم حج من القابل لا يكون متمتعا ولا يلزمه دم بلا خلاف وإذا أحرم التمتع بالحج من مكة ومضى إلى الميقات ومنه إلى عرفات كان ذلك صحيحا، ويكون الاعتداد بالاحرام من عند الميقات، ولا يلزمه دم، والمكي ليس فرضه التمتع بلا خلاف، وهل يصح منه التمتع؟ فيه خلاف، وقد بينا المذهب فيه. وشرايط القارن والمفرد على حد سواء وهي أربعة: أحدها: أن يحرم في أشهر الحج. وثانيها: أن يحرم من ميقات أهله إن لم يكن مكيا وإن كان مكيا فمن دويرة أهله. وثالثها: أن يحج من سنته. ورابعها: النية. وأفعال الحج على ضربين: مفروض ومسنون في الأنواع الثلاثة. والمفروض على ضربين: ركن وغير ركن. فأركان المتمتع عشرة: النية و الاحرام من الميقات في وقته، وطواف العمرة، والسعي بين الصفا والمروة لها، والاحرام بالحج من جوف مكة، والنية له، والوقوف بالعرفات، والوقوف بالمشعر، وطواف الزيارة، والسعي للحج، وما ليس بركن فثمانية أشياء: التلبيات الأربع مع الامكان

[ 308 ]

أو ما يقوم مقامها مع العجز، وركعتا طواف العمرة، والتقصير بعد السعي والتلبية عند الاحرام بالحج أو ما يقوم مقامها، والهدي أو ما يقوم مقامه من الصوم مع العجز وركعتا طواف الزيارة وطواف النساء، وركعتا الطواف له. وأركان القارن والمفرد ستة: النية، والاحرام، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمشعر، وطواف الزيارة والسعي. وما ليس بركن فيهما أربعة أشياء: التلبية أو ما يقوم مقامها من تقليد أو إشعار وركعتا طواف الزيارة، وطواف النساء، وركعتا الطواف له، ويتميز القارن من المفرد بسياق الهدي. ويستحب لهما تجديد التلبية عند كل طواف، ومن جاور بمكة سنة واحدة أو سنتين جاز له أن يتمتع فيخرج إلى الميقات ويحرم بالحج متمتعا فإن جاور بها ثلاث سنين لم يجز له ذلك. ومن كان من أهل مكة وحاضريها. ثم نأى عن منزله إلى مثل المدينة أو غيرها من البلاد. ثم أراد الرجوع إلى مكة، وأراد أن يحج متمتعا جاز له ذلك. فإن كان له منزل بمكة ومنزل في غير مكة فإن كان مقامه في أحدهما أكثر كان حكمه حكمه وإن كان مقامه فيهما سواء صح منه الأنواع الثلاثة. ثم ينظر فإن أراد الاحرام من منزله الذي ليس من حاضريه أحرم متمتعا ولزمه دم، وإن أراد الاحرام من منزله بمكة أحرم إن شاء قارنا أو مفردا، وإن أحرم متمتعا صح على ما قلناه غير أنه لا يلزمه دم، ومن جاء إلى مكة متمتعا، وفي نيته المقام بعد الفراغ لا يكون من الحاضرين ويلزمه دم الهدي. المكي إذا انتقل إلى غيرها من البلدان ثم جاء متمتعا لم يسقط عنه الدم، و إن كان من غيرها وانتقل إلى مكة. فإن أقام بها ثلاث سنين فصاعدا كان من الحاضرين وإن كان أقل من ذلك كان حكمه حكم أهل بلده على ما قلناه. وأشهر الحج شوال وذو القعدة وإلى يوم النحر قبل طلوع الفجر منه، وإذا طلع الفجر فقد مضى أشهر الحج، ومعنى ذلك أنه لا يجوز أن يقع إحرامه بالحج إلا فيه.

[ 309 ]

والاحرام العمرة التي يتمتع بها إلى الحج إلا فيها، وأما إحرام العمرة المبتولة (1) فجميع السنة وقت له، وأقل ما يكون بين عمرتين عشرة أيام ولا يكره العمرة في شئ من أيام السنة ولا يجوز إدخال العمرة على الحج، ولا إدخال الحج على العمرة، و معنى ذلك أنه إذا أحرم بالحج لا يجوز أن يحرم بالعمرة قبل أن يفرغ من مناسك الحج وكذلك إذا أحرم بالعمرة ولا يجوز أن يحرم بالحج حتى يفرغ من مناسكها فإن فاته وقت التحلل مضى على إحرامه وجعلها حجة مفردة ولا يدخل أفعال العمرة في أفعال الحج. المتمتع إذا أحرم بالحج من خارج مكة وجب عليه الرجوع إليها مع الامكان فإن تعذر ذلك لم يلزمه شئ وتم حجه، ولا دم عليه سواء أحرم من الحل أو الحرم. والمفرد والقارن إذا أرادا أن يأتيا بالعمرة بعد الحج وجب عليهما أن يخرجا إلى خارج الحرم ويحرما منه فإن أحرما من جوف مكة لم يجزءهما فإن خرج بعد إحرامه من مكة إلى خارج الحرم. ثم عاد كان إحرامه من وقت خروجه إلى الحل فإذا عاد وطاف وسعى قصر وتمت عمرته، وإن لم يخرج وطاف وسعى لم يكن ذلك عمرة لأنه لا دليل عليه ولا يجبر ذلك بدم لما قلناه من أنه لا دليل عليه. والمستحب لهما أن يأتيا بالاحرام من الجعرانة (2) لأن فيها أحرم النبي صلى الله عليه آله فإن فاته فمن التنعيم (3). وكيفية أفعال المتمتع أن يبدأ فيوفر شعر رأسه ولحيته من أول ذي القعدة، ولا

(1) المبتولة: المقطوعة، والمراد المقطوعة عن الحج: أي المفردة.
(2) الجعرانة بتسكين العين والتخفيف وقد تكسر وتشدد الراء: هي موضع بين مكة و الطائف على سبعة أميال من مكة، وهي أحد حدود الحرم وميقات للاحرام. سميت باسم ريطة بنت سعد وكانت تلقب بالجعرانة، وهي التي أشار إليها قوله تعالى " كالتي نقضت غزلها " مجمع البحرين (3) التنعيم: موضع قريب من مكة، وهو أقرب إلى أطراف الحل إلى مكة، ويقال، بينه وبين مكة أربعة أميال، ويعرف بمسجد عايشة مجمع البحرين.

[ 310 ]

يمس شيئا منهما فإذا انتهى إلى ميقات بلده أحرم بالحج متمتعا، ومضى إلى مكة فإذا شاهد بيوت مكة قطع التلبية. فإذا دخل المسجد الحرام طاف بالبيت سبعا، وصلى عند المقام ركعتين. ثم خرج إلى السعي فسعى بين الصفا والمروة سبعا، وقصر من شعر رأسه، وقد أحل من جميع ما أحرم منه من النساء، والطيب وغير ذلك إلا الاصطياد لكونه في الحرم. فإذا كان يوم التروية عند الزوال صلى الظهر والعصر وأحرم بالحج ومضى إلى منى وبات بها. ثم غدا منها إلى عرفات فيصلي بها الظهر والعصر ووقف إلى غروب الشمس. ثم أفاض إلى المشعر الحرام فوقف بها تلك الليلة فإذا أصبح يوم النحر غدا منها إلى منى وقضى مناسكه هناك. ثم مضى يوم النحر أو من الغد لا يؤخر ذلك إلى مكة، ويطوف بالبيت طواف الحج، ويصلي ركعتي الطواف، ويسعى، وقد فرغ من مناسكه كلها، وحل له كل شئ إلا النساء والصيد. ثم يطوف طواف النساء أي وقت شاء مدة مقامه بمكة فإذا طاف حلت له النساء وعليه هدي واجب، وهو نسك ليس يجيز أن ينحره إلا بمنى يوم النحر. فإن لم يتمكن منه كان عليه صيام عشرة أيام تامة في الحج يوم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة، وسبعة إذا رجع أهله. والمتمتع إذا أهل بالحج وجب عليه الهدي فإن فقده أو فقد ثمنه جاز له أن ينتقل إلى الصوم، وإن كان واجدا له في بلده غير أنه إذا كان واجدا له لم يجز له إخراجه إلا يوم النحر فإن ذبح قبله لا يجزيه. وإذا صام بعد أيام التشريق يكون أداء ولا يسمى قضاء لأنه لا دليل عليه، ويستقر الهدي في ذمته بهلال المحرم. إذا أحرم بالحج ولم يكن صام. ثم وجد الهدي لم يجز له الصوم فإن مات وجب أن يشتري الهدي من تركته من أصل المال لأنه دين لله عليه، وقد قلنا: إنه يستقر الهدي في ذمته بهلال المحرم فإن عاد إلى وطنه قبل الهلال ولم يصم الثلاثة لا بمكة ولا في طريقة صام العشرة في وطنه الثلاثة متتابعة، والسبعة إن شاء متتابعة وإن شاء متفرقة. فإن تابع العشرة كان أفضل. فإن مات بعد تمكنه من الصيام كان على وليه أن يصوم عنه أو يتصدق، وإن مات قبل تمكنه من الصيام لا يجب ذلك.

[ 311 ]

والقارن هو الذي يقرن بإحرامه بالحج مفردا سياق الهدي، وعليه أيضا أن يحرم من ميقات أهله ويسوق الهدي يشعره من موضع الاحرام يشق سنامه، ويلطخه بالدم، ويعلق في رقبته نعلا كان يصلي فيه ويسوق معه إلى منى، ولا يجوز له أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، وإن أراد دخول مكة جاز له ذلك لكنه لا يقطع التلبية. وإن أراد الطواف بالبيت تطوعا فعل إلا أنه كلما طاف بالبيت لبى عند فراغه من الطواف ليعقد إحرامه بالتلبية لأنه إن يفعل ذلك كان محلا ويبطل حجته وتصير عمرة. وقد بينا أنه ليس له أن يحل حتى يبلغ الهدي محلة من يوم النحر ثم يقضي مناسكه كلها من الوقوف بالموقفين والمناسك بمنى ثم يعود إلى مكة ويطوف بالبيت وسبعا، ويسعى مثل ذلك بين الصفا والمروة ثم يطوف طواف النساء وقد أحل من كل شئ أحرم منه، وعليه العمرة بعد ذلك، والمتمتع يسقط عنه فرض العمرة لأنها دخلت في الحج، والمفرد عليه ما على القارن سواء لا يختلف حكمها في شئ من مناسك الحج، وإنما يتميز القارن بسياق الهدي فقط، ولا يجوز لهما معا قطع التلبية إلا بعد الزوال من يوم عرفة، وليس عليهما الهدي، ويستحب لهما الأضحية وإن لم تكن واجبة. * (فصل: في ذكر المواقيت وأحكامها) * لا ينعقد الاحرام إلا من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، ومتى أحرم قبل الميقات لم ينعقد إحرامه ويحتاج إلى استينافه من الميقات إلا أن يكون قد نذر ذلك فإنه يجب عليه الوفاء به ويحرم من المواضع الذي نذر، وروي جواز الاحرام قبل الميقات لمن أراد عمرة رجب وقد قارب بعضه ليحصل له بذلك ثواب عمرة (1). ومتى منع مانع من الاحرام عند الميقات فإذا زال المنع أحرم من الموضع الذي انتهى إليه.

(1) روي في الكافي ج 4 ص 323 باب من أحرم دون الوقت الرقم 9 عن عمار عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الرجل يجئ معتمرا عمرة رجب فيدخل عليه هلال شعبان قبل أن يبلغ الوقت، يحرم قبل الوقت ويجعلها للرجب أو يؤخر الاحرام إلى العقيق، ويجعلها لشعبان؟ قال، يحرم قبل الوقت فيكون لرجب لأن لرجب فضله وهو الذي نوى. قال المجلسي رحمه الله -: قوله: هو الذي نوى: أي كان مقصوده أدراك فصل رجب أو المدار على النية إلى الاحرام.

[ 312 ]

ومن أحرم قبل الميقات وأصاب صيدا لم يكن عليه شئ، ومن أخر إحرامه عن الميقات متعمدا أو ناسيا وجب عليه أن يرجع فيحرم منه إن أمكنه وإن لم يمكنه الرجوع لضيق الوقت وكان تركه عامدا فلا حج له، وقد قيل: إنه يجبره بدم، وقد تم حجة، وإن كان تركه ناسيا فأحرم من موضعه فإن دخل مكة وذكر أنه لم يحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات لضيق الوقت أو الخوف فإن أمكنه الخروج إلى خارج الحرم خرج وأحرم منه وإن لم يمكنه أحرم من موضعه وليس عليه شئ. والمواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله خمسة: لأهل العراق ومن حج على طريقهم العقيق، وله ثلاثة مواضع: أولها المسلخ (1) وهو أفضلها، وينبغي ألا يؤخر الاحرام منها إلا لضرورة، وأوسطه غمرة (2)، وآخره ذات عرق، ولا يجعل إحرامه من ذات عرق (3) إلا لضرورة أو تقية، ولا يتجاوز ذات عرق إلا محرما. ووقت لأهل المدينة، ومن حج على طريقهم الحليفة، وهو مسجد الشجرة مع الاختيار، وعند الضرورة الجحفة، ولا يجوز تأخيره عن الجحفة، ومن خرج على طريق المدينة كره له أن يرجع إلى طريق العراق ليحرم من الميقات العقيق (4). ووقت لأهل الشام الجحفة وهي المهيعة (5) ولأهل الطايف قرن المنازل و (6)

(1) والمسلخ بفتح الميم وكسرها: أول وادي العقيق من جهة العراق، وضبطه بعض اللغويين بالحاء المهملة.
(2) غمرة: وهو مكان بينه وبين العقيق أربعة وعشرون ميلا.
(3) ذات عرق: أول تهامة وآخر العقيق وهو عن مكة نحوا من مرحلتين مجمع البحرين.
(4) العقيق: وهو مكان دون المسلخ بستة أميال مما يلي العراق.
(5) المهيعة: ميقات أهل الشام وأهل المغرب، وهي أحد المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، وأرض مهيعة: مبسوطة، وبها كانت تعرف فلما ذهب السيل بأهلها سميت جحفة مجمع.
(6) قال في المجمع: والقرن: موضع وهو ميقات أهل نجد، ومنه أويس القرني، و يسمى أيضا قرن المنازل.

[ 313 ]

لأهل اليمن يلملم، وقيل: الململم. ومن كان منزله دون هذه المواقيت إلى مكة فميقاته منزله، وأبعد هذه المواقيت إلى مكة ذو الحليفة لأنها على ميل من المدينة، وبينها وبين مكة عشرة مراحل، و بعدها الجحفة يليها في البعد، والثلاثة الأخر: يلملم وقرن المنازل وذات عرق على مسافة واحدة، ولا خلاف أن هذه المواقيت تثبت توقيفا إلا ذات عرق فإن في ذلك خلافا بين الفقهاء وعندنا أنها تثبت سنة. كل من مر على ميقات وجب عليه أن يهل منه، ولا يلزمه ميقات أهل بلده بلا خلاف فإن قطع الطريق بين الميقاتين أو على طريق البحر نظرا إلى ما يغلب في ظنه أنه يحاذي أقرب المواقيت إليه فيحرم منه. والمواقيت في الحج على اختلاف ضروبه، والعمرة المفردة على حد واحد بلا خلاف. وقد قلنا: إن من أراد الحج أو العمرة أحرم من الميقات فإن جازه محلا رجع إليه مع الامكان، وكذلك إن جازه غير مريد للحج ولا العمرة. ثم تجددت له نية الحج أو العمرة رجع إليه فأحرم منه مع الامكان فإن لم يمكنه أحرم من موضعه. المجاور بمكة إذا أراد الحج أو العمرة يخرج إلى ميقات أهله إن أمكنه فإن لم يمكنه خرج إلى خارج الحرم مع الامكان، ولا يتغير الميقات يتغير البنيان وخرابها وابتنائها في غير موضعها، ومن جاء إلى الميقات ولم يتمكن من الاحرام لمرض أو غيره أحرم عنه وليه وجنبه ما يجتنبه المحرم وقد تم إحرامه. الحايض والنفساء إذا جاء إلى الميقات اغتسلا وأحرما منه وتركا صلاة الاحرام وتجرد الصبيان من فخ إذا أريد الحج بهم ويجتنبون ما يجتنبه المحرم، ويفعل بهم جميع ما يفعل به. وإذا فعلوا ما يجب فيه الكفارة كان على أوليائهم أن يكفروا عنهم. فإن كان الصبي لا يحسن التلبية أو لا يتأتى له لبى عنه وليه، وكذلك يطوف به، ويصلي عنه إذا لم يحسن ذلك، وإن حج بهم متمتعين وجب أن يذبح عنهم إذا كانوا صغارا و

[ 314 ]

إن كانوا كبارا جاز أن يؤمرا بالصيام وينبغي أن يوقفوا بالموقفين معا ويحضروا المشاهد كلها، ويرمى عنهم ويناب عنهم في جميع ما يتولاه البالغ بنفسه، وإذا لم يوجد لهم هدي، ولا يقدرون على الصوم كان على وليهم أن يصوم عنهم. * (فصل: في ذكر كيفية الاحرام) * الاحرام ركن من أركان الحج أو العمرة من تركه متعمدا فلا حج له وإن تركه ناسيا كان حكمه ما ذكرناه في الباب الأول إذا ذكر فإن لم يذكر أصلا حتى يفرغ من جميع مناسكه فقد تم حجه أو عمرته ولا شئ عليه إذا كان قد سبق في عزمه الاحرام. ومتى أراد أن يحرم متمتعا فإذا انتهى إلى الميقات تنظف وقص أظفاره وأخذ شيئا من شاربه ولا يمس شعر رأسه، ولا يزيل الشعر من جسده وتحت إبطيه وإن تنظف أو أطلى قبل الاحرام بيوم أو يومين إلى خمسة عشر يوما كان جايزا، وإعادة ذلك في الحال أفضل. ويستحب له أن يغتسل عند الاحرام فإن لم يجد ماء تيمم ويلبس ثوبي إحرامه يأتزر بأحدهما ويتوشح بالآخر أو يرتدي به، ويجوز أن يغتسل قبل الميقات إذا خاف عوز الماء وأن يلبس قميصه وثيابه. فإن انتهى إلى الميقات نزع ثيابه ولبس ثوبي إحرامه، وإن لبس الثوبين من موضع الاغتسال كان أيضا جايزا، وإن وجد الماء عند الاحرام أعاد الغسل استحبابا. ومن اغتسل بالغداة أجزأه غسله ليومه أي وقت أحرم فيه، وكذلك إذا اغتسل أول الليل أجزأه إلى آخر الليل ما لم ينم. فإن نام استحب له إعادة الغسل إلا أن يكون عقد الاحرام بعد الغسل. وإذا اغتسل للاحرام. ثم أكل طعاما لا يجوز للمحرم أكله أو لبس ثوبا لا يجوز لبسه استحب له إعادة الغسل. ويجوز للمحرم أن يلبس أكثر من ثوبي إحرامه ثلاثة أو أربعة أو ما زاد يتقي بذلك الحر أو البرد، ويجوز أيضا أن يغير ثيابه وهو محرم، فإذا دخل مكة و أراد الطواف طاف في ثوبيه اللذين أحرم فيهما، وفضل الأوقات التي يحرم فيها عند

[ 315 ]

الزوال، ويكون ذلك بعد فريضة الظهر فإن اتفق أن يكون في غير هذا الوقت جاز. والأفضل أن يكون عقيب فريضة فإن لم يكن وقت فريضة صلى ست ركعات من النوافل وأحرم في دبرها، فإن لم يتمكن من ذلك أجزأته ركعتان يقرأ في الأولى منهما بعد التوجه الحمد وقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد ثم يحرم عقيبهما بالتمتع بالعمرة إلى الحج فيقول: اللهم إني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله فإن عرض لي عارض يحبسني فحلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت علي اللهم إن لم تكن حجة فعمرة أحرم لك شعري وجسدي وبشري من النساء والطيب والثياب أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة، و إن كان قارنا قال: اللهم إني أريد ما أمرت به من الحج قارنا، وإن كان مفردا ذكر ذلك. ومن أحرم من غير صلاة أو غسل كان إحرامه منعقدا غير أنه يستحب له إعادة الاحرام بصلاة وغسل. ويجوز أن يصلي صلوة الاحرام أي وقت كان من ليل أو نهار ما لم يكن وقت فريضة قد تضيق فإن تضيق الوقت بدء بالفرض. ثم بصلاة الاحرام، وإن كان أول الوقت بدء بصلاة الاحرام ثم بصلاة الفرض. ويستحب له أن يشرط في الاحرام إن لم يكن حجة فعمرة وأن يحله حيث حبسه سواء كانت حجته تمتعا أو قرأنا أو إفرادا وكذلك في إحرام العمرة لا يسقط عنه فرض الحج في العام المقبل فإن من حج حجة الاسلام فاحضر لزمه الحج من قابل وإن كان تطوعا لم يلزمه ذلك، ويجوز أن يأكل لحم الصيد وينال النساء، ويشم الطيب بعد الاحرام ما لم يلب فإذا لبا حرم عليه جميع ذلك لأن الاحرام لا ينعقد تطوعا إلا بالتلبية أو سياق الهدي أو الاشعار أو التقليد فإنه إذا فعل شيئا من ذلك فقد انعقد إحرامه، والاشعار أن يشق سنام البعير من الجانب الأيمن فإن كانت بدنا كثيرة جاز له أن يدخل بين كل بدنتين ويشعر أحدهما من الجانب الأيمن، والأخرى من الجانب الأيسر ويشعرها وهي باركة وينحرها وهي قائمة، ويكون التقليد بنعل قد صلى فيه

[ 316 ]

ولا يجوز الاشعار إلا في البدن. وأما البقر والغنم فليس فيهما غير التقليد. وإذا أراد المحرم أن يلبي فإن كان حاجا في طريق المدينة فالأفضل أن يلبي إذا أتى البيداء عند الميل إن كان راكبا، وإن لبى من موضعه كان جايزا. والماشي يجوز له أن يلبي من موضعه على كل حال، وإن كان على غير طريق المدينة لبى من موضعه إن شاء وإن مشى خطوات. ثم لبا كان أفضل. والتلبية فريضة ورفع الصوت بها سنة مؤكدة للرجال دون النساء. والمفروض الأربع تلبيات: وهي قولك: لبيك اللهم لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك، وما زاد عليها سنة وفضيلة، وأفضل ما يذكره في التلبية الحج والعمرة معا فإن لم يمكنه لتقية أو غيرها واقتصر على ذكر الحج. فإذا دخل مكة طاف وسعى وقصر وجعلها عمرة كان أيضا جايزا، وإن لم يذكر لا حجا ولا عمرة ونوى التمتع جاز، وإن لبى بالعمرة وحدها ونوى التمتع كان جايزا، وإذا لبى بالتمتع ودخل مكة وطاف وسعى ثم لبى بالحج قبل أن يقصر بطلت متعته وصارت حجة مبتولة إذا فعل ذلك متعمدا، وإن فعله ناسيا مضى فيما أخذ فيه و تمت متعته. ومتى لبى بالحج مفردا ودخل مكة فطاف وسعى جاز له أن يقصر ويجعلها عمرة ما لم يلب بعد الطواف فإن لبا بعده فليس له متعة ومضى في حجة. ومتى نوى العمرة ولبى بالحج أو نوى الحج ولبى بالعمرة أو نواهما ولبى بأحدهما أو نوى أحدهما ولبى بهما كان ما نواه دون ما تلفظ وإن تلفظ به ولم ينو شيئا لم ينعقد إحرامه كل هذا لا خلاف فيه. إذا أحرم منهما ولم ينو شيئا لا حجا ولا عمرة كان مخيرا بين الحج والعمرة أيهما شاء فعل إذا كان في أشهر الحج، وإن كان في غيرها فلا ينعقد إحرامه إلا بالعمرة وإن أحرم وقال: إحراما كإحرام فلان. فإن علم بماذا أحرم فلان من حج أو عمرة قران أو إفراد أو تمتع عمل عليه

[ 317 ]

وإن لم يعلم ذلك بأن يهلك فلان فليتمتع احتياط للحج والعمرة، وإنما قلنا: بجواز ذلك لإحرام أمير المؤمنين عليه السلام حين جاء من اليمن وقال: إهلالا كإهلال نبيك، وأجازه النبي صلى الله عليه وآله وإن بان له أن فلانا ما أحرم أصلا كان إحرامه موقوفا إن شاء حج وإن شاء اعتمر. ومن أحرم ونسي بماذا أحرم كان بالخيار إن شاء حج وإن شاء اعتمر لأنه لو ذكر أنه أحرم بالحج جاز له أن يفسخ ويجعله عمرة على ما قدمناه، متى أحرم بهما فقد قلنا: إنه لا يصح ويمضي في أيهما شاء، وكذلك إن شك هل أحرم بهما أو بأحدهما؟ فعل أيهما شاء. ويستحب للمحرم التلبية في كل حال قائما وقاعدا وراكبا وماشيا وعند الصعود والنزول، وفي جميع الأحوال ليلا كان أو نهارا بلا خلاف طاهرا أو جنبا و ينبغي ألا يتخلل بين التلبيات الأربع كلام فإن سلم عليه جاز أن يرد الجواب. ويستحب الاكثار من قول: لبيك ذي المعارج لبيك، وتلبية الأخرس تحريك لسانه وإشارته بالأصبع، ولا يقطع المتمتع التلبية إلا إذا شاهد بيوت مكة، وإن كان قارنا أو مفردا قطعها يوم عرفة عند الزوال، وإن كان معتمرا قطعها إذا وضعت الإبل أخفافها في الحرم. فإن كان المعتمر خرج من مكة ليعتمر قطعها إذا شاهد الكعبة. * (فصل: فيما يجب على المحرم اجتنابه) * قد بينا أن الاحرام لا ينعقد إلا بالتلبية أو الاشعار أو التقليد. فإذا عقده بشئ من ذلك حرم عليه لبس المخيط من الثياب، ويحرم عليه وطئ النساء ومباشرتهن بشهوة، ويحرم عليه العقد عليهن لنفسه ولغيره فمتى عقد على امرأة لنفسه أو لغيره كان العقد باطلا، ولا يجوز له أن يشهد أيضا على عقد فإن شهد لم يفسد بذلك العقد لأن العقد ليس من شرطه الشهادة عندنا فإن أقام الشهادة بذلك لم يثبت بشهادة النكاح إذا كان تحملها وهو محرم إذا حصل العقد وأشكل الأمر فلم يعلم هل كان في حال الاحرام أو في حال الحلال؟ فالعقد صحيح، والأحوط تجديد العقد.

[ 318 ]

فإن كان اختلفا فقال الزوج: عقدت حلالا، وقالت المرأة كنت محرما. فالقول قول الرجل لأنه أعرف بحال نفسه، وهي مدعية في كونه محرما فعليها البينة ولا يلزمه البينة لأنها أقرت له بالعقد وادعت عليه ما يفسده فاحتاجت إلى بينة. فإن ادعت المرأة أنها كانت محرمة وأنكر الرجل كان الحكم مثل ذلك لأنها أقرت بالعقد وادعت ما يفسده فاحتاجت إلى بينة فإن ادعى الرجل أنه كان محرما وادعت هي أنه كان محلا فعلى الرجل البينة لأنه أقر بالعقد وادعى ما يفسده ليسقط عن نفسه فرض الزوجية من المهر وغيره فعليه البينة غير أنه يحكم عليه بتحريم وطئها لأنه أقر بأن ذلك حرام عليه. وأما المهر فإنه يلزمه نصفه إن كان قبل الدخول وإن كان بعده لزمه كله. إذا وكل محرم محلا في النكاح فعقد له الوكيل فإن كان ذلك في حال إحرام الموكل كان العقد فاسدا، وإن كان ذلك بعد أن تحلل الموكل صح النكاح لأن العقد وقع في حال الاحلال. ويكره للمحرم أن يخطب امرأة للعقد، وكذلك إن كانت هي محرمة و هو محل. إذا وطئ العاقد في حال الاحرام لزمه المهر فإن كان قد سمى لزمه ما سمى، و إن لم يكن قد سمى لزمه مهر المثل ويلحق به الولد، ويفسد حجه إن كان قبل الوقوف بالموقفين وتلزمها العدة وإن لم يدخل بها لم يلزمه شئ من ذلك، ولا بأس أن يراجع امرأته وهو محرم سواء طلقها في حال الحلال أو في حال الاحرام. فإذا تزوج امرأة وهو محرم فرق بينهما ولا يحل له أبدا إذا كان عالما بتحريم ذلك فإن لم يكن عالما به جاز له أن يعقد عليها بعد الاحلال. والمحرم إذا عقد لغيره كان العقد فاسدا. ثم نظر فيه فإن كان المعقود له محرما أو دخل بها لزم العاقد بدنة. ويجوز مفارقة النساء بساير أنواع الفرقة. ويجوز له شراء الجواري غير أنه لا يجوز الاستمتاع بهن.

[ 319 ]

ويحرم عليه الطيب على اختلاف أجناسه، وأغلظها خمسة أجناس المسك و العنبر والزعفران والعود، وقد ألحق بذلك الورس (1)، وأما خلوق الكعبة فإنه لا بأس به. ويحرم عليه التطيب بالطيب وأكل طعام يكون فيه شئ من الطيب ومسه ومباشرته فأن اضطر إلى أكل طعام يكون فيه طيب أكله وقبض على أنفه. ولا بأس بالسعوط وإن كان فيه طيب عند الحاجة إليه. وإذا أصاب ثوبه طيب أزاله. وإذا اجتاز في موضع يباع فيه الطيب لم يكن عليه شئ. فإن باشره بنفسه أمسك على أنفه منه، ولا يمسك على أنفه من الروائح الكريهة. وأما الرياحين الطيبة فمكروه استعمالها غير أنها لا تلحق في الخطر بما قدمناه، ولا يجوز له الصيد، ولا الإشارة إليه، ولا أكل ما صاده غيره ولا ذبح شئ من الصيد فإن ذبحه كان حكمه حكم الميتة لا يجوز لأحد الانتفاع به. وأفضل ما يحرم فيه من الثياب ما كان قطنا محضا فإن كانت غير بيض كان جايزا إلا إذا كانت سودا فإنه لا يجوز الاحرام فيها أو يكون مصبوغة بصبغ فيه طيب مثل الزعفران والمسك وغيرهما، وإذا صبغ بصبغ فيه طيب وذهبت رايحته لم يكن به بأس، وكذلك إن أصاب ثوبه طيب وذهبت رايحته جاز الاحرام فيه. ويكره الاحرام في الثياب المصبوغة مثل المعصفر، وما أشبهه لأجل الشهرة، و ليس ذلك بمحظور، وكل ما تجوز الصلوة فيه من الثياب يجوز الاحرام فيه، وما لا تجوز الصلوة فيه لا يجوز الاحرام فيه مثل الخز المغشوش بوبر الأرانب والثعالب والابريسم المحض وغير ذلك، ولا ينبغي أن يحرم إلا في ثياب طاهرة نظيفة فإن توسخت بعد الاحرام فلا

(1) الورس: صبغ يتخذ منه الحمرة للوجه، وهو كذلك نبات كالسمسم ليس إلا باليمن. مجمع البحرين. -

[ 320 ]

يغسلها إلا إذا أصابتها شئ من النجاسة ولا بأس أن يستبدل بثيابه في حال الاحرام غير أنه إذا طاف لا يطوف إلا فيما أحرم فيه، ويجوز أن يلبس طيلسانا له إزرار غير أنه لا يزره على نفسه، ويكره له النوم على الفرش المصبوغة، وإذا لم يكن معه ثوبا الاحرام، و كان معه قباء لبسه مقلوبا، ولا يدخل يديه في كمي القباء، ولا يلبس السراويل إلا إذا لم يجده جاز له لبسه، ويكره له لبس الثياب المعلمة بالابريسم. ولا يلبس الخاتم للزينة، ويجوز لبسه للسنة، ولا يجوز له لبس الخفين بل يلبس نعلين. فإن لم يجد النعلين لبس الخفين عند الضرورة، وشق ظهر قدمهما، ولا يلبس الشمشك على كل حال. ويحرم عليه الرفث وهو الجماع وكذلك مباشرتهن وملامستهن بشهوة وتقبيلهن على كل حال، ويجوز لمسهن من غيره شهوة. ويحرم عليه الفسق، وهو الكذب والجدال وهو قول الرجل: لا والله وبلى والله. ولا يجوز له قتل شئ من القمل والبراغيث وما أشبههما ولا ينحيها عن بدنه، ولا بأس أن ينحي عن نفسه القراد والحلمة. ويجوز له استعمال الحناء للتداوي، ويكره ذلك للزينة. ويحرم على المرأة في حال الاحرام جميع ما يحرم على الرجل، ويحل لها، ما يحل له، وقد رخص لها في القميص والسراويل، وليس عليها رفع الصوت بالتلبية ولا كشف الرأس وإحرامها في وجهها. ويجوز لها أن تسدل على وجهها ثوبا اسدالا وتمنعه بيديها من أن يباشر وجهها أو يخشيه فإن باشر وجهها الثوب الذي تستدله متعمدة كان عليها دم. ولا يجوز لها أن تنتقب. ولا يجوز لها لبس القفازين (1) ولا شئ من الحلي التي لم تجر عادتها به. فأما ما كانت تعتاد لبسه. فلا بأس به غير أنها لا تظهره لزوجها، ولا تقصد به الزينة.

(1) القفازين يا لضم والتشديد: شئ يعمل لليدين.

[ 321 ]

ويكره لها لبس الثياب المصبوغة المفدمة، ويجوز لها لبس الخاتم وإن كان من ذهب. ويجوز للحايض أن تلبس تحت ثيابها غلالة تقي ثيابها من النجاسات، ويكره لها الخضاب إذا قاربت حال الاحرام. ويجوز للرجل والمرأة إذا كانا محرمين أن يكتحلا بالسواد إلا عند الضرورة. ويجوز لهما الاكتحال بغير السواد إلا إذا كان فيه طيب فإنه لا يجوز على حال. ولا يجوز للمحرم والمحرمة النظر في المرآة، ولا استعمال التي فيها طيب قبل أن يصير محرما إذا كان مما تبقى رائحته إلى بعد الاحرام، وما ليس بطيب يجوز له الادهان به ما لم يلب فإذا لبى حرم عليه الادهان بساير أنواع الدهن إلا عند الضرورة إلى ذلك فيدهن حينئذ بما ليس بطيب مثل الشيرج والسمن. فأما أكلهما فلا بأس به على كل حال. الدهن والطيب إذا زالت رائحته جاز استعماله، ولا يجوز للمحرم أن يحتجم إلا عند الضرورة، ولا إزالة شئ من الشعر عن موضعه ما دام محرما. فإن اضطر إلى ذلك بأن يريد أن يحتجم ولا يمكنه إلا بإزالة الشعر عن موضعه جاز أن يزيله ولا شئ عليه. ولا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه فإن غط رأسه ناسيا ألقى القناع عن رأسه و جدد التلبية، ولا شئ عليه، ولا بأس أن يغطي وجهه ويعصب رأسه عند الحاجة إليه. ولا يجوز للمحرم أن يظلل على نفسه إلا عند الضرورة، ويجوز له أن يمشي تحت الظلال، ويعقد في الخباء والخيم والبيوت، وإن كان مزاملا لعليل ظلل على العليل ولا يظلل على نفسه، وقد رخص في الظلال للنساء، والأفضل تجنبه على كل حال، ومن يشق عليه كشف الظلال فداه بدم وظلل. ولا يحك المحرم جلده حكا يدميه، ولا يستاك سواكا يدمي فاه، ولا يدلك وجهه ولا رأسه في الوضوء والغسل لئلا يسقط شئ من شعره، ولا يجوز له قص الأظافر.

[ 322 ]

ويكره له دخول الحمام فإن دخله فلا يدلك جسده بل يصب عليه الماء صبا. وإذا مات المحرم غسل كتغسيل الحلال، ويكفن تكفينه، ولا يقرب شيئا من الكافور. ويكره للمحرم أن يلبي من دعاه بل يجيبه بغير التلبية. ولا يجوز للمحرم لبس الصلاح إلا عند الضرورة. ويجوز له أن يؤدب غلامه وخادمه وولده غير أنه لا يزيد على عشرة أسواط. يجوز للمحرم أن يلبس المنطقة ويستند على وسطه الهميان لأنه لا مانع منه. * (فصل: في ذكر الاستيجار للحج) * يجوز الاستيجار للحج لمن عجز عن القيام بنفسه، ويجوز استيجاره من الميت وتصح النيابة فيه. ثم ينظر في المستأجر فإن مات بعد ذلك سقط فرضه وإن صلح وجب عليه القضاء بنفسه، ويلزم الأجرة بالعقد ويستحقها الأجير، ولا يلزمه أن يرد ما فضل، وإن نفدت نفقته استحب للمستأجر أن يتمه، وليس بواجب ذلك عليه ويثاب على فعله من المناسك، ولا يحرم إلا من الميقات فإن شرط عليه أن يحرم قبل الميقات لم يلزمه ذلك لأنه باطل. ومتى فعل من محظورات الاحرام ما يلزمه به كفارة كان عليه في ماله من الصيد واللباس والطيب، وإن أفسد الحجة وجب عليه قضاؤها عن نفسه وكانت الحجة باقية عليه. ثم ينظر فيها فإن كانت معينة انفسخت الإجارة، ولزم المستأجر أن يستأجر من ينوب عنه فيها، وإن لم تكن معينة بل يكون في الذمة لم ينفسخ، وعليه أن يأتي بحجة أخرى في المستقبل عمن استأجره بعد أن يقضي الحجة التي أفسدها عن نفسه ولم يكن للمستأجر فسخ هذه الإجارة عليه، والحجة الأولى مفسودة لا تجزي عنه والثانية قضى بها عن نفسه، وإنما يقضي عن المستأجر بعد ذلك على ما بيناه. وإذا استأجره لا يخلو من أن يقول: استأجرتك لتحج عني في هذه السنة فإن قال: هذا فقد عين السنة فلا تصح الإجارة إلا بعد أن يكون الأجير على صفة يمكنه التلبس بالاحرام في أشهر الحج. فإن لم يمكنه ذلك بطل عقد الإجارة لأنه عقد على

[ 323 ]

ما لا يصح. فإذا عقد على وجه يصح منه الاحرام في أشهر الحج صح فإن خالف و خرجت السنة ولم يحرم انفسخت الإجارة لأن الوقت الذي عينه فقد فات. وإن استأجره بحجة في الذمة بأن يقول: استأجرتك على أن تحج عني صح العقد واقتضى التعجيل في هذا العام، وإن شرط التأجيل إلى عام أو عامين جاز فإذا وقع مطلقا فانقضت السنة قبل فعل الحج لم تبطل الإجارة لأن الإجارة في الذمة لا تبطل بالتأخير، وليس للمستأجر أن يفسخ هذه الإجارة لمكان التأخير فإذا أحرم في السنة الثانية كان إحرامه صحيحا عمن استأجره. إذا استأجر اثنان رجلا ليحج عنهما فأحرم عنهما لم يصح إحرامه عنهما، ولا عن واحد منهما لأن حجة واحدة لا يكون عن نفسين، وليس أحدهما أولى بها من صاحبه، ولا ينعقد عن نفسه لأنه ما نواها عن نفسه وانقلابها إليه لا دليل عليه. فإن أحرم الأجير عن نفسه وعمن استأجره لا ينعقد أيضا عنهما ولا عن واحد منهما لما قلناه أولا، وإذا أحصر الأجير كان له التحلل بالهدي ولا قضاء عليه لأنه لا دليل دالة على وجوبه عليه، والمستأجر على ما كان عليه إن كان متطوعا كان بالخيار، و إن كان وجب عليه حجة الاسلام لزمه أن يستأجر من ينوب عنه غير أنه يلزم الأجير أن يرد بمقدار ما بقي من الطريق أو يضمن الحج فيما يستأنفه ويتولاه بنفسه. إذا مات الأجير فإن كان قبل الاحرام وجب على ورثته أن يردوا جميع ما أخذ ولا يستحق شيئا من الأجرة لأنه لم يفعل شيئا من أفعال الحج، وإن كان بعد الاحرام لا يلزمه شئ وأجزت عن المستأجر، وسواء كان ذلك قبل استيفاء الأركان أو بعدها قبل التحلل أو بعده، وعلى جميع الأحوال لعموم الخبر في ذلك هذا إذا استأجره على أن يحج عنه وأطلق. وإن استأجره على أن يحج عنه مثلا من بغداد أو خراسان بأن يقطع المسافة إلى الميقات استحق الأجرة بمقدار ما قطع من المسافة. إذا استأجره على أن يحج عنه من بغداد فجاء الميقات فأحرم بالعمرة عن نفسه صحت فإذا تحلل منها وأحرم بالحج عن مستأجره فإن كان رجع إلى الميقات أجزأه

[ 324 ]

وإن لم يرجع مع تمكنه من الرجوع لم يجزه، وإن لم يمكنه الرجوع أجزأ عن المستأجر، ولا يلزمه دم، ولا يجب عليه رد شئ من الأجرة لأنه لا دليل عليه. إذا استأجر رجلا لنسك لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يستأجره ليقرن عنه أو يفرد أو يتمتع. فإن استأجره للقران وقرن صح لأنه استأجره له، وقد بينا كيفية القران، والهدي الذي يكون به قارنا يلزم الأجير لأن إجارته تضمنه. فإن شرط الهدي على المستأجر كان جايزا. فإن خالفه وتمتع كان جايزا لأنه عدل إلى ما هو أفضل، ويقع النسكان معا عن المستأجر فإن أفرد لم يجزه لأنه لم يفعل ما استأجره فيه، وإن استأجره ليتمتع ففعل فقد أجزأه، ويلزم دم المتعة الأجير لأنه من متضمن العقد إلا أن يشرط المستأجر على نفسه ذلك فيجزي عنه، وإن خالفه إلى القران لم يجزه لأنه لم يفعل من استأجره فيه. وإن استأجر ليفرد فتمتع أو قرن أجزأه لأنه عدل إلى الأفضل، وأتى بما استؤجر فيه وزيادة. إذا أوصى أن يحج عنه حجة واجبة من نذر أو قضاء أو حجة الاسلام فلا يخلو إما أن لا يعين الأجير والأجرة أو يعينهما معا أو يعين الأجير دون الأجرة. فإن أطلق ولم يعين الأجير، ولا الأجرة فقال: حجوا عني أو أحجوا عني انسانا فإنه يحج عنه بأقل ما يوجد من يحج عنه من الميقات. وإن عين الأجير والأجرة معا فقال: أحجوا عني فلانا بمائة فإنه يعطى من التركة أجرة مثله من الميقات، وما زاد عليه فهو وصية. فإن قام بالحج وجب له ما وصى به، وإن لم يقم بالحج لم يستحق من هذه الوصية شيئا لأنه وصى به بشرط قيامه بالحج، ولا فرق بين أن يكون وارثا أو غير وارث. وإن عين الأجير دون الأجرة فقال: أحجوا عني فلانا، ولم يذكر مبلغ الأجرة فإنه يحج عنه بأقل ما يوجد من يحج عنه. فإن رضي الأجير بذلك، وقام به لم يكن للولي العدول عنه إلى غيره لأنه مخالفة للوصية، وإن لم يقبل ذلك ولم يقم به كان على الولي أن يحج عنه بأقل ما يوجد من يحج عنه. وكذلك الحكم إن كانت الوصية بحجة تطوع إلا أن الواجب يكون من أصل

[ 325 ]

المال، والتطوع من الثلث. إذا أوصى بشئ من ماله للحاج فرق فيهم، والأفضل أن يعطى الفقراء لأنهم أحوج، وإن أعطى الأغنياء والفقراء معا كان جايزا لأن الاسم يتناولهم. إذا قال لغيره: حج عني بما شئت لم تنعقد الإجارة لأنه لم يسم العوض فإن حج عنه وجب له أجرة المثل وصحت الحجة عن المستأجر. وكذلك الحكم إن قال: حج عني بنفقتك أو ما تنفق سواء، وإذا قال: حج عني أو اعتمر بمائة فالاجارة باطلة لأن العمل مجهول وإن حج أو اعتمر وقع عمن حج عنه لأنه أذن له فيه، ولزمه أجرة المثل، ولا يستحق المسمى لفساد العقد. وإن قلنا: إن العقد صحيح، ويكون مخيرا في ذلك كان قويا. فإن قال: من حج عني فله مائة صح ذلك، وكان ذلك جعالة لا أجرة. فإذا فعل الحج استحق المائة. وإن قال: أول من يحج عني فله مائة كان ذلك صحيحا. إذا قال: من حج عني فله عبد أو دينار أو عشرة دراهم كان ذلك صحيحا، و يكون مخيرا في ذلك كله، ومتى حج استحق واحدا من ذلك، ويكون المستأجر بالخيار. من كان عليه حجة الاسلام وحجة النذر لم يجز أن يحج أولا إلا حجة الاسلام. فإن حج بنية النذر وجب عليه حجة الاسلام ولا ينقلب. فإن كان معضوبا لا يقدر أن يركب استأجر من يحج عنه كان إحرام الأجير كإحرامه لا يحرم بحجة النذر قبل حجة الاسلام. فإن خالف لم ينقلب إلى حجة الاسلام فإن استأجر ليحج عنه فاعتمر أو ليعتمر عنه فحج لم يقع عن المحجوج عنه سواء كان حيا أو ميتا، ولا يستحق شيئا من الأجرة. فإن استأجره ليحرم عنه من ميقات بلده فسلك طريقا آخر، وأحرم من ميقاته أجزأه، ولا يلزمه أن يرد من الأجرة ما بين الميقاتين، ولا أن يطالب بالنقصان لأنه لا دليل عليه. فإن استأجره للحج والعمرة فأحرمه عنه به ثم أفسده انقلب إليه ولا أجرة له، وكذلك إن فاته الحج بتفريط كان منه فأما إن فاته بغير تفريط

[ 326 ]

فله أجرة مثله إلى حين الفوات. وكذلك الحكم في المحصور سواء. إذا كان عليه حجتان: حجة النذر وحجة الاسلام، وهو معضوب جاز أن يستأجر رجلين يحجان عنه سنة واحدة، ويكون فعل كل واحد منهما واقعا بحسب نيته سبق أو لم يسبق، وينبغي لمن حج عن غيره أن يذكره في المواضع كلها فيقول عند الاحرام: اللهم ما أصابني من تعب أو لغوب أو نصب فأجر فلان بن فلان وأجرني في نيابتي عنه، وكذلك يذكره عند التلبية والطواف والسعي والموقفين، وعند الذبح والرمي، وعند المناسك. فإن لم يذكره وكانت نيته الحج عنه أجزأه. وإذا أمره أن يحج عنه بنفسه فليس له أن يستأجر غيره في تلك النيابة فإن فوض الأمر إليه في ذلك جاز أن يتولاه بنفسه، وأن يستنيب غيره فيه. وإذا أخذ حجة من غيره لم يجز أن يأخذ حجة أخرى حتى يقضي التي أخذها ولا يجوز لأحد أن يطوف عن غيره وهو بمكة إلا أن يكون الذي يطاف عنه مبطونا لا يقدر على الطواف بنفسه، ولا يمكن حمله لفقد طهارته، وإن كان غايبا جاز أن يطاف عنه. ومن حج عن غيره من أخ أو أب أو قرابة أو أخ مؤمن فإنه يصل فضل ذلك إلى من ينوب عنه، وله ثواب عمله من غير نقصان، ومن حج عمن وجب عليه الحج بعد موته تطوعا منه سقط بذلك فرضه عن الميت. ومن كان عنده وديعة ومات صاحبها وله ورثة ولم يكن حج حجة الاسلام جاز له أن يأخذ منها بقدر ما يحج عنه ويرد الباقي على ورثته إذا غلب في ظنه أنهم لا يقضون عنه حجة الاسلام. فإن غلب على ظنه أنهم يتولون القضاء عنه لم يجز له أن يأخذ منها شيئا إلا بأمرهم، ولا يحج أحد عمن يخالفه في الاعتقاد إلا أن يكون أباه فإنه يجوز له أن يحج عنه ويجوز أن تحج المرأة عن غيرها إذا كانت قد حجت حجة الاسلام، وكانت عارفة، وإن لم يكن حجت حجة الاسلام لم يجز لها ذلك ولا عن غيرها من النساء.

[ 327 ]

* (فصل: في حكم العبيد والمكاتبين والمدبرين في الحج) * لا يجوز للعبد أن يحرم إلا بإذن سيده فإن أحرم بغير إذنه لم ينعقد إحرامه وللسيد منعه منه، ولا يلزمه الهدي، وإن أذن له. ثم رجع عن الإذن فإن علم بالرجوع زال الإذن فإن أحرم بعد ذلك لم ينعقد إحرامه، وإن لم يعلم بالرجوع فأحرم بعد الرجوع وقبل العلم به فالأولى أن نقول: ينعقد إحرامه غير أن للسيد منعه منه وقد قيل: إنه لا ينعقد إحرامه أصلا، وهكذا الحكم في المدبر والمدبرة وأم الولد، والمعتق بعضه لا يختلف الحكم فيه والأمة المزوجة لمالكها منعها من الاحرام وللزوج أيضا منعها منه، والمكاتب لا ينعقد إحرامه سواء كان مشروطا عليه أو مطلقا لأنه إن كان مشروطا عليه فهو بحكم الرق، وإن كان مطلقا، وقد تحرر بعضه فهو غير متعين فإن هاياه على أيام معلومة معينة يكون لنفسه لا يمتنع أن نقول: ينعقد إحرامه فيها ويصح حجه فيها بغير إذن سيده. ومن أحرم بغير إذن سيده. ثم أعتقه قبل الموقفين لم يجزه إحرامه، ويجب عليه الرجوع إلى الميقات، والاحرام منه إن أمكنه، وإن لم يمكنه أحرم من موضعه فإن فاته المشعر الحرام فقد فاته الحج. فإن أحرم بإذن سيده لم يلزمه الرجوع إلى الميقات لأن إحرامه صحيح منعقد، وإن أدرك المشعر الحرام بعد العتق فقد أدرك حجة الاسلام، وإن فاته المشعر فقد فاته الحج وعليه الحج فيما بعد. وإذا أحرم بغير إذن سيده ثم أفسد الحج لم يتعلق به حكم لأن إحرامه غير منعقد، وإن أحرم بإذن سيده وأفسد الحج لزمه القضاء وعلى سيده تمكينه منه. وإذا أفسد العبد الحج، ولزمه القضاء على ما قلناه فأعتقه السيد فلا يخلو أن يكون بعد الوقوف بالمشعر أو قبله، فإن كان بعده كان عليه أن يتم هذه الحجة، ويلزمه حجة الاسلام فيما بعد وحجة القضاء، ويجب عليه البدأة بحجة الاسلام. ثم بحجة القضاء. وكذلك حكم الصبي إذا بلغ وعليه قضاء ولا يقضي قبل حجة الاسلام فإن أتى

[ 328 ]

بحجة الاسلام بقي عليه حجة القضاء، وإن أحرم بالقضاء انعقد بحجة الاسلام، و كان القضاء في ذمته، وإن قلنا: إنه لا يجزي عن واحد منهما كان قويا، وإن أعتق قبل الوقوف بالمشعر فلا فصل بين أن يفسد بعد العتق أو قبل العتق فإنه يمضي في فاسده ولا يجزيه الفاسدة عن حجة الاسلام ويلزمه القضاء في القابل، ويجزيه القضاء عن حجة الاسلام لأن ما أفسده لو لم يفسده لكان يجزيه عن حجة الاسلام، وهذه قضاء عنها. إذا أحرم العبد بإذن سيده فباعه سيده قبل الوقت بالمشعر صح بيعه فإن كان المشتري عالما بحاله فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة ويملك منه ما كان يملكه منه ولا يجوز للمشتري أن يحلله كالبايع، وإن لم يعلم المشتري بذلك وكان إحرامه بإذن سيده كان له الخيار عليه لأنه لا يقدر على تحليله، ويكون ذلك نقصا يوجب الرد، وإن كان إحرامه بغير إذن سيده صح البيع ولا خيار له، ولا حكم لإحرامه لأنه لم ينعقد على ما بيناه إذا أحرم بإذن مولاه فارتكب محظورا يلزمه به دم مثل اللباس، و الطيب، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، واللمس بشهوة، والوطئ في الفرج أو فيما دون الفرج، وقتل الصيد أو أكله ففرضه الصيام، وليس عليه دم، ولسيده منعه منه لأنه فعله بغير إذنه فإن ملكه سيده هديا ليخرجه فأخرجه جاز وإن أذن له فصام جاز أيضا وإن مات قبل الصيام جاز لسيده أن يطعم عنه ودم المتعة فسده بالخيار بين أن يهدي عنه أو يأمره بالصيام، وليس له منعه من الصوم لأنه بإذنه دخل فيه. * (فصل: في ذكر حكم الصبيان في الحج) * الصبي الذي لم يبلغ قد بيناه أنه لا حج عليه ولا ينعقد إحرامه فإن كان طفلا لا يميز جاز أن يحرم عنه الولي، وإن كان مميزا مراهقا جاز أن يأذن له فيحرم هو بنفسه، والولي الذي يصح إحرامه عنه وإذنه له: الأب والجد وإن علا. فإن كان غيرهم مثل الأخ وابن الأخ والعم وابن العم، وإن كان وصيا أو له ولاية عليه وليها فهو بمنزلة الأب وإن لم يكن وليا ولا وصيا ويكون أخا وابن أخ أو عما

[ 329 ]

وابن عم فلا ولاية له عليه، وهو والأجنبي سواء. فإن تبرع به عنه انعقد إحرامه والأم لها ولاية عليه بغير تولية، ويصح إحرامها عنه لحديث المرأة التي سئلت النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك. النفقة الزايدة على نفقته في الحضر يلزم وليه دونه، وكلما أمكن الصبي أن يفعله من أفعال الحج فعليه وما لم يمكنه فعلى وليه أن ينوب عنه. أما الاحرام فإن كان مميزا أحرم بنفسه، والوقوف بالموقفين يحضر على كل حال مميزا كان أو غير مميز ورمي الجمار إن ميز رماها بنفسه، وإن لم يميز رمى عنه وليه. ويستحب أن يترك الحصا في كفه ثم يؤخذ منه. والطواف وإن كان مميزا صلاهما، وإن لم يكن مميزا صلى عنه وليه، ومن طاف به ونوى الطواف به عن نفسه أجزء عنهما. وحكم السعي مثل ذلك. وركعتا الطواف إن كان مميزا صلاهما، وإن لم يكن مميزا صلى عنه وليه. وأما محظورات الاحرام فكل ما يحرم على المحرم البالغ يحرم على الصبي، و النكاح إن عقد له كان باطلا، وأما الوطئ فيما دون الفرج واللباس والطيب، واللمس بشهوة، وحلق الشعر، وترجيل الشعر، وتقليم الأظفار. فالظاهر أنه يتعلق به الكفارة على وليه، وإن قلنا: لا يتعلق به شئ لما روي عنهم عليه السلام أن عمد الصبي وخطأه سواء، والخطأ في هذه الأشياء لا يتعلق به كفارة من البالغين كان قويا، وقيل: الصيد يتعلق به الجزاء على كل حال لأن النسيان يتعلق به من البالغ الحر، وأما الوطئ في الفرج فإن كان ناسيا لا شئ عليه، ولا يفسد حجة مثل البالغ سواء، وإن كان عامدا فعلى ما قلناه: من أن عمده وخطأه سواء لا يتعلق به أيضا فساد الحج، وإن قلنا: إن عمده عمد لعموم الأخبار فيمن وطئ عامدا في الفرج من أنه يفسد حجه فقد فسد حجه ويلزمه القضاء، والأقوى الأول لأن إيجاب القضاء يتوجه إلى المكلف، و هذا ليس بمكلف.

[ 330 ]

* (فصل: في ذكر حكم النساء في الحج) * الحج واجب على النساء كوجوبه على الرجال وشرايط وجوبه عليهن شرايط وجوبه على الرجال سواء، وليس من شرط وجوبه عليهن وجود محرم ولا زوج ولا طاعة للزوج عليها في حجة الاسلام، ومعنى ذلك أنها إذا أرادت حجة الاسلام فليس لزوجها منعها من ذلك، وينبغي أن يساعدها على الخروج معها فإن لم يفعل خرجت مع بعض ذوي أرحامها. فإن لم يكن لها محرم خرجت مع بعض الثقات من المؤمنين. فإن أرادت أن تحج تطوعا لم يكن لها ذلك، وكان له منعها منه. وإن نذرت الحج فإن كان بإذن زوجها كان حكمه حكم حجة الاسلام، وإن كان بغير إذنه لم ينعقد نذرها، وإن كانت في عدة الطلاق جاز لها أن تخرج في حجة الاسلام سواء كان للزوج عليها رجعة أو لم يكن، وليس لها أن تخرج في حجة التطوع إلا في التطليقة البائنة. فأما عدة المتوفى زوجها فإنه يجوز لها أن تخرج على كل حال فرضا كان أو نفلا. وإذا حجت المرأة بإذن الزوج حجة الاسلام كان قدر نفقة الحضر عليه، وما زاد لأجل السفر عليها. فإن أفسدت حجها بأن أمكنت زوجها من وطيها مختارة قبل الوقوف بالمشعر لزمها القضاء، وكان في القضاء مقدار النفقة الحضر على الزوج، وما زاد عليه فعليها في مالها ويلزمها مع ذلك كفارة، وهي بدنة في مالها خاصة، وقد بينا كيفية إحرامها في باب الاحرام، وإن عليها أن تحرم من الميقات ولا تأخر فإن كانت حايضا توضأت وضوء الصلوة واحتشت واستسفرت وأحرمت إلا أنها لا تصلي ركعتي الاحرام فإن تركت الاحرام ظنا منها إنها لا يجوز لها ذلك حتى جازت الميقات فعليها أن ترجع إليه، وتحرم منه مع الامكان، وإن لم يمكنها أحرمت من موضعها ما لم تدخل مكة فإن دخلتها خرجت إلى خارج الحرم وأحرمت من هناك فإن لم يمكنها أحرمت من موضعها، وإذا دخلت المرأة مكة متمتعة طافت بالبيت وسعت بين الصفا و

[ 331 ]

المروة وقصرت وقد أحلت من كل ما أحرمت منه مثل الرجل سواء. فإن حاضت قبل الطواف انتظرت ما بينها وبين الوقت الذي إلى عرفات فإن طهرت طافت وسعت وإن لم تطهر فقد قضت متعتها، ويكون حجة مفردة تقضي المناسك كلها. ثم تقضي العمرة بعد ذلك مبتولة، وإن طافت بالبيت ثلاثة أشواط. ثم حاضت كان حكمها حكم من لم يطف فإذا طافت أربعة أشواط، ثم حاضت قطعت الطواف وسعت وقصرت. ثم أحرمت بالحج، وقد تمت متعتها فإذا فرغت من المناسك وطهرت تمت الطواف و إن تمت الطواف كله ولم تصل عند المقام. ثم حاضت خرجت من المسجد وسعت و قصرت وأحرمت بالحج وقضت المناسك ثم تقضي الركعتين إذا طهرت. وإذا طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة وقصرت. ثم أحرمت بالحج، و خافت أن يجيئها الحيض فيما بعد فلا تتمكن من طواف الزيارة وطواف النساء جاز لها أن يقدم الطوافين معا والسعي. ثم تخرج فتقضي باقي المناسك وتمضي إلى منزلها فإن كانت طافت طواف الزيارة وبقي عليها طواف النساء فلا تخرج من مكة إلا بعد أن تقضيه، وإن كانت طافت منه أربعة أشواط وأرادت الخروج جاز لها الخروج و إن لم تتم الطواف. ويجوز للمستحاضة أن تطوف بالبيت وتصلي عند المقام وتشهد المناسك كلها إذا فعلت ما تفعله المستحاضة لأنها بحكم الطاهر. وإذا أرادت الحايض وداع البيت فلا تدخل المسجد بل تودع من أدنى باب من أبواب المسجد وتنصرف. وإذا كانت المرأة عليلة لا تقدر على الطواف طيف بها وتستلم الأركان والحجر فإن كان عليها زحمة كفاها الإشارة ولا تزاحم الرجال، وإن كان بها علة تمنع من حملها والطواف بها طاف عنها وليها وليس عليها شئ، وإن كانت عليلة لا تعقل عند الاحرام أحرم عنها وليها وجنبها ما تجنب المحرم، وتم إحرامها، وليس على النساء رفع الصوت بالتلبية، ولا كشف الرأس، ويجوز لها لبس المخيط ورخص لها في تظليل المحمل، و ليس عليها حلق ولا دخول البيت فإن أرادت دخول البيت فلتدخله إذا لم يكن زحام، ولا

[ 332 ]

يجوز للمستحاضة دخول البيت على حال. * (فصل: في حكم المحصور والمصدود) * الحصر عند أصحابنا لا يكون إلا بالمرض، والصد يكون من جهة العدو، وعند الفقهاء الحصر والصد واحد. وهما من جهة العدو، والمذهب الأول. فإذا أحرم بحج أو عمرة فحصروه عدو من المشركين ومنعوه من الوصول إلى البيت كان له أن يتحلل لعموم الآية. ثم ينظر فإن لم يكن له طريق إلا الذي حصر فيه فله أن يتحلل بلا خلاف، و إن كان له طريق آخر فإن كان ذلك الطريق مثل الذي صد عنه لم يكن له التحلل لأنه لا فرق بين الطريق الأول والثاني، وإن كان الطريق الآخر أطول من الطريق الذي صد عنه. فإن لم يكن له نفقة يمكنه أن يقطع بها الطريق الآخر فله أن يتحلل لأنه مصدود عن الأول، وإن كان معه نفقة يمكنه قطع الطريق الأطول إلا أنه يخاف إذا سلك ذلك الطريق فاته الحج لم يكن له التحلل لأن التحلل إنما يجوز بالحصر لا بخوف الفوات، وهذا غير مصدود هاهنا فإنه يجب أن يمضي على إحرامه في ذلك الطريق فإن أدرك الحج جاز وإن فاته الحج لزمه القضاء إن كانت حجة الاسلام وإن كانت تطوعا كان بالخيار هذا في الحصر العام فأما الحصر الخاص فهو أن يحبس بدين عليه أو غير ذلك فلا يخلوا أن يحبس بحق أو بغير حق. فإن حبس بحق بأن يكون عليه دين يقدر على قضائه فلم يقضه لم يكن له أن يتحلل لأنه متمكن من الخلاص فهو حابس نفسه باختياره، وإن حبس ظلما أو بدين لا يقدر على أدائه كان له أن يتحلل لعموم الآية والأخبار لأنه مصدود، وكل من له التحلل فلا يتحلل إلا بهدي ولا يجوز له قبل ذلك. من أحصر عن البيت وقد وقف بعرفة والمشعر وعن الرمي أيام التشريق فإنه يتحلل فإن لحق أيام الرمي رمى وحلق وذبح، وإن لم يلحق أمر من ينوب عنه في ذلك فإذا تمكن أتى مكة وطاف طواف الحج وسعى، وقد تم حجه ولا قضاء عليه إذا أقام على إحرامه حتى يطوف ويسعى، وإن لم يقم على إحرامه وتحلل كان عليه الحج من

[ 333 ]

قابل لأنه لم يستوف أركان الحج من الطواف والسعي. فأما إذا طاف وسعى ومنع من البيت والرمي فقد تم حجه لأن ذلك من المسنونات دون الأركان. وإن كان متمكنا من البيت ومصدودا عن الوقوف بالموقفين أو عن أحدهما جاز له التحلل لعموم الآية والأخبار. فإن لم يتحلل وأقام على إحرامه حتى فاته الوقوف فقد فاته الحج، وعليه أن يتحلل بعمل عمرة ولا يلزمه دم لفوات الحج ويلزمه القضاء إن كانت حجة الاسلام، وإن كانت تطوعا كان بالخيار. وإذا كان مصدودا عن العمرة جاز له أن يتحلل مثل الحج سواء، ومتى لم يخف فوات الحج فالأفضل ألا يتحلل ويبقي على إحرامه. فإذا انكشف العدو مضى على إحرامه وتمم حجه فإن ضاق الوقت وآيس من اللحوق تحلل فإذا احصر فأفسد حجه فله التحلل، وكذلك إن أفسد حجه ثم احصر كان له التحلل لعموم الآية والأخبار، ويلزمه الدم بالتحلل وبدنة بالافساد والقضاء في المستقبل. فإن انكشف العدو وكان الوقت واسعا وأمكنه الحج قضى من سنته وليس ههنا حجة فاسدة يقضي في سنتها إلا هذه، وإن ضاق الوقت قضى من قابل، وإن لم يتحلل من الفاسد فإن زال الحصر والحج لم يفت مضى في الفاسد وتحلل وإن فاته تحلل بعمل عمرة ويلزمه بدنة للافساد ولا شئ عليه للفوات و القضاء من قابل على ما بيناه. وإن كان العدو باقيا فله التحلل فإذا تحلل لزمه الدم التحليل أو بدنة للافساد و القضاء من قابل، وليس عليه أكثر من قضاء واحد، وإذا لم يجد المحصر الهدي أو لا يقدر على ثمنه لا يجوز له أن يتحلل حتى يهدي، ولا يجوز له أن ينتقل إلى بدل من الصوم أو الاطعام لأنه لا دليل على ذلك، وأيضا قوله " فإن احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله " (1) فمنع من التحلل إلى أن يهدي ويبلغ الهدي محله وهو يوم النحر ولم يذكر البدل فإذا أراد التحلل من حصر العدو فلا بد فيه من نية التحلل قبل الدخول فيه، وكذلك إذا احصر بالمرض.

(1) البقرة 196.

[ 334 ]

ومتى شرط في حال الاحرام أن يحله حيث حبسه صح ذلك، ويجوز له التحلل. ولا بد أن يكون للشرط فايدة مثل أن يقول: إن مرضت أو تفنى نفقتي أو فاتني الوقت أيضا أو ضاق علي أو منعني عدو أو غيره. فأما إن قال: إن تحلني حيث شئت فليس له ذلك. فإذا حصل ما شرط فلا بد له من الهدي لعموم الآية. إذا أحرموا وصدهم العدو لم يخل أن يكونوا مسلمين أو مشركين فإن كان العدو مسلما كالأكراد والأعراب وأهل البادية فالأولى أن يتركوا قتالهم وينصرفوا إلا أن يدعوهم الإمام أو من نصبه الإمام إلى قتالهم، وإن كان العدو مشركا لم يجب على الحاج قتالهم لأن قتال المشركين لا يجب إلا بإذن الإمام أو الدفاع عن النفس و الاسلام وليس هاهنا واحد منهما، وإذا لم يجب فلا يجوز أيضا سواء كانوا قليلين أو كثيرين أو المسلمون أكثر أو أقل، ومتى بداءهم بالقتال جاز لهم قتالهم فإن لبسوا جنة القتال كالجباب والدروع والجواشن والمخيط فعلى من فعل ذلك الفدية لعموم الأخبار. فإن قتلوا نفسا وأتلفوا أموالا فلا ضمان عليهم في نفس ولا مال وإن كان هناك صيد قتلوه فإن كان لأهل ففيه الجزاء دون القيمة لأنه لا حرمة لمالكه، وإن كان لمسلم ففيه الجزاء والقيمة لمالكه. فإن بذل لهم العدو تخلية الطريق وكانوا معروفين بالغدر جاز لهم الانصراف، وإن كانوا معروفين بالوفاء لم يجز لهم التحلل وعليهم المضي في إحرامهم. فإن طلب العدو على تخلية الطريق مالا لم يجب على الحاج بذله قليلا كان أو كثيرا ويكره بذله لهم إذا كانوا مشركين لأن فيه تقوية المشركين فإن بذلوا ذلك لهم جاز لهم التصرف فيها لأنها كالهدية. وإن كان العدو مسلما لا يجب البذل لكن يجوز أن يبذلوا ولا يكون مكروها وأما المحصور بالمرض وهو أن يمرض مرضا لا يقدر على النفوذ إلى مكة بعد إحرامه فإن كان قد ساق هديا بعث به إلى مكة وتجنب هو جميع ما يجتنبه المحرم إلى أن يبلغ الهدي محله، ومحله منى يوم النحر إن كان حاجا وإن كان معتمرا فمحله

[ 335 ]

مكة قبالة الكعبة. فإذا بلغ الهدي قصر من شعر رأسه وحل له كل شئ إلا النساء ويجب عليه الحج من قابل إن كان صرورة، وإن لم تكن صرورة كان عليه الحج قابلا استحبابا ولم تحل له النساء إلى أن يحج في القابل أو يأمر من يطوف عنه طواف النساء إن كان متطوعا فإن وجد من نفسه خفة بعد أن بعث هديه فليلحق بأصحابه فإن أدرك مكة قبل أن ينحر هديه قضى مناسكه كلها، وقد أجزأه وليس عليه الحج من قابل، وإن وجدهم قد ذبحوا الهدي فقد فاته الحج وكان عليه الحج من قابل، وإنما كان الأمر على ذلك لأن الذبح لا يكون إلا يوم النحر فإذا وجدهم قد ذبحوا فقد فاته الموقفان وإن لحقهم قبل الذبح يجوز أن يلحق أحد الموقفين فمتى لم يلحق واحدا منهما فقد فاته الحج، وإن لم يكن ساق الهدي بعث بثمنه مع أصحابه ويواعدهم وقتا بعينه أن يشتروه ويذبحوه عنه. ثم يحل بعد ذلك فإن ردوا عليه الثمن، ولم يكونوا وجدوا الهدي، وكان قد أحل لم يكن عليه شئ ويجب أن يبعث به في العام القابل ويمسك ما يمسك عنه المحرم إلى أن يذبح عنه، وإن كان المحصور معتمرا فعلى ما ذكرناه وكانت العمرة في الشهر الداخل إن كان عمرة الاسلام، وإن كانت نفلا كان عليه ذلك نفلا. والمحصور إن كان أحرم بالحج قارنا لم يجز أن يحج في المستقبل متمتعا بل يدخل بمثل ما خرج منه، ومن أراد أن يبعث هديا تطوعا بعثه وواعد أصحابه يوما بعينه ويجتنب جميع ما يجتنبه المحرم من الثياب والنساء والطيب وغيره غير أنه لا يلبي فإن فعل شيئا مما يحرم عليه كانت عليه الكفارة مثل ما على المحرم سواء. فإذا كان اليوم الذي واعدهم على نحره أحل وإن بعث الهدي من أفق الآفاق يواعدهم يوما بعينه بإشعاره وتقليده فإذا كان ذلك اليوم اجتنب ما يجتنبه المحرم إلى أن يبلغ الهدي محله ثم إنه أحل من كل شئ.

[ 336 ]

* (فصل: في ذكر ما يلزم المحرم من الكفارة بما يفعله) * * (من المحظورات عمدا أو ناسيا) * ما يفعله المحرم من محظورات الاحرام على ضربين: أحدهما: يفعله عامدا، والآخر يفعله ساهيا. فكل ما يفعل من ذلك على وجه السهو لا يتعلق به كفارة ولا فساد الحج إلا الصيد خاصة فإنه يلزمه فدائه عامدا كان أو ساهيا، وما عداه إذا فعله عامدا لزمته الكفارة، وإذا فعله ساهيا لم يلزمه شئ. فمن ذلك إذا جامع المرأة في الفرج قبلا كان أو دبرا قبل الوقوف بالمشعر عامدا سواء كان قبل الوقوف بعرفة أو بعده قبل الوقوف بالمشعر فإنه يفسد حجه، ويجب عليه المضي في فاسده، وعليه الحج من قابل قضاء هذه الحجة سواء كانت حجته فرضا أو تطوعا ويلزمه مع ذلك كفارة وهي بدنة. والمرأة إن كانت محلة لا يتعلق بها شئ، وإن كانت محرمة فلا يخلو أن يكون مطاوعة له أو مكرهة عليه. فإن طاوعته على ذلك كان عليها مثل ما عليه من الكفارة و الحج من قابل، وينبغي أن يفترقا إذا انتهيا إلى المكان الذي فعلا فيه ما فعلا إلى أن يقضي المناسك. وحد الافتراق ألا يخلو بأنفسهما إلا ومعهما ثالث، وإن أكرهها على ذلك لم يكن عليها شئ ولا يتعلق به فساد حجها، ويلزم الرجل كفارة أخرى ويتحملها عنها وهي بدنة أخرى. فأما حجة أخرى فلا يلزمه لأن حجتها ما فسدت، وإن كان جماعه فيما دون الفرج كان عليه بدنة ولم يكن عليه الحج من قابل، وإن كان الجماع في الفرج بعد الوقوف بالمشعر كان عليه بدنة وليس عليه الحج من قابل سواء كان ذلك قبل التحليل أو بعده وعلى كل حال. وإذا قضى الحج في القابل فأفسد حجه أيضا كان عليه مثل ما لزمه في العام الأول من الكفارة والحج من قابل لعموم الأخبار. وإذا جامع أمته وهي محرمة وهو محل فإن كان إحرامها بإذنه كان عليه كفارة يتحمله عنها، وإن كان إحرامها من غير إذنه لم يكن عليه شئ لأن إحرامها لم ينعقد

[ 337 ]

فإن لم يقدر على بدنة كان عليه دم شاة أو صيام ثلاثة أيام، وإن كان هو أيضا محرما تعلق به فساد حجه، والكفارة مثل ما قلناه في الحر سواء، وإذا وطئ بعد وطئ لزمته كفارة بكل وطئ سواء كفر عن الأول أو لم يكفر لعموم الأخبار، ومن أفسد الحج وأراد القضاء أحرم من الميقات، وكذلك من أفسد العمرة أحرم فيما بعد من الميقات والمفرد إذا حج. ثم اعتمر بعده فأفسد عمرته قضاها وأحرم من أدنى الحل. والمتمتع إذا أحرم بالحج من مكة ثم أفسد حجه قضاه وأحرم من الموضع الذي أحرم منه. ومتى جامع قبل طواف الزيارة كان عليه جزور. فإن لم يتمكن كان عليه بقرة فإن لم يتمكن كان عليه شاة. ومتى طاف من طواف الزيارة شيئا. ثم واقع أهله قبل إتمامه كان عليه بدنة و إعادة الطواف، وإن كان يبقى من سعيه شيئا. ثم جامع كان عليه الكفارة، ويبني على ما سعى، وإن كان قد انصرف من السعي ظنا منه أنه تممه. ثم جامع لم تلزمه الكفارة وكان عليه تمام السعي لأن هذا في حكم الساهي، وإذا جامع بعد قضاء المناسك قبل طواف النساء كان عليه بدنة فإن كان قد طاف من طواف النساء شيئا فإن أكثر من النصف بني عليه بعد الغسل ولم تلزمه الكفارة، وإن طاف أقل من النصف لزمته الكفارة و أعادت الطواف. ومتى جامع وهو محرم بعمرة مبتولة قبل أن يفرغ من مناسكها بطلت عمرته وعليه بدنة والمقام بمكة إلى الشهر الداخل. ثم يقضي عمرته، ومن عبث بذكره حتى أمنى كان حكمه حكم من جامع على السواء في اعتبار ذلك قبل الوقوف بالمشعر في أنه يلزمه الحج من قابل، وإن كان بعده لم يلزمه غير الكفارة. ومن نظر إلى غير أهله فأمنى فعليه بدنة، وإن لم يجد فبقرة فإن لم يجد فشاة. وإذا نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى لم يكن عليه شئ إلا أن يكون نظر بشهوة فأمنى فإنه يلزمه الكفارة وهي بدنة فإن مسها بشهوة كان عليه دم يهريقه وإن لم ينزل، وإن مسها بغير شهوة لم يكن عليه شئ وإن أمنى.

[ 338 ]

ومن قبل امرأته من غير شهوة كان عليه دم شاة، وإن كان عن شهوة كان عليه جزور. ومتى لاعب امرأته فأمنى من غير جماع كان عليه الكفارة ومن يسمع لكلام امرأة أو استمع على من يجامع من غير رؤية لهما فأمنى لم يكن عليه شئ، ويجوز له أن يقبل المحرمات عليه من الأم والبنت. وإذا أحرم بحجة التطوع فوطئ قبل الوقوف بالمشعر في الفرج أفسدها، وعليه الحج من قابل وبدنة على ما بيناه، وعليه المضي في فاسدها فإن حصر قبل الوقوف وتحلل منها بهدي وعليه القضاء، ويجزيه قضاء واحد عن إفساد الحج وعن الحصر. والحيوان على ضربين: مأكول وغير مأكول. فالمأكول على ضربين: إنسي و وحشي. فالإنسي هو النعم من الإبل والبقر والغنم. فلا يجب الجزاء بقتل شئ منه والوحشي هو الصيود المأكولة مثل الغزلان، وحمر الوحش، وبقر الوحش، وغير ذلك فيجب الجزاء في جميع ذلك على ما نبينه بلا خلاف. وما ليس بمأكولة فعلى ثلاثة أضرب: أحدهما: لا جزاء فيه بالاتفاق، وذلك مثل الحية والعقرب والفأرة والغراب والحداة والكلب والذئب. الثاني: يجب فيه الجزاء عند جميع من خالفنا، ولا نص لأصحابنا فيه، والأولى أن نقول: لا جزاء فيه لأنه لا دليل عليه، والأصل برائة الذمة وذلك مثل المتولد بين ما يجب الجزاء فيه وما لا يجب فيه ذلك كالسباع، وهو المتولد بين الضبع والذئب والمتولد بين الحمار الأهلي وحمار الوحشي. الضرب الثالث: مختلف فيه وهو الجوارح من الطير كالبازي والصقر والشاهين والعقاب، ونحو ذلك، والسباع من البهايم كالأسد والنمر والفهد وغير ذلك. فلا يجب الجزاء عندنا في شئ منه، وقد روي أن في الأسد خاصة كبشا (1).

(1) روي في التهذيب باب الكفارة عن الخطاء المحرم ج 5 ص 366 الرقم 188 عن أبي سعيد المكاري قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل قتل أسدا في الحرم. فقال: عليه كبش يذبحه. وفي الكافي ج 4 ص 237 باب صيد الحرم وما تجب فيه الكفارة الرقم 26.

[ 339 ]

ويجوز للمحرم قتل جميع الموذيات كالذئب والكلب العقور والفأر والعقارب والحيات، وما أشبه ذلك، ولا جزاء عليه وله أن يقتل صغار السباع وإن لم يكن محذورا منها، ويجوز له قتل الزنابير والبراغيث والقمل إلا أنه إذا قتل القمل على بدنه لا شئ عليه وإن أزاله عن جسمه فعليه الفداء، والأولى ألا يعرض له ما لم يؤذيه. والصيد على ضربين: أحدهما: له مثل مثل النعامة وحمار الوحش والغزال فهو مضمون بمثله من البدنة والبقرة والشاة. والثاني: لا مثل له مثل العصافير، وما أشبهها فهو مضمون بالقيمة. فماله مثل فظاهر القرآن يدل على أنه مخير بين ثلاثة أشياء: أحدها: إخراج المثل، والثاني: أن يقوم ويشتري بقيمته طعاما يتصدق به على كل مسكين نصف صاع. والثالث: أن يصوم عن كل مدين يوما، والذي رواه أصحابنا أنه يلزمه المثل فإن عجز عنه أخرج الطعام بدله، وإن لم يقدر صام على ما بيناه (1) والذي يقوم عندنا هو المثل دون الصيد نفسه. وما لا مثل له مخير بين شيئين: أحدهما: يقومه ويشتري به طعاما ويتصدق به، والثاني: يصوم عن كل مد يوما وماله مثل فمنصوص عليه بذكره. وما لا مثل له على ضربين: أحدهما منصوص على قيمته، والآخر لا نص على قيمته فإنه يرجع إلى قول عدلين، ويجوز أن يكون أحدهما قاتل الصيد. إذا قتل نعامة كان عليه جزور فإن لم يقدر قوم الجزاء وفض ثمنه على الحنطة وتصدق على كل مسكين نصف صاع على ما بيناه فإن زاد على إطعام ستين مسكينا لم يلزمه أكثر منه، وإن كان أقل منه فقد أجزأه فإن لم يقدر على إطعام ستين مسكينا

(1) روي في التهذيب باب الكفارة عن الخطاء المحرم ج 5 ص 341 الرقم 96 عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أصاب المحرم الصيد ولم يجد ما يكفر من موضعه لذي أصاب فيه الصيد قوم جزائه من النعم دراهم ثم قومت الدراهم طعاما لكل مسكين نصف صاع فإن لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما.

[ 340 ]

صام عن كل نصف صاع يوما. فإن لم يقدر على ذلك صام ثمانية عشر يوما. فإن قتل بقرة وحش أو حمار وحش فعليه دم بقرة. فإن لم يقدر قومها وفض ثمنها على الطعام، وأطعم كل مسكين نصف صاع. فإن زاد على إطعام ثلاثين مسكينا لم يلزمه أكثر منه، وإن نقص عنه لم يلزمه أكثر منه. فإن لم يقدر على ذلك صام عن كل نصف صاع يوما، وإن لم يقدر صام تسعة أيام. ومن أصاب ظبيا أو ثعلبا أو أرنبا كان عليه دم شاة فإن لم يقدر على ذلك قوم الجزاء وفض ثمنه على البر، وأطعم كل مسكين منه نصف صاع. فإن زاد ذلك على إطعام عشرة مساكين لم يلزمه أكثر منه وإن نقص عنه لم يلزمه أكثر منه. فإن لم يقدر صام كفارة عن كل نصف صاع يوما. فإن لم يقدر صام ثلاثة أيام. ومن أصاب قطاة، وما أشبهها كان عليه حمل قد فطم ورعي من الشجر. ومن أصاب يربوعا أو قنفذا أو ضبا، وما أشبهه كان عليه جدي، ومن أصاب عصفورا أو صعوة أو قبرة وما أشبهها كان عليه مد من طعام. ومن قتل حمامة كان عليه دم لا غير إذا كان في الحل. فإن أصابها وهو محل في الحرم كان عليه درهم. فإن أصابها وهو محرم في الحرم كان عليه دم والقيمة. وإن قتل فرخا وهو محرم في الحل كان عليه حمل. وإن قتله في الحرم وهو محل كان عليه نصف درهم. وإن قتله وهو محرم في الحرم كان عليه الجزاء أو القيمة. وإن أصاب بيض الحمام وهو محرم في الحل كان عليه درهم. فإن أصابه وهو محل في الحرم كان عليه ربع درهم. وإن أصابه وهو محرم في الحرم كان عليه الجزاء أو القيمة سواء كان حمام الحرم أو حماما أهليا غير أن حمام الحرم يشتري بقيمته علف لحمام الحرم والأهلي يتصدق بثمنه على المساكين.

[ 341 ]

وكل من كان معه شئ من الصيد وأدخله الحرم وجب عليه تخليته وزال ملكه عنه فإن أخرجه وهلك كان عليه فداؤه، فإن كان معه طير مقصوص الجناح تركه حتى ينبت ريشه ثم يخليه. ولا يجوز صيد حمام الحرم، إن كان في الحل ومن نتف ريشة من حمام الحرم كان عليه صدقة يتصدق بها باليد الذي نتف بها، ولا يجوز أن يخرج شئ من حمام الحرم من الحرم، فإن أخرجه فعليه رده درهم فإن هلك كان عليه قيمته، ويكره شراء القماري (1) والدباسي (2) بمكة وإخراجهما منها. ومن أغلق بابا على حمام من حمام الحرم وفراخ وبيض فهلكت فإن كان أغلق عليها قبل أن يحرم فعليه بكل طير درهم ولكل فرخ نصف درهم، ولكل بيضة ربع درهم، وإن كان أغلق عليها بعد ما أحرم فعليه لكل طير شاة، ولكل فرخ حمل ولكل بيضة درهم. ومن نفر حمام الحرم فإن رجعت فعليه دم شاة، وإن لم ترجع فعليه لكل طير شاة. ومن دل على صيد فقتل كان عليه فداؤه. وإذا اجتمع جماعة محرمون على صيد فقتلوه فعلى كل واحد منهم فداء. وإذا اشتروا لحم صيد فأكلوه لزم أيضا كل واحد منهم فداء كامل. وإذا رمى اثنان صيدا فأصاب أحدهما، وأخطأ الآخر لزم كل واحد منهما الفداء. وإذا قتل اثنان صيدا أحدهما محل والآخر محرم في الحرم كان على المحرم الفداء أو القيمة، وعلى المحل القيمة، ومن ذبح صيدا في الحرم وهو محل كان عليه دم لا غير.

(1) القماري: جمع قمري بالضم، وهو طائر مشهور حسن الصوت أصغر عن الحمام، وقيل: هو الحمام الأزرق.
(2) الدباسي: بفتح الدال المهملة، ويقال له الدبسي أيضا بضم الدال طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب، وهذا النوع قسم من الحمام البري.

[ 342 ]

وإذا أوقد جماعة نارا فوقع فيها طاير فإن قصدوا ذلك لزم كل واحد منهم فداء كامل، وإن لم يقصدوا ذلك فعليهم كلهم فداء واحد. وفي فراخ النعامة مثل ما في النعامة، وقد روي أن فيه من صغار الإبل (1) و الأحوط الأول. وكل ما يصيبه المحرم من الصيد في الحل كان عليه الفداء لا غير، وإن أصابه في الحرم كان عليه الفداء والقيمة معا. ومن ضرب بطير الأرض وهو محرم فقتله كان عليه دم، وقيمتان: قيمة لحرمة الحرم، وقيمة لاستخفافه به، وعليه التعزير، ومن شرب لبن ظبية في الحرم كان عليه دم وقيمة اللبن معا. وما لا يجب فيه دم مثل العصفور، وما أشبهه إذا أصابه المحرم في الحرم كان عليه قيمتان وما يجب فيه التضعيف هو ما لم يبلغ بدنة. فإذا بلغ ذلك لم يجز غير ذلك. المحرم إذا تكرر منه الصيد لا يخلو أن يكون ناسيا أو متعمدا. فإن كان ناسيا تكررت عليه الكفارة، وإن كان عامدا فالأحوط أن يكون مثل ذلك، وقد روي أنه لا يتكرر ذلك عليه، وهو ممن ينتقم الله منه (2) والمحرم إذا قتل صيدا في غير الحرم كان عليه فداء واحد فإن أكله كان عليه فداء آخر. المحل إذا قتل صيدا في الحرم كان عليه فداؤه. وإذا كسر المحرم قرني الغزال كان عليه نصف قيمته فإن كسر أحدهما فعليه ربع القيمة فإن فقأ عينيه فعليه القيمة. فإن فقأ إحداهما فعليه نصف القيمة. فإن انكسر

(1) روي في التهذيب باب الكفارة عن الخطاء المحر. ج 5 ص 355 الرقم 147 عن على بن جعفر قال: سألت أخي عليه السلام عن رجل كسر بيض نعام وفي البيض فراخ قد تحرك فقال: عليه لكل فرخ تحرك بعير ينحره في النحر.
(2) روي في الاستبصار باب من تكرر منه الصيد ج 2 ص 211 الرقم 3 عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزائه، ويتصدق بالصيد على مسكين فإن عاد فقتل آخر لم يكن عليه جزاء، وينتقم الله منه، والنقمة في الآخرة.

[ 343 ]

إحدى يديه فعليه نصف قيمته. فإن كسرهما جميعا فعليه قيمته، وكذلك حكم الرجلين فإن قتله لم يكن عليه أكثر من قيمته واحدة. ومن رمى صيدا فأصابه ولم يؤثر فيه ومشى مستويا لم يكن عليه شئ، و ليستغفر الله فإن لم يعلم هل أثر فيه أم لا ومضى على وجهه لزمه الفداء، وإن أثر فيه بأن رماه أو كسر يده أو رجله. ثم رآه بعد ذلك، وقد صلح كان عليه ربع الفداء ولا يجوز لأحد أن يرمي الصيد والصيد يؤم الحرم وإن كان محلا فإن رماه وأصابه ودخل في الحرم ومات فيه كان لحمه حراما وعليه الفداء. ومن ربط صيدا بجنب الحرم فدخل الحرم صار لحمه وثمنه حراما، ولا يجوز له إخراجه منه، وقد روي أن من أصاب صيدا فيما بين البريد، وبين الحرم كان عليه الفداء فإن أصاب شيئا منه بأن فقأ عينه أو كسر قرنه فيما بين البريد إلى الحرم كان عليه صدقة (1). والمحل إذا كان في الحرم فرمى صيدا في الحل كان عليه الفداء وإن وقف صيدا في الحل وبعضه في الحرم فقتله انسان ضمنه، وكذلك إن كانت قوائمه في الحرم ورأسه في الحل إذ أصاب رأسه فقتله ضمنه، وكذلك إن كانت قوائمه في الحل ورأسه في الحرم فرماه من الحل، وأصاب رأسه فقتله ضمنه، ومن كان معه صيد فلا يحرم حتى يخليه ولا يدخل معه الحرم فإن أدخله زال ملكه عنه وعليه تخليته فإن لم يفعل و مات لزمه الفداء. هذا إذا كان معه حاضرا فإن لم يكن معه حاضرا، وكان في بلده لم يكن عليه شئ ولا يزول ملكه عنه. إذا رمى صيدا فقتله، ونفذ السهم إلى صيد آخر لزمه جزاءان لأنه قتلهما. وإن رمى طايرا فقتله فاضطرب فقتل فرخا له أو كسر بيضا كان عليه ضمانه لأنه السبب فيه.

(1) روي في الكافي باب صيد الحرم وما تجب فيه الكفارة ج 5 ص 232 الرقم 1 عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كنت حلالا فقتلت الصيد في الحل ما بين البريد إلى الحرم فعليك جزاؤه فإن فقأت عينه أو كسرت قرنه أو جرحته تصدقت بصدقة.

[ 344 ]

فإذا قتل صيدا مكسورا أو أعورا. فالأحوط أن يفديه بصحيح، وإن أخرج مثله كان جايزا. إذا قتل ذكرا جاز أن يفديه بأنثى، وإن قتل أنثى جاز أن يفديه بذكر، و الأفضل أن يفدي الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى. جرح الصيد وإتلاف أعضائه مما لم يرد فيه نص معين فالذي نقوله: إنه مضمون بقيمته، وهو فضل ما بين قيمته صحيحا ومعيبا فيضمن ذلك من المثل مثال ذلك إذا جرح ظبيا قوم صحيحا ومعيبا فإذا كان بينهما عشر ضمن عشر المثل من الشاة. وإذا جرح صيدا فلا يخلوا من ثلاثة أحوال: إما أن يجرحه جراحة تسري إلى نفسه فيلزمه جزاء مثله. فإن جرحه جراحة لا تسري إلى نفسه إلا أنه يصير غير متمتع بعد أن كان متمتعا مثل الظبي لا يقدر على العدو، والطير لا يقدر على الطيران فهو مثل الأول يلزمه جزاء المثل، وإن كان متمتعا كما كان لزمه قيمته ما بين كونه صحيحا ومعيبا على ما بيناه. وإن غاب عن عينه فلا يدري ما كان منه لزمه الجزاء على الكمال، وقد بينا أن المثل المقوم هو الجزاء دون الصيد فإذا أراد أن يقوم الجزاء لزمه قيمته يوم يريد تقويمه ولا يلزمه أن يقوم وقت إتلاف الصيد وما لا مثل له ليس بمنصوص عليه لزمه قيمته حال الاتلاف لأنها حال الوجوب عليه. إذا أصاب المحرم بيض نعام فعليه أن يعتبر حال البيض فإن كان قد تحرك فيه الفرخ كان عليه عن بيضة بكارة من الإبل، وإن لم يكن تحرك فعليه أن يرسل فحولة الإبل في إناثها بعدد البيض فما خرج كان هديا لبيت الله. فإن لم يقدر فعليه عن كل بيضة شاة. فإن لم يقدر كان عليه إطعام عشرة مساكين. فإن لم يقدر صام ثلاثة أيام. وإذا اشترى محل لمحرم بيض نعام فأكله المحرم فعلى المحل عن كل بيضة درهم وعلى المحرم عن كل بيضة شاة. وإذا أصاب المحرم بيض القطا أو القبج اعتبر حال البيض، وإن كان تحرك فيها

[ 345 ]

فرخ كان عليه عن كل بيضة مخاض من الغنم، وإن لم يكن تحرك فعليه أن يرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض فما نتج كان هديا لبيت الله. فإن لم يقدر كان حكمه حكم بيض النعام سواء، وقد بينا ما يلزم بكسر بيض الحمام، ويعتبر أيضا حاله فإن تحرك فيه الفرخ لزمته عن كل بيضة شاة، وإن لم يتحرك لم يكن عليه إلا القيمة حسب ما قدمناه، وما يجب على المحرم من جزاء الصيد فإن كان حاجا نحر أو ذبح بمنى بأي مكان شاء منه، وإن كان معتمرا نحره بمكة قبالة الكعبة بالجزوة، وإن نحر بمكة في غير هذا الموضع كان جايزا، وما لم يلزم المعتمر في غير كفارة الصيد جاز أن ينحره بمنى، وإن أخرج بدل ذلك الطعام فلا يخرجه أيضا إلا بمنى أو مكة حسب ما قلناه في الجزاء، وإن أراد الصوم فيجوز أن يصومه حيث شاء. وإذا كان المحرم راكبا فرمحت دابته أو رفست بيدها أو عضت صيدا أو غيره مما يجب فيه الجزاء أو القيمة لزمه ذلك لعموم الأخبار في أن الراكب يضمن ما يكون من الدابة. ومن قتل صيدا ماخضا وهو الحامل وجب عليه مثل من النعم، فإن أراد تقويمه قوم الماخض وتصدق بقيمته طعاما أو يصوم على ما قلناه. وإذا ضرب صيدا حاملا فالتقت جنينا حيا. ثم مات الجنين وماتت الأم بعد ذلك لزمه جزاء المثل عن الأم، وجزاء المثل عن الجنين مثله أو إن ألقت الجنين حيا وعاش وعاشت الأم فلا شئ عليه في أحدهما فإن عاشت الأم ومات الجنين فعليه مثل الجنين ولا شئ في الأم، وإن عاش الجنين وماتت الأم فعليه مثل الأم ولا شئ عليه للجنين كل ذلك إذا لم يؤثر بضربه في الأم شيئا فإن أثر فيها جراحا لزمه بحسب ذلك، وإن ضرب بطنها فألقت جنينا ميتا فعليه من الجنين ما نقص من قيمة الأم ينظر كم قيمتها حاملا وقيمتها حايلا بعد الاسقاط فيلزم ذلك في المثل على ما قلناه. إذا أمسك محرم صيدا فجاء محل فذبحه يجب على المحرم الجزاء، والمحل إن كان في الحل ليس عليه شئ لأنه ليس في الحرم فيلزمه قيمته ولا هو ملك للمحرم لأنه لا يملك الصيد فلا يلزمه قيمته على حال، وأما إذا جاء محرم آخر فذبحه فقتله

[ 346 ]

لزم كل واحد منهما القيمة، وإن أمسك محرم صيدا في الحرم فجاء محرم آخر فقتله لزم كل واحد منهما الجزاء والقيمة فإن قتله محل لزمته القيمة لا غير، وقد بينا أن الجماعة المحرمين إذا اشتركوا في قتل صيد أنه يلزم كل واحد منهم الفداء وإن اشترك جماعة محلون في صيد الحرم لزم كل واحد منهم القيمة، وإن قلنا: يلزمهم جزاء واحد كان قويا لأن الأصل برائة الذمة. وإذا اشترك محلون ومحرمون في قتل الصيد في الحل لزم المحرمين الجزاء، و لم يلزم المحلين، وإن اشتركوا في الحرم لزم المحرمين الجزاء والقيمة، والمحلين جزاء واحد. وإذا قتل المحرم صيدا مملوكا لغيره لزمه الجزاء والقيمة لصاحبه قد بينا أن في الحمام شاة وفي فرخه ولد شاة. وكلما هدر وعب الماء فهو حمام مثل الفاختاه (1) والورشان (2) والنحام (3) وغيرها من القماري والدباسي. العب: أن يشرب الماء دفعة واحده ولا يقطعه. والهدر: أن يواصل الصوت، والعرب تسمي كل مطوق حماما، وما كان أصغر من الحمام من العصفور وغير ذلك مضمون القيمة. والبط والوز والكركي يجب فيه شاة وهو الأحوط، وإن قلنا فيه القيمة، لأنه لا نص فيه كان جايزا، كل ما لا يؤكل لحمه لا ضمان فيه من جوارح السباع و الطير إلا ما استثناه فإن رمى محل في الحل صيدا في الحرم فقتله لزمه جزاؤه، وإن رماه في الحرم فقتله في الحل لزمه مثل ذلك فإن رماه في الحل فدخل السهم في الحرم وخرج منه، وأصاب صيدا في الحل لزمه أيضا على الرواية التي قلناها: إن صيد

(1) الفاختة قال الجوهري: وهي طير شوم.
(2) والورشان: الحمام الأبيض: وقال بعض الأعلام: الورشان: الحمام الأبيض، و القماري: الأزرق والدباسي: الأحمر. مجمع.
(3) النحام: طائر طويل العنق والرجلين أعقف المنقار أسود الجناحين، وسائره أحمر وردي.

[ 347 ]

الحرم مضمون فيما بين البريد والحرم (1). وإذا أمسك محل حمامة في الحل ولها فرخ في الحرم فماتت الحمامة في يده و مات فرخها في الحرم فعليه ضمان الفرخ، ولا شئ عليه في الأم لأن موت الفرخ كان سببه منه. فإن أمسك حمامة في الحرم وفراخها في الحل فماتت الحمامة وماتت الفراخ لزمه ضمان الجميع لأنه مات بفعل منه في الحرم إذا أشلا المحرم كلبا معلما على صيد فقتله لزمه ضمانه سواء كان في الحل أو في الحرم. فإن كان في الحرم تضاعف عليه الفدية، وإن كان في الحل لزمه جزاء واحد، وإن كان محلا في الحرم مثل ذلك. الشجرة إذا كانت أصلها في الحرم وغصنها في الحل فحكم أصلها في وجوب الضمان، وإن كان أصلها في الحل وغصنها في الحرم فمثل ذلك. فإن كان على غصنها الذي في الحرم طاير فقتله المحرم أو المحل لزمه ضمانه لأن الطير في الحرم، و إن كان أصل الشجرة في الحرم وغصنها في الحل، وعليه طاير لزمه أيضا ضمانه. إذا نفر صيدا فهلك من تنفيره أو أصابته آفة فأخذه جارح آخر لزمه ضمانه لأن الآفة كان بسببه. صيد البحر كله لا ضمان فيه سمكا كان أو غيره، ويجوز أكله طرية ومالحة إذا كان مما يجوز أكله. إذا اصطاد المحرم صيدا لم يملكه وجب عليه تخليته. فإن تلف كان عليه ضمانه وكذلك لا يملكه بالهبة فإن قبله وجب عليه تخليته. فإن تلف ضمنه، ولا يجوز ابتياع الصيد للمحرم، ولا معاوضته، ولا أخذه في الصداق، ولا جميع أنواع التمليك بكل حال. إذا انتقل الصيد إليه بالميراث لا يملكه، ويكون باقيا على ملك الميت إلى أن يحل فإذا حل ملكه ويقوى في نفسي إنه إن كان حاضرا معه فإنه ينتقل إليه ويزول ملكه عنه. وإن كان في بلده يبقى في ملكه. إذا وهب محل لمحرم صيدا لم يملكه ولا له أن يقبله فإن قبله وتلف في يده من غير تفريط لزمه الجزاء، ولا قيمة عليه لصاحبه وعليه

(1) مضى ذكرها في ص 343.

[ 348 ]

رده إلى صاحبه فإنه أحوط. فإن وهب محرم صيدا لمحل اصطاده في حال إحرامه لم يصح لأنه وهب ما لا يملكه فإن كان في ملكه. ثم أحرم وهو معه كان مثل ذلك. وإن كان في بلده لم يزل ملكه وصحت هبته. وإذا أحرم ومعه صيد زال ملكه عنه، ولا يجوز له التصرف فيه، ويجب عليه إرساله. فإن لم يفعل وتلف ضمنه. وإن أتلفه غيره عليه من المحلين لم يلزمه قيمته لأنه قد زال ملكه، وما يملكه في بلده لا يزول ملكه عنه فمن أتلفه كان ضامنا لقيمته له. إذا باع محل صيدا من محل. ثم أحرم البايع، وفلس المبتاع لم يكن له أن يختار عين ماله من الصيد لأن ذلك لا يملكه. في جرادة تمرة أو كف من طعام، وفي الكثير منه دم، وفي الدبا مثله لعموم الأخبار. الراكب إذا وطئ دابته جرادا لزمه فداؤه وكذلك إذا كان سايقا أو قايدا، وإن كان الجراد منفرشا في الطريق لا يمكن السلوك إلا بوطيه لا شئ فيه. جراد الحرم لا يجوز أخذه للمحل فإن أخذه لزمه جزاؤه. إذا كسر بيض ما يؤكل لحمه من الطيور غير ما ذكرناه من المنصوص عليه كان عليه قيمته. إذا أخذ البيض وتركه تحت طير أهلي ففقصه وخرج الفرخ سالما وعاش لا شئ عليه وإن فسد فعليه قيمته، وإن أخذ بيضة طير أهلي فحضنه تحت الصيد فإن خرج الكل صحيحا وعاش لا شئ عليه. وإن فسد الجميع فعليه ضمانه. وإن فسد بعضه فعليه ضمان ما فسد. وإن باض صيد في الحرم في دار انسان فنقل البيض من موضع إلى موضع فنفر الصيد فلم يحضنه فعليه ضمانه. فإن باض على فراشه فنقله فلم يحضنه الصيد لزمه أيضا ضمانه لعموم الأخبار. إذا كسر المحرم بيضا لم يجز له أكله ولا لمحل. المتولد بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه قد قلنا: إنه لا جزاء في قتله، ولا

[ 349 ]

يحل أكله، وإن كان متولدا بين شيئين مختلفين يؤكل لحمهما وجب فيه الجزاء. إذا أراد تخليص صيد من شئ وقع فيه من شبكة أو حبل أو شق حايط أو غير ذلك فمات في التخليص لزمه الجزاء لعموم الأخبار. إذا خرج الصيد وبقي في يده ومات حتف أنفه لزمه ضمانه، وكذلك إن قتله غيره لزمه ضمانه، وإن قتله جارح آخر لزمه ضمانه. إذا جرح الصيد أو نتفه. ثم أخذه وسقاه وأطعمه فنبت ريشه وبرأ جراحه و عاد إلى حال السلامة لزمه ما بين قيمته صحيحا ومنتوفا قد نبت ريشه، ومجروحا قد اندمل جرحه، وإذا أطعمه حتى اندمل جرحه أو نبت ريشه وبقي غير متمتع لزمه ضمان جميعه. إذا قتل المحرم ما شك في كونه صيدا وغير صيد لا تجب عليه الجزاء لأن الأصل برائة الذمة. وكل صيد يكون في البر، والبحر معا. فإن كان مما يبيض ويفرخ في البحر فلا بأس بأكله، وإن كان مما يبيض ويفرخ في البر لم يجز صيده ولا أكله. ومن قتل زنبورا أو زنابير خطأ لا شئ عليه فإن قتل عمدا تصدق بما استطاع، و يجوز ذبح الدجاج الحبشي للمحرم، وفي الحرم إذا اضطر إلى أكل الميتة والصيد أكل الصيد وفداه، ولا يأكل الميتة. فإن لم يتمكن من الفداء جاز له أكل الميتة إذا ذبح المحرم صيدا في غير الحرم أو ذبحه محل في الحرم لم يجز أكله لأحد وكان بحكم الميتة. من قلم ظفرا من أظفاره فعليه مد من طعام، وكذلك الحكم فيما زاد عليه فإذا قلم أظفار يديه جميعها كان عليه دم شاة، فإن قلم أظفار يديه ورجليه جميعا في مجلس واحد لزمه دم واحد، وإن كان في مجلسين فعليه دمان، ومن أفتى غيره بتقليم ظفر فقلمه المستفتي فأدمى إصبعه لزم المفتي دم شاة. ومن حلق رأسه لأذى فعليه دم شاة أو صيام ثلاثة أيام أو يتصدق على ستة

[ 350 ]

مساكين كل مسكين مد من طعام، وقد روي عشرة مساكين، وهو الأحوط (1) ومن ظلل على نفسه فعليه دم يهريقه، ومن جادل مرة أو مرتين صادقا فليس عليه شئ واستغفر الله. فإن جادل ثلاث مرات فصاعدا فعليه دم شاة، وإن جادل مرة كاذبا فعليه دم شاة، وإن جادل مرتين كاذبا فعليه دم بقرة، وإن جادل ثلاث مرات كاذبا لزمه بدنة. ومن نحى عن جسمة قملة فرمى بها أو قتلها كان عليه كف من طعام، ويجوز أن يحولها من موضع من جسده إلى موضع آخر ولا بأس بنزع القراد عن بدنه و عن بعيره. وإذا مس المحرم لحيته أو رأسه فوقع منهما شئ من شعره كان عليه أن يطعم كفا من طعام أو كفين. فإن سقط شئ من شعر رأسه أو لحيته لمسه لهما في حال الوضوء فلا شئ عليه. إذا نتف إبطيه فعليه أن يطعم ثلاثة مساكين. فإن انتف إبطيه معا لزمه دم شاة، ومن لبس مخيطا أو أكل طعاما لا يحل له أكله لزمه دم شاة، ومن قلع ضرسه كان عليه دم. وإذا استعمل دهنا طيبا لزمه دم، وإن كان في حال الضرورة من لبس الخفين أو الشمشك من غير ضرورة لزمه دم. الطيب ممنوع منه للمحرم ابتداؤه واستدامته وسواء كان مصبوغا به كالمزعفر و الممسك والمعنبر أو مغموسا فيه كما يغمس في ماء الكافور، وماء الورد أو مبخرا به مثل الند والعود. فإن خالفه لزمه الفداء.

(1) روي في التهذيب باب الكفارة عن الخطاء المحرم ج 5 ص 333 الرقم 61 عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله تعالى في كتابه (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فمن عرض له أذى أو وجع فتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا. فالصيام ثلاثة أيام والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام و النسك شاة يذبحها فيأكل ويطعم وإنما عليه واحد من ذلك.

[ 351 ]

فأما ما غمس في ماء الفواكه الطيبة كالاترج والتفاح وغير ذلك فلا بأس به، وما ليس بطيب مثل المشق وهو المغرة أو العصفر فإنه يكره، ولا يتعلق به الفداء ولا يجوز لبس السواد على حال فإن خالفه لزمه الفداء من خضب رأسه أو طيبه لزمه الفداء كمن غطاه بثوب بلا خلاف، وإن غطاه بعصابة أو مرهم بحبر أو قرطاس مثل ذلك. فإن طلى جسده أو ألزق عليه قرطاسا أو مرهما لم يكن عليه شئ. فإن كان الدواء فيه طيب لزمه الفداء في أي موضع استعمله، وإن حمل على رأسه شيئا غطى رأسه لزمه الفداء فإن غطاه بيده أو شعره لم يكن عليه شئ وإن ارتمس في الماء لزمه دم لأنه غطا رأسه. إذا احتاج المحرم إلى لبس ثوب لا يحل له لبسه لبرد أو حر أو يغطي الرأس لمثل ذلك فعل وفدا، ولا إثم عليه بلا خلاف. اللبس والطيب والحلق وتقليم الأظفار كل واحد من ذلك جنس مفرد إذا جمع بينهما لزمه عن كل جنس فدية سواء كان ذلك في وقت واحد أو أوقات متفرقة، وسواء كفر عن ذلك الفعل أو لم يكفر ولا يتداخل إذا ترادفت وكذلك حكم الصيد. فأما جنس واحد فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: إتلاف على وجه التعديل مثل قتل الصيد فقط لأنه يعدل به، ويجب فيه مثله، ويختلف بالصغر والكبر، فعلى أي وجه فعله دفعة أو دفعتين أو دفعة بعد دفعة ففي كل صيد جزاء بلا خلاف. الثانية: إتلاف مضمون لا على سبيل التعديل، وهو حلق الشعر، وتقليم الأظفار فقط فهما جنسان. فإن حلق أو قلم دفعة واحدة فعليه فدية واحدة فإن جعل ذلك في أوقات حلق بعضه بالغداة، وبعضه الظهر والباقي العصر فعليه لكل فعل كفارة. الثالث: وهو الاستمتاع باللباس والطيب والقبلة. فإن فعل ذلك دفعة واحدة لبس كل ما يحتاج إليه أو تطيب بأنواع الطيب أو قبل وأكثر منه لزمه كفارة واحدة. فإن فعل في أوقات متفرقة لزمته عن كل دفعة كفارة سواء كفر عن الأول أو لم يكفر

[ 352 ]

يستحب للمحرم إذا أنسى وتطيب أن يكلف محلا غسله ولا يباشره بنفسه. فإن باشره بنفسه فلا شئ عليه. والطيب على ضربين: أحدهما: تجب فيه الكفارة، وهي الأجناس الستة التي ذكرناها: المسك والعنبر والكافور والزعفران والعود والورس. والضرب الآخر: فعلى ثلاثة أضرب: أولها: ينبت للطيب، ويتخذ للطيب مثل الورد، والياسمين والخبزى (1) والكاذي (2) والنيلوفر فهذا مكروه لا يتعلق باستعماله كفارة. وثانيها: لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب مثل الفواكه كالتفاح، والسفرجل والنارنج، والأترج (3)، والدار صيني، والمصطكي، والزنجبيل، والشيح (4) و القيصوم (5) والإذخر (6) وحبق الماء (7) والسعد (8) كل ذلك لا يتعلق له به كفارة ولا هو محرم بلا خلاف، وكذلك حكم أنوارها وأورادها وكذلك ما يعتصر منها من المياه، والأولى تجنب ذلك للمحرم. الثالث: ما ينبت للطيب مثل الريحان الفارسي لا يتعلق به كفارة، ويكره استعماله، وفيه خلاف.

(1) الخبزي قال في مجمع البحرين: والخباز بالضم: نبت معروف، وفي لغة الخبازي بألف التأنيث كالخزامي.
(2) الكاذي: شجر كالنخلة له ورد يطيب به الدهن.
(3) والأترج بضم الهمزة وتشديد الجيم: فاكهة معروفة الواحد أترجة، وفي لغة ضعيفة: ترنج. المصباح.
(4) قال الجوهري: الشيح نبت.
(5) والقيصوم - فيعول - من نبات البادية معروف.
(6) الإذخر بكسر الهمزة والخاء: نبات معروف ذكي الريح وإذا جف ابيض.
(7) والحبق بالتحريك: أي النعناع.
(8) والسعد بضم السين: طيب معروف بين الناس مجمع البحرين.

[ 353 ]

الدهن الطيب أو ما فيه طيب يحرم استعماله ويتعلق به الفدية، وما ليس بطيب مثل الشيرج (1) والسمن وغيرهما يجوز أكله ولا يجوز الادهان به لا في الرأس ولا في الجسد. من أكل شيئا فيه طيب لزمته الكفارة سواء مسته النار أو لم تمسه. الحناء ليس من الطيب. إن مس طيبا متعمدا رطبا كالغالية والمسك والكافور إذا كان مبلولا أو في ماء ورد أو دهن طيب ففيه الفدية في أي موضع من بدنه كان ظاهرا أو باطنا وكذلك لو سعط به (2) أو حقن به، وإن كان يابسا غير مسحوق وعلق ببدنه فعليه الفدية، وإن لم يعلق فلا شئ عليه. خلوق (3) الكعبة لا يتعلق به فدية عامدا أو ناسيا. يكره للمحرم القعود عند العطار الذي يباشر العطر. فإن جاز عليه أمسك على أنفه، وكذلك يكره الجلوس عند الرجل المتطيب إذا قصد ذلك غير أنه لا يتعلق به فدية، ولا يجوز أن يجعل الطيب في خرقة ويمسه. فإن فعل لزمته الفدية، ولا بأس بشراء الطيب. ومن حلق وتطيب لزمته فديتان. فإن حلق بمقدار ما يقع عليه اسم الحلق لزمته الفدية، فإن كان أقل من ذلك تصدق بما شاء. يجوز للمحرم أن يحلق رأس المحل، ولا يجوز له أن يحلق رأس المحرم، ولا يجوز للمحل أن يحلق رأس المحرم. فإن خالفا لم يلزمهما الفدية لأن الأصل برائة الذمة سواء كان بأمره أو بغير أمره مكرها كان المحرم أو مختارا ساكنا. فإن كان المحرم أمره أو أذن له فيه لزم المحرم الفداء.

(1) الشيرج بفتح الشين كجعفر: دهن السمسم.
(2) سعطه الدواء: ادخله في أنفه.
(3) الخلوق: قال في الصباح المنبر: الخلوق مثل رسول ما يتخلق به من الطيب: وقال بعض الفقهاء: وهو مايع وفيه صفرة.

[ 354 ]

يجوز للمحرم أن يحتجم أو يفتصد ويدخل الحمام، ويزيل عن نفسه الوسخ ويغتسل بعد أن لا يرتمس في الماء فإن سقط منه شعر عند الاغتسال لم يلزمه شئ. شجر الحرم مضمون إلا الإذخر فإن أنبته الله، وما أنبته الآدميون من شجر الفواكه كلها غير مضمون، وما أنبته الله تعالى في الحل إذا قلعه المحل ونقله إلى الحرم ثم قطعه فلا ضمان عليه، وما أنبته الله تعالى إذا نبت في ملك الانسان جاز له قلعه، وإنما يجوز قلع ما ينبت في المباح. والضمان في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، وفي غصن من أغصانها القيمة ولا يجوز أن يأخذ من أغصان الشجر الممنوع منه ولا من ورقه، ومن قلع شجرة من شجر الحرم وغرسها في غيره فعليه أن يردها إلى مكانها. فإذا فعل نظر فإن عادت إلى ما كانت لم يلزمه شئ وإن لم تعد وجفت لزمه ضمانها. وحشيش الحرم ممنوع من قلعه فإن قلعه أو شيئا منه لزمته قيمته، ولا بأس أن تخلى الإبل ترعى. ويجوز إخراج ماء زمزم من الحرم متبركا به. صيد الحرم محرم ما صيد عنه بين الحرمين، وشجرة ممنوع منه ما بين ظل عائر إلى ثور، وقيل: وعير غير أنه لا يتعلق بذلك كله ضمان. صيدوج (1) بلد باليمن غير محرم ولا مكروه وكذلك حرم الأئمة عليه السلام و مشاهدهم لا يحرم شئ من صيده ولا قلع شجره، وإن كان الأولى تركه. وحد الحرم بمكة الذي لا يجوز قلع شجره بريد في بريد. إذا جن بعد إحرامه ففعل ما يفسد الحج من الوطئ لم يفسد لأنه مثل الناسي، ولقوله: رفع القلم عن المجنون حتى يفيق. فأما الصيد خاصة فإنه يلزمه الجزاء لأن حكم العمد والنسيان فيه سواء، و ما عدا الصيد مما يتعلق به كفارة لا يتعلق عليه بها شئ.

(1) قوله صيدوج قال محمد بن إدريس - عليه الرحمة - في السرائر: سمعت بعض مشايخنا يصحف ذلك ويجعل الكلمتين كلمة واحدة. فيقول: صيدوح بالحاء المهملة. فأردت إيراده لئلا يصحف. أعلم أن وجا بالجيم المشدودة بلد بالطائف لا باليمن. إنتهى.

[ 355 ]

إذا جعل الرجل والمرأة في رأسه زيبقا وهو حلال. فقتل القمل بعد إحرامه لم يكن عليه شئ، وكذلك إن رمى صيدا، وهو حلال فأصاب الصيد وهو محرم لم يلزمه شئ، ومتى جعل ذلك في رأسه بعد الاحرام فقتل القمل لزمه الفداء. * (فصل: في ذكر دخول مكة والطواف بالبيت) * المتمتع يجب عليه أولا دخول مكة ليطوف بالبيت ويسعى ويقصر. ثم ينشئ الاحرام بالحج من المسجد على ما بينته، والقارن والمفرد لا يجب عليهما ذلك لأن الطواف والسعي إنما يلزمهما بعد الموقفين ونزول منى وقضاء بعض المناسك بها لكن يجوز لهما أيضا دخول مكة والمقام على إحرامهما حتى يخرجا إلى عرفات فإن أرادا الطواف بالبيت استحبابا فعلا غير أنهما كلما فرغا من طواف وسعى عقد إحرامهما بالتلبية على ما بيناه. ولا يجوز لأحد أن يدخل مكة إلا محرما إما بحج أو عمرة، وقد روي جواز دخولها بغير إحرام للحطابة والمرضى (1). ومن أراد دخول مكة استحب له الغسل إن أمكنه ذلك فإن لم يتمكن أجزأه إلى بعد الدخول ثم يغتسل إما من بئر ميمون أو فخ (2) فإن لم يتمكن اغتسل من منزله ومن أراد الدخول إلى الحرم فليمضغ شيئا من الاذخر ليطيب الفم، وإذا أراد دخول مكة دخلها من أعلاها وإذا أراد الخروج خرج من أسفلها، ويستحب أن يدخلها حافيا ماشيا على سكينة ووقار. ومتى اغتسل لدخول مكة ثم نام قبل دخولها أعاد الغسل استحبابا، وإذا أراد دخول المسجد الحرام جدد غسلا آخر لدخول المسجد وليدخله من باب بني شيبة حافيا على سكينة ووقار فإذا انتهى إلى الباب قال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله و

(1) روي في الوسائل الباب 51 من أبواب الاحرام الحديث 2 عن رفاعة بن موسى قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إن الحطابة والمجتلبة أتوا النبي صلى الله عليه وآله فسألوه فأذن لهم أن يدخلوا حلالا (2) الفخ بفتح أوله وتشديد ثانيه: بئر قريب من مكة على فرسخ. مجمع.

[ 356 ]

بركاته. إلى آخر الدعاء الذي ذكرناه في تهذيب الأحكام، وأول ما يبدء به إذا دخل المسجد الحرام الطواف بالبيت إلا أن يكون عليه صلاة فائتة فريضة فإنه يبدء بالصلوة أو يكون قد دخل وقت الصلوة فإنه يبدء أولا بالصلوة أو وجد الناس في الجماعة فإنه يدخلهم معهم فيها، وكذلك إن خاف فوت صلوة الليل أو فوت ركعتي الفجر فإنه يبدء بذلك أولا فإذا فرغ من ذلك بدء بالطواف. فإذا شرع في الطواف ابتداء من الحجر الأسود فإذا دنى منه رفع يديه وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسأله أن يتقبل منه ويستلم الحجر بجميع بدنه فإن لم يمكنه إلا ببعضه كان جايزا فإن لم يقدر استلمه بيده فإن لم يقدر أشار إليه. وقال: أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة اللهم تصديقا بكتابك. إلى آخر الدعاء. ثم يطوف بالبيت سبعة أطواف ويقول في طوافه: اللهم إني أسألك باسمك الذي يمشى به على ظلل الماء كما يمشى به على جدد الأرض. إلى آخر الدعاء. وكلما انتهى إلى باب الكعبة صلى على النبي صلى الله عليه وآله ودعا فإذا أتى مؤخر الكعبة وبلغ الموضع المعروف بالمستجار دون الركن اليماني في الشوط السابع بسط يده على الأرض وألصق خده وبطنه بالبيت وقال: اللهم البيت بيتك والعبد عبدك. إلى آخر الدعاء، فإن لم يتمكن من ذلك لم يكن عليه شئ فإن جاز الموضع. ثم ذكر أنه لم يلتزم لم يكن عليه الرجوع ويتم طوافه سبعة أشواط ويختم بالحجر كما بدء به. ويستحب استلام الأركان كلها وأشدها تأكيدا الركن الذي فيه الحجر، و بعده الركن اليماني فإنه لا يترك استلامهما مع الاختيار فإن كان مقطوع اليد استلم الحجر بموضع القطع. فإن كان مقطوعا من المرفق استلمه بشماله، وقد روي أنه يدخل إزاره تحت منكبه الأيمن ويجعله على منكبه الأيسر ويسمى ذلك اضطباعا. ويستحب أن يرمل ثلاثا ويمشي أربعا في الطواف، وهذا في طواف القدوم فحسب اقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله لأنه كذلك فعل رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن جده وليس على النساء والمريض رمل، ولا على من يتحمله أو يتحمل الصبي ويطوف به. والدنو من البيت أفضل من التباعد عنه، وينبغي أن يكون طوافه فيما بين المقام و

[ 357 ]

البيت ولا يجوزه. فإن جاز المقام وتباعد عنه لم يصح طوافه، وينبغي أن يكون طوافه على سكون لا سرعة فيه ولا إبطاء، ويجب أن يطوف بالبيت والحجر معا فإن سلك الحجر لم يجزه، وإن مشى على نفس أساس البيت فطاف لم يجزه، وإن مشى على حائط الحجر مثل ذلك لا يجزيه. إذا طاف بالبيت مستدبر الكعبة لا يجزيه، وكذلك إن طاف بالبيت مقلوبا لم يجزه وهو أن يجعل يساره إلى المقام لأنه يجب أن يجعل يمينه إلى المقام ويساره إلى البيت ويطوف به فمتى خالف لم يجزه، ومن شرط صحة الطواف الطهارة. فإن طاف به جنبا أو على غير وضوء لم يجزه وعليه إعادة الطواف إن كان طواف فريضة، وإن كان طواف نافلة تطهر وصلى ولا إعادة عليه، وإن أحدث في طواف الفريضة وقد طاف بعضه. فإن كان قد طاف أكثر من النصف تطهر وتمم ما بقي، وإن أحدث قبل النصف أعاد الطواف من أوله. ومن ظن أنه على وضوء وطاف ثم ذكر أنه كان محدثا تطهر وأعاد الطواف. ومن زاد في طواف الفريضة حتى طاف ثمانية أشواط عامدا أعاد الطواف. وإن شك فيما دون السبعة ولا يدري كم طاف أعاد الطواف من أوله، وكذلك إن شك بين الستة والسبعة والثمانية أعاد. وإن شك بين السبعة والثمانية قطع ولا شئ عليه. ومن شك بعد انصرافه في عدد الطواف لم يلتفت إليه. ومن نقص طوافه، ثم ذكر تمم ما نقص إذا كان في الحال، وإن انصرف فإن كان طاف أكثر من النصف تمم، وإن كان طاف أقل من النصف ثم ذكر بعد انصرافه أعاد من أوله. فإن لم يذكر حتى يرجع إلى أهله أمر من يطوف عنه، ومن شك فيما دون السبعة في النافلة بنى على الأقل، وإن زاد في الطواف في النافلة تمم أسبوعين، ولا يجوز القران في طواف الفريضة، ويجزي ذلك في النافلة، وينبغي ألا ينصرف إلا على وتر مثل أن تمم ثلاثة أسابيع.

[ 358 ]

ومن ذكر أنه نقص شيئا من الطواف في حال السعي قطع السعي ورجع فإن كان طاف أكثر من النصف تمم الطواف ورجع فتمم السعي، وإن كان أقل من النصف أعاد الطواف. ثم استأنف السعي. ومن زاد في الطواف ناسيا تمم أسبوعين وصلى بعدهما أربع ركعات يصلي ركعتين عند الفراغ من الطواف الفريضة ويمضي ويسعى فإذا فرغ من السعي عاد فصلى ركعتين أخرتين. ومن ذكر في الشوط الثامن قبل أن يبلغ الركن أنه طاف سبعا قطع الطواف، و إن جاوزه. ثم ذكر تمم أسبوعين على ما بيناه. ومن قطع طوافه بدخول البيت أو بالسعي في حاجة له أو لغيره فإن كان جاوز النصف بنى عليه، وإن لم يكن جاوز النصف، وكان طواف الفريضة أعاد وإن كان طواف نافلة بنى عليه. ومن كان في الطواف فدخل وقت الصلوة قطعة وصلى ثم تمم الطواف من حيث انتهى إليه وكذلك من كان في الطواف وتضيق عليه وقت الوتر فإن قارب طلوع الفجر أو طلع عليه الفجر أوتر وصلى الفجر ثم بنى على طوافه. والمريض على ضربين: أحدهما يقدر على إمساك طهارته، والآخر لا يقدر عليه. فالأول يطاف به ولا يطاف عنه، والثاني: ينتظر به زوال المرض. فإن صلح طاف بنفسه، وإن لم يصلح طيف عنه، وصلى هو الركعتين وقد أجزأه. وإذا طاف أربعة أشواط ثم اغتسل انتظر به يوم أو يومان فإن صلح تمم طوافه وإن لم يصلح أمر من يطوف عنه ما بقي ويصلي هو الركعتين، وإن كان طوافه أقل من ذلك وبرأ أعاد الطواف من أوله، وإن لم يبرء أمر من يطوف عنه أسبوعا. ومن حمل غيره فطاف به ونوى لنفسه الطواف أجزأه عنهما. ولا يطوف الرجل بالبيت إلا مختونا، ويجوز ذلك للنساء. ولا يجوز أن يطوف وفي ثوبه شئ من النجاسة. فإن لم يعلم ورأى في خلال الطواف النجاسة رجع فغسل ثوبه. ثم عاد فتمم طوافه. فإن علم بعد فراغه من الطواف

[ 359 ]

مضى طوافه ويصلي في ثوب طاهر، وحكم البدن وحكم الثواب سواء. ويكره الكلام في حال الطواف إلا بذكر الله وقراءة القرآن، ويكره إنشاد الشعر في حال الطواف. ومن نسي طواف الزيارة حتى يرجع إلى أهله وواقع أهله كان عليه بدنة و الرجوع إلى مكة وقضاء طواف الزيارة، وإن كان طواف النساء، وذكر بعد رجوعه إلى أهله جاز أن يستنيب غيره فيه ليطوف عنه فإن أدركه الموت قضى عنه وليه. ومن طاف بالبيت جاز له أن يؤخر السعي إلى بعد ساعة، ولا يجوز أن يؤخر ذلك إلى غد يومه. ولا يجوز تقديم السعي على الطواف فإن قدم سعيه على الطواف فعليه أن يطوف ثم يعيد السعي. المتمتع إذا أهل الحج لا يجوز له أن يطوف ويسعى إلا بعد أن يأتي منى و يقف بالموقفين إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يقدر على الرجوع إلى مكة أو مريضا أو امرأة تخاف الحيض فيحول ذلك بينها وبين الطواف فلا بأس بهم أن يقدموا طواف الحج والسعي. وأما المفرد والقارن فإنه يجوز لهما أن يقدما الطواف قبل أن يأتيا عرفات. وأما طواف النساء فلا يجوز إلا بعد الرجوع عن منى مع الاختبار. فإن كان هناك ضرورة تمنعه من الرجوع إلى مكة أو امرأة تخاف الحيض جاز لهما تقديم طواف النساء. ثم يأتيان الموقفين ومنا ويقضيان المناسك، ويذهبان حيث شاء. ولا يجوز تقديم طواف النساء على السعي فمن قدمه عليه كان عليه إعادة طواف النساء، وإن قدمه ناسيا أو ساهيا لم يكن عليه شئ، وقد أجزأه. وينبغي أن يتولى الانسان عدد الطواف بنفسه. فإن عول على صاحبه في تعداده كان جايزا،. ومتى شك جمعيا أعاد الطواف من أوله، ولا يطوف الرجل وعليه برطلة. ويستحب للانسان أن يطوف بالبيت ثلاث مائة وستين أسبوعا بعدد أيام السنة. فإن لم يتمكن طاف ثلاث مائة وستين شوطا. فإن لم يتمكن طاف ما يتمكن منه.

[ 360 ]

ومن نذر أن يطوف على أربع وجب عليه أسبوعان: أسبوع ليديه وإسبوع لرجليه. وطواف النساء فريضة في الحج على اختلاف ضروبه، وفي العمرة المبتولة، وليس بواجب في العمرة التي يتمتع بها إلى الحج على الأشهر في الروايات، وإن مات من وجب عليه طواف النساء كان على وليه القضاء عنه، وإن تركه وهو حي كان عليه القضاء فإن لم يتمكن من الرجوع إلى مكة جاز أن يأمر من ينوب عنه فيه فإذا طاف النائب عنه حلت له النساء. وطواف النساء فريضة على الرجال والنساء والصبيان والبالغين والشيوخ و الخصيان لا يجوز لهم تركه على حال. فإذا فرغ من طوافه أتى مقام إبراهيم عليه السلام وصلى فيه ركعتين يقرء في الأولى منهما الحمد وقل هو الله أحد، وفي الثانية الحمد و قل يا أيها الكافرون. وركعتا طواف الفريضة فريضة مثل الطواف على السواء، ومنع المقام حيث هو الساعة. ومن نسي هاتين الركعتين أو صلاهما في غير المقام. ثم ذكرهما عاد إلى المقام و صلى فيه ولا يجوز له أن يصلي في غيره. فإن خرج من مكة وقد نسي ركعتي الطواف فإن أمكنه الرجوع إليها رجع، وصلى عند المقام، وإن لم يمكنه الرجوع صلى حيث ذكره، ولا شئ عليه. وإذا كان في موضع المقام زحام جاز أن يصلي خلفه. فإن لم يتمكن صلى بحياله. ووقت ركعتي الطواف إذا فرغ منه أي وقت كان من ليل أو نهار سواء كان بعد العصر أو بعد الغداة إلا أن يكون طواف النافلة فإن كان ذلك آخر ركعتي الطواف إلى بعد طلوع الشمس أو بعد الفراغ من المغرب. ومن نسي ركعتي طواف الفريضة ومات قبل أن يقضيهما فعلى وليه القضاء عنه. من دخل إلى مكة على أربعة أقسام: أحدها: يدخله بحج أو عمرة فلا يجوز أن يدخلها إلا بإحرام بلا خلاف.

[ 361 ]

والثاني: يدخلها لقتال عند الحاجة الداعية إليه جاز أن يدخلها محلا كما دخل النبي صلى الله وعليه وآله عام الفتح وعلى المغفرة على رأسه بلا خلاف. والثالث: أن يدخلها لحاجة تتكرر مثل الرعاة والحطابة جاز لهم أن يدخلوها عندنا بغير إحرام. ورابعها: من يدخلها لحاجة لا تتكرر مثل تجارة وما جرى مجراها ولا يجوز عندنا أن يدخلها إلا بإحرام. * (فصل: في السعي وأحكامه) * السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج من تركه عامدا فلا حج له، و الأفضل إذا فرغ من الطواف أن يخرج إلى السعي ولا يؤخره، ولا يجوز تقديم السعي على الطواف فإن قدمه لم يجزه، وكان عليه الإعادة. فإذا أراد الخروج إلى الصفا استحب له استلام الحجر الأسود أولا، وأن يأتي زمزم فيشرب من مائها ويصب على بدنه دلوا منه، ويكون ذلك من الدلو الذي بحذاء الحجر، وليخرج من الباب المقابل للحجر الأسود حتى يقطع الوادي. فإذا صعد إلى الصفا نظر إلى البيت واستقبل الركن الذي فيه الحجر وحمد الله وأثنى عليه، و ذكر من آلائه وبلائه وحسن ما صنع به ما قدر عليه. ويستحب أن يطيل الوقوف على الصفا فإن لم يمكنه وقف بحسب ما يتسر له ويكبر الله سبعا، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك، وله الحمد يحيي ويميت، ويميت ويحيي، وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شئ قدير ثلاث مرات ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وآله ويدعوا بما أحب. ويستحب أن يدعو بما ذكرناه في الكتاب المقدم ذكره. ثم ينحدر إلى المروة ماشيا إن تمكن منه. فإن شق عليه جاز له الركوب فإذا انتهى إلى أول الزقاق (1) جاز له عن يمينه بعد ما يتجاوز الوادي إلى المروة سعى فإذا انتهى إليه كف عن السعي ومشى ماشيا، وإذا جاء من المروة بدء من عند الزقاق الذي

(1) والزقاق بضم: الطريق والسبيل والسوق، ومنه زقاق العطارين. مجمع.

[ 362 ]

وصفناه. فإذا انتهى إلى الباب قبل الصفا بعد ما تجاوز الوادي كف عن السعي ومشى مشيا. والسعي هو أن يسرع الانسان في مشيه إن كان ماشيا، وإن كان راكبا حرك دابته، وذلك على الرجال دون النساء، ومن ترك السعي ناسيا كان عليه إعادة السعي لا غير. فإن خرج من مكة. ثم ذكر أنه لم يسع وجب عليه الرجوع، والسعي بين الصفا والمروة. فإن لم يتمكن من الرجوع جاز له أن يأمر من يسعى عنه. والرمل مستحب من تركه لم يكن عليه شئ. ويجب البدأة بالصفا قبل المروة والختم بالمروة. فإن بدء بالمروة قبل الصفا وجب عليه إعادة السعي. فإذا طاف بين الصفا والمروة ولم يصعد عليهما أجزأه والصعود عليهما أفضل. والسعي المفروض بين الصفا والمروة سبع مرات يبدأ بالصفا. فإذا جاء إلى المروة كان ذلك مرة فإذا عاد إلى الصفا كان ذلك مرتين ثم هكذا حتى ينتهي في السابع إلى المروة فيختم بها. فإن سعى أكثر منه متعمدا وجب عليه إعادة السعي من أوله، وإن فعله ناسيا أو ساهيا أسقط الزيادة واعتد بالسبعة، وإن شاء أن يتم أربعة عشر جاز وإن قطع و أسقط الزيادة كان أيضا جايزا إذا كان بدء بالصفا. وإن سعى ثمان مرات وهو عند المروة أعاد السعي لأنه بدء من المروة، وإن سعى تسع مرات وهو عند المروة ساهيا فلا إعادة عليه. وإن سعى أقل من سبع مرات ناسيا وانصرف. ثم ذكر أنه نقص منه شيئا رجع فتمم ما نقص منه فإن لم يعلم كم نقص منه أعاد السعي، وإن واقع أهله قبل إتمام السعي فعليه دم بقرة، وكذلك إن قصر أو قلم أظفاره كان عليه دم بقرة، وإتمام ما نقص من السعي، والأفضل أن يكون على وضوء. فإن سعى على غير وضوء كان مجزيا فإن دخل عليه وقت فريضة قطع السعي وصلى ثم عاد، وتمم السعي. ويجوز أن يجلس بين الصفا والمروة للاستراحة، ولا بأس أن يقطعه لقضاء حاجة

[ 363 ]

له أو لبعض إخوانه. ثم يعود فيتم ما قطع عليه. وإن نسي الرمل في حال السعي حتى يجوز موضعه. ثم ذكر رجع القهقري إلى المكان الذي يرمل فيه. فإذا فرغ فيه من السعي قصر فإذا قصر فقد أحل من كل شئ أحرم منه، ولا يجوز في عمرة التمتع الحلق بل يقتصر على التقصير. فإن حلق كان عليه دم إذا كان عامدا، وإن كان ناسيا لا شئ عليه، وفي الحج الحلق أفضل والتقصير مجز والحلق إزالة الشعر سواء كان بموس أو النورة أو بالنتف فإن كل ذلك حلق، وأدنى ما يكون به حالقا إذا أزال شيئا من شعر رأسه قليلا أو كثيرا. والتقصير أن يقطع شيئا من الشعر قليلا كان أو كثيرا بعد أن يكون جماعة شعر وسواء كان من الشعر الذي على الرأس أو مما نزل من الرأس مثل الذوابة. فإن جميع ذلك تقصير، والأصلع يمر الموسى على رأسه استحبابا لا وجوبا يوم النحر وعند التقصير يأخذ من شعر لحيته أو حاجبيه أو يقلم أظفاره، وليس على النساء حلق وفرضهن التقصير، ومن حلق رأسه في العمرة حلقه يوم النحر. فإن لم ينبت شعره أمر الموسى على رأسه، ومن نسي التقصير حتى يهل بالحج كان عليه دم يهريقه، وقد تمت متعته وإن تركه متعمدا فقد بطلت متعته وصار حجته مفردة. ويستحب للمتمتع ألا يلبس المخيط، ويتشبه بالمحرمين بعد إحلاله قبل الاحرام بالحج فإن لبسها لم يكن مأثوما، ومتى جامع قبل التقصير كان بدنة إن كان موسرا وإن كان متوسطا فبقرة وإن كان فقيرا فشاة. فإن قبل امرأته قبل التقصير كان عليه دم شاة. فإن قصر فقد أحل من كل شئ أحرم منه من النساء والطيب وغير ذلك من أكل لحم الصيد. فأما الاصطياد فلا يجوز لأنه في الحرم. فأما ما صيد وذبح في غير الحرم يجوز له أكله، ولا ينبغي للمتمتع بالعمرة إلى الحج أن يخرج من مكة قبل أن يقضي مناسكها كلها إلا لضرورة. فإن اضطر إلى الخروج خرج إلى حيث لا يفوته الحج ويخرج محرما بالحج فإن أمكنه الرجوع إلى مكة، وإلا مضى إلا عرفات. فإن خرج بغير إحرام، ثم عاد فإن كاد عوده في الشهر الذي خرج فيه لم يضره إن لم يدخل مكة بغير

[ 364 ]

إحرام، وإن كان عوده إليها في غير ذلك الشهر دخلها محرما بالعمرة إلى الحج و يكون العمرة الأخيرة هي التي يتمتع بها إلى الحج. ويجوز للمحرم المتمتع إذا دخل مكة أن يطوف ويسعى ويقصر إذا علم أنه يقدر على إنشاء الاحرام بالحج بعده، والخروج إلى عرفات والمشعر ولا يفوته شئ من ذلك، فإن غلب على ظنه أنه يفوته ذلك أقام على إحرامه وجعلها حجة مفردة أي وقت كان ذلك. والأفضل إذا كان عليه زمان أن يطوف ويسعى ويقصر ويحل وينشئ الاحرام يوم التروية عند الزوال. فإن لم يلحق مكة إلا ليلة عرفة أو يوم عرفة جاز أيضا أن يطوف ويسعى ويقصر ثم ينشئ الاحرام ما بينه وبين الزوال. فإن زالت الشمس من يوم عرفة فقد فاتته العمرة ويكون حجة مفردة هذا إذا غلب ظنه أنه يلحق عرفات على ما قلناه. فإن غلب على ظنه أنه لا يلحقها فلا يجوز له أن يحل بل يقيم على إحرامه على ما قلناه. * (فصل: في ذكر الاحرام بالحج ونزول منى وعرفات والمشعر) * قد قلنا: إن الأفضل أن يحرم بالحج يوم التروية، ويكون ذلك عند الزوال بعد أن يصلي الفرضين، ويكون على غسل. فإن لم يتمكن من ذلك في هذا الوقت جاز أن يحرم بقية نهاره أو أي وقت شاء بعد أن يعلم أنه يلحق عرفات، وينبغي أن يفعل عند الاحرام للحج جميع ما يفعله عند الاحرام الأول من الغسل والتنظيف وإزالة الشعر عن جسده وأخذ شئ من شاربه وتقليم أظفاره، وغير ذلك. ثم يلبس ثوبي إحرامه، ويدخل المسجد حافيا على السكينة والوقار، ويصلي ركعتين عند المقام أو في الحجر، وإن صلى ست ركعات كان أفضل وإن صلى فريضة الظهر وأحرم عقيبها كان أفضل. وأفضل المواضع التي يحرم منها المسجد الحرام من عند المقام فإن أحرم من غير

[ 365 ]

المسجد جاز، وإذا صلى ركعتي الاحرام أحرم بالحج مفردا ويدعو بما دعا به عند الاحرام الأول غير أنه يذكر الحج مفردا لأن عمرته قد مضت. فإن كان ماشيا لبى من موضعه الذي صلى فيه، وإن كان راكبا لبى إذا نهض بعيره. فإذا انتهى إلى الردم و أشرف على الأبطح رفع صوته بالتلبية. ثم يخرج إلى منا، ويكون على تلبيته إلى زوال الشمس من يوم عرفة فإذا زالت قطع التلبية. ومن سهى في حال الاحرام فأحرم بالعمرة مضى في أفعال الحج وليس عليه شئ فإذا أحرم بالحج لم يجز له أن يطوف بالبيت إلى أن يرجع إلى منى فإن سهى فطاف لم ينتقض إحرامه غير أنه يعقده بتجديد التلبية. ومن نسي الاحرام بالحج إلى أن يحصل بعرفات جدد الاحرام بها ولا شئ عليه فإن لم يذكر حتى يرجع إلى بلده فإن كان قد قضى مناسكه كلها لم يكن عليه شئ. ويستحب إذا أراد الخروج إلى منى ألا يخرج من مكة حتى يصلي الظهر يوم التروية بها وهو يوم الثامن من ذي الحجة وعشر ذي الحجة يسمى بالأيام المعلومات والمعدودات ثلاثة أيام بعدها، وتسمى أيام الذبح والتشريق، وأيام منى، ويوم الثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر وليلة الحادي عشر ليلة القبر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، وليلة الرابع ليلة التحصيب. ويستحب للإمام أن يخطب في أربعة أيام من ذي الحجة يوم السابع منه ويوم عرفة ويوم النحر بمنى، ويوم النفر الأول يعلم الناس ما يجب عليهم فعله من مناسكهم فإذا صلى الظهر يوم التروية بمكة خرج متوجها إلى منى، وعلى الإمام أن يخرج من مكة حتى يصلي الظهر والعصر معا في هذا اليوم بمنى، ويقيم بها إلى طلوع الشمس من يوم عرفة. فإذا طلعت غدا منها إلى عرفات فإن اضطر إلى الخروج بأن يكون عليلا يخاف ألا يلحق أو يكون شيخا كبيرا، ويخاف الزحام جاز له أن يتعجل قبل أن يصلي الظهر. فإذا توجه إلى منى فليقل: اللهم إياك أرجو، وإياك أدعو فبلغني

[ 366 ]

أملي وأصلح لي عملي فإذا نزل منى قال: اللهم هذه منى وهي مما مننت به علينا من المناسك فأسألك أن تمن علي بما مننت به على أنبيائك فإنما أنا عبدك وفي قبضتك. وحد منى من العقبة إلى وادي محسر. فإذا طلعت الشمس من يوم عرفة خرج الإمام منها متوجها إلى عرفات، ومن عدا الإمام يجوز له أن يخرج بعد أن يصلي الفجر ومتوسع له ذلك إلى طلوع الشمس، ولا يجوز له أن يخرج من وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس. ومن اضطر إلى الخروج قبل طلوع الشمس [ الفجر خ ل ] جاز له أن يخرج و يصلي في الطريق فإذا توجه إلى عرفات فليقل: اللهم إياك صمدت، وإياك اعتمدت ووجهك أردت أسألك أن تبارك لي في رحلتي وأن تقضي لي حاجتي، وأن تجعلني ممن يباهي به اليوم من هو أفضل مني ويكون على تلبيته على ما ذكرناه إلى زوال الشمس. فإذا زالت اغتسل وصلى الظهر والعصر جميعا يجمع بينهما. ثم يقف بالموقف ويدعو لنفسه ولوالديه ولاخوانه المؤمنين بما أجرى الله على لسانه. فإن الأدعية المخصوصة في هذا الوقت كثيرة موجودة في كتب العبادات. ويستحب أن يضرب خبائه بنمرة وهو بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة، وحد عرفة من بطن عرنة وثوية (1) ونمرة إلى ذي المجاز، ولا يرتفع إلى الجبل إلا عند الضرورة إلى ذلك، ويكون وقوفه على السهل ولا يترك خللا إن وجده إلا سده بنفسه ورحله ولا يجوز الوقوف تحت الأراك ولا في نمرة (2) ولا في ثوية ولا في ذي المجاز، فإن هذه المواضع ليست من عرفات وإن وقف بها فلا حج له. ولا بأس بالنزول بها غير أنه إذا أراد الوقوف جاء إلى الموقف فوقف هناك. والوقوف بعرفات ركن من أركان الحج من تركه متعمدا فلا حج له، ومن

(1) ثوية بفتح الثاء وكسر الواو وتشديد الياء المفتوحة كما ضبطه أكثر الأصحاب، و ربما يظهر من كلام الجوهري أنه بضم الثاء.
(2) نمرة كفرحة: ناحية بعرفات أو الجبل الذي عليه انصاب الحرم على يمينك خارجا من المأزمين تريد الموقف وسبحه ها.

[ 367 ]

تركه ناسيا عاد إليها فوقف بها ما دام عليه وقت. فإن ضاق عليه الوقت ولحق المشعر الحرام فإنه يجزي به الوقوف بها عن الوقوف بعرفات. ويجوز الوقوف بعرفة راكبا وقائما، والقيام أفضل لأنه أشق ولا يفيض من عرفات قبل غروب الشمس. فإن أفاض قبل الغروب عامدا لزمه بدنة فإن عاد إليه قبل الغيبوبة سقط عنه، وإن عاد بعد غروبها لم يسقط عنه لأنه لا دليل على سقوطه. وإن لم يقدر على البدنة صام ثمانية عشر يوما إما في الطريق أو إذا رجع إلى أهله. والبدنة ينحرها بمنى، وإن أفاض قبل الغروب ساهيا أو جاهلا بأنه لا يجوز لم يلزمه شئ فإذا أراد الإفاضة قال: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف وارزقنيه أبدا ما أبقيتني وأقلبني اليوم مفلحا منجحا مستجابا لي مرحوما مغفورا لي بأفضل ما ينقلب به اليوم أحد من وفدك عليك، وأعطني أفضل ما أعطيت أحدا منهم من الخير والبركة والرحمة والرضوان والمغفرة، وبارك لي فيما أرجع إليه من مال أو أهل أو قليل أو كثير، وبارك لهم في. وينبغي أن يقتصد في السير ويسير سيرا جميلا. إذا بلغ إلى الكثيب الأحمر عن يمين الطريق قال: اللهم ارحم موقفي وزد في عملي وسلم ديني وتقبل مناسكي. ولا يصلي المغرب والعشاء الآخرة إلا بالمزدلفة وإن ذهب من الليل ربعه أو ثلثه فإن عاقه عائق عن المجئ إليها إلى أن يذهب من الليل أكثر من الثلث جاز أن يصلي المغرب في الطريق، ولا يجوز ذلك مع الاختيار. ويجمع بين الصلاتين بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين ولا يصلي بينهما نوافل، ولا يؤخر نوافل المغرب إلى الفراغ من العشاء الآخرة فإن خالف وفصل بينهما بالنوافل لم يكن مأثوما وإن كان تاركا فضلا. والمزدلفة تسمى المشعر الحرام، وتسمى أيضا جمعا، وحده ما بين المأزمين إلى الحياض وإلى وادي محسر.

[ 368 ]

ولا ينبغي أن يقف إلا فيما بين ذلك فإن ضاق عليه الموضع جاز أن يرتفع إلى الجبل. فإذا أصبح يوم النحر صلى الفجر ووقف للدعاء إن شاء قريبا من الجبل وإن شاء في موضعه التي بات فيه وليحمد الله تعالى ويثني عليه ويذكر من آلائه وبلائه ما قدر عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله، ويستحب للصرورة أن يطأ المشعر الحرام، ولا يتركه مع الاختيار، والمشعر الحرام جبل هناك مرتفع يسمى فراخ. ويستحب الصعود عليه، وذكر الله عند فإن لم يمكنه ذلك فلا شئ عليه لأن رسول الله صلى الله عليه وآله فعل ذلك في رواية جابر. واعلم أن الوقوف بالمشعر ركن على ما مضى القول فيه، وهو آكد من الوقوف بعرفة لأن من فاته الوقوف بعرفة أجزأه الوقوف بالمشعر، ومن فاته الوقوف بالمشعر لم يجزه الوقوف بعرفة وإلى أي وقت يلحق الوقوف سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى. * (فصل: في ذكر نزول منى بعد الإفاضة من المشعر وقضاء) * * (المناسك بها) * لا يجوز للإمام أن يخرج من المشعر إلا بعد طلوع الشمس وعلى من عدا الإمام أن يخرج قبل طلوعها بقليل، ويرجع إلى منى ولا يجوز وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس، وإن أخر من عدا الإمام الخروج إلى بعد طلوع الشمس لم يكن عليه شئ ولا يجوز الخروج من المشعر قبل طلوع الفجر فإن خرج قبل طلوعه متعمدا لزمه دم شاة، وإن خرج ناسيا أو ساهيا لم يكن عليه شئ ومرخص للمرأة، الرجل إذا خاف على نفسه أن يفيضا إلى منى قبل طلوع الفجر فإذا بلغ وادي محسر وهو وادي عظيم بين جمع ومنى، وهو إلى منى أقرب سعى فيه حتى يجوزه، ويقول: اللهم سلم عهدي واقبل توبتي وأجب دعوتي واخلفني فيمن تركت بعدي فإن ترك السعي في وادي محسر رجع فيه أن تمكن منه. فإن لم يتمكن فلا شئ عليه. وينبغي أن يأخذ على الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، و عليه بمنى يوم النحر ثلاثة مناسك: أوله: رمي الجمرة الكبرى، والثاني: الذبح، و

[ 369 ]

الثالث: الحلق أو التقصير. وأما أيام التشريق فعليه كل يوم رمي الثلاث جمار على ما نرتبه، ويجوز أخذ حصاء الجمار من ساير الحرم سوى المسجد الحرام ومسجد الخيف، ومن حصا الجمار ولا يجوز أخذ الحصى من غير الحرم، ولا يجوز أن يرمي الجمار إلا بالحصى. ويستحب أن يكون الحصا برشا، ويكره أن يكون حما، ويكون قدرها مثل الأنملة منقطة كحلية، ويكره أن ينكسر شيئا من الحصى بل يلتقط بعدد ما يحتاج إليه. ويستحب أن لا يرمي الجمار إلا على طهر. فإن رماها على غير طهر لم يكن عليه شئ. فإذا أراد الرمي فعليه أن يرمي الجمرة العظمى يوم النحر بسبع حصيات يرميها خذفا يضع كل حصاة على بطن إبهامه ويدفعها بظفر السبابة ويرميها من بطن الوادي من قبل وجهها، وينبغي أن يكون بينه وبين الجمرة مقدار عشرة أذرع إلى خمس عشرة ذراعا، ويقول حين يريد أن يرمي: اللهم هؤلاء حصياتي فاحصهن على وارفعهن في عملي. ويقول مع كل حصاة: اللهم ادحر عني الشيطان اللهم تصديقا بكتابك، وعلى سنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله اللهم اجعله حجا مبرورا وعملا مقبولا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا، ويجوز أن يرميها راكبا وماشيا، والركوب أفضل لأن النبي صلى الله عليه وآله رماها راكبا ويكون مستقبلا لها مستدبر الكعبة وإن رماها عن يسارها جاز. وجميع أفعال الحج يستحب أن يكون مستقبل القبلة من الوقوف بالموقفين و رمي الجمار إلا رمي جمرة العقبة يوم النحر فإن النبي عليه أفضل الصلوة والسلام رماها مستقبلها مستدبرا الكعبة. ولا يأخذ الحصى من المواضع التي يكون فيها نجاسة فإن أخذها وغسلها أجزأه، وإن لم يغسلها ترك الأفضل وأجزأه لأن الإثم يتناوله. إذا رمى فأصاب شيئا. ثم وقع على المرمي أجزأه وإن رمى فوقع على عنق بعير فنقص عنقه فأصاب الجمرة أو وقعت على ثوب انسان فنفضه فأصاب الجمرة لم يجزه، وإذا رمى فلا يعلم هل وقعت على الجمرة أم لا؟ لا يجزيه. فإن وقعت على مكان أعلى من الجمرة

[ 370 ]

وقد حرجت إليها أجزأه وإذا وضعها على الجمرة وضعا لا يجزيه، وإذا وقعت على حصاة أخرى طفرت الثانية إلى الجمرة وبقيت التي رماها في مكان تلك فلم يجزه. فإذا فرغ من رمي جمرة العقبة ذبح هديه وإن كان متمتعا فالهدي واجب عليه، وإن كان قارنا ذبح هديه الذي ساقه وإن كان مفردا لم يكن عليه شئ فإن تطوع بالأضحية كان فيه فضل كثير. ومن وجب عليه الهدي ولا يقدر عليه. فإن كان معه ثمنه خلفه عند من يثق به حتى يشتري له هديا يذبح عنه في العام المقبل في ذي الحجة، وإن أصابه في مدة مقامه بمكة إلى انقضاء ذي الحجة جاز له أن يشتري به ويذبحه، وإن لم يصبه فعل ما ذكرناه. فإذا لم يقدر على الهدي ولا على ثمنه وجب عليه صيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله فالثلاثة أيام يوم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة. فإن فاته صوم هذه الأيام صام يوم الحصبة وهو يوم النفر ويومين بعده متواليات فإن فاته ذلك أيضا صامهن في بقية ذي الحجة فإن أهل المحرم ولم يكن صام وجب عليه دم شاة واستقر في ذمته الدم وليس له صوم. فإن مات من وجب عليه الهدي، ولم يكن معه ثمنه، ولا يكون صام أيضا صام عنه وليه الثلاثة أيام ولا يلزمه قضاء السبعة أيام بل يستحب له ذلك هذا إذا تمكن من الصوم فلم يصم. فأما إن لم يتمكن من الصوم أصلا لمرض فلا يجب القضاء عنه وإنما يستحب ذلك وإذا صام الثلاثة أيام ورجع إلى أهله صام السبعة أيام فإن جاور بمكة انتظر مدة وصول أهل بلده إلى البلد أو شهرا ثم صام بعد ذلك السبعة أيام. ولا يجوز أن يصوم الثلاثة أيام بمكة ولا منا أيام التشريق ومن فاته صوم يوم قبل التروية صام يوم التروية وعرفة ثم صام يوما آخر بعد أيام التشريق فإن فاته صوم يوم التروية فلا يصم يوم عرفة بل يصوم الثلاثة أيام بعد انقضاء أيام التشريق متتابعات وقد رويت رخصة في تقديم صوم الثلاثة أيام من أول العشر (1) والأحوط الأول لأنه

(1) المروية في الكافي باب صوم المتمع إذا لم يجد الهدي ج 4 ص 507 الرقم 2 عن زرارة عن أحدهما: أنه قال: من لم يجد هديا وأحب أن يقدم الثلاثة الأيام في أول العشر فلا بأس.

[ 371 ]

ربما حصل له الهدي ومن ظن أنه إن صام يوم التروية ويوم عرفة أضعفه عن القيام بالمناسك أخرها إلى بعد انقضاء أيام التشريق، ومن صام هذه الثلاثة أيام بعد أيام التشريق أو في أول العشر على ما بيناه من الرخصة فلا يصمهن إلا متتابعات، ومن لم يصم الثلاثة أيام وخرج عقيب أيام التشريق صامها في الطريق، وإن لم يتمكن من ذلك صامهن مع السبعة أيام إذا رجع أهله إذا كان ذلك قبل أن يهل المحرم. فإن أهل المحرم استقر في ذمته الدم على ما بيناه، ولا بأس بتفريق صوم السبعة أيام، ومن لم يصم الثلاثة أيام بمكة ولا في الطريق ورجع إلى بلده، وكان متمكنا من الهدي بعث به فإنه أفضل من الصوم. ومن صام ثلاثة أيام ثم أيسر ووجد ثمن الهدي لا يلزمه الانتقال إلى الهدي ويجوز أن يصوم ما بقي عليه، والأفضل أن يشتري الهدي. والمتمتع إذا كان مملوكا وحج بإذن مولاه كان المولى مخيرا بين أن يذبح عنه أو يأمره بالصوم فإن أعتق العبد قبل انقضاء الوقوف بالموقفين كان عليه الهدي ولم يجزه الصوم مع الامكان فإن لم يقدر عليه كان حكمه حكم الأحرار في الأصل على ما فصلناه، وإذا لم يصم العبد إلى انقضاء أيام التشريق. فالأفضل لمولاه أن يهدي عنه، ولا يأمره بالصوم، وإن أمره لم يكن به بأس، وإنما الخيار قبل انقضاء هذه الأيام والصوم بعد انقضاء أيام التشريق يكون أداء لا قضاء. وإذا أحرم بالحج ولم يكن صام ثم وجد الهدي لم يجز له الصوم فإن مات وجب أن يشتري الهدي من تركته من أصل المال لأنه دين عليه، ولا يجوز أن يذبح الهدي الواجب في الحج إلا بمنى في يوم النحر أو بعده. فإن ذبح بمكة لم يجزه وما ليس بواجب جاز ذبحه أو نحره بمكة، وإذا ساق هديا في الحج فلا يذبحه أيضا إلا بمنى فإن ساقه في العمرة نحره بمكة قبالة الكعبة بالجزورة. وأيام النحر بمنى أربعة أيام: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وفي غيره من البلدان ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده هذا في التطوع فأما هدي المتعة فإنه يجوز ذبحه طول ذي الحجة إلا أنه يكون بعد انقضاء هذه الأيام قضاء، والتطوع يكون قد

[ 372 ]

مضى وقته، ولا قضاء فيه، ولا يجوز في الهدي الواجب إلا واحد عن واحد مع الاختيار سواء كانت بدنا أو بقرة، ويجوز عند الضرورة عن خمسة وعن سبعة وعن سبعين، و كلما قلوا كان أفضل، وإن اشتركوا عند الضرورة أجزأت عنهم سواء كانوا متفقين في النسك أو مختلفين، ولا يجوز أن يرتد بعضهم اللحم، وإذا أرادوا ذبحه أسندوه إلى واحد منهم ينوب عن الجماعة، ويسلم مشاعا اللحم إلى المساكين وإن كان تطوعا جاز أن يشتركوا فيه إذا كانوا أهل خوان واحد مع الاختيار، وإن لم يكونوا أهل خوان واحد جاز لهم مع الضرورة، ولا يجوز في الهدي ولا الأضحية العرجاء البين عرجها، ولا العوراء البين عورها ولا العجفاء (1) ولا الخرماء (2) ولا الجذاء وهي المقطوعة الأذن ولا العضباء وهي المكسورة القرن. فإن كان القرن الداخل صحيحا لم يكن به بأس و إن كان ما ظهر منه مقطوعا فلا بأس به، وإن كانت أذنه مشقوقة أو مثقوبة إذا لم يكن قد قطع منهما شئ. ومن اشترى هديا على أنه تام فوجدها ناقصا لم يجز عنه إذا كان واجبا فإن كان تطوعا لم يكن به بأس. ولا يجوز الهدي إذا كان خصيا ولا التضحية به. فإن كان موجوء لم يكن به بأس وهو أفضل من الشاة، والشاة أفضل من الخصي. وأفضل الهدي البدن فإن لم يجد فمن البقر. فإن لم يجد ففحلا من الضأن. فإن لم يجد فتيسا من المعزى، وإن لم يجد إلا شاة كان جايزا عند الضرورة، وأفضل ما يكون من البدن والبقر ذوات الأرحام ومن الغنم الفحولة، ولا يجوز من الإبل إلا من الثنى فما فوقه وهو الذي تم له خمس سنين، ودخل في السادسة، وكذلك من البقر لا يجوز إلا الثني، وهو الذي تمت له سنة، ودخل في الثانية، ويجزي من الضأن الجذع لسنة.

(1) العجفاء: المهزول.
(2) والخرماء قال في المجمع: هي التي تقطع وتر: أنفها قطعا لا يبلغ الجذع، و الأخرم أيضا: مشقوق الأذن.

[ 373 ]

وينبغي أن يكون الهدي سمينا فإن كان من الغنم يكون فحلا أقرن ينظر في سواد ويمشي في سواد. فإن اشترى أضحية على أنها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت عنه وإن اشتراها على أنها مهزولة فخرجت سمينة كان جائزا أيضا وإن اشتراه على أنها مهزولة فكانت كذلك لم يجزه، وحد الهزال الذي لا يجزي ألا يكون على كليته شئ من الشحم، وإذا لم يجد على هذه الصفة اشتراها كما يتسهل ولا يشتري إلا ما عرف به وهو أن يكون أحضر عرفات فإن ابتاعه على أنه عرف به فقد أجزأه ولا يلزمه أن يعرف به، وقد بينا أن الهدي لا يجوز أن يكون خصيا فإن ذبح خصيا وقدر على أن يقيم بدله لم يجزه، وعليه الإعادة، وإن لم يتمكن أجزء عنه. ومن اشترى هديا. ثم أراد أن يشتري أسمن منه اشتراه، وباع الأول إن شاء وإن ذبحهما كان أفضل، ولا يجوز أن يذبح ما يلزم الحاج على اختلاف ضروبه من الهدي والكفارات إلا بمنى، وما يلزم منه في إحرام العمرة فلا ينحره إلا بمكة. ومن اشترى هديه فهلك فإن كان واجبا وجب عليه إن يقيم بدله، وإن كان تطوعا فلا شئ عليه، والهدي الواجب لا يجوز أن يأكل منه، وهو كلما يلزمه من النذور والكفارات، وإن كان تطوعا فلا بأس بأكله منه. وإذا هلك الهدي قبل أن يبلغ محله نحره أو ذبحه وغمر النعل في الدم وضرب به صفحة سنامه ليعلم بذلك أنه هدي. وإذا انكسر الهدي جاز بيعه والتصدق بثمنه ويقيم آخر بدله، وإن ساقه على ما به إلى المنحر فقد أجزأه. وإذا سرق الهدي من موضع حصين أجزء عن صاحبه وإن أقام بدله كان أفضل ومن وجد هديا ضالا عرفه يوم النحر، والثاني والثالث. فإن وجد صاحبه وإلا ذبح عنه، وقد أجزأ عن صاحبه إذا ذبح بمنى فإن ذبح بغيرها لم يجزه. وإذا عطب في موضع لا يوجد فيه من يتصدق عليه نحر وكتب كتابا ويوضع عليه ليعلم من مر به أنه صدقة. فإذا ضاع هديه واشترى بدله ثم وجد الأول كان بالخيار إن شاء ذبح الأول

[ 374 ]

وإنشاء ذبح الأخير إلا أنه متى ذبح الأول جاز له بيع الأخير، ومتى ذبح الأخير لزمه أن يذبح الأول، ولا يجوز له بيعه هذا إذا كان قد أشعره أو قلده فإن لم يكن أشعره ولا قلده جاز له بيع الأول إذا ذبح الثاني. ومن اشترى هديا وذبحه فاستعرفه رجل، وذكر أنه هديه ضل عنه، وأقام بذلك شاهدين كان له لحمه، ولا يجزي عن واحد منهما. وإذا نتج الهدي كان حكم ولده حكمه في وجوب نحره أو ذبحه، ولا بأس بركوب الهدي وشرب لبنه ما لم يضر به ولا بولده. فإذا أراد نحر البدنة نحرها وهي قايمة من قبل اليمين ويربط يديها ما بين الخف إلى الركبة ويطعن في لبتها. ويستحب أن يتولى الذبح أو النحر بنفسه فإن لم يحسنه جعل يده مع يد الذابح، ويسمي الله ويقول: وجهت وجهي. إلى قوله: وأنا من المسلمين. ثم يقول: اللهم منك ولك بسم الله والله أكبر اللهم تقبل مني. ثم يمر السكين، ولا ينخعه حتى يموت، ومن أخطأ في الذبيحة فذكر غير صاحبها أجزأت عنه بالنية، وينبغي أن يبدأ بمنى بالذبح قبل الحلق، وفي العقيقة بالحلق قبل الذبح، فإن قدم الحلق على الذبح ناسيا لم يكن عليه شئ. ومن السنة أن يأكل من هدية لمتعته، ويطعم القانع، والمعتر يأكل ثلثه، ويطعم القانع والمعتر ثلثه، ويهدي للأصدقاء ثلثه. وقد بينا أن الهدي المضمون لا يجوز أن يأكل منه وهو ما كان حيرانا فإن اضطر إليه جاز أن يأكل منه، وإن أكله من غير ضرورة كان عليه قيمته، ويجوز أكل لحم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، وإذخارها، ولا يجوز أن يخرج من منى من لحم ما يضحيه، ولا بأس بإخراج السنام منه، ولا بأس أيضا بإخراج لحم قد ضحاه غيره. ويستحب أن لا يأخذ شيئا من جلود الهدي والأضاحي بل يتصدق بها كلها ولا يجوز أن يعطيها الجزار فإن أراد أن يخرج شيئا منها لحاجته إلى ذلك تصدق بثمنه ولا يجوز أن يحلق رأسه ولا أن يزور البيت إلا بعد الذبح أو أن يبلغ الهدي محله، وهو أن يحصل في رحله. فإذا حصل في رحله بمنى وأراد أن يحلق جاز له ذلك، و

[ 375 ]

الأفضل ألا يحلق حتى يذبح. ومتى حلق قبل أن يحصل الهدي في رحله لم يكن عليه شئ. ومن وجبت عليه بدنة في نذر أو كفارة ولم يجدها كان عليه سبع شياة فإن لم يجد صام ثمانية عشر يوما إما بمكة أو إذا رجع إلى أهله. والصبي إذا حج به متمتعا وجب على وليه أن يذبح عنه. ومن لم يتمكن من شراء الهدي إلا ببيع ما يتجمل به من ثيابه لم يلزمه ذلك وأجزأه الصوم. والهدي مجز عن الأضحية والجمع بينهما أفضل. ومن نذر أن ينحر بدنة فإن سمى الموضع الذي ينحر فيه فعليه الوفاء به، و إن لم يسم الموضع لا يجوز أن ينحرها إلا بفناء الكعبة. ويكره أن يذبح شيئا تولى تربيته بل ينبغي أن يشتريه في الحال. الهدي على ثلاثة أضرب: تطوع ونذر شئ بعينه ابتداء وتعين هدي واجب في ذمته. فإن كان تطوعا مثل أن خرج حاجا أو معتمرا فساق معه هديا بنية أنه ينحره في منى أو بمكة من غير أن يشعره أو يقلده فهذا على ملكه يتصرف فيه كيف شاء من بيع وهبة وله ولده وشرب لبنه، وإن هلك فلا شئ عليه. الثاني: هدي أوجبه بالنذر ابتداء بعينه مثل أن قال: لله علي أن أهدى هذه الشاة أو هذه البقرة أو هذه الناقة. فإذا قال هذا زال ملكه عنها وانقطع تصرفه في حق نفسه فيها، وهي أمانة للمساكين في يده وعليه أن يسوقها إلى المنحر فإن وصل نحر وإن عطب في الطريق نحره حيث عطب وجعل عليه علامة على ما قدمناه ليعرف أنها هدي للمساكين، فإذا وجدها المساكين حل لهم التصرف فيها، وإن هلكت فلا شئ عليه، وإن نتجت هذه الناقة ساق معها ولدها وهي والولد للمساكين. فإن ضعف عن المشي معها حمله على أمه ولبنها إن كان وفقا لري الفصيل وقدر حاجته. فالولد أحق به فإن شرب منه شيئا ضمنه، وإن كان أكثر من حاجة الفصيل فالحكم فيه و في الفصيل إذا هلك واحد، وهو بالخيار بين أن يتصدق به، وبين أن يشربه ولا شئ عليه، والأفضل أن يتصدق به.

[ 376 ]

الثالث: ما وجب في ذمته عن نذر أو ارتكاب محظور كاللباس والطيب والثوب والصيد أو مثل دم المتعة فمتى عينه في هدي بعينه تعين فيه فإذا عينه زال ملكه عنه وانقطع تصرفه فيه وعليه أن يسوقه إلى المنحر فإن وصل نحره أجزأه، وإن عطب في الطريق أو هلك سقط التعين وكان عليه إخراج الذي في ذمته. وإذا نتجت فحكم ولدها حكمها، وكل هدي كان جبرانا أو نذرا مطلقا كان أو معينا لا يجوز الأكل منه، وما كان تطوعا أو هدي التمتع جاز الأكل منه إذا وصل الهدي الواجب إلى المحل والمتطوع به قدم الواجب الذبح أولا فإنه أفضل و أحوط. قد بينا أن يتولي الذبح بنفسه فإن لم يفعل جعل يده مع يد الذابح فإن لم يفعل حضره. ويستحب أن يفرق اللحم بنفسه ويجوز الاستنابة فيه فإن نحره وخلا بينه و بين المساكين كان أيضا جايزا، إذا نذر هديا بعينه زال ملكه، ولا يجوز له بيعه، و إخراج بدله على ما بيناه. فإذا فرغ من الذبح حلق بعده إن كان صرورة ولا يجزيه غير الحلق، وقد تقدم معناه، وإن كان حج حجة الاسلام جاز له التقصير، والحلق أفضل. فإن لبد شعره لم يجزه غير الحلق على كل حال ومن ترك الحلق عامدا أو التقصير حتى يزور البيت كان عليه دم شاة، وإن فعله ناسيا لم يكن عليه شئ وعليه إعادة الطواف. ومن رحل من منى قبل الحلق رجع إليها ولا يحلق إلا بها مع الاختيار فإن لم يمكنه حلق رأسه مكانه وأنفذ شعره إلى منى ليدفن بها فإن لم يمكنه فلا شئ عليه، ويكفي المرأة التقصير وليس عليها حلق ويجزيها من التقصير مثل أنملة. وإذا أراد الحلق بدأ بنا صيته من القرن الأيمن وحلقه إلى العظمين، ويقول إذا حلق: اللهم أعطني بكل شعرة نورا يوم القيمة، ومن لا شعر على رأسه أمر الموسى عليه، وأجزأه فإذا حلق رأسه أو قصر فقد حل له كل شئ أحرم منه إلا

[ 377 ]

النساء والطيب، وهو التحلل الأول إن كان متمتعا وإن كان غير متمتع حل له الطيب أيضا ولا تحل له النساء. فإذا طاف المتمتع طواف الزيارة حل له الطيب ولا يحل له النساء وهو التحلل الثاني، فإذا طاف طواف النساء حلت له النساء، وهو التحلل الثالث الذي لا يبقى بعده شئ من حكم الاحرام. ويستحب ألا يلبس المخيط إلا بعد الفراغ من طواف الزيارة وليس ذلك بمحظور. وكذلك يستحب ألا يمس الطيب إلا بعد طواف النساء وليس ذلك بمحظور أيضا على ما فصلناه. فإذا فرغ من مناسكه بمنى يوم النحر توجه إلى مكة لزيارة البيت يوم النحر ولا يؤخره إلا لعذر فإن أخره لعذر زار من الغد ولا يؤخره أكثر من ذلك إذا كان متمتعا فإن كان مفردا أو قارنا جاز أن يؤخره إلى أي وقت شاء والأفضل التقديم غير أنه لا يحل له النساء. ويستحب الغسل لمن أراد زيارة البيت قبل دخول المسجد والطواف وتقليم الأظفار وأخذ الشارب. فإذا فعل ذلك زار، ويجوز أن يغتسل بمنى ثم يجئ إلى مكة فيطوف بذلك الغسل، ولا بأس أن يغتسل بالنهار ويطوف بالليل ما لم يحدث. فإن أحدث أو نام أعاد الغسل استحبابا ليطوف على غسل. والغسل مستحب للمرأة أيضا قبل الطواف. وإذا أراد أن يدخل المسجد وقف على بابه وقال: اللهم أعني على نسكك. إلى آخر الدعاء. ثم يدخل المسجد ويأتي الحجر الأسود فيستلمه ويقبله فإن لم يستطع استلمه بيده وقبل يده. فإن لم يتمكن من ذلك استقبله وكبر وقال: ما قال حين طاف يوم قدم مكة. ثم يطوف أسبوعا على ما مضى شرحه، ويصلي عند المقام ركعتين. ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيقبله إن استطاع وإلا استقبله وكبر. ثم يخرج إلى الصفا فيصنع عنده ما صنع يوم دخل مكة ويطوف بين الصفا والمروة سبعة أشواط. يبدأ بالصفا ويختم بالمروة على ما مضى وصفه. فإذا فعل ذلك فقد حل له

[ 378 ]

كل شئ أحرم منه إلا النساء. ثم يرجع إلى البيت فيطوف به طواف النساء أسبوعا و يصلي ركعتين عند المقام وقد حلت له النساء فإذا فرغ من الطواف فليرجع إلى منى ولا يبيت ليالي التشريق إلا بمنى. فإن بات في غيرها كان عليه دم شاة، وإن بات بمكة ليالي التشريق مشتغلا بالطواف والعبادة لم يكن عليه شئ وإن كان بغير ذلك كان عليه ما ذكرناه، وإن خرج من منى بعد نصف الليل جاز له أن يبيت بغيرها غير أنه لا يدخل مكة إلا بعد طلوع الفجر، وإن تمكن ألا يخرج منها إلا بعد طلوع الفجر كان أفضل. من بات عن منى ليلة كان عليه دم على ما قدمناه، وإن بات عنها ليلتين كان عليه دمان. فإن بات ليلة الثالثة لا يلزمه شئ لأن له النفر في الأول، والنفر الأول يوم الثاني من أيام التشريق بلا خلاف. والنفر الثاني يوم الثالث من أيام التشريق وقد روي في بعض الأخبار أن من بات ثلاث ليال عن منى فعليه ثلاث دماء وذلك محمول على الاستحباب أو على من لم ينفر في النفر الأول حتى غابت الشمس فإنه إذا غابت الشمس ليس له أن ينفر فإن نفر فعليه دم. والأفضل ألا يبرح الانسان من منى أيام التشريق فإن أراد أن يأتي مكة للطواف بالبيت تطوعا جاز، والأفضل ما قدمناه. والواجب عليه أن يرمي ثلاثة أيام التشريق الثاني من النحر والثالث والرابع كل يوم إحدى وعشرين حصاة ثلاث جمار كل جمرة منها سبع حصيات ويكون ذلك عند الزوال فإنه أفضل فإن رماها بين طلوع الشمس إلى غروبها لم يكن به بأس فإذا أراد أن يرمي بدء بالجمرة الأولى ورماها عن يسارها من بطن المسيل بسبع حصيات يرميهن خذفا على ما قدمناه، ويكبر مع كل حصاة ويدعو بما قدمناه. ثم يقوم عن يسار الطريق ويستقبل القبلة ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله ثم يتقدم قليلا ويدعو ويسأله أن يتقبل منه. ثم يتقدم أيضا ويرمي الجمرة الثانية ويصنع عندها كما صنع عند الأولى ويقف ويدعو. ثم يمضي إلى الثالثة فيرميها كما رمى الأولتين ولا يقف عندها فإن غابت الشمس ولم يكن رمى فلا يرميها ليلا بل

[ 379 ]

يقضيها من الغد فإذا كان من الغد رمى ليومه مرة قضاء لما فاته ويفصل بينهما بساعة. ويستحب أن يكون الذي يرمي لأمسه بكرة والذي ليومه عند الزوال فإن فاته رمي يومين رماها كلها يوم النفر، ولا شئ عليه، وقد رخص للعليل والخائف والرعاة والعبيد الرمي ليلا. ومن نسي رمي الجمار إلى أن أتى مكة عاد إلى منى ورماها ولا شئ عليه. وحكم المرأة في جميع ما ذكرناه حكم الرجل سواء. فإن لم يذكر حتى يخرج من مكة فلا شئ عليه فإن حج في العام المقبل أعاد ما كان فاته من رمي الجمار فإن لم يحج أمر وليه أن يرمي عنه. فإن لم يكن له ولي استعان بمن يرمي عنه من المسلمين، ومن فاته رمي يوم قضاه من الغد على ما قلناه، ويبدء بالفايت أولا فإن بدأ بالذي قضاه من الغد ليومه لم يجزه عن يومه ولا عن أمسه، وإن يرمي جمرة واحدة بأربع عشرة حصاة سبع ليومه وسبع لأمسه بطلت الأولى وكانت الثانية لأمسه. والترتيب واجب في الرمي يجب أن يبدء بالجمرة العظمى. ثم الوسطى. ثم جمرة العقبة فمن خالف شيئا منها أو رماها منكوسة كان عليه الإعادة ومن بدء بالجمرة العقبة ثم الوسطى، ثم الأولى أعاد على الوسطى، ثم جمرة العقبة. فإن نسي فرمي من الجمرة الأولى بثلاث حصيات، ثم رمي الجمرتين الأخرتين على التمام أعاد الرمي عليها كلها وإن كان قد رمى من الجمرة الأولى بأربع حصيات ورمى الجمرتين على التمام أعاد على الأولى بثلاث حصيات، وكذلك إن رمى من الوسطى أقل من الأربعة أعاد عليها و على ما بعدها، وإن رماها بأربعة أتمها ولا إعادة عليه في الثانية وإن رمي الأولتين على التمام، ورمى الثالثة ناقصة تممها على كل حال لأنه لا يترتب عليها رمي آخر ومن رمي جمرة بست حصيات وضاعت عنه واحدة أعاد عليها بحصاة وإن كان من الغد فإن لم يدر من أي الجمار ضاعت رمى كل جمرة بحصاة ولا يجوز أن يأخذ من حصى الجمار فيرمي بها، فإن رمى بحصاة فوقعت في محمله أعاد مكانها حصاة أخرى فإن أصابت انسانا أو دابة. ثم وقعة على الجمرة أجزأه. ويجوز أن يرمي راكبا وماشيا، ويجوز الرمي عن العليل والمبطون والمغمى

[ 380 ]

عليه والصبي ولا بد من إذنه إذا كان عقله ثابتا. ويستحب أن يترك الحصي في كفه ثم يؤخذ ويرمي. وينبغي أن يكبر الانسان بمنى عقيب خمس عشرة صلوات من الفرايض يبدأ بالتكبير يوم النحر بعد الظهر إلى صلوة الفجر من يوم الثالث وفي الأمصار عقيب عشرة صلوات يبدأ عقيب الظهر من يوم النحر إلى صلوة الفجر من اليوم الثاني من أيام التشريق ويقول في التكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر على ما هدانا وله الشكر على ما أولانا، ورزقنا من بهيمة الأنعام، ومن أصحابنا من قال: إن التكبير واجب، ومنهم من قال: إنه مسنون وهو الأظهر، ولا يكبر عقيب النوافل ولا في الطرقات والشوارع لأجل هذه الأيام خصوصا، ولا يكبر أيضا قبل يوم النحر في شئ من أيام العشر بحال. * (فصل: في ذكر النفر بمنى ووداع البيت) * * (ودخول الكعبة) * النفر نفران: أولهما: اليوم الثاني من أيام التشريق، وهو الثالث من يوم النحر. والثاني: يوم الثالث من التشريق، وهو الرابع من النحر والمقام إلى النفر الأخير أفضل، ولا يجوز النفر الأول إلا لمن أصاب النساء أو الصيد في إحرامه فإنه لا يجوز لهما أن ينفرا في الأول. ويستحب للإمام أن يخطب لنفسه يوم النفر الأول ويعلم الناس جواز التعجيل والتأخير، وإذا أراد أن ينفر في الأول فلا ينفر إلا بعد الزوال إلا لضرورة من خوف وغيره فإن عند ذلك يجوز أن ينفر قبل الزوال وله أن ينفر بعد الزوال ما بينه وبين غروب الشمس فإذا غابت لم يجز له النفر، وعليه أن يبيت بمنى إلى الغد وإذا نفر في النفر الأخير جاز له أن ينفر من بعد طلوع الشمس أي وقت شاء فإن لم ينفر وأراد المقام بمنى جاز له ذلك إلا الإمام خاصة فإن عليه أن يصلي الظهر بمكة.

[ 381 ]

من نفر من منى، وكان قد قضى مناسكه كلها جاز له أن لا يدخل مكة وإن كان قد بقي عليه شئ من المناسك ولا بدله من الرجوع إليها، والأفضل الرجوع إليها لوداع البيت على كل حال وطواف الوداع. ويستحب أن يصلي الانسان في مسجد منى وهو مسجد الخيف، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله مسجده عند المنارة التي في وسط المسجد وفوقها إلى القبلة نحو من ثلاثين ذراعا وعن يمينها ويسارها مثل ذلك فمن استطاع أن يكون مصلاه فيه فليفعل. ويستحب أن يصلي الانسان ست ركعات في مسجد منى فإذا بلغ مسجد الحصا وهو مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله دخله واستراح فيه قليلا، واستلقى على قفاه. فإذا جاء إلى مكة فليدخل الكعبة إن تمكن منه سنة واستحبابا، والصرورة لا يترك دخولها مع الاختيار فإن لم يتمكن من ذلك فلا شئ عليه. فإذا أراد الدخول إلى الكعبة اغتسل سنة مؤكدة فإذا دخلها فلا يتمخط فيها ولا يبصق، ولا يجوز دخولها بحذاء ويقول إذا دخلها: اللهم إنك قلت: ومن دخله كان آمنا فأمني من عذابك عذاب النار. ثم يصلي بين الاسطوانتين على الزحامة الحمراء ركعتين يقرأ في الأولى منهما حم السجدة، وفي الثانية عدد آياتها. ثم يصلي في زوايا البيت كلها. ثم يقول: اللهم من تهيأ وتعبأ. إلى آخر الدعاء. فإذا صلى عند الزحامة على ما قدمناه، وفي زوايا البيت قام واستقبل الحايط بين الركن اليماني والغربي ويرفع يديه عليه ويلتصق به ويدعو ثم يتحول إلى الركن اليماني فيفعل به مثل ذلك. ثم يأتي الركن الغربي و يفعل أيضا مثل ذلك ثم ليخرج. ولا يجوز أن يصلي الفريضة جوف الكعبة مع الاختيار. فإن اضطر إلى ذلك لم يكن به بأس. والنوافل فيها مندوب إليها فإذا خرج من البيت ونزل عن الدرجة صلى عن يمينه ركعتين. فإذا أراد الخروج من مكة جاء إلى البيت وطاف به أسبوعا طواف الوداع سنة مؤكدة. فإن استطاع أن يستلم الحجر والركن اليماني في كل شوط فعل وإلا افتتح به وختم به وقد أجزأه. فإن لم يتمكن من ذلك أيضا فلا شئ عليه. ثم

[ 382 ]

يأتي المستجار فيصنع عنده كما صنع يوم قدم مكة ويتخير لنفسه من الدعاء ما أراد. ثم يستلم الحجر الأسود، ثم يودع البيت، ويقول: اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك. ثم يأتي زمزم فيشرب منه، ثم يخرج ويقول: أئبون تائبون لربنا حامدون إلى ربنا راجعون فإذا خرج من باب المسجد فليكن خروجه من باب الحناطين فيخر ساجدا ويقوم مستقبل الكعبة فيقول: اللهم إني أنقلب على لا إله إلا الله. ومن لا يتمكن من طواف الوداع أو شغله شاغل عن ذلك حتى خرج لم يكن عليه شئ. وإذا أراد الخروج من مكة اشترى بدرهم تمرا وتصدق به ليكون كفارة لما لعله دخل عليه في الاحرام إن شاء الله تعالى. * (فصل: في ذكر تفصيل فرايض الحج) * قد ذكرنا فرايض الحج فيما تقدم في اختلاف ضروب الحج بين الأركان وما ليس بركن، ونحن الآن نذكر تفصيل أحكامها إن شاء الله تعالى. أما النية فهي ركن في الأنواع الثلاث من تركها فلا حج له عامدا كان أو ناسيا إذا كان من أهله النية. فإن لم يكن من أهلها أجزأت نية غيره عنه، وذلك مثل المغمى عليه يحرم عنه وليه وينوي وينعقد إحرامه، وكذلك الصبي يحرم عنه وليه وعلى هذا إذا فقد النية لكونه سكرانا، وإن حضر المشاهد وقضى المناسك لم يصح حجه بحال. ثم الاحرام من الميقات وهو ركن من تركه متعمدا فلا حج له وإن نسيه ثم ذكر وعليه الوقت رجع فأحرم من الميقات فإن لم يمكنه أحرم من الموضع الذي انتهى إليه فإن لم يذكر حتى يقضي المناسك كلها روي أصحابنا أنه لا شئ عليه وتم حجه. والتلبية الأربعة فريضة، وليس بركن إن تركه متعمدا فلا حج له إذا كان قادرا عليه فإن كان عاجزا فعل ما يقوم مقامها من الاشعار والتقليد، وإن تركها ناسيا لبى حين ذكر ولا شئ عليه.

[ 383 ]

والطواف بالبيت إن كان متمتعا ثلاثة أطواف: أوله طواف العمرة، وهو ركن فيها فإن تركه متعمدا بطلت عمرته، وإن تركه ناسيا أعاد على ما مضى القول فيه، و الثالث: طواف النساء فهو فرض، وليس بركن فإن تركه متعمدا لم تحل له النساء حتى يقضيه، ولا يبطل حجة، وإن تركه ناسيا قضاه، وإن كان قارنا أو مفردا طوافان طواف الحج وطواف النساء، وحكمهما ما قلناه في المتمتع. ويجب مع كل طواف ركعتان عند المقام وهما فرضان فإن تركهما متعمدا قضاهما في ذلك المقام. فإن خرج سئل من ينوب عنه فيهما ولا يبطل حجه. والسعي بين الصفا والمروة ركن فإن كان متمتعا يلزمه سعيان: أحدهما للعمرة والآخر للحج، وإن كان مفردا أو قارنا سعى واحدا للحج فإن تركه متعمدا فلا حج له، وإن تركه ناسيا قضاه أي وقت ذكره. والوقوف بالموقفين: عرفات والمشعر الحرام ركنان من تركهما أو واحدا منهما متعمدا فلا حج له. فإن ترك الوقوف بعرفات ناسيا وجب عليه أن يعود فيقف بها ما بينه وبين طلوع الفجر من يوم النحر. فإن لم يذكر إلا بعد طلوع الفجر وكان قد وقف بالمشعر فقد تم حجه ولا شئ عليه، وإذا ورد الحاج ليلا وعلم أنه إن مضى إلى عرفات ووقف بها وإن كان قليلا. ثم عاد إلى المشعر قبل طلوع الشمس وجب عليه المضي إليها والوقوف بها. ثم يعود إلى المشعر. فإن غلب في ظنه أنه إن مضى إلى عرفات لم يلحق المشعر قبل طلوع الشمس اقتصر على الوقوف بالمشعر، وتمم حجه ولا شئ عليه ومن أدرك المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج وإن أدركه بعد طلوعها فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفات. ثم قصد المشعر الحرام فعاقه في الطريق عايق فلم يلحق إلى قرب الزوال فقد تم حجه ويقف قليلا بالمشعر. ثم يمضي إلى منى، ومن لم يكن وقف بعرفات وأدرك المشعر بعد طلوع الشمس فقد فاته الحج لأنه لم يلحق أحد الموقفين في وقته، ومن فاته الحج أقام على إحرامه إلى انقضاء أيام التشريق ثم يجئ إلى مكة فيطوف بالبيت ويسعى ويتحلل بعمرة. فإن كان قد ساق معه هديا نحره بمكة وعليه الحج من قابل إن كانت حجة الاسلام، وإن تطوعا كان بالخيار إن شاء حج وإن شاء لم يحج ولا يلزمه

[ 384 ]

لمكان الفوات حجة أخرى، ومن فاته الحج سقطت عنه توابع الحج من الرمي، وغير ذلك، وإنما عليه المقام بمنى استحبابا وليس عليه بها حلق ولا تقصير ولا ذبح، و إنما يقصر إذا تحلل بعمرة بعد الطواف والسعي ولا يلزمه دم لمكان. من كان متمتعا ففاته الحج فإن كانت حجة الاسلام فلا يقضيها إلا متمتعا لأن ذلك فرضه ولا يجوز غيره، ويحتاج إلى أن يعيد العمرة في أشهر الحج في السنة المقبلة وإن لم يكن حجة الاسلام أو كان من أهل مكة حاضريها جاز أن يقضيها مفردا و قارنا، وإن فاته القران والافراد جاز أن يقضيه متمتعا لأنه أفضل. المواضع التي يجب أن يكون الانسان مفيقا حتى يجزيه أربعة: الاحرام والوقوف بالموقفين، والطواف، والسعي. فإن كان مجنونا أو مغلوبا على عقله لم ينعقد إحرامه إلا أن ينوي عنه وليه على ما قدمناه، وما عداه تصح منه. وصلوة الطواف حكمه حكم الأربعة سواء، وكذلك طواف النساء، وكذلك حكم النوم سواء، والأولى أن نقول: تصح منه الوقوف، وإن كان نائما لأن الغرض الكون فيه لا الذكر. * (فصل: في الزيارات من فقه الحج) * من أحدث حدثا في غير الحرم فالتجأ إلى الحرم ضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج فيقام عليه الحد. فإن أحدت في الحرم ما يجب عليه الحد أقيم عليه فيه لا ينبغي أن يمنع الحاج شيئا من دور مكة ومنازلها لأن الله تعالى قال " سواء العاكف فيه والباد " ولا ينبغي لأحد أن يرفع بناء فوق الكعبة ومن وجد شيئا في الحرم لا يجوز له أخذه. فإن أخذه عرفه سنة فإن جاء صاحبه وإلا كان مخيرا بين شيئين: أحدهما يتصدق به عن صاحبه بشرط الضمان إن لم يرض بذلك صاحبه، والآخر أن يحفظه على صاحبه حفظ الأمانة، وإن وجده في غير الحرم عرفه سنة وهو مخير بين ثلاثة أشياء وبين أن يحفظ على صاحبه أمانة، وبين أن يتصدق عنه بشرط الضمان، وبين أن يتملكه لنفسه وعليه ضمانه، ويكره الصلوة في طريق مكة في أربعة مواضع: البيداء وذات الصلاصل، وضجنان: ووادي الشقرة.

[ 385 ]

ويستحب الاتمام في الحرمين مكة والمدينة ما دام مقيما وإن لم ينو المقام عشرة أيام وإن قصر فلا شئ عليه. فكذلك يستحب الاتمام في مسجد الكوفة، وفي الحاير على ساكنه أفضل الصلوة والسلام وقد رويت رواية أخرى في الاتمام في حرم حجة الله على خلقه أمير المؤمنين عليه السلام وحرم الحسين عليه السلام (1) فعلى هذه الرواية يجوز الاتمام في نفس المشهد بالنجف وخارج الحاير إلا أن الأحوط ما قدمناه. ويكره الحج والعمرة على الإبل الجلالات. ويستحب لمن حج على طريق العراق أن يبدأ أولا بزيارة النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة فإنه لا يأمن ألا يتمكن من العود إليها فإن بدء بمكة فلا بدله من العود إليها للزيارة. وإذا ترك الناس الحج وجب على الإمام أن يجبرهم على ذلك، وكذلك إن تركوا زيارة النبي صلى الله عليه وآله كان عليه إجبارهم عليها. ويجوز أن يستدين الانسان ما يحج به إذا كان من ورائه مال إن مات قضى عنه فإن لم يكن له ذلك كره له الاستدانة. ويستحب الاجتماع يوم عرفة والدعاء عند المشاهد، وفي المواضع المعظمة، وليس ذلك بواجب، ويستحب لمن انصرف من الحج أن يعزم على العود إليه، و يسئل الله تعالى ذلك. ومن جاور بمكة فالطواف له أفضل من الصلوة ما لم يجاور ثلاث سنين. فإن جاورها أو كان من أهل مكة كانت له الصلوة أفضل، ولا بأس أن يحج عن غيره تطوعا إذا كان ميتا فإنه يلحقه ثوابه إلا أن يكون مملوكا فإنه لا يحج عنه. ويكره المجاورة بمكة، ويستحب إذا فرغ من مناسكه الخروج منها، ومن أخرج شيئا من حصى المسجد الحرام كان عليه رده. ويكره أن يخرج من الحرمين بعد طلوع الشمس وقبل أن يصلي الصلوتين. فإذا صلاهما خرج إن شاء، ولا أعرف كراهية أن يقال لمن لم تحج: صرورة بل رواية

(1) المروية في الاستبصار باب أنه يستحب إتمام الصلوة في حرم الكوفة والحائر ج 2 ص 334 الرقم 1 عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من مخزون علم الله تعالى الاتمام في أربعة مواطن، حرم الله، وحرم رسوله صلى الله عليه وآله وحرم أمير المؤمنين وحرم الحسين عليهما السلام.

[ 386 ]

وردت بذلك، ولا أن يقال لحجة الوداع: حجة الوداع ولا أن يقال: شوط وأشواط بل ذلك كله في الأخبار ولا أعرف استحبابا لشرب نبيذ السقاية. فإذا خرج الانسان من مكة فليتوجه إلى المدينة لزيارة النبي عليه السلام. فإذا بلغ إلى المعرس دخله وصلى فيه ركعتين استحبابا ليلا كان أو نهارا فإن جاوزه ونسي رجع وصلى فيه واضطجع قليلا، وإذا أتى إلى مسجد الغدير دخله وصلى فيه ركعتين. واعلم أن للمدينة حرما مثل حرم مكة وحده ما بين لابتيها وهو من ظل عاير إلى ظل وعير لا يعضد شجرها، ولا بأس أن يؤكل صيدها إلا ما صيد بين الحرمين. ويستحب لمن أراد دخول المدينة أن يغتسل، وكذلك إذا أراد دخول مسجد النبي صلى الله عليه وآله فإذا دخله أتى إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وزاره فإذا فرغ من زيارته أتى المنبر فمسحه ومسح رمانيته. ويستحب الصلوة بين القبر والمنبر ركعتين فإن فيه روضة من رياض الجنة، و قد روي أن فاطمة عليها السلام مدفونة هناك، وقد روي أنها مدفونة في بيتها (2)، وروي أنها مدفونة بالبقيع وهذا بعيد، والروايتان الأولتان أشبه وأقرب إلى الصواب وينبغي أن يزور فاطمة عليها السلام من عند الروضة. ويستحب المجاورة في المدينة وإكثار الصلوة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله، ويكره النوم في مسجد النبي صلى الله عليه وآله. ويستحب لمن له مقام بالمدينة أن يصوم ثلاثة أيام بها الأربعاء والخميس والجمعة، ويصلي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة، وهي أسطوانة التوبة ويقعد عندها يوم الأربعا، ويأتي ليلة الخميس الأسطوانة التي تلي مقام رسول الله ومصلاه ويصلي عندها ويصلي ليلة الجمعة عند مقام النبي صلى الله عليه وآله، ويستحب أن يكون هذه الثلاثة أيام معتكفا في المسجد ولا يخرج منه إلا للضرورة، ويستحب إتيان المساجد كلها بالمدينة وهي مسجد قبا ومشربة أم إبراهيم عليه السلام، ومسجد الأحزاب وهو مسجد الفتح ومسجد الفضيح وقبور الشهداء كلهم ويأتي قبر حمزة عليه السلام بأحد ولا يتركه إلا عند الضرورة إن شاء الله تعالى.

(2) روي في الكافي باب مولد الزهراء عليها السلام ج 1 ص 461 الرقم 9 عن محمد ابن أبي نصر قال، سألت الرضا عليه السلام عن قبر فاطمة عليها السلام فقال: دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد.

[ 387 ]

* (كتاب الضحايا والعتيقة) * * (فصل: في ذكر حقيقة الضحية وجمل من أحكامها) * الضحايا جمع ضحية مثل هدية وهدايا. والأضاحي جمع أضحية مثل أمنية وأماني وأضحي جمع أضحاة مثل أرطاة وأرطا لضرب من الشجر. فإذا ثبت ذلك فهي سنة مؤكدة وليس بفرض ولا واجب وروي أنس عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ضحا بكبشين أقرنين أملحين. فالأقرن معروف وأما الأملح فقال أبو عبيد: ما فيه بياض وسواد والبياض أغلب، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بكبش أقرن يطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد فأتي به فضحى به فأضجعه وذبحه وقال: بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد وقال أهل اللغة: معنى السواد في هذه المواضع: أي كان أسود اليدين والعينين والركبتين وقال أصحاب التأويل: يطأ في سواد وينظر في سواد معناه لكثرة شحمه ولحمه ما يطأ في ظلل نفسه وينظر فيه ويترك فيه. ومن اشترى أضحية في أول العشر لا يكره له أن يحلق رأسه، ولا يقلم أظفاره حتى يضحي بل فعله جايز ولا دليل على كراهيته. يجوز ذبح الأضحية ونحرها في منزله وغير منزله أظهرها أو سترها، وليست كالهدايا التي من شرطها الحرم لأن النبي صلى الله عليه وآله ضحى بالمدينة على ما رويناه، وعليه الاجماع قولا وعملا. والأضحية تختص بالنعم: الإبل والبقر والغنم، ولا يجوز في غيرها بلا خلاف والكلام في أربعة فصول: في أسنانها، وبيان الأفضل منها، وألوانها، وصفاتها. فأما السن فأقل ما يجزي الثني من الإبل والبقر والغنم، والجذع من الضأن. فالثني من الإبل ما استكمل خمس سنين ودخل في السادسة، والثني من البقر والغنم ما استكمل سنتين ودخل في الثالثة. والجذع من البقر والغنم ما استكمل سنة واحدة ودخل في الثانية، ومن الضأن فإن كان بين شاتين أجذع لستة أشهر أو سبعة

[ 388 ]

وإن كان بين هرمين فإنه يجذع لثمانية أشهر، وأما الجذعة من المعز لا يجزي. وأما الأفضل فالثني من الإبل والبقر. ثم الجذع من الضأن. ثم الثنى من المعز هذا أراد الانفراد بالبدنة فإن أراد الاشتراك في سبع بدنة أو بقرة فالانفراد بالجذع من الضأن أفضل. والألوان فأفضلها أن تكون بيضا فيها سواد في المواضع التي ذكرناها في الخبر فإن لم يكن فالعقرى (1) فإن لم يكن فالسواد. وأما الصفات فأن تكون مع هذا اللون جيدة السمن لقوله تعالى " ومن يعظم شعائر فإنها من تقوى القلوب (2) " قال ابن عباس: يعني استسمانها واستحسانها، و روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: لا تبع إلا مسنة ولا يبتع إلا سمينة فإن أكلت أكلت طيبا، وإن أطعمت أطعمت طيبا. وأما العيوب فضربان: أحدهما يمنع الاجزاء، والثاني: ما يكره وإن أجزأ. فالتي تمنع الاجزاء ما رواه البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله في حديثه: العور البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، وروي البين ضلعها، والكسير التي لا تنقى وفي بعضها، والعجفاء التي لا تنقى، والعجفاء الشديدة الهزال، وكذلك الكسير يعني تحطمت وتكسرت، وقوله التي: لا تنقى يعني التي لا مخ لها، والنقى المخ، والعضباء لا تجزى، وهي التي انكسر قرنها الظاهر والباطن، ولا يجوز الخصي ويجوز الموجوء. وأفضل الأضاحي ذوات الأرحام إذا كان من الإبل والبقر ومن الغنم فحلا، ولا يجوز التضحية بالثور، ولا بالجمل بمنى، ويجوز ذلك في الأمصار، فأما ما يكره ولا يمنع الاجزاء والجلحاء، وهي التي لم يخلق لها قرن، والقصماء وهي التي قد انكسر عمد القرن الباطن فإن هذا القرن غلاف القرن الآخر، ومن العيوب ما رواه علي عليه السلام قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعور ولا بمقابلة ولا

(1) قال في المصباح. المعقرة: وزان غرفة: بياض ليس بخالص (2) الحج 32.

[ 389 ]

مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء قوله عليه السلام: أن نستشرف العين والأذن معناه يشرف عليهما ويتأملهما، والمقابلة: ما قطع من مقدم أذنها وبقي معلقا بها كالزنمة. والشرقاء ما شق أذنها وبقيت كالشاختين. والمدابرة: أن يصنع بمستدبر أذنها هكذا، والخرقاء: التي أثقبت أذنها من الكي. فكل هذا مكروه فإن ضحى بها جاز، ومن العيوب ما روي عقبة بن عبد السلمى قال نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن المصفرة، والمستأصلة، والنجقاء والمشيعة والكسراء. فالمصفرة: التي يستأصل أذنها حتى يبد وصماخها. فهذه لا تجزي لأنها ناقصة عضو. والمستأصلة: هي التي كسر قرنها وعضب ومن أصلها فقد بينا أنها لا تجزى. والنجقاء: هي التي قلعت عينها وهذه لا تجزى. والمشيعة: هي التي تتأخر عن الغنم وتكون أبدا في آخر القطيع، وإن كان هذا التأخير كسلا أجزأ، وإن كان لهزال ومرض لم يجزء، والكسراء ذكرتها. ووقت الذبح بدخول يوم الأضحى إذا ارتفعت الشمس ومضى مقدار ما يمكن صلوة العيد والخطبتين بعدها أقل ما يجزي من تمام الصلوة وخطبتين خفيفتين بعدها. وأما كيفية الذبح فلا تختص الأضحية بل الأضحية وغيرها سواء وموضعها الذبايح غير أنا نذكرها ههنا، والكلام في الذكاة في فصلين: الكمال والاجزاء. فالكمال بقطع أربعة أشياء: الحلقوم والمرئ والودجين، والحلقوم: مجرى النفس والنفس من الرية. والمرئ: تحت الحلقوم، وهي مجري الطعام والشراب. والودجان: عرقان محيطان بالحلقوم، وعندنا أن قطع الأربعة من شرط الاجزاء، وفيه خلاف لأن عند قطعها مجمع على ذكاتها. والسنة في الإبل النحر وفي البقر والغنم الذبح بلا خلاف، والنحر أن يأخذ حربة أو سكينة فيغرزها في ثغرة النحر وهي الوهدة في أعلا الصدر وأصل العنق، والذبح فهو الشق والفتح وموضعه أسفل مجامع اللحيين وهو آخر العنق. فإن ذبح الكل أو نحر الكل لا يجوز عندنا، ولا يجوز تقطيع لحمها قبل أن تبرد فإن خولف وقطع قبل أن تخرج الروح لا يحل عندنا، والنخع مكروه بلا خلاف وهو الفرس، وهو

[ 390 ]

أن يبالغ بالذبح بعد قطع الحلقوم وغيره حتى يصل إلى النخاع وهو العرق الأبيض في جوف خرز الظهر، وهو من عجب الذنب إلى الدماغ هذا قول أبو عبيدة، وقال: أبو عبيد: النخع كما قال: هو الفرس، والفرس هو الكسر يقال: فرست الشي أي كسرته منه فريسة الأسد وهو مكروه بلا خلاف. ويستحب أن يلي ذباحة أضحيته بيده لأن النبي صلى الله عليه وآله كذا فعل فإن استناب الغير جاز، وينبغي أن يكون النايب مسلما عارفا فإن كان بخلاف ذلك فإنه لا يجزي. ذباحة المرأة جايزة بلا خلاف سواء كانت حاملا، أو حايلا أو طاهرا أو حايضا أو نفساء، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله أمر نسائه أن يلين ذبح هديهن. وذبيحة الصبي تؤكل مراهقا كان أو غير مراهق إذا كان يحسن والأخرس تؤكل ذبيحته وإن لم يسم لأنه من أهل التسمية. ويكره ذباحة السكران والمجنون، لأنهم لا يعرفون موضع الذبح، ولا خلاف أن الأفضل أن يكون الذابح مسلما بالغا فقيها لأنه صحيح الاعتقاد والقصد عارف بوقت الذبح ومحل الذكاة، وما يحتاج أن يذكى ويذكا به فإن لم يكونوا رجالا فالنساء لأنهن مكلفات فإن لم يكن فالصبيان فإن لم يكن فالسكران والمجنون وفي أصحابنا من أجاز ذبايح أهل الكتاب، والأحوط ألا يجوز. استقبال القبلة بالذباحة مستحبة عند الفقهاء وعندنا شرط في الاجزاء. والتسمية عندنا واجبة وهي شرط في الاستباحة والدعاء مستحب. والذبح من القفا يقال له: القفية فمتى ذبحها من غير المذبح من القفا أو من غير صفحة العنق فجز رأسها فإن كان فيها حيوة مستقرة بعد قطع الرقبة وقبل قطع الحلقوم والمرئ حل أكلها إذا ذبحت وإن لم يكن فيها حياة مستقرة لم يحل أكلها، وإنما يعرف ذلك بالحركة فإن كانت الحركة قوية بعد قطع العنق قبل قطع المرئ والودجين وغيرهما حل أكلها، وإن لم يكن هناك حركة لم يحل أكلها. إذا اشترى شاة تجزي في الأضحية بنية أنها أضحية ملكها بالشراء وصارت أضحية، ولا يحتاج أن يجعلها أضحية بقول ولا نية مجددة ولا تقليد وإشعار لأن

[ 391 ]

ذلك إنما يراعى في الهدي خاصة فإذا ثبت ذلك أو كانت في ملكه فقال: قد جعلت هذه أضحية فقد زال ملكه عنها وانقطع تصرفه فيها فإن باعها فالبيع باطل لأنه باع مال غيره فإن كانت قايمة ردها وإن ماتت فعليه ضمانها، وهكذا لو أتلفها قبل وقت الذبح كان عليه ضمانها والضمان يكون بقيمتها يوم أتلفها فإن وجد بالقيمة شاتين يجزي كل واحدة منهما في الأضحية فعليه إخراجهما، وإن لم يجد شاتين بل فضل ما لا يتسع لشراء شاة نظرت فإن كان يسيرا لا يمكن أن يشتري به سهم من حيوان يجزي في أضحية يتصدق به، وإن أمكن أن يشتري به سهم من شاة فعليه أن يشتري بذلك سهما من حيوان ويجزيه أن يتصدق بالفضل وإن كان الأفضل الأول. وإن وجد بالقيمة شاة من غير أن يفضل منها شئ اشتراها ولا كلام فإن أتلفها أجنبي فعليه قيمتها. فإن وجد بقيمتها وقت التلف فلا كلام، وإن فضل به فحكم ذلك ما مضى سواء، وإن اشترى شاة وجعلها أضحية زال ملكه على ما مضى فإن أصاب بها عيبا لم يكن له ردها لأنها خرجت من ملكه وله الرجوع بالأرش فإذا أخذ الأرش صرفه إلى المساكين على ما مضى، وإن وجد به أضحية أو سهما من أضحية فعل وإلا تصدق به. إذا اشترى شاة فجعلها أضحية فإن كان حاملا تبعها ولدها، وإن كانت حائلا فحملت فمثل ذلك لما روي عن علي عليه السلام أنه رأى رجلا يسوق بدنة معها ولدها فقال: لا يشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها فإذا كان يوم النحر فأنحرها وولدها عن سبعة فأمره بذبحها وولدها، وأما اللبن فإن كان لها ولد يحتاج إلى لبنها فإن كان وفق كفايته لم يكن له الشرب منها لما تقدم من الخبر، وإن فضل عن ولدها شئ أو لم يكن لها ولد أو كان لها ولد فاستغنى عنه أو مات كان له أن يحلبها، وكذلك له أن يركبها ركوبا غير قادح فإذا ثبت أن له أن يحلبها فالأفضل أن يفرقه في المساكين، وإن شربه كان له ذلك للخبر الذي قدمناه عن علي عليه السلام وأما جز صوفها فإن كان لا يستضر ببقائه عليها لم يكن له جزه منها لأنه لا ضرر في بقائه، وإن كان في بقائه نفع لها بأن يدفع عنها شدة الحر والبرد لم يكن له جزه، وإن كان في جزه مصلحة كالربيع

[ 392 ]

الذي يستريح بجزه ويخف ويسمن كان له جزها. فإذا جزه تصدق به على المساكين استحبابا، وإن انتفع به هو كان جايزا. إذا أوجب على نفسه أضحية بعينها سليمة من العيوب ثم حدث بها عيب يمنع من جواز الأضحية كالعور والعرج والعجاف ونحوها على ما بها من العيب أجزأه، وكذلك حكم الهدايا. إذا كانت الأضحية واجبة في ذمته بالنذر بأن يكون نذر أضحية لزمته سليمة من العيوب فإن عينها في شاة بعينها تعينت فإن عابت قبل أن ينحرها عيبا يمنع الاجزاء في الأضحية لم يجزه عن التي في ذمته، وعليه إخراج التي في ذمته سليمة من العيوب. إذا عين أضحية ابتداء وبها ما يمنع من الأضحية الشرعية كالصغر والعيب المانع منها من المرض والعور والعجاف أخرجها على عيبها لأنه قد زال ملكه عنها غير أنها لا يكون أضحية شرعية لخبر البراء فإذا ثبت إنها لا يكون أضحية فإنه ينحرها ويكون قربة يثاب عليها وتسمى أضحية مجازا كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه اشتري لحما بدرهمين وسماه أضحية. فإذا ثبت هذا فإن ذبحها والعيب قايم فلا كلام، وإن زال عيبها قبل الذبح مثل أن زال المرض والعرج والهزال و العور فإنها لا تقع موقع الشرعية أيضا لأنه أوجب ما لا يجزي في الأضحية وزال ملكه عنها وانقطع تصرفه منها لأن الاعتبار بحال الايجاب لأن الملك به يزول فإن كانت سليمة أجزأت ولا يراعى حدوث عيب بها، وإن كانت معيبة لم يجزه، وإن زال عيبها إذا أوجب أضحية بعينها زال ملكه على ما بيناه فإن بقيت على ما هي عليه حتى نحرها فلا كلام فإن ضلت أو غصبت أو سرقت لم يلزمه البدل بلا خلاف فإن عادت نظرت فإن كان وقت الذبح باقيا، وهو آخر التشريق ذبحها وكان أداء وإن فات الوقت ذبحها وكان قضاء إذا عين أضحية بالنذر. ثم جاء يوم النحر ودخل وقت الذبح فذبحها أجنبي بغير إذن صاحبها وقعت موقعها. ثم ينظر فإن نقصت بالذبح فعلى الذابح ما نقصت به فيقال: كم كانت تساوي حسنة قالوا عشرة، وبعد الذبح تسعة فقد نقصت درهما فعليه أن يرد الدرهم ويتصدق به مع اللحم على المساكين إلا أن يوجد بالأرش أضحية

[ 393 ]

أو سهم منها فإنه يفعل ذلك على ما بيناه. يكره الذبح ليلا إذا كان غير الأضحية والهدايا لنهي النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك وكذلك يكره التضحية وذبح الهدي ليلا فإن خالف فقد وقعت موضعها. إذا ذبح أضحية مسنونة وهديا تطوعا يستحب أن يأكل منه لقوله تعالى " فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " (1) وروي عن النبي صلى الله عليه أنه أهدى مائة بدنة فلما نحرت أمر أن يأخذ من كل واحدة بضعة. ثم أمر فطبخت فأكل من لحمها وحسوا من مرقها (2) والأكل مستحب غير واجب والكلام في فصلين: أحدهما: ما يجوز أكله، والآخر ما يستحب منه، وأما الجواز فله أكل الكل إلا اليسير يتصدق به، والمستحب أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي الثلث، ولو تصدق بالجميع كان أفضل فإن خالف وأكل الكل غرم ما كان يجزيه التصدق به و هو اليسير، والأفضل أن يغرم الثلث وإن نذر أضحية فليس له أن يأكل منها. والهدي على ضربين: تطوع وواجب. فإن كان تطوعا فالحكم فيه كالا ضحية المسنونة سواء، وإن كان واجبا لم يحل له الأكل منه والحكم في جلد الأضحية كالحكم في لحمها، ولا يجوز بيع جلدها سواء كانت واجبة أو تطوعا كما لا يجوز بيع لحمها وتحسى من مرقها: وفي خبر آخر أنه أمر عليا فأخذ من كل بدنة بضعة فطبخت فأكلا من لحمها (3) فإن خالف تصدق بثمنه. العبد القن والمدبر وأم الولد كل هؤلاء غير مخاطبين بالأضحية لأنه لا ملك لهم فإن ملكه السيد مالا فإنه يملك التصرف فيه فإن كان تمليكه مطلقا بجميع وجوه التصرف صح منه الأضحية، وإن كان ملكه تصرفا مخصوصا لم يتجاوز ما ملكه إياه، وأما المكاتب فإن كان مشروطا عليه فإنه لا يضحي بغير إذن سيده لأنه بحكم المملوك، وإن كان مطلقا وقد تحرر منه شئ فإنه يصح أن يملكه بما فيه من الحرية فإذا ملك به شيئا كان ملكه صحيحا، ويجوز له أن يضحي كما يجوز أن يتصدق بما

(1) الحج 36، (2) رواه في الكافي باب الأكل عن الهدي الواجب ج 4 ص 499 الرقم 1 مع اختلاف يسير.
(3) رواه في التهذيب باب الذبح ج 5 ص 223 الرقم 752.

[ 394 ]

ملكه من الحرية. يجوز للسبعة أن يشتركوا في بدنة أو بقرة في الضحايا والهدايا سواء كانوا مفترضين عن نذر أو هدايا الحج أو متطوعين كالهدايا والضحايا المتطوعة سواء كانوا أهل خوان واحد أو بخلاف ذلك، والأحوط إذا كان فرضا ألا يجزي الواحد إلا عن واحد، وإنما الاشتراك يجزي في المسنون، وقد روي جواز الاشتراك من سبعين (1). فإذا ثبت هذا فمتى نحر سبعة بدنة أو بقرة فإن كانوا مفترضين أو متطوعين أو منهما سلمت بعد النحر إلى المساكين يقتسمونها كيف أحبوا وأبروا، وإن تولى القسمة بنفسه كان أفضل فإن كان منهم من يريد لحما فإنما يجوز ذلك في التطوع بها دون المفترض، وإذا كان كذلك فلا بد من القسمة، فإن قسم وأعطي حقه جاز وإن سلم إلى المساكين فيقاسمهم صاحب اللحم جاز أيضا، وقد بينا أن الأيام المعلومات عشر ذي الحجة آخرها غروب الشمس يوم النحر، والأيام المعدودات أيام التشريق وآخرها غروب الشمس من التشريق، ويوم النحر من أيام النحر بلا خلاف، ولا بأس بأكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام وإذخارها، ولا يجوز أن يخرج من منى من لحم ما يضحيه ولا بأس بإخراج السنام منه، ولا بأس أيضا بإخراج لحم ضحاه غيره، ومن لم يجد الأضحية جاز أن يتصدق بثمنها فإن اختلف أثمانها نظر إلى الثمن الأول والثاني والثالث وجمعها. ثم تصدق بثلثها ولا شئ عليه. * (فصل: في ذكر العقيقة وأحكامها) * العقيقة عبارة عن ذبح شاة عند الولادة كما أن الوليمة طعام النكاح، والعقيقة في اللغة: شعر المولود إذا جمع ومن شأنه وهو المستحب أن يحلق يوم السابع ويذبح عنه في يوم حلقه فسميت عقيقة لمجاورتها يوم الحلق كما قالوا للزوجة: ظعينة. و

(1) روي في الكافي باب البدنة والبقر عن كم تجزي ج 4 ص 496 الرقم 4 عن حمران قال: عزت البدن سنة بمنى حتى بلغت البدنة مائة دينار فسئل أبو جعفر عليه السلام عن ذلك فقال: اشتركوا فيها قال: قلت: كم؟ قال: ما خف هو أفضل. قلت: عن كم تجزي؟ قال: عن سبعين، والتهذيب باب الذبح ج 5 ص 209 الرقم 703.

[ 395 ]

الظعينة الناقة التي تحملها وتظعن عليها. فإذا ثبت ذلك فهي سنة مؤكدة ثابتة و ليست بفرض ولا واجب. والكلام فيها في فصلين في المقدار والوقت: فالمقدار أن يذبح عن الغلام بفحل، وعن الأنثى بأنثى ويكون ذلك من الضأن لا غير. والوقت فالمستحب أن يعق يوم السابع لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال كل غلام رهينة بعقيقته يذبح عنه يوم سابعة ويحلق ويسمى، وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه عق عن الحسن يوم السابع، ولا ينبغي أن يمس رأسه بشئ من دمها، ومتى لم يعق الوالد عن ولده وأدرك عق عن نفسه استحبابا ولا يقوم مقام العقيقة الصدقة بثمنها، ومن لا يقدر عليها فلا شئ عليه فإن قدر فيما بعد قضاها. ويستحب أن يتصدق بوزن شعر رأسه ذهبا أو فضة ويكون مع العقيقة موضعا واحدا وكل ما يجزي في الأضحية يجزي في العقيقة وما لم يجز هناك لم يجز عنها. ومتى لم يوجد الكبش ولا النعجة جاز جمل كبير، ويستحب أن يفصل الأعضاء تفصيلا ولا يكسر لها عظم تفألا بالسلامة بترك الكسر، وينبغي أن يعطي القابلة ربعها فإن كانت ذمية أعطيت ربع ثمنها، وإن لم يكن له قابلة أعطيت أمه ربعها تتصدق به، ولا تأكل منها. وإن كانت القابلة أم الرجل أو من هو في عياله لم يعط من العقيقة شيئا، ولا يجوز أن يأكل الأبوان منها شيئا على حال. ويستحب أن يطبخ اللحم ويدعى عليه جماعة من المؤمنين، وكلما كثر عددهم كان أفضل، وإن فرق اللحم على الفقراء كان أيضا جايزا.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية