الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الخلاف- الشيخ الطوسي ج 3

الخلاف

الشيخ الطوسي ج 3


[ 1 ]

كتاب الخلاف تأليف شيخ الطائفة الامام أبى جعفر محمد بن الحسن الطوسى قدس سره 385 - 460 ه‍ الجزء الثالث مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

كتاب الخلاف (ج 3) * تأليف: شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي * تحقيق: السيد علي الخراساني والسيد جواد الشهرستاني والشيخ مهدي طه نجف * إشراف: الحاج الشيخ مجتبى العراقي * الموضوع: فقه * عدد الاجزاء 5 أجزاء * طبع ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي الطبعة: الجديدة المطبوع: 3000 نسخة التاريخ: 1411 ه‍. ق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

كتاب البيوع

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة 1: بيع خيار الرؤية صحيح، وصورته أن يقول: بعتك هذا الثوب الذي في كمي، أو في الصندوق، فيذكر جنسه وصفته، وبه قال مالك (1)، وهو أحد قولي الشافعي. قال في القديم، وفي الحديث في الصرف يصح (2). وقال في الام والبويطي: لا يصح (3). والمسألة على قولين، والذي يختارونه أنه لا يصح (4). وقال أبو حنيفة: يصح ذلك، وإن لم يذكر الجنس (5). مثل أن يقول: بعتك ما في كمي، أو في صندوقى، أو ما في الجراب، أو الذي في البصرة وما أشبه ذلك. فلا يفتقر عنده إلى ذكر الجنس، وإنما يفتقر إلى تعيين المبيع من غيره. دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله وحرم الربوا " (6) فأباح ما يتناوله إسم البيع، وهذا بيع.

(1) موطأ مالك 2: 667، والمجموع 9 / 288 و 301، وكفاية الاخيار 1: 148، والمحلى 8: 337.
(2) الام 3: 3، ومختصر المزني: 75، والوجيز 1: 135، والمجموع 9: 288 - 290، وكفاية الاخيار 1: 148، والمحلى 8: 337، وفتح العزيز: 8: 146.
(3) الام 3: 20، ومختصر الزني: 75، والوجيز 1: 135 - 136، والمجموع 9: 288 و 290، وكفاية الاخيار 1: 148، والمحلى 8: 337، وفتح العزيز 8: 146.
(4) انظر المصادر المتقدمة. (5) اللباب 1: 233 - 234، والمحلى 8: 337، والمجموع 9: 301، وكفاية الاخيار 1: 148.
(6) البقرة: 275.

[ 6 ]

وأيضا روي عنهم عليهم السلام انهم سئلوا عن بيع الجرب الهروية؟ فقالوا: لا بأس به، إذا كان لها بارنامج، فان وجدها كما ذكرت وإلا ردها (1). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه " (2). مسألة 2: إذا ثبت هذا العقد، فمتى رأى المشتري المبيع، لم يثبت له الخيار إلا أن يجده بخلاف الجنس، أو الصفة، وأما إذا وجده كما عين ووصف فليس له الخيار. وقال الشافعي - على قوله أنه يصبح - أن له الخيار على كل حال (3). دليلنا: أن جواز الخيار في ذلك يحتاج إلى دليل، والعقد قد صح، فمن أبطله، أو أجاز الخيار مطلقا، فعليه الدلالة. مسألة 3: إذا باع شيئا على أن يسلمه بعد شهر، صح العقد. وقال الشافعي: لا يصح (4). دليلنا: الاية (5)، والمنع من ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 4: إذا اشترى شيئا لم يره حال العقد، وكان قد رآه قبل العقد، صح الشراء وهو مذهب الشافعي (6)، وبه قال جميع الفقهاء (7).

(1) لم أقف على هذا الخبر في المصادر الحديثية المتوفرة.
(2) سنن الدارقطني 3 - 4 - 5 حديث 8 و 10، والسنن الكبرى 5: 268.
(3) الوجيز 1: 141 - 142، والمجموع 9: 288، والمحلى 8: 337.
(4) الوجيز 1: 155، والمجموع 9: 340، وكفاية الاخيار 1: 155 وعمدة القاري 11: 289 (5) قوله تعالى: " وأحل البيع وحرم الربا " (البقرة: 275).
(6) الوجيز 1: 135، وكفاية الاخيار 1: 148، والمجموع 9: 289.
(7) المجموع 9: 289، والمغني لابن قدامة 4: 89.

[ 7 ]

وقال الانماطي من أصحاب الشافعي: لا يصح حتى يشاهد المبيع حال العقد (1). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (2) وهذا بيع، والمنع يحتاج إلى دليل. وأيضا الاصل الاباحة. مسألة 5: إذا اشترى شيئا كان رآه قبل العقد، ولم يره في حال العقد مما يجوز أن يتلف ولا يتلف، صح بيعه، فإذا وجده كما اشتراه مضى، وإن خالفه كان بالخيار بين إمضاء البيع وفسخه. وبه قال أصحاب الشافعي (3). وفيهم من قال: لا يصح البيع (4). دليلنا: الاية (5)، والاصل الاباحة، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 6: البيع ينعقد بوجود الايجاب من البائع، والقبول من المشتري. لكنه لا يلزم المتبايعين بنفس العقد، بل يثبت لهما، ولكل واحد منهما خيار الفسخ ماداما في المجلس، إلى أن يتفرقا أو يتراضيا بالتبايع في المجلس. وروى هذا في الصحابة عن علي عليه السلام، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وأبي برزة الاسلمي (6)، وبه قال الحسن البصري،

(1) المجموع 9: 289 و 296.
(2) البقرة: 275.
(3) الوجيز 1: 135 - 136، وكفاية الاخبار 1: 148، والمجموع 9: 289 و 296. (4) هو قول عبد العزيز بن مقلاص، وأبو القاسم الانماطي كما ذكره النووي في المجموع 9: 289 و 296، وانظر كفاية الاخيار 1: 148.
(5) قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (البقرة: 275).
(6) أبو برزة، نضلة بن عبيد الاسلمي، صحب النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه وروى عن أبي بكر، وعنه ابنه المغيرة وبنت ابنه منية بنت عبيد بن أبي برزة وابو المنهال الرياحي والازرق بن قيس وغيرهم. سكن المدينة ثم البصرة، وغزا خراسان، وقيل: انه شهد مع علي عليه السلام قتال الخوارج

[ 8 ]

وسعيد بن المسيب، والزهري، وعطاء، وفي الفقهاء الاوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي (1). وذهبت طائفة إلى أن البيع يلزم بمجرد العقد، ولا يثبت فيه خيار المجلس بحال. ذهب إليه في التابعين شريح، والنخعي، وفي الفقهاء مالك، وأبو حنيفة وأصحابه (2). دليلنا: اجماع الفرقة، وأيضا فالاصل أن لا بيع، وثبوته يحتاج إلى دليل، فمن إدعى أن بنفس الايجاب والقبول يلزم، فعليه الدلالة. وأيضا روي عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار " (3). فأثبت للمتبايعين الخيار بعد تسميتهما متبايعين، وكل اسم اشتق من فعل فإنه يسمى به، بعد وجود ذلك الفعل، كالضارب، والقاتل وغير ذلك. وكذلك المتبايعان، إنما يسميان بذلك بعد وجود التبايع بينهما، فالخبر يقتضي إثباب الخيار لهما في تلك الحالة، وعند المخالف أنه لا يثبت. مسألة 7: بيع الخيار عندنا على ثلاثة أضرب.

بالنهروان، مات بعد الستين من الهجرة، وقيل غير ذلك. انظر تهذيب التهذيب 10: 446، واسد الغابة 5: 146. (1) المحلى 8: 354، والمجموع 9: 184، وبداية المجتهد 2: 169، والمغني لابن قدامة 4: 7، والشرح الكبير 4: 69، وسبل السلام 3: 838 - 839، وكفاية الاخيار 1: 154، والام 3: 4، ومختصر المزني: 75، وسنن الترمذي 3: 548.
(2) المحلى 8: 355، والمجموع 9: 184، وبداية المجتهد 2: 169، والمغني لابن قدامة 4: 7، والشرح الكبير 4: 69، وسبل السلام 3: 839، ومقدمات ابن رشد 2: 558.
(3) صحيح البخاري 3: 84، والام 3: 4، ومختصر المزني: 75، والموطأ 2: 671 حديث 79، والسنن الكبرى 5: 268، وترتيب مسند الشافعي 2: 154 حديث 532، وصحيح مسلم 3: 1163 حديث 43 وفيه " البيعان ".

[ 9 ]

أحدها: خيار المجلس: وهو أن يكون لكل واحد منهما الخيار وفسخ العقد ما لم يتفرقا بالابدان، فان قال بعد انعقاد العقد أحدهما لصاحبه: إختر الامضاء، فإذا اختار ذلك انقطع الخيار، ولزم العقد، ولم يفتقر إلى التفرق بالابدان عن المكان. والثاني: أن يشترط حال العقد لا يثبت بينهما خيار المجلس بعد انعقاد البيع، فإذا تعاقدا بعد ذلك صح البيع، ويكون على ما شرطا. والثالث: أن يشترطا في حال العقد مدة معلومة يكون لهما فيها الخيار ما شاءا من الزمان، ثلاثا أو شهرا أو أكثر، فانه ينعقد العقد، ويكون لهما الخيار في تلك المدة إلا أن يوجباه بعد ذلك على أنفسهما، كما قلناه في البيع المطلق. وقال أبو حنيفة ومالك: بيع الخيار هو ما يشترط فيه الخيار. فيثبت في خيار الشرط، فعند أبي حنيفة ثلاثا (1)، وعند مالك ما تدعوا الحاجة إليه (2) فعندهما بيع الخيار ما يثبت فيه الخيار. وعند الشافعي بيع الخيار ما قطع فيه الخيار (3). وأكثر أصحابه على ما اخترناه أولا في القسم الاول (4)، وفي أصحابه من قال بالقسم الثاني أيضا (5)، وأما الثالث فلم يقل به أحد منهم، وهو ما زاد على الثلاث.

(1) اللباب: 1: 230 وعمدة القاري 11: 235، الفتاوى الهندية 3: 38، والنتف 1: 446، والبحر الزخار 4: 348، وبداية المجتهد 2: 207، والمجموع 9: 225.
(2) مقدمة ابن رشد 2: 558 و 560، وحاشية العدوي: 142 - 143، وبداية المجتهد 2: 207، وعمدة القارى 11: 234 - 235، والمحلى 8: 371.
(3) الام 3: 4، ومختصر المزني: 75، والمجموع 9: 175، وكفاية الاخيار: 1: 155.
(4) المجموع 9: 175، وكفاية الاخيار: 1: 155، والمحلى 8: 370 - 371.
(5) المجموع 9: 178 - 179.

[ 10 ]

دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (1) هذا بيع، فمن خصه فعليه الدلالة. ويدل على خيار المجلس قول النبي صلى الله عليه وآله: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار " (2) فأثبت لهما الخيار قبل التفرق، ثم استثنى بيع الخيار الذي لم يثبت فيه الخيار، وهو ما أشرنا إليه من شرط ارتفاعه عند العقد، وايجابه وابطال الخيار بعد ثبوت العقد. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " المسلمون عند شروطهم " (3) وهذا شرط صحيح في مدة الخيار، ولا حصر في الخبر للعقد، فينبغي أن يكون جائزا بحسب الشرط. وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فان كان بيعهما عن خيار فقد وجب البيع " (4) وهذا نص. وروى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا عن مكانهما، فإذا تفرقا فقد وجب البيع " (5).

(1) البقرة: 275.
(2) سنن ابن ماجة 2: 736 حديث 2182، ومسند أحمد بن حنبل 2: 9، والمصنف لعبد الرزاق 8: 50 حديث 14262، وسنن الترمذي 3: 547 حديث 1245، والموطأ 2: 671، والسنن الكبرى 5: 26 وفي بعضها اختلاف يسير في اللفظ.
(3) صحيح البخاري 3: 120، وسنن الدارقطني 3: 27 حديث 98 - 99، والمستدرك على الصحيحين 2: 49 - 50، والسنن الكبرى 7: 249، والتهذيب 7: 22 حديث 93 - 94.
(4) سنن النسائي 7: 248 وقد ورد في كثير من المصادر الحديثية بالفاظ مختلفة انظر: صحيح مسلم 3: 1163 حديث 45، والسنن الكبرى 5: 269، وترتيب مسند الشافعي 2: 154 حديث 534.
(5) روى البخاري في صحيحه: 3: 84 عن قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا وكانا جميعا أو

[ 11 ]

وروى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر " (1). وروى عطاء ابن أبي رياح، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من اشترى بيعا، فوجب له بالخيار إن شاء أخذه، وإن شاء تركه، ما لم يفارقه صاحبه، فان فارقه فلا خيار له " (2) فأثبت لهما الخيار بعد وجوب البيع. وأبو حنيفة لا يثبت لهما الخيار (3). والمذهب الذي اخترناه اجماع الصحابة، لانه مروي عن علي عليه السلام، وابن عباس، وابن عمر، وأبي برزة، وأبي هريرة (4). أما علي عليه السلام فروي عنه أن جاريته إشترت لحما، ثم بدالها، فأخذ علي عليه السلام الدراهم فرده عليها (5). وكان ابن عمر إذا أراد أن يجب البيع مشى قليلا ثم رجع (6)، وعن ابن عباس مثل ذلك (7).

يخير أحدهما الاخير فتبايعا على ذلك فقد وججب البيع وان تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع. (1) صحيح البخاري 3: 84، وسنن النسائي 7: 249، والسنن الكبرى 5: 269، ومسند أحمد بن حنبل 2: 73.
(2) رواه البيهقي في سننه الكبرى 5: 270 باختلاف في بعض الفاظه.
(3) اللباب 1: 222 والمجموع 9: 184، وفتح العزيز 8: 292.
(4) قال الترمذي في سننه 3: 547 آخر الباب ما لفظه: وفي الباب عن أبي برزة، وحكيم بن حزام، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وسمرة، وأبي هريرة.
(5) لم أقف على هذا الحديث في المصادر المتوفرة.
(6) صحيح مسلم 3: 164 ذيل الحديث 45، وسنن الترمذي 3: 548 ذيل الحديث 1245، وذكره الشافعي في امه 3: 4، والمزني في مختصره: 75، والنووي في مجموعه 9: 185.
(7) نيل الاوطار 5: 291.

[ 12 ]

وأبو برزة قال: ما أرى إلا تفرقهما (1)، وأبو هريرة مثل ذلك (2). ولا مخالف لهم. مسألة 8: يثبت في الحيوان الشرط ثلاثة أيام، شرط ذلك أو لم يشرط. وقال جميع الفقهاء: حكم الحيوان، حكم سائر المبيعات (3). دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم ذكرناها في الكتاب الكبير (4). مسألة 9: السلم يدخله خيار الشرط. وعند الشافعي لا يدخله (5). دليلنا: عموم الاخبار الواردة في جواز الشرط في العقود (6)، وهي عامة إلا ما أخرجه الدليل من الصرف. مسألة 10: الصلح إذا كان معاوضة، مثل أن يقر له بعين أو دين، ثم صالحه على ذلك، لم يكن له بعد ذلك الرجوع فيه. وقال الشافعي: هو مثل البيع، يدخله خيار الشرط وخيار المجلس، وإن كان صرفا يدخله خيار المجلس وحده (7). دليلنا: ما روي عنهم عليهم السلام، واتفقنا عليه من جواز الشرط في

(1) المجموع 9: 185، وسنن الترمذي 3: 549، ونيل الاوطار 5: 291، والمحلى 8: 353.
(2) نيل الاوطار 5: 291.
(3) انظر الام 3: 75، وكفاية الاخيار 1: 154، والمجموع 9: 174، وتلخيص الحبير المطبوع بهامش المجموع 8: 293، والمغني لابن قدامة 4: 7، والشرح الكبير لابن قدامة 4: 69، وعمدة القاري 11: 225.
(4) التهذيب 7: 24 حديث 101 - 103 و 107. وانظر الكافي 5: 169 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 3: 126 حديث 549.
(5) الوجيز 1: 141، والمجموع 9: 192، وكفاية الاخيار 1: 162، وفتح العزيز 8: 314 و 9: 224.
(6) انظر ما رواه الشيخ الكليني في الكافي 5: 169 الحديث 1 - 5، والشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 3: 126 الحديث 551 و 553، والمؤلف في التهذيب 7: 22 الحديث 93 - 98.
(7) كفاية الاخيار 1: 154، وفتح العزيز 8: 294.

[ 13 ]

ذلك (1). ومن ادعى دخول الخيار فيه، فعليه الدليل. وجعل ذلك بيعا يصح وجود الشرط فيه، يحتاج إلى دليل. مسألة 11: إذا أحال بمال عليه على غيره، فقبل المحتال الحوالة، جاز أن يدخلها خيار الشرط، ولا خيار مجلس فيه. وقال الشافعي: لا يدخله خيار الشرط، وفي خيار المجلس وجهان (2). دليلنا على جواز خيار الشرط: قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (3). وما روي عنهم عليهم السلام من قولهم: " كل شرط لا يخالف الكتاب والسنة فانه جائز " (4) وهذا لا ينافيهما. فأما خيار المجلس فانه يدخل في البيع، وهذا ليس ببيع، بل هو إبراء محض، فمن أجراه مجرى البيع فعليه الدلالة. مسألة 12: الوكالة، والعارية، والقراض، والجعالة، والوديعة لا خيار فيها في المجلس، ولا يمتنع دخول خيار الشرط فيها. وقال الشافعي: لا يدخلها الخياران (5).

(1) وهي عموم الاخبار المتناولة جواز كل شرط لا يخالف الكتاب والسنة، انظرها في الكافي 5: 169 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 553، والتهذيب 7: 22 حديث 94 وص 25 حديث 107.
(2) المجموع 9: 177 و 192، وفتح العزيز 8: 297، وكفاية الاخيار 1: 154.
(3) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386، وتلخيص الحبير 3: 23 حديث 1195 وص 44 حديث 1246، وكفاية الاخيار 1: 193، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064.
(4) الكافي 5: 169 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 551 - 553، والتهذيب 7: 22 حديث 94 و 98 وص 25 حديث 107.
(5) فتح العزيز 8: 294، وكفاية الاخيار 1: 154.

[ 14 ]

دليلنا على الاول: الاجماع، فانه لا اختلاف أنه لا يدخلها خيار المجلس. وأما الثاني: فعموم الاخبار الواردة في جواز كل شرط لا يخالف الكتاب والسنة يتناول هذه المسائل (1)، فمن ادعى تخصيصها فعليه الدلالة. مسألة 13: إذا ملك الشفيع إلشقص بالثمن، وانتزع من يد المشتري، فليس له خيار المجلس. وللشافعي فيه وجهان، أحدهما: مثل ما قلناه، والثاني: له الخيار (2). دليلنا: خيار المجلس يثبت في البيع، فعلى من ألحقه بالبيع، الدلالة والقياس عندنا لا يجوز. مسألة 14: المساقاة لا يدخلها خيار المجلس، ويدخلها خيار الشرط. وقال أصحاب الشافعي: لا يدخلها الخياران (3). وقال أبو حامد الاسفرايني: الذي يجئ على قوله أن يدخلها خيار المجلس (4). دليلنا على الاول: إنا قد بينا أن خيار المجلس يختص بالبيع، وهذا ليس ببيع، فمن ألحقه به فعليه الدلالة. وأما خيار الشرط، فعموم الاخبار المتناولة في جواز كل شرط لا يخالف الكتاب (5) يتناول هذا المكان.

(1) انظر الكافي 5: 169 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 553، والتهذيب 7: 22 حديث 94 وص 25 حديث 107.
(2) المجموع 9: 177 و 199، وفتح العزيز 8: 297، وكفاية الاخيار 1: 154.
(3) المجموع 9: 178، وكفاية الاخيار 1: 154 - 155، وفتح العزيز 8: 300.
(4) المجموع 9: 178، وكفاية الاخيار 1: 154 - 155.
(5) الكافي: 1695 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 553، والتهذيب 7: 22 حديث 94 وص 25 حديث 107.

[ 15 ]

مسألة 15: الاجارة على ضربين: معينة، وفي الذمة، وكلاهما لا يدخله خيار المجلس، ولا يمتنع دخول خيار الشرط فيه. وقال الشافعي: الاجارة المعينة لا يدخلها خيار الشرط (1)، قولا واحدا. وأما خيار المجلس فعلى وجهين، أحدهما: لا يدخلها، والاخر: يدخلها (2). والاجارة في الذمة فيها ثلاثة أوجه: فقال أبو اسحاق وابن خيران: لا يدخلها الخياران (3). وقال الاصطخري: يدخلها الخياران معا، والمذهب أنه يدخلها خيار المجلس دون خيار الشرط، عكس ما قلناه (4). دليلنا على الاول: أنه لا دليل عليه، وعلى الثاني: انه لا مانع يمنع منه، وجواز الشرط بين المسلمين، وعموم الخبر به (5)، فمن منع منه فعليه الدلالة. مسألة 16: الهبة للواهب الخيار والرجوع فيها، قبل القبض وبعد القبض، إلا أن يتعوض منها، أو يتصرف فيها الموهوب له، أو تكون الهبة لولده الصغار. وقال الشافعي: هو بالخيار قبل الاقباض، فإذا أقبض فهو مبني على أن الهبة هل تقتضي الثواب أم لا؟ فإذا قال: يقتضي الثواب، فعلى وجهين، أحدهما: يدخلها الخياران معا، والثاني: لا يدخلان معا (6). دليلنا: اجماع الفرقة على التفصيل الذي ذكرناه، وأخبارهم ذكرناها في الكتاب المتقدم ذكره (7).

(1) المجموع 9: 192، وكفاية الاخيار 1: 154، وفتح العزيز 8: 315.
(2) المجموع 9: 178 و 192، وفتح العزيز 8: 299، وكفاية الاخيار 1: 154.
(3) و (4) المصدر السابق.
(5) انظر من لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 5، والتهذيب 7: 22 حديث 93 و 94.
(6) الوجيز 1: 249 - 250، والمجموع 9: 177 - 178، وكفاية الاخيار 1: 154.
(7) التهذيب 9: 154 و 157 حديث 632 و 646، والاستبصار 4: 106 و 108 حديث 402 و 413.

[ 16 ]

مسألة 17: إذا أصدقها وشرط الخيار ثلاثا، أو ما زاد عليه في النكاح، بطل النكاح بلا خلاف. وإن شرط في الصداق الخيار وحده، كان بحسب ما يشرط. وقال الشافعي - ونقله المزني عن الام -: فسد المهر (1). وقال في الملاء: بطل النكاح (2). واختلفوا على طريقين: فمنهم من قال: المسألة على اختلاف حالين، قوله في الام: فسد المهر، إذا كان الشرط في المهر، وقوله في الاملاء: بطل النكاح، إذا كان الشرط في النكاح (3). ومنهم من قال: إذا كان الشرط في المهر وحده فهل يبطل النكاح؟ على قولين، أحدهما: يبطل، والاخر: لا يبطل (4). فإذا قال: لا يبطل، ففي الصداق ثلاثة أوجه. أحدهما: يصح الشرط والصداق فيهما (5)، مثل ما قلناه. والثاني: يبطلان معا، ولها مهر المثل (6). والثالث: يبطل الشرط والصداق بحاله (7). دليلنا: ما روي عنهم عليهم السلام من قولهم: " ان كل شرط لا يخالف الكتاب والسنة فهو جائز " (8) فمن إدعى المنع، فعليه الدلالة.

(1) مختصر المزني: 182، المجموع 16: 338.
(2) المجموع 16: 335 و 338.
(3) المجموع 16: 335 و 338، ومغني المحتاج 3: 226.
(4) المجموع 16: 335 و 338، ومغني المحتاج 3: 226.
(5) المجموع 9: 178 و 16: 338. (6) المجموع 16: 335 و 338.
(7) المجموع 9: 178 و 16: 338.
(8) الكافي 5: 169 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 553، والتهذيب 7: 22 و 25 حديث 22 و 107.

[ 17 ]

مسألة 18: الخلع على ضربين: منجز، وخلع بصفة. فالمنجز قولها: طلقني طلقة بألف، فقال: طلقتك بها طلقة، فليس له خيار المجلس في الامتناع من قبض الالف ليكون الطلاق رجعيا. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: مثل ما قلناه، والثاني: له الخيار (1). دليلنا: إنا قد بينا أن خيار المجلس يختص البيع (2)، واثباته في غيره يحتاج إلى دليل. مسألة 19: الخلع المعلق بصفة، إما أن يكون عاجلا أو آجلا: فالعاجل أن يقول: إن أعطيتني ألفا فأنت طالق. والاجل أن يقول: متى أعطيتني ألفا فأنت طالق. وعلى الوجهين جميعا لا يصح الخلع، ولا الشرط. وقال الشافعي: العاجل على الفور، فان أعطته ألفا وقع الطلاق، وإن لم تعطه ارتفع العقد ولا خيار له، والمؤجل فالخيار إليها في الاعطاء والامتناع (3). وهل يثبت له خيار المجلس في رفع ما أوجبه لها؟ على وجهين: أحدهما: لا خيار له، وهو المذهب (4). والثاني: له خيار المجلس، وليس بشئ (5). دليلنا: إجماع الفرقة على أن الخلع بصفة لا يقع، سواء كان مبينا بنفسه، أو

(1) مختصر المزني: 188 - 189، والمجموع 9: 178، وفتح العزيز 8: 299.
(2) انظر المسألة السادسة من هذا الكتاب.
(3) مختصر المزني 188 - 189، والمجموع 16: 18، والوجيز 2: 42، ومغني المحتاج 3: 269 - 270، والسراج الوهاج: 404.
(4) مختصر المزني 189، والوجيز 1: 141 و 2: 42، والمجموع 9: 178، وفتح العزيز 8: 299، ومغني المحتاج 3: 269، والسراج الوهاج: 404.
(5) المجموع 9: 178، والوجيز: 2: 42، وفتح الغدير 8: 299، ومغني المحتاج 3: 270، والسراج الوهاج: 404.

[ 18 ]

يحتاج إلى أن يتبع بطلاق، لا يختلفون في ذلك، وعلى من أجاز ذلك الدلالة. مسألة 20: القسمة إذا كان فيها رد، أو لم يكن فيها رد، لا يدخلها خيار المجلس إذا وقعت القرعة، وعدلت السهام، سواء كان القاسم الحاكم أو الشريكين أو غيرهما، ويدخلها خيار الشرط. وقال الشافعي: إن كان فيها رد فهو كالبيع سواء، يدخلها الخياران، وإن كان مما لارد فيه، فعدلت السهام، ووقعت القرعة، فإن كان القاسم الحاكم ووقعت القرعة، فلا خيار. وإن كان القاسم الشريكين، فان قالا: القسمة إفراز فلا يدخلها خيار المجلس، وإن قال: بيع دخله خيار المجلس، ولا يدخلها خيار الشرط (1). دليلنا: إنه لا دلالة على دخول خيار المجلس فيه، ولا يمنع من دخول خيار الشرط فيه مانع، وكل شرط لم يمنع منه مانع فهو جائز، وخيار المجلس يختص بالبيع، وهذا ليس ببيع، بل هو افراز محض. وأما خيار الشرط فعموم الاخبار الواردة في جواز كل شرط لا يخالف الكتاب والسنة (2). مسألة 21: الكتابة إن كانت مشروطة، لا يثبت للمولى خيار المجلس، ولا يمتنع من دخول خيار الشرط. والعبد له الخيار، لان له الفسخ، أو يعجز نفسه فينفسخ العقد. وإن كانت مطلقة، فإن أدى من مكاتبته شيئا فقد انعتق بحسابه، ولا خيار لواحد منهما بحال.

(1) المجموع 9: 178، وفتح العزيز 8: 298، وكفاية الاخيار 1: 154.
(2) انظر الكافي 5: 169 حديث 1، من لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 553، والتهذيب 7: 22 حديث 94 وص 25 حديث 107.

[ 19 ]

وقال الشافعي: لا خيار للسيد في الكتابة، والعبد له الخيار، لانه إذا امتنع كان الفسخ إليه (1). دليلنا إنه لا دليل على ثبوت خيار المجلس للمولى، وخيار الشرط لا مانع يمنع منه، وعموم الاخبار في جواز الشرط دال على ذلك أيضا (2). مسألة 22: يجوز عندنا البيع بشرط، مثل أن يقول: بعتك الى شهر، فان رددت علي الثمن وإلا كان المبيع لي، فان رد عليه وجب عليه رد الملك، وإن جازت المدة ملك بالعقد الاول. وقال جميع الفقهاء: ان ذلك باطل، يبطل به العقد (3). دليلنا: اجماع الفرقة، وأيضا قوله صلى الله عليه وآله: " الشرط جائز بين المسلمين، ما لم يمنع منه كتاب ولا سنة " (4) وعلى من ادعى المنع منه الدلالة. مسألة 23: السبق والرماية لا يدخلهما خيار المجلس، ولا يمتنع من دخول خيار الشرط فيه. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: انه مثل الاجارة، فحكمه حكمه (5). والثاني: انه جعالة، فحكمه حكمه (6). دليلنا على الاول: إنه لا دليل عليه، وعلى الثاني عموم الاخبار في جواز الشرط بين المسلمين (7)، والمنع منه يحتاج إلى دلالة.

(1) المجموع 9: 175، وفتح العزيز 8: 294.
(2) الكافي 5: 169 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 553 والتهذيب 7: 22 حديث 94 وص 25 حديث 107، وص 371 حديث 1503.
(3) المجموع 9: 191، وعمدة القاري 11: 235، والنتف في الفتاوى: 1: 446، واللباب 1: 230، والفتاوى الهندية 3: 38، وشرح فتح القدير 5: 219.
(4) من لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 5، والتهذيب 7: 22 حديث 93 - 94.
(5) الوجيز 2: 219، والمجموع 9: 178، وفتح العزيز 8: 301.
(6) المصادر السابقة.
(7) من لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 5، والتهذيب 7: 22 حديث 93 - 94.

[ 20 ]

مسألة 24: من ابتاع شيئا معينا، بثمن معين، ولم يقبضه، ولا قبض ثمنه، وفارقه البائع، فالمبتاع أحق به ما بينه وبين ثلاثة أيام، فان مضت لم يحضره الثمن، كان البائع بالخيار بين فسخ البيع وبين مطالبته بالثمن. وإن هلك المبيع في مدة الثلاثة كان من مال المبتاع، وإن هلك بعدها كان من مال البائع. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم (1). مسألة 25: من ابتاع شيئا بشرط الخيار، ولم يسم وقتا ولا أجلا، بل أطلقه، كان له الخيار ثلاثة أيام، ولا خيار له بعد ذلك. وقال أبو حنيفة: ان البيع فاسد، فان أجازه في الثلاثة جاز عنده خاصة، وإن لم يجز حتى مضت الثلاثة بطل البيع (2). وقال أبو يوسف ومحمد: له أن يجيز بعد الثلاثة (3). وقال مالك: ان لم يجعل للخيار وقتا جاز، وجعل له من الخيار مثل ما يكون في تلك الساعة (4). وقال الحسن بن صالح بن حي: إذا لم يعين أجل الخيار، كان له الخيار أبدا (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (6).

(1) انظر الكافي 5: 171 حديث 11 - 12، ومن لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 554، والتهذيب 7: 21 22 حديث 88 و 92، والاستبصار 3: 77 حديث 258 و 260.
(2) النتف في الفتاوى 1: 446، والفتاوى الهندية 3: 38 - 39 والبحر الزخار 4: 348، وبداية المجتهد 2: 208، والمجموع 9: 225.
(3) النتف 1: 446، والبحر الزخار 4: 348.
(4) بداية المجتهد 2: 208، والمجموع 9: 225، والمغني لابن قدامة 4: 125، وفتح العزيز 8: 312.
(5) المحلى 8: 373، وبداية المجتهد 2: 207 - 208، والبحر الزخار 4: 348.
(6) انظرها في الكافي 5: 171 - 172 حديث 11 و 16، ومن لا يحضره الفقيه 3: 126 - 127 حديث 552 و 554، والتهذيب 7: 21 حديث 88 و 90 و 92.

[ 21 ]

مسألة 26: أقل ما ينقطع به خيار المجلس خطوة فصاعدا. وقال الشافعي: يرجع في ذلك إلى العادة (1)، وقسم أقساما. دليلنا: عموم الخبر الذي يتضمن أن البيعين بالخيار ما لم يفترقا (2)، وإذا مشى خطوة فقد افترقا، والزائد عليه يحتاج إلى دليل. مسألة 27: إذا قال أحد المتبايعين لصاحبه في المجلس بعد العقد: إختر، فان اختار إمضاء العقد انقطع بينهما الخيار، وإن سكت أو لم يختر، كان الخيار كما كان. وقال الشافعي: يثبت في حيز الساكت (3)، وفي حيز الاخر وجهان: أحدهما: يثبت، والاخر وهو المذهب: انه ينقطع خياره وحده، ولصاحبه الخيار (4). دليلنا: إنا أجمعنا على أن لهما الخيار قبل هذا القول، فمن ادعى أن خيار أحدهما قد زال، فعليه الدلالة. مسألة 28: إذا شرطا قبل العقد، أن لا يثبت بينهما خيار بعد العقد، صح الشرط، ولزم العقد بنفس الايجاب والقبول. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أن ذلك لا يصح (5). وعلى ذلك أكثر أصحابه (6).

(1) المجموع 9: 180، وكفاية الاخيار 1: 155.
(2) الكافي 5: 170 حديث 4 و 9 ومن لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 557، والتهذيب 7: 24 حديث 100.
(3) المجموع 9: 179 و 201، وكفاية الاخيار 1: 155.
(4) المجموع 9: 179 و 201، وكفاية الاخيار 1: 155.
(5) المجموع 9: 178 - 179، والوجيز 1: 139.
(6) الوجيز 1: 139، والمجموع 9: 178 و 179.

[ 22 ]

ومنهم من قال بصحته، مثل ما قلناه (1). دليلنا: انه لا مانع من هذا الشرط، والاصل جوازه، وعموم الاخبار في جواز الشرط يتناول هذا الموضع (2). مسألة 29: العقد يثبت بنفس الايجاب والقبول، فان كان مطلقا فانه يلزم بالافتراق بالابدان، وان كان مشروطا يلزم بانقضاء الشرط، فان كان الشرط لهما أو للبائع فإذا انقضى الخيار ملك المشتري بالعقد المتقدم، وإن كان الخيار للمشتري وحده زال ملك البائع عن الملك بنفس العقد، لكنه لم ينتقل إلى المشتري حتى ينقضي الخيار، فإذا انقضى ملك المشتري بالعقد الاول. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ينتقل بنفس العقد (3). والثاني: ينتقل بشرطين، العقد وقطع الخيار (4). والثالث: مراعى، فان تم البيع تبينا أن ملكه انتقل بنفس العقد، وإن فسخ تبينا أن ملكه ما زال، سواء كان الخيار لهما أو للبائع وحده، أو للمشتري، وخيار الشرط فيه وخيار المجلس سواء (5). فأما أبو حنيفة فلا يثبت عنده خيار المجلس (6)، ويثبت خيار الثلاث بالشرط، فان كان البيع مطلقا انتقل بنفس العقد، وإن كان بخيار الشرط، فان كان الخيار لهما أو للبائع لم ينتقل الملك عن البائع، فإذا انقضى الخيار

(1) المجموع 9: 179.
(2) من لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 553، والتهذيب 7: 22 حديث 93 - 94.
(3) الوجيز 1: 141، والمجموع 9: 213، وفتح العزيز 8: 315، ومغني المحتاج 2: 48.
(4) و (5) المصادر السابقة.
(6) النتف 1: 443، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 81، واللباب 1: 222، وشرح فتح القدير 5: 81، وفتح العزيز 8: 317.

[ 23 ]

ملك المشتري وكان بعقد متقدم، وإن كان الخيار للمشتري وحده زال ملك البائع عن الملك بالعقد، لكنه لم ينتقل إلى المشتري، فلا يكون له مالك حتى ينقضي الخيار، فإذا انقضى ملكه المشتري الان (1). دليلنا على لزومه بعد انقضاء الشرط والافتراق: الاجماع، فانه لا خلاف فيه بين العلماء. وأما الدليل على أن العقد يحصل بالايجاب والقبول: قوله صلى الله عليه وآله: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " (2) فاثبتهما بيعين، مع ثبوت الخيار لهما. وأيضا خيار المجلس وخيار الشرط إنما هو لفسخ العقد، فلو كان العقد لم يثبت لم يكن لفسخه معنى. مسألة 30: إذا اعتق المشتري في مدة الخيار، ثم انقضت مدة الخيار، وثم البيع، فانه ينفذ عتقه. وبه قال أبو العباس بن سريج (3). وقال باقي أصحاب الشافعي: لا ينفذ، لان ملكه ما تم (4). دليلنا: ما روي عنهم عليهم السلام من أن المشتري إذا تصرف في المبيع بطل خياره (5)، وهذا قد تصرف فيه، فينبغي أن يلزمه البيع، وإذا لزمه نفذ عتقه عند تمام البيع. مسألة 31: إذا وطأ المشتري في مدة الخيار، لم يكن مأثوما، ولحق به الولد، وكان حرا، ولزم العقد من جهته.

(1) اللباب 1: 231.
(2) الكافي 5: 170 حديث 4 - 6، والتهذيب 7: 24 حديث 100، وسنن ابن ماجة 2: 736 حديث 2182، والمصنف لعبد الرزاق 8: 50 حديث 14262، وسنن الترمذي 3: 547 حديث 1245.
(3) المجموع 9: 215، وفتح العزيز 8: 318.
(4) المجموع 9: 215، وفتح العزيز 8: 318، ومغني المحتاج 2: 49.
(5) الكافي 5: 169 حديث 2، والتهذيب 7: 24 حديث 102 وص 75 حديث 320.

[ 24 ]

وقال الشافعي: لا يجوز له وطؤها، فان خالف ووطأها فلا حد عليه، وإن علقت فالنسب لا حق به، والولد حر (1). وفي لزوم العقد من جهته وجهان: قال الاصطخري: يكون ذلك رضا بالبيع، وقطعا لخياره مثل ما قلناه، وعليه أكثر أصحابه (2). وقال أبو إسحاق: لا يكون ذلك قطعا لخياره، بل هو باق بحاله (3). دليلنا: إجماع الفرقة على أن المشتري متى تصرف في المبيع بطل خياره، وأخبارهم معروفة وذكرناها في الكتاب المتقدم ذكره (4)، وهذا قد تصرف في المبيع. مسألة 32: إذا وطأ المشتري الجارية في مدة الخيار، ثم مضت مدة الخيار، ولزم العقد، وجاءت بولد، كان لاحقا به، ولا يلزمه قيمته، ولا مهر عليه. فإن فسخ البائع العقد لزمه قيمة الولد، وكانت الجارية أم ولده إذا انتقلت إليه فيما بعده، ويلزمه لاجل الوطء عشر قيمتها إن كانت بكرا، وإن كانت ثيبا نصف عشر قيمتها. وقال الشافعي: إن أمضى البائع العقد، ففي لزوم المهر وقيمة الولد أقوال ثلاثة: فإذا قال: ينتقل بالعقد، أو قال: أنه مراعى، لا قيمة عليه، والامة أم ولده، ولا يجب عليه مهر (5)، مثل ما قلناه.

(1) المجموع 9: 216 و 218، وفتح العزيز 8: 319.
(2) المجموع 9: 201، وفتح العزيز 8: 323.
(3) المجموع 9: 201، وفتح العزيز 8: 323.
(4) الكافي 5: 169 حديث 2، والتهذيب 7: 24 حديث 102 وص 75 حديث 320.
(5) المجموع 9: 216 و 218، وفتح العزيز 8: 319، وانظر مغني المحتاج 2: 49.

[ 25 ]

وإذا قال: ينتقل بشرطين، فعليه قيمة المثل، والامة لا تصير في الحال أم ولده، فإذا ملكها فيما بعد فعلى قولين: قال في الحرملة: تصير أم ولده. وقال في الام: لا تصير أم ولده (1). وأما قيمة الولد فالمذهب أن عليه قيمته (2)، وفي أصحابه من قال: لا قيمة عليه وإن اختار البائع الفسخ (3). فان قال: مراعى، أو يثبت بشرطين، فعلى المشتري المهر، ولا تصير أم ولده، فان ملكها فيما بعد فعلى قولين، وعليه قيمة الولد قولا واحدا (4)، مثل ما قلناه. وإذا قال ينتقل بنفس العقد، فعلى قول أبي العباس: لا مهر عليه، وهي أم ولده، ولا يجب عليه قيمة الولد (5). وعلى قول الشافعي: عليه المهر، ولا تصير أم ولده في الحال، فان ملكها فيما بعد تصير أم ولده، قولا واحدا (6). دليلنا على أنه لا يلزمه مع نفوذ البيع وتمامه، القيمة والمهر: أن الاصل براءة الذمة، وايجاب ذلك يحتاج إلى دليل. وأما مع الفسخ، فالدليل على وجوب ما قلناه من قيمة الولد، والمهر: اجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 33: إذا وطأ المشتري في مدة الخيار، لم يبطل خيار البائع، علم

(1) المجموع 9: 216 و 218.
(2) المجموع 9: 218، ومغني المحتاج 2: 49، وفتح العزيز 8: 319.
(3) و (4) المجموع 9: 218.
(5) و (6) المجموع 9: 218، وفتح العزيز 8: 319.

[ 26 ]

بوطئه، أو لم يعلم. وبه قال الشافعي وأصحابه (1). وفي أصحابه من قال: إذا وطأ بعلمه، بطل اختياره (2). دليلنا: انا قد اتفقنا على أن له الخيار، فمن أبطله فعليه الدلالة، ولا دليل على ذلك. مسألة 34: خيار المجلس يورث إذا مات المتبايعان، أو أحدهما، وكذلك خيار الشرط، ويقوم الوارث مقام من مات منهما، فإن كان أحد المتبايعين مكاتبا، قام سيده مقامه. وبه قال الشافعي في خيار الشرط (3). وقال في خيار المجلس: إن كان البائع مكاتبا فقد وجب البيع (4). ولاصحابه فيه ثلاثة طرق: منهم من قال: ينقطع الخيار، ويلزم البيع بموت المكاتب، ولا يلزم بموت الحر (5). دليلنا: أنه إذا كان الخيار حقا للمشتري، جرى مجزى سائر الحقوق التي تورث بظاهر التنزيل، فمن منع من شئ منها فعليه الدلالة. مسألة 35: إذا اكره المتبايعان، أو أحدهما على التفرق بالابدان، على وجه يتمكنان من الفسخ والتخاير، فلم يفعلا، بطل خيارهما، أو خيار من تمكن من ذلك. وللشافعي فيه وجهان (6)، فقال أبو إسحاق مثل ما قلناه (7)، وقال غيره:

(1) المهذب المطبوع في متن المجموع 9: 201، والمجموع 9: 204، والوجيز 1: 142.
(2) المهذب المطبوع في متن المجموع 9: 201، والمجموع 9: 204، وفتح العزيز 8: 323.
(3) الوجيز 1: 141، والمجموع 9: 206، وبداية المجتهد 2: 209.
(4) المجموع 9: 205 و 207.
(5) المجموع 9: 207.
(6) الوجيز 1: 141، والمجموع 9: 174 و 182 و 207.
(7) المجموع 9: 174 و 182 و 207، والوجيز 1: 141.

[ 27 ]

لا ينقطع الخيار (1). دليلنا: انه إذا كان متمكنا من الامضاء والفسخ، فلم يفعل حتى وقع التفرق بالابدان، دل على الرضا بالامضاء. مسألة 36: خيار الثلاث موروث، سواء كان لهما أو لاحدهما، ويقوم الوارث مقامه، ولا ينقطع الخيار بوفاته، وكذلك إذا مات الشفيع قبل الاخذ بالشفعة، قام وارثه مقامه. وهكذا في خيار الوصية إذا أوصى له بشئ ومات الموصي، كان الخيار في القبول إليه، فان مات قام وارثه مقامه، ولم ينقطع الخيار بوفاته. وبه قال مالك والشافعي (2). وقال أبو حنيفة: كل هذا ينقطع بالموت، ولا يقوم الوارث مقامه. فقال في البيع: يلزم البيع بموته، ولا خيار لوارثه فيه (3). وبه قال الثوري وأحمد (4). دليلنا: إن هذا الخيار إذا كان حقا للميت يجب أن يرثه مثل سائر الحقوق، لعموم الاية (5)، ومن أخرج شيئا منها فعليه الدلالة. مسألة 37: إذا جن من له الخيار، أو أغمي عليه، صار الخيار إلى وليه. وبه قال الشافعي (6).

(1) المجموع 9: 182.
(2) بداية المجتهد 2: 209، والمجموع 9: 206، والوجيز 1: 141، وفتح العزيز 8: 34، وشرح فتح القدير 5: 125، والمبسوط للسرخسي 13: 42، والشرح الكبير لابن قدامة 4: 86، والمغني لابن قدامة 4: 71 - 72.
(3) اللباب 1: 232، والمبسوط 13: 42، وبداية المجتهد 2: 210، وفتح العزيز 8: 308، وشرح فتح القدير 5: 125، والبحر الزخار 4: 350 - 351.
(4) المغني لابن قدامة 4: 71، والشرح الكبير، وفتح العزيز 8: 308.
(5) قوله تعالى: " إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين " البقرة: 180. (6) الوجيز 1: 141، والمجموع 9: 205 و 209، وفتح العزيز 8: 307، ومغني المحتاج 2: 45.

[ 28 ]

وقال أبو حنيفة: لا ينقطع بالجنون (1). دليلنا: ان الجنون لا يثبت معه التكليف والاختيار الصحيح، فيجب أن لا يثبت معه الاختيار كالموت سواء، ومن ادعى ثبوته على ما كان فعليه الدلالة. وأيضا قوله عليه السلام: " رفع القلم عن ثلاث: المجنون حتى يفيق " (2) يدل على أنه لا حكم لاختياره، وانه قد زال. مسألة 38: إذا ثبت أن خيار الشرط موروث، فإن كان قد مضى بعضه، ورث الوارث ما بقي منه إذا كان حاضرا عند موت مورثه، فإن كان غائبا فبلغه الخبر وقد مضى مدة الخيار بطل خياره، وإن بقي منه ورث ما بقي. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما انه يبطل خياره. والثاني: له ما بقي من الخيار (3). دليلنا: انه إذا كان ذلك حقا له معينا في أيام معينة، فإذا مضت وجب أن يبطل الخيار فيما بعدها، ومن أوجب فيما بعد فعليه الدلالة، وكذلك من أبطل الخيار في جميعه وقد بقي بعضه فعليه الدلالة، والاصل بقاء الحق فيها. مسألة 39: إذا كان المبيع حاملا، فان الحمل لا حكم له، ومعناه أن الثمن لا يقسط عليه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (4). والثاني: أن له حكما، والثمن يتقسط عليهما، كأنه اشترى ناقة وفصيلها (5). دليلنا: أن العقد وقع على الاصل، فينبغي أن يكون الثمن متعلقا به دون

(1) الفتاوى الهندية 3: 43، والبحر الزخار 4: 351.
(2) الخصال 1: 93 حديث 40.
(3) المجموع 9: 208، وفتح العزيز 8: 305، ومغني المحتاج 2: 46.
(4) الوجيز 1: 139، والمجموع 9: 219 و 323، وبداية المجتهد 2: 181.
(5) المجموع 9: 219 و 323.

[ 29 ]

الحمل. ألا ترى أنه لو عقد على الفرع منفردا لم يصح، وعلى من ادعى أنه يتقسط عليهما الدلالة. مسألة 40: من باع بشرط شئ، صح البيع والشرط معا إذا لم يناف الكتاب والسنة. وبه قال ابن شبرمة (1). وقال ابن أبي ليلى: يصح البيع، ويبطل الشرط (2). وقال أبو حنيفة والشافعي: يبطلان معا (3). وفي هذا حكاية رواها محمد بن سليمان الذهلي (4)، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد (5)، قال: دخلت مكة فوجدت بها ثلاثة فقهاء كوفيين، أحدهم أبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة. فصرت الى أبي حنيفة فقلت: ما تقول فيمن باع بيعا وشرط شرطا؟ فقال: البيع فاسد، والشرط فاسد. فأتيت ابن أبي ليلى، فقلت ما تقول في رجل باع بيعا وشرط شرطا؟ فقال: البيع جائز، والشرط باطل. فأتيت ابن شبرمة، فقلت: ما تقول فيمن باع بيعا وشرط شرطا؟ فقال: البيع جائز، والشرط جائز. قال: فرجعت إلى أبي حنيفة فقلت: ان صاحبيك خالفاك في البيع.

(1) المحلى 8: 415، وبداية المجتهد 2: 159، وعمدة القارى 11: 288.
(2) بداية المجتهد 2: 159 والمحلى 8: 415، وعمدة القارى 11: 288، والام 3: 88.
(3) المحلى 8: 415، وبداية المجتهد 2: 159، وعمدة القارى 11: 288، والام 3: 88.
(4) لم أقف على ترجمة سوى ما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه 9: 413 في ترجمة عبد الله بن أيوب بن زاذان أنه روى عن محمد بن سليمان الذهلي. وقال: مات عبد الله بن أيوب بن زاذان سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
(5) أبو عبيده، عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري البصري التنوري، الحافظ المقرئ. حدث عن يزيد الرشك وأيوب السختياني، وأيوب بن موسى وجماعة. وعنه ولده عبد الصمد وأبو معمر عبد الله بن عمرو ومسدد وبشر بن هلال وغيرهم ولد سنة 102 ومات في المحرم سنة ثمانين ومائة. سير اعلام النبلاء 8: 300 - 304 والعبر 1: 276، وتذكرة الحفاظ 1: 257، وتهذيب التهذيب 6: 441.

[ 30 ]

فقال: لست أدري ما قالا؟ حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع وشرط. ثم أتيت ابن أبي ليلى فقلت: ان صاحبيك خالفاك في البيع، فقال: ما أدري ما قالا؟ حدثني هشام بن عروة (1)، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: لما اشتريت بريرة جاريتي شرط علي مواليها أن أجعل ولاءها لهم إذا أعتقتها، فجاء النبي صلى الله عليه وآله فقال: " الولاء لمن أعتق " (2) فأجاز البيع، وأفسد الشرط. فاتيت ابن شبرمة فقلت: ان صاحبيك قد خالفاك في البيع فقال: لا أدري ما قالا؟ حدثني مسعر (3)، عن محارب بن دثار (4)، عن جابر بن عبد الله قال: ابتاع النبي صلى الله عليه وآله مني بعيرا بمكة، فلما نقدني الثمن شرطت عليه أن يحملني على ظهره الى المدينة، فأجاز النبي صلى الله عليه وآله

(1) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد المدني. ولد سنة احدى وستين وسمع من أبيه وعمه ابن الزبير وأخيه عبد الله بن عروة وعبد الله بن عثمان وغيرهم. ومات ببغداد سنة أربعين ومائة وقيل غير ذلك. سير اعلام النبلاء 6: 34 - 47، وتاريخ بغداد 14: 47، ووفيات الاعيان 6: 580، وميزان الاعتدال 4: 301، وتهذيب التهذيب 11: 48.
(2) صحيح البخاري 3: 251 و 259، والسنن الكبرى 10: 337، وتلخيص الحبير 4: 213 حديث 2150.
(3) مسعر بن كدام بن ظهير بن عبيدة بن الحارث، أبو سلمة الهلالي الكوفي الاحول الحافظ، روى عن عدي بن ثابت وعمرو بن مرة والحكم بن عتيبة ومحارب بن دثار ومعبد بن خالد وجماعة، توفي في رجب سنة خمس وخمسين ومائة. طبقات ابن سعد 6: 364 - 365، والتاريخ الكبير 8: 13، وحلية الاولياء 7: 209 و 270، وتهذيب التهذيب 10: 113 - 115، وسير اعلام النبلاء 7: 163 و 173.
(4) محارب بن دثار بن كردوس بن قرواش السدوسي الكوفي - ولي قضاء الكوفة في امرة خالد بن عبد الله القسري وحدث عن ابن عمر وجابر وروى عنه شعبة ومسعر وعدة آخرين، مات سنة 116 للهجرة. سير اعلام النبلاء 5: 217 - 219، وميزان الاعتدال 3: 441، وتهذيب التهذيب 10: 49، وشذرات الذهب 1: 152.

[ 31 ]

البيع والشرط (1). دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " المؤمنون عند شروطهم " (2) وهذا عام في كل شرط إلا ما أخرجه الدليل من شرط يخالف الكتاب والسنة. مسألة 41: إذا تبايعا مطلقا، فكان بينهما خيار المجلس. أو تبايعا بشرط الخيار، فكان بينهما خيار الشرط، جاز أن يتقابضا في مدة الخيار، ويكون الشرط قائما حتى ينقطع. وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: يكره قبض الثمن في مدة الخيار (4). دليلنا: أن الاصل جوازه، ولا مانع في الشرع يمنع منه. مسأله 42: خيار الشرط يجوز بحسب ما يتفقان عليه من المدة وإن كثر وبه قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد (5). وقال محمد ومالك: يجوز بقدر الحاجة، فإن كان المبيع ثوبا أو دارا أو نحو هذا، جاز يوما ولا يزاد عليه. وإن كان قرية أو مالا ينقلب إلا في مدة، جاز الشهر والشهرين وقدر الحاجة (6).

(1) رواه الشيخ المؤلف قدس سره في أماليه 2: 4، وابن حزم في المحلى 8: 415 والعيني في عمدة القارى 11: 289، وابن رشد في بداية المجتهد 2: 158 - 159 باختلاف في الفاظه فراجع.
(2) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386، وتلخيص الحبير 3: 23 حديث 1195 وص 44 حديث 1246، وكفاية الاخيار 1: 193، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064.
(3) المجموع 9: 223، والمغني لابن قدامة 4: 70، والشرح الكبير 4: 86.
(4) مقدمات ابن رشد 2: 562، والمجموع 9: 223، والبحر الزخار 4: 349، والمغني لابن قدامة 4: 70، والشرح الكبير 4: 86.
(5) المحلى 8: 370 و 373، واللباب 1: 231، وبداية المجتهد 2: 207، وعمدة القاري 11: 234.
(6) بداية المجتهد 2: 207، وعمدة القاري 11: 234.

[ 32 ]

وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري: لا تجوز الزيادة على ثلاثة أيام، ويجوز أقل من ذلك (1). دليلنا: قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (2) وهذا عام، والمنع من ذلك يحتاج إلى دليل. وأيضا عليه اجماع الفرقة، وأخبارهم متواترة بها. وأيضا قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربا " (3) فأطلق البيع على كل حال. مسألة 43: قد بينا أن ما زاد على الثلاث من الشرط صحيح (4). وحكينا عن أبي حنيفة والشافعي أن ما زاد عليها باطل، قالا: فان خالفا وشرطا أكثر من ذلك كان البيع فاسدا عند الشافعي، سواء اتفقا على اسقاطه في مدة الخيار، أو لم يتفقا على ذلك (5). وهكذا إذا شرطا أجلا مجهولا كقوله: بعتك إلى الغلة، أو إلى الحصاد، أو جذاذ النخل كان فاسدا، ولا يلحقه الصحة بعد هذا (6) وبه قال زفر (7).

(1) كفاية الاخيار 1: 155 والمجموع 9: 225، وبداية المجتهد 2: 208، واللباب 1: 230، والمحلى 8: 370، وعمدة القاري 11: 235.
(2) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمغني لابن قدامة 4: 384. والشرح الكبير 4: 386، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064.
(3) البقرة: 275.
(4) انظر المسألة السابقة.
(5) اللباب 1: 230، وعمدة القاري 11: 235، والمجموع 9: 149 و 225، وكفاية الاخيار 1: 155، والمبسوط 13: 62، والوجيز 1: 141.
(6) المجموع 9: 339، وكفاية الاخيار 1: 161، والمحلى 8: 444 - 445، وبداية المجتهد 2: 211، والمبسوط 13: 62.
(7) اللباب 1: 246، والمبسوط 13: 62.

[ 33 ]

وقال أبو حنيفة وحده: إذا اتفقا على اسقاط ما زاد على الثلاث قبل انقضاء الثلاث صح العقد، وإن سكتا حتى مضى بعد الثلاث جزء من الزمان، بطل العقد، ولا سبيل إلى اسقاطه. وهكذا الاجل إذا اتفقا على إسقاطه صح العقد، وإن لم يتفقا على ذلك بطل (1). هذه طريقة أهل العراق، وأصحابهم بخراسان يقولون: لا يقول العقد فاسد، ولكنه مراعى، فان اسقطا ما زاد على الثلاث قبل انقضاء الثلاث تبينا ان العقد وقع صحيحا، وإن لم يتفقا على ذلك، تبينا انه وقع فاسدا (2). دليلنا على صحة المذهب: ما قدمناه في المسألة الاولى، فإذا ثبت ذلك، فهذا الفرع يسقط عنا. مسألة 44: مدة خيار الشرط من حين التفرق بالابدان، لا من حين حصول العقد. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه. والثاني: أنه من حين العقد (3). دليلنا: أن الخيار يثبت بعد ثبوت العقد، والعقد لا يثبت إلا بعد التفرق، فوجب أن يكون الخيار ثابتا من ذلك الوقت. مسألة 45: إذا ثبت انه من حين التفرق، فشرطا انه من حين الايجاب والقبول صح. وقال الشافعي - على قوله أنه من حين العقد - متى شرطا من حين التفرق

(1) اللباب: 1: 246، والمجموع 9: 194، وبداية المجتهد 2: 211، والمبسوط 13: 62.
(2) اللباب 1: 246، وبداية المجتهد 2: 211، والمجموع 9: 149، والمبسوط 13: 62.
(3) المجموع 9: 198، وكفاية الاخيار 1: 155، ومغني المحتاج 2: 48، والمغني لابن قدامة 4: 112 - 116، والشرح الكبير 4: 76.

[ 34 ]

بطل العقد (1). وعلى قوله - أنه من حين التفرق - فشرطاه من حين العقد على وجهين: أحدهما لا يصح. والثاني يصح (2). دليلنا: قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (3) وأيضا الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 46: إذا تبايعا نهارا، وشرطاه إلى الليل، إنقطع بدخول الليل. وإن تعاقدا ليلا، وشرطا إلى النهار، انقطع بطلوع الفجر الثاني. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: إن كان البيع نهارا كما قلناه. إن كان دليلا لم ينقطع بوجود النهار، وكان الخيار باقيا إلى عند غروب الشمس (5). وهكذا إن قال: الى الزوال، أو الى وقت العصر، اتصل إلى الليل (6). دليلنا: ان ما قلناه متفق عليه، وما إدعاه ليس عليه دليل. مسألة 47: إذا اختار من له الفسخ في مدة الخيار، كان ذلك له، ولم يفتقر إلى حضور صاحبه. وهكذا فسخه بالعيب لا يفتقر إلى حضور صاحبه، وقبل القبض وبعده سواء. والوكيل ليس له أن يفسخ بغير حضور موكله، وكذلك الوصي ليس له أن يعزل نفسه. وبه قال أبو يوسف والشافعي، إلا أنهما قالا في

(1) المجموع 9: 198 - 199، ومغني المحتاج 2: 48، والمغني لابن قدامة 4: 112 - 116، والشرح الكبير 4: 76.
(2) المجموع 9: 198 - 199، والمغني لابن قدامة 4: 112 - 116، والشرح الكبير 4: 76.
(3) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.
(4) المجموع 9: 191، والمغني لابن قدامة 4: 117.
(5) الفتاوى الهندية 3: 40، والمجموع 9: 191، والمغني لابن قدامة 4: 117.
(6) المبسوط 13: 52، والفتاوى الهندية 3: 40، والمجموع 9: 191، والمغني لابن قدامة 4: 117.

[ 35 ]

الوكيل والوصي: لهما ذلك بنفوسهما من غير حكم حاكم (1). وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا اختار فسخ البيع في مدة خياره، لم يصح إلا بحضور صاحبه، وإذا كان حاضرا لم يفتقر إلى رضاه، وهكذا فسخه بالعيب قبل القبض كالفسخ بخيار الشرط، فإن كان ذلك بعد القبض، فلا يصح إلا بتراضيهما أو حكم الحاكم. وأما الوكيل فلا يصح حتى يفسخ موكله. وأما الوصي فلا يملك أن يعزل نفسه، وانما يعزله الحاكم بالخيانة، أو بأن يقر بالعجز فيعزله الحاكم (2). دليلنا على مسألة الخيار: انه إذا ثبت الخيار، فمن ادعى انه يحتاج إلى حضور صاحبه فعليه الدلالة. وأما الوكيل والوصي، فان وكالته ووصيته قد ثبتت، ولا دليل على أن لهما الفسخ، فمن ادعى ذلك فعليه الدلالة. مسألة 48: إذا باع عينا بشرط الخيار لاجنبي، صح ذلك. وقال محمد في الجامع الصغير، قال أبو حنيفة: لو قال بعتك على أن الخيار لفلان، كان الخيار له ولفلان (3). وقال أبو العباس: جملة الفقه في هذا، انه إذا باعه وشرط الخيار لفلان، نظرت، فان جعل فلانا وكيلا له في الامضاء والرد صح قولا واحدا. وإن أطلق الخيار لفلان، أو قال: لفلان دوني فعلى قلين، أحدهما يصح

(1) المجموع 9: 200، وفتح العزيز 8: 314.
(2) اللباب 1: 232، والنتف في الفتاوى 1: 448، والفتاوى الهندية 3: 43، وشرح فتح القدير 5: 120 - 121، وفتح العزيز 8: 314.
(3) شرح فتح القدير 5: 126، وفتح العزيز 8: 315.

[ 36 ]

على ما شرط (1). والثاني: لا يصح (2). وهو اختيار المزني. دليلنا: قول النبي صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " (3) وهذا عام في جميع المواضع. وما روي عنهم عليهم السلام من أن كل شرط لا يخالف الكتاب والسنة فانه جائز (4) يتناول هذا الموضع. مسألة 49: إذا ثبت أن ذلك يصح، فالخيار يكون لمن شرط، فان كان للاجنبي وحده، كان له، وإن شرط لهم، كان لهما، وإن أطلق للاجنبي، كان له دونه. وللشافعي فيه - على قوله أنه يصح - إن ذلك للعاقد، على وجهين: أحدهما: يكون له، فيكون لهما الخيار (5)، وهو قول أبي حنيفة (6). والثاني: يكون على ما شرطاه، ولا يكون للموكل شئ من هذا (7). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى (8)، فلا وجه لاعادته.

(1) كفاية الاخيار 1: 155، والمجموع 9: 195 - 196.
(2) المجموع 9: 195 - 196، وكفاية الاخيار 1: 155.
(3) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.
(4) انظر الكافي 5: 169 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 553، والتهذيب 7: 22 حديث 94، وص 25 حديث 107.
(5) المجموع 9: 195 و 197، وفتح العزيز 8: 315.
(6) النتف 1: 448، وشرح فتح القدير 5: 127، وفتح العزيز 8: 315.
(7) المجموع 9: 195 و 197، وفتح العزيز 8: 315، والنتف 1: 448.
(8) انظر المسألة المتقدمة.

[ 37 ]

مسألة 50: إذا باعه بشرط أن يستأمر فلانا، فليس له الرد حتى يستأمره. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما وهو ظاهر المذهب مثل ما قلناه (1). والثاني: له الرد من غير استيمار (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء (3)، لان الاخبار على عمومها. مسألة 51: إذا صح الاستيمار، فليس له حد، إلا أن يشرط مدة معينة، قلت أم كثرت. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما: لا يصح حتى يشرط (4). والثاني: مثل ما قلناه، من أنه يمتد ذلك أبدا (5). دليلنا: انه قد ثبت صحة هذا الشرط مع الاطلاق، فتقييده بزمان مخصوص يحتاج إلى دليل. مسألة 52: إذا باع عبدين، وشرط مدة من الخيار في أحدهما، فإن أبهم ولم يعين من باعه منهما بشرط الخيار، فالبيع باطل بلا خلاف، لانه مجهول. وإن عين فقال: على أن لك الخيار في هذا العبد دون هذا، ثبت الخيار فيما عين فيه. وقال أبو العباس، على قولين: أحدهما يصح. والاخر لا يصح. مثل أن يجمع بين بيع وصرف، فيقول بعتك هذا الثوب وهذا الدرهم بهذين الدينارين، فانه

(1) المجموع 9: 197، والمغني لابن قدامة 4: 111، والشرح الكبير 4: 77.
(2) المجموع 9: 197.
(3) انظر ما قدمه من القول في المسألة " 48 ".
(4) المجموع 9: 197.
(5) المجموع 9: 197.

[ 38 ]

على قولين (1). دليلنا: قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (2) وهذا شرط، فمن أبطله فعليه الدلالة. مسألة 53: إذا صح هذا البيع كان لكل واحد منهما بالقسط من الثمن، وسواء قدر ثمن كل واحد منهما، فقال: هذا بألف وهذا بألف، أو أطلق فقال: بعتكهما بألفين. وقال الشافعي: الكل على قولين (3). وقال أبو حنيفة: إن قدر ثمن كل واحد منهما صح، وإن أطلق بطل (4). دليلنا: انه إذا ثبت صحة البيع بما قدمناه، ولم يتعين بالتقدير، فلابد من التقسيط، وإلا أدى الى بطلان العقد. مسألة 54: روى أصحابنا أنه إذا اشترى عبدا من عبدين على أن للمشتري أن يختار أيهما شاء، انه جائز (5). ولم يرووا في الثوبين شيئا. وقال الشافعي: إذا اشترى ثوبا من ثوبين على أنه بالخيار ثلاثة أيام لم يصح البيع، وكذلك إذا اشترى ثوبا من ثلاثة أثواب على أنه بالخيار ثلاثا، أو ثوبا من أربعة أثواب أو أكثر من ذلك لم يصح البيع (6).

(1) المجموع 9: 388 - 389، ومغني المحتاج 2: 42.
(2) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.
(3) المجموع 9: 389.
(4) المبسوط 13: 67، والهداية المطبوع بهامش الفتح القدير 5: 128، وشرح فتح القدير 5: 128.
(5) انظر ما رواه الشيخ ا الكليني في الكافي 5: 217 حديث 1، والشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 3: 88 حديث 330، والشيخ المصنف في التهذيب 7: 72 حديث 308.
(6) المجموع 9: 288، وفتح العزيز 8: 134، وكفاية الاخيار 1: 150، والوجيز 1: 134، وتبيين الحقائق 4: 21.

[ 39 ]

وقال أبو حنيفة: يصح أن يشتري ثوبا من ثوبين، على أنه بالخيار ثلاثا، والقياس يدل عليه، ويجوز أن يشتري ثوبا من ثلاثة أثواب على أنه بالخيار ثلاثا، والاستحسان يدل عليه، ولا يجوز أن يشتري ثوبا من أربعة أثواب والقياس يدل على أنه لا يجوز (1). وإن باع بثمن من ثلاثة أثمان، قال أبو بكر الرازي: لا يحفظ ذلك عن أبي حنيفة، وينبغي أن يجوز، لانه لا فرق بين الثمن والمثمن. دليلنا: اجماع الفرقة، وقوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (2). مسألة 55: إذا هلك البيع في مدة الخيار بعد القبض، لم ينقطع الخيار. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: ينقطع (4). دليلنا: إن انقطاع الخيار يحتاج إلى دليل، والاصل ثبوته. مسألة 56: إذا قال: بعنيه بألف، فقال: بعتك. لم يصح البيع حتى يقول المشتري بعد ذلك: إشتريت، أو قبلت. وقال الشافعي: يصح وإن لم يقل ذلك (5). وقال أبو حنيفة: إن كان القبول بلفظ الخبر، كقوله: اشتريت منك، أو

(1) المبسوط 13: 55، وشرح فتح القدير 5: 130، والمحلى 8: 430، والمجموع 9: 288، وفتح العزيز 8: 134، والشرح الكبير 4: 33، والوجيز 1: 134، وتبيين الحقائق 4: 21، والفتاوى الهندية 3: 52 و 54، وحاشية رد المحتار 4: 585 - 586.
(2) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064، وتخليص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.
(3) الام 3: 5، والمجموع 9: 220، وبداية المجتهد 1: 209، والنتف 1: 447.
(4) اللباب 1: 231، والنتف 1: 447 والمبسوط 13: 44، وشرح فتح القدير 5: 116.
(5) الوجيز 1: 132، والمجموع 9: 168، وفتح العزيز 8: 101، ومعني المحتاج 3: 5.

[ 40 ]

ابتعت منك صح البيع. وإن كان بلفظ الامر لم يصح، فإذا قال: بعني، فقال: بعتك، لم ينعقد البيع حتى يقول المشتري بعد هذا قبلت (1). دليلنا: إن ما اعتبرناه مجمع على ثبوت العقد به، ووما ادعوه لا دلالة على صحته، والاصل عدم العقد، ومن ادعى ثبوته فعليه الدلالة. مسألة 57: إذا قال: بعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث، فإن نقدتني الثمن إلى ثلاث وإلا فلا بيع بيننا، صح البيع. وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: البيع باطل (3). دليلنا: قول النبي صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " (4) مع قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربوا " (5) وهذا بيع وشرط، فيجب أن يصحا معا للاية والخبر. مسألة 58: إذا قال واحد لاثنين: بعتكما هذا العبد بألف، فقال أحدهما: قبلت نصفه بحسابه، ورد الاخر، لم ينعقد العقد. وبه قال أبو حنيفة (6). وقال الشافعي: ينعقد العقد في حقه، سواء قبل صاحبه أو رده (7).

(1) اللباب 1: 221، والمجموع 9: 168، والفتاوى الهندية 2: 4، وبدائع الصنائع 5: 133، وشرح فتح القدير 5: 7، وفتح العزيز 8: 101.
(2) المبسوط 13: 50، وشرح العناية: 114، والمجموع 9: 379، وشرح فتح القدير 5: 114، والمغني لابن قدامة 4: 129، والشرح الكبير 4: 67.
(3) المجموع 9: 279 ومغني المحتاج 2: 47، والمغني لابن قدامة 4: 129 والشرح الكبير 4: 67.
(4) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.
(5) البقرة: 275.
(6) المبسوط 13: 50، والمغني لابن قدامة 4: 268.
(7) المجموع 9: 337 والمبسوط 13: 50، والمغني لابن قدامة 4: 268، والشرح الكبير 4: 106.

[ 41 ]

دليلنا: إن قبوله غير مطابق للايجاب، وإن العقد يحتاج إلى دلالة، ولا دليل على ثبوت هذا العقد. مسألة 59: إذا دفع قطعة إلى البقلي، أو إلى الشارب، وقال: اعطني بقلا أو ماء، فاعطاه، فإنه لا يكون بيعا، وكذلك سائر المحقرات، وانما يكون إباحة، له أن يتصرف كل واحد منهما فيما أخذه، تصرفا مباحا من غير أن يكون ملكه. وفائدة ذلك، أن البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل، أو أراد صاحب القطعة أن يسترجع قطعته كان لهما ذلك، لان الملك لم يحصل لهما. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يكون بيعا صحيحا وإن لم يوجد الايجاب والقبول، قال ذلك في المحقرات دون غيرها (2). دليلنا: إن العقد حكم شرعي، ولا دلالة في الشرع على وجوده ها هنا، فيجب أن لا يثبت. فأما الاستباحة بذلك فهو مجمع عليه، لا يختلف العلماء فيها. مسألة 60: إذا اشترى، فبان له الغبن فيه، كان له الخيار إذا كان مما لم تجري العادة بمثله، إلا أن يكون عالما بذلك، فيكون العقد ماضيا، لا رجوع له فيه. وقال أبو حنيفة والشافعي معا: ليس له الخيار، سواء كان الغبن قليلا أو كثيرا (3).

(1) المجموع 9: 163، وكفاية الاخيار 1: 147، وفتح العزيز 8: 99.
(2) النتف 1: 442، والمجموع 9: 162 و 163، وفتح العزيز 8: 101.
(3) عمدة القاري 11: 233، والوجيز 1: 143، والمحلى 8: 439، والمغني لابن قدامة 4: 92 - 93 والام 3: 91، والشرح الكبير 4: 88، وفتح العزيز 8: 225، وفتح القدير 6: 431.

[ 42 ]

وقال مالك: إن كان الغبن دون الثلث فلا خيار له، وإن كان الثلث مما فوقه كان له الخيار (1). وبه قال أبو يوسف وزفر (2). دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " لا ضرر ولا ضرار " (3) وهذا ضرر، لانه إذا اشترى ما يساوي عشرة بمائة فان ذلك غاية الضرر، وقول النبي صلى الله عليه وآله يبطله. وأيضا روي عنه عليه السلام انه نهى أن تلقى الركبان (4)، فمن تلقاها فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق، ومعلوم انه انما جعل له الخيار لاجل الغبن. مسألة 61: بيع درهم بدرهمين، ودينار بدينارين نسية لا خلاف في تحريمه، وبيعه كذلك نقدا وموازنة ربا محرم. وبه قال جميع الفقهاء والعلماء (5). وروى مجاهد بن جبير قال: سمعت ثلاثة عشر نفسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يحرمون ذلك (6). وبه قال جميع التابعين، وجميع الفقهاء المعروفين (7). وذهب أربعة أنفس من الصحابة إلى جواز التفاضل في الجنس نقدا، فأجازوا بيع الدرهم بدرهمين نقدا. ذهب إليه عبد الله بن عباس، وعبد الله بن

(1) المحلى 8: وعمدة القاري 11: 233، والمغني لابن قدامة 4: 92، والشرح الكبير 4: 88 - 89.
(2) المحلى 9: 438، وعمدة القاري 11: 235. (3) موطأ مالك 2: 805، وسنن الدارقطني 4: 227، وفيض القدير 6: 431.
(4) انظر ذلك في الكافي 5: 169 حديث 4، وصحيح البخاري 3: 92 و 95، وسنن الترمذي 3: 524 حديث 1221.
(5) المجموع 10: 26، والمغني لابن قدامة 4: 134، والمحلى 8: 479، وبداية المجتهد 2: 128، وكفاية الاخيار 1: 153، والشرح الكبير 4: 134.
(6) المجموع 10: 40، والمغني لابن قدامة 4: 134، والشرح الكبير 4: 134، وشرح الازهار 3: 69.
(7) المغني لابن قدامة 4: 135، وبداية المجتهد 2: 128 و 194، والشرح الكبير 4: 135.

[ 43 ]

الزبير، واسامة بن زيد، وزيد بن أرقم (1). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع المسلمين، فإن هذا الخلاف قد انقرض، وإجماع الاعصار حجة. مسألة 62: إذا ثبت تحريم التفاضل في الجنس، فلا فضل بين المضروب بالمضروب، والتبر بالتبر، والمصوغ بالمصوغ، فان التفاضل فيه نقدا ربا. وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (2). وقال مالك: إذا كان وزن الخلخال مائة، وقيمته لاجل الصنعة مائة وعشرة، فباعه بمائة وعشرة جاز. ويكون المائة بالمائة، والعشرة بالصنعة (3). دليلنا إجماع الفرقة. وأيضا عموم الاخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وآله مثل ما رواه أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بنا جز " (4). مسألة 63: الربا عندنا في كل مكيل وموزون، سواء كان مطعوما أو غير مطعوم. وقال داود وأهل الظاهر: الربا في الاجناس الستة: الذهب، والفضة،

(1) المغني لابن قدامة 4: 134، والشرح الكبير 4: 134، وبداية المجتهد 2: 128 و 194.
(2) مختصر المزني: 76، والوجيز 1: 136، وكفاية الاخيار 1: 153، واللباب 1: 255 - 256، وبداية المجتهد 2: 128.
(3) بلغة السالك 2: 21 - 22، وتفسير القرطبي 3: 351.
(4) صحيح البخاري 3: 97، وصحيح مسلم 3: 1208 حديث 75، والموطأ 2: 632 حديث 30، ورواه النسائي في سننه 7: 278، والترمذي في جامعه 3: 542 حديث 1241 باختلاف يسير في اللفظ.

[ 44 ]

والحنطة والشعير، والتمر، والملح، وما عدا ذلك فلا ربا فيه (1). وقال أهل القياس كلهم: ان الربا يثبت في غير الاجناس الستة، على اختلاف بينهم ان الربا فيماذا يثبت (2). دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم صريحة في ذلك ذكرناها في الكتاب المتقدم ذكره (3)، وطريقة الاحتياط تقتضي ما قلناه. فأما الاجناس الستة فلا خلاف فيها بين الامة. مسألة 64: ما يثبت فيه الربا إنما يثبت بالنص، لا لعلة من العلل. واختلف أهل القياس في علة الربا في الدراهم والدنانير. فقال الشافعي: علة الربا فيها انها أثمان جنس، وربما قالوا: جنس الاثمان، وعلى القولين غير متعدية الى غيرهما (4). وقال أبو حنيفة: العلة موزون جنس، فالعلة متعدية عنده إلى كل موزون كالحديد، والصفر، والفضة، والقطن، والابريسم وغير ذلك (5). واختلفوا فيما عدا الاثمان:

(1) المجموع 9: 392 و 400، وسبل السلام 3: 845، وعمدة القاري 11: 252، وبداية المجتهد 2: 129، والمحلى 8: 489.
(2) عمدة القارى 11: 252 - 253، والمجموع 9: 393 و 400 - 401، وفتح العزيز 8: 163، وسبل السلام 3: 845.
(3) التهذيب 7: 19 حديث 81، وانظر تفسير العياشي 1: 152 حديث 504 والكافي 5: 146 حديث 10، من لا يحضره الفقيه 3: 175 حديث 6.
(4) الام 3: 15، والمجموع 9: 393، والمحلى 8: 469، وعمدة القاري 11: 252، وفتح العزيز 8: 165، وتفسير القرطبي 3: 353، ومغني المحتاج 2: 22، والسراج الوهاج: 177، والمغني لابن قدامة 4: 138.
(5) عمدة القاري 11: 252، والمجموع 9: 401، والمحلى 8: 472، وفتح العزيز 8: 163، واللباب 1: 255، والفتاوى الهندية 3: 117، وشرح فتح القدير 5: 274، وتفسير القرطبي 3: 353.

[ 45 ]

فقال الشافعي في القديم: علتها ذات أوصاف ثلاثة: مأكول، مكيل أو موزون، جنس. فعلى هذا كلما يؤكل مما لا يكال ولا يوزن كالقثاء، والبطيخ، والسفرجل، والرمان، والموز، والبقول لا ربا فيها، لانها لا تكال ولا توزن (1). وقال مالك: العلة ذات أوصاف ثلاثة: مأكول، مقتات، جنس فكل مأكول لا يقتات كالقثاء، والبطيخ، وحب الرشاد لا ربا فيه، لانه لا يقتات (2). وقال الشافعي في الجديد: العلة ذات وصفين: مطعوم، جنس. فكل مأكول ومطعوم فيه الربا، سواء كان مما يكال أو يوزن كالحبوب، والادهان، واللحمان. أو لا يكال ولا يوزن كالقثاء، والبطيخ، والرمان، والسفرجل ونحو هذا فيه الربا (3). وقال أبو حنيفة: العلة ذات وصفين أيضا: مكيل أو موزون، جنس. فكل مكيل فيه الربا سواء أكل أو لم يؤكل كالحبوب والادهان والجص والنورة والاشنان، ومما يوزن ما أكل أو لم يؤكل كاللحم والسكر والصفر والنحاس والقطن والصوف (4).

(1) المجموع 9: 397 و 401، وفتح العزيز 8: 163، وعمدة القاري 11: 252، وتفسير القرطبي 3: 353، ومغني المحتاج 2: 22، والسراج الوهاج 177 والشرح الكبير 4: 137، والمغني لابن قدامة 4: 137.
(2) بلغة السالك 2: 24، والمجموع 9: 401، والمحلى 8: 469، وعمدة القاري 11: 252، وبداية المجتهد 2: 129، وفتح العزيز 8: 163، وتفسير القرطبي 2: 353، والشرح الكبير 4: 138، والمغني لابن قدامة 4: 138.
(3) المجموع 9: 395 و 397، وفتح العزيز 8: 163، وعمدة القاري 11: 252، والمحلى 8: 471، وبداية المجتهد 2: 129، وتفسير القرطبي 2: 353.
(4) عمدة القاري 11: 252، والمحلى 8: 471، والمجموع 9: 401، وفتح العزيز 8: 163، وبداية المجتهد 2: 129، وتفسير القرطبي 2: 353، واللباب 1: 255، والفتاوى الهندية 3: 117، وشرح فتح القدير 5: 274

[ 46 ]

وقال ربيعة: العلة ذات وصفين: جنس، تجب فيه الزكاة، فاجرى الربا في الحبوب التي تجب فيه الزكاة، وفي النعم أيضا (1). وقال ابن سيرين: العلة ذات وصف واحد: وهو الجنس، فاجرى الربا في الثياب والحيوان والخشب، وكل شئ هو جنس واحد (2). وقال سعيد بن جبير: ذات وصف واحد: وهو تقارب المنفعة، فاجرى الربا في الجنس الواحد لا تفاق المنفعة، وكل جنسين يقارب نفعهما كالتمر والزبيب والجاورس والدهن (3). دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم (4)، وأيضا فان هذا الخلاف بين القائلين بالقياس، وعندنا أن القياس باطل، فما هو فرع على ثبوته ساقط عنا. مسألة 65: إذا باع ما فيه الربا من المكيل والموزن، مختلف الجنس، مثل الطعام والتمر، جاز بيع بعضه ببعض متماثلا ومتفاضلا. ويجوز بيع الجنس بعضه ببعض متماثلا يدا بيد، ويكون نسيئة، فان تفرقا قبل القبض لم يبطل البيع. وبه قال أبو حنيفة (5). وقال الشافعي: يبطل البيع إذا افترقا قبل القبض (6).

(1) عمدة القاري 11: 252 والمحلى 8: 469، والمجموع 9: 401، والشرح الكبير 4: 138، والمغني لابن قدامة 4: 138.
(2) المجموع 9: 400، والمحلى 8: 469، وعمدة القاري 11: 252، والشرح الكبير 4: 138، والمغني لابن قدامة 4: 138.
(3) المحلى 8: 469، وعمدة القاري 11: 252، والمجموع 9: 401.
(4) تفسير العياشي 1: 152 حديث 504، والكافي 5: 187 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 371 حديث 1751، والتهذيب 7: 17 حديث 74.
(5) اللباب 1: 257، وفتح العزيز 8: 165.
(6) الام 3: 31، والمجموع 9: 404، وفتح العزيز 8: 165.

[ 47 ]

دليلنا: ان العقد صحيح بلا خلاف، فمن ادعى بطلانه بالتفرق قبل القبض فعليه الدلالة. مسألة 66: الحنطة والشعير جنس واحد في باب الربا، لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلا بمثل، وبه قال مالك، والليث بن سعد، والحكم، وحماد (1). وقال أبو حنيفة والشافعي: هما جنسان، يجوز بيعهما متفاضلا يدا بيد، ولا يجوز نسية (2). وبه قال سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو برزة، وأبو ثور، والنخعي، وعطاء (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا اجمعنا على جواز بيع بعضها ببعض متماثلا، ولا دليل على جواز التفاضل فيهما. وأيضا قوله تعالى: " اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا " (4) وقوله: " يمحق الله الربوا " (5)، والربا هي الزيادة، والاية على عمومها إلا ما أخرجه الدليل. وروي عن معمر بن عبد الله (6) انه بعث غلاما ومعه صاع من قمح، فقال: بعه واشتر به شعيرا، فجاءه بصاع وربع صاع، فقال: رده فان النبي صلى الله

(1) المحلى 8: 492، تفسير القرطبي 3: 349، وبداية المجتهد 2: 134، وبلغة السالك 2: 24، وسبل السلام 3: 848.
(2) الام 3: 31، وكفاية الاخيار 1: 153، والمحلى 8: 492، وبداية المجتهد 2: 135، وتفسير القرطبي 3: 349.
(3) المحلى 8: 492.
(4) البقرة 278.
(5) البقرة: 276.
(6) معمر بن عبد الله بن نضلة، وقيل: معمر بن عبد الله بن نافع بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عدي العدوي، أسلم وهاجر الى الحبشة الهجرة الثانية، وتأخرت هجرته الى المدينة، وقدمها مع أصحاب السفينتين من الحبشة وعاش عمرا طويلا، روى عن سعيد بن المسيب وبشر بن سعيد. قاله ابن الاثير في اسد الغابة 4: 400.

[ 48 ]

عليه وآله قال: " الطعام بالطعام مثلا بمثل " وطعامنا يومئذ الشعير (1)، فثبت ان الطعام ينطلق عليهما، فلذلك رده. وبه قال عمر، وسعد بن أبي وقاص (2)، ولا مخالف لهما. مسألة 67: الثياب بالثياب، والحيوان بالحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعض نسية، متماثلا ولا متفاضلا، ويجوز ذلك نقدا، وبه قال أبو حنيفة (3). وقال الشافعي: يجوز ذلك نقدا ونسية (4). وقد روي ذلك أيضا في أخبارنا (5). دليلنا: إنا أجمعنا على جواز ذلك نقدا، ولا دليل على جوازه نسية، وطريقة الاحتياط تقتضي المنع منه. وروى الحسن، عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسية (6). وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الحيوان بالحيوان واحدا باثنين لا بأس به نقدا، ولا يجوز نسية، ولا يجوز إلى أجل " (7).

(1) رواه مسلم في صحيحه 3: 1214 حديث 93، والدارقطني في سننه 3: 24، وأحمد بن حنبل في مسنده 6: 400، والبيهقي في سننه الكبرى 5: 283، باختلاف يسير في اللفظ.
(2) المحلى 8: 491.
(3) عمدة القاري 12: 44، وشرح فتح القديرة: 290، والمجموع 9: 403، وبداية المجتهد 2: 133.
(4) المجموع 9: 402 - 403، وعمدة القاري 12: 44، وبداية المجتهد 2: 133، وسنن الترمذي 3: 539.
(5) انظرها في الكافي 5: 190 - 191 (باب المعارضة في الحيوان)، ومن لا يحضره الفقيه 3: 177 حديث 797 و 800، والتهذيب 7: 118 - 119 حديث 511 - 517.
(6) سنن ابن ماجة 2: 637 حديث 2270، وسنن أبي داود 3: 250 حديث 3356، وسنن الترمذي 3: 538 حديث 1237، ورواه البيهقي في سننه الكبرى 5: 288 باختلاف يسير في الفاظه.
(7) سنن الترمذي 3: 539 حديث 1238، ورواه ابن ماجة في سننه 2: 763 حديث 2270 باختلاف يسير في الفاظه.

[ 49 ]

مسألة 68: بيع الحيوان بالحيوان جائز، متفاضلا ومتماثلا نقدا، سواء كانا كسيرين أو صحيحين، أو أحدهما كسيرا والاخر صحيحا. وبه قال الشافعي، وأجاز نقدا ونسيئة (1). وقال مالك: إذا كانا كسيرين لا يصلحان لغير الذبح، وكان مما يؤكل لحمه كالنعم، ولا ينتفع به بنتاج ولا ركوب، ولا يصلح لشئ غير اللحم، لم يجز بيع بعضه ببعض (2). دليلنا: الاية، وهي قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربوا " (3) فمن خصصه فعليه الدليل. مسألة 69: الطين الذي يأكله الناس حرام، لا يحل أكله ولا بيعه. وقال الشافعي: يجوز ذلك، ولا ربا فيه (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (5). وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال لعائشة: " لا تأكليه يا حميراء فأنه يصفر اللون " (6) وهذا نهي يقتضي التحريم. مسألة 70: الماء لا ربا فيه.

(1) الام 3: 37، والمجموع 9: 402، وسنن الترمذي 3: 538 ذيل حديث 1237، وبداية المجتهد 2: 133.
(2) بداية المجتهد 2: 133، والمجموع 9: 402.
(3) البقرة: 275.
(4) المجموع 9: 398.
(5) انظر ما رواه الشيخ الكليني في الكافي 6: 265 حديث 1 - 9، والشيخ الصدوق في ثواب الاعمال: 293، وعلل الشرائع 2: 532 حديث 1 - 5، والبرقي في محاسنه 2: 565 باب أكل الطين.
(6) روي أيضا بلفظين آخرين نصهما: " يا حميراء لا تأكلي الطين فانه يصفر اللون " و " يا حميراء لا تأكلي الطين فان فيه ثلاث خصال يورث الداء، ويعظم البطن، ويصفر اللون ". ذكر ذلك مصطفى عبد القادر عطا، في تعليقته على أحاديث أكل الطين الواردة في كتاب " التذكرة في الاحاديث المشتهرة " للزركشي صفحة: 155 - 156، والموضوعات لابن الجوزي 3: 33 فلاحظ.

[ 50 ]

وللشافعي فيه وجهان: أحدهما: فيه الربا. والثاني: لا ربا فيه (1). دليلنا: انه ليس بمكيل ولا موزون فيدخل تحت الاخبار (2)، وقد بينا انه لا ربا إلا فيما يكال أو يوزن (3). مسألة 71: يجوز بيع الخبز بعضه ببعض مثلا بمثل، إذا كانا من جنس واحد، وإن كانا مختلفي الجنس جاز متفاضلا، سواء كان يابسا أو لينا. وقال الشافعي: إن كان لينا لا يجوز بيع بعضه ببعض، لا متماثلا ولا متفاضلا. وأما إذا جف ودق فالصحيح أنه لا يجوز، ذكره في الام (4)، وقال في الحرملة: يجوز (5). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربوا " (6) وهذا بيع، فمن منع منه فعليه الدلالة. مسألة 72: لا ربا في المعدودات، ويجوز بيع بعضها ببعض متماثلا ومتفاضلا، نقدا ونسية. وللشافعي فيه قولان: قال في القديم مثل ما قلناه (7).

(1) المجموع 9: 395 - 396 و 398.
(2) رواها الشيخ الكليني في الكافي 5: 146، حديث 10، والشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 3: 175 حديث 786، والشيخ المؤلف في التهذيب 7: 19 حديث 81.
(3) انظر إلى بيان المؤلف قدس سره في المسألة 63 المتقدمة.
(4) الام 3: 79، والمجموع 11: 124، والشرح الكبير 4: 163.
(5) المجموع 11: 125، والشرح الكبير 4: 163.
(6) البقرة: 275.
(7) المجموع 9: 397، وفتح العزيز 8: 169.

[ 51 ]

وقال في الجديد: فيه الربا إذا كان مطعوما - مثل السفرجل والرمان والبطيخ وما أشبه ذلك - فعلى هذا يجوز بيع جنس بجنس غيره متفاضلا يدا بيد، مثل رمانة بسفر جلتين، وسفرجلة بخوختين، وما أشبه ذلك، لان التفاضل لا يحرم في جنسين، وانما يحرم النسية والتفرق قبل القبض (1). وأما الجنس الواحد فانه لا يجوز بيع بعضه ببعض متافضلين، مثل رمانة برمانتين، وسفرجلة بسفر جلتين، وخوخة بخوختين، وبطيخة ببطيختين. وهل يجوز بيع بعضه ببعض متساويين؟ نظر فيه: فان كان مما ييبس ويبقى منفعته يابسا - مثل الخوخ والكمثرى - فانه لا يجوز بيع الرطب بالرطب حتى ييبس. وإن كان مما لا ييبس مثل القثاء وما أشبه ذلك، أو كان رطبا لا يصير تمرا، أو عنبا لا يصير زبيبا، ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز بيع بعضه ببعض، وانما يباع بغير جنسه، وهو مذهبه المشهور (2). والقول الثاني: يجوز بيع بعضه ببعض (3). دليلنا: الاية (4)، وأيضا الاصل الاباحة، والمنع منه يحتاج إلى دليل، وأيضا عليه اجماع الفرقة، وأخبارهم (5) تدل على ذلك. مسألة 73: يجوز بيع الطعام بالدقيق إذا كان من جنسه، مثلا بمثل، يدا

(1) مختصر المزني: 77، والمجموع 9: 397، وفتح العزيز 8: 169.
(2) مختصر المزني 77، وبداية المجتهد 2: 138، والمغني لابن قدامة 4: 145، وفتح العزيز 8: 169.
(3) المغني لابن قدامة 4: 145، وفتح العزيز 8: 169.
(4) البقرة 275.
(5) الكافي 5: 191، حديث 8، والتهذيب 7: 117 - 119 حديث 510 و 513 و 515 و 517 و 518، ومن لا يحضره الفقيه 3: 177 حديث 797 وص 178 حديث 807.

[ 52 ]

بيد، ولا يجوز نسية. وإن كان من غير جنسه يجوز متفاضلا ومتماثلا. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الدقيق بالحنطة مثلا بمثل، ولا متفاضلا لا بالوزن ولا بالكيل (1). وبه قال حماد بن أبي سليمان، والحكم، والحسن البصري، ومكحول، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه (2). وقال أبو الطيب بن سلمة من أصحاب الشافعي بجوازه (3). وحكي عن الكرابيسي أنه قال، قال أبو عبد الله: يجوز بيع الحنطة بدقيقها (4). فقال ابن الوكيل: أراد بذلك الشافعي، فصار ذلك قولا آخر له (5). وسائر أصحابه ذهبوا إلى الاول، وقالوا: انه لم يرد به الشافعي، وإنما أراد به أحمد أو مالكا، لان كلاهما يكنى أبا عبد الله، وهما مخالفان في المسألة (6). وذهب مالك، وابن شبرمة، وربيعة، والليث بن سعد، وقتادة، والنخعي الى أنه يجوز بيع الحنطة بدقيقها، كيلا بكيل متماثلا (7). وقال أحمد وإسحاق والاوزاعي: يجوز بيع الحنطة بدقيقها، وزنا بوزن، ولا يجوز كيلا بكيل متماثلا (8).

(1) الام 3: 79، ومختصر المزني 1: 77، والمجموع 11: 113، وفتح العزيز 8: 180، والمغني لابن قدامة 4: 153، والشرح الكبير 4: 159.
(2) بداية المجتهد 2: 137، والمغني لابن قدامة 4: 153، والمجموع 11: 113، والشرح الكبير 4: 159، وفتح العزيز 8: 180، والفتاوي الهندية 3: 118.
(3) المجموع 11: 109 و 113، وفتح العزيز 8: 180.
(4) المجموع 11: 111 وفتح العزيز 8: 180.
(5) المجموع 11: 114.
(6) المجموع 11: 114، وفتح العزيز 8: 180.
(7) الموطأ 2: 648، وبداية المجتهد 2: 136 - 137، والمجموع 11: 113، وفتح العزيز 8: 180، والمغني لابن قدامة 4: 153، والشرح الكبير 4: 159.
(8) المغني لابن قدامة 4: 153، والشرح 4: 159، والمجموع 11: 113، وفتح العزيز 8: 181.

[ 53 ]

وقال أبو ثور: الحنطة والدقيق جنسان، يجوز بيع أحدهما بالاخر، متماثلا ومتفاضلا (1). دليلنا: إن الاصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دلالة. وأيضا قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (2) وهذا بيع، وتخصيصها يحتاج إلى دليل، ولا دلالة. مسألة 74: يجوز بيع الحنطة بالسويق منه، وبالخبز، وبالفالوذج المتخذ من النشأ مثلا بمثل. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك، ولا بيع شئ منها بالاخر (3). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء، من الاية ودلالة الاصل، وان المنع والتخصيص يحتاج إلى دلالة. مسألة 75: يجوز بيع دقيق الحنطة بدقيق الحنطة، ودقيق الشعير بدقيق الشعير، مثلا بمثل. وقال الشافعي: لا يجوز (4). وروى المزني في المنثور أنه يجوز، كذلك كل جنس من المطعومات التي. فيها الربا (5). وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك إذا تساويا في اللين والخشونة (6).

(1) المغني لابن قدامة 4: 153، والمجموع 11: 112، والشرح الكبير 4: 159.
(2) البقرة: 275.
(3) مختصر المزني: 77، والمجموع 11: 116 - 117، وفتح العزيز 8: 180 والمغني لابن قدامة 4: 152 - 154، وشرح فتح القدير 4: 160، ومغني المحتاج 2: 26.
(4) المجموع 11: 117 - 118، والمغني لابن قدامة 4: 152. والشرح الكبير 4: 162، وشرح فتح القدير 5: 259.
(5) المجموع 11: 117 - 118، وفتح العزيز 8: 181.
(6) اللباب 1: 258، والمجموع 11: 119، والمغني لابن قدامة 4: 153، والشرح الكبير 4: 162، وبدائع الصنائع 5: 187، وشرح فتح القدير 5: 289.

[ 54 ]

دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (1) والمنع منه يحتاج إلى دليل. مسألة 76: يجوز بيع الدقيق بالسويق مثلا بمثل. وبه قال أبو يوسف، ومالك، إلا أنهما قالا: ويجوز أيضا متفاضلا (2). وقال الشافعي: لا يجوز ذلك (3). وبه قال أبو حنيفة (4)، إلا ما رواه أبو يوسف عنه من جوازه في الاصول (5). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 77: يجوز بيع خل الزبيب بخل الزبيب مثلا بمثل، ولا يجوز متفاضلا، وبيع خل التمر بخل التمر. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك (6). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (7) والمنع منه يحتاج إلى دلالة. مسألة 78: يجوز بيع خل الزبيب بخل العنب مثلا بمثل، ولا يجوز متفاضلا. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك (8). دليلنا: الاية (9)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل.

(1) البقرة: 279.
(2) الموطأ 2: 646، والمجموع 11: 121، والفتاوى الهندية 3: 119، والمغني لابن قدامة 4: 154، والشرح الكبير 4: 162، وشرح فتح القدير 5: 290.
(3) مختصر المزني: 77، والمجموع 11: 121، واللباب 2: 40، والمغني لابن قدامة 4: 154، والشرح الكبير 4: 162.
(4) اللباب 1: 258، والمجموع 11: 121، والفتاوى الهندية 3: 119، وشرح فتح القدير 5: 289.
(5) المجموع 11: 121.
(6) الام 3: 81، ومختصر المزني: 77، والوجيز 1: 137، والمجموع 11: 142 و 144، وفتح العزيز 8: 182.
(7) البقرة: 275.
(8) الام 3: 81، والوجيز 1: 137، والمجموع 11: 142، وفتح العزيز 8: 182.
(9) البقرة: 275.

[ 55 ]

مسألة 79: يجوز بيع خل الزبيب بخل التمر، متماثلا ومتفاضلا. وقال الشافعي فيه قولين: أحدهما: يجوز إذا لم يعتبر الربا في الماء (1). والاخر: لا يجوز إذا اعتبر الربا في الماء (2). دليلنا: الاية (3)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 80: لا يجوز بيع مكيل بمكيل جزافا، سواء كان ذلك في الحضر أو في السفر. وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (4). وقال مالك: إذا كان المبيع في البدو يجوز بيع الصبرة بالصبرة بالتخمين والحرز (5). دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن بيع الغرر (6) (7)، وهذا غرر.

(1) الام 3: 81، ومختصر المزني: 77، والمجموع 11: 146 وفتح العزيز 8: 182.
(2) الام 3: 81، والمجموع 11: 145 - 146، وفتح العزيز 8: 182. (3) قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربا " البقرة: 275.
(4) الام 3: 65، والمجموع 9: 211، والوجيز 1: 137، وفتح العزيز 8: 169، وبداية المجتهد 2: 145، والمبسوط 12: 191، والسراج الوهاج: 178، ومغني المحتاج 2: 25.
(5) الموطأ 2: 647، وبداية المجتهد 2: 145، وفتح العزيز 8: 169 - 170، وفتح الرحيم 2: 110، واللباب 1: 224.
(6) الغرر في اللغة: كل ماله ظاهر محبوب وباطن مكروه. وفي الاصطلاح: كل ما هو مجهول الحصول ومجهول الصفة.
(7) سنن الترمذي 3: 532 حديث 1230، وسنن الدارقطني 3: 15 حديث 46 و 47، ومسند أحمد بن حنبل 1: 302، وسنن الدارمي 2: 251، والموطأ 2: 664 حديث 75، وصحيح مسلم 3: 1153 حديث 1513، وسنن النسائي 7: 262، وسنن أبي داود 3: 254 حديث 3376، وسنن ابن ماجة 2: 739 حديث 2194 و 2195، والسنن الكبرى 5: 338، ودعائم الاسلام 2: 21 وعيون أخبار الرضا 2: 45 حديث 168.

[ 56 ]

وما روي عن أئمتنا عليهم السلام من أنه نهى عن بيع الصبرة بالصبرة (1)، ولا يدري ما كيل هذه من كيل هذه، وهذا نص. مسألة 81: يجوز بيع الشيرج بعضه ببعض، متماثلا يدا بيد. وبه قال جميع أصحاب الشافعي (2)، إلا ابن أبي هريرة فإنه منع منه (3). دليلنا: الاية، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 82: يجوز بيع زيت الزيتون بزيت الفجل متفاضلا. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، لانهما جنسان (4). والاخر. لا يجوز، لانهما يجمعهما اسم زيت (5). دليلنا: الاية (6)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 83: دهن البذر (7) والسمك فيه الربا. وقال الشافعي: لا ربا فيه (8).

(1) لم أقف على ما نسبه الشيخ قدس سره إلى أئمتنا عليهم السلام من نهي النبي صلى الله عليه وآله وباللفظ المذكور. نعم روى النسائي في سننه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تباع الصبرة من الطعام بالصبرة من الطعام. انظر ذلك في 7: 270، وعنه ايضا قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر انظر 7: 269 وصحيح مسلم 3: 1162 حديث 42.
(2) الام 3: 28، والمجموع 11: 139 و 141.
(3) المجموع 11: 139.
(4) الام 3: 22 و 28 ومختصر المزني: 77، والمجموع 9: 398.
(5) المجموع 9: 398.
(6) البقرة: 275.
(7) أي بذر الكتان وغيره مما يستخرج منه الدهن.
(8) الام 3: 23 و 28، ومختصر المزني: 77، والمجموع 9: 396 و 398.

[ 57 ]

وفي أصحابه من قال مثل ما قلناه (1). دليلنا: إجماع الفرقة على أن كل مكيل وموزون فيه الربا، وهذا إما أن يكال أو يوزن بحسب عادة البلاد، فقد دخل تحته، وطريقة الاحتياط أيضا تقتضي المنع منه. مسألة 84: عصير العنب والسفرجل، والتفاح، والرمان، والقصب وغير ذلك يجوز بيع جنس واحد منه بعضه ببعض، مثلا بمثل، نيئا كان أو مطبوخا، ولا يجوز متفاضلا. وقال الشافعي: إن كان نيئا مثل ما قلناه. وان كان مطبوخا لا يجوز (2). دليلنا: الاية (3)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 85: العسل الذي فيه الشمع - وهو الشهد - يجوز بيع بعضه ببعض، مثلا بمثل. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك، سواء كان الشمع فيهما أو في أحدهما (4). دليلنا: الاية (5)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دلالة. مسألة 86: العسل الذي صفي يجوز بيع بعضه ببعض متماثلا، سواء صفي بالشمس أو بالنار. وقال الشافعي: إن صفي بالشمس يجوز بيع بعضه ببعض مثلا بمثل، وان صفي بالنار نظر، فان كان قد أذيب بالنار واخذ أول ما ذاب قبل أن ينعقد أجزاءه يجوز ذلك مثلا بمثل، وإن ترك حتى انعقد أجزاءه وثخن لم يجز بيع

(1) المجموع 9: 396 و 398.
(2) الام 3: 23، ومختصر المزني: 77، والمجموع 11: 137 - 138.
(3) البقرة: 275.
(4) الام 3: 24، ومختصر المزني: 77، وفتح العزيز 8: 184، والمجموع 11: 96.
(5) البقرة: 275.

[ 58 ]

بعضه ببعض (1). دليلنا: الاية (2)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 87: يباع العسل بالعسل وزنا دون الكيل، مثلا بمثل. وبه قال الشافعي نصا (3). وقال أبو اسحاق المروزي: يباع كيلا، لان أصله الكيل (4). دليلنا: انا قد أجمعنا على صحة بيعه وزنا، ولا دليل على جواز بيعه كيلا. وأيضا فإنا لو بعناه كيلا لم نأمن فيه التفاضل، وإذا وزناه أمنا من ذلك فيه وأيضا المرجع في ذلك إلى العادة، ولم تجر العادة ببيع العسل والسمن إلا بالوزن. مسألة 88: يجوز بيع مد من طعام بمد من طعام وإن كان في أحدهما فضل، وهو عقد التبن، أو زوان - وهو حب أصغر منه دقيق الطرفين - (5) أو شيلم (6) وهو معروف. وقال الشافعي: لا يجوز (7). دليلنا: الاية (8)، ولا مانع يمنع منه. مسألة 89: الالبان أجناس مختلفة، فلبن الغنم الاهلي جنس واحد وإن اختلفت أنواعه، ولبن الغنم الوحشي - وهو الظباء - جنس آخر.

(1) المجموع 11: 100 - 101.
(2) البقرة: 275.
(3) الام 3: 24، ومختصر المزني: 77، والمجموع 11: 101.
(4) المجموع 11: 101.
(5) الزوان: بكسر الزاي مع الواو، نبات عشبي ينبت غالبا بين البر حبه يشبه حبه إلا أنه أصغر منه، فيكسب البر رداءة.
(6) الشيلم: حب ينبت غالبا بين الحنطة فيكسبها رداءة.
(7) الام 3: 24، ومختصر المزني: 77.
(8) البقرة: 275.

[ 59 ]

وكذلك لبن البقر الاهلي جنس واحد وإن اختلفت أنواعه، والجواميس منها، ولبن البقر الوحشي جنس آخر. ولبن الابل جنس بانفراده وإن اختلفت أنواعه، وليس في الابل وحشي. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني: أن الالبان كلها جنس واحد (2). دليلنا على اختلاف أجناسها: أن الاسم يتناول كل واحد منها ولا يتناول الاخر، ولان اصول هذه الالبان أجناس مختلفة، فوجب في الالبان مثله. مسألة 90: يجوز بيع اللبن بالزبد متماثلا، ولا يجوز متفاضلا. وقال الشافعي: لا يجوز (3). دليلنا: الاية (4)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دلالة. مسألة 91: يجوز بيع اللبن الحليب بالدوغ - وهو المخيض - مثلا بمثل. وقال الشافعي: لا يجوز (5). دليلنا: الاية (6)، ودلالة الاصل، ولا مانع يمنع عنه. مسألة 92: يجوز بيع اللبن بالجبن، والمصل، والاقط مثلا بمثل. وقال الشافعي: لا يجوز (7). دليلنا: الاية (8)، والمنع يحتاج إلى دليل.

(1) الام 3: 27، ومختصر المزني: 77، والمجموع 11: 169 و 187.
(2) المجموع 11: 164 و 187.
(3) الام 3: 27، ومختصر المزني: 77، والمجموع 11: 171 - 172.
(4) البقرة: 275.
(5) المجموع 11: 175.
(6) البقرة: 275.
(7) المجموع 11: 193.
(8) البقرة: 275.

[ 60 ]

مسألة 93: بيع الزبد بالزبد يجوز متماثلا، ولا يجوز متفاضلا. وقال الشافعي: لا يجوز بيع بعضه ببعض (1). دليلنا: الاية (2)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 94: بيع الجبن بالجبن، والاقط بالاقط، والمصل بالمصل يجوز. وقال الشافعي: لا يجوز (3). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 95: الجبن، والاقط، والسمن، والمصل كل واحد منها بالاخر يجوز متماثلا، ولا يجوز متفاضلا. وقال الشافعي: لا يجوز بيع بعضه ببعض على حال (4). دليلنا: الاية (5)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. وأما التفاضل فلانا قد بينا أن كل موزون ومكيل ففيه الربا إذا كان الجنس واحدا (6)، وهذه جنس واحد. مسألة 96: بيع الزبد بالسمن مثلا بمثل يجوز. وقال الشافعي: بيع بعضه ببعض لا يجوز أصلا (7). دليلنا: الاية (8) ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل.

(1) المجموع 11: 183.
(2) البقرة: 275.
(3) المجموع 11: 193، وفتح العزيز 8: 183.
(4) المجموع 11: 187 - 188.
(5) البقرة: 275.
(6) انظر ما بينه في المسألة " 63 " المتقدمة.
(7) الام 3: 27، ومختصر المزني: 77، والمجموع 11: 189 - 190، وفتح العزيز 8: 183.
(8) البقرة: 275.

[ 61 ]

مسألة 97: بيع الزبد بالمخيض يجوز مثل بمثل، ونص الشافعي على جوازه (1). وقال أصحابه: الذي يجئ على قياس مذهبه أنه لا يجوز (2). دليلنا: الاية (3)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 98: يجوز بيع مد من تمر ودرهم بمدي تمر، وبيع مد من حنطة ودرهم بمدي حنطة، ومد من شعير ودرهم بمدي شعير. وهكذا إذا كان بدل الدرهم في هذه المسائل ثوب أبو خشبة أو غير ذلك مما فيه الربا، أو ما لا ربا فيه. وهكذا يجوز بيع درهم وثوب بدرهمين، وبيع دينار وثوب بدينارين، وبيع دينار قاساني ودينار ابريزي بدينارين نيسابوريين. وجملته انه يجوز بيع ما يجري فيه الربا بجنسه ومع أحدهما غيره مما فيه ربا أو لا ربا فيه. وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: ان جميع ذلك لا يجوز (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم التي ذكرناها (6)، وقوله تعالى: " وأحل الله البيع " (7) وقال: " إلا أن تكون تجارة عن تراض " (8) وهذه الاشياء كلها بيع

(1) مختصر المزني: 77، والمجموع 11: 191.
(2) المجموع 11: 191.
(3) البقرة: 275.
(4) الفتاوى الهندية 3: 219 - 220، والمغني لابن قدامة 4: 170، والشرح الكبير 4: 170.
(5) الام 3: 21، ومختصر المزني: 77، والمغني لابن قدامة 4: 169، والشرح الكبير 4: 170.
(6) انظرها في التهذيب 7: 104 حديث 445 و 448 وما بعدها، وانظر ما رواه الشيخ الكليني في الكافي 5: 246 حديث 9 و 11.
(7) البقرة: 275.
(8) النساء: 29.

[ 62 ]

وتجارة، فيجب أن يكون مباحا لعموم الايتين، والتخصيص يحتاج إلى دليل. مسألة 99: إذا باع شاة في ضرعها لبن بلبن كان جائزا. وقال الشافعي: لا يجوز، لان ذلك ربا (1). دليلنا: الاية (2)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 100: إذا باع شاة مذبوحة في ضرعها لبن بلبن كان جائزا. وقال الشافعي: لا يجوز إن كان في ضرعها لبن بيعها بلبن، وإن لم يكن في ضرعها لبن كان جائزا (3). دليلنا: الاية (4)، ولا مانع يمنع منه. مسألة 101: إذا باع شاة في ضرعها لبن، بشاة في ضرعها لبن، كان جائزا. وقال جميع أصحاب الشافعي: لا يجوز (5). وقال أبو الطيب بن سلمة منهم: يجوز (6). دليلنا: الاية (7)، ولا مانع يمنع منه. مسألة 102: القسمة تمييز الحقين، وليس ببيع. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه. والاخر أنه بيع (8).

(1) الام 3: 27 - 28 و 81، ومختصر المزني: 77، والمجموع 11: 152، والمغني لابن قدامة 4: 172، والشرح الكبير 4: 173.
(2) البقرة: 275.
(3) المجموع 11: 153 و 155، وفتح العزيز 8: 189. (4) البقرة: 275.
(5) المجموع 11: 157، وفتح العزيز 8: 189.
(5) المجموع 11: 157.
(7) البقرة: 275.
(8) الوجيز 2: 249، والمجموع 20: 173، والسراج الوهاج: 602، ومغني المحتاج 4: 424.

[ 63 ]

دليلنا على أنه ليس ببيع: أن لفظ البيع من الايجاب والقبول ليس بموجود فيه، ولانه لا خلاف أن القرعة تستعمل في ذلك، ولا تستعمل في شئ من عقود البيع، فدل على أن ليس ببيع. مسألة 103: إذا ثبت انه تمييز الحقين، فإذا كان المال المشترك مكيلا أو موزونا - مما يجري فيه الربا أو مما لا يجري صح بيع بعضه ببعض، مثل الرطب، والعنب، وسائر الثمار وما أشبه ذلك - فانه يصح القسمة فيه. وللشافعي فيه قولان: إذا قال: هو تمييز الحقين، قال مثل ما قلناه (1). وإذا قال: هو بيع، فان كان المشترك مكيلا أو موزونا لم يجز أن يقتسما ما أصله الكيل إلا كيلا، ولا يجوز وزنا، وما أصله الوزن لا يجوز إلا وزنا (2) ولا يجوز كيلا. وعلى القول الاخر: يجوز القسمة كيلا ووزنا وعلى كل حال. وقال: ما لا يجوز بيع بعضه ببعض مثل الرطب، والعنب، وسائر الثمار، فان قال انه بيع لم يجز قسمته، وإذا قال تمييز حق جاز ذلك. دليلنا: ما قد بينا أن ذلك تمييز الحقين، وليس بيع، فمن منع منه إنما يمنع منه لما يؤدي إلى الربا، وهذا لا يتم مع ارتفاع البيع. مسألة 104: إذا كانت الثمرة على أصولها مشتركة، يصح قسمتها بالخرص، سواء كان فيها العشر أو لم يكن. وللشافعي فيه قولان: إذا قال ان القسمة بيع لم يجز ذلك، لانه لا يجوز بيع ما على رؤس النخل بالتمر (3).

(1) المجموع 10: 438 - 439 و 20: 173، ومغني المحتاج 4: 424، والوجيز 2: 249 والسراج الوهاج: 602.
(2) المجموع 10: 438 - 439 و 20: 173، والوجيز 2: 249، ومغني المحتاج 4: 424، والسراج الوهاج 602.
(3) الوجيز 2: 249، والمجموع 10: 438 و 20: 173.

[ 64 ]

وإذا قال تمييز الحقين، فان كان مما لا يجب فيه العشر لا يصح فيه القسمة، لان الخرص لا يجوز فيه، وإن كان مما يجب فيه العشر كالرطب والعنب يجوز، لانه يجوز فيه الخرص ليعرف مقدار حق الفقراء ويضمنه رب المال (1). دليلنا: انا قد بينا القسمة تمييز حق، فإذا ثبت ذلك فالاصل جواز القسمة، والمنع يحتاج إلى دلالة. مسألة 105: لا يجوز بيع الرطب بالتمر، فأما بيع العنب بالزبيب، أو ثمرة رطبة بيابسها مثل التين الرطب بالجاف، والخوخ الرطب بالمقدد وما أشبه ذلك، فلا نص لاصحابنا فيه، والاصل جوازه، لان حملها على الرطب قياس، ونحن لا نقول به. وقال الشافعي: ان جميع ذلك لا يجوز (2). وبه قال سعيد بن المسيب، ومالك، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد (3). وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك كله (4). وأظن أبا ثور معه. دليلنا على منع الرطب بالتمر: إجماع الفرقة وأخبارهم (5)، وعلى جواز

(1) المجموع 10: 438 و 20: 173، والوجيز 2: 249.
(2) الام 3: 20 و 25، والمجموع 10: 440 و 450 و 11: 36، وبداية المجتهد 2: 138، والمحلى 8: 459، والمغني لابن قدامة 4: 144، والشرح الكبير 4: 161، والسراج الوهاج: 178، ومغني المحتاج 2: 26.
(3) عمدة القاري 11: 290، وشرح فتح القدير 5: 292، والمغني لابن قدامة 4: 144، والمحلى 8: 459، وبداية المجتهد 2: 138، والمدونة الكبرى 4: 102، والمجموع 10: 440، والشرح الكبير 4: 161.
(4) اللباب 1: 258، وشرح فتح القدير 5: 292 - 293، وعمدة القاري 11: 290، والمجموع 10: 440، والمغني لابن قدامة 4: 144، وبداية المجتهد 2: 138، وفتح العزيز 8: 179، والوجيز 1: 137.
(5) الكافي 5: 189 - 190 حديث 12 و 16، والتهذيب 7: 94 و 97 حديث 398 و 417، والاستبصار 3: 92 - 93 حديث 313 - 314.

[ 65 ]

الباقي الاية (1) ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل، وحمله على الرطب قياس، وهو عندنا فاسد. مسألة 106: يجوز بيع الرطب بالرطب. وبه قال محمد، وأبو يوسف، ومالك، والمزني (2). وقال الشافعي: لا يجوز (3). دليلنا: الاية (4)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 107: الرطب الذي لا يصير تمرا يجوز بيع بعضه ببعض، مثل الدقل، والعمري وغيره. وقال الشافعي: لا يجوز (5)، وكذلك قال في الفواكه التي لا يمكن إدخارها (6). وفي أصحابه من قال مثل ما قلناه (7). دليلنا: الاية (8)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 108: الفجل المغروس في الارض، والشلجم، والجزر إذا اشترى ورقه بشرط القطع أو بغير شرطه، أو أصله بشرط القطع أو بشرط التبقية، فانه يجوز.

(1) البقرة 275.
(2) فتح العزيز 8: 179، والوجيز 1: 137، وشرح فتح القدير 5: 294، والمدونة الكبرى 4: 102، واللباب 1: 258.
(3) الام 3: 20، ومختصر المزني: 77، والمجموع 10: 450 و 11: 36، وبداية المجتهد 2: 138، والوجيز 1: 137، وشرح فتح القدير 5: 294، ومغني المحتاج 2: 26، والسراج الوهاج: 178.
(4) البقرة: 275.
(5) الام 3: 25، والمجموع 10: 445 - 446، ومغني المحتاج 2: 26، والسراج الوهاج: 178.
(6) المجموع 10: 446، والسراج الوهاج: 178، ومغني المحتاج 2: 26.
(7) المجموع 10: 446، والسراج الوهاج: 178.
(8) البقرة: 275.

[ 66 ]

وقال الشافعي: انه إن اشترى ورقه بشرط القطع جاز، وإن لم يشرط ذلك لم يصح (1)، وأما بيع أصله فانه لا يجوز على حال (2). دليلنا: الاية (3)، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 109: إذا اشترى سلعة من غيره ولم يقبضها، فهلكت في يد البائع، فانها تهلك من ضمانه، وينفسخ البيع، ولا يجب على المشتري تسليم ثمنها إليه. وبه قال أبو حنيفة والشافعي (4) إلا أنا نشترط أن يكون البائع لم يمكنه من التسليم، ولم أجد لهم نصا في ذلك. وقال مالك: لا ينفسخ البيع، ويتلف المبيع من ضمان المشتري، وعليه تسليم الثمن إلى البائع، ولا شئ على البائع، إلا أن يكون طالبه المشتري بتسليمه إليه. فلم يسلمه حتى يتلف، فيجب عليه قيمته للمشتري (5). وبه قال أحمد وإسحاق (6). دليلنا على أنه لا يلزمه الثمن: أنه لم يتمكن من العوض، فلا يلزمه لانه في مقابله، فمتى لم يحصل لم يجب عليه ذلك، والاصل براءة الذمة، وعلى المسألة اجماع الفرقة، وعليها تدل أخبارهم (7).

(1) المجموع 9: 308، وفتح القدير 9: 83 - 84.
(2) المجموع 9: 308، وفتح العزيز 9: 83 - 84، والمغني لابن قدامة 4: 225، ومغني المحتاج 2: 82، والشرح الكبير 4: 225 - 226.
(3) البقرة: 275.
(4) مختصر المزني: 77 - 78، وبدائع الصنائع 5: 289، وعمدة القاري 11: 255، والمغني لابن قدامة 4: 14 و 237، وارشاد الساري 4: 59، والوجيز 1: 145، وفتح العزيز 8: 430، وشرح فتح القدير 5: 116، واللباب 1: 231، والسراج الوهاج: 191، ومغني المحتاج 2: 65 - 66.
(5) مقدمات ابن رشد 2: 563، والمدونة الكبرى 4: 192 - 193، وعمدة القاري 11: 255.
(6) المغني لابن قدامة 4: 14 و 237، وعمدة القاري 11: 255.
(7) انظرها في الكافي 5: 171 حديث 9 و 12، والتهذيب 7: 21 حديث 89 - 90.

[ 67 ]

مسألة 110: الدراهم والدنانير تتعينان بالعقد، فإذا اشترى سلعة بدراهم أو دنانير بعينها لم يجز له أن يسلم غيرها. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا يتعينان، ويجوز أن يسلم غير ما وقع عليه العقد (2). دليلنا: إن ما وقع على العقد مجمع على جوازه، واقامة البدل مقامه يحتاج إلى دليل أو تراض، وليس ها هنا واحد منهما. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح إلا سواء، عينا بعين، يدا بيد " (3). فقوله عليه السلام: " عينا بعين " يدل على أنهما يتعينان، ولو كانا لا يتعينان لما كان عينا بعين. مسألة 111: إذا ثبت أنهما يتعينان، فمتى باع دراهم بدنانير، أو دنانير بدراهم، ثم خرج احديهما زائفا، بأن يكون الدراهم رصاصا، أو الدنانير نحاسا كان البيع باطلا، وبه قال الشافعي وأكثر أصحابه (4). وقال أبو علي الطبري في الايضاح من أصحاب الشافعي: ومن أصحابنا من قال البيع صحيح، ومخير فيه (5).

(1) المجموع 9: 332، وفتح العزيز 8: 430، والمغني لابن قدامة 4: 184، والشرح الكبير 4: 190.
(2) بدائع الصنائع 5: 236، والمجموع 9: 332، وفتح العزيز 8: 430، وشرح فتح القدير 5: 281 و 382، والمغني لابن قدامة 4: 184، والشرح الكبير 4: 190، والفتاوى الهنديه 3: 218، والبحر الزخار 4: 388، واللباب 1: 229.
(3) ترتيب مسند الشافعي 2: 157 حديث 545 - 546، والسنن المأثورة: 268 حديث 226، والسنن الكبرى 5: 276.
(4) الام 3: 31، والمجموع 9: 332، وفتح العزيز 8: 389، وبداية المجتهد 2: 196 و 197، والمغنى لابن قدامة 4: 179، والشرح الكبير 4: 182، والوجيز 1: 146.
(5) فتح العزيز 8: 391 - 389.

[ 68 ]

قال أبو علي الطبري: وفيه نظر، وأكثر أصحابه على الاول، وهو نص للشافعي. دليلنا على بطلان العقد: إن العقد وقع على شئ بعينه، وإذا لم يصح بطل، والتخيير يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 112: إذا وجد بالدراهم عيبا من جنسه، مثل أن يكون فضة خشنة، أو ذهبا خشينا، أو يكون سكة مضطربة مخالفة لسكة السلطان، فهو بالخيار بين أن يرده ويسترجع ثمنه ولسى له بدله. فان كان العيب في الجميع، كان بالخيار بين رد الجميع وبين الرضا به. وإن كان العيب في البعض، كان له رد الجميع لوجود العيب في الصفقة، وليس له أن يرد البعض ويمسك الباقي. وبه قال الشافعي، إلا أنه قال: إذا وجد العيب في البعض فله أن يرد المعيب دون الصحيح (1). وله في المسألة قولان: أحدهما مثل ما قلناه. والثاني: ما حكيناه (2). وإذا قال: له إمساكه، فهل يمسكه بحصة من الثمن أو بجميع الثمن؟ فعلى قولين (3). دليلنا: أن العيب إذا وجد كان له رد الجميع بلا خلاف، وهل له رد البعض دون الجمع؟ يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه وحمل على تفريق الصفقة قياس، ونحن لا نقول به.

(1) الام 3: 225، والمجموع 9: 329، و 12: 173، وفتح العزيز 8: 389، ومغني المحتاج 2: 60، والمغني لابن قدامة 4: 181 - 182، والشرح الكبير 4: 182.
(2) الام 3: 225، والمجموع 9: 329 و 12: 173، وفتح العزيز 8: 389، والمغني لابن قدامة 4: 181 - 182، والشرح الكبير 4: 182.
(3) فتح العزيز 8: 390، والمغني لابن قدامة 4: 181 - 182.

[ 69 ]

مسألة 113: إذا باع دراهم بدراهم، أو دنانير بدنانير بأعيانها، فوجد ببعضها عيبا من جنسها، كان ذلك عيبا، له رده وفسخ العقد، وله الرضا به. وإن كان العيب من غير جنسه، كان البيع باطلا. وقال أبو الطيب الطبري من أصحاب الشافعي: الامران سواء عندي، والبيع باطل، فانه باع جيدا ومعيبا بجنسه، فينقسم الثمن عليهما على قدر الثمن فيؤدي الى التفاضل، ويكون مثل أن يبيع دينارا جيدا ودينارا رديا بدينارين (1). دليلنا على صحة البيع: الاية (2)، وابطاله يحتاج إلى دليل، وردها بالعيب وفسخ العقد به لا خلاف فيه. مسألة 114: إذا باع دراهم بدنانير في الذمة، وتفرقا بعد أن تقابضا، ثم وجد أحدهما بما صار إليه عيبا من جنسه في الكل، كان له رده واسترجاع ثمنه، وكان له الرضا به، وإن أراد إبداله بغير معيب كان له ذلك. وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وأحمد (3)، وهو أحد قولي الشافعي (4)، وهو اختيار المزني (5). والقول الثاني: ليس له ذلك، ويبطل العقد (6). دليلنا على أن له ذلك: أن ذلك عيب، والعيب لا يدل على بطلان العقد، وانما يجب للمشتري اما الرضا به أو الفسخ، وإن كان ذلك كذلك كان البيع صحيحا، وله الرضا والفسخ، ومن حكم ببطلان العقد فعليه الدلالة.

(1) المجموع 10: 369.
(2) البقرة: 275.
(3) المغني لابن قدامة 4: 184، والشرح الكبير 4: 185، ومختصر المزني 1: 78، والمجموع 10: 98.
(4) مختصر المزني 1: 78، والمجموع 10: 98، والمغني لابن قدامة 4: 184 - 185، والشرح الكبير 4: 185.
(5) مختصر المزني 1: 78.
(6) المجموع 10: 98، والمغني لابن قدامة 4: 185، والشرح الكبير 4: 185.

[ 70 ]

مسألة 115: إذا باع مائة دينار جياد ومائة دينار ردية، بمائتي دينار وسط، كان ذلك جائزا. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك (1)، لان المائة الجيدة تأخذ من المائتين أكثر مما تأخذ الردية فيؤدي إلى التفاضل، كما قال في مدي عجوة (2). دليلنا: الاية (3)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. وقوله عليه السلام: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء " (4) وهذا باعه سواء بسواء، فيجب أن يكون جائزا. مسألة 116: يجوز بيع دينار صحيح ودينار قراضة بدينارين صحيحين، وبدينارين قراضة، ويجوز بيع درهم صحيح ودرهم مكسر، بدرهمين صحيحين، أو مكسرين. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك لمثل، تعليله في مدي عجوة بمدي عجوة (5). وأما إذا باع دينارين جيدين أو صحيحين بدينارين ردين أو مكسرين، جاز ذلك بلا خلاف بيننا وبين الشافعي، لان أجزاء الدينارين الجيدين متساوية القيمة، وأجزاء الدينارين الرديين متساوية القيمة، فإذا قسم أحدهما على الاخر على قدر أجزاء المقسوم أحذ كل جزء مثل ما يأخذ الجزء الاخر من عوضه، فلا يؤدي إلى التفاضل. دليلنا: الاية (6)، ودلالة الخبر المتناول في جواز بيع الذهب بالذهب سواء

(1) مختصر المزني 78، والوجيز 1: 137، والمجموع 10: 306 و 314 و 318، وفتح العزيز 8: 173.
(2) العجوة: وهو نوع من تمر المدينة أكبر من الصيحاني يضرب الى السواد من غرس النبي صلى الله عليه وآله وسلم. النهاية 3: 188 مادة " عجا ".
(3) البقرة: 275.
(4) صحيح البخاري 3: 97.
(5) المجموع 10: 306 و 365 - 366، و 383 - 385.
(6) البقرة: 275.

[ 71 ]

بسواء (1) ولم يفصل، فمن فصل فعليه الدلالة، وما اعتبره ضرب من القياس، وعندنا لا يجوز. مسألة 117: إذا باع سيفا محلى بفضة بدراهم، أو كان محلى بذهب فباعه بدنانير، وكان الثمن أكثر مما فيه من الذهب أو الفضة، كان ذلك جائزا وإن كان مثله أو أقل منه لم يجز. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك على كل حال (2). دليلنا على ذلك: الاية (3)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل، ولانه إذا كان الثمن أكثر، كان ما يقابله مثلا بمثل، والفاضل ثمن الفضل والغلافة مثل ما قلناه فيما تقدم. مسألة 118: فان باع بالسيف بغير جنس حليته، مثل أن يكون محلى بفضة فباعه بدنانير، أو يكون محلى بذهب فباعه بدراهم، كان ذلك صحيحا على كل حال. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل قلناه (4). والثاني: لا يجوز، لانه بيع وصرف، وهما عقدان مختلفان في الاحكام، فلم يجز الجمع بينهما في عقد واحد (5). دليلنا: الاية (6)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة وأخبارهم (7)، وكذلك المسألة الاولى.

(1) المتقدم في المسألة السابقة فلاحظ.
(2) الام 3: 33، والمجموع 10: 364، وبداية المجتهد 2: 195.
(3) البقرة: 275.
(4) و (5) الام 3: 33، والمجموع 10: 364.
(6) البقرة: 275. (7) الكافي 5: 249 حديث 23، والتهذيب 7: 112 حديث 485 وص 114 حديث 492، والاستبصار 3: 97 حديث 335.

[ 72 ]

مسألة 119: إذا باع خاتما من فضة بدراهم أكثر مما فيه من الفضة، كان ذلك جائزا. وقال الشافعي: لا يجوز على كل حال (1). دليلنا: الاية (2)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 120: فان بيع الخاتم بذهب كان جائزا. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه. والثاني: أنه لا يجوز، لانه بيع وصرف (3). دليلنا: الاية (4)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 121: إذا كان مع انسان دراهم صحاح يريد أن يشتري بها مكسرة أكثر منها وزنا، فاشترى بالصحاح ذهبا، ثم اشترى بالذهب مكسرة أكثر من الصحاح، كان جائزا بعد أن يتقابضا ويتفرقا بالابدان، ولا فرق بين أن يكون ذلك مرة أو متكررا منه. وبه قال الشافعي (5). وقال مالك: إن كان ذلك مرة جاز، وإن تكرر ذلك لم يجز، لانه يضارع الربا (6). دليلنا: الاية (7)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. وقوله عليه السلام: " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (8). وهذا

(1) الام 3: 33، والمجموع 10: 364.
(2) البقرة: 275.
(3) الام 3: 33، والمجموع 10: 364.
(4) البقرة: 275.
(5) و (6) فتح العزيز 8: 167.
(7) البقرة: 275.
(8) رواه ابن قدامة في شرحه الكبير على متن المقنع 4: 165، وقد روي في مصادر حديثية كثيرة بالفاظ مختلفة دالة على المعنى يطول بيانها.

[ 73 ]

بيع جنس بغيره، فوجب أن يكون جائزا. مسألة 122: اللحمان أجناس مختلفة. وبه قال أبو حنيفة (1). وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، وهو اختياره، والصحيح عند أصحابه (2). والاخر: انها جنس واحد (3). دليلنا على انها أجناس: أنها لحوم أجناس من الحيوان مختلفة، مثل الابل والبقر والغنم، وينفرد كل جنس منها باسم وحكم في الزكاة (4)، ولا يضم بعضها لبعض، ولو كان جنسا واحدا لضم بعضها الى بعض، وذلك باطل بالاجماع. مسألة 123: قد بينا أن اللحمان أجناس مختلفة، والسمك كلما يختص باسم فهو جنس مخالف للجنس الاخر. وعلى قول الشافعي الذي يقول: انها جنس واحد (5)، اختلف قول أصحابه في السمك، فنص الشافعي على أنها من جنس سائر اللحوم، لان اسم اللحم يجمعها (6). وبه قال أبو إسحاق في الشرح، وأبو حامد المروزي في جامعه (7). وقال أبو علي الطبري في الافصاح: من قال ان اللحمان صنف واحد

(1) اللباب 1: 259، وبداية المجتهد 2: 135، والمغني لابن قدامة 4: 155، والشرح الكبير 4: 155، والمجموع 10: 202، وفتح العزيز 8: 185.
(2) الام 3: 25 - 26، ومختصر المزني: 78، والمجموع 10: 192، وبداية المجتهد 2: 135، والمغني لابن قدامة 4: 155، والشرح الكبير 4: 155، والسراج الوهاج: 177.
(3) الام 3: 24 و 26، ومختصر المزني: 78، والمجموع 10: 193، والسراج الوهاج: 177، والمغني لابن قدامة 4: 155، والشرح الكبير 4: 154، وبداية المجتهد 2: 135.
(4) تقدم في المسألة " 2 و 14 و 17 " من كتاب الزكاة فلاحظ.
(5) المجموع 10: 215، وفتح العزيز 8: 185، والسراج الوهاج: 177، وبداية المجتهد 2: 135.
(6) الام 3: 26، والمجموع 10: 204، ومغني المحتاج 2: 29.
(7) انظر المجموع 10: 204.

[ 74 ]

استثنى الحيتان منها، لان لها اسما أخص من اللحم وهو السمك، فيكون الحيتان على هذا القول جنسا واحدا، وتكون مثل الالبان جنسا واحدا، ولا يدخل في اللحمان (1)، وهو اختيار أبي حامد الاسفرايني في التعليق (2)، وهو قوي لما ذكره من تناول الاسم له. دليلنا ما قلناه أولا في المسألة الاولى سواء، فلا معنى لاعادته. مسألة 124: بيع اللحم صنف منه بعضه ببعض جائز مثلا بمثل، سواء كان رطبا أو يابسا، ولا يجوز أن يباع الرطب باليابس. وقال أصحاب الشافعي: إذا قلنا أن اللحوم صنف واحد، أو قلنا أصناف، فباع من الصنف الواحد منها بعضه ببعض، إما أن يكون في حال الرطوبة، أو في حال اليبس والجفاف: فان كان في حال الرطوبة، فالذي نص عليه الشافعي أنه لا يجوز (3). وذكر أبو العباس بن سريج: أن فيه قولا آخر، أنه يجوز (4) قال: الباقون وهذا ليس بمشهور (5). وإن كان في حال اليبس، فلا يخلو أن يكون تناهي يبسه، أو بقيت فيه رطوبة، فان كانت بقيت فيه رطوبة ينقص باليبس، فانه لا يجوز بيع بعضه ببعض. وان تناهى يبسه فلا يخلو من أحد الامرين: إما أن يكون منزوع العظم أو

(1) حكاه النووي في المجموع 10: 205، والرافعي في فتح العزيز المطبوع بهامش المجموع 10: 184 - 185.
(2) المجموع 10: 205.
(3) الام 3: 25 و 26 و 80 - 81، ومختصر المزني: 78، والمجموع 11: 209 و 222، والسراج الوهاج: 177، والمغني لابن قدامة 4: 156.
(4) فتح العزيز 8: 183.
(5) انظر ما ذكره النووي في المجموع 11: 221 - 223 من اختلاف في الاقوال.

[ 75 ]

فيه عظم، فان كان منزوع العظم جاز قولا واحدا. وإن بيع مع العظم قال أبو سعيد الاصطخري: يجوز ذلك (1). وحكي عن أبي إسحاق انه لا يجوز (2). دليلنا: الاية (3)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 125: يجوز بيع لحم مطبوخ بعضه ببعض، وبيع المشوي بعضه ببعض، وبيع المشوي بالمطبوخ، وبيع المطبوخ أو المشوي بالني. وقال الشافعي: كل ذلك لا يجوز (4). وقال: إذا يبس ثم أصابه الندى حتى ابتل لم يبع بعضه ببعض (5). دليلنا الاية (6)، ودلالة الاصل، ولا مانع يمنع منه لان بيع. مسألة 126: لا يجوز بيع لحم الحيوان بالحيوان إذا كان من جنسه، مثل لحم الشاة بالشاة، ولحم بقر ببقر، وإن اختلف لم يكن به بأس. وبه قال في الصحابة أبو بكر (7)، وهو مذهب مالك، والشافعي، والفقهاء السبعة من أهل المدينة (8)، إلا أن للشافعي في بيعه بغير جنسه قولين: أحدهما: لا يجوز (9)، لعموم الخبر.

(1) المجموع 11: 221 و 223، وفتح العزيز 8: 184.
(2) المجموع 11: 223، وفتح العزيز 8: 184.
(3) البقرة: 257.
(4) الام 3: 81، والمجموع 11: 91 - 92، وفتح العزيز 8: 184، والسراج الوهاج: 209.
(5) الام 3: 26.
(6) البقرة: 275.
(7) مختصر المزني: 78، والمجموع 11: 195 و 199، وفتح العزيز 8: 188.
(8) مختصر المزني: 78، والمجموع 11: 199، والسراج الوهاج: 179، وكفاية الاخيار 1: 152، وبداية المجتهد 2: 136، والمغني لابن قدامة 4: 159 - 160، والشرح الكبير 4: 159، والبحر الزخار 4: 337، وفتح العزيز 8: 188.
(9) الام 3: 81، والمجموع 11: 209، والوجيز 1: 138، والسراج الوهاج: 179، وبداية المجتهد 2: 136،

[ 76 ]

والثاني: يجوز، لانه يؤمن فيه الربا (1). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، يجوز (2)، وهو اختيار المزني (3). وقال محمد بن الحسن: يجوز، على اعتبار اللحم الذي في الحيوان، فان كان أقل من اللحم الذي في مقابلته يجوز، فيكون مبيعا بقدره من اللحم والزيادة في مقابلة جلد الحيوان والسواقط، كما قال أبو حنيفة في بيع الشيرج بالسمسم، والزيت بالزيتون (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5). وروى سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع اللحم بالشاة الحية (6). وفي بعضها انه نهى عن بيع الحي بالميت (7). وروي عن هذا الحديث مسندا، عن سهل بن سعد الساعدي من جهة الزهري، ومن جهة الحسن عن سمرة، ومن جهة عبد الله بن عمر عن النبي

والمغني لابن قدامة 4: 159 - 160، والشرح الكبير 4: 159، والبحر الزخار 4: 337. (1) المجموع 11: 209، والوجيز 1: 138، وكفاية الاخيار 1: 152، والسراج الوهاج: 179، والمغني لابن قدامة 4: 159 - 160، والشرح الكبير 4: 159، والبحر الزخار 4: 337، وبداية المجتهد 2: 136.
(2) اللباب 1: 258، وشرح فتح القدير 5: 290، والمجموع 11: 199، وبداية المجتهد 2: 136، ونيل الاوطار 5: 314، والمغني لابن قدامة 4: 159 - 160، والشرح الكبير 4: 159، والبحر الزخار 4: 337.
(3) مختصر المزني: 79، والمجموع 11: 200.
(4) اللباب 1: 258، وشرح فتح القدير 5: 290 - 291، والفتاوى الهندية 3: 120، والمجموع 11: 199، ونيل الاوطار 5: 314، والبحر الزخار 4: 337.
(5) الكافي 5: 191 حديث 7، ومن لا يحضره الفقيه 3: 176 حديث 794، وانظر عموم الاخبار الدالة عليه في الكافي 5: 146 حديث 10، ومن لا يحضره الفقيه 3: 175 حديث 786، والتهذيب 7: 94 حديث 397، والاستبصار 3: 101 حديث 350 - 351.
(6) المصنف لعبد الرزاق 8: 27 حديث 14162.
(7) الموطأ 2: 655 حديث 64 و 66، وسنن الدارقطني 3: 71 حديث 265 - 266، والسنن الكبرى 5: 296، والمستدرك على الصحيحين 2: 35.

[ 77 ]

صلى الله عليه وآله انه نهى عن بيع اللحم بالحيوان (1). وأيضا اجماع الصحابة. روي عن ابن عباس ان جزورا نحرت على عهد أبي بكر، فجاء رجل بعناق فقال: اعطوني بهذه العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا (2). ولا يعرف له مخالف (3). مسألة 127: إذا باع لحما مذكى بحيوان لا يؤكل لحمه، مثل الحمار والبغل، والعبد، لم يكن به بأس. وللشافعي فيه قولان (4). وكذلك إذا باع سمكة بلحم شاة، أو بقرة، أو جمل، أو باع حيوانا بلحم سمك لم يكن به بأس. وللشافعي أيضا فيه قولان (5). دليلنا: الاية (6)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 128: يجوز المسلم أن يشتري من الحربي درهمين بدرهم، ولا يجوز أن يبيعه درهمين بدرهم، بل ينبغي أن يأخذ الفضل ولا يعطيه، وكذلك جميع الاجناس التي فيها الربا. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك، والربا في دار الحرب ودار الاسلام، في جميع ما يجري فيه الربا سواء، ولا فرق فيه بين الدارين، ولا فرق بين المسلمين، وبين

(1) تلخيص لعبد الرزاق 8: 27 حديث 14165 ورواه النووي في المجموع 11: 195.
(2) تلخيص الحبير 3: 10 حديث 1143، ورواه ابن قدامة أيضا في المغني 4: 162، وفي الشرح الكبير 4: 159، وذكره الشافعي في امه: 3: 81 بالفاظ اخرى فلاحظ.
(3) قال الشافعي: لا أعلم مخالفا لابي بكر في ذلك. حكاه عنه ابن قدامة في المغني 4: 164، والشرح الكبير 4: 159 في ذيل الحديث المتقدم.
(4) الام 3: 81، والمجموع 11: 213 و 216، وكفاية الاخيار 1: 152، والسراج الوهاج: 179، والمحلى 8: 516 (5) الام 3: 26، والمجموع 11: 211، وفتح العزيز 8: 188.
(6) البقرة: 275.

[ 78 ]

مسلم وحربي (1). وقال أبو حنيفة: إذا باع حربي من مسلم في دار الحرب درهمين بدرهم، أو قفيزين من طعام بقفيز جاز، ولم يكن ذلك ربا (2). وحكي عنه انه قال في رجلين أسلما في دار الحرب ولم يخرجا الى دار الاسلام، فتبايعا درهما بدرهمين: انه يجوز، ولا يكون ذلك ربا (3). دليلنا: اجماع الفرقة. وما روي عنهم عليهم السلام من قولهم: " ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا " (4). وروى ذلك عمروو بن جميع (5)، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا، نأخذ منهم ألف درهم بدرهم، ونأخذ منهم ولا نعطيهم " (6) وهذا نص فيما قلناه. مسألة 129: من باع نخلا مطلعة، فان كان أبر الطلعة، فالثمرة للبائع، إلا

(1) المجموع 11: 228، والمغني لابن قدامة 4: 176، والشرح الكبير 4: 199.
(2) النتف 1: 495، واللباب 1: 259، وشرح فتح القدير 5: 300، وبدائع الصنائع 5: 192، والفتاوى الهندية 3: 248 - 249، والمجموع 13: 228، والمغني لابن قدامة 4: 176، والشرح الكبير 4: 199، والبحر الزخار 4: 340 و 391.
(3) الفتاوى الهندية 3: 248، وبدائع الصنائع 5: 192 - 193، والمغني لابن قدامة 4: 176، والشرح الكبير 4: 199 - 200، والبحر الزخار 4: 340.
(4) الكافي 5: 147 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 3: 176 حديث 790، والتهذيب 7: 18 حديث 77.
(5) أبو عثمان، عمرو بن جميع الازدي البصري، قاضي الري، ضعفه أكثر من ترجم له، ونسب إليه أنه بثري، عده الشيخ الطوسي وغيره من أصحاب الامامين الباقر والصادق عليهما السلام. انظر اختيار معرفة الرجال: 390 / 733، رجال النجاشي: 205، رجال الشيخ الطوسي 131 و 249، الفهرست: 111، الخلاصة: 241، وتنقيح المقال 2: 326.
(6) الكافي 5: 147 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 3: 176 حديث 790، والتهذيب 7: 18 حديث 77.

[ 79 ]

أن يكون المشتري قد اشترطها وإن لم يكن أبرها فالثمرة للمشتري إلا أن يشترط البائع أن تكون له، وبه قال الشافعي (1). وقال ابن أبي ليلى: الثمرة للمشتري سواء أبرها أو لم يؤبرها (2). وقال أبو حنيفة: الثمرة للبائع سواء أبرها أو لم يؤبرها (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4)، وأيضا فإن أصل النخل والثمرة للبائع قبل البيع، وانتقل النخل الى ملك المشتري بالاجماع، ولا دليل على انتقال الثمرة. وروى سالم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله: انه قال: " من باع نخلا من بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع " (5). وهذا نص. وأخبارنا في هذا المعنى قد أوردناها في الكتاب الكبير (6). مسألة 130: إذا أبر بعض ما في البستان مثل نخلة واحدة، لم يصر الباقي في

(1) الام 3: 43 و 83، ومختصر المزني: 79 والمجموع 11: 339، ومغني المحتاج 2: 86، والسراج الوهاج: 198، وفتح العزيز 9: 42، وفتح الباري 4: 402، وشرح فتح القدير 5: 99، وبداية المجتهد 2: 188، وتلخيص الحبير 9: 40، والمغني لابن قدامة 4: 206، والشرح الكبير 4: 206.
(2) بداية المجتهد 2: 188، وفتح الباري 4: 402، والمجموع 11: 339، وشرح فتح القدير 5: 10، والمغني لابن قدامة 4: 206، والشرح الكبير 4: 206.
(3) اللباب 1: 227، والفتاوى الهندية 3: 35، وفتح الباري 4: 402، والمجموع 11: 339، وشرح فتح القدير 5: 99، وبداية المجتهد 2: 118، وفتح العزيز 9: 42، والمغني لابن قدامة 4: 206، والشرح الكبير 4: 206.
(4) الكافي 5: 177 حديث 12 - 13، والتهذيب 7: 87 حديث 369 - 371.
(5) ترتيب مسند الشافعي 2: 148 حديث 504، وروى في الموطأ 2: 729، وصحيح مسلم 3: 1172 - 1173 حديث 77 و 80، وسنن الترمذي 3: 546 حديث 1244.
(6) التهذيب 7: 87 حديث 369 - 371.

[ 80 ]

حكم المؤبر، فإذا باع نخل البستان كانت ثمرة النخلة المؤبرة للبائع، وما لم يؤبر يكون للمشتري. وقال الشافعي: إذا كانت واحدة مؤبرة صار الجميع للبائع (1). وقال جميع أصحابه: حكم جميع الثمار حكم النخل (2). إلا ابن خيران فانه قال: التأبير لا يكون إلا في النخل (3). دليلنا: ظاهر الخبر الذي قدمناه من أنه إذا باع نخلا قد أبر فثمرته للبائع وما لم يؤبر فللمشتري، وذلك يتناول عين المؤبرة دون غيرها، وما لم يؤبر يتناول حكم المشتري (4)، كذلك أخبارنا (5). مسألة 131: إذا باع نخلا مؤبرا، فقد قلنا أن الثمرة للبائع والاصل للمشتري، فإذا ثبت هذا، فلا يجب على البائع نقل هذه الثمرة حتى يبلغ أبان الجذاذ (6) في العرف والعادة. وكذلك إذا باع ثمره منفردة بعد بدو الصلاح فيها، وجب على البائع تركها حتى يبلغ أوان الجذاذ. وبه قال الشافعي (7).

(1) الام 3: 83 - 84 والمجموع 11: 359، وفتح العزيز 9: 49، والسراج الوهاج: 199 ومغني المحتاج 2: 87، وفتح الباري 4: 403.
(2) المجموع 11: 358 - 359، ومغني المحتاج 2: 86، وفتح الباري 9: 50، والسراج الوهاج: 198، وفتح الباري 4: 403.
(3) المجموع 11: 359، وفتح العزيز 9: 50.
(4) المتقدم في هامش رقم " 5 " من المسألة السابقة.
(5) انظرها في الكافي 5: 177 حديث 12 - 13، والتهذيب 7: 87 حديث 369 - 371.
(6) الجذاذ: الجذ، هو القطع.
(7) الام 3: 43، ومختصر المزني: 79، والمجموع 11: 434 - 435، وفتح العزيز 9: 60، وكفاية الاخيار 1: 158، والسراج الوهاج: 199، وشرح فتح القدير 5: 100، والمغني لابن قدامة 4: 207، والشرح الكبير 4: 206.

[ 81 ]

وقال أبو حنيفة: يلزمه قطعها، وتفريغ النخل منها (1). دليلنا على وجوب تبقيته: أن المرجع في ذلك الى العادة، والعادة جارية أن الثمار لا تشترى إلا على أن تأخذ في أوانها، فأما قبل أوانها فان ذلك لم تجر به العادة. ولان النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا ضرر ولا ضرار " (2) وقطعها في غير وقتها فيه ضرر. مسألة 132: إذا قال بعتك هذه الارض، ولم يقل بحقوقها، وفيها بناء وشجر، لم يدخل في البيع البناء والشجر. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يدخل البناء والشجر في البيع (3). وفي الرهن، قال: لا يدخل فيه إلا إذا قال بحقوقها (4). والثاني: قال بعض أصحابه: لا فرق بين البيع والرهن، ولا يدخل البناء والشجر فيها إلا أن يقول بحقوقها (5). مثل قولنا. ومنهم من قال: لا يدخلان في الرهن إلا أن يقول بحقوقها، ويدخلان في

(1) اللباب 1: 228، وشرح فتح القدير 5: 100، والمجموع 11: 435، وفتح العزيز 9: 60، والنتف في الفتاوى 1: 483، والمغني لابن قدامة 4: 207، والشرح الكبير 4: 206.
(2) الحديث وللفظه الاخر " لا ضرر ولا ضرار " طرق وأسانيد كثيرة لا يسعنا ذكرها، نكتفي بالاشارة الى بعضها: الكافي 5: 169 حديث 4، وصحيح البخاري 3: 93 و 95، وسنن الترمذي 3: 524 حديث 1221.
(3) المجموع 11: 247، وفتح العزيز 9: 18، ومغني المحتاج 2: 81، والسراج الوهاج: 196، والمغني لابن قدامة 4: 215.
(4) المجموع 11: 247، ومغني المحتاج 2: 81، والمغني لابن قدامة 4: 215.
(5) المجموع 11: 247، وفتح العزيز 9: 18 - 19، ومغني المحتاج 2: 81، والمغنى لابن قدامة 4: 215، والسراج الوهاج: 196.

[ 82 ]

البيع بمطلق العقد (1). دليلنا: أنه إذا اطلق البيع، فانما تناول العقد، الارض دون البناء والشجر، فمن قال يدخل فيه البناء والشجر فعليه الدلالة، ولا يلزم مثل ذلك إذا قال بحقوقها، فان ذلك مجمع عليه، وهو داخل في حقوقها. مسألة 133: إذا باع دارا وفيها رحى مبنية، وغلق منصوب، دخل الرحى التحتاني والغلق في البيع بلا خلاف، وعندنا أن الرحى الفوقاني والمفتاح أيضا يدخلان فيه. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (2). والثاني: لا يدخلان فيه، لانهما منفصلان (3). دليلنا: أن ذلك من حقوق الدار، لان هكذا ينتفع بالرحى، وكذلك ينصب الاغلاق، وهما من حقوقها. مسألة 134: الماء الذي في البئر مملوك لصاحب الدار. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (4)، وهو اختيار ابن أبي هريرة (5). والثاني: لا يملك، وهو اختيار المروزي أبي إسحاق (6). دليلنا على أنه يملك: أنه في ملكه، وله منع الغير منه، ومن التصرف فيه،

(1) فتح العزيز 9: 18 - 19، والمجموع 11: 248، والمغني لابن قدامة 4: 215.
(2) المجموع 11: 265 - 271، وفتح العزيز 9: 32، ومغني المحتاج 2: 85، والمغني لابن قدامة 4: 116 والسراج الوهاج: 198.
(3) مغني المحتاج 2: 85، والمجموع 11: 265 - 271، وفتح العزيز 9: 32، والمغني لابن قدامة 4: 216، والسراج الوهاج: 198.
(4) المجموع 11: 282، وفتح العزيز 9: 34، والمغني لابن قدامة 4: 217.
(5) حكاه النووي ايضا في المجموع 11: 282.

[ 83 ]

فدل على أنه ملكه، وقولهم: أنه ليس بمملوك لانه للمستأجر أن يستبيح الماء من غير أن يشتمل على عقد الاجارة باطل، لان ذلك معلوم بالعادة، لان الانسان لا يؤجر دارا إلا ويبيح التصرف في مائها، فبطل بذلك ما قالوه. مسألة 135: معدن الذهب يجوز بيعه بالفضة، ومعدن الفضة يجوز بيعه بالذهب. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني: لا يجوز لانه بيع وصرف (2). دليلنا قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (3) والاصل أيضا الاباحة، والمنع من ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 136: إذا باع أرضا وفيها حنطة أو شعير مطلقا من غير اشتراط الزرع، فالزرع للبائع، ويلزم المشتري تبقيته في الارض الى وقت الحصاد. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: يلزمه نقله وتفريغ الارض (5). دليلنا: أن هذا إضرار، والنبي صلى الله عليه وآله قال: " لا ضرر ولا ضرار " (6) ولا يلزم مثل ذلك المشتري، فان عليه ضررا في التبقية، فانه اشترى مع علمه بدخول هذا الضرر عليه.

(1) المجموع 9: 307، وفتح العزيز 9: 35.
(2) الام 3: 33، والمجموع 9: 307، وفتح العزيز 9: 34.
(3) البقرة: 275.
(4) الام 3: 44، والمجموع 11: 394، وفتح العزيز 9: 21، ومغني المحتاج 2: 82، والسراج الوهاج: 197، وشرح فتح القدير 5: 100. - (5) اللباب 1: 288، وشرح فتح القدير 5: 100، والمجموع 11: 394، وفتح العزيز 9: 21.
(6) تقدمت الاشارة الى بعض مصادر هذا الحديث بلفظيه في الهامش رقم " 4 " من المسألة " 131 " فراجع.

[ 84 ]

مسألة 137: يجوز بيع الحنطة في سنبلها منفردا من الارض، ومع الارض. وبه قال الشافعي في القديم (1). وقال في الجديد: لا يجوز (2). دليلنا: الاية (3)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 138: إذا باع أرضا فيها بذر مع البذر فالبيع صحيح. وللشافعي وأصحابه فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (4)، والاخر أنه يبطل البيع فيهما (5). وله قول آخر وهو أنه يبطل في البذر دون الارض، ويأخذها بجميع الثمن، لان البذر مجهول، لا يمكن أن يتقسط على الثمن (6). دليلنا: الاية (7)، ولا مانع في الشرع يمنع منه. مسألة 139: إذا باع ثمرة منفردة عن الاصل، مثل ثمرة النخل أو الكرم أو سائر الثمار، فلا يخلو من أحد أمرين: اما أن يكون قبل بدو الصلاح، أو بعده، فان كان قبل بدو الصلاح، فلا يخلو البيع من أحد أمرين: إما أن يبيع سنتين فصاعدا، أو سنة واحدة، فان باع سنتين فصاعدا فانه يجوز عندنا خاصة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك.

(1) المجموع 9: 305، وفتح العزيز 9: 83، وشرح فتح القدير 5: 106، والسراج الوهاج: 200.
(2) الام 3: 97، والمجموع 9: 305 و 309، ومغني المحتاج 2: 90، وفتح الباري 4: 404، وبداية المجتهد 2: 152، وفتح العزيز 9: 83، والسراج الوهاج: 200.
(3) البقرة: 275.
(4) الام 3: 45، والمجموع 9: 399، والسراج الوهاج: 197، وفتح العزيز 9: 85.
(5) المجموع 9: 399، ومغني المحتاج 2: 82، والسراج الوهاج: 197، وفتح العزيز 9: 85.
(6) مغني المحتاج 2: 82، والمجموع 9: 309، والسراج الوهاج: 197، وفتح العزيز 9: 85.
(7) البقرة: 275.

[ 85 ]

دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم (1)، ودلالة الاصل يدلان عليه. مسألة 140: وإن باع سنة واحدة فلا يخلو البيع من ثلاثة أحوال: إما أن يبيع بشرط القطع، أو مطلقا، أو بشرط التبقية. فان باع بشرط القطع في الحال، جاز بالاجماع، وإن باع مطلقا أو بشرط التبقية لم يصح البيع. به قال الشافعي، ومالك، وأحمد، واسحاق (2). وقال أبو حنيفة: يجوز بشرط القطع، ويجوز مطلقا، ويجب عليه القطع في الحال، ولا يجوز بشرط التبقية (3)، فحصل الخلاف في البيع المطلق. دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب المذكور (4). وأيضا روى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ونهى البائع والمشتري (5). وروى أيضا عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الثمار حتى يذهب العاهة، فقيل لعبد الله بن عمر: متى ذلك؟ قال: إذا اطلع الثريا (6)

(1) الكافي 5: 175، الحديث الثاني، ومن لا يحضره الفقيه 3: 157 حديث 69، والتهذيب 7: 85 حديث 364 وص 87 حديث 372، والاستبصار 3: 86 - 87 حديث 293 و 299.
(2) الام 3: 48، والمجموع 11: 414، وفتح العزيز 9: 61 و 63، والمغني لابن قدامة 4: 219، وعمدة القارى 11: 298، وشرح فتح القدير 5: 102، والسراج الوهاج: 199 - 200، والجمل على شرح المنهج 3: 203، وبلغة السالك لاقرب المسالك 2: 84 - 85، والشرح الكبير 4: 231.
(3) اللباب 1: 228، وعمدة القاري 11: 229، وشرح فتح القدير 5: 102، والمجموع 11: 411، وفتح العزيز 9: 63، والمغني لابن قدامة 4: 219، وسبل السلام 3: 816، والشرح الكبير 4: 231.
(4) انظرها في التهذيب 7: 84 باب بيع الثمار.
(5) صحيح البخاري 3: 95، والموطأ 2: 618 حديث 10، وسنن الدارمي 2: 252، والسنن المأثورة: 251 حديث 198 و 200، وترتيب مسند الشافعي 2: 148، حديث 507، وسنن أبي داود 3: 252 حديث 3367، ومنحة المعبود 1: 265 حديث 1330، ومسند أحمد بن حنبل 2: 80.
(6) السنن المأثورة: 251 حديث 199، وترتيب مسند الشافعي 2: 149 حديث 512 ورواه البيهقي في سننه الكبرى 5: 300 باختلاف يسير في اللفظ.

[ 86 ]

وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: يا رسول الله وما تزهي؟ قال: " حتى تحمر " (1). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله " أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه " (2). وروى جابر بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الثمرة حتى تشقح، قيل: وما تقشح؟ قال: " تحمر وتصفر ويؤكل منها " (3). وروى أبو سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا تبايعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها " قيل: وما بدو صلاحها؟ قال: " يذهب عاهتها ويخلص طيبها " (4). وروى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الثمرة حتى تطعم (5). وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع العنب

(1) الموطأ 2: 618 حديث 11، وترتيب مسند الشافعي 2: 148 حديث 509، والسنن المأثورة: 252 حديث 201 - 202، وسنن النسائي 7: 264، والسنن الكبرى 5: 300، وفي صحيح البخاري 3: 95 نحوه.
(2) صحيح البخاري 3: 101 و 103، والموطأ 2: 618 حديث 11، وسنن النسائي 7: 264، والسنن الكبرى 5: 300، ورواه مسلم في صحيحه 3: 1190 حديث 15 باختلاف يسير في الفاظه، وترتيب مسند الشافعي 2: 148 حديث 509.
(3) صحيح البخاري 3: 101، وسنن أبي داود 3: 283 حديث 3370، والسنن الكبرى 5: 301، ورواه مسلم في صحيحه 3: 1175 حديث 84 باختلاف يسير في اللفظ، ومنحة المعبود 1: 265 حديث 1332.
(4) رواه أحمد بن حنبل في مسنده 2: 80 عن ابن عمر.
(5) المصنف لعبد الرزاق 8: 63 حديث 14318، ورواه الدارقطني 3: 14 حديث 42 باختلاف يسير في الفاظه.

[ 87 ]

حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد (1). مسألة 141: إذا كانت الاصول لرجل، والثمرة لاخر، فباع الثمرة من صاحب الاصول، فلا يصح أيضا بيعها قبل بدو الصلاح. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، وهو القياس عندهم (2)، والثاني: أنه يجوز (3). دليلنا: عموم الاخبار (4)، وتخصيصها يحتاج الى دليل. مسألة 142: إذا باع الثمرة بعد بدو الصلاح صح البيع، سواء كان مطلقا أو بشرط التبقية، أو بشرط القطع. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: إذا باع مطلقا جاز واجبر على القطع، وإذا باع بشرط القطع جاز، وإذا باع بشرط التبقية لم يجز ذلك (6). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (7). والاخبار التي قدمناها من أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الثمار

(1) سنن أبي داود 3: 253 حديث 3371، وسنن ابن ماجة 2: 747 حديث 2217، وسنن الدارقطني 3: 47 حديث 196، والسنن الكبرى 5: 301.
(2) المجموع 11: 401 و 423، وفتح العزيز 9: 65 - 67، ومغني المحتاج 2: 89، والمغني لابن قدامة 4: 219، والشرح الكبير 4: 236.
(3) المجموع 11: 410 و 422، ومغني المحتاج 2: 89، وفتح العزيز 9: 65 - 67، والمغني لابن قدامة 4: 219، والشرح الكبير 4: 236.
(4) انظرها في الكافي 5: 174، ومن لا يحضره الفقيه 3: 157، والتهذيب 7: 84.
(5) المجموع 11: 414، وفتح العزيز 9: 60 والمغني لابن قدامة 4: 222، وبداية المجتهد 2: 150، والشرح الكبير 4: 263، وكفاية الاخيار 1: 158، وعمدة القاري 12: 12.
(6) اللباب 1: 228، وشرح فتح القدير 5: 102، والمجموع 11: 414، والمغني لابن قدامة 4: 222، والشرح الكبير 4: 264، وفتح العزيز 9: 60 و 63، وعمدة القاري 12: 12.
(7) انظر في الكافي 5: 174، ومن لا يحضره الفقيه 3: 157، والتهذيب 7: 85.

[ 88 ]

حتى يبدو صلاحها (1)، يدل على أن بعد الصلاح يجوز بيعها. مسألة 143: لا اعتبار بطلوع الثريا في بدو الصلاح في الثمار، بل المراعى منه صلاحها بأنفسها بالبلوغ أو التلون. وقال الشافعي مثل ذلك (2). وقال بعض الناس: ان الاعتبار بطلوع الثريا لما رواه ابن عمر (3). دليلنا: الاخبار التي قدمناها من تقييد جواز ذلك حتى تزهي (4)، وهي تعارض خبر ابن عمر (5)، ولان عندما قلناه يجوز بيعه بلا خلاف عند من أجاز بيعه، ولم يقم دليل على جواز بيعه عند طلوع الثريا إذا لم يبد صلاحه، على أن قول ابن عمر: " إذا طلع الثريا " ليس من قول النبي صلى الله عليه وآله، وانما هو من قوله، ولا يجب اتباع قوله. مسألة 144: إذا بدا الصلاح في بعض الجنس، جاز بيع الجميع مما في البستان من ذلك الجنس وإن لم يبد صلاحه. وكذلك إذا بدا صلاح بعض الثمار في بستان واحد ولم يبد صلاح نوع آخر فيه، فانه يجوز بيع الجميع. وإن كان ذلك في بستانين، أو في بساتين، فلا يجوز إلا أن يبدو الصلاح في كل بستان، إما في جميعه، أو في بعضه.

(1) صحيح البخاري 3: 95، وسنن الدارمي 2: 252، والموطأ 2: 618 حديث 10، وترتيب مسند الشافعي 2: 148 حديث 507، وسنن أبي داود 3: 252 حديث 3367، ومسند أحمد بن حنبل 2: 80، والسنن المأثورة: 251 حديث 198 و 200، ومنحة المعبود 1: 265 حديث 1330.
(2) الام 3: 48 - 49، والمجموع 11: 44 - 441، والسراج الوهاج: 200، كفاية الاخيار 1: 158، وفتح العزيز 9: 73 - 75.
(3) وبه قال مالك وزيد بن ثابت، انظر بداية المجتهد 2: 15، وموطأ مالك 2: 619 حديث 13.
(4) انظر ما تقدم من الاخبار في المسألة " 140 " من هذا الكتاب.
(5) حيث قال: إن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الثمار حتى يذهب العاهة. فقيل لعبد الله بن عمر: متى ذلك؟ قال إذا طلع الثريا. وقد تقدمت الاشارة الى الحديث ومصادر روايته في المسألة " 140 " من هذا الكتاب فلاحظ.

[ 89 ]

وقال الشافعي: يعتبر في بعض الثمرة وإن قل، حتى لو وجد في بسرة واحدة، لكان الباقي من ذلك النوع في ذلك البستان تابعا لها، وجاز بيع الجميع من غير شرط القطع (1). وهل يكون بدو الصلاح في نوع بدو الصلاح في نوع آخر من جنس واحد في بستان واحد؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يكون بدو الصلاح فيه، ويجوز بيع الجميع (2). والثاني: لا يكون بدو الصلاح فيه، ولا يكون نوعه تابعا لنوع آخر، وهو الصحيح عندهم، ولا يختلف مذهبهم أن بدو الصلاح في جنس لا يكون بدو الصلاح في جنس آخر (3). هذا كله في بستان واحد، وأما في بساتين فلا يتبع أحدهما الاخر، فإذا بدا الصلاح في نوع من الثمرة في بستان، لا يجوز بيع ذلك النوع في بستان آخر إذا لم يبد فيه الصلاح (4). وقال مالك: يجوز (5).

(1) الام 3: 41 - 42 و 70 - 73، والسراج الوهاج: 199، ومغني المحتاج 2: 87، والمغني لابن قدامة 4: 222 - 223، والشرح الكبير 4: 290 - 297، وفتح الباري 4: 396، وعمدة القارى 12: 12، وفتح العزيز 9: 49 - 51 و 70 - 73.
(2) الام 3: 41 - 42، والسراج الوهاج: 199، وعمدة القاري 12: 12، وفتح الباري 4: 396، والمغني لابن قدامة 4: 223، والشرح الكبير 4: 290 - 297.
(3) الام 3: 41 - 42، والسراج الوهاج: 199، وفتح الباري 4: 396، والمغني لابن قدامة 4: 223، وعمدة القاري 12: 12، والشرح الكبير 4: 290 - 297.
(4) الام 3: 41، وفتح العزيز 9: 49 - 51، وعمدة القاري 12: 12، وفتح الباري 4: 396، والمغني لابن قدامة 4: 223، والسراج الوهاج: 199.
(5) بداية المجتهد 2: 156، وبلغة السالك لاقرب المسالك 2: 84 - 85، وشرح الجمل 3: 204، ومختصر العلامة خليل: 189، والمغني لابن قدامة 4: 223، وعمدة القاري 12: 12، وفتح العزيز 9: 71، والشرح الكبير 4: 297، وفتح الباري 4: 396.

[ 90 ]

دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (1)، وأيضا نهي النبي صلى الله عليه وآله عام في بيع الثمار قبل بدو صلاحها (2) إلا ما خصه الدليل. مسألة 149: إذا باع من البطيخ، والباذنجان، والقثاء، وما أشبه ذلك الحمل الموجود، وما يحدث بعده من الاحمال دون الاصول، كان البيع صحيحا. وبه قال مالك (3). وقال الشافعي: يبطل في الجميع (4). دليلنا قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (5) ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل، وعليه اجماع الفرقة. مسألة 146: يجوز بيع الباقلاء الاخضر في القشر الاخضر الفوقاني، ويجوز بيع الجوز واللوز وما أشبه ذلك في القشر الفوقاني الاخضر على الارض، وعلى الشجر منفردا عن الشجر، ومع الشجر. وبه قال أبو حنيفة (6). وقال الشافعي: كل ذلك لا يجوز (7). وقال أبو العباس بن القاص، وأبو سعيد الاصطخري من أصحابه: يجوز ذلك (8)، مثل ما قلناه، إلا أنهما قالا: يجوز ذلك إذا كان رطبا، فإذا جف

(1) انظرها في الكافي 5: 174، ومن لا يحضره الفقيه 3: 157، والتهذيب 7: 85.
(2) تقدمت الاشارة الى الحديث ومصادره في المسألة " 140 " فلاحظ.
(3) بداية المجتهد 2: 156، والمغني لابن قدامة 4: 225، والشرح الكبير 4: 219، بلغة السالك لاقرب المسالك 2: 84، والمجموع 11: 462.
(4) الام 3: 44 و 65، والمجموع 11: 461 - 462، ومغني المحتاج 2: 90، وبداية المجتهد 2: 156، والمغني لابن قدامة 4: 225، والشرح الكبير 4: 219.
(5) البقرة: 275.
(6) اللباب 1: 229، وشرح فتح القدير 5: 106، والمغني لابن قدامة 4: 225، والبحر الزخار 4: 317.
(7) المجموع 9: 305 - 306، ومغني المحتاج 2: 90، وشرح فتح القدير 5: 106، والمغني لابن قدامة 4: 225، والسراج الوهاج: 200، والبحر الزخار 4: 317.
(8) المجموع 9: 305 - 306، وفتح العزيز 9: 82.

[ 91 ]

ذلك القشر فلا يجوز (1). دليلنا: الاية (2)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 147: يجوز بيع الحنطة في سنبلها، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في القديم (3). وقال في الجديد: لا يجوز بيع الحنطة في سنبلها (4). دليلنا: الاية (5)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج الى دليل. وروى أنس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وآله " نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد " (6)، ولم يفصل. وروى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة (7). وروى عن النبي صلى الله عليه وآله انه نهى عن بيع الحب حتى يفرك (8) وهو أن يبلغ أوان الفرك، كما يقال: إحصد، إذا بلغ أوان الحصاد. مسألة 148: إذا باع ثمرة بستان، جاز أن يستثنى أرطالا معلومة. وبه قال مالك (9)

(1) المجموع 9: 305 - 306، وفتح العزيز 9: 82.
(2) البقرة: 275.
(3) اللباب 1: 229، وشرح فتح القدير 5: 106، والمجموع 9: 305، وفتح العزيز 9: 83، والجوهر النقي في هامش السنن الكبرى 5: 303، والام 3: 67، والسراج الوهاج: 200، وبلغة السالك 2: 85.
(4) الام 3: 67، والمجموع 9: 305، ومغني المحتاج 2: 90، وفتح العزيز 9: 83، والسراج الوهاج: 200. (5) البقرة: 275.
(6) سنن أبي داود 3: 253 حديث 3371 وسنن ابن ماجة 2: 747 حديث 2217، وسنن الدارقطني 3: 47 حديث 196، والسنن الكبرى 5: 301.
(7) السنن الكبرى 5: 303.
(8) المصنف لعبد الرزاق 5: 64 حديث 14321، والسنن الكبرى 5: 303.
(9) الموطأ 2: 622، وشرح فتح القدير 5: 105، والمغني لابن قدامة 4: 231.

[ 92 ]

وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز ذلك، لان الثمرة مقدارها مجهول (1) دليلنا: ان الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج الى دليل، وعليه اجماع الفرقة. مسألة 149: لا يجوز أن يبيع شاة ويستثنى رأسها أو جلدها، سواء كان ذلك في سفر أو حضر، وعلى كل حال، ومتى باع كذلك كان شريكا له بمقدار ما يستثنى منه من الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز ذلك على كل حال (2). وقال مالك: إن كان في حضر لا يجوز، وإن كان ي سفر يجوز (3). دليلنا: اجماع الفرقة، وأيضا فاستثناء الرأس من الشاة استثناء من غير جنسه، فمن أجازه فعليه الدلالة. مسألة 150: إذا باع ثمرة وسلمها الى المشتري، والتسليم أن يخلي بينها وبينه، ثم أصابتها جايحة، فهلكت أو هلك بعضها، فانه لا ينفسخ البيع. وقال الشافعي في القديم: ينفسخ البيع (4). وقال في الام: لا ينفسخ (5). وذكر في الصرف قولين: أحدهما: ينفسخ في التالف، وهو قوله في القديم. والثاني: لا ينفسخ وهو قوله في الام (6). وبه قال أبو حنيفة (7) وهو المشهور

(1) اللباب 1: 228، وشرح فتح القدير 5: 105، والام 3: 84، والمغني لابن قدامة 4: 231.
(2) الفتاوى الهندية 3: 130، والمجموع 11: 447.
(3) المدونة الكبرى 4: 293، وبداية المجتهد 2: 162، والمجموع 11: 447.
(4) المجموع 11: 464، وفتح العزيز 9: 102، وعمدة القاري 12: 6، والمغني لابن قدامة 4: 234، والشرح الكبير 4: 271.
(5) الام 3: 43، والمجموع 11: 464، وعمدة القاري 12: 6.
(6) الام 3: 43، والمجموع 11: 464.
(7) عمدة القاري 12: 6، والمغني لابن قدامة 4: 234، والشرح الكبير 4: 272، وفتح العزيز 9: 102.

[ 93 ]

من مذهب الشافعي. وقال مالك: إن كان ذلك فيما دون الثلث فهو من ضمان المشتري، وان كان الثلث فصاعدا فهو من ضمان البائع (1). دليلنا: انه قد ثبت العقد، فمن فسخه في جميعه أو في بعضه فعليه الدلالة. مسألة 151: القبض في الثمرة رؤوس النخل، هو التخلية بينها وبين المشتري. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، وهو قوله الجديد (2). والثاني: قوله القديم، وهو أن القبض فيها النقل، مثل أن يكون على وجه الارض (3). دليلنا على ما قلناه: ان العادة في الشجرة أنها لا تنقل ولا تحول، والثمرة ما دامت متصلة بها كانت بمنزلتها، فيكون القبض فيها التخلية. مسألة 152: لا يجوز المحاقلة، وهو بيع السنابل التي انعقد فيها الحب واشتد، بحب من جنسه ومن ذلك السنبل. وروى أصحابنا أنه إن باع بحب من جنسه من غير ذلك السنبل فانه يجوز (4). وقال الشافعي: لا يجوز بيعها بحب من جنسها على كل حال (5).

(1) الموطأ 2: 621، وبلغة السالك 2: 87، وعمدة القاري 12: 6، والمغني لابن قدامة 4: 234، وفتح العزيز 9: 103، والشرح 4: 271 و 282.
(3) المجموع 9: 276 - 277، ومغني المحتاج 2: 72، وفتح العزيز 8: 441 - 444.
(3) المجموع 9: 276 - و 283، وفتح الع زيز 8: 441 - 444، والسراج الوهاج: 193، ومغني المحتاج 2: 72.
(4) الكافي 5: 274 حديث 1.
(5) الام 3: 63، والسراج الوهاج: 201، والمجموع 9: 309، ومغني المحتاج 2: 93، وبداية المجتهد 2: 151.

[ 94 ]

واليه ذهب قوم من أصحابنا (1). وحكي عن مالك انه قال: المحاقلة إكراء الارض للزرع بالحب (2). دليلنا: أخبار أصحابنا (3) واجماعهم على أن ما قلناه لا يجوز، وإن اختلفوا فيما عداه، فالاصل فيما عداه الاباحة. وأيضا روى جابر بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن المحاقلة والمزابنة (4). والمحاقلة: أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة. والمزابنة: أن يبيع التمر في رؤوس النخل بمائة فرق تمرا. مسألة 153: المزابنة: بيع الثمر على رؤوس الشجر، بثمر موضوع على الارض، وهو محرم بلا خلاف. ومن أصحابنا من قال: ان المحرم أن يبيع ما على الرؤوس من النخل بتمر منه (5). فأما بتمر آخر فلا بأس به، والخبر الذي قدمناه يدل على ذلك (6). وأيضا روى نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا (7).

(1) منهم الشيخ المفيد قدس سره في المقنعة: 93.
(2) الموطأ 2: 625 حديث 24 و 25.
(3) الكافي 5: 275 حديث 5، والتهذيب 7: 143 حديث 633 و 635، والاستبصار 3: 91 حديث 308 - 309 (4) السنن الكبرى 5: 307، ورواه الشافعي في امه 3: 63، والمزني في مختصره: 81، وتلخيص الحبير المطبوع في ذيل المجموع 9: 87.
(5) لم أعثر على هذا القول في الكتب المتوفرة.
(6) تقدم في الهامش رقم " 1 " من المسألة " 152 " فلاحظ.
(7) المصنف لعبد الرزاق 8: 104 حديث 14489 وصحيح البخاري 3: 98 وصحيح مسلم 3: 1171 حديث 72.

[ 95 ]

مسألة 154: يجوز بيع الربا - وهو جمع عرية - وهو أن يكون لرجل نخلة في بستان لغيره أو دار، فشق دخوله بالبستان، فيشتريها منه بخرصها تمرا بتمر ويعجله له. وبه قال مالك (1). وقال الشافعي: يجوز بيع العرايا - وهو بيع التمر على رؤوس النخل - خرصا بمثله من التمر كيلا، ويجوز فيما دون خمسة أوسق قولا واحدا (2)، وفي خمسة أوسق على قولين (3)، وفيما زاد على خمسة أوسق لا يجوز (4). واختلف قوله، فقال في الام: الغني والفقير المحتاج سواء (5). وقال في اختلاف الاحاديث والاملاء: لا يجوز إلا للفقير (6)، وهو اختيار المزني (7). وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك في القليل والكثير، وهو ربا (8). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (9). وأيضا روى سهل بن أبي حثمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر إلا أنه رخص في العرايا أن تباع بخرصها تمرا، يأكلها أهلها

(1) المدونة الكبرى 4: 258، وشرح معاني الاثار 4: 30، وشرح فتح القدير 5: 195، والمحلى 8: 462، وفتح الباري 4: 390، والمجموع 11: 10، وسبل السلام 3: 859.
(2) الام 3: 56، ومختصر المزني: 81، والوجيز 1: 150، والسراج الوهاج: 201 والمحلى 8: 462، وفتح الباري 4: 308، وسبل السلام 3: 859، والمجموع 11: 6، وشرح فتح القدير 5: 195.
(3) الام 3: 54 و 56، ومختصر المزني: 81، والوجيز 1: 150، والمجموع 11: 61، وفتح الباري 4: 308، والمغني لابن قدامة 4: 197، وشرح فتح القدير 5: 196.
(4) الام 3: 54 - 55، ومختصر المزني 81، والمجموع 11: 44، والمغني لابن قدامة 4: 197، وسبل السلام 3: 859.
(5) الام 3: 56.
(6) مختصر المزني: 81، والمجموع 11: 25.
(7) مختصر المزني: 81، والمجموع 11: 25.
(8) المغني لابن قدامة 4: 197.
(9) التهذيب 7: 143 حديث 634، والاستبصار 3: 91 حديث 310 - 311.

[ 96 ]

رطبا (1)، وهذا نص. وما ذكرناه من تفسير العرية قول أبي عبيدة من أهل اللغة. مسألة 155: إذا كان لرجل نخلة عليها تمر، ولاخر نخلة عليها تمر، فخرصاهما تمرين، فانه لا يجوز بيع أحديهما بالاخرى، إلا أن يكون عريتين. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجوز. ذهب إليه ابن خيران أبو علي (2). والثاني: إن كان نوعا واحدا لا يجوز، وان كانا نوعين يجوز ذلك. حكي عن أبي اسحاق (3). والثالث: لا يجوز بحال، وإنما يجوز بيعه بالتمر الموضوع على الارض كيلا. حكي عن أبي سعيد الاصطخري (4). دليلنا: على ما قلناه: عموم الاخبار في النهي عن بيع المزابنة (5)، وإنما استثنى من جملتها العرايا. مسألة 156: إذا فسرنا العرايا بما تقدم ذكره، فلا يجوز لاحد أن يبيع تمرة بستانه نخلة نخلة بيع العرية. وقال الشافعي: يجوز أن يبيع نخلة نخلة، أو نخلتين إذا كان ذلك دون الخمسة أوساق (6).

(1) السنن الكبرى 5: 310، ورواه الشافعي في امه 3: 54، والمزني في مختصره: 81، ورواه البخاري في صحيحه 3: 99 باختلاف يسير في الفاظه.
(2) المجموع 11: 32، وفتح العزيز 9: 97، وفتح الباري 4: 385.
(3) فتح الباري 4: 385، والمجموع 11: 33، وفتح العزيز 9: 97.
(4) المجموع 11: 33، وفتح الباري 4: 385، وفتح العزيز 9: 97.
(5) تقدمت الاشارة إليها في المسألة " 152 " فلاحظ.
(6) الام 3: 55 - 56.

[ 97 ]

دليلنا: أنا قد بينا حقيقة العرية، وذلك لا يتأتى في نخل البستان كله. مسألة 157: العرية لا تكون إلا في النخل خاصة، فأما الكرم وشجر الفواكه فلا عرية فيها، ولا يمكن أن يقاس على ذلك لبطلان القياس عندنا. وقال الشافعي: في العنب عرية مثل ما في النخل قولا واحدا (1). وفي سائر الاشجار له فيها قولان، أحدهما: ان فيها عرية (2)، والثاني: لا عرية فيها (3). دليلنا: أنا أجمعنا على ثبوت العرية في النخل، ولا دليل على ثبوتها في غيرها من الكرم والاشجار، والحاق غيرها بالنخل قياس، وذلك لا يجوز عندنا. مسألة 158: يجوز بيع ما عدا الطعام قبل أن يقبض، ولا فرق بين الطعام وبين غيره (5). وبه قال عبد الله بن عباس (6). وقال أحمد بن حنبل: ان كان مكيلا أو موزونا لم يجز بيعه قبل القبض، ويجوز في غيرهما (7). وبه قال الحسن البصري، وسعيد بن المسيب (8).

(1) الام 3: 55 - 56، ومختصر المزني: 81، والمجموع 11: 71، والسراج الوهاج: 201، والمغني لابن قدامة 4: 201، والشرح الكبير 4: 169، وعمدة القاري 11: 304.
(2) الام 3: 55، والمجموع 11: 71، وفتح العزيز 9: 94.
(3) المجموع 11: 71، وفتح العزز 9: 94.
(4) بداية المجتهد 2: 143، والمحلى 8: 521، والمجموع 9: 270.
(5) الام 3: 69، ومختصر المزني: 82، والوجيز 1: 146، وكفاية الاخيار 1: 152، والمجموع 9: 264 و 270، والمحلى 8: 521، وبداية المجتهد 2: 143، والسراج الوهاج: 191، والمغني لابن قدامة 4: 239، ومغني المحتاج 2: 68، وبدائع الصنائع 5: 181.
(6) صحيح البخاري 3: 89، والمحلى 8: 521، ومختصر المزني: 82، والمجموع 9: 270، وبداية المجتهد 2: 143، والمغني لابن قدامة 4: 239، ومغني المحتاج 2: 68، وبدائع الصنائع 5: 181.
(6) صحيح البخاري 3: 89، والمحلى 8: 521، ومختصر المزني: 82، والمجموع 9: 270، وبداية المجتهد 2: 143، والمغني لابن قدامة 4: 239، ومغني المحتاج 2: 68، والام 3: 69، والنتف 1: 469.
(7) المغني لابن قدامة 4: 239، والمجموع 9: 270، وبداية المجتهد 2: 143، والنتف 1: 469.
(8) المجموع 9: 270، والمغني لابن قدامة 4: 239.

[ 98 ]

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ان كان مما ينقل ويحول لم يجز بيعه قبل القبض، وان كان مما لا ينقل ويحول من العقار جاز بيعه قبل القبض (1). دليلنا على ما قلناه: ان الطعام مجمع عليه، ولا دليل على ما عداه، وظاهر الاية (2) يقتضي جوازه. وأيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه " (3). فخص الطعام بذلك، ولو كان حكم غيره حكمه لبينه. مسألة 159: القبض فيما عدا العقار والارضين نقل المبيع الى مكان آخر. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: القبض هو التخلية في جميع الاشياء (5). دليلنا: أن ما اعتبرناه لا خلاف في أنه قبض، وما ادعوه لا دليل على ثبوته قبضا. مسألة 160: يجوز بيع الصداق قبل القبض، ويجوز بيع مال الخلع قبل قبضه. وبه قال أبو حنيفة (6).

(1) اللباب 1: 253، والفتاوى الهندية 3: 13، وشرح فتح القدير 5: 265، وشرح العناية على الهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 265، والمجموع 9: 270، وبداية المجتهد 2: 143، والمغني لابن قدامة 4: 239، وبدائع الصنائع 5: 181.
(2) البقرة: 275.
(3) صحيح البخاري 3: 90، وسنن ابن ماجة 2: 749 حديث 2226، وسنن النسائي 7: 285، والنتف 1: 469.
(4) الوجيز 1: 146، والمجموع 9: 276 و 283، والسراج الوهاج: 193، ومغني المحتاج 2: 72، والبحر الزخار 4: 369، والمغني لابن قدامه 4: 238.
(5) الفتاوى الهندية 3: 16، وبداية المجتهد 2: 144، والمجموع 9: 283، والبحر الزخار 4: 369، والمغني لابن قدامة 4: 238.
(6) الفتاوى الهندية 3: 13، وشرح فتح القدير 5: 265، وبداية المجتهد 2: 145.

[ 99 ]

وقال الشافعي: لا يجوز (1). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (2)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 161: الثمن إذا كان معينا يجوز بيعه قبل قبضه ما لم يكن صرفا، وإن كان في الذمة أيضا يجوز. وقال الشافعي في المعين لا يجوز قولا واحدا (3)، وفيما في الذمة قولان (4). دليلنا: الاية (5)، ودلالة الاصل، وجواز التصرف، والمنع يحتاج إلى دليل. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه قال: كنت أبيع الابل بالبقيع، فابيع بالدنيانير وآخذ الدراهم، وأبيع الدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، واعطى هذه من هذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا بأس أن تأخذها ما لم تفترقا وبينكما شئ (6). مسألة 162: إذا قال لمن أسلم إليه: إذهب الى من أسلمت إليه واكتل منه الطعام لنفسك، فذهب واكتاله، لم يصح قبضه بلا خلاف. وإذا قال: إحضر اكتيالي منه حتى أكتاله لك، فحضر معه واكتاله، لم يجز أيضا بلا خلاف. وان قال: إحضر معي حتى أكتاله لنفسي، ثم تأخذه أنت من غير كيل،

(1) المجموع 9: 264، والوجيز 1: 145، والمحلى 8: 521، وبداية المجتهد 2: 145، وفتح العزيز 8: 425، والاشباه والنظائر: 546.
(2) البقرة: 275.
(3) المجموع 9: 269 و 271، ومغني المحتاج 2: 69، والسراج الوهاج: 191.
(4) المجموع 9: 272 و 274.
(5) البقرة: 275.
(6) سنن أبي داود 3: 250 حديث 3354، ومسند الطيالسي: 255 حديث 1868، ومنحة المعبود 1: 270 حديث 1362، ورواه النسائي في سننه 7: 281 - 282 باختلاف في بعض الفاظه.

[ 100 ]

فان رضي باكتياله لنفسه كان عندنا جائزا، ولا يجوز ذلك عند الشافعي (1). وإذا اكتاله لنفسه، ويتركه ولا يفرغه، ويكون ما عليه مكيالا واحدا، فكاله عليه، جاز عندنا، وللشافعي فيه وجهان (2). وان اكتاله المشتري منه وفرغه، ثم كاله مستأنفا على من باع منه، كان القبضان جميعا صحيحين بلا خلاف. دليلنا على المسألتين: اجماع الفرقة، وأخبارهم تدل على أن قبضه عنه صحيح (3)، ثم يحتسب لنفسه. مسألة 163: إذا كان لرجل على غيره قفيز طعام من جهة السلم، والذي عليه الطعام من جهة السلم له على غيره طعام من جهة القرض، فجاء المسلم فطالب المسلم إليه بالطعام، فاحاله على من له عليه من جهة القرض، كان جائزا. وكذلك إن كان الطعام الذي له قرضا والذي عليه سلما كان جائزا. وقال الشافعي في المسألتين: لا يجوز (4). دليلنا: إن الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج إلى دليل. وأيضا فان هذه حوالة ليست بيعا، فلا وجه للمنع منه، فمن قال انه بيع فعليه الدلالة. مسألة 164: إذا كان الطعامان قرضين، يجوز الحوالة بلا خلاف. وان كانا سلمين يجوز أيضا عندنا. وعند الشافعي لا يجوز (5).

(1) مختصر المزني: 82. (2) مختصر المزني: 82، والمجموع 9: 279.
(3) انظرها في التهذيب 7: 35 - 36 حديث 146 و 152.
(4) مختصر المزني: 82، والوجيز 1: 146، والمجموع 9: 279، وفتح العزيز 8: 433.
(5) المجموع 13: 107 و 295 و 446، والوجيز 1: 146، وكفاية الاخيار 1: 162 و 170، وفتح العزيز 8: 213 و 433

[ 101 ]

وفي أصحابه من قال: لا يجوز أيضا إذا كان قرضين، وهو ضعيف عندهم (1). دليلنا: أن الاصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 165: إذا انقطع المسلم فيه لم ينفسخ البيع، ويبقى في الذمة. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: أنه ينفسخ السلم (2). والاخر: له الخيار، إن شاء رضي بتأخيره الى قابل، وان شاء فسخه (3). دليلنا: أن هذا عقد ثابت، وفسخه يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 166: إذا باع طعاما قفيزا بعشرة دراهم مؤجلة، فلما حل الاجل أخذ بها طعاما جاز ذلك إذا أخذ مثله، فان زاد عليه لم يجز. وقال الشافعي: يجوز على القول المشهور، ولم يفصل (4). وبه قال بعض أصحابنا. وقال مالك: لا يجوز، ولم يفصل (5). دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم (6)، ولان ذلك يؤدي الى بيع طعام بطعام، فالتفاضل فيه لا يجوز. والقول الاخر الذي لاصحابنا قوي، لانه بيع طعام بدرهم في القفيزين معا، لا بيع طعام بطعام، فلا يحتاج إلى اعتبار المثلية.

(1) المجموع 13: 426 و 429.
(2) فتح العزيز 9: 245، وكفاية الاخيار 1: 161.
(3) فتح العزيز 9: 245، وكفاية الاخيار 1: 161.
(4) المجموع 9: 275، وبداية المجتهد 2: 142.
(5) بداية المجتهد 2: 142، والمجموع 9: 275.
(6) عموم الاخبار المروية في الكافي 5: 187، والتهذيب 7: 94 حديث 399 - 411.

[ 102 ]

مسألة 167: التصرية تدليس يثبت به الخيار للمشتري بين الرد وفسخ البيع وبين الامساك، وبه قال مالك، والليث، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، واسحاق (1)، وهو مذهب عبد الله بن مسعود ذكره البخاري في صحيحه (2). وبه قال ابن عمر، وأبو هريرة، وأنس بن مالك (3). وقال أبو حنيفة: لا خيار له (4). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (5). وأيضا روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " لا تصروا الابل والغنم للبيع، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فان رضيها أمسكها، وان سخطها ردها وصاعا من تمر " (6). وروى محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها

(1) مختصر المزني: 82، والمحلى 9: 66 - 67، وبداية المجتهد 2: 174، وارشاد الساري 4: 68، وفتح الباري 4: 361، وعمدة القاري 11: 270، وسبل السلام 3: 827، والسراج الوهاج: 190، والمغني لابن قدامة 4: 253، ونيل ا لاوطار 5: 329، وشرح معاني الاثار 4: 19، وفتح العزيز 8: 333.
(2) صحيح البخاري 3: 92، وانظر المحلى 9: 67، والمغني لابن قدامة 4: 253، وفتح الباري 4: 361.
(3) المحلى 9: 67، وفتح الباري 4: 361، وعمدة القاري 11: 270 و 272، والمغني لابن قدامة 4: 253.
(4) عمدة القاري 11: 270، وبداية المجتهد 2: 174، والمحلى 9: 67، وارشاد الساري 4: 68، وفتح الباري 4: 364، والمغني لابن قدامة 4: 253، والبحر الزخار 4: 353، ونيل الاوطار 5: 329، وفتح العزيز 8: 333.
(5) انظرها في الكافي 5: 173 حديث 1، والتهذيب 7: 25 حديث 107، ومعاني الاخبار 282 (باب معنى المحاقلة والمزابنة...).
(6) ترتيب مسند الشافعي 2: 141 - 142 حديث 467 - 468، وصحيح البخاري 3: 93، وصحيح مسلم 3: 1155 حديث 11، والسنن الكبرى 5: 318، وسنن أبي داود 3: 270 حديث 3443.

[ 103 ]

وصاعا من تمر " (1) وفي بعضها " سمر " (2) يريد به حنطة. وروى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثه أيام، فان ردها رد معها مثل لبنها، أو مثلي لبنها قمحا " (3). مسألة 168: مدة الخيار في المصراة ثلاثة أيام مثل مدة الخيار في سائر الحيوان. واختلف أصحاب الشافعي فيها. فقال أبو اسحاق: قدر الثلاثة للوقوف على التدليس، ومعرفة عيب التصرية (4). وقال ابن أبي هريرة أبو علي: الثلاثة إذا شرط الخيار فيه، وخيار التصرية على الفور (5). ومنهم من قال: إذا وقف على خيار التصرية فيما دون الثلاث كان له الخيار في بقية الثلاث للسنة، ذهب إليه أبو حامد المروزي في جامعه، وعليه نص الشافعي في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى (6).

(1) شرح معاني الاثار 4: 19، وسنن الدارقطني 3: 74 حديث 279، وترتيب مسند الشافعي 2: 142 حديث 468، وروي نحوه في الموطأ 2: 683 حديث 96.
(2) كذا في النسخ المعتمدة، اما ما ورد في مصادر الحديث وقد اشرنا إلى البعض منها في الهامش المتقدم وغيره " لا سمراء ". وانظر تفصيل ذلك أيضا في السنن الكبرى 5: 318 - 320 (باب الحكم فيمن اشترى مصراة).
(3) سنن أبي داود 3: 271 حديث 3446، وسنن ابن ماجة 2: 753 حديث 2240، والسنن الكبرى 5: 319، وتلخيص الحبير 3: 23 حديث 1194.
(4) المجموع 12: 33، وارشاد الساري 4: 66.
(5) المجموع 12: 32 - 33، والسراج الوهاج: 190، وفتح الباري 4: 362، وفتح العزيز 8: 334.
(6) الام 7: 100، والمجموع 12: 31، والمغني لابن قدامة 4: 255، وفتح الباري 4: 362 - 363، وفتح العزيز 8: 334.

[ 104 ]

دليلنا: اجماع الفرقة على ثبوت الخيار في الحيوان ثلاثة أيام شرط أو لم يشرط، وقد تقدم (1)، وهذا داخل في ذلك، والخبر الذي رويناه عن أبي هريرة وابن عمر صريح بذلك (2). مسألة 169: عوض اللبن الذي يحلبه صاع من تمر، أو صاع من بر على ما نص النبي صلى الله عليه وآله (3). واختلف أصحاب الشافعي: فقال أبو العباس بن سريج: يرد في كل بلد من غالب قوته (4). وقال أبو اسحاق المروزي: الصاع من التمر هو الاصل، فينظر في الحنطة فان كانت أغلا منه وأكثر ثمنا جاز، وان كانت دونه لم يجز، وان كان في موضع لا يوجد فيه التمر وجبت قيمة الصاع من التمر بالمدينة، وان كان في بلد يوجد إلا أن ثمنه كثير يأتي على ثمن الشاة أو على أكثره قوم بقيمة المدينة (5). ومنهم من قال: التمر هو الواجب وان اتى على ثمن الشاة للسنة، وهو الصحيح، أو البر الذي ثبت أنه عوض عنه (6).

(1) تقدم في المسألة " 8 " من هذا الكتاب فلاحظ.
(2) انظر السنن الكبرى 5: 319، وسنن ابن ماجة 2: 753 حديث 2240، وسنن الترمذي 3: 553 حديث 1251 - 1252، والمصنف لعبد الرزاق 8: 197 حديث 14859 - 14860، وصحيح البخاري 3: 92.
(3) صحيح البخاري 3: 92 - 93، وسنن أبي داود 3: 270 حديث 3443 - 3447 وسنن ابن ماجة 2: 753 حديث 2239 - 2241، وشرح معاني الاثار 4: 17 - 18، والمصنف لعبد الرزاق 9: 197 - 198 حديث 14858 - 14866. وحكى العسقلاني في فتح الباري 4: 364 عن البزار بلفظ: ان ردها ردها ومعها صاع من بر.
(4) المجموع 12: 48، وفتح العزيز 8: 335.
(5) المجموع 12: 48، والمغني لابن قدامة، والشرح الكبير 4: 91، وفتح العزيز 8: 335.
(6) المجموع 12: 49، وفتح العزيز 8: 335.

[ 105 ]

دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (1)، وأيضا الاخبار التي قدمناها تضمن التمر أو البر (2)، فمن قال غيره يقوم مقامه فعليه الدلالة. مسألة 170: التصرية في البقرة مثل التصرية في الناقة والشاة. وبه قال الشافعي (3). وقال داود: لا يجوز له رد البقر (4). دليلنا: اجماع الفرقة. وأيضا خبر عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " من اشترى محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام " (5) وذلك يتناول البقرة، والناقة، والشاة على حد سواء. مسألة 171: إذا صرى جارية وباعها، لم يثبت له الخيار لمكان التصرية. وللشافعي فيه ثلاثة أوجه. أحدها: ان ذلك بمنزلة التصرية في الابل والبقر والغنم، وهو الاصح عندهم (6). والثاني أنه يردها ولا يرد معها صاعا من تمر (7).

(1) انظرها في الكافي 5: 173 حديث 1، والتهذيب 7: 25 حديث 107، ومعاني الاخبار: 282 (باب معنى المحاقلة والمزابنة...).
(2) تقدمت الاشارة إليها في الهامش رقم " 1 " من هذه المسألة فلاحظ.
(3) مختصر المزني: 82، والمجموع 12: 2 و 84 و 88، ومغني المحتاج 2: 64، والسراج الوهاج: 190، وسبل السلام 3: 826.
(4) المغني لابن قدامة 4: 256، والشرح الكبير 4: 92، والبحر الزخار 4: 353.
(5) السنن الكبرى 5: 319، وسنن ابن ماجة 2: 753 حديث 2240.
(6) المجموع 12: 85، وفتح العزيز 8: 336، ومغنى المحتاج 6: 64، والسراج الوهاج: 190، والمغني لابن قدامة 4: 256.
(7) المجموع 12: 87 و 91، والسراج الوهاج: 190، وفتح العزيز 8: 336 - 337، ومغني المحتاج 2: 64،

[ 106 ]

والثالث: لا يردها أصلا (1). دليلنا: أن ثبوت ذلك عيبا في النعم مقطوع به عليه دلالة قاطعة، ولا دليل على ثبوت مثله في الجارية، فمن ادعى الجمع بينهما فعليه الدلالة. مسألة 172: إذا صرى أتانا (2) فلا يثبت فيه حكم التصرية. وقال أصحاب الشافعي: له ردها (3). وأما رد التمر فمبنى على طهارة لبنها. فقال أبو سعيد الاصطخري: لبنها طاهر (4). وقال باقي أصحابه: لبنها نجس (5). فمن قال: طاهر رد بدله صاعا من تمر، ومن قال: نجس لا يرد شيئا. دليلنا: ان ثبوت ذلك عيبا في النعم مجمع عليه، ولا دليل على ثبوت ذلك عيبا في الاتان، فأما لبنها فانه طاهر عندنا، وعليه اجماع الفرقة. مسألة 173: إذا اشتراها مصراة، ثم زال تصريتها، وصار اللبن عادة لجودة المرعى، لم يثبت الخيار. وللشافعي وأصحابه فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، وهو الاقوى عندهم، مثل العيب إذا زال عنه (6). والاخر: ان الخيار لا يسقط، لانه تدليس، وهو ضعيف (7).

وفتح الباري 4: 361. (1) المجموع 12: 87، وفتح العزيز 8: 336.
(2) الاتان: الحمارة الانثى خاصة.
(3) المجموع 12: 88 - 89، وفتح العزيز 8: 336، وفتح الباري 4: 361.
(4) و (5) المجموع 12: 88 و 569، وفتح العزيز 8: 336.
(6) المجموع 12: 47، وفتح العزيز 8: 337، وفتح الباري 4: 367.
(7) المجموع 12: 47، وفتح الباري 4: 367، وفتح العزيز 8: 337.

[ 107 ]

وعندي ان هذا الوجه قوي لمكان الخبر. دليلنا على أن ليس له الرد: هو أنه إنما كان له الرد لمكان العيب، فلما زال العيب زال خيار الرد، لانه تابع له. وإذا قلنا له الرد، فلمكان الخبر، لانه لم يفصل بين أن تزول التصرية وأن لا تزول. مسألة 174: إذا حصل من المبيع فائدة من نتاج أو ثمرة بعد القبض، ثم ظهر به عيب كان فيه قبل العقد، كان ذلك للمشتري. وبه قال الشافعي (1). وقال مالك: الولد يرده مع الام، ولا يرد الثمرة مع الاصول (2). وقال أبو حنيفة: يسقط رد الاصل بالعيب (3). دليلنا: اجماع الفرقة. وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قضى أن الخراج بالضمان (4). ولم يفرق بين الكسب والولد والثمرة، فهو على عمومه. مسألة 175: إذا اشترى حيوانا حاملا، فولد في ملك المشتري بعد القبض، ثم وجد به عيبا كان به قبل البيع، ردها ورد الولد معها. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، إذا قال للولد قسط من الثمن (5).

(1) مختصر المزني 83، وفتح العزيز 8: 389، وبداية المجتهد 2: 181، وسبل السلام 3: 832.
(2) بداية المجتهد 2: 181، وبلغة السالك 2: 66، وفتح العزيز 8: 379، وسبل السلام 3: 832.
(3) اللباب 1: 239، وبداية المجتهد 2: 181، وفتح العزيز 8: 379، وسبل السلام 3: 832، ومقدمات ابن رشد 2: 572.
(4) سنن ابن ماجة 2: 754 حديث 2243، وسنن الترمذي 3: 582 حديث 1285 - 1286، وسنن النسائي 7: 255، وترتيب مسند الشافعي 2: 143 حديث 379، ومنحة المعبود 1: 267 حديث 1347.
(5) فتح العزيز 8: 381.

[ 108 ]

والاخر: لا يرد الولد، لان الولد ليس له قسط من الثمن (1). دليلنا: أن عقد البيع قد اشتمل على جارية حاملة، والحمدل داخل في الثمن، فإذا أراد الرد، وجب أن يرد جميع المبيع. مسألة 176: إذا اشترى جارية حاملا، فولدت في ملك المشتري عبدا مملوكا. ثم وجد بالام عيبا، فانه يرد الام دون الولد. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (2). والثاني: له أن يردهما معا، لانه لا يجوز أن يفرق بين الام وولدها فيما دون سبع سنين. والاول أصح عندهم (3). دليلنا: عموم قوله عليه السلام: " الخراج بالضمان " (4). مسألة 177: من اشترى جارية فوطأها، ثم علم بعد الوطء أن بها عيبا، لم يكن له ردها وله الارش. وبه قال أبو حنيفة، وسفيان الثوري (5)، وهو المروي عن علي عليه السلام (6). وقال الشافعي، ومالك، وأبو ثور، وعثمان البتي: له ردها، ولا يجب عليه مهرها إن كانت ثيبا، وان كانت بكرا لم يكن له ردها (7).

(1) مختصر المزني 83، وفتح العزيز 8: 381.
(2) مختصر المزني: 83، والمجموع 12: 215، وفتح العزيز 8: 381 - 382.
(3) المجموع 12: 215، وفتح العزيز 8: 382.
(4) سنن النسائي 7: 255، وسنن الترمذي 3: 582 حديث 1285 - 1286، وسنن ابن ماجة 2: 754، حديث 2243، وترتيب مسند الشافعي 2: 143 حديث 379، ومنحة المعبود 1: 267 حديث 1347.
(5) الفتاوى الهندية 3: 75 - 76، والمحلى 9: 77، وبداية المجتهد 2: 180، والمغني لابن قدامة 4: 259 - 260، والمجموع 12: 222، وسبل السلام 3: 832.
(6) السنن الكبرى 5: 322، والمحلى 9: 77، والمغني لابن قدامة 4: 259، والمجموع 12: 222.
(7) مختصر المزني: 83، وبداية المجتهد 2: 181، والمجموع 12: 222، والمحلى 9: 77، والمغني لابن قدامة 4: 259 - 260.

[ 109 ]

وقال ابن أبي ليلى: يردها ويرد معها مهر مثلها (1). وروي ذلك عن عمر بن الخطاب (2). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب المتقدم ذكره (3). وأيضا فيه اجماع الصحابة، لانهم بين قائلين: قائل يقول بما قلناه (4). والثاني: يردها ويرد معها مهر نسائها (5). وقول الشافعي خارج عن اجماع الصحابة، وذلك لا يجوز، لانه لا يجوز إحداث قول ثالث إذا اجمعوا على قولين، كما لا يجوز إحداث قول ثان إذا أجمعوا على قول واحد. مسألة 178: إذا حدث بالمبيع عيب في يد البائع، كان للمشتري الرد والامساك، وليس له إجازة البيع مع الارش، ولا يجبر البائع على بذل الارش بلا خلاف، فان تراضيا على الارش كان جائزا. وبه قال ابن سريج (6). وظاهر مذهب الشافعي أنه لا يجوز (7). دليلنا: قوله عليه السلام: " الصلح جائز بين المسلمين، إلا ما حرم حلالا أو أحل حراما " (8).

(1) المحلى 9: 77، وبداية المجتهد 2: 181، والمجموع 12: 222، والمغني لابن قدامة 4: 259 - 260، والفتاوى الهندية 3: 75 - 76.
(2) المحلى 9: 76، والمغني لابن قدامة 4: 259، والمجموع 12: 222.
(3) التهذيب 7: 61 حديث 261 - 272، والكافي 5: 214 حديث 2 - 5.
(4) السنن الكبرى 5: 322، والمحلى 9: 77، والمغني لابن قدامة 4: 259، والمجموع 12: 222.
(5) السنن الكبرى 5: 322، والمحلى 9: 76، والمغنى لابن قدامة 4: 259.
(6) المجموع 12: 132 - 133 و 168.
(7) المجموع 12: 132، وبداية المجتهد 2: 177، والمغني لابن قدامة 4: 259، والشرح الكبير 4: 97.
(8) سنن الدارقطني 3: 27، وسنن ابن ماجة 2: 788 حديث 2353، وسنن الترمذي 3: 634 حديث 1352، وسنن ابن داود 3: 304 حديث 3594، ومسند أحمد 2: 366، ومن لا يحضره الفقيه 3: 20 حديث 52.

[ 110 ]

مسألة 179: إذا اشترى نفسان من انسان عبدا أو جارية وقبضاها، ثم وجدا بها عيبا، كان لهما الرد بالعيب إجماعا. وان أراد أحدهما أن يرد نصيبه وأراد ا لاخر إمساكه، لم يكن لمن أراد الرد أن يرد نصيبه حتى يتفقا. وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: له أن يرد نصيبه (2). دليلنا: إنا أجمعنا أن لهما الخيار عند الاجتماع، ولا دليل على أن لهما الرد عند الانفراد، وان قلنا له الرد لعموم الاخبار، لانه عليه السلام لم يفصل (3)، كان قويا. مسألة 180: إذا اشترى عبدين صفقة واحدة، فوجد بأحدهما عيبا، لم يجز له أن يرد المعيب دون الصحيح، وله أن يردهما. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: له أن يرد المعيب دون الاخر (5). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (6).

(1) المبسوط 13: 50، وشرح القدير 9: 367، والمغني لابن قدامة 4: 268، والشرح الكبير 4: 106، وبداية المجتهد 2: 178.
(2) مختصر المزني 83، وفتح العزيز 8: 367، والمغني لابن قدامة 4: 268، والشرح الكبير 4: 106، وبداية المجتهد 2: 178، والمبسوط 13: 50.
(3) انظر ما رواه الشيخ الكليني في الكافي 5: 213، والشيخ المصنف - قدس سره - في التهذيب 7: 60 باب العيوب الموجبة للرد.
(4) مختصر المزني: 86، وفتح العزيز 8: 242 و 368، ومغني المحتاج 2: 60، والنتف 1: 450، والمغني لابن قدامة 4: 268، والشرح الكبير 4: 106، والمحلى 9: 76، والمبسوط 13: 50، وبداية المجتهد 2: 177، والمجموع 12: 173 - 174.
(5) النتف 1: 451، والمبسوط 13: 5 و 102، وشرح فتح القدير 5: 175، والمغني لابن قدامة 4: 268، والشرح الكبير 4: 106، وبداية المجتهد 2: 177، والمحلى 9: 76، وفتح العزيز 8: 243 - 244 و 368.
(6) انظر دعائم الاسلام 2: 47 حديث 116.

[ 111 ]

وأيضا فان الصفقة اشتملت عليهما، فمن أجاز التبعيض فيهما فعليه الدلالة، فأما رد الكل فعليه إجماع الفرقة على ما قلناه. مسألة 181: إذا قال واحد لاثنين: بعتكما هذا العبد بألف، فقال أحدهما: قبلت نصفه بخمسمائة، ورد الاخر، لم ينعقد العقد. وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: ينعقد العقد في حقه، سواء قبل صاحبه أو رد (2). دليلنا: أنه لا دليل على ثبوت هذا العقد في حصته، وقبوله غير مطابق للايجاب، فوجب أن لا يثبت العقد. مسألة 182: إذا اشترى جارية رأى شعرها جعدا، ثم وجده سبطا، لم يكن له الخيار. وبه قال أبو حنيفة (3). وقال الشافعي: له الخيار (4). دليلنا: أنه قد ثبت العقد وإثبات الرد بذلك وجعله عيبا يحتاج الى دليل. مسألة 183: إذا بيض وجهها بالطلاء، ثم اسمر أو احمر خديها بالدمام - وهو الكلكون - ثم اصفر، لم يكن له الخيار. وقال الشافعي: له الخيار (5).

(1) الفتاوى الهندية 3: 15، وبدائع الصنائع 5: 284.
(2) المجموع 9: 337. (3) لعل المقصود من قول المؤلف قدس سره " وبه قال أبو حنيفة " اشارة إلى أنه لم يرجعد الشعر وسبطه عيبا موجبا للرد، لا القول به صراحة، فما عده السرخسي في المبسوط وغيره خال من التصريح بما تقدم، بل عد جملة من العيوب الموجبة للرد وليس منها ما ذكر، والله أعلم بالمراد.
(4) الام 3: 119، ومختصر المزني: 83، والمجموع 12: 95 و 96، والوجيز 1: 142، وفتح المعين في شرح قرة العين: 70، والسراج الوهاج: 190، وفتح العزيز 8: 326.
(5) المجموع 12: 97 - 98، والسراج الوهاج: 190.

[ 112 ]

دليلنا: ما قدمناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 184: إذا اشترى جارية على انها بكر فكانت ثيبا، روى أصحابنا انه ليس له الرد. وقال الشافعي: له الرد (1). دليلنا: أخبارهم التي رويناها (2). وأيضا إثبات ذلك عيبا يرد منه يحتاج الى دليل. مسألة 185: إذا اشترى عبدا على انه كافر فخرج مسلما لم يكن له الخيار. وبه قال المزني (3). وقال باقي أصحاب الشافعي: له الخيار (4). دليلنا: ان اثبات الخيار في ذلك يحتاج الى شرع، والاصل صحة العقد. مسألة 186: إذا اشترى عبدا أو أمة، فوجدهما زانيين، لم يكن له الخيار. وقال الشافعي: له الخيار (5). وقال أبو حنيفة: في الجارية له الخيار، وفي العبد لا خيار له (6).

(1) المجموع 12: 333، وفتح العزيز 9: 329، وبداية المجتهد 2: 181.
(2) الكافي 5: 215 حديث 11، والتهذيب 7: 65 حديث 279، والاستبصار 3: 82 حديث 277.
(3) فتح العزيز 8: 325.
(4) المجموع 9: 356 و 358، ومغني المحتاج 2: 54.
(5) المجموع 12: 314، والسراج الوهاج: 186، وفتح العزيز 8: 327، ومغني المحتاج 2: 50، وكفاية الاخيار 1: 155، وبداية المجتهد 2: 173، وعمدة القاري 11: 278، والمغني لابن قدامة 4: 263، والمبسوط 13: 106.
(6) اللباب 1: 239، وعمدة القاري 11: 277 - 278، والفتاوى الهنديه 3: 67، وشرح فتح القدير 5: 155، والمجموع 12: 314، وفتح العزيز 8: 327، وبداية المجتهد 2: 173، والبحر الزخار 4: 356، والمغني لابن قدامة 4: 263، والمبسوط 13: 106، وفتح المعين في شرح قرة العين: 70. وبدائع الصنائع 5: 274.

[ 113 ]

دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 187: إذا اشترى عبدا فوجده أبخر، أو الجارية كذلك، لم يكن له الخيار. وقال الشافعي: له الخيار فيهما (1). وقال أبو حنيفة: يثبت الخيار في الجارية دون العبد (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 188: إذا كان العبد يبول في الفراش لا يثبت فيه الخيار، سواء كان صغيرا أو كبيرا. وقال الشافعي: يثبت الخيار في الكبير دون الصغير (3). وقال أبو حنيفة: يثبت في الجارية دون العبد (4). دليلنا: ما قلناه من أنه لا دليل على أن ذلك يوجب الرد. مسألة 189: إذا كان العبد غير مختون، فلا خيار فيه، صغيرا كان أو كبيرا. وقال الشافعي: يثبت الخيار في الكبير دون الصغير، لانه لا يخاف عليه من قطعه (5).

(1) المجموع 12: 314، والسراج الوهاج: 186، ومغنى المحتاج 2: 50، وكفاية الاخيار 1: 155، وفتح العزيز 8: 327، والبحر الزخار 4: 357، والمغني لابن قدامة 4: 263، والاشباه والنظائر: 455.
(2) اللباب 1: 239، والفتاوى الهندية 3: 67، وشرح فتح القدير 5: 155، وفتح العزيز 8: 327، والبحر الزخار 4: 357، والمغني لابن قدامة 4: 263، وفتح المعين في شرح قرة العين: 70، وبدائع الصنائع 5: 274.
(3) المجموع 12: 321، وفتح العزيز 8: 327، ومغني المحتاج 2: 50، والسراج الوهاج: 186، وبداية المجتهد 2: 174، وفتح المعين في شرح قرة العين: 70، والاشباه والنظائر: 455.
(4) اللباب 1: 238، والفتاوى الهندية 3: 69، والوجيز 1: 142، وفتح العزيز 8: 327، والمجموع 12: 321، وبداية المجتهد 2: 174، والبحر الزخار 4: 357، وبدائع الصنائع 5: 275.
(5) المجموع 12: 322، وفتح العزيز 8: 329، والمغني لابن قدامة 4: 264، والاشباه والنظائر: 456.

[ 114 ]

فأما الجارية فلا خلاف أنه لا خيار فيها. دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 190: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية لم يكن له الخيار. وبه قال الشافعي (1). وقال مالك: له الخيار (2). دليلنا: ما قلناه من أن اثبات ذلك عيبا يرد به يحتاج الى دليل. وأيضا فان العلم بالغناء ليس بمحرم، وانما صنعته واستعماله حرام، فلا يثبت بالعلم الرد. مسألة 191: إذا اشترى عبدا فقتله، ثم علم أنه كان به عيب، كان له الرجوع بالارش. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: ليس له ذلك (4). دليلنا: أنه إذا ثبت أن ذلك العيب مما يوجب الارش، فمن أسقطه فعليه الدلالة. مسألة 192: إذا اشترى شيئا وقبضه، ثم وجد به عيبا كان عند البائع وحدث عنده عيب آخر، لم يكن له رده إلا أن يرضى البائع بأن يقبله ناقصا، فيكون له رده ويكون له الارش إذا امتنع البائع من قبوله معيبا. وبه قال الشافعي (5).

(1) المجموع 12: 322.
(2) المغني لابن قدامة 4: 264، والشرح الكبير 4: 96، والمجموع 12: 322.
(3) مختصر المزني 83، والوجيز 1: 143، والمجموع، ومغني المحتاج 2: 54، وفتح العزيز 8: 342، وشرح فتح القدير 5: 163.
(4) اللباب 1: 240، والفتاوى الهندية 3: 83، وشرح فتح القدير 5: 162 - 163، وفتح العزيز 8: 342، والبحر الزخار 4: 367.
(5) الوجيز 1: 143، والمغني لابن قدامة 4: 26، وبداية المجتهد 2: 180، والشرح الكبير 4: 99.

[ 115 ]

وقال أبو ثور، وحماد بن أبي سليمان: إذا حدث عند المشتري عيب ووجد عيبا قديما كان عند البائع، رده ورد معه أرش العيب (1). وقال مالك وأحمد: المشتري بالخيار بين أن يرده مع أرش العيب الحادث، وبين أن يمسكه ويرجع على البائع بأرش العيب القديم (2). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (3). مسألة 193: إذا اشترى رجل من غيره عبدين، أو ثوبين، أو درهمين، فوجد بأحدهما عيبا، لم يكن له أن يرد المعيب منهما، وكان بالخيار بين رد الجميع أو يأخذ أرش المعيب. والشافعي فيه قولان: أحدهما - وهو الظاهر من مذهبه - مثل ما قلناه أنه: ليس له رده (4). وقال أبو حنيفة: يجوز له رده وفسخ البيع في المعيب منهما (5). دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم (6). وأيضا فانا أجمعنا أن له الخيار في رد الجميع، ولا دليل على أن له الخيار في رد المعيب دون غيره، فمن ادعى أن له ذلك فعليه الدلالة.

(1) المغني لابن قدامة 4: 260 - 261، والشرح الكبير 4: 99.
(2) المغني لابن قدامة 4: 260، والشرح الكبير 4: 99، وبداية المجتهد 2: 180.
(3) انظرها في الكافي 5: 207 حديث 2 - 3، وص 214 حديث 4 - 5، والتهذيب 7: 60 حديث 257 و 260.
(4) الام 3: 255، ومختصر المزني: 86، والمجموع 12: 173، ومغني المحتاج 2: 60، وفتح العزيز 8: 242، وبداية المجتهد 2: 178، والمغني لابن قدامة 4: 268، والشرح الكبير 4: 107.
(5) الفتاوى الهندية 3: 81، وشرح فتح القدير 5، 175، والمغني لابن قدامة 4: 268، والشرح الكبير 4: 107، والمجموع 12: 177، وفتح العزيز 8: 243، وبداية المجتهد 2: 178، وتبيين الحقائق 4: 41.
(6) لم أقف على أخبار بخصوص هذه المسألة سوى ما تقدم في مسألة " 180 " عن دعائم الاسلام 2: 47 حديث 116، ولعل المصنف قدس سره أشار الى الاخبار الموجبة بالعيب ايضا، لان خيار تفرق الصفقة بمنزلة خيار العيب، والله أعلم بالمراد.

[ 116 ]

مسألة 194: إذا اشترى عبدين، ووجد بهما عيبا، ثم مات أحدهما، لم يثبت له الخيار في الباقي وكان له الارش. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني: له رده إذا قال بتفريق الصفقة، ويرده بحصته من الثمن (2). وقال بعض أهل خراسان: يفسخ العقد على هذا القول فيهما جميعا، ثم يرد الباقي وقيمة التالف، ويسترجع الثمن (3). دليلنا: انا قد بينا أنه إذا حدث عند المشتري عيب آخر لم يكن له الرد، وله الارش، والموت في أحدهما من أكبر العيوب، فوجب أن لا يثبت له الخيار. مسألة 195: إذا أراد أن يرد المعيب بالعيب، جاز له فسخ البيع في غيبة البائع وحضرته، قبل القبض وبعده. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: إن كان قبل القبض يجوز له فسخه بحضرة البائع وفي غيبته، وإن كان بعد القبض فلا يجوز إلا بحضوره ورضاه أو بحكم الحاكم (5). دليلنا: أن الرد إذا كان حقا للمشتري كان له رده أي وقت شاء، ومن قال أن له ذلك في حال دون حال فعليه الدلالة. مسألة 196: إذا باع ما يكون مأكوله في جوفه وبعد كسره، مثل البيض واللوز والجوز وغير ذلك، فليس للمشتري رده، وله الارش ما بين قيمته صحيحا ومعيبا.

(1) المجموع 12: 180، والشرح الكبير 4: 107.
(2) مختصر المزني: 86، والمجموع 9: 221 و 12: 180 - 181، وفتح العزيز 8: 246.
(3) المجموع 12: 181، وفتح العزيز 8: 248.
(4) المجموع 9: 200، وفتح العزيز 8: 314، والمغني لابن قدامة 4: 266.
(5) اللباب 1: 232، والنتف 1: 448، والفتاوى الهندية 3: 43، وشرح فتح القدير 5: 120 - 121، والمجموع 9: 200، والمغني لابن قدامة 4: 266، وفتح العزيز 8: 314.

[ 117 ]

وللشافعي فيه ثلاثة أقوال على ما قاله أبو اسحاق في الشرح: أحدها: أنه لا يرده. مثل ما قلناه. والثاني: يرده ولا يرد معه شيئا. والثالث: يرده ويرد معه أرش النقص الذي حدث في يده (1). دليلنا: أنه قد تصرف بالمبيع، فليس له رده لعموم الاخبار الواردة في ذلك (2). مسألة 197: إذا اشترى ثوبا، ونشره فوجد به عيبا، فان كان النشر ينقص من ثمنه - مثل الشاهجاني المطوي على طاقين - لم يكن له رده. وقال أصحاب الشافعي: إن كان مما لا يمكن الوقوف عليه إلا بالنشر فعلى الخلاف الذي بينهم، وفيه الاقوال الثلاثة التي في المسألة الاولى (3). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 198: إذا كان لرجل عبد فجنى، فباعه مولاه بغير إذن المجني عليه، فان كانت جناية توجب القصاص فلا يصح البيع، وإن كانت جناية توجب الارش صح إذا التزم مولاه الارش. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يصح بيعه. وهو اختيار المزني، وأبي حنيفة ولم يفصلوا (4). والثاني: لا يصح. ولم يفصل (5).

(1) مختصر المزني: 83، والمجموع 12: 279، والشرح الكبير 4: 105، والمغني لابن قدامة 4: 272 - 273، فتح العزيز 8: 360 - 361، مغني المحتاج 3: 59 - 60.
(2) انظر الكافي 5: 206 حديث 2 و 3. ومن لا يحضره الفقيه 3: 136 حديث 592، والتهذيب 7: 60 حديث 257 - 258.
(3) المجموع 12: 280، ومختصر المزني: 83، والمغني لابن قدامة 4: 272 - 273، والشرح الكبير 4: 105، وفتح العزيز 8: 363 - 364.
(4) مختصر المزني: 83، والمجموع 12: 344، والمغني لابن قدامة 4: 274، والشرح الكبير 4: 12.
(5) مختصر المزني: 83، والمجموع 12: 344، والمغني لابن قدامة 4: 274، والشرح الكبير 4: 12.

[ 118 ]

إلا أن أصحاب الشافعي قالوا فيه ثلاث طرق: أحدها: أن في العمد الذي يوجب القصاص، وفي الخطأ الذي يوجب المال قولين، فلا فرق بينهما (1). وفيهم من قال: القولان فيما يوجب المال، وأما ما يوجب القصاص فلا يمنع من صحة البيع قولا واحدا (2). ومنهم من قال: القولان في العمد الذي يوجب القصاص، فأما ما يوجب المال فيمنع من صحة بيعه كما يمنع الدهن (3). دليلنا: أنه إذا وجب عليه القود فلا يصح بيعه، لانه قد باع منه ما لا يملك، لان ذلك حق للمجني عليه. وأما إذا وجب عليه الارش فإنه يصح بيعه، لان رقبته سليمة من العيب، والجناية أرشها فقد التزمها السيد، فلا وجه يفسد البيع. مسألة 199: إذا باع ذهبا بفضة، ومع أحدهما عرض، مثل أن باع دراهم وثوبا بذهب، أو ذهبا وثوبا بفضة، فهو بيع وصرف، فانهما يصحان معا. وبه قال أبو حنيفة (4). وللشافعي فيه قولان، أحدهما: يصحان (5). والاخر: يبطلان (6). دليلنا: الاية (7)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج الى دليل.

(1) المجموع 12: 346 - 347.
(2) المجموع 12: 346.
(3) المجموع 12: 344 و 346.
(4) اللباب 1: 266، وشرح فتح القدير 5: 373.
(5) الام 3: 31 و 33، والمجموع 10: 364.
(6) الام 3: 35، والمجموع 10: 364.
(7) البقرة: 275.

[ 119 ]

مسألة 200: إذا باع ثوبا وذهبا، بذهب أو فضة، وثوبا بدراهم، فان كان الثوب مع أقلهما وزنا صح، وإن تساوى النقدان في الوزن لم يصح. وقال الشافعي: يبطلان قولا واحدا (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 201: إذا قال لعبده: بعتك عبدي هذا وكاتبتك بألف الى نجمين، فالبيع باطل بلا خلاف، لانه لا يصح بيع عبده من عبده. وهل تصح الكتابة؟ فعندنا تصح. وللشافعي فيه قولان بناء على تفريق الصفقة (2). دليلنا: ما قدمناه من الاية (3)، ودلالة الاصل، وقوله تعالى: " فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا " (4) وهذا كتابة، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 202: إذا قال: بعني هذا الثوب وتخيطه لي بألف، أو قال: بعني هذه الحنطة وتطحنها بألف، أو: بعني هذه القلعة وتحذوها لي جميعا بدينار، فهو كالكتابة يصح جميع ذلك. وللشافعي فيه قولان (5). دليلنا: ما قلناه في المسائل الاولة سواء، وإجماع الفرقة، وأخبارهم وردت بمثل هذا (6).

(1) الام 3: 33، وبداية المجتهد 2: 195.
(2) المجموع 9: 336 و 388 - 389، وفتح العزيز 8: 282 و 283، والسراج الوهاج: 636، ومغني المحتاج 4: 519.
(3) البقرة: 275.
(4) النور: 33.
(5) المجموع 9: 389، والسراج الوهاج: 180، ومغني المحتاج 2: 31، وفتح العزيز 8: 196.
(6) انظرها في التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835 وغيرهما.

[ 120 ]

مسألة 203: إذا قال له: زوجتك بنتي هذه وبعتك عبدها هذا جميعا بألف، فهذا بيع ونكاح، فإنهما يصحان، ويقسط العوض عليهما بالحصة. وللشافعي فيهما قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني: يبطلان (2). دليلنا: ما تقدم في المسائل الاولة سواء. مسألة 204: إذا قال أبوها لزوجها: زوجتك بنتي هذه ولك هذا الالف بعبدك هذا، فالعبد بعضه مبيع وبعضه مهر، فعندنا يصحان. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، ويقسط العبد على مهر المثل، والالف بالحساب (3). والاخر: يبطلان (4). دليلنا: ما تقدم في المسألة الاولى سواء. مسألة 205: إذا قال لرجل: زوجتك بنتي هذه ولك هذا الالف معا بهذين الالفين من عندك، صح البيع والمهر معا، ويكون صرفا ونكاحا. وقال الشافعي: يبطل - قولا واحدا - وذلك أنه فضة وبضع بفضة، فهو كما لو باعه ثوبا وفضة بفضة (5). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء، ولانا بينا أن الاصل الذي بني عليه غير صحيح عندنا.

(1) الام 5: 65، والمجموع 9: 389، وفتح العزيز 8: 281 - 282، والسراج الوهاج: 183، ومغني المحتاج 2: 42، والمغني لابن قدامة 4: 315، وبداية المجتهد 2: 27، والشرح الكبير 4: 45.
(2) الام 5: 65، والوجيز 1: 140، والمجموع 9: 389، ومغني المحتاج 2: 42، والسراج الوهاج: 183، وفتح العزيز 8: 281 - 282، والمغني لابن قدامة 4: 314، والشرح الكبير 4: 44 - 45. (3) الام 5: 67، والمجموع 9: 389، والوجيز 1: 140، وفتح العزيز 8: 281 - 282.
(4) الام 5: 67، والمجموع 9: 389، وفتح العزيز 8: 281 - 282.
(5) الام 3: 35، والمجموع 9: 388 و 389.

[ 121 ]

مسألة 206: إذا قال زوجتك بنتي هذه ولك هذا الالف درهم بهذا الالف دينار، كان صحيحا، ويكون نكاحا وصرفا مع اختلاف الجنس. وللشافعي فيه قولان (1). دليلنا: ما تقدم في المسألة الاولى سواء. مسألة 207: إذا ملك العبد سيده شيئا، ملك التصرف فيه، ولا يملكه. وللشافعي فيه قولان: قال في القدم: يملك إذا ملكه سيده (2). وبه قال مالك، وعثمان البتي، وداود، وأهل الظاهر (3)، وزاد مالك فقال: يملك وان لم يملكه سيده (4). وقال في الجديد: لا يملك (5). وبه قال أكثر أهل العلم أهل العراق، وأحمد، واسحاق (6). دليلنا على أنه لا يملك قوله تعالى: " ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " (7). وفيه دليلان: أحدهما: أنه قال: " لا يقدر على شئ " (8)، ونحن نعلم أنه ما نفي القدرة

(1) المجموع 9: 389، والمغني لابن قدامة 4: 314.
(2) المجموع 14: 397، وفتح العزيز 9: 147، والسراج الوهاج: 204، ومغني المحتاج 2: 102، والمغني لابن قدامة 4: 277 و 12: 290، والبحر الزخار 4: 292، ونيل الاوطار 5: 274، وفتح الرحيم 3: 32 (3) المغني لابن قدامة 4: 277، وفتح العزيز 9: 147، والبحر الزخار 4: 303، وأحكام القرآن للجصاص 3: 187، ونيل الاوطار 5: 274.
(4) أشار الى ذلك في الموطأ 2: 611 فلاحظ.
(5) المجموع 14: 397، وفتح العزيز 9: 141 و 147، والسراج الوهاج: 204، ومغني المحتاج 2: 102، والمغني لابن قدامة 4: 277، ونيل الاوطار 5: 274، وأحكام القرآن للجصاص 3: 187.
(6) المغني لابن قدامة 4: 277، وفتح العزيز 9: 147، ونيل الاوطار 5: 274.
(7) و (8) النحل: 75.

[ 122 ]

على الفعل، لانه قادر على الافعال، فبقي أن يكون أراد أنه لا يملكه. الثاني: أنه نفي عنه القدرة على كل حال، فوجب حمل الاية على عمومها إلا ما أخرجه الدليل. وأيضا قوله تعالى: " ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء " (1) فنفى أن يشاركه أحد في ملكه، وجعل الاصل العبد مع ملاه، فقال: إذا لم يشارك عبد أحدكم مولاه في ملكه فيساويه، فكذلك لا يشاركني أحد في ملكي فيساويني فيه، ثبت أن العبد لا يملك أبدا. وأيضا فلو ملك العبد لادى الى تناقض الاحكام، لانه إذا ملك السيد عبده مالا، واشترى العبد بذلك المال عبدا، ثم ملكه مالا، فمضى عبد العبد الى سيد سيده فاشترى سيده منه، فيصير كل واحد منهما عبدا لصاحبه، وهذا تناقض، وليس لاحدهما أن يسافر بصاحبه إلا وله أن يقول بل أسافر بك، فانك عبدي، وإذا أفضى الى هذا بطل في نفسه. واستدل من خالف بما روى سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من باع عبدا وله مال، فماله للبائع إلا أن يشرط المبتاع " (2). وروي هذا الخبر عن علي عليه السلام، وعمر، وجابر، وعائشة (3). وفيه دليلان: أحدهما: أنه أضاف المال الى العبد بلام الملك، فقال: " وله مال "

(1) الروم: 28.
(2) السنن المأثورة: 249، والسنن الكبرى 5: 324، وفي سنن ابن ماجة 2: 746 حديث 2211، وصحيح مسلم 3: 1173 حديث 80 نحوه.
(3) صحيح مسلم 3: 1173 حديث 80، وسنن الترمذي 3: 546 حديث 1244، والسنن الكبرى 5: 324 و 326، ورواه مالك في الموطأ 2: 611 حديث 2 عن عمر.

[ 123 ]

وحقيقته يقتضي صحة الملك. والثاني: قال: " فماله للبائع " فلولا أن هناك ما يوهم أن يكون بالبيع للعبد فيبقى على ملكه لما قال فهو للبائع. وأيضا روى نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من أعتق عبدا وله مال، فماله للعبد إلا أن يستثنيه السيد " (1). وروي أن سلمان كان عبدا، فأتى النبي صلى الله عليه وآله بشئ، فقال: " هو صدقة فرده " فأتاه ثانيا، فقال: " هو هدية فقبله " (2). فلولا أنه كان يملكه لما قبله. وأيضا قوله تعالى: " وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله " (3) فبين أنه يغنيهم بعد فقر، فلو لم يكن يملك لما كان الامر كذلك، ولما تصور فيه الغنى. والجواب عن الاية أولا: أن معناه يغنيهم بالعتق، بدليل أن من كان في يده مال للغير لا يملك منعه منه فليس بغني، وهذه صفة العبد، فثبت أنه أراد ما قلناه. والجواب عن الخبر الاول: أن إضافة المال الى العبد إضافة محل، لا إضافة ملك، أو إضافة جواز التصرف فيه، لانا قد أجزنا ذلك، بدلالة أنه أضاف الملك الى العبد بعد البيع، فقال: " من باع عبدا وله مال ". وأيضا فإنه قال: " فماله للبائع " ولا يجوز أن يكون هذا المال لكل واحد منهما، ثبت أنه أضاف الى العبد مجازا لا حقيقة.

(1) سنن الدارقطني 4: 133 حديث 31، وفي سنن أبي داود 4: 28 حديث 3962 نحوه.
(2) أشار الى هذا الحديث ابن حزم في المحلى 8: 322 فلاحظه أيضا.
(3) النور: 32.

[ 124 ]

وأيضا ذكر أنه " للبائع " لان هناك ما يوهم، لان العادة أن أحدا لا يبيع عبده وعليه ثياب إلا والثياب يأخذها المشتري، فأراد أن يزيل هذا الظاهر لئلا يظن أنه ليس للبائع أخذ ثيابه. وأما الحديث الثاني فإنه ضعيف. وقال أحمد: من أعتق عبدا وله مال، فماله لسيده إلا أنه يصح حديث عبد الله بن أبي حفص (1). وأيضا فقد رووا أنه قال: " مال العبد له " (2). ورووا أيضا أنه قال: فماله لسيده إلا أن يجعله له، فتعارضا. وأما حديث سلمان ففيه جوابان: أحدهما: ما كان سلمان عبدا، وإنما كان مغلوبا على نفسه، مسترقا بغير حق، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وآله قال له: " سلهم أن يكاتبوك " فلما فعلوا قال النبي صلى الله عليه وآله: " استنقذوه " وانما يقال هذا فيمن كان مقهورا بغير حق. والثاني: أنه لو كان مملوكا لا حجة فيه، لانه لا خلاف أن هدايا المملوك لا تقبل بغير إذن سيده، فلما قبلها النبي صلى الله عليه وآله ثبت أنه كان باذن سيده. مسألة 208: إذا كان مع العبد مائة درهم، فباعه بمائة درهم لم يصح البيع، فان باعه بمائة درهم ودرهم صح. وبه قال أبو حنيفة (3). وللشافعي فيه قولان (4).

(1) المغنى لابن قدامة 12: 29، والشرح الكبير 12: 247.
(2) وسنن ابن ماجة 2: 845 حديث 2529، والسنن الكبرى 5: 325.
(3) بدائع الصنائع 5: 217، والفتاوى الهندية 3: 222، وتبيين الحقائق 4: 136 - 137، وبداية المجتهد 2: 195.
(4) المجموع 9: 388 و 10: 364، وبداية المجتهد 2: 195.

[ 125 ]

دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (1) والمنع منه يحتاج الى دليل. مسألة 209: إذا كان ماله دينا، فباعه وماله صح البيع. وقال الشافعي: باطل، لان بيع الديون لا يصح (2). دليلنا قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (3) والمنع يحتاج الى دليل، وأيضا فإن بيع الدين عندنا صحيح، فما بنى عليه من الاصل غير مسلم. مسألة 210: إذا باع عبده ومالا، ثم علم بالعيب، وما حدث به عنده عيب، ولا نقص، كان له رده والمال معه. وبه قال الشافعي (4). وقال داود: يرده دون المال (5). دليلنا: على أن له ردهما: أنه اشترى عبدا ذا مال، فلا يجوز له رد عبد بالعيب غير ذي مال، لانه يرده بغير الصفة فلا يقبل منه. مسألة 211: من باع شيئا وبه عيب لم يبينه، فعل فعلا محظورا، وكان للمشتري الخيار بين إمضاء العقد والرضا بالعيب وبين فسخه. وبه قال الشافعي (6). وقال داود: البيع باطل (7).

(1) البقرة: 275.
(2) المجموع 10: 107، والوجيز 1: 146، وفتح العزيز 8: 439 و 440، ومغني المحتاج 2: 71، وبداية المجتهد 2: 198.
(3) البقرة: 275.
(4) الام 3: 224.
(5) المغني لابن قدامة 4: 276، والمحلى 8: 422، والشرح الكبير 4: 323.
(6) المجموع 12: 122 - 123، ومغني المحتاج 2: 50، وكفاية الاخيار 1: 155، والسراج الوهاج: 186، وفتح العزيز 8: 326 - 327.
(7) البحر الزخار 4: 356.

[ 126 ]

دليلنا: الاية (1)، ودلالة الاصل، وإبطاله يحتاج الى دليل. وأيضا روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا تصروا الابل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فان رضيها أمسكها، وان سخطها ردها وصاعا من تمر " (2). فنهى عن التدليس وجعل المشتري بالخيار بين الامساك والرد، فلو كان البيع باطلا ما جعله بالخيار فيه. مسألة 212: من اختلط ماله الحلال بالحرام، فالشراء مكروه منه، وليس بحرام إذا لم يكن ذلك الحرام بعينه، سواء كان الحرام أقل أو أكثر أو متساويا. وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: ان كان الحرام أكثر حرم كله، وان كان الحلال أكثر فهو حلال (4). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (5) ومن حكم بتحريم الكل فعليه الدلالة. وأيضا روى النعمان بن بشير قال (6): سمعت رسول الله يقول: " الحلال

(1) البقرة 275.
(2) صحيح مسلم 3: 1155 حديث 11، وشرح معاني الاثار 4: 19، وسنن الدارقطني 3: 74 حديث 279. وترتيب مسند الشافعي 2: 142 حديث 468، وفي صحيح البخاري 3: 92، والموطأ 2: 683 حديث 96 باختلاف يسير في اللفظ.
(3) المجموع 9: 353، والمغني لابن قدامة 4: 334، والشرح الكبير 4: 25. مختصر المزني: 87.
(4) المحلى 9: 16.
(5) البقرة: 275.
(6) أبو عبد الله، النعمان بن بشير بن ثعلبة بن سعد بن خلاس الخزرجي ولد قبل وفاة رسول الله بثماني سنين وسبعة أشهر، وقيل بست سنين، روى عنه ابناه محمد وبشير والشعبي وحميد بن عبد الرحمن وغيرهم. استعمله معاوية على حمص ثم على الكوفة، وكان هواه مع معاوية وميله إليه والى ابنه يزيد،

[ 127 ]

بين والحرام بين وبين ذلك امور مشتبهات لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام، فمن تركها استبرأ لدينه وعرضه فقد سلم، ومن واقع شيئا منها يوشك أن يواقع الحرام، كما انه من يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وان لكل ملك حمى، ألا وان حمى الله محارمه " (1). مسألة 213: إذا باع عبدا، أو حيوانا، أو غيرهما من المتاع بالبراءة من العيوب، صح البيع، وبرء من كل عيب ظاهرا كان أو باطنا، علمه أو لم يعلمه. وبه قال أبو حنيفة (2). وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها مثل ما قلناه (3). والثاني: أنه لا يبرء من عيب بحال، علمه أو لم يعلمه، بحيوان كان أو بغيره (4). وهو مذهب الاصطخري، وبه قال أحمد، واسحاق (5). والثالث: أنه لا يبرء من عيب بحال علمه أو لم يعلمه، إلا من عيب واحد وهو عيب بباطن الحيوان لم يعلمه البائع، فأما غير هذا فلا يبرء منه، سواء كان

فلما مات معاوية بن يزيد دعا الناس الى بيعة عبد الله بن الزبير بالشام فخالفه أهل حمص فخرج منها فاتبعوه وقتلوه وذلك سنة أربع وستين في ذي الحجة. قاله ابن الاثير في أسد الغابة 5: 22 - 24. (1) سنن الترمذي 3: 511، والمدونة الكبرى 3: 441، ورواه ابن الاثير في أسد الغابة 5: 23 عند ترجمة النعمان بن بشير ورواه أيضا مسلم في صحيحه 3: 1219 حديث 107 والبخاري في صحيحه 3: 69 - 70، وابن ماجة في سننه 2: 1318 حديث 3984، وابو داود في سننه 3: 243 حديث 3329 - 3330 بالالفاظ مختلفة.
(2) المبسوط 13: 91، والفتاوى الهندية 3: 67 و 95، واللباب 1: 241، وشرح فتح القدير 5: 182، والمحلى 9: 41، والام 3: 70، والمجموع 12: 357، وفتح العزيز 8: 339، وبداية المجتهد 2: 182.
(3) الام 3: 70، والمحلى 9: 41، والوجيز: 143، والسراج الوهاج: 187، وفتح العزيز 8: 339، وكفاية الاخيار 1: 156، وبداية المجتهد 2: 183، والمبسوط 13: 91 - 92، ومغني المحتاج 2: 53، وشرح فتح القدير 5: 182.
(4) المجموع 12: 355 - 357، والسراج الوهاج: 187، وفتح العزيز 8: 340 339.
(5) المجموع 12: 355، والسراج الوهاج: 187، وفتح العزيز 8: 339 - 340.

[ 128 ]

بباطن الحيوان يعلمه أو بظاهر الحيوان، أو في غير الحيوان علمه أو لم يعلمه (1). وبه قال مالك (2)، وهو الاظهر عندهم. فان كان المبيع غير حيوان كالثياب والخشب والعقار ففيها قولان: أحدهما: يبرء بكل حال (3). والثاني: لا يبرء من عيب بحال (4). والثالث: يسقط، لانه لا باطن لغير الحيوان إلا ويمكن معرفته، ولا يمكن ذلك في الحيوان (5). وقال غيره من أصحاب الشافعي: المسألة على قول واحد، فانه لا يبرء إلا من عيب واحد، وهو عيب بباطن الحيوان لم يعلمه، ولا يبرء من عيب سواه. وهذا هو المذهب (6). وقال ابن أبي ليلى: يبرء من كل عيب يعده على المشتري، فان وجد به عيبا غير الذي عده البائع عليه كان له رده، ولا يرده بما عده عليه (7). دليلنا: اجماع الفرقة على أن البراءة من العيوب صحيح، وأخبارهم عامة في ذلك (8)، فوجب حملها على ظاهرها، وتخصيصها بعيب دون عيب يحتاج الى دليل.

(1) المجموع 12: 357، وفتح العزيز 8: 339، والمحلى 9: 41.
(2) المدونة الكبرى 4: 349، وبداية المجتهد 2: 183، والمجموع 12: 357، وفتح العزيز 8: 339، والمحلى 9: 41، وشرح فتح القدير 5: 182.
(3) المجموع 12: 355.
(4) المجموع 12: 355، والسراج الوهاج: 187، ومغني المحتاج 2: 53.
(5) المجموع 12: 355.
(6) المجموع 12: 357، والسراج الوهاج: 187، وبداية المجتهد 2: 183، ومغنى المحتاج 2: 53.
(7) الام 3: 70، والمجموع 12: 357.
(8) انظر دعائم الاسلام 2: 47 حديث 117.

[ 129 ]

وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " المؤمنون عند شروطهم " (1). فينبغي أن يكون على ما شرطاه. مسألة 214: إذا اشترى ثوبا فصبغه، ثم علم أن به عيبا، كان له الرجوع بأرش العيب، ولم يكن له رده إلا أن يشاء البائع أن يقبله مصبوغا، ويضمن قيمة الصبغ، ويكون المشتري بالخيار بين إمساكه بغير أرش أو يرده ويأخذ قيمة الصبغ، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار بين إمساكه ويطالب بالارش، وبين دفعه الى البائع ويأخذ قيمة الصبغ (3). دليلنا: أنا قد بينا أن من اشترى شيئا فتصرف فيه، ثم علم أن به عيبا لم يكن له رده، وانما له أرشه، وهذا قد تصرف فيه بالصبغ. وأما إذا قبل البائع الثوب مصبوغا فلابد أن يرد على المشتري ثمن صبغه، لانه عين ماله، إلا أن يتبرع بتركه. مسألة 215: إذا اشترى ثوبا فقطعه وباعه أو صبغه، ثم باعه، ثم علم بالعيب، فليس له إلا المطالبة بالارش. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: إن كان قد قطع الثوب ثم باعه كما قلناه، وإن كان صبغه

(1) التهذيب 7: 371، حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 124، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.
(2) المجموع 12: 242، والوجيز: 144، وفتح العزيز 8: 357 - 358، والمغني لابن قدامة 4: 273 - 274، والشرح الكبير 4: 104، والمحلى 9: 78.
(3) اللباب 1: 239، والفتاوى الهندية 3: 83، وشرح فتح القدير 5: 160 - 161، والمجموع 12: 242، والمغني لابن قدامة 4: 273، والشرح الكبير 4: 104، والبحر الزخار 4: 365، والمحلى 9: 78.
(4) المجموع 12: 242، والمحلى 9: 78، وفتح العزيز 8: 342 والوجيز 1: 143.

[ 130 ]

ثم باعه كان له الرجوع (1). وهذه المسألة مبنية على الاولى، وقد بينا ما فيها. مسألة 216: إذا وكل وكيلا لبيع عبد له فباعه، فظهر عيب عند المشتري، فطالب الوكيل فانكر أن يكون العيب به قبل القبض فالقول قوله، فان حلف سقط الرد، وان نكل رددنا اليمين على المشتري، فان حلف رده على الوكيل، فإذا رده عليه لم يكن له رده على الموكل لانه عاد إليه باختياره. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: القول قول الوكيل، فان حلف سقط الرد، وان لم يحلف حكمنا عليه بالنكول ورد عليه العبد بذلك، وكان له رده على موكله (3). دليلنا: ما أشرنا الى من أنه عاد إليه باختياره، ونكوله عن اليمين فيه ايجاب على الغير لا يقبل منه. مسألة 217: إذا ادعى عمرو عبدا في يد زيد، وأقام البينة أنه له اشتراه من زيد، وأقام زيد البينة أنه له وأنه هو اشتراه من عمرو، فالبينة بينة الخارج وهو عمرو. وبه قال محمد (4). وقال أبو حنيفة والشافعي: البينة بينة الداخل (5).

(1) المبسوط 13: 98، وشرح فتح القدير 5: 160، واللباب 1: 239، والبحر الزخار 4: 365، والمحلى 9: 78، والفتاوى الهندية 3: 55.
(2) المجموع 12: 152.
(3) الفتاوى الهندية 3: 99. بدائع الصنائع 5: 281، والمبسوط 19: 33.
(4) بدائع الصنائع 6: 233، والفتاوى الهندية 4: 74، والمغني لابن قدامة 12: 173، والشرح الكبير 12: 186. وحاشية رد المختار 5: 576.
(5) المجموع 20: 189، والسراج الوهاج: 620، ومغني المحتاج 4: 480 - 481، والفتاوى الهندية 4: 74، وبدائع الصنائع 6: 233، وحاشية رد المحتار 5: 576.

[ 131 ]

دليلنا: قول النبي صلى الله عليه وآله: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " (1). والمدعى عليه ها هنا زيد، لان العبد في يده. مسألة 218: إذا اشترى رجلان من رجل عبدا صفقة واحدة، ثم غاب أحد المشترين قبل القبض وقبل دفع الثمن، فللحاضر أن يقبض قدر حقه ويعطي ما يخصه من الثمن، وله أن يعطي كل الثمن نصفه عنه، ونصفه عن شريكه، فإذا فعل فانما له قبض نصيبه دون نصيب شريكه، فإذا عاد شريكه كان له قبض نصيبه من البائع، وليس لشريكه الرجوع عليه بما قضى عنه من الثمن. وبه قال الشافعي وأصحابه (2). وخالف أبو حنيفة في المسائل الثلاث فقال: ليس للحاضر أن ينفرد بقبض نصيبه بدفع نصيبه من الثمن، وقال: للحاضر أن يدفع جميع الثمن عن نفسه وعن شريكه، فإذا دفع كان له قبض كل العبد نصيبه ونصيب شريكه، قال: وإذا حضر الغائب كان للحاضر أن يرجع عليه بما قضى عنه من الثمن (3). دليلنا على أن له قبض نصيبه: أنه حقه فله قبضه، ومن منع منه احتاج الى دليل، وقبض نصيب الغير يحتاج الى دليل في صحته، والرجوع عليه بما دفع عنه من الثمن مثل ذلك، لان قضى دينه بغير إذنه، فيحتاج الى دليل في صحة رجوعه عليه. مسألة 219: الاستبراء واجب على البائع في الجارية، وعلى المشتري معا.

(1) الكافي 7: 415 حديث 1، والتهذيب: 229 حديث 553، ومن لا يحضره الفقيه 3: 20 حديث 1، والسنن الكبرى 10: 252، والدراية في تخريج أحاديث الهداية 2: 175 حديث 840.
(2) فتح العزيز 8: 286.
(3) شرح فتح القدير 5: 364، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 5: 364، وتبيين الحقائق 4: 129، والمغني لابن قدامة 4: 336، وحاشية رد المحتار 5: 231.

[ 132 ]

وبه قال الثوري، والحسن البصري، والنخعي، وابن سيرين (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك: الاستبراء مستحب للبائع، واجب على المشتري (2). وبه قال أكثر الفقهاء (3). وقال عثمان البتي: الاستبراء واجب على البائع، مستحب للمشتري (4). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم ظاهرها الوجوب (5)، وطريقة الاحتياط تقتضيه، لان بعد استبراءها يحل وطؤها بلا خلاف، وقبل ذلك فيها خلاف. مسألة 220: إذا حاضت الجارية في مدة الخيار عند المشتري، جاز أن يعتد به في الاستبراء، ويكفيه ذلك. وقال الشافعي: إن كان الخيار للبائع أو لهما لا يعتد به، وإن كان للمشتري وحده فمبني على أقواله الثلاثة في انتقال الملك، فإذا قال أنه ينتقل بنفس العقد أو مراعى فقد كفاه في الاستبراء، وإذا قال بمجموعهما لم يعتد بذلك (6). دليلنا: ما روي عنهم عليهم السلام انه " إذا اشترى جارية وهي حائض، جاز أن يعتد بذلك في الاستبراء " (7) وهو اجماع بينهم لا أعرف فيه خلافا.

(1) المحلى 10: 318، والمغني لابن قدامة 9: 159 و 165.
(2) المبسوط 13: 146 و 151 و 18: 203، وبدائع الصنائع 5: 253، والمغني لابن قدامة 9: 159 و 165، ومختصر المزني: 236، والمجموع 18: 203، وكفاية الاخيار 2: 80، والمدونة الكبرى 3: 126، ومقدمات ابن رشد 2: 603، والمحلى 10: 318، والشيخ الكبير 9: 173 و 183.
(3) المجموع 18: 203، والمحلى 10: 318، والمغني لابن قدامة 9: 159 و 165، والشرح الكبير 9: 173، و 183.
(4) المغني لابن قدامة 9: 159، والشرح الكبير 9: 173.
(5) انظرها في الكافي 5: 472 (باب استبراء الامة)، ومن لا يحضره الفقيه 3: 283 (باب استبراء الاماء)، والتهذيب 8: 170 حديث 593 - 594 والاستبصار 3: 358 - 359 حديث 1284 و 1287.
(6) انظر الام 5: 97، والمجموع 18: 202.
(7) الكافي 5: 473 حديث 6 و 8، والتهذيب 8: 174 حديث 606، والاستبصار 3: 357 و 359 حديث 1278 و 1286.

[ 133 ]

مسألة 221: الاستبراء يكون عند المشتري سواء كانت جميلة أو قبيحة، ولا يجب المواضعة - وهو جعلها عند عدل حتى تستبرء - وبه قال أبو حنيفة والشافعي (1). وقال مالك: ان كانت وخشة (2) مثل ما قلناه، وإن كانت جميلة رايعة وجبت المواضعة عند عدل حتى تستبرء، ثم يقبضها المشتري (3). دليلنا: أن النبي صلى الله عليه وآله أوجب الاستبراء على المشتري ومنع من وطئها (4)، ولا يكون ذلك الا مع تمكنه من ذلك، ومع المواضعة لا يتم ذلك. وروي عنه عليه السلام أنه قال: " لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض " (5). مسألة 222: إذا اشترى جارية في حال حيضها، احتسب بقية الحيض وكفاه. وقال الشافعي: لا يحتسب ببقيته، وعليه أن يستأنف للاستبراء حيضة اخرى (6). وبه قال أبو حنيفة (7).

(1) الام 3: 87 و 5: 96 - 97، والمجموع 8: 427، وكفاية الاخيار 2: 80، والمحلى 8: 427، والمبسوط 13: 146 - 147.
(2) وخش الشئ، بالضم وخوشة: أي صار رديئا. والوخش من الناس: الرذل، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع، قاله ابن الاثير في النهاية 5: 164.
(3) المدونة الكبرى 3: 124، والمحلى 8: 427.
(4) انظر ما تقدم من مسائل الاماء والاستبراء من هذا الكتاب.
(5) السنن الكبرى 9: 124، وقد روي الحديث بالفاظ مختلفة أيضا انظرها في السنن الكبرى 9: 124 أيضا والمصنف لعبد الرزاق 7: 227، وسنن أبي داود 2: 248، ومسند أحمد بن حنبل 2: 87 وغيرها.
(6) الام 5: 97، ومختصر المزني: 226، والمجموع 18: 202.
(7) المبسوط 13: 147.

[ 134 ]

وقال مالك: إن مضى الاقل وبقي الاكثر يحتسب به (1). دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم (2). مسألة 223: يكره بيع المرابحة بالنسبة الى أصل المال، وصورته أن يقول: بعتك برأس مالي وربح درهم على كل عشرة، وليس ذلك بمفسد للبيع. وبه قال ابن عمر، وابن عباس (3). قال ابن عباس: أكره أن أبيع ده يازده وده دوازده، لانه بيع الاعاجم (4). وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك وأكثر الفقهاء: أنه غير مكروه، والبيع صحيح طلق (5)، وروي ذلك عن ابن مسعود وعمر (6). وقال أحمد واسحاق بن راهويه: بيع المرابحة باطل (7). دليلنا: اجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك، ومثل قول ابن عباس رووه في أخبارهم وهي كثيرة ذكرناها في الكتاب الكبير (8).

(1) المدونة الكبرى 3: 123 - 124، ومقدمات ابن رشد 2: 610.
(2) انظرها في الكافي 5: 473 حديث 6 و 8، والتهذيب 8: 171 و 174 حديث 595 و 606، والاستبصار 3: 357 و 359 حديث 1278 و 1286.
(3) المجموع 13: 11، والمغني لابن قدامة 4: 280، والبحر الزخار 4: 377، والشرح الكبير 4: 111.
(4) المصنف لعبد الرزاق 8: 232 حديث 15011، والسنن الكبرى 5: 330.
(5) اللباب 1: 251، والمبسوط 13: 91، والفتاوى الهندية 3: 160، والبحر الزخار 4: 377، والمجموع 13: 4 و 11، والموطأ 2: 668، وبلغة السالك 2: 77، والشرح الكبير 4: 112، والمدونة الكبرى 4: 227، ومقدمات ابن رشد 2: 591، والوجيز 1: 147، والسراج الوهاج: 195، ومغني المحتاج 2: 77، وشرح فتح القدير 5: 253، وفتح العزيز 9: 5.
(6) المجموع 13: 3، والشرح الكبير 4: 112، (7) المجموع 13: 4 و 11، والمغني لابن قدامة 4: 280، والشرح الكبير 4: 112، والبحر الزخار 4: 377.
(8) التهذيب 7: 47 و 54 و 59 حديث 203 و 236 و 254. وانظرها أيضا في الكافي 5: 197 حديث 3 - 4 و 5: 208 حديث 3.

[ 135 ]

مسألة 224: إذا اشترى سلعة بمائة الى سنة، ثم باعها في الحال مرابحة، وأخبر أن ثمنها مائة، فالبيع صحيح بلا خلاف، فإذا علم المشتري بذلك كان بالخيار بين أن يقبضه بالثمن حالا أو يرده بالعيب، لانه تدليس. وبه قال أصحاب الشافعي (1)، وقالوا: لا نص لنا في المسألة، والذي يجئ على المذهب هذا. وقال أبو حنيفة: يلزم البيع بما تعاقدا عليه، ويكون الثمن حالا لانه قد صدق فيما أخبر (2). وقال الاوزاعي: يلزم العقد، ويكون الثمن في ذمة المشتري على الوجه الذي هو في ذمة البائع الى أجل (3). دليلنا على أن له الخيار: ان هذا تدليس وعيب، لان ما يباع بثمن الى أجل لابد أن يكون زائدا في ثمنه على ما يباع حالا، فلما لم يبين كان ذلك تدليسا، وله رده به. مسألة 225: إذا قال: بعتك هذه السلعة بمائة ووضيعة درهم من كل عشرة، كان الثمن تسعين. وإن كان قال: بوضيعة درهم من كل أحد عشر درهما، كان الثمن تسعين درهما ودرهما إلا جزء من أحد عشر جزء من درهم. وحكى أبو الطيب الطبري (4) أن هذه المسألة التي يقول بها أبو ثور، ومحمد

(1) الوجيز 1: 147، والمغني لابن قدامة 4: 285.
(2) المبسوط 13: 78، والمغني لابن قدامة 4: 285.
(3) المجموع 13: 4.
(4) أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري البغدادي، فقيه، اصولي، ولد بآمل طبرستان سنة 348، وسمع الحديث بجرجان ونيسابور وبغداد وتولى القضاء، وتوفي ببغداد في العشرين من شهر ربيع الاخر سنة 450 هجرية. انظر طبقات الشافعية الكبرى 3: 176 - 197، وطبقات الشافعية للشيرازي: 106، وطبقات الشافعية: 15.

[ 136 ]

بن الحسن دون الاخرى التي حكاها البندنيجي (1) في تعليقته. وقال أبو الطيب الطبري: وهكذا إذا قال: بعتك بوضيعة عشر أحد عشرة كان مثل ذلك، وان قال: بعتكها بمائة مواضعة العشرة درهما اختلف الناس فيها. فقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: يكون مبلغ الثمن الذي وقع به البيع، ووجب للبائع على المشتري تسعين درهما ودرهم إلا جزء من أحد عشر جزء من درهم (2). وقال أبو ثور: الثمن تسعون درهما (3)، وبه قال أبو الطيب الطبري في تعليقته. وخطأ أبا حامد الاسفرايني فيها لانه لو باعه مرابحة ربح درهم على كل عشرة كان قدر الربح عشرة، وكان مبلغ الثمن مائة وعشر، فإذا قال: مواضعة درهم من كل عشرة كانت الوضيعة عشرة، فيكون المبلغ تسعين. دليلنا: ما ذكره حذاق العلماء، وهو أن البيع مرابحة ومواضعة، فإذا باعه مرابحة ربح درهم على كل عشرة كان مبلغ الثمن مائة وعشرة، وكان قدر الربح جزء من أحد عشر جزء من الثمن، وجب أن يكون المواضعة حط جزء من احد عشر جزء من الثمن، فإذا كان الثمن مائة حططت منه جزءا، من أحد عشر جزءا ينحط.

(1) أبو علي، الحسن بن عبد الله (عبيد الله) البندنيجي - نسبة الى البندنيجين وهي بلدة مشهورة آنذاك في طرف النهروان من ناحية الجبل من أعمال بغداد - الشافعي، من أصحاب أبي حامد، وله عنه تعليقة مشهورة، فقيه، تولى القضاء، وتوفي ببندنيجين في جمادي الاول من سنة 425 هجرية. انظر طبقات الشافعية: 46، وطبقات الشافعية الكبرى 3: 133 - 134، ومعجم البلدان 1: 499، وتاريخ بغداد 7: 343.
(2) المبسوط 13: 91، وبدائع الصنائع 5: 228، والفتاوى الهندية 3: 165، والمجموع 3: 8 - 9، وفتح العزيز 10: 5 - 6، والسراج الوهاج: 195، والشرح الكبير 4: 112، والمغني لابن قدامة 4: 287.
(3) المجموع 13: 9، والشرح الكبير 4: 112، والمغني لابن قدامة 4: 287.

[ 137 ]

تسعة من تسعة وتسعين، لانها جزء من أحد عشر جزء من تسع وتسعين فيكون تسعين، ويبقى هناك واحد يحط به جزء من أحد عشر جزء من الثمن، فيكون المبلغ ما ذكرناه. وقيل فيه أيضا، قوله: وضيعة درهم من كل عشرة، معناه يوضع من كل عشرة يبقى له درهم من أصل رأس المال. وتقديره: وضيعة درهم بعد كل عشرة، فإذا حصل له تسعون من المائة، ووضعت لكل عشرة درهما، فتضع تسعة ويبقى درهم تضع منه جزء من أحد عشر جزء، فيكون الثمن تسعين ودرهما إلا جزء من أحد عشر جزء من درهم، وعلى هذا ابدا. قالوا: إذا أردت مبلغ الثمن في ذلك، فعقد الباب فيه أن تضيف الوضيعة الى رأس المال للمقابلة، ثم تنظركم قدرهما؟ فما اجتمع فاسقط ذلك القدر من رأس المال وهو الثمن. وبابه إذا قال: رأس مالي عشرون بعتكها برأس مالي مواضعة للعشرة درهمين ونصف، فتضيف الى العشرين قدر الوضيعة وهو خمسة دراهم، فيصير خمسا وعشرين، فتنظركم خمسة من خمسة وعشرين، فإذا هو خمسها فاسقط من رأس المال وهو عشرون الخمس، وهو أربعة، يكون الثمن ستة عشر درهما، وعلى هذه ابدا. وقول أبي ثور أقوى عندي، لانه إذا قال: مواضعة عشرة واحدة أضاف المواضعة الى رأس ماله، ورأس ماله مائة، فيجب فيه عشرة، فيبقى تسعين ولم يضفه الى ما يبقى في يده. ولو قال ذلك لكان الامر على ما قالوه، فأما حمل الوضيعة على الربح وإضافة ذلك الى اصله فهو قياس، ونحن لا نقول به. مسألة 22: إذا قال: هذا علي بمائة، بعتك بربح كل عشرة درهم، فقال: إشتريت، ثم قال: غلطت، إشتريته بتسعين، كان البيع صحيحا. وبه

[ 138 ]

قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وابن أبي ليلى، والشافعي قولا واحدا (1). وحكى أبو حامد المروزي في جامعه وجها آخر أنه لا يجوز (2). وقال مالك: البيع باطل (3). دليلنا: أن المشتري إذا بان له نقصان في الثمن، فقد بان ما ليس له، وذلك لا يفسد البيع، ولان الاصل صحته، وبطلانه يحتاج الى دليل. مسألة 227: إذا ثبت أن البيع صحيح، فلم يلزمه عندنا، انه بالخيار بين أن يأخذه بمائة وعشرة أو يرد، والخيار إليه. وبه قال أبو حنيفة، ومحمد، وأحد قولي الشافعي (4). وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف: يلزمه تسعة وتسعون درهما (5)، وهو قول الشافعي الثاني (6)، وهو قوي، لانه باعه مرابحة. دليلنا على الاول: أن العقد وقع على مائة وعشرة، فإذا تبين نقصانا في الثمن كان ذلك عيبا له رده به أو الرضا به فالخيار إليه في ذلك، ومن ألزمه بدون ذلك فعليه الدلالة، ولو قال له: بعتك برأس مالي وزيادة العشرة واحدا كان القول قول أبي يوسف. مسألة 228: إذا باع سلعة، ثم حط من ثمنه بعد لزوم العقد، وأراد بيعه

(1) مختصر المزني: 84، والمجموع 13: 9 و 11، والسراج الوهاج: 195 - 196، ومغني المحتاج 2: 79، النتف 1: 440.
(2) المجموع 13: 9، وفتح العزيز 9: 13.
(3) مقدمات ابن رشد 2: 592، وفتح العزيز 9: 13.
(4) المبسوط 13: 86، والام 3: 93، والمجموع 13: 11، وفتح العزيز 9: 13 - 14، ومغني المحتاج 2: 79، والسراج الوهاج: 195 - 196، وبداية المجتهد 2: 213.
(5) المبسوط 13: 86، والمجموع 13: 11، وبداية المجتهد 213 2.
(6) الام 3: 93، والمجموع 13: 11، وفتح العزيز 9: 13.

[ 139 ]

مرابحة لم يلزمه حطه، وكان الثمن ما عقد عليه قبل الحط، وكان الحط هبة للمشتري. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يلحق ذلك بالعقد، ويكون الثمن ما بعد العقد (2). دليلنا: أن الثمن قد استقر، فمن قال إن الحط بعد اللزوم يلحق به، فعليه الدلالة. مسألة 229: إذا اشترى ثوبا بعشرة وباعه بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة، فقد ربح خمسة، فإذا أراد بيعه مرابحة أخبر بالثمن الثاني وهو عشرة، ولم يجب عليه أن يخبر بدونه. ووبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: عليه أن يخبر بما قد قام عليه، وهو أن يحط الخمسة التي قد ربحها (4). دليلنا: أنه قد ملك بالثمن الثاني، فوجب أن يجوز له أن يخبر به، ولا يبنى عقد على عقد، لانه لا دليل عليه. مسألة 230: إذا باع عبدا أو سلعة، وقبض المشتري المبيع، ولم يقبض البائع الثمن، يجوز للبائع أن يشتريه منه بأي ثمن شاء، نقدا ونسية، وعلى كل

(1) المجموع 13: 12، وفتح العزيز 9: 10، والمبسوط 13: 84، وشرح فتح القدير 5: 270، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 5: 270.
(2) المبسوط 13: 84، وبدائع الصنائع 5: 222، والمجموع 13: 12، وفتح العزيز 9: 10، والبحر الزخار 4: 378، وشرح فتح القدير 5: 270، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 5: 270.
(3) المجموع 13: 6، والمغني لابن قدامة 4: 284، وفتح العزيز 9: 10، والشرح الكبير 4: 116، وشرح فتح القدير 5: 257.
(4) المبسوط 13: 82، والفتاوى الهندية 3: 163 - 164، وبدائع الصنائع 5: 224، والمغني لابن قدامة 4: 284، والشرح الكبير 4: 117، وفتح العزيز 9: 10، والمجموع 13: 6، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 5: 257 وشرح فتح القدير 5: 257.

[ 140 ]

حال. وبه قال الشافعي (1)، وبه قال في الصحابة ابن عمر، وزيد بن أرقم (2) واليه ذهب أبو ثور (3). وفي أصحابنا من روى أن ذلك لا يجوز (4)، وذهب إليه عائشة، وابن عباس (5) وفي الفقهاء مالك، والاوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه (6). وتفصيل مذهب أبي حنيفة: أن له أن يشتريه منه بمثل ذلك الثمن، أو أكثر منه، فان اشتريه بأقل منه لم يخل من أحد أمرين. إما أن يكون الثمنان معا مما فيه الربا، أو مما لا ربا فيه: فان لم يكن فيهما الربا، إشتراه كيف شاء، فلو باعه بثوبين واشتراه بثوب واحد جاز. وإن كان الثمنان فيهما الربا نظرت، فإن كان الثمنان جنسا واحدا كالطعامين، أو دراهم، أو دنانير لم يجز أن يشتريه بأقل من ذلك الثمن كيلا ولا وزنا ولا حكما. فإن كان النقص كيلا مثل أن باعه بمائة قفيز، واشتراه بخمسين قفيزا لم يجز.

(1) مختصر المزني: 85، والمجموع 13: 4، والمغني لابن قدامة 4: 277، والمبسوط 13: 122، وشرح فتح القدير 5: 208، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 5: 208، وتبيين الحقائق 4: 53، والعقود الدرية 1: 245، والمحلى 9: 47.
(2) المغني لابن قدامة 4: 277، والسنن الكبرى 5: 331، والمحلى 9: 48.
(3) بداية المجتهد 2: 141.
(4) رواه الشيخ الكليني في الكافي 5: 195 حديث 1.
(5) المغني لابن قدامة 4: 277.
(6) المجموع 13: 4، والمغني لابن قدامة 4: 277، والجوهر النقي المطبوع في هامش السنن الكبرى 5: 330، والمبسوط 13: 125، ومقدمات ابن رشد 2: 535، وشرح فتح القدير 5: 207، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 5: 207، وتبيين الحقائق 4: 53، والعقود الدرية 1: 245، والمحلى 9: 48.

[ 141 ]

وإن كان النقص وزنا، مثل أن باعه بمائة درهم، واشتراه بخمسين لم يجز. والحكم أن يبيعه نقدا ويشتريه بذلك الى سنة، أو الى سنة ويشتريه الى سنتين، كل هذا لا يجوز. قال: وإن كان جنسين جاز أن يشتريه بأقل إلا في الذهب والورق، فان القياس يقتضي أنه جائز، لكن لا يجوز استحسانا، وهذا انما يتصور في القيمة، فإذا باعه بمائة درهم لم يجز أن يشتريه بدينار قيمته أقل من مائة. قال: وكل موضع قلنا لا يجوز أن يشتريه البائع من المشتري، فكذلك عبد البائع المأذون له في التجارة، وكذلك مكاتبه ومدبره ومضاربه، وكذلك شريكه إن دفع الثمن من مال الشركة (1). وبه قال أبو يوسف ومحمد (2). قال أبو حنيفة: وكذلك لا يجوز أن يشتريه أبو البائع ولا ولده، وخالفه أبو يوسف ومحمد ها هنا (3). قال: فان عاب العبد في يد المشتري، جاز أن يشتريه منه بأي ثمن شاء. قال: فان خرج العبد عن ملك المشتري نظرت: فان خرج عن ملكه ببيع أو هبة، جاز له أن يشتريه ممن انتقل الملك إليه كيف شاء. وان خرج عن ملكه بالموت الى وارثه لم يجز له أن يشتريه من وارثه (4). والخلاف معه في فصل واحد، وهو إذا كان الجنس واحدا، فأراد أن يشتريه بأقل من ذلك الثمن كيلا أو وزنا أو حكما على ما فصلناه. دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (5) وهذا بيع، وقوله: " إلا أن

(1) المبسوط 13: 122 - 123، والمحلى 9: 48.
(2) المبسوط 13: 123.
(3) و (4) المبسوط 13: 124.
(5) البقرة: 275.

[ 142 ]

تكون تجارة عن تراض منكم " (1) وهذه تجارة عن تراض، ومن منع منه فعليه الدلالة، وأكثر أخبارنا تدل على ما قلناه (2). واحتجوا بما روي: أن رجلا باع من رجل حريرة بمائة، ثم اشتراه بخمسين، فسأل ابن عباس عن ذلك فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة (3). وروى يونس بن أبي اسحاق السبيعي (4) عن امه عالية بنت أيفع (5) قالت: خرجت الى الحج أنا وام محبة (6) فدخلنا على عائشة فسلمنا عليها، فقالت: من أين أنتن؟ فقلنا: من الكوفة - وكأنها أعرضت -، فقالت لها ام محبة: يا ام المؤمنين كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم الى عطائه - وفي بعضها الى العطاء - فأراد أن يبيعها، فاشتريتها منه بستمائة نقدا، فقالت: بئس ما شريت وبئس ما بعت، اخبري زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن يتوب، فقالت: أرأيت أن أخذت رأس

(1) النساء: 29.
(2) انظرها في الكافي 5: 197 حديث 1 - 8 (باب بيع المرابحة)، والتهذيب 7: 47 - 60 (باب بيع النقد والنسيئة).
(3) لم أقف على هذا الحديث في المصادر المتوفرة.
(4) أبو اسرائيل، يونس بن أبي اسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، روى عن أبيه، وأنس، وأبي بردة، وأبي موسى الاشعري وغيرهم وعنه ابنه عيسى والثوري وابن المبارك وآخرون. مات سنة 152 هجرية، وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب 11: 433.
(5) العالية بنت أيفع بن شراحيل (شرحبيل)، ذكرها ابن سعد في طبقاته الكبرى 8: 487 قائلا: دخلت على عائشة وسألتها وسمعت منها. أخبرنا يحيى بن عباد، حدثنا يونس بن أبي اسحاق عن امه العالية بنت أيفع بن شراحيل انها حجت مع ام محبة، فدخلتا على عائشة فسلمتا عليها، وسألتاها، وسمعنا منها.
(6) قال ابن سعد في طبقاته الكبرى 8: 488: ام محبة سألت ابن عباس وسمعت منه، وروى عنها أبو اسحاق السبيعي.

[ 143 ]

مالي؟ قالت: قوله تعالى: " فمن جاء موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف " (1) (2). ورواه أبو اسحاق السبيعي (3) عن امرأته قالت: حججت أنا وام ولد زيد بن أرقم، فدخلنا على عائشة، الحديث (4). والجواب عن خبر عائشة أن راويه عالية بنت أيفع وام محبة. قال الشافعي: هما امرأتان مجهولتان، والمجهول، أضعف من الضعيف المعروف. وقال الطحاوي: عالية بنت أيفع امرأة معروفة زوجة أبي اسحاق السبيعي، ولها ولدان فقيهان. قلنا ليس الكلام على أولادها، وإنما الكلام عليها، فإذا كانت مجهولة لم تتعرف بأولادها. قال الشافعي: وأصل الخبر لا يصح من وجه آخر، وذلك أنه لا يخلو زيد أن يكون قال ذلك اجتهادا أو سمع من النبي صلى الله عليه وآله شيئا وخالفه،

(1) البقرة: 275.
(2) اختلفت الفاظ الحديث حسب اختلاف طرقه وأسانيده وقد ذكر جملة منها البيهقي في سننه الكبرى 5: 331، وقد استدلوا فيه في كتب الفقه كثيرا انظر مثلا كتاب المغني لابن قدامة 4: 277، والمبسوط 13: 122، ومقدمات ابن رشد 2: 535 وغيرها.
(3) عمرو بن عبد الله بن عبيد ويقال: علي، ويقال: ابن أبي شعيرة، أبو اسحاق السبيعي الكوفي، والسبيع بن همدان، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، روى عن خلق كثير من حملة الحديث منهم: سليمان بن صرد، وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وجابر بن سمرة وغيرهم وروى عنه جماعة كثيرة منهم ابنه يونس وابن ابنه اسرائيل بن يونس وابن ابنه الاخر يوسف بن اسحاق وقتادة وسليمان التميمي وغيرهم قيل انه مات سنة ست وعشرين ومائة وقيل: سبع وقيل: ثمان وقيل: تسع وعشرين ومائة. تهذيب التهذيب 8: 63 - 67.
(4) السنن الكبرى 5: 331، وشرح فتح القدير 5: 209.

[ 144 ]

فان كان الثاني فهذا طعن على الصحابي ولا يقولون به. والقول الاول لا يحبط الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله، لانه صادر عن اجتهاد، فعلم بذلك بطلان الخبر، ولو صح، فابن عمر، وزيد بن أرقم يخالفان فيه (1)، فالمسألة خلاف من الصحابة. على أنه لو سلم الخبر من كل طعن، لم يكن فيه دلالة، لان المرأة أخبرت أن زيدا اشترى الجارية الى العطاء، ثم باعها، والشراء الى العطاء باطل، لانه أجل مجهول، والشراء بعد البيع الفاسد باطل، وكذلك نقول. وكلامنا إذا كان البيع صحيحا، يدل على ذلك قولها: (بئس ما شريت وبئس ما بعت) يعني بئس الشراء والبيع معا. مسألة 231: إذا اشترى سلعتين بثمن واحد، فإنه لا يجوز أن يبيع أحدهما مرابحة، ويقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما. وبه قال أبو حنيفة في السلعتين، وأجاز في القفيزين (2). وقال الشافعي: يجوز في الكل (3). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (4)، وأيضا فإن تقويمه ليس هو الذي انعقد البيع عليه، فلا يجوز أن يخبر بذلك شراء، لانه كذب. مسألة 232: إذا باع شيئين صفقة واحدة، أحدهما ينفذ فيه البيع والاخر لا ينفذ فيه البيع، بطل فيما لا ينفذ البيع فيه، وصح فيما ينفذ فيه، سواء كان أحدهما مالا والاخر ليس بمال ولا في حكم المال، مثل أن باع خلا وخمرا أو

(1) تقدم ذلك في أول هذه المسألة فراجع.
(2) المبسوط 3: 81، والفتاوى الهندية 3: 161، وشرح فتح القدير 5: 263 - 264. وفتح العزيز 9: 11، والشرح الكبير 4: 114.
(3) المجموع 13: 14، وفتح العزيز 9: 11، والمغني لابن قدامة 4: 283، والشرح الكبير 4: 114.
(4) الكافي 5: 198 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 136 حديث 590، والتهذيب 7: 55 حديث 139.

[ 145 ]

حرا وعبدا، أو شاة وخنزيرا. وما يكون أحدهما مالا والاخر في حكم المال، مثل أن باع أمته وأم ولده، أو عبده وعبدا موقوفا، أو كان أحدهما ماله والاخر مالا لكنه ملك الغير، الباب واحد. وقال الشافعي: يبطل فيما لا ينفذ فيه البيع قولا واحدا. وهل يبطل في الاخر؟ على قولين: أصحهما عندهم أن البيع يصح في أحدهما (1). وقال أبو حنيفة: إن كان أحدهما مالا والاخر ليس بمال ولا في حكم المال، بطل في المال. وإن كان أحدهما مالا والاخر في حكم المال، صح في المال. وإن كان أحدهما مالا له والاخر لغيره، نفذ في ماله وكان في ماله الغير موقوفا (2). وقال مالك وداود: يبطل فيهما (3). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (4) وهذا بيع فيما يصح أن ينفذ بيعه، فوجب أن يكون صحيحا، فمن أبطله فعليه الدلالة، وعليه اجماع الفرقة، ولا يختلفون فيه. مسألة 233: إذا باع حرا وعبدا، بطل البيع في الحر وصح البيع في العبد. وقال أبو حنيفة: بطل البيع في العبد قولا واحدا (5).

(1) المجموع 9: 381 و 388، والوجيز 1: 140، وفتح العزيز 8: 233 و 237، والمغني لابن قدامة 4: 316، والشرح الكبير 4: 43.
(2) اللباب 1: 247، وشرح فتح القدير 5: 225 - 226، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 5: 225، والمجموع 9: 388، وفتح العزيز 8: 237، والمغني لابن قدامة 4: 316، وتبيين الحقائق 4: 60، والشرح الكبير 4: 44.
(3) المجموع 9: 388، والمغني لابن قدامة 4: 316، والمحلى 9: 16، والشرح الكبير 4: 43.
(4) البقرة: 275.
(5) اللباب 1: 247، وشرح فتح القدير 5: 225 - 226، والمجموع 9: 388، وتبيين الحقائق 4: 60.

[ 146 ]

وعند الشافعي لا يبطل في أحد القولين (1). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (2) وهذا بيع، وقوله تعالى: " إلا أن تكون تجارة عن تراض " (3) وهذه تجارة عن تراض، فمن أبطله فعليه الدلالة. مسألة 234: قد قلنا أنه إذا جمع في الصفقة ما يصح بيعه وما لا يصح، فانه ينفذ فيما يصح، ويبطل فيما لا يصح. وللشافعي فيه قولان على ما مضى (4). فللمشتري الخيار بين أن يرد أو يمسك ما يصح فيه البيع بما يخصه من الثمن الذي يتقسط عليه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (5). والاخر: أن له أن يمسكه بجميع الثمن أو يرد (6). دليلنا: أن جميع الثمن إنما كان في مقابلتهما، ويقسط على الشيئين معا، فإذا بطل بيع أحدهما سقط عنه بحسابه، فمن أوجب الجميع فعليه الدلالة. مسألة 235: إذا اختار امساكه بكل الثمن، فلا خيار للبائع، وإن اختار امساكه بما يخصه من الثمن، فلا خيار له أيضا عندنا. وللشافعي فيه وجهان، أحدهما: مثل ما قلناه. والاخر: له الخيار (7). دليلنا: أن البيع صح من جهته، فمن أثبت له الخيار فعليه الدلالة، ولانه قد دخل مع العلم بأنه لا يسلم له إلا بعض الثمن، وهو ما قابل العبد دون الحر،

(1) المجموع 9: 388 - 389، وفتح العزيز 8: 334.
(2) البقرة: 275.
(3) النساء: 29.
(4) لقد مضى الحديث عنها في المسألة " 232 " فلاحظ.
(5) المجموع 9: 379 - 380، والوجيز 1: 140، وفتح العزيز 8: 225 - 226، والشرح الكبير 4: 44.
(6) المجموع 9: 380، والوجيز 1: 140، وفتح العزيز 8: 254، والشرح الكبير 4: 44.
(7) المجموع 9: 380، وفتح العزيز 8: 258.

[ 147 ]

فلهذا لم يكن له الخيار. مسألة 236: إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن، فقال البائع: بعتكه بألف، وقال المشتري: بخمسمائة، فالقول قول المشتري مع يمينه ان كانت السلعة تالفة، وان كانت سالمة فالقول قول البائع مع يمينه. وقال الشافعي: يتحالفان وينفسخ البيع بينهما أو يفسخ، وسواء كانت السلعة قائمة أو تالفة، وإنما يتصور الخلاف إذا هلكت في يد المشتري، فأما إذا هلكت في يد البائع يبطل البيع (بلا خلاف) (1). وقال الشافعي: رجع محمد بن الحسن الى قولنا وخالف صاحبه (2). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ان كانت السلعة قائمة تحالفا، وان كانت تالفة فالقول قول المشتري لانه غارم (3). وقال مالك: إن كانت تالفة فالقول قول المشتري، وإن كانت قائمة فعنه روايتان: احداهما: القول قول المشتري أيضا (4). والثانية: القول قول من في يده السلعة والاخر مدعى عليه، فان كانت في يد البائع فالقول قوله، وان كانت في يد المشتري فالقول قوله والبائع مدعي (5).

(1) في بعض النسخ المعتمدة: (ولا تحالف).
(2) الام 3: 90، ومختصر المزني: 86 - 87، والمجموع 13: 71 و 76، وفتح العزيز 9: 154، ومغني المحتاج 2: 95، والمحلى 8: 368، والمبسوط 13: 30، وبداية المجتهد 2: 190، والمغني لابن قدامة 4: 288 - 289، والبحر الزخار 4: 412، وتبيين الحقائق 4: 307.
(3) المبسوط 13: 30، والمحلى 8: 368، والمغني لابن قدامة 4: 288 - 289، والمجموع 13: 71 و 76، وبداية المجتهد 2: 190، وفتح العزيز 9: 154، والبحر الزخار 4: 412، وتبيين الحقائق 4: 307.
(4) بداية المجتهد 2: 190، وبلغة السالك 2: 90، والمحلى 8: 368، وفتح العزيز 9: 154، والبحر الزخار 4: 412.
(5) بداية المجتهد 2: 190، وبلغة السالك 2: 90 - 91، وفتح العزيز 9: 154، والمغني لابن قدامة 4: 288 - 289.

[ 148 ]

وقال زفر وأبو ثور: القول قول المشتري، سواء كانت السلعة سالمة أو تالفة (1). دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم (2). وأيضا روى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " (3). والمشتري مدعى عليه وهو المنكر، لانهما قد اتفقا على العقد وانتقال الملك، والمشتري معترف بذلك ويذكران الثمن خمسمائة والبائع يدعي عليه خمسمائة، فوجب أن يكون القول قول المشتري، ولا يلزمنا ذلك مع بقاء السلعة ان القول قول البائع، لانا لو خلينا وظاهر الخبر لقلنا بذلك. ولكن روي عن أئمتنا عليهم السلام أنهم قالوا: " القول قول البائع " (4) فحملناه على انه مع بقاء السلعة. فأما ما رواه ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا اختلف المتبايعان ولا بينة مع واحد منهما والسلعة قائمة تحالفا أو ترادا " (5) فهو خبر واحد

(1) المحلى 8: 360، وبداية المجتهد 2: 190، والبحر الزخار 4: 412.
(2) انظرها في الكافي 5: 174 حديث 1 - 2، ومن لا يحضره الفقيه 3: 171 حديث 765، والتهذيب 7: 26 حديث 109 - 110 و 7: 229 حديث 1001.
(3) الكافي 7: 415 حديث 1، والتهذيب 6: 229 حديث 553، ومن لا يحضره الفقيه 3: 20 حديث 1، والسنن الكبرى 10: 252، والدراية في تخريج احاديث الهداية 2: 175 حديث 840.
(4) أشرنا الى مصادرها في الهامش رقم " 7 " المتقدم من هذه المسألة.
(5) رواه البيهقي في سننه 5: 333 باختلاف يسير في اللفظ فلاحظ. وقال العسقلاني في تلخيص الحبير 3: 31 ما لفظه: " وفي رواية إذا اختلف المتبايعان تحالفا وفي رواية اخرى (تحالفا أو ترادا) أما رواية التحالف فاعترف الرافعي في التذنيب انه لا ذكر لها في شئ من كتب الحديث، وانما توجد في كتب الفقه، وكأنه عنى الغزالي فانه ذكرها في الوسيط، وهو تبع إمامه في الاساليب، واما رواية التراد فرواها مالك بلاغا عن ابن مسعود ورواها احمد والترمذي وابن ماجة باسناد منقطع.. الى آخره ".

[ 149 ]

لا نعرفه، ولا يلزمنا العمل به. وهو معارض بما رواه سفيان بن عيينة (1)، عن محمد بن عجلان (2)، عن عون بن عبد الله (3)، عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار " (4). مسألة 237: إذا اختلفا في شرط يلحق بالعقد يختلف لاجله الثمن، مثل أن قال: بعتكه نقدا، فقال: بل الى سنة. أو قال: الى سنة، فقال: الى سنتين، فلا فصل بين أن يختلفا في أصل الاجل أو في قدره. وكذلك في العين إذا اختلفا في أصله، وكذلك الشهادة. وهكذا في ضمان العهدة، وهو أن يضمن عن البائع الثمن متى وقع

(1) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمن الهلالي، أبو محمد الكوفي سكن مكة، وقيل: ان أباه عيينة هو المكي أبا عمران، روى عن عبد الملك بن عمير وأبي اسحاق السبيعي وزياد بن علاقة وابن عجلان وجمع كثير غيرهم، وروى عنه الاعمش وابن جريح وشعبة والثوري والحسن بن حي وهمام وغيرهم الكثير. ولد سنة (107) وانتقل من الكوفة الى مكة سنة (163) ومات سنة (198). انظر تهذيب التهذيب 4: 117 - 122.
(2) أبو عبد الله، محمد بن عجلان المدني القرشي مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة. روى عن أبيه وانس بن مالك وعون بن عبد الله وغيرهم وعنه صالح بن كيسان وعبد الوهاب بن بخت وابراهيم بن أبي عبلة والسفيانان وغيرهم. مات سنة (148 - أو - 149) ه‍. انظر تهذيب التهذيب 9: 341.
(3) عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله الكوفي، روى عن أبيه وعمه ويوسف بن عبد الله بن سلام والشعبي وغيرهم، وعنه المسعودي وابو العميس ومحمد بن عجلان والزهري وغيرهم. ذكره البخاري فيمن مات بين عشر ومائة الى عشرين ومائة. انظر تهذيب التهذيب 8: 171 - 173.
(4) تلخيص الحبير 3: 30 حديث 1221، وروي الخبر بألفاظ وطرق مختلفة أيضا انظرها في مسند أحمد بن حنبل 1: 466، والسنن الكبرى 5: 332، وسنن أبي داود 3: 285، ومستدرك الصحيحين 2: 45، وسنن الدارقطني 3: 18 - 21.

[ 150 ]

الاختلاف في شئ من هذا، فالقول قول البائع مع يمينه. وقال الشافعي: يتحالفان (1). وقال أبو حنيفة: لا يتحالفان، ويكون القول قول من ينفي الشرط (2). دليلنا: عموم الاخبار، وانه متى اختلف المتبايعان فالقول قول البائع (3). وحديث ابن مسعود المقدم ذكره أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار " (4) وهو على عمومه في كل شئ. مسألة 238: إذا اختلفا في شرط يفسد البيع، فقال البائع: بعتك الى أجل معلوم، وقال المشتري: الى أجل مجهول. أو قال: بعتك بدراهم أو دنانير، فقال: اشتريته بخمر أو خنزيز، كان القول قول من يدعي الصحة، وعلى من ادعى الفساد البينة. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو علي ابن أبي هريرة من أصحابه في الافصاح: فيه وجهان، وصوبه أبو الطيب الطبري (6). دليلنا: أن الاصل في العقد الصحة، فمن ادعى الفساد فعليه الدلالة.

(1) المجموع 13: 81، والوجيز 1: 153، وفتح العزيز 9: 157، وتبيين الحقائق 4: 307، والمغني لابن قدامة 4: 291.
(2) المبسوط 13: 35، والمجموع 13: 81، وتبيين الحقائق 4: 306، والمغني لابن قدامة 4: 291.
(3) انظرها في الكافي 5: 174 حديث 1 - 2، ومن لا يحضره الفيه 3: 171 حديث 765. والتهذيب 7: 26 حديث 109 - 110.
(4) تلخيص الحبير 3: 30 حديث 1221، وروي بألفاظ وطرق مختلفة أيضا انظر ذلك في: مسند أحمد بن حنبل 1: 466، السنن الكبرى 5: 332، وسنن أبي داود 3: 285، ومستدرك الصحيحين 2: 45، وسنن الدارقطني 3: 18 - 21.
(5) المجموع 13: 79، وفتح العزيز 9: 162 و 165.
(6) المجموع 13: 79، وفتح العزيز 9: 165.

[ 151 ]

مسألة 239: إذا باع شيئا بثمن في الذمة، فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع، فعلى الحاكم أن يجبر البائع على تسليم المبيع أولا، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن بعد ذلك، بعد أن يحضر الثمن والمبيع. وقال الشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يجبر البائع، وهو ظاهر كلامه. والثاني: يجبر كل واحد منهما، مثل ما قلناه، وهو الصحيح عندهم. والثالث: لا يجبر واحد منهما (1). وقال أبو حنيفة ومالك: يجبر المشتري على تسليم الثمن أولا (2). دليلنا: على ما قلناه: ان الثمن انما يستحق على المبيع، فيجب أولا تسليم المبيع فيستحق الثمن، فإذا سلم المبيع استحق الثمن، فوجب حينئذ اجباره على تسليمه، فلابد إذا مما قلناه. مسألة 240: إذا كان البيع عينا بعين، فالحكم فيه كالحكم في المسألة الاولى سواء. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يجبر كل واحد منهما على احضار ما عليه. والثاني: لا يجبر واحد منهما، وأيهما تطوع بالدفع أجبر الاخر على التسليم. والثالث: يجبر الحاكم أيهما شاء على التسليم، فإذا سلم أجبر الاخر على

(1) انظر الاقوال الثلاثة في الام 3: 87، ومختصر المزني: 87، والمجموع 13: 84 و 86 و 87، ومغني المحتاج 2: 74، والسراج الوهاج: 193 - 194، والمغني لابن قدامة 4: 292.
(2) الفتاوى الهندية 3: 16، وشرح فتح القدير 5: 108، وشرح العناية على الهداية المطبوع في هامش فتح القدير 5: 109، والمجموع 13: 86، والمغني لابن قدامة 4: 292.

[ 152 ]

التسليم (1). وقال أبو حنيفة: ان كان الثمن دراهم أو دنانير فالحكم فيه كما لو كان في الذمة، لان الاثمان عنده لا تتعين، وان كان من غيرها فالحاكم يجبر من شاء منهما أولا، فإذا دفع دفع الاخر ما عليه (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى. مسأله 241: إذا اختلفا فقال: بعتك هذا العبد بألف درهم، وقال المشتري: بل بعتني هذه الجارية بألف ولم تبعني العبد، وليس هناك بينة، كان القول قول البائع مع يمينه أنه ما باع الجارية، والقول قول المشتري مع يمينه انه ما اشترى العبد، ولا يجب على واحد منهما الجمع بين النفي والاثبات. ولا يكون هذا تحالفا وانما يحلف كل واحد منهما على النفي، فإذا حلف البائع انه ما باع الجارية بقيت الجارية على ملكه كما كانت، وجاز له التصرف فيها. واما المشتري فانه يحلف أنه ما اشترى العبد، فإذا حلف فانه ينظر، فان كان العبد في يد المشتري فانه لا يجوز للبائع مطالبته به لانه لا يدعيه. وان كان في يد البائع فانه لا يجوز له التصرف فيه، لانه معترف بأنه للمشتري وان ثمنه في ذمته، ويجوز له بيعه بقدر الثمن. وبه قال أبو حامد الاسفرايني (3). وقال أبو الطيب الطبري: ذكر أبو بكر ابن الحداد (4) في كتاب الصداق

(1) الام 3: 87، والمجموع 13: 86 - 87، والسراج الوهاج: 194، ومغني المحتاج 2: 74 - 75، والمغني لابن قدامة 4: 292.
(2) المجموع 13: 86، ومغني المحتاج 2: 74، والسراج الوهاج: 194، والمغني لابن قدامة 4: 292.
(3) المجموع 13: 78، وفتح العزيز 9: 156.
(4) محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر، أبو بكر، ابن الحداد المصري البغدادي، ولد يوم موت المزني وأخذ الفقه عن أبي سعيد محمد بن عقيل الفريابي وبشر بن نصر واسماعيل الضرير ويعد من كبار علماء

[ 153 ]

نظير هذه المسألة وقال: يتحالفان، فقال: إذا اختلف الزوجان فقال الزوج: مهرتك أباك، وقالت: مهرتني امي تحالفا. وقال: وكذلك إذا قال: مهرتك أباك ونصف امك، وقالت: بل مهرتني امي ونصف أبي تحالفا، قال: ولا يختلف أصحابنا في ذلك، فسقط ما قال أبو حامد (1). دليلنا على ما قلناه: أن ها هنا دعويين، يجب في كل واحد منهما البينة، فإذا عدمت كان في مقابلتها اليمين، فالبائع إذا ادعى ابتياع العبد كان عليه البينة، فإذا عدمها على المشتري اليمين انه ما اشتراه، وكذلك إذا ادعى المشتري أنه اشترى الجارية كان عليه البينة، فإذا عدمها كان على البائع اليمين، ولا وجه للتحالف في شئ واحد، ولا دليل عليه. مسألة 242: إذا مات المتبايعان، واختلف ورثتهما في مقدار الثمن أو المثمن، فالقول قول ورثة المشتري مع يمينهم في مقدار الثمن، وقول ورثة البائع في الثمن مع اليمين. وقال الشافعي: يتحالفان (2). وقال أبو حنيفة: إن كان المبيع في يد وارث البائع تحالفا، وان كان في يد وارث المشتري كان القول قوله مع يمينه (3). دليلنا: على أن القول قول ورثة المشتري في مقدار الثمن: أنهما قد اتفقا على

الشافعية، تولى قضاء مصر ودخل بغداد سنة عشر وثلاثمائة واجتمع بالصيرفي والاصطخري، صنف كتاب الفروع وغيره، توفي يوم الثلاثاء لاربع بقين من المحرم سنة خمس وأربعين وقيل سنة أربع وأربعين وثلثمائة وعاش تسعا وسبعين سنة وشهورا. انظر طبقات الشافعية الكبرى 2: 112 - 125. (1) فتح العزيز 9: 155 - 156. (2) المجموع 13: 77 - 78، وفتح العزيز 9: 154 - 155، ومغني المحتاج 2: 97.
(3) فتح العزيز 9: 155.

[ 154 ]

البيع، وادعى ورثة البائع ثمنا أكثر مما يذكره ورثة المشتري، فعليه البينة، فإذا عدمت كان على ورثة المشتري اليمين. ودليلنا على أن القول قول ورثة البائع في المثمن: أن الاصل أن لا بيع، فمن ادعى البيع في شئ بعينه فعليه الدلالة، والاصل بقاء ملك البائع على ورثته. مسألة 243: إذا تلف المبيع قبل القبض للسلعة، بطل العقد. وبه قال أبو حنيفة والشافعي (1). وقال مالك: لا يبطل (2). دليلنا: أنه إذا باع، فانما يستحق الثمن إذا قبض المبيع، فإذا تلف، تعذر عليه التسليم، فلا يستحق العوض. مسألة 244: إذا كان الثمن معينا، فتلف قبل القبض، سواء كان من الاثمان أو غيرها، بطل العقد. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: إن كان من غير الاثمان (4) كقولنا، وان كان من الاثمان دراهم أو دنانير لم يبطل (5)، بناء على أصله أن الثمن لا يتعين بالعقد. دليلنا: أنه إذا عين الثمن وعقد عليه العقد، كان مثل السلعة الباقية في تعينه، وإنما لم يتعين إذا كان بثمن بالذمة، فالاصل الذي بنى عليه غير مسلم.

(1) اللباب 1: 231، وعمدة القاري 11: 255، وشرح فتح القدير 5: 116، والمجموع 9: 220 و 13: 89، والوجيز 1: 145، وفتح العزيز 8: 398، والسراج الوهاج: 191، ومغني المحتاج 2: 65 - 66، والمحلى 8: 379، والبحر الزخار 4: 368، والمغني لابن قدامة 4: 237.
(2) المدونة الكبرى 4: 181، ومقدمات ابن رشد 2: 563، والمحلى 8: 379، والوجيز 1: 145، وفتح العزيز 9: 398، وعمدة القاري 11: 255، والبحر الزخار 4: 368.
(3) الوجيز 1: 146، وفتح العزيز 8: 430.
(4) اللباب 1: 254، وشرح فتح القدير 5: 270، وفتح العزيز 8: 430، وبدائع الصنائع 5: 181.
(5) اللباب 1: 254 وشرح فتح القدير 5: 270، وفتح العزيز 8: 430، وبدائع الصنائع 5: 181.

[ 155 ]

مسألة 245: إذا كانت له أجمة يحبس فيها السمك، فحبس فيها سمكا وباعه، لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون الماء قليلا صافيا يشاهد فيه السمك، ويمكن تناوله من غير مؤنة، فالبيع جائز بلا خلاف، فانه مبيع مقدور على تسليمه، وإن كان الماء كدرا بطل البيع، لانه مجهول. والامر الاخر: أن يكون الماء كثيرا صافيا والسمك مشاهدا إلا أنه لا يمكن أخذه إلا بمؤنة وتعب حتى يصطاد، فعندنا أنه لا يصح بيعه، إلا بأن يبيعه مع ما فيه من القصب، أو يصطاد شيئا منه ويبيعه مع ما يبقى فيه، فمتى لم يفعل ذلك بطل البيع. وقال أبو حنيفة والشافعي والنخعي: البيع باطل (1)، ولم يفصلوا. وقال ابن أبي ليلى جائز (2)، وبه قال عمر بن عبد العزيز (3). دليلنا على جواز بيعه مع شئ آخر: اجماع الفرقة، وعلى بطلانه منفردا أيضا ذلك. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن بيع الغرر (4). وهذا غرر، ولان صحة بيعه تحتاج الى دليل شرعي.

(1) مختصر المزني: 87، وعمدة القاري 11: 264، وفتح العزيز 8: 126، والمغني لابن قدامة 4: 294، وشرح فتح القدير 5: 191، وتبيين الحقائق 4: 45، وحاشية رد المختار 5: 60.
(2) و (3) المغني لابن قدامة 4: 294. (4) صحيح مسلم 3: 1153 حديث 1513، وسنن الترمذي 3: 532 حديث 1230، وسنن الدارقطني 3: 15 حديث 46 و 47، ومسند أحمد بن حنبل 1: 302، وسنن الدارمي 2: 251، وسنن النسائي 7: 262 والموطأ 2: 664 حديث 75، وسنن أبي داود 3: 254 حديث 3376، وسنن ابن ماجة 2: 739 حديث 2194 و 2195، والسنن الكبرى 5: 338، ودعائم الاسلام 2: 21، وعيون اخبار الرضا 2: 45 حديث 168.

[ 156 ]

مسألة 246: إذا باع عبدا بيعا فاسدا وتقابضا، فأكل البائع الثمن وفلس، كان على المشتري رد العبد على البائع، وكان اسوة للغرماء. وبه قال أبو العباس بن سريج (1). وقال أبو حنيفة أحق بعين العبد - يعني له إمساكه على قبض الثمن، ويكون ثمنه مقدما على الغرماء - (2). دليلنا: أنه إنما قبضه على أنه ملكه، فإذا لم يكن ملكا له فعليه رده الى مالكه، فمن قال له إمساكه فعليه الدلالة. مسألة 247: إذا قال لرجل: بع عبدك هذا من فلان بخمسمائة، على أن علي خمسمائة، قال أبو العباس: بن سريج يحتمل معنيين، أحدهما: البيع باطل، والثاني: يصح ويكون على الضامن (3). والذي عندي أن هذا بيع صحيح، لانه شرط لا ينافي الكتاب والسنة، والنبي صلى الله عليه وآله قال: " المؤمنون عند شروطهم " (4). مسألة 248: إذا قال له: بع عبدك منه بألف، على أن على فلان خمسمائة، فيه مسألتان. ان سبق الشرط العقد، وعقد البيع مطلقا عن الشرط، لزم البيع ولم يلزم الضامن شئ. وان قارن العقد فقال: بعتك بألف على أن فلانا ضامن خمسمائة، صح

(1) المجموع 9: 377، والشرح الكبير 4: 65، والمغني لابن قدامة 4: 312.
(2) المغني لابن قدامة 4: 312، والمجموع 9: 377، والشرح الكبير 4: 65، والبحر الزخار 4: 384.
(3) المجموع 9: 375، وفتح العزيز 8: 210.
(4) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1146، وكفاية الاخيار 1: 193، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064.

[ 157 ]

البيع بشرط الضمان، فإن ضمن فلان ذلك مضى، وإن لم يضمن كان البائع بالخيار، لانه لم يصح له الضمان. وبه قال أبو العباس (1) وأبو الحسن (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 249: إذا اشترى جارية بشرط أن لا خسارة عليه إذا باعها، أو بشرط أن لا يبيعها، أو لا يعتقها، أو لا يطأها، ونحو هذا كان العقد صحيحا، والشرط باطلا. وبه قال ابن أبي ليلى، والنخعي، والحسن البصري (3). وقال أبو حنيفة والشافعي: الشرط والبيع باطلان (4). وقال ابن شبرمة: البيع جائز، والشرط جائز (5). دليلنا على صحة البيع: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (6) وهذا بيع. وعلى بطلان الشرط: انه مخالف للكتاب والسنة، وكل شرط يخالفهما فهو باطل. وأيضا روي أن عائشة اشترتت بريرة بشرط العتق، ويكون ولائها لمواليها،

(1) حكى الصيدلاني لابي العباس بن سريج في مسألة بنحو ما ذكرها المصنف رحمه الله قائلا: فهل يصح العقد؟ فيه وجهان انظر المجمع 14: 20 - 21.
(2) الظاهر هو أبو الحسن علي بن مسلم بن محمد بن الفتح بن علي السلمي الدمشقي الشافعي. (3) عمدة القاري 11: 288، وشرح فتح القدير 5: 214، وبدائع الصنائع 5: 175، والمجموع 9: 376، وبداية المجتهد 2: 159، والشرح الكبير 4: 61، ومقدمات ابن رشد 2: 545.
(4) مختصر المزني: 87، والمجموع 9: 368 و 376، وفتح العزيز 8: 205، وشرح معاني الاثار 4: 48، وشرح فتح القدير 5: 214، و 217، وعمدة القاري 11: 289، وبداية المجتهد 2: 159، وبدائع الصنائع 5: 175، والاشباه والنظائر للسيوطي: 449 و 453، والشرح الكبير 4: 61، ومقدمات ابن رشد 2: 544.
(5) عمدة القاري 11: 288 - 289، والمجموع 9: 376، وبدائع الصنائع 5: 175، وشرح فتح القدير 5: 214، وبداية المجتهد 2: 159، ومقدمات ابن رشد 2: 545.
(6) البقرة: 275.

[ 158 ]

فأجاز النبي صلى الله عليه وآله البيع وأبطل الشرط، فانه صعد المنبر وقال: " ما بال أقوام يشرطون شروطا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، كتاب الله أحق، وشروطه أوثق " (1). مسألة 250: إذا اشترى جارية شراء فاسدا، ثم قبضها فاعتقها، لم يملك بالقبض ولم ينفذ عتقها، ولا يصح شئ من تصرفه فيها، مثل البيع والهبة والوقف وغير ذلك، ويجب على ردها على البائع بجميع نمائها المنفصل منها. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: يملك بالقبض، ويصح تصرفه فيها، ويجب كل واحد منهما فسخ الملك ورد المبيع على صاحبه (3). دليلنا على ذلك: أنه إذا كان البيع فاسدا فملك الاول باق لم يزل، وإذا لم يزل فكل من تصرف في ملكه بغير إذنه يجب أن لا يصح تصرفه، لانه لا دليل على صحته. مسألة 251: إذا اشترى جارية بيعا فاسدا فوطأها، فانه لا يملكها ووجب عليه ردها، وعليه إن كانت بكرا عشر قيمتها، وإن كانت ثيبا نصف عشر قيمتها. وقال الشافعي: إن كانت ثيبا فمهر مثلها الثيب، وإن كانت بكرا مهر

(1) روي الحديث بألفاظ مختلفة انظرها في صحيح البخاري 3: 95 - 96، وصحيح مسلم 2: 1141 حديث 6، والموطأ 2: 780 حديث 17، والسنن الكبرى 5: 338 وسنن الدارقطني 3: 22 حديث 77.
(2) مختصر المزني: 87، والمجموع 9: 377، وفتح العزيز 8: 212، وشرح فتح القدير 5: 227، وشرح العناية على الهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 227، وتبيين الحقائق 4: 62.
(3) اللباب 1: 246 - 247، وشرح فتح القدير 5: 227 - 233، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 227 و 233، والمجموع 9: 377، وفتح العزيز 8: 212، وتبيين الحقائق 4: 61، والمحلى 8: 421.

[ 159 ]

البكر وأرش الافتضاض (1). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم، فانهم رووا ذلك منصوصا عن الائمة عليهم السلام (2)، وإجماعهم حجة. مسألة 252: إذا حبلت وأتت بولد، كان الولد حرا بالاجماع، وعلى الواطئ قيمة الولد يوم سقط حيا. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: يوم التحاكم (4). دليلنا على ذلك: أنا أجمعنا على وجوب قيمته يوم سقط حيا، ولا دليل على وجوب قيمته يوم المحاكمة، والاصل براءة الذمة، فمن ادعى ذلك فعليه الدلالة. مسألة 253: إذا ملك هذه الجارية فيما بعد بعقد صحيح، وكانت ولدت منه بالعقد الفاسد، فانها تكون ام ولده. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: مثل ما قلناه (5). والثاني: انها لا تصير ام ولده (6). دليلنا: ان له ولدا منها، وثبت له نسب إليه نسبا شرعيا، فوجب أن تكون ام ولده، ولان ظاهر اللغة والشرع يقتضيه، ومن نفاه فعليه الدلالة.

(1) المجموع 9: 368 و 371، وفتح العزيز 8: 213.
(2) انظرها في الكافي 5: 214 حديث 2 و 3 و 5: 468 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 289 حديث 1377، والتهذيب 7: 61 - 62 حديث 266 و 278، و 7: 244 حديث 1064، والاستبصار 3: 80 حديث 270 و 272.
(3) مختصر المزني: 75 و 87، والمجموع 9: 218 و 368 و 371، وفتح العزيز 8: 213.
(4) النتف 2: 737، واللباب 2: 137، والمبسوط 13: 26، وبدائع الصنائع 5: 302 و 7: 151، وشرح فتح القدير 7: 364، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 364، والشرح الكبير 5: 431.
(5) المجموع 9: 371، وفتح العزيز 8: 213.
(6) المجموع 9: 371 - 372، وفتح العزيز 8: 213.

[ 160 ]

مسألة 254: إذا اشترى من رجل عبدا، وشرط البائع على المشتري أن يعتقه، كان العقد صحيا والشرط صحيحا. وهو الذي نص عليه الشافعي في كتبه (1). وروى أبو ثور عنه أنه قال: الشرط فاسد والبيع صحيح. حكاه القاضي أبو حامد عنه، والاول هو المشهور (2). وقال أبو حنيفة: الشرط فاسد والبيع فاسد (3). دليلنا: قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (4). ولانه لا مانع يمنع من كتاب ولا سنة ولا اجماع. مسألة 255: إذا باع دارا واستثنى سكناها لنفسه مدة معلومة جاز البيع وثبت الشطر، وكذلك إذا باع دابة واستثنى ركوبها مدة أو مسافة معلومة صح البيع والشرط. وبه قال الاوزاعي، وأحمد، واسحاق بن خزيمة (5). وقال مالك: يجوز في مدة يسيرة كاليوم واليومين (6). وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يصح البيع في جميع ذلك (7).

(1) الام 3: 88، والمجموع 9: 364 و 366، ومغني المحتاج 2: 33، والسراج الوهاج: 181، والمغني لابن قدامة 4: 309، والشرح الكبير 4: 62، وعمدة القاري 11: 289، وشرح فتح القدير 5: 214.
(2) المجموع 9: 369، وعمدة القاري 11: 289، وفتح العزيز 8: 211.
(3) اللباب 1: 244، وعمدة القاري 11: 289، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 214، وشرح فتح القدير 5: 214، والام 3: 88، والمجموع 9: 366، وفتح العزيز 8: 212، والمغني لابن قدامة 4: 309، والشرح الكبير 4: 62، وبداية المجتهد 2: 159، وتبيين الحقائق 4: 57.
(4) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.
(5) المجموع 9: 369 و 378، وفتح العزيز 8: 209، وعمدة القاري 11: 289.
(6) المجموع 9: 378، وعمدة القاري 11: 289.
(7) اللباب 1: 244 - 245، وعمدة القاري 11: 289، وشرح فتح القدير 5: 217، والمجموع 9: 369 و

[ 161 ]

دليلنا: قول النبي صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم " (1) وهذا شرط، ولانه لا مانع يمنع منه في اشرع من كتاب أو سنة أو اجماع، والاصل جوازه. وروى جابر بن عبد الله أنه باع من رسول الله صلى الله عليه وآله جملا واشترط حملانه الى أهله بالمدينة (2)، وهذا يدل على جوازه. مسألة 256: إذا قال: بعتك هذه الدار وأجرتك هذه الدار الاخرى، فجمع بين البيع والاجارة في صفقة واحدة كان صحيحا، وثبت البيع والاجارة وهو أصح قولي الشافعي (3). والقول الاخر: انهما يبطلان (4). دليلنا: أن البيع والاجارة مباحان، فمن أبطلهما في حال الاجتماع فعليه الدلالة. مسألة 257: إذا باع زرعا بشرط أن يحصده، وكان الزرع مما يجوز بيعه، إما أن يكون قصيلا أو يكون قد عقد الجب واشتد وهو شعير، لان بيع سنبل الشعير جائز، ولا يجوز بيع سنبل لانه في غلاف، كان البيع صحيحا، ووجب عليه أن يحصده له.

(1) 378، وفتح العزيز 8: 209. (1) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.
(2) روى الشيخ أيضا في أماليه 2: 4 نحوه، وأبو داود في سننه 3: 283 حديث 3503 بالفاظ اخرى.
(3) المجموع 9: 388، والسراج الوهاج: 183، ومغني المحتاج 2: 41 - 42، والمغني لابن قدامة 4: 314 - 315، والشرح الكبير 4: 45.
(4) المجموع 9: 388، والسراج الوهاج: 183، ومغني المحتاج 2: 42، وبداية المجتهد 2: 163، والمغني لابن قدامة 3: 315، والشرح الكبير 4: 45.

[ 162 ]

وقال أبو اسحاق المروزي: فيه قولان، أحدهما: يبطلان. والثاني: يصحان، لانه بيع واجارة في صفقة واحدة (1). وقال غيره: لا يصح هذا قولا واحدا (2). دليلنا: أنه لا مانع منه في الشرع، والاصل جوازه. وأيضا قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (3) وهذا شرط. مسألة 258، ما يباع كيلا لا يصح بيعه جزافا وإن شوهد. وقال الشافعي: إذا قال: بعتك هذه الصبرة، وقد شاهدها، بثمن معلوم كان صحيحا (4). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (5)، ولانا أجمعنا على أنه إذا باعه كيلا صح البيع، ولم يدل دليل على أنه إذا باعه جزافا كان صحيحا. مسألة 259: إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم صح البيع. وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: لا يصح (7).

(1) المجموع 9: 373، وفتح العزيز 8: 195، والمغني لابن قدامة 4: 227.
(2) مختصر المزني: 87، والمجموع 9: 373، ومغني المحتاج 2: 31، والسراج الوهاج: 180، وفتح العزيز 8: 195، والمغني لابن قدامة 4: 227.
(3) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064 وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.
(4) المجموع 9: 312، وفتح العزيز 8: 151.
(5) من لا يحضره الفقيه 3: 141 حديث 618، والتهذيب 7: 122 حديث 530 و 531، والاستبصار 3: 102 حديث 355 و 356.
(6) المجموع 9: 313، والوجيز 1: 135، ومغني المحتاج 2: 17، والسراج الوهاج: 175، وفتح العزيز 8: 139 - 140، والبحر الزخار 4: 327.
(7) المبسوط 13: 5، وفتح العزيز 8: 139، والبحر الزخار 4: 327.

[ 163 ]

دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (1) والاصل أيضا جوازه، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 260: إذا قال: بعتك عشرة أقفزة من هذه الصبرة بكذا، صح البيع. وبه قال الشافعي (2). وقال داود: لا يصح (3). دليلنا: الاية (4)، ولا مانع يمنع منه. مسألة 261: إذا قال: بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم صح البيع، إذا لم يرد بمن التبعيض، فان أراد التبعيض لم يصح، لان البعض مجهول. وقال الشافعي: لا يجوز، ولم يفصل (5). دليلنا على جواز ما قلناه: أن الاصل جوازه، والاية (6) تدل عليه، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 262: إذا قال: بعتك نصف هذه الصبرة، أو ثلثها، أو ربعها، لا يصح البيع. وقال الشافعي: يصح (7). دليلنا: ما قدمناه من أن ما يباع كيلا لا يصح بيعه جزافا، وهذا بيع في غير كيل، فوجب أن لا يصح. مسألة 263: إذا قال: بعتك هذه الدار كل ذراع بدينار، كان جائزا. وبه

(1) البقرة: 275.
(2) المجموع 9: 313.
(3) المحلى 9: 20، والمغني لابن قدامة 4: 249، والبحر الزخار 4: 327.
(4) البقرة: 275.
(5) المجموع 9: 313، وكفاية الاخيار 1: 150، وفتح العزيز 8: 143.
(6) البقرة: 275.
(7) المجموع 9: 312، وفتح العزيز 8: 135 و 143.

[ 164 ]

قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا يجوز (2). دليلنا: الاية (3)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 264: إذا قال: هذه الدار مائة ذراع، وقد بعتك عشرة أذرع منها بكذا، كان جائزا. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: لا يجوز (5). دليلنا: الاية (6)، ودلالة الاصل، ولا مانع يمنع منه. ولا ن عشرة أذرع من مائة عشرها، فلا فرق بين أن يقول: بعتك عشرها، وبين أن يقول: عشرة أذرع من مائة. مسألة 265: إذا قال: بعتك من هذه الدار عشرة أذرع، من موضع معين الى حيث ينتهي، كان البيع صحيحا. وللشافعي فيه وجهان، أحدهما: مثل ما قلناه (7). والثاني: انه لا يصح (8).

(1) المجموع 9: 316، وفتح العزيز 8: 143، والمغني لابن قدامة 4: 249 - 250.
(2) المبسوط 13: 6، وبدائع الصنائع 5: 159، وفتح العزيز 8: 143، والمغني لابن قدامة 4: 250، واللباب 1: 225 - 226، وشرح فتح القدير 5: 90.
(3) البقرة: 275.
(4) المجموع 9: 316، وفتح العزيز 8: 136 و 143، والمغني لابن قدامة 4: 249 - 250، وشرح فتح القدير 5: 93.
(5) المبسوط 13: 6، وبدائع الصنائع 5: 159، وفتح العزيز 8: 136 و 143 والمجموع 9: 316، والمغني لابن قدامة 4: 250، والبحر الزخار 4: 328، وشرح فتح القدير 5: 93، وشرح العناية على الهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 93.
(6) البقرة: 275.
(7) المجموع 9: 317، وفتح العزيز 8: 136.
(8) المجموع 9: 316 - 317، وفتح العزيز 8: 136.

[ 165 ]

دليلنا: أنه باعه جزء معلوما من موضع معين، فيجب أن لا يمنع منه مانع، لانه ليس بمجهول. مسألة 266: إذا باع ذراعا معينا من ثوب، كان البيع صحيحا، مثل ما قلناه في الدار. واختلف أصحاب الشافعي، فقال بعضهم مثل ما قلناه (1)، واليه ذهب ابن القفال (2) في التقريب، واختاره أبو الطيب الطبري (3). وقال بعضهم: لا يجوز، ذكره أبو العباس بن القاص (4). دليلنا: الاية (5)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 267: إذا قال: بعتك هذا السمن مع الظرف كل رطل بدرهم، كان جائزا. وقال الشافعي: إن كان وزن كل واحد منهما معلوما، بأن يكون الظرف ربعا أو سدسا أو غير ذلك كان جائزا، وان لم يكن كذلك بطل العقد، لانه إذا باع موازنة يجب أن يكون مقدار المبيع من كل جنس الذي جعل الثمن في مقابلته معلوما، وهذا مجهول (6). دليلنا: الاية (7)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل.

(1) المجموع 9: 317، وفتح العزيز 8: 137.
(2) أبو الحسن، القاسم بن محمد بن علي بن اسماعيل القفال الشاشي الشافعي، فقيه، توفي في حدود سنة 400 هجرية، انظر طبقات الشافعية الكبرى 2: 314، وطبقات الشافعية لابن هداية الله: 38، ومعجم المؤلفين 8: 119.
(3) المجموع 9: 317، وفتح العزيز 8: 137.
(4) فتح العزيز 8: 137 - 138 و 144.
(5) البقرة: 275.
(6) مختصر المزني: 87، والمجموع 9: 318 و 319.
(7) البقرة: 275.

[ 166 ]

مسألة 268: إذا اشترى من رجل عشرة أقفزة من صبرة، فكالها على المشتري وقبضها، ثم ادعى المشتري انه كان تسعة، كان القول قول البائع مع يمينه. وللشافعي فيه قولان، أحدهما وهو الصحيح مثل ما قلناه (1). والثاني: ان القول قول المشتري مع يمينه (2). دليلنا: أن المشتري قد قبض حقه في الظاهر، وانما يدعي الخطأ في الكيل، فعليه البينة. مسألة 269: إجارة الفحل للضراب مكروه، وليس بمحظور، وعقد الاجارة عليه غير فاسد. وقال مالك: يجوز. ولم يكرهه (3). وقال أبو حنيفة والشافعي: إن الاجارة فاسدة، والاجرة محظورة (4). دليلنا: ان الاصل الاباحة، فمن ادعى الحظر والمنع فعليه الدلالة. فاما كراهية ما قلناه فعليه اجماع الفرقة وأخبارهم (5). مسألة 270: بيض ما لا يؤكل لحمه لا يجوز أكله ولا بيعه، وكذلك مني ما لا يؤكل لحمه. وللشافعي فيه وجهان (6).

(1) المجموع 13: 80، وفتح العزيز 9: 171.
(2) المجموع 13: 79، وفتح العزيز 9: 170.
(3) المدونة الكبرى 4: 427، وفتح العزيز 8: 192، وفتح الباري 4: 461.
(4) المجموع 15: 3 - 4، وفتح العزيز 8: 191، والسراج الوهاج: 179، ومغني المحتاج 2: 30، وفتح الباري 4: 461.
(5) الكافي 5: 115 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 3: 105 حديث 433، والتهذيب 6: 354 حديث 1009، والاستبصار 3: 58 حديث 190.
(6) مختصر المزني: 87، والمجموع 9: 253.

[ 167 ]

دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (1)، فانها تتضمن ذكر البيض، فأما المني فإنه نجس عندنا، وما كان نجسا لا يجوز بيعه ولا أكله بلا خلاف. مسألة 271: بيض ما يؤكل لحمه، إذا وجد في جوف الدجاجة الميتة واكتسى الجلد الفوقاني، فإنه يجوز أكله وبيعه. وللشافعي فيه وجهان، أحدهما: مثل ما قلناه. والثاني: لا يجوز (2). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (3)، ودلالة الاصل، وقوله تعالى: " وأحل الله البيع " (4) والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 272: بذر دود القز يجوز بيعه. وللشافعي فيه وجهان (5). دليلنا: الاية (6)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 273: يجوز بيع دود القز، وبيع النحل إذا رآها، ثم اجتمعت في بيتها وحبسها فيه حتى لا يمكنها أن تطير، ثم يعقد البيع عليها. وبه قال الشافعي (7). وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيع دود القز، ولا بيع النحل (8).

(1) يستفاد من عموم الاخبار التي رواها الشيخ الكليني في الكافي 5: 124 (باب المكاسب المحرمة) وفي 6: 348 (باب ما يعرف به البيض)، وما رواه السيد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه: 57، وابن شعبة في تحف العقول: 333، وما رواه أيضا الشيخ المؤلف قدس سره في التهذيب 6: 369 (باب أخبار ما لا يجوز التكسب به) حديث 1067 و 1068 وغيرها.
(2) المجموع 2: 570، والمغني لابن قدامة 1: 91، والشرح الكبير 1: 102.
(3) الكافي 6: 258 حديث 3 و 5 والتهذيب 9: 76 و 78 حديث 322 و 324 و 332.
(4) البقرة: 275.
(5) المجموع 9: 253.
(6) البقرة: 275.
(7) المجموع 9: 253، وبدائع الصنائع 5: 144، وفتح العزيز 8: 118، وشرح فتح القدير 5: 198.
(8) بدائع الصنائع 5: 144، والمجموع 9: 253، والمحلى 9: 31، والبحر الزخار 4: 321، والشرح الكبير

[ 168 ]

دليلنا: الاية (1)، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 274: لا يجوز بيع العبد الابق منفردا، ويجوز بيعه مع سلعة اخرى. وقال الفقهاء بأسرهم: لا يجوز بيعه (2)، ولم يفصلوا. وحكي عن ابن عمر أنه أجازه (3)، وعن محمد بن سيرين أنه قال: ان لم يعلم موضعه لم يجز وان علم موضعه جاز (4). دليلنا على منع بيعه منفردا: اجماع الفرقة، ولانه لا يقدر على تسليمه، ولانه بيع الغرر، فاما جوازه مع السلعة الاخرى فاجماع الفرقة، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 275: إذا باع انسان ملك غيره بغير اذنه، كان البيع باطلا. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: ينعقد البيع، ويقف على اجازة صاحبه (6). وبه قال قوم من أصحابنا (7). دليلنا: اجماع الفرقة، ومن خالف منهم لا يعتد بقوله، ولانه لا خلاف أنه ممنوع من التصرف في ملك غيره، والبيع تصرف.

4: 9، وشرح فتح القدير 5: 198، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 198، وحاشية رد المحتار 5: 58. (1) البقرة: 275.
(2) المجموع 9: 284، والمبسوط 13: 10، والمحلى 8: 391، وبداية المجتهد 2: 156، والمغني لابن قدامة 4: 293، والوجيز 1: 134، وعمدة القاري 11: 264، وفتح الباري 4: 284، وشرح فتح القدير 5: 199.
(3) المجموع 9: 285، والمحلى 8: 391، والمغني لابن قدامة 4: 293.
(4) المحلى 8: 391، والمغني لابن قدامة 4: 293.
(5) المجموع 9: 225 و 261، والوجيز 1: 134، وفتح العزيز 8: 121.
(6) المجموع 9: 261، والوجيز 1: 134.
(7) منهم الشيخ المفيد قدس سره في المقنعة: 94، وابن حمزة في الوسيلة: 707.

[ 169 ]

وأيضا روى حكيم (1)، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن بيع ما ليس عنده (2)، وهذا نص. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا طلاق إلا فيما يملك، ولا عتق إلا فيما يملك، ولا بيع إلا فيما يملك " (3). فنفى عليه السلام البيع في غير الملك، ولم يفصل. مسألة 276: لا يجوز بيع الصوف على ظهور الغنم منفردا. وبه قال أبو حنيفة والشافعي (4). وقال مالك والليث بن سعد: يجوز (5). دليلنا: اجماع الفرقة، ولانه بيع الغرر. وروى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يباع الثمرة حتى يتبين صلاحها، أو يباع صوف على ظهر (6).

(1) حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الاسدي، كان مولده قبل الفيل بثلاث عشرة سنة على اختلاف في ذلك، وعاش مائة وعشرين سنة وتوفي سنة أربع وخمسين ايام معاوية، وشهد بدرا مع الكفار ونجا منهزما، أسد الغابة 2: 40 - 42.
(2) انظر سنن الترمذي 3: 534 حديث 1232 و 1233 وسنن أبي داود 3: 283 حديث 3503، وترتيب مسند الشافعي 2: 143 حديث 478، ومسند أحمد بن حنبل 3: 402 و 434، والسنن الكبرى 5: 267، ولفظ الحديث " لا تبع ما ليس عندك " و " نهاني رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أن أبيع ما ليس عندي ".
(3) المصنف لعبد الرزاق 6: 417 حديث 11456، وسنن الترمذي 3: 486 حديث 1181، ومسند أحمد بن حنبل 2: 207، والسنن الكبرى 7: 318، وسنن الدارقطني 4: 14 حديث 42 باختلاف في الالفاظ.
(4) اللباب 1: 243، وتبيين الحقائق 4: 46، وشرح فتح القدير 5: 192، والمجموع 9: 327 - 328، والبحر الزخار 4: 321، وحاشية رد المحتار 5: 63.
(5) المجموع 9: 328، والبحر الزخار 4: 321 - 322.
(6) سنن الدارقطني 3: 14 حديث 40، والسنن الكبرى 5: 340.

[ 170 ]

والنهي يدل على فساد المنهي عنه. مسألة 277: المسك طاهر يجوز بيعه وشراؤه. وبه قال أكثر الفقهاء (1)، وفي الناس من قال: نجس لا يجوز بيعه، لان دم (2). دليلنا: ان النجاسة حكم شرعي، ولا دلالة في الشرع على نجاسة المسك. وروى أبو سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " أطيب الطيب المسك " (3) ولا خلاف ان النبي صلى الله عليه وآله كان يتطيب به، ولم يكن يتطيب بالنجاسات. مسألة 278: يجوز بيع المسك في فأرة، والاحوط أن يفتح ويشاهد، وبه قال ابن سريج (4). وقال باقى أصحاب الشافعي: لا يجوز بيعه في فأرة حتى يفتح (5). دليلنا: الاية (6)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 279: يجوز بيع الاعمى وشراؤه، سواء ولد أعمى أو عمي بعد صحته. وبه قال أبو حنيفة (7). وقال الشافعي: ان كان ولد أعمى فلا يجوز بيعه وشراؤه في الاعيان، بل يوكل. وإن كان بصيرا ثم عمى، فان باع شيئا أو اشتراه ولم يكن رآه فلا يجوز

(1) المجموع 2: 573 و 9: 306، وعمدة القاري 11: 221، وارشاد الساري 4: 39، وفتح الباري 4: 324.
(2) عمدة القاري 11: 221، والمجموع 9: 306.
(3) انظر ما روي في صحيح مسلم 2: 849 حديث 45، وسنن النسائي 5: 138، ومسند أحمد بن حنبل 3: 36 و 40 و 62 و 6: 186.
(4) المجموع 9: 306.
(5) مخصتر المزني: 87، والمجموع 9: 306، وكفاية الاخيار 1: 154، وارشاد الساري 4: 63.
(6) البقرة: 275.
(7) اللباب 1: 235، وتبيين الحقائق 4: 28، وشرح فتح القدير 5: 146، وشرح العناية على الهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 5: 146، والمجموع 9: 303.

[ 171 ]

بيعه وشراؤه، وان كان قد رآه فان كان الزمان يسيرا لا يتغير في العادة، أو كان الشئ مما لا يفسد في الزمان الطويل مثل الحديد والرصاص جاز بيعه، فان وجد على ما رآه فلا خيار له، وان وجد متغيرا كان بالخيار. وان كان الزمان تطاول والشئ مما يتغير، مثل أن يكون عبدا صغيرا فكبر، أو شجرة صغيرة فكبرت، فان بيعه لا يجوز، لان المبيع مجهول الصفة. هذا إذا قال: ان بيع خيار الرؤية لا يجوز، وإذا قال: انه يجوز بيع خيار الرؤية، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لان بيع خيار الرؤية يتعلق برؤيته، وهذا لا يصح في الاعمى. والثاني: يجوز ويوكل من يصفه، فان رضيه قبضه، وان كرهه فسخ البيع (1). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (2) ولم يخص. وقوله: " واشهدوا إذا تبايعتم " (3) ولم يفرق. وأيضا فإن جماعة من الصحابة كفوا ولم يقل أحد أنهم منعوا من البيع، ولو منعوا لنقل ذلك. مسألة 280، إذا نجش بأمر البائع ومواطاته، وهو أن يزيد في السلعة، ليقتدي به المشتري فيشتريه، يصح البيع بلا خلاف، ولكن للمشتري الخيار. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فقال أبو اسحاق المروزي مثل ما قلناه (4).

(1) مختصر المزني 1: 88، والمجموع 9: 302 - 302 وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 5: 147.
(2) البقرة: 275.
(3) البقرة: 282.
(4) فتح العزيز 8: 225، والمغني لابن قدامة 4: 301.

[ 172 ]

ومنهم من قال: لا خيار له، وهو قول ابن أبي هريرة وظاره قول الشافعي (1). دليلنا: أن هذا تدليس، وعيب وجب أن يثبت الخيار مثل سائر العيوب. وإن قلنا: أنه لا خيار له كان قويا، لان العيب ما يكون بالمبيع، وهذا ليس كذلك، وللبائع والمشتري حكم نفسه فيما يشتريه دون حكم غيره، فإذا اشترى مضى شراؤه. مسألة 281: لا يجوز أن يبيع حاضر لباد، سواء كان بالناس حاجة الى ما معهم، أو لم يكن لهم حاجة، فان خالف أثم، وهو الظاهر من مذهب الشافعي (2). وفي أصحابه من قال: إذا لم يكن بهم حاجة الى ما معهم جاز أن يبيع لهم (3). دليلنا: عموم الخبر في النهي عن ذلك من قوله عليه السلام: " لا يبيعن حاضر لباد " (4). مسألة 282: تلقي الركبان لا يجوز، فان تلقى واشترى كان البائع بالخيار إذا ورد السوق، إلا أن ذلك محدود بأربعة فراسخ، فان زاد على ذلك كان جلبا، ولم يكن به بأس. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: لا يجوز، ولم يحده (5).

(1) الام 3: 91، والمجموع 13: 15، وفتح العزيز 8: 225، ومغني المحتاج 2: 37، والسراج الوهاج: 182، والمغني لابن قدامة 4: 301.
(2) الام 3: 92، والمجموع 13: 20 و 22، وفتح العزيز 8: 218، ومغني المجازي 2: 36، والسراج الوهاج: 181، وفتح الباري 4: 372.
(3) المجموع 13: 20، وفتح العزيز 8: 218، وفتح الباري 4: 372.
(4) صحيح البخاري 3: 95، والكافي 5: 177 حديث 15.
(5) الام 3: 93، والمجموع 13: 23، وفتح العزيز 8: 219، ومغني المحتاج 2: 36، والسراج الوهاج: 182، وفتح الباري 4: 374، والمغني لابن قدامة 4: 305.

[ 173 ]

والثاني: ليس له الخيار (1). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (2). وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن تلقي الجلب، فان تلقى متلق فاشتراه، فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق (3). وهذا نص. مسألة 283: يكره البيع والسلف في عقد واحد، وليس بمحظور ولا فاسد، وهو أن يبيع دارا على أن يقرض المشتري ألف درهم، أو يقرضه البائع ألف درهم، وليس ذلك بمحظور. وقال الشافعي: ذلك حرام (4). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (5). وأيضا الاصل الاباحة، والمنع يحتاج الى دليل. وأيضا البيع صحيح بالانفراد، والقرض صحيح مثله، فمن ادعى أن الجمع بينهما فاسد فعليه الدلالة. مسألة 284: من أقرض غيره مالا على أن يأخذه في بلد آخر، ويكتب له به نسخة كان جائزا. وقال الشافعي: إذا شرط ذلك كان حراما (6). (1)

الام 3: 93، والمجموع 13: 23، وفتح العزيز 8: 219، والمغني لابن قدامة 4: 305.
(2) انظر ذلك في الكافي 5: 169 حديث 4.
(3) سنن أبي داود 3: 269 حديث 3437، وسنن الترمذي 3: 524 حديث 1221.
(4) مختصر المزني: 89، والمجموع 13: 171، وبداية المجتهد 2: 160، وفتح العزيز 9: 384، والمغني لابن قدامة 4: 314. (5) الكافي 5: 205 حديث 9 و 12، والتهذيب 7: 52 حديث 226 و 228.
(6) المجموع 13: 170 و 172، والوجيز 1: 158، وفتح العزيز 9: 375، ومغني المحتاج 2: 120، والمغني لابن قدامة 4: 390، والشرح الكبير 4: 392.

[ 174 ]

دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (1). وأيضا الاصل الاباحة، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 285: يجوز أن يقرض غيره مالا ويرد عليه بدله خيرا منه من غير شرط، سواء كان ذلك عادة، أو لم يكن. وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (2). ومنهم من قال: إذا كان ذلك عادة لا يجوز (3). دليلنا: أن الاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دليل، وعليه اجماع الفرقة وأخبارهم (4). مسألة 286: إذا شرط في القرض أن يرد عليه أكثر منه أو أجود منه فيما لا يصح فيه الربا، مثلا أن يقول اقرضتك ثوبا بثوبين كان حراما. وهو مذهب أكثر أصحاب الشافعي (5). وقال أبو علي في الافصاح: يجوز ذلك كما يجوز في البيع (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله عليه السلام: " كل قرض جر منفعة فهو ربا " (7).

(1) الكافي 5: 255 - 256 حديث 1 و 2.
(2) المجموع 13: 172 - 173، ومغني المحتاج 2: 119، والسراج الوهاج: 211، والمغني لابن قدامة 4: 392، والشرح الكبير 4: 392.
(3) المجموع 13: 173، وفتح العزيز 9: 376 - 377.
(4) الكافي 5: 253 حديث 1 - 6، ومن لا يحضره الفقيه 3: 180 حديث 815 - 816، والتهذيب 6: 200 حديث 447 - 450.
(5) المجموع 13: 172، والوجيز 1: 158، وفتح العزيز 9: 373 - 374، والسراج الوهاج: 211، ومغني المحتاج 2: 119.
(6) ذكره النووي في المجموع 13: 172، من دون نسبة.
(7) السنن الكبرى 5: 350، والمطالب العالية 1: 411 حديث 1373، وتلخيص الحبير 3: 34 حديث 1227، وسبل السلام 3: 872.

[ 175 ]

مسألة 287: إذا لم يجد مال القرض بعينه، وجب عليه مثله. وعليه أكثر أصحاب الشافعي (1). وفيهم من قال: يجب عليه قيمته كالمتلف (2). دليلنا: أنه إذا قضى مثله برئت ذمته، وإذا رد قيمته لم يدل دليل على براءتها. وأيضا فالذي أخذه عين مخصوصة، فمن نقل الى قيمتها فعليه الدلالة. مسألة 288: كلما يضبط بالوصف أو يصح السلم فيه يجوز إقراضه من المكيل، والموزون، والمذروع، والحيوان وغيره. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: لا يجوز القرض في الثياب، ولا في الحيوان، ولا يجوز إلا فيما له مثل من المكيل والموزون (4). دليلنا: عموم الاخبار في جواز القرض، والحث على فعله (5)، والتخصيص يحتاج الى دلالة، وأيضا الاصل الاباحة، والحضر يحتاج الى دليل. مسألة 289: يجوز استقراض الخبز. وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: لا يجوز (7).

(1) المجموع 13: 174، وفتح العزيز 9: 345 - 346.
(2) المجموع 13: 174. (3) المجموع 13: 168، والوجيز 1: 158، وفتح العزيز 9: 358، ومغني المحتاج 2: 118، والسراج الوهاج: 211، والمبسوط 14: 32.
(4) المبسوط 14: 31 - 32، والمغني لابن قدامة 4: 385.
(5) انظرها في الكافي 3: 558 حديث 3 وغيره. ومن لا يحضره الفقيه 3: 116 حديث 494، وثواب الاعمال: 166 حديث 1 - 5.
(6) المجموع 13: 175، وفتح العزيز 9: 365، والسراج الوهاج: 211 والبحر الزخار 4: 393.
(7) المبسوط 14: 31، والمجموع 13: 175، وفتح العزيز 9: 365، والمغني لابن قدامة 4: 389، والشرح الكبير 4: 389، والبحر الزخار 4: 393.

[ 176 ]

وقال أبو يوسف: يجوز وزنا (1). وقال محمد يجوز عددا (2). دليلنا: عموم الاخبار في جواز القرض (3)، ودلالة الاصل. وأيضا هو اجماع، فان الناس يستقرضون من عهد النبي صلى الله عليه وآله الى يومنا الخبز. من غير تناكر بينهم، فمن خالف خالف الاجماع. مسألة 290: ليس لاصحابنا نص في جواز اقراض الجواري، ولا أعرف لهم فيه فتيا، والذي يقتضيه الاصول أنه على الاباحة، ويجوز ذلك سواء كان ذلك من أجنبي أو من ذي رحم لها، ومتى أقرضها ملكها المستقرض بالقرض، ويجوز له وطؤها إن لم تكن ذات رحم محرمة. وبه قال داود، ومحمد بن جرير الطبري (4). وقال الشافعي: يجوز اقراضها من ذي رحمها، مثل أبيها أو أخيها أو عمها أو خالها، لانه لا يجوز لهم وطؤها، فأما الاجنبي ومن يجوز له وطؤها من القرابة فلا يجوز قولا واحدا (5). دليلنا: أن الاصل الاباحة، والحظر يحتاج الى دليل. وأيضا الاخبار التي رويت في جواز القرض والحث عليه عامة في جميع الاشياء (6)، إلا ما أخرجه الدليل. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " الناس مسلطون على

(1) و (2) المبسوط 14: 31.
(3) انظرها في الكافي 3: 558 حديث 3، ومن لا يحضره الفقيه 3: 116 حديث 494، وثواب الاعمال: 166 حديث 1 - 5.
(4) المجموع 13: 169، والبحر الزخار 4: 393.
(5) المجموع 13: 169، والوجيز 1: 158، وفتح العزيز 9: 363، والبحر الزخار 4: 393.
(6) تقدمت الاشارة إليها في هامش المسألتين السابقتين فلاحظ.

[ 177 ]

أموالهم " (1). وقال: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه " (2). وقال الله تعالى: " اوفوا بالعقود " (3) والقرض عقد بلا خلاف. مسألة 291: المستقرض يملك القرض بالقبض. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فمنهم من قال مثل ما قلناه (4). ومنهم من قال: يملك بالتصرف فيه (5). دليلنا على أنه يملك بالقبض: أنه إذا قبض، جاز له التصرف فيه، فلو لم يملكه لم يجز له التصرف فيه. مسألة 292: يجوز للمستقرض أن يرد مال القرض على المقرض بلا خلاف، وأما المقرض فعندنا أن له الرجوع فيه. ولاصحاب الشافعي فيه قولان، أحدهما: مثل ما قلناه (6). ومنهم من قال: إن قلنا يملك بالقبض، فليس له الرجوع، وإن قلنا: يملك بالتصرف، فليس له الرجوع بعد التصرف (7). دليلنا: أنه عين ماله، فكان له الرجوع فيه، لان المنع يحتاج الى دليل. مسألة 293: من كان له على غيره دين من ثمن متاع حالا، أو أجرة، أو صداقا، فحط منه شيئا، أو حط جميعه، كان جائزا، وان أجله لم يصر مؤجلا ويستحب له الوفاء به، سواء كان ذلك ثمنا، أو أجرة، أو صداقا، أو كان

(1) السنن الكبرى 6: 100، وسنن الدارقطني 3: 26 حديث 91.
(2) لم أقف على مصدر هذا الحديث في الوقت الحاضر سوى ما رواه مرسلا العلامة الحلى في التذكرة 1: 489، وما رواه ابن أبي جمهور الاحسائي في عوالي الالي فلاحظ.
(3) المائدة: 1.
(4) المجموع 13: 166، والوجيز 1: 159، وفتح العزيز 9: 388، ومغني المحتاج 2: 120، والسراج الوهاج: 211 (5) الوجيز 1: 159، والمجموع 13: 166، ومغني المحتاج 2: 120، وفتح العزيز 9: 388، والسراج الوهاج: 211 (6) المجموع 13: 167، وفتح العزيز 9: 398، والسراج الوهاج: 311، ومغني المحتاج 2: 120.
(7) المجموع 13: 167، وفتح العزيز 9: 398، ومغني المحتاج 2: 120.

[ 178 ]

قرضا، أو أرش جناية، وان اتفقا على الزيادة لم يصح ولم يثبت، وان حط من الثمن شيئا أو حط جميعه كان ذلك إبراء ولا يلحق بالعقد، ويون إبراء في الوقت الذي أبرأه فيه. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: التأجيل يثبت في الثمن والاجرة والصداق، ويلحق بالعقد، وكذلك الزيادة. وأما الحط فينظر فيه، فان كان لبعض الثمن لحق بالعقد، وان كان لجميع الثمن لم يلحق بالعقد، وكان إبراء من الوقت الذي أبرأه منه. قال: وأما في الدين من جهة القرض أو أرش الجناية فانه لا يثبت فيهما التأجيل ولا الزيادة بحال (2). وقال مالك: يثبت التأجيل في الجميع من الثمن، والاجرة والصداق والقرض وأرش الجناية، وقال في الزيادة مثل قول أبي حنيفة (3). دليلنا: أنه إذا ثبت الحق بأحد الاسباب المتفق عليه، فالزيادة عليه، والحاقها به يحتاج إلى دلالة، والاصل عدمها. مسألة 294: لا يصح بيع الصبي وشراؤه، سواء أذن له فيه الولي أو لم يأذن. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: ان كان بإذن الولي صح، وإن كان بغير إذنه وقف على إجازة الولي (5). دليلنا: ان البيع والشراء حكم شرعي، ولا يثبت الا بشرع، وليس فيه ما يدل على أن بيع الصبي وشراؤه صحيحان.

(1) و (2) و (3) المجموع 13: 165، والمغنى لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 387.
(4) المجموع 9: 158، والوجيز 1: 133، وفتح العزيز 8: 106، وكفاية الاخيار 1: 147.
(5) الفتاوى الهندية 3: 154، وحاشية رد المختار 5: 102، والمجموع 9: 158، وفتح العزيز 8: 106، وبدائع الصنائع 5: 150.

[ 179 ]

وأيضا قوله عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة: " عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ " (1). مسألة 295: الولي إذا كان فقيرا جاز له أن يأكل من مال اليتيم أقل الامرين من كفايته، أو اجرة مثله ولا يجب عليه القضاء. وللشافعي فيه وجهان، أحدهما: مثل ما قلناه. والثاني أن عليه القضاء (2). دليلنا: قوله تعالى: " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " (3) ولم يوجب القضاء. مسألة 296: لا يصح شراء العبد بغير اذن مولاه بثمن في ذمته. وبه قال أبو سعيد الاصطخري من أصحاب الشافعي (4). وقال ابن أبي هريرة: يصح (5). دليلنا: قوله تعالى: " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " (6) والبيع من جملة الاشياء، فوجب أن لا يكون قادرا عليه. مسألة 297: إذا أذن المولى للعبد في التجارة، فركبه دين، فان كان أذن له في الاستدانة قضى مما في يده من المال، وإن لم يكن في يده مال كان على المولى القضاء عنه، وإن لم يكن أذن له في الاستدانة كان ذلك في ذمته، يطالب به

(1) اختلفت ألفاظ الحديث، وأسانيده كثيرة، والمعنى واحد، انظر ما روي في سنن أبي داود 4: 141 حديث 4403، وسنن ابن ماجة 1: 658 حديث 2041، ومسند أحمد بن حنبل 6: 100، والخصال: 93 حديث 40، وتكملة المجموع 20: 290.
(2) المجموع 13: 357، والوجيز 1: 177، وفتح العزيز 10: 293، والمغني لابن قدامة 4: 319.
(3) النساء: 6.
(4) المجموع 14: 396، وفتح العزيز 9: 143.
(5) المجموع 14: 396، وفتح العزيز 9: 142 - 143.
(6) النحل: 75.

[ 180 ]

إذا اعتق. وقال الشافعي: متى أذن له في التجارة، فركبه دين، فان كان في يده مال قضى عنه، وإن لم يكن في يده مال يقضى منه كان في ذمته يتبع به إذا اعتق، ولا يباع فيه (1). وقال أبو حنيفة: يباع العبد فيه إذا طالبه الغرماء ببيعه (2). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم وقد ذكرناها (3). وأيضا فقد ثبت أن العبد لا يملك، فإذا أذن له في التجارة فركبه الدين فلا يجوز أن يباع فيه، لان ملك الغير، وايجاب بيعه والقضاء به يحتاج الى دلالة، والشرع خال منه، والاصل براءة الذمة. مسألة 298: إذا أقر العبد على نفسه بجناية توجب القصاص عليه، أو الحد، لا يقبل إقراره في حق المولى، ولا يقتص منه ما دام مملوكا. وبه قال زفر، والمزني، وداود، وابن جرير (4). وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: يقبل اقراره ويقتص منه (5). دليلنا: اجماع الفرقة، وأيضا فان اقراره على نفسه يتضمن إقرارا على الغير، لانه ملك الغير، فإذا أقر بما يوجب القصاص كان ذلك إقرارا بإتلاف مال الغير، فيجب أن يكون باطلا. مسألة 299: إذا أقر العبد بسرقة توجب القطع، لا يقبل اقراره.

(1) المجموع 14: 396، والوجيز 1: 152، وفتح العزيز 9: 137 - 138.
(2) الوجيز: 152.
(3) التهذيب 6: 200 حديث 445. وانظرها في الكافي 5: 303 حديث 3، والاستبصار 3: 11 حديث 31.
(4) فتح العزيز 11: 93.
(5) الام 6: 217، والمجموع 20: 290، وفتح العزيز 11: 93، والسراج الوهاج: 255، ومغني المحتاج 2: 239.

[ 181 ]

وقال الشافعي: يقبل اقراره قولا واحدا، وتقطع يده (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 300: إذا أقر العبد بمال وقد تلف المال، لا يقبل اقراره. وقال الشافعي: ان كان تالفا فيه وجهان، أحدهما: مثل ما قلناه، وهو الصحيح عندهم. والثاني: يقبل اقراره (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 301: إذا أقر العبد بمال في يده لغير سيده، لا يقبل إقراره. وقال ابن سريج: فيه قولان (3). وفي أصحابه من قال: لا يقبل إقراره قولا واحدا (4). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 302: يجوز بيع كلاب الصيد، ويجب على قاتلها قيمتها إذا كانت معلمة، ولا يجوز بيع غير الكلب المعلم على حال. وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز بيع الكلاب مطلقا، إلا أنه مكروه. فان باعه صح البيع ووجب الثمن، وإن أتلفه متلف لزمته قيمته (5).

(1) المجموع 20: 290، والوجيز 1: 195، وفتح العزيز 11: 92 - 93، والسراج الوهاج: 255، ومغني المحتاج 2: 239.
(2) المجموع 20: 291، والوجيز 1: 195، وفتح العزيز 11: 93، ومغني المحتاج 2: 239.
(3) فتح العزيز 11: 93.
(4) مختصر المزني: 89، المجموع 20: 291، وفتح العزيز 11: 93.
(5) تبيين الحقائق 4: 125 - 126، وشرح فتح القدير 5: 357، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 357، والفتاوى الهندية 3: 114، وبداية المجتهد 2: 126، والام 13: 11، والمجموع 9: 228، والوجيز 1: 133، وفتح العزيز 8: 113، وكفاية الاخيار 1: 148، ومغني المحتاج 2: 11، والمغني لابن قدامة 4: 324، والشرح الكبير 4: 15، والسراج الوهاج: 173، والبحر الزخار 4: 307، وبدائع الصنائع 5: 142 - 143.

[ 182 ]

وقال الشافعي: لا يجوز بيع الكلاب معلمة كانت أو غير معلمة، ولا يجب على قاتلها القيمة (1). دليلنا: اجماع الفرقة، فانهم لا يختلفون فيه، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (2) وقوله: " إلا أن تكون تجارة عن تراض " (3) ولم يفصل. وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب الصيد (4). وهذا نص. مسألة 303: يجوز إجارة كلب الصيد. واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال: لا يجوز اجارته مطلقا، وهو الصحيح عندهم (5). ومنهم من قال: يجوز اجارته، ذهب إليه أبو العباس بن القاص في التلخيص (6). دليلنا: انا قد دللنا على جواز بيعه، وكل من قال بجواز بيعه قال بجواز اجارته.

(1) الام 3: 11 - 12، والمجموع 9: 225 و 228، والوجيز 1: 133، وفتح العزيز 8: 112 - 113، وبداية المجتهد 2: 126، والمغني لابن قدامة 4: 324، والشرح الكبير 4: 15، وتبيين الحقائق 4: 125، وشرح فتح القدير 5: 358، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 358، والبحر الزخار 4: 307، وبدائع الصنائع 5: 142 - 143.
(2) البقرة: 275.
(3) النساء: 29.
(4) سنن الدارقطني 3: 73 حديث 276 و 277، وسنن النسائي 7: 309، والدراية في تخريج أحاديث الهداية 2: 161 حديث 807، والمصنف لعبد الرزاق 4: 280.
(5) المجموع 9: 231 و 15: 3، والوجيز 1: 230، وفتح العزيز 12: 232، ومغني المحتاج 2: 335، والسراج الوهاج: 288، والمغني لابن قدامة 4: 325.
(6) لعدم وجود كتاب التلخيص في أيدينا انظر قوله في المجموع 9: 231 و 15: 3، والوجيز 1: 230، وفتح العزيز 12: 232، والمغني لابن قدامة 4: 325.

[ 183 ]

مسألة 304: يجوز اقتناء الكلب لحفظ البيوت. ولاصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه. وهو الصحيح عند محصليهم (1). ومنهم من قال لا يجوز، لان السنة خصت كلب الصيد، والماشية، والزرع (2). دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم (3). مسألة 305: يجوز اقتناء الكلب لحفظ الماشية، أو الحرث، أو الصيد إن احتاج إليه، وإن لم يكن له في الحال ماشية ولا حرث. ولاصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه (4). والثاني: أنه لا يجوز (5). وقالوا في تربية الجرو - وهو فرخ الكلب - أيضا وجهان (6). دليلنا: ظواهر الاخبار (7)، ولان الاصل الاباحة، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 306: القرد لا يجوز بيعه. وقال الشافعي: يجوز بيعه (8).

(1) المجموع 9: 234، ومغني المحتاج 2: 11، والمغني لابن قدامة 4: 326، والشرح الكبير 4: 16.
(2) الام 3: 11، ومختصر المزني: 90، والمجموع 9: 234، ومغني المحتاج 2: 11، وسبل السلام 4: 1399.
(3) انظر الكافي 5: 126 حديث 2 و 5، ومن لا يحضره الفقيه 3: 105 حديث 434 و 435، والتهذيب 6: 356 حديث 1016 و 1017 و 7: 135 حديث 599 و 9: 80 حديث 340 و 342 و 344.
(4) مختصر المزني: 90 والمجموع 9: 234، ومغني المحتاج 2: 11، والمغني لابن قدامة 4: 326.
(5) الام 3: 11، والمجموع 9: 234، ومغني المحتاج 2: 11.
(6) المجموع 9: 234، ومغني المحتاج 2: 11.
(7) تقدمت الاشارة الى عموم الاخبار في المسألة المتقدمة " 304 " فلاحظ.
(8) المجموع 9: 240، وفتح العزيز 8: 118، والمغني لابن قدامة 4: 328، والشرح الكبير 4: 11.

[ 184 ]

دليلنا: إجماع الفرقة على أنه مسخ نجس، وما كان كذلك لا يجوز بيعه بالاتفاق. مسألة 307: لا يجوز بيع الغراب الابقع اجماعا، والاسود عندنا مثل ذلك، سواء كانت كبارا أو صغارا. وقال الشافعي: الصغار منها على وجهين (2). دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم فانها عامة (2). مسألة 308: لا يجوز بيع شئ من المسوخ مثل القرد، والخنزير، والدب، والثعلب، والارنب، والذئب، والفيل وغير ذلك مما سنبينه. وقال الشافعي: كلما ينتفع به يجوز بيعه مثل القرد، والفيل، وغير ذلك (3). دليلنا: اجماع الفرقة. وأيضا قوله عليه السلام: " ان الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه " (4). وهذه الاشياء محرمة اللحم بلا خلاف إلا الثعلب، فان فيه خلافا، وهذا نص. مسألة 309: الزيت النجس لا يمكن تطهيره بالغسل. واختلف أصحاب الشافعي فيه: فقال أبو اسحاق المروزي، وأبو العباس بن سريج: يمكن غسله وتنظيفه، وهل يجوز بيعه؟ فيه وجهان، والصحيح عندهم أنه لا يجوز (5).

(1) المجموع 9: 18، وفيه التفصيل في حرمة أكله، وما حرم أكله حرم بيعه فلاحظ.
(2) يستفاد ذلك مما رواه السيد المرتضى في رسالته المحكم والمتشابه: 57، والشيخ الصدوق في الخصال: 297 حديث 66.
(3) الام 3: 11 - 12، والمجموع 9: 240، والوجيز 1: 134، وكفاية الاخيار 1: 148، وفتح العزيز 8: 118، والمغني لابن قدامة 4: 328، والشرح الكبير 4: 10.
(4) سنن الدارقطني 3: 7 حديث 20.
(5) المجموع 9: 237 - 238، وفتح العزيز 8: 114، وبداية المجتهد 2: 126.

[ 185 ]

وقال أبو علي ابن أبي هريرة في الافصاح: من أصحابنا من قال: لا يصح غسله كالسمن (1). دليلنا: انا قد علمنا نجاسته بالاتفاق، وطريق تطهيره الشرع، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 310: سرجين ما يؤكل لحمه يجوز بيعه. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع السراجين (2). وقال الشافعي: لا يجوز بيعها. ولم يفصلا (3). دليلنا: على جواز ذلك أنه طاهر عندنا، ومن منع منه فانما منع لنجاسته، ويدل على ذلك بيع أهل الامصار في جميع الاعصار لزروعهم وثمارهم، ولم نجد أحدا كره ذلك، ولا خلاف فيه، فوجب أن يكون جائزا. وأما النجس منه، فلدلالة إجماع الفرقة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " ان الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه " (4). وهذا محرم بالاجماع، فوجب أن يكون بيعه محرما. مسألة 311: لا يجوز بيع الخمر. وبه قال الشافعي (5).

(1) أشار الى هذا القول النووي في مجموعه 9: 238 فلاحظ.
(2) بدائع الصنائع 5: 144، وشرح فتح القدير 5: 203 و 357، والفتاوى الهندية 3: 116، وحاشية رد المحتار 5: 58، والمجموع 9: 230، والوجيز 1: 133، وفتح العزيز 8: 113، والمغني لابن قدامة 4: 327، والشرح الكبير 4: 16.
(3) المجموع 9: 230، والوجيز 1: 133، وفتح العزيز 8: 113، والمغني لابن قدامة 4: 327، والشرح الكبير 4: 16.
(4) سنن الدارقطني 3: 7 حديث 20.
(5) المجموع 9: 227، وفتح العزيز 8: 113، وكفاية الاخيار 1: 148، والمغني لابن قدامة 4: 307، وشرح فتح القدير 5: 213.

[ 186 ]

وقال أبو حنيفة: يجوز أن يوكل ذميا ببيعها وشرائها (1). دليلنا: اجماع الفرقة. وأيضا روي عن عائشة أنها قالت: أن النبي صلى الله عليه وآله حرم التجارة في الخمر (2). وروي عنه انه قال: " ان الذي حرم شربها حرم بيعها " (3). وروى ابن عباس قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمول إليه وشاربها وبائعها ومبتاعها وساقيها (4). وروى جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله عام الفتح بمكة يقول: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام " فقيل: يا رسول الله أفرأيت شحوم الميتة فانه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: " لا، هو حرام " ثم قال: " قاتل الله اليهود، ان الله لما حرم عليهم شحومها، جملوها (5)، ثم باعوها فأكلوا ثمنها " (6).

(1) شرح فتح القدير 5: 213، وتبيين الحقائق 4: 56، والفتاوى الهندية 3: 115، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 213، والمجموع 9: 227، والمغني لابن قدامة 4: 307، والبحر الزخار 4: 308 - 309.
(2) انظر ما رواه مسلم في صحيحه 3: 1206 حديث 70، والدارمي في سننه 2: 255، وابن ماجة في سننه 2: 1122 حديث 3382، والنسائي في سننه 6: 308، وأبو داود في سننه 3: 280 حديث 3490.
(3) صحيح مسلم 3: 1206 ذيل الحديث 68، والموطأ 2: 846 حديث 12، وسنن الدارمي 2: 115 و 256، وسنن النسائي 7: 308.
(4) مسند أحمد بن حنبل 1: 316، ورواه الترمذي في سننه 3: 589 حديث 1295 عن أنس باختلاف يسير في اللفظ.
(5) جملت الشحم وأجملته: إذا أذبته واستخرجت دهنه. وجملت أفصح من أجملت. قاله ابن الاثير في النهاية 1: 298 مادة (جمل). وفي بعض النسخ المعتمدة وكذا في بعض الفاظ الاحاديث " حملوها " بدلا من " جملوها ".
(6) صحيح مسلم 3: 1207 حديث 71، وسنن الترمذي 2: 591 حديث 1297، ورواه النسائي في سننه

[ 187 ]

مسألة 312: يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء. وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه مطلقا (1). وقال مالك والشافعي: لا يجوز بيعه بحال (2). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (3)، وأيضا قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربا " (4) وقوله: " إلا أن تكون تجارة عن تراض " (5) وهذا بيع وتجارة. وأيضا دلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل. وروى أبو علي ابن أبي هريرة في الافصاح أن النبي صلى الله عليه وآله اذن في الاستصباح بالزيت النجس (6)، وهذا يدل على جواز بيعه للاستصباح، وان لغيره لا يجوز إذا قلنا بدليل الخطاب. مسألة 313: يجوز بيع لبن الادميات، وبه قال الشافعي وأحمد (7). وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز (8).

7: 309، وأبو داود في سننه 3: 279 حديث 3486 باختلاف يسير في الفاظه. (1) شرح فتح القدير 5: 357، وحاشية رد المختار 5: 73، والفتاوى الهندية 3: 116، وأحكام القرآن للجصاص 1: 118، والمجموع 9: 238، وفتح العزيز 8: 116 - 117، وبداية المجتهد 2: 126.
(2) المجموع 2: 599، و 9: 38 و 9: 238، والوجيز 1: 133، وفتح العزيز 8: 117، وأحكام القرآن للجصاص 1: 118، وبداية المجتهد 2: 126.
(3) التهذيب 7: 129 حديث 562 و 563.
(4) البقرة: 275.
(5) النساء: 29.
(6) أقول: لم يكن كتاب الافصاح من الكتب المتوفرة بأيدينا، ولكن يدل على ذلك أيضا ما روي عن ائمة الهدى عليهم أفضل التحية والسلام الجواز في بيعه، انظر قرب الاسناد: 60، والكافي 6: 261 حديث 1 و 2، والتهذيب 9: 85 حديث 360 و 362.
(7) المجموع 9: 254، وفتح العزيز 8: 121، والمغني لابن قدامة 4: 330، والشرح الكبير 4: 14، وبدائع الصنائع 5: 145، وشرح فتح القدير 5: 201، وتبيين الحقائق 4: 50، وبداية المجتهد 2: 127.
(8) بدائع الصنائع 5: 145، وشرح فتح القدير 5: 201، وحاشية رد المحتار 5: 71، والفتاوى الهندية

[ 188 ]

دليلنا: الاية (1)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 314: يجوز بيع لبن الاتن (2). وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: اجماع الفرقة، وأيضا فقد ثبت عندنا ان لحم الحمار غير محرم، بل هو مباح، وكل من قال باباحته قال بجواز بيع لبنه. مسألة 315: إذا اشترى كافرا عبدا مسلما، لا ينعقد الشراء، ولا يملكه الكافر. وبه قال الشافعي في الاملاء (3). وقال في الام: يصح الشراء ويملكه، ويجبر على بيعه (4). وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (5). دليلنا: قوله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (6) وهذا عام في جميع الاحكام. مسألة 316: لا يجوز بيع رباع مكة واجارتها، وبه قال أبو حنيفة ومالك (7). وقال الشافعي: يجوز (8).

3: 116، وتبيين الحقائق 4: 50، والمجموع 9: 254، وفتح العزيز 8: 121، والمغني لابن قدامة 4: 330، والشرح الكبير 4: 14. (1) البقرة: 275.
(2) الاتان: الحمارة الانثى خاصة. النهاية: 1: 21 مادة (أتن).
(3) المجموع 9: 355، وفتح العزيز 8: 108، والمغني لابن قدامة 4: 332، والشرح الكبير 4: 47.
(4) حكي في المجموع 9: 355، وفتح العزيز 8: 107 عن الام أيضا.
(5) الفتاوى الهندية 3: 115، والمغني لابن قدامة 4: 332، والشرح الكبير 4: 47، وفتح العزيز 8: 108، والبحر الزخار 4: 301.
(6) النساء: 141.
(7) بدائع الصنائع 5: 146، والفتاوى الهندية 3: 114، وأحكام القرآن للجصاص 3: 229، والمغني لابن قدامة 4: 330، والشرح الكبير 4: 22، والمجموع 9: 248.
(8) المجموع 9: 248، والمغني لابن قدامة 4: 330، والشرح الكبير 4: 23، وبدائع الصنائع.

[ 189 ]

دليلنا: قوله تعالى: " ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد " (1). والمسجد الحرام، اسم لجميع الحرم بدلالة قوله تعالى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى " (2)، وانما اسرى به من بيت خديجة (3)، وروي من شعب أبي طالب (4)، فسماه مسجدا، فدل على ما قلناه. وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: الحرم كله مسجد. ويدل على أن بيعها واجارتها لا يجوز: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " مكة حرام وحرام بيع رباعها وحرام اجرة بيوتها " (5) وهذا نص. وروي عن علقمة بن نضلة الكندي (6) أنه قال: كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر: السوائب لا تباع من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن (7).

(1) الحج: 25.
(2) الاسراء: 1.
(3) رواه القطب الراوندي في الخرائج والجرائح: 15 (الطبعة الحجرية)، وحكاه عنه الشيخ المجلسي في البحار 18: 378 حديث 84 عنه. وحكى أيضا في ص 380 عن السدي والواقدي انه كان في بيت خديجة.
(4) رواه ابن سعد في طبقاته الكبرى 1: 214، والسيوطي في الدر المنثور 4: 149.
(5) سنن الدارقطني 3: 57 حديث 223، والمستدرك على الصحيحين 2: 53.
(6) علقمة بن نضلة بن عبد الرحمن بن علقمة الكناني، ويقال: الكندي، سكن مكة، روى عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن. وقال ابن مندة ذكر في الصحابة وهو من التابعين. قال ابن الاثير الجزري في اسد الغابة 4: 13 - 15.
(7) سنن الدارقطني 3: 58 حديث 230، وسنن ابن ماجة 2: 1037 حديث 3107، واحكام القرآن للجصاص 3: 229.

[ 190 ]

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " منى مناخ من سبق " (1). وعليه اجماع الفرقة وأخبارهم، وهي كثيرة أوردناها في الكتاب الكبير (2)، ولا أعرف خلافا بينهم في ذلك. مسألة 317: إذا وكل مسلم كافرا في شراء عبد مسلم، لم يصح ذلك. وللشافعي فيه قولان (3). دليلنا: قوله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (4). وهذا عام في جميع الاحكام. مسألة 318: إذا قال كافر لمسلم: اعتق عبدك عن كفارتي، فأعتقه، لم يصح إذا كان مسلما، وإن كان كافرا يصح. وقال الشافعي: يصح على كل حال، ويدخل في ملكه، ويخرج منه بالعتق (5)، ولم يفصل. دليلنا: أنا قد بينا أن الكافر لا يصح أن يملك المسلم، والعتق فرع على الملك، فإذا لم يصح ملكه لم يصح عتقه. وإذا كان كافرا جاز أن يملكه، فيصح عتقه، فينتقل إليه بالملك ثم ينعتق. مسألة 319: إذا استأجر كافر مسلما العمل في الذمة، صح بلا خلاف. وإذا استأجره مدة من الزمان شهرا أو سنة ليعمل له عملا، صح أيضا عندنا. واختلف أصحاب الشافعي، ففيهم من قال: فيه قولان كالشراء (6).

(1) المستدرك على الصحيحين 1: 467.
(2) لم نقف عليها في موارد مظانها في كتاب التهذيب، وانظر ما روي في قرب الاسناد: 52 و 65.
(3) المجموع 9: 356، وفتح العزيز 8: 110.
(4) النساء: 141.
(5) المجموع 9: 358، وفتح العزيز 8: 108.
(6) المجموع 9: 359، وفتح العزيز 8: 108.

[ 191 ]

ومنهم من قال: لا يصح قولا واحدا (1). دليلنا: ان الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 320: إذا اشترى رجل من غيره عبدا فقبضه، ثم ظهر به عيب، فإنه يرده بكل عيب يظهر فيه في مدة الثلاثة أيام من حين العقد. وما يظهر بعد الثلاث فإنه لا يرده منه إلا بثلاثة عيوب: الجنون، والجذام، والبرص فإنه يرده بها الى سنة، ولا يرده بعد سنة بشئ من العيوب. وقال الشافعي: لا يرده بشئ من العيوب التي تحدث بعد القبض (2). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (3). وأيضا فقد بينا فيما تقدم أن الخيار في الحيوان ثلاثة أيام شرط أو لم يشرط، وإذا ثبت ذلك فكل عيب يحدث في مدة الثلاثة للمشتري الخيار فيه. وأيضا روى الحسن البصري، عن عقبة بن عامر، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " عهدة الرقيق ثلاثة أيام " (4). مسألة 321: إذا رهن المبيع قبل قبضه من البائع صح رهنه. ولاصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، وهو نص الشافعي في التلخيص (5). والاخر: لا يصح إلا بعد القبض (6). دليلنا: انا قد بينا أنه يملك بالعقد، فإذا ثبت ذلك فلا مانع يمنع من ارهانه ما يملكه، ولا دليل عليه.

(1) المجموع 9: 359.
(2) الام 3: 69، والمجموع 12: 127، وفتح العزيز 8: 331.
(3) انظرها في الكافي 5: 170 حديث 4 و 6، ومن لا يحضره الفقيه 3: 126 حديث 549، والتهذيب 7: 23 - 24 حديث 99 و 103.
(4) سنن الدارمي 2: 251، وسنن أبي داود 3: 284 حديث 3506، ومسند أحمد بن حنبل 4: 152. (5) و (6) المجموع 13: 205.

[ 193 ]

كتاب السلم

[ 195 ]

مسألة 1: يجوز السلم في المعدوم إذا كان مأمون الانقطاع في وقت المحل. وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (1). وقال أبو حنيفة: لا يجوز، إلا أن يكون جنسه موجودا في حال العقد والمحل وما بينهما (2). وبه قال الثوري والاوزاعي (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4). وروى عبد الله بن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة وهم يسلفون في التمر السنة والسنتين والثلاث، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " من سلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، الى أجل معلوم " (5).

(1) المدونة الكبرى 4: 29، ومقدمات ابن رشد 2: 513، وبداية المجتهد 2: 202، والمجموع 13: 98 و 109، ومغني المحتاج 2: 106، والوجيز 1: 155، وكفاية الاخيار 1: 161، والمغني لابن قدامة 4: 361، والشرح الكبير 4: 361، والمحلى 9: 114، وشرح فتح القدير 5: 331 و 335، وتبيين الحقائق 4: 113، وعمدة القاري 12: 67، وبدائع الصنائع 5: 211.
(2) اللباب 1: 260، وبدائع الصنائع 5: 211، وتبيين الحقائق 4: 113، والفتاوى الهندية 3: 180، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 331، والمبسوط 12: 124، والمجموع 3: 98 و 109، وبداية المجتهد 2: 202 والمحلى 9: 114، والمغني لابن قدامة 4: 361، والشرح الكبير 4: 361.
(3) المحلى 9: 114، وبداية المجتهد 2: 202، والمغني لابن قدامة 4: 361، والشرح الكبير 4: 361، وعمدة القاري 12: 67، وشرح فتح القدير 5: 331.
(4) انظر الكافي 5: 184، ومن لا يحضره الفقيه 3: 168، والتهذيب 7: 27، والاستبصار 3: 75.
(5) سنن الترمذي 3: 602، وروي في صحيح البخاري 3: 111، وصحيح مسلم 3: 1227، وسنن

[ 196 ]

وأقرهم على ما كانوا عليه من السلف في التمر سنتين، ونحن نعلم أن التمر ينقطع في خلال هذه المدة. مسألة 2: إذا أسلم في رطب الى أجل، فلما حل الاجل لم يتمكن من مطالبته لغيبة المسلم إليه، أو لغيبته، أو هرب منه، أو توارى من سلطان، وما أشبه ذلك ثم قدر عليه وقد انقطع الرطب، كان المسلف بالخيار بين أن يفسخ العقد وبين أن يصبر الى العام القابل. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، وهو الصحيح عندهم (1). والاخر: أن العقد ينفسخ (2). دليلنا: أن هذا العقد كان ثابتا بلا خلاف، فمن حكم بانفساخه فعليه الدلالة. مسألة 3: السلم لا يكون إلا مؤجلا، ولا يصح أن يكون حالا، قصر الاجل أم طال. وبه قال أبو حنيفة (3). وقال الشافعي: يصح أن يكون حالا إذا اشترط ذلك، أو يطلق فيكون حالا (4).

أبي داود 3: 275 حديث 3463، وسنن النسائي 7: 290، وسنن ابن ماجة 2: 765 حديث 2280، والسنن الكبرى 6: 24 باختلاف يسير في الفاظها. (1) الام 3: 137 - 138، ومختصر المزني: 90، والمجموع 13: 158، والوجيز 1: 155، وكفاية الاخيار. 1: 161، وبداية المجتهد 2: 203، والمغني لابن قدامة 4: 361، والشرح الكبير 4: 361، وفتح العزيز 9: 245.
(2) مختصر المزني 90، والمجموع 13: 158، وكفاية الاخيار 1: 161، وفتح العزيز 9: 245.
(3) المبسوط 12: 125، واللباب 1: 261، والفتاوى الهندية 3: 180، وبدائع الصنائع 5: 212، وعمدة القاري 12: 63، وشرح فتح القدير 5: 335، والمغني لابن قدامة 4: 355، والشرح الكبير 4: 354، وبداية المجتهد 2: 201، وفتح القدير 9: 226.
(4) الام 3: 97، والمجموع 13: 107 - 108 و 140، والوجيز 1: 154، وفتح العزيز 9: 226، وكفاية

[ 197 ]

ومنهم من قال: من شرطه أن يكون حالا، ويكون السلم في الموجود. فأما إذا أسلم في المعدوم، فلا يجوز حالا ولا مؤجلا الى حين لا يوجد فيه، وإنما يجوز الى حين يوجد فيه غالبا (1). وبه قال عطاء، وأبو ثور (2)، وهو اختيار أبو بكر بن المنذر (3). وعن مالك روايتان: احديهما مثل ما قلناه، روى عنه ابن عبد الحكم (4). والاخرى: لابد فيه من أيام يتغير فيه الاسواق، روى عنه ابن القاسم (5). وقال الاوزاعي: إن سميت أجلا ثلاثة أيام فهو بيع السلف، فجعل أقل الاجل ثلاثة أيام (6). دليلنا: اجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف في صحة ما اعتبرناه، وما قاله المخالف ليس عليه دليل. وروى ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من سلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، وأجل معلوم " (7) وروي " الى أجل معلوم " والامر يقتضي الوجوب.

الاخيار 1: 158، والسراج الوهاج: 206، ومغني المحتاج 2: 105، وبداية المجتهد 2: 201، والمغني لابن قدامة 4: 355، والشرح الكبير 4: 354، وبدائع الصنائع 5: 212، وعمدة القاري 12: 63، وشرح فتح القدير 5: 335. (1) عمدة القاري 12: 67.
(2) عمدة القاري 12: 67، والمجموع 13: 140، وشرح فتح القدير 5: 335.
(3) شرح فتح القدير 5: 335، والمجموع 13: 140.
(4) مقدمات ابن رشد 2: 517، وبداية المجتهد 2: 201 - 202، وفتح العزيز 9: 226.
(5) مقدمات ابن رشد 2: 517، وبداية المجتهد 2: 201 - 202، والشرح الصغير المطبوع بهامش بلغة السالك 2: 94.
(6) المغني لابن قدامة 4: 357، والشرح الكبير 4: 355.
(7) تقدمت الاشارة الى مصادر الحديث في المسألة الاولى فلاحظ.

[ 198 ]

مسألة 4: رأس المال إن كان معينا في حال العقد، ونظر إليه، فانه لا يكفي إلا بعد أن يذكر مقداره، سواء كان مكيلا أو موزونا أو مذروعا، ولا يجوز جزافا، وان كان مما يباع كذلك مثل الجوهر، واللؤلؤ، فانه يغني المشاهدة عن وصفه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1)، وهو اختيار أبي اسحاق المروزي في الشرح (2). والثاني لا يصح (3)، وهو اختيار المزني (4)، وهو الصحيح عند سائر أصحابه. وقال أبو حنيفة: إن كان رأس المال من جنس المكيل أو الموزون، لابد من بيان مقداره، وضبطه بصفاته، ولا يجوز أن يكون جزافا. وإن كان من جنس المذروع مثل الثياب، فلا يجب ذلك، ويكفي تعيينه ومشاهدته (5). وقال أصحاب مالك: لا نعرف لمالك نصا (6). دليلنا: ان ما اعتبرناه لا خلاف أنه يصح معه السلم، ولا دليل على صحة ما قالوه، فوجب اعتبار ما قلناه.

(1) المجموع 13: 144، وفتح العزيز 9: 217، ومغني المحتاج 2: 104، والسراج الوهاج: 205. (2) فتح العزيز 9: 218، والمجموع 13: 144.
(3) الام 3: 116، ومختصر المزني: 90، والمجموع 13: 144، وفتح العزيز 9: 218، وبداية المجتهد 2: 203، ومغني المحتاج 2: 104، والسراج الوهاج: 205.
(4) مختصر المزني: 90، والوجيز 1: 154، والمجموع 13: 145، ومغني المحتاج 2: 104، والسراج الوهاج: 205، وفتح العزيز 9: 218.
(5) المبسوط 12: 131 و 133، واللباب 1: 261، والفتاوى الهندية 3: 178، وشرح فتح القدير 5: 338، وتبيين الحقائق 4: 116، وبداية المجتهد 2: 203.
(6) بداية المجتهد 2: 203.

[ 199 ]

مسألة 5: كل حيوان يجوز بيعه يجوز السلم فيه، من الرقيق، والابل، والبقر، والغنم، والحمر، والدواب، والبغال. وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (1). وقال أبو حنيفة: لا يجوز السلم في الحيوان (2). وبه قال الثوري، والاوزاعي (3). دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير (4). وأيضا قال الله تعالى: " وأحل الله البيع " (5) وهذا بيع. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أجهز جيشا، وليس عندنا ظهر، فأمر النبي صلى الله عليه وآله أن يبتاع البعير بالبعيرين وبالابعرة الى خروج المصدق (6)، وهو نص.

(1) الام 3: 118، ومختصر المزني: 91، والمجموع 13: 114، والوجيز 1: 156، وفتح العزيز 9: 285، وبداية المجتهد 2: 200، ومقدمات ابن رشد 2: 512، والسراج الوهاج: 208، ومغني المحتاج 2: 110 - 111، والشرح الكبير 4: 339 - 340، وشرح فتح القدير 5: 327، والمبسوط 12: 131، والمحلى 9: 107، وتبيين الحقائق 4: 112، والشرح الصغير في هامش اقرب المسالك 2: 96، وبلغة السالك 2: 96، جواهر الاكليل 2: 68.
(2) المبسوط 12: 131، واللباب 1: 260، وشرح فتح القدير 5: 327، والفتاوى الهندية 3: 180، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 328، وتبيين الحقائق 4: 112، والمحلى 9: 107، وبداية المجتهد 2: 200، والمجموع 13: 114، وفتح العزيز 9: 285، والمغني لابن قدامة 4: 340، والشرح الكبير 4: 339، والوجيز 1: 156.
(3) المجموع 13: 114، وبداية المجتهد 2: 200 والمغني لابن قدامة 4: 340، وشرح فتح القدير 5: 327، والشرح الكبير 4: 339.
(4) انظرها في التهذيب 7: 41 - 42 حديث 173 و 179، والكافي 5: 220 حديث 1 و 3 و 6، ومن لا يحضره الفقيه 3: 166 حديث 733، والاستبصار 3: 74 - 75 حديث 248 و 249.
(5) البقرة: 275.
(6) رواه الدارقطني في سننه 3: 69 - 70، والبيهقي في سننه الكبرى 5: 287، وابو داود في سننه 3: 250

[ 200 ]

وروي أن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب (1) عليهم السلام باع (علي) جملا له يدعى عصيفيرا بعشرين بعيرا إلى أجل (2). وروى نافع، أن عبد الله بن عمر إشترى راحلة بأربعة أبعرة (مضمونة عليه) يوفيها صاحبها بالربذة (3). وروى القاسم بن محمد، أن عبد الله بن مسعود أسلم في وصائف أحدهم أبو زائدة مولاه (4). وروي عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن السلم في الوصائف؟ فقال: لا بأس. وروى عطاء عن عبد الله بن عباس أنه لم ير بذلك بأسا (5). وهذا يدل على اجماع الصحابة، لانه لمن يرو عن أحد النكير في ذلك. مسألة 6: من شرط صحة السلم، قبض رأس المال قبل التفرق. وبه قال

حديث 3357 والمصنف لعبد الرزاق 8: 22، وتلخيص الحبير 3: 33 بمعناه وبالفاظ مختلفة فلاحظ. (1) الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، روى عن أبيه محمد بن الحنفية وابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهم وعنه عمرو بن دينار، وعاصم بن عمر بن قتادة، والزهري وابان بن صالح وغيرهم، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز وليس له عقب، وقيل سنة (99) وقيل: سنة مائة للهجرة. تهذيب التهذيب 2: 320.
(2) الموطأ 2: 652، والسنن الكبرى 6: 22، المصنف لعبد الرزاق 8: 22 حديث 14142، وتلخيص الحبير 3: 33، والمغني لابن قدامة 4: 341، الام 3: 118.
(3) صحيح البخاري 3: 108 والموطأ 2: 652، والسنن الكبرى 6: 22، وتلخيص الحبير 3: 33، وترتيب مسند الشافعي 2: 161 حديث 556.
(4) ذكره الشافعي في امه 3: 121، وجاء في السنن الكبرى 6: 23 ما لفظه: عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أسلم لعبد الله بن مسعود في وصفاء أحدهم أبو زيادة أو أبو زائدة مولانا.
(5) السنن الكبرى 6: 22، والام 3: 121.

[ 201 ]

أبو حنيفة، والشافعي (1). وقال مالك: إن تفرقا قبل القبض من غير أن يكون تأخير القبض شرطا، كان جائزا، وإن لم يقبضه أبدا، وإن كانا شرطا تأخير القبض، فان كان ذلك اليوم واليومين جاز، وان كان أكثر من ذلك لم يجز (2). دليلنا: أنا أجمعنا على أنه متى قبض الثمن صح العقد، ولم يدل دليل على صحته قبل قبض الثمن، فوجب اعتبار ما قلناه. مسألة 7: لا يجوز أن يؤجل السلم الى الحصاد، والدياس، والجذاذ، والصرام (3). وبه قال أبو حنيفة والشافعي (4). وقال مالك: ذلك جائز (5).

(1) الام 3: 95، ومختصر المزني: 90، والمجموع 13: 106 و 144، والوجيز 1: 154، وكفاية الاخيار 1: 162، وفتح العزيز 9: 208 - 209، والسراج الوهاج: 205، ومغني المحتاج 2: 102، والمبسوط 12: 144، واللباب 1: 262، وشرح فتح القدير 5: 342، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 342، والفتاوى الهندية 3: 179، وحاشية رد المحتار 5: 216، وتبيين الحقائق 4: 117، والمغني لابن قدامة 4: 362، والشرح الكبير 4: 363، والمحلى 9: 110، وبداية المجتهد 2: 201 (2) بداية المجتهد 2: 201، والمحلى 9: 110، والمبسوط 12: 144، وفتح العزيز 9: 208 - 209، والمغني لابن قدامة 4: 362، والشرح الكبير 4: 363، ومقدمات ابن رشد 2: 215، وجواهر الاكليل 2: 66، وبلغة السالك 2: 94، والشرح الصغير في هامش أقرب المسالك 2: 95.
(3) الصرام: الصرم: القطع.
(4) الام 3: 96، ومختصر المزني: 90، والوجيز 1: 155، والمجموع 9: 340 و 13: 136، وفتح العزيز 9: 231، والمغني لابن قدامة 4: 356، والشرح الكبير 4: 358، وبداية المجتهد 2: 201 - 202، والمبسوط 12: 125، واللباب 1: 261، وشرح فتح القدير 5: 338، وتبيين الحقائق 4: 115، وكفاية الاخيار 1: 161، وفتح الباري 4: 435.
(5) بداية المجتهد 2: 201 - 202، والوجيز 1: 155، وفتح العزيز 9: 231، والمغني لابن قدامة 4: 356، والشرح الكبير 4: 358، وفتح الباري 4: 435. والمجموع 9: 340، وجواهر الاكليل 2: 69، واقرب المسالك 2: 98، والشرح الصغير 2: 98.

[ 202 ]

دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (1). وأيضا فإذا عين أجلا معلوما، فلا خلاف في صحة العقد، ولا دليل على صحته إذا ذكر ما قاله المخالف. وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال: لا تبايعوا الى الحصاد ولا الى الدياس، ولكن الى شهر معلوم (2) وهذا نص. مسألة 8: إذا جعل محله في يوم كذا، أو في شهر كذا، أو في سنة كذا، جاز، ولزمه بدخول الشهر واليوم والسنة. وبه قال ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي نصا (3)، وباقي أصحابه لا يجوزونه (4)، لانه جعل اليوم ظرفا لحلوله، ولم يبين، فيصير تقديره يحل في ساعة من ساعاته، ووقت من أوقاته، وذلك لا يجوز. دليلنا: أن هذا معلوم، وليس بمجهول، لانه إذا كان اليوم معلوما، وأوله معلوما وهو طلوع الفجر، وجب بطلوعه، فصار الوقت والساعة معلومين. وكذلك إذا كان الشهر معلوما، وأوله معلوما، فليس ذلك بمجهول، فبطل قول المخالف. مسألة 9: إذا كان السلم مؤجلا، فلابد من ذكر موضع التسليم، فإن كان في حمله مؤنة، فلابد من ذكره أيضا. وللشافعي في ذكر الموضع قولان:

(1) الكافي 5: 184 حديث 1، والتهذيب 7: 27 حديث 116، ومن لا يحضره الفقيه 3: 167 حديث 740.
(2) رواه الشافعي في امه 3: 96، وابن قدامة في المغني 4: 356، والشرح الكبير 4: 359.
(3) المجموع 13: 136، والوجيز 1: 155، وفتح العزيز 9: 238.
(4) مختصر المزني: 90 - 91، ومغني المحتاج 2: 106، والمجموع 13: 136، والوجيز 1: 155، وفتح العزيز 9: 238.

[ 203 ]

أحدهما: يجب ذكره (1)، واليه ذهب أبو اسحاق في الشرح، قال: فإذا أخل به بطل السلم (2). والثاني: لا يجب ذكره (3)، واليه ذهب القاضي أبو حامد في جامعه، وقال: أولى القولين أنه يجب ذكره (4)، وهكذا ذكر أبو علي في الافصاح. وأما المؤنة إن كانت، وجب ذكرها، ذكره ابن القاص (5). وقال أبو الطيب الطبري: الصحيح أنه يجب ذكر الموضع والمؤنة (6). دليلنا: طريقة الاحتياط، لانه إذا ذكر الموضع والمؤنة صح السلم بلا خلاف، وإذا لم يذكرهما فلا دليل على صحته. مسألة 10: يجوز السلم في الاثمان، مثل الدراهم والدنانير إذا كان رأس المال من غير جنسهما، مثل الثياب، والحيوان أو غيرهما. وبه قال الشافعي (7). وقال أبو حنيفة: لا يجوز السلم في الاثمان (8). دليلنا: عموم الاخبار المتضمنة لذكر السلم، مثل قوله عليه السلام: " من

(1) المجموع 13: 143، والسراج الوهاج: 206، وكفاية الاخيار 1: 161، وفتح العزيز 9: 252، والمحلى 9: 110، والمغني لابن قدامة 4: 368، والشرح الكبير 4: 369.
(2) فتح العزيز 9: 253.
(3) المجموع 13: 143، وفتح العزيز 9: 252، والمغني لابن قدامة 4: 367، والشرح الكبير 4: 369.
(4) فتح العزيز 9: 252.
(5) المجموع 13: 143، وفتح العزيز 9: 252.
(6) فتح العزيز 9: 252.
(7) الام 3: 98، وفتح العزيز 9: 316 - 317، وعمدة القاري 12: 62، والمغني لابن قدامة 4: 367، والشرح الكبير 4: 367، والبحر الزخار 4: 406.
(8) المبسوط 12: 182، وعمدة القاري 12: 62، وشرح فتح القدير 5: 325، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 325، وحاشية رد المحتار 5: 209، وتبيين الحقائق 4: 111، وفتح العزيز 9: 316، والفتاوى الهندية 3: 180، والبحر الزخار 4: 406.

[ 204 ]

سلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم " (1) ولم يفرق، وهي على عمومها. وقوله تعالى: " وأحل الله البيع " (2) وهذا بيع. وأيضا دلالة الاصل. مسألة 11: إذا سلف دراهم في دراهم، أو في دنانير مطلقا، كان باطلا. وقال الشافعي: إذا أطلق كان حالا، فان قبضه في المجلس وقبضه رأس المال جاز (3). وهو اختيار أبي الطيب الطبري (4). وفي أصحابه من قال:: لا يجوز (5). دليلنا: ما قدمناه من أن السلم لا يصح إلا مؤجلا (6)، فإذا ثبت ذلك لا يصح في الدراهم مع الدنانير، والدراهم مع الدراهم، لان الصرف لا يجوز فيه التأخير أصلا بالاجماع. مسألة 12: لا يجوز السلم في اللحوم. وقال الشافعي: يجوز في اختلافها إذا ذكر أوصافها (7). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (8)، ولان ذلك لا يمكن ضبطه بالصفة من

(1) تقدمت الاشارة الى بعض مصادر الحديث في المسألة الاولى من هذا الكتاب فلاحظ.
(2) البقرة: 275.
(3) المجموع 13: 106 - 107، وفتح العزيز 9: 210 و 212، وعمدة القاري 12: 62، والبحر الزخار 4: 406 (4) المجموع 13: 106.
(5) عمدة القاري 12: 62، وفتح العزيز 9: 212.
(6) تقدم في المسألة " 3 " من هذا الكتاب فراجع.
(7) الام 3: 110 و 138، والسراج الوهاج: 208، والوجيز 1: 157، ومختصر المزني: 91، والمجموع 13: 113، وفتح العزيز 9: 297، وبداية المجتهد 2: 200، والمغني لابن قدامة 4: 342، والشرح الكبير 4: 342.
(8) الكافي 5: 222 حديث 12، ومن لا يحضره الفقيه 3: 167 حديث 738، والتهذيب 7: 45 حديث 193.

[ 205 ]

السمن والهزال، لانه لا ينحصر، وذلك يؤدي الى كونه مجهولا. مسألة 13: الاقالة فسخ في حق المتعاقدين، سواء كان قبل القبض أو بعده، وفي حق غيرهما. وبه قال الشافعي (1). وقال مالك: الاقالة بيع (2). وقال أبو حنيفة: في حق المتعاقدين فسخ، وفي حق غيرهما بيع (3). وفائدته في وجوب الشفعة بالاقالة، فعند أبي حنيفة يجب الشفعة بالاقالة، وعندنا وعند الشافعي لا تجب. وقال أبو يوسف: الاقالة فسخ قبل القبض، وبيع بعده، إلا في العقار، فان الاقالة بيع فيها، سواء كان قبل القبض أو بعده (4)، لان بيع العقار جائز قبل القبض وبعده عنده. دليلنا: ما روى أبو صالح (5) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أقال نادما في بيع أقاله الله نفسه يوم القيامة (6). واقالة نفسه هي العفو والترك، فوجب أن يكون الاقالة في البيع هي الترك والعفو. وأيضا فلو كان الاقالة بيعا، لوجب أن يكون الى المتبايعين نقصان الثمن

(1) الام 3: 93 و 133، ومختصر المزني: 92، والمجموع 13: 160.
(2) المدونة الكبرى 4: 69 و 76، والمجموع 13: 160.
(3) اللباب 1: 250، وشرح فتح القدير 5: 246، وبدائع الصنائع 5: 215، والفتاوى الهندية 3: 156، وشرح العناية بهامش شرح فتح القدير 5: 246، والمجموع 13: 160، وتبيين الحقائق 4: 119.
(4) بدائع الصنائع 5: 215، و 218، وشرح فتح القدير 5: 247 و 250، وشرح العناية على الهداية 5: 247، والمجموع 13: 160. (5) مشترك بين عدة، ولا يمكن التحديد منهما.
(6) السنن الكبرى 6: 27، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 243 باختلاف يسير في اللفظ.

[ 206 ]

وزيادته، والتأجيل والتعجيل، فلما أجمعنا على أن الاقالة لا يصح فيها شئ من ذلك، دل على أنها ليست ببيع. وأيضا لو كانت الاقالة بيعا لم يصح الاقالة في السلم، لان البيع في السلم لا يجوز قبل القبض، فلما صحت الاقالة فيه إجماعا، دل على أنها ليست ببيع. وأيضا فقد أجمعنا على أن رجلا لو اشترى عبدين، فمات أحدهما، ثم تقايلا، صحت الاقالة. فلو كانت بيعا وجب أن لا يصح، لان بيع الميت مع الحي لا يصح. مسألة 14: إذا أقاله بأكثر من الثمن، أو بأقل، أو بجنس غيره، كانت الاقالة فاسدة، والمبيع على ملك المشتري كما كان. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يصح الاقالة، ويبطل الشرط (2). دليلنا: أن كل من قال بأن الاقالة فسخ على كل حال، قال بهذه المسألة، فالفرق بين الامرين خارج عن الاجماع. مسألة 15: تصح الاقالة في بعض السلم، كما تصح في جميعه. وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، وبه قال عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحكم بن عيينة، وفي الصحاب عبد الله بن عباس، وقال: لا بأس به، وهو من المعروف، وهو اختيار أبي بكر بن المنذر (3). وقال مالك، وربيعة، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك (4).

(1) المجموع 13: 160، والبحر الزخار 4: 409.
(2) شرح فتح القدير 5: 248 - 249، والفتاوى الهندية 3: 156، وشرح العناية بهامش شرح فتح القدير 5: 249، والمجموع 13: 160، والبحر الزخار 4: 409.
(3) مختصر المزني: 92، والمجموع 13: 160، وشرح فتح القدير 5: 353، وبدائع الصنائع 5: 215، والمغني لابن قدامة 4: 372، والشرح الكبير 4: 272، وبداية المجتهد 2: 204.
(4) بداية المجتهد 2: 204، والمجموع 13: 160، والمغني لابن قدامة 4: 372، والشرح الكبير 4: 372، والمدونة الكبرى 4: 78.

[ 207 ]

وكره أحمد بن حنبل ذلك (1)، وقال أبو بكر بن المنذر: هو قول ابن عمر، والحسن البصري، وابن سيرين، والنخعي (2). دليلنا: ما رويناه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من أقال نادما في بيع أقاله الله نفسه يوم القيامة " (3) وهذا إقالة. وروي عن ابن عباس أنه قال: لا بأس بذلك، وهو من المعروف (4)، ولا مخالف له. مسألة 16: إذا أقاله جاز أن يأخذ مثل ما أعطاه من غير جنسه، مثل أن يكون أعطاه دنانير، فيأخذ دراهم أو عرضا، فيأخذ دراهم وما أشبه ذلك. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يأخذ بدله شيئا آخر إستحسانا (6). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (7) وقوله: " أوفوا بالعقود " (8) وهذا عام.

(1) و (2) المغني لابن قدامة 4: 372، والشرح الكبير 4: 372.
(3) السنن الكبرى 6: 27، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 243 حديث 5007 باختلاف يسير في اللفظ.
(4) المغني لابن قدامة 4: 372، والشرح الكبير 4: 372، وقال الشافعي في امه 7: 108 (ان ابا حنيفة كان يقول هو جائز، بلغنا عن عبد الله بن عباس انه قال ذلك المعروف الحسن الجميل) وقال الشافعي أيضا: (وقد سئل عن هذا ابن عباس فلم ير به بأسا وقال هذا المعروف الحسن الجميل).
(5) الام 3: 132، والمجموع 13: 161، والمغني لابن قدامة 4: 373، والشرح الكبير 4: 373، وتبيين الحقائق 4: 119.
(6) شرح فتح القدير 5: 249 - 250، وبدائع الصنائع 5: 214، وتبيين الحقائق 4: 119، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 249 - 250، والمغني لابن قدامة 4: 373، والشرح الكبير 4: 373.
(7) البقرة: 275.
(8) المائدة: 1.

[ 208 ]

وقول النبي صلى الله عليه وآله: " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (1). ولم يفرق، فو على عمومه. مسألة 17: إذا أسلف في شئ، فلا يجوز أن يشرك فيه غيره، ولا أن يوليه بالشركة، وهو أن يقول له رجل: شاركني في نصفه بنصف الثمن. والتولية أن يقول: ولني جميعه بجميع الثمن، أو ولني نصفه بنصف الثمن، فلا يجوز. وبه قال أبو حنيفة والشافعي (2). وقال مالك: يجوز ذلك (3). دليلنا: أن جواز ذلك يحتاج الى دليل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن بيع ما لم يقبض (4). وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه (5). وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من أسلم في شئ فلا يصرفه الى غيره " (6).

(1) ذكره ابن قدامة في الشرح الكبير 4: 165، وقد ورد في أكثر كتب الحديث بلفظ آخر نصه: " إذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم ". انظر على سبيل المثال صحيح مسلم 3: 1211 حديث 81، والسنن الكبرى 5: 284، وغيرهما الكثير.
(2) الام 3: 77 و 93، والمجموع 13: 156، واللباب 1: 263، وشرح فتح القدير 5: 345، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 345، وتبيين الحقائق 4: 118، والمغني لابن قدامة 4: 241 و 370، والشرح الكبير 4: 370.
(3) المغني لابن قدامة 4: 241 و 370، والشرح الكبير 4: 370، والبحر الزخار 4: 400.
(4) سنن الترمذي 3: 586 حديث 1291، والسنن الكبرى 5: 312، وسنن الدارقطني 3: 8 حديث 25.
(5) صحيح البخاري 3: 90، وصحيح مسلم 3: 1160 حديث 32، وسنن أبي داود 3: 281 حديث 3492، وسنن النسائي 7: 285، وسنن ابن ماجة 2: 749، والموطأ 2: 640 حديث 2226، ومسند أحمد بن حنبل 2: 63 - 64، والسنن الكبرى 5: 312.
(6) سنن الدارقطني 3: 45 حديث 187، والسنن الكبرى 6: 30 وفيه من أسلف.

[ 209 ]

والتولية، والشركة بيع قبل القبض، وصرف للمسلم فيه قبل قبضه، فوجب أن لا يصح لعموم الخبر. مسألة 18: إذا قال المسلم للمسلم إليه: عجل لي حقي وأنا آخذ دون ما أستحقه، أو أدلي منه بطيبة من نفسه، كان جائزا. وقال الشافعي: لا يجوز (1). دليلنا: أن الصلح والتراضي بين المسلمين جائز، والمنع منه يحتاج الى دليل. مسألة 19: لا يجوز السلم في الجوز، والبيض إلا وزنا. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: يجوز عددا (3). دليلنا: أن ذلك يختلف بالصغر والكبر، ويختلف ثمنه بذلك، فلا يضبط بالصفة، فوجب أن لا يصح السلف فيه لذلك. فأما البطيخ فلا يجوز السلم فيه اجماعا. مسألة 20: لا يصح السلم في الرؤوس سواء كانت مشوية أو نيئة. أما المشوية فلا خلاف فيها، مثل اللحم المطبوخ، فانه لا خلاف أنه لا يجوز السلم فيه. وأما النيئة فللشافعي فيه قولان:

(1) المجموع 13: 150.
(2) الام 3: 127، مختصر المزني: 92، والمجموع 13: 135، والوجيز 1: 155، وفتح العزيز 9: 260، وعمدة القاري 12: 62، والمغني لابن قدامة 4: 341 و 354، والشرح الكبير 4: 341 و 354، وعمدة القاري 12: 62.
(3) المبسوط 12: 136، واللباب 1: 260، وعمدة القاري 12: 62، وبدائع الصنائع 5: 208، وشرح فتح القدير 5: 326، والفتاوى الهندية 3: 183، والمجموع 13: 135، وفتح العزيز 9: 261، والمغني لابن قدامة 4: 354، والشرح الكبير 4: 354.

[ 210 ]

أحدهما: يجوز (1). وبه قال مالك (2). والثاني لا يجوز (3). وبه قال أبو حنيفة (4). دليلنا: أن ذلك يختلف، ولا يمكن ضبطه بالصفة، فيجب أن لا يجوز. مسألة 21: اختلف روايات أصحابنا في السلم في الجلود، فروي أنه لا بأس به إذا شاهد الغنم (5)، وروي أنه لا يجوز (6). وقال الشافعي: لا يجوز (7)، ولم يفصل. دليلنا على جوازه: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (8) ولم يفصل والاخبار المروية في هذا المعنى مؤكدة له. وأيضا الاصل الجواز، ولا مانع في الشرع يمنع منه. مسألة 22: إذا أسلم مائة درهم في كر من طعام، وشرط خمسين نقدا وخمسين دينا له في ذمة المسلم إليه، صح السلم فيما نقده بحصته من المسلم فيه،

(1) المجموع 13: 121، والوجيز 1: 157، وكفاية الاخيار 1: 159، وفتح العزيز 9: 303، والمغني لابن قدامة 4: 341، والشرح الكبير 4: 341 - 342، والبحر الزخار 4: 405.
(2) بداية المجتهد 2: 200، والمغني لابن قدامة 14: 341، والشرح الكبير 4: 342، والمجموع 13: 121، وفتح العزيز 9: 303، والبحر الزخار 4: 405.
(3) الام 3: 112، والمجموع 13: 121، والوجيز 1: 157، وفتح العزيز 9: 304، وكفاية الاخيار 1: 159، والمغني لابن قدامة 4: 342، والبحر الزخار 4: 405.
(4) المبسوط 12: 131، وشرح فتح القدير 5: 330، وبدائع الصنائع 5: 209، والفتاوى الهندية 3: 184، وتبيين الحقائق 4: 112، والمجموع 13: 121، وفتح العزيز 9: 304، وبداية المجتهد 2: 200، والمغني لابن قدامة 4: 342، والشرح الكبير 4: 342.
(5) الكافي 5: 221 حديث 10، ومن لا يحضره الفقيه 3: 165 حديث 730، والتهذيب 7: 28 حديث 19 و 120.
(6) الكافي 5: 293 حديث 4، والتهذيب 7: 79 حديث 341.
(7) الام 3: 123، ومختصر المزني: 92، والمجموع 13: 118، ومغني المحتاج 2: 114، والسراج الوهاج: 209، وفتح العزيز 9: 318، والمغني لابن قدامة 4: 342، والشرح الكبير 342.
(8) البقرة: 275.

[ 211 ]

ولا يصح في الدين. وبه قال أبو حنيفة (1). وقال أصحاب الشافعي: لا يصح في الدين (2)، كما قلناه. وهل يصح في النقد؟ قولان بناء على تفريق الصفقة (3). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (4)، وأيضا اجمعنا على فساد العقد في الدين، ومن ادعى فساده في النقد فعليه الدلالة. مسألة 23: إذا أسلم في جنسين مختلفين، في حنطة وشعير صفقة واحدة، أو أسلم في جنس واحد الى أجلين، أو آجال، فان السلم صحيح. وهو الاظهر من قولي الشافعي (5)، وله قول آخر أنه لا يصح (6). دليلنا: الاية (7)، ودلالة الاصل، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 24: إذا اختلفا في قدر المبيع، أو قدر الاجل، كان القول قول البائع مع يمينه، وإن اختلفا في قدر الثمن، كان القول قول المشتري مع يمينه، إذا لم يكن مع أحدهما بينة. وقال الشافعي: يتحالفان في جميع ذلك (8).

(1) المبسوط 12: 142 - 143، وحاشية رد المحتار 5: 218، وتبيين الحقائق 4: 118، والمجموع 13: 145، والمغني لابن قدامة 4: 364، والشرح الكبير 4: 365.
(2) المجموع 9: 403 و 13: 145، وكفاية الاخيار 1: 162، والبحر الزخار 4: 398، والمغني لابن قدامة 4: 363 - 364، والشرح الكبير 4: 363 - 365.
(3) المجموع 9: 387، والمغني لابن قدامة 4: 363، والشرح الكبير 363.
(4) البقرة: 275.
(5) الام 3: 101، والمجموع 13: 140 - 141، وفتح العزيز 9: 241، والمغني لابن قدامة 4: 374.
(6) المجموع 13: 140، والام 3: 101، وفتح العزيز 9: 240، والمغني لابن قدامة 4: 374.
(7) البقرة 275.
(8) الام 3: 136، ومختصر المزني: 86، ومغني المحتاج 2: 95، والوجيز 1: 152، وفتح العزيز 9: 152 - 155، والسراج الوهاج: 202، وبداية المجتهد 2: 190، والشرح الكبير 4: 366، وحاشية اعانة الطالبين 3: 44 - 45.

[ 212 ]

دليلنا: أن كل واحد منهما مدعى عليه فيما أوجبنا عليه فيمن اليمين، فيجب أن يكون صحيحا مع فقد البينة. مسألة 25: إذا خالف انسان أهل السوق بزيادة سعر أو نقصانه، فلا اعتراض لاحد عليه. وبه قال الفقهاء أجمع، إلا مالكا فإنه قال: يقال له: إما أن تبيع بسعر أهل السوق وإما تنعزل (1). دليلنا: أن النبي صلى الله عليه وآله إمتنع من التسعير (2) بلا خلاف فيه، ولم يسئل عن السعر هل هو من الجماعة من أهل السوق، أو من بعضهم، بل أخبر أن ذلك من جهة الله تعالى. وأيضا فانه مالك، لا يجوز لاحد الاعتراض عليه إلا بدليل، ولا دلالة في الشرع على ذلك. مسألة 26: إذا أسلم في تمر، فأتاه بزبيب، أو أسلم في ثوب قطن، فأتاه بكتان وتراضيا به كان جائزا. وقال الشافعي: لا يجوز (3). دليلنا: قوله عليه السلام: " الصلح جائز بين المسلمين إلا ما حرم حلالا، أو حلل حراما " (4).

(1) الموطأ 2: 651، والمجموع 13: 33 - 34، والمغني لابن قدامة 4: 303، والشرح الكبير 4: 50، ومختصر المزني: 92.
(2) سنن الترمذي 3: 605 حديث 1314، وسنن أبي داود 3: 272 حديث 3450 - 3451، وسنن الدارمي 2: 249، وسنن ابن ماجة 2: 741 حديث 2199 - 2200، ومسند أحمد بن حنبل 3: 156.
(3) الام 3: 104 و 134، والمجموع 13: 148، وفتح العزيز 9: 326 - 327، ومغني المحتاج 2: 115، والوجيز 1: 157، والسراج الوهاج: 209 - 210.
(4) من لا يحضره الفقيه 3: 20 حديث 52، والسنن الكبرى 6: 65.

[ 213 ]

وأيضا الاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 27: إذا أسلم في زبيب رازقي مثلا، فأتاه بزبيب خراساني، أو أسلم في ماعز، فأتاه بضأن وتراضيا به، كان جائزا. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز. وبه قال أبو اسحاق (1). والثاني: يجوز. وبه قال ابن أبي هريرة (2). ومنهم من قال: في الزبيب خلاف هذا، وانما هو في الاجبار على فعله وجهان، ويجوز التراضي وجها واحدا (3). دليلنا: قوله عليه السلام: " الصلح جائز بين المسلمين " (4). مسألة 28: من كان له عند غيره سلم لا يخلف عليه، ولا هو مما يحتاج الى موضع كبير يحفظه فيه، فأتاه به قبل محله، لم يلزمه قبوله، ولا يجبر عليه. وقال الشافعي: يجبر عليه، وذلك مثل الحديد والرصاص وما أشبه ذلك (5). دليلنا: أنه يجوز أن يكون له غرض في تأخيره وأخذه في محله، وإن لم يظهر لنا ذلك، وكان اجباره على ذلك يحتاج إلى دليل، وعليه اجماع الفرقة، فانها

(1) الام 3: 104، والمجموع 13: 146، والوجيز 1: 157، وفتح العزيز 9: 329، والسراج الوهاج: 209 - 210، والمغني لابن قدامة 4: 376.
(2) المجموع 13: 14، والوجيز 1: 157، وفتح العزيز 9: 329، والمغني لابن قدامة 4: 376.
(3) المجموع 13: 149، والسراج الوهاج: 209 - 210، والمغني لابن قدامة 4: 375 - 376.
(4) الكافي 5: 259 حديث 5، ومن لا يحضره الفقيه 3: 20 حديث 52، والتهذيب 6: 208 حديث 479، وسنن الدارقطني 3: 27 حديث 96 و 97، والسنن الكبرى 6: 65 وغير ذلك الكثير من المصادر.
(5) الام 3: 137، ومختصر المزني: 93، والمجموع 13: 146، و 149، وفتح العزيز 9: 334، ومغني المحتاج 2: 116، وكفاية الاخيار 1: 162، وبداية المجتهد 2: 205.

[ 214 ]

منصوصة لهم (1). مسألة 29: إذا شرط عليه مكان التسليم، وأعطاه في غيره، وبذل له أجرة الحمل، وتراضيا به كان جائزا. وقال الشافعي: لا يجوز أن يأخذ العوض عن ذلك (2). دليلنا: أنه لا مانع منه، والاصل الاباحة. مسألة 30: إذا أخذ المسلم السلم، وحدث عنده فيه عيب، ثم وجد به عيبا كان قبل القبض، لم يكن له رده، وكان له المطالبة بالارش. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: ليس له الرجوع بالارش (4). دليلنا: أنه إذا ثبت أنه إنما يستحقه بريئا من العيب، فإذا أخذه معيبا كان له أرش عيبه، فأما الرد فليس له اجماعا. مسألة 31: إذا جاء المسلم إليه بالمسلم فيه أجود مما شرط من الصفة، وقال: خذ هذا، واعطني بدل الجودة دراهم. لم يجز. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: يجوز (6). دليلنا: أن الجودة صفة لا يمكن افرادها بالبيع، ولا دليل على صحة ذلك. مسألة 32: إذا أسلم جارية صغيرة في جارية كبيرة كان جائزا.

(1) انظر سنن الدارقطني 4: 122 حديث 3.
(2) المجموع 13: 150، والسراج الوهاج: 209، ومغني المحتاج 2: 115، وحاشية اعانة الطالبين 3: 19 (3) المجموع 13: 157، والوجيز 1: 144، وفتح العزيز 8: 350 - 351.
(4) اللباب 1: 240، والفتاوى الهندية 3: 80 و 198، وشرح فتح القدير 5: 159 - 160، والمجموع 13: 157 - 158. (5) المجموع 13: 14 و 148.
(6) شرح فتح القدير 5: 353، والفتاوى الهندية 3: 186، والشرح الكبير 4: 351، والمبسوط 2: 153، والمغني لابن قدامة 4: 376.

[ 215 ]

وقال أبو اسحاق المروزي: لا يجوز (1). وقال باقي أصحاب الشافعي: يجوز (2)، مثل ما قلناه. دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (3) ودلالة الاصل، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 33: استصناع الخفاف، والنعال، والاواني من الخشب والصفر والرصاص والحديد، لا يجوز. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: يجوز، لان الناس قد اتفقوا على ذلك (5). دليلنا على بطلانه: أنا أجمعنا على أنه لا يجب تسليمها، وأنه بالخيار بين التسليم ورد الثمن، والمشتري لا يلزمه قبضه، فلو كان العقد صحيحا لما جاز ذلك، ولان ذلك مجهول غير معلوم بالمعاينة، ولا موصوف بالصفة في الذمة، فيجب المنع منه. مسألة 34: يجوز أن يشتري قلعة (6) بدراهم، على أن يجعلها مشتركة. وبه

(1) فتح العزيز 9: 293، والمغني 4: 367، والشرح الكبير 4: 367، والمجموع 13: 169.
(2) فتح العزيز 9: 294، والمغني لابن قدامة 4: 367، والشرح الكبير 4: 367، والمجموع 13: 169.
(3) البقرة: 275.
(4) الام 3: 131، وشرح فتح القدير 5: 355.
(5) شرح فتح القدير 5: 354 - 355، وتبيين الحقائق 4: 123، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 354، والفتاوى الهندية 3: 207، وحاشية رد المحتار 5: 224.
(6) كذا في جميع النسخ المعتمدة، وتأتي في المسألة التالية أيضا، ولم أقف على معنا مناسبا لهذه الكلمة في المسألتين المذكورتين في كتب اللغة، ولم ترد في كتب الفقه على اختلاف مذاهبها بهذا النحو. نعم وردت في كتاب المغني لابن قدامة ما لفظه: " في الرجل يشتري البغلة على أن يحذوها جائز إذا أراد الشراك ". وذكر المسألة أيضا المرغيناني في الهداية وشرحها ابن الهمام في شرح فتح القدير 5: 221 وقال: من اشترى نعلا على أن يحذوها البائع، والمراد اشترى اديما على أن يجعله البائع نعلا له... الى آخر حديثه فتأمل.

[ 216 ]

قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: لا يجوز (2). دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم تدل عليه (3). وأيضا فالاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دلالة. وأيضا فالناس يفعلون هذا من عهد النبي صلى الله عليه وآله الى يومنا هذا، وما أنكر ذلك أحد عليهم. مسألة 35: إذا قال: اشتريت منك هذه القلعة، واستأجرت على أن تشركها أو تحذوها كان جائزا. واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال: فيه قولان، لانه بيع في عقد اجارة (4). ومنهم من قال: لا يجوز قولا واحدا، لانه استأجره في العمل فيما لا يملك (5). دليلنا: أن البيع والاجارة جميعا جائزان على الانفراد بلا خلاف، فمن منع الجمع بينهما وحكم بفساده فعليه الدلالة. مسألة 36: إذا أذن لمملوك غيره أن يشتري نفسه له من مولاه بكذا، فاشتراه به لا يصح ذلك. ولاصحاب الشافعي فيه وجهان: أحدهما: مثل ما قلناه. والثاني: أنه يجوز (6).

(1) المبسوط 13: 14، والفتاوى الهندية 3: 133 وتبيين الحقائق 4: 57 و 59، وشرح فتح القدير 5: 211، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 5: 221، والشرح الكبير 4: 85.
(2) المجموع 13: 156 والشرح الكبير لابن قدامة 4: 130، ومغني المحتاج 2: 31، والسراج الوهاج: 180، وفتح العزيز 8: 196.
(3) انظر التهذيب 7: 185 - 187 حديث 817 و 822 و 824 و 825.
(4) المجموع 9: 389، وفتح القدير 8: 190 و 195 و 279 - 280، ومغني المحتاج 2: 31، والسراج الوهاج: 180.
(5) المجموع 9: 389، وفتح العزيز 8: 195 - 279، ومغني المحتاج 2: 31، والسراج الوهاج: 180.
(6) المجموع 14: 122، وفتح العزيز 11: 72، ومغني المحتاج 2: 128.

[ 217 ]

دليلنا: ما ثبت أن العبد لا يملك شيئا، وليس له التصرف في نفسه، وإذا ثبت ذلك لم يجز أن يكون وكيلا لغيره إلا إذا أذن له مولاه فيه. مسألة 37: إذا اشترى العبد نفسه من مولاه لغيره، فصدقه ذلك الغير، أو لم يصدقه، لم يكن البيع صحيحا. ولا يلزمه شئ. وقال الشافعي على قوله بصحة ذلك: ان صدقه لزمه الشراء، وان كذبه حلفه وبرء، وكان الشراء للعبد فيملك نفسه وينعتق، ويكون الثمن في ذمته يتبعه السيد فيطالبه (1). دليلنا: أنا قد بينا أن بيعه فاسد، وإذا كان كذلك فالتفريع عليه فاسد. مسألة 38: إذا قال: اشتريت منك أحد هذين العبدين بكذا، أو أحد هؤلاء العبيد الثلاثة بكذا، لم يصح الشراء. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إذا شرط فيه الخيار ثلاثة أيام جاز، لان هذا غرر يسير، وأما في الاربعة فما زاد عليها فلا يجوز (3). دليلنا: أن هذا بيع مجهول، فيجب أن لا يصح، ولانه بيع غرر لاختلاف قيم العبيد، ولانه لا دليل على صحة ذلك في الشرع. وقد ذكرنا هذه المسألة في البيوع، وقلنا: أن أصحابنا رووا جواز ذلك في العبدين (4)، فان قلنا بذلك تبعنا فيه الرواية، ولم نقس غيرها عليها.

(1) المجموع 14: 122 و 123، والمغني لابن قدامة 5: 240، والشرح الكبير 5: 211 - 212.
(2) الوجيز 1: 134، وفتح العزيز 8: 134، والمجموع 9: 288، وكفاية الاخيار 1: 150، وارشاد الساري 6: 358، وتبيين الحقائق 4: 21.
(3) المبسوط 13: 55، وشرح فتح القدير 5: 130، والمحلى 8: 430، والوجيز 1: 134، وفتح العزيز 8: 134، والمجموع 9: 288، والشرح الكبير 4: 33، والفتاوى الهندية 3: 52 و 54، وحاشية رد المحتار 4: 585 - 586، وتبيين الحقائق 4: 21.
(4) انظر المسألة " 54 " من الكتاب المتقدم.

[ 219 ]

كتاب الرهن

[ 221 ]

مسألة 1: يجوز الرهن في السفر والحضر. وبه قال جميع الفقهاء (1). وقال مجاهد: لا يجوز إلا في السفر (2). وحكي ذلك عن داود (3). دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم (4). وأيضا روى أنس أن النبي صلى الله عليه وآله رهن درعا له بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيرا (5)، وهذا نص. مسألة 2: يجوز أخذ الرهن في كل حق ثابت في الذمة. وبه قال جميع الفقهاء (6).

(1) الام 3: 138، والمجموع 13: 177، والمبسوط 21: 64، وأحكام القرآن للجصاص 1: 523، والفتاوى الهندية 5: 432، وفتح الباري 5: 140، والمغني لابن قدامة 4: 398، والشرح الكبير 4: 398، والاقناع 2: 150، ونيل الاوطار 5: 352، وبداية المجتهد 2: 271.
(2) أحكام القرآن 1: 523، وفتح الباري 5: 140، والمجموع 13: 178، والمغني لابن قدامة 4: 398، والشرح الكبير 4: 398، والبحر الزخار 5: 110، والمحلى 8: 87، ونيل الاوطار 5: 352، وبداية المجتهد 2: 271.
(3) المحلى 8: 87، وفتح الباري 5: 140، والمجموع 13: 178، وبداية المجتهد 2: 271، وعمدة القاري 13: 67 ونيل الاوطار: 5: 352، والبحر الزخار 5: 110.
(4) انظرها في الكافي 5: 233 (باب الرهن) ومن لا يحضره الفقيه 3: 165 - 168، والتهذيب 7: 42 و 7: 168 (باب الرهون).
(5) صحيح البخاري 3: 74، وسنن ابن ماجة 2: 815 حديث 2437، وأحكام القرآن للجصاص 1: 523، ورواه النسائي 7: 288 باختلاف يسير في اللفظ.
(6) الام 3: 139، ومختصر المزني: 93، والوجيز 1: 159 و 161، والمجموع 13: 180، وكفاية الاخيار 1: 162 - 163، وفتح الباري 5: 140، وبداية المجتهد 2: 271، والمغني لابن قدامة 4: 399، والشرح الكبير 4: 399، وسبل السلام 3: 869.

[ 222 ]

وحكي عن بعضهم - ولم يذكر اسمه لندوره - أنه قال: لا يجوز الرهن إلا في السلم (1). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع المسلمين، لان هذا الخلاف قد انقرض، ولان النبي صلى الله عليه وآله رهن درعا عند يهودي في المدينة وأخذ شعيرا لاهله (2). وأيضا قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين الى أجل - الى قوله - فرهان مقبوضة " (3) وكان أول الاية عاما في جميع الاحوال، وكذلك آخرها. مسألة 3: إذا قال إنسان لغيره: من رد عبدي فله دينار، لم يجز له أخذ الرهن عليه إلا بعد رد العبد. وبه قال ابن أبي ليلى، وابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي في الافصاح، واختاره أبو الطيب الطبري، وقال: وهو الصحيح عندي (4). وفي أصحابه من قال: يجوز ذلك، لان يؤل الى اللزوم (5). دليلنا: أنه لم يستحق قبل الرد شيئا، فلا يجوز له أخذ الرهن على ما لا يستحقه. مسألة 4: لا يجوز شرط الرهن، ولا عقده قبل الحق. وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: يجوز عقده، وقال: إذا دفع إليه ثوبا وقال: رهنتك هذا الثوب على عشرة دراهم تقرضنيها، وسلم إليه، ثم أقرضه من الغد، جاز ولزم (7).

(1) المجموع 13: 180، وبداية المجتهد 2: 269 و 271.
(2) تقدم في المسألة السابقة الاشارة الى الحديث فلاحظ.
(3) البقرة: 282 - 283.
(4) المجموع 13: 181، والوجيز 1: 161، وفتح العزيز 10: 34.
(5) المجموع 13: 181، والوجيز 1: 161، وفتح العزيز 10: 34، ومغني المحتاج 2: 127.
(6) الام 3: 139، ومختصر المزني: 93، والمجموع 13: 182، والسراج الوهاج: 212، وكفاية الاخيار 1: 163، والمغني لابن قدامة 4: 399، والشرح الكبير 4: 399، وفتح العزيز 10: 42، والبحر الزخار 5: 120.
(7) الفتاوى الهندية 5: 434، وتبيين الحقائق 6: 77، وحاشية رد المحتار 6: 497، والمجموع 13: 182، والمغني لابن قدامة 4: 399، والشرح الكبير 4: 399، وفتح العزيز 1: 43، والبحر الزخار 5: 120.

[ 223 ]

دليلنا أن ما اعتبرناه مجمع على جوازه، وما ذكروه ليس على جوازه دليل. مسألة 5: يلزم الرهن بالايجاب والقبول. وبه قال أبو ثور، ومالك (1). وقال أبو حنيفة، والشافعي: عقد الرهن ليس بلازم، ولا يجبر الراهن على تسليم الرهن، فان سلم باختياره، لزم بالتسليم (2). دليلنا: قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (3) وهذا عقد مأمور به، والامر يقتضي الوجوب. وقوله تعالى: " فرهان مقبوضة " (4) لا يدل على أن قبل القبض لا يلزم، لان ذلك دليل الخطاب، وقد تركناه أيضا بالاية الاولى. مسألة 6: إذا عقد الرهن وهو جائز التصرف، ثم جن الراهن، أو أغمي عليه، أو مات، لم يبطل الرهن. وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (5). وقال أبو اسحاق المروزي في الشرح: يبطل الرهن (6). دليلنا: أن الرهن قد ثبت صحته، وإبطاله يحتاج الى شرع، وليس في الشرع

(1) بداية المجتهد 2: 270 - 271، وأسهل المدارك في شرح ارشاد السالك 2: 368، والشرح الصغير المطبوع بهامش بلغة السالك 2: 112، والمجموع 13: 185، والمغني لابن قدامة 4: 400، والشرح الكبير 4: 420.
(2) اللباب 2: 4، وتبيين الحقائق 6: 63، والمبسوط 21: 68، وشرح فتح القدير 8: 193، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 193، والمجموع 13: 185، وكفاية الاخيار 1: 163، وفتح العزيز 10: 66، والمغني لابن قدامة 4: 399، والشرح الكبير 4: 420، وأسهل المدارك 2: 368، وحاشية إعانة الطالبين 3: 58.
(3) المائدة: 1.
(4) البقرة: 283.
(5) المجموع 13: 192، والوجيز 1: 163، ومغني المحتاج 2: 129، والسراج الوهاج: 215، وفتح العزيز 10: 76 و 78، وحاشية إعانة الطالبين 3: 58.
(6) المجموع 13: 192، وفتح العزيز 10: 76 و 78، والبحر الزخار 5: 113.

[ 224 ]

ما يدل عليه. مسألة 7: رهن المشاع جائز. وبه قال الشافعي، ومالك، والاوزاعي، وابن أبي ليلى، وعثمان البتي (1)، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وسوار (2)، وداود (3). وقال أبو حنيفة: رهن المشاع غير جائز (4). دليلنا: قوله تعالى: " فرهان مقبوضة " (5)، ولم يفصل، وأيضا الاخبار على عمومها.

(1) عثمان بن مسلم بن جرموز وقيل: هرمز البتي، أبو عمرو البصري، روى عن أنس والشعبي وعبد الحميد بن سلمة، وعنه شعبة والثوري وحماد بن سلمة وغيرهم. كان صاحب رأي وفقه، مات سنة 143 ه‍. تهذيب التهذيب 7: 153، والانساب للسمعاني: 66 / أ.
(2) سوار بن عبد الله بن قدامة بن عنزة بن نقب بن عمرو بن الحارث العنبري البصري. قال ابن حبان: كان فقيها، ولاه أبو جعفر القضاء بالبصرة سنة 138 ه‍ وبقي على القضاء إلى أن مات وهو أمير البصرة وقاضيها سنة 156 ه‍، تهذيب التهذيب 4: 269.
(3) مختصر المزني 93، والام 3: 193، والمجموع 13: 198، والوجيز 1: 159، وكفاية الاخيار 1: 164، ومغني المحتاج: 2: 122، والسراج الوهاج: 212، وبداية المجتهد 2: 269، وبلغة السالك 2: 10، وأسهل المدارك: 371، والمدونة الكبرى 5: 296 و 299، والمغني لابن قدامة 4: 407، والشرح الكبير 4: 405، والاقناع 2: 152، والمحلى 8: 88، والمبسوط 21: 69، وأحكام القرآن للجصاص 1: 524، وتبيين الحقائق 6: 68، وشرح فتح القدير 8: 204، وبدائع الصنائع 6: 138، والبحر الزخار 5: 115.
(4) اللباب 2: 5. والمبسوط 21: 69، وأحكام القرآن للجصاص 1: 524، وبدائع الصنائع 6: 138، وشرح فتح القدير 8: 203، وتبيين الحقائق 6: 68، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 6: 68، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 203، وحاشية رد المحتار 6: 489، والمحلى 8: 88، وبداية المجتهد 2: 269، وبلغة السالك 2: 110، وأسهل المدارك 2: 371، والمجموع 13: 198، و 203، والمغني لابن قدامة 4: 407، والشرح الكبير 4: 405، والبحر الزخار 5: 115.
(5) البقرة: 283.

[ 225 ]

وأيضا على المسألة إجماع الفرقة، وأخبارهم (1) تدل عليها. مسألة 8: إستدامة القبض ليس بشرط في الرهن. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: ذلك شرط (3). دليلنا: قوله تعالى " فرهان مقبوضة " (4)، فشرط القبض ولم يشرط الاستدامة. وأيضا فانا قد بينا أن بنفس العقد يثبت الرهن، فهذا الفرع يسقط عنا. وأيضا روي عنه عليه السلام أنه قال: " الرهن محلوب ومركوب " (5). فلا يخلو من أن يكون ركوبها للراهن أو للمرتهن، وقد أجمعنا على أنه لا يحل للمرتهن ذلك، فدل على أنه مركوب للراهن، وذلك يدل على أن استدامة القبض ليس بشرط، وأخبار الفرقة دالة على ذلك (6). مسألة 9: إذا مات الراهن لا ينفسخ الرهن. واليه ذهب أكثر أصحاب الشافعي (7).

(1) انظر الكافي 5: 233 (باب الرهن)، ومن لا يحضره الفقيه 3: 195 (باب 95)، والتهذيب 7: 167 (باب 15) (2) المجموع 13: 192، والمغني لابن قدامة 4: 402، والشرح الكبير 4: 421، وبداية المجتهد 2: 271، وبدائع الصنائع 6: 142، والبحر الزخار 5: 112.
(3) بدائع الصنائع 6: 142، وتبيين الحقائق 6: 67، والمجموع 13: 192، والمغني لابن قدامة 4: 402، والشرح الكبير 4: 420، والبحر الزخار 5: 112.
(4) البقرة: 283.
(5) سنن الدارقطني 3: 34 حديث 136، والمصنف لعبد الرزاق 8: 245، حديث 15070، والسنن الكبرى 6: 38.
(6) يستفاد من عموم الاخبار الواردة في باب الرهن من كتاب الكافي 5: 233، ومن لا يحضره الفقيه 3: 195، والتهذيب 7: 168، والاستبصار 3: 118.
(7) المجموع 13: 192، والوجيز 1: 163، وفتح العزيز 10: 76، ومغني المحتاج 2: 129، والسراج الوهاج: 225، وحاشية اعانة الطالبين 3: 58، والبحر الزخار 5: 112 - 113.

[ 226 ]

وقال أبو اسحاق: ينفسخ مثل الوكالة (1). دليلنا: أن الرهن كان صحيحا. ولا دلالة على أن الموت يبطله، فمن ادعاه فعليه الدلالة. مسألة 10: إذا غلب على عقل المرتهن، فولى الحاكم عليه رجلا، لزم الراهن تسليم الرهن إليه، ولا ينفسخ الرهن. وقال الشافعي: يكون الراهن بالخيار (2). دليلنا: أنا قد بينا أن الرهن يجب إقباضه بالايجاب والقبول، فمن قال بذلك قال بما قلناه. مسألة 11: إذا أذن الراهن للمرتهن في قبض الرهن، ثم رجع عن الاذن ومنعه، لم يكن له ذلك. وقال الشافعي: له ذلك (3). دليلنا: ما ذكرناه في المسألة الاولى، لان هذا فرع عليها. مسألة 12: إذا أذن له في قبض الرهن، ثم جن، أو أغمي عليه، جاز للمرتهن قبضه. وقال الشافعي: ليس له ذلك (4). دليلنا: أنه قد ثبت أن إذنه صحيح قبل جنونه وإغمائه، فمن أبطله فيما بعد فعليه الدلالة. مسألة 13: إذا رهنه وديعة عنده في يده، وأذن له في قبضه، ثم جن، فقد

(1) المجموع 13: 192، وفتح العزيز 10: 76، والبحر الزخار 5: 113.
(2) الام 3: 140، ومختصر المزني: 93، وفتح العزيز 10: 78، وبداية المجتهد 2: 270 - 271.
(3) الام 3: 139، والمجموع 13: 191، والوجيز 1: 160، وكفاية الاخيار 1: 163، وفتح العزيز 10: 75، والسراج الوهاج: 215، ومغني المحتاج 2: 129.
(4) الام 3: 139، والمجموع 13: 191، وفتح العزيز 10: 78.

[ 227 ]

صار مقبوضا. وقال الشافعي: إذا لم يأت عليه زمان يمكن فيه قبضه، لم يصر مقبوضا بعد جنونه (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 14: إذا رهنه شيئا، ثم تصرف فيه الراهن بالبيع، أو الهبة، أو الرهن عند آخر قبضه أو لم يقبضه، أو قبضه البائع أو لم يقبضه، أو أصدقه إمرأته، لم يصح جميع ذلك، وكان باطلا. وقال الشافعي: يكون ذلك فسخا للرهن، وإن زوجها لم ينفسخ الرهن (2). دليلنا: أن القول بفسخ الرهن بذلك يحتاج الى دليل، والاصل صحته. مسألة 15: لا يجوز للوصي أن يشتري من مال اليتيم لنفسه، وإن اشتراه بزيادة. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك (4). دليلنا: أن جواز ذلك يحتاج الى دليل. وأيضا فأنه متهم في ذلك، فيجب أن لا يجوز. مسألة 16: إذا كان له في يد رجل مال وديعة، أو إعارة، أو غصبا، فجعله

(1) الام 3: 141، ومختصر المزني: 93، والمجموع 13: 186، والوجيز 1: 163، وفتح العزيز 10: 69 و 71، والسراج الوهاج: 215، ومغني المحتاج 2: 128.
(2) الام 3: 140، والوجيز 1: 163، والمجموع 13: 191، وكفاية الاخيار 1: 163، وفتح العزيز 10: 75، ومغني المحتاج 2: 129، والسراج الوهاج: 215، وحاشية اعانة الطالبين 3: 63.
(3) المجموع 13: 357، ومغني المحتاج 2: 176، وفتح العزيز 10: 292، والشرح الكبير 4: 563.
(4) المبسوط 14: 46، والفتاوى الهندية 3: 175، وتبيين الحقائق 6: 211، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 499، وحاشية رد المحتار 6: 709.

[ 228 ]

رهنا عنده بدين له عليه، كان الرهن صحيحا بلا خلاف، ويصير الرهن مقبوضا باذنه فيه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني: يصير مقبوضا وإن لم يأذن له فيه (2). دليلنا: ان الشئ إذا كان في يده، فأذن له في قبضه عن الرهن، كان ذلك قبضا، وأغنى عن النقل. وأيضا إذا أذن له صار قبضا بالاجماع، وإن لم يأذن له، فليس على كونه قبضا دليل. مسألة 17: إذا غصب رجل من غيره عينا من الاعيان، ثم جعلها المغصوب منه رهنا في يد الغاصب بدين له عليه قبل أن يقبضها منه، فالرهن صحيح بالاجماع، ولا يزول ضمان الغصب. وبه قال الشافعي، ومالك، وأبو ثور (3). وقال أبو حنيفة والمزني: ليس عليه ضمان الغصب (4). دليلنا: أنا أجمعنا على أن عليه ضمانه قبل الرهن، فمن ادعى براءته منه بعد الرهن فعليه الدلالة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " أو " حتى تؤدي " (5).

(1) الام 3: 141 - 142، ومختصر المزني: 93 - 94، والمجموع 13: 189، والوجيز 1: 162، ومغني المحتاج 2: 128، والسراج الوهاج: 215، وفتح العزيز 10: 65.
(2) المجموع 13: 189، ومغني المحتاج 2: 128، والسراج الوهاج: 215، وفتح العزيز 10: 65. (3) الام 3: 142، ومختصر المزني: 94، والوجيز 1: 163، والمجموع 13: 189، والسراج الوهاج: 215، ومغني المحتاج 2: 128، وفتح العزيز 10: 71 - 72، والمغني لابن قدامة 4: 405، والشرح الكبير 4: 427، والبحر الزخار 5: 117، وحاشية اعانة الطالبين 3: 59.
(4) مختصر المزني: 94، والوجيز 1: 163، والمجموع 13: 189، وفتح العزيز 10: 72، والمغني لابن قدامة 4: 405، والشرح الكبير 4: 427.
(5) سنن ابن ماجة 2: 802 حديث 2400، وسنن الترمذي 3: 566 حديث 1266، وسنن أبي داود

[ 229 ]

مسألة 18: إذا رهن جارية وقد أقر بوطئها، فولدت لستة أشهر من وقت الوطء فصاعدا الى تمام تسعة أشهر، فالولد لاحق به. وعند الشافعي الى أربع سنين (1). ولا ينفسخ الرهن في الام عندنا. وقال الشافعي في الجارية: لها ثلاثة أحوال: إما أن يكون أقر بالوطء في حال العقد، أو بعد العقد وقبل القبض، أو بعد القبض. فان كان في حال العقد، فان المرتهن إذا علم باقراره، ودخل فيه، فقد رضي بحكم الوطء، وما يؤدي إليه، فعلى هذا يخرج من الرهن، ولا خيار للمرتهن إن كان ذلك شرطا في عقد البيع. وإن كان أقر بذلك بعد عقد الرهن، وقبل القبض، فكذلك، لانه لما علم باقرار الراهن بوطئها، وقبضها مع العلم بذلك، كان راضيا به. وإن كان أقر بذلك بعد القبض، فهل يخرج من الرهن؟ فيه قولان: أحدهما يقبل إقراره. والثاني: لا يصح إقراره (2). دليلنا: ما ثبت عندنا من أن ام الولد مملوكة يجوز بيعها، على ما ستدل عليه فيما بعد، فإذا ثبت ذلك لم ينفسخ الرهن، سواء كان الاقرار بالوطء قبل العقد أو بعده، وقبل القبض أو بعده، وعلى كل حال. مسألة 19: إذا وطأ الراهن جاريته المرهونة، وحملت، وولدت، فانها تصير أم ولده، ولا يبطل الرهن، فان كان موسرا الزم قيمة الرهن من غيرها لحرمة

(1) 3: 296 حديث 3561، ومسند أحمد بن حنبل 5: 8 و 12 و 13، والسنن الكبرى 6: 95. (1) الام 3: 157 - 158، والوجيز 1: 164، وفتح العزيز 10: 187.
(2) الام 3: 158، والوجيز 1: 164، وفتح العزيز 10: 187، والمغني لابن قدامة 4: 438 - 439، والشرح الكبير 4: 438.

[ 230 ]

ولدها، ويكون رهنا مكانها، وإن كان معسرا كان الدين باقيا، وجاز بيعها فيه. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يفرق بين الموسر والمعسر، فان كان موسرا صارت ام ولده، فان أعتقها عتقت، ووجب عليه قيمتها، يكون رهنا مكانها، أو قضاها من حقه. وإن كان معسرا، لم تخرج من الرهن، وتباع في حق المرتهن، هذا نقله المزني (1). والثاني: تصير ام ولده، وتعتق، سواء كان موسرا أو معسرا، ولكنه يوجب قيمتها على الموسر يكون رهنا مكانها (2). والثالث: لا تخرج من الرهن، وتباع في دين المرتهن، سواء كان موسرا أو معسرا (3). وقال أبو حنيفة: تصير أم ولده، وتعتق، سواء كان موسرا أو معسرا، فان كان موسرا لزمه قيمتها، يكون رهنا مكانها، وإن كان معسرا تستسعي الجارية في قيمتها، إن كانت دون الحق، ويرجع بها على الراهن (4). دليلنا: ما ثبت من كونها مملوكة. وإذا ثبت ذلك جاز بيعها إلا أنا نمنع من

(1) الام 3: 144، ومختصر المزني: 94، والمجموع 13: 236 - 237، والمحلى 8: 94، وعمدة القارى 13: 73 - 74، وتبيين الحقائق 6: 85.
(2) الام 3: 144، ومختصر المزني: 94، والمجموع 13: 236 - 237، وعمدة القاري 13: 73 - 74، وتبيين الحقائق 6: 85.
(3) المجموع 13: 236 - 237، والمحلى 8: 94، وعمدة القاري 13: 73 - 74، والنتف 2: 609 وتبيين الحقائق 6: 85.
(4) النتف 2: 609، والفتاوى الهندية 5: 462 - 463، وعمدة القاري 13: 74، وشرح فتح القدير 8: 277، وتبيين الحقائق 6: 85 و 87، وحاشية رد المحتار 6: 509 - 510، والمحلى 8: 95.

[ 231 ]

بيعها إذا كان موسرا، لمكان ولدها ما دام ولدها حيا، وإن مات جاز بيعها على كل حال، وسندل على ذلك فيما بعد، وعليه اجماع الفرقة وأخبارهم (1) تدل عليه. مسألة 20: لا يجوز للراهن أن يطأ الجارية المرهونة، سواء كانت ممن تحبل أو لا تحبل. واختلف أصحاب الشافعي، فقال ابن أبي هريرة مثل ما قلناه (2). وقال المروزي: يجوز له وطؤها (3). دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم تدل على ذلك، لانها عامة في المنع من وطئها (4)، ولم يفرقوا. مسألة 21: إذا وطأ الراهن الجارية المرهونة باذن المرتهن، لم ينفسخ الرهن، سواء حملت أو لم تحمل - لان عندنا لا يزول ملكه بالحمل - فان أعتقها باذنه انفسخ. وقال الشافعي: إذا وطأ الراهن الجارية المرهونة باذن المرتهن، فأحبلها، فانها تخرج من الرهن، ولا يجب على الواطئ قيمتها، لانه اذن في فعل ينافي الرهن، وبطل الرهن، كما إذا أذن في البيع فباعها أو أذن في الاكل فيما يؤكل (5).

(1) انظر الكافي 6: 192 حديث 4 و 5، والتهذيب 7: 80 حديث 344.
(2) المجموع 13: 231، وفتح العزيز 10: 97.
(3) المجموع 13: 231، وفتح العزيز 10: 97، والمغني لابن قدامة 4: 436، والشرح الكبير 4: 436، وعمدة القاري 13: 73، والبحر الزخار 5: 120.
(4) الكافي 5: 235 حديث 15 و 20 ومن لا يحضره الفقيه 3: 201 حديث 901، والتهذيب 7: 169 حديث 752 و 753.
(5) الام 3: 143، ومختصر المزني: 94، وفتح العزيز 10: 111، ومغني المحتاج 2: 132، والسراج الوهاج: 216، والمغني لابن قدامة 4: 437 - 438، والشرح الكبير 4: 437 - 438.

[ 232 ]

دليلنا: ما ثبت عندنا من أن ملكه باق لم يزل، وإذا ثبت فالرهن بحاله، فمن ادعى زواله فعليه الدلالة. مسألة 22: إذا وطأ المرتهن الجارية المرهونة باذن الراهن، مع العلم بتحريم ذلك، لم يجب عليه المهر. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والاخر: يجب (2). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، وليس في الشرع ما يدل على وجوبه عليه. مسألة 23: إذا أتت هذه الجارية الموطوءة باذن الراهن بولد، كان حرا لاحقا بالمرتهن بالاجماع، ولا يلزمه عندنا قيمته. وللشافعي فيه قولان: أحدهما يجب عليه قيمته. وبه قال المروزي (3). والاخر: لا يجب (4). دليلنا: ما قدمناه من أن الاصل براءة الذمة، ووجوب القيمة يحتاج الى دليل. مسألة 24: إذا بيعت هذه الجارية، ثم اشتراها المرتهن، فانها تكون أم ولده.

(1) الام 3: 145 - 146، ومختصر المزني: 94، والوجيز 1: 166، والمجموع 9: 218، وفتح العزيز 10: 143، والمغني لابن قدامة 4: 441 - 442، والشرح الكبير 4: 490، وحاشية اعانة الطالبين (2) الام 3: 145 - 146 ومختصر المزني: 94، والوجيز 1: 166، والمجموع 9: 218، وفتح العزيز 3: 64. 10: 143، ومغني المحتاج 2: 138، والسراج الوهاج: 219، والمغني لابن قدامة 4: 441 - 442، والشرح الكبير 4: 490.
(3) الام 3: 145 - 146، ومختصر المزني: 94، والمجموع 9: 218، وفتح العزيز 10: 143، ومغني المحتاج 2: 138، والسراج الوهاج: 219، والمغني لابن قدامة 4: 441 - 442، والشرح الكبير 4: 490، والوجيز 1: 166.
(4) مختصر المزني: 94، والمجموع 9: 218، والوجيز 1: 166، وفتح العزيز 10: 143، والمغني لابن قدامة 4: 441 - 442، والشرح الكبير 4: 490.

[ 233 ]

وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني: لا تصير أم ولده (2). دليلنا: أن الاشتقاق يقتضي ذلك، لان الولد إذا كان لاحقا به، وهذه أمه، فينبغي أن تسمى ام ولده. مسألة 25: إذا أذن المرتهن للراهن في بيع الرهن بشرط أن يكون ثمن الرهن رهنا، كان صحيحا. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (3). والثاني: يبطل البيع (4). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (5). وأيضا قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (6). مسألة 26: إذا قال المرتهن للراهن: بع الرهن بشرط أن تجعل ثمنه من ديني قبل محله، فإذا باع الراهن صح البيع، ويكون الثمن رهنا الى وقت حلوله، ولا يلزمه الوفاء بتقديم الحق قبل الاجل، لانه لا دليل على ذلك. وللشافعي فيه قولان:

(1) مختصر المزني: 94، والمجموع 9: 218 و 13: 238، وفتح العزيز 10: 143.
(3) الام 3: 146، ومختصر المزني: 94، والمجموع 9: 218، والسراج الوهاج: 219، ومغني المحتاج 2: 138، وفتح العزيز 10: 143.
(3) المجموع 13: 240، والوجيز 1: 165، وفتح العزيز 10: 114، والسراج الوهاج: 217، ومغني المحتاج 2: 133، والمغني لابن قدامة 4: 487 - 488.
(4) الام 3: 145، والوجيز 1: 165، ومختصر المزني: 94 - 95، والمجموع 13: 240، والسراج الوهاج 217، ومغني المحتاج 2: 133، وفتح العزيز 10: 114، والبحر الزخار 5: 120.
(5) البقرة: 275.
(6) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064 وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.

[ 234 ]

أحدهما: أن البيع باطل، وهو المنصوص عليه (1). وقال المزني: يصح، ويكون ثمنه رهنا مكانه (2). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (3)، ودلالة الاصل أيضا، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 27: رهن أرض الخراج - وهي أرض سواد العراق وحده، من القادسية الى حلوان عرضا، ومن الموصل الى عبادان طولا - باطل. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أن عمر قسم بين الغانمين، فاشتغلوا بها سنتين أو ثلاثا، ثم رأى من المصلحة أن يشتريها منهم لبيت المال، فاستنزلهم عنها، فمنهم من نزل عنها بعوض، ومنهم من ترك حقه، فلما حصلت لبيت المال لا مالك لها معين، وقفها على المسلمين، ثم أجرها منهم باجرة ضربها على الجربان، فجعل على كل جريب نخل عشرة دراهم، وعلى كل جريب كرم ثمانية دراهم، وعلى كل جريب شجر ستة دراهم، وعلى جريب الحنطة أربعة، وعلى الشعير درهمين (4). وبه قال الاصطخري (5) والمأخوذ من القوم اجرة باسم الخراج. وقال أبو العباس: ما وقفها، ولكن باعها من المسلمين بثمن مضروب على الجربان، فالمأخوذ من القوم ثمن (6).

(1) الام 3: 145، ومختصر المزني 94 - 95، والوجيز 1: 165، والمجموع 13: 240، وفتح العزيز 10: 115، وكفاية الاخيار 1: 164، والسراج الوهاج: 217، ومغني المحتاج 2: 133.
(2) مختصر المزني: 95، والمجموع 13: 240، وفتح العزيز 10: 115.
(3) البقرة: 275.
(4) المجموع 13: 209، والوجيز 1: 159، وفتح العزيز 10: 7، والاحكام السلطانية 1: 148.
(5) المجموع 13: 209.
(6) المجموع 13: 209، والوجيز 1: 159 - 160، والبحر الزخار 5: 114.

[ 235 ]

فعلى قول أبي العباس: الرهن والبيع فيها صحيح. وعلى قول الشافعي والاصطخري: باطل (1). وقال أبو حنيفة: أن عمر أقر هذه الارضين في يد أربابها المشركين، وضرب عليهم الجزية هذا القدر، فمن باع منهم حقه على مسلم أو أسلم كان المأخوذ منه خراجا، ولا يسقط ذلك الجزية باسلامه، فهي طلق تباع، وتورث، وترهن (2). دليلنا: اجماع الفرقة على أن أرض الخراج لا يصح بيعها، ولا رهنها، لانها أرض المسلمين قاطبة، لا يتعين ملاكها، ومن ادعى أحد الاحكام التي ذكرنا، فعليه الدلالة. وكونها أرض الخراج، وانها لجميع المسلمين على ما نقوله، أو ملك الغانمين على ما يقول المخالف، لا خلاف فيه، فمن ادعى انتقالها عنهم، فعليه الدلالة. مسألة 28: إذا جنى العبد جناية، ثم رهنه، بطل الرهن، سواء كانت الجناية عمدا أو خطأ، أو توجب القصاص أو لا توجبه ولاصحاب الشافعي فيه ثلاث طرق: فقال أبو اسحاق: المسألة على قولين عمدا كانت أو خطأ، أحدهما: يصح والاخر: لا يصح (3). ومنهم من قال: إن كانت عمدا صح، قولا واحدا. وان كانت خطأ فعلى قولين (4). ومنهم من قال إن كانت خطأ بطل، قولا واحدا وان كانت عمدا فعلى

(1) المغني لابن قدامة 4: 416، والشرح الكبير 4: 415، والوجيز 1: 159، والبحر الزخار 5: 114.
(2) انظر الخراج لابي يوسف: 38، والاحكام السلطانية 1: 151 - 152.
(3) المجموع 13: 207 - 208، والمغني لابن قدامة 4: 408، والبحر الزخار 124 5.
(4) المجموع 13: 207 - 208، والبحر الزخار 5: 124.

[ 236 ]

قولين (1). قالوا: وهذا القول الاخير هو المذهب (2). دليلنا: على بطلانه: أنه إذا كان عمدا فقد استحق المجني عليه العبد، وإن كان خطأ تعلق الارش برقبته، فلا يصح رهنه. مسألة 29: إذا رهن عبده رهنا على ألف، وقبضه الراهن، ثم اقترض ألفا آخر على ذلك الرهن بعينه، كان ذلك صحيحا، ويكون الرهن بالالفين ألف متقدمة وألف متأخرة. وبه قال الشافعي في القديم (3)، وهو اختيار المزني (4)، واليه ذهب أبو يوسف (5). وقال في الجديد: لا يجوز (6). وبه قال أبو حنيفة ومحمد (7). دليلنا قوله تعالى: " فرهان مقبوضة " (8) ولم يفرق. والاخبار المروية في جواز الرهن تدل عليه من غير تفصيل. مسألة 30: إذا أقر أن عبده جنى على غيره، ثم رهنه، وأنكر المرتهن ذلك.

(1) المجموع 13: 207 - 208.
(2) الوجيز 1: 160، وفتح العزيز 10: 13.
(3) مختصر المزني: 95، والمجموع 13: 207، ومغني المحتاج 2: 127 - 128، وفتح العزيز 10: 52 - 53، والسراج الوهاج: 214، والبحر الزخار 5: 116.
(4) مختصر المزني: 95، والمجموع 13: 207، والبحر الزخار 5: 116.
(5) شرح فتح القدير 8: 241، وبدائع الصنائع 6: 139، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 214، والمجموع 13: 207، والبحر الزخار 5: 116.
(6) الام 3: 154، ومختصر المزني: 95 و 100، والمجموع 13: 207، والسراج الوهاج: 214، ومغني المحتاج 2: 127 - 128، وكفاية الاخيار 1: 164، وشرح فتح القدير 8: 241، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 241، وفتح العزيز 10: 52 - 53، والبحر الزخار 5: 116.
(7) شرح فتح القدير 8: 241، شرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 241، وبدائع الصنائع 6: 139، وتبيين الحقائق 6: 95، والمجموع 13: 207، والبحر الزخار 5: 116.
(8) البقرة: 283.

[ 237 ]

أو أقر أنه كان غصبه من فلان، ثم رهنه أو باعه منه، ثم رهنه. أو أنه أعتقه، ثم رهنه، وأنكر ذلك المرتهن، كان إقراره لمن أقر له به صحيحا في حقه، ويلزمه، ولا يلزم ذلك في حق المرتهن. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا ينفذ اقراره، وهو أصح القولين (1)، وبه قال أبو حنيفة (2). والثاني: ينفذ (3). دليلنا: أن اقرار العاقل على نفسه جائز، فمن منع منه في موضع فعليه الدلالة. مسألة 31: إذا دبر عبده، ثم رهنه، بطل التدبير، وصح الرهن إن قصد بذلك فسخ التدبير، وإن لم يقصد بذلك فسخ التدبير لم يصح الرهن. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: مثل ما قلناه، إذا قال أنه وصية (4). والثاني: أن التدبير عتق بصفة، فينفذ التدبير ويبطل الرهن، لانه لا يصح الرجوع فيه إلا بالبيع والهبة، فأما بالقول فلا يصح بأن يقول قد فسخت التدبير (5).

(1) الام 3: 157 - 158، ومختصر المزني: 95، والمجموع 13: 263، والوجيز 1: 169، وفتح العزيز 10: 183، ومغني المحتاج 2: 143، والسراج الوهاج: 221، والبحر الزخار 5: 125.
(2) تبيين الحقائق 6: 90، والام 3: 157 - 158، وفتح العزيز 10: 183، والبحر الزخار 5: 125.
(3) الام 3: 157، ومختصر المزني: 95، والوجيز 1: 169، وفتح العزيز 10: 183، ومغني المحتاج 2: 143، والسراج الوهاج: 221، والبحر الزخار 5: 125.
(4) الام 3: 158، ومختصر المزني: 96، والمجموع 13: 201 - 202، ومغني المحتاج 2: 123، والسراج الوهاج: 213، وفتح العزيز 10: 13 - 14 والاشباه والنظائر: 457. (5) الام 3: 158، ومختصر المزني: 96، ومغني المحتاج 2: 123، والمجموع 13: 201 - 202، وفتح العزيز 10: 13 - 14، والمغني لابن قدامة 4: 408، والشرح الكبير 4: 408.

[ 238 ]

ومنهم من قال: الرهن باطل، سواء قلنا التدبير وصية، أو عتق بصفة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم على أن التدبير بمنزلة الوصية (2)، والوصية له الرجوع فيها بلا خلاف، فكذلك التدبير. فأما إذا لم يقصد الرجوع، فلا دلالة على بطلانه، ولا دلالة على صحة الرهن، فينبغي أن يكون باطلا. وإن قلنا أنه يصح التدبير والرهن معا، لانه لا دلالة على بطلان واحد منهما، كان قويا. وبه قال قوم من أصحاب الشافعي، واختاروه، وهو المذهب عندهم (3)، لان ما جاز بيعه جاز رهنه، وبيع المدبر جائز بلا خلاف عندنا، وكذلك عندهم، وهذا قوي. مسألة 32: إذا علق عتق عبده بصفة، ثم رهنه، كان الرهن صحيحا والعتق باطل، سواء كان حلول الحق قبل حلول الشرط أو بعده، أو لا يدري أيهما سبق. وقال الشافعي وأصحابه فيها: ثلاث مسائل: إحداهما: يحل الحق قبل العتق، مثل أن علق عتقه بصفة الى سنة، ثم رهنه بحق يحل بعد شهرين، فالرهن صحيح (4). والثانية: يوجد الصفة قبل محل الحق، مثل أن قال: أنت حر بعد شهر، ثم

(1) مختصر المزني: 96، والمجموع 13: 201 - 202، ومغني المحتاج 2: 123، والوجيز 1: 160، وفتح العزيز 10: 13 - 14.
(2) الكافي 6: 183 حديث 1 و 2، ومن لا يحضره الفقيه 3: 72 حديث 248، والتهذيب 8: 258 حديث 938 و 939، والاستبصار 4: 30 حديث 101 و 105.
(3) المغني لابن قدامه 12: 316، والشرح الكبير 12: 316 - 317.
(4) المجموع 13: 200، والوجيز 1: 160، ومغني المحتاج 2: 123، والسراج الوهاج: 213 و 215، وفتح العزيز 10: 16 - 17.

[ 239 ]

رهنه بحق يحل الى سنة، فالرهن باطل (1). والثالثة: إذا لم يعلم أيهما السابق، مثل أن يقول: إذا قدم زيد فانت حر، ثم رهنه، بحق يحل الى سنة، ولا يعلم متى يقدم زيد. فهذه على قولين: أحدهما يصح (2). والثاني: باطل (3). دليلنا: اجماع الفرقة على أن العتق بصفة لا يصح، وإذا لم يصح ذلك، كان الملك باقيا، وصح رهنه. مسألة 33: إذا رهنه عبدا، ثم دبره، كان التدبير باطلا. وبه قال الشافعي وأصحابه (4). وحكى الربيع فيها قولا آخر: إن الرهن صحيح، والتدبير صحيح (5). دليلنا: إجماع الفرقة على أن الراهن لا يجوز له التصرف في الرهن بغير إذن المرتهن، والتدبير تصرف، فيجب أن يكون باطلا. مسألة 34: إذا كان الرهن شاة فماتت، زال ملك الراهن عنها، وانفسخ الرهن إجماعا، فان أخذ الراهن جلدها، فدبغه، لم يعد ملكه. وقال الشافعي: يعود ملكه، قولا واحدا (6).

(1) الام 3: 159، والمجموع 13: 200، والوجيز 1: 160، ومغني المحتاج 2: 123، وفتح العزيز 10: 17، والاشباه والنظائر: 457، والمغني لابن قدامة 4: 409، والشرح الكبير 4: 402.
(2) المجموع 13: 200، ومغني المحتاج 2: 123 و 130، والسراج الوهاج: 213 و 216، وفتح العزيز 10: 17، والمغني لابن قدامة 4: 409، والشرح الكبير 4: 402.
(3) المجموع 13: 200، والمغني لابن قدامة 4: 409، ومغني المحتاج 2: 123، والسراج الوهاج: 215 - 216، وفتح العزيز 10: 17، والشرح الكبير 4: 402.
(4) الام 3: 158، ومختصر المزني: 96، والمجموع 13: 203 والسراج الوهاج: 215، ومغني المحتاج 2: 129.
(5) مختصر المزني: 96، والمجموع 13: 203، والسراج الوهاج: 215، ومغني المحتاج 2: 129، والبحر الزخار 5: 119.
(6) المجموع 13: 248.

[ 240 ]

وهل يعود الرهن؟ على وجهين. قال ابن خيران: يعود الرهن (1). وقال أبو اسحاق: لا يعود (2). دليلنا: اجماع الفرقة على أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وإذا ثبت ذلك لم يعد الملك إجماعا، لان من خالف في ذلك خالف في طهارته. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة " (3) وذلك على عمومه. مسألة 35: إذا اشترى عبدا بالف، ورهن به عصيرا، وقبضه، واختلفا، فقال الراهن: أقبضتك عصيرا، وقال المرتهن: أقبضتنيه خمرا، فلي الخيار، كان القول قول المرتهن مع يمينه. وبه قال أبو حنيفة والمزني (4)، وهو أحد قولي الشافعي (5). والثاني: القول قول الراهن، وهو اختيار الاسفرايني (6). دليلنا: أن هذا اختلاف في القبض، لانه إذا ادعى المرتهن أنه قبضه خمرا، وقبض الخمر كلا قبض، فصار كأنه اختلاف في القبض، وفي اختلاف القبض القول قول المرتهن، لانه يكون فائدته أن المرتهن يقول ما قبضت رهنا، والراهن يقول قبضت رهنا، فمن يدعي القبض فعليه البينة، وعلى من ينكره اليمين. والقول الاخر أيضا قوي، لانهما اتفقا على القبض، وانما يدعي المرتهن انه قبض فاسد، فعليه البينة، والاصل الصحة.

(1) و (2) المصدر السابق.
(3) المائدة: 3.
(4) و (5) مختصر المزني: 96، والمجموع 13: 259، وفتح العزيز 10: 194.
(6) مختصر المزني: 96، والوجيز 1: 168، والمجموع 13: 259، وفتح العزيز 10: 194.

[ 241 ]

مسألة 36: الخمر ليست بمملوكة، ويجوز إمساكها للتخلل، وللتخليل. وقال الشافعي: ليست مملوكة، ولا يحل إمساكها، ويجب إراقتها (1). وقال أبو حنيفة: هي مملوكة كالعصير، ولا يجب عليه إراقتها، ويجوز له إمساكها للتخلل أو التخليل (2). دليلنا: اجماع الفرقة على نجاسة الخمر، وعلى تحريمها الاجماع، فمن ادعى صحة أنه يملكها، فعليه الدلالة. وأما التخلل والتخليل فلا خلاف بين الطائفة فيه، فلاجل ذلك لم نتشاغل به، ولانه لو صار خلا، تناولته الظواهر المتناولة لاباحة الخل، فمن خصص ذلك فعليه الدلالة. مسألة 37: إذا رهن نخلا مطلعا، ولم يشرط أن يكون الطلع رهنا، لم يدخل الطلع في الرهن. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، وهو قوله الجديد (3). والثاني يدخل فيه، وهو قوله القديم (4). دليلنا: أن الاصل عدم كونه رهنا، فمن ادعى دخوله في الرهن لدخول النخل فيه، فعليه الدلالة. مسألة 38: إذا رهن ما يسرع إليه الفساد، ولم يشرط أنه إذا خيف هلاكه بعه، كان الرهن فاسدا. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (5).

(1) الام 3: 159، والمجموع 2: 577 و 13: 247، وفتح العزيز 10: 82 و 85.
(2) الفتاوى الهندية 5: 437، وتبيين الحقائق 6: 93، والمجموع 13: 247، وفتح العزيز 10: 82.
(3) مختصر المزني: 96 و 99، والمجموع 13: 210 - 211، والوجيز 1: 162، وفتح العزيز 10: 55.
(4) المجموع 13: 210 - 211، والوجيز 1: 162.
(5) المجموع 13: 199، والوجيز 1: 160، والسراج الوهاج: 213، ومغني المحتاج 2: 124، وفتح العزيز

[ 242 ]

والثاني: يصح الرهن، ويجبر على بيعه (1). دليلنا: أنه لا دليل على أنه يجبر على بيعه، وإذا لم يكن عليه دلالة لم ينتفع المرتهن بهذا الرهن أصلا، فيجب أن يكون باطلا. مسألة 39: إذا رهن عند غيره شيئا، وشرط للمرتهن إذا حل الحق أن يبيعه، صح شرطه، ويجوز توكيل المرتهن في بيع الرهن. وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: لا يصح شرطه، ولا توكيله إلا بحضرة الراهن، فان حضره الراهن صح بيعه (3). ومنهم من قال: لا يجوز على كل حال (4). دليلنا: أن الاصل جواز ذلك، فمن منع منه فعليه الدلالة. وأيضا قال النبي صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " (5) وذلك عام. مسألة 40: إذا رهن عند غيره شيئا، وشرط أن يكون موضوعا على يد

10: 11، والمغني لابن قدامة 4: 410، والشرح الكبير 4: 403. (1) مختصر المزني: 96، والمجموع 13: 199، والوجيز 1: 160، والسراج الوهاج: 213، ومغني المحتاج 2: 124، وفتح العزيز 10: 11، والمغني لابن قدامة 4: 410، والشرح الكبير 4: 403.
(2) اللباب 2: 8، وبدائع الصنائع 6: 146، والمجموع 13: 225، والمغني لابن قدامة 4: 464، وفتح العزيز 10: 129.
(3) المجموع 13: 225، ومغني المحتاج 2: 135، والسراج الوهاج: 217، وفتح العزيز 10: 129، والمغني لابن قدامة 4: 464.
(4) ممن قال به الطبري، انظر المجموع 13: 226، ومغني المحتاج 2: 135، والسراج الوهاج: 217، وفتح العزيز 10: 129.
(5) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.

[ 243 ]

عدل، صح شرطه، فإذا قبضه العدل، لزم الرهن. وبه قال جميع الفقهاء (1)، إلا ابن أبي ليلى، فانه قال: لا يصح قبضه (2). دليلنا اجماع الامة، وخلاف ابن أبي ليلى قد انقرض. وأيضا: قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (3). مسألة 41: إذا عزل الراهن عن البيع، لم تنفسخ وكالته، وجاز له بيع الرهن. وقال الشافعي: تنفسخ وكالته، ولا يجوز له بيعه (4). دليلنا: أنه قد ثبت وكالته بالاجماع، فمن ادعى انفساخها، فعليه الدلالة. مسألة 42: إذا عزل المرتهن العدل لم ينعزل أيضا. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (5). وفي أصحابه من قال: ينعزل (6). دليلنا: أن الاصل ثبوت الوكالة، وثبوت العزل بعدها يحتاج إلى دليل.

(1) المبسوط 21: 77، وبدائع الصنائع 6: 137، وشرح فتح القدير 8: 220، والفتاوى الهندية 5: 440، وتبيين الحقائق 6: 80، والمجموع 13: 221، والوجيز 1: 165، ومغني المحتاج 2: 133، والسراج الوهاج: 217، وفتح العزيز 10: 121، والمغني لابن قدامة 4: 419، والشرح الكبير 4: 448.
(2) المجموع 13: 221، والمغني لابن قدامة 4: 419، والشرح الكبير 4: 449، والمبسوط 21: 77، وتبيين الحقائق 6: 80، وبدائع الصنائع 6: 137.
(3) تقدمت الاشارة الى مصادر الحديث في المسألة السابقة فلاحظ.
(4) الام 3: 169، والمجموع 13: 224، ومغني المحتاج 2: 135، وفتح العزيز 10: 130، والمغني لابن قدامة 4: 423، والشرح الكبير 4: 454، والبحر الزخار 5: 122.
(5) المجموع 13: 224، ومغني المحتاج 2: 135، وفتح العزيز 10: 130، والمغني لابن قدامة 4: 423 - 424، والشرح الكبير 4: 454 - 455، والبحر الزخار 5: 122.
(6) المجموع 13: 224، وفتح العزيز 10: 130، والمغني لابن قدامة 4: 423 - 424، والشرح الكبير 4: 454 - 455.

[ 244 ]

مسألة 43: إذا أراد العدل بيع الرهن، فلابد من إذن المرتهن، ولا يلزم إذن الراهن. وللشافعي في إذن الراهن وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني: لابد من إذنه (2). دليلنا: أنه قد أذن له في بيعه في حال التوكيل، فهو يملك الاذن فيه، فلا يحتاج الى تجديده، ولانه لا دلالة عليه، ولانه يؤدي الى أن لا يباع الرهن أصلا، ان امتنع من الاذن أبدا. مسألة 44: لا يجوز للعدل أن يبيع الرهن إلا بثمن مثله حالا، ويكون من نقد البلد، إذا اطلق له الاذن، فان شرط له جواز ذلك كان جائزا. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: يجوز له بيعه بأقل من ثمن مثله، وبنسية، حتى قال: لو وكله في بيع ضيعة تساوي مائة ألف دينار، فباعها بدانق نسية الى ثلاثين سنة كان جائزا (4). دليلنا: أنا قد اتفقنا أنه إذا باعه بما قلناه كان البيع ماضيا، ولا دليل على أن ما قاله صحيح.

(1) المجموع 13: 223، ومغني المحتاج 2: 135، وفتح العزيز 10: 129 - 130، والسراج الوهاج: 217، وحاشية اعانة الطالبين 3: 62، والمغني لابن قدامة 4: 423 - 424.
(2) المجموع 13: 223، ومغني المحتاج 2: 135، والسراج الوهاج: 217، وفتح العزيز 10: 129 - 130، والمغني لابن قدامة 4: 423 - 424.
(3) الوجيز 1: 165، والسراج الوهاج: 218، ومغني المحتاج 2: 135، وفتح العزيز 10: 132، والمغني لابن قدامة 4: 426، والشرح الكبير 4: 452.
(4) المبسوط 21: 84، والفتاوى الهندية 5: 443، وبدائع الصنائع 6: 149، وتبيين الحقائق 6: 81، والمغني لابن قدامة 4: 426، والشرح الكبير 4: 452.

[ 245 ]

مسألة 45: إذا باعه بثمن مثله، أو بما يتغابن الناس في مثله، ثم جاءه الزيادة للراهن في حال خيار المجلس، أو خيار الشرط، فان قبلها كان له فسخ العقد، وان لم يقبلها لم ينفسخ البيع. وللشافعي فيه قولان: فالذي نص عليه أنه ينفسخ البيع على كل حال (1). والثاني: لا ينفسخ لمكان الزيادة إذا لم يفسخ (2). دليلنا: أن العقد ثبت بلا خلاف، وانفساخه على كل حال يحتاج الى دليل. مسألة 46: الرهن غير مضمون. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: مضمون بأقل الامرين (4). دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم (5)، ولانه لا دلالة على كونه مضمونا، والاصل براءة الذمة. مسألة 47: إذا باع العدل الرهن، وقبض ثمنه، فهو من ضمان الراهن حتى يقبضه المرتهن، لانه بدل الرهن، فإذا تلف الثمن لم يسقط من دين المرتهن

(1) مغني المحتاج 2: 136، والسراج الوهاج: 218، وفتح العزيز 10: 123.
(2) مغني المحتاج 2: 136، وفتح العزيز 10: 123، والسراج الوهاج: 218.
(3) الام 3: 168 و 198، ومختصر المزني: 101، والوجيز 1: 166، وفتح العزيز: 10: 138، والمجموع 13: 249، والسراج الوهاج: 218، ومغني المحتاج 2: 136، وكفاية الاخيار 1: 163، والمبسوط 21: 65، وشرح فتح القدير 8: 194، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 194، وتبيين الحقائق 6: 64، والمغني لابن قدامة 4: 478، والشرح الكبير 4: 444.
(4) اللباب 2: 5، والمبسوط 21: 64 - 65، وشرح فتح القدير 8: 198، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 198، وتبيين الحقائق 6: 63 - 64، والمجموع 13: 249، وفتح العزيز 10: 138، والمغني لابن قدامة 4: 479، والشرح الكبير 4: 445.
(5) انظر الكافي 5: 234 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 3: 196، حديث 893، والتهذيب 7: 172 حديث 762 و 765، والاستبصار 3: 120 حديث 427 و 428.

[ 246 ]

شئ. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يسقط من دين المرتهن إذا تلف ثمن الرهن (2). دليلنا: أنا قد بينا أن الرهن نفسه غير مضمون، وإذا كان كذلك، فضمان قيمته أولى بذلك. وأيضا الاصل براءة الذمة، ومن جعله مضمونا فعليه الدلالة. وأيضا ثبت الدين في ذمة الراهن، ولا دليل على براءة ذمته بهلاك ثمن الرهن، فيجب أن يكون باقيا على أصله. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه " (3) يعني ضمانه من صاحبه الذي رهنه. مسألة 48: إذا باع العدل الرهن بتوكيل الراهن، وقبض الثمن، وضاع في يده، واستحق المبيع من يد المشتري، فان المشتري يرجع على الوكيل، والوكيل يرجع على الراهن. وكذلك كل وكيل باع شيئا فاستحق وضاع الثمن في يد الوكيل، فان المشتري يرجع على الوكيل، والوكيل يرجع على الموكل. وبه قال أبو حنيفة (4).

(1) الام 3: 192 و 198، والمجموع 13: 225، والسراج الوهاج: 218، ومغني المحتاج 2: 135، وفتح العزيز 10: 131، والوجيز 1: 165، والنتف 1: 612، والمغني لابن قدامة 4: 427، والشرح الكبير 4: 452.
(2) المبسوط 21: 81، والفتاوى الهندية 5: 441، والنتف 1: 612، واللباب 2: 6، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 221، والمجموع 13: 225، والام 3: 198، وفتح العزيز 10: 131، والمغني لابن قدامة 4: 427، والشرح الكبير 4: 452.
(3) سنن الدارقطني 3: 33 حديث 130 و 133، وترتيب مسند الشافعي 2: 163 - 164، والسنن الكبرى 6: 39، ونيل الاوطار 5: 354.
(4) بدائع الصنائع 6: 149، والفتاوى الهندية 5: 440، وشرح فتح القدير 8: 221، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 221، وتبيين الحقائق 6: 82 - 83، والمغني لابن قدامة 4: 427 - 428، والشرح الكبير 4: 452.

[ 247 ]

وقال الشافعي في جميع هذه المسائل: يرجع على الموكل دون الوكيل (1). فأما إذا كان الوكيل صبيا، أو باع الحاكم على اليتيم، أو أمين الحاكم، فانه يرجع على الموكل إجماعا. دليلنا: أن الوكيل إذا كان هو العاقد للبيع، فيجب أن يكون هو الضامن للدرك، ومن قال: أن الموكل ضامن من غير واسطة، فعليه الدلالة. مسألة 49: إذا غاب المتراهنان، وأراد العدل رد الرهن لغير عذر به، لم يجز له رده الى الحاكم، ومتى رده الى الحاكم كانا ضامنين. وقال الشافعي: إن كان سفرهما بحيث يجب فيه التقصير - وهي ستة عشر فرسخا عنده - جاز له أن يرده الى الحاكم، وجاز له أن يقبضه منه. وإن نقص عن هذا المقدار كانا بحكم الحاضرين (2). دليلنا: أنه قد ثبت الرهن عنده بقبوله باختياره، ولا دليل على جواز دفعه الى الحاكم، فيجب أن لا يجوز ذلك له. مسألة 50: إذا شرطا أن يكون الرهن عند عدلين، فأراد أحدهما أن يسلم الى الاخر حتى ينفرد بحفظه، لم يكن له ذلك. وللشافعي فيه قولان: قال أبو العباس بن سريج: فيه وجهان، أحدهما: لا يكون له ذلك (3). والثاني يجوز (4).

(1) المجموع 13: 225، وفتح العزيز 10: 13، والمغني لابن قدامة 427 - 428، والشرح الكبير 4: 452.
(2) المجموع 13: 222.
(3) المجموع 13: 220 و 222، ومغني المحتاج 2: 134، وفتح العزيز 10: 119، والسراج الوهاج: 217، والمغني لابن قدامة 4: 419 - 420، والشرح الكبير 4: 449.
(4) مغني المحتاج 2: 134، والمجموع 13: 220 و 222، وفتح العزيز 10: 119، والسراج الوهاج: 217، والمغني لابن قدامة 4: 42، والشرح الكبير 4: 449.

[ 248 ]

دليلنا: أنه لا دليل على جواز ذلك، والاصل كون الرهن عندهما. وأيضا فان الراهن لم يرض بامانة أحدهما، وإنما رضي بامانتهما جميعا، فلا يجوز لاحدهما أن ينفرد بحفظه. مسألة 51: لا يجوز للعدلين أن يقتسما بالرهن إذا كان مما يصح قسمته من غير ضرر، مثل الطعام والشيرج وغير ذلك. وللشافعي فيه وجهان (1)، مثل المسألة الاولى سواء. دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 52: إذا استقرض ذمي من مسلم مالا، ورهن عنده بذلك خمرا يكون على يد ذمي آخر يبيعها عند محل الحق، فباعها وأتى بثمنها، جاز له أن يأخذه ولا يجبر عليه. ولاصحاب الشافعي في الاجبار عليه وجهان: أحدهما: مثل ما قلناه (2). والثاني يجبر عليه (3). دليلنا: أنه لا دليل على اجباره عليه، وله أن يطالب بما لا يكون من ثمن محرم، فلا وجه للاجبار. مسألة 53: إذا أقر العبد المرهون بجناية توجب القصاص، أو جناية الخطأ، فاقراره باطل في الحالين. وقال الشافعي: إن أقر بما يوجب القصاص قبل إقراره، لانه لا يتهم بها نفسه، وإن أقر بجنايتها خطأ لم يقبل إقراره، لانه إقرار على المولى (4). دليلنا: اجماع الفرقة على أن إقرار العبد لا يقبل على نفسه بجناية، ولان في

(1) انظر المجموع 13: 223، وفتح العزيز 10: 120.
(2) و (3) المجموع 13: 224.
(4) الام 3: 178 - 179، والمجموع 20: 290، وفتح العزيز 11: 93، والمغني لابن قدامة 4: 323 - 324.

[ 249 ]

الحالين يتضمن إقرارا على الغير، لانه أقر بجناية العمد، فلو وجب عليه القصاص كان في ذلك إتلاف مال السيد، فهو إقرار عليه. مسألة 54: إذا أكره المولى عبده المرهون على جناية توجب القصاص، فلا قصاص على المكره، وإنما القصاص على المكره. وقال الشافعي: المكره يلزمه القصاص (1). وفي المكره قولان: أحدهما: يجب القصاص (2). والاخر: لا يجب للشبهة (3). دليلنا: قوله تعالى: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " (4) الاية، ونحن نعلم أنه أراد النفس القاتلة، فمن أوجب على غير القاتلة القصاص فعليه الدلالة. مسألة 55: إذا عفى على مال عن هذا العبد المكره، فان المال يتعلق برقبة العبد جميعه، لانه الجاني. وقال الشافعي: يتعلق نصفه برقبة السيد، ونصفه برقبة العبد، يباع منه بقدر نصف الارش، ويقدم على حق المرتهن (5). دليلنا: أن العبد هو الجاني، فيجب أن يلزمه المال في رقبته دون المولى، لانه

(1) الام 6: 42، والمجموع 18: 390 و 394، ومغني المحتاج 4: 9، والوجيز 2: 123، والسراج الوهاج: 479، والمغني لابن قدامة 9: 331 - 332.
(2) المجموع 18: 391 و 394، والوجيز 2: 123، ومغني المحتاج 4: 9، والسراج الوهاج: 479.
(3) مختصر المزني: 97، ومغني المحتاج 4: 9، والوجيز 2: 123، والسراج الوهاج: 479، والمجموع 18: 391 و 394.
(4) المائدة: 45.
(5) المجموع 18: 394، ومغني المحتاج 4: 10.

[ 250 ]

لا دليل عليه، والاصل براءة الذمة. وأيضا فقد بينا أن القصاص يجب على المكره، وكل من قال بذلك، قال بما قلناه. مسألة 56: إذا باع شيئا بثمن معلوم الى أجل معلوم، وشرط رهنا مجهولا، فان الرهن فاسد. وبه قال الشافعي (1). وقال مالك: يصح، ويجبر على أن يأتي برهن قيمته بقدر الدين (2). دليلنا: أنه لا دلالة على صحته، فمن ادعى صحته فعليه الدلالة. مسألة 57: إذا اختلف المتراهنان في عبدين، فقال المرتهن: رهنتني عبدين. وقال الراهن: رهنتك أحدهما. وكذلك إن اختلفا في مقدار الحق، فقال الراهن: رهنتك بخمسمائة. وقال المرتهن: بألف، كان القول قول الراهن مع يمينه، وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: القول قول من شهد له قيمة الرهن، فان كان الحق ألفا، وقيمة كل واحد من العبدين ألفا، كان القول قول الراهن مع يمينه، لان الظاهر أن أحد العبدين رهن. وإن كان قيمتهما جميعا ألفا، وقيمة أحدهما خمسمائة كان القول قول المرتهن، لان الظاهر أن العبدين رهن.

(1) الام 3: 161، ومختصر المزني: 100، والمجموع 13: 208، وفتح العزيز 10: 57، والمغني لابن قدامة 4: 460، والشرح الكبير 4: 460.
(2) بلغة السالك 2: 111، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 111، والمغني لابن قدامة 4: 460، والشرح الكبير 4: 459 - 460.
(3) الام 3: 192، ومغني المحتاج 2: 142، والسراج الوهاج: 220، وكفاية الاخيار 1: 164، والمجموع 13: 253 - 254، وفتح العزيز 10: 169 - 170، وعمدة القاري 13: 74، وحاشية اعانة الطالبين 3: 64، والمغني لابن قدامة 4: 482، والشرح الكبير 4: 465 - 466، وبداية المجتهد 2: 274 - 275، وارشاد الساري في شرح صحيح البخاري 4: 299.

[ 251 ]

وكذلك إذا كان الخلاف في قدر الحق الذي فيه الرهن، إذا كانت قيمة الرهن تشهد لقول أحدهما، كان القول قوله (1). دليلنا: أن الاصل عدم الرهن، وما أقر له الراهن فقد اتفقا عليه، وما زاد عليه فالمرتهن مدع فعليه البينة، وإلا فعلى الراهن اليمين. وكذلك القول في مقدار الحق، لان الاصل براءة الذمة، وما أقر به وجب عليه، وما زاد عليه يحتاج الى بينة، وإلا فعليه الدلالة. مسألة 58: منفعة الرهن للراهن دون المرتهن، وذلك مثل: سكنى الدار، وخدمة العبد، وركوب الدابة، وزراعة الارض. وكذلك نماء الرهن المنفصل عن الرهن لا يدخل في الرهن مثل: الثمرة، والصوف، والولد، واللبن. وبه قال الشافعي (2). وقال أو حنيفة: منفعة الرهن تبطل، فلا تحصل للراهن ولا للمرتهن. وأما النماء المنفصل، فانه يدخل في الرهن مثل الثمرة، والولد، والصوف، واللبن وما أشبه ذلك، ويكون حكمه حكم الاصل (3). وقال مالك: يدخل الولد، ولا يدخل الثمرة، لان الولد يشبه الاصل، والثمرة

(1) المدونة الكبرى 5: 312، وبداية المجتهد 2: 274 - 275، وأسهل المدارك في شرح ارشاد السالك 2: 369، والمغني لابن قدامة 4: 482، والشرح الكبير 4: 465 - 466، وفتح العزيز 10: 170.
(2) الام 3: 155 و 163، ومختصر المزني: 98، والمجموع 13: 229، ومغني المحتاج 2: 131، وفتح العزيز 10: 148، والوجيز 1: 164، والسراج الوهاج: 216، والمحلى 8: 91، والنتف 1: 604، والمبسوط 21: 75، وعمدة القاري 13: 73، وبدائع الصنائع 6: 139، وبداية المجتهد 2: 272، والمغني لابن قدامة 4: 471، والشرح الكبير 4: 440.
(3) النتف 1: 604، واللباب 2: 11، والمبسوط 21: 75، وبدائع الصنائع 6: 139، وعمدة القاري 13: 73، وتبيين الحقائق 6: 94، والمجموع 13: 329، وفتح العزيز 10: 148، والمحلى 8: 91، والمغني لابن قدامة 4: 471، والشرح الكبير 4: 440، وبداية المجتهد 2: 272.

[ 252 ]

لا تشبهه (1). دليلنا: أنه لا دليل على بطلان هذه المنفعة، ولا على دخوله في الرهن، فيجب أن يكون للراهن، لان الاصل له. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الرهن محلوب ومركوب " (2) فأثبت للرهن منفعة الحلب والركوب، ولا خلاف أنه ليس ذلك للمرتهن، ثبت أنه للراهن. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه " (3) ونماؤه غنمه، فيجب أن يكون له، فمن ادعى خلافه فعليه الدلالة. مسألة 59: ليس للراهن أن يكري داره المرهونة، أو يسكنها غيره إلا باذن المرتهن، فان أكراها وحصلت اجرتها كانت له. وقال الشافعي: له أن يؤجرها ويسكنها غيره (4). وهل له أن يسكنها بنفسه؟ لهم فيه وجهان (5).

(1) المدونة الكبرى 5: 301، وبداية المجتهد 2: 272، وجواهر الاكليل في شرح مختصر الشيخ خليل 2: 82، وأسهل المدارك في شرح ارشاد السالك 2: 374، والنتف 1: 604، والمجموع 13: 229، وعمدة القاري 14: 73، والمغني لابن قدامة 4: 471، والشرح الكبير 4: 440، وفتح العزيز 110: 148.
(2) سنن الدارقطني 3: 34 حديث 136، والسنن الكبرى 6: 38، والام 3: 155.
(3) سنن الدارقطني 3: 33 حديث 123، وترتيب مسند الشافعي 2: 163 حديث 567، والمستدرك على الصحيحين 2: 51، والسنن الكبرى 6: 39، ورواه ابن حبان في صحيحه باختلاف يسير في اللفظ، انظر الاحسان بترتيب بن حبان 7: 570 حديث 5904.
(4) المجموع 13: 230 - 231، والمغني لابن قدامة 4: 472 - 473، والشرح الكبير 4: 431.
(5) النتف 1: 606، والمجموع 13: 230 - 231، والوجيز 1: 164، ومغني المحتاج 2: 131، والسراج الوهاج: 216، وارشاد الساري 4: 298.

[ 253 ]

دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم (1)، ولانه لا دليل على جواز ذلك. مسألة 60: إذا زوج الراهن عبده المرهون، أو جاريته المرهونة، كان تزويجه صحيحا. وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: لا يصح تزويجه (3). دليلنا قوله تعالى: " وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم " (4)، ولم يفصل، فمن ادعى التخصيص فعليه الدلالة. مسألة 61: إذا شرط في حال عقد الرهن شروطا فاسدة، كانت الشروط فاسدة، لم يبطل الرهن، ولا البيع الذي كان الرهن شرطا فيه. وقال الشافعي: إن كان الشرط ينقص من حق المرتهن، فانه يفسد الرهن قولا واحدا (5)، وإن زاد في حق المرتهن ففيه قولان: أحدهما: يفسده (6). والاخر: لا يفسده (7). فإذا قال: يفسد الرهن، فهل يبطل البيع؟ فيه قولان:

(1) انظر الكافي 5: 232 (باب الرهن)، ومن لا يحضره الفقيه 3: 195 (باب 95)، والتهذيب 7: 168 (باب 15)، والاستبصار 3: 118 (باب 79).
(2) الفتاوى الهندية 5: 437، والمغني لابن قدامة 4: 435، والشرح الكبير 4: 436، وفتح العزيز 10: 88 89، والبحر الزخار 5: 119.
(3) الام 3: 140، والمجموع 13: 231، والوجيز 1: 164، وفتح العزيز 10: 88، وكفاية الاخيار 1: 163، والسراج الوهاج: 216، ومغني المحتاج 2: 131، والمغني لابن قدامة 4: 435، والشرح الكبير 4: 435، وحاشية اعانة الطالبين 3: 63، والبحر الزخار 5: 119.
(4) النور: 32.
(5) الام 3: 155 - 156، والمجموع 13: 216، وفتح العزيز 10: 46 - 47، والمغني لابن قدامة 4: 465، والشرح الكبير 4: 457.
(6) الام 3: 155 - 156، والمجموع 13: 216، وفتح العزيز 10: 43، والمغني لابن قدامة 4: 465، والشرح الكبير 4: 457.
(7) المصادر السابقة.

[ 254 ]

أحدهما: يبطل، وهو الصحيح عندهم (1). والثاني: لا يفسد البيع (2). وإذا قال البيع صحيح، كان البائع بالخيار بين أن يجيزه بلا رهن، وبين أن يفسخه، لانه لم يسلم له الرهن. دليلنا: إن فساد الشرط لا يتعدى الى فساد الرهن، ولا الى فساد البيع، لان تعديه اليهما يحتاج الى دليل، ولا دليل على ذلك. مسألة 62: إذا كان له على غيره ألف فقال: أقرضني ألفا آخر حتى أرهن عندك هذه الضيعة بالالفين، صح ذلك، ولم يمنع منه مانع. وقال الشافعي: لا يصح الرهن، ولا القرض الثاني (3). دليلنا: إن فساد ذلك يحتاج الى شرع، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 63: إذا كانت المسألة بحالها إلا أن من عليه الالف قال الذي له الالف: بعني عبدك هذا بألف درهم، على أن ارهنك داري هذه بهذا الالف، وبالالف الاخر الذي علي، فباعه، صح البيع. وقال الشافعي: لا يصح (4). دليلنا: ان البيع والرهن جميعا جائزان على الانفراد، فمن حكم بفسادهما عند الاجتماع فعليه الدلالة. مسألة 64: إذا رهن نخلا، أو ماشية، على أن ما أثمرت أو نتجت يكون

(1) الام 3: 155 - 156، والمجموع 13: 216، وفتح العزيز 10: 43 - 44.
(2) المصادر السابقة.
(3) الام 3: 155، ومختصر المزني: 100، والمجموع 13: 218، وكفاية الاخيار 1: 164، وفتح العزيز 10: 52، والمغني لابن قدامة 4: 466، والشرح الكبير 4: 458.
(4) الام 3: 155، ومختصر المزني: 100، والمجموع 13: 217، وفتح العزيز 10: 52، والشرح الكبير 4: 458 - 459.

[ 255 ]

رهنا معه، كان الشرط صحيحا، والرهن صحيحا، والبيع الذي يكون هذا شرطا فيه صحيحا. وللشافعي فيه أربعة أقوال: أولها مثل ما قلناه (1). والثاني: أن الثلاثة فاسدة (2). والثالث: أن الشرط فاسد، والرهن والبيع صحيحان، ويكون البائع بالخيار (3). والرابع يكون الرهن والشرط فاسدين، والبيع صحيحا (4). دليلنا: أنه لا دلالة على فساد ذلك، والاصل جوازه. وأيضا قوله: " كل شرط لا يخالف الكتاب والسنة فهو جائز " (5). وقوله: " المؤمنون عند شروطهم " (6). مسألة 65: إذا قال رهنتك هذا الحق بما فيه، لا يصح الرهن فيما فيه بلا خلاف، للجهل بما فيه، ويصح عندنا في الحق. وللشافعي في الحق قولان، بناء على تفريق الصفقة (7). دليلنا: أنه لا دلالة على بطلانه في الحق، فوجب أن يصح.

(1) الام 3: 195، ومختصر المزني: 100، والمجموع 13: 218 - 219، وفتح العزيز 10: 49 و 51 - 52.
(2) الام 3: 156 و 195، ومختصر المزني: 100، والمجموع 13: 218 - 219، وفتح العزيز 10: 52.
(3) الام 3: 156 و 161 - 162، ومختصر المزني: 100، والمجموع 13: 218 - 219، وفتح العزيز 10: 52.
(4) مختصر المزني: 100، والمجموع 13: 218 - 219، وفتح العزيز 10: 52.
(5) الكافي 5: 169 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 127 حديث 553، والتهذيب 7: 22 حديث 94 و 7: 25 حديث 107.
(6) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44 حديث 1195 و 1246، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.
(7) الام 3: 161، ومختصر المزني: 100، والمجموع 13: 208، وفتح العزيز 10: 57.

[ 256 ]

مسألة 66: الرهن غير مضمون عندنا، فان تلف من غير تفريط فلا ضمان على المرتهن، ولا يسقط دينه عن الراهن. وبه قال علي عليه السلام. فانه روي عنه أنه قال: " الرهن أمانة " (1). وروي أنه قال: " إذا تلف الرهن بالجائحة فلا ضمان على المرتهن " (2). وهو مذهب عطاء بن أبي رباح، واليه ذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، والاوزاعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وهو اختيار أبو بكر ابن المنذر (3). وذهب أبو حنيفة، وسفيان الثوري إلى: أن الرهن مضمون بأقل الامرين من قيمته، أو الدين (4)، وبه قال عمر بن الخطاب (5). وذهب شريح، والشعبي، والنخعي، والحسن البصري إلى: أن الرهن مضمون بجميع الدين، فإذا تلف الرهن في يد المرتهن سقط جميع الدين، وان كان أضعاف قيمته. وقالوا: الرهن بما فيه (6).

(1) لم أقف على لفظ الرواية ولكن يستفاد ذلك مما رواه البيهقي في السنن الكبرى 6: 43.
(2) انظر المصدر السابق.
(3) مختصر المزني: 101، والمجموع 13: 249، وكفاية الاخيار 1: 163، ومغني المحتاج 2: 137، وفتح العزيز 10: 138، والنتف 1: 607، والمغني لابن قدامة 4: 478، والاقناع 2: 160 و 162، والشرح الكبير 4: 444، واحكام القرآن للجصاص 1: 526 - 527، وبداية المجتهد 2: 273، والمبسوط 21: 65، والبحر الزخار 5: 113.
(4) أحكام القرآن للجصاص 1: 526، والنتف 1: 608، واللباب 2: 5، والمبسوط 21: 64 - 65، وبدائع الصنائع 6: 154 و 160، والمغني لابن قدامة 4: 479، والشرح الكبير 4: 445، والمجموع 13: 249، وفتح العزيز 10: 138، وبداية المجتهد 2: 273، والبحر الزخار 5: 113.
(5) أحكام القرآن للجصاص 1: 527، وسنن الدارقطني 3: 31 حديث 119 - 120، والمبسوط 21: 64، وبدائع الصنائع 6: 160، والمجموع 13: 249، والمغني لابن قدامة 4: 478 - 479، والشرح الكبير 4: 445، والبحر الزخار 5: 113.
(6) أحكام القرآن للجصاص 1: 527، والنتف 1: 608، والمبسوط 21: 65، وبدائع الصنائع 6: 160، والمغني لابن قدامة 4: 478 - 479، والشرح الكبير 4: 444 - 445، والمجموع 13: 250.

[ 257 ]

دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم ذكرناها في الكتاب المذكور (1)، وما روينا عن علي عليه السلام دليل عليه، لان قوله حجة. وروى سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا يغلق الرهن والرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه " (2). وفيه دليلان: أحدهما: أنه قال: " له غنمه وعليه غرمه ". والثاني: " أنه قال: " الرهن من صاحبه " يعني من ضمان صاحبه. ومعنى قوله: " لا يغلق الرهن " أي لا يملكه المرتهن. وأيضا قال النبي صلى الله عليه وآله: " الخراج بالضمان " (3). وخراجه للراهن بلا خلاف، فوجب أن يكون من ضمانه. مسألة 67: إذا ادعى المرتهن هلاك الرهن قبل قوله مع يمينه، سواء ادعى هلاكه بأمر ظاهر مثل: الغرق، والحرق، والنهب. أو بأمر خفي مثل: التلصص، والسرقة الخفية، والضياع، وبه قال الشافعي (4). وقال مالك: إن ادعى هلاكه بأمر ظاهر قبل قوله مع يمينه، وإذا حلف

(1) الكافي 5: 234 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 3: 166 حديث 893، والتهذيب 7: 765 حديث 762، والاستبصار 3: 120 حديث 427 - 428.
(2) سنن الدارقطني 3: 33 حديث 123، وترتيب مسند الشافعي 2: 163 حديث 567، والسنن الكبرى 6: 39، والمستدرك على الصحيحين 2: 51، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 570 حديث 5904.
(3) سنن ابن ماجة 2: 754 حديث 2243، وسنن الترمذي 3: 582 حديث 1285 - 1286، وسنن النسائي 7: 255، وترتيب مسند الشافعي 2: 143 حديث 379، ومنحة المعبود 1: 267 حديث 1347.
(4) الام 3: 167، وكفاية الاخيار 1: 163، وفتح العزيز 10: 139، والمغني لابن قدامة 4: 478، والشرح الكبير 4: 444 - 445، وبداية المجتهد 2: 273.

[ 258 ]

لا ضمان عليه، وإذا ادعى هلاكه بأمر خفي لم يقبل قوله إلا ببينة، فان لم يكن له بينة وجب عليه الضمان (1). دليلنا: اجماع الفرقة، وعموم الاخبار التي أوردناها (2)، فمن ادعى تخصيصها فعليه الدلالة. مسألة 68: إذا كاتب عبده على نجمين، وأخذ به رهنا، صح الرهن. وبه قال أبو حنيفة (3). وقال الشافعي: لا يصح (4). دليلنا قوله تعالى: " فرهان مقبوضة " (5) ولم يفرق، فهو على عمومه.

(1) بداية المجتهد 2: 273، والمغني لابن قدامة 4: 479، والمجموع 13: 250، وفتح العزيز 10: 139، والشرح الكبير 4: 445.
(2) انظر ما تقدمت الاشارة إليه في المسألة السابقة من الاخبار.
(3) المبسوط 21: 134 - 135، وتبيين الحقائق 6: 66، وفتح العزيز 10: 34.
(4) الام 3: 160، ومغني المحتاج 2: 127، والوجيز 1: 161، والسراج الوهاج: 214، وفتح العزيز 10: 33 - 34، والمغني لابن قدامة 4: 409، والشرح الكبير 4: 400.
(5) البقرة: 283.

[ 259 ]

كتاب التفليس

[ 261 ]

مسألة 1: المفلس في الشرع: من ركبته الديون، وماله لا يفي بقضائها، فإذا جاء غرماؤه الى الحاكم، وسألوه الحجر عليه، فانه يجب على الحاكم أن يحجر عليه إلا مقدار نفقته إذا ثبت عنده دينهم، وأنه حال غير مؤجل، وان صاحبهم مفلس لا يفي ماله بقضاء دينهم، فإذا ثبت جميع ذلك عنده، فلسه وحجر عليه. وتعلق بحجره ثلاثة أحكام: أحدها: أنه يتعلق ديونهم بعين المال الذي في يده. والثاني: أنه يمنع من التصرف في ماله، وإن تصرف لم يصح تصرفه. والثالث: أن كل من وجد من غرمائه عين ماله عنده، كان أحق به من غيره. وقد روي: أنه يكون أسوة للغرماء، ويتعلق دينه بذمته (1). والصحيح الاول. وإن مات هذا المديون قبل أن يحجر الحاكم عليه، فهو بمنزلة مالو حجر عليه في حال الحياة، يتعلق بماله الاحكام الثلاثة التي ذكرناها. وبه قال علي عليه السلام، وعثمان بن عفان، وأبو هريرة، وفي الفقهاء أحمد، واسحاق، والشافعي (2).

(1) التهذيب 6: 193 حديث 421، والاستبصار 3: 8 حديث 20.
(2) الام 3: 199، والمجموع 13: 279 و 298، ومغني المحتاج 2: 146 - 147، والوجيز 1: 170 و 172،

[ 262 ]

وقال أبو حنيفة: لا يجوز للغرماء أن يسألوا الحاكم الحجر عليه، فان سألوه وأدى اجتهاده الى الحجر عليه، فان ديونه لا تتعلق بعين ماله، بل تكون في ذمته، ويمنع من التصرف في ماله كما قلناه، لان حجر الحاكم عنده صحيح، ولا يجوز لمن وجد من الغرماء عين ماله أن يفسخ البيع، وإنما يكون أسوة للغرماء كما رويناه في بعض الاخبار (1)، وكذا الحكم إذا مات (2). وقال مالك مثل قولنا إذا حجر عليه الحاكم، فأما بعد الموت فانه قال: يكون أسوة للغرماء، ولا يكون صاحب العين أحق بها من غيره (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد أوردناها في الكتابين، وبينا الوجه في الرواية التي تخالفها (4). وروى أبو هريرة قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه (5). وروى غياث بن ابراهيم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليا كان

وفتح العزيز 10: 196، وكفاية الاخيار 1: 166، والمحلى 8: 176، والمغني لابن قدامة 4: 493 - 494، والشرح الكبير 4: 500 و 503، وعمدة القاري 12: 238 و 240. (1) تقدمت الاشارة إليه في الهامش رقم " 1 " من هذه المسألة.
(2) اللباب 2: 23، والمبسوط 24: 163، والنتف 2: 752، وعمدة القاري 2: 240، والهداية المطبوع مع شرح فتح القدير 7: 330 و 500، وتبيين الحقائق 5: 199 و 201، والفتاوى الهندية 5: 61 و 64، وبداية المجتهد 2: 283، والمجموع 13: 279، وفتح العزيز 10: 196، والمغني لابن قدامة 4: 494، والشرح الكبير 4: 503.
(3) المدونة الكبرى 5: 237، وبداية المجتهد 2: 283 - 284، والموطأ 2: 678، وفتح الرحيم 2: 142، وأقرب المسالك 2: 137، والمحلى 8: 177، والمغني لابن قدامة 4: 494، والشرح الكبير 4: 503، والمجموع 13: 279، وفتح العزيز 10: 196.
(4) انظر التهذيب 6: 193 حديث 421، والاستبصار 3: 8 حديث 20.
(5) سنن ابن ماجة 2: 791 حديث 2359 و 2361، والمستدرك على الصحيحين 2: 51، وترتيب مسند الشافعي 2: 163 حديث 564، وسنن الدارقطني 3: 29 حديث 107.

[ 263 ]

يفلس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر به فيقسم ماله بينهم بالحصص، فان أبى، باعه فقسمه بينهم (1)، يعني: ماله. وروى اسحاق بن عمار (2)، عن جعفر، عن أبيه: أن عليا عليه السلام كان يفلس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر فيقسم ماله بينهم بالحصص، فان أبى باعه فيقسم بينهم (3). يعني: ماله. فاما المسألة الثالثة يدل عليها ما رواه حماد بن عيس، عن عمر بن يزيد (4)، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يركبه الدين، فيوجد متاع رجل عنده؟ قال: لا يحاصه الغرماء (5). مسألة 2: إذا مات المديون عليه، فكل من وجد من غرمائه عين ماله كان أحق بها إذا كان خلف وفاء للباقين، وإن لم يخلف إلا الشئ بعينه كانوا سواء، ولم يكن واحد منهم أحق من غيره بعين ماله. وقال أبو سعيد الاصطخري: كل من وجد من غرمائه عين ماله فهو أحق بها، سواء خلف وفاء أو لم يخلف (6). وقال الباقون من أصحاب الشافعي: إذا خلف وفاء للديون، لم يكن لاحد

(1) التهذيب 6: 299 حديث 833.
(2) اسحاق بن عمار بن موسى الساباطي، ممن روى عن الامام الصادق عليه السلام، قيل: انه فطحي ثقة، له أصل، وأصله معتمد عليه. انظر تنقيح المقال 1: 115.
(3) الكافي 5: 103 حديث 1، والتهذيب 6: 299 حديث 835، والاستبصار 3: 7 حديث 15.
(4) عمر بن محمد بن يزيد، أبو الاسود، بياع السابري، مولى ثقيف، كوفي، ثقة جليل، أحد من كان يفد في كل سنة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام. انظر رجال النجاشي: 201، وتنقيح المقال 2: 347.
(5) التهذيب 6: 193 حديث 420، والاستبصار 3: 8 حديث 19.
(6) المجموع 13: 341، وفتح العزيز 10: 199، والشرح الكبير 4: 508.

[ 264 ]

أن يأخذ عين ماله، وإنما له ذلك إذا لم يخلف غيره، عكس ما قلناه (1). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى محمد بن علي بن محبوب (2)، عن أحمد بن محمد (3)، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد (4) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل باع من رجل متاعا إلى سنة، فمات المشتري قبل أن يحل ماله، وأصاب البائع متاعه بعينه، أله أن يأخذه إذا تحقق له؟، قال: فقال: إن كان عليه دين وترك نحوا من مقدار ما عليه، فليأخذ إن تحقق له، فان ذلك حلال له، وإن لم يترك نحوا من دينه، فان صاحب المتاع كواحد ممن له عليه شئ، يأخذ بحصته، ولا سبيل له على المتاع (5). مسألة 3: إذا باع شقصا من أرض، أو دار، ولم يعلم شريكه بالبيع حتى فلس المشتري، فلما سمع جاء يطالبه بالشفعة، فانه يستحق الشفعة، ويؤخذ ثمن الشقص منه، فيكون بينه وبين الغرماء الباقين. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال:

(1) المجموع 13: 341، والوجيز 1: 172، وفتح العزيز 10: 199، وفتح الباري 5: 64.
(2) أبو جعفر، محمد بن علي بن محبوب الاشعري القمي، شيخ القميين في زمانه، ثقة، عين، فقيه، صحيح المذهب، له كتب، روى عنه أحمد بن ادريس ومحمد بن يحيى العطار وغيرهما. تنقيح المقال 3: 160.
(3) أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك الاشعري القمي أبو جعفر، شيخ القميين ووجههم وفقيههم، لقى الامام الرضا والجواد والعسكري عليهم السلام وروى عنهم، وثقه رجل من ترجم له، روى عن الحسن بن محبوب. تنقيح المقال 1: 90 - 92.
(4) أبو ولاد حفص بن سالم الحناط، مولى، جعفى، وقيل: حفص بن يونس، مخزومي. من أصحاب الامام الصادق عليه السلام، ثقة، من أصحاب الاصول، روى أصله الحسن بن محبوب. انظر رجال النجاشي: 98، وتنقيح المقال 1: 353.
(5) التهذيب 6: 193 حديث 421، والاستبصار 3: 8 حديث 20.

[ 265 ]

أحدها: وهو الصحيح عند أصحابه، مثل ما قلناه (1). والثاني: أن البائع أحق بعين ماله، ولا حق للشفيع ولا لسائر الغرماء (2). والثالث: أن الشفيع يأخذ الشقص بالشفعة، ويؤخذ منه الثمن، فيخص به شريكه البائع، ولا حق للغرماء فيه (3). دليلنا: أن المشتري إذا فلس، إنتقل الملك عنه الى حق الغرماء، فلم يكن عين المبيع قائما، فلا يكون البائع أحق به، لان حق الشفيع ثابت على المشتري حين العقد، فيؤخذ ثمنه منه، فيكون أسوة للغرماء، ولا يكون أحق بالثمن، لان الحق إنما يثبت له في عين ماله، فأما في ثمنه فلا دلالة على ذلك. مسألة 4: إذا اختار عين ماله في الموضوع الذي له ذلك، فقال له الغرماء: نحن نعطيك ثمنه، ونسقط حقك من العين، لم يجب عليه قبوله، وله أخذ العين، ويكون فائدته أن ثمن العين ربما كان أكثر، فيرتفق الغرماء بذلك. وبه قال الشافعي (4). وقال مالك: يجبر على قبض الثمن، وسقط حقه من العين (5). دليلنا: عموم الاخبار في أنه أحق بعين ماله (6)، فمن خصصها فعليه الدلالة. مسألة 5: إذا باع رجل من رجل عبدين قيمتهما سواء بثمن، وأفلس

(1) المجموع 13: 306، والمغني لابن قدامة 4: 522، والشرح الكبير 4: 514 - 515.
(2) المصادر المتقدمة.
(3) نفس المصادر المتقدمة.
(4) الام 3: 200، والمجموع 13: 301، والمغني لابن قدامة 4: 496، والشرح الكبير 4: 505، وعمدة القاري 12: 238.
(5) المدونة الكبرى 4: 352 - 353، والمغني لابن قدامة 4: 496، والمجموع 13: 301، وعمدة القاري 12: 238، والشرح الكبير 4: 505 (6) انظر التهذيب 6: 193، حديث 420 و 421، والاستبصار 3: 8، حديث 19 و 20.

[ 266 ]

المشتري بالثمن، وكان قد قبض منه قبل الافلاس نصف ثمنهما، فان حقه يثبت في العين. وبه قال الشافعي في الجديد (1). وقال في القديم: إذا قبض بعض ثمن العين، لم يكن له فيها حق إذا وجدها (2). وبه قال مالك (3). دليلنا: قوله عليه السلام: " فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه ". وهذا وجد عين متاعه، فيجب أن يكون أحق. مسألة 6: إذا باع زيتا، فخلطه المشتري بأجود منه، ثم أفلس المشتري بالثمن، سقط حق البائع من عين الزيت، وبه قال الشافعي (4). وقال المزني: لا يسقط حقه من عينه (5). دليلنا: أن عين زيته نافذة، بدلالة أنها ليست موجودة مشاهدة، لانا لا نشاهدها، ولا من طريق الحكم، لانه ليس له أن يطالب بقسمته. وإذا لم تكن موجودة من الوجهين، كانت بمنزلة التالفة، فسقط حقه من عينها. مسألة 7: إذا باع رجل ثوبا من رجل وكان خاما، فقصره أو قطعه قميصا، وخاط بخيوط منه، أو باعه حنطة فطحنها، أو غزلا فنسجه، ثم أفلس بالثمن، ثم

(1) مختصر المزني: 103، والمجموع 13: 303، وفتح العزيز 10: 248، وعمدة القاري 12: 238 - 239، وبداية المجتهد 2: 284.
(2) الام 3: 202، والمجموع 13: 303، وفتح العزيز 10: 248، وعمدة القاري 12: 238 - 239.
(3) الموطأ 2: 679، وبداية المجتهد 2: 284، وجواهر الاكليل 2: 95، والشرح الصغير بهامش بلغة السالك 2: 136، وعمدة القاري 12: 238، والمجموع 13: 303.
(4) الام 3: 203، ومختصر المزني: 103، وفتح العزيز 10: 265، والمغني لابن قدامة 4: 501، والشرح الكبير 4: 519.
(5) الام 3: 203، ومختصر المزني: 103، وفتح العزيز 10: 265.

[ 267 ]

وجد البائع عين ماله، فالبائع أحق بعين ماله، ويشاركه المفلس فيها، ويستحق أجرة المثل في العمل عليه. وهو اختيار الشافعي (1). وقال المزني: لا يشاركه فيها، ويختص البائع بها (2). دليلنا: أن هذه الصنائع إذا كان لها أجرة، والعمل غير منفصل من العين، فيجب أن يشاركه صاحب العين فيها بصنعته، وإلا أدى الى بطلان حقه، وذلك لا يجوز. مسألة 8: إذا قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه، ثم ظهر غريم آخر، فان الحاكم ينقض القسمة، ويشاركهم هذا الغريم فيما أخذوه. وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: لا ينقض الحاكم القسمة، وإنما يكون دين هذا الغريم فيما يظهر للمفلس من المال بعد ذلك (4). دليلنا: عموم الاخبار التي رويناها في أن المال يقسم بين الغرماء (5)، وذلك عام فيمن حضر ومن لم يحضر، فينبغي أن يكون مستحقا للقسمة، وإذا قسم في غيره لم يبطل قسمته، لانه لا دليل عليه.

(1) الام 3: 203 و 204، ومختصر المزني: 103، والمجموع 13: 322 - 323، وفتح العزيز 10: 267، والمغني لابن قدامة 4: 503، والشرح الكبير 4: 520.
(2) الام 3: 203، ومختصر المزني: 103، والمجموع 13: 322، وفتح العزيز 10: 267، والمغني لابن قدامة 4: 503، والشرح الكبير 4: 521.
(3) مختصر المزني: 104، والمجموع 13: 342، ومغني المحتاج 2: 152، والوجيز 1: 171، وفتح العزيز 10: 219، والمغني لابن قدامة 4: 532، والشرح الكبير 4: 546.
(4) جواهر الاكليل 2: 89، والمجموع 13: 342، والمغني لابن قدامة 4: 532، والشرح الكبير 4: 546.
(5) الكافي 5: 102 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 19 حديث 43 والتهذيب 6: 60 حديث 444، والاستبصار 3: 7 حديث 15.

[ 268 ]

مسألة 9: عندنا أن للحاكم أن يحجر على من عليه الدين. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا يجوز له الحجر عليه بحال، بل يحبسه أبدا إلى أن يقضيه (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (3)، وقد أوردناها فيما مضى. مسألة 10: يجوز للحاكم أن يبيع مال المفلس، ويقسمه بين الغرماء. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: ليس له بيعه، وإنما يجبره على بيعه، فان باعه وإلا حبسه إلى أن يبيعه، ولا يتولاه من غير اختياره (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد أوردناها فيما مضى (6).

(1) مختصر المزني: 104 - 105، والمجموع 13: 278، والوجيز 1: 171، وفتح العزيز 10: 196 و 216، ومغني المحتاج 2: 146، والاشباه والنظائر للسيوطي: 460، والمغني لابن قدامة 4: 529، والشرح الكبير 4: 500، وتبيين الحقائق 5: 192 و 199.
(2) اللباب 2: 20، والمبسوط 24: 163، وتبيين الحقائق 5: 192 و 199، والهداية المطبوع مع شرح فتح القدير 7: 324 و 327، والمغني لابن قدامة 4: 529، والشرح الكبير 4: 500، وفتح العزيز 10: 196 و 216، والمجموع 13: 279.
(3) انظر التهذيب 6: 299 حديث 833 و 835.
(4) الام 3: 212، والمجموع 13: 272، والوجيز 1: 171، وفتح العزيز 10: 216، ومغني المحتاج 2: 150، والسراج الوهاج: 224، والمغني لابن قدامة 4: 529، وبداية المجتهد 2: 280.
(5) المبسوط 24: 164 و 165، وشرح فتح القدير 7: 328، والفتاوى الهندية 3: 419، وتبيين الحقائق 5: 199 - 200، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 328، والمجموع 13: 272، وفتح العزيز 10: 216، والمغني لابن قدامة 4: 529 - 530، وبداية المجتهد 2: 280، واللباب 2: 20.
(6) انظر الكافي 5: 102 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 19 حديث 1، والتهذيب 6: 191 حديث 412 و 6: 299 حديث 833، والاستبصار 3: 7 حديث 15.

[ 269 ]

وأيضا روى كعب بن مالك (1): أن النبي صلى الله عليه وآله حجر على معاذ، وباع عليه ماله في دينه (2). وهذا يقتضي أنه باعه بغير اختياره. وأيضا روي عن عمر بن الخطاب، أنه خطب الناس وقال: ألا إن الاسيفع (3) اسيفع جهينة، قد رضى من دينه وأمانته بأن يقال: قد سبق الحاج، فأدان معرضا، فأصبح وقد رين (4) به، فمن كان عليه دين، فليحضر غدا، فانا بائعوا ماله، وقاسموه بين غرمائه (5). ولا يعرف له مخالف. مسألة 11: إذا أفلس الرجل، وحجر عليه الحاكم، ثم تصرف في ماله إما بالهبة، أو البيع، أو الاجارة، أو العتق، أو الكتابة، أو الوقف كان تصرفه باطلا. وللشافعي فيه قولان:

(1) كعب بن مالك بن أبي كعب واسمه عمرو بن القين بن كعب بن سواد، أبو عبد الله السلمي، وقيل في كنيته غير هذا، شاعر، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعن اسيد بن حضير، وعنه اولاده وعبد الله بن عباس وجابر وغيرهم، قيل انه مات قبل الاربعين وقيل احدى وخمسين، وقيل غير ذلك. انظر تهذيب التهذيب 8: 440، واسد الغابة 4: 247.
(2) روى قصة الحجر على معاذ عبد الرزاق بن همام في مصنفه 8: 268 حديث 15177، والبيهقي في سننه 6: 48، والحاكم في المستدرك 2: 58، والذهبي في تلخيصه المطبوع في ذيل المستدرك على الصحيحين 2: 58، وابن قدامة في المغني 4: 493، والعسقلاني في تلخيص الحبير 3: 37، بالفاظ مختلفة، فلاحظ. (3) الاسيفع رجل من جهينة كان يشتري الرواحل فيغالي بها ثم يسرع السير فيسبق الحاج، فأفلس، فرفع أمره الى عمر بن الخطاب. أما قوله (أدان معرضا) أي استقرض ممن أمكنه.
(4) في أكثر النسخ " دين به " أما كلمة " رين به " معناها: وقع فيما لا يستطيع الخروج منه.
(5) رواه العسقلاني أيضا في تلخيص الحبير 3: 40 - 41 ذيل حديث 1239، والرافعي في فتح العزيز 10: 217 فلاحظ.

[ 270 ]

أحدهما: مثل ما قلناه، وهو اختيار المزني (1)، وهو الصحيح عندهم (2). والثاني: أن تصرفه موقوف، ويقسم ماله سوى ما تصرف فيه بين غرمائه، فان كان وفا لهم صح تصرفه، وان لم يف بطل تصرفه (3). دليلنا: ظاهر الخبر أنه كان يفلس الرجل (4)، فإذا ثبت ذلك، فمن خالف أمر الامام أو النائب عنه كان تصرفه باطلا، ولانه كان يؤدي إلى أنه لا فائدة للحجر متى فرضنا أن تصرفه يكون صحيحا. مسألة 12: إذا أقر المحجور عليه بدين لغيره، وزعم أنه كان عليه قبل الحجر قبل إقراره، وشارك الغرماء. وهو اختيار الشافعي، وقال: وبه أقول (5). وله قول آخر: وهو أن يكون في ذمته، يقضى من الفاضل من دين غرمائه (6). دليلنا: أن إقراره صحيح، وإذا ثبت صحته، فالخبر على عمومه في قسمة ماله بين غرمائه (7)، فمن خصصه فعليه الدلالة.

(1) مختصر المزني: 104.
(2) الام 3: 210، ومختصر المزني: 104، والمجموع 13: 282، ومغني المحتاج 2: 148، والسراج الوهاج: 223، وفتح العزيز 10: 204، والمغني لابن قدامة 4: 530، والشرح الكبير 4: 501.
(3) الام 3: 210 و 211، ومختصر المزني: 104، ومغني المحتاج 2: 148، والسراج الوهاج: 223، والمجموع 13: 282، وفتح العزيز 10: 204، والمغني لابن قدامة 4: 530، والشرح الكبير 4: 501.
(4) انظره في الكافي 5: 102 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 19 ذيل الحديث الاول، والتهذيب 6: 299 حديث 835، والاستبصار 3: 7 حديث 15.
(5) الام 3: 210، ومختصر المزني: 104، والمجموع 13: 285 - 286، ومغني المحتاج 2: 148، والسراج الوهاج: 223، وفتح العزيز 10: 206.
(6) الام 3: 210، ومختصر المزني: 104، ومغني المحتاج 2: 148، والسراج الوهاج: 223، والمجموع 13: 285 - 286، وفتح العزيز 10: 206.
(7) انظر الكافي 5: 102 حديث 1، والتهذيب 6: 191 حديث 412، والاستبصار 3: 7 حديث 15.

[ 271 ]

مسألة 13: من كان عليه ديون حالة ومؤجلة، وحجر عليه الحاكم بسبب الديون الحالة، لا تصير المؤجلة حالة. وبه قال المزني، وهو الصحيح من أحد قولي الشافعي عند أصحابه (1). وقوله الاخر: أنها تصير حالة (2). وبه قال مالك (3). دليلنا: أن الاصل كونها مؤجلة، ولا دليل على أنها تصير غير مؤجلة، فمن ادعى ذلك فعليه الدلالة. مسألة 14: من مات وعليه دين مؤجل، حل عليه بموته. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، ومالك، وأكثر الفقهاء (4). إلا الحسن البصري، فانه قال: لا تصير المؤجلة حالة بالموت (5). فأما إذا كانت له ديون مؤجلة، فلا تحل بموته بلا خلاف، إلا رواية شاذة رواها أصحابنا أنها تصير حالة (6).

(1) الام 3: 212، ومغني المحتاج 2: 147، والسراج الوهاج: 223، والوجيز 1: 173 والمجموع 13: 289، وفتح العزيز 10: 201، والمغني لابن قدامة 4: 525، والشرح الكبير 4: 543. (2) المجموع 13: 289، والسراج الوهاج: 223، ومغني المحتاج 2: 147، وفتح العزيز 10: 201، والمغني لابن قدامة 4: 525، والشرح الكبير 4: 543.
(3) المدونة الكبرى 5: 235، وبلغة السالك 2: 127، وبداية المجتهد 2: 282، وجواهر الاكليل 2: 88، والشرح الصغير بهامش بلغة السالك 2: 127، وفتح الرحيم 2: 143، والمجموع 13: 289، وفتح العزيز 10: 201، والمغني لابن قدامة 4: 525، والشرح الكبير 4: 543.
(4) الام 3: 212، والمجموع 13: 338، وفتح العزيز 10: 201، والسراج الوهاج: 222، وبداية المجتهد 2: 282، وجواهر الاكليل 2: 88، والشرح الصغير المطبوع بهامش أقرب المسالك 2: 127، والمغني لابن قدامة 4: 526، والشرح الكبير 4: 545.
(5) المغني لابن قدامة 4: 526.
(6) انظر الكافي 5: 99 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 116 حديث 496، والتهذيب 6: 190 حديث 407.

[ 272 ]

دليلنا على بطلان مذهب الحسن: إجماع الفرقة، بل إجماع المسلمين، لان خلافه قد انقرض، ولانه واحد لا يعتد به لشذوذه. مسألة 15: إذا أفلس من عليه الدين، وكان ما في يده لا يفي بقضاء ديونه، لا يؤاجر ليكتسب، ويدفع الى الغرماء. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، ومالك، وأكثر الفقهاء (1). وقال أحمد، واسحاق، وعمر بن عبد العزيز، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وسوار بن عبد الله القاضي: أنه يؤاجر، ويؤخذ اجرته، فتقسم بين غرمائه (2). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، ولا دليل على وجوب إجارته وتكسبه. وأيضا قوله تعالى: " وإن كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة " (3) ولم يأمر بالكسب. مسألة 16: المفلس إذا ماتت زوجته، وجب أن يجهزها من ماله. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يجب عليه تجهيزها ونفقتها (4). والثاني: لا يجب ذلك عليه (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم على أن كفن المرأة على زوجها (6)، وذلك عام في كل موضع.

(1) الام 3: 202، ومختصر المزني: 104، ومغني المحتاج 2: 154، والسراج الوهاج: 225، والمجموع 13: 272، وفتح العزيز 10: 223، والمدونة الكبرى 5: 206، والمغني لابن قدامة 4: 539، والشرح الكبير 4: 547، والنتف 2: 753، والمبسوط 24: 164، وتبيين الحقائق 5: 199، وفتاوى قاضيخان 5: 224.
(2) المجموع 13: 272، وفتح العزيز 10: 223، والمغني لابن قدامة 4: 540، والشرح الكبير 4: 548.
(3) البقرة: 280.
(4) مختصر المزني: 104، والمجموع 13: 291.
(5) المجموع 13: 291، والمغني لابن قدامة 4: 534 - 535، والشرح الكبير 4: 539.
(6) من لا يحضره الفقيه 4: 143 حديث 491.

[ 273 ]

مسألة 17: لا يجب على المفلس بيع داره التي يسكنها، ولا خادمه الذي يخدمه. وقال الشافعي: يجب عليه ذلك (1). وبه قال باقي الفقهاء (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (3)، ولانه لا دليل على وجوب بيع ذلك عليه. مسألة 18: المفلس إذا ادعى على غيره مالا، ولم تقم له بينة، فرد عليه اليمين فلم يحلف، لا يرد على الغرماء اليمين. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: قاله في الجديد مثل قولنا. والثاني: قاله في القديم: أنه يرد على الغرماء، فإذا حلفوا استحقوا المال وقسموه بينهم (4). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة من الايمان، وإيجاب رد اليمين على الغرماء يحتاج إلى الدلالة. مسألة 19: إذا باع الوكيل على رجل ماله، أو الولي مثل: الاب، والجد، والحاكم، وأمينه، والوصي ثم استحق المال على المشتري، فان ضمان العهدة يجب على من يبيع عليه ماله، فان كان حيا كان في ذمته، وإن كان ميتا كانت العهدة في تركته. وبه قال الشافعي (5).

(1) الام 3: 202، والمجموع 13: 291، ومغني المحتاج 2: 154، والسراج الوهاج: 225، وفتح العزيز 10: 221، والمغني لابن قدامة 4: 537، والشرح الكبير 4: 536.
(2) فتح العزيز 10: 222، والمغني لابن قدامة 4: 537، والشرح الكبير 4: 536.
(3) الكافي 5: 96 حديث 3، والتهذيب 6: 186 حديث 387، والاستبصار 3: 6 حديث 12.
(4) الام 3: 203، والمجموع 13: 287، والمغني لابن قدامة 4: 524، والشرح الكبير 4: 551.
(5) الام 3: 209، ومختصر المزني: 104، والسراج الوهاج: 225، والمجموع 13: 296، وفتح العزيز 10: 220، والمغني لابن قدامة 4: 539، والشرح الكبير 4: 539.

[ 274 ]

وقال أبو حنيفة: يجب على الوكيل (1). وقال في الحاكم وأمينه: أنهما لا يضمنان (2). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، ولا دليل على لزوم ذلك للوكيل أو هؤلاء، فيجب أن يلزم الموكل، وإلا لم يكن من يستحق عليه. مسألة 20: إذا كان للمفلس دار، فبيعت في دينه، وباعها أمين القاضي، وقبض الثمن، فهلك في يده، واستحقت الدار، فان العهدة تكون من مال المفلس، فيوفى المشتري جميع الثمن الذي وزنه في ثمن الدار. وبه قال الشافعي على ما نقله المزني (3). وروى حرملة عنه أنه قال: يكون المشتري كأحد الغرماء، فيضرب معهم بما وزن من الثمن، ويأخذ ما يخصه من المال (4). وقال أصحابه: هذه المسألة على قولين. ومنهم من قال: على طريقين (5). دليلنا: أن المال أخذ منه ببيع لم يسلم له، فوجب أن يرد على الثمن، وليس هذا دينا له على المفلس، فيكون كأحد الغرماء، ومن ألحقه بهم فعليه الدلالة. مسألة 21: تقبل البينة على إعسار الانسان. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي (6).

(1) تبيين الحقائق 5: 221.
(2) المبسوط 19: 29، والمجموع 13: 296.
(3) الام 3: 209، ومختصر المزني: 104، والمجموع 13: 297، وفتح العزيز 10: 221، والشرح الكبير 4: 541.
(4) و (5) المجموع 13: 297، وفتح العزيز 10: 221.
(6) الام 3: 212، ومختصر المزني: 104، والمجموع 13: 274 - 275، واللباب 2: 22، ومغني المحتاج 2: 156، والمغني لابن قدامة 4: 545، والشرح الكبير 4: 497 - 498، وبداية المجتهد 2: 289، وبدائع الصنائع 7: 173.

[ 275 ]

وقال مالك: لا تقبل الشهادة على الاعسار، سواء كان الشهود من أهل المعرفة الباطنة به، أو لم يكونوا (1). دليلنا: أن هذه الشهادة ليست على مجرد النفي، وإنما يتضمن إثبات صفة في الحال وهي الاعسار، فوجب أن تكون مقبولة مثل سائر الحقوق والصفات. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لقبيصة بن مخارق (2): " المسألة حرمت إلا في ثلاث: رجل يحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة وحاجة حتى يشهد أو يحكم ثلاثة من قومه من ذوي الحجى أن به فاقة وحاجة، فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش " (3). وهذا نص في إثبات الفقر بالبينة. مسألة 22: إذا قامت البينة على الاعسار وجب سماعها في الحال. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: يحبس المفلس شهرين (5). هذا رواية الاصل.

(1) المغني لابن قدامة 4: 545، والشرح الكبير 4: 498، والمجموع 13: 274، وفتح العزيز 10: 229.
(2) قبيصة بن المخارق بن عبد الله بن شداد بن ربيعة العامري الهلالي، أبو بشر، وفد على النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه، وروى عنه أبو عثمان النهدي وأبو قلابة وابنه قطن بن قبيصة. تهذيب التهذيب 8: 350، واسد الغابة 4: 192.
(3) صحيح مسلم 2: 722 حديث 109، وسنن أبي داود 2: 120 حديث 1640، وسنن الدارقطني 2: 120 حديث 2، والسنن الكبرى 6: 73 و 7: 21 باختلاف يسير في بعض ألفاظها.
(4) الام 3: 212، والمجموع 3: 275، والوجيز 1: 172، ومغني المحتاج 2: 156، والسراج الوهاج: 226، وفتح العزيز 10: 227، والمغني لابن قدامة 4: 546، والشرح الكبير 4: 498.
(5) اللباب 2: 22، والفتاوى الهندية 3: 415، والمجموع 13: 275، وفتح العزيز 10: 275، والمغني لابن قدامة 4: 546، والشرح الكبير 4: 498، وفتاوى قاضيخان 5: 226، وتبيين الحقائق 4: 181.

[ 276 ]

وقال الطحاوي: يحبس شهرا (1)، وروي أربعة أشهر ثم يسمع البينة (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، مثل ما روي عن علي عليه السلام أنه كان يحبس في الدين، فإذا تبين إفلاسه خلى سبيله (3). مسألة 23: إذا أقام البينة من عليه الدين على إعساره، وسأل الغرماء يمينه، كان لهم ذلك. وللشافعي فيه قولان: روى الربيع أن هذه اليمين إستظهار (4). والظاهر من رواية حرملة أنها إيجاب (5). دليلنا: أن الشاهدين يشهد ان على ظاهر الحال، ويجوز أن يكون له مال لا يقف عليه أحد، فيتوجه عليه اليمين، والاحتياط يقتضيه، ولا يؤدي الى تكذيب الشهود، لان الشهود يشهدون على ظاهر الحال دون الباطن. مسألة 24: إذا ثبت إعساره، وخلاه الحاكم، لم يجز للغرماء ملازمته إلى أن يستفيد مالا. وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: يجوز لهم ملازمته، فيمشون معه ولا يمنعونه من التكسب والتصرف، فإذا رجع الى بيته فان أذن لهم في الدخول معه دخلوا، وإن لم يأذن لهم منعوه من دخوله، وبيتوه برا معهم (7).

(1) الفتاوى الهندية 3: 415.
(2) الفتاوى الهندية 3: 415، والمجموع 13: 275، والمغني لابن قدامة 4: 546، والشرح الكبير 4: 498.
(3) التهذيب 6: 196 حديث 433 و 6: 299 حديث 834، والاستبصار 3: 47 حديث 156.
(4) و (5) المجموع 13: 275، وفتح العزيز 10: 231.
(6) مختصر المزني: 104 - 105، ومغني المحتاج 2: 156، والسراج الوهاج: 226، وفتح العزيز 10: 228، والمغني لابن قدامة 4: 543، والشرح الكبير 4: 500.
(7) النتف 2: 753، واللباب 2: 22 - 23، وفتاوى قاضيخان 5: 227، والفتاوى الهندية 3: 415 - 416، وتبيين الحقائق 4: 181، والمغني لابن قدامة 4: 543، والشرح الكبير 4: 500، وحاشية رد المحتار 5: 387، وفتح العزيز 10: 228.

[ 277 ]

دليلنا: أن الاصل براءة الذمة من ذلك، والمنع منه، ومن أوجب ذلك فعليه الدلالة. وأيضا قوله تعالى: " وإن كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة " (1) ولم يذكر الملازمة. وروى أبو سعيد الخدري أن رجلا اصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " تصدقوا عليه " فلم يبلغ وفاء دينه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك " (2). وهذا يدل على أنه ليس لهم ملازمته، وليس لهم إلا ما وجدوه. مسألة 25: إذا فك حجره، فادعى الغرماء أن له مالا، سأله الحاكم، فان أقر به ولم يكن المال وفاء لديونهم، وحدث ديان آخر بعد فك الحجر، سوى في قسمته بين الغرماء الذين حدثوا بعد فك الحجر عنه وبين الاولين. وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: يختص به الغرماء الذين حدثوا بعد فك الحجر (4). دليلنا: أن هذه ديون تساوت في الثبوت، والذمة خالية من الحجر، فيجب أن تتساوى في القسمة، لان تخصيص قوم دون قوم يحتاج الى دليل. مسألة 26: من كان له على غيره مال مؤجل الى شهر، وأراد من عليه الدين السفر الى موضع بعيد مدة سنة، لم يكن لصاحب الدين منعه منه ولا

(1) البقرة: 280.
(2) سنن ابن ماجة 2: 789 حديث 2356، ومسند أحمد 3: 36 و 58، وسنن الترمذي 3: 44 حديث 655، والسنن الكبرى 6: 50 باختلاف يسير في بعض الفاظها.
(3) المجموع 13: 342.
(4) جواهر الاكليل 2: 89، والمجموع 13: 342.

[ 278 ]

مطالبته بالكفيل. وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة (1). وقال مالك: له مطالبته بالكفيل (2). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة من المطالبة بالكفيل، فمن أوجب عليه فعليه الدلالة. مسألة 27: إذا كان سفره الى الجهاد، فليس له أيضا منعه منه. وهو ظاهر قول الشافعي (3)، وبه قال المزني من أصحابه (4). وفي أصحابه من قال: له المطالبة بالوثيقة، أو منعه من الجهاد (5). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. ويدل على المسألتين أيضا: أن هذا المدعي لا يستحق على صاحبه شيئا في الحال، فكيف يطالبه باقامة كفيل في الحال.

(1) مختصر المزني: 105، والمجموع 13: 272، ومغني المحتاج 2: 157، والوجيز 1: 171، وفتح العزيز 10: 215، واللباب 2: 22 - 23، وحاشية رد المحتار 5: 384، والهداية 7: 329، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 329، والمغني لابن قدامة 4: 549، وبدائع الصنائع 7: 173.
(2) المجموع 13: 272، وفتح العزيز 10: 215.
(3) المجموع 13: 272 - 273، وفتح العزيز 10: 216.
(4) لم أقف عليه في مظانه من الكتب المتوفرة.
(5) وهو قول الاصطخري والقاضي الروياني، انظر المجموع 13: 273، وفتح العزيز 10: 216.

[ 279 ]

كتاب الحجر

[ 281 ]

مسألة 1: الانبات دلالة على بلوغ المسلمين والمشركين. وقال أبو حنيفة: الانبات ليس بدلالة على بلوغ المسلمين، ولا المشركين، ولا يحكم به بحال (1). وقال الشافعي: هو دلالة على بلوغ المشركين (2)، وفي دلالته على بلوغ المسلمين قولان (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (4) من غير تفصيل. وأيضا ما حكم به سعد بن معاذ (5) في بني قريظة، فانه قال: حكمت بأن يقتل مقاتلهم، ويسبي ذراريهم، وأمر بأن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذراري، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله

(1) عمدة القاري 13: 239، وحاشية رد المحتار 6: 153، والمجموع 13: 364، والمغني لابن قدامة 4: 556، والشرح الكبير 4: 557، وفتح العزيز 10: 279.
(2) المجموع 13: 364، والوجيز 1: 176، ومغني المحتاج 2: 167 والمغني لابن قدامة 4: 556، والشرح الكبير 4: 557، وعمدة القاري 13: 239، وفتح العزيز 10: 277.
(3) المجموع 13: 34، والوجيز 1: 176، والمغني لابن قدامة 4: 556، والشرح الكبير 4: 556، وفتح العزيز 10: 277.
(4) الكافي 7: 197 حديث 1.
(5) سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس الانصاري، الاوسي ثم الاشهلي، أبو عمرو، أسلم على يد مصعب بن عمير لما أرسله النبي صلى الله عليه وآله الى المدينة يعلم المسلمين شهد بدرا واحدا والخندق ومات سنة خمس من الهجرة النبوية. تهذيب التهذيب 3: 481، واسد الغابة 2: 296 - 299.

[ 282 ]

فقال: " لقد حكم سعد بحكم الله من فوق سبع سموات " (1) وروي " سبعة أرقعة " (2) (3). مسألة 2: يراعى في حد البلوغ في الذكور، بالسن خمس عشرة سنة. وبه قال الشافعي (4). وفي الاناث تسع سنين. وقال الشافعي: خمس عشرة سنة مثل الذكور (5). وقال أبو حنيفة: الانثى تبلغ باستكمال سبع عشرة سنة (6). وفي الذكور عنه روايتان. إحداهما: يبلغ باستكمال تسع عشرة سنة، وهي رواية الاصل. والاخرى: ثمان عشرة سنة (8)، وهي رواية الحسن بن زياد اللؤلؤي.

(1) السنن الكبرى 9: 63، والمغني لابن قدامة 4: 556، وانظر شرح معاني الاثار 3: 216.
(2) أرقعة: جمع رقيع، كل سماء يقال لها رقيع، وقيل الرقيع اسم سماء الدنيا. انظر النهاية 2: 251 مادة رقع.
(3) رواه الاربلي في كشف الغمة 1: 208 وابن الاثير في النهاية 2: 251 بالفاظ مختلفة قريبة لما ذكر أعلاه.
(4) الام 3: 215، ومختصر المزني: 105، والمجموع 13: 361، والوجيز 1: 176، ومغني المحتاج 2: 166، وبدائع الصنائع 7: 172، والمغني لابن قدامة 4: 557، وعمدة القاري 13: 239، وفتح العزيز 10: 277.
(5) الام 3: 215، ومختصر المزني: 105، والوجيز 1: 176، والمجموع 13: 361 و 363، ومغني المحتاج 2: 166، وبدائع الصنائع 7: 172، وفتح العزيز 10: 277.
(6) اللباب 2: 19، وعمدة القاري 13: 239، وبدائع الصنائع 7: 172، والفتاوى الهندية 5: 61، وحاشية رد المحتار 6: 153 وشرح فتح القدير 5: 323، والمجموع 13: 362، والمغني لابن قدامة 4: 557، والشرح الكبير 4: 556، وشرح معاني الاخبار 3: 218.
(7) الفتاوى الهندية 5: 61، وعمدة القاري 13: 239، والمجموع 13: 363، والمغني لابن قدامة 4: 557، والشرح الكبير 4: 556.
(8) اللباب 2: 19، وعمدة القاري 13: 239، وبدائع الصنائع 7: 172، والمبسوط 24: 162، والفتاوى الهندية 5: 61، وحاشية رد المحتار 6: 153، وشرح فتح القدير 5: 323، والمغني لابن قدامة 4: 557، والشرح الكبير 4: 556، والتفسير 9: 189، والمجموع 13: 363، وشرح معاني الاثار 3: 218.

[ 283 ]

وحكي عن مالك أنه قال: البلوغ بان يغلظ الصوت، وأن ينشق الغضروف - وهو رأس الانف -، وأما السن فلا يتعلق به البلوغ (1). وقال داود: لا يحكم بالبلوغ بالسن (2). دليلنا: اجماع الفرقة، وأخبارهم قد أوردناها في الكتاب الكبير (3). وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله، وما عليه، واخذت منه الحدود " (4). وروى عبد الله بن عمر أنه قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وآله عام بدر وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردني، ولم يرني بلغت، وعرضت عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، ولم يرني بلغت، وعرضت عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني في المقاتلة (5). فنقل الحكم وهو الرد والاجازة، وسببه وهو السن. مسألة 3: لا يدفع المال الى الصبي، ولا يفك حجره حتى يبلغ بأحد ما قدمنا ذكره، ويكون رشيدا وحده: أن يكون مصلحا لماله، عدلا في دينه، فإذا كان مصلحا لماله غير عدل في دينه، أو كان عدلا في دينه غير مصلح لماله، فانه

(1) المجموع 13: 362.
(2) المجموع 13: 362.
(3) الكافي 7: 197 (باب حد الغلام والجارية..) الحديث 1 و 2، والتهذيب 9: 183 - 184 حديث 739 و 742، ومن لا يحضره الفقيه 4: 163 حديث 570 و 575.
(4) حكاه ابن حجر العسقلاني في تلخيص الحبير 3: 42 حديث 1241 عن البيهقي في الخلافيات. وقال أيضا: وقال الغزالي في الوسيط تبعا للامام في النهاية رواه الدارقطني باسناده فلعله في الافراد وغيرها فانه ليس في السنن مذكورا، وذكره البيهقي في السنن الكبرى عن قتادة عن أنس، ورواه الرافعي الكبير في فتح العزيز 10: 278.
(5) السنن الكبرى 6: 55، وتلخيص الحبير 3: 41 حديث 1240. ورواه أكثر أرباب كتب الحديث من دون ذكر القسم الاول من الحديث فلاحظ.

[ 284 ]

لا يدفع إليه ماله. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: إذا كان مصلحا لماله، ومدبرا له، وجب فك الحجر عنه، سواء كان عدلا في دينه، مصلحا له، أو لم يكن (2). دليلنا: قوله تعالى " فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " (3) فاشترط الرشد، ومن كان فاسقا في دينه كان موصوفا بالغي، ومن وصف بالغي لا يوصف بالرشد، لان الغي والرشد صفتان متنافيتان، لا يجوز اجتماعهما. ولانه إذا كان عدلا في دينه، مصلحا لماله، فلا خلاف في جواز دفع المال إليه، وليس على جواز الدفع مع انفراد إحدى الصفتين دليل. وروي عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: " فان آنستم منهم رشدا " (4) هو أن يبلغ ذا وقار، وحلم، وعقل (5). ويدل أيضا على ذلك ذلك قوله تعالى: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما " (6) والفاسق سفيه.

(1) الام 3: 215، ومختصر المزني: 105، والمجموع 13: 368، والوجيز 1: 176، وفتح العزيز 10: 286، والمغني لابن قدام 4: 566، ومغني المحتاج 2: 168، وبداية المجتهد 2: 278، وبلغة السالك 2: 138، والشرح الكبير 4: 559، والتفسير الكبير للرازي 9: 188، وشرح العناية على الهداية 5: 315، والمبسوط 24: 157.
(2) اللباب 2: 17، والمبسوط 24: 157، وبدائع الصنائع 7: 170، وشرح فتح القدير 5: 321 - 322، 7: 314 و 315، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 315، والفتاوى الهندية 5: 56، وحاشية رد المحتار 6: 150، والمغني لابن قدامة 4: 566، والشرح الكبير 4: 559، والمجموع 13: 368، والتفسير الكبير للرازي 9: 188، وفتح العزيز 10: 286. (3) و (4) النساء: 6.
(5) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 121 في تفسير الاية الكريمة، والنووي في المجموع 13: 368.
(6) النساء: 5.

[ 285 ]

والاخبار التي نتفرد بروايتها كثيرة في هذا المعنى ذكرناها في كتابنا الكبير (1). مسألة 4: إذا بلغ من وجد فيه الرشد فك حجره، وإن لم يؤنس منه الرشد لم يفك حجره الى أن يصير شيخا كبيرا. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، فك حجره على كل حال، ولو تصرف في ماله قبل بلوغ خمس وعشرين سنة صح تصرفه بالبيع والشراء والاقرار (3). دليلنا: قوله تعالى: " فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " (4) وهذا لم يؤنس منه الرشد، وقوله تعالى: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " (5) وهذا سفيه فيجب أن لا يؤتى المال. مسألة 5: إذا بلغت المرأة وهي رشيدة، دفع إليها مالها، وجاز لها أن تتصرف فيه، سواء كان لها زوج أو لم يكن. وبه قال الشافعي (6). وقال مالك: إن لم يكن لها زوج، لم يدفع إليها مالها، وان كان لها زوج

(1) انظر ما رواه في التهذيب 9: 181 (باب وصية الصبي والمحجور عليه).
(2) الام 3: 218، ومختصر المزني: 105، والمجموع 13: 368، والوجيز 1: 176، والتفسير الكبير 9: 189، وبدائع الصنائع 7: 170، وسبل السلام 3: 879، وتفسير القرطبي 5: 30.
(3) اللباب 2: 17، والمبسوط 4: 161، والفتاوى الهندية 5: 56، وشرح فتح القدير 5: 318، وحاشية رد المحتار 6: 150، والعقود الدرية 2: 147 و 148، وبدائع الصنائع 7: 169 و 170، والمحلى 8: 280، وبداية المجتهد 2: 276، والمجموع 13: 368، والتفسير الكبير 9: 189، وسبل السلام 3: 879، وتفسير القرطبي 5: 30.
(4) النساء: 6.
(5) النساء: 5.
(6) الام 3: 216، ومختصر المزني: 105، والمجموع 13: 372، وفتح العزيز 10: 286، والمغنى لابن قدامة 4: 560، والشرح الكبير 4: 560.

[ 286 ]

دفع إليها، لكن لا يجوز لها أن تتصرف فيه إلا باذن زوجها (1). دليلنا: اجماع الفرقة، وقوله تعالى: " حتى إذا بلغوا النكاح " (2) وإنما المعنى وقت النكاح، وأيضا قوله تعالى: " فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " (3) ولم يشرط الزوج، فمن ادعى فعليه الدلالة. مسألة 6: إذا كان لها زوج فتصرفها لا يفتقر الى إذن زوجها، وروي أن ذلك يستحب لها. وبه قال الشافعي (4). وقال مالك: لا يجوز لها التصرف إلا باذن زوجها (5). دليلنا: قوله تعالى: " فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " (6) ولم يشرط الزوج، ولا إذنه، فمن ادعاه فعليه الدلالة. وروي أن أم الفضل أرسلت الى رسول الله قدحا من لبن، وهو واقف بعرفة، فشربه (7)، ولم يسأل عن إذنها زوجها. وروي أن أسماء بنت أبي بكر قالت: يا رسول الله أتتني امي راغبة أأصلها؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: " نعم " (8) ولم يعتبر إذن زوجها الزبير. مسألة 7: إذا بلغ الصبي، وأونس منه الرشد، ودفع إليه ماله، ثم صار مبذرا

(1) بداية المجتهد 2: 277 و 278، وبلغة السالك 2: 138، والمغني لابن قدامة 4: 560، والشرح الكبير 4: 561، والمجموع 13: 372، وفتح العزيز 10: 286.
(2) و (3) النساء: 6.
(4) الام 3: 216 و 217، والمجموع 13: 372.
(5) بداية المجتهد 2: 277، وبلغة السالك 2: 137 و 146، والمجموع 13: 372، والمغني لابن قدامة 4: 561، وسبل السلام 3: 882، وفتح العزيز 10: 286.
(6) النساء: 6.
(7) رواه أحمد بن حنبل 6: 338 و 340 باختلاف يسير في بعض الالفاظ.
(8) رواه أحمد بن حنبل باسانيد وطرق والفاظه مختلفة، منها ورواه في مسنده 6: 344 فلاحظ.

[ 287 ]

مضيعا لماله في المعاصي، حجر عليه. وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد واسحاق، والاوزاعي، وأبو ثور، وأبو عبيد وغيرهم (1)، وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد (2). وقال أبو حنيفة وزفر: لا يحجر عليه وتصرفه نافذ في ماله (3). وحكي ذلك عن النخعي وابن سيرين (4). دليلنا قوله تعالى: " فان كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل " (5). وقيل: السفيه المبذر، والصغير، والشيخ الكبير، والذي لا يستطيع أن يمل المغلوب على عقله (6). فدل هذا على أن المبذر يحجر عليه. وأيضا قوله تعالى: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما " (7) والمبذر سفيه، فوجب أن لا يدفع إليه المال.

(1) الام 3: 219، ومختصر المزني: 105، والمجموع 13: 377، والمغني لابن قدامة 4: 568، والشرح الكبير 4: 570، وبداية المجتهد 2: 276، والوجيز 1: 176، والتفسير الكبير 9: 190، وفتح العزيز 10: 285، ونيل الاوطار 5: 368، وتفسير القرطبي 5: 30.
(2) المجموع 13: 377، والمغني لابن قدامة 4: 568، والشرح الكبير 4: 570، ونيل الاوطار 5: 368، وتفسير القرطبي 5: 30.
(3) شرح فتح القدير 7: 317، والمجموع 13: 377، وبداية المجتهد 2: 276، والمغني لابن قدامة 4: 568، والشرح الكبير 4: 570، والتفسير الكبير 9: 190، وفتح العزيز 10: 285، ونيل الاوطار 5: 368، وتفسير القرطبي 5: 30.
(4) المجموع 13: 377، وبداية المجتهد 2: 276، والمغني لابن قدامة 4: 568 والشرح الكبير 4: 570، ونيل الاوطار 5: 368.
(5) البقرة: 282.
(6) انظر المغني لابن قدامة 4: 569 - 570.
(7) النساء: 5.

[ 288 ]

وروي تفسير هذه الاية عن ابن عباس: أن لا يدفع الانسان ماله الى امرأته، والى من يلزمه نفقته، ولكن يحفظه بنفسه، وينفق منه بالمعروف (1). وأيضا قال الله تعالى: " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " (2) فذم المبذر، فوجب المنع، ولا يصح المنع إلا بالحجر. وروى عن النبي عليه السلام أنه قال: " اقبضوا على أيدي سفهائكم " (3) ولا يصح القبض إلا بالحجر. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " ان الله كره لكم ثلاثا - قيل: وما هي؟ قال: - كثرة السؤال، واضاعة المال " (4) وما يكرهه الله تعالى لا يكون إلا محرما، ويجب المنع منه. وروى عروة بن الزبير أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعا، فاتى الزبير، فقال له: اني قد ابتعت بيعا، وأن عليا يريد أن يأتي عثمان ويسأله الحجر علي، فقال الزبير: أنا شريكك في البيع، ثم أتى علي عثمان، فقال له: إن ابن جعفر ابتاع بيع كذا، فاحجر عليه، فقال الزبير: أنا شريكه في البيع، فقال عثمان: كيف احجر على رجل شريكه الزبير (5).

(1) ذكر السيوطي في الدر المنثور 2: 120، والقرطبي في تفسيره 5: 29 نحوه فلاحظ.
(2) الاسراء: 27.
(3) لم أقف لهذا الحديث في المصادر المتوفرة مكانا.
(4) رواه مسلم في صحيحه 3: 1341 حديث 13 وفيه: ان الله كره لكم ثلاثا القيل والقال، وكثرة السؤال، واضاعة المال والبيهقي في سننه 6: 63 مثله، وروى نحوه مسلم أيضا وبأسانيد اخرى في نفس الباب حديث 10 و 12 و 14 فلاحظ، وكذلك رواه مالك في موطأ 2: 990 حديث 20، وأحمد بن حنبل في مسنده 2: 327 و 4: 246 و 249.
(5) اختلفت الفاظ حملة الحديث ورواته في حكاية هذه القصة وبألفاظ مختلفة، نحو ما تقدم انظر على سبيل المثال ما رواه البيهقي في سننه الكبرى 6: 61، والقرطبي في تفسيره 5: 30 - 31، والنووي في المجموع 13: 376، والرافعي الكبير في تلخيص الحبير 3: 43 حديث 1245، وابن حزم في المحلى

[ 289 ]

ولم يقل عثمان، ولا أحد: أن الحجر على العاقل لا يجوز. وروى أبو بكر بن المنذر أن عثمان مر بسبخة، فسأل عنها، فقالوا لفلان، اشتراها عبد الله بن جعفر بستين ألفا، فقال: ما يسرني أنها لي بنعلي هذه، ثم لقى عليا، فقال له: ألا تأخذ على يد ابن أخيك، اشترى سبخة بستين ألفا، ما يسرني أنها بنعلي (1). وهذا يدل على أن الحجر جائز باجماع الصحابة، لان أحدا منهم لم ينكره، وانما دفعه الزبير بالمشاركة، وامتنع عثمان لكون الزبير شريكا فيه. مسألة 8: إذا صار فاسقا إلا أنه غير مبذر، فالاحوط أن يحجر عليه. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه، وهو اختيار أبي العباس بن سريج (2). والثاني: لا يحجر عليه وهو اختيار المزني (3). دليلنا قوله تعالى: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " (4) وروي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: " شارب الخمر سفيه " (5) فوجب أن يمنع دفع المال إليه. مسألة 9: المحجور عليه إذا كان بالغا يقع طلاقه. وبه قال جميع الفقهاء (6)

8: 291 - 292. وانظر أيضا ترتيب مسند الشافعي 2: 160 - 161. (1) دعائم الاسلام 2: 67 حديث 186، وتلخيص الحبير 3: 43 - 44 حديث 1245. أقول: ممن تقدم ذكره في الهامش المتقدم أشار الى الحديثين معا بقصة واحدة فلاحظ.
(2) المجموع 13: 368 و 374 و 377، والوجيز 1: 176، وفتح العزيز 10: 286.
(3) المجموع 13: 368 و 374 و 377، والوجيز 1: 176، وفتح العزيز 10: 286.
(4) النساء: 5.
(5) تفسير العياشي 1: 220 حديث 22، في تفسير الاية المتقدمة.
(6) المدونة الكبرى 5: 221، وبداية المجتهد 2: 279، والمغني لابن قدامة 4: 571، وبلغة السالك 2: 139، ومغني المحتاج 2: 172، والشرح الكبير 4: 574، والمجموع 3: 375 و 380، والفتاوى الهندية 5: 56، وكفاية الاخيار 1: 165، والوجيز 1: 176.

[ 290 ]

إلا ابن أبي ليلى، فانه قال: لا يملك طلاقه (1). دليلنا: قوله تعالى: " الطلاق مرتان - الى قوله - فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " (2) ولم يخص. وآيات الطلاق كلها كذلك. وأيضا فهي مسألة إجماع، وابن أبي ليلى لا يعتد به إذا كان الاجماع بخلافه.

(1) المجموع 3: 380، وبداية المجتهد 2: 279، والمغني لابن قدامة 4: 571، والشرح الكبير 4: 574. (2) البقرة: 229 - 230.

[ 291 ]

كتاب الصلح

[ 293 ]

مسألة 1: الصلح على الانكار جائز. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وقالا: لا يكون الصلح إلا مع الانكار (1). وقال الشافعي: لا يجوز الصلح على الانكار، قال: وصورة المسألة أن يدعي رجل على غيره عينا في يده، أو دينا في ذمته، فأنكر المدعى عليه، ثم صالحه منه على مال يتفقان عليه، لم يصح الصلح، ولم يملك المدعي المال الذي قبضه من المدعى عليه، وله أن يرجع فيطالبه به، ووجب على المدعي رده عليه، وكان على دعواه كما كان قبل الصلح، وإن كان قد صرح بابرائه مما ادعاه عليه، واسقاط حقه عنه، لانه أبرأه ليسلم له ما قبضه، فإذا لم يسلم ماله، لم يلزمه ما عليه (2). وعندنا، وعند أبي حنيفة، ومالك يملك المدعي المال، وليس للمدعى عليه مطالبته به.

(1) اللباب 2: 111، والنتف 1: 504، والمبسوط 20: 139 و 143 - 144، وبدائع الصنائع 6: 40، وشرح فتح القدير 7: 24، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 24، وتبيين الحقائق 5: 30، والمدونة الكبرى 4: 374 - 375، وبلغة السالك 2: 146، وبداية المجتهد 2: 290، والام 3: 228، والمجموع 13: 388، والمغني لابن قدامة 5: 10، والشرح الكبير 5: 10، والبحر الزخار 6: 95.
(2) الام 3: 221 و 228، والمجموع 13: 388، ومغني المحتاج 2: 179 - 180، والسراج الوهاج: 234، وكفاية الاخيار 1: 167، والمغني لابن قدامة 5: 10، والشرح الكبير 5: 10، وبداية المجتهد 2: 290، والنتف 1: 504، والمبسوط 20: 139، وبدائع الصنائع 6: 40، وشرح فتح القدير 7: 26 وتبيين الحقائق 5: 31، والبحر الزخار 6: 95.

[ 294 ]

دليلنا: قوله تعالى: " والصلح خير " (1) ولم يفرق بين الاقرار والانكار. وقوله عليه السلام: " الصلح جائز بين المسلمين " (2) ولم يفرق. وروي عنه عليه السلام أنه قال: " كل مال وقى الرجل به عرضه فهو صدقة " (3) فيجب أن يكون ما بذله المدعى عليه جائزا، ويكون صدقة، لانه قصد به وقاية عرضه. مسألة 2: إذا أخرج من داره روشنا (4) الى طريق المسلمين، وكان عاليا لا يضر بالمارة، ترك ما لم يعارضه فيه واحد من المسلمين، فان عارض فيه واحد منهم وجب قلعه. وبه قال أبو حنيفة (5). وقال الشافعي: لا يجب قلعه إذا لم يضر بالمارة، وترك (6). وبه قال مالك، والاوزاعي، وأحمد، واسحاق، وأبو يوسف، ومحمد (7).

(1) النساء: 128.
(2) من لا يحضره الفقيه 3: 20 حديث 52، والتهذيب 6: 226 حديث 541، وسنن الدارقطني 3: 27 حديث 97، وسنن أبي داود 3: 304 حديث 3594، وسنن الترمذي 3: 635 حديث 1352، والسنن الكبرى 6: 63 و 65، والمستدرك على الصحيحين 2: 49، ومسند أحمد بن حنبل 2: 366، وسنن ابن ماجة 2: 788.
(3) لم أعثر على هذا الحديث بنفس اللفظ في المصادر المتوفرة، وقد ورد بلفظ آخر نصه: " كل معروف صدقة، وما أنفق الرجل على أهله وماله كتبت له صدقه، وما وقى به عرضه فهو له صدقة.. " انظر ذلك في سنن الدارقطني 3: 100 حديث 101، والسنن الكبرى 10: 242، والمستدرك على الصحيحين 2: 50، ومجمع الزوائد 3: 136.
(4) الروشن: وهي أن تخرج أخشابا الى الدرب وتبني عليها، وتجعل لها قوائم من أسفل. قاله الطريحي في مجمع البحرين 6: 255 مادة (رشن). (5) المبسوط 20: 144، والمجموع 13: 396، والمغني لابن قدامة 5: 34، والشرح الكبير 5: 27 - 28.
(6) الام 3: 221 - 222، والمجموع 13: 396 و 402 - 403، ومختصر المزني: 106، ومغني المحتاج 2: 182، والسراج الوهاج: 235، وكفاية الاخيار 1: 168.
(7) المبسوط 20: 144، والمجموع 13: 39 و 402 - 403 والمغني لابن قدامة 5: 34، والشرح الكبير 5: 27 - 28، ومغني المحتاج 2: 182.

[ 295 ]

دليلنا: أن طريق المسلمين حق لجميعهم، فإذا أنكر واحد منهم ذلك لم يجز أن يغصب على حقه، ومتى طالبه بقلعه كان له ذلك كسائر الحقوق. وأيضا لا خلاف أنه لا يجوز أن يملك شيئا من القرار والهواء تابع للقرار. وأيضا فلو سقط ذلك، فوقع على إنسان فقتله، أو على مال فأتلفه، لزمه الضمان بلا خلاف، فلو كان ذلك جائزا لم يلزمه ضمان. مسألة 3: معاقد القمط - وهي: مشاد الخيوط من الخص (1) - إذا كان إلى أحد الجانبين، وكان الخلف في الخص، قدم دعوى من العقد تليه. وبه قال أبو يوسف، وزاد: بخوارج الحائط، وأنصاف اللبن، ويقدم بهما (2). وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يقدم بشئ من ذلك (3). دليلنا: إجماع الفرقة، لان الخبر الذي رووه مجمع عليه، لا يدفعه أحد منهم. وروى نمران بن جارية اليمامي (4)، عن أبيه (5): أن قوما اختصموا الى رسول الله صلى الله عليه وآله في خص كان بينهم، فبعث حذيفة بن اليمان ليحكم بينهم، فحكم به لمن تليه القمط، ثم رجع الى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بذلك، فقال: " أصبت " أو " أحسنت " (6). مسألة 4: إذا تنازعا في جدار بين ملكيهما، وهو غير متصل ببناء أحدهما،

(1) الخص: البيت الذي يعمل من القصب. سمي به لما فيه من الخصاص وهي الفرج والانقاب.
(2) المغني لابن قدامة 5: 44، والشرح الكبير 12: 169.
(3) الام 3: 225، ومختصر المزني: 106، والوجيز 1: 180، ومغني المحتاج 2: 192، وفتح العزيز 10: 332 - 333، والمغني لابن قدامة 5: 44، والشرح الكبير 12: 169.
(4) نمران بن جارية بن ظفر اليمامي الحنفي، عده ابن حبان في الثقات، روى عن أبيه وعنه دهثم بن قران. اسد الغابة 1: 262، وتهذيب التهذيب 10: 475.
(5) جارية بن ظفر اليمامي الحنفي، أبو نمران، يعد في الكوفيين، حديثه عند ابنه نمران ومولاه عقيل بن دينار، وروى عنه من الصحابة زيد بن معبد. قاله ابن الاثير في اسد الغابة.
(6) سنن ابن ماجة 2: 785 حديث 2343، والسنن الكبرى 6: 67 - 68، واسد الغابة 1: 262.

[ 296 ]

وانما هو مطلق ولاحدهما عليه جذوع، فانه لا يحكم بالحائط لمن الجذوع له. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يحكم بالحائط لصاحب الجذوع إذا كان أكثر من جذع واحد، فان كان واحدا فلا يقدم به، بلا خلاف (2). دليلنا: قوله عليه السلام: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " (3) ولم يفرق. وأيضا فان هذا الحائط قبل طرح الجذوع عليه كان بينهما نصفين بلا خلاف، فمن قال بطرح الجذوع يتغير الحكم، فعليه الدلالة، بل يقال لصاحب الجذوع: أقم البينة على أنك وضعت هذه الجذوع فيه بحق، فان أقامها وإلا كان على حاله قبل وضعها فيه. وأيضا فان وضع الجذع يجوز أن يكون عارية، لان في الناس من يوجب إعارة ذلك وهو مالك، فانه قال: يجبر على ذلك لقوله عليه السلام: " لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره " (4). مسألة 5: إذا تنازع إثنان دابة، أحدهما راكبها، والاخر آخذ بلجامها، ولم يكن مع أحدهما بينة، جعلت بينهما نصفين. وبه قال أبو اسحاق المروزي (5).

(1) الام 3: 225، ومختصر المزني: 106، ومغني المحتاج 2: 19، والسراج الوهاج: 238، والوجيز 1: 180، وفتح العزيز 10: 333 والمغني لابن قدامة 5: 43، والشرح الكبير 12: 168.
(2) المبسوط 20: 157، والفتاوى الهندية 4: 98، والمغني لابن قدامة 5: 43 - 44، والشرح الكبير 12: 169، وفتح العزيز 10: 333 - 334.
(3) الكافي 7: 415 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 3: 20 حديث 52، والتهذيب 6: 229 حديث 553، وصحيح البخاري 3: 187، وسنن الدارقطني 4: 157 حديث 8 و 4: 218 حديث 53.
(4) مسند أحمد بن حنبل 2: 274 و 447، والسنن الكبرى 6: 68، وتلخيص الحبير 3: 45، وحكاه المتقي الهندي في كنز العمال 9: 61 حديث 24946 من الخرائطي في مساوى الاخلاق.
(5) فتح العزيز 10: 334.

[ 297 ]

وقال أبو حنيفة وباقي الفقهاء: يحكم بذلك للراكب (1). دليلنا: أنه لا دلالة على وجوب تقديمه على الاخر، فمن ادعى تقديمه فعليه الدلالة. مسألة 6: إذا كان حائط مشترك بين نفسين، لم يجز لاحدهما أن يدخل فيه خشبة خفيفة لا تضر بالحائط ضررا كثيرا إلا باذن صاحبه. وبه قال الشافعي في الجديد (2) وقال في القديم: يجوز ذلك (3). وبه قال مالك (4). دليلنا: أنه قد ثبت أن الحائط مشترك بينهما، فلا يجوز له مع ذلك التصرف فيه إلا باذن صاحبه وشريكه، فمن ادعى جواز ذلك فعليه الدلالة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه " (5) وهذا الحائط فيه ملك لشريكه، فلم يحل لاحدهما إلا بطيب نفس من الاخر على ظاهر الخبر. مسألة 7: إذا كان حائط مشترك بين نفسين، فأذن أحدهما لصاحبه أن يضع عليه خشبا يبني عليه، فبنى عليه، ثم انهدم السقف أو قلع، فليس له أن يعيدها إلا باذن مجدد. وهو أحد قولي الشافعي، ومالك (6).

(1) الفتاوى الهندية 4: 95، ورد المحتار 5: 578، والوجيز 1: 181، وفتح العزيز 10: 334.
(2) المجموع 13: 405، والوجيز 1: 176 و 179، ومغني المحتاج 2: 189، والسراج الوهاج: 237، والمغني لابن قدامة 5: 37 - 38، والشرح الكبير 5: 37 وفتح العزيز 10: 316.
(3) مغني المحتاج 2: 189، والسراج الوهاج: 237، والمجموع 13: 405، والوجيز 1: 179، وفتح العزيز 10: 316، والمغني لابن قدامة 5: 37 - 38، والشرح الكبير 5: 37.
(4) المغني لابن قدامة 5: 37 - 38، والشرح الكبير 5: 37، وفتح العزيز 10: 315.
(5) سنن الدارقطني 3: 26، ومسند أحمد بن حنبل 5: 72، والسنن الكبرى 6: 100، وتلخيص الحبير 3: 45.
(6) المجموع 13: 409، ومغني المحتاج 2: 189، والسراج الوهاج: 236، والمغني لابن قدامة 5: 40 - 41.

[ 298 ]

والقول الاخر: أنه يجوز ذلك له (1). دليلنا: أن إعادته يحتاج الى دليل. والاصل أن لا يجوز له أن يضع إلا باذنه، وليس الاذن في الاول إذنا في الثاني. مسألة 8: إذا كان لرجل بيت وعليه غرفة لاخر، وتنازعا في سقف البيت الذي عليه الغرفة، ولم يكن لاحدهما بينة، اقرع بينهما، فمن خرج اسمه حلف لصاحبه، وحكم له به. وإن قلنا: أنه يقسم بينهما نصفين، كان جائزا. وقال الشافعي: يحلف كل واحد منهما، فإذا حلفا معا جعل بينهما نصفين (2). وقال أبو حنيفة: القول قول صاحب السفل، وعلى صاحب العلو البينة (3). وقال مالك: القول قول صاحب العلو، وعلى صاحب السفل البينة (4). دليلنا: إجماع الفرقة على أن كل مجهول يستعمل فيه القرعة، وهذا من الامر المشتبه. مسألة 9: إذا كان بين رجلين حائط مشترك وانهدم، وأراد أحدهما أن يبنيه، وطالب الاخر بالانفاق معه، فانه لا يجبر على ذلك. وكذلك إن كان بينهما نهر أو بئر، فطالب أحدهما بالنفقة، لا يجبر عليها. وكذلك إن كان بينهما دولاب يحتاج الى العمارة، وطالب شريكه بالنفقة، لا يجبر عليه. وكذلك إن كان السفل لواحد والعلو لاخر فانهدم، فلا يجبر صاحب السفل

(1) مغني المحتاج 2: 189، والمجموع 13: 409، والسراج الوهاج: 236، وفتح العزيز 10: 317، والمغني لابن قدامة 5: 40.
(2) الام 3: 226، ومختصر المزني: 106، وفتح العزيز 10: 334، والشرح الكبير 12: 171.
(3) المبسوط 20: 158، والفتاوى الهندية 4: 103، والشرح الكبير 12: 171، وفتح العزيز 10: 334.
(4) الشرح الكبير 12: 171، وفتح العزيز 10: 334 - 335.

[ 299 ]

على إعادة الحيطان التي تكون عليها الغرفة. وللشافعي في هذه المسائل قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، وهو قوله في الجديد (1). وبه قال أبو حنيفة (2). والاخر: قوله في القديم، يجبر عليه (3). وبه قال مالك (4). وقال في مسألة الغرفة أنه يجبر صاحب السفل على النفقة منفردا، ولا يلزم صاحب العلو شيئا. والثاني: لا يجبر عليه (5). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، فمن أوجب إجباره على النفقة فعليه الدلالة. وأيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه " (6) فيجب أن لا يجبر شريكه على الانفاق إلا بطيب نفس منه. مسألة 10: إذا أتلف رجل على غيره ثوبا يساوي دينارا، فأقر له به وصالحه على دينارين، لم يصح ذلك. وبه قال الشافعي (7). وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك (8).

(1) الام 3: 226، مختصر المزني: 106، والمجموع 13: 415، ومغني المحتاج 2: 190، والسراج الوهاج: 237، والوجيز 1: 179 وفتح العزيز 10: 320، والمغني لابن قدامة 5: 49، والشرح الكبير 5: 47.
(2) 20: 159، والفتاوى الهندية 4: 103، والمغني لابن قدامة 5: 48 - 49، والشرح الكبير 5: 47، وفتح العزيز 10: 320.
(3) المجموع 13: 414، والسراج الوهاج: 237، ومغني المحتاج 2: 190، وفتح العزيز 10: 321، والمغني لابن قدامة 5: 48، والشرح الكبير 5: 47.
(4) المغني لابن قدامة 5: 48، والشرح الكبير 5: 47، وفتح العزيز 10: 320.
(5) فتح العزيز 10: 321.
(6) سنن الدارقطني 3: 26، ومسند أحمد بن حنبل 5: 72، والسنن الكبرى 6: 100، وتلخيص الحبير 3: 45.
(7) المجموع 13: 388.
(8) شرح فتح القدير 7: 36، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 36، والمجموع 13: 388.

[ 300 ]

دليلنا: أنه إذا أتلف عليه الثوب، وجب في ذمته قيمته، بدلالة أن له مطالبته بقيمته، ويجبر صاحب الثوب على أخذها، فإذا ثبت أن القيمة هي الواجبة في ذمته، فالقيمة هاهنا دينار واحد، فلو أجزنا أن يصالحه على أكثر من دينار كان بيعا للدينار بأكثر منه، وذلك ربا لا يجوز. مسألة 11: إذا ادعى عليه مالا مجهولا، فأقر له به وصالحه منه على مال معلوم صح الصلح. وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: لا يصح (2). دليلنا: قول النبي صلى الله عليه وآله: " الصلح جائز بين المسلمين إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا " (3) ولم يفرق. وقوله تعالى: " والصلح خير " (4) ولم يفرق. مسألة 12: إذا كان لرجل داران في زقاقين غير نافذين، وظهر كل واحدة منهما إلى الاخرى، فأراد أن يفتح بين الدارين بابا حتى ينفذ كل واحدة منهما الى الاخرى، كان له ذلك. وبه قال أبو الطيب الطبري من أصحاب الشافعي (5). وقال باقي أصحابه: ليس له ذلك (6).

(1) النتف 1: 505، والفتاوى الهندية 4: 254 و 257، والمجموع 13: 388، والبحر الزخار 6: 95.
(2) الام 3: 223، والمجموع 13: 388، والمغني لابن قدامة 5: 25 - 26، والشرح الكبير 5: 9، والبحر الزخار 6: 95.
(3) من لا يحضره الفقيه 3: 20 حديث 52، والسنن الكبرى 6: 65، وسنن الترمذي 3: 635 حديث 1352، وسنن أبي داود 3: 304 حديث 3594، والتهذيب 6: 226 حديث 541.
(4) النساء: 128.
(5) المجموع 13: 413، ومغني المحتاج 2: 186، والسراج الوهاج: 236.
(6) المجموع 13: 413، ومغني المحتاج 2: 186، والسراج الوهاج: 236.

[ 301 ]

قال أبو الطيب: ولا أعرف خلافا فيه. دليلنا: أنه لا يمنع من التصرف في ملكه إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. وأيضا فلا خلاف أنه يجوز أن يجعل الدارين دارا واحدة، فيرفع الحاجز بينهما، ويكون البابان في الزقاقين على حالهما. وهذا يدل على صحة ما قلناه.

[ 303 ]

كتاب الحوالة

[ 305 ]

مسألة 1: المحتال هو الذي يقبل الحوالة، فلابد من اعتبار رضاه. وبه قال جميع الفقهاء (1) إلا داود، فانه قال: لا يعتبر رضاه، ومتى ما أحاله من عليه الحق على غيره لزمه ذلك (2). دليلنا: أنا أجمعنا على أنه إذا رضي صحت الحوالة، وليس على صحتها مع عدم رضاه دليل. وقول النبي صلى الله عليه وآله: " إذا أحيل أحدكم على ملي فليحتل " (3) المراد به الاستحباب، لانه إذا أراد أن يحيله على غيره، استحب له أن يجيبه إليه، لما فيه من قضاء حاجة أخيه، واجابته الى ما يبتغيه. مسألة 2: المحال عليه يعتبر رضاه. وبه قال المزني في اختياره (4)، وإليه ذهب أبو سعيد الاصطخري (5). وذكر ابن سريج في التلخيص أن الشافعي ذكر ذلك في الاملاء

(1) اللباب 2: 108، وبداية المجتهد 1: 295، وكفاية الاخيار 1: 170، والمجموع 13: 432، وفتح العزيز 10: 338، وارشاد الساري 4: 143، وفتح الباري 4: 364، والمغني لابن قدامة 5: 58، والسراج الوهاج: 238، وحاشية اعانة الطالبين 3: 75، والشرح الكبير 5: 61، ومغني المحتاج 2: 193، والبحر الزخار 6: 67.
(2) المجموع 13: 432، وبداية المجتهد 1: 295، والبحر الزخار 6: 67.
(3) السنن الكبرى 6: 70، وتلخيص الحبير 3: 46.
(4) المجموع 13: 432. (5) المجموع 13: 432، وفتح العزيز 10: 339، والبحر الزخار 6: 67.

[ 306 ]

والمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يعتبر رضاه (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء، من اجماع الامة على أنه إذا رضي صحت الحوالة، ولم يدل على صحتها من غير رضاه دليل. مسألة 3: إذا أحاله على من ليس له عليه دين، وقبل الحوالة، صحت الحوالة. وقال الشافعي: إذا أحال على من ليس له عليه دين، فالمذهب أن ذلك لا يصح، لانه إذا لم تجز الحوالة عليه بجنس آخر غير الذي عليه، فالاولى أن لا تجوز إذا لم يكن عليه الحق (2). دليلنا: أن الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 4: إذا أحال رجلا على رجل بالحق، وقبل الحوالة، صح تحول الحق من ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه، وبه قال جميع الفقهاء (3)، إلا زفر بن الهذيل، فانه قال: لا يتحول الحق عن ذمته، كما لا يتحول عن ذمة المضمون عنه (4). دليلنا: أن الحوالة مشتقة من التحويل، فينبغي أن يعطي اللفظ حقه من الاشتقاق والمعنى إذا حكم الشرع بصحته، فإذا أعطيناه حقه، وجب أن ينتقل الحق من المحيل الى المحال عليه.

(1) الوجيز 1: 181، والمجموع 13: 432 و 433 وفتح العزيز 10: 339، وكفاية الاخيار 1: 170، والسراج الوهاج: 238، ومغني المحتاج 2: 194، والبحر الزخار 6: 67.
(2) المجموع 3: 430، والسراج الوهاج: 238، وارشاد الساري 4: 143، وحاشية اعانة الطالبين 3: 75، ومغني المحتاج 2: 194، وفتح العزيز 10: 339، والبحر الزخار 6: 69.
(3) مختصر المزني: 107، والمجموع 13: 434، وكفاية الاخيار 1: 170، واللباب 2: 109 وحاشية اعانة الطالبين 3: 75، ومغني المحتاج 2: 195، وفتح العزيز 10: 343، والمغني لابن قدامة 5: 58 - 59، والشرح الكبير 5: 55، والبحر الزخار 6: 68.
(4) المجموع 13: 434، والمغني لابن قدامة 5: 58 - 59، والبحر الزخار 6: 68، والشرح الكبير 5: 55.

[ 307 ]

مسألة 5: إذا انتقل الحق من ذمة المحيل الى المحال عليه بحوالة صحيحة، فانه لا يعود عليه، سواء بقي المحال عليه على غناه حتى أداه، أو جحده حقه وحلف عند الحاكم أو مات مفلسا، أو أفلس وحجر عليه الحاكم. وبه قال الشافعي (1)، وهو المروي عن علي عليه السلام (2). وقال أبو حنيفة: له الرجوع عليه بالحق إذا جحده المحال عليه، أو مات مفلسا (3). وقال أبو يوسف ومحمد ويرجع عليه في هذين الموضعين، وإذا أفلس وحجر عليه الحاكم (4). وبه قال عثمان (5). دليلنا: أنه قد ثبت انتقال الحق عن ذمته، ولا دليل على انتقاله ثانيا إليه، فمن ادعى ذلك فعليه الدلالة، فينبغي أن يلزمه الاحتيال، ولا يكون له الرجوع، ولانه شرط الملاءة في الحوالة، فلو كان له الرجوع عند الاعسار لم يكن لشرط الملاءة فائدة. مسألة 6: إذا شرط المحتال في الحوالة ملاءة المحال عليه، فوجده معسرا، لم تصح الحوالة.

(1) الام 3: 228، ومختصر المزني: 107، والمجموع 13: 435، وارشاد الساري 4: 143، وفتح العزيز 10: 344، والسراج الوهاج: 239، وعمدة القاري 12: 109، والمحلى 8: 109، ومغني المحتاج 2: 195 - 196، والوجيز 1: 182، والبحر الزخار 6: 68.
(2) المجموع 13: 436، والمغني لابن قدامة 5: 59، والبحر الزخار 6: 68. (3) اللباب 2: 109، وفتح الباري 4: 464، وعمدة القاري 12: 109، والمحلى 8: 109، والمجموع 3: 435، وفتح العزيز 1: 344، والمغني لابن قدامة 5: 59، وبداية المجتهد 2: 296، وارشاد الساري 4: 143، والبحر الزخار 6: 68.
(4) الام 3: 229، ومختصر المزني: 107، واللباب 2: 109، والمحلى 8: 109، والمجموع 13: 435، والمغني لابن قدامة 5: 59، وارشاد الساري 4: 143، والبحر الزخار 6: 68.
(5) عمدة القاري 12: 109، والمغني لابن قدامة 5: 59، وفتح الباري 4: 464، وبداية المجتهد 2: 296.

[ 308 ]

وقال الشافعي: إذا شرط المحتال ملاءة المحال عليه، فوجده معسرا، أو لم يشرط فوجده معسرا، صحت الحوالة (1). وقال أبو العباس بن سريج: الذي يقتضيه اصول الشافعي أن يكون له الرجوع إذا شرط الملاءة فوجده بخلافه (2)، والاول قول المزني، وهو الذي صححه باقي أصحابه (3). دليلنا: اجماع الفرقة، فانهم يعتبرون الملاءة. وأيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: " إذا احيل أحدكم على ملي فليحتل " (4) فأمر بالاحتيال إذا كان مليا، دون أن يكون معسرا. مسألة 7: إذا اشترى رجل من غيره عبدا بألف درهم، ثم أحال البائع المشتري بألف على رجل للمشتري عليه ألف درهم، وقبل البائع الحوالة، صحت الحوالة، ثم إن المشتري وجد بالعبد عيبا فرده به، وفسخ البيع، فهل تبطل أم لا؟ الصحيح أنها تبطل. وبه قال المزني، وأبو اسحاق (5). وقال أبو علي الطبري: ذكر المزني في الجامع الكبير: أن الحوالة صحيحة، واختاره هو (6). قال أبو حامد المروزي: طلبت في عدة نسخ من الجامع الكبير فلم

(1) الام 3: 229، والمجموع 13: 437، ومغني المحتاج 2: 196، وفتح العزيز 10: 344، والمغني لابن قدامة 5: 60، والشرح الكبير 5: 62.
(2) المجموع 13: 437، ومغني المحتاج 2: 196، وفتح العزيز 10: 344، والمغني لابن قدامة 5: 60، والشرح الكبير 5: 62.
(3) المجموع 13: 437، ومغني المحتاج 2: 196، وفتح العزيز 10: 344، والمغني لابن قدامة 5: 60، والشرح الكبير 5: 62.
(4) السنن الكبرى 6: 70، وتلخيص الحبير 3: 46.
(5) مختصر المزني: 107، والمجموع 13: 438، وفتح العزيز 10: 346.
(6) المجموع 13: 439، وفتح العزيز 10: 346.

[ 309 ]

أجده (1). دليلنا: أن الحوالة إنما صحت عن ثمن العبد، فإذا انفسخ العقد سقط ثمن العبد، فيجب أن تبطل الحوالة. مسألة 8: إذا أحال رجل على رجل بحق له عليه، واختلفا، فقال المحيل: أنت وكيلي في ذلك، وقال المحتال: إنما احلتني لاخذ ذلك لنفسي على وجه الحوالة بما لي عليك، واتفقا على أن القدر الذي جرى بينهما من اللفظ أنه قال: أحلتك عليه بمالي عليه من الحق، وقبل المحتال ذلك، كان القول قول المحيل. وبه قال المزني، وأكثر أصحاب الشافعي (2). وقال ابن سريج: القول قول المحتال (3). دليلنا: انهما قد اتفقا على أن الحق كان للمحيل على المحال عليه، وانتقاله الى المحتال يحتاج الى دليل، لانه ليس في إحالة المحيل بذلك دليل على أنه أقر له به، وأحاله بحق له عليه. وإن شئت قلت: الاصل بقاء حق المحيل على المحال عليه، وبقاء حق المحتال على المحيل، والمحتال يدعي زوال ذلك، والمحيل ينكره، فكان القول قوله مع يمينه. مسألة 9: الحوالة عند الشافعي بيع (4)، وليس لاصحابنا في ذلك نص، والذي يقتضيه المذهب أن نقول: أنه عقد قائم بنفسه، لانه لا دليل على أنه بيع،

(1) فتح العزيز 10: 346.
(2) مختصر المزني: 107، والمجموع 13: 441 - 443، وفتح العزيز 10: 351، ومغني المحتاج 2: 197، والوجيز 1: 182.
(3) المجموع 13: 441، وفتح العزيز 10: 351.
(4) المجموع 13: 426، وكفاية الاخيار 1: 169، والاشباه والنظائر: 461، وحاشية إعانة الطالبين 3: 74، والوجيز 1: 181، وفتح العزيز 10: 338، ومغني المحتاج 2: 193.

[ 310 ]

وليس من ألفاظ البيع، والحاقه به قياس لا يجوز عندنا، لبطلان القول بالقياس. مسألة 10: يجوز الحوالة بما لا مثل له من الثياب والحيوان إذا ثبت تفي الذمة بالقرض، ويجوز إذا كان في ذمته حيوان وجب عليه بالجناية، مثل أرش الموضحة وغيرها، يصح الحوالة فيها، وكذلك يصح أن يجعلها صداقا لامرأة. واختلف أصحاب الشافعي فيه: فقال بعضهم: لا يجوز، وإنما يجوز فيما له مثل (1). وقال ابن سريج: يجوز فيما يثبت في الذمة، وهو معلوم (2)، وإذا كان في ذمته حيوان فهل يصح الحوالة بها فيه وجهان (3). دليلنا: أن الاصل جواز ذلك، ومن منع منه فعليه الدلالة. ومن قال: لا يجوز قال: لانه مجهول، وليس الامر على ذلك، لانه لابد أن يكون معلوما بوصفه وسنه وجنسه، فان لم يكن كذلك لم تصح الحوالة به. مسألة 11: إذا أحال زيد على عمرو بألف درهم، فقبله عمرو، صحت الحوالة في ذلك. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (4). والثاني: لا يجوز، لان الحوالة بيع، والمعدوم لا يجوز بيعه (5). دليلنا: أنه إذا قبله فقد أقر بلزوم ذلك المال في ذمته، فيجب عليه الوفاء به، ومن قال: لا يصح، فعليه الدلالة، على أن قد بينا أن الحوالة ليست ببيع، فالاصل الذي بنى عليه غير مسلم.

(1) و (2) المجموع 13: 427، وفتح العزيز 10: 342.
(3) المجموع 13: 428، وفتح العزيز 10: 342.
(4) و (5) المجموع 13: 430، وفتح العزيز 10: 339.

[ 311 ]

كتاب الضمان

[ 313 ]

مسألة 1: ليس من شرط الضمان أن يعرف المضمون له، أو المضمون عنه. وللشافعي فيه ثلاثة أوجه، أحدها: مثل ما قلناه (1). والثاني: أن من شرطه معرفتهما (2). والثالث: أن من شرطه معرفة المضمون له دون المضمون عنه (3). دليلنا: ما روي أن عليا عليه السلام وأبا قتادة لما ضمنا الدين عن الميت (4) لم يسألهما النبي صلى الله عليه وآله عن معرفتهما لصاحب الدين، ولا الميت، فدل على أنه ليس من شرطه معرفتهما. مسألة 2: ليس من شرط صحة الضمان رضاهما أيضا، وإن قيل: إن من شرطه رضا المضمون له كان أولى. وقال الشافعي: المضمون عنه لا يعتبر رضاه (5)، والمضمون له فيه قولان:

(1) المجموع 14: 5، أحكام القرآن لابن العربي 3: 1086، ومغني المحتاج 2: 200، والسراج الوهاج: 240، وفتح العزيز 10: 358 - 359، والمغني لابن قدامة 5: 71 - 72، والشرح الكبير 5: 79.
(2) المجموع 14: 5، وفتح العزيز 10: 358، وأحكام القرآن لابن العربي 3: 1086 والمغني لابن قدامة 5: 71 - 72، والشرح الكبير 5: 79.
(3) المجموع 14: 5، ومغني المحتاج 2: 200، والسراج الوهاج: 240، وكفاية الاخيار 1: 171، وفتح العزيز 10: 359، والمغني لابن قدامة 5: 71 - 72، والشرح الكبير 5: 79.
(4) سنن الدارقطني 3: 78 حديث 291 و 292، والسنن الكبرى 6: 73.
(5) المجموع 14: 13، والوجيز 1: 183، والسراج الوهاج: 240، ومغني المحتاج 2: 200، وكفاية الاخيار 1: 171، وفتح العزيز 10: 358.

[ 314 ]

فقال أبو علي الطبري: من شرطه رضاه مثل الثمن في المبايعات (1). وقال ابن سريج: ليس ذلك من شرطه، لان عليا عليه السلام وأبا قتادة لم يسألا المضمون له (2). دليلنا: ضمان علي عليه السلام وأبي قتاده (3)، فان النبي صلى الله عليه وآله لم يسأل عن رضا المضمون له، وأما رضا المضمون عنه فكان غير ممكن، لانه كان ميتا يدل على أنه لا اعتبار برضاهما، وإذا اعتبرنا رضا المضمون له، فلانه إثبات حق في الذمة، فلابد من اعتبار رضاه كسائر الحقوق، والاول أليق بالمذهب، لان الثاني قياس، ونحن لا نقول به. مسألة 3: إذا صح الضمان، فانه ينتقل الدين من ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن، ولا يكون له أن يطالب أحدا غير الضامن. وبه قال أبو ثور، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وداود (4). وقال الشافعي وباقي الفقهاء: ان المضمون له مخير في أن يطالب أيهما شاء، والضمان لا ينقل الدين من ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن (5). دليلنا: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام لما ضمن الدرهمين عن الميت: " جزاك الله عن الاسلام خيرا، وفك رهانك كما فككت

(1) الوجيز 1: 183، ومغني المحتاج 2: 200، والمجموع 14: 13 - 14، والمغني لابن قدامة 5: 71، والشرح الكبير 5: 79.
(2) المجموع 14: 14، والمغني لابن قدامة 5: 71، والشرح الكبير 5: 79، والبحر الزخار 6: 76.
(3) سنن الدارقطني 3: 78 - 79 حديث 291 و 293، وسنن أبي داود 3: 247 حديث 3343، وسنن النسائي 4: 65، والمستدرك على الصحيحين 2: 58، ومختصر المزني: 108.
(4) المحلى 8: 113، والمجموع 14: 24، والمغني لابن قدامة 5: 82، وبداية المجتهد 2: 292، والبحر الزخار 6: 77.
(5) مختصر المزني: 108، والمجموع 14: 24 - 25، وكفاية الاخيار 1: 171، ومغني المحتاج 2: 208، والسراج الوهاج: 243، والاقناع 2: 176، والمحلى 8: 113، والمغني لابن قدامة 5: 81 - 82، وبداية المجتهد 2: 292، والبحر الزخار 6: 77.

[ 315 ]

رهان أخيك " (1) فدل على أن الميت قد انتقل الحق من ذمته. وقال عليه السلام لابي قتادة لما ضمن الدينارين: " هما عليك والميت منهما برئ، قال: نعم " (2). فدل على أن المضمون عنه يبرأ من الدين بالضمان. مسألة 4: ليس للمضون له أن يطالب إلا الضامن. وقال مالك: لا يجوز له أن يطالب الضامن إلا عند تعذر المطالبة من المضمون عنه، إما بغيبته، أو بافلاسه، أو بجحوده (3). وقال الشافعي وباقي الفقهاء: هو بالخيار في مطالبته أيهما شاء (4). دليلنا: ما ذكرناه في المسألة الاولى سواء، من أن الضمان ينقل المال من ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن، فإذا ثبت ذلك، فليس له أن يطالب إلا من ثبت المال في ذمته. مسألة 5: إذا ضمن بغير إذن المضمون عنه، وأدى بغير أمره، فانه يكون متبرعا، ولا يرجع به عليه. وبه قال الشافعي (5). وقال مالك وأحمد: يرجع به عليه (6).

(1) سنن الدارقطني 3: 78 حديث 291 - 292، والسنن الكبرى 6: 73، ومختصر المزني: 108.
(2) سنن الدارقطني 3: 79 حديث 293، وسنن النسائي 4: 65، وسنن أبي داود 3: 247 حديث 3343، والسنن الكبرى 6: 74.
(3) بداية المجتهد 2: 292، وبلغة السالك 2: 158، وفتح الرحيم 2: 124 - 125، والمجموع 14: 24، والمحلى 8: 113، والجامع لاحكام القران للقرطبي 10: 233، والمغني لابن قدامة 5: 83، والبحر الزخار 6: 77.
(4) المجموع 14: 24، وكفاية الاخيار 1: 171، والسراج الوهاج: 243، ومغني المحتاج 2: 208، والاقناع 2: 176، والمغني لابن قدامة 5: 81 و 83، والجامع لاحكام القرآن للقرطبي 1: 233، وبداية المجتهد 2: 292، والمحلى 8: 113، والبحر الزخار 6: 77.
(5) المجموع 14: 29، وكفاية الاخيار 1: 172، والوجيز 1: 185، ومغني المحتاج 2: 210، والسراج الوهاج: 43 - 44، وفتح العزيز 10: 389، والمغني لابن قدامة 5: 88، والشرح الكبير 5: 89.
(6) المغني لابن قدامة: 5: 88، والشرح الكبير 5: 89، والمحلى 8: 116، ومختصر المزني: 108، والمجموع 14: 29، وفتح العزيز 10: 389.

[ 316 ]

دليلنا: أن عليا عليه السلام وأبا قتادة ضمنا الدينين عن الميتين (1) بغير إذن أحد فلو كان لهما أن يرجعا عليهما إذا أديا الدينين لم يكن لضمانهما فائدة، ولكان الدين باقيا على الميت كما كان. مسألة 6: إذا ضمن عنه باذنه، وأدى بغير إذنه، فانه يرجع عليه واختلف أصحاب الشافعي في ذلك. فقال أبو علي بن أبي هريرة بمثل ما قلناه، وهو اختيار أبي الطيب الطبري (2). وقال أبو إسحاق: إن أدى عنه مع إمكان الوصول إليه واستئذانه لم يرجع عليه، وإن أدى مع تعذر ذلك رجع عليه (3). دليلنا: إنا قد بينا أن بنفس الضمان انتقل المال الى ذمته، فإذا انتقل الى ذمته فلا اعتبار باسئئذانه في القضاء، ومن قال بالخيار ونصر ما قلناه قال: إذنه له في الضمان إذن له في القضاء، فلا يحتاج إلى استئذانه ثانيا. مسألة 7: يصح ضمان مال الجعالة إذا فعل ما شرط الجعالة له. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (4). والثاني: لا يصح ضمانه (5).

(1) سنن الدارقطني 3: 78 - 79 حديث 291 و 293، وسنن النسائي 4: 65، وسنن أبي داود 3: 247 حديث 3343، والسنن الكبرى 6: 72 - 74، والمستدرك على الصحيحين 2: 58.
(2) المجموع 14: 28 و 30، والمغني لابن قدامة 5: 87، والشرح الكبير 5: 88.
(3) المجموع 14: 30، وفتح العزيز 10: 39، والمغني لابن قدامة 87، والشرح الكبير 5: 88.
(4) المجموع 14: 18، والوجيز 1: 184، ومغني المحتاج 2: 202، وكفاية الاخيار 1: 171، والسراج الوهاج: 241، وفتح العزيز 1: 184، والمغني لابن قدامة 5: 74، والشرح الكبير 5: 87.
(5) المجموع 14: 18، وكفاية الاخيار 1: 171، والسراج الوهاج: 241، ومغني المحتاج 2: 202، وفتح العزيز 10: 369، والمغني لابن قدامة 5: 74، والشرح الكبير 5: 87.

[ 317 ]

دليلنا: قوله تعالى " ولمن جاء به حمل بعير وانا به زعيم " (1) وهذا نص. وقول النبي صلى الله عليه وآله: " الزعيم غارم " (2) وهذا عام إلا ما أخرجه الدليل. مسألة 8: يصح ضمان مال المسابقة. وقال الشافعي: إن جعلناه مثل الاجارة صح ضمان ذلك (3)، وإن جعلناه مثل الجعالة فعلى وجهين (4). دليلنا: قوله عليه السلام: " الزعيم غارم " (5) وهو على عمومه. مسألة 9: إذا جنى على حر، فاستحق بالجناية إبلا، صح ضمانها. وللشافعي فيه قولان، بناء على القولين في بيعها وإصداقها (6). دليلنا: قوله عليه السلام: " الزعيم غارم " (7) وهذا زعيم. ولانه لا مانع يمنع من صحة ذلك، والاصل جوازه. مسألة 10: نفقة الزوجة إذا كانت مستقبلة لا يصح ضمانها. وللشافعي فيه قولان:

(1) يوسف: 72.
(2) سنن الترمذي 3: 565 حديث 1265 و 4: 433 حديث 2120، ومسند أحمد بن حنبل 5: 267 و 293، وسنن ابن ماجة 2: 804 حديث 2405، والسنن الكبرى 6: 72.
(3) المجموع 14: 16 - 17، وفتح العزيز 10: 369.
(4) المجموع 14: 16، وفتح العزيز 10: 369، والمغني لابن قدامة 5: 74، والشرح الكبير 5: 87.
(5) سنن الترمذي 3: 565 حديث 1265 و 4: 433 حديث 2120، ومسند أحمد بن حنبل 5: 267 و 293، وسنن ابن ماجة 2: 804، حديث 2405، والسنن الكبرى 6: 72.
(6) المجموع 14: 18، والوجيز 1: 184، والسراج الوهاج: 241، ومغني المحتاج 2: 202 - 203، وفتح العزيز 10: 371.
(7) سنن ابن ماجة 2: 804 حديث 2405، وسنن الترمذي 3: 565 حديث 1265 و 4: 433 حديث 2120، ومسند أحمد بن حنبل 5: 267 و 293، والسنن الكبرى 6: 72.

[ 318 ]

إذا قال: يلزم النفقة بنفس العقد، صح ضمانها (1). وإن قال: تجب بالتمكين من الاستمتاع قال: لا يصح (2). دليلنا: أن النفقة إنما تلزم بالتمكين من الاستمتاع، بدلالة انها متى نشزت سقط نفقتها، فإذا ثبت ذلك فالتمكين من ذلك لم يحصل في المستقبل، فلا يجب به النفقة. مسألة 11: يصح ضمان الثمن مدة الخيار. وللشافعي فيه طريقان: أحدهما مثل ما قلناه، وهو الصحيح عندهم (3). والثاني: لا يصح، لانه مثل مال الجعالة، وهو على قولين (4). دليلنا: أن هذا مال يؤل الى اللزوم، فيصح ضمانه. وأيضا قوله عليه السلام: " الزعيم غارم " (5). مسألة 12: يصح ضمان عهدة الثمن إذا خرج المبيع مستحقا، إذا كان قد سلم الثمن الى البائع. وبه قال أكثر الفقهاء، والمشهور من مذهب الشافعي (6). وقال أبو العباس بن سريج، وأبو العباس بن القاص: لا يجوز ذلك (7).

(1) الوجيز 1: 183، والمجموع 14: 18، وفتح العزيز 10: 363 - 364.
(2) المجموع 14: 18، والوجيز 1: 183، وفتح العزيز 10: 363 - 364، وحاشية اعانة الطالبين 3: 78.
(3) المجموع 14: 17، والوجيز 1: 184، والسراج الوهاج: 241، ومغني المحتاج 2: 202، وكفاية الاخيار 1: 171، وفتح العزيز 10: 369.
(4) الوجيز 1: 184، وكفاية الاخيار 1: 171، والمجموع 14: 17، والسراج الوهاج: 241، ومغني المحتاج 2: 202، وفتح العزيز 10: 369.
(5) سنن الترمذي 3: 565 حديث 1265 و 4: 433 حديث 2120، ومسند أحمد بن حنبل 5: 267 و 293، وسنن ابن ماجة 2: 804 حديث 2405، والسنن الكبرى 6: 72.
(6) الام 3: 230، والوجيز 1: 183، والمجموع 14: 37، والسراج الوهاج: 241، ومغني المحتاج 2: 201، وكفاية الاخيار 1: 173، وفتح العزيز 10: 365، وحاشية اعانة الطالبين 3: 77، والمغني لابن قدامة 5: 76، والشرح الكبير 5: 84 - 85، والاقناع 2: 179. (7) المجموع 14: 37، وفتح العزيز 10: 365، والمغني 5: 76، والشرح الكبير 5: 84.

[ 319 ]

دليلنا: قوله عليه السلام: " الزعيم غارم " (1) ولم يفصل، والاصل جواز ذلك، والمنع منه يحتاج الى دلالة. وأيضا فان الاستيثاق من الحقوق جائز، فلا يخلو من أن يكون بالشهادة أو بالرهن أو الضمان، ولا فائدة في الشهادة لانها ليست وثيقة، والرهن لا يجوز في هذا الموضع بلا خلاف، لانه كان يؤدي الى أن يتعطل الرهن أبدا، فلم يبق بعد هذا إلا الضمان، وإلا خلا المال من الوثيقة. مسألة 13: لا يصح ضمان المجهول، سواء كان واجبا أو غير واجب، ولا يصح ضمان ما لا يجب، سواء كان معلوما أو مجهولا. وبه قال الشافعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل (2). وقال أبو حنيفة، ومالك: يصح ضمان ذلك (3). دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن الغرر (4).

(1) سنن ابن ماجة 2: 804 حديث 2405، وسنن الترمذي 3: 565 حديث 1265 و 4: 433 حديث 2120، ومسند أحمد بن حنبل 5: 267 و 293، والسنن الكبرى 6: 72.
(2) الام 7: 118، والمجموع 14: 19، والوجيز 1: 184، وكفاية الاخيار 1: 172، والسراج الوهاج 1: 241، ومغني المحتاج 2: 202، وفتح العزيز 10: 370، وحاشية اعانة الطالبين 3: 77، وبداية المجتهد 2: 294.
(3) المجموع 14: 19، وفتح العزيز 10: 370، وبداية المجتهد 2: 294، والبحر الزخار 6: 76.
(4) في المصادر الاتية الذكر نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر. ولم أقف بشمولية الحديث لكل غرر في المصادر المتوفرة، ولعل سقوط كلمة " البيع " هنا في موضع من كتاب الشركة من سهو النساخ، والله اعلم بالصواب. انظر بعض مصادر نهي بيع الغرر: صحيح مسلم 3: 1153 حديث 1513، وسنن أبي داود 3: 254 حديث 3376، وسنن الترمذي 3: 532 حديث 1230، وسنن الدارقطني 3: 15 حديث 46 و 47، وسنن الدارقطني 2: 251، وسنن ابن ماجة 2: 739 حديث 2194 و 2195، وسنن النسائي 7: 262، والموطأ 2: 664 حديث 75، ومسند أحمد بن حنبل 1: 302، والسنن الكبرى 5: 338، ودعائم الاسلام 2: 21، وعيون اخبار الرضا 2: 45 حديث 168.

[ 320 ]

وضمان المجهول غرر، لانه لا يدري كم قدرا من المال عليه. وأيضا فلا دليل على صحة ذلك، فمن ادعى صحته فعليه الدلالة. مسألة 14: يصح الضمان عن الميت، سواء خلف وفاء أو لم يخلف. وبه قال الشافعي، وماللك، وأبو يوسف، ومحمد (1). وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: لا يصح الضمان عن الميت إذا لم يخلف وفاء بمال، أو ضمان ضامن. وإن خلف وفاء بمال، أو ضمان صح الضمان عنه (2). دليلنا: خبر علي عليه السلام وابي قتادة وضمانهما عن الميت (3)، وإجازة النبي صلى الله عليه وآله ذلك مطلقا من غير فصلل، فدل على أن الحكم لا يختلف. وروي عن أنس بن مالك أنه قال: من استطاع منكم أن يموت وليس عليه دين فليفعل، فاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد اتى بجنازة يصلى عليها، فقال: " هل عليه دين "؟ فقالوا: نعم، فقال: " ما تنفعه صلاتي وهو مرتهن، بدينه، فلو قام أحدكم فضمن عنه فصليت عليه كانت تنفعه صلاتي " (4).

(1) الام 3: 229 و 231، المجموع 14: 8، والوجيز 1: 183، وفتح العزيز 10: 358، والمحلى 8: 112، وبداية المجتهد 2: 294، والشرح الكبير 5: 83، وبدائع الصنائع 6: 6، ونيل الاوطار 5: 358، والبحر الزخار 6: 76.
(2) الام 7: 118، والمجموع 14: 8، وفتح العزيز 10: 358، والمحلى 8: 112، والمغني لابن قدامة 5: 73، وبداية المجتهد 2: 294، ونيل الاوطار 5: 358، وبدائع الصنائع 6: 6، والشرح الكبير 5: 83.
(3) سنن الدارقطني 3: 78 - 79 حديث 291 و 293، وسنن أبي داود 3: 247 حديث 3343، وسنن النسائي 4: 65، والسنن الكبرى 6: 72 و 74، والمستدرك على الصحيحين 2: 58.
(4) السنن الكبرى 6: 75.

[ 321 ]

وهذا صريح في جواز ابتداء الضمان بعد موت المضمون عنه. مسألة 15: إذا ضمن العبد الذي لم يؤذن له في التجارة بغير إذن سيده، لم يصح ضمانه. وبه قال أبو سعيد الاصطخري، وحكى ذلك عن ابن سريج (1). وقال ابن أبي هريرة في تعليقته: يصح. وحكى ذلك عن أبي إسحاق المروزي (2). دليلنا: قوله تعالى: " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " (3) والضمان شئ، فوجب أن لا يصح، لانه تعالى إنما نفى حكم ذلك، لا نفس القدرة عليه. مسألة 16: كفالة الابدان تصح. وبه قال من الفقهاء أبو حنيفة وغيره، وهو المشهور من مذهب الشافعي (4). وله قول آخر ذكره المروزي في تعليقته: أنها لا تصح (5). دليلنا: قوله تعالى: " لتاتنني به إلا أن يحاط بكم " (6) فطلب يعقوب منهم كفيلا ببدنه، وقال اخوة يوسف ليوسف: " إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا

(1) الوجيز 1: 183، والمجموع 14: 9، وفتح العزيز 10: 361، ومغني المحتاج 2: 199، والسراج الوهاج: 240.
(2) المجموع 14: 9، والوجيز 1: 183، وفتح العزيز 10: 361 واعانة الطالبين 3: 78، والسراج الوهاج: 240، ومغني المحتاج 2: 199.
(3) النحل: 75.
(4) المجموع 14: 41 و 45، والوجيز 1: 184، وكفاية الاخيار 1: 173، ومغني المحتاج 2: 203، والسراج الوهاج: 241، وحاشية اعانة الطالبين 3: 78، والنتف 2: 758، واللباب 2: 100، والفتاوى الهندية 3: 258، وحاشية رد المحتار 5: 286، وبداية المجتهد 2: 291، وبلغة السالك 2: 164، والمغني لابن قدامة 5: 95، والشرح الكبير 5: 98، وفتح العزيز 10: 372.
(5) المجموع 14: 44، وكفاية الاخيار 1: 173، وفتح العزيز 10: 373، والمغني لابن قدامة 5: 95، والشرح الكبير 5: 98، والنتف 2: 758، وبداية المجتهد 2: 291.
(6) يوسف: 66.

[ 322 ]

مكانه " (1) وذلك كفالة بالبدن. وروى أبو اسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب (2) أنه قال: صليت مع عبد الله بن مسعود الغداة فلما سلم، قام رجل، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد فو الله لقد بت البارحة - الى آخر الخطبة (3) فقال -: استتبهم وكفلهم عشائرهم، فاستتابهم فتابوا، وكفلهم عشائرهم (4). وهذا يدل على إجماعهم على أن الكفالة بالبدن صحيح. وروى المخالفون لنا: أن عبد الله بن عمر كان له دين على علي عليه السلام، فكفلت به أم كلثوم ابنته زوجة عمر بن الخطاب (5).

(1) يوسف: 78.
(2) حارثة بن مضرب العبدي الكوفي، روى عن علي عليه السلام وعمر وابن مسعود وخباب بن الارت، وسلمان الفارسي وغيرهم وعنه أبو إسحاق السبيعي. انظر تهذيب التهذيب 2: 166 - 167، وتقريب التهذيب 1: 145.
(3) ذكرها في المجموع 14: 41، والنص فيه: " أما بعد فو الله لقد بت البارحة وما في نفسي على أحد احنة، واني كنت استطرقت رجلا من بني حنيفة وكان أمرني أن آتيه بغلس فانتهيت الى مسجد بني حنيفة، مسجد عبد الله بن النواحة فسمعت مؤذنهم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن مسليمة رسول الله، فكذبت سمعي، وكففت فرسي، حتى سمعت أهل المسجد قد تواطأوا على ذلك، فقال عبد الله بن مسعود: علي بعبد الله بن النواحة، فحضر واعترف، فقال له عبد الله: اين ما كنت تقرأ من القرآن، قال: كنت اتقيكم به، فقال له: تب، فأبى، فأمر به فاخرج الى السوق، فجز رأسه، ثم شاور أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بقية القوم، فقال عدي بن حاتم: تؤلول كفر قد أطلع رأسه فاحسمه ". وقال جرير بن عبد الله، والاشعث بن قيس: استتبهم فان تابوا كفلهم عشائرهم، فاستتابهم فتابوا، وكفلهم عشائرهم.
(4) قال في المجموع 14: 42 الحديث أخرجه أبو داود من طريق حارثة بن مضرب العبدي الكوفي. أقول: وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى 6: 77 باختلاف يسير في بعض الالفاظ.
(5) ذكر السرخسي في المبسوط 19: 163 كفالة أم كلثوم أمير المؤمنين عليه السلام فلاحظ.

[ 323 ]

مسألة 17: إذا تكفل ببدن رجل، فغاب المكفول به غيبة يعرف موضعه، ألزم الكفيل إحضاره، ويمهل مقدار زمان ذهابه ومجيئه لاحضاره، فان لم يحضره بعد إنقضاء هذه المدة المذكورة حبس أبدا حتى يحضره أو يموت. وبه قال جميع من أجاز الكفالة بالبدن (1). وقال ابن شبرمة: يحبس في الحال ولا يمهل، لان الحق قد حل عليه (2). دليلنا: أن من شرط الكفالة إمكان تسليمه، والغائب لا يمكن تسليمه في الحال، فوجب أن يمهل حتى يمضي زمان الامكان. مسألة 18: إذا تكفل ببدن رجل، فمات المكفول به، زالت الكفالة وبرأ الكفيل، ولا يلزمه المال الذي كان عليه. وبه قال جميع الفقهاء الذين أجازوا كفالة الابدان (3). وقال مالك: يلزمه ما عليه، واليه ذهب ابن سريج (4). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، فمن علق عليها شيئا فعليه الدلالة. وأيضا فانه تكفل ببدنه دون ما في ذمته، فلا يلزمه تسليم ما لم يتكفل به، ولم

(1) اللباب 2: 101، والفتاوى الهندية 3: 258، والمجموع 14: 52، والسراج الوهاج: 242، ومغني المحتاج 2: 205، وفتح العزيز 10: 377 - 378، والوجيز 1: 184، وبداية المجتهد 2: 291، والمغني لابن قدامة 5: 98 - 99، والشرح الكبير 5: 105 - 106، والاقناع 2: 185، وكفاية الاخيار 1: 173، والبحر الزخار 6: 74.
(2) المجموع 14: 52، والمغني لابن قدامة 5: 98، والشرح الكبير 5: 106، والبحر الزخار 6: 74.
(3) المجموع 14: 46 و 54، والوجيز 1: 184، وكفاية الاخيار 1: 173، ومغني المحتاج 2: 205، والسراج الوهاج 2: 242، واللباب 2: 102، والنتف 2: 759، والفتاوى الهندية 3: 262، والمغني لابن قدامة 5: 105، والشرح الكبير 5: 104، والاقناع 2: 185، والبحر الزخار 6: 73، والجامع لاحكام القرآن القرطبي 10: 233.
(4) المدونة الكبرى 5: 257، والمجموع 14: 46 و 54، والجامع لاحكام القرآن للقرطبي 10: 233، والمغني لابن قدامة 5: 105، والشرح الكبير 5: 104، والبحر الزخار 6: 73.

[ 324 ]

يضمنه. مسألة 19: إذا رهن شيئا ولم يسلمه، فتكفل رجل بهذا التسليم صح. وقال الشافعي: لا يصح (1). دليلنا: انا قد بينا أن الراهن يجب عليه تسليم الرهن، فصحت الكفالة عنه، والشافعي بناه على أنه لا يجب عليه تسليمه، وقد بينا خلافه.

(1) انظر الام 3: 140 - 141، وفتح العزيز 10: 375.

[ 325 ]

كتاب الشركة

[ 327 ]

مسألة 1: شركة المسلم لليهودي والنصراني وسائر الكفار مكروهة. وبه قال جميع الفقهاء (1). وقال الحسن البصري: إن كان المتصرف المسلم لا يكره، وإن كان المتصرف الكافر أوهما، كره (2). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع الامة، لان خلاف الحسن لا يعتد به، ومع ذلك قد انقرض. وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال: أكره أن يشارك المسلم اليهودي أو النصراني (3). ولا يعرف له مخالف. مسألة 2: لا تنعقد الشركة إلا في مالين مثلين في جميع صفاتهما، ويخلطان، ويأذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في التصرف فيه. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: تنعقد اللشركة بالقول وإن لم يخالطاهما، بأن يعينا المال

(1) المحلى 8: 125، واللباب 2: 70، والمجموع 14: 64، وعمدة القاري 13: 61، وفتح العزيز 10: 405، والمغني لابن قدامة 5: 110، والشرح الكبير 5: 110، والبحر الزخار 5: 92 - 93.
(2) المجموع 14: 64، والمغني لابن قدامة 5: 109 - 110، والشرح الكبير 5: 110، والبحر الزخار 5: 93.
(3) المجموع 14: 64، والمغني لابن قدامة 5: 110، والشرح الكبير 5: 110، والبحر الزخار 5: 93.
(4) المجموع 14: 66، وكفاية الاخيار 1: 174، ومغني المحتاج 2: 213، والسراج الوهاج: 245، والمبسوط 11: 156، وبداية المجتهد 2: 250، والمغني لابن قدامة 5: 127 و 128، وفتح العزيز 10: 405.

[ 328 ]

ويحضراه، ويقولا: قد تشاركنا في ذلك، صحت الشركة (1). وقيل: هذه شركة العنان. وإذا أخرج أحدهما دراهم، والاخر دنانير، انعقد الشركة بينهما (2). دليلنا: أن ما اعتبرناه مجمع على انعقاد الشركة به، وليس على انعقادها بما قاله دليل، فوجب بطلانه. مسألة 3: العروض التي لها أمثال، مثل: المكيلات، والموزونات تصح الشركة فيها. واختلف أصحاب الشافعي فيه: فقال أبو اسحاق المروزي مثل ما قلناه (3). وقال غيره: لا تصح (4). دليلنا: أن الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج الى دليل، ولا دليل في الشرع. مسألة 4: إذا أخرج أحدهما دراهم، والاخر دنانير، لم تنعقد الشركة. وبه قال الشافعي.
(5). وقال أبو حنيفة: تصح (6). دليلنا: أنهما مالان متميزان، ولا يختلطان، ومن حق الشركة إختلاط المالين، فوجب أن تبطل، ولان ما اعتبرناه لا خلاف في عقد الشركة به، وما ذكروه لا دليل على صحته.

(1) اللباب 2: 74، والمبسوط 11: 156، وفتاوى قاضيخان 3: 612، والمجموع 14: 69، وبداية المجتهد 2: 250، والمغني لابن قدامة 5: 128، وفتح العزيز 10: 406.
(2) اللباب 2: 73 - 74، وفتاوى قاضيخان 3: 612، والمجموع 14: 69، والمغني لابن قدامة 5: 128.
(3) المجموع 14: 66، وفتح العزيز 10: 407.
(4) المجموع 14: 65 و 66، وفتح العزيز 10: 407.
(5) المجموع 14: 68، ومغني المحتاج 2: 213، والسراج الوهاج: 245، وفتح العزيز 10: 408، والمبسوط 11: 153.
(6) اللباب 2: 73 - 74، والمبسوط 11: 152 - 153، والمجموع 14: 69.

[ 329 ]

مسألة 5: شركة المفاوضة باطلة. وبه قال الشافعي (1)، قال: ولها حكم في اللغة دون الشرع. قال صاحب إصلاح المنطق (2): شركة المفاوضة: أن يكون مالهما من كل شئ يملكانه بينهما. ووافقه على ذلك مالك، وأحمد، واسحاق، وابو ثور (3). وقال أبو حنيفة: هي صحيحة إذا صحت شرائطها وموجباتها. فشرائطها أن يكون الشريكان مسلمين حرين، فإذا كان أحدهما مسلما والاخر كافرا، أو كان أحدهما حرا والاخر مكاتبا، لم تجز الشركة. ومن شروطها أن يتفق قدر المال الذي تنعقد الشركة في جنسه، وهو الدراهم والدنانير، فإذا كان مال أحدهما أكثر لم تصح هذه الشركة، أو أخرج أحدهما من الشركة من ذلك المال أكثر مما أخرجه الاخر لم يصخ. وأما موجباتها فهو أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يكتسبه، قل ذلك أو كثر، وفيما يلزمه من غراماته بغصب وكفالة بمال، فهذه جملة ما يشترطونه من

(1) الام 3: 231 و 6: 224، ومختصر المزني: 109، والمجموع 14: 74، ومغني المحتاج 2: 212، والسراج الوهاج: 244 - 245، والمبسوط 11: 153، وفتح العزيز 10: 415، وبداية المجتهد 2: 251، والمغني لابن قدامة 5: 139، والشرح الكبير 5: 198، والوجيز 1: 187، وبدائع الصنائع 6: 57، والبحر الزخار 5: 91.
(2) للشيخ الاديب يعقوب بن إسحاق الشهير بابن السكيت. كان عالما بنحو الكوفيين وعلم القرآن واللغة والشعر، راوية ثقة، أخذ عن البصريين والكوفيين كالفراء وأبي عمرو الشيباني والاثرم وابن الاعرابي، وله تصانيف كثيرة في النحو ومعاني الشعر وتفسير دواوين الشعر. وكان مؤدبا لاولاد المتوكل العباسي، قتله المتوكل بعد أن سأله: يا يعقوب من أحب اليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ قال: والله ان قنبر خادم علي خير منك ومن إبنيك، فامر الاتراك فسلوا لسانه من قفاه، فمات يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين. انظر بغية الوعاة: 418 - 419.
(3) المبسوط 11: 153، والمغني لابن قدامة 5: 139، والشرح الكبير 5: 198.

[ 330 ]

الشرائط والموجبات (1). وبه قال سفيان الثوري والاوزاعي (2). دليلنا: أنه لا دليل على صحة ذلك، وانعقاد الشركة حكم شرعي يحتاج الى دلالة شرعية. وأيضا هذه الشرائط التي ذكروها من اكتساب المال والغرامة باطلة، فلا يصح معها الشركة. وأيضا روي عنه عليه السلام أنه " نهى عن الغرر " (3) وهذا غرر، لانه يدخل في العقد على أن يشاركه في جميع ما يكسبه وما يضمنه بعد، من غصب وضمان وكفالة، وقد يلزمه غرامة، فيحتاج أن يشاركه فيها على حسب ما دخل عليه في العقد، وهذا غرر عظيم. مسألة 6: شركة الابدان عندنا باطلة - وهي أن يشترك الصانعان على أن ما يرتفع لهما من كسبهما فهو بينهما على حسب شرطهما، سواء كان متفقي الصنعة كالنجارين والخبازين، أو مختلفي الصنعة كالنجار والخباز - وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة يجوز مع اتفاق الصنعة واختلافها، ولا يجوز في الاحتطاب

(1) النتف 1: 531 واللباب 2: 70، وفتاوى قاضيخان 3: 618، والمبسوط 11: 153، والمجموع 14: 74، وفتح العزيز 10: 415، وبداية المجتهد 2: 251، والمغني لابن قدامة 5: 139، والشرح الكبير 5: 198، والفتاوى الهندية 2: 207 - 208، وبدائع الصنائع 6: 57، والبحر الزخار 5: 91.
(2) المجموع 14: 74، والمغني لابن قدامة 5: 139، والشرح الكبير 5: 198، والبحر الزخار 5: 91.
(3) انظر تعليقتنا حول الحديث في المسألة " 13 " من كتاب الضمان المتقدم. (4) المجموع 14: 72، والوجيز 1: 187، وكفاية الاخيار 1: 173، ومغني المحتاج 2: 212، والسراج الوهاج: 244 - 245، وفتح العزيز 10: 414، والمغني لابن قدامة 5: 111، والشرح الكبير 5: 186، وبداية المجتهد 2: 252، والمبسوط 11: 154، والمحلى 8: 123، والبحر الزخار 5: 94، وسبل السلام 3: 893.

[ 331 ]

والاحتشاش، والاصطياد والاغتنام (1). وقال مالك: يجوز الاشتراك مع اتفاق الصنعة، ولا يجوز مع اختلافها (2). وقال أحمد: يجوز الاشتراك في جميع الصنائع، وفي الاحتشاش والاحتطاب، والاصطياد والاغتنام (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4). وأيضا العقود الشرعية تحتاج الى أدلة شرعية، وليس في الشرع ما يدل على صحة هذه الشركة. وأيضا نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر (5)، وهذا غرر، بدلالة أن كل واحد منهما لا يدري أيكسب صاحبه شيئا أم لا يكسب، وكم مقدار ما يكسبه. مسألة 7: شركة الوجوه باطلة - وصورتها: أن يكون رجلان وجيهان في السوق، وليس لهما مال، فيعقدان الشركة على أن يتصرف كل واحد منهما بجاهه في ذمته، ويكون ما يرتفع بينهما - وبه قال الشافعي (6).

(1) اللباب 2: 75 - 76، والنتف 1: 535، والمبسوط 11: 154 و 216، وفتاوى قاضيخان 2: 623 - 624، والمغني لابن قدامة 5: 111، والشرح الكبير 5: 185، والمحلى 8: 123، وبداية المجتهد 2: 252، وكفاية الاخيار 1: 173، وسبل السلام 3: 893، وفتح العزيز 10: 414 - 415، والبحر الزخار 5: 94.
(2) بداية المجتهد 2: 252، وكفاية الاخيار 1: 173، والمحلى 8: 123، والمغني لابن قدامة 5: 113، والشرح الكبير 5: 187، وفتح العزيز 10: 414، والبحر الزخار 5: 94.
(3) المغني لابن قدامة 5: 111، والشرح الكبير 5: 185 و 187، وفتح العزيز 10: 415.
(4) انظرها في عيون أخبار الرضا 2: 86 حديث 168، وصحيح مسلم 3: 1153، وسنن أبي داود 3: 254، وسنن الترمذي 3: 532، وسنن الدارقطني 3: 15 - 16.
(5) تقدمت الاشارة الى مصادر النهي عن المسألة " 5 " من هذا الكتاب فلاحظ.
(6) المجموع 14: 75، ومغني المحتاج 2: 212، والسراج الوهاج: 244 - 245، والمبسوط 11: 154، وبداية المجتهد 2: 252، والوجيز: 187، وفتح العزيز 1: 416، والشرح الكبير 5: 184، والبحر الزخار 5: 94.

[ 332 ]

وقال أبو حنيفة: أنها تصح، فإذا عقداها كان ما يرتفع لهما على حسب ما شرطاه بينهما (1). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الاولى من أن العقود الشرعية تحتاج الى أدلة شرعية، وليس في الشرع ما يدل على صحة هذه الشركة، فيجب أن تكون باطلة. مسألة 8: لا فرق بين أن يتفق المالان في المقدار، أو يختلفا فيخرج أحدهما أكثر مما أخرجه الاخر، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (2). وقال أبو القاسم الانماطي من أصحابه: إذا اختلف مقدار المالين، بطلت الشركة (3). دليلنا: أنه لا دلالة على بطلان هذه الشركة، والاصل جوازها. وقوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (4). مسألة 9: لا يجوز أن يتفاضل الشريكان في الربح مع التساوي في المال، ولا أن يتساويا فيه مع التفاضل في المال، ومتى شرطا خلاف ذلك كانت الشركة باطلة. وبه قال الشافعي (5).

(1) اللباب 2: 76، والمبسوط 11: 154، وفتاوى قاضيخان 6: 623، والمجموع 14: 75، وبداية المجتهد 2: 252، والفتاوى الهندية 2: 327، والشرح الكبير 5: 184، وفتح العزيز 10: 416 - 417، والبحر الزخار 5: 94.
(2) مغني المحتاج 2: 214، والمجموع 14: 67، والسراج الوهاج: 245، وفتح العزيز 1: 410.
(3) المجموع 14: 67 و 69، وفتح العزيز 10: 410، والوجيز 1: 187.
(4) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44.
(5) المجموع 14: 69، ومغني المحتاج 2: 215، وفتح العزيز 10: 425، والمبسوط 11: 157، وبداية المجتهد 2: 250، والوجيز 1: 187، وكفاية الاخيار 1: 174، والسراج الوهاج: 246، والنتف 1: 533، والبحر الزخار 5: 92.

[ 333 ]

وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك (1). دليلنا: أن ما قلناه مجمع على جوازه، وليس على جواز ما ذكره دليل. مسألة 10: إذا اشترى الشريكان عبدا بمال الشركة، ثم أصابا به عيبا، كان لهما أن يرداه، وكان لهما إمساكه، فان أراد أحدهما الرد والاخر الامساك كان لهما ذلك. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إذا امتنع أحدهما من الرد، لم يكن للاخر أن يرده (3). دليلنا: أن المنع من الرد بالعيب يحتاج الى دليل، والاصل جوازه، وليس ها هنا ما يدل على المنع منه. مسألة 11: إذا باع أحد الشريكين عبدا بألف، فأقر البائع على شريكه بالقبض، وادعى ذلك المشتري وأنكره الشريك الاخر الذي لم يبع، لم يبرء المشتري من الثمن. وبه قال الشافعي (4). وله في إقرار الوكيل على موكله بقبض ما وكله فيه قولان: أحدهما: يقبل (5). وبه قال أبو حنيفة، ومحمد (6). والاخر: لا يقبل (7).

(1) المبسوط 11: 156 - 157، واللباب 2: 73، وفتاوى قاضيخان 3: 613 وفتح العزيز 10: 426، والنتف 1: 533، والفتاوى الهندية 2: 319 - 320، والبحر الزخار 5: 92.
(2) مختصر المزني: 83 و 109، والمجموع 14: 79، وبداية المجتهد 2: 178، والمغني لابن قدامة 4: 268، والشرح الكبير 4: 106، وشرح فتح القدير 8: 367، وشرح فتح العزيز 8: 367.
(3) المبسوط 13: 50، وبدائع الصنائع 5: 283، وشرح فتح القدير 8: 367، والمغني لابن قدامة 4: 268، والشرح الكبير 4: 106، وشرح فتح العزيز 8: 367.
(4) المجموع 11: 87، وفتح العزيز 10: 448 و 454.
(5) المجموع 14: 87 و 163، وفتح العزيز 10: 452.
(6) المبسوط 19: 69 و 75 و 103، والمجموع 14: 88.
(7) المجموع 14: 163، وفتح العزيز 10: 442 و 454.

[ 334 ]

وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: إن إقرار الشريك مقبول على شريكه، بناء منهما على أن إقرار الوكيل مقبول على موكله بقبض ما وكله فيه (1). دليلنا على ذلك: أن الخمسمائة التي للبائع لا يبرأ منها، لانه يقول ما أعطيتني ولا أعطيت من وكلته في قبضها، وإنما أعطيتها أجنبيا، ولا تبرأ من حقي بذلك، وأما الخمسمائة التي للذي لم يبع فلا يبرأ منها أيضا، لانه يزعم أنها على المشتري لم يبقبضها بعد، وإنما البائع هو الذي يقر بقبضه، وهو وكيل الذي لم يبع في قبض حقه. والوكيل إذا أقر على موكله الحق الذي وكله في استيفائه لم يقبل قوله، إلا أنه إن شهد مع البائع شاهد آخر، أو إمرأتان، أو يمين المشتري، فانه يحكم على الشريك الذي لم يبع بقبض حقه، وإن لم يكن توجهت عليه اليمين لا غير. مسألة 12: إذا كان مال بين شريكين، فغصب غاصب أحد الشريكين نصيبه، وباع مع ما لشريكه، مضى العقد يفيما للشريك، ويبطل فيما للغاصب. ولاصحاب الشافعي فيه طريقان: منهم من قال: المسألة مبنية عليل تفريق الصفقة، فيبطل البيع في القدر المغصوب، وهل يبطل في حصة الشريك البائع؟ على قولين: إذا قال: لا تفرق الصفقة، بطل في الجميع. وإذا قال: تفرق، يصح في حصة الشريك البائع، ويبطل في الباقي (2). ومنهم من قال: المسألة على قول واحد كما قال الشافعي، لان هذا البيع صفقتان، لان في طرفيه عاقدين، فإذا جمع بين الصفقتين في العقد فبطلت

(1) المبسوط 19: 103.
(2) مختصر المزني 1: 109، والمجموع 14: 82، وفتح العزيز 10: 456.

[ 335 ]

إحداهما لم تبطل الاخرى، وانما تبنى المسألة على تفريق الصفقة إذا كانت الصفقة واحدة (1)، وهو الصحيح عندهم. فأما إذا غضب أحد الشريكين من لااخر، وباع الجميع، بطل في نصيب شريكه، وفي نصيبه قولان (2): وإذا وكل الشريك الذي لم يغصب الغاصب في بيع حصته، فباع الغاصب جميع المال، وأطلق البيع، بطل في القدر المغصوب، وهل يبطل في حصة الموكل؟ على قولين (3)، بناء على تفريق الصفقة، ولا خلاف بينم إذا أطلق ذلك البيع، وإن لم يطلق وأخبر المشتري أنه وكيل، فهو على الخلاف الذي مضى. دليلنا عى أنه لا يبطل في الجميع قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (4) وهذا بيع صادف ملكا، وأما ما لا يملك فلا خلاف في أنه لا يمضى البيع فيه. مسألة 13: إذا كان لرجلين عبدان، لكل واحد منهما عبد بانفراده، فباعاهما من رجل واحد بثمن واحد، لا يصح البيع. وللشافعي فيه قولان: أحدهما يصح (5). والاخر: لا يصح (6)، وهو الاصح عندهم. دليلنا: أن هذا العقد بمنزلة العقدين، لانه لعاقدين، وثمن كل واحد منهما مجهول، لان ثمنهما يتقسط على قدر قيمتهما وذلك مجهول، والثمن إذا كان مجهولا

(1) المجموع 14: 82.
(2) المجموع 14: 83.
(3) المجموع 14: 82 - 83.
(4) البقرة: 275.
(5) فتح العزيز 8: 252 - 253.
(6) فتح العزيز 8: 252 - 253.

[ 336 ]

بطل العقد، ولا يلزم إذا كانا جميعا لواحد فباعهما بثمن معلوم، لان ذلك يكون عقدا واحدا، وانما يبطل الاول من حيث كانا عقدين. مسألة 14: إذا عقدا شركة فاسدة، إما بأن يتفاضل المالان ويتساوى الربح، أو يتساوى المالان ويتفاضل الربح، وتصرفا، وارتفع الربح، ثم تفاضلا، كان الربح بينهما على قدر المالين، ويرجع كل واحد منهما على صاحبه باجرة مثل عمله، بعد إسقاط القدر الذي يقابل عمله في ماله. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا يرجع واحد منهما على صاحبه باجرة مثل علمه، لان هذه الاجرة لما لم تثبت في الشركة الصحيحة، فكذلك في الفاسدة (2). دليلنا: أن كل واحد منهما قد شرط في قابلة عمله جزء من الربح، ولم يسلم له لفساد العقد، وقد تعذر عليه الرجوع الى المبدل، فكان له الرجوع الى قيمته، كما لو باع منه سلعة بيعا فاسدا وسلمها إليه وتلفت في يد المشتري رجع عليه بقيمتها، لان المسمى لم يسلم له، وقد تعذر عليه الرجوع في السلعة بتلفها، فكان له الرجوع في قيمتها. ويفارق ذلك الشركة الصحيحة، لان المسمى قد سلم له فيها، وفي الفاسدة لم يسلم له المسمى، وقد تعذر عليه الرجوع الى المبدل، فيرجع الى عوض المثل. مسألة 15: إذا كان بينهما شئ، فباعاه بثمن معلوم، كان لكل واحد منهما أن يطالب المشتري بحقه. فإذا أخذ قدر حقه، شاركه فيه صاحبه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (3).

(1) المجموع 14: 72، ومغني المحتاج 2: 215 - 216، والسراج الوهاج: 246.
(2) الفتاوى الهندية 2: 320، واللباب 2: 73، والمجموع 14: 72.
(3) المجموع 14: 88، وفتح العزيز 10: 250 و 254.

[ 337 ]

والاخر هو الاظهر عندهم: أنه لا يشاركه فيه (1). دليلنا: إجماع الفرقة فان هذه المسألة منصوصة لهم (2)، ورواياتهم واردة بها (3). وأيضا فان المال الذي في ذمة المشتري غير متميز فكل جزء يحصل من جهته فهو بينهما.

(1) المجموع 14: 88، وفتح العزيز 10: 250 و 254.
(2) حكاه العلامة الحلى في المختلف 2: 22 عن ابن الجنيد من متقدمي علمائنا السابقين على الشيخين وعن ابن البراج وأبي الصلاح وابن حمزة من المتأخيرين.
(3) استدل العلامة أيضا في مقام الرد على ابن ادريس في هذه المسألة التي ذكرها أيضا في المختلف 2: 21 - 22 بما رواه الشيخ في التهذيب 7: 185 - 186 حديث 818 و 821.

[ 339 ]

كتاب الوكالة

[ 341 ]

مسألة 1: يجوز وكالة الحاضر، ويلزم الخصم مخاصمة الوكيل، وله أن يوكل أيضا كذلك. وبه قال الشافعي، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد (1). وقال أبو حنيفة: وكان الحاضر تصح، غير أنها لا تلزم خصمه، إلا أن يرضى بها، ومتى أبى ذلك كان على خصمه أن يخاصمه بنفسه، وأجبر على ذلك إن امتنع (2). دليلنا: أن الاخبار الواردة في جواز التوكيل عامة في الحاضر والغائب (3)، فمن خصص فعليه الدلالة. وأيضا الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 2: ليس من شرط سماع البينة على الوكالة من الوكيل إحضار خصم من خصومه، أو غريم من غرمائه. وبه قال الشافعي (4).

(1) المجموع 14: 100، والوجيز 1: 188، وفتح العزيز 11: 9، وبداية المجتهد 2: 298، واللباب 2: 87، وبدائع الصنائع 6: 22، وعمدة القاري 12: 134، وتبيين الحقائق 4: 255، والمغني لابن قدامة 5: 204، والشرح الكبير 5: 206 و 207، والبحر الزخار 6: 65.
(2) النتف 2: 598، واللباب 2: 87، وبدائع الصنائع 6: 22، وعمدة القاري 12: 134، وتبيين الحقائق 4: 255، والمجموع 14: 100، والمغني لابن قدامة 5: 204، والشرح الكبير 5: 207، وفتح العزيز 11: 9، والبحر الزخار 6: 66. (3) انظر الكافي 6: 129 (باب الوكالة في الطلاق) ومن لا يحضره الفقيه 3: 47 (باب 37)، والتهذيب 6: 213 (باب 86) والاستبصار 3: 278 (باب 166).
(4) فتح العزيز 11: 55، والمغني لابن قدامة 5: 267 و 270، والشرح الكبير 5: 267 و 270، وبداية المجتهد 2: 298.

[ 342 ]

وقال أبو حنيفة: من شرطه ذلك، فإذا أحضره وادعى حق الموكل على خصمه أو غريمه، وتوجه الجواب على المدعى عليه، فحينئذ يسمع الحاكم بينة الوكيل (1) فجوز سماع الدعوى قبل ثبوت الوكالة، وألزم الخصم الجواب، وجعل تقديم الدعوى شرطا في سماع البينة بناء منه على أصله، لان عنده لا يلزم وكالة الحاضر إلا برضا الخصم، ولا يجوز القضاء على الغائب. وهذا عندنا جائز على ما بيناه، لانا لا نعتبر رضا الخصم، ويجوز القضاء على الغائب، وقد مضى الكلام في جواز وكالة الحاضر وإن لم يرض الخصم، وسيجئ الكلام في القضاء على الغائب في موضعه. مسألة 3: إذا عزل الموكل وكيله عن الوكالة في غيبة من الوكيل، فلا صحابنا فيه روايتان: إحداهما: أنه ينعزل في الحال وإن لم يعلم الوكيل، وكل تصرف يتصرف فيه الوكيل بعد ذلك يكون باطلا (2). وهو أحد قولي الشافعي، أو أحد وجهيه (3). والثانية: أنه لا ينعزل حتى يعلم الوكيل ذلك، وكلما يتصرف فيه يكون واقعا موقعه الى أن يعلم (4)، وهو قول الشافعي الاخر (5). وبه قال

(1) الفتاوى الهندية 4: 111، والشرح الكبير 5: 267 و 270، والمغني لابن قدامة 5: 267 و 270، وبداية المجتهد 2: 298، وفتح العزيز 11: 55.
(2) لم أظفر على رواية تدل على خلاف العلم والله العالم.
(3) الوجيز 1: 193، والمجموع 14: 155، ومغني المحتاج 2: 232، والسراج الوهاج: 252، وفتح العزيز 11: 67، والمغني لابن قدامة 5: 243، والشرح الكبير 5: 217 - 218، وتبيين الحقائق 4: 287.
(4) انظر الكافي 6: 129 حديث 4، ومن لا يحضره الفقيه 3: 47 و 51 حديث 166 و 171، والتهذيب 6: 213 - 214 حديث 502 و 503، و 505.
(5) المجموع 14: 155، والوجيز 1: 193، ومغني المحتاج 2: 232، والسراج الوهاج: 252، وفتح العزيز 11: 67، والمغني لابن قدامة 5: 243، والشرح الكبير 5: 218.

[ 343 ]

أبو حنيفة (1). دليلنا على ذلك: أخبار الطائفة، وهي مختلفة، وقد ذكرناها في الكتابين المتقدم ذكرهما (2). ومن راعى العلم، إستدل على ذلك، بأن قال: أن النهي لا يتعلق به حكم في حق المنهي، إلا بعد حصول العلم به. وهكذا أبواب نواهي الشرع كلها، ولهذا لما بلغ أهل قبا أن القبلة قد حولت الى الكعبة وهم في الصلاة داروا وبنوا على صلاتهم، ولم يؤمروا بالاعادة، فكذلك نهى الموكل وكيله عن التصرف ينبغي أن لا يتعلق به حكم في حق الوكيل إلا بعد العلم، وهذا القول أقوى من الاول، وقد رجحناه في الكتابين (3). مسألة 4: إذا وكل رجل رجلا في الخصومة عنه، ولم يأذن له في الاقرار، فأقر على موكله بقبض الحق الذي وكل في المخاصمة فيه، لم يلزمه إقراره عليه بذلك، سواء كان في مجلس الحكم أو في غيره. وبه قال مالك، والشافعي وابن أبي ليلى، وزفر (4). وقال أبو حنيفة ومحمد: يصح إقراره على موكله في مجلس الحكم، ولا يصح

(1) اللباب 2: 93، والمبسوط 19: 16، والنتف 2: 602، وبدائع الصنائع 6: 37 وحاشية رد المحتار 5: 537، والمغني لابن قدامة 5: 243، والشرح الكبير 5: 218، وفتح العزيز 11: 67.
(2) التهذيب 6: 213 و 216 حديث 502 و 508 و 6: 214 حديث 504 و 506، والاستبصار 3: 278 حديث 986 و 988.
(3) التهذيب 6: 213 حديث 502، والاستبصار 3: 278 حديث 986 - 988.
(4) الام 3: 232، ومختصر المزني: 110، والمجموع 14: 115، وفتح العزيز 11: 53، والنتف 2: 599، وبدائع الصنائع 6: 24، والمبسوط 19: 4، وتبيين الحقائق 4: 278 و 280، والمغني لابن قدامة 5: 218، والشرح الكبير 5: 243، وبداية المجتهد 2: 297.

[ 344 ]

في غيره (1). وقال أبو يوسف: يصح في مجلس الحكم وفي غيره (2). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، فمن ألزمه باقرار وكيله فعليه الدلالة. مسألة 5: إذا أذن له في الاقرار صح إقراره، ولزم الموكل ما أقر به، فان كان معلوما لزمه ذلك، وإن كان مجهولا رجع في تفسيره الى الموكل دون الوكيل. وللشافعي فيه قولان (3)، وفي أصحابه من قال مثل ما قلناه (4). وقال ابن سريج: لا يصح من الوكيل الاقرار على الموكل بحال، ولا يصح الوكالة في ذلك (5). دليلنا: أنه لا مانع من ذلك، والاصل جوازه. وأيضا قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (6) وهذا شرط إن يلزمه ما يقر به الوكيل، فيجب أن يكون ذلك جائزا. مسألة 6: إذا وكل رجل رجلا في تثبيت حد القذف، أو القصاص عند

(1) اللباب 2: 99، والنتف 2: 599، والمبسوط 19: 5، وبدائع الصنائع 6: 24، والمغني لابن قدامة 5: 218، والشرح الكبير 5: 243، والمجموع 14: 115، وفتح العزيز 11: 53، وتبيين الحقائق 4: 279.
(2) النتف 2: 598، واللباب 2: 99، وبدائع الصنائع 6: 24، وتبيين الحقائق 4: 279 - 280، والمغني لابن قدامة 5: 218، والشرح الكبير 5: 243.
(3) مغني المحتاج 2: 221، والسراج الوهاج: 248، وفتح العزيز 11: 8، وحاشية رد المحتار 5: 515.
(4) السراج الوهاج: 248، ومغني المحتاج 2: 221، وفتح العزيز 11: 8، وحاشية رد المحتار 5: 515.
(5) فتح العزيز 11: 8، وحاشية رد المحتار 5: 515.
(6) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.

[ 345 ]

الحاكم، أو إقامة البينة عليه، فالتوكيل صحيح. وبه قال جميع الفقهاء (1)، إلا أبا يوسف، فانه قال: لا يصح التوكيل في تثبيت الحد بحال (2). دليلنا: عموم الاخبار في جواز التوكيل (3)، والاصل أيضا جوازه، والمنع يحتاج إلى دلالة. مسألة 7: يصح التوكيل في استيفاء الحدود التي للادميين وإن لم يحضر الموكل. واختلف أصحاب الشافعي على ثلاثة طرق: فذهب أبو اسحاق المروزي، أن الصحيح حما ذكره في كتاب الجنايات من: أن التوكيل صحيح مع غيبة الموكل (4). ومنهم من قال: أن الصحيح ما ذكره ها هنا من: إعتبار حضور الموكل (5). ومنهم من قال: المسألة على قولين. واختار أبو الطيب قول المروزي (6). وقال أبو حنيفة: لا يجوز إستيفاؤها مع غيبة الموكل (7).

(1) الام 3: 232، وبدائع الصنائع 6: 21، وبداية المجتهد 2: 297، وتبيين الحقائق 4: 255، والبحر الزخار 6: 62 - 63.
(2) بدائع الصنائع 6: 21، وتبيين الحقائق 4: 255، والبحر الزخار 6: 62 - 63.
(3) انظر الكافي 6: 129 (باب الوكالة في الطلاق)، ومن لا يحضره الفقيه 3: 47 (باب 37 من الوكالة)، والتهذيب 6: 213 (باب 86 الوكالة)، والاستبصار 3: 278 (باب 166 الوكالة).
(4) الوجيز 1: 188، والسراج الوهاج: 248، وفتح العزيز 11: 10، وعمدة القاري 12: 151، والمبسوط 19: 9، وتبيين الحقائق 4: 255، والبحر الزخار 6: 63.
(5) السراج الوهاج: 248، والوجيز 1: 188، وفتح العزيز 11: 10، والمغني لابن قدامة 5: 208، والشرح الكبير 5: 208، والبحر الزخار 6: 63.
(6) البحر الزخار 6: 36، والوجيز 1: 188.
(7) المبسوط 19: 9 و 106 - 107، وعمدة القاري 12: 151، وبدائع الصنائع 6: 21، وتبيين الحقائق

[ 346 ]

دليلنا: أن الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج الى دلالة، ومن قال: لا يجوز إلا مع حضور الموكل استدل بقول النبي صلى الله عليه وآله: " إدرؤوا الحدود بالشبهات " (1) قال: وفي استيفاء هذا الحد شبهة، لانه لا يدري الوكيل هل عفى عن هذا القصاص الموكل فيه أو لم يعف؟ وما ذكرناه أولى. مسألة 8: إذا وكله في تصرف سماه له، ثم قال: (وقد أذنت لك أن تصنع ما شئت) كان ذلك إذنا في التوكيل. وللشافعي فيه وجهان، أحدهما: مثل ما قلناه (2). والثاني: ليس له ذلك، لانه ما صرح بالاذن فيه (3). دليلنا: أنه إذا قال: (أذنت لك أن تعمل ما شئت) دخل فيه التوكيل، لانه من جملة ما يشاء، فحمل قوله على عمومه أولى. مسألة 9: جميع من يبيع مال غيره، ستة أنفس: الاب، والجد، ووصيهما، والحاكم، وأمين الحاكم، والوكيل. لا يصح لاحد منهم أن يبيع المال الذي في يده من نفسه إلا لاثنين: الاب، والجد، ولا يصح لغيرهما. وبه قال مالك، والشافعي (4).

4: 255، وحاشية رد المحتار 5: 513، والمغني لابن قدامة 5: 207 - 208، والشرح الكبير 5: 208، وفتح العزيز 11: 10، والبحر الزخار 6: 63. (1) من لا يحضره الفقيه 4: 53 حديث 190، ونقله السيوطي في الجامع الصغير 1: 52 حديث 314 عن ابن عدي في جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة، وعن أبي مسلم الكجي وابن السمعاني. انظر تفصيل ذلك في فيض القدير للمناوي 1: 227.
(2) المجموع 14: 111، والمغني لابن قدامة 5: 215، والشرح الكبير 5: 209.
(3) مغني المحتاج 2: 226، والمجموع 14: 111، والمغني لابن قدامة 5: 215، والشرح الكبير 5: 209.
(4) المجموع 14: 123 - 124، ومغني المحتاج 2: 224، والسراج الوهاج: 249، والوجيز 1: 19، وكفاية الاخيار 1: 177، وبداية المجتهد 2: 298، والمغني لابن قدامة 5: 237، والشرح الكبير 5: 221، وفتح العزيز 11: 29، وتبيين الحقائق 4: 270.

[ 347 ]

وقال الاوزاعي: يجوز ذلك للجميع (1). وقال زفر: لا يجوز لاحد منهم أن يبيع من نفسه شيئا (2). وقال أبو حنيفة: يجوز للاب، والجد، والوصي إلا أنه اعتبر في الوصي أن يشتريه بزيادة ظاهرة، مثل أن يشتري ما يساوي عشرة بخمس عشرة، فان اشتراه بزيادة درهم لم يمض ذلك البيع. قاله استحسانا (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم أنه يجوز للاب أن يقوم جارية إبنه الصغير على نفسه، ويستبيح وطؤها بعد ذلك (4). وأيضا روي أن رجلا أوصى إلى رجل في بيع فرس له، فاشتراه الوصي لنفسه، واستفتى عبد الله بن مسعود، فقال: ليس له ذلك (5)، ولا يعرف له مخالف. وإن قيل: عندكم أن البيع من صحة إنعقاده التفرق بالابدان، ولا يتصور ذلك بين الانسان وبين نفسه. قيل: أجيب عن ذلك بجوابين: أحدهما: أن البيع قد يلزم من غير التفرق، وهو أن يقول بعد العقد: (أجزت (6) هذا البيع، أو أمضيته) فانه يلزم ولا يحتاج الى التفرق. والثاني: أنه إلا عقد الاب أو الجد هذا العقد، فانه يقوم من موضعه حتى يلزم العقد ويمضي، فيكون ذلك بمنزلة افتراق المتبايعين.

(1) المجموع 14: 123، والمغني لابن قدامة 5: 237، والشرح الكبير 5: 221، وتبيين الحقائق 4: 270.
(2) المجموع 14: 124.
(3) تبيين الحقائق 4: 271، والمغني لابن قدامة 5: 237، والشرح الكبير 5: 222.
(4) الكافي 7: 67 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 4: 161 حديث 564، والتهذيب 9: 239 حديث 928.
(5) روي في المجموع 14: 124، والمغني لابن قدامة 5: 238 مع اختلاف يسير في بعض الفاظه.
(6) في بعض النسخ " اخترت ".

[ 348 ]

مسألة 10: إذا أطلق الوكالة في البيع، فاطلاقها يقتضي أن يبيع بنقد ذلك البلد، بثمن المثل حالا، فان خالف في ذلك، كان البيع باطلا. وبه قال مالك، والشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا يقتضي الاطلاق الحلول، ولا نقد البلد، ولا عوض المثل. فإذا باعه بخلاف ذلك صح، حتى قال: لو أن السلعة تساوي ألوفا، فباعها بدانق الى أجل، صح البيع (2). دليلنا: أنه إذا باع بما وصفناه صح بيعه بلا خلاف، وإذا خالف لم يدل دليل على جواز بيه، فوجب المنع منه. مسألة 11: إذا اختلف الخياط وصاحب الثوب، فقال صاحب الثوب: أذنت لك في قطعه قميصا، وقال الخياط: أذنت لي في قطعه قباء، وقد فعلت. فالقول قول الخياط. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (3). والثاني: القول قول صاحب الثوب (4). وبه قال ابن أبي ليلى (5).

(1) بداية المجتهد 2: 298، والمجموع 14: 130، وكفاية الاخيار 1: 177، والوجيز 1: 190، ومغني المحتاج 2: 223 - 224، والسراج الوهاج: 249، وفتح العزيز 11: 26، والمغني لابن قدامة 5: 254 - 255، وبدائع الصنائع 6: 27، وتبيين الحقائق 4: 270، والبحر الزخار 6: 59.
(2) النتف 2: 597، واللباب 95 2، وبدائع الصنائع 6: 27، وفتاوى قاضيخان 2: 293، وتبيين الحقائق 4: 270، وحاشية رد المحتار 5: 522، والمغني لابن قدامة 5: 254 - 255، والشرح الكبير 5: 226، والمجموع 14: 130، وفتح العزيز 11: 26، وبداية المجتهد 2: 298، والبحر الزخار 6: 59.
(3) المجموع 15: 105 - 106، ومغني المحتاج 2: 354، والسراج الوهاج: 295، والوجيز 1: 238، وفتح العزيز 11: 74، والمغني لابن قدامة 6: 125.
(4) الام 4: 40، والوجيز 1: 238، والمجموع 15: 105 - 106، والسراج الوهاج: 295، ومغني المحتاج 2: 354، وفتح العزيز 11: 74، والمغني لابن قدامة 6: 125.
(5) المجموع 15: 107.

[ 349 ]

دليلنا: على ما ذهبنا إليه: أن صاحب الثوب مدع بذلك أرش القطع على الخياط، فعليه البينة، وإلا فعلى الخياط اليمين. مسألة 12: إذا كان لرجل على غيره دين، فجاء آخر فادعى أنه وكيله في المطالبة، وأنكر ذلك عليه الدين، فان كان مع الوكيل بينة أقامها وحكم له بها، وإن لم يكن معه بينة، وطالب من عليه الدين باليمين لا يجب عليه، فان ادعى عليه علمه بذلك لم يلزمه أيضا اليمين. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يلزمه اليمين، بناء منه على أصله أنه لو صدقه، أجبر على التسليم إليه (2). ونححن نبني على أصلنا أنه لو صدقه من عليه الدين في توكيله، لم يجبر على التسليم إليه. دليلنا: الاصل براءة الذمة، وإيجاب اليمين عليه يحتاج الى دليل شرعي، ولا دليل في الشرع يدل عليه. مسألة 13: إذا صدقه من عليه الدين في توكيله، لم يجبر على التسليم إليه. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: إن كان ذلك دينا، أجبر على الدفع إليه، وإن كان عينا فالمشهور من مذهبه أنه لا يجبر عليه (4).

(1) المجموع 14: 151 و 153، وفتح العزيز 11: 85، والشرح الكبير 5: 261.
(2) اللباب 2: 99، والمبسوط 19: 76، وبدائع الصنائع 6: 26، وتبيين الحقائق 4: 284، والمجموع 14: 153، والشرح الكبير 5: 261.
(3) المجموع 14: 151، والسراج الوهاج: 254، ومغني المحتاج 2: 237، والشرح الكبير 5: 261، وفتح العزيز 11: 86.
(4) المبسوط 18: 20، وبدائع الصنائع 6: 26، وتبيين الحقائق 4: 281 و 284، والشرح الكبير 5: 261، والمجموع 14: 152.

[ 350 ]

وعنه رواية اخرى شادة: أنه يجبر عليه (1). دليلنا: أنه لا دليل على إجباره على ذلك، ولان ذمته مرتهنة بالوديعة والدين وغيره، ولا يقطع على براءتها بالدفع الى الوكيل المدعى له ذلك، وتصديقه إياه، لان لصاحبه أن يكذبهما، فيجب أن لا يجب عليه التسليم. مسألة 14: إذا وكل رجلا في كل قليل وكثير، لم يصح حذلك، وبه قال جميع الفقهاء (2)، إلا ابن أبي ليلى، فان قال: يصح ذلك (3). دليلنا: أن في ذلك غررا عظيما، لانه ربما ألزمه بالعقود مالا يمكنه الوفاء به، وما يؤدي الى ذهاب ماله، مثل أن يزوجه بأربع حرائر، ثم يطلقهن قبل الدخول، فيلزمه نصف مهورهن، ثم يتزوج بأربع أخر، وعلى هذا أبدا. ويشتري له من الارضين والعقارات وغيرها مالا يحتاج إليه، وفي ذلك غرر عظيم، فما يؤدي إليه فهو باطل. وأيضا فانه لا دليل على صحة هذه الوكالة في الشرع. مسألة 15: يكره أن يتوكل مسلم لكافر على مسلم. ولم يكره ذلك أحد من الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة، لانه لا دليل على جوازه. مسألة 16: إذا وكل رجلا في بيع ماله، فباعه، كان للوكيل والموكل المطالبة بالثمن. وبه قال الشافعي (4).

(1) تبيين الحقائق 4: 284.
(2) الام 3: 233، والمجموع 14: 106 - 107، وكفاية الاخيار 1: 176، ومغني المحتاج 2: 221، والسراج الوهاج: 248، والوجيز 1: 188، والمبسوط 9: 70، وفتح العزيز 11: 11، والمغني لابن قدامة 5: 211، والشرح الكبير 5: 241، وبداية المجتهد 2: 297.
(3) المبسوط 19: 70، المغني لابن قدامة 5: 211، والشرح الكبير 5: 241.
(4) الوجيز 1: 192، وفتح العزيز 11: 60 و 64، وبدائع الصنائع 6: 33، والمغني لابن قدامة 5: 262 و

[ 351 ]

وقال أبو حنيفة: للوكيل المطالبة به، وليس ذلك للموكل (1). دليلنا: أن الثمن قد ثبت أنه للموكل دون الوكيل، ويدخل في ملكه في مقابلة المبيع الذي زال ملكه بالعقد، وإذا كان الثمن ملكا له كان له المطالبة به، ولان المطالبة بالثمن من حقوق العقد لامن شرائطه - مثل خيار المجلس والتفرق بالابدان، فان ذلك من شرط العقد - فلاجل ذلك يتعلق بالعاقد دون الموكل. مسألة 17: لا يصح إبراء الوكيل من دون الموكل، من الثمن الذي على المشتري. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: يصح إبراء الوكيل بغير إذن موكله (3). دليلنا: أن الابراء تابع للملك، وإذا كان الوكيل لا يملك الثمن، فلا يصح منه الابراء، وإنما قلنا أنه لا يملك، لانه لا يملك هبته بلا خلاف، فلو ملكه لصحح منه هبته. مسألة 18: إذا وكل رجلا في شراء سلعة، فاشتراها بثمن مثلها، فان ملكها يقع للموكل من غير أن يدخل في ملك الوكيل. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: يدخل أولا في ملك الوكيل، ثم ينتقل الى الموكل (5).

264، والشرح الكبير 5: 237 - 238. (1) اللباب 2: 89، وبدائع الصنائع 6: 33، وتبيين الحقائق 4: 257، والمغني لابن قدامة 5: 264، والشرح الكبير 5: 238.
(2) المجموع 14: 116، وفتح العزيز 11: 14، وتبيين الحقائق 4: 256.
(3) المبسوط 19: 35، وتبيين الحقائق 4: 258، وحاشية رد المحتار 5: 521 و 523، والمجموع 14: 116.
(4) المجموع 14: 146، وبداية المجتهد 2: 298، والمغني لابن قدامة 5: 263، والشرح الكبير 5: 237، وتبيين الحقائق 4: 256.
(5) تبيين الحقائق 4: 256، والمجموع 4: 147، وبداية المجتهد 2: 298، والمغنى لابن قدامة 5: 263، والشرح الكبير 5: 237، وفتح العزيز 1: 76.

[ 352 ]

دليلنا: أنه لو وكله في شراء من يعتق عليه لم ينعتق عليه، فلو كان الملك قد انتقل إليه لوجب أن ينعتق عليه، فلما أجمعنا أنه لا ينعتق على الوكيل لو اشترى من ينعتق عليه إذا اشتراه لنفسه، دل ذلك على أنه لا ينتقل الملك الى الوكيل. مسألة 19: إذا وكل مسلم ذميا في شراء خمر، لم يصح الوكالة، فان ابتاعه الذمي له، لم يصح البيع. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يصح التوكيل، ويصح البيع، وعنده أن المسلم لا يملك الخمر إذا تولى الشراء بنفسه، ولا يصح ذلك، ويملكه بشراء الوكيل الذمي (2). دليلنا: أن عقود البيع تحتاج الى دلالة شرعية، ولا دليل في الشرع على صحة هذا العقد، فوجب أن يكون باطلا. على أنه بينا في المسألة الاولى: أن شراء الوكيل يقع لموكله. فإذا كان كذلك، فوجب أن لا يصح شراؤه، كما لو اشتراه بنفسه. مسألة 20: إذا وكله في بيع فاسد، مثل أن يوكله في البيع والشراء الى أجل مجهول مثل قدوم الحاج، وإدراك الثمار، لم يلك بذلك التوكيل البيع الصحيح وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: يملك بذلك البيع الصحيح، فإذا باع أو اشترى الى أجل معلوم صح البيع والشراء (4). دليلنا: أنه لو لم يوكله في هذا العقد، فيجب أن لا يصح، وإنما وكله في غيره،

(1) المغني لابن قدامة 5: 263، والشرح الكبير 5: 237.
(2) المبسوط 19: 8، وتبيين الحقائق 4: 254، وحاشية رد المحتار 5: 511، والمغني لابن قدامة 5: 263، والشرح الكبير 5: 237.
(3) المجموع 14: 138، والوجيز 1: 192، وفتح العزيز 11: 57، والمغني لابن قدامة 5: 252، والشرح الكبير 5: 240، والبحر الزخار 6: 60.
(4) المغني لابن قدامة 5: 252، والشرح الكبير 5: 240، والمجموع 14: 138، وفتح العزيز 11: 57، والبحر الزخار 6: 60.

[ 353 ]

فإذا فسد، فيجب فساد الوكالة. مسألة 21: إذا وكل صبيا في بيع أو شراء أو غيرهما، لم يصح التوكيل. وإن تصرف، لم يصح تصرفه. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يصح توكيله، وإذا تصرف صح تصرفه إذا كان يعقل ما يقول، ولا يفتقر ذلك الى إذن وليه (2). دليلنا: قوله عليه السلام: " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنن حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ " (3). ورفع القلم يقتضي أن لا يكون لكلامه حكم. وأنه لا دلالة على صحة هذه الوكالة، فيجب بطلانها. مسألة 22: إذا وكله في شراء شاة بدينار أعطاه، فاشترى به شاتين يساوي كل واحدة منهما دينارا، فان الشراء يلزم الموكل، فيكون الشاتان له. وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (4). وقال الشافعي في كتاب الاجارات: ان احداهما نلزمه بنصف دينار، وهو بالخيار في الاخرى، إن شاء أمسكها بالنصف الاخر، وإن شاء ردها، ويرجع على الوكيل بنصف دينار (5).

(1) الوجيز 1: 189، والسراج الوهاج: 247، ومغني المحتاج 2: 218، وكفاية الاخيار 1: 175، وفتح العزيز 11: 15 - 16، وبدائع الصنائع 6: 20، وبداية المجتهد 2: 297.
(2) اللباب 2: 88، وبدائع الصنائع 6: 20، وتبيين الحقائق 4: 254، وحاشية رد المحتار 15: 511، وفتح العزيز 11: 16.
(3) اختلفت الفاظ حديث الرفع في المصادر الحديثية، انظر فيها: الخصال 1: 93 و 175 حديث 40 و 233، والسنن الكبرى 6: 84 و 206، والمستدرك على الصحيحين 2: 59.
(4) المجموع 14: 95 - 96، ومغني المحتاج 2: 229، والسراج الوهاج: 251، والوجيز 1: 191، وفتح العزيز 11: 49 - 50، والمغني لابن قدامة 5: 259، والشرح الكبير 5: 231.
(5) الام 3: 16، و 4: 32 - 33.

[ 354 ]

وقال الطبري لا وجه لهذا القول، إلا أن يكون بناء على ما حكي عنه من أنه يجوز بيع الموقوف. وحكى المروزي في الجامع عن الشافعي أنه قال: إذا وكله في بيع سلعة فباعها بما لا يتغابن الناس بمثله، كان له أن يرد. وهذا أيضا بناء على ما ذكرناه من ذلك القول. قال أبو الطيب الطبري: والمذهب الصحيح الاول. وقال أبو حنيفة: يلزم الوكيل البيع في إحدى الشاتين بنصف دينار، ولا يلزم الموكل في الاخرى بنصف دينار، ويرجع الموكل عليه بنصف دينار (1). دليلنا: أن شراء الشاتين وقع للموكل بماله، وقد بينا أن عقد الوكيل للموكل، فيجب أن يكون شراءهما له. وأيضا روي عن النبي عليه السلام أنه عرض له جلب، فأعطى عروة البارقي (2) دينارا ليشتري به شاة للاضحية، فاشترى به شاتين، ثم باع احداهما بدينار، فجاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله بشاة ودينار، فقال: هذه الشاة وهذا ديناركم، فقال النبي كيف صنعت؟ فذكر له ما صنع، فقال له النبي: " بارك الله لك في صفقة يمينك " (3). مسألة 23: إذا قال: إن قدم الحاج، أو جاء رأس الشهر، فقد وكلتك في

(1) المغني لابن قدامة 5: 295، والشرح الكبير 5: 231، والمجموع 14: 96.
(2) عروة بن الجعد ويقال: إبن أبي الجعد، ويقال: عروة بن عياض بن أبي الجعد الازدي البارقي، سكن الكوفة. وبارق: جبل نزله سعد بن عدي بن مازن روى عن النبي وعن عمر وسعد بن أبي وقاص. وعنه شبيب بن غرقدة والشعبي وأبو اسحاق السبيعي وغيرهم: انظر تهذيب التهذيب 7: 178.
(3) رواه البخاري في صحيحه 4: 252، والدارقطني في سننه 3: 10 حديث 29 و 30، والترمذي في سننه 3: 559 حديث 1258، وأبو داود في سننه 3: 256، وأحمد بن حنبل في مسنده 4: 375 - 376، وفي بعضها باختلاف يسير في الالفاظ ومنهم من عزى الحديث لحكيم بن حزام فلاحظ.

[ 355 ]

البيع، فان ذلك لا يصح. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يصح (2). دليلنا: أنه لا دليل على صحة هذا العقد، وعقد الوكالة يحتاج الى دليل.

(1) المجموع 14: 108 - 109، وفتح العزيز 11: 21 - 22، ومغني المحتاج 2: 223، والسراج الوهاج: 248، والمغني لابن قدامة 5: 210.
(2) المغني لابن قدامة 5: 210، وفتح العزيز 11: 22.

[ 357 ]

كتاب الاقرار

[ 359 ]

مسألة 1: إذا قال: له عندي مال جليل، أو عظيم، أو نفيس، أو خطير، لم يتقدر ذلك بمقدار، وأي مقدار فسره به كان مقبولا، قليلا كان أو كثيرا، وبه قال الشافعي (1). وإن قال: له عندي مال كثير، فانه يكون إقرارا بثمانين على الرواية التي تضمنت بأن الوصية بالمال الكثير وصية بثمانين (2). ولم يعرف تفسير " كثير " بما قلناه أحد من الفقهاء. واختلف أصحاب أبي حنيفة في الالفاظ الاولة: فمنهم من قال: لا يقبل منه بأقل من عشرة دراهم، وهي مقدار نصاب القطع عندهم (3). ومنهم من قال: لا يقبل منه أقل من مائتي درهم، وهو مقدار نصاب

(1) الام 3: 237، والمجموع 20: 31 و 317، والسراج الوهاج: 257، ومغني المحتاج 2: 248، وفتح العزيز 11: 124، والمبسوط 18: 98، والشرح الكبير 5: 339، والمغني لابن قدامة 5: 316، والبحر الزخار 6: 8.
(2) تفسير العياشي 2: 84 حديث 37، والكافي 7: 463 حديث 21، والتهذيب 8: 309 حديث 1147، و 8: 317 حديث 1180، ومعاني الاخبار: 218 حديث 1.
(3) المبسوط 18: 98، واللباب 2: 25، وبدائع الصنائع 7: 220، والفتاوى الهندية 4: 174، وتبيين الحقائق 5: 5، والمغني لابن قدامة 5: 316، والشرح الكبير 5: 339، وفتح العزيز 11: 124، والبحر الزخار 6: 8.

[ 360 ]

الزكاة (1). وكان أبو عبد الله الجرجاني (2) من أصحاب أبي حنيفة يقول: نص أبو حنيفة على ذلك، وقال: إذا أقر بأموال عظيمة يلزمه ستمائة درهم (3). وقال مالك: يقبل منه ثلاثة دراهم فما فوقها، وهي نصاب القطع عنده (4). وقال الليث بن سعد: يلزمه إثنان وسبعون درهما (5). دليلنا على ذلك: أنه لا دليل على مقدار مقطوع به، وما يفسره به مقطوع به، فوجب الرجوع إليه، وأن الاصل براءة الذمة. وأما تفسير " الكثير " فعليه إجماع الطائفة. وروي في تفسير قوله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة " (6) أنها كانت ثمانين موطنا (7)، وهذه الاية دليل الليث بن سعد، غير أنه قال: اثنين وسبعين، فانه ذكر أنها كانت إثنين وسبعين موطنا (8).

(1) اللباب 2: 25، والمبسوط 18: 98، وبدائع الصنائع 7: 220، والفتاوى الهندية 4: 173 - 174، وتبيين الحقائق 5: 5، والشرح الكبير 5: 339، والمغني لابن قدامة 5: 316، والبحر الزخار 6: 8.
(2) محمد بن يحيى بن مهدي أبو عبد الله الجرجاني، الفقيه، أحد الاعلام، تفقه على أبي بكر أحمد بن علي الرازي، وتفقه عليه أبو الحسين القدوري وأحمد بن محمد الناطفي، مات سنة 398 ه‍. انظر الجواهر المضية 2: 143، وطبقات الفقهاء للشيرازي: 123.
(3) بدائع الصنائع 7: 220، والفتاوى الهندية 4: 174، وتبيين الحقائق 5: 5، والمغني لابن قدامة 5: 316، والشرح الكبير 5: 339، وفتح العزيز 11: 124.
(4) المغني لابن قدامة 5: 316، والشرح الكبير 5: 339، والبحر الزخار 6: 8، وفتح العزيز 11: 124، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 193، والخرشي 6: 94 - 95.
(5) المغني لابن قدامة 5: 316، والشرح الكبير 5: 339، والبحر الزخار 6: 8.
(6) التوبة: 25.
(7) التبيان: 5: 197، ومجمع البيان 3: 17.
(8) المغني لابن قدامة 5: 316، والشرح الكبير 5: 329.

[ 361 ]

وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفس منه " (1) وهذا المقر إذا فسر إقراره بمقدار ما، وجب أن لا يطالب بأكثر منه، لظاهر الخبر، وليس لاحد أن يقول بأن دانقا لا يسمى عظيما، وذلك أنه قد يكون عظيما في حال الضرورة. ويحتمل أن يكون أراد عظيما بالاضافة الى ما هو دونه. ويحتمل أن يكون أراد عظيما عند الله، لانه يستحق العقاب بجحوده، قال تعالى: " وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم " (2) وقوله تعالى: " وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين " (3). وروي عن عايشة أنها قالت: كان رسول الله ينهانا عن المحقرات، ويقول: " ان لها من الله طالبا " (4). وروي عن ابن عباس أنه قال: كلما عصي الله به كان عظيما (5). وإذا احتمل هذه الوجوه وجب الرجوع الى تفسيره بما أراد. مسألة 2: إذا قال: لفلان علي. مال أكثر من مال فلان، الزم مقدار مال الذي سماه، وقبل منه تفسيره في الزيادة قليلا كان أو كثيرا، وإن فسر الكل بمثل ما له لم يقبل ذلك منه.

(1) سنن الدارقطني 3: 25 حديث 87 و 89 و 91، ومسند أحمد بن حنبل 5: 72 و 113، والسنن الكبرى 6: 100، و 8: 182.
(2) النور: 15.
(3) الانبياء: 47.
(4) أخرج الدارمي في سننه 2: 303 حديثا عن عائشة انها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: " يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فان لها من الله طالبا " وكذلك أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 6: 70 و 151.
(5) الدر المنثور 2: 144 أخرجه هكذا: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة.

[ 362 ]

وقال الشافعي: يقبل منه إذا فسره بمثل ماله من غير زيادة (1). دليلنا: أن هذه اللفظة موضوعة في اللغة للزيادة، لان أمثلة " أفعل من كذا " تفيد مساواته له، والزيادة عليه، وأما من غير زيادة لا يقال أنه أكثر منه، والرجوع في مثل ذلك يجب أن يكون إلى اللغة. فأما حمل أكثر على أن المراد به أنفع، أو أبرك، فانه ترك للظاهر. مسألة 3: إذا قال: له علي دراهم، فانه يلزمه ثلاثة دراهم. وإن قال: دراهم عظيمة، أو كثيرة، أو خطيرة، فعلى ما مضى من الخلاف. وقال الشافعي: يلزمه ثلاثة على الاحوال كلها (2). وفي الناس من قال: يلزمه درهمان (3). دليلنا: إن أقل الجمع ثلاثة على ما بيناه في اصول الفقه، وابطلنا قول من يقول أن أقله إثنان (4). مسألة 4: إذا قال: له علي ألف ودرهم، لزمه درهم، ويرجع في تفسير الالف إليه. وكذلك إن قال: مائة ودرهم، أو عشرة ودرهم، أو ألف ودينار، أو ألف وعبد، فان جميع ذلك كالالف. وبه قال الشافعي (5).

(1) الام 3: 238، والمجموع 20: 311، وفتح العزيز 11: 125 - 126، والمغني لابن قدامة 5: 317، والشرح الكبير 5: 348.
(2) الام 6: 217 و 220، والمجموع 20: 313، وفتح العزيز 11: 133، والمغني لابن قدامة 5: 299، والشرح الكبير 5: 341، والبحر الزخار 6: 9.
(3) انظر فتح العزيز 11: 133.
(4) عدة الاصول: 116 (طبعة بمبي).
(5) 6: 223، والمجموع 20: 314، ومغني المحتاج 2: 249، والسراج الوهاج: 258، والوجيز 1: 198، وفتح العزيز 11: 130، والمبسوط 18: 99، والشرح الكبير 5: 346.

[ 363 ]

وقال أبو حنيفة: إن عطف على الالف من المكيل أو الموزون كان ذلك تفسيرا للالف، وإن عطف عليها غير المكيل والموزون لم يكن تفسيرا لها (1). دليلنا: أنه صريح فيما زاد على الالف، والالف مبهم، فيجب أن يرجع إليه في تفسيره. ولان الاصل براءة الذمة، وما يفسره مقطوع به، وما لم يصرح به يحتاج الى دليل. فأما إذا قال: له عندي مائة وخمسون درهما، فانه يكون الكل دراهم، لان الخمسين أفادت الزيادة ولم تفسد التفسير والتمييز. وقوله: درهما في آخر الكلام يفيد تفسيرا وتمييزا، فوجب أن يكون تمييزا وتفسيرا لجميع العدد. ومن الناس من قال:: أن المائة تكون مبهمة، وقوله: " وخمسون درهما " يكون قوله درهما تفسيرا للخمسين دون المائة، لانها جملة أخرى. والصحيح هو الاول. وبه قال أكثر أصحاب الشافعي. وبالثاني قال أبو علي بن خيران، وأبو سعيد الاصطخري (2). وقوله: ألف ودرهم مفارق لذلك، لان قوله ودرهم لا يكون مفسرا للالف، لان فيه واو العطف، والمفسر لا يكون بواو العطف. مسألة 5: إذا قال: لفلان علي ألف ودرهمان، كان مثل قوله: ألف ودرهم، وقد مضى. وإن قال: ألف وثلاثة دراهم، كان ذلك مفسرا للالف، لان فيه واو العطف.

(1) المبسوط 18: 99، والمغني لابن قدامة 5: 307، والشرح الكبير 5: 344، وفتح العزيز 11: 130.
(2) فتح العزيز 11: 130، ومغني المحتاج 2: 249.

[ 364 ]

وكذلك إذا قال: له ألف وخمسون درهما، أو ألف ومائة درهم، أو مائة وثلاثة دراهم، أو مائة وخمسون درهما، أو مائة وخمسة عشر درهما، أو خمسون وألف درهم، أو خمسون ومائة درهم، أو خمسة وعشرون درهما في كل ذلك يكون مفسرا للجميع وبه قال أبو اسحاق المروزي، وأكثر أصحاب الشافعي (1). وقال أبو علي بن خيران، وأبو سعيد الاصطخري: أن التفسير يرجع إلى ما وليه، والاول على إبهامه (2). وعلى هذا قالوا: لو قال: بعتك بمائة وخمسين درهما، كان البيع باطلا، لان بعض الثمن مجهول. وعلى قول أبي إسحاق: يصح اليبع (3)، لان الجميع معلوم، وهذا هو الصحيح. دليلنا: أن الزيادة الثانية معطوفة بالواو على الاولة، فصارت بمنزلة جملة واحدة، فإذا جاء بعد ذلك التفسير والتمييز وجب أن يكون راجعا الى الجميع، ويفارق ما قلناه في ألف ودرهم، وألف ودرهمان، لان تلك زيادة، وليس بتفسير، فلا يجوز أن يجعل الزيادة في العدد تفسيرا على أنا بينا أن التفسير لا يكون بواو العطف، فلا يصح ذلك فيه. مسألة 6: إذا قال: لفلان علي درهم ودرهم إلا درهما، فانه يلزم درهم واحد.

(1) المجموع 20: 314، والسراج الوهاج: 258، ومغني المحتاج 2: 249، والوجيز 1: 198، وفتح العزيز 11: 130.
(2) المجموع 20: 314، وفتح العزيز 11: 130.
(3) فتح العزيز 11: 128.

[ 365 ]

وقال الشافعي نصا: أنه يلزمه درهمان (1). وفي أصحابه من قال: أنه يصح الاستثناء، ويلزمه درهم واحد. وكذلك إذا قال: أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة، يقع طلقة واحدة، وعلى قول الشافعي يقع طلقتان. دليلنا: أن الجملتين إذا كان بينهما حرف العطف كانتا بمنزلة الجملة الواحدة، فهو بمنزلة أن يقول: لفلان علي درهمان إلا درهم، أو أنت طالق طلقتين إلا طلقة، فانه يكون إقرارا بدرهم، وتقع طلقة واحدة فكذا ها هنا. مسألة 7: إذا قال غصبتك ثوبا في منديل كان إقرارا بغصب الثوب دون المنديل. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: يكون إقرارا بهما (3). دليلنا: انه يحتمل أن يكون أراد (في منديل لي) فلا يلزمه إلا الثوب، كما لو قال: له عندي ثوب في منديل، أو تمر في جراب. أو قال غصبتك دابة في إصطبل، أو نخلا في بستان، أو غنم في ضيعة ولا فرق بينهما. مسألة 8: إذا قال: لفلان عندي كذا درهما، فانه يكون إقرارا بعشرين درهما. وبه قال محمد بن الحسن (4).

(1) الام 6: 221، والمجموع 20: 312، و 314، والشرح الكبير 5: 307.
(2) الام 3: 240، والمجموع 20: 319، ومغني المحتاج 2: 251، والسراج الوهاج: 258، والوجيز 1: 198، وبدائع الصنائع 7: 221، والمغني لابن قدامة 5: 300 - 301، والشرح الكبير 5: 352، والبحر الزخار 6: 10.
(3) اللباب 2: 28، وبدائع الصنائع 7: 221، وتبيين الحقائق 5: 9 - 10، والمغني لابن قدامة 5: 301، والشرح الكبير 5: 352 - 353، والبحر الزخار 6: 10، والمجموع 20: 321.
(4) المغني لابن قدامة 5: 319، والشرح الكبير 5: 343.

[ 366 ]

وقال الشافعي: يكون إقرارا بدرهم واحد (1). دليلنا: أن ذلك أقل عدد ينصب الدرهم بعده فيجب حمله عليه. مسألة 9: إذا قال: له عندي كذا كذا درهما، يلزمه أحد عشر درهما. وبه قال محمد بن الحسن (2). وقال الشافعي: يلزمه درهم واحد، وإنما كرر (3). دليلنا: أن ذلك أقل عددين ركبا ونصب بعدهما الدرهم، فوجب حمله عليه. مسألة 10: إذا قال: له عندي كذا وكذا درهما، لزمه أحد وعشرون درهما. وبه قال محمد بن الحسن (4). وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه يلزمه درهم واحد (5). والثاني: أنه يلزمه درهمان (6). دليلنا: أن ذلك أقل عددين عطف أحدهما على صاحبه، ونصب بعدهما

(1) المجموع 20: 314، ومغني المحتاج 2: 248، والسراج الوهاج: 257، وفتح العزيز 11: 127، والمغني لابن قدامة 5: 319، والشرح الكبير 5: 343، والبحر الزخار 6: 9.
(2) المغني لابن قدامة 5: 319 - 320، والشرح الكبير 5: 343.
(3) الام 6: 223، والمجموع 20: 314، والسراج الوهاج: 257، ومغني المحتاج 2: 248، والوجيز 1: 198، وفتح العزيز 11: 127، والمغني لابن قدامة 5: 319، والشرح الكبير 5: 343، والبحر الزخار 6: 9.
(4) المغني لابن قدامة 5: 319، والشرح الكبير 5: 343.
(5) الام 3: 223، ومختصر المزني: 112، والمجموع 20: 314، والسراج الوهاج: 257، ومغني المحتاج 2: 249، والوجيز 1: 198، وفتح العزيز 11: 128، والمغني لابن قدامة 5: 319، والشرح الكبير 5: 343.
(6) انظر المصادر المتقدمة.

[ 367 ]

الدرهم. مسألة 11: إذا قال: له علي كذا درهم، لزمه مائة درهم. وبه قال محمد بن الحسن (1). وقال الشافعي: يلزمه أقل من درهم واحد، ويفسره بما شاء (2). وفي أصحابه من قال: يلزمه درهم واحد، وهو غلط عندهم (3). دليلنا: أن ذلك أقل عدد يخفض بعده الدرهم، فوجب حمله عليه. مسألة 12: إذا أقر بدين في حال صحته، ثم مرض، فأقر بدين آخر في حال مرضه، نظر، فان اتسع المال لهما استوفيا معا، وإن عجز المال قسم الموجود على قدر الدينين. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: إذا ضاق المال، قدم دين الصحة على دين المرض، فان فضل شئ صرف الى دين المرض (5). دليلنا: قوله تعالى: " من بعد وصية يوصى بها أو دين " (6) ولم يفضل أحد الدينين على الاخر، فوجب أن يتساويا فيه. وأيضا فانهما دينان ثبتا في الذمة، فوجب أن يتساويا في الاستيفاء، لان

(1) المغني لابن قدامة 5: 319 - 320، والشرح الكبير 5: 343 - 344، وفتح العزيز 11: 127.
(2) الام 6: 223، والوجيز 1: 197، والمغني لابن قدامة 5: 319، والشرح الكبير 5: 343.
(3) مختصر المزني: 112، والمجموع 20: 313، والوجيز 11: 127، ومغني المحتاج 2: 248، وفتح العزيز 11: 127، والمغني لابن قدامة 5: 319، والشرح الكبير 5: 343.
(4) المجموع 20: 295، وكفاية الاخيار 1: 180، وفتح العزيز 11: 97، والمحلى 8: 255، والمبسوط 18: 26، وبدائع الصنائع 7: 225، وتبيين الحقائق 5: 23، والمغني لابن قدامة 5: 343، والشرح الكبير 5: 275.
(5) اللباب 2: 32 - 33، والمبسوط 18: 26، وبدائع الصنائع 7: 225، وتبيين الحقائق 5: 23، والمحلى 8: 255، والمغني لابن قدامة 5: 343، والشرح الكبير 5: 275، وفتح العزيز 11: 97.
(6) النساء: 11.

[ 368 ]

تقديم أحدهما على الاخر يحتاج الى دليل. مسألة 13: يصح الاقرار للوارث في حال المرض. وبه قال أبو عبيد، وأبو ثور، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري (1)، وهو أحد قولي الشافعي (2). والقول الاخر: أنه لا يصح. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، وأحمد (3). وقال أبو إسحاق المروزي: المسألة على قول واحد، وهو أنه يصح إقراره (4). دليلنا: أنه لا مانع يمنع منه، والاصل جوازه. وأيضا قوله تعالى: " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين " (5) والشهادة على النفس هو الاقرار، وذلك عام في جميع الاحوال، لكل أحد، والتخصيص يحتاج الى دلالة. وأيضا قوله تعالى: " قالوا أقررنا قال فاشهدوا " (6) وهذه أيضا عامة. وعلى المسألة إجماع الفرقة. مسألة 14: إنا قد بينا أن الاقرار للوارث يصح، وعلى هذا لا فرق بين حال الاقرار وبين حال الوفاء، فانه يثبت الاقرار. وكل من قال: لا يصح الاقرار للوارث، فانما اعتبر حال الوفاة كونه وارثا لا حال الاقرار، حتى قالوا: لو أقر

(1) المغني لابن قدامة 5: 344.
(2) المجموع 20: 293، وكفاية الاخيار 1: 180، وفتح العزيز 11: 96، والمبسوط 18: 31، وبدائع الصنائع 7: 224، وتبيين الحقائق 5: 25، والمغني لابن قدامة 5: 344.
(3) المبسوط 18: 31، وبدائع الصنائع 7: 224، والفتاوى الهندية 4: 176، وتبيين الحقائق 5: 25، والمغني لابن قدامة 5: 344 و 347، والشرح الكبير 5: 279، والمجموع 20: 293 - 294، وكفاية الاخيار 1: 180، وفتح العزيز 11: 96 - 97، والمحلى 8: 255.
(4) المجموع 20: 294، وفتح العزيز 11: 101.
(5) النساء: 135.
(6) آل عمران: 81.

[ 369 ]

لاخيه وله ابن، ثم مات الابن ومات هو بعده، لا يصح إقراره لاخيه. ولو أقر لاخيه وليس له ولد، ثم رزق ولدا، صح إقراره له، لانه حال الموت ليس بوارث (1). وقال عثمان البتي: الاعتبار بحال الاقرار، فان أقر لاخيه وليس له ابن لم يصح إقراره وإن رزق ولدا بعد ذلك ثم مات، لانه كان في التقدير وارثا حال الاقرار. وإن أقر لاخيه وله ابن صح الاقرار له وإن مات ابنه قبله ثم مات هو (2). وهذا الفرع ساقط عنا، لما قدمناه من أن الاقرار للوارث يصح على كل حال، بل الوصية للوارث عندنا صحيحة على ما سنبينه فيما بعد، وعلى ذلك إجماع الطائفة. مسألة 15: إذا كانت له جارية، ولها ولد، فأقر في حال مرضه بأن ولدها ولد له منها، وليس له مال غيرها قبل اقراره والحق الولد به، سواء أطلق ذلك أو بين كيفية الاستيلاد لها في ملكه، أو في ملك الغير، بعقد أو شبهة. وأما الجارية فانها تصير ام ولده على كل حال أيضا، إلا أنها تباع في الدين إذا لم يخلف غيرها، فان خلف غيرها شيئا قضى منه الدين وانعتقت هي على الولد، وإن بقي شئ من الدين استسعيت فيما بقي من الدين. وقال الشافعي: لا يخلو إما أن يبين كيفية الاستيلاد أو يطلق. فان بين ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن يقول: استولدتها في ملكي. فعلى هذا القول يكون الولد حر الاصل، ولا يكون عليه ولاء، ويثبت نسبه، وتصير الجارية أم ولده، وتعتق بموته

(1) فتح العزيز 11: 97، والشرح الكبير 5: 278، والفتاوى الهندية 4: 176، وتبيين الحقائق 5: 26.
(2) فتح العزيز 11: 97، والشرح الكبير 5: 278.

[ 370 ]

من رأس المال، فان كان هناك دين قدم عليه، لانه لو ثبت بالبينة لقدم عليه فكذلك إذا ثبت بالاقرار (1). وإن قال: استولدتها في ملك الغير بشبهة، فان الولد حر الاصل، وهل تصير الجارية ام ولده؟ على قولين (2). وإن قال: استولدتها بنكاح. فان الولد قد انعقد مملوكا، وعتق عليه لما ملكه، ويثبت عليه الولاء، والجارية لا تصير أم ولده، خلافا لابي حنيفة (3). وإن أطلق، ولم يعين حتى مات، فالولد حر في جميع الاحوال، ولا ولاء عليه (4). والجارية فيها خلاف بين أصحابه: منهم من قال: لا تصير أم ولده، وتباع في ديون الغرماء. ومنهم من قال: تصير أم ولده (5). دليلنا: إجماع الفرقة على أن إقراره جائز، وأن الولد يلحق بالحرية على كل حال، وعلى انها تباع في الدين، وانها تنعتق على الولد إذا ملكها، وذلك يأتي على التفصيل الذي ذكرناه. مسألة 16: إذا أقر بحمل وأطلق، فان إقراره باطل على ما قاله الشافعي في كتاب الاقرار والمواهب (6)، وهو قول أبي يوسف (7). وذكر في كتاب الاقرار: أن بالحكم الظاهر أنه يصح (8). وبه قال

(1) و (2) المجموع: 20: 333 - 334، وفتح العزيز 11: 190 و 197.
(3) و (4) و (5) نفس المصادر.
(6) الام 6: 219 - 220، ومختصر المزني: 112، والوجيز 1: 195 - 196، وفتح العزيز 11: 100 - 101، والمغني لابن قدامة 5: 276، والشرح الكبير 5: 292.
(7) اللباب 2: 31، وتبيين الحقائق 5: 12، والفتاوى الهندية 4: 169.
(8) الام 3: 240، والوجيز 1: 195 - 196، وفتح العزيز 11: 101، والمغني لابن قدامة 5: 276، والشرح الكبير 5: 292.

[ 371 ]

محمد (1)، وأصحاب أبي حنيفة ينصرون قول أبي يوسف (2). فالمسألة على قولين على مذهب الشافعي. والاولى أن نقول: أنه يصح إقراره، لانه يحتمل أن يكون إقراره من جهة صحيحة مثل ميراث أو وصية، ويحتمل أن يكون من جهة فاسدة، والظاهر من الاقرار الصحة، فوجب حمله عليه. مسألة 17: إذا أقر العبد بما يجب عليه به الحد - مثل القصاص والقطع والجلد - لم يقبل إقراره. وقال جميع الفقهاء: يقبل إقراره (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم قد ذكرناها في الكتاب الكبير (4). مسألة 18: إذا أقر العبد بالسرقة، لا يقبل إقراره، ولا يقطع. وعند الفقهاء يقبل ويقطع (5). ولا يباع في المال المسروق. وعند الشافعي فيه قولان (6). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الاولى سواء (7).

(1) اللباب 2: 31، والفتاوى الهندية 4: 169، وتبيين الحقائق 5: 12.
(2) اللباب 2: 32، والفتاوى الهندية 4: 169، وتبيين الحقائق 5: 11 - 12.
(3) الام 3: 234، والمجموع 20: 290، والفتاوى الهندية 4: 170، والمغني لابن قدامة 5: 273 - 274، وفتح العزيز 11: 93.
(4) الكافي 7: 305 حديث 10، ومن لا يحضره الفقيه 4: 50 حديث 174، و 95 حديث 314، والتهذيب 10: 112 حديث 440 و 194 حديث 768، والاستبصار 4: 243 حديث 920.
(5) الام 3: 234، والمجموع 20: 290 - 291، وفتح العزيز 11: 93، والمغني لابن قدامة 5: 274، والفتاوى الهندية 4: 170.
(6) الام 3: 234، والمجموع 20: 291، والمغني لابن قدامة 5: 274.
(7) تقدم في المسألة " 17 " فلاحظ.

[ 372 ]

مسألة 19: إذا قال: لفلان علي ألف درهم. فجاء بألف، فقال: هذه التي أقررت لك بها كانت لك عندي وديعة، كان القول قوله. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يكون ذلك للمقر له، وله أن يطالبه بالالف التي أقر بها (2). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، ولا يعلق عليها شئ إلا بدليل. وأيضا قوله: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه " (3) يدل عليه. فان قيل: لفظة " علي " تقتضي الايجاب في الذمة بدلالة أنه إذا قال: الالف الذي على فلان علي. كان ذلك ضمانا، فدل على أنها تقتضي الايجاب في الذمة، فإذا كان كذلك فقد الزم نفسه في الذمة مالا، فجاء بمال آخر، فلم يسقط ما الزم في الذمة، كما لو أقر بثوب، فأتاه بعبد، فان العبد يكون له، وله المطالبة بالثوب. قيل لهم: لفظة " علي " وإن كانت تقتضي الايجاب، فقد يكون الحق في الذمة، فيجب عليه تسليمه باقراره، وقد يكون في يده، فيجب عليه رده وتسليمه الى المقر له باقراره، فبايهما فسره كان مقبولا، كما إذا قال: علي ثوب لفلان. كان عليه أن يعينه من أي نوع شاء، فإذا عينه كان القول قوله فيه.

(1) الام 6: 221، والمجموع 20: 320 و 322، والوجيز 1: 200، ومغني المحتاج 2: 256، والسراج الوهاج: 259، وفتح العزيز 11: 164 و 170، والشرح الكبير 5: 320، ومغني المحتاج 5: 309 - 310.
(2) بدائع الصنائع 7: 209، وفتح العزيز 11: 170، والمغني لابن قدامة 5: 309 - 310، والشرح الكبير 5: 320.
(3) سنن الدارقطني 3: 25 حديث 87 و 89 و 91، ومسند أحمد بن حنبل 5: 72 و 113، والسنن الكبرى 6: 100 و 8: 182.

[ 373 ]

ألا ترى أنا أجمعنا على أنه إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة. قبل ذلك منه، فلو كان قوله: لفلان علي ألف. يقتضي الذمة، لوجب أن لا يقبل تفسيره بالوديعة، لان أقر بألف ثم عقبه بما يسقطه، فلما أجمعنا على قبول تفسيره بذلك، دل ذلك على ما ذكرناه. على أن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، بدلالة قوله تعالى: " ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون " (1) يعني: عندي. وقوله: " ولا صلبنكم في جذوع النخل " (2) يعني: على جدوع النخل. فيجوز أن يكون قوله: " علي " يريد به عندي. وأما قول القائل: الالف التي على فلان علي. فانما جعلناه ضمانا في الذمة، لانه يقصد به إثبات المال في ذمته على نفسه، وذلك لا يثبت إلا على وجه الضمان، فكان ذلك دليلا على أنه قصد به الالتزام في الذمة، وليس في مسألتنا قرينة تدل على ذلك. مسألة 20: إذا قال: لفلان علي قفيز، لا بل قفيزان، أو درهم، لا بل درهمان. لزمه قفيزان ودرهمان. وبه قال الشافعي (3). وقال زفر وداود: يلزمه ثلاثة أقفزة وثلاثة دراهم (4). دليلنا: أن قوله. (لا بل) للاضراب عن الاول، والاقتصار على الثاني، واستدراك للزيادة على الاول، فان كان من جنسه لم يلزمه إلا ما استدركه. كما لو قال: لفلان علي درهم لا بل أكثر، فانه لا يلزمه إلا درهم بزيادة،

(1) الشعراء: 14.
(2) طه: 71.
(3) الام 6: 221، والمجموع 20: 313، والوجيز 1: 199، وفتح العزيز 11: 152 - 153، والمغني لابن قدامة 5: 297، والشرح الكبير 5: 351.
(4) المغني لابن قدامة 5: 297، والشرح الكبير 5: 351، وتبيين الحقائق 5: 23.

[ 374 ]

ولا يلزمه درهم ودرهم بزيادة. ويفارق إذا قال: قفيز حنطة لا بل قفيز شعير، لانه استدرك جنسا آخر، فلم يسقط الجنس الذي أقر به أولا. مسألة 21: إذا أقر لرجل يوم السبت بدرهم، ثم قال يوم الاحد: له علي درهم. لم يلزمه إلا درهم واحد، ويرجع إليه في التفسير. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يلزمه درهمان (2). دليلنا: أنه يحتمل أن يكون ذلك تكرارا وإخبارا عن الدرهم المتقدم، والاصل براءة الذمة، فلا يلزم ما لا دليل عليه. ولان هذا يؤدي الى أن يكلف المقر على نفسه بمال، إذا أراد أن يشهد على نفسه، أن يجمع الشهود، فيقر دفعة واحدة، لانه إذا أشهد دفعتين لم تتفق الشهادة على مقدار واحد، لان الاقرار كلما تكرر عند شاهد أوجب الزيادة على ما تقدم، وهذا يدل على بطلان قولهم. مسألة 22: إذا قال: له علي من درهم الى عشرة. لزمه تسعة. وبه قال بعض أصحاب الشافعي (3). ومنهم من قال: يلزمه ثمانية. وبه قال زفر، قالا: لانه جعل الاول والعاشر حدا، والحد لا يدخل في المحدود (4).

(1) الام 6: 221، ومختصر المزني: 113، والمجموع 20: 312، والسراج الوهاج: 259، ومغني المحتاج 2: 254، والوجيز 1: 119 - 120، وفتح العزيز 11: 151، والمغني لابن قدامة 5: 295، والشرح الكبير 5: 330، والبحر الزخار 6: 12.
(2) الفتاوى الهندية 4: 166 و 168، والمغني لابن قدامة 5: 295، والشرح الكبير 5: 330، والبحر الزخار 6: 12.
(3) المجموع 20: 313، ومغني المحتاج 2: 250، والسراج الوهاج: 258، والوجيز 1: 198، وفتح العزيز 11: 134.
(4) المجموع 20: 313، وفتح العزيز 11: 134، والسراج الوهاج: 258، ومغني المحتاج 2: 250، واللباب 2 - 29، وبدائع الصنائع 7: 220 - 221، وتبيين الحقائق 5: 11.

[ 375 ]

ومنهم من قال: يلزمه العشرة، لان " من " للابتداء، وهو داخل، والعاشر حد، وهو داخل في الحدود (1). دليلنا: أن " من " للابتداء كما إذا قال: سرت من الكوفة الى البصرة. والحد هو العشرة، ويحتمل أن تكون داخلة فيه، ويحتمل أن لا يكون كذلك، فلا يلزم إلا اليقين، لان الاصل براءة الذمة. مسألة 23: إذا قال: له عندي ما بين الواحد الى العشرة. لزمته ثمانية. وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (2). وقال أبو العباس بن القاص: يلزمه تسعة. وبه قال محمد بن الحسن، لان عندهما أن الحد يدخل في المحدود (3). وقد قلنا: أن ذلك محتمل، ولا يلزم مع الاحتمال. مسألة 24: إذا قال: له علي ألف درهم من ثمن مبيع، ثم قال: لم أقبضه. لم يلزمه عين المبيع إن لم يعينه. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: إذا عينه قبل منه، وصل أو فصل. وإن أطلقه لم يقبل منه، ولزمه الالف، لانه مبيع مجهول. والمبيع إذا كان مجهولا لم يثبت الثمن في مقابلته، كما لا يثبت في مقابلة الخمر والخنزيز، فإذا ثبت ذلك فقد فسر إقراره بما لم يقبل، فلم يصح (5).

(1) السراج الوهاج: 258، ومغني المحتاج 2: 250، وفتح العزيز 11: 134، واللباب 2: 29، وبدائع الصنائع 7: 220 - 221، وتبيين الحقائق 5: 11.
(2) المجموع 20: 313، ومغني المحتاج 2: 251، وفتح العزيز 11: 134.
(3) انظر المجموع 20: 313، وفتح العزيز 11: 134.
(4) المجموع 20: 323، والسراج الوهاج: 259، ومغني المحتاج 2: 255، وفتح العزيز 11: 167، والمغني لابن قدامة 5: 321.
(5) اللباب 2: 30، وبدائع الصنائع 7: 216 - 217، وتبيين الحقائق 5: 18، وحاشية رد المحتار 5: 608، وفتح العزيز 11: 167، والمجموع 20: 325.

[ 376 ]

دليلنا: أنه أقر بحق في مقابلة حق لا ينفك أحدهما عن الاخر، فإذا لم يسلم ما له لم يلزمه ما عليه كما لو عين المبيع، هذا دليل الشافعي. ودليلنا: أن الاصل براءة الذمة، ولا دليل على أنه يلزمه. مسألة 25: إذا شهد له رجل بألف، وشهد آخر بألفين، ولم يضيفاه الى سببين مختلفين، أو أضافاه الى سبب متفق، أو أضاف أحدهما الى سبب وأطلق الاخر، مثل أن يقول أحدهما: ألف من ثمن عبده. ويقول الاخر: بألفين. ففي هذه المسائل الثلاث تتفق الشهادة على ألف، فيحكم له بألف بشهادتهما، ويحصل له بالالف الاخر شاهد واحد، فيحلف معه، ويستحق به. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا يكون ذلك إتفاق شهادة على شئ من الالوف، ولا يحكم له بألف (2). دليلنا: أن هذه الشهادة متفقة، فيثبت له الالف بشهادة الشهود، لان من شهد بألفين شهد بألف وزيادة، فقد اتفقا. ويستحق الالف الثاني إذا حلف، " لان النبي صلى الله عليه وآله حكم بشاهد ويمين " (3) وعليه إجماع الفرقة المحقه (4). مسألة 26: قد مضى لنا أن شرط الخيار يصح في الكفالة والضمان (5)،

(1) الام 7: 123، وفتح العزيز 11: 158.
(2) الفتاوى الهندية 4: 168، والام 7: 122، وفتح العزيز 11: 158.
(3) انظر التهذيب 6: 272 - 273 حديث 741 و 745.
(4) جاء لفظ الدليل في بعض النسخ المعتمدة كما يلي: ان الالف الذي شهد به أحدهما داخلة في الالفين فلا اختلاف بينهما، فيثبت الشاهدان على ألف ويبقي شاهد الالفين منفردا بالالف، فوجب أن يحكم له به.
(5) تقدم في المسألة " 11 " فلاحظ.

[ 377 ]

وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يصح (1). فان شرط، إختلفا، فقال الشافعي: يبطل العقد والشرط (2). وقال أبو حنيفة: يبطل الشرط، ويصح العقد (3). دليلنا: ما قدمناه من أنه لا مانع من ذلك في الشرع، فوجب أن يصح. مسألة 27: إذا أقر بكفالة أو ضمان بشرط الخيار، صح إقراره، ولا يقبل دعواه في شرط الخيار، ويحتاج إلى بينة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يقبل إقراره، ولا يلزمه شئ، وهو اختيار المزني وأبي إسحاق (4). والثاني: يبعض إقراره، فيلزمه العقد، ويسقط الشرط الذي إدعاه (5). دليلنا: أنه أقر بالكفالة والضمان، وإدعى شرط الخيار، فلا يقبل إلا ببينة. مسألة 28: إذا قال: له علي ألف درهم إلى وقت كذا، لزمه الالف، ويحتاج في ثبوت التأجيل الى بينة. وبه قال أبو حنيفة (6). وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه (7).

(1) المجموع 14: 22.
(2) المجموع 14: 22، والوجيز 1: 185، وفتح العزيز 10: 380.
(3) اللباب 2: 27، والمجموع 14: 22، وفتح العزيز 10: 380.
(4) الام 3: 230، ومختصر المزني: 114.
(5) الام 3: 230، ومختصر المزني: 114.
(6) اللباب 2: 26، وبدائع الصنائع 7: 217، وتبيين الحقائق 5: 8، والشرح الكبير 5: 315، وفتح العزيز 11: 14 و 169.
(7) المجموع 20: 324، والوجيز 1: 200، وفتح العزيز 11: 164 و 169، والشرح الكبير 5: 315.

[ 378 ]

والاخر: يثبت التأجيل فيلزمه الالف مؤجلا (1). ومنهم من قال فيها قول واحد في ثبووت التأجيل (2). دليلنا: أنه أقر بألف، وادعى ثبوت التأجيل، فكان عليه البينة فيما ادعاه. مسألة 29: إذا مات رجل وله إبنان، فأقر أحدهما بأخ ثالث، فانكره الاخر، لا خلاف أنه لا يثبت نسبه، وإنما الخلاف في أنه يشاركه في المال أم لا؟ فعندنا أنه يشاركه ويلزمه أن يرد عليه ثلث ما في يده. وبه قال مالك، وابن أبي ليلى (3). وقال أبو حنيفة: يشاركه بالنصف مما في يده، لانه يقر أنه يستحق من المال مثل ما يستحقه. فيجب أن يقاسمه المال (4). وقال الشافعي: لا يشاركه في شئ مما في يده (5). وقال أبو الطيب الطبري: هذا في حكم الظاهر، فأما فيما بينه وبين الله فان كان سمع الاب يقر به أو بأنه ولد على فراشه فانه يلزمه تسليم حقه إليه، كما قال مالك (6). وحكي ذلك عن قوم من أصحابه. وبه قال محمد بن سيرين (7).

(1) المجموع 20: 324، والوجيز 1: 200، وفتح العزيز 11: 164 و 169.
(2) المجموع 20: 324، والوجيز 1: 200، وفتح العزيز 11: 164 و 169.
(3) بداية المجتهد 2: 350، وفتح العزيز 11: 203، والمغني لابن قدامة 5: 326، والبحر الزخار 6: 13. (4) شرح فتح القدير 7: 19، والمغني لابن قدامة 5: 325 - 326، وفتح العزيز 11: 201 و 203، وبداية المجتهد 2: 350، والبحر الزخار 6: 13.
(5) الام 6: 225، ومختصر المزني: 114، والوجيز 1: 203، والسراج الوهاج: 262، والمجموع 20: 328، وفتح العزيز 11: 202، وبداية المجتهد 2: 350، والمغني لابن قدامة 5: 325، وشرح فتح القدير 7: 19، والبحر الزخار 6: 13.
(6) لم أعثر على هذا القول في مظانه من الكتب المتوفرة.
(7) شرح فتح القدير 7: 19 - 20.

[ 379 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فانه يقر بأنه يستحق من التركة ثلثها، وهو ثلث ما في يده، وما زاد عليه فللذي أقر له به، فوجب تسليمه إليه. ولان الاقرار قائم مقام البينة، ولو قامت البينة لم يلزمه أكثر من ثلث ما في يده. مسألة 30: إذا كان الوارث جماعة، فأقر إثنان رجلان أو رجل وامراتان بنسب، وكانوا عدولا، يثبت النسب ويقاسمهم الميراث. وبه قال أبو حنيفة إلا أنه لم يعتبر العدالة في المقرين (1). وقال الشافعي: إذا أقر جميع الورثة بنسب، مثل أن يكونوا بنين، فيقروا بنسب أخ، فانه يثبت نسبه ويثبت له المال، ولا فرق بين أن يكون من يرث المال جماعة أو واحدا، ذكرا كان أو انثى (2). وفي الناس من قال: لا يثبت النسب باقرار الورثة (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4). وأيضا فان إقرار الشاهدين على نفوسهما جائز، وشهادتهما على غيرها لا مانع منه. وقوله تعالى: " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه " (5) يدل عليه أيضا، لان هذه شهادة فيما يتعلق بحق الغير. مسألة 31: إذا أقر ببنوة صبي، لم يكن ذلك إقرارا بزوجية أمه، سواء

(1) المغني لابن قدامة 5: 327 و 333، وفتح العزيز 11: 206.
(2) مختصر المزني: 114، والمجموع 20: 335، وفتح العزيز 11: 199، والمغني لابن قدامة 5: 326 - 327.
(3) فتح العزيز 11: 199 و 201 - 202، والمغني لابن قدامة 5: 328 - 333.
(4) قرب الاسناد: 25، ومن لا يحضره الفقيه 3: 117 حديث 500، والتهذيب 6: 198، حديث 442، و 9: 163 حديث 670، والاستبصار 4: 114 حديث 435.
(5) البقرة: 283.

[ 380 ]

كانت مشهورة الحرية أو لم تكن. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: إن كانت معروفة الحرية كان ذلك إقرارا بزوجيتها، وان لم تكن معروفة الحرية لم يثبت زوجيتها. قال: لان أنساب المسلمين وأحوالهم ينبغي أن تحمل على الصحة، فإذا أقر ببنوة الصبي، فوجه الصحة أن يكون ذلك الولد بنكاح، وإذا كان بنكاح يثبت زوجية أمه (2). دليلنا: أنه يحتمل أن يكون الولد من نكاح صحيح كما قال، ويحتمل أن يكون من نكاح فاسد، أو من وطء شبهة، فإذا احتمل الوجوه لم يحمل على الصحيح دون غيره، وقوله باطل ببنوة أخيه. مسألة 32: إذا دخلت امرأة من دار الحرب الى دار الاسلام ومعها ولد، فأقر رجل في دار الاسلام أنه ولده، ويمكن أن يكون كما قال - بأن يجوز دخوله الى دار الحرب، أو مجئ المرأة الى دار الاسلام - ألحق به. وإن علم أنه لم يخرج الى دار الحرب، ولا المرأة دخلت الى بلد الاسلام، لا يلحق به. وقال الشافعي: يلحق به إذا أمكن ذلك، وان كان الظاهر أنه ما دخل الى بلد الكفر ولا المرأة دخلت الى بلد الاسلام، لانه يجوز أن يكون أنفذ إليها بمائه في قارورة فاستدخلته فخلق منه الولد (3). وهذا بعيد جدا.

(1) المجموع 20: 334، والمغني لابن قدامة 5: 335، والشرح الكبير 5: 286، والبحر الزخار 6: 15.
(2) المبسوط 18: 162، والمغني لابن قدامة 5: 335 - 336، والشرح الكبير 5: 286، والمجموع 20: 334.
(3) انظر المجموع 16: 349.

[ 381 ]

دليلنا: إن الذي اعتبرناه لا خلاف أنه يلحق به الولد، وما ادعوه لا دليل عليه. مسألة 33: إذا كان لرجل جاريتان، ولهما ولدان، فأقر أن أحد الولدين إبنه ولم يعين، ومات ولم يعين الوارث استخرجناه بالقرعة، فمن خرج اسمه الحقناه به وورثناه. وقال الشافعي: يعرض على الفاقة كما يعرض الولد الواحد إذا تنازعه اثنان، غير أنه قال: يلحق النسب لاجل الحرية، ولا يورث عليه (1). وأما الميراث له فيه قولان: أحدهما: يوقف الميراث. وبه قال المزني (2). وقال باقي أصحابه: لا يوقف ويقسم المال الورثة، لانه لا طريق الى تعيينه (3). وقال أبو حنيفة: يعتق من كل واحد منهما نصفه (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير (5). مسألة 34: إذا كان له جارية، ولها ثلاثة أولاد، فأقر أن أحدهم إبنه، يسأل التعيين، فان عين ألحق به، ويكون الاثنان مملوكين، سواء كان الذي

(1) الام 7: 131، والمجموع 20: 332، وفتح العزيز 11: 192 - 193.
(2) مختصر المزني: 115، والمجموع 20: 332، وفتح العزيز 11: 193، والمغني لابن قدامة 5: 338، والشرح الكيبر 5: 288.
(3) المجموع 20: 332، وفتح العزيز 11: 193، والمغني لابن قدامة 5: 338 والشرح الكبير 5: 288، والوجيز 1: 202.
(4) المبسوط 17: 144، والمغني لابن قدامة 5: 337 - 338، والشرح الكبير 5: 288، والام 7: 131.
(5) التهذيب 9: 361 - 363 حديث 1290 و 1298، وانظر الكافي 7: 137 - 138 حديث 4 و 7، ومن لا يحضره الفقيه 4: 226 حديث 717.

[ 382 ]

عينه الاكبر، أو الاوسط، أو الاصغر. فان لم يعين، سئل الورثة، فان عينوا كان مثل ذلك سواء، وان لم يعينوا أو لا ورثة له ومات، أقرع بينهم، فمن خرج اسمه ألحق به، ويثبت حريته وورث، ويكون الاثنان مملوكين له، سواء كان من خرج اسمه الاكبر، أو الاوسط، أو الاصغر على كل حال. وقال الشافعي: إن عين هو أو الورثة الاصغر ثبتت حريته، ويكون الاوسط والاكبر مملوكين، وإن عين الاوسط كان حرا وكان الاكبر رقيقا، وفي الاصغر وجهان. وإن عين الاكبر كان حرا، والاثنان على وجهين. وإن مات ولم يعين، ولا عين الورثة، عرض على القافة، فان عينوا واحدا كان حكمه حكم من عينه الوالد أو الورثة، وحكم الباقين مثل ذلك سواء. وإن لم يكن قافة، أو اختلفوا، أقرع بينهم، فمن خرج اسمه حرر ولا يورث (1). وهل يوقف أم لا؟ على قولين: قال المزني: يوقف (2). وقال الباقون: لا يوقف (3). وحكم الباقين على ما رتبناه فيمن تعين بتعيين المقر أو الورثة سواء. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4).

(1) المجموع 20: 332 - 333، والوجيز 1: 202، وفتح العزيز 11: 194 و 197، والمغني لابن قدامة 5: 336، والشرح الكبير 5: 286 - 287.
(2) مختصر المزني: 115، والمجموع 20: 333، وفتح العزيز 11: 196، والمغني لابن قدامة 5: 338.
(3) المجموع 20: 333، وفتح العزيز 11: 194 و 196، والمغني لابن قدامة 5: 338، والشرح الكبير 5: 288.
(4) تدل عليه الاخبار التي ذكرها الشيخ قدس سره في التهذيب 9: 361 و 363 ديث 1290 و 1298 فلاحظ.

[ 383 ]

وقال المزني: قول الشافعي يقرع بين الثلاثة خطأ، لان الاصغر حر على كل حال، لانه إن خرج اسمه فهو حر، وإن خرج اسم الاوسط فالاصغر حر أيضا، لانها صارت فراشا بالاوسط وألحق الاصغر به، وإن خرج الاكبر ألحق الاوسط والاصغر به، لانها صارت فراشا بالاول، وهذا لازم له، غير أنه لا يصح على مذهبنا، لان الامة ليست فراشا عندنا بحال، وإنما القول قول المالك في الحاق من يلحق به، وإنكار من ينكره (1). مسألة 35: إذا شهد شاهدان على نسب لميت يستحق به ميراثا، وقالا: لا نعرف له وارثا غيره، قبلت شهادتهما. وبه قال الشافعي (2). وقال إبن أبي ليلى: لا يحكم بها حتى يقولا: لا وارث له غيره. لانهما إذا قالا لا نعلم له وارثا غيره، فما نفيا أن يكون له وارث، لانه يجوز أن يكون له وارث ولا يعلمانه، فعدم علمهما لا يخرجه من أن يكون له وارث (3). دليلنا: أن ذلك لا يمكن العلم به، لانه لا طريق إليه، وما لا طريق إليه لا يجوز اقامة الشهادة عليه.

(1) مختصر المزني: 115، وبلغة السالك 2: 197.
(2) الام 7: 123، والبحر الزخار 6: 13.
(3) الام 7: 123.

[ 385 ]

كتاب العارية

[ 387 ]

مسألة 1: العارية أمانة غير مضمونة، إلا أن يشرط صاحبها الضمان، فإن شرط ذلك كانت مضمونة، وإلا فلا، إلا أن يتعدى فيها، فيجب عليه حينئذ ضمانها. وبه قال قتادة وعبيد الله بن الحسن العنبري، وأبو حنيفة، ومالك والنخعي، والشعبي، والحسن البصري، إلا أنهم لم يضمنوها بالشرط (1). وقال ربيعة: العواري مضمونة إلا موت الحيوان، فانه إذا استعاره، ثم مات في يده، لم يضمنه (2). وقال الشافعي: هي مضمونة شرط ضمانها أو لم يشرط، تعدى فيها أو لم يتعد. وبه قال ابن عباس، وأبو هريرة، وعطاء، وأحمد، واسحاق (3). دليلنا: إجماع الطائفة وأخبارهم، فانهم لا يختلفون في ذلك (4). وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي عليه السلام قال:

(1) المجموع 14: 205، وفتح العزيز 11: 218، والمحلى 9: 170، واللباب 2: 151، والمغني لابن قدامة 5: 356، والشرح الكبير 5: 366، والنتف 2: 583، وشرح فتح القدير 7: 103، وسبل السلام 3: 898، والمصنف لعبد الرزاق 8: 180. (2) المحلى 9: 170.
(3) الام 3: 244، والمجموع 14: 204 - 205، وفتح العزيز 11: 217، والنتف 2: 583، وشرح فتح القدير 7: 103، وسبل السلام 3: 898، والمصنف لعبد الرزاق 8: 180، والمغني لابن قدامة 5: 356، والشرح الكبير 5: 366.
(4) الكافي 5: 238 حديث 1، والتهذيب 7: 183 حديث 805، والاستبصار 3: 126 حديث 449.

[ 388 ]

" ليس على المستعير غير المغل ضمان " (1) وهذا نص. مسألة 2: إذا رد العارية الى صاحبها أو وكيله، برئ من الضمان، وإن ردها الى ملكه - مثل أن تكون دابة فردها الى اصطبل صاحبها، وشدها فيه - لم يبرأ من الضمان. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: يبرأ، لان العادة هكذا جرت في رد العواري الى الاملاك، فيكون بمنزلة المأذون من طريق العادة (3). دليلنا: ان كون ذلك ردا أو إبراء الذمة به من العارية يحتاج الى دليل، ولا دليل على ذلك، والاصل شغل ذمته بالعارية. مسألة 3: إذا اختلف صاحب الدابة والراكب، فقال الراكب: أعرتنيها. وقال صاحب الدابة: أكريتكها بكذا. كان القول قول الراكب مع يمينه، وعلى صاحبها البينة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه (4). والثاني: أن القول قول صاحبها (5). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، وصاحب الدابة مدعي الكراء، فعليه البينة.

(1) سنن الدارقطني 3: 41 حديث 168، والمصنف لعبد الرزاق 8: 178 حديث 14782، والسنن الكبرى 6: 91.
(2) الام 3: 245، والمجموع 14: 209، والمغني لابن قدامة 5: 358.
(3) اللباب 2: 153، وشرح فتح القدير 7: 111، والمبسوط 11: 144، والمغني لابن قدامة 5: 358.
(4) الام 3: 245، والمجموع 14: 222، والوجيز 1: 232، والمغني لابن قدامة 5: 372، والشرح الكبير 5: 371 و 373.
(5) المجموع 14: 220 و 222، ومغني المحتاج 2: 273 - 274، والوجيز 1: 266، وفتح العزيز 11: 232.

[ 389 ]

مسألة 4: إذا اختلف الزارع وصاحب الارض، فقال الزارع: أعرتنيها. وقال صاحبها: أكريتكها. كان القول قول الزارع مع يمينه. وللشافعي فيه قولان مثل المسألة الاولى سواء (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء، واختار المزني في المسألتين قولنا (2). مسألة 5: إذا اختلفا، فقال صاحب الدابة: غصبتها. وقال الراكب: بل أعرتنيها. فالقول قول الراكب. وبه قال المزني (3). وقال أصحاب الشافعي: هذه المسألة والتي قبلها سواء على قولين: ومنهم من قال: على طريقين (4)، ومنهم من قال: على قول واحد، وهو أن القول قول المستعير (5). وذهب أبو إسحاق الى أن الجواب في هذه المسألة مرجوع عنه، والقول في ذلك قول صاحبها قولا واحدا (6). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء، من أن الاصل براءة الذمة، والمدعي للغصب يحتاج الى بينة، لانه يدعي ضمان الدابة ولزوم الاجرة إن كان ركبها. مسألة 6: إذا تعدى المودع في إخراج الوديعة من حرزها، فانتفع بها، ثم ردها الى موضعها، فان الضمان لا يزول بذلك. وبه قال الشافعي (7).

(1) المجموع 14: 220، والوجيز 1: 205، وفتح العزيز 11: 232.
(2) انظر مختصر المزني: 116.
(3) مختصر المزني: 116، وفتح العزيز 11: 235، والمغني لابن قدامة 5: 373، والشرح الكبير 5: 374.
(4) المجموع 14: 221 - 222، وفتح العزيز 11: 233 و 235.
(5) الام 3: 245، والمجموع 14: 221، وفتح العزيز 11: 235.
(6) المجموع 14: 224، ومغني المحتاج 2: 274، والوجيز 1: 266، وفتح العزيز 11: 236، والمغني لابن قدامة 5: 373، والشرح الكبير 5: 373.
(7) الام 3: 245، ومختصر المزني: 116، والمجموع 14: 194 و 209، والوجيز 1: 285، وكفاية الاخيار 2: 9، وبداية المجتهد 2: 307، والمبسوط 11: 114.

[ 390 ]

وقال أبو حنيفة: يزول، لانه مأمور بالحفظ في جميع هذه الاوقات، فإذا خالف في جهة منها، ثم رجع وعاد الى الحفظ، كان متمسكا به على الوجه المأمور به، فينبغي أن يزول عنه الضمان (1). دليلنا: أن بالتعدي قد ثبت عليه الضمان بلا خلاف، فمن أزال ضمانه بالرد الى موضعه فعليه الدلالة. مسألة 7: إذا أبرأه صاحبها من الوديعة بعد تعديه فيها، من غير أن يردها إليه أو الى وكيله، فقد سقط عنه الضمان. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما: يبرأ، وهو ظاهر قوله (2). والثاني: لا يبرأ. قال: لان الابراء لا يصح عن القيمة، لانها لم تجب بعد، ولا يصح الابراء من العين لانها في يده باقية، فكيف يصح الابراء منها (3). دليلنا: أن الضمان إذا كان من حقه، فله التصرف فيه بالابراء والمطالبة، وإذا أسقط وجب سقوطه، ومن منع من ذلك فعليه الدلالة. مسألة 8: إذا أعاره أرضا ليبني فيها، أو ليغرس فيها، فلا يجوز له أن يخالف فيغرس في أرض البناء، ولا أن يبني في أرض الغراس. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه (4). والثاني: له ذلك، لان ضررهما متقارب (5).

(1) اللباب 2: 147، والمبسوط 11: 114، وبداية المجتهد 2: 307، والمجموع 14: 209.
(2) المجموع 14: 194.
(3) المصدر السابق.
(4) المجموع 14: 208، ومغني المحتاج 2: 269، والوجيز 1: 204 و 364، وفتح العزيز 11: 224.
(5) مغني المحتاج 2: 269، والمجموع 14: 208 و 210، والوجيز 1: 204، وفتح العزيز 11: 223.

[ 391 ]

دليلنا: أن ما قلناه متفق على جوازه، وتجويز خلافه يحتاج الى دلالة، ولا دليل. مسألة 9: إذا طالب المعير المستعير بقلع ما أذن له في غراسه من غير أن يضمن له أرش النقصان، وأبى ذلك صاحب الغراس، لم يجبر عليه. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يجبر على ذلك. وإن لم يضمن (2). دليلنا: قول النبي عليه السلام: " ليس لعرق ظالم حق " (3). وهذا ليس بظالم، فيجب أن يكون له حق. وروت عائشة أن النبي عليه السلام قال: " من بنى في رباع قوم باذنهم فله قيمته " (4). وعند أبي حنيفة يجبر على القلع، ولا يجعل له قيمة بنائه. ولان مع ضمان النقصان أجمعنا أن له قلعه، وليس على جواز قلعه مع عدم ذلك دليل.

(1) المجموع 14: 211 - 212، وبداية المجتهد 2: 309، والشرح الكبير 5: 360.
(2) المبسوط 11: 141، والنتف 2: 582، واللباب 2: 152، وشرح فتح القدير: 109، والمجموع 14: 213، وفتح العزيز 11: 227 و 231، والشرح الكبير 5: 360.
(3) صحيح البخاري 3: 140، وسنن أبي داود 3: 178 حديث 3073.
(4) سنن الدارقطني 4: 243 حديث 142، والسنن الكبرى 6: 91، وفردوس الاخبار 3: 551 حديث 5723.

[ 393 ]

كتاب الغصب

[ 395 ]

مسألة 1: من غصب شيئا يضمن بالمثلية، فان أعوز المثل ضمن بالقيمة، فان لم يقبض القيمة بعد الاعواز حتى مضت مدة يختلف فيها القيمة، كان له المطالبة بقيمته حين القبض لا حين الاعواز، إن حكم الحاكم بالقيمة عند الاعواز، لم يؤثر حكمه فيه، وكان له المطالبة بقيمته يوم القبض، ولا يلتفت الى حكم الحاكم به. وبه قال أبو حنيفة (1) والشافعي (2). وقال محمد وزفر: عليه قيمته يوم الاعواز (3). دليلنا: أن الذي ثبت في ذمته هو المثل، وحكم الحاكم عليه بالقيمة لا ينقل المثله الى القيمة، بدلالة أنه متى زال الاعواز قبل القبض طولب بالمثل، وإذا كان الذي ثبت في الذمة هو المثل اعتبر بدل مثله حين قبض البدل، ولا ينظر إلى إختلاف قيمته بعد الاعواز ولا قبل الاعواز.

(1) عند مراجعة كتب القوم المتوفرة لدينا ظهر أنه يقول: " ترد القيمة يوم المحاكمة والخصومة " ولعل الشيخ المؤلف قدس سره إعتمد في قوله هذا الى بعض المصادر التي لم نتوصل إليها. انظر: النتف 2: 737، والمبسوط 11: 50، والفتاوى الهندية 5: 119، وبدائع الصنائع 7: 151، واللباب 2: 137، وحاشية رد المحتار 6: 183، وتبيين الحقائق 5: 223، والمغني لابن قدامة 5: 421، والشرح الكبير 5: 428، والمجموع 14: 229، وفتح العزيز 11: 274، والبحر الزخار 5: 175.
(2) الام 3: 248، والمجموع 14: 229، والمبسوط 11: 50، وفتح العزيز 11: 275، والمغني لابن قدامة 5: 421، والشرح الكبير 5: 428.
(3) النتف 2: 737، والمبسوط 11: 50، وبدائع الصنائع 7: 151، والفتاوى الهندية 5: 119، وتبيين الحقائق 5: 223، وحاشية رد المحتار 6: 183، والبحر الزخار 5: 175.

[ 396 ]

مسألة 2: إذا غصب مالا مثل له، ومعناه لا يتساوى قيمة اجزائه من غير جنس الاثمان - كالثياب، والحطب، والخشب، والحديد، والصفر، والرصاص، والعقار، وغير ذلك من الاواني وغيرها - فانها تكون مضمونة بالقيمة. وبه قال جميع الفقهاء (1). وقال عبيد الله بن الحسن العنبري البصري: يضمن كل هذا بالمثل (2). دليلنا: ما رواه ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من أعتق شقصا له من عبد قوم عليه " (3) فأوجب صلى الله عليه وآله عليه الضمان بالقيمة دون المثل. ولانه لا يمكن الرجوع فيه إلى المثل، لانه إن ساواه في العدد خالفه في الثقل، وإن ساواه فيهما خالفه من وجه آخر وهو القيمة، فإذا تعذرت المثلية كان الاعتبار بالقيمة. مسألة 3: إذا جنى على حمار القاضي، كان مثل جنايته على حمار الشوكي، سواء في أن الجناية إذا لم يسر الى نفسه يلزمه أرش العيب. وبه قال أبو حنيفة والشافعي (4). وقال مالك: إن كان حمار القاضي، فقطع ذنبه، ففيه كمال قيمته، لانه إذا

(1) الام 3: 254 - 255، والمجموع 14: 227 و 234، وكفاية الاخيار 1: 183، واللباب 2: 137، والمبسوط 11: 50 - 51، وبدائع الصنائع 7: 148، والمحلى 8: 142، وبداية المجتهد 2: 316، وأسهل المدارك 3: 62، والشرح الكبير 5: 429، وفتح العزيز 11: 283، وتبيين الحقائق 5: 223.
(2) المجموع 14: 234، والشرح الكبير 5: 429.
(3) رواه ابن رشد في بداية المجتهد 2: 312 بنفس اللفظ، وقد ورد في أكثر الكتب الحديثية بتبديل " شقصا " ب‍ " شركا " وهما بمعنى الحصة والنصيب في العين المشتركة من كل شئ. لاحظ النهاية 2: 467 و 490.
(4) اللباب 2: 139، والمجموع 14: 245، والمبسوط 11: 51، وفتح العزيز 11: 258، والمغني لابن قدامة 4: 385.

[ 397 ]

قطع ذنبه فقد أتلفه عليه، لانه لا يمكنه ركوبه، لان القاضي لا يركب حمارا مقطوع الذنب. ويفارق حمار الشوكي، لانه يمكنه حمل الشوك على حمار مقطوع الذنب، ولم يقل هذا في غير ما يركبه من بهائم القاضي - مثل الثور وغيره - وكذلك لو قطع يد حماره (1). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، وقدر ما أوجبناه مجمع على لزومه، والزائد عليه يحتاج الى دليل. مسألة 4: إذا قلع عين دابة، كان عليه نصف قيمتها، وفي العينين جميع القيمة. وكذلك كل ما في البدن منه اثنان، ففي الاثنين جميع القيمة، وفي الواحد نصفها. وقال أبو حنيفة: في العين الواحدة ربع القيمة، وفي العينين نصف القيمة، وكذلك في كل ما ينتفع بظهره ولحمه (2). وقال الشافعي ومالك: عليه الارش ما بين قيمته صحيحا ومعيبا (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4).

(1) مختصر العلامة خليل: 228، وحاشية الخرشي 5: 149، وجواهر الاكليل 2: 153، والمجموع 14: 245، وفتح العزيز 11: 258، والمغني لابن قدامة 5: 385 - 386، والبحر الزخار 5: 175.
(2) النتف 2: 676، وشرح فتح القدير 8: 351، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 351، والمجموع 14: 245، وفتح العزيز 11: 258، والمحلى 10: 429.
(3) الام 3: 245، ومختصر المزني: 117، والمجموع 14: 245، والسراج الوهاج: 268، ومغني المحتاج 2: 281، والوجيز 1: 208، وفتح العزيز 11: 258، والمحلى 10: 429، وشرح فتح القدير 8: 351، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 351.
(4) لم أقف في كتب الحديث المتوفرة على نص يؤيد قول المصنف قدس سره من الاخبار الذي أشار إليها، علما انه قدس سره قال في كتابه " النهاية في مجرد الفقه والفتاوى " ص 781 ما لفظه: (وفي عين البهيمة إذا فقئت ربع قيمتها على ما جاءت به الاثار). وانظر التهذيب 10: 309 حديث 1149 و 1152.

[ 398 ]

وروي عن عمر أنه قضى في عين الدابة بربع قيمتها (1). ورووا ذلك عن علي عليه السلام (2)، وهذا يدل على بطلان قول من يدعي الارش. فاما قولنا فدليله: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 5: إذا قتل عبدا كان عليه قيمته ما لم تتجاوز قيمته دية الحر عشرة آلاف درهم، وكذلك إن كانت أمة ما لم تتجاوز قيمتها خمسة آلاف درهم دية الحرة، وإن كان دون الدية لم يلزمه أكثر من ذلك. وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه قال: إن كان قيمته عشرة آلاف نقص منه عشرة دراهم، وكذلك في دية المملوكة (3). وقال الشافعي: يلزمه قيمته بالغا ما بلغ (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (5)، فانهم لا يختلفون في ذلك. وأيضا الاصل براءة الذمة، وما قلناه لازم له بالاجماع، والزائد يحتاج الى دليل. مسألة 6: إذا مثل بمملوك غيره، لزمه قيمته، وانعتق. وبه قال مالك (6).

(1) المصنف لعبد الرزاق 10: 77 حديث 18418 و 18419 و 18423.
(2) المصنف لعبد الرزاق 10: 77 حديث 18421.
(3) المبسوط 11: 72 و 26: 21، والمحلى 8: 151 و 154، والنتف 2: 671، والشرح الكبير 9: 526.
(4) الام 3: 246، ومختصر المزني 117 و 237، والسراج الوهاج: 268، والوجيز 1: 207، والمحلى 8: 151 - 152 و 154 - 155، والشرح الكبير 9: 526، وفتح العزيز 11: 256.
(5) الكافي 7: 304 (باب الرجل الحر يقتل مملوك غيره...) حديث 15 و 11، ومن لا يحضره الفقيه 4: 96 حديث 318، والتهذيب 10: 192 - 193 حديث 760 و 762، والاستبصار 4: 274 حديث 1038 و 1039.
(6) جواهر الاكليل 2: 153، وحاشية الخرشي 5: 150، والمحلى 8: 152، والمغني لابن قدامة 5: 389.

[ 399 ]

وقال الشافعي: لا ينعتق (1). والتمثيل: أن يقطع أنفه أو أذنه. دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (2). وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من مثل بعبده عتق عليه " (3). مسألة 7: كل جناية مقدرة من الحر بحساب ديته، فهي مقدرة من العبد بقيمته مثل اليد، والرجل، والانف، والعين، والموضحة، والمنقلة وغير ذلك. وبه قال الشافعي (4). وقال مالك: في ذلك أرش ما نقص، إلا في أربعة مواضع: الموضحة، والمنقلة، والمأمومة، والجائفة فان فيها المقدر (5) كما قلناه. دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (6). مسألة 8: الحارصة (7) والباضعة مقدرة في الحر، وكذلك في العبد

(1) المغني لابن قدامة 5: 389.
(2) انظر الكافي 7: 303 حديث 7 و 8 و 307 حديث 21، والتهذيب 10: 261 حديث 1032.
(3) لم أقف لهذا الحديث في المصادر المتوفرة ذكرا، إلا أنه روى الحاكم النيسابوري في مستدركه 4: 368 والهيثمي في مجمع الزوائد 4: 239 عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من مثل بعبده أو حرقه بالنار فهو حر وهو مولى الله ورسوله ".
(4) الام 6: 49، ومختصر المزني: 117، والوجيز 1: 207، وفتح العزيز 11: 256 - 257، والسراج الوهاج: 268، ومغني المحتاج 2: 280 - 281.
(5) المدونة الكبرى 6: 316 و 450، والام 3: 246.
(6) انظر الكافي 7: 306 حديث 14، ومن لا يحضره الفقيه 4: 94 - 95 حديث 310 و 313، والتهذيب 10: 193 و 196 حديث 764 و 778، و 293 حديث 1141 و 295 حديث 1147.
(7) الحارصة: هي التي تخدش ولا تجري الدم.
(8) الباضعة: هي التي تبضع اللحم وتقطعه. قاله الشيخ الكليني في الكافي 7: 329.

[ 400 ]

بحساب قيمته. وقال جميع الفقهاء: فيهما الارش، لانهما غير مقدرة في الحر (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2)، وسنبين ذلك في الجنايات. مسألة 9: إذا جنى على ملك غيره جناية لها أرش. قال الشافعي: فالمالك يمسكه، لانه ملكه، ويطالب الجاني بأرشها بكل حال، قليلا كان أرش الجناية أو كثيرا، سواء ذهب بالجناية منفعة مقصودة أو غير مقصودة، وسواء وجب بالمقصودة كمال قيمة المجني أو دون ذلك (3). وقال أبو حنيفة: ينظر فيه: إن لم يذهب بالجناية منفعة مقصودة - مثل أن يخرق يسيرا من الثوب، أو قطع إصبعا من العبد - أو جنى عليه حارصة أو دامية أو باضعة فانه يمسك ملكه، ويطالب بالارش على ما قال الشافعي. وإن ذهب بها منفعة مقصودة، مثل أن خرق الثوب بطوله، أو قطع يدا واحدة من العبد، فالسيد بالخيار بين أن يمسك العبد ويطالب بأرش الجناية، وبين أن يسلم العبد برمته ويأخذ منه كمال قيمته. وقال: وإن وجب بالجناية كمال قيمة الملك - وهذا إنما يكون في الرقيق خاصة مثل أن يقطع يديه، أو رجليه، أو يقلع عينيه، أو يقطع لسانه، أو أنفه - فالمالك بالخيار بين أن يمسكه ولا شئ له على الجاني، وبين أن يسلمه الى

(1) المحلى 8: 149، ومغني المحتاج 2: 281، والسراج الوهاج: 268، والوجيز 1: 207، وفتح العزيز 11: 260، والمجموع 19: 69، والنتف 2: 677، وبدائع الصنائع 7: 298، وتبيين الحقائق 6: 133، والمغني لابن قدامة 9: 658، والشرح الكبير 5: 399 و 9: 620.
(2) انظر الى ما أشرنا إليه من الاحاديث في الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب في المسألة المتقدمة.
(3) المجموع 14: 232، وفتح العزيز 11: 294 و 297، والمحلى 8: 151.

[ 401 ]

الجاني ويأخذ كمال قيمته (1). وقال أبو يوسف ومحمد: في هذا الفصل السيد بالخيار من أن يسلمه ويأخذ كمال قيمته، وبين أن يمسكه ويأخذ من الجاني ما نقص بالقطع، ويسقط التخيير (2). والذي تقتضيه أخبارنا ومذهبنا: أنه إذا جنى علللى عبد جناية تحيط بقيمة العبد، كان بالخيار بين أن يسلمه ويأخذ قيمته، وبين أن يمسكه ولا شئ له، وما عدا ذلك فله الارش إما مقدرا أو حكومة على ما مضى القول فيه. وما عدا المملوك من الاملاك إذا جنى عليه فليس لصاحبه إلا أرش الجناية. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير المقدم ذكره (3). مسألة 10: إذا غصب جارية، فزادت في يده بسمن، أو صنعة، أو تعليم قرآن فزاد بذلك ثمنها، ثم ذهب عنها ذلك في يده حتى عادت الى الصفة التي كانت عليها حين الغصب، كان عليه ضمان ما نقص في يده. وهكذا لو غصب حاملا، أو حائلا، فحملت في يده ضمنها وحملها في الموضعين معا. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: لا يضمن شيئا من هذا أصلا، ويكون ما حدث في يده

(1) اللباب 2: 139، وتبيين الحقائق 5: 228 - 229، وشرح فتح القدير 7: 382، والفتاوى الهندية 5: 122 - 123، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 382.
(2) المحلى 8: 151، وفتح العزيز 11: 294 - 295.
(3) انظرها في التهذيب 10: 193 و 194 و 196 و 293 حديث 764 و 765 و 778 و 1141.
(4) الام 3: 246، ومختصر المزني: 117، والمجموع 14: 248، وفتح العزيز 11: 248 و 308، والمغني لابن قدامة 5: 397، و 400، وبداية المجتهد 2: 321، والمبسوط 11: 54.

[ 402 ]

أمانة، فان تلف بغير تفريط فلا ضمان، وإن فرط في ذلك - مثل أن جحد ثم اعترف أو منع ثم بذل - فعليه ضمان ذلك (1). دليلنا: أن هذا النماء إنما حدث في ملك المغصوب منه، لان ملكه لم يزل عنه، وإذا حدث في ملكه لزم الغاصب ضمانه إذا حال بينه وبين ملكه. مسألة 11: المنافع تضمن بالغصب كالاعيان مثل: منافع الدار، والدابة، والعبيد، والثياب. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: لا تضمن المنافع بالغصب بحال، فان غصب أرضا فزرعها ببذره، كانت الغلة له، ولا أجرة عليه إلا أن تنقص الارض بذلك، فيكون عليه نقصان ما نقص. وزاد على هذا، لو آجرها وأخذ أجرتها، ملك الاجرة دون مالكها (3). دليلنا: قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (4). والمثل مثلان، مثل من حيث الصورة، ومثل من حيث القيمة،

(1) اللباب 2: 143، والمبسوط 11: 54، والفتاوى الهندية 5: 127، والمغني لابن قدامة 5: 397 و 400، والمجموع 14: 245 - 246، وفتح العزيز 11: 248.
(2) الام 3: 249 و 253، ومختصر المزني: 117، والمجموع 14: 227، والوجيز 1: 208، وفتح العزيز 11: 262، والمغني لابن قدامة 5: 413 و 435، والشرح الكبير 5: 438، والمبسوط 11: 78، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 394، وشرح العناية بهامش شرح فتح القدير 7: 394.
(3) اللباب 2: 144، وبدائع الصنائع 7: 145، والمبسوط 11: 78، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 394، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 394، وحاشية رد المحتار 6: 204، والمغني لابن قدامة 5: 413 - 414 و 435، والشرح الكبير 5: 438، والمحلى 8: 139، وبداية المجتهد 2: 318، وفتح العزيز 11: 262.
(4) البقرة: 194.

[ 403 ]

فما لم يكن للمنافع مثل من حين الصورة، وجب أن يلزمه من حيث القيمة، وعلى المسألة إجماع الفرقة، وأخبارهم تدل عليها. مسألة 12: المقبوض ببيع فاسد لا يملك بالعقد، ولا بالقبض. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يملك بالقبض (2). دليلنا: أنه لا دليل على أنه يملك بهذا القبض، فمن ادعى ذلك كان عليه الدلالة، لان الاصل أنه على ملك مالكه. مسألة 13: إذا غصب جارية حاملا ضمنها، وضمن ولدها. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: يضمنها وحدها دون حملها (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5). ولان ذمته قد اشتغلت بالغصب، ولا تبرأ قطعا إلا بضمان الجارية وولدها، فوجب عليه ذلك لتبرأ ذمته بيقين. مسألة 14: إذا غصب ثوبا قيمته عشرة، فبلغت عشرين لزيادة السوق، ثم عاد الى عشرة أو دونها، ثم هلك قبل الرد، كان عليه قيمته أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف. وبه قال الشافعي (6).

(1) المجموع 14: 269، وفتح العزيز 11: 321.
(2) بدائع الصنائع 5: 248 و 7: 146، والام 3: 247، والمحلى 8: 421.
(3) المجموع 14: 249، والوجيز 1: 206، وفتح العزيز 11: 248، وبدائع الصنائع 7: 158.
(4) اللباب 2: 143، وبدائع الصنائع 7: 158، والمبسوط 11: 54، والفتاوى الهندية 5: 127، والمحلى 8: 139، والمجموع 14: 249، وفتح العزيز 11: 248.
(5) انظر دعائم الاسلام 2: 485 حديث 1732 و 1733، والتهذيب 7: 482 حديث 1936.
(6) المجموع 14: 295، والوجيز 1: 209، والسراج الوهاج: 270، وكفاية الاخيار: 1: 183، وفتح العزيز 11: 283، وبداية المجتهد 2: 313.

[ 404 ]

وقال أبو حنيفة: عليه قيمته يوم الغصب (1). دليلنا: أنه إذا أدى ما قلناه برئت ذمته بلا خلاف، وإذا أدى ما قاله لم يدل دليل على براءتها، فالاحتياط يقتضي ما قلناه. مسألة 15: إذا لم يتلف الثوب وكان قائما بحاله رده، ولا يرد ما نقص من القيمة. وبه قال جميع الفقهاء (2)، إلا أبا ثور، فانه قال: يرده، وما نقص من قيمته، فان كانت قيمته يوم الغصب عشرة، ثم بلغت عشرين، ثم عاد الى عشرة، رده ومعه عشرة (3). دليلنا: أن الاصلل براءة الذمة، فمن علق عليها شيئا فعليه الدلالة. مسألة 16: إذا أكره إمرأة على الزنا، وجب عليه الحد، ولا حد عليها. ولو كانت هي زانية، وهو واطئ بشبهة كان عليها الحد، ولم يكن عليه الحد، ولا يلزمه المهر في الموضعين. وقال الشافعي: متى وجب عليه الحد دونها لزمه المهر (4). وقال أبو حنيفة: متى سقط عنه الحد دونها لزمه المهر (5). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، فمن علق عليها المهر فعليه الدلالة. وقول النبي صلى الله عليه وآله ونهيه عن مهر البغي (6)، دليل على أبي حنيفة.

(1) بدائع الصنائع 7: 151، والمجموع 14: 228 و 295، وبداية المجتهد 2: 313، وفتح العزيز 11: 284.
(2) الام 3: 248، والمحلى 8: 142، والوجيز 1: 209، وفتح العزيز 11: 291.
(3) فتح العزيز 11: 291.
(4) الام 3: 248 و 258، ومختصر المزني: 117، والوجيز 1: 213، ومغني المحتاج 2: 293 - 294، والسراج الوهاج: 273، وفتح العزيز 11: 332، والمبسوط 24: 90، وبداية المجتهد 2: 319، والمغني لابن قدامة 5: 407 و 412.
(5) النتف 2: 639، والمبسوط 24: 90، والمغني لابن قدامة 5: 413، وبداية المجتهد 2: 324، وفتح العزيز 11: 332 و 334.
(6) سنن أبي داود 3: 279 حديث 3481، ومسند أحمد بن حنبل 1: 235 و 356 و 2: 500، والسنن

[ 405 ]

واستدل الشافعي على ما قاله بقوله عليه السلام: " أيما إمرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فان مسها فلها المهر بما استحل من فرجها " (1). فأوجب المهر وهذا ليس بصحيح، لان ذلك يتناول العقد دون الاكراه. مسألة 17: السارق يقطع ويغرم ما يسرقه. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: الغرم والقطع لا يجتمعان، فان غرم لم يقطع، وإن قطع لم يغرم (3). دليلنا: قوله تعالى: " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (4) ولم يفرق. مسألة 18: يصح غصب العقار، ويضمن بالغصب. وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن (5). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يصح غصب العقار ولا يضمن بالغصب (6).

الكبرى 6: و 8، والتهذيب 7: 135 حديث 599. (1) مسند احمد بن حنبل 6: 66، وترتيب مسند الشافعي 2: 11، وسنن الترمذي 3: 408، حديث 102، والسنن الكبرى 7: 105، ومجمع الزوائد 4: 285، وسنن الدارقطني 3: 221، حديث 1، وفي البعض مما ذكرناه اختلاف يسير في اللفظ فلاحظ.
(2) الام 6: 151، ومختصر المزني: 118، والمجموع 20: 102، والمغني لابن قدامة 10: 274، والشرح الكبير 10: 294، والمبسوط 9: 156، وبدائع الصنائع 7: 84، وبداية المجتهد 2: 442.
(3) النتف 2: 639، والمبسوط 9: 156، وبدائع الصنائع 7: 84، والمجموع 20: 102، وبداية المجتهد 2: 442، والمغني لابن قدامة 10: 274، والشرح الكبير 10: 294.
(4) المائدة: 38. (5) المجموع 14: 232 و 258، وفتح العزيز 11: 251، وكفاية الاخيار 1: 182، والوجيز 1: 206، والمبسوط 11: 73، والنتف 2: 733 - 734، وعمدة القاري 12: 298 - 299، وبدائع الصنائع 7: 146 و 165 وشرح فتح القدير 7: 368 و 385، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 368 وحاشية رد المحتار 6: 186، وتبيين الحقائق 5: 224، وبداية المجتهد 2: 311، والمغني لابن قدامة 5: 379، والشرح الكبير 5: 375، وسبل السلام 3: 903، والبحر الزخار 5: 176.
(6) النتف 2: 733، واللباب 2: 138، والمبسوط 11: 73، وعمدة القاري 12: 298، وبدائع الصنائع 7: 146، و 165، وشرح فتح القدير 7: 368 و 385، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 368، وتبيين الحقائق 5: 224، وحاشية رد المحتار 6: 186، وبداية المجتهد 2: 311،

[ 406 ]

دليلنا: قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1). والمثل مثلان، مثل من حيث الصورة، ومثل من حيث القيمة، فلما لم يكن للعقار مثل من طريق الصورة، وجب أن يكون له مثل من طريق القيمة. مسألة 19: إذا غصب ثوبا فصبغه، كان للغاصب قلع الصبغ بشرط أن يضمن ما ينقص من قيمة الثوب. وبه قال الشافعي وأصحابه (2). وقال المزني: ليس للغاصب قلع الصبغ، لانه لا منفعة له فيه، سواء كان الصبغ أسود أو أبيض (3). وقال أبو حنيفة: إن كان مصبوغا بغير سواد فرب الثوب بالخيار بين أن يسلمه الى الغاصب ويأخذ منه قيمته أبيض، وبين أن يأخذ الثوب هو ويعطيه قيمة صبغه. وإن كان مصبوغا بالاسود فرب الثوب بالخيار بين أن يسلمه الى الغاصب ويأخذ منه قيمته أبيض، وبين أن يمسكه مصبوغا، ولا شئ عليه للغاصب (4). قال الطحاوي: فان نقص الثوب بالصبغ قال أبو حنيفة: لا ضمان على الغاصب. قال الطحاوي: والذي يجئ على قوله أن عليه ما نقص.

والمغني لابن قدامة 5: 387، والشرح الكبير 5: 375، والمحلى 8: 144، والمجموع 14: 232 و 258، وفتح العزيز 1: 251، والبحر الزخار 5: 176. (1) البقرة: 194.
(2) الام 3: 254، ومختصر المزني: 118، والمجموع 14: 264، والوجيز 1: 212، وفتح العزيز 11: 312 و 316، والسراج الوهاج: 273، والشرح الكبير 5: 413، وتبيين الحقائق 5: 230.
(3) مختصر المزني: 118.
(4) اللباب 2: 142، والمبسوط 11: 84 - 85، وبدائع الصنائع 7: 160 - 161، والفتاوى الهندية 5: 121، وتبيين الحقائق 5: 229 - 230، والمجموع 14: 265.

[ 407 ]

وقال أبو يوسف: الصبغ بالسواد وغيره سواء (1). دليلنا: أن الصبغ عين مال الغاصب فله قلعه، ويلزمه قيمة ما نقص من الثوب، لانه بجنايته حصل. مسألة 20: إذا غصب شيئا، ثم غيره عن صفته التي هو عليها أو لم يغيره مثل ان كانت نقرة فضربها دراهم، أو حنطة فطحنها، أو دقيقا فعجنه وخبزه، أو شاة فذبحها وقطعها لحما وشواها أو طبخها، لم يملكه. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إذا غير الغصب تغييرا أزال به الاسم والمنفعة المقصودة بفعله ملكه. فاعتبر ثلاث شرائط: أن يزول الاسم، والمنفعة المقصودة، وأن يكون ذلك بفعله، فإذا فعل هذا ملك، لكن يكره له التصرف فيه قبل دفع قيمة الشئ (3). وحكى ابن جرير عن أبي حنيفة أنه قال: لو أن لصا نقب، فدخل دكان رجل، فوجد فيه بغلا وطعاما ورحى، فصمد (4) البغل، وطحن الطعام ملك الدقيق، فان انتبه صاحب الدكان كان للص قتاله ودفعه عن دقيقه، فان أتى الدفع عليه، فلا ضمان على اللص (5). دليلنا: أنه ثبت أن هذا الشئ قبل التغيير كان ملكه، فمن ادعى أنه زال

(1) المبسوط 11: 85، وبدائع الصنائع 7: 161، والفتاوى الهندية 5: 121، وتبيين الحقائق 5: 230.
(2) الام 3: 257، والمجموع 14: 243 و 251، والوجزيز 1: 21، وفتح العزيز 11: 295 و 311، والمغني لابن قدامة 5: 403، وبدائع الصنائع 7: 148، الهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 375، وتبيين الحقائق 5: 226.
(3) اللباب 2: 140، وبدائع الصنائع 7: 148، وشرح فتح القدير 7: 375، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 375، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 375، والفتاوى الهندية 5: 121، وتبيين الحقائق 5: 266، والمجموع 243 - 244 و 251، وفتح العزيز 11: 295 و 311.
(4) الصمد: القصد. انظر مجمع البحرين 3: 89 مادة " صمد ".
(5) انظر فتاوى قاضيخان 3: 255 و 257، والفتاوى الهندية 5: 151.

[ 408 ]

ملكه بعد التغيير فعليه الدلالة. وروى قتادة، عن الحسن، عن سمرة عن النبي عليه السلام قال: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " (1). وقال النبي صلى الله عليه وآله: " لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفس منه " (2). وما طابت نفس صاحب الحنطة بطنحها، فوجب أن لا يحل ولا يملكها. مسألة 21: إذا غصب منه عصيرا فاستحال خمرا، ثم صار خلا، رده الى صاحبه. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: إذا صار خلا ملكه، وعليه قيمته (4). فأما إذا غصب منه خمرا، فاستحال خلا، يرد الخل بلا خلاف. دليلنا: أن زوال ملكه يحتاج الى دلالة، وهذا عين ماله التي كان يملكها، وإنما تغيرت صفته. مسألة 22: إذا غصب ساجة، فبنى عليها أو في مجنبها، أو لوحا فأدخله في سفينة، كان عليه رده. سواء كان فيه قلع ما بناه في ملكه، أو لم يكن فيه قلع ما قد بناه في ملكه. وبه قال الشافعي (5).

(1) سنن ابن ماجة 2: 802 حديث 2400، وسنن الترمذي 3: 566 حديث 1266، وسنن أبي داود 3: 296 حديث 3561، ومسند أحمد بن حنبل 5: 8 و 12 و 13، وسنن الترمذي 2: 264 حديث 3، والمستدرك على الصحيحين 2: 47، والسنن الكبرى 6: 90 و 95.
(2) سنن الدارقطني 3: 26 حديث 91، ومسند أحمد بن حنبل 5: 72، والسنن الكبرى 6: 100 و 8: 182، وتلخيص الحبير 3: 45.
(3) المجموع 14: 249 و 298، والوجيز 1: 211، والسراج الوهاج: 272، وبدائع الصنائع 7: 148، وفتح العزيز 11: 310.
(4) المبسوط 11: 96، وبدائع الصنائع 7: 162، والفتاوى الهندية 5: 126.
(5) مختصر المزني: 118، والوجيز 1: 213، والسراج الوهاج: 273، ومغني المحتاج 2: 293، والمجموع

[ 409 ]

وحكى محمد في الاصول: أنه متى كان عليه ضرر في ردها لم يلزمه ردها. وظاهر هذا أنه لا يلزمه ردها متى كان عليه في ردها ضرر، سواء بنى عليها أو في مجنبها (1). وقال الكرخي: أن مذهب أبي حنيفة: أنه إن لم يكن في ردها قلع ما بناه في حقه - مثل أن بناها على بدن الساجة - فقد لزمه. وإن كان في ردها قلع ما بناه في حقه - مثل أن كان البناء مع طرفيها ولا يمكنه ردها إلا بقلع هذا - لم يلزمه ردها (2). والمناظرة على ما حكاه محمد. وتحقيق الكلام معهم: هل ملكها بذلك أم لا؟ فعنده قد ملكها، كما قال: إذا غصب شاة، فذبحها وشواها، أو حنطة فطحنها (3). وعندنا وعند الشافعي ما ملكها (4). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء، من أن الساجة في ملكه قبل البناء عليها، فمن ادعى زواله بالبناء فعليه الدلالة. وروى سمرة أن النبي عليه السلام قال: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " (5).

14: 270، وفتح العزيز 11: 326، وبداية المجتهد 2: 319، والمبسوط 11: 93، والمغني لابن قدامة 5: 429، وتبيين الحقائق 5: 228. (1) الفتاوى الهندية 5: 125.
(2) اللباب 2: 141، وبدائع الصنائع 7: 149، وشرح فتح القدير 7: 381، وتبيين الحقائق 5: 228، وحاشية رد المحتار 6: 192، والمبسوط 11: 94، والمجموع 14: 270، وفتح العزيز 11: 326، والفتاوى الهندية 5: 124 - 125.
(3) المبسوط 11: 94، وبدائع الصنائع 7: 148، وشرح فتح القدير 7: 379، واللباب 2: 140، وحاشية رد المحتار 6: 192، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 379، وفتح العزيز 11: 311 و 326.
(4) الوجيز 1: 211، وفتح العزيز 11: 311، وبدائع الصنائع 7: 148.
(5) سنن ابن ماجة 2: 802 حديث 2400، وسنن الترمذي 3: 566 حديث 1266، وسنن أبي داود

[ 410 ]

وهذه يد قد أخذت ساجة، فعليها أن تؤديها. وأيضا قوله صلى الله عليه وآله: " لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفس منه " (1) يدل علليه، لانه ما طابت نفسه بالبناء على ساجته. وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا، من أخذ عصا أحد فليردها " (2). وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال: " ليس لعرق ظالم حق " (3) ولم يرد حقيقة العرق، وإنما أراد به كل شئ وضع عليه ظلما، وهذا داخل فيه مسألة 23: إذا غصب طعاما، فأطعم مالكه فأكله مع الجهل بأنه ملكه، فانه لا تبرأ ذمة الغاصب بذلك. وهو المنصوص للشافعي (4). قال الربيع: وفيها قول آخر: أن ذمته تبرأ. وبه قال أهل العراق (5). دليلنا: أنه ثبت اشتغال ذمته بالغصب، فمن ادعى براءتها بعد ذلك فعليه الدلالة، وليس ها هنا دليل على أنه إذا أطعمه برئت ذمته.

3: 296 حديث 3561، ومسند أحمد بن حنبل 5: 8 و 12 و 13، وسنن الدارمي 2: 264 حديث 3، والمستدرك على الصحيحين 2: 47، والسنن الكبرى 6: 90 و 95. (1) سنن الدارقطني 3: 26، وتلخيص الحبير 3: 45، ومسند أحمد بن حنبل 5: 72، والسنن الكبرى 6: 100 و 8: 182.
(2) سنن الترمذي 4: 462 حديث 2160، ومسند أحمد بن حنبل 4: 221، والسنن الكبرى 6: 100.
(3) الموطأ 2: 743 حديث 26، والسنن الكبرى 6: 99، والدراية في تخريج أحاديث الهداية 2: 201 حديث 887.
(4) الام 3: 255، والمجموع 14: 256، ومغني المحتاج 2: 280، وفتح العزيز 11: 255، وبدائع الصنائع 7: 150، والمغني لابن قدامة 5: 436 - 437، والشرح الكبير 5: 424 - 425، وتبيين الحقائق 5: 222.
(5) الام 3: 255، والسراج الوهاج: 268، والمجموع 14: 256، وفتح العزيز 254 - 255، وبدائع الصنائع 7: 150، وتبيين الحقائق 5: 222.

[ 411 ]

مسألة 24: إذا حل دابة، أو فتح قفصا وفيه طائر، ووقفا ثم ذهبا، كان عليه الضمان. وبه قال مالك (1). وقال أبو حنيفة، وظاهر قول الشافعي - نص عليه في اللفظ وهو قوله - في القديم: أنه لا ضمان عليه قولا واحدا (2). دليلنا: هذا كالسبب في ذهابهما، لانه لو لم يحل، أو لم يفتح القفص لما أمكنهما الذهاب، فوجب عليه ضمانهما. مسألة 25: إذا حل الدابة، أو فتح القفص، فذهبا عقيب الفتح، والحل من غير وقوف، كان عليه الضمان. وبه قال المالك (3)، وهو أحد قولي الشافعي (4). وقال في القديم وهو الاصح عندهم: أنه لا ضمان عليه (5). وبه قال أبو حنيفة (6).

(1) بداية المجتهد 2: 311، وأسهل المدارك 3: 67، وجواهر الاكليل 2: 148، والمجموع 14: 288، وفتح العزيز 11: 245 - 246، والمغني لابن قدامة 5: 449، والشرح الكبير 5: 444.
(2) بدائع الصنائع 7: 166، ومختصر المزني: 118، والمجموع 14: 288، والوجيز 1: 206، والسراج الوهاج: 267، وكفاية الاخيار 1: 183، وفتح العزيز 11: 243 و 245 - 246، ومغني المحتاج 2: 278، وبداية المجتهد 2: 311، والمغني لابن قدامة 5: 449، والشرح الكبير 5: 444.
(3) أسهل المدارك 3: 67، وجواهر الاكليل 2: 148، وبداية المجتهد 2: 311، والمجموع 14: 288، وفتح العزيز 11: 246.
(4) المجموع 14: 288، وكفاية الاخيار 1: 183، والوجيز 1: 206، ومغني المحتاج 2: 278، والسراج الوهاج: 267، وفتح العزيز 11: 245، والمغني لابن قدامة 5: 449، والشرح الكبير 5: 444، وبداية المجتهد 2: 311.
(5) المجموع 14: 288، وكفاية الاخيار 1: 183، ومغني المحتاج 2: 278، والسراج الوهاج: 267، وبداية المجتهد 2: 311، وفتح العزيز 11: 245، والمغني لابن قدامة 5: 449، والشرح الكبير 5: 444.
(6) فتاوى قاضيخان 3: 246، وبدائع الصنائع 7: 166، وبداية المجتهد 2: 311، والمغني لابن قدامة 5: 449، والشرح الكبير 5: 444.

[ 412 ]

دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 26: إذا غصب دابة أو عبدا أو فرسا، فأبق العبد أو شرد الفرس أو ند البعير، كان عليه القيمة، فإذا أخذها صاحبها ملك القيمة بلا خلاف، ولا يملك هو المقوم، فان رد انفسخ ملك المالك عن القيمة، وعليه ردها الى الغاصب، ويسلم العين منه. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: إذا ملك صاحب العين قيمتها ملكها الغاصب بها، وكانت القيمة عوضا عنها، فان عادت العين الى يد الغاصب نظرت، فان كان المالك أخذ القيمة بتراضيهما، أو بينة تثبت عند الحاكم، وحكم الحاكم بها، لم يكن للمالك سبيل الى العين. وإن كان المالك قد أخذ القيمة بقول الغاصب مع يمينه، لانه هو الغارم نظرت، فان كانت القيمة قيمة مثلها أو أكثر فلا سبيل للمالك عليها، وإن كان أقل من قيمتها فللمالك رد القيمة واسترجاع العين، لان الغاصب ظلم المالك في قدر ما أخبره به من القيمة. فالخلاف في فصلين: أحدهما: أن الغاصب بدفع القيمة ملك أم لا؟ عندنا ما مالك، وعندهم قد ملك. والثاني: إذا ظهرت العين، صاحبها أحق بها، ترد عليه، وعند أبي حنيفة لا ترد (2). دليلنا: أنه قد ثبت أن العين كان ملكها لمالكها، فمن ادعى زواله الى ملك

(1) المجموع 14: 238 - 239، وفتح العزيز 11: 275 - 276، وبدائع الصنائع 7: 152، والشرح الكبير 5: 436، والبحر الزخار 5: 187. (2) بدائع الصنائع 7: 152، والفتاوى الهندية 5: 145 - 146، والمجموع 14: 239، والشرح الكبير 5: 436، والبحر الزخار 5: 187.

[ 413 ]

غيره فعليه الدلالة. وأيضا أخذ القيمة لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك عوضا عن العين، أو لاجل الحيلولة كما قلناه. فبطل أن يقال عوضا يملكها به الغاصب، من وجوه ثلاثة: أحدها: لو كانت عوضا يملك به، لكان بيعا يتعلق به خيار الشرط والشفعة. والثاني: لو كان بيعا لم يصح أن ينجز للمالك تلك القيمة بدلا عن العين الفائتة بالاتلاف، لان البيع عندنا باطل، وعندهم يقف، حتى إذا عاد العبد تسلمه المشتري، وإن لم يعد يرد البائع الثمن، فلما ثبت أن ملكا يتعجل للمالك ها هنا والعبد أبق بطل أن يكون بيعا، أو عوضا. والثالث: لو كان بيعا، لوجب أن يكون للغاصب الرجوع بالقيمة متى تعذر عليه الوصول إلى العبد، فلما ثبت أن الغاصب لا يرجع بالقيمة على المالك وان تعذر عليه أن يصل الى العبد الابق بطل أن يكون هذا عوضا عنه، وثبت أن الاخذ لاجل الحيلولة. مسألة 27: إذا باع عبدا، وقبضه المشتري أو لم يقبضه، فادعى مدع أن العبد له، وصدقه البائع، وكذبه المشتري، فانه لا يقبل إقرار البائع على المشتري، لانه إقرار على الغير، وللمدعي أن يرجع على البائع بقيمة العبد. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والاخر: أنه لا ضمان عليه (2).

(1) مختصر المزني: 119، وفتح العزيز 11: 289.
(2) فتح العزيز 11: 289.

[ 414 ]

ومنهم من قال: يلزمه القيمة، قولا واحدا (1) كما قلناه. دليلنا: أنه إذا صدقه البائع، فقد أقر بأنه باع مالا يملك، وأتلف ملك الغير ببيعه إياه، فيلزمه قيمته. مسألة 28: إذا كان في يد مسلم خمر أو خنزير، فاتلفه متلف، فلا ضمان عليه بلا خلاف، مسلما كان المتلف أو مشركا. وإن كان ذلك في يد ذمي، فاتلفه متلف مسلما كان أو ذميا، فعليه ضمانه، وهو قيمته عند مستحليه. وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: لا ضمان عليه (3). دليلنا إجماع الفرقة، وأخبارهم (4). وقال أبو حنيفة: ثم ينظر: فان كان المتلف مسلما، فعليه قيمة ذلك خمرا كان أو خنزيرا، ولا يضمن المسلم الخمر بالمثل. وإن كان المتلف ذميا، فعليه قيمة الخنزير ومثل الخمر (5).

(1) فتح العزيز 11: 289 - 290.
(2) المبسوط 11: 102، وبدائع الصنائع 7: 147 و 167، واللباب 2: 144 - 145، وشرح فتح القدير 7: 397، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 397، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 397، وتبيين الحقائق 5: 234، والمغني لابن قدامة 5: 443، ومغني المحتاج 2: 285، والمجموع 14: 282، وفتح العزيز: 11: 258، والمحلى 8: 147.
(3) مختصر المزني: 119، والمجموع 14: 282، والسراج الوهاج: 269، ومغني المحتاج 2: 285، والمبسوط 11: 102، وبدائع الصنائع 7: 167، وشرح فتح القدير 7: 397، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 397، وتبيين الحقائق 5: 234 - 235 وفتح العزيز 11: 259، والمغني لابن قدامة 5: 443.
(4) الكافي 7: 368 حديث 4، ومن لا يحضره الفقيه 3: 163 حديث 717، والتهذيب 10: 224 حديث 880 و 10: 309 حديث 1153.
(5) اللباب 2: 144، والمبسوط 11: 102 و 104، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 397، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 397، وتبيين الحقائق 5: 234 - 235، وفتح العزيز 11: 258.

[ 415 ]

قال الطحاوي: وإن أسلم المتلف وكان ذميا قبل أن يأخذ منه مثل الخمر سقط عن ذمته، وإن أسلم قبل أن يأخذ منه قيمة الخنزير لم يسقط عن ذمته باسلامه (1). وعندنا يضمن الخمر والخنزير بقيمتهما عند مستحليهما بدليل أخبارنا وإجماع الفرقة على ذلك. مسألة 29: إذا غصب ماله مثل - كالحبوب والادهان - فعليه مثل ما تلف في يديه، يشتريه بأي ثمن كان بلا خلاف. وإن كان مما لا مثل له - كالثياب والحيوان - فعليه أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب الى حين التلف. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: عليه قيمة يوم الغصب، ولا اعتبار بما زاد بعد هذا أو نقص (3). دليلنا: أن كل زمان يأتي عليه وهو في يده، فانه مأمور برده على مالكه، وكل حال كان مأمورا يرد الغصب فيها، لزمته قيمته في تلك الحال، مثل حال الغصب. مسألة 30: إذا غصب ما لا يبقى، كالفواكه الرطبة - مثل التفاح، والكمثرى، والموز، والرطب ونحوها - فتلف في يده، وتأخرت المطالبة بقيمته، فعليه أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب الى حين التلف، ولا يراعى ما وراء ذلك. وبه قال الشافعي (4).

(1) المبسوط 11: 104، واللباب 2: 145، وتبيين الحقائق 5: 235.
(2) المجموع 14: 234 و 254 و 295، وفتح العزيز 11: 283، والمغني لابن قدامة 5: 422.
(3) المبسوط 11: 50، وبدائع الصنائع 7: 165، وتبيين الحقائق 5: 223، والمغني لابن قدامة 5: 422، والمجموع 14: 295، وفتح العزيز 11: 284.
(4) الام 3: 253، وفتح العزيز 11: 342.

[ 416 ]

وقال أبو يوسف: عليه قيمته يوم الغصب، فجرى على ذلك القياس في غير الاشياء الرطبة (1). وقال أبو حنيفة: عليه قيمته يوم المحاكمة (2). وقال محمد: عليه قيمته في الوقت الذي انقطع عن ايدي الناس (3). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء، فأما بعد التلف قبل المحاكمة فليس بمأمور برده بعينه، وإنما هو مأمور برد قيمته، فلا اعتبار إلا برد قيمته حين توجه الامر إليه بالرد دون حال المحاكمة. مسألة 31: ان غصب ما يجري فيه الربا - مثل الاثمان، والمكيل، والموزون - فجنى عليه جناية إستقر ارشها، مثل ان كان الغصب دنانير وسبكها أو طعاما فبله، فاستقر نقصه، فعليه رده بعينه، وعليه ما نقص. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: المالك بالخيار بين أن يسلم العين المجني عليه الى الغاصب، ويطالبه بالبدل، وبين أن يمسكها ولا شئ عليه له، فان أراد الامساك والمطالبة بأرش النقصان لم يكن له (5). دليلنا: أن الخيار الذي أثبته أبو حنيفة يحتاج الى دليل، وليس في الشرع

(1) اللباب 2: 137، وبدائع الصنائع 7: 151، وشرح فتح القدير 7: 364، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 364، والنتف 2: 737، والشرح الكبير 5: 428.
(2) اللباب 2: 137، وبدائع الصنائع 7: 151، والنتف 2: 737، وشرح فتح القدير 7: 363، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 364، والمغني لابن قدامة 5: 421، والشرح الكبير 5: 228.
(3) بدائع الصنائع 7: 151، واللباب 2: 137، وشرح فتح القدير 7: 364، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 364.
(4) المجموع 14: 256.
(5) اللباب 2: 139، وبدائع الصنائع 7: 166، والمجموع 14: 256.

[ 417 ]

ما يدل عليه، والاصل بقاء عين ملكه وحصول الجناية عليها. مسألة 32: إذا غصب جارية، فأتت بولد مملوك، ونقصت قيمتها بالولادة، فعليه ردها وأرش نقصها، فان كان الولد قائما رده، وإن كان تالفا رد قيمته. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: إن كان الولد تالفا عليه أرش النقص، وان كان الولد باقيا جبرت الارش بقيمة الولد، فان كان الارش مائة وقيمة الولد مائة فلا شئ عليه، وان كان قيمة الولد أقل - مثل ان كانت قيمة الولد خمسين وأرش النقص مائة - يرد الولد ويضمن خمسين درهما باقي الارش (2). دليلنا: أن هذا النقص حصل في يد الغاصب، فوجب عليه ضمانه كما لو مات الولد، ولانه إذا ضمن ما قلناه برئت ذمته بلا خلاف، فالاحوط ضمانه. مسألة 33: إذا غصب مملوكا أمرد فنبتت لحيته، فنقص ثمنه، أو جارية ناهدا، فسقطت ثدياها، أو رجلا شابا فابيضت لحيته، فعليه ما نقص في هذه المسائل كلها. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: في الناهد والشاب (4) مثل ما قلناه. وقال في الصبي: إذا نبتت لحيته فلا ضمان عليه (5).

(1) الام 3: 247، ومختصر المزني: 117، والمجموع 14: 250، وفتح العزيز 11: 355، والمغني لابن قدامة 5: 449، وتبيين الحقائق 5: 232، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 390.
(2) اللباب 2: 144، بدائع الصنائع 7: 158، والمبسوط 11: 58، 60، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 390، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 390، والفتاوى الهندية 5: 145، وتبيين الحقائق 5: 232 - 233، وفتح العزيز 11: 355.
(3) الام 3: 248، وفتح العزيز 11: 357، والمغني لابن قدامة 5: 391، والشرح الكبير 5: 399.
(4) المبسوط 11: 90، وبدائع الصنائع 7: 155 - 156، والفتاوى الهندية 5: 123، والمغني لابن قدامة 5: 391، والشرح الكبير 5: 399، وفتح العزيز 11: 357.
(5) بدائع الصنائع 7: 156، والمبسوط 11: 90، والفتاوى الهندية 5: 123، والمغني لابن قدامة 5: 391،

[ 418 ]

دليلنا: أن هذا نقصان حصل في يد الغاصب، فوجب عليه الضمان، ولان بالتزام ذلك تبرأ ذمته بيقين، فالاحوط التزامه. مسألة 34: إذا غصب عبدا، ومات العبد، واختلفا، فقال الغاصب: رددته حيا ومات في يدك أيها المالك. وقال المالك: بل مات في يدك أيها الغاصب. وأقام كل واحد منهما البينة بما إدعاه سقطتا، وعدنا إلى الاصل وهو بقاء العبد عند الغاصب حتى يعلم أنه رده. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو يوسف: تقدم بينة المالك، ويأخذ البدل، لان الاصل الغصب (2). وقال محمد: تقدم بينة الغاصب، لان الاصل براءة ذمته (3). دليلنا: أن كل واحد منهما مدع موت العبد عند صاحبه، وتكافئا، ولا ترجيح، فسقطتا وبقي الاصل، وهو بقاء العبد عند الغاصب حتى يعلم أنه رده. وإن عملنا في هذه المسألة على القرعة كان أيضا جائزا. مسألة 35: إذا غصب ماله مثل - مثل الادهان، والحبوب، والاثمان، ونحوها - فجنى عليه جناية واستقر أرشها، فعليه رد العين ناقصة وعليه أرش النقصان لا غير. وبه قال الشافعي (4).

والشرح الكبير 5: 399، وفتح العزيز 11: 357. (1) المجموع 14: 158.
(2) تبيين الحقائق 5: 224، وحاشية رد المحتار 6: 185، وبدائع الصنائع 7: 164، وفتاوى قاضيخان في هامش الفتاوى الهندية 3: 255.
(3) المبسوط 11: 81، وتبيين الحقائق 6: 185، وحاشية رد المحتار 6: 185، والفتاوى الهندية 5: 139، وفتاوى قاضيخان في هامش الفتاوى الهندية 3: 255.
(4) الام 3: 253 - 254.

[ 419 ]

وقال أبو حنيفة: نظر فيه، فان كان الارش في يد مالكه - مثل ان كان في يده زيت فصب غيره الماء فيه، أو كان في يده دينار فكسره غيره وهو في يده - فرب المال بالخيار بين أن يمسك ماله ناقصا ولا شئ له، وبين أن يسلمه الى الجاني ويأخذ منه كمال قيمته (1). قال: فان غصب الزيت أولا وصب فيه الماء فنقص، فالمالك بالخيار بين أن يأخذ عين ماله ولا شئ له لاجل النقص، وبين أن يترك ماله على الغاصب ويأخذ منه مثل زيته، ففرق بين أن يغصب أولا فيصب فيه الماء عنده، وبين أن يصب فيه الماء وهو في يد مالكه، فأوجب المثل إذا غصب، والقيمة إذا لم يغصب (2). دليلنا على أنه ليس عليه غير الارش قد مضى. ودليلنا على أنه لا يضمن بالقيمة: هو أن العين إذا كان لها مثل فلا معنى لايجاب القيمة مع القدرة على مثلها. مسألة 36: إذا غصب عبدا قيمته ألف، فزاد في يده فبلغ ألفين، فقتله قاتل في يد الغاصب، فللسيد أن يرجع بالالفين على من شاء منهما، فان رجع على القاتل بهما لم يرجع القاتل على الغاصب، لان الضمان استقر عليه، وان رجع على الغاصب رجع الغاصب على القاتل، لان الضمان استقر عليه، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: إن رجع على القاتل فالحكم على ما قلناه، وان ضمن الغاصب فليس له أن يضمنه أكثر من ألف، وهو قيمة العبد حين الغصب، ثم

(1) بدائع الصنائع 7: 166.
(2) بدائع الصنائع 7: 166.
(3) المغني لابن قدامة 5: 397.

[ 420 ]

يأخذ الغاصب من القاتل ألفين، ألف منهما لنفسه بدل ما أخذ السيد منه، والالف الاخر يتصدق بها (1). دليلنا على أن له مطالبة الغاصب: أنه قتل العبد في يديه، وقيمته ألفان، وهو مأمور برده على مالكه، فإذا هلك في يده استقر ضمانه عليه. مسألة 37: إذا غصب ألف درهم من رجل، وألفا من آخر، فخلط الالفين، فالالفان شركة بين المالكين بردهما عليهما. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: يملك الغاصب الالفين معا، ويضمن لكل واحد منهما بدل ألفه، بناه على أصله في تغيير الغصب في يد الغاصب (3). دليلنا: ما تقدم من أن انتقال ذلك الى ملكه وزواله عن ملك مالكه يحتاج الى دلالة. مسألة 38: إذا غصب حبا فزرعه، أو بيضة فأحتضنتها الدجاجة، فالزرع والفروخ للغاصب. وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: هما معا للمغصوب منه (5). وقال المزني: الفروخ للمغصوب منه، والزرع للغاصب (6). دليلنا: أن عين الغصب قد تلفت، وإذا تلفت فلا يلزم غير القيمة، ومن

(1) المبسوط 11: 72، وبدائع الصنائع 7: 165، والفتاوى الهندية 5: 127 - 128، والمغني لابن قدامة 5: 397.
(2) مغني المحتاج 2: 293، وفتح العزيز 11: 322 - 323.
(3) بدائع الصنائع 7: 165، والمغني لابن قدامة 5: 406، والفتاوى الهندية 5: 132 - 133.
(4) المبسوط 11: 94 - 95، وفتاوى قاضيخان المطبوع في هامش شرح فتح القدير 3: 234، وبدائع الصنائع 7: 148، والفتاوى الهندية 5: 140، والمغني لابن قدامة 5: 405، وفتح العزيز 11: 310.
(5) المجموع 14: 248، والمبسوط 11: 95، وبدائع الصنائع 14: 248، والمغني لابن قدامة 5: 405، والشرح الكبير 5: 398 - 399، وفتح العزيز 11: 310.
(6) فتح العزيز 11: 310.

[ 421 ]

يقول: أن الفروخ هو عين البيض. وإن الزرع هو عين الحب مكابر، بل المعلولم خلافه. مسألة 39: إذا غصب عبدا، فمات في يده، فعليه قيمته، سواء كان قنا أو مدبرا أو أم ولد، وسواء مات بسبب، أو مات حتف أنفه. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة في غير أم الولد بقولنا (2). وأما أم الولد فان ماتت بسبب - مثل أن لدغتها عقرب، أو سقط عليها حائط - كقولنا، وإن ماتت حتف أنفها فلا ضمان عليه (3). دليلنا: أنه مضمون بالقيمة، فإذا تلف في يد الغاصب فعليه ضمانه، كالعبد القن. هذا دليل الشافعي. ودليلنا: طريقة الاحتياط، لانه إذا ضمنها برئت ذمته بيقين، وان لم يضمنها فليس على براءة ذمته دليل. مسألة 40: إذا غصب حرا صغيرا، فتلف في يده، فلا ضمان عليه. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة إن مات حتف أنفه كقولنا (5)، وإن مات بسبب - مثل أن لدغته عقرب أو حية أو أكله سبع أو سقط عليه حائط - فعليه الضمان (6). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، فمن شغلها فعليه الدلالة. وإن قلنا بقول أبي حنيفة كان قويا، ودليله طريقة الاحتياط على ما بيناه.

(1) الام 3: 248 - 249.
(2) النتف 2: 733، وبدائع الصنائع 6: 146 و 167، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 405، والفتاوى الهندية 5: 149.
(3) بدائع الصنائع 6: 146، و 167، والفتاوى الهندية 5: 149، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 405.
(4) المجموع 14: 274، والوجيز 1: 206، وفتح العزيز 11: 247 - 248، والشرح الكبير 5: 379.
(5) بدائع الصنائع 7: 146 و 166، والفتاوى الهندية 5: 148 - 149، وفتح العزيز 11: 248.
(6) بدائع الصنائع 7: 146، والنتف 2: 733، والفتاوى الهندية 5: 148 - 149.

[ 423 ]

كتاب الشفعة

[ 425 ]

مسألة 1: لا شفعة في السفينة، وكل ما يمكن تحويله من الثياب، والحبوب، والسفن، والحيوان وغير ذلك عند أكثر أصحابنا، وعلى الظاهر من رواياتهم (1). وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة (2). وقال مالك: إذا باع سهما من سفينة، كان لشريكه فيها الشفعة. فأجراها مجرى الدار (3). وحكي عنه: أن الشفعة في كل شئ من الاموال والثياب والطعام والحبوب والحيوان (4). وفي أصحابنا من قال بذلك (5)، وهو اختيار المرتضى رضى الله عنه (6).

(1) انظر سنن أبي داود 3: 285 باب الشفعة، والسنن الكبرى 6: 109 باب لا شفعة فيما ينقل ويحول.
(2) المجموع 14: 299، وكفاية الاخيار 1: 184، والوجيز 1: 215، وفتح العزيز 11: 364، والسراج الوهاج: 274، ومغني المحتاج 2: 296، واللباب 2: 57، وشرح فتح القدير 7: 435، وبدائع الصنائع 5: 12، والفتاوى الهندية 5: 160، وتبيين الحقائق 5: 252، والمبسوط 14: 92، والمغني لابن قدامة 5: 464، والشرح الكبير 5: 472.
(3) بداية المجتهد 2: 254، وبدائع الصنائع 5: 12، وشرح فتح القدير 7: 405، وتبيين الحقائق 5: 252، وفتح العزيز 11: 364.
(4) بداية المجتهد 2: 254، والمغني لابن قدامة 5: 464، والشرح الكبير 5: 472، والمجموع 14: 308، وفتح العزيز 11: 364، ونيل الاوطار 6: 81.
(5) وبه قال ابن الجنيد وأبو الصلاح - في الكافي: 362 - وابن البراج - المهذب 1: 458 - كما حكاه عنهم العلامة في المختلف: 124 كتاب الشفعة.
(6) الانتصار: 215.

[ 426 ]

دليلنا: الاخبار المعتمدة التي ذكرناها في تهذيب الاحكام (1). وأيضا روى جابر قال: " إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " (2). ولفظة " إنما " موضوعة لاشتمال ما تناوله اللفظ ونفي ما عداه، فكان الظاهر أنه لا شفعة إلا فيما يقع فيه الحدود، وتصرف له الطرق، فمن أوجبها في غير هذا فقد خالف في ذلك. وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا شفعة إلا في ربع أو حائط " (3). ولان إيجاب الشفعة حكم شرعي، وما ذكرناه مجمع عليه، وليس على ما قالوه دليل. مسألة 2: إذا باع زرعا أو ثمرة مع الاصل بالشرط، كانت الشفعة ثابتة في الاصل دون الزرع والثمرة. وبه قال الشافعي (4).

(1) من لا يحضره الفقيه 3: 46 حديث 159، والتهذيب 7: 166 حديث 738، والاستبصار 3: 118 حديث 420.
(2) سنن أبي داود 3: 285 حديث 3514، وسنن الدارقطني 4: 232 حديث 99، والمصنف لعبد الرزاق 8: 79 حديث 14391، وسنن ابن ماجة 2: 35 حديث 2499، وصحيح البخاري 3: 114، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 310 حديث 5161، والسنن الكبرى 6: 102، ومسند أحمد بن حنبل 3: 296، وتلخيص الحبير 3: 55 حديث 1274 و 1275 والدراية في تخريج أحاديث الهداية 2: 203 حديث 895 وفي البعض منها اختلاف يسير في لفظ الحديث.
(3) صحيح مسلم 3: 1229 حديث 134 و 135، وسنن الدارقطني 4: 224 حديث 76، والسنن الكبرى 6: 104، وفي الدراية في تخريج أحاديث الهداية 2: 202 حديث 888 باختلاف يسير في اللفظ.
(4) المجموع 14: 308، وكفاية الاخيار: 184، والسراج الوهاج: 274 ومغني المحتاج 2: 297، وفتح العزيز 11: 367 و 370، والمغني لابن قدامة 5: 464، والشرح الكبير 5: 471.

[ 427 ]

وقال أبو حنيفة: تجب في الزرع والثمار مع الاصل (1). دليلنا: أن ما قلناه مجمع عليه وليس على ما قالوه دليل. وأيضا روى جابر قال: " إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله الشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " (2). فالظاهر انها تجب فيما يقع فيه الحدود وتصرف له الطرق، فمن أوجبها في غيرها فقد ترك الخبر المذكور. مسألة 3: لا تثبت الشفعة بالجوار، وإنما تثبت للشريك المخالط. وبه قال في الصحابة عمر، وعثمان، وفي التابعين عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، ويحيى بن سعيد الانصاري، وفي الفقهاء ربيعة، ومالك، والشافعي، وأهل الحجاز، والاوزاعي، وأهل الشام، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (3). وتثبت عندنا زائدا على الخلطة بالاشتراك في الطريق. وبه قال سوار بن

(1) اللباب 2: 67، وبدائع الصنائع 5: 28، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 434، والفتاوى الهندية 5: 180، والمجموع 14: 308، وفتح العزيز 11: 367 و 370، والمغني لابن قدامة 5: 464، والشرح الكبير 5: 471.
(2) سنن أبي داود 3: 285 حديث 3514، وسنن الدارقطني 4: 232 حديث 99، والمصنف لعبد الرزاق 8: 79 حديث 14391، وسنن ابن ماجة 2: 35 حديث 2499، وصحيح البخاري 3: 114، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 310 حديث 5161، والسنن الكبرى 6: 102، ومسند أحمد بن حنبل 3: 296، وتلخيص الحبير 3: 55 حديث 1274 و 1275، والدرايه في تخريج أحاديث الهداية 2: 203 حديث 895 وفي البعض منها اختلاف يسير في اللفظ لا يضر.
(3) الام 4: 5، والمجموع 14: 305، والوجيز 1: 215، وفتح العزيز 11: 293، والمغني لابن قدامة 5: 461، والشرح الكبير 5: 466، وبداية المجتهد 2: 253، وبلغة السالك 2: 228، والشرح الصغير بهامش بلغة السالك 2: 288، وجواهر الاكليل 2: 157، وأسهل المدارك 3: 37، وفتح الرحيم 2: 122، والبحر الزخار 5: 9، وتبيين الحقائق 5: 240، ونيل الاوطار 6: 81.

[ 428 ]

عبد الله القاضي، وعبيد الله بن الحسن العنبري، فانهما أوجباها بالشركة في المبيع والطريق دون الجوار (1). كما نقوله نحن. وذهب أهل الكوفة إلى أنها تثبت بالشركة والجوار، لكن الشريك أحق، فان ترك فالجار أحق. ذهب إليه ابن شبرمة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وعبد الله بن مبارك (2). ولابي حنيفة تفصيل قال: الشفعة تجب بأحد أسباب ثلاثة: الشركة في المبيع، والشركة في الطريق، وان شريكا في الطريق أولى من الجار اللازق. ثم بالجوار بيان هذا: ان كان شريكا في المبيع فهو أحق من الشريك في الطريق، وان كان شريكا في الطريق فهو أحق وإن لم يكن شريكا في المبيع. مثل: ان كان الدرب لا ينفذ وفيه دور كثيرة، فان الطريق مشترك بين أهله، فان باع صاحب الصدر داره - وذلك في آخر الدرب - فالشفعة للذي يليه، فان ترك فللذي يليه ابدأ من الجانبين كذلك الى آخر الدرب. فان لم يبق في أهل الدرب من يريد الشفعة كانت للجار اللزيق الذي ليس بشريك في الطريق - وهو الذي في ظهر داره الى درب غير هذا الدرب - فان ترك هذا الشفيع الشفعة فلا شفيع هناك. وإن كان الدرب نافذا، فالشفعة للجار اللزيق فقط، سواء كان باب داره في هذا الدرب أو في غيره، فإذا كان محاذيا في درب نافذ وعرض الطريق ذراع فلا شفعة (3). وها هنا قال الشافعي: منعت من بينك وبينه ذراع واعطيت من

(1) المجموع 14: 305، والمغني لابن قدامة 5: 461، والشرح الكبير 5: 466.
(2) المبسوط 14: 94، وبدائع الصنائع 5: 8، والمجموع 14: 303، والمغني لابن قدامة 5: 461، والشرح الكبير 5: 466، والبحر الزخار 5: 8، ونيل الاوطار 6: 81.
(3) اللباب 2: 54، والمبسوط 14: 94 - 95، وبدائع الصنائع 5: 8، والفتاوى الهندية 5: 166، وعمدة

[ 429 ]

هو منك على ألف ذراع (1)، وهذا التفصيل يبين فيه مواضع المعاني. دليلنا: أخبارنا التي ذكرناها في كتابنا الكبير (2)، وإجماع الفرقة عليها. وأيضا فما قلناه مجمع على ثبوت الشفعة فيه، وما قالوه ليس عليه دليل. وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " (3). وروى أبو هريرة قال: " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة فيما لم يقسم " (4). " وأي مال اقتسم وأرف عليه فلا شفعة فيه " (5). ومعنى أرف عليه: أي أعلم عليه. قال أبو عبيد: يقال أرفتها تأريفا: أي أعلمت عليها علامات، وهي لغة أهل الحجاز (6). وأما الذي يدل على أن الشفعة بالطريق تثبت فاجماع الفرقة. وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الجار أحق بشفعة جاره،

القاري 2: 72، والهداية في هامش فتح القدير 7: 406، وتبيين الحقائق 5: 240، والمغني لابن قدامة 5: 461، والشرح الكبير 5: 466، وفتح العزيز 11: 393 و 396. (1) الام 4: 9 و 7: 111، ومختصر المزني: 119، والبحر الزخار 5: 8.
(2) انظر التهذيب 7: 164 حديث 725 و 726.
(3) سنن أبي داود 3: 285 حديث 3514، وسنن الدارقطني 4: 232 حديث 99، والمصنف لعبد الرزاق 8: 79 حديث 14391، وسنن ابن ماجة 2: 35 حديث 2499، وصحيح البخاري 3: 114، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 310 حديث 5161، والسنن الكبرى 6: 102، ومسند أحمد بن حنبل 3: 296، وتلخيص الحبير 3: 55 حديث 4: 127 و 1275، والدراية في تخريج أحاديث الهداية 2: 203 حديث 895، وفي البعض منها اختلاف يسير في اللفظ لا يضر بالمعنى.
(4) السنن الكبرى 6: 103.
(5) استشهد به ابن الاثير في النهاية 1: 39، وابن منظور في لسان العرب 9: 6، والزبيدي في تاج العروس 6: 39، ولم أقف عليه في الكتب المتوفرة لدي.
(6) لسان العرب 9: 6، وتاج العروس 6: 39 مادة " أرف ".

[ 430 ]

ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا " (1). مسألة 4: مطالبة الشفيع على الفور فان تركها مع القدرة عليها بطلت شفعته وبه قال أبو حنيفة (2). وهو أصح أقوال الشافعي، وهو الذي نقله المزني (3)، وله ثلاثة أقوال أخر غير هذا. أحدها: الذي يرويه الطحاوي عن المزني عنه، أن الشفيع بالخيار ثلاثا، فان مضت ثلاثة بطل خياره. وبه قال ابن أبي ليلى والثوري (4). ونص في القديم على قولين: أحدهما: خياره على التراخي لا يسقط إلا بصريح العفو، فيقول: عفوت أو يلوح به بأن يقول للمشتري: بعني الشقص أو هبه لي فان فعل شيئا من هذا وإلا كان للمشتري أن يرافعه إلى الحاكم، فيقول: إما أن تأخذ أو تدع. وهو ظاهر قول مالك، لانه قال: له الخيار ما لم يتطاول الوقت. فقيل له: إذا مضت سنة فقد تطاول الوقت، فقال: ما أظنه تطاول (5).

(1) سنن ابي داود 3: 286 حديث 3518، وسنن ابن ماجة 2: 833 حديث 2494، والسنن الكبرى 6: 106، وسنن الترمذي 3: 651 حديث 1369، والمصنف لعبد الرزاق 8: 81، وشرح معاني الاثار 4: 120، وتلخيص الحبير 3: 56 حديث 1277، وفي البعض منها اختلاف يسير في اللفظ فلاحظ.
(2) اللباب 2: 56، وعمدة القاري 12: 73، وبدائع الصنائع 5: 21، والفتاوى الهندية 5: 162، وتبيين الحقائق 5: 242 - 243 و 249، والام 4: 7 و 7: 109، والمجموع 14: 313، والمغني لابن قدامة 5: 477، وبداية المجتهد 2: 259، والشرح الكبير 5: 473، والبحر الزخار 5: 12.
(3) مختصر المزني: 120، والوجيز 1: 220، والمجموع 14: 313، ومغني المحتاج 2: 307، والسراج الوهاج: 278، وفتح العزيز 11: 490، والمغني لابن قدامة 5: 477، والشرح الكبير 5: 473، وبداية المجتهد 2: 260.
(4) الام 4: 7 و 7: 109، والمجموع 14: 313، والوجيز 1: 220، وفتح العزيز 11: 490، والمغني لابن قدامة 5: 478، والشرح الكبير 5: 473، وبداية المجتهد 2: 260.
(5) الموطأ 2: 715، والمدونة الكبرى 5: 404، وفتح الرحيم 2: 123، وأسهل المدارك 3: 41، وبداية

[ 431 ]

والثاني أنه على التأبيد كالقصاص، حتى قال: لا يملك المشتري مرافعته الى الحاكم، بل الخيار إليه، ولا اعتراض عليه (1). قال ابن المنذر: وبهذا القول قال جماعة من أهل العلم، فيكون على القول الثالث يملك مطالبة الشفيع بالشفعة، أو الاخذ، وعلى الرابع لا يملك. دليلنا على ما قلناه: إجماع الفرقة أنه يملك فيه المطالبة، وما عداه ليس عليه دليل. مسألة 5: الشفعة لا تبطل بالغيبوبة، بل للغائب شفعة. وبه قال جميع الفقهاء (2). وحكي عن النخعي أنه قال: الشفعة تبطل بالغيبة (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4)، ولان إبطالها بالغيبة يحتاج الى دلالة، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 6: إذا اختلف المشتري والشفيع في الثمن، ومع كل واحد منهما بينة، قبلت بينة المشتري. وبه قال الشافعي وأبو يوسف (5).

المجتهد 2: 259 - 260، والمغني لابن قدامة 5: 477، والشرح الكبير 5: 473، وعمدة القاري 12: 73، وفتح العزيز 11: 491، والبحر الزخار 5: 12. (1) الام 7: 109، والمجموع 14: 313، والوجيز 1: 220، وفتح العزيز 491، والبحر الزخار 5: 12.
(2) الموطأ 2: 715، والمدونة الكبرى 5: 418، والمجموع 14: 427، والوجيز 1: 220، والسراج الوهاج: 279، ومغني المحتاج 2: 307، وفتح العزيز 11: 493، والمغني لابن قدامة 5: 485، والشرح الكبير 5: 477، وبداية المجتهد 2: 259، وأسهل المدارك 3: 41 و 44، وعمدة القاري 12: 75، وتبيين الحقائق 5: 244.
(3) المغني لابن قدامة 5: 485، والشرح الكبير 5: 477.
(4) الكافي 5: 281 حديث 6، ومن لا يحضره الفقيه 3: 46 حديث 160، والتهذيب 7: 166 حديث 737.
(5) مختصر المزني: 121، والمجموع 14: 349، واللباب 2: 63، وعمدة القاري 12: 75، والفتاوى الهندية 5: 185، وبدائع الصنائع 5: 31، والهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 425، وتبيين

[ 432 ]

وقال أبو حنيفة ومحمد: البينة بينة الشفيع لانه الخارج (1). دليلنا: أن المشتري هو المدعي للثمن، والشفيع ينكره، والبينة على المدعي (2). مسألة 7: إذا كان الشراء بثمن له مثل كالحبوب والاثمان، كان للشفيع الشفعة بلا خلاف. وإن كان بثمن لا مثل له كالثياب والحيوان ونحو ذلك فلا شفعة له. وبه قال الحسن البصري وسوار القاضي (3). وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: له الشفعة، ويأخذها بقيمة الثمن، والاعتبار بقيمته حين العقد لا حين الاخذ بالشفعة على قول الشافعي (4)، وعلى قول مالك: بقيمته حين المحاكمة (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (6)، ولان إيجاب الشفعة في مثل هذا يحتاج

الحقائق 5: 247، والمغني لابن قدامة 5: 515، والشرح الكبير 5: 525، والبحر الزخار 5: 27. (1) اللباب 2: 63، وعمدة القاري 12: 75، وبدائع الصنائع 5: 31 - 32، والفتاوى الهندية 5: 185، وتبيين الحقائق 5: 247، والهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 424، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 424، والمغني لابن قدامة 5: 515، والشرح الكبير 5: 525، والمجموع 14: 349، والبحر الزخار 5: 27.
(2) إشارة الى الحديث المتقدم في المسألة 217 من كتاب البيع " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " فلاحظ.
(3) المغني لابن قدامة 5: 505، والشرح الكبير 5: 524.
(4) بدائع الصنائع 5: 26، وتبيين الحقائق 5: 249، وبداية المجتهد 2: 256، والمجموع 14: 318، والوجيز 1: 217، ومغني المحتاج 2: 301، والسراج الوهاج: 276، وفتح العزيز 11: 448، والمغني لابن قدامة 5: 505، والشرح الكبير 5: 524.
(5) المجموع 14: 320، والسراج الوهاج: 276، ومغني المحتاج 2: 301، والوجيز 1: 217، وفتح العزيز 11: 448، والمغني لابن قدامة 5: 505، والشرح الكبير 5: 524.
(6) التهذيب 167 حديث 740، ومن لا يحضره الفقيه 3: 47 حديث 164، ويدل على ذلك أيضا عموم الاخبار الواردة في باب الشفعة من كتاب الكافي 5: 280، ومن لا يحضره الفقيه 3: 45، والتهذيب 7: 163 فلاحظ.

[ 433 ]

الى دليل. مسألة 8: إذا تزوج امرأة وأمهرها شقصا، لا يستحق الشفعة عليها. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (1). وقال الشافعي: الشفعة تجب بمهر المثل. وبه قال الحارث العكلي (2) (3). وقال مالك وابن أبي ليلى: تجب الشفعة، لكنه يأخذ بقيمة الشقص لا بمهر المثل (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5)، ولان إثبات الشفعة في مثل هذا يحتاج الى دلالة. مسألة 9: إذا اشترى شقصا بمائة إلى سنة، كان للشفيع المطالبة بالشفعة، وهو مخير بين أن يأخذه في الحال ويعطي ثمنه حالا، وبين أن يصبر إلى سنة ويطالب بالثمن الواجب عندها.

(1) اللباب 2: 58، وبدائع الصنائع 5: 12، والمبسوط 4: 145، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 436، والمغني لابن قدامة 5: 469، والشرح الكبير 5: 465 و 533، والام 4: 7، والمجموع 14: 321، وفتح العزيز 11: 429.
(2) أبو الحسن، الحارث بن يزيد العكلي التيمي. كان فقيها من أصحاب ابراهيم، من عليتهم، قديم الموت، لم يرو عنه إلا الشيوخ، روى عن أبي زرعة بن عمرو، والشعبي، وابراهيم النخعي، وعبد الله ابن يحيى الحضرمي، تهذيب التهذيب 2: 163.
(3) الام 4: 3 و 7، والسراج الوهاج: 275، والمجموع 14: 321، ومغني المحتاج 2: 298، وفتح العزيز 11: 449، والمغني لابن قدامة 5: 469، والشرح الكبير 5: 465 و 533، وبدائع الصنائع 5: 12، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 436.
(4) أسهل المدارك 3: 39 - 40، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 229، والمغني لابن قدامة 5: 469، والشرح الكبير 5: 465 و 533، والمجموع 14: 322، وفتح العزيز 11: 449.
(5) انظر ما رواه الشيخ الصدوق قدس سره في من لا يحضره الفقيه 3: 47 حديث 165 والشيخ المؤلف قدس سره في التهذيب 7: 167 حديث 742.

[ 434 ]

وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: مثل ما قلناه (1). والثاني: أنه يأخذه بمائة الى سنة كما اشتراه (2). وبه قال مالك، غير أن مالكا قال: إن كان الشفيع غير ملى، كان للمشتري مطالبته بضمين ثقة يضمن له الثمن الى محله (3). وهذا قوي أيضا، ذكرناه في النهاية (4)، واليه ذهب قوم من أصحابنا (5). والثالث: قال في الشروط: يأخذه بسلعة تساوي مائة الى سنة (6). دليلنا: أن الشفعة قد وجبت بنفس الشراء، والذمم لا تتساوى، فوجب عليه الثمن حالا أو يصبر إلى وقت الحلول، فيطالبه بالشفعة مع الثمن. مسألة 10: إذا مات وخلف إبنين ودارا فهي بينهما نصفين، فان مات أحدهما وخلف إبنين كان نصف أبيهما بينهما نصفين، ولعمهما النصف، ولكل واحد منهما الربع، فان باع أحدهما نصيبه من أجنبي فلا شفعة لاحد. وللشافعي في أن الشفعة لاخيه وحده أم لا؟ قولان:

(1) الام 4: 3، والمجموع 14: 311، والسراج الوهاج: 276 - 277، ومغني المحتاج 2: 301، وفتح العزيز 11: 450، والمغني لابن قدامة 5: 507، والشرح الكبير 5: 523، وبداية المجتهد 2: 256، والمحلى 9: 95، والبحر الزخار 5: 15.
(2) المجموع 14: 311، ومغني المحتاج 2: 301، وفتح العزيز 450، والمغني لابن قدامة 5: 507، والشرح الكبير 5: 523، وبداية المجتهد 2: 256، والمحلى 9: 95.
(3) الموطا 2: 715، وبداية المجتهد 2: 256، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 229، والمحلى 9: 95، والمجموع 14: 314، والمغني لابن قدامة 5: 507، والشرح الكبير 5: 523، ومغني المحتاج 2: 301.
(4) النهاية: 425.
(5) ممن ذهب إليه الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان قدس سره في المقنعة: 96.
(6) المجموع 14: 311، وفتح العزيز 11: 450، والبحر الزخار 5: 15.

[ 435 ]

أحدهما لاخيه وحده دون عمه. وبه قال مالك (1). والثاني: لاخيه وعمه سواء. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وهو اختيار المزني (2). ومن قال من أصحابنا: أن الشفعة على عدد الرؤوس (3)، كذا يجب أن يقول به. دليلنا: الاخبار التي ذكرناها في الكتاب الكبير (4). ولان الشريك إذا كان واحدا فالشفعة ثابتة بلا خلاف، وإن كانوا أكثر فليس على ثبوتها دلالة، وهذه فرع على ذلك. مسألة 11: عندنا أن الشريك إذا كان أكثر من واحد بطلت الشفعة، فلا يتصور الخلاف في أن الشفعة على قدر الرؤوس، أو على قدر الانصباء (5)، وهو انفراد. ذهب قوم من أصحابنا الى أنها تستحق وان كانوا أكثر من واحد، وقالوا: على قدر الرؤوس (6). وبه قال أهل الكوفة: النخعي، والشعبي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وهو أحد قولي الشافعي، وهو اختيار المزني (7).

(1) الام 4: 3، والمجموع 14: 327 و 333، وفتح العزيز 11: 478، والموطا 2: 715، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 234، والمغني لابن قدامة 5: 524، والشرح الكبير 5: 543.
(2) الام 4: 3، والمجموع 14: 326 و 333، وفتح العزيز 11: 477 و 478، ومغني المحتاج 2: 305، والمغني لابن قدامة 5: 524، والشرح الكبير 5: 543.
(3) ذهب إليه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 3: 46 ذيل حديث 162، وابن الجنيد على ما حكاه عنه العلامه الحلي في المختلف: 125 من كتاب الشفعة.
(4) الكافي 5: 281 حديث 7 و 8، والفقيه 3: 46 حديث 162، والتهذيب 7: 164 حديث 729 و 730، والاستبصار 3: 116 حديث 412 و 413.
(5) الانصباء: العلائم. انظر مجمع البحرين 2: 174 مادة " نصب ".
(6) ذهب إليه ابن الجنيد على ما حكاه عنه العلامة في مختلف الشيعة: 125 من كتاب الشفعة، والشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 3: 46 ذيل الحديث 162 فلاحظ.
(7) مختصر المزني: 120، والمجموع 14: 326 و 345، ومغني المحتاج 2: 305، والسراج الوهاج:

[ 436 ]

والقول الاخر: أنه على قدر الانصباء، وهو الاصح عندهم، واختاره أبو حامد الاسفرايني، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، ومالك، وهو قول أهل الحجاز، وبه قال أحمد وإسحاق (1). دليلنا على المسألة الاولى: أنه إذا كان الشريك واحدا فلا خلاف في ثبوت الشفعة، وإذا كانوا أكثر من ذلك فلا دليل على ثبوت الشفعة لهم، وأخبار أصحابنا التي يعتمدونها ذكرناها في الكتاب الكبير (2). ونصرة القول الاخر أخبار رويت في هذا المعنى (3)، والاقوى عندي الاول. مسألة 12: المنصوص لاصحابنا أن الشفعة لا تورث (4). وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (5). وقال قوم من أصحابنا: أنها تورث مثل سائر الحقوق، وهو اختيار المرتضى

278، وفتح العزيز 11: 477، والمغني لابن قدامة 5: 523، والشرح الكبير 5: 490، والهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 414، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير أيضا 7: 414، والبحر الزخار 5: 9. (1) الموطأ 2: 715، وبداية المجتهد 2: 257، والمدونة الكبرى 5: 401، وفتح الرحيم 2: 122 - 123، ومختصر المزني: 120، والمجموع 14: 326 و 345، وفتح العزيز 11: 477، والسراج الوهاج: 278، ومغني المحتاج 2: 305، والوجيز 1: 219، والمغني لابن قدامة 5: 523، والشرح الكبير 5: 490، والبحر الزخار 5: 9، والهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 414، وشرح العناية بهامش شرح فتح القدير أيضا 7: 414.
(2) التهذيب 7: 164 حديث 729 و 730، والاستبصار 3: 116 حديث 412 و 413، والكافي 5: 281 حديث 7 و 8.
(3) من لا يحضره الفقيه 3: 45 حديث 154 و 156، والتهذيب 7: 165 حديث 726 و 731، وص 166 حديث 736، والاستبصار 3: 116 حديث 416 و 417.
(4) انظر من لا يحضره الفقيه 3: 45 حديث 158، والتهذيب 7: 167 حديث 741.
(5) بدائع الصنائع 5: 14 و 22، وعمدة القاري 12: 75، وبداية المجتهد 2: 260، والمغني لابن قدامة 5: 536، والشرح الكبير 5: 516، وفتح العزيز 11: 477.

[ 437 ]

رضي الله عنه (1). وبه قال الشافعي، ومالك، وعبيد الله بن الحسن العنبري البصري (2). دليلنا على أنها لا تورث: أن كونها ميراثا يحتاج إلى دليل، ولا دليل في الشرع، وأخبارنا في ذلك ذكرناها في الكتاب الكبير (3). ومن نصر ما حكيناه من أنها تورث قال: إذا كان ذلك حقا للحي، ثابتا له، يملك المطالبة به، فورثته يقومون مقامه في جميع أملاكه وهذا من جملة ذلك. ودليل الاول أيضا أنه لا يخلو إما أن يكون ملكوها بما تجدد لهم من الملك أو بملك المورث، فبطل أن تكون ملكوها بما تجدد لهم من الملك، لان ذلك لا يملك به شئ مضى، وبطل أن يكون ملكوها بملك المورث، لان الانسان لا يستحق الشفعة بملك غيره، وبطل أن يكون للشفيع لان ملكه زال عنه، فلم يبق إلا أنها بطلت. والقول الاخر استدل على صحته بقول الله تعالى: " ولكم نصف ما ترك أزواجكم " (4) وهذا من جملة ما ترك. وطعن على هذا بأنا لا نسلم، أنها تركت لان حقها بطل بالموت. مسألة 13: إذا اشترى دارا، ووجب للشفيع فيها الشفعة، فأصابها هدم أو غرق أو ما أشبه ذلك، فان كان ذلك بأمر سماوي، فالشفيع بالخيار بين أن

(1) ممن قاله الشيخ المفيد في المقنعة: 6، وابن الجنيد والسيد المرتضى على ما حكاه عنهم العلامة الحلي في المختلف: 128 من كتاب الشفعة فلاحظ.
(2) مختصر المزني: 120، والمجموع 14: 344 - 345، ومغني المحتاج 2: 305، وفتح العزيز 11: 477، وعمدة القاري 12: 75، وبدائع الصنائع 5: 22، والمغني لابن قدامة 5: 537، والشرح الكبير 5: 516، وبداية المجتهد 2: 260.
(3) انظر التهذيب 7: 167 حديث 741، ومن لا يحضره الفقيه 3: 45 حديث 158.
(4) النساء: 12.

[ 438 ]

يأخذها بجميع الثمن، أو يترك. وإن كان بفعل آدمى، كان له أن يأخذ العرصة بحصتها من الثمن، وبه قال أبو حنيفة (1). وللشافعي فيه قولان (2). وأصحابه على خمس طرق: أحدها: مثل ما قلناه، وهو أضعفها عندهم (3). والثانية: إذا انتقض البناء وانفصل، فالشفيع يأخذ العرصة بالشفعة، وما اتصل بها من البناء دون المنفصل عنها على قولين: أحدهما: يأخذ المتصل بكل الثمن أو يتركه. والقول الاخر: أنه يأخذه بحصته من الثمن أو يدع، وهو أصح القولين عندهم (4). وثالثها: إن كان البعض الذي لحقه عيب، مثل شق الحيطان، وتغير السقف، وميل الحائط، فان المشتري بالخيار بين أن يأخذه بكل الثمن أو يرده. وان كان النقصان انتقاض البناء والالة، لم يدخل النقص في الشفعة. وبكم يأخذ الشفيع ما عداه على القولين، وما انفصل لا يدخل في الشفعة كما قال الاول، ويأخذ ما عداه بالحصة من الثمن قولا واحدا، وهو ما نص عليه في القديم (5). ورابعها: أنه إذا انتقض البناء، وكانت الاعيان المنهدمة موجودة، دخلت

(1) اللباب 2: 67، وتبيين الحقائق 5: 251، والمغني لابن قدامة 5: 504، والشرح الكبير 5: 503، وفتح العزيز 11: 453.
(2) فتح العزيز 11: 453 - 454، والمغني لابن قدامة 5: 503 - 504، والشرح الكبير 5: 503.
(3) فتح العزيز 11: 453، والمغني لابن قدامة 5: 504، والشرح الكبير 5: 503.
(4) فتح العزيز 11: 453 - 454.
(5) فتح العزيز 11: 453 - 454، والمغني لابن قدامة 5: 503.

[ 439 ]

في الشفعة. وان كانت منفصلة عن العرصة، لان يتسلمها بالثمن الذي وقع البيع به، والاستحقاق وجب له حين البيع، وان كانت الاعيان مفقودة يأخذ بحصته من الثمن (1). وخامسها: إنه إذا كانت العرصة قائمة بحالها أخذه بجميع الثمن، سواء كانت الاعيان المنفصلة موجودة أو مفقودة، وان كان بعض العرصة هلك بالغرق اخذ بالحصة من الثمن (2). دليلنا: ما رواه جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الشفعة في كل مشترك ربع أو حائط، ولا يحل له أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه، فان باعه فشريكه أحق به بالثمن " (3) فثبت انه يأخذه بذلك الثمن، فمن قال ببعضه فقد ترك الخبر. مسألة 14: إذا اشترى شيئا وقاسم، وغرس فيه، وبنى، ثم طالب الشفيع بالشفعة، ولم يكن قبل ذلك عالما بالشراء، كان له إجباره على قلع الغراس والبناء إذا رد عليه ما نقص من الغراس والبناء بالقلع. وبه قال الشافعي، ومالك، والنخعي، والاوزاعي، وأحمد، واسحاق (4). وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: له مطالبته بالقلع، ولا يعطيه ما نقص

(1) فتح العزيز 11: 453 - 454.
(2) فتح العزيز 11: 453 - 454.
(3) صحيح مسلم 3: 1229 حديث 134 و 135، وسنن الدارقطني 4: 224 حديث 76، والسنن الكبرى 6: 104، والدراية في تخريج أحاديث الهداية 2: 202 حديث 888 مع اختلاف يسير في اللفظ.
(4) الام 4: 7 و 7: 109، ومختصر المزني: 120، والمجموع 14: 337 و 339 - 340، وفتح العزيز 11: 463، والمغني لابن قدامة 5: 501، والشرح الكبير 5: 513، وبداية المجتهد 2: 260، وبدائع الصنائع 5: 29، وتبيين الحقائق 5: 250.

[ 440 ]

بالقلع (1). دليلنا: أن المشتري غرس ملكه في ملكه، فلم يكن متعديا، وإذا لم يكن متعديا وجب أن يرد عليه ما نقص من غرسه بالقلع. ولانه إذا رد عليه ما نقص به من الغرس فلا خلاف أنه له مطالبته بالقلع، وان لم يرد فليس على وجوب القلع دليل. وأيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: " لا ضرر ولا ضرار في الاسلام " (2). يدل على ذلك، لانه متى لم يرد عليه قيمة ما نقص دخل عليه في ذلك الضرر. مسألة 15: إذا اشترى النخل والارض، وشرط الثمرة، كان للشفيع أن يأخذ الكل بالشفعة. وبه قال أبو حنيفة، ومالك (3). وقال الشافعي: له أن يأخذ الكل دون الثمرة. وبه قال عبيد الله بن الحسن العنبري (4). دليلنا: عموم الاخبار التي رويناها في وجوب الشفعة في المبيع (5)، والمنع يحتاج الى دليل، وأبو حنيفة ومالك ادعيا أن هذه مسألة اجماع.

(1) اللباب 2: 66 - 67، وبدائع الصنائع 5: 29 - 30، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 430، وتبيين الحقائق 5: 250، والمجموع 14: 340، والام 4: 7 و 7: 109، وفتح العزيز 11: 463، والمغني لابن قدامة 5: 501، وبداية المجتهد 2: 260.
(2) سنن الدارقطني 4: 227 حديث 83 ومسند أحمد بن حنبل 5: 327، وسنن ابن ماجة 2: 784 حديث 2340 و 2341، والدراية في تخريج أحاديث الهداية 2: 282 حديث 1041.
(3) المدونة الكبرى 5: 427 - 428، وبدائع الصنائع 5: 28، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 434، والفتاوى الهندية 5: 165 و 180، وتبيين الحقائق 5: 251، والمجموع 14: 341، وفتح العزيز 11: 367، والمغني لابن قدامة 5: 464، والشرح الكبير 5: 471 - 472.
(4) المجموع 14: 340، وفتح العزيز 11: 367، والمغني لابن قدامة 5: 464، والشرح الكبير 5: 471 - 472.
(5) انظر الكافي 5: 280 حديث 2 و 5 و 8، والتهذيب 7: 164 - 165 و 167 حديث 728 و 731 و 742، والاستبصار 3: 117 حديث 417 و 418.

[ 441 ]

مسألة 16: إذا باع شقصا من مشاع، لا يجوز قسمته شرعا - كالحمام، والارحية (1)، والدور الضيقة، والعضائد (2) الضيقة - فلا شفعة فيها. وبه قال أهل الحجاز: ربيعة، ومالك، والشافعي، وهو قول عثمان بن عفان (3). وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وأبو العباس بن سريج: تجب الشفعة فيها (4). دليلنا ما رواه أبو هريرة وجابر، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " (5). وقال جابر: " إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله الشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " (6).

(1) الارحية: جمع. " والرحى " معروفة مؤنثة مقصورة، والاصل فيها - على ما قالوه - " رحى " قلبت ألفا وحذفت لالتقاء الساكنين بين الالف والتنوين، والمنقلبة عن الياء تكتب بصورة الياء فرقا بينها وبين المنقلبة عن الواو. وكل من مد قال: " رحاء ورحيان وأرحية " جعلها منقلبة عن الواو.
(2) العضائد: جمع، وعضادة الطريق ناحيته.
(3) المدونة الكبرى 5: 432، وبداية المجتهد 2: 258، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 228، وجواهر الاكليل 2: 158، ومختصر المزني: 120، والمجموع 14: 300، والوجيز 1: 215، والسراج الوهاج: 275، وفتح العزيز 11: 382، ومغني المحتاج 2: 297، والمغني لابن قدامة 5: 465، والشرح الكبير 5: 468، وتبيين الحقائق 5: 252، والبحر الزخار 5: 5.
(4) الفتاوى الهندية 5: 160 و 165، وتبيين الحقائق 5: 252، والمغني لابن قدامة 5: 465، والشرح الكبير 5: 469، والوجيز 1: 215، وفتح العزيز 11: 382، والبحر الزخار 5: 5.
(5) شرح معاني الاثار 4: 122، والسنن الكبرى 6: 102 - 103 و 105، وتلخيص الحبير 3: 56 حديث 1277، وترتيب مسند الشافعي 2: 164 حديث 571.
(6) سنن أبي داود 3: 285 حديث 3514، وسنن الدارقطني 4: 232 حديث 99، والمصنف لعبد الرزاق 8: 79 حديث 14391، وسنن ابن ماجة 2: 835 حديث 2499، ومسند أحمد بن حنبل 3: 296، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 310 حديث 5161، والسنن الكبرى 6: 102، وتلخيص الحبير 3: 55 حديث 1274 - 1275، والدراية 2: 203 حديث 895.

[ 442 ]

فوجه الدلالة أنه ذكر الشفعة بالالف واللام وهما للجنس، فكان تقديرا لكلمة جنس الشفعة فيما لم يقسم، يعني ما يصح قسمته وما لا يصح قسمته لا يدخل تحته، ولان إيجاب الشفعة حكم يحتاج الى دلالة شرعية. وأيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: " إنما الشفعة في كل ما لم يقسم ". ولفظة " إنما " تفيد معنى " لا " فكأنه قال " لا شفعة في كل ما لم يقسم " فإذا ثبت هذا فان تقدير الدلالة أن قوله: " ما لم يقسم " إنما تفيد ما يقسم، إلا أنه لم يفعل فيه القسمة، لانه لا يقال فيما لا يقسم ما لم يقسم، وإنما يقال فيما يقسم، فلما قال: " ما لم يقسم " دل على ما قلناه. يؤيد ذلك قوله: " فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " فقد تقدر أنه لا شفعة فيما لا يقسم شرعا. وروى أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه أنه قال: " لا شفعة في نخل (1) ولا بئر، والارف يقطع كل الشفعة " (2). وأراد آبار الحجاز، فان اعتمادهم بالسقي عليها، ولا مخالف له في الصحابة. مسألة 17: إذا لم ينقص القيمة ولا الانتفاع بالقسمة، قسم بلا خلاف. وإذا نقص الانتفاع والقيمة بالقسمة فلا يقسم بلا خلاف. وما فيه الخلاف قال أبو حنيفة: كل قسمة لا ينتفع الشريك بحصته، أيهما كان، فهي قسمة ضرر، ولا يقسم (3)، وهو ظاهر مذهب الشافعي (4)، وهو

(1) في الموطأ " فحل " موضحا مراده بالفحل هو: فحل النخل. انظر الموطأ 2: 717.
(2) الموطأ 2: 717، والسنن الكبرى 6: 105.
(3) الفتاوى الهندية 5: 205 و 208، وتبيين الحقائق 5: 268، والمجموع 20: 182، وفتح العزيز 11: 382، وبداية المجتهد 2: 263.
(4) المجموع 20: 174 - 175 و 182، والسراج الوهاج: 275 و 600. وكفاية الاخيار 2: 167، ومغني المحتاج 2: 297 و 4: 420، والوجيز 2: 248، وفتح العزيز 11: 383، وبداية المجتهد 2: 263.

[ 443 ]

الصحيح عندي. وقال أصحاب الشافعي كلهم، واختاره أبو حامد الاسفرايني: أن القسمة إذا نقصت القيمة دون الانتفاع فانها غير جائزة (1). دليلنا: أن ما قلناه مجمع عليه، وإنما ادعوا أن ما فيه نقصان القيمة يمنع من القسمة، فعلى من ادعى ذلك فعليه الدلالة. مسألة 18: الصبي والمجنون والمحجور عليه لسفه لهم الشفعة، ولوليهم أن يأخذ لهم الشفعة - والولي الاب، أو الجد، أو الوصي من قبل واحد منهما، أو أمين الحاكم إذا لم يكن أب - وللولي ان يأخذ بالشفعة ولا يجب أن ينتظر بلوغ الصبي ورشاده. وبه قال جميع الفقهاء (2). وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة للمحجور عليه (3). وقال الاوزاعي: ليس للولي الاخذ، لكنه يصبر حتى إذا بلغ ورشد كان له الاخذ أو الترك (4). دليلنا خبر جابر، وأبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " (5) ولم يفصل وعليه إجماع الفرقة المحقة.

(1) المجموع 20: 174، والوجيز 2: 248، ومغني المحتاج 4: 420، والسراج الوهاج: 600، وكفاية الاخيار 2: 167.
(2) الام 4: 8، ومختصر المزني: 120، وبدائع الصنائع 5: 16، وفتح العزيز 11: 434، والمغني لابن قدامة 5: 495 - 496، والشرح الكبير 5: 485، والفتاوى الهندية 5: 191 - 192.
(3) المحلى 9: 94، والمغني لابن قدامة 5: 495، والشرح الكبير 5: 485، والام 4: 7، وعمدة القاري 12: 75.
(4) المغني لابن قدامة 5: 496، والشرح الكبير 5: 487.
(5) تقدمت مصادر الحديث في المسألة " 16 " فلا حاجة للتكرار فلاحظ.

[ 444 ]

مسألة 19: إذا كان للصبي شفعة، وله في أخذها الحظ، ولم يأخذ الولي عنه بالشفعة، لم يسقط حقه، وكان إذا بلغ له المطالبة بها أو تركها. وبه قال الشافعي، ومحمد بن الحسن، وزفر (1). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تسقط شفعته، وليس له أخذها (2). دليلنا: أنه قد ثبت أنها حقه، وليس على سقوطها دلالة، وترك الولي الاخذ ليس بمؤثر في إسقاط حقه، كما لا يسقط ديونه كلها وحقوقه. مسألة 20: إذا كان للصبي شفعة الحظ له تركها، فتركها الولي، وبلغ الصبي ورشد، فان له المطالبة بالاخذ وله تركه. وبه قال محمد وزفر، وهو أحد قولي الشافعي (3)، وهو ضعيف عندهم. وله قول آخر وعليه أكثر أصحابه أنه: ليس له المطالبة، وسقط حقه. وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف (4). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء.

(1) الام 4: 8، ومختصر المزني: 120، والمغني لابن قدامة 5: 495، والشرح الكبير 5: 486، وبدائع الصنائع 5: 16، وتبين الحقائق 5: 263، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 451، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 451.
(2) بدائع الصنائع 5: 16، والهداية المطبوع في هامش شرح القدير 7: 451، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح القدير 7: 451، والفتاوى الهندية 5: 192، وتبيين الحقائق 5: 263، والام 4: 7، والمغني لابن قدامة 5: 496، والشرح الكبير 5: 486.
(3) الام 4: 8، ومختصر المزني: 120، والمغني لابن قدامة 5: 495، والشرح الكبير 5: 486، وبدائع الصنائع 5: 16، وتبيين الحقائق 5: 263. والهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 451، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 451.
(4) بدائع الصنائع 5: 16، والفتاوى الهندية 5: 192، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 451، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 451، والام 4: 7 و 8.

[ 445 ]

وأيضا جميع الاخبار التي وردت في وجوب الشفعة يتناول هذا الموضع (1)، ولا دلالة على إسقاطها بترك الولي. مسألة 21: إذا باع شقصا بشرط الخيار، فان كان الخيار للبائع أو لهما فلا شفعة للشفيع، وإن كان الخيار للمشتري فانه يجب الشفعة للشفيع، وله المطالبة بها قبل إنقضاء الخيار. وبه قال أبو حنيفة (2)، وهو المنصوص للشافعي (3). وقال الربيع فيها قول آخر أنه: ليس له الاخذ قبل إنقضاء الخيار (4). وبه قال مالك (5)، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي (6). دليلنا: أن الملك قد ثبت بالعقد وانتقل، فوجبت الشفعة للشفيع على المشتري لانه ملكه، فمن قال لا شفعة له فعليه الدلالة. فان قالوا: لا نسلم أنه ملك بالعقد، بل يملك بهما، أو هو مراعى فقد دللنا على بطلان ذلك في البيوع. مسألة 22: إذا اشترى شقصا وسيفا، أو شقصا وعبدا، أو شقصا وعرضا

(1) انظر الكافي 5: 280، ومن لا يحضره الفقيه 3: 45 (باب 36)، والتهذيب 7: 163 (باب 14) والاستبصار 3: 116 (باب 78).
(2) بدائع الصنائع 5: 13، وشرح فتح القدير 7: 438، والفتاوى الهندية 5: 161، وتبيين الحقائق 5: 254، والمجموع 14: 343، والمغني لابن قدامة 5: 471، والشرح الكبير 5: 534، وفتح العزيز 11: 410، والمجموع 14: 343.
(3) الام 4: 4، ومختصر المزني: 120، والمجموع 14: 309 و 343، والسراج الوهاج: 275، ومغني المحتاج 2: 299، وبداية المجتهد 2: 256، والمغني لابن قدامة 5: 471، والشرح الكبير 5: 534.
(4) الام 4: 4، والمجموع 14: 343، وفتح العزيز 11: 409، والمغني لابن قدامة 5: 471، والشرح الكبير 5: 534.
(5) الموطأ 2: 717، والمدونة الكبرى 5: 441، وفتح العزيز 11: 409.
(6) فتح العزيز 11: 409.

[ 446 ]

من العروض، كان للشفيع الشفعة بحصته من الثمن، ولا حق له فيما بيع معه. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي (1). ولابي حنيفة رواية شاذة أنه يأخذ الشقص والسيف معا بالشفعة (2). وقال مالك: لو باع شقصا من أرض فيها غلمان يعملون له، كان له أخذ الشقص والغلمان معا بالشفعة (3). دليلنا: أن ما أوجبناه مجمع عليه، وما ادعوه ليس عليه دليل. مسألة 23: إذا أخذ الشفيع الشقص من المشتري أو البائع - قبض المشتري أو لم يقبض - فان دركه وعهدته على المشتري دون البائع. وبه قال مالك، والشافعي (4). وقال أبو حنيفة: إن أخذها من البائع فالعهدة على البائع، وان أخذها من المشتري (5) فكما قلناه. وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتي: عهدة المبيع على البائع دون المشتري، سواء أخذها من يد البائع أو يد المشتري، لان المشتري كالسفير (6).

(1) مختصر المزني: 120، والوجيز 1: 217، وفتح العزيز 11: 452، والمحلى 9: 97، والمغني لابن قدامة 508 5، والشرح الكبير 5: 502.
(2) المحلى 9: 97.
(3) المحلى 9: 97، والمغني لابن قدامة 5: 508، والشرح الكبير 5: 502، والوجيز 1: 217، وفتح العزيز 11: 452.
(4) الام 4: 7، ومختصر المزني: 120، والمجموع 14: 353، وفتح العزيز 11: 499، والمدونة الكبرى 5: 405، وبداية المجتهد 2: 260، وأسهل المدارك 3: 42، والمغني لابن قدامة 5: 534، والشرح الكبير 5: 540. (5) بدائع الصنائع 5: 24 و 30، والفتاوى الهندية 5: 176، والام 4: 7، والمجموع 14: 353 - 354، وفتح العزيز 11: 499، والمغني لابن قدامة 5: 534، والشرح الكبير 5: 540.
(6) الام 4: 7، والمجموع 14: 353، وبداية المجتهد 2: 260، والمغني لابن قدامة 5: 534، والشرح الكبير 5: 540.

[ 447 ]

دليلنا: أن المشتري ملك، وإذا ملك فانما يأخذ الشفيع منه ملكه بحق الشفعة فيلزمه دركه كما لو باعه. مسألة 24: لا يأخذ الشفيع الشفعة من البائع أبدا. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: له أخذها منه قبل القبض (2). دليلنا: أن الشفيع إنما يستحق الاخذ بعد تمام العقد ولزومه، بدليل أنه لو كان الخيار للبائع أو لهما لم يستحق الشفعة، فإذا كان الاستحقاق بعد تمام العقد ولزومه، فالملك للمشتري، فوجب أن يكون الاخذ من مالكه لا من غيره. مسألة 25: إذا تبايعا شقصا، فضمن الشفيع الدرك للبائع عن المشتري، أو للمشتري عن البائع في نفس العقد، أو تبايعا بشرط الخيار على أن الخيار للشفيع، فانه يصح شرط الاجنبي، وأيهما، كان لا تسقط شفعته. وبه قال الشافعي (3). وقال أهل العراق: تسقط الشفعة، لان العقد ما تم إلا به، كما إذا باع بعض حقه لم يجب له الشفعة على المشتري (4). دليلنا: أنه لا مانع من جواز شرط الاجنبي، ولا دليل على إسقاط حق الشفيع. مسألة 26: إذا كان دار بين ثلاثة، فباع أحدهم نصيبه، واشتراه أحد الاخرين، إستحق الشفعة الذي لم يشتر - على قول من يقول الشفعة على عدد

(1) المجموع 14: 355، والمغني لابن قدامة 5: 475 - 476.
(2) بدائع الصنائع 5: 24 - 25، والفتاوى الهندية 5: 176، والمغني لابن قدامة 5: 475، والشرح الكبير 5: 542، وفتح العزيز 11: 499.
(3) فتح العزيز 11: 500، والمغني لابن قدامة 5: 543.
(4) اللباب 2: 62، وبدائع الصنائع 5: 13 و 116، وتبيين الحقائق 5: 259، والفتاوى الهندية 5: 163، والمغني لابن قدامة 5: 543.

[ 448 ]

الرؤوس - وهو أحد وجهي الشافعي (1). وقال أبو حنيفة وأحد وجهي الشافعي: يستحق الشفعة الذي اشتراه مع الذي لم يشتر بينهما نصفين (2). دليلنا: هو أنه لا يستحق الانسان الشفعة على نفسه، وقد بينا أن الشفعة تستحق على المشتري. مسألة 27: إذا كان الشفيع وكيلا في بيع الشقص الذي يستحق بالشفعة، لم تسقط بذلك شفعته، سواء كان وكيل البائع في البيع، أو وكيل المشتري في الشراء. وبه قال الشافعي (3). وقال أهل العراق: إن كان وكيل البائع لم تسقط شفعته، وإن كان وكيل المشتري سقطت شفعته - بناء على أصله أن الوكيل في الشراء ينتقل الملك عن البائع إليه، ثم عنه الى الموكل - فلو أخذ بالشفعة استحق على نفسه (4)، وقد دللنا نحن على فساد ذلك، وبينا أن شراء الوكيل يقع عن الموكل، وينتقل الملك الى الموكل دون الوكيل. وأما دليلنا في هذه المسألة هو: أنه لا مانع من وكالته، ولا دلالة على سقوط حقه من الشفعة. مسألة 28: إذا حط البائع من الثمن شيئا بعد لزوم العقد واستقرار الثمن، لم يلحق ذلك بالعقد، ولا يثبت للشفيع، بل هو هبة مجددة للمشتري من البائع.

(1) الام 3: 3، والوجيز 1: 219، والمجموع 326 14، والسراج الوهاج: 278، ومغني المحتاج 2: 305، وفتح العزيز 11: 435 و 477، والمغني لابن قدامة 5: 523 و 525، والشرح الكبير 5: 490.
(2) الام 3: 3، والمجموع 14: 326، وفتح العزيز 11: 435 و 477، والشرح الكبير 5: 490.
(3) فتح العزيز 11: 434 - 435، والمغني لابن قدامة 5: 543، والبحر الزخار 5: 25.
(4) تبيين الحقائق 5: 259، والمغني لابن قدامة 5: 542، والبحر الزخار 5: 25.

[ 449 ]

وبه قال الشافعي (1)، سواء كان الحط الكل أو البعض. وقال أبو حنيفة: إن حط بعض الثمن لحق العقد وسقط عن الشفيع، وإن حط كله لم يلحق العقد. وقد مضت في البيوع (2). دليلنا: أن الثمن إذا استقر فالشفيع إنما يأخذ الشقص بذلك الثمن، فما حط بعد ذلك فهو هبة مجددة لا دلالة على لحوقها بالعقد، فمن ادعى ذلك فعليه الدلالة. مسألة 29: إذا زاد في الثمن زيادة بعد استقرار العقد فهي هبة من المشتري للبائع، ولا يلزم الشفيع. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: هذه الزيادة تلحق العقد، ولا تلحق بالشفيع (4). دليلنا: أنه لا دليل على لحوق هذه الزيادة بالعقد، فمن ادعى ذلك فعليه الدلالة ولا يجدها. مسألة 30: إذا كانت دار بين نفسين، فادعى أجنبي على أحدهما ما في يده من النصف، فصالحه على ألف، صح صلحه، سواء صالحه على إنكار، أو صالحه على إقرار، ولا يستحق به الشفعة، لانه ليس ببيع. وقال الشافعي: إن كان الصلح على إقرار فهو بيع يستحق به الشفعة، وان

(1) الوجيز 1: 217 - 218، وفتح العزيز 11: 456، والمغني لابن قدامة 5: 506، والشرح الكبير 5: 522.
(2) اللباب 2: 63 - 64، وبدائع الصنائع 5: 27، والفتاوى الهندية 5: 182 - 183، وتبيين الحقائق 5: 248، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 427، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 427، والمغني لابن قدامة 5: 506، وفتح العزيز 11: 456.
(3) المغني لابن قدامة 5: 506، والشرح الكيبر 5: 522.
(4) اللباب 2: 64، وبدائع الصنائع 5: 27، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 427، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 427، وتبيين الحقائق 5: 248، والمغني لابن قدامة 5: 506، والشرح الكبير 5: 522.

[ 450 ]

كان على إنكار فالصلح باطل لا يستحق به الشفعة (1). دليلنا: أن ما يستحق به الشفعة البيع، وهذا ليس ببيع، فمن ألحقه بالبيع فعليه الدلالة. مسألة 31: فان كانت الدار بينهما نصفين، فادعى أجنبي على أحدهما ألف درهم، فصالحه على نصفه من الدار، لا يستحق به الشفعة، سواء كان صلح إقرار أو صلح إنكار. وقال الشافعي: إن كان صلح إقرار فهو بيع يستحق به الشفعة، وإن كان صلح إنكار فهو باطل لا يستحق به الشفعة (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 32: إذا أخذ الشفيع الشقص فلا خيار للبائع، وللمشتري خيار المجلس بلا خلاف، وهل يثبت للشفيع خيار المجلس أم لا؟ عندنا أنه لا خيار له. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، لانه لا زالة الضرر، فهو مثل الرد بالعين (3). والاخر: أن له الخيار مثل المشتري، نص عليه في اختلاف العراقين (4). دليلنا: أنه لا دليل على أن له الخيار، ومن ألحقه بالبيع فعليه الدلالة، لان القياس عندنا باطل.

(1) المجموع 13: 421، والسراج الوهاج: 233 - 234، ومغني المحتاج 2: 177 و 179 - 180، وفتح العزيز 10: 302 و 329 - 330.
(2) الام 7: 112، وكفاية الاخيار 1: 167 - 168، والمجموع 13: 388 و 390، والسراج الوهاج: 233 - 234، ومغني المحتاج 2: 177 و 179 - 180.
(3) المجموع 14: 342 - 343، وفتح العزيز 11: 446.
(4) المجموع 14: 342، وفتح العزيز 11: 446.

[ 451 ]

مسألة 33: إذا وهب شقصا لغيره، سواء كان فوقه أو دونه أو نظيره، فانه لا يستحق به الشفعة. وقال الشافعي: إن كانت الهبة لمن هو مثله أو لمن هو دونه فانه لا يستحق بها الشفعة (1)، لان الهبة للنظير تودد، ولمن دونه استعطاف، فلا يستحق بهما العوض. وإن كانت لمن فوقه فهل يثاب عليها، على قولين. قال في الجديد: لا ثواب فيه (2). وبه قال أبو حنيفة (3). وقال في القديم: يقتضي الثواب (4). وبه قال في بعض كتبه الجديدة، وهو قول مالك (5)، فإذا قال: لا يقتضي الثواب فلا شفعة، وإذا قال يقتضي الثواب إما بشرط أو بغير شرط فانه تثبت فيه الشفعة (6). دليلنا: أنه لا دليل على ثبوت الشفعة بالهبة، ومن ادعى أنها تثبت بها فعليه الدلالة، وأيضا عليها إجماع الفرقة، فانها منصوصة لهم. مسألة 34: إذا كانت دار بين شريكين، فادعى أحدهما أنه باع نصيبه من أجنبي، وأنكر الاجنبي أن يكون إشتراه، فانه تثبت الشفعة للشريك. وبه قال عامة أصحاب الشافعي، وهو تفريع المزني (7).

(1) المجموع 15: 385 - 386، و 390، والوجيز 1: 250، والسراج الوهاج: 309، ومغني المحتاج 2: 404، والمغني لابن قدامة 5: 467.
(2) مغني المحتاج 2: 404، والوجيز 1: 250، والمجموع 15: 386، والسراج الوهاج: 309.
(3) انظر بدائع الصنائع 6: 133.
(4) المجموع 15: 386، والوجيز 1: 250، والسراج الوهاج: 309، ومغني المحتاج 2: 404.
(5) المدونة الكبرى 6: 140 و 439، والمغني لابن قدامة 5: 468، والشرح الكبير 5: 463.
(6) الام 4: 9 و 7: 115، والمغني لابن قدامة 5: 468، والشرح الكبير 5: 463، والمجموع 15: 386 و 390، والسراج الوهاج: 309، ومغني المحتاج 2: 404 - 405، والوجيز 1: 250 - 251.
(7) المجموع 14: 352 و 355، والمغني لابن قدامة 5: 476، والشرح الكبير 5: 538.

[ 452 ]

وقال أبو العباس: لا شفعة، لانه إنما تثبت بعد ثبوت المشتري (1). دليلنا: أن البائع اقر بحقين. أحدهما: حق المشتري. والثاني: حق الشفيع. فإذا رد المشتري، ثبت حق الشفيع، كما لو أقر بدار لرجلين فرده أحدهما، يثبت للاخر حقه. مسألة 35: على قول من قال من أصحابنا أن الشفعة على عدد الرؤوس (2)، إذا كانت دار بين ثلاثة شركاء أثلاثا، فاشترى أحدهم نصيب أحد الاخرين، إستحق الشفعة المشتري مع الاخر بينهما نصفين، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، وعامة أصحاب الشافعي، وهو الذي نقله المزني (3). ومن أصحابه من قال: يأخذ الشفيع بالشفعة، ولا حق للمشتري فيه. وبه قال الحسن البصري، وعثمان البتي قالوا: لانه مشتري، فلا يستحق الشفعة على نفسه (4)، وهو الذي نصرناه فيما تقدم (5)، غير أن هذا القول الاخر أقوى. دليلنا: أنهما تساويا في الشركة الموجودة حين الشراء، فوجب أن لا ينفرد أحدهما بالشفعة، لانه لا دليل على ذلك إلا أنه يكون أحدهما ملك نصفه بالعقد، والاخر بالشفعة يملك نصفه، فعلى هذا سقط دليلهم. مسألة 36: إذا شج غيره موضحة عمدا أو خطأ، فصولح منها على شقص،

(1) المجموع 14: 352.
(2) انظر المسألة رقم " 11 و 12 " من هذا الكتاب.
(3) مختصر المزني: 121، والمدونة الكبرى 5: 460 - 461، والمجموع 14: 326، وفتح العزيز 11: 435 و 477، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 414.
(4) المجموع 14: 326، وفتح العزيز 11: 435، والمحلى 9: 97، والبحر الزخار 5: 25.
(5) انظر ما تقدم في المسألة " 11 و 12 " من هذا الكتاب.

[ 453 ]

صح الصلح إذا كانا عالمين بأرش الموضحة، ولا يستحق الشفيع أخذها بالشفعة. وقال الشافعي وأصحابه: إن كانت الابل موجودة، فهل يصح الصلح أم لا؟ على قولين. وإن كانت معدومة، فعلى قولين في انتقال الارش الى القيمة أو الى مقدر، وعلى الوجهين جميعا يصح الصلح إذا علما القيمة أو المقدار. فكل موضع يصح الصلح تجب الشفعة، وكل موضع لا يصح الصلح لا تجب الشفعة. دليلنا: أن الشفعة إنما تستحق بعقد الشراء، والصلح ليس بعقد الشراء، فمن ألحقه به فعليه الدلالة. مسألة 37: إذا باع ذمي شقصا من ذمي بخمر أو خنزير وتقابضا، واستحق عليه الشفعة، أخذ الشفيع بمثل ثمن الخمر أو الخنزير عند أهله. وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: لا شفعة ها هنا، لان الخمر ليس بمال (2). دليلنا: أن عندهم ذلك مال، وقد أمرنا أن نقرهم على ما يرونه، وهم يرون أن لذلك ثمنا، فوجب إقرارهم عليه. وأيضا لا خلاف في صحة هذا البيع، وإذا كان البيع صحيحا تجب الشفعة. مسألة 38: لا يستحق الذمي الشفعة على المسلم، سواء اشتراه من مسلم أو

(1) اللباب 2: 62، وعمدة القاري 12: 75، والمبسوط 14: 168، وبدائع الصنائع 5: 16، وتبيين الحقائق 5: 249، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 430، والمغني لابن قدامة 5: 552، وفتح العزيز 11: 400، والشرح الكبير 5: 545.
(2) فتح العزيز 11: 400، وبدائع الصنائع 5: 16، والمغني لابن قدامة 5: 552.

[ 454 ]

ذمي، وعلى كل حال. وبه قال الشعبي، وأحمد بن حنبل (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والشافعي، والاوزاعي: يستحق الذمي الشفعة على المسلم مثل المسلم سواء (2). وقال الحسن بن صالح بن حي: لا شفعة له عليه في الامصار، وله الشفعة في القرى (3). دليلنا: قوله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (4) وذلك عام في جميع الاحكام إلا ما خصه الدليل. وروى أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا شفعة لذمي على مسلم " (5) وهذا نص، وعليه إجماع الفرقة المحقة، فانهم لا يختلفون فيه. مسألة 39: إذا اشترى شقصا من دار، وبني مسجدا قبل أن يعلم الشفيع، كان للشفيع إبطال تصرفه، ونقض المسجد، وأخذه بالشفعة، وبه قال الشافعي، وجميع الفقهاء (6).

(1) مسائل أحمد بن حنبل: 203، والمحلى 9: 94، وعمدة القاري 12: 75، والمجموع 14: 314، والمغني لابن قدامة 5: 551، والشرح الكبير 5: 543، وفتح العزيز 11: 400.
(2) اللباب 2: 58، وبدائع الصنائع 5: 16، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 436، وتبيين الحقائق 5: 249، والمدونة الكبرى 5: 453، وبلغة السالك لاقرب المسالك 2: 227، وجواهر الاكليل 2: 157، والمجموع 14: 310 و 314، والمغني لابن قدامة 5: 551، وفتح العزيز 11: 400.
(3) عمدة القاري 12: 75، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 436، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 436.
(4) النساء: 141.
(5) لم أقف لهذا الحديث في كتب الحديث المتوفرة لدينا. وقد روى البيهقي في سننه 6: 108 - 109 عن أنس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا شفعة للنصراني، وعنه أيضا: ليس لليهودي والنصراني شفعة.
(6) مغني المحتاج 2: 302، والسراج الوهاج: 277، والوجيز 1: 218، وفتح العزيز 11: 467، وتبيين

[ 455 ]

ولابي حنيفة روايتان: أحدهما مثل ما قلناه. وبه قال أبو يوسف (1). والثانية: لا ينقض المسجد (2). دليلنا: أن حق الشفيع سابق لتصرفه، لانه يستحقه حين العقد، وإذا تصرف بعد ذلك فيه فقد تصرف فيما يستحقه غيره، وذلك لا يصح. مسألة 40: إذا باع في مرضه المخوف شقصا، وحابى فيه من وارث، صح البيع ووجبت به الشفعة بالثمن الذي وقع عليه البيع. وعند الفقهاء يبطل البيع (3)، لان المحاباة هبة ووصية، ولا وصية لوارث، ويبطل البيع في قدر المحاباة، ويكون الشفيع بالخيار بين أن يأخذه أو يتركه وارثا كان أو غير وارث. دليلنا: أن هذا بيع صحيح، فمن جعل المحاباة فيه وصية فعليه الدلالة، ولو صح أنها وصية لكانت الوصية عندنا تصح للوارث على ما سنبينه فيما بعد، فما يبنى على فساده يجب أن لا يبطل على حال. مسألة 41: إذا وجب له الشفعة، فصالحه المشتري على تركها بعوض، صح وبطلت الشفعة. وعند الشافعي لا يصح (4)، وهل تبطل الشفعة؟ على وجهين (5).

الحقائق 5: 250، والمغني لابن قدامة 5: 490، والشرح الكبير 5: 505، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 233. (1) بدائع الصنائع 5: 22، وتبيين الحقائق 5: 250، والمغني لابن قدامة 5: 490، والشرح الكبير 5: 505.
(2) بدائع الصنائع 5: 22.
(3) الوجيز 1: 216، وبدائع الصنائع 5: 14، والشرح الكبير 5: 535، وفتح العزيز 11: 438 - 439.
(4) الوجيز 1: 220، وفتح العزيز 11: 498.
(5) الوجيز 1: 221.

[ 456 ]

دليلنا: قوله صلى الله عليه وآله: " الصلح جائز بين المسلمين " (1) وهذا عام، وتخصيصه يحتاج إلى دليل. مسألة 42: إذا وجبت الشفعة، فسار الى المطالبة، فلم يأت المشتري فيطالبه، ولا إلى الحاكم، بل مضى الى الشهود وأشهد على نفسه بأنه مطالب بالشفعة، لم تبطل شفعته. وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: تبطل (3). دليلنا: أنه قد وجب له الشفعة، وإبطالها يحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على ذلك. مسألة 43: إذا بلغ الشفيع أن الثمن دنانير فعفى، فكانت دراهم، أو حنطة فكانت شعيرا، لم تبطل شفعته. وبه قال جميع الفقهاء (4)، إلا زفر فانه قال: إن كان الثمن دنانير فبان دراهم سقطت شفعته، وإن كان حنطة فبان شعيرا لم تسقط (5) كما قلناه. دليلنا: أنه قد ثبتت شفعته، وبطلانها يحتاج الى دلالة.

(1) سنن ابن ماجة 2: 788 حديث 2353، وسنن الترمذي 3: 634 حديث 1352، وسنن أبي داود 3: 304 حديث 3594، وسنن الدارقطني 3: 27 حديث 97.
(2) الفتاوى الهندية 5: 173، وتبيين الحقائق 5: 244، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 420، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 416 و 420، والشرح الكبير 5: 474.
(3) الشرح الكبير 5: 416 و 474.
(4) بدائع الصنائع 5: 19، والشرح الكبير 5: 479.
(5) الشرح الكبير 5: 479، وبدائع الصنائع 5: 19 - 20.

[ 457 ]

كتاب القراض

[ 459 ]

مسألة 1: لا يجوز القراض إلا بالاثمان التي هي الدراهم والدنانير. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي (1). وقال الاوزاعي وابن أبي ليلى: يجوز بكل شئ يتمول. فان كان مما له مثل كالحبوب والادهان يرجع الى مثله حين المفاصلة والربح حبعده بينهما نصفين. وان كان مما لا مثل له كالثياب والمتاع والحيوان كان رأس المال قيمته والربح بعد بينهما (2). دليلنا: إن ما اخترناه مجمع على جواز القراض به، وليس على جواز ما قالوه دليل. مسألة 2: القراض بالفلوس لا يجوز. وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي (3).

(1) اللباب 2: 79، والمبسوط 22: 21، وبدائع الصنائع 6: 82، وتبيين الحقائق 5: 53، والمدونة الكبرى 5: 86، وجواهر الاكليل 2: 171، ومختصر المزني: 122، والمجموع 14: 357 و 361، والوجيز 1: 221، وكفاية الاخيار 1: 186، وفتح العزيز 12: 2، والسراج الوهاج: 280، ومغني المحتاج 2: 310، والفتاوى الهندية 4: 286، والمحلى 8: 247.
(2) المجموع 14: 361، والمبسوط 22: 33، والمغني لابن قدامة 5: 125، والشرح الكبير 5: 112 - 113، وتبيين الحقائق 5: 53، والفتاوى الهندية 4: 285 - 286، وبداية المجتهد 2: 234.
(3) المبسوط 22: 21، وبدائع الصنائع 6: 82، والفتاوى الهندية 4: 286، وتبيين الحقائق 5: 53، والمجموع 14: 357، وفتح العزيز 12: 2، والوجيز 1: 221، والسراج الوهاج: 280، ومغني المحتاج 2: 310، وبداية المجتهد 2: 235، والمغني لابن قدامة 5: 126، والشرح الكبير 5: 114، والبحر الزخار 5: 81.

[ 460 ]

وقال محمد: هو القياس، إلا أني أجيزه إستحسانا، لانها ثمن الاشياء في بعض البلاد (1). دليلنا: أن ما قلناه مجمع على جواز القراض به، وما ذكروه ليس عليه دليل، والاستحسان عندنا باطل. مسألة 3: لا يجوز القراض بالورق المغشوش، سواء كان الغش أقل أو أكثر أو سواء، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إن كانا سواء أو كان الغش أقل جاز، وإن كان الغش أكثر لم يجز (3). بناه على أصله في الزكاة، وقد مضى الكلام عليه. دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 4: إذا كان القراض فاسدا، إستحق العامل أجرة المثل على ما يعمله، سواء كان في المال ربح أو لم يكن. وبه قال الشافعي (4). وقال مالك: إن كان في المال ربح فله أجرة مثله، وإن لم يكن ربح فلا شئ له (5). دليلنا: أنه عمل باذن صاحب المال، فإذا لم يصح له ما قارضه عليه كان له

(1) المبسوط 22: 21، وبدائع الصنائع 6: 82، والفتاوى الهندية 4: 286، وتبيين الحقائق 5: 53، وبداية المجتهد 2: 235، والمغني لابن قدامة 5: 126، والشرح الكبير 5: 114، والبحر الزخار 5: 81.
(2) المجموع 14: 362، وكفاية الاخيار 1: 186، والوجيز 1: 221، وفتح العزيز 12: 2، والسراج الوهاج: 280، ومغني المحتاج 2: 310، والمغني لابن قدامة 5: 126، والشرح الكبير 5: 113، والبحر الزخار 5: 81.
(3) المجموع 14: 362، والمغني لابن قدامة 5: 126، والشرح الكبير 5: 113، والبحر الزخار 5: 81.
(4) الام 6: 4، والمجموع 14: 368، وفتح العزيز 12: 29، والسراج الوهاج: 281، ومغني المحتاج 2: 315، والوجيز 1: 223، وفتح المعين: 80، وبداية المجتهد 2: 240، والشرح الكبير 5: 136.
(5) بداية المجتهد 2: 241، وبلغة السالك 2: 248، والخرشي 6: 207، والشرح الكبير 5: 137، وفتح العزيز 12: 29.

[ 461 ]

اجرة المثل، لانه دخل على أن يكون له المسمى في مقابلة عمله. مسألة 5: ليس للعامل أن يسافر بمال القراض بغير إذن رب المال. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة ومالك: له ذلك (2). وللشافعي في البويطي ما دل على ذلك (3). قال أصحابه: لا يجئ ذلك على مذهبه (4). وبنى أبو حنيفة ومالك ذلك على الوديعة، وأن له أن يسافر بها (5). وعندنا أنه ليس له ذلك في الوديعة أيضا. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الاصل أنه ليس له ذلك، لانه تصرف في مال الغير، وإثبات ذلك واجازته يحتاج الى دليل، والى إذنه ولم يوجد. مسألة 6: إذا سافر باذن رب المال كان نفقة السفر من المأكول والمشروب والملبوس من مال القراض.

(1) المجموع 14: 373 و 377، والسراج الوهاج: 282، والوجيز 1: 224، وكفاية الاخيار 1: 187، ومغني المحتاج 2: 217، وفتح المعين: 80، وفتح العزيز 12: 50، والمغني لابن قدامة 5: 151، والشرح الكبير 5: 146، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 93.
(2) اللباب 2: 80، والمبسوط 22: 20 و 39، وتبيين الحقائق 5: 57 و 70، والمدونة الكبرى 5: 119، وجواهر الاكليل 2: 175، والخرشي 6: 210، وفتح الرحيم 2: 134، وبدائع الصنائع 6: 88، وشرح فتح القدير 7: 63، والمغني لابن قدامة 5: 151، والشرح الكبير 5: 146، والمجموع 14: 373، وفتح العزيز 12: 50، والبحر الزخار 5: 83.
(3) فتح العزيز 12: 50.
(4) السراج الوهاج: 282، وحاشية إعانة الطالبين 3: 102 وفتح العزيز 12: 50 - 51.
(5) اللباب 2: 147، وشرح فتح القدير 7: 93، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 93، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 93، والفتاوى الهندية 4: 341 - 342، وتبيين الحقائق 5: 79، والمدونة الكبرى 6: 144 - 145، والمجموع 14: 187.

[ 462 ]

وللشافعي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا ينفق كالحضر. والثاني: ينفق كمال نفقته. كما قلناه. والثالث: ينفق القدر الزائد على نفقة الحضر لاجل السفر (1). دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم (2). مسألة 7: إذا أعطاه ألفين، وقال: ما رزق الله تعالى من الربح كان لي ربح ألف ولك ربح ألف، كان جائزا. وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور (3). وقال أبو العباس بن سريج: هذا غلط، لانه شرط لنفسه ربح ألف لا يشاركه العامل فيه، وكذلك العامل فكان باطلا، كما لو تميز الالفان (4). دليلنا: أنه لا مانع من ذلك، والاصل جوازه. وقوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " (5) يدل عليه. وأيضا فلا فرق بين أن يقول: ربح الالفين بيننا. وبين أن يقول: ربح ألف لي وربح ألف لك. لانهما غير متميزين، ومن حمل لك على المتميزين كان قايسا، وذلك لا يجوز عندنا. مسألة 8: إذا دفع إليه مالا قراضا، وقال له: إتجر به، أو قال له: إصنع

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 463 ]

ما ترى، أو: تصرف كيف شئت. فانه يقتضي أن يشتري بثمن مثله نقدا بنقد البلد. وبه قال الشافعي (1). وخالفه أبو حنيفة في الثلاثة، وقال: له أن يشتري بثمن مثله، وبأقل، وبأكثر، ونقدا ونسية، وبغير نقد البلد (2). دليلنا: أن ما ذكرناه مجمع على جوازه، وما ذكروه ليس على جوازه دليل، والاصل المنع منه، لانه تصرف في ملك الغير. مسألة 9: إذا اشترى العامل في القراض أباه بمال القراض، فان كان في المال ربح إنعتق منه بقدر نصيبه من الربح، واستسعى في باقي ذلك لرب المال، وينفسخ القراض إذا كان معسرا، وان كان معسرا قوم عليه بقيمته لرب المال، وسواء كان الربح ظاهرا أو يحتاج الى أن يقوم ليعلم أن فيه ربحا. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، أنه ينعتق بمقدار نصيبه، ويلزم شراء الباقي إن كان موسرا. قال: وإن كان معسرا يبقى بقيته رقا لرب المال. والقول الثاني: إن الشراء باطل (3). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة وأخبارهم (4). مسألة 10: إذا فسخ رب المال القراض، وكان في المال نسئ، باعه العامل باذن رب المال نسية، لزمه أن يجبيه، سواء كان فيه ربح أو لم يكن فيه

(1) المجموع 14: 376، وفتح العزيز 12: 32، والشرح الكبير 5: 146.
(2) اللباب 2: 85، والمبسوط 22: 38، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 79، والهداية المطبوع في هامش فتح القدير 7: 79، وبدائع الصنائع 6: 87، والفتاوى الهندية 4: 292، وتبيين الحقائق 5: 57، والشرح الكبير 5: 144.
(3) المجموع 14: 378، والوجيز 1: 223، وفتح العزيز 12: 39 - 40، والبحر الزخار 5: 84.
(4) الكافي 5: 241 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 3: 144 حديث 633، والتهذيب 7: 190، والتهذيب 7: 190 حديث 841.

[ 464 ]

ربح. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة إن كان فيه ربح كما قلناه. وإن لم يكن فيه ربح لم يلزمه (2). دليلنا: أن على العامل رد المال كما أخذه، وإذا أخذه ناضا (3) وجب عليه أن يرده مثله. مسألة 11: إذا أعطاه قراضا على أن يكون الربح بينهما، فحال الحول وهو ألفان، فعند أكثر أصحابنا لا زكاة على واحد منهما، لانه لا زكاة في مال التجارة (4). وفي أصحابنا من قال: يجب فيه الزكاة (5). وعلى قول الاولين: فيه الزكاة استحبابا، فعلى القولين الفائدة لا تضم الى الاصل، بل يراعى الحول منفردا في الفائدة، كما يراعى في الاصل، فعلى هذا لا زكاة في الفائدة على واحد منهما، وزكاة الاصل على رب المال. وخالف جميع الفقهاء في ذلك على ما مضى في كتاب الزكاة، وقالوا: في مال التجارة الزكاة، والفائدة تضم إلى الاصل (6).

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 465 ]

وعلى من تجب الزكاة؟ للشافعي فيه قولان: أحدهما: تجب زكاة الكل على رب المال إذا قال أن العامل لا يملك الربح بالظهور، وإنما يملكه بالمقاسمة. وبه قال أكثر أهل العراق، واختاره المزني، وهو أضعف القولين (1). والقول الثاني: أن على رب المال زكاة الاصل، وزكاة حصته من الربح، وعلى العامل زكاة ما يخصه من الربح (2). دليلنا إجماع الفرقة، ولان الاصل براءة الذمة، وايجاب الزكاة في الذمة أو المال يحتاج الى دليل. مسألة 12: إذا قال: خذ هذا المال قراضا على أن يكون الربح كله لي. كان ذلك قراضا فاسدا، ولا يكون بضاعة. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: يكون هذا بضاعة (4). دليلنا: أن لفظ القراض يقتضي أن يكون الربح بينهما، فإذا شرط الربح لنفسه كان فاسدا، كما لو شرط الربح للعامل. مسألة 13: إذا كان العامل نصرانيا، فاشترى بمال القراض خمرا أو خنزيز، أو باع خمرا، مثل أن كان عصيرا فاستحال خمرا فباعه، كان جميع ذلك باطلا. وبه قال الشافعي (5).

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 466 ]

وقال أبو حنيفة: البيع والشراء صحيحان (1). وقال أبو يوسف ومحمد: الشراء صحيح والبيع باطل (2). والفصل بينهما أن الوكيل يملك أولا عندهم، ثم ينتقل المال عنه الى الموكل. فإذا كان العامل نصرانيا صح أن يملك الخمر، فصح الشراء، وليس كذلك البيع، لان الملك ينتقل عن الموكل الى المشتري، ولا يملك الوكيل شيئا في الوسط، فلهذا لم يصح. دليلنا أن هذه الاشياء محرمة بلا خلاف، وجواز التصرف في المحرمات يحتاج الى دلالة. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " ان الله تعالى حرم الكلب وحرم ثمنه، وحرم الخمر وحرم ثمنها " (3). مسألة 14: إذا قال إثنان لواحد: خذ هذا المال قراضا ولك النصف من الربح، ثلثه من مال هذا، وثلثاه من مال الاخر، والنصف الباقي بيننا نصفين. قال الشافعي: القراض فاسد (4). وقال أبو حنيفة وأبو ثور: يصح، ويكون على ما شرطاه، لانهما قد جعلا له نصف جميع المال، فكان الباقي بينهما على ما شرطاه (5).

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 467 ]

وقال أصحاب الشافعي: هذا غلط، لان أحدهما، إذا شرط الثلث والاخر الثلثين بقي نصف الربح لهما وهو تسعة مثلا، وكان من سبيله أن يكون لاحدهما منه ستة وللاخر ثلاثة، فإذا شرطاه نصفين أخذ أحدهما فضلا عن شريكه بحق ماله سهما ونصف سهم، لانه كان يستحق ثلاثة من تسعة فأخذ أربعة ونصف سهم من تسعة، وهذا لا يجوز. والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يمنع من صحة هذا الشرط مانع. والنبي صلى الله عليه وآله قال: " المؤمنون عند شروطهم " (1). ولان الاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 15: إذا دفع إليه ألفا للقراض، فاشترى به عبدا للقراض، فهلك الالف قبل أن يدفعه في ثمنه، اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب. فقال أبو حنيفة ومحمد: يكون المبيع لرب المال، وعليه أن يدفع إليه ألفا غير الاول ليقضي به دينه، ويكون ألف الاول والثاني قراضا، وهما معا رأس المال (2). وقال مالك: رب المال بالخيار بين أن يعطيه ألفا غير الاول ليقضي به الدين ويكون الالف الثاني رأس المال دون الاول، أو لا يدفع إليه شيئا فيكون المبيع للعامل والثمن عليه (3). ونقل البويطي عن الشافعي أن المبيع للعامل، والثمن عليه، ولا شئ على

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 468 ]

رب المال، وهو اختيار أبي العباس، وهو الذي يقوى في نفسي (1). وفي أصحابه من قال بمثل قول أبي حنيفة، إلا أنه قال: كلما دفع إليه ألفا وهلكت لزمه أن يدفع إليه ألفا آخر (2). وأبو حنيفة: إذا هلكت الالف الثانية لم يلزمه شئ آخر (3). دليلنا: أنه لا يخلو ان يكون الالف تلف قبل الشراء أو بعده، فان كان التلف قبل الشراء وقع الشراء للعامل، لانه اشتراه بعد زوال القراض، وإن كان التلف بعد الشراء فالبيع وقع لرب المال وعليه أن يدفع الثمن من ماله الذي سلمه إليه، فإذا هلك المال تحول الملك الى العامل، وكان الثمن عليه، لان رب المال إنما فسح للعامل في التصرف في ألف إما أن يشتريه به بعينه أو في الذمة، وينقد منه ولم يدخل على أن يكون له في القراض أكثر منه. مسألة 16: ليس للعامل أن يبيع بالدين إلا باذن رب المال. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: له ذلك (5). دليلنا: أن الاصل أنه لا يجوز له ذلك، لانه تصرف في مال الغير، فاجازته

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 469 ]

تحتاج الى دليل. مسألة 17: لا يصح القراض إذا كان رأس المال جزافا. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يصح القراض ويكون القول قول العامل حين المفاصلة، وإن كان مع كل واحد منهما بينة قدمت بينة رب المال (2). دليلنا: أن القراض عقد شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل على صحة هذا القراض، فوجب بطلانه. مسألة 18: إذا قال خذ ألفا قراضا على أن لك نصف ربحها. صح بلا خلاف. وإن قال: على أن لك ربح نصفها. كان باطلا. وبه قال الشافعي وأصحابه (3). وقال أبو ثور: هو جائز. وحكى ذلك أبو العباس عن أبي حنيفة (4). دليلنا: أن ما قلناه مجمع على جوازه، ولا دليل على جواز ما قالوه. وان قلنا بقول أبي ثور كان قويا، لانه لا فرق بين اللفظين.

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 471 ]

كتاب المساقاة

[ 473 ]

مسألة 1: المساقاة جائزة وبه قال الصحابة أبو بكر، وعمر. وفي التابعين سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر، وفي الفقهاء مالك، والشافعي، والاوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، واسحاق (1). وانفرد أبو حنيفة بأن المساقاة لا تجوز، قياسا على المخابرة (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (3)، ولان الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج الى دليل. وروى أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد (4)، عن عبيد الله، عن نافع،

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 474 ]

عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع (1). وروى محمد بن اسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن أبيه، قال: ساقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهود خيبر على تلك الاموال، وذلك بالشطر وسهامهم معلومة، قال: إذا شئنا أخرجناكم (2). وروى ميمون بن مهران عن مقسم (3)، عن ابن عباس قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم خيبر واشترط عليهم أن له الارض وكل صفراء وبيضاء. فقال أهل خيبر: نحن أعلم بالارض منكم، فاعطناها على أن لكم نصف الثمرة ولنا النصف من ذلك، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين يصرم النخل بعث إليهم عبد الله بن رواحة (4) فحرز عليهم النخل، وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص، فقال في ذه كذا وكذا، فقالوا: أكترت علينا يا ابن رواحة، قال: فأنا آتي جذاذ النخل واعطيكم نصف الذي قلت، قالوا: هذا هو

(1) صحيح البخاري 3: 137 (باب المزارعة بالشطر ونحوه)، وصحيح مسلم 3: 1186 حديث 1 و 2، وسنن ابن ماجة 2: 824، حديث 2467، وسنن أبي داود 3: 262، حديث 3408، وتلخيص الحبير 3: 59 حديث 1279، والسنن الكبرى 6: 133 و 115.
(2) سنن الدارقطني 3: 38 حديث 154.
(3) مقسم بن بجرة، ويقال: ابن نجدة، أبو القاسم، ويقال: أبو العباس، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، ويقال له مولى ابن عباس للزومه له. روى عن ابن عباس وعبد الله بن الحارث بن نوفل وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم وعنه ميمون بن مهران والحكم بن عتيبة وخصيف وغيرهم مات سنة احدى ومائة. تهذيب التهذيب 10: 288.
(4) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الاكبر بن مالك بن كعب ابن الخزرج بن الحارث الخزرجي، أبو محمد، ويقال: أبو رواحة، ويقال: أبو عمرو المدني، شهد بدرا والعقبة وهو احد النقباء وأحد الامراء في غزوة مؤتة وبها قتل. وكان موته في جمادي الاولى سنة " 8 " للهجرة. روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن بلال المؤذن وروى عنه ابن اخته النعمان بن بشير وأبو هريرة وابن عباس وغيرهم.

[ 475 ]

الحق وبه تقوم السماء والارض، فقد رضينا أن نأخذه بالذي قلت (1). وقال أبو الزبير (2): سمعت جابرا يقول: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق، وزعم أن اليهود لما خيرهم ابن رواحة، أخذوا الثمر وعليهم عشرون ألف وسق (3). فدلت هذه الاخبار على جواز المساقاة، لانه قال في الاول: عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، وفي الثاني قال: ساقى بشطر. وفي الثالث قال: طلبوا منه أن يعطيهم ليكون بينهم نصفين فأجابهم الى ذلك. وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر إلى أهلها بالشطر، فلم تزل في أيديهم حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، وحياة أبي بكر، وحياة عمر، ثم بعث بي عمر إليهم لاقسم عليهم، فسحروني فتكوعت يدي، فانتزعتها من أيديهم (4). فثبت في هذا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وإجماع الصحابة، فان أبا بكر أقرها في أيديهم وكذا عمر، وإنما انتزعها من أيديهم بجناية كانت منهم، فان كانت مسألة يدعى فيها الاجماع فهذه. مسألة 2: يجوز المساقاة في النخل والكرم. وبه قال كل من أجاز المساقاة (5).

(1) سنن أبي داود 3: 263 حديث 3410 و 3412، والسنن الكبرى 6: 115.
(2) أبو الزبير، محمد بن مسلم بن تدرس الاسدي مولاهم المكي. روى عن العبادلة الاربعة وعن عائشة وجابر وأبي الطفيل وغيرهم وعنه عطاء والزهري والاعمش وابن جريج وغيره قيل أنه مات سنة ست وعشرين ومائة.
(3) سنن أبي داود 3: 264 حديث 3415.
(4) روى عبد الرزاق في مصنفه 8: 98 حديث 14468 عن ابن المسيب بنحو ما تقدم فلاحظ.
(5) تقدمت الاشارة الى القائلين بجواز المساقاة الاولى فلاحظ.

[ 476 ]

وخالف داود وقال: لا يجوز، إلا في النخل خاصة، لان الخبر به ورد (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2)، ولان الامة بين قائلين، قائل أجازها في الجميع ومانع منعها في الجميع، فمن فرق بينهما فقد خالف الاجماع. مسألة 3: يجوز المساقاة فيما عدا النخل والكرم من الاشجار. وللشافعي فيه قولان: قال في القديم: يجوز ذلك. وبه قال أكثر من أجاز المساقاة: مالك، وأبو يوسف، ومحمد. وزاد أبو يوسف فقال: تجوز المساقاة على البقل الذي يجز جزة بعد جزة (3). وكذلك نقول. وقال في الجديد: لا يجوز المساقاة على ما عدا النخل والكرم (4). دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا الاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دليل. وروى نافع، عن ابن عمر قال: عامل رسول الله صلى الله عليه وآله أهل خيبر بالشطر مما يخرج من النخل والشجر (5). وهذا عام في سائر الاشجار. مسألة 4: يجوز أن يعطي الارض غيره ببعض ما يخرج منها، بأن يكون منه الارض والبذر، ومن المتقبل القيام بها بالزراعة والسقي ومراعاتها.

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 477 ]

وخالف جميع الفقهاء في ذلك. وأجاز الشافعي في الارض اليسير إذا كان بين ظهراني نخل كثير، فيساقي على النخل ويخابر على الارض (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2). ولان الاصل جواز ذلك، والمنع من جوازه يحتاج الى دليل. وروى عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: عامل رسول الله صلى الله عليه وآله أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع (3). وما روي من نهي النبي عليه السلام عن المخابرة (4)، نحمله على إجارة الارض ببعض ما يخرج منها. وذلك لا يجوز. مسألة 5: إذا كانت نخل أنواعا مختلفة، معقلي، وبرني، وسكر، فساقي من المعقلي على النصف، ومن البرني على الثلث، ومن السكر على الربع كان جائزا. وبه قال الشافعي (5). وقال مالك: لا يصح حتى يكون الحصص سواء في الكل (6).

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 478 ]

دليلنا: عموم الاخبار (1)، ولان الاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دليل، وقوله: " المؤمنون عند شروطهم " (2) يدل عليه. مسألة 6: إذا شرط في حال العقد على العامل ما يجب على رب النخل أو بعضه، أو شرط على رب المال ما يجب على العامل عمله أو بعضه، لم يمنع ذلك من صحته إذا بقي للعامل عمل ولو كان قليلا. وقال الشافعي: يبطل ذلك العقد (3). دليلنا: أن الاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دليل. وقوله: " المؤمنون عند شروطهم " (4) وهذا عام في كل شرط. مسألة 7: إذا ساقاه بعد ظهور الثمرة، كان جائزا إذا كان قد بقي للعامل عمل وإن كان قليلا. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه. والثاني: لا يجوز (5). دليلنا: أن الاصل جوازه، ولان الاخبار عامة في جواز المساقاة (6)، ولم يفرقوا بين حال ظهور الثمرة وعدم ظهورها، والمنع يحتاج الى دليل.

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 479 ]

مسألة 8: يجوز أن يشرط المساقي على رب المال أن يعمل معه غلام لرب المال. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يجوز بلا أجر (1). والاخر: لا يجوز (2). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 9: إذا ثبت أن ذلك جائز، فلا فرق بين أن يكون الغلام موسوما بعمل هذا الحائط، أو بعمل غيره من حوائط صاحبه. وبه قال الشافعي على قوله الذي يجوز ذلك (3). وقال مالك: لا يجوز إلا الغلام الذي هو موسوم بهذا الحائط فحسب (4). دليلنا: ما قدمنا في المسألة الاولى سواء. مسألة 10: إذا شرط على المساقي نفقة الغلام جاز، ولا يلزم أن تكون مقدرة، بل الكفاية على موجب العادة. وبه قال الشافعي (5). وقال محمد: لابد من أن تكون مقدرة لانها كالاجرة (6). دليلنا: أن الاصل جوازه، ولا دليل على وجوب تقديرها.

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 480 ]

مسألة 11: إذا اختلف رب النخل والعامل، فقال رب النخل شرطت على أن لك ثلث الثمرة. وقال العامل: على أن لي نصف الثمرة، كان القول قول رب النخل مع يمينه. وقال المزني وأصحاب الشافعي: يتحالفان (1). دليلنا: أن الثمرة كلها لصاحب النخل، لانها نماء أصله، وإنما يثبت للعامل بالشرط، فإذا ادعى شرطا فعليه البينة، فإذا عدمها كان القول رب النخل مع يمينه. مسألة 12: إذا كان مع كل واحد منهما بينة بما يدعيه، قدمنا بينة العامل وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يسقطان. والاخر: تستعملان. فإذا استعملهما، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يوقف. والاخر: يقسم. والثالث: يقرع. وليس ها هنا غير القرعة، فمن خرج اسمه قدمت بينته. وهل يحلف معها؟ على قولين (2). دليلنا: أنا قد بينا أن العامل هو المدعي، وإذا كان هو المدعي فبينته تقدم، لان النبي عليه السلام قال: " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه " (3) ورب المال مدعى عليه، كان عليه اليمين. مسألة 13: إذا ظهرت الثمرة، وبلغت الاوسق التي يجب فيها الزكاة، كان الزكاة على رب المال والعامل معا، فإذا بلغ نصيب كل واحد منهما خمسة أوسق

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 481 ]

وجبت فيه الزكاة، وان نقص نصيب كل واحد منهما عن ذلك لم يجب على واحد منهما الزكاة. وإن بلغ نصيب أحدهما النصاب، ونقص نصيب الاخر، كان على من تمت حصته الزكاة، ولا تلزم الاخر. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أن الزكاة تجب على رب النخل دون العامل. والاخر: أنها على كل واحد منهما. فإذا قال: على رب النخل، وبلغ خمسة أوسق، كان عليه الزكاة. ومن أين يخرج له، فيه وجهان: أحدهما من ماله. والثاني: من مالهما معا. وإذا قال: تجب عليهما، نظرت، فان كان نصيب كل واحد منهما النصاب وجبت الزكاة، وإن لم يبلغ نصيب كل واحد نصابا، بل بلغ الحقان نصابا، فهل فيه الزكاة؟ على قولين في الخلطة: إن قال: لا خلطة في غير الماشية، فلا زكاة. وإذا قال: تصح الخلطة في غير الماشية، وجبت الزكاة (1). دليلنا: أنه إذا كانت الثمرة ملكا لهما، فوجبت الزكاة على كل واحد منهما، فمن أوجب على أحدهما دون الاخر، كان عليه الدليل. وأما الخلطة فقد بينا فسادها في كتاب الزكاة، وإنا لا نعتبرها، لا في الماشية ولا في غيرها، لان الاصل براءة الذمة، ولا دليل على أن مال الخلطة تجب فيه الزكاة، فيجب أن يبقى على الاصل.

(1) مختصر المزني: 46، والمجموع 5: 450 و 14: 413، والوجيز 1: 83، وفتح العزيز 5: 404 - 405.

[ 483 ]

كتاب الاجارة

[ 485 ]

مسألة 1: كلما جاز أن يستباح بالعارية، جاز أن يستباح بعقد الاجارة. وبه قال عامة الفقهاء (1)، إلا حكاية تحكى عن عبد الرحمن الاصم (2)، فانه قال: لا يجوز الاجارة أصلا (3). دليلنا: الكتاب، والسنة، والاجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: " فان أرضعن لكم فاتوهن اجورهن " (4) فالاجارة على الرضاع تجوز بلا خلاف. ومن الناس من قال: العقد يتناول اللبن والخدمة، والحضانة تابعة (5). ومنهم من قال: يكون العقد متناولا للخدمة والحضانة، واللبن تابع (6). وأيضا قوله تعالى: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين،

(1) المغني لابن قدامة 6: 6، والشرح الكيبر 6: 6، والمجموع 15: 5، والبحر الزخار 5: 29.
(2) عبد الرحمن الاصم، وقيل: عبد الرحمن بن الاصم، ويقال إسم الاصم: عبد الله، وقيل: عمرو، أبو بكر العبدي ويقال الثقفي المدائني مؤذن الحاج، وأصله من البصرة، روى عن أبي هريرة وأنس، وعنه خلف أبو الربيع والثوري وأبي عوانة وغيرهم. قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 6: 141، وقيل في حقه في تكملة المجموع شرح المهذب 15: 5 عبد الرحمن الاصم الذي قيل فيه: إنه عن الحق أصم.
(3) المغني لابن قدامة 6: 6، والشرح الكبير 6: 6، والمجموع 15: 5، والبحر الزخار 5: 29.
(4) الطلاق: 6.
(5) المغني لابن قدامة 6: 83 - 84، والشرح الكبير 6: 18 - 19.
(6) المغني لابن قدامة 6: 84، والشرح الكبير 6: 18 - 19.

[ 486 ]

قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج " (1). وقوله تعالى: " لو شئت لا تخذت عليه أجرا " (2) لما استضافوهم فأبوا. وأما السنة، فقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " اعطوا الاجير أجره قبل أن يجف عرقه " (3). وروى أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من استأجر أجيرا فليعلمه أجره " (4). وروى إبن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا واستوفى منه ولم يوفه أجره، ورجل أعطاني صفقته ثم غدر " (5). وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وأبا بكر إستأجرا رجلا من قبيلة الديل للهداية إلى المدينة (6). ومن الاجماع هو قول علي عليه السلام، وابن عباس، وعبد الله بن عمر،

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 487 ]

وعبد الرحمن بن عوف (1)، ورافع بن خديج (2). فأما علي عليه السلام فأجر نفسه من يهودي يسقي له الماء كل دلو بتمرة، وجمع التمرات، وحملها إلى النبي صلى الله عليه وآله فأكله (3). وعبد الله بن عباس وابن عمر، فروي عنهما أنهما قالا في تأويل قوله تعالى: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " (4) قالا: معناه أن يحج ويواجر نفسه (5). وأما عبد الرحمن بن عوف، فإنه استأجر أرضا، فلما حضرته الوفاة أمر ليعطي ما بقي عليه من الورق والذهب، فقال ابنه: كنت أراها أن تكون ملكا له لطول ما مكثت في يده (6).

(1) عبد الرحمن بن عوف بن عبيد بن عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب. قيل كان اسمه في الجاهلية عبد الحارث. عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو أحد الاركان يوم السقيفة في بيعة أبي بكر، وكان من اخصائه في الجاهلية، وهو أيضا أحد الستة الذين جعل ابن الخطاب الامر شورى بينهم، وهو الذي اختار عند الشورى عثمان فبايعه وترك عليا، ولما هلك أوصى أن يصلي عليه عثمان. تنقيح المقال 2: 146 - 147.
(2) رافع بن خديج، عده الشيخ الطوسي تارة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأخرى من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وقالوا فيه: انه عرض نفسه يوم بدر للجهاد فرده النبي صلى الله عليه وآله لاستصغاره إياه وأجازه يوم أحد، فشهد أحد والخندق فمات سنة أربع وسبعين، وهو ابن ست وثمانين سنة، وقالوا أيضا: أنه شهد صفين مع علي بن أبي طالب عليه السلام. تنقيح المقال 1: 422.
(3) انظر سنن ابن ماجة 2: 818 حديث 2446 و 2447، والسنن الكبرى 6: 119، والدراية في تخريج احاديث الهداية 2: 187 ذيل الحديث 862.
(4) البقرة: 198.
(5) سنن الدارقطني 2: 292 - 293 حديث 250 و 255، وسنن أبي داود 2: 142 حديث 1723 و 1734، واحكام القرآن للجصاص 1: 309، وتفسير القرطبي 2: 414.
(6) الموطأ 2: 712 حديث 4، والام 4: 25، والبحر الزخار 5: 30.

[ 488 ]

وأما رافع بن خديج، فانه قال: يجوز إجارة الارض بالورق، والذهب (1). وأجمع المسلمون على ذلك، وخلاف الاصم قد انقرض. مسألة 2: عقد الاجارة من العقود اللازمة، متى حصل لم يكن لاحدهما فسخ الاجارة إلا عند وجود عيب بالثمن، أو فلس المستأجر، فحينئذ يملك المؤجر الفسخ. أو وجود عيب بالمستأجر مثل: غرق الدار، وانهدامها على وجه يمنع من استيفاء المنفعة، فانه يملك المستأجر الفسخ. فأما من غير ذلك فلا. وبه قال الشافعي، ومالك، والثوري، وأبو ثور (2). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن الاجارة يجوز فسخها لعذر، قالوا: إذا اكترى الرجل جملا ليحج به، ثم بدا له من الحج، أو مرض فلم يخرج، كان له أن يفسخ الاجارة. وكذلك إذا اكترى دكانا ليتجر فيه ويبيع ويشتري، فذهب ماله وأفلس، فانه يجوز له أن يفسخ الاجارة. قال: وبمثل هذه الاعذار لا يكون للمكري الفسخ، فإذا أكرى جماله من إنسان ليحج بها ثم بدا له من ذلك لم يملك فسخ الاجارة وكذلك إذا آجره داره أو دكانه، وأراد السفر، ثم بدا له من السفر لم يكن له فسخ الاجارة. إلا أن أصحابه يقولون: للمكري فسخ الاجارة لعذر كالمكتري سواء. ولا يبينون الموضع الذي يكون له الفسخ (3).

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 489 ]

دليلنا أن العقد قد ثبت، ومن ادعى أن لهما أو لا حدهما الفسخ فعليه الدلالة. وأيضا قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (1) فأمر بالوفاء بالعقود، والاجارة عقد، فوجب الوفاء به. مسألة 3: من استأجر دارا أو دابة أو عبدا فان المستأجر يملك تلك المنفعة، والموجر يملك الاجرة بنفس العقد، حتى أن المستأجر أحق عندنا بملك المنفعة من مالكها. وبه قال الشافعي (2). وذهب أبو حنيفة إلى أن المؤجر يملك الاجرة بنفس العقد، والمستأجر لا يملك المنفعة، وإنما تحدث في ملك المكري، ثم يملك المكتري من المكري حين حدوثه في ملكه، فعنده المنفعة غير مملوكة، وإنما المكري يملك حدوثها، والمكتري يملك من المكري بعد ذلك (3). وعلى مذهبنا المكتري يملك المنفعة بنفس العقد. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم (4). مسألة 4: إذا أطلقا عقد الاجارة ولم يشرطا تعجيل الاجرة، ولا تأجيله، فانه يلزم الاجرة عاجلا. وبه قال الشافعي (5).

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 490 ]

وقال مالك: إنما يلزمه أن يسلم إليه الاجرة جزء فجزء، فكلما استوفى جزء من المنفة لزمه أن يوفيه ما في مقابله من الاجرة (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه: القياس ما قال مالك، ولكن يشق ذلك، فكلما استوفى منفعة يوم فعليه تسليم ما في مقابله (2). وقال الثوري: لا يلزمه تسليم شئ من الاجرة ما لم تنقض مدة الاجارة كلها (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير (4). وأيضا قوله تعالى: " فأن أرضعن لكم فآتوهن اجورهن " (5) وإنما أراد: فان بذلن لكم الرضاع فآتوهن اجورهن. بدليل أنه قال في آخرها: " وان تعاسرتم فسترضع له اخرى " (6). والتعاسر: أن لا ترضى المرضعة بأجرة مثلها فأخبر أنها متى لم ترض باجرة المثل، فانه يواجر غيرها ليرضعه. مسألة 5: إذا قال: آجرتك هذه الدار كل شهر بكذا، كانت إجارة صحيحة. وبه قال أبو حنيفة (7)، وهو قول بعض أصحاب الشافعي (8).

(1) (2) (3) (4) (5)

[ 491 ]

وفي أصحابه من قال: هذه إجارة باطلة (1). دليلنا: أنه لا دليل على بطلان ذلك، والاصل جوازه. مسألة 6: إذا استأجر دارا أو عبدا سنة، فتلف المعقود عليه بعد القبض قبل استيفاء المنفعة، فانه تنفسخ الاجارة. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي (2). وقال أبو ثور: لا تنفسخ الاجارة، والتلف من ضمان المكتري، قال: لان هذه المنفعة صارت في حكم المقبوض كالعين (3). دليلنا: إن المعقود عليه المنفعة، فإذا تعذرت وجب ان ينفسخ الاجارة. مسألة 7: الموت يبطل الاجارة، سواء كان موت المؤجر أو المستأجر. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والليث بن سعد، والثوري (4). وقال الشافعي: الموت لا ينفسخ الاجارة من أيهما كان. وبه قال عثمان البتي، ومالك، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور (5).

(1) المجموع 15: 12 و 19، وفتح العزيز 12: 343، وبحر الزخار 5: 35.
(2) المبسوط 16: 5 و 15: 137، واللباب 4: 104، والمجموع 15: 73 - 74، وكفاية الاخيار 1: 192، ومغني المحتاج 2: 348، والسراج الوهاج: 293، والوجيز 1: 238، والملحى 8: 187، وبداية المجتهد 2: 227، والمغني لابن قدامة 6: 30، والشرح الكبير 6: 119.
(3) المجموع 15: 74، والمحلى 8: 187، والمغني لابن قدامة 6: 30، والشرح الكبير 6: 119.
(4) اللباب 2: 53، والمبسوط 15: 137 و 16: 5، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 220، وشرح فتح القدير 7: 220، وتبين الحقائق 5: 144، والعقود الدرية 2: 99، وفتح الباري 4: 462، والاشباه والنظائر: 272، وبداية المجتهد 2: 228، والمحلى 8: 184، والمغني لابن قدامة 6: 48، والشرح الكبير 6: 124، والمجموع 15: 90.
(5) الام 4: 30، ومختصر المزني: 126، والمجموع 15: 88 و 90، وكفاية الاخيار 1: 192، والسراج الوهاج: 295، ومغني المحتاج 2: 356، والوجيز 1: 238 - 239، والمدونة الكبرى 4: 477 و 542، والمحلى 8: 184، والمغني لابن قدامة 6: 48، والشرح الكبير 6: 124، وبداية المجتهد 1: 228، وفتح الباري 4: 462.

[ 492 ]

وفي أصحابنا من قال: موت المستأجر يبطلها، وموت المؤجر لا يبطلها (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2)، فان ما حكيناه عن بعضهم شاذ لا معول عليه. وأيضا فان المكتري دخل على أن يستوفي المنفعة من ملك المكري، فكيف يستوفي من ملك غيره، وقد زال ملك المكري. مسألة 8: إذا أكرى دابة من بغداد الى حلوان، فركبها إلى همدان، فانه يلزمه اجرة المسمى من بغداد الى حلوان، ومن حلوان الى همدان أجرة المثل. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: لا يلزمه أجرة التي تعدى فيها، بنى على أصله: أن المنافع لا تضمن بالغصب (4). وقال مالك: إن كان قد تجاوز بها شيئا يسيرا فانه كما قلنا، وإن تعدى فيها شيئا كثيرا، فان المكري بالخيار، إن شاء أخذ منه أجرة المثل لذلك التعدي، أو يأخذ منه الدابة (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (6) وأيضا فان الاحتياط يقتضي ذلك، لان

(1) قال القاضي ابن البراج في المهذب ج 1: 501 ما لفظه: " وعمل الاكثر من أصحابنا على أن موت المستأجر هو الذي يفسخها ".
(2) انظر الكافي 5: 270 حديث 2، والتهذيب 7: 207 حديث 912.
(3) الام 4: 32 و 39 و 7: 139، ومختصر المزني: 126، والمجموع 15: 58 و 98، والمغني لابن قدامة 6: 89، وبداية المجتهد 2: 229.
(4) المبسوط 15: 172، والفتاوى الهندية 4: 493، والام 4: 39، والمغني لابن قدامة 6: 89، وبداية المجتهد 2: 229.
(5) المدونة الكبرى 4: 479، وبداية المجتهد 2: 229، وبلغة السالك 2: 286، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 286، والام 7: 139، والمغني لابن قدامة 6: 89.
(6) الكافي 5: 290 حديث 6، والتهذيب 7: 215 حديث 943، والاستبصار 3: 134 حديث 483.

[ 493 ]

من أدى ما قلنا برئت ذمته بالاجماع، ومتى لم يفعل لم يبرأ ذمته بيقين، لانه فيه الخلاف. مسألة 9: ويضمن الدابة بتعديه فيها من حلوان الى همدان بلا خلاف إذا لم يكن صاحبها معها، فان ردها إلى حلوان فانه لا يزول معه ضمانه عندنا، فان ردها إلى بغداد إلى يد صاحبها زال ضمانه، وعليه اجرة المثل فيما تعدى على ما مضى، ويكون عليه ضمانها من وقت التعدي إلى حين التلف، لا من يوم أكراها. وقال الشافعي: لا يزول ضمانه إذا ردها إلى حلوان. وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف (1). قال أبو يوسف: وكان أبو حنيفة يقول: لا يزول الضمان بردها إلى هذا المكان، ثم رجع فقال بزوال الضمان عنه (2). وقال زفر ومحمد: إنه يزول الضمان عنه، كما لو تعدى في الوديعة ثم ردها الى مكانها كما كانت (3). دليلنا: أنه قد ثبت أنه ضمنها بالتعدي بلا خلاف، ومن قال: يزول ضمانه بردها الى موضع التعدي فعليه الدلالة، وعلى المسألة إجماع الفرقة، وأخبارهم (4) تدل عليها. مسألة 10: يجوز الاجارة إلى أي وقت شاء. وبه قال أهل العراق (5).

(1) الام 4: 32 و 37 و 39، ومختصر المزني: 126، والمجموع 15: 94 و 96 و 98، والمبسوط 15: 173، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 170، والفتاوى الهندية 4: 493، وتبيين الحقائق 5: 119، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 170، والمغني لابن قدامة 6: 91.
(2) المبسوط 15: 173.
(3) المبسوط 15: 173، والمغني لابن قدامة 6: 91، والشرح الكبير 6: 102.
(4) الفروع 5: 289 حديث 3، والتهذيب 7: 214 حديث 939، ومن لا يحضره الفقيه 3: 162 حديث 709.
(5) اللباب 2: 36، والمجموع 15: 19، والمغني لابن قدامة 6: 11.

[ 494 ]

وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا تجوز المدة في الاجارة أكثر من سنة (1). والثاني: مثل ما قلناه (2). وله قول آخر أنه يجوز ثلاثين سنة (3). وقال: يجوز المساقاة سنتين (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج إلى دليل. وأيضا قوله تعالى: " على أن تأجرني ثماني حجج، فان أتممت عشرا فمن عندك " (5) يدل على جواز الاجارة أكثر من سنة. مسألة 11: إذا استأجر دارا أو غيرها من الاشياء، وأراد أن يوجرها بأقل مما استأجرها، أو أكثر منه، أو مثله جاز ذلك إذا أحدث فيها حدثا كيف ما أراد، وسواء أجرها من المؤجر أو من غيره، كل ذلك جائز. وبه قال الشافعي، إلا أنه لم يراع إحداث الحدث (6). وقال أبو حنيفة: إن أجرها من المكري بمثل الاجرة أو أقل منها فانه يجوز، وان آجرها بأكثر منه فانه لا يجوز - كما قال في البيع - وان آجرها من غير

(1) المجموع 14: 405، و 15: 18، والوجيز 1: 232، ومغني المحتاج 2: 349، والسراج الوهاج: 293، وفتح العزيز 12: 333 و 337، وبداية المجتهد 2: 224، والمغني لابن قدامة 6: 11، والشرح الكبير 6: 57.
(2) المجموع 15: 19.
(3) المجموع 14: 405، و 15: 18، ومغني المحتاح 2: 349، والسراج الوهاج: 293، وفتح العزيز 12: 334 - 335 و 337، والمغني لابن قدامة 6: 11، والشرح الكبير 6: 57.
(4) المجموع 14: 406، والسراج الوهاج: 286، ومغني المحتاج 2: 328. (5) القصص: 27.
(6) المجموع 15: 58 - 59 و 61، والوجيز 1: 239، والمغني لابن قدامة 6: 62، والشرح الكبير 6: 51، والمبسوط 15: 130، والبحر الزخار 5: 36.

[ 495 ]

المكري (1) كما قلناه. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2)، ولان عند إحداث الحدث لا خلاف في جوازه، وقبل ذلك لم يقم دليل على صحته. مسألة 12: الاجارة لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون معينة أو في الذمة. فان كانت معينة، مثل أن قال: استأجرت منك هذه الدار أو هذا العبد سنة، فانه لا يمتنع دخول خيار الشرط فيها، وإن كانت في الذمة فكذلك. وبه قال أبو حنيفة، لان عنده يجوز أن يستأجر أرضا أو دارا بعد شهور (3) وقال الشافعي: إن كانت الاجارة معينة لا يجوز أن يدخلها خيار الشرط، لان من شرط الاجارة أن تكون المدة متصلة بالعقد، فيقول: آجرتك سنة من هذا اليوم، فان شرط خيار الثلاث بطلت، لان هذه المدة لا يمكن أن ينتفع بها المكتري، فلا يخلو أن تحتسب على المكري أو على المكتري. ولا يجوز أن تحتسب على المكري، لانه إنما آجر شهرا، فلو احتسبنا عليه هذه المدة لزدنا عليه، ولا يجوز أن تحتسب على المكتري، لانه استأجر شهرا، فلا ينقص عن مدته، فدل ذلك على أنه لا يجوز (4).

(1) حاشية رد المحتار 6: 91، والمجموع 15: 60 - 61، والمغني لابن قدامة 6: 62، والشرح الكبير 6: 51، والبحر الزخار 5: 36.
(2) الكافي 5: 272 دحيث 4: و 8، والتهذيب 7: 204 و 223 حديث 899 و 979.
(3) اللباب 2: 53، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 221، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 221، وتبيين الحقائق 5: 145 و 148، والمجموع 15: 41، وفتح العزيز 12: 257 - 258، والبحر الزخار 5: 36.
(4) المجموع 15: 41 و 43، وفتح العزيز 12: 257 - 258، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 221، وتبيين الحقائق 5: 145، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 221، والبحر الزخار 5: 37.

[ 496 ]

وأما خيار المجلس فهل يثبت أم لا؟ فيه وجهان (1). وعندنا أنه لا يمتنع ذلك إذا شرط، وان لم يشرط فلا خيار للمجلس. دليلنا: قوله: " المؤمنون عند شروطهم " (2). وأيضا الاصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 13: إذا قال: آجرتك هذه الدار شهرا، ولم يقل من هذا الوقت واطلق، فانه لا يجوز. وكذلك إذا آجره الدار في شهر مستقبل بعد ما دخل، فانه لا يجوز. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: إذا أطلق الشهر جاز، ويرجع الاطلاق إلى الشهر الذي يلي العقد ويتعقبه، وإذا آجره شهرا مستقبلا جاز ذلك (4). دليلنا: أن عقد الاجارة حكم شرعي، ولا يثبت إلا بدلالة شرعية، وليس على ثبوت ما قاله دليل، فوجب أن لا يكون صحيحا. مسألة 14: إذا آجره شهرا من وقت العقد، ولم يسلمها إليه حتى مضت أيام، إنفسخت الاجارة في مقدار ما مضى، وتصح في الذي بقى. وقال الشافعي: تنفسخ فيما مضى، وفيما بقى على طريقين (5).

(1) المجموع 15: 41 و 43، والبحر الزخار 5: 36.
(2) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 دحيث 2064.
(3) المجموع 15: 12 و 19 و 36، وفتح العزيز 12: 257 و 342، والوجيز 1: 231، ومغني المحتاج 2: 338، والمغني لابن قدامة 6: 10، وبداية المجتهد 2: 224، والمبسوط 15: 131.
(4) اللباب 2: 46، والمبسوط 15: 131، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 176، وتبيين الحقائق 5: 122 - 123، والمغني لابن قدامة 6: 10، وفتح العزيز 12: 257 - 258 و 342.
(5) مغني المحتاج 2: 359، والسراج الوهاج: 296، والوجيز 1: 239.

[ 497 ]

ومن أصحابه من قال: على قولين (1). ومنهم من قال: تصح قولا واحدا (2) مثل ما قلناه. دليلنا: إن انفساخها فيما مضى مجمع عليه، وفيما بعد يحتاج الى دلالة، وليس على ذلك دلالة. مسألة 15: إذا اكترى دابة ليركبها إلى النهروان مثلا، أو يقطع بها مسافة معلومة، فسلمها المكرى إليه وأمسكها مدة يمكنه المسير إليها، فلم يفعل، استقرت عليه الاجرة. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: لا تستقر عليه الاجرة حتى يسيرها في بقاع تلك المسافة (4). دليلنا: أنه عقد على بهيمة، ومكنه منها، فإذا لم يستوف المنفعة فقد ضيع حقه، والاجرة لازمة له لانها وجبت بالعقد، كما لو سيرها في بقاع السفر ولم يركبها، فانه يلزمه الاجرة بلا خلاف. مسألة 16: إذا استأجر مرضعة مدة من الزمان بنفقتها وكسوتها، ولا يعين المقدار، لم يصح العقد. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: يصح (6).

(1) المصادر السابقة.
(2) مغني المحتاج 2: 359، والسراج الوهاج: 296.
(3) مختصر المزني: 128، والمجموع 15: 33 - 34، والسراج الوهاج: 296، ومغني المحتاج 2: 358، والوجيز 1: 237.
(4) المبسوط 15: 176 - 177 و 184، وشرح فتح القدير 7: 158، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 158.
(5) المجموع 15: 29 - 30، وفتح العزيز 12: 200، وبداية المجتهد 2: 225، والمبسوط 15: 119، وتبيين الحقائق 5: 127، والمغني لابن قدامة 6: 78، والشرح الكبير 6: 14 - 15، والبحر الزخار 5: 47.
(6) اللباب 2: 49، والمبسوط 15: 119 و 16: 34، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 185،

[ 498 ]

دليلنا: أنه إذا عين مقدار الاجرة صحت الاجارة بلا خلاف، وليس على قول من قال بصحته من غير تعيين الاجرة دليل. مسألة 17: إذا استاجر امرأة لترضع ولده، فمات واحد من الثلاثة، بطلت الاجارة. وقال الشافعي: إن ماتت المرأة بطلت الاجارة، وإن مات الاب لا تبطل، وإن مات الصبي ففيه قولان (1). دليلنا: عموم الاخبار التي وردت في أن الاجارة تبطل بالموت (2)، وهي تناول هذا الموضع. مسألة 18: إذا آجرت نفسها للرضاع أو لغيره باذن زوجها، صحت الاجارة بلا خلاف. وإن آجرتها بغير إذنه، لم تصح الاجارة. وللشافعي فيه جهان: أحدهما: مثل ما قلناه (3). والثاني: تصح الاجارة، غير أنه يثبت له الخيار، فله أن يفسخ الذي عقدته (4). دليلنا: أنه لا دليل على صحة هذه الاجارة. وأيضا فان المرأة معقودة على منافعها لزوجها بعقد النكاح، فلا يجوز لها أن تعقد لغيرها، فيخل ذلك بحقوق زوجها.

وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 185، والفتاوى الهندية 4: 431، وتبيين الحقائق 5: 127، وبداية المجتهد 2: 225، والمغني لابن قدامة 6: 77، والشرح الكبير 6: 14، وفتح العزيز 12: 200، والبحر الزخار 5: 47. (1) المجموع 15: 80 و 82، والوجيز 1: 239، والمغني لابن قدامة 6: 87.
(2) انظر الكافي 5: 270 حديث 2، والتهذيب 7: 207 حديث 912.
(3) المجموع 15: 29، ومغني المحتاج 2: 337، والسراج الوهاج: 289، وفتح العزيز 12: 273.
(4) المجموع 15: 29، والسراج الوهاج: 289، وفتح العزيز 12: 272 - 273، ومغني المحتاج 2: 337.

[ 499 ]

مسألة 19: إذا وجد الاب من يرضع ولده بدون أجرة المثل، أو وجد من تتطوع برضاعه، وأم الصبي لا ترضى إلا بأجرة المثل، كان له أن ينتزع الصبي منها ويسلمه إلى غيرها. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه (1). والثاني: الام أولى (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (3)، ولان كونها أولى مع زيادة الاجرة يحتاج إلى دليل، ولا دليل. مسألة 20: إذا باع الرقبة المستأجرة لم تبطل الاجارة، سواء باعها من المستأجر أو من غيره. ثم ينظر، فان علم المشتري بالاجارة لم يكن له الخيار، وعليه أن يمسك حتى يمضي مدة الاجارة، وإن لم يعلم كان له الرد بالعيب، والخيار إليه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: ان البيع باطل (4). والثاني: صحيح (5).

(1) المجموع 18: 311 و 314، والوجيز 2: 116، والسراج الوهاج: 472، ومغني المحتاج 3: 450، والمغني لابن قدامة 9: 313 - 314.
(2) نفس المصادر المتقدمة.
(3) الكافي 6: 44 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 3: 274 حديث 1302، والتهذيب 8: 104 حديث 352، والاستبصار 3، 320 حديث 1138.
(4) المجموع 15: 87 و 89، والوجيز 1: 239، ومغني المحتاج 2: 360، والسراج الوهاج: 297، والمغني لابن قدامة 6: 53، والشرح الكبير 6: 129.
(5) المجموع 15: 87 و 89، والوجيز 1: 239، والسراج الوهاج: 297، ومغني المحتاج 2: 360، والمحلى 8: 186، والمغني لابن قدامة 6: 53، والشرح الكبير 6: 129.

[ 500 ]

ويقول مثل ما قلناه إذا كان على أجنبي. فأما إذا باعها من المستأجر، فالبيع صحيح قولا واحدا. وقال أبو حنيفة: يكون البيع موقوفا على رأي المستأجر، فان رضي به بطلت إجارته وصح البيع، وإن لم يرض به ورده بطل البيع وبقيت الاجارة (1). دليلنا: عموم الاخبار التي وردت في أن البيع لا يبطل الاجارة (2)، وهي مجمع عليها عند الطائفة المحقة، ولان كون البيع مبطلا للاجارة التي ثبت صحتها يحتاج الى دليل شرعي. مسألة 21: إذا آجر الاب أو الوصي الصبي أو شيئا من ماله مدة، صحت الاجارة بلا خلاف، فان بلغ الصبي قبل انقضاء المدة، كان له ما بقي، ولم يكن للصبي فسخه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه (3). والثاني: له ذلك (4). دليلنا: أن العقد على عين الصبي أو على ماله وقع صحيحا بلا خلاف، فمن ادعى أن له الفسخ بعد بلوغه فعليه الدلالة. مسألة 22: إذا استاجر رجلا ليبيع له شيئا بعينه، أو ليشتري له شيئا موصوفا، فان ذلك يجوز عندنا. وقال الشافعي مثل ما قلناه (5).

(1) المحلى 8: 187، والشرح الكبير 6: 129 - 130، والمغني لابن قدامة 6: 53 - 54.
(2) انظر الكافي 5: 271 حديث 3، ومن لا يحضره الفقيه 3: 160 حديث 701، والتهذيب 7: 207 حديث 910.
(3) المجموع 15: 88 و 93، والوجيز 1: 239، والمغني لابن قدامة 6: 51 - 52، والشرح الكبير 6: 53 - 54.
(4) نفس المصادر المتقدمة.
(5) الام 4: 32، والمغني لابن قدامة 6: 47، والشرح الكبير 6: 71، والبحر الزخار 5: 50.

[ 501 ]

وقال أبو حنيفة: لا يجوز (1). دليلنا: أن الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج الى دليل، وليس في الشرع ما يدل على المنع منه، فوجب جوازه. مسألة 23: يجوز إجارة الدفاتر، سواء كان مصحفا أو غيره ما لم يكن به كفر. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: لا يجوز إجارة شئ من ذلك (3). دليلنا: أن الاصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دلالة. مسألة 24: لا يجوز إجارة حائط مزوق أو محكم، للنظر إليه، والتفرج به، والتعلم منه. وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: يجوز ذلك إذا كان فيه غرض من الفرجة أو التعلم منه (5). دليلنا: أن ذلك عبث، والتعلم منه قبيح، وإذا لم يجز التعلم منه فاجارته قبيحة. مسألة 25: إذا انفرد الاجير بالعمل في غير ملك المستأجر، فتلف الشئ الذي استؤجر فيه بتقصير منه، أو بشئ من أفعاله، أو بنقصان من صنعته، فانه يلزمه ويكون ضامنا، سواء كان الاجير مشتركا أو منفردا. وقال أبو حنيفة في الاجير المشترك مثل ما قلناه. وذلك مثل أن يدق القصار

(1) المغني لابن قدامة 6: 47، والشرح الكبير 6: 71، والبحر الزخار 5: 50.
(2) المحلى 8: 193 - 194، والمغني لابن قدامة 6: 153، والشرح الكبير 6: 39، والبحر الزخار 5: 33.
(3) المبسوط 16: 36 - 37، والفتاوى الهندية 4: 449، وتبيين الحقائق 5: 125، وحاشية رد المحتار 6: 55، والمغني لابن قدامة 6: 153، والشرح الكبير 6: 39، والبحر الزخار 5: 32.
(4) الفتاوى الهندية 4: 449، والمغني لابن قدامة 6: 153، والبحر الزخار 5: 32، والشرح الكبير 6: 39.
(5) يستفاد ذلك أيضا من قول السرخسي في المبسوط 16: 37 فلاحظ.

[ 502 ]

الثوب فينخرق، أو يقصره فيتمزق، فيكون عليه الضمان. وبه قال أحمد، واسحاق (1). وقال أبو يوسف ومحمد: إن تلف بأمر ظاهر لا يمكن دفعه كالحريق المنتشر واللهب الغالبة، فانه لا يضمنه. وان تلف بأمر يمكنه دفعه ضمنه (2). وأما الاجير المنفرد فلا ضمان عليه عندهم (3)، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه إذا انفرد بالعمل في غير ملك المستأجر فانه يكون ضامنا متى تلف، بأي شئ تلف، بالسرقة أو بالحريق، أو شئ من فعله أو غير فعله، وهو قول مالك، وابن أبي ليلى، والشعبي (4). والاخر: أنه لا ضمان عليه، سواء كان منفردا أو مشتركا، وقبضه قبض امانة. وهو قول عطاء، وطاوس (5). وقال الربيع: كان الشافعي يعتقد أنه لا ضمان على الصناع بته (6). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (7). وأيضا فان الاصل براءة الذمة، وما

(1) اللباب 2: 41 و 43، والمبسوط 15: 80 - 81، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 201، وتبيين الحقائق 5: 135 و 138، والمغني لابن قدامة 6: 118، والشرح الكبير 6: 135، وبداية المجتهد 2: 229.
(2) اللباب 2: 41 و 43، والهداية 7: 207، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 207، والمبسوط 15: 80 - 81، والفتاوى الهندية 4: 500، وتبيين الحقائق 5: 134 و 138.
(3) انظر المصادر المتقدمة.
(4) مختصر المزني: 127، والمجموع 15: 95، وبداية المجتهد 2: 229، والمغني لابن قدامة 6: 118 و 129، والشرح الكبير 6: 135.
(5) مختصر المزني: 127، والمجموع 15: 95 و 100، والمغني لابن قدامة 6: 118، والشرح الكبير 6: 136.
(6) الام 4: 40، والمجموع 15: 96، والمغني لابن قدامة 6: 118، والشرح الكبير 6: 136.
(7) الكافي 5: 241 باب ضمان الصناع، والتهذيب 7: 218 - 221 حديث 952 و 955 و 957 و 958 و 960 و 963 و 967، والاستبصار 3: 131 - 133 حديث 470 و 472 و 743 و 475 و 476 و 480 و 481.

[ 503 ]

ذكرناه مجمع عليه. وما روي عن علي عليه السلام أنه كان يضمن الاجير (1)، محمول على أنه إذا كان بفعله. مسألة 26: الختان، والبيطار، والحجام يضمنون ما يجنون بأفعالهم، ولم أجد أحدا من الفقهاء ضمنهم (2)، بل حكى المزني أن أحدا لا يضمنهم (3). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة. مسألة 27: إذا حبس حرا أو عبدا مسلما، فسرقت ثيابه، لزمه ضمانها. وقال الشافعي: إن حبس حرا فلا ضمان على حابسه إذا سرقت ثيابه، وان كان عبدا لزمه ضمانها (4). دليلنا: أن الحبس كان سبب السرقة، بدلالة أنه لو لم يحبسه لم تسرق، فوجب عليه الضمان. مسألة 28: الراعي إذا أطلق له الرعي حيث شاء، فلا ضمان على ما يتلف من الغنم، إلا إذا كان هو السبب فيه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه (5). والاخر: عليه الضمان. مثل القول في الصناع سواء (6).

(1) الكافي 5: 242 - 243 حديث 4 و 5 و 9، ومن لا يحضره الفقيه 3: 162 - 163 حديث 714 و 716، والتهذيب 7: 216 - 220 حديث 945 و 956 و 959 و 961 و 962.
(2) انظر مختصر المزني: 127، والمحلى 8: 202، والمغني لابن قدامة 6: 133 - 134، والشرح الكبير 8: 202.
(3) مختصر المزني: 127، والمحلى 8: 202.
(4) انظر المجموع 14: 274.
(5) الام 4: 37 و 40، ومختصر المزني: 127، والمجموع 15: 50 و 98 - 99.
(6) الام 4: 37 و 40، ومختصر المزني: 127، والمجموع 15: 50 و 98 - 99.

[ 504 ]

دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، فمن شغلها فعليه الدلالة. مسألة 29: إذا اكترى دابة فركبها أو حمل عليها، فضربها أو كبحها باللجام على ما جرت به العادة في التسيير، فتلفت، فلا ضمان عليه، وان كان ذلك خارجا عن العادة لزمه الضمان. وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد (1). وقال أبو حنيفة: عليه الضمان في الحالين (3). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، فعلى من شغلها بشئ الدلالة. مسألة 30: إذا سلم مملوكا إلى معلم، فمات حتف أنفه، أو وقع عليه شئ من السقف فمات من غير تعد من المعلم، فلا ضمان عليه. وللشافعي فيه قولان مثل ما قال في الوديعة (3). دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، فمن علق عليها شيئا فعليه الدلالة. مسألة 31: إذا عزر الامام رجلا فادى الى تلفه، لم يجب عليه الضمان. وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: يجب فيه الضمان (5). وأين يجب؟ فيه قولان: أحدهما في بيت المال. والاخر على عاقلته.

(1) الام 4: 37، ومختصر المزني: 127، والمجموع 15: 54 - 55 وكفاية الاخيار 1: 193، والسراج الوهاج: 294، ومغني المحتاج 2: 353، واللباب 2: 40، والمبسوط 15: 174، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 170، وتبيين الحقائق 5: 118.
(2) اللباب 2: 40، والمبسوط 15: 174، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 170، وشرح فتح القدير 7: 170، والفتاوى الهندية 4: 493، وتبيين الحقائق 5: 118، وحاشية رد المحتار 6: 39، والمجموع 15: 55.
(3) المجموع 14: 178 و 15: 95، والوجيز 1: 284 و 286، والمغني لابن قدامة 6: 130 - 131.
(4) الفتاوى البزازية في هامش الفتاوى الهندية 6: 430، ومختصر المزني: 128، والشرح الكبير 10: 131، والبحر الزخار 6: 212،.
(5) مختصر المزني: 128، والمجموع 20: 122، والوجيز 2: 183، والبحر الزخار 6: 196، و 212.

[ 505 ]

وإذا قال: على عاقلته فالكفارة في ماله (1). وإذا قال: في بيت المال فالكفارة على قولين: أحدهما: في بيت المال أيضا. والثاني: في ماله (2). دليلنا: أن الاصل براءه الذمة، فلا يعلق عليها شئ إلا بدليل. وأيضا فانه فعل من التعزيز ما أمره الله به، فلا يلزمه الضمان، كما أن الحدود إذا أقامها فتلف المحدود لم يلزمه الضمان بلا خلاف. مسألة 32: إذا أسلم الثوب إلى غسال، وقال له: إغسله. ولم يشرط الاجرة، ولا عرض له بها، فغسله لزمته الاجرة. وإن لم يأمره بغسله، فغسله، لم تكن له أجرة. وبه قال المزني (3). والذي نص الشافعي عليه: أنه إذا لم يشرط، ولم يعرض، لا أجرة له (4). وفي أصحابه من قال: إن كان الرجل معروفا بأخذ الاجرة على الغسل وجبت له الاجرة، وإن لم يكن معروفا بأخذ الاجرة على الغسل، لم تجب له الاجرة (5). ومنهم من قال: إن كان صاحب الثوب هو الذي سأله أن يغسله لزمته الاجرة، وإن كان الغسال هو الذي طلب منه الثوب ليغسله فلا اجرة له، ومذهبهم ما نص عليه الشافعي أنه لا أجرة له (6).

(1) مختصر المزني: 128، والوجيز 2: 184، والبحر الزخار 6: 196.
(2) مختصر المزني: 128، والوجيز 2: 184.
(3) المجموع 15: 110 - 111.
(4) المجموع 15: 110 - 111، والسراج الوهاج: 294، والوجيز 1: 237، ومغني المحتاج 2: 352، والمغني لابن قدامة 6: 162، والشرح الكبير 6: 22.
(5) المجموع 15: 110 - 111، والسراج الوهاج: 294، ومغني المحتاج 2: 352، وفتح المعين: 82 - 83، والوجيز 1: 237.
(6) المجموع 15: 110 - 111، ومغني المحتاج 2: 352، والسراج الوهاج: 294، وفتح العين: 82 - 83،

[ 506 ]

دليلنا: طريقة الاحتياط، لانه إذا أعطاه الاجرة برئت ذمته بلا خلاف، وإذا لم يعطه لم تبرأ ذمته بذلك. مسألة 33: إجارة المشاع جائزة، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا تجوز (2). دليلنا: أن الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 34: إذا سلم الى الخياط ثوبا، فقطعه الخياط قباء، ثم اختلفا، فقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قميصا فخالفت. وقال الخياط: بل قلت اقطع قباء فقد فعلت ما امرت، فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه. وبه قال أبو حنيفة (3). وهو الذي اختاره الشافعي على ما حكاه أبو اسحاق والقاضي أبو حامد ونقله المزني في جامعه عن الشافعي حكاية قوليهما - يعني أبا حنيفة وابن أبي ليلى - وقال: وكلاهما مدخول (4). وقال أبو علي في الافصاح: إن الشافعي ذكر في موضع من كتبه أنهما يتحالفان (5).

والمغني لابن قدامة 6: 162، والشرح الكبير 6: 22. (1) المجموع 15: 7، وفتح العزيز 12: 262، وبداية المجتهد 2: 225، والمحلى 8: 200، والشرح الكبير 6: 46، والبحر الزخار 5: 35.
(2) اللباب 2: 48، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 180، وشرح العناية على الهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 180، وتبيين الحقائق 5: 125، وبداية المجتهد 2: 225، والمحلى 8: 201، والشرح الكبير 6: 46، وفتح العزيز 12: 262، والبحر الزخار 5: 35.
(3) اللباب 2: 50 - 51، والهداية المطبوع بهامش شرح الفتح القدير 7: 218، وشرح العناية على الهداية 7: 218، والفتاوى الهندية 4: 479، وتبيين الحقائق 5: 142، وحاشية رد المحتار 6: 75، والام 4: 40، والمجموع 15: 105 و 109، ومختصر المزني: 128، والمغني لابن قدامة 6: 125، والشرح الكبير 6: 148.
(4) الام 4: 40، ومختصر المزني: 128، والوجيز 1: 237 - 238، والمجموع 15: 105 - 106، والسراج الوهاج: 295، ومغني المحتاج 2: 354، والمغني لابن قدامة 6: 125، والشرح الكبير 6: 148.
(5) المجموع 15: 107.

[ 507 ]

واختلف أصحابه في ترتيبهما: فمنهم من قال: المسألة على قولين: أخذهما: القول قول الخياط. والاخر: القول قول رب الثوب. والثاني: أنهما يتحالفان (1). ومنهم من قال: يتحالفان قولا واحدا (2). دليلنا: أن المالك رب الثوب، والخياط مدعي للاذن في قطع القباء فعليه البينة، فإذا فقدها فعلى المالك اليمين. ولانهما لو اختلفا في أصل القطع لكان القول قول رب الثوب، فكذلك في صفة القطع. وكنا قلنا فيما تقدم في هذه المسألة: أن القول قول الخياط، لانه غارم، وأن رب الثوب يدعي عليه قطعا لم يأمره به، فيلزمه بذلك ضمان الثوب، فكان عليه البينة، فإذا فقدها وجب على الخياط اليمين وهذا أيضا قوي. مسألة 35: إذا اكترى منه بهيمة ليقطع بها مسافة، فامسكها قدر قطع المسافة ولم يسيرها فيها، استقرت عليه الاجرة. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: لا تستقر عليه حتى يسيرها في بقاع تلك المسافة (4).

(1) المجموع 15: 106، ومغني المحتاج 2: 354 - 355، والسراج الوهاج: 295، والمغني لابن قدامة 6: 125، والشرح الكبير 6: 148، والوجيز 1: 238.
(2) المجموع 15: 106، والوجيز 1: 238، والمغني لابن قدامة 6: 125، والشرح الكبير 6: 148.
(3) مختصر المزني: 128، والسراج الوهاج: 296، ومغني المحتاج 2: 358، والوجيز 1: 237، والمغني لابن قدامة 6: 20.
(4) المبسوط 15: 176 - 177 و 184، وشرح فتح القدير 7: 158، وشرح العناية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 7: 158، والاشباه والنظائر لابن نجيم: 267، والمغني لابن قدامة 6: 20 - 21.

[ 508 ]

دليلنا: ما دللنا عليه من أن مال الاجارة يلزم بنفس العقد، والتمكين من التسيير قد حصل، فوجب عليه الاجرة، فمن أسقطها فعليه الدلالة. مسألة 36: إذا استاجر دارا على أن يتخذها مسجدا يصلي فيه، صحت الاجارة. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا تصح (2). دليلنا: أن الاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دليل. مسألة 37: إذا استجار دارا ليتخذها ماخورا (3) يبيع فيها الخمر، أو ليتخذها كنيسة، أو بيت نار، فان ذلك لا يجوز والعقد باطل. وقال أبو حنيفة: العقد صحيح، ويعمل فيه غير ذلك من الاعمال المباحة دون ما استاجره له. وبه قال الشافعي (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5). وأيضا فهذه الاشياء محظورة بلا خلاف، فلا يجوز الاستيجار لها. مسألة 38: إذا استاجر رجلا لينقل له خمرا من موضع الى موضع لم تصح الاجارة. وبه قال الشافعي (6).

(1) المجموع 15: 39، وفتح العزيز 12: 356، والشرح الكبير 6: 42، والبحر الزخار 5: 31، والمغني لابن قدامة 6: 146.
(2) الفتاوى الهندية 4: 450، والشرح الكبير 6: 42، والبحر الزخار 5: 31، والمغني لابن قدامة 6: 146 - 147.
(3) قال ابن الاثير في النهاية 4: 306 ما لفظه: ماخور، وهو مجلس الريبة، ومجمع أهل الفسق والفساد، وبيوت الخمارين.
(4) المبسوط 16: 38، والفتاوى الهندية 4: 450، والمغني لابن قدامة 6: 151، والشرح الكبير 6: 35، والبحر الزخار 5: 37.
(5) الكافي 5: 227 حديث 6 و 8، والتهذيب 6: 371 - 372 حديث 1077 و 1078، والاستبصار 3: 55 حديث 179 و 180.
(6) كفاية الاخيار 1: 191، والمغني لابن قدامة 6: 159 - 150، والشرح الكبير 6: 36، والبحر الزخار 5: 31.

[ 509 ]

وقال أبو حنيفة: تصح كما لو استأجره لينقل الخمر الى الصحراء ليريقه (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 39: إذا استاجره ليخيط له ثوبا بعينه، وقال: إن خطته اليوم فلك درهم، وإن خطته غدا فلك نصف درهم. صح العقد فيهما، فان خاطه في اليوم الاول كان له الدرهم، وإن خاطه في الغد كان له نصف درهم. وقال أبو حنيفة: إن خاطه في اليوم الاول بمثل ما قلناه، وإن خاطه في الغد له أجرة المثل، وهو ما بين النصف المسمى الى الدرهم، فلا يبلغ درهما ولا ينقص عن نصف ودرهم (2). وقال الشافعي: هذا عقد باطل في اليوم والغد (3). دليلنا: أن الاصل جواز ذلك، والمنع يحتاج إلى دليل. وقوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " (4). وفي أخبارهم ما يجري مثل هذه المسألة بعينها منصوصة، وهي أن يستأجر منه دابة على أن يوافي به يوما بعينه على أجرة معينة، فان لم يواف به ذلك اليوم كان أجرتها أقل من ذلك، وان هذا جائز (5)، وهذه بعينها سواء.

(1) النتف 2: 574، والمبسوط 16: 38 - 39، والفتاوى الهندية 4: 449، والبحر الزخار 5: 31، والمغني لابن قدامة 6: 150، والشرح الكبير 6: 36.
(2) اللباب 2: 46، والمبسوط 15: 99 - 100، والفتاوى الهندية 4: 423، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 208، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 208، وتبيين الحقائق 5: 139، والمغني لابن قدامة 6: 98، والشرح الكبير 6: 27، وفتح العزيز 12: 202.
(3) الوجيز 1: 232، وفتح العزيز 12: 202، والمبسوط 15: 100، والمغني لابن قدامة 6: 98، والشرح الكبير 6: 26.
(4) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064.
(5) الكافي 5: 290 حديث 4 و 5، ومن لا يحضره الفقيه 3: 21 - 22 حديث 57 و 58، والتهذيب

[ 510 ]

مسألة 40: إذا استأجره لخياطة ثوب، وقال: إن خطته روميا - وهو الذي يكون بدرزين - فلك درهم، وإن خطته فارسيا - وهو الذي يكون بدرز واحد - فلك نصف درهم، صح العقد. وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: لا يصح (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 41: يجوز إجارة الدراهم والدنانير. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (3). والاخر لا يجوز (4). دليلنا: أن الاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دليل. ولانه ينتفع بها مع بقاء عينها، مثل أن ينثرها ويسترجعها، أو يضعها بين يديه ليتجمل بها وغير ذلك. مسألة 42: إذا استأجر دراهم أو دنانير، وعين جهة الانتفاع بها، كان على ما شرط، وصحت الاجارة. وإن لم يعين بطلت الاجارة، وكانت قرضا. وبه قال أبو حنيفة (5). وقال الشافعي: إن لم يعين جهة الانتفاع لم يصح العقد، ولا يكون

7: 214 حديث 940 و 941. (1) اللباب 2: 45، والمبسوط 15: 100، والهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 208، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 208، والفتاوى الهندية 4: 422، وتبيين الحقائق 5: 138 و 140، والمغني لابن قدامة 6: 99، والشرح الكبير 6: 27، وفتح العزيز 12: 202.
(2) فتح العزيز 12: 202، والمبسوط 15: 100.
(3) المجموع 15: 4 و 6، وفتح العزيز 12: 224، والمغني لابن قدامة 6: 144، والشرح الكبير 6: 40.
(4) المجموع 15: 4 و 6، والسراج الوهاج: 288، وكفاية الاخيار 1: 191، والوجيز 1: 230، وفتح العزيز 12: 224، وفتح العين: 81، والمغني لابن قدامة 6: 144، والشرح الكبير 6: 40.
(5) المبسوط 16: 31 و 32، والمغني لابن قدامة 6: 144، والشرح الكبير 6: 40، وفتح العزيز 12: 225 - 226.

[ 511 ]

قرضا (1). دليلنا: أن العادة في دراهم الغير ودنانيره أن لا ينتفع بها إلا على وجه القرض، فإذا أطلق له الانتفاع رجع الاطلاق إلى ما يقتضيه العرف. مسألة 43: يصح إجارة كلب الصيد للصيد وحفظ الماشية والزرع. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (2). والاخر: أنه لا يجوز ذلك (3). دليلنا: أن الاصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل. ولان بيع هذه الكلاب يجوز عندنا، وما يصح بيعه يصح إجارته بلا خلاف. مسألة 44: إذا استأجره لينقل له ميتة على أن يكون له جلدها، لم يصح بلا خلاف. وإن استاجره ليسلخ له مذكى على أن يكون له جلده كان جائزا عندنا. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك، لانه مجهول (4). دليلنا: أن الاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دليل. وأيضا فانه ليس بمجهول. لانه مشاهد. مسألة 45: إذا استأجره ليطحن له دقيقا على أن يكون له صاعا منه صح. وقال الشافعي: لا يصح، لانه مجهول، لانه لا يدري هل يكون ناعما أو

(1) كفاية الاخيار 1: 191، وفتح العزيز 12: 225، والمغني لابن قدامة 6: 145، والشرح الكبير 6: 40.
(2) المجموع 15: 3، والوجيز 1: 23، وفتح العزيز 12: 221 و 232 والشرح الكبير 6: 38.
(3) المجموع 15: 3، ومغني المحتاج 2: 335، والسراج الوهاج: 288، والوجيز 1: 230، وفتح العزيز 12: 232، والشرح الكبير 6: 38.
(4) مغني المحتاج 2: 335، والسراج الوهاج: 288، وكفاية الاخيار 1: 193 - 194، وفتح العزيز 12: 203.

[ 512 ]

خشنا (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 46: إذا استأجر رجلان جملة للعقبة، صحت الاجارة، سواء كان في الذمة أو معينا. وبه قال الشافعي (2). وقال المزني: إن كان معينا لم يجز، لانه إذا سلم إلى أحدهما تأخر التسليم الى الاخر، فيكون ذلك عقدا قد شرط فيه تأخير التسليم، وقد تناول عينا فلم يجز (3). دليلنا: هو أن الاصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل، وليس فيه تأخر التسليم، لانه يسلم الجمل اليهما معا، يتناوبان بعد التسليم على ما يتفقان عليه.

(1) السراج الوهاج: 288 ومغني المحتاج 2: 335، وفتح العزيز 12: 211.
(2) المجموع 15: 39 - 40، ومغني المحتاج 2: 339، والسراج الوهاج: 289، وفتح العزيز 12: 261، والمغني لابن قدامة 6: 110 - 111، والشرح الكبير 6: 110.
(3) المجموع 15: 39، والوجيز 1: 231، وفتح العزيز 12: 260 - 261.

[ 513 ]

كتاب المزارعة

[ 515 ]

مسألة 1: المزارعة بالثلث، والربع، والنصف، أو أقل، أو أكثر بعد أن يكون بينهما مشاعا جائزة. وبه قال في الصحابة علي عليه السلام، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، وخباب بن الارت (1). وفي الفقهاء ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، واسحاق (2). وقال قوم: أنها لا تجوز. ذهب إليه ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبو هريرة. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأبو ثور (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4)، فانهم لا يختلفون في ذلك: وأيضا الاصل

(1) خباب بن الارت بن جندلة بن سعد بن خزيمة التميمي، وقيل: خزاعي، عده جمع من المؤرخين في عداد الصحابة، مات سنة تسع وثلاثين بعد أن شهد صفين والنهروان مع أمير المؤمنين عليه السلام، وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة. وقف أمير المؤمنين عليه السلام على قبره وقال: رحم الله خبابا، أسلم راغبا وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا وابتلى في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا. انظر تنقيح المقال 1: 395.
(2) المبسوط 23: 17، واللباب 2: 177، وعمدة القاري 12: 167، وبدائع الصنائع 6: 175، والمجموع 14: 421، وكفاية الاخيار 1: 195، والاقناع 2: 280، والمغني لابن قدامة 5: 582 و 598، والشرح الكبير 5: 581 - 582، ونيل الاوطار 6: 10، والبحر الزخار 5: 64.
(3) النتف 2: 548، والمبسوط 23: 15 و 17، واللباب 2: 177، وعمدة القاري 12: 164 و 167، وبدائع الصنائع 6: 175، والفتاوى الهندية 5: 235، وتبيين الحقائق 5: 278، والام 4: 12 و 15، ومختصر المزني: 128، والمجموع 14: 420 - 421، ومغني المحتاج 2: 323، وكفاية الاخيار 1: 194، والمحلى 8: 190، وفتح الرحيم 3: 14، ونيل الاوطار 6: 8، والبحر الزخار 5: 64.
(4) الكافي 5: 267 حديث 3 والتهذيب 7: 197 حديث 871، والاستبصار 3: 128 حديث 458 و 459.

[ 516 ]

جوازه، والمنع يحتاج الى دلالة. وأيضا روى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله عامل أهل خيبر بشرط ما يخرج من ثمر أو زرع (1). وروى مقسم، عن ابن عباس: أن النبي دفع خيبر أرضها ونخلها إلى أهلها مقاسمة على النصف (2). وروى عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت أنه قال: يغفر الله لرافع بن خديج (3)، أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجللان من الانصار اقتتلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن كان هذا شأنكما فلا تكروا المزارع (4). وهذا يدل على أن النهي ليس بنهي تحريم، لانه قال على وجه المشورة وطلب الصلاح. مسألة 2: يجوز إجارة الارضين للزراعة. وبه قال جميع الفقهاء (5).

(1) صحيح البخاري 3: 137 و 138، وصحيح مسلم 3: 1186 حديث 1551، وسنن ابن ماجة 2: 824 حديث 2467، وسنن أبي داود 3: 262 حديث 3408، وسنن الترمذي 3: 666 حديث 1383، وسنن الدارقطني 3: 37 حديث 151، ومعجم الطبراني الصغير 1: 28 و 73 باختلاف يسير في بعض الفاظه.
(2) سنن الدارقطني 3: 37 حديث 149، وسنن ابن ماجة 2: 824 حديث 2468 باختلاف يسير في لفظ الحديث.
(3) رافع بن خديج بن رافع بن عدي الخزرجي الانصاري الحارثى، أبو عبد الله ويقال: أبو رافع، شهد أحدا والخندق، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله مات سنة 73، وقيل انه مات سنة 74 هجرية تهذيب التهذيب 3: 229.
(4) سنن أبي داود 3: 257 حديث 3390، والدراية في تخريج أحاديث الهداية 2: 204 ذيل الحديث 898.
(5) النتف 2: 569، والمبسوط 23: 15 و 41، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 166، وشرح فتح القدير 7: 166، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 166، والام 4: 12 و 13 ومختصر المزني: 128، وكفاية الاخيار 1: 191 و 194، واللباب 2: 37، والاقناع 2: 285، والمغني لابن قدامة 6: 67، وتبيين الحقائق 5: 114.

[ 517 ]

وحكي عن الحسن وطاوس أنهما قالا: لا يجوز ذلك (1). وحكى أبو بكر بن المنذر عنهما أنهما جوزا المزارعة (2). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع المسلمين، لان هذا الخلاف قد انقرض. ولان الاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دليل. وروى سعد بن أبي وقاص قال: كنا نكري الارض بما على السواقي فنهانا رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمرنا أن نكريها بذهب أو فضة (3). مسألة 3: يجوز اجارة الارض بكل ما يصح أن يكون ثمنا من ذهب، أو فضة، أو طعام. وبه قال الشافعي وغيره (4). وقال مالك: لا يجوز إكراؤها بالطعام، وبكل ما يخرج منها (5). دليلنا: إجماع الفرقة، فانهم لا يختلفون فيه، إلا أن يشرط الطعام منها فان ذلك لا يجوز، فأما بطعام في الذمة فانه يجوز على كل حال. مسألة 4: إذا أكراه أرضا ليزرع فيها طعاما، صح العقد، ولا يجوز له أن يزرع

(1) بداية المجتهد 2: 219، والمحلى 8: 190، وعمدة القاري 12: 164، والمغني لابن قدامة 5: 596، والشرح الكبير 5: 595.
(2) انظر المغني لابن قدامة 5: 596، والشرح الكبير 5: 595.
(3) روى أبو داود في سننه 3: 258 حديث 3391 باسناده عن سعد قال: كنا نكري الارض بما على السواقي من الزرع وما سعد بالماء منها، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك وأمرنا أن نكريها بذهب أو فضة، وروى نحوه الدارمي في سننه 2: 271 باب الرخصة في كراء الارض بالذهب والفضة.
(4) الام 4: 12 و 14 - 15، والمزني: 128، والمجموع 14: 420، وكفاية الاخيار 1: 194 - 195، ونيل الاوطار 6: 10، وبداية المجتهد 2: 219، والمغني لابن قدامة 5: 596 - 597 و 598، والشرح الكبير 5: 595 - 596، وعمدة القاري 12: 164.
(5) بداية المجتهد 2: 219، ونيل الاوطار 6: 10، والمدونة الكبرى 4: 543 - 544، والموطأ 2: 712، وفتح الرحيم 3: 10 - 11 و 15، والمغني لابن قدامة 5: 598، والشرح الكبير 5: 596 - 597، وعمدة القاري 12: 164، والبحر الزخار 5: 38.

[ 518 ]

غيره. وبه قال داود (1). وقال أبو حنيفة والشافعي وعامة الفقهاء: أنه إذا عين الطعام بطل الشرط والعقد (2). وللشافعي في بطلان الشرط قول واحد، وفي بطلان العقد وجهان (3). دليلنا: قوله تعالى: " اوفوا بالعقود " (4) والايفاء بالعقد أن يزرع ما سمى وما تناوله العقد. وقوله " المؤمنون عند شروطهم " (5) يدل عليه أيضا. مسألة 5: إذا أكرى أرضا للزراعة ولم يعين ما يزرع فيها، صح العقد، وله أن يزرع ما شاء وان كان أبلغ ضررا وعليه أكثر أصحاب الشافعي (6). وقال أبو العباس: لا يجوز ذلك، لان أنواع الزرع تختلف وتتباين، فلابد من التعيين (7). دليلنا: أن الاصل جوازه، والمنع يحتاج الى دليل، ولان الزراعة وان اختلفت فاختلافها متقارب، فيجري مجرى النوع الواحد.

(1) المحلى 8: 190، والمجموع 15: 62، والمغني لابن قدامة 6: 68، والشرح الكبير 6: 88.
(2) بدائع الصنائع 6: 178، والمجموع 15: 62 - 63، والمغني لابن قدامة 4: 16، ومختصر المزني: 129، والشرح الكبير 6: 89.
(3) الام 4: 16، والمجموع 15: 63، ومختصر المزني: 129.
(4) المائدة: 1.
(5) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386.
(6) الام 4: 17، والمجموع 15: 79، ومغني المحتاج 2: 342، والسراج الوهاج 1: 290، والمغني لابن قدامة 6: 67، ومختصر المزني: 129، والوجيز 12: 233، وفتح العزيز 12: 357، والشرح الكبير 6: 87.
(7) المغني لابن قدامة 6: 67، ومغني المحتاج 2: 343، والوجيز 1: 233، وفتح العزيز 12: 357، والشرح الكبير 6: 87.

[ 519 ]

مسألة 6: إذا أكرى أرضا للغراس وأطلق جاز. وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (1). وقال أبو العباس: لا يجوز ذلك، لانه يختلف (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 7: إذا أكراه أرضا على أن يزرع فيها ويغرس، ولم يعين مقدار كل واحد منهما، لم يجز. وبه قال المزني وأكثر أصحاب الشافعي (3). وقال أبو الطيب بن سلمة: يجوز أن يزرع نصفه ويغرس نصفه (4). وقال الشافعي: نصا أنه يجوز (5). وقال أصحابه: إنما أراد بذلك التخيير بين أن يزرع كلها أو يغرس كلها، فأما من النوعين بلا تعيين فلا يجوز (6). دليلنا: أن ذلك مجهول، وضررهما مختلف، فإذا لم يعين بطل العقد. مسألة 8: إذا أكراه أرضا سنة للغراس، فغرس في مدة السنة، ثم خرجت السنة لم يكن للمكري المطالبة بقلع الغراس إلا بشرط أن يغرم قيمته، فإذا غرم قيمته أجبر على أخذه وصار الارض بما فيها له، أو يجبره على القلع، ويلزمه ما بين

(1) السراج الوهاج 1: 290، ومغني المحتاج 2: 342، والوجيز 1: 235، وفتح العزيز 12: 357، والمغني لابن قدامة 6: 66.
(2) انظر الوجيز 1: 235، وفتح العزيز 12: 357، والمغني لابن قدامة 6: 66.
(3) المجموع 15: 14 و 70، والوجيز 1: 233، وفتح العزيز 12: 358 - 359، والمغني لابن قدامة 6: 66، ومغني المحتاج 2: 342، ومختصر المزني: 129، والشرح الكبير 6: 87.
(4) الوجيز 1: 233، وفتح العزيز 12: 358، والمغني لابن قدامة 6: 66.
(5) الام 4: 18، والوجيز 1: 233، وفتح العزيز 12: 358، والمغني لابن قدامة 6: 66، ومختصر المزني: 129، والشرح الكبير 6: 87.
(6) مغني المحتاج 2: 342، والسراج الوهاج 1: 290، والوجيز 1: 233، وفتح العزيز 12: 358 - 359، والمغني لابن قدامة 6: 66، والشرح الكبير 6: 87.

[ 520 ]

قيمتها ثابتة ومقلوعة. وبه قال الشافعي وأصحابه (1). وقال أبو حنيفة والمزني: له أن يجبره على القلع من غير أن يغرم له شيئا (2). دليلنا: قوله عليه السلام: " ليس لعرق ظالم حق " (3) فدل على أن العرق إذا كان لغير ظالم له حق. وروت عائشة أن النبي عليه السلام قال: " من غرس في رباع قوم باذنهم فله القيمة " (4). ومثل هذا رواه أصحابنا (5)، وعليه إجماعهم. مسألة 9: إذا استاجر دارا أو أرضا، إجارة صحيحة أو فاسدة مدة معلومة، ومضت المدة، استقرت الاجرة على المستأجر، إنتفع أو لم ينتفع. وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: إن كانت الاجارة صحيحة مثل ما قلنا، وإن كانت فاسدة لم تستقر الاجرة عليه حتى ينتفع بالمستاجر. فأما إذا مضت المدة ولم ينتفع به، فإن الاجرة تستقر عليه (7).

(1) الام 4: 18، ومختصر المزني: 129، والمجموع 15: 65 و 70، والمغني لابن قدامة 6: 75، والوجيز 1: 235، والشرح الكبير 6: 158 - 159.
(2) اللباب 2: 38، ومختصر المزني: 130، والهداية المطبوع شرح فتح القدير 7: 167، وشرح فتح القدير 7: 167، والمجموع 15: 69 و 71، والمغني لابن قدامة 6: 75، والشرح الكبير 6: 159، وتبيين الحقائق 5: 114.
(3) صحيح البخاري 3: 140، وسنن الترمذي 3: 662 حديث 1378، وسنن أبي داود حديث 3073.
(4) رواه البيهقي في سننه الكبرى 6: 91 مع ابدال كلمة " غرس " بكلمة " بنى ".
(5) انظر الكافي 5: 297 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 3: 156 حديث 684، والتهذيب 7: 206 حديث 907.
(6) الام 4: 18، والمجموع 15: 33 - 34، ومختصر المزني: 128، والوجيز 1: 237، والسراج الوهاج: 296، ومغني المحتاج 2: 358، والمغني لابن قدامة 6: 20، والشرح الكبير 6: 157.
(7) الهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 152، 153 و 157، و 158، وشرح فتح القدير 7: 152 و 153 و 157، والفتاوى الهندية 4: 413، والمبسوط 15: 176 - 177 و 184، واللباب 2: 44 و 52، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 158، وتبيين الحقائق 5: 109 و 121،

[ 521 ]

دليلنا: أن هذه المنافع تلفت في يده فلزمه ضمانها، وإن لم ينتفع كما لو انتفع بها. مسألة 10: إذا اختلف المكتري والمكري في قدر المنفعة أو الاجرة. قال الشافعي: يتحالفان مثل المتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن أو المثمن، فان كان لم يمض من المدة شئ، رجع كل واحد منهما إلى حقه، وإن كان بعد مضي المدة في يد المكتري لزمه أجرة المثل (1). ويجئ على مذهب أبي حنيفة أنه إذا كان قبل مضي المدة يتحالفان، وإن كان بعد مضي المدة في يد المكتري لم يتحالفا، وكان القول قول المكتري كما قال في البيع إن القول قول المشتري إذا كانت السلعة تالفة (2) والذي يليق بمذهبنا أن يستعمل فيه القرعة، فمن خرج اسمه حلف، وحكم له به، لاجماع الفرقة على أن كل مشتبه يرد الى القرعة. مسألة 11: إذا زرع أرض غيره، ثم اختلفا، فقال الزارع: أعرتنيها. وقال رب الارض: بل أكريتكها. وليس مع واحد منهما بينة، حكم بالقرعة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما وعليه أكثر أصحابه أن القول قول الزارع. وكذلك في الراكب إذا ادعى أن صاحب الدابة أعاره إياها (3) وهو الذي يقوى في نفسي.

والمغني لابن قدامة 6: 20 - 21، والشرح الكبير 6: 157. (1) الام 4: 32 و 39، والمجموع 15: 105 و 108، وفتح العين في شرح قرة اللعين: 83، والمغني لابن قدامة 6: 160 والشرح الكبير 6: 152.
(2) الام 4: 39، والمجموع 15: 107 - 108، والمغني لابن قدامة 6: 160، والشرح الكبير 6: 152.
(3) المجموع 14: 220 و 222 - 223، والام 3: 245، ومختصر المزني: 116، والسراج الوهاج: 266، ومغني المحتاج 2: 273 - 274، والوجيز 1: 205، وفتح العزيز 11: 232 - 233 وفتح المعين في شرح قرة العين: 84، والمغني لابن قدامة 5: 371، والشرح الكبير 5: 371.

[ 522 ]

والقول الثاني: أن القول قول رب الارض، ورب الدابة (1). وحكى أبو علي الطبري أن في أصحابه من حمل المسألتين على ظاهرهما، وفرق بينهما بأن العادة جرت باعارة الدواب، وفي الارض بالاجارة دون العارية (2). دليلنا على ما قلناه أولا: إجماع الفرقة على أن كل مجهول مشتبه فيه القرعة، وهذا مثل ذلك. وأما على ما قلناه ثانيا: هو أن الاصل براءة الذمة، وصاحب الدابة والارض يدعي الاجرة، فعليه البينة، فإذا عدمها كان على الراكب والزارع اليمين.

(1) الام 4: 21 - 22، ومختصر المزني: 130، والمجموع و 222 - 223، والسراج الوهاج: 266، ومغني المحتاج 2: 273 - 274، والوجيز 1: 205، وفتح العزيز 11: 232 - 233.
(2) انظر المجموع 14: 220 و 222 - 223.

[ 523 ]

كتاب إحياء الموات

[ 525 ]

مسألة 1: الارضون العامرة في بلاد الاسلام التي لا يعرف لها صاحب معين للامام خاصة. وقال أبو حنيفة: أنها تملك بالاحياء إذا أذن الامام في ذلك (1). وقال الشافعي: لا تملك (2). دليلنا: إجماع الفرقة على أن أرض الموات للامام خاصة، فانها من جملة الانفال، ولم يفصلوا بين ما يكون في دار الاسلام وبين ما يكون في دار الحرب. مسألة 2: الارضون العامرة في بلد الشرك التي لم يجر عليها ملك أحد، للامام خاصة. وقال الشافعي: كل من أحياها من مشرك ومسلم، فانه يملك بذلك (3). دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء. مسألة 3: الارضون الموات للامام خاصة، لا يملكها أحد بالاحياء، إلا أن يأذن له الامام.

(1) اللباب 2: 168، وفتاوى قاضيخان 3: 219، والفتاوى الهندية 5: 386، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 8: 136، وتبيين الحقائق 6: 35، وحاشية رد المحتار 6: 432، والمجموع 15: 210، والمغني لابن قدامة 6: 166، والشرح الكبير 6: 166.
(2) الام 4: 46 و 7: 230، ومختصر المزني: 130، والمجموع 15: 204 و 210، والوجيز 1: 241.
(3) المجموع 15: 204، والوجيز 1: 241، والسراج الوهاج: 297، ومغني المحتاج 2: 362 - 363، وكفاية الاخيار 1: 196.

[ 526 ]

وقال الشافعي: من أحياها ملكها، أذن له الامام أو لم يأذن (1). وقال أبو حنيفة: لا يملك إلا باذن (2). وهو قول مالك (3) وهذا مثل ما قلناه، إلا أنه لا يحفظ عنهم أنهم قالوا: هي للامام خاصة، بل الظاهر أنهم يقولون لا مالك لها. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم وهي كثيرة (4). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه " (5) وإنما تطيب نفسه إذا أذن فيه. مسألة 4: إذا أذن الامام للذمي في إحياء أرض الموات في بلاد الاسلام فانه يملك بالاذن. وبه قال أبو حنيفة (6).

(1) الام 4: 45، و 7: 230، ومختصر المزني: 130، والمجموع 8: 233، والوجيز 1: 241، وكفاية الاخيار 1: 195، والسراج الوهاج: 297، ومغني المحتاج 2: 362، والمغني لابن قدامة 6: 164 و 204، والمحلى 8: 233.
(2) اللباب 2: 168، وفتاوى قاضيخان 3: 219، والفتاوى الهندية 5: 386، وتبيين الحقائق 356، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 8: 136، وحاشية رد المحتار 6: 432، والمغني لابن قدامة 6: 204، والمبسوط 23: 167، والمحلى 8: 233.
(3) أسهل المدارك 3: 52 - 53، وجواهر الاكليل 2: 202، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 296، والخرشي 7: 70، والمحلى 8: 233.
(4) انظرها في الكافي 5: 279 باب احياء الموات حديث 1 - 6، ومن لا يحضره الفقيه 3: 151 باب احياء الموات والارضين حديث 665 وما بعده، والتهذيب 7: 152 حديث 671 - 674، والاستبصار 3: 107 حديث 379 - 383.
(5) الدراية 2: 244، ومجمع الزوائد 5: 331، وفيه رواه الطبراني في الكبير والاوسط، والمحلى 8: 234، وفيه: " إنما للمرء " بدلا من " ليس للمرء ".
(6) اللباب 2: 169، وتبيين الحقائق 6: 35، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 8: 138، والفتاوى الهندية 5: 386، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 8: 138، والمجموع 15: 208.

[ 527 ]

وقال الشافعي: لا يجوز للامام ان يأذن له فيه فان اذن له فاحياها لم يملك (1). دليلنا قوله عليه السلام: " من أحيى ميتة فهي له " (2). وقوله " من أحاط حائطا على الارض فهي له " (3) وهذا عام في الجميع. مسألة 5: إذا أحيى أرضا مواتا بقرب العامر الذي هو لغيره، باذن الامام، ملك بالاحياء. وبه قال الشافعي، غير أنه لم يعتبر إذن الامام (4). وقال مالك: لا يملكه، لان في ذلك ضررا على هذه العامر (5). دليلنا: قوله عليه السلام: " من أحيى أرضا ميتة فهي له " (6). وكذلك الاخبار الاخر تدل على ما قلناه لعمومها (7). وروي أن النبي عليه السلام أقطع الدور بالمدينة، فقال: حي من بني زهرة

(1) المجموع 15: 205 و 208، والوجيز 1: 241، وكفاية الاخيار 1: 195.
(2) السنن الكبرى 6: 143، وسنن الترمذي 3: 662 حديث 1378 - 1379، وسنن أبي داود 3: 178 حديث 3073 - 3074، وترتيب مسند الشافعي 2: 134 حديث 439. ورواه الشيخ الطوسي قدس سره في التهذيب 7: 152 حديث 673 بلفظ: من احيى أرضا مواتا فهي له.
(3) مسند أحمد بن حنبل 5: 12 و 21، وسنن أبي داود: 3: 179 حديث 3077، والسنن الكبرى 6: 148.
(4) الام 4: 41، ومختصر المزني: 130، والمجموع 15: 204، ومغني المحتاج 2: 361، والسراج الوهاج: 297، والمحلى 8: 232، والمغني لابن قدامة 6: 169 و 204، والشرح الكبير 6: 168 و 170 171.
(5) بلغة السالك 2: 296، وجواهر الاكليل 2: 202، والخرشي 7: 67، وأسهل المدارك 3: 52 - 53، والمحلى 8: 233.
(6) سنن الترمذي 3: 662 حديث 1378 - 1379، وسنن أبي داود 3: 178 حديث 3073 - 3074، وترتيب مسند الشافعي 2: 134 حديث 439، والسنن الكبرى 6: 143، ورواه المصنف قدس سره في التهذيب 7: 152 حديث 673 بلفظ: من أحيى أرضا مواتا فهي له.
(7) انظرها في التهذيب 7: 152 حديث 671 و 674، والاستبصار 3: 107 حديث 308 و 383.

[ 528 ]

يقال لهم بنو عبد بن زهرة: نكب عنا ابن أم عبد، فقال النبي عليه السلام: " فلم ابتعثني الله إذا، ان الله لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف منهم حقه " (1). مسألة 6: للامام المعصوم الذي نذهب إلى امامته أن يحمي الكلاء لنفسه ولعامة المسلمين. وقال الشافعي: إن أراد لنفسه لم يكن له ذلك، وإن حماه لعامة المسلمين فيه قولان: أحدهما ليس له ذلك (2). والثاني أن له ذلك (3). وهو الصحيح عند أصحابه، وبه قال أبو حنيفة (4). دليلنا: أنه قامت الدلالة على عصمته، فإذا ثبت ذلك، فكل ما يفعله المعصوم يكون صوابا وحجة. ولانا قد بينا أن الموات ملك للامام وإذا ثبت أنها ملك له فله أن يحميها، لان كل من له ملك له أن يحمي ما فيه بلا خلاف. وروي أيضا أنه قال عليه السلام: " لا حمى إلا لله، ولرسوله، ولائمة المسلمين " (5). مسألة 7: للامام أن يحمي للخيل المعدة في سبيل الله، ونعم الجزية، ونعم

(1) السنن الكبرى 6: 145، ورواه الشافعي في امه 4: 50، والمزني في مختصره: 130.
(2) الام 4: 47، ومختصر المزني: 131، والمجموع 15: 234 و 336، والسراج الوهاج: 299، ومغني المحتاج 2: 369.
(3) الام 4: 47، ومختصر المزني: 131، والمجموع 15: 234 و 336، ومغني المحتاج 2: 368 - 369، والسراج الوهاج: 299، ونيل الاوطار 6: 53.
(4) عمدة القاري 12: 213 و 220، والفتاوى الهندية 5: 386.
(5) البحر الزخار 5: 77، وروي في مسند أحمد 4: 38 و 71 و 73، وسنن الدارقطني 4: 238 حديث 120 و 122، والسنن الكبرى 6: 146، وحكاه الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 158 عن الطبراني في الاوسط ولفظه: لا حمى إلا لله ولرسوله.

[ 529 ]

الصدقة، والضوال. وبه قال الشافعي، إذ قال: له أن يحمي (1). وقال مالك: لا يحمي إلا للخيل التي للمجاهدين (2). دليلنا: أنا قد بينا أن الموات ملك له، وإذا كان ملكه فله أن يحمى لما يشاء. ولان ما ذكرناه مصلحة عامة للمسلمين، فيجب أن يجوز له الحمى. مسألة 8: ما حماه رسول الله صلى الله عليه وآله فانه لا يجوز حله، ولا نقضه لاحد بعده. وقال الشافعي: ينظر، فان كان السبب الذي حماه له باقيا لم يجز نقضه، وإن كان السبب قد زال فيه وجهان: أحدهما يجوز، لان المعنى الذي له حمى قد زال (3). والثاني: - وهو الصحيح عندهم - أنه لا يجوز (4). دليلنا: هو أنه قد ثبت أن فعل النبي صلى الله عليه وآله حجة في الشرع يجب الاقتداء به فيها، فلا يجوز خلافه، مثل قوله. ومقطوع أيضا أنه لمصلحة المسلمين، وما قطع بأنه لمصلحة المسلمين لا يجوز نقضه. مسألة 9: ما حماه الامام يجري عندنا مجرى ما حماه النبي عليه السلام، فان غيره هو، أو غيره من الائمة القائمين مقامه، أو غيره غير الامام باذنه جاز ذلك، فأما غيرهم فلا يجوز له ذلك بحال.

(1) الام 4: 47، ومختصر المزني: 130 - 131، والمجموع 15: 234 و 236، والسراج الوهاج: 299، ومغني المحتاج 2: 368، والوجيز 1: 242.
(2) جواهر الاكليل 2: 202، والخرشي 7: 69، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 295.
(3) المجموع 15: 235، والوجيز 1: 242.
(4) المجموع 15: 235، والوجيز 1: 242، ومغني المحتاج 2: 369.

[ 530 ]

وقال الشافعي: ينظر، فان غير ذللك هو أو غيره من الائمة، أو أحياه رجل من الرعية باذن الامام، صح ذلك، وملكه بالاحياء (1). فأما إذا أحياه رجل من الرعية بغير إذنه، فهل يملك؟ فيه قولان. وقيل وجهان: أحدهما: لا يملك (2). والثاني: يملك (3). دليلنا: أنه قد ثبت أن فعله حجة. ومقطوع على صحته، وما كان كذلك فلا يجوز خلافه. مسألة 10: حريم البئر أربعون ذراعا، وحريم العين خمسمائة ذراع. وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: على قدر الحاجة إليه، ولم يحده، بل قال: على ما جرت به العادة (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير (6). وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " حريم البئر أربعون ذراعا " (7).

(1) المجموع 15: 231، ومغني المحتاج 2: 368 - 369.
(2) مختصر المزني: 131، والمجموع 15: 235 و 239، والوجيز 1: 242، ومغني المحتاج 2: 369.
(3) المجموع 15: 235، والوجيز 1: 242، ومغني المحتاج 2: 361.
(4) المبسوط 23: 162، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 8: 140، وشرح فتح القدير 8: 140، والفتاوى الهندية 5: 378، وتبيين الحقائق 6: 36، واللباب 2: 170، والمحلى 8: 239. (5) المجموع 15: 218، والوجيز 1: 242، ومغني المحتاج 2: 363، والسراج الوهاج: 297 - 298.
(6) التهذيب 7: 144 و 146 حديث 642 و 646. وانظرها في الكافي 5: 295 - 296 حديث 2 و 5 - 6 و 8.
(7) مسند أحمد بن حنبل 2: 494، والسنن الكبرى 6: 155، والدراية في تخريج أحاديث الهداية 2: 245 حديث 985.

[ 531 ]

ومن قال أن ذلك ليس على جهة التحديد، فعليه الدلالة، لان ظاهره التحديد. مسألة 11: إذا سبق نفسان إلى المعادن الظاهرة، أقرع بينهما الامام، فمن خرج اسمه قدمه ليأخذ حاجته. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: مثل ما قلناه، وهو الصحيح عندهم (1). والثاني: أنه مخير، يقدم من شاء منهما (2). والثالث يقيم غيرهما في أخذ ما فيه، ويقسمه بينهما (3). دليلنا: إجماع الفرقة على أن كل أمر مجهول فيه القرعة، وهذا من المشتبه، فوجب الرجوع فيه إليها. مسألة 12: لا يجوز للامام أن يقطع أحدا شيئا من الشوارع، والطرقات، ولا رحاب الجوامع. وقال الشافعي: للسلطان أن يقطع ذلك (4). دليلنا: أن هذه المواضع لا يملكها أحد بعينه، بل الناس فيها مشتركون، وإذا لم يملكها أحد فمن أثبت للسلطان أقطاعها فعليه الدلالة. مسألة 13: إذا ملك البئر بالاحياء، وخرج ماؤها فهو أحق بمائها من غيره بقدر حاجته وحاجة ماشيته، وما يفضل عن ذلك يجب عليه بذله لغيره، لحاجته إليه للشرب له ولما شيته، ولا يجب عليه بذله لسقي زرعه، بل يستحب له ذلك. وبه قال الشافعي (5).

(1) المجموع 15: 220 و 223، والوجيز 1: 243، والسراج الوهاج: 301، ومغني المحتاج 2: 372.
(2) نفس المصادر المتقدمة.
(3) المجموع 15: 220 و 223، ومغني المحتاج 2: 372.
(4) المجموع 15: 228، ومغني المحتاج 2: 369.
(5) الام 4: 49، ومختصر المزني: 132، والمجموع 15: 241، والوجيز: 244، وفتح الباري 5: 32،

[ 532 ]

وقال أبو عبيدة بن حربويه (1): يستحب له ذلك لسقي غيره، وسقي مواشيه، وسقي زرعه، ولا يجب على حال (2). وفي الناس من قال: يجب عليله بذله بال عوض لشرب الماشية، ولسقي الزرع (3). ومنهم من قال: يجب عليه بالعوض، وأما بلا عوض فلا (4). دليلنا: ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من منع فضل الماء ليمنع به الكلاء منعه الله فضل رحمته يوم القيامة " (5). وفيه أدلة: أحدها: أنه توعد على المنع، فدل على وجوب البذل. والثاني: أنه يجب عليه البذل بلا عوض. والثالث: دل على أن الفاضل هو الذي يجب بذله دون ما يحتاج إليه لنفسه وماشيته وزرعه. والرابع: أنه دل على أنه إنما يجب ذلك للماشية دون غيرها.

والسراج الوهاج: 301، وكفاية الاخيار 1: 196، ومغني المحتاج 2: 375. (1) أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي المعروف بابن حربويه وقيل: جويريه، تفقه على أبي ثور، وولي قضاء واسط ثم اقليم مصر، مات سنة تسع عشرة وقيل: سبع عشرة وثلاثمائة. انظر تاريخ بغداد 11: 395 و 398، وشذرات الذهب 2: 282، وطبقات الشافعية لابن هداية الله: 15.
(2) المجموع 15: 239.
(3) قاله أبو اسحاق كما في المجموع 15: 239، وهو قول أهل الظاهر كما في المحلى 8: 243.
(4) وبه قال مالك كما في جواهر الاكليل 2: 204، وأسهل المدارك 3: 54، والخرشي 7: 73.
(5) رواه الشافعي في امه 4: 49، ورواه أحمد بن حنبل 2: 221، والنووي في المجموع 15: 239، وابن حجر والعسقلاني في تلخيص الحبير 3: 66 حديث 1208 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وآله.

[ 533 ]

وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلاء " (1). وروى جابر بن عبد الله أن النبي عليه السلام نهى عن بيع فضل الماء (2)، ولا يمكن حمل ذلك إلا على هذا الموضع.

(1) تلخيص الحبير 3: 65، ودرر اللالي لابن جمهور الاحسائي 2: 96 كما في المستدرك للنووي 17: 114 والدراية في تخريج احاديث الهداية 2: 246 حديث 987 وفيه اخرجه الطبراني عن ابن عمر. وروي بلفظ المسلمون بدل الناس في سنن ابن ماجة 2: 826 حديث 2472.
(2) صحيح مسلم 3: 1197 حديث 1565، وسنن ابن ماجة 2: 828 حديث 2477، والسنن الكبرى 6: 15، والجامع الصغير للسيوطي 2: 684 حديث 9349.

[ 535 ]

كتاب الوقف

[ 537 ]

مسألة 1: إذا تلفظ بالوقف، فقال: وقفت، أو حبست، أو تصدقت، أو سبلت وقبض الموقوف عليه أو من يتولى عنهم، لزم الوقف. وبه قال جميع الفقهاء الشافعي وغيره (1)، وهو قول أبي يوسف ومحمد (2)، غير أنه لم يعتبر منهم أحد القبض غيرنا وغير محمد (3). وروى عيسى بن أبان (4) أن أبا يوسف لما قدم بغداد كان على قول أبي حنيفة في بيع الوقف، فحدثه إسماعيل بن ابراهيم بن علية (5)، عن ابن

(1) المجموع 15: 340 و 343، والوجيز 1: 247، والسراج الوهاج: 303، ومغني المحتاج 2: 383، وكفاية الاخيار 1: 199.
(2) اللباب 2: 129، والمبسوط 12: 27 - 28، وشرح فتح القدير 5: 45، وفتاوى قاضيخان في هامش الفتاوى الهندية 3: 285، والفتاوى الهندية 2: 351، وتبيين الحقائق 3: 326، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 45.
(3) المبسوط 12: 37، وعمدة القاري 14: 52، وبدائع الصنائع 6: 219 - 220، واللباب 2: 129 و 130، وشرح فتح القدير 5: 45، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 45، والفتاوى الهندية 2: 285، وفتاوى قاضيخان في هامش الفتاوى الهندية 3: 285، وتبيين الحقائق 3: 325 - 326.
(4) أبو موسى، عيسى بن أبان بن صدقة، كان من أصحاب الحديث، ثم غلب عليه الرأى، تفقه على محمد بن الحسن. تولى القضاء بالبصرة سنة (211 ه‍) حتى مات سنة احدى وعشرين ومائتين (220 ه‍) تاريخ بغداد 11: 157 - 160، وطبقات الفقهاء لابي إسحاق الشيرازي: 115.
(5) اسماعيل بن ابراهيم بن مقسم الاسدي، مولاهم أبو بشر البصري المعروف بابن علية، روى عن عبد العزيز بن صهيب وسليمان التيمى وحميد الطويل وابن عون، وروى عنه شعبة وابن جريح وحماد بن زيد وغيرهم ولد سنة (110 ه‍) ومات سنة (193 ه‍) انظر تهذيب التهذيب 1: 275.

[ 538 ]

عون (1)، عن نافع، عن ابن عمر فقال: هذا لا يسع أحد خلافه، ولو تناهى إلى أبي حنيفة لقال به، ومنع حينئذ من بيعه (2). وقال أبو حنيفة: إن حكم الحاكم بالوقف لزم، وإن لم يحكم لم يلزم وكان الوقف بالخيار إن شاء باعه وإن شاء وهبه، وإن مات ورثه، وإن أوصى بالوقف لزم في الثلث (3). فناقض لانه جعل الوقف لازما في ثلثه إذا أوصى به، ولم يجعله لازما في حال مرضه المخوف إذا نجزه ولم يؤجره، ولا لازما في جميع ماله في حال صحته. دليلنا: إجماع الفرقة فانهم لا يختلفون فيه واجماعهم حجة. وروى نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ملك مائة سهم من خيبر إشتراها، فلما استجمعها قال: يا رسول الله إني أصبت مالا لم أصب قط مثله، وقد أردت أن أتقرب به إلى الله، فقال النبي عليه السلام: " حبس الاصل وسبل الثمرة " (4). ويدل على ذلك إجماع الصحابة، لان عليا عليه السلام، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وأنس بن مالك، وأبا الدحداح (5)، وعبد الرحمن

(1) في النسخ المعتمدة: ابن عوف، والصواب ما أثبتناه، وهو: عبد الله بن عون بن ارطبان المزني مولاهم أبو عون الخزاز البصري الفقيه روى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس ونافع مولى عبد الله بن عمر ومحمد ابن سيرين وغيرهم وروى عنه ابن علية والاعمش والثوري وجمع غفير. مات ابن عون سنة إحدى وخمسين ومائة (151 ه‍) تهذيب التهذيب 5: 246، وطبقات الفقهاء لابي اسحاق الشيرازي: 73.
(2) رواه في فتح الباري 5: 403، واشار إليها في فتح المعين بشرح قرة العين: 87.
(3) اللباب 2: 129، وعمدة القاري 14: 24، وبدائع الصنائع 6: 218، والمبسوط 12: 27 وشرح معاني الاثار 4: 97، وفتاوى قاضيخان 3: 286، والفتاوى الهندية 2: 350، وتبيين الحقائق 3: 326، والمغني لابن قدامة 6: 207.
(4) السنن الكبرى 6: 162، ومختصر المزني: 133، وروي في مسند أحمد بن حنبل 2: 114، وسنن ابن ماجة 2: 801 حديث 2397، وسنن النسائي 6: 232 باختلاف يسير في اللفظ.
(5) أبو الدحداح، وقيل: أبو الدحداحة بن الدحداحة الانصاري، مذكور في الصحابة قال أبو عمر:

[ 539 ]

بن عوف (1)، وفاطمة عليها السلام وغيرهم وقفوا دورا وآبارا وبساتين (2)، ولم ينقل عن أحد أنه رجع في وقفه فباع منه شيئا، ولا عن أحد من ورثتهم مع اختلاف هممهم، فلو كان ذلك جائزا لنقل عن أحد منهم الرجوع فيه. مسألة 2: من شرط لزوم الوقف عندنا القبض. وبه قال محمد بن الحسن (3). وقال الشافعي والباقون: ليس من شرط لزومه القبض (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإذا قبضه فلا خلاف في لزوم الوقف، وليس في لزومه قبل القبض دليل. مسألة 3: إذا وقف دارا، أو أرضا، أو غيرهما، فانه يزول ملك الواقف، وعليه أكثر أصحاب الشافعي (5).

لا أقف على اسمه ولا نسبه أكثر من أنه من الانصار، حليف لهم. اسد الغابة 5: 185، وتاريخ الصحابة لابن حبان: 271. (1) أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث الزهري، ولد بعد الفيل بعشر سنين، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعن عمر، وروى عنه اولاده وابن عباس وابن عمر وغيرهم مات سنة اثنتين وثلاثين وقيل سنة احدى وقيل سنة ثلاثة. تهذيب التهذيب 6: 244.
(2) السنن الكبرى 6: 160 و 164، ومختصر المزني: 133، والمحلى 9: 180، والمبسوط 12: 28، وبدائع الصنائع 6: 219.
(3) المبسوط 12: 37، وبدائع الصنائع 6: 220، والنتف 1: 513، وعمدة القاري 14: 50 و 52، وفتاوى قاضيخان في هامش الفتاوى الهندية 3: 285، والفتاوى الهندية 2: 351، وتبيين الحقائق 3: 326، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 45، وشرح فتح القدير 5: 45، والمجموع 15: 327، والمغني لابن قدامة 6: 209، والشرح الكبير 6: 210.
(4) مختصر المزني 133، والمجموع 15: 324 و 327، والوجيز 1: 247، والسراج الوهاج: 305، وكفاية الاخيار 1: 198، وبدائع الصنائع 6: 220، وعمدة القاري 14: 50 و 52، وشرح فتح القدير 5: 45، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 45، والمغني لابن دقامة 6: 310.
(5) المجموع 15: 324، وكفاية الاخيار 1: 199، والوجيز 1: 247، والسراج الوهاج: 305 - 306،

[ 540 ]

وخرج إبن سريج قولا آخر: أنه لا يزول ملكه، لقول النبي عليه السلام: " حبس الاصل وسبل الثمرة " (1) وتحبيس الاصل يدل على بقاء الملك (2). دليلنا: إجماع الفرقة، ولانه لا خلاف أنه يقطع تصرف الواقف في الرقبة والمنفعة، وهو المعني بزوال الملك مثل: البيع، والعتق، ومعنى التحبيس الذي ذكره عمر في خبره هو: أنها صدقة، لا تباع ولا توهب ولا تورث، فرجع معنى التحبيس إلى ذلك دون ما ذكره إبن سريج. مسألة 4: تحرم الصدقة المفروضة على بني هاشم من ولد أبي طالب العقيليين (3)، والجعافرة (4)، والعلويين (5)، وولد العباس بن عبد المطلب، وولد أبي لهب، وولد الحارث بن عبد المطلب، ولا عقب لهاشم إلا من هؤلاء، ولا يحرم على ولد المطلب، ونوفل، وعبد شمس بن عبد مناف. وقال الشافعي: تحرم الصدقة المفروضة على هؤلاء كلهم، وهم جميع ولد عبد مناف (6). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، ولان ما قلناه مجمع عليه، وما ذكروه ليس عليه دليل. مسألة 5: لا تحرم صدقة بني هاشم بعضهم على بعض، وإنما تحرم صدقة

ومغني المحتاج 2: 389. (1) السنن الكبرى 6: 162، ومختصر المزني: 133، وروي في سنن النسائي 6: 232، وسنن ابن ماجة 2: 801 حديث 2397، ومسند أحمد بن حنبل 2: 114 باختلاف يسير في اللفظ فلاحظ.
(2) المجموع 15: 324 و 340 - 341، ومغني المحتاج 2: 389.
(3) أي: ولد عقيل بن أبي طالب.
(4) يعني: ولد جعفر بن أبي طالب.
(5) أي: ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
(6) الام 2: 81، ومختصر المزني: 159، وكفاية الاخيار 1: 124، والمجموع 6: 226 - 227، والسراج الوهاج: 356، ومغني المحتاج 3: 112.

[ 541 ]

غيرهم عليهم. وأطلق الشافعي تحريم الصدقة المفروضة عليهم من غير تفصيل (1). فأما صدقة التطوع فلا خلاف أنها تحل لهم (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وقوله تعالى: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " (3) وذلك عام في جميع الناس، وإنما أخرجنا من أخرجناه بدليل، وبقي الباقي على عمومه. مسألة 6: يجوز وقف الارض، والعقار، والدور، والرقيق، والسلاح، وكل شئ يبقى بقاء متصلا ويمكن الانتفاع به. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا في الاراضي، والدور، والكراع، والسلاح، والغلمان تبعا للضيعة الموقوفة، فأما على الانفراد فلا (5). دليلنا: عموم الاخبار في جواز الوقوف من قولهم عليهم السلام: " الوقف على حسب ما يشرط الواقف " (6) وذلك على عمومه، فمن خصصه فعليه الدلالة. وأيضا روي أن أم معقل (7) جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت:

(1) الام 2: 81، ومختصر المزني: 133، والمجموع 6: 227، وكفاية الاخيار 1: 124، والسراج الوهاج 356، ومغني المحتاج 3: 112، وعمدة القاري 9: 81.
(2) الام 2: 81، ومختصر المزني: 159، ومغني المحتاج 3: 112، والسراج الوهاج: 356، وعمدة القاري 9: 81. (3) التوبة: 60.
(4) مختصر المزني: 133، والوجيز 1: 244، وكفاية الاخيار 1: 197، والمجموع 15: 320، والسراج الوهاج: 302، ومغني المحتاج 2: 377.
(5) اللباب 2: 131، وبدائع الصنائع 6: 220، وشرح فتح القدير 5: 49 - 50، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 49، وتبيين الحقائق 3: 327.
(6) يدل عليه عموم الاخبار المذكورة في الكافي 7: 337، ومن لا يحضره الفقيه 4: 176، والتهذيب 9: 129. وقد ورد عنهم عليهم السلام انهم قالوا: " الوقف على حسب ما يوقفها أهلها ان شاء الله ".
(7) ام معقل الاسدية، ويقال: الاشجعية، ويقال الانصارية، زوجة أبي معقل، روت عن النبي صلى

[ 542 ]

يا رسول الله إن أبا معقل جعل ناضحته في سبيل الله، وإني أريد الحج أفاركبه؟ فقال النبي عليه السلام: إركبيه، فان الحج والعمرة من سبيل الله (1). مسألة 7: يجوز وقف المشاع. وبه قال الشافعي (2). وقال محمد: لا يجوز، لان من شرط اللزوم القبض، والمشاع لا يصح قبضه (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فانه يصح قبض المشاع كما يصح قبضه في البيع، لان القبض هو التمكين من التصرف فيه. ولان النبي عليه السلام قال: لعمر: " حبس الاصل، وسبل الثمرة " (4)، وكان ذلك مشاعا، لانه ملكه. كذلك لان النبي عليه السلام ما قسم خيبر، وإنما عدل السهام. مسألة 8: ألفاظ الوقف التي يحكم بصريحها، قوله: " وقفت، وحبست، وسبلت " وما عداها يعلم بدليل أو باقراره أنه أراد به الوقف، وذلك مثل قوله: " تصدقت، وحرمت، وأبدت "، ولابد في جميع ذلك من إعتبار القصد والنية. وقال الشافعي: ألفاظ الوقف ستة:

الله عليه وآله عمرة في رمضان تعدل حجه، وعنها الاسود بن يزيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ويوسف بن عبد الله بن سلام. قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 12: 480. (1) السنن الكبرى 6: 274، وفيه " فان الحج من سبيل الله ".
(2) المجموع 15: 323 و 327، وكفاية الاخيار 1: 197، والوجيز 1: 244، والسراج الوهاج: 302، ومغني المحتاج: 377، وعمدة القاري 14: 52، والمغني لابن قدامة 6: 266.
(3) النتف 1: 528، واللباب 2: 130، وعمدة القاري 14: 52، والمبسوط 12: 37، وبدائع الصنائع 6: 220، والفتاوى الهندية 2: 365، وفتاوى قاضيخان المطبوع بهامش الفتاوى الهندية 3: 302، والمغني لابن قدامة 6: 266، وتبيين الحقائق 3: 326، والمجموع 15: 327.
(4) السنن الكبرى 6: 162، ومختصر المزني: 133، وروي في سنن النسائي 6: 232، وسنن ابن ماجة 2: 801 حديث 2397، ومسند أحمد بن حنبل 2: 114 بفارق يسير في بعض الالفاظ فلاحظ.

[ 543 ]

" وقفت، وتصدقت، وسبلت، وحبست، وحرمت، وأبدت ". فالوقف صريح، وتصدقت مشترك، وحبست صريحان. وحرمت وأبدت فيه وجهان: أحدهما: أنهما صريحان. والاخر: أنهما كنايتان (1). دليلنا: أن ما ذكرناه مجمع على أنه صريح، ينعقد به الوقف، وما ذكروه ليس عليه دليل، ولان هذه الالفاظ محتملة للوقف ولغيره، فلا يحمل على بعض ما يحتمله إلا بدليل. مسألة 9: إذا وقف على من يصح انقراضه في العادة، مثل أن يقف على ولده وسكت على ذلك: فمن أصحابنا من قال: لا يصح الوقف (2). ومنهم من قال: يصح، فإذا انقرض الموقوف عليه رجع إلى الواقف إن كان حيا، وإن كان ميتا رجع الى ورثته (3). وبه قال أبو يوسف (4). وللشافعي فيه قولان. أحدهما: لا يصح (5). والاخر: يصح، فإذا انقرضوا رجع الى أبواب البر، ولا يعود إليه، ولا إلى

(1) المجموع 15: 340 و 343، والوجيز 1: 245، والسراج الوهاج: 303، ومغني المحتاج 2: 382.
(2) قال العاملي في مفتاح الكرامة 9: 18 ما لفظه: وأما القول بالبطلان، فقد حكاه في الخلاف والمبسوط عن بعض أصحابنا ولم نجده، ويظهر من التذكرة أنه لم يظفر به أيضا، وليعلم أن جماعة قالوا ان في المسألة قولين الصحة والبطلان... الى آخره فلاحظ.
(3) ممن قال فيه ابن البراج في جواهر الفقه المطبوع ضمن الجوامع الفقيه: 501، وابن حمزة في الوسيلة: 370، وسلار في المراسم: 198، والعلامة في المختلف: 34.
(4) المبسوط 12: 47، والمغني لابن قدامة 6: 239، والبحر الزخار 5: 158.
(5) المجموع 15: 334 و 337، والسراج الوهاج: 304، وكفاية الاخيار 1: 197 - 198، والوجيز 1: 246، ومغني المحتاج 2: 384، والوجيز 1: 246، وفتح العين: 89، والبحر الزخار 5: 158.

[ 544 ]

ورثته (1). دليلنا: أن عوده الى البر بعد انقراض الموقوف عليهم يحتاج إلى دليل،، وليس في الشرع ما يدل عليه، والاصل بقاء الملك عليه أو على ولده. مسألة 10: إذا وقف على من لا يصح الوقف عليه مثل العبد، أو حمل لم يوجد، أو رجل مجهول وما أشبه ذلك، ثم بعد ذلك على أولاده الموجودين في الحال، وبعدهم على الفقراء والمساكين، بطل الوقف فيما بدأ بذكره، لانه لا يصح الوقف عليهم، وصح في حيز الباقين، لانه يصح الوقف عليهم. وللشافعي فيه قولان بناء على تفريق الصفقة، فإذا قال بتفريق الصفقة قال مثل ما قلناه (2)، وإذا لم يقل بذلك أبطل الوقف في الجميع (3). دليلنا: أنه ذكر نوعين: أحدهما: لا يصح الوقف عليه. والاخر: يصح، فإذا بطل في حيز من لا يصح الوقف عليه، صح في حيز من يصح الوقف عليه، لانه لا دليل على إبطاله، ولا مانع يمنع منه فيه. مسألة 11: إذا وقف مطلقا ولم يذكر الموقوف عليه، مثل أن يقول: وقفت هذه الدار، أو هذه الضيعة، ثم يسكت ولا يبين على من وقفها عليه، لا يصح الوقف. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه (4).

(1) المجموع 15: 337 و 339، والوجيز 1: 246، ومغني المحتاج 2: 384، والسراج الوهاج: 304، وكفاية الاخيار 1: 197 - 198، وفتح المعين بشرح قرة العين: 89، والمغني لابن قدامة 6: 239، والبحر الزخار 5: 158.
(2) المجموع 15: 327 و 332، والوجيز 1: 245، وكفاية الاخيار 1: 197، والمغني لابن قدامة 6: 243.
(3) السراج الوهاج: 302 - 303، ومغني المحتاج 2: 379، وكفاية الاخيار 1: 197، والمجموع 15: 327 و 332، والمغني لابن قدامة 6: 243.
(4) المجموع 15: 336، والوجيز 1: 246، وكفاية الاخيار 1: 199، وفتح الباري 5: 385، وعمدة القاري 14: 51، والبحر الزخار 5: 152.

[ 545 ]

والثاني: أنه يصح، ويصرفه إلى الفقراء والمساكين، ويبدأ بفقراء أقاربه، لانه أولى (1). دليلنا: إن صحة الوقف يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل يدل على صحة هذا الوقف. ولانه أيضا مجهول، ولو وقف على مجهول كان باطلا، فهذا آكد. مسألة 12: إذا وقف وقفا، وشرط أن يصرف منفعته في سبيل الله، جعل بعضه للغزاة المطوعة دون العسكر المقاتل على باب السلطان، وبعضه في الحج والعمرة لانهما من سبيل الله، وبه قال أحمد بن حنبل (2). وقال الشافعي: يصرف جميعه إلى الغزاة الذين ذكرناهم (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فان سبيل الله عام في جميع ذلك، فوجب صرفه إليهم، بدلالة ما قدمناه من خبر أم معقل، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لها: " اركبيه فإن الحج والعمرة من سبيل الله " (4). مسألة 13: يجوز الوقف على أهل الذمة إذا كانوا أقاربه. وقال الشافعي: يجوز ذلك مطلقا، ولم يخص (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن ما قلناه مجمع على جوازه، وما ذكروه لا دليل عليه.

(1) المجموع 15: 339 - 340، والوجيز 1: 246، وكفاية الاخيار 1: 199، والمغني لابن قدامة 6: 242، والشرح الكبير 6: 227، وفتح الباري 5: 385، وعمدة القاري 14: 51، والبحر الزخار 5: 152.
(2) المغني لابن قدامة 6: 237.
(3) المصدر السابق 6: 237 - 238.
(4) تقدم في المسألة " 6 " من هذا الكتاب من السنن الكبرى 6: 274 وما فيه من القصة الكاملة لهذا الحديث فلاحظ.
(5) المجموع 15: 326 و 329، والوجيز 1: 245، وكفاية الاخيار 1: 198، والبحر الزخار 5: 153، والسراج الوهاج: 303، ومغني المحتاج 2: 379.

[ 546 ]

مسألة 14: إذا وقف على مولاه، وله موليان، مولى من فوق، ومولى من أسفل، ولم يبين، انصرف اليهما. وللشافعي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مثل ما قلناه. وهو الصحيح عندهم (1). والثاني: ينصرف إلى المولى من فوق لانه آكد، لانه يرث (2). والثالث: يبطل الوقف لانه وقف على مجهول (3). دليلنا: ان اسم المولى يتناولهما، فوجب صرفه اليهما، كما لو أطلق الوقف على الاخوة انصرف إليهم وان كانوا متفرقين، وليس ذلك بمجهول، كما أن الوقف على الاخوة ليس بمجهول. مسألة 15: إذا وقف على أولاده وأولاد أولاده، دخل أولاد البنات فيه، ويشتركون فيه مع أولاد البنين، الذكر والانثى فيه سواء كلهم. وبه قال الشافعي (4). وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يدخل أولاد البنات فيه (5). وحكي أن عيسى بن أبان قاضي البصرة، فأخرج من الوقف أولاد البنات، وبلغ ذلك أبا خازم (6) وكان قاضيا ببغداد، فقال: أصاب في ذلك.

(1) المجموع 15: 355، والوجيز 1: 247، والشرح الكبير 6: 261، ومغني المحتاج 2: 388، والسراج الوهاج: 305.
(2) الوجيز 1: 247، والمجموع 15: 355، والشرح الكبير 6: 261.
(3) المجموع 15: 355، والوجيز 1: 247، ومغني المحتاج 2: 388، والسراج الوهاج: 305، والشرح الكبير 6: 261.
(4) المجموع 15: 348 و 352، والوجيز 1: 247، والسراج الوهاج: 305، ومغني المحتاج 2: 388، وعمدة القاري 15: 48، والمغني لابن قدامة 6: 229، والشرح الكبير 6: 246.
(5) المغني لابن قدامة 6: 229، والشرح الكبير 6: 246.
(6) أبو خازم - بالخاء - المعجمة، عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي، أصله من البصرة وأخذ العلم عن بكر

[ 547 ]

وقد نص محمد بن الحسن على أنه إذا عقد الامان لولده وولد ولده خل فيه ولد إبنه دون ولد بنته (1). (ومنهم من يقول) (2): ان أصحابنا يختلفون: منهم من يقول: يدخل فيه أولاد البنات (3). ومنهم من يقول: لا يدخل فيه (4). دليلنا: إجماع المسلمين على أن عيسى بن مريم من ولد آدم (5)، وهو ولد بنته، لانه ولد من غير أب (6). وأيضا دعا رسول الله عليه وآله الحسن ابنه، وهو ولد بنته، فقال: " لا تزرموا ابني " (7) أي لا تقطعوا عليه بوله. وكان قد بال في حجره، فهموا بأخذه، فقال لهم ذلك. فأما استشهادهم بقول الشاعر (8):

العمي من العم، ولي القضاء بالشام والكوفة والكرخ من مدينة السلام، تفقه عليه أبو جعفر الطحاوي وأبو طاهر الدباس ولقيه أبو الحسن الكرخي مات سنة اثنتين وتسعين ومائتين. الجواهر المضية 296، والاكمال 2: 286. (1) المجموع 15: 352.
(2) ما بين المعقوفين زيادة من بعض النسخ المعتمدة.
(3) وهو قول أبي يوسف كما أشار إليه ابن قدامة في المغني 6: 229، والشرح الكبير 6: 246.
(4) وهو قول محمد بن الحسن كما حكاه عنه ابن قدامة في المغني 6: 229، والشرح الكبير 6: 246.
(5) كما نطق به القرآن الكريم في سورة الانعام: 83 - 86.
(6) إشارة الى قوله تعالى في سورة آل عمران: 59 " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ".
(7) حكاه ابن الاثير في النهاية 2: 301 مادة " زرم ".
(8) الشاعر مجهول، وان نسبه الكرماني في شرحه لشواهد شرح الكافية قائلا: لابي فارس همام الفرزدق ابن غالب إلا أن هذه النسبة أيضا غير ثابتة لخلو ديوانه منه، ولتوقف الاخرين من هذه النسبة له، والله أعلم بحقائق الامور.

[ 548 ]

بنونا بنو أبنائنا وبناتا بنوهن أبناء الرجال الاباعد (1) فانه مخالف لقول النبي عليه السلام، وإجماع الامة، والمعقول، فوجب رده، على أنه إنما أراد الشاعر بذلك الانتساب، لان أولاد البنت لا ينتسبون الى امهم وإنما ينتسبون الى أبيهم، وكلامنا في غير الانتساب. وأما قولهم: إن ولد الهاشمي من العامية هاشمي. فالجواب عنه: أن ذلك في الانتساب، وليس كلامنا فيه، بل كلامنا في الولادة، وهي متحققة من جهة الام. مسألة 16: إذا قال: وقفت على فلان سنة، بطل الوقف. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (2). والثاني: يصح فإذا مضت سنة صرف إلى الفقراء والمساكين، ويبدأ بقراباته لانهم أولى بصدقته (3). دليلنا: أن من شرط صحة الوقف التأبيد، فإذا وقف سنة لم يجعله مؤبدا، فوجب أن يبطل، لانه لم يعلقه بما لا ينقرض، وعلى المسألة إجماع الفرقة وأخبارهم (4). مسألة 17: إذا وقف على بني تميم، أو بني هاشم صح التوقف.

(1) انظر خزانة الادب 1: 445. والمجموع 15: 353، والمغني لابن قدامة 6: 230، علما بان بعض من استشهد بهذا البيت أبدل كلمة " الاباعد " بكلمة " الاجانب ".
(2) المجموع 15: 333 - 334، والسراج الوهاج: 304، ومغني المحتاج 2: 383 - 384، وكفاية الاخيار 1: 198، والوجيز 1: 246، وفتح المعين بشرح قرة العين: 88، والمغني لابن قدامة 6: 239.
(3) المجموع 15: 334، والوجيز 1: 246، وكفاية الاخيار 1: 198، ومغني المحتاج 2: 383 - 384، والمغني لابن قدامة 6: 239.
(4) انظر الكافي 7: 36 حديث 31، ومن لا يحضره الفقيه 4: 176 حديث 620 - 622، والتهذيب 9: 132 حديث 561 - 562.

[ 549 ]

وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني: لا يصح التوقف، لانهم غير محصورين، فهو مجهول (2). دليلنا: أنهم معينون، مثل الفقراء والمساكين، ولا خلاف أن الوقف على الفقراء والمساكين يصح وإن كانوا غير محصورين. وما روي عنهم عليهم السلام من: أن الوقف بحسب ما يقفه الواقف، يدل عليه (3). مسألة 18: إذا وقف على نفسه، ثم على أولاده، ثم على الفقراء والمساكين، لم يصح الوقف على نفسه. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى، وابن شبرمة: يصح وقفه على نفسه (5). وبه قال ابن سريج، والزبيري (6) (7). دليلنا: أن الوقف تمليك، ولا يصح أن يملك الانسان نفسه ما هو ملك له

(1) المجموع 15: 339، والمغني لابن قدامة 6: 261، وشرح الكبير 6: 263.
(2) المجموع 15: 327 و 339، والمغني لابن قدامة 6: 261، والشرح الكبير 6: 263.
(3) انظر من لا يحضره الفقيه 4: 176 (باب 128) حديث 620، والتهذيب 9: 129 حديث 555.
(4) المجموع 15: 327 و 329 - 330، والوجيز 1: 245، والسراج الوهاج: 303، ومغني المحتاج 2: 380، والمغني لابن قدامة 6: 219، وكفاية الاخيار 1: 199، والشرح الكبير 6: 215، والهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 5: 56 والبحر الزخار 5: 153.
(5) النتف 1: 524، واللباب 2: 135، وفتح الباري 5: 403، والفتاوى الهندية 2: 371، وتبيين الحقائق 3: 328، والمبسوط 12: 41 و 46، وشرح فتح القدير 5: 56، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 56، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق 3: 328، والمجموع 15: 330، والمغني لابن قدامة 6: 219، والشرح الكبير 6: 215، والبحر الزخار 5: 153.
(6) أبو عبد الله أحمد بن سليمان البصري المعروف بالزبيري من اولاد الزبير بن العوام، ويعرف أيضا بصاحب الكافي. مات قبل العشرين وثلاثمائة. انظر طبقات الشافعية لابن هداية الله: 15.
(7) المجموع 15: 327 و 330، وكفاية الاخيار 1: 199، وشرح فتح القدير 5: 56، والبحر الزخار 5: 153، وفتح الباري 5: 403.

[ 550 ]

كالبيع، لانه لا خلاف أنه لا يصح أن يبيع من نفسه. وأيضا صحة الوقف، حكم شرعي، وليس في الشرع ما يدل على أن وقفه على نفسه صحيح. مسألة 19: إذا حكم الحاكم بصحة الوقف على نفسه، لم ينفذ الحكم، ونقض حكمه. وقال الشافعي: ينفذ حكمه، ولا يجوز نقضه، لانها مسألة اجتهادية (1). دليلنا: أن عندنا أن الحق في واحد، والاجتهاد باطل في الاحكام، فلا يصح هذا الحكم بالاجتهاد الباطل، ووجب نقضه. مسألة 20: إذا بنى مسجدا، وأذن للناس، فصلوا فيه، أو عمل مقبرة وأذن في الدفن فيها، فدفنوا فيه، ولم يقل أنه وقف، لم يزل ملكه. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إذا صلوا فيه ودفنوا فيه زال ملكه (3). دليلنا: أن الاصل بقاء الملك، وزواله يحتاج الى دليل. مسألة 21: إذا وقف مسجدا، ثم أنه خرب وخربت المحلة أو القرية، لم يعد إلى ملكه. وبه قال الشافعي (4).

(1) لم اعثر على هذا القول في مظانه من كتب الشافعية وغيرها.
(2) المجموع 15: 340، والوجيز 1: 245، والسراج الوهاج: 303، ومغني المحتاج 2: 383، وشرح فتح القدير 5: 62.
(3) اللباب 2: 135 - 136، والمبسوط 12: 34، وبدائع الصنائع 6: 219، والنتف 1: 524، وتبيين الحقائق 3: 329، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 62 و 66 وشرح فتح القدير 5: 62، وشرح العناية على الهداية المطبوع في هامش شرح فتح القدير 5: 62.
(4) المجموع 15: 360 - 361، والسراج الوهاج: 306، ومغني المحتاج 2: 392، وفتح المعين: 90، وشرح فتح القدير 5: 64.

[ 551 ]

وقال محمد بن الحسن: يعود المسجد إلى ملكه كالكفن إذا ذهب الميت بالسيل أو أكله السبع (1). دليلنا: إن ملكه زال بلا خلاف، وعوده إلى ملكه يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 22: إذا خرب الوقف، ولا يرجى عوده، في أصحابنا من قال: يجوز بيعه، وإذا لم يختل لم يجز (2). وبه قال أحمد بن حنبل (3). وقال الشافعي: لا يجوز بيعه على حال (4). دليلنا: الاخبار المروية عن الائمة (5). مسألة 23: إذا انقلعت نخلة من بستان وقف، أو انكسرت، جاز بيعها. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (6). والثاني: لا يجوز، لانه لو جاز بيعه بعد الاختلال لجاز قبل الاختلال، وذلك لا يجوز (7).

(1) المبسوط 12: 42، وبدائع الصنائع 6: 221، وشرح فتح القدير 5: 64، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 64، وشرح العناية على الهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 5: 64، وتبيين الحقائق 3: 331، والمجموع 15: 362، والمغني لابن قدامة 6: 251.
(2) قاله الشيخ المفيد قدس سره في المقنعة: 99، والسيد المرتضى قدس سره في الانتصار: 226.
(3) المغني لابن قدامة 6: 251، والشرح الكبير 6: 266 - 267.
(4) المجموع 15: 360 - 361، ومغني المحتاج 2: 392، والسراج الوهاج: 306، وكفاية الاخيار 1: 198، والوجيز 1: 248 - 249، وفتح المعين بشرح قرة العين: 90، والمغني لابن قدامة 6: 251، والشرح الكبير 6: 267.
(5) انظر الاستبصار 4: 97 (كتاب الوقف والصدقات باب 61) حديث 377 - 382.
(6) المجموع 15: 347 و 360، والسراج الوهاج: 306، ومغني المحتاج 2: 392.
(7) المجموع 15: 347 و 360، والسراج الوهاج: 306، ومغني المحتاج 2: 392.

[ 552 ]

دليلنا: أنه لا يمكن الانتفاع بهذه النخلة إلا على هذا الوجه، لان الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل، ولا يرجى عوده. مسألة 24: إذا وقف على بطون، فأكرى البطن الاول الوقف عشر سنين، فانقرضوا لخمس سنين، فان الاجارة تبطل في حق البطن الثاني، ولا تبطل في حق البطن الاول. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني: لا تبطل، لان الموت لا تبطل الاجارة (2). دليلنا: أنا قد دللنا أن الموت يبطل الاجارة. وأيضا فانا نبين أنهم تصرفوا في حق الغير، فيجب أن يكون تصرفهم باطلا.

(1) المجموع 15: 88، ومغني المحتاج 2: 356، والسراج الوهاج: 296، والمغني لابن قدامة 6: 50 - 51.
(2) المجموع 15: 88، والوجيز 1: 238 - 239، والسراج الوهاج: 296، وكفاية الاخيار 1: 192، ومغني المحتاج 2: 356، والمغني لابن قدامة 6: 50 - 51.

[ 553 ]

كتاب الهبة

[ 555 ]

مسألة 1: الهبة لا تلزم إلا بالقبض، وقبل القبض للواهب الرجوع فيها، وكذلك الرهن عندهم، والعارية، وكذلك الدين الحال إذا أجله لا يتأجل، وله المطالبة به في الحال. وبه قال في الصحابة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس، ومعاذ القارى (1)، وأنس، وعائشة (2) ولا نعرف لهم مخالفا. وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: يلزم ذلك كله بنفس العقد، ولا يفتقر الى القبض، ويتأجل الحق بالتأجيل، ويلزم الاجل (4). وأما أبو حنيفة فقد وافقنا، إلا أنه قال: الاجل في الثمن يلزم ويلحق بالعقد (5).

(1) هو معاذ بن جبل، تقدمت ترجمته فلاحظ.
(2) السنن الكبرى 6: 170، والمغني لابن قدامة 6: 275، والشرح الكبير 6: 277، والمجموع 15: 370 و 381، وبداية المجتهد 2: 324.
(3) مختصر المزني: 134، والمجموع 15: 370 و 379، ومغني المحتاج 2: 400 - 401، والسراج الوهاج: 308، وكفاية الاخيار 1: 200، وبداية المجتهد 2: 324، والمغني لابن قدامة 6: 274، والشرح الكبير 6: 276.
(4) بداية المجتهد 2: 324، وجواهر الاكليل 2: 211، والخرشي 7: 105، والمبسوط 12: 48، والمجموع 15: 370، والمغني لابن قدامة 6: 274، والشرح الكبير 6: 276، وبدائع الصنائع 6: 123.
(5) المبسوط 12: 48، والنتف 1: 512، واللباب 2: 120، وبدائع الصنائع 6: 123، والفتاوى الهندية 4: 377، والهداية المطبوع بهامش شرح القدير 7: 113، وتبيين الحقائق 5: 91، والمجموع 15: 370، وبداية المجتهد 2: 324، والمغني لابن قدامة 6: 274، والشرح الكبير 6: 276.

[ 556 ]

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (1). وأيضا فان ما قلناه مجمع على لزومه، وما ذكروه ليس على صحته دليل. وروى موسى بن عقبة (2)، عن أمه أم كلثوم (3) أن النبي عليه السلام قال لام سلمة: " إني أهديت إلى النجاشي أواقي من مسك وحلة، وإني لا راه يموت قبل أن يصل إليه، وإني لا أرى الهدية إلا سترد إلي، فان ردت على فهي لي ". فكان كما قال عليه السلام، مات النجاشي قبل أن تصل إليه، فردت الهدية إليه، فأعطى كل إمرأة من نسائه أوقية من ذلك المسك، وأعطى سائره أم سلمة، وأعطاها الحلة (4). وهذا نص. مسألة 2: إذا قبض الموهوب له الهبة بغير إذن الواهب، كان القبض فاسدا، ووجب عليه رده. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: إن قبضه في المجلس صح، وإن كان بغير إذنه، وان قام من مجلسه لم يكن له القبض، وان قبض كان فاسدا ووجب عليه رده (6).

(1) انظرها في التهذيب 9: 152 (باب الهبة) من الحديث 624 و 654، والاستبصار 4: 107 من الحديث 407 و 423.
(2) موسى بن عقبة، لم أقف له على شرح حال في كتب السير المتوفرة لدي سوى ما رواه عن أمه في الخبر الاتي فلاحظ.
(3) أم كلثوم بنت أبي سلمة بن عبد الاسد المخزومية، ربيبة رسول الله صلى الله عليه وآله، امها أم سلمة. أسد الغابة 5: 613.
(4) مسند أحمد بن حنبل 6: 404، والمستدرك على الصحيحين 2: 188، وتلخيص الحبير 3: 73 حديث 1329، والتلخيص للذهبي في ذيل المستدرك 2: 188، وأسد الغابة 5: 613، وفتح الباري 5: 222 وفيه عن احمد والطبراني. (5) المجموع 15: 379، والوجيز 1: 249، والسراج الوهاج: 308، ومغني المحتاج 2: 400، وكفاية الاخيار 1: 201، والشرح الكبير 6: 278 - 279.
(6) اللباب 2: 120، والمبسوط 12: 57، والفتاوى الهندية 4: 377، وبدائع الصنائع 6: 124، والهداية

[ 557 ]

دليلنا: أنه إذا قبض باذنه صح القبض بلا خلاف، وليس على قول من قال بصحته بغير إذنه دليل. مسألة 3: هبة المشاع جائزة، سواء كان ذلك مما يمكن قسمته أو لا يمكن. وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، واسحاق، وأبو ثور، وداود، وسائر الفقهاء (1). وقال أبو حنيفة: هبة المشاع فيما لا يمكن قسمته مثل: الحيوان، والجواهر، والحمامات، والرحا، وغيرها يصح. فأما ما ينقسم فلا يجوز هبته (2). والهبة بهذا التفصيل يختص على مذهبه، لانه يسوي بين ما يقسم وما لا يقسم في المواضع التي يمنع فيها العقد من المشاع، مثل الرهن وغيره. دليلنا: عموم الاخبار الواردة في جواز الهبة (3). وأيضا الاصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل. وروي عن النبي عليه السلام أنه اشترى سراويل بأربعة دراهم، وقال للوزان: " زن وارجح " (4).

المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 115، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 115، والمجموع 15: 379. (1) النتف 1: 512، والمحلى 9: 149، وبداية المجتهد 2: 323، والمغني لابن قدامة 6: 285، والشرح الكبير 6: 284، والمجموع 15: 374، والوجيز 1: 249، وتبيين الحقائق 5: 93.
(2) النتف 1: 513، وشرح فتح القدير 7: 122، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 121، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 121، وتبيين الحقائق 5: 93، وكنز الدقائق 5: 93، والمحلى 9: 149، والمجموع 15: 375، واللباب 2: 121، والمغني لابن قدامة 6: 285، والشرح الكبير 6: 284.
(3) الكافي 7: 30 حديث 24، والتهذيب 9: 152 حديث 624 و 654، والاستبصار 4: 107 حديث 407 و 423.
(4) سنن أبي داود 3: 245 حديث 3336، وسنن النسائي 7: 284، وسنن الدارمي 2: 260، ومسند أحمد 4: 352، والسنن الكبرى 6: 32 - 33، مع اختلاف يسير بينهما.

[ 558 ]

قوله عليه السلام: " وارجح " هبة، وهو مشاع، فدل على صحة هبة المشاع. وروى جابر أن النبي عليه السلام إشترى من رجل بعيرا، فوزن له وأرجح (1). وروي عن النبي عليه السلام أنه قال يوم خيبر: " ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم، فردوا الخيط والمخيط، فان الغلول يكون على أهله عارا يوم القيامة، ونارا وشنارا "، فقام رجل في يده كبة من شعر، فقال: أخذت هذه لاصلح بردعة بعيري، فقال: " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك " فقال: أما إذا بلغت ما أرى فلا أرب لي فيها ونبذها (2). وكانت حصة النبي عليه السلام في الكبة مشاعا، فدل على جوازها مشاعا. مسألة 4: العمرى عندنا جائزة، ومعناها إذا قال الرجل لغيره: أعمرتك هذه الدار مدة حياتك، أو مدة حياتي، أو أسكنتك، أو جعلت لك هذه الدار في حياتك، فان هذه الالفاظ إذا أتى بواحدة منها وأقبضه فقد لزم العمرى، ولهذا سمي عمرى، وتسمى عندنا أيضا سكنى، وبه قال جميع الفقهاء (3). وحكي عن قوم أنهم قالوا: العمرى غير جائزة (4). دليلنا على ما ذكرناه: إجماع الفرقة وأخبارهم (5).

(1) السنن الكبرى 6: 32 وفيه اختلاف يسير في اللفظ.
(2) مسند أحمد بن حنبل 2: 184، ومجمع الزوائد 6: 188.
(3) الام 4: 63، والمجموع 15: 393 - 394، وكفاية الاخيار 1: 202، وبداية المجتهد 2: 329، والمحلى 9: 164، وبلغة السالك 2: 320، وعمدة القاري 13: 178، والمغني لابن قدامة 6: 336، والشرح الكبير 6: 288، وفتح الباري 5: 238.
(4) المجموع 15: 393 - 394، وفتح الباري 5: 238، وعمدة القاري 13: 178، والبحر الزخار 5: 142.
(5) التهذيب 9: 139 - 140 حديث 587 و 591، والاستبصار 4: 103 حديث 396 و 400.

[ 559 ]

وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: " العمرى جائزة " (1). وروى عبد الله بن محمد بن عقيل (2)، عن محمد بن علي - ابن الحنفية -، عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبي عليه السلام أنه قال: " العمرى جائزة لاهلها " (3). وروى جابر أن النبي عليه السلام قال: " العمرى لمن وهبت له " (4). وروى عروة، عن جابر أن النبي عليه السلام قال: " من أعمر عمرى فهي له ولعقبه يرثها من يرثه من عقبه " (5)، وهذا نص. مسألة 5: إذا قال: أعمرتك ولعقبك. فان هذه عمرى صحيحة، ويملك المعمر له المنفعة دون الرقبة. فان قال: أعمرتك. فإذا مات هو يعود إليه، وإن قال: ولعقبك. فإذا مات عقبه عاد إليه. وبه قال مالك، والشافعي في القديم على قول أبي إسحاق (6)

(1) صحيح البخاري 3: 216، وصحيح مسلم 3: 1248 حديث 32 وسنن النسائي 6: 277، ومسند أحمد بن حنبل 2: 347، وسنن أبي داود 3: 293 حديث 3548، وشرح معاني الاثار 4: 92، والسنن الكبرى 6: 174.
(2) أبو محمد عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي المدني، امه زينب الصغرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام، روى عن أبيه وخاله محمد بن الحنفية، وعبد الله بن جعفر وجابر وغيرهم. عده الشيخ الطوسي في أصحاب الامام الصادق عليه السلام. انظر رجال الشيخ الطوسي: 265، وتنقيح المقال 2: 214، وتهذيب التهذيب 6: 13.
(3) سنن الترمذي 3: 632 حديث 1349، وشرح معاني الاثار 4: 91.
(4) صحيح البخاري 3: 216، وصحيح مسلم 3: 1246 حديث 25، وسنن النسائي 6: 277، وسنن أبي داود 3: 294 حديث 3550، وشرح معاني الاثار 4: 92.
(5) صحيح مسلم 3: 1245، وسنن النسائي 6: 275، والسنن الكبرى 6: 173، والمحلى 9: 167.
(6) بداية المجتهد 2: 326، والمدونة الكبرى 6: 91، وبلغة السالك 2: 320، وأسهل المدارك 3: 97،

[ 560 ]

وعندنا ان قال: أعمرتك مدة حياتي. فانها له مدة حياته، فان مات المعمر أولا كان لورثته إلى أن يموت المعمر، فإذا مات عاد إلى ورثته، وإن مات المعمر أولا بطل العمرى. وقال الشافعي في الجديد: إذا جعلها عمرى لا تعود إليه، ولا إلى ورثته بحال. وبه قال أبو حنيفة (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2). وقال أبو الطيب: قوله القديم أشبه بالنسبة. وقوله الجديد أقيس. مسألة 6: إذا قال: أعمرتك. وأطلق، لم تصح العمرى، وكان باطلا. وقال الشافعي في الجديد: يكون عمرى صحيحة، ويكون له. فإذا مات يكون لورثته (3). وقال في القديم: أن العمرى تبطل. كما قلناه (4). وبه قال أبو حنيفة (5).

وجواهر الاكليل 2: 214، والمجموع 15: 395 - 396، وكفاية الاخيار 1: 202، والمغني لابن قدامة 6: 336 و 338، وفتح الباري 5: 239، وعمدة القاري 13: 178. (1) مختصر المزني: 134، والمجموع 15: 396، وكفاية الاخيار 1: 202، ومغني المحتاج 2: 398، والسراج الوهاج: 308، وعمدة القاري 13: 178، وفتح الباري 5: 239، والوجيز 1: 249، والمغني لابن قدامة 6: 339، واللباب 2: 127، وبدائع الصنائع 6: 116، والفتاوى الهندية 4: 375، وتبيين الحقائق 5: 104، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 143، والبحر الزخار 5: 144.
(2) من لا يحضره الفقيه 4: 186 (باب العمرى والسكنى) حديث 651 و 653، والتهذيب 9: 139 - 140، حديث 587 و 589، والاستبصار 4: 103 حديث 396 و 398.
(3) مختصر المزني: 134، والمجموع 15: 391 و 396، وكفاية الاخيار 1: 202، ومغني المحتاج 2: 398، والسراج الوهاج: 308، والوجيز 1: 249، وعمدة القارى 13: 178، وفتح الباري 5: 239، والمغني لابن قدامة 6: 339، والبحر الزخار 5: 144.
(4) المجموع 15: 391، والوجيز 1: 249، والسراج الوهاج: 308، ومغني المحتاج 2: 398، وعمدة القارى 13: 178، وفتح الباري 5: 239.
(5) يظهر من المصادر المشار إليها سابقا ولما أشار إليه المصنف قدس سره في المسألة السابقة برقم " 5 "

[ 561 ]

وقال مالك: العمرى صحيحة، ويكون المنفعة له، فإذا مات رجع (1). وقال أبو اسحاق في الشرح مثل قول مالك (2). فصارت المسألة على قولين: أحدهما: تبطل كما قلناه. والاخر تصح. دليلنا: أن هذه اللفظة مجملة، لانه يجوز أن يراد بها تمليك الرقبة، ويجوز أن يراد بها مدة حياته، وإذا احتملت ولم يعلم المراد وجب بطلانها، لان الاصل بقاء الملك. مسألة 7: إذا قال: أعمرتك على أنك إن أنت رجع إلي. كان هذا صحيحا عندنا، فإذا مات عاد إليه. وللشافعي فيه قولان مثل المسألة الاولى سواء. قال في الجديد: هي عمرى صحيحة. وقوله: " على أنك إن مت أنت " يلغى هذا القول، ويكون كما لو أطلق. والثاني: يبطل (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4). وروي عن جابر أنه قال: إنما العمرى التي أجازها رسول الله أن يقول: هي

أن قوله بالصحة لا في البطلان فلاحظه. (1) بداية المجتهد 2: 326، والمدونة الكبرى 6: 91، وأسهل المدارك 3: 97، وأقرب المسالك في هامش بلغة السالك 2: 320، وجواهر الاكليل 2: 214، والمجموع 15: 395، وعمدة القارى 13: 178.
(2) أشار في فتح الباري 5: 239، والمجموع 15: 394 - 395 إلى القول من دون نسبته.
(3) انظر القولين في المجموع 15: 391 - 392 و 396، والسراج الوهاج: 308، ومغني المحتاج 2: 398، والوجيز 1: 249، وعمدة القاري 13: 178 والمغني لابن قدامة 6: 338 - 339، والشرح الكبير 6: 289 - 290، وكفاية الاخيار 1: 202.
(4) الكافي 7: 33 حديث 21 و 24 و 38 و 39، ومن لا يحضره الفقيه 4: 185 - 186 حديث 649 و 652 - 653، والتهذيب 9: 129 حديث 587 و 594، والاستبصار 4: 103 حديث 396 و 400.

[ 562 ]

لك ولعقبك. فأما إذا قال: هي لك ما عشت. فانها ترجع إليه (1). ففسر جابر ما قال النبي عليه السلام، وتفسير الراوي للخبر أولى من تفسير غيره، لانه أعرف بمراد النبي عليه السلام. مسألة 8: الرقبى جائزة، وهي والعمرى سواء، وانما تخالفها في اللفظ، فانه يقول: أرقبتك هذه الدار مدة حياتك، أو مدة حياتي. وقال الشافعي: حكمها حكم العمرى، ومعناه إذا قال: أعمرتك على إن مت أنا فهي لك ولورثتك، وإن مت أنت رجع إلي (2). قال المزني: الرقبى إذا جعل لمن يتأخر موته، ولهذا سمي رقبى، لان كل واحد منهما يترقب موت صاحبه (3). وقال أبو حنيفة: العمرى جائزة، والرقبى باطلة، لان صورتها أن يقول: أرقبتك هذه الدار، فان مت قبلك كانت الدار لك، وإن مت قبلي كانت راجعة إلى وباقية على ملكي كما كانت. وهذا تمليك بصفة، كما قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وهبت لك داري. فان ذلك لا يصح (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5).

(1) صحيح مسلم 3: 1246، والسنن الكبرى 6: 172، وتلخيص الحبير 3: 71 حديث 1322.
(2) المجموع 15: 392، وكفاية الاخيار 1: 102، والسراج الوهاج: 308، ومغني المحتاج 2: 399 والوجيز 1: 249، وعمدة القاري 13: 179، وفتح الباري 5: 240، والنتف 1: 523، والمحلى 9: 164.
(3) مختصر المزني: 134، والمجموع 15: 392.
(4) اللباب 2: 127، والنتف 1: 523، والمبسوط 12: 89، وعمدة القاري 13: 178 - 179، وشرح فتح القدير 7: 144، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 143، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 143، وتبيين الحقائق 5: 104، والمجموع 15: 396، والمغني لابن قدامة 6: 341.
(5) الكافي 7: 33 حديث 21 و 24 و 38 و 39، والتهذيب 9: 129 حديث 687 الى 594، والاستبصار 4: 103 حديث 396 و 400.

[ 563 ]

وأيضا خبر جابر، فانه روى أن النبي عليه السلام قال: " يا معشر الانصار امسكوا عليكم أموالكم، لا تعمروها ولا ترقبوها، فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو له ولورثته " (1). فجمع بين العمرى والرقبى وجوزهما معا. وروى جابر أن النبي عليه السلام قال: " العمرى جائزة لاهلها، والرقبى جائزة لاهلها " (2). وقولهم: إنه تمليك بصفة ليس كذلك، وإنما هو تمليك في الحال، لانه يملك الدار في الحال على أنه إذا مات قبله رجعت إليه، وإن مات هو فهي للمرقب، وهذا تمليك في الحال. مسألة 9: إذا أعطى الانسان ولده، يستحب له أن لا يفضل بعضهم على بعض، سواء كانوا ذكورا أو أناثا، وعلى كل حال. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأبو يوسف (3). وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق، ومحمد بن الحسن: يفضل الذكور على الاناث على حسب التفضيل في الميراث. وبه قال شريح (4). دليلنا: الاخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة

(1) سنن النسائي 6: 374، ومسند أحمد 3: 302 و 374، والسنن الكبرى 6: 173 باختلاف يسير في بعض ألفاظه.
(2) سنن أبي داود 3: 295 حديث 3558، وسنن النسائي 6: 274، وسنن الترمذي 3: 634 حديث 1351.
(3) المبسوط 12: 56، وبداية المجتهد 2: 322، ومختصر المزني: 134، والمجموع 15: 371، والسراج الوهاج: 308، ومغني المحتاج 2: 401، والمغني لابن قدامة 6: 302، والمحلى 9: 143، ونيل الاوطار 6: 110 و 112.
(4) المغني لابن قدامة 6: 301 - 302، والمحلى 9: 143، والمحلى 9: 143، وعمدة القاري 13: 146، ونيل الاوطار 6: 112.

[ 564 ]

عليهم السلام (1). وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مفضلا أحدا لفضلت الاناث " (2) وهذا نص. وروى الشعبي، عن النعمان بن بشير، أنه قال: نحلني أبي نخلا - وروي غلاما - فقالت امي عمرة بنت رواحة (3): إئت رسول الله صلى الله عليه وآله، فأتى النبي صلى الله عليه وآله، فذكر ذلك له، فقال: " ألك ولد سواه؟ " فقال: نعم. قال: " افكلهم أعطيته مثل ما أعطيت النعمان؟ " فقال: لا، فقال: " هذا جور " (4). وروي: فاشهد على هذا غيري (5). وروي: " أليس يسرك أن يكونوا لك في البر واللطف سواء؟ " قال: نعم. قال: " فاشهد على هذا غيري (6). وروي: " أن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك " (7). وفي رواية الشافعي أنه قال: " أليس يسرك أن يكونوا لك في البر اليك

(1) تفسير العياشي 2: 166 حديث 2.
(2) السنن الكبرى 6: 177، ومجمع الزوائد 4: 153.
(3) عمرة بنت رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجية، قال ابن الاثير: هي التي سألت زوجها بشير أن يهب ابنها النعمان هبة دون اخوته ففعل، فقالت له: أشهد على هذا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ففعل... الى آخر القصة. انظر اسد الغابة 3: 509.
(4) سنن النسائي 6: 260، وسنن أبي داود 3: 292 حديث 3542، والسنن الكبرى 6: 177، وفتح الباري 5: 213، وفي بعضها اختلاف يسير في اللفظ.
(5) صحيح مسلم 3: 1243 حديث 17، وسنن أبي داود 3: 292 حديث 3542.
(6) سنن ابن ماجة 2: 795 حديث 2375، وسنن أبي داود 3: 292 حديث 3592.
(7) سنن أبي داود 2: 292 حديث 3542.

[ 565 ]

سواء؟ " قال: نعم. قال: " فارجعه " (1)، وروي " فاردده " (2). ووجه الدلالة من ذلك أن النبي عليه السلام أمره بالتسوية بين أولاده في العطية، فدل على أنه هو السنة. مسألة 10: إذا خالف المستحب، ففضل بعضهم على بعض، وقعت العطية موقعها، وجاز له أن يسترجعها ويسوي بينهم إذا كانوا كبارا. وقال الشافعي: يصح استرجاعها على كل حال، ولو لم يسترجعها فلا شئ عليه (3). وقال طاوس، واسحاق، ومجاهد: لا يصح تلك العطية، وتكون باطلة، فيكون ميراثا بينهم على فرائض الله تعالى إذا مات (4). وقال أحمد بن حنبل، وداود بن علي: يجب عليه أن يسترجعها إذا خالف المستحب (5). دليلنا: أنه لا دليل على وجوب استرجاعها، ولا على بطلان العطية، وإجماع الفرقة دليل يقطع به، وكذلك أخبارهم (6).

(1) رواه في مختصر المزني: 134.
(2) صحيح مسلم 3: 1242 حديث 10، وسنن أبي داود 3: 292 حديث 3543، وشرح معاني الاثار 4: 84، والسنن الكبرى 6: 176.
(3) السراج الوهاج: 308، ومغني المحتاج 2: 401، والمغني لابن قدامة 6: 298، والشرح الكبير 6: 294، وعمدة القاري 13: 142 و 146.
(4) المجموع 15: 371، وعمدة القاري 13: 142 و 146، وفتح الباري 5: 163، والمغني لابن قدامة 6: 298، والشرح الكبير 6: 294.
(5) المجموع 15: 371 و 396، وعمدة القاري 13: 142 و 146، والمحلى 9: 142، والمغني لابن قدامة 6: 298، والشرح الكبير 6: 294.
(6) الكافي 7: 10 حديث 6، ومن لا يحضره الفقيه 4: 144 حديث 495، والتهذيب 9: 188 حديث 795 و 796.

[ 566 ]

مسألة 11: إذا وهب الوالد لولده وإن علا الوالد، أو الام لولدها وان علت، وقبضوا إن كانوا كبارا، أو كانوا صغارا لم يكن لهما الرجوع فيه. وبه قال أبو حنيفة (1). وقال أيضا مثل ذلك في كل ذي رحم محرم بالنسب، ليس له الرجوع فيما وهب له (2). وكذلك في كل شخصين لو كان أحدهما ذكرا والاخر أنثى لم يجز لاحدهما أن يتزوج بالاخر. وذلك مثل عم الرجل، وخاله، وأخيه، وأبيه (3). وهذا عندنا مستحب، والواجب للولد فقط. وقال الشافعي: للوالد والوالدة أن يسترجعا هبتهما على كل حال من الولد وذي الرحم، ذكرا كان أو أنثى (4). وقال مالك: إن كان الولد قد انتفع بالهبة، مثل أن يكون قد زوج الرجل بالمال الذي وهب له، لم يجز له الرجوع فيه. وإن كان لم ينتفع بعد، كان له الرجوع فيه (5).

(1) اللباب 2: 122، والمبسوط 12: 49 و 54 - 55، وعمدة القاري 13: 143، وتبيين الحقائق 5: 95، والمحلى 9: 127.
(2) اللباب 2: 124، والمبسوط 12: 49، وبدائع الصنائع 6: 132، وعمدة القاري 13: 143، والهداية 7: 134، وتبيين الحقائق 5: 101، والمجموع 15: 383.
(3) اللباب 2: 124، والمبسوط 12: 60، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 7: 134، وعمدة القاري 13: 143، والفتاوى الهندية 4: 386 - 387، وتبيين الحقائق 5: 101.
(4) مختصر المزني: 134، والوجيز 1: 249 - 250، وكفاية الاخيار 1: 201، والمجموع 15: 382 و 384، والسراج الوهاج: 308، ومغني المحتاج 2: 401، وعمدة القاري 13: 143، وبدائع الصنائع 6: 132، وفتح الباري 5: 215.
(5) بداية المجتهد 2: 327، وبلغة السالك 2: 317، والمحلى 9: 127، وأسهل المدارك 3: 89، وفتح الرحيم 2: 157، والخرشي 7: 113 - 114، وجواهر الاكليل 2: 215، وعمدة القاري 13: 143، وفتح الباري 5: 215.

[ 567 ]

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (1). وأيضا قوله - عليه السلام -: " العائد في هبته كالعائد في قيئه " ((2) يدل عليه أيضا، لان القئ حراما بلا خلاف. مسألة 12: إذا وهب لاجنبي وقبضه، أو لذي رحم غير الولد، كان له الرجوع فيه، ويكره الرجوع في الهبة لذي رحم. وقال أبو حنيفة: يجوز له الرجوع فيما يهب لاجنبي، ولكل قريب إذا لم يك ذا رحم محرم منه بالنسب، - على ما مضى من تفسيره - وأجرى الزوجية مجرى الرحم المحرم بالنسب، وقال: إذا وهب أحد الزوجين للاخر، لم يكن للواهب الرجوع فيها (3). وقد روى ذلك قوم من أصحابنا في الزوجين (4). وقال الشافعي: إذا وهب لغير الولد وقبض لزم، ولا رجوع له بعد ذلك فيها (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (6).

(1) التهذيب 9: 157 حديث 646، والاستبصار 4: 106 حديث 402 وغيرها مما يستفاد من عمومه في باب الهبة فلاحظ.
(2) صحيح مسلم 3: 1241 حديث 7، وصحيح البخاري 3: 207، وسنن النسائي 6: 266، وسنن أبي داود 3: 291 حديث 3538، وسنن ابن ماجة 2: 797 حديث 2385، والسنن الكبرى 6: 180.
(3) اللباب 2: 124 - 125 وعمدة القاري 13: 143، وفتح الباري 5: 216، وشرح فتح القدير 7: 130، والفتاوى الهندية 4: 386 - 387، والهداية 7: 130 و 134، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 7: 130، وتبيين الحقائق 5: 98 و 101، والمحلى 9: 127.
(4) الكافي 7: 30 حديث 3، والتهذيب 9: 152 حديث 624 والاستبصار 4: 110 حديث 423.
(5) المجموع 15: 381 - 382، وكفاية الاخيار 1: 201، والوجيز 1: 249، والسراج الوهاج: 309، ومغني المحتاج 2: 404، والمغني لابن قدامة 6: 328.
(6) انظرها في التهذيب 9: 152 (باب النحل والهبة) حديث 635 و 643 وغيرها، والاستبصار 4: 107 (باب الهبة المقبوضة) حديث 414 وغيرها.

[ 568 ]

وروى أبو هريرة، عن النبي عليه السلام أنه قال: " الواهب أحق بهبته ما لم يثبت منها " (1). وروي عن علي عليه السلام أنه قال: " الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها " (2). وروي مثل ذلك عن عمر (3)، وفضالة بن عبيد (4) (5). مسألة 13: الهبات على ثلاثة أضرب: هبة لمن فوقه، وهبة لمن دونه، وهبة لمن هو مثله. وكلها يقتضي عندنا الثواب. وقال جميع الفقهاء: إنها إذا كانت لمن فوقه، أو لمن هو مثله لا تقتضي الثواب (6)، وإذا كانت لمن هو دونه اختلفوا، فقال أبو حنيفة: لا تقتضي الثواب (7)، وبه قال الشافعي في أحد قوليه في الجديد (8)، ونص عليه في الشفعة (9)، وقال في القول الاخر - وهو قوله القديم -: أنها تقتضي الثواب (10)

(1) سنن ابن ماجة 2: 798 حديث 2387، وسنن الدارقطني 3: 44 حديث 181.
(2) سنن الدارقطني 3: 44 حديث 183، وشرح معاني الاثار 4: 82، والمحلى 9: 129.
(3) شرح معاني الاثار 4: 81 - 82، والمحلى 9: 129.
(4) فضالة بن عبيد بن ناقذ بن صهيبة، أبو محمد الانصاري ولاه معاوية الغزو وقضاء دمشق واستخلفه على دمشق لما غاب عنها قيل مات سنة (53)، وقيل: (67). انظر تهذيب التهذيب 8: 267 - 268.
(5) شرح معاني الاثار 4: 82، والمحلى 9: 129.
(6) المغني لابن قدامة 6: 331، والسراج الوهاج: 309، ومغني المحتاج 2: 404، والوجيز 1: 250، وفتح الباري 5: 210، وعمدة القاري 13: 141.
(7) المبسوط 12: 54، وعمدة القاري 13: 141، وفتح الباري 5: 210، والمغني لابن قدامة 6: 331.
(8) الوجيز 1: 250، ومغني المحتاج 2: 404، والسراج الوهاج: 309، والمغني لابن قدامة 6: 331، وعمدة القاري 13: 141، وفتح الباري 5: 210.
(9) انظر الام 4: 3 و 63.
(10) الوجيز 1: 250، والسراج الوهاج: 309، ومغني المحتاج 2: 404، والمغني لابن قدامة 6: 331، وفتح الباري 5: 210، وعمدة القارى 13: 141.

[ 569 ]

وبه قال مالك (1). دليلنا: عموم الاخبار التي رواها أؤصحابنا " أن الهبة تقتضي الثواب " (2) ولم يخصوا فيها نوعا دون نوع، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير. وروى أبو هريرة، عن النبي عليه السلام، أنه قال: " الواهب أحق بهبته ما لم يثبت منها " (3)، فاثبت للواهب حق الرجوع قبل أن يثاب، وأسقط حقه من الرجوع بالثواب، وجعله ثوابا على الحقيقة. وروي عن عائشة، أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل الهدية ويثيب عليها (4). وهو قول علي عليه السلام، وعمر، وفضالة بن عبيد. فروي عن علي عليه السلام أنه قال: " من وهب هبة يرجوا ثوابها فهي رد على صاحبها ما لم يثبت عليها " (5). وروي مثله عن عمر (6). وروي: أن رجلين اختصما إلى فضالة بن عبيد، فقال أحدهما: وهبت لهذا بازي فلم يثبني عليه. فقال: رد عليه بازه أو أثبه عنه (7). ولا يعرف لهم مخالف.

(1) الموطأ 2: 754، وفتح الرحيم 2: 157، والخرشي 7: 117، والمغني لابن قدامة 6: 331، وعمدة القاري 13: 141.
(2) انظرها في التهذيب 9: 152 (باب النحل والهبة).
(3) سنن ابن ماجة 2: 798 حديث 2387، وسنن الدارقطني 3: 44 حديث 181.
(4) صحيح البخاري 3: 206، والسنن الكبرى 6: 180.
(5) انظر بدائع الصنائع 6: 128.
(6) المصنف لعبد الرزاق 9: 105 حديث 16519، والموطأ 2: 754 حديث 42، وشرح معاني الاثار 4: 81، والسنن الكبرى 6: 181 - 182، ورواه الشافعي في أمه 4: 61، وابن قدامة في المغني 6: 331، والكاساني في بدائع الصنائع 6: 128.
(7) شرح معاني الاثار 4: 82، وانظر المحلى 9: 129، والمبسوط 12: 52، وبدائع الصنائع 6: 128.

[ 570 ]

مسألة 14: إذا ثبت أن الهبة تقتضي الثواب، فلا يخلو إما أن يطلق، أو يشترط الثواب، فان أطلق فأي ثواب يقتضي منه، فانه يعتبر ثواب مثله على ما جر به العادة. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال، على قوله أنها تقتضي الثواب. أحدهما: مثل ما قلناه (1)، والثاني يثيبه حتى يرضى الواهب (2). والثالث: يثيبه بقدر قيمة الهبة أو مثلها (3). دليلنا: أن أصل الثواب إنما أثبتناه في الهبة بالعادة، فكذلك مقدارها وإن قلنا أنه لا مقدار فيها أصلا، وإنما هي ما يثاب عنها قليلا كان أو كثيرا كان قويا، لعموم الاخبار وإطلاقها (4). مسألة 15: إذا شرط الثواب، فان كان مجهولا صح، لانه وافق ما يقتضيه الاطلاق. وإن كان معلوما كان أيضا صحيحا، لانه لا مانع يمنع منه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يصح، لانه إذا صح مع الجهل، فمع العلم أولى. والثاني: لا يصح (5).

(1) المجموع 15: 389، والسراج الوهاج: 309، ومغني المحتاج 2: 404، والوجيز 1: 250.
(2) المجموع 15: 389، الوجيز 1: 250.
(3) المجموع 15: 389 والوجيز 1: 250، ومغني المحتاج 2: 404، والسراج الوهاج: 309، وفتح الباري 5: 210.
(4) الكافي 7: 32 حديث 3 و 13، والتهذيب 9: 152 (باب النحل والهبة)، والاستبصار 4: 107 (باب الهبة المقبوضة).
(5) الام 14: 10 و 63، والمجموع 15: 386 و 389، والوجيز 1: 250، والسراج الوهاج: 309 - 310، ومغني المحتاج 2: 404 - 405، والمغني لابن قدامة 6: 332 و 333 و 336، وفتح الباري 5: 210 والمحلى 9: 119، وسبل السلام 3: 940.

[ 571 ]

دليلنا: قوله عليه السلالم " المؤمنون عند شروطهم " (1) ولم يفصل. وأيضا الاصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 16: إذا تلف الموهوب في يد الموهوب له، بطل الثواب، ولا يرجع عليه بمثله، ولا قيمته. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما: مثل ما قلناه. والاخر: يرجع عليه بقيمته (2). دليلنا: أن التلف والنقصان وجدا في ملك الموهوب له، وما حصل في ملكه لا يرجع به عليه. وأيضا: الاصل براءة الذمة، وايجاب القيمة يحتاج الى دليل. مسألة 17: إذا وهب ثوبا خاما لمن له الرجوع في هبته - كالاجنبي على مذهبنا، والولد على مذهب الشافعي (3) - فقصره الموهوب له، لم يكن للواهب الرجوع فيه. وللشافعي فيه قولان: إن قال القصارة بمنزلة الزيادة المتميزة، كان الواهب شريكا للموهوب له بقدر القصارة. وإن قال القصارة بمنزلة الزيادة المتصلة، فالثوب للواهب بقصارته، ولا حق للموهوب له فيه (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم على أنه إذا تصرف الموهوب له في الهبة لم

(1) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835، والمغني لابن قدامة 4: 384، والشرح الكبير 4: 386، وتلخيص الحبير 3: 23 و 44، والمصنف لابن أبي شيبة 6: 568 حديث 2064.
(2) المجموع 15: 386، والوجيز 1: 250، ومغني المحتاج 2: 404، والمغني لابن قدامة 6: 332 - 333.
(3) مختصر المزني: 134، والمجموع 15: 382، وكفاية الاخيار 1: 201، ومغني المحتاج 2: 401، والسراج الوهاج: 308.
(4) المجموع 15: 375، ومغني المحتاج 2: 403، والسراج الوهاج: 309، والمغني لابن قدامة 6: 312، والشرح الكبير 6: 306.

[ 572 ]

يكن للواهب الرجوع فيها (1). وهذا قد تصرف. ولان إثبات الرجوع في هذا يحتاج الى دليل. مسألة 18: الدار المستأجرة يصح هبتها وبيعها لغير المستأجر. وللشافعي في صحة بيعها وهبتها قولان: أحدهما: يصحان. والاخر: يبطلان (2). دليلنا: إجماع الفرقة على أن بيع المستأجر يصح، وكل من قال بصحة بيعها قال بصحة هبتها. والشافعي بنى صحة الهبة وفسادها على صحة البيع وفساده. وقد بينا أن ذلك صحيح. مسألة 19: إذا وهب له شيئا من حلي ذهبا أو فضة، فأثابه في المجلس قبل التفرق أو بعد التفرق بجنسه من النقود، أو بغيره بمثله، أو بما زاد عليه، أو نقص قبل التصرف أو بعده، كان ذلك جائزا ولا يفسد. وقال الشافعي: حكم ذللك حكم الصرف، فما صح في الصرف صح هاهنا، وما أفسده الصرف أفسد ها هنا (3). دليلنا: أن أحكمام الصرف مراعى في الصرف والبيع، وليس الهبة بيعا ولا صرفا، فمن قال: أنها لا حقة بالبيع فعليه الدلالة. مسألة 20: إذا كان له على غيره حق، جاز له بيعه، ويكون مضمونا.

(1) الكافي 7: 32 حديث 11، والتهذيب 9: 152 حديث 4، والاستبصار 4: 107 حديث 412، ويستفاد فيها أيضا من عموم الاخبار المذكورة في هذا الباب فلاحظ.
(2) المجموع 15: 87 و 89 و 373، والوجيز 1: 239 و 249، ومغني المحتاج 2: 360، والسراج الوهاج: 297 و 308، وكفاية الاخيار 1: 200، والمغني لابن قدامة 6: 53.
(3) لم أعثر على هذا القول في مظانه من كتب الشافعية وغيرها.

[ 573 ]

ويجوز هبته ورهنه، ولا يلزمان إلا بالقبص. وللشافعي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يصح بيعه من غيره، ويصح هبته وتلزم الهبة بنفس العقد، ولا يشترط القبض في لزومها، ولا يصح رهنه، لانه لا يزيل الملك (1). والثاني: أنه يصح البيع والهبة ولا يلزم الهبة الا بالقبض، ويصح الرهن ولا يلزم إلا بالقبض (2). وهذا مثل قولنا. والثالث: لا يصح بيعه ولا هبته، ولا رهنه لانه غير مقدور على تسليمه، فهو كالطير في الهواء (3). دليلنا: إجماع الفرقة على جواز الديون، ولا مانع يمنع من هبته ولا رهنه، وعموم الاخبار يقتضي جوازهما (4). مسألة 21: إذا وهب في مرضه المخوف شيئا وأقبضه، ثم مات، فمن أصحابنا من قال: لزمت الهبة في جميع المهوب، ولم يكن للورثة فيها شئ (5). ومنهم من قال: يلزم في الثلث، ويبطل فيما زاد عليه (6)، وبه قال جميع

(1) المجموع 13: 206، وكفاية الاخيار 1: 201، والسراج الوهاج: 212 و 308، ومغني المحتاج 2: 71 و 400، والمغني لابن قدامة 6: 290، وعمدة القاري 13: 160، وفتح الباري 5: 224.
(2) المجموع 13: 206 و 15: 370 و 380، وكفاية الاخيار 1: 200، والسراج الوهاج: 308، وعمدة القاري 13: 160، وفتح الباري 5: 224، والمغني لابن قدامة 6: 290.
(3) المجموع 13: 205 - 206، والسراج الوهاج: 212 و 308، والوجيز 1: 159 و 249، وكفاية الاخيار 1: 200، وعمدة القاري 13: 160، فتح الباري 5: 224، والمغني لابن قدامة 6: 290.
(4) انظر الكافي 7: 37، والتهذيب 9: 152 (باب النحل والهبة).
(5) ممن قال بهذه المقالة الشيخ المفيد في المقنعة: 101، والسيد المرتضى علم الهدى في الانتصار: 224، وابن زهرة في الغنية المطبوع ضمن الجوامع الفقهية: 603، ومن المتأخرين عن عصر المؤلف ابن ادريس الحلي رضوان الله تعالى عليهم اجمعين في السرائر: 382.
(6) قاله ابن الجنيد كما حكاه عنه العلامة الحلي في المختلف: 29 من كتاب الهبة فراجع.

[ 574 ]

الفقهاء (1). دليلنا على الاول: أخبار الطائفة المروية في هذا الباب (2)، والرجوع إليها هو الحجة في هذه المسألة.

(1) المجموع 15: 441، وبداية المجتهد 2: 322، والمغني لابن قدامة 6: 524، والشرح الكبير 6: 315 - 316، والمبسوط 12: 102.
(2) انظرها في الكافي 7: 7 " باب ان صاحب المال أحق بماله ما دام حيا "، ومن لا يحضره الفقيه 4: 138 حديث 481، والتهذيب 9: 190 حديث 864، والاستبصار 4: 121 حديث 461.

[ 575 ]

كتاب اللقطة

[ 577 ]

مسألة 1: اللقطة على ضربين: لقطة الحرم، ولقطة غير الحرم. فلقطة الحرم سيجئ الخلاف فيها، ولقطة غير الحرم يعرفها سنة، ثم هو مخير بعد السنة بين ثلاثة أشياء: بين أن يحفظها على صاحبها. وبين أن يتصدق عنه، ويكون ضامنا إن لم يرض صاحبها. وبين أن يتملكها، ويتصرف فيها، وعليه ضمانها إذا جاء صاحبها، سواء كان غنيا أو فقيرا، أو ممن تحل له الصدقة، أو ممن لا تحل له الصدقة. وقال الشافعي: إذا كان بعد السنة هو بالخيار بين أن يحفظها على صاحبها، وبين أن يتملكها ويأكلها، ويضمن ثمنها بالمثل إن كان له مثل، أو القيمة إن لم يكن له مثل، سواء كان غنيا أو فقيرا، أو ممن تحل له الصدقة، أو ممن لا تحل له الصدقة (1). وقال أبو حنيفة، في الفقير وقبل حول الحول مثل قول الشافعي. وإن كان بعد الحول، فانه لا يخلو إما أن يكون فقيرا أو غنيا، فان كان فقيرا، فهو مخير بين الثلاثة الاشياء التي ذكرناها نحن، سواء من الحفظ على صاحبها، أو أكلها، أو

(1) الام 4: 65 - 66 - 67، ومختصر المزني: 135، و المجموع 15: 263، والسراج الوهاج: 313، وكفاية الاخيار 2: 4 - 5، والمبسوط 11: 5 و 7، والنتف 2: 585، وبدائع الصنائع 6: 202، والمغني لابن قدامة 6: 392، وبداية المجتهد 2: 301.

[ 578 ]

التصدق بها مع شرط الضمان إن لم يرض. وإن كان غنيا فهو مخير بين شيئين: بين أن يحفظها على صاحبها، وبين أن يتصدق بها على صاحبه بشرط الضمان، وليس له أن يأكلها على كل حال (1). وقال مالك: يجوز للغني أن يأكلها، ولا يجوز للفقير أكلها (2)، بعكس ما قاله أبو حنيفة. دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم، وهي أكثر من أن تحصى (3). وروى أبو هريرة: أن النبي عليه السلام قال: " لا تحل اللقطة، فمن التقطها فليتصدق بها " (4). وهذا أمر يدل على بطلان قوله: أن الصدقة لا تجوز. وروى أبي بن كعب، قال: وجدت صرة فيها مائة دينار - وروي ثمانون - فأتيت النبي عليه السلام بها، فقال: " اعرف عددها ووكائها، ثم عرفها سنة ". قال فجئت إليه السنة الثانية فقال: " عرفها "، فجئت إليه السنة الثالثة، فقال: " استمتع بها " (5).

(1) النتف 2: 586، واللباب 2: 157 و 160، والمبسوط 11: 6 - 7، وعمدة القاري 12: 267، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 4: 432، وتبيين الحقائق 3: 307، وبداية المجتهد 2: 301، والمجموع 15: 263، والمغني لابن قدامة 6: 392.
(2) بداية المجتهد 2: 301، وفتح الرحيم 2: 172، بلغة السالك 2: 325، وأسهل المدارك 3: 57، والمغني لابن قدامة 6: 392، والنتف 2: 585.
(3) انظرها في الكافي 5: 137 (باب اللقطة والضالة)، والتهذيب 6: 389 (باب 94 اللقطة والضالة)، والاستبصار 3: 67 (باب 41 اللقطة).
(4) روى ابن الحزم في المحلى 8: 266 عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن اللقطة فقال: " لا تحل اللقطة فمن التقط شيئا فليعرفه سنة فان جاء صاحبه فليرده إليه وان لم يأت فليتصدق به فان جاء فليخيروه بين الاجير وبين الذي له ". أقول: ولم نعثر على ما حكاه الشيخ المصنف قدس سره بلفظ الحديث في الكتب المتوفرة لدينا.
(5) صحيح البخاري 3: 166، وصحيح مسلم 3: 1350، حديث 1723، وسنن أبي داود 2: 134

[ 579 ]

وهذا يدل على جواز الاستمتاع بالاكل والبيع والهبة، بخلاف ما يقول أبو حنيفة في الغني لان أبيا كان غنيا. مسألة 2: كلما يمتنع من الابل، والبقر، والبغال، والحمير فليس لاحد أخذه. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: من وجده له أخذه، مثل سائر الضوال من الغنم (2). دليلنا: أن جواز ذلك يحتاج إلى دليل. وأيضا: روي عن النبي عليه السلام: أنه قال - حين سأله السائل عن الابل الضوال - فقال: " مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها " (3) يعني خفها وكرشها. مسألة 3: روى أصحابنا أن أخذ اللقطة مكروه (4). وبه قال مالك (5).

حديث 1701، وسنن ابن ماجة 2: 837 حديث 2506، ومصنف عبد الرزاق 10: 134 حديث 18615، وفي الجميع باختلاف يسير في اللفظ. (1) الام 4: 68، ومختصر المزني: 135، والمجموع 15: 274، والوجيز 1: 252، وكفاية الاخيار 2: 7، والمحلى 8: 272، والمغني لابن قدامة 6: 396، والشرح الكبير 6: 349 - 350، وعمدة القاري 12: 270.
(2) المبسوط 11: 11، وعمدة القاري 12: 270، وفتاوى قاضيخان في هامش الفتاوى الهندية 3: 389، والفتاوى الهندية 2: 289، واللباب 2: 158، وشرح فتح القدير 4: 428، والمغني لابن قدامة 6: 396، والمحلى 8: 272، والشرح الكبير 6: 350.
(3) صحيح البخاري 3: 166، وصحيح مسلم 3: 1348 حديث 2، وموطأ مالك 2: 757 حديث 46، وسنن الترمذي 3: 656 حديث 1372، والمصنف لعبد الرزاق 10: 129 حديث 18601 و 18602، والسنن الكبرى 6: 189، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 196 حديث 4869.
(4) التهذيب 6: 390، حديث 1165 و 1166، والاستبصار 3: 68 حديث 229.
(5) بداية المجتهد 2: 299 - 300، وجواهر الاكليل 2: 218، وعمدة القاري 12: 180، والمحلى 8: 261، والبحر الزخار 5: 278، وسبل السلام 3: 948 - 949.

[ 580 ]

وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يجب عليه أخذها إذا كان أمينا، ويخاف ضياعها. والاخر: لا يجب، غير أنه يستحب (1). وإن كان غير أمين لا يجوز له أخذها على حال، لانها أمانة، ولا يؤتمن غير أمين. دليلنا: الاخبار التي رواها أصحابنا، فانهم رووا: " أن الناس كلهم لو تركوها لجاء صاحبها وأخذها " (2). وروي عن ابن عمر أنه قال: " دع خيرها بشرها " (3). وأيضا فانها ملك الغير، وأخذها لا يجوز إلا باذن. مسألة 4: يستحب لمن وجد اللقطة أن يشهد عليها. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه. والاخر: أنه يجب عليه الاشهاد (4). وقال أبو حنيفة: إن أشهد فانه يكون أمانة، وإن لم يشهد يكون مضمونا عليه في يده (5).

(1) المجموع 15: 250 و 265، ومختصر المزني: 135، والوجيز 1: 25، ومغني المحتاج 2: 406 - 407، والسراج الوهاج: 310، وكفاية الاخيار 2: 3، وكفاية الاخيار 2: 3، وبداية المجتهد 2: 290، والمحلى 8: 261، والمغني لابن قدامة 6: 347، وعمدة القاري 12: 180، والبحر الزخار 5: 278، وسبل السلام 3: 948.
(2) روى الشيخ المؤلف قدس سره في التهذيب 6: 390 الحديث 1166 بسنده عن الصادق عليه السلام قال: لا تعرض لها فان الناس لو تركوها لجاء صاحبها حتى يأخذها.
(3) لم أقف على الحديث في الكتب المتوفرة لدينا.
(4) مختصر المزني: 135، والمجموع 15: 258، والوجيز 1: 251، ومغني المحتاج 2: 407، والسراج الوهاج: 310، وكفاية الاخيار 2: 3، وبداية المجتهد 2: 302، والشرح الكبير 6: 387، والبحر الزخار 5: 280، وسبل السلام 3: 951.
(5) اللباب 1: 156، والمبسوط 11: 11 - 12، وعمدة القاري 12: 268، وبدائع الصنائع 6: 201،

[ 581 ]

دليلنا: أنه لا دليل على كونه مضمونا عليه، والاصل براءة الذمة، ولا دليل أيضا على وجوب الاشهاد، واستحبابه مجمع عليه. مسألة 5: إذا عرفها سنة، وأكلها بعد ذلك كان ضامنا، إن كان لها مثل يضمن مثلا، وإن لم يكن لها مثل فبالقيمة، وبه قال جميع الفقهاء، وأهل العلم (1). وذهب قوم من أهل الظاهر: داود وغيره. إلى أنه إن أكلها بعد الحلول لا يضمن، ولا يلزمه رد المثل، ولا القيمة (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (3). وروى عطاء بن يسار، عن علي عليه السلام أنه وجد دينارا فأمره النبي عليه السلام أن يأكله، ثم جاء صاحبه فأمره أن يغرمه (4)، وهذا نص. وروى عمر بن شعيب عن أبيه أن النبي عليه السلام: " قال اعرف عفاصها (5) ووكائها ثم عرفها سنة، فان جاء صاحبها وإلا فشانك - ثم قال -: فان جاء صاحبها يوما من الدهر فأدها " (6). وهذا نص.

وتبيين الحقائق 3: 302، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 4: 423 - 424، وبداية المجتهد 2: 303، والمجموع 15: 258، والفتاوى الهندية 2: 291، والشرح الكبير 6: 387. (1) المجموع 15: 266، وكفاية الاخيار 2: 5، وبداية المجتهد 2: 301، واللباب 2: 157، وفتح الباري 5: 84، وعمدة القاري 12: 272 - 273 والمغني لابن قدامة 6: 367، والشرح الكبير 6: 391.
(2) المحلى 8: 257، والمجموع 15: 266 و 275، والمغني لابن قدامة 6: 367، والشرح الكبير 6: 391، وعمدة القاري 12: 273، وفتح الباري 5: 84، وبداية المجتهد 2: 301.
(3) التهذيب 6: 396 حديث 1190 و 1191 و 1194.
(4) السنن الكبرى 6: 187، وذكر عبد الرزاق الحديث بطوله في المصنف 10: 142 برقم 18637.
(5) العفاص: الوعاء الذي يكون فيه النفقة، من جلد كان أو غيره. والعفاص أيضا الجلد الذي يكون على رأس القارورة.
(6) صحيح البخاري 3: 163، والسنن الكبرى 6: 192، وصحيح مسلم 3: 1347 و 1349 حديث

[ 582 ]

مسألة 6: إذا وجد كلبا لللصيد، وجب أن يعرفه سنة، فإذا مضت سنة، جاز له يصطاد به، فان تلف كان ضامنا. وقال الشافعي: لا يضمن بناء منه على قوله أن الكلب لا قيمة له (1). وعندنا أن كلب الصيد له قيمة، وقد مضت هذه المسألة. مسألة 7: اللقطة إذا كان قيمتها درهما فصاعدا وجب تعريفها، وإن كان دون ذلك لا يجب تعريفها. وقال الشافعي: يجب تعريفها قليلا كان أو كثيرا، إلا ما لا يهبه الناس (2). وقال الطبري: سمعت الماسرجسي يقول: من أصحابنا من قدر ذلك بدينار. وقال أبو حنيفة: إن كان قيمتها ما يقطع فيه وجب تعريفها، وإن كان دون ذلك لا يجب تعريفها. وبه قال مالك (3)، غير أن أبا حنيفة قال: لا يجب القطع إلا في عشرة دراهم قيمتها دينار (4). وعند مالك يجب في ربع دينار (5).

1722 وحديث 5، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 196 حديث 4869 وفي البعض اختلاف يسير في اللفظ فلاحظ. (1) المجموع 9: 228، والوجيز 1: 133، والسراج الوهاج: 173، ومغني المحتاج 2: 11، وفتح العزيز 8: 112 - 113.
(2) المجموع 15: 262 و 268، والوجيز 1: 253، وكفاية الاخيار 2: 4، وعمدة القارى 12: 266، وفتح الباري 5: 85، وتبيين الحقائق 3: 303، والمغني لابن قدامة 6: 351 - 352، والشرح الكبير 6: 348.
(3) المدونة الكبرى 6: 173 و 266، وبداية المجتهد 2: 303، والخرشي 7: 124، والمغني لابن قدامة 6: 351.
(4) المبسوط 11: 3، واللباب 2: 157، والنتف 2: 586، وبدائع الصنائع 6: 202، وعمدة القاري 12: 266، وفتح الباري 5: 92، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 4: 425، وتبيين الحقائق 3: 302 - 303، والمحلى 8: 264، والمغني لابن قدامة 6: 351، والشرح الكبير 6: 348.
(5) موطأ مالك 2: 832 حديث 24، وبداية المجتهد 2: 437.

[ 583 ]

ومالك يقول: لا يعرفها أصلا (1). وأبو حنيفة يقول: يعرفها أقل من سنة (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (3). وروى جابر بن عبد الله: أن اللنبي عليه السلام رخص في العصا، والسوط، والحبل وأشباهها يلتقطها وينتفع بها (4). وروي: أن ابن عمر رأى كسرة في الطريق، وكان معه غلام، فأخذها ومسحها وأكلها، فقال: ما صنعت بها؟ فأخبره بما صنع، فقال: أنت حر، إني أستحي أن أستعبد من هو مغفور له، لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من رأى كسرة فأخذها، وأكرمها ومسحها، وأكلها غفر الله له ما تقدم من ذنبه (5). وروي عن عائشة أنها قالت: لا بأس بما دون الدرهم أن ينتفع به (6). مسألة 8: العبد إذا وجد لقطة، جاز له أن يلتقطها. وللشافعي فيه قولان:

(1) بداية المجتهد 2: 303، والمدونة الكبرى 6: 266، والخرشي 7: 124، والمغني لابن قدامة 6: 351، والشرح الكبير 6: 348.
(2) النتف 2: 586، واللباب 2: 157، والمبسوط 11: 3، وبدائع الصنائع 6: 202، وعمدة القاري 12: 266، وتبيين الحقائق 3: 302 - 303، وفتح الباري 5: 92، والمحلى 8: 264، والمغني لابن قدامة ج 6: 351، والشرح الكبير 6: 348، والمجموع 15: 262.
(3) انظرها في التهذيب 6: 389 حديث 1162، والاستبصار 3: 68 حديث 226، ويدل عليه عموم أكثر أحاديث باب اللقطة فلاحظ.
(4) سنن أبي داود 2: 138 حديث 1717، والسنن الكبرى 6: 195.
(5) لم أقف على هذا الحديث في الكتب المتوفرة.
(6) رواه العيني في عمدة القاري 12: 272، ولم أعثر عليه في الكتب الحديثية المتوفرة.

[ 584 ]

أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني ليس له أن يلتقطها (2). دليلنا: عموم الاخبار الواردة في هذا الباب (3)، وتخصيصها بالاحرار يحتاج إلى دليل. مسألة 9: من أخذ لقطة ثم ردها إلى مكانها، لم يجز له، وكان ضامنا. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: يزول ضمانه (5). دليلنا: أنه ضمن بلا خلاف، فمن ادعى زواله فعليه الدلالة. مسألة 10: إذا عرفها سنة، لا تدخل في ملكه إلا باختياره، بأن يقول: هذا قد اخترت ملكها. وللشافعي فيه أربعة أوجه: أحدها: وهو أصحها مثل ما قلناه. والثاني: أنه بمضي السنة يملكها بغير اختياره. والثالث: بمجرد القصد دون التصرف.

(1) الام 4: 68، والمجموع 15: 278، ومغني المحتاج 2: 408، والسراج الوهاج: 311، والوجيز 1: 251، وكفاية الاخيار 2: 3.
(2) المجموع 15: 278، والسراج الوهاج: 311، ومغني المحتاج 2: 408، والوجيز 1: 251، والمغني لابن قدامة 6: 387، والشرح الكبير 6: 400، والبحر الزخار 5: 279.
(3) انظرها في الكافي 5: 137 (باب اللقطة والضالة)، والتهذيب 6: 389، والاستبصار 3: 67 بنفس الباب المذكور.
(4) الام 4: 66 و 68، ومختصر المزني: 136، والمجموع 15: 274، والمغني لابن قدامة 6: 368، والشرح الكبير 6: 360 - 361.
(5) المبسوط 11: 13، والفتاوى الهندية 2: 292، وتبيين الحقائق 3: 302، والمجموع 15: 274.

[ 585 ]

والرابع: بالقول والتصرف (1). دليلنا: أنه قد ثبت أنه ملك الغير، وما قلناه مجمع على تملكه به، وما قاله ليس عليه دليل. مسألة 11: يكره للفاسق اخذ اللقطة، فان أخذها فعل ما يفعله الامين، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: ينترع من يده ويدفع الى امين الحاكم. والثاني: تضام الى يده يد اخرى (2). دليلنا عموم الاخبار الواردة في أحكام اللقطة (3)، فمن خصصها بأمين دون فاسق فعليه الدلالة، وكراهة أخذها له مجمع عليه، ووجوب انتزاعها من يده يحتاج الى دليل. مسألة 12: لقطة الحرم يجوز أخذها، ويجب تعريفها سنة، ثم بعد ذلك يكون مخيرا إذا لم يجئ صاحبها بين أن يتصدق بها بشرط الضمان، أو يحفظها على صاحبها وليس له أن يتملكها. وقال الشافعي: من وجد بمكة لقطة، فلا يخلو إما أن يكون أخذها ليعرفها ويحفظها على صاحبها، أو أخذها ليتملكها. فان أخذها ليعرفها ويحفظ على صاحبها كان جائزا بلا خلاف في هذا. وإن أخذها ليتملكها، فعنده أنه ليس له أن يلتقطها ليتملك لقطة مكة.

(1) المجموع 15: 262 و 267، والسراج الوهاج: 312، ومغني المحتاج 2: 415، والوجيز 1: 253، وكفاية الاخيار 2: 4، وعمدة القاري 12: 268، وفتح الباري 5: 84، والبحر الزخار 5: 285.
(2) مختصر المزني: 135، والمجموع 15: 281، والسراج الوهاج: 310، ومغني المحتاج 2: 407، والوجيز 1: 254، وكفاية الاخيار 2: 6، والمغني لابن قدامة 6: 390، والشرح الكبير 6: 398.
(3) انظرها في الكافي 5: 137، والتهذيب 6: 389، والاستبصار 3: 67 (باب اللقطة والضالة).

[ 586 ]

وإليه ذهب عامة أهل العلم (1). وذهب بعض الناس: إلى أنه يجوز التقاط لقطة مكة وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: لقطة الحرم حكمها حكم لقطة غير الحرم (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4). وأيضا روي عن النبي عليه السلام أنه قال - في مكة -: " لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا يحل لقطتها إلا لمنشد " (5). يعني لمعرف. وروي عنه عليه السلام أنه نهى عن لقطة الحاج (6). وأيضا قوله تعالى " أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون " (7). فإذا وصفه تعالى بأنه حرم فلا يجوز التقاط ما يسقط فيه.

(1) المجموع 15: 253، والوجيز 1: 253، والمغني لابن قدامة 6: 360، والشرح الكبير 6: 385، وشرح فتح القدير 4: 430، وفتح الباري 5: 88، وعمدة القاري 12: 275، وبلغة السالك 2: 324، ونيل الاوطار 6: 97.
(2) المجموع 15: 253، والوجيز 1: 253، وشرح فتح القدير 4: 430، وعمدة القاري 12: 275، وفتح الباري 5: 88، والمغني لابن قدامة 6: 360، والشرح الكبير 6: 385، ونيل الاوطار 6: 97.
(3) اللباب 2: 159، وشرح فتح القدير 4: 430، وعمدة القاري 12: 275، والفتاوى الهندية 2: 289، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 4: 430، والمغني لابن قدامة 6: 360، والشرح الكبير 6: 385، ونيل الاوطار 6: 97.
(4) دعائم الاسلام 2: 495 حديث 1766، والتهذيب 6: 395 حديث 1190.
(5) سنن أبي داود 2: 212 حديث 2017 و 2018، وصحيح البخاري 3: 18، والسنن الكبرى 5: 195، ومجموع الزوائد 3: 283، وفي البعض منها اختلاف يسير في اللفظ.
(6) صحيح مسلم 3: 1351 حديث 1724، وسنن ابي داود 2: 139 حديث 1719، وشرح معاني الاثار 4: 140، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 196.
(7) العنكبوت: 67.

[ 587 ]

مسألة 13: يجوز للمكاتب أخذ اللقطة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه. والثاني: أنه مثل العبد (1)، وله في العبد قولان (2). دليلنا: عموم الاخبار (3)، وقد بينا أن العبد أيضا يجوز له أخذها بمثل ذلك (4). مسألة 14: العبد إذا كان نصفه حرا ونصفه مملوكا جاز له أخذ اللقطة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما - وهو الذي نص عليه - مثل ما قلناه. وقال بعض أصحابه تخريجا. ليس له أخذه (5). دليلنا عموم الاخبار (6)، وتخصيصها يحتاج إلى دليل. مسألة 15: من وجد لقطة، فجاء رجل آخر فوصف عقاصها ووكائها، ووزنها وعددها، وجنسها وحليتها، وغلب في ظنه أنه صادق، جاز له أن يعطيها، ولا يجب عليه ذلك إلا ببينة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه،

(1) الام 4: 68، ومختصر المزني: 136، والوجيز 1: 251، والمجموع 15: 280، والسراج الوهاج: 311، ومغني المحتاج 2: 408.
(2) الام 4: 68، ومختصر المزني: 135، والمجموع 15: 278، والوجيز 1: 251، والسراج الوهاج: 311، ومغني المحتاج 2: 408، وكفاية الاخيار 2: 3، والمغني لابن قدامة 6: 387، والشرح الكبير 6: 400.
(3) الكافي 5: 137، والتهذيب 6: 389، والتهذيب 6: 389، والاستبصار 3: 67 (باب اللقطة والضالة).
(4) تقدم البيان فيه في المسألة " 8 " فلاحظ.
(5) الام 4: 68، ومختصر المزني: 136، والمجموع 15: 280، والوجيز 1: 251، والسراج الوهاج: 311، مغني المحتاح 2: 409.
(6) الكافي 5: 137، والتهذيب 6: 389، والاستبصار 3: 67 (باب اللقطة والضالة).

[ 588 ]

والشافعي (1). وقال أحمد بن حنبل، وأهل الظاهر: أنه يجب عليه دفعها إليه (2)، وبه قال مالك، على ما حكاه الاسفرايني، عمن رواه من أصحاب مالك (3)، يقول ذلك. دليلنا: أنه ليس ها هنا ما يدل على وجوب الدفع إليه، والخبر المروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " إن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها " (4) يدل على ذلك، لانه لا يعلم بوصفه أنه صاحبها. مسألة 16: الذمي إذا وجد لقطة في دار الاسلام جاز له أخذها. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (5). والثاني: ليس له ذلك. لانه ليس بموضع أمانة (6).

(1) المبسوط 11: 8، وعمدة القاري 12: 267، والام 4: 67، والمجموع 15: 269، ومغني المحتاج 2: 416، والسراج الوهاج: 313، والمغني لابن قدامة 6: 363، والشرح الكبير 6: 388، والمحلى 8: 264، وبداية المجتهد 2: 302.
(2) المغني لابن قدامة 6: 363، والشرح الكبير 6: 388، والمحلى 8: 364، والمجموع 15: 269، وعمدة القاري 12: 267، وسبل السلام 3: 948.
(3) بداية المجتهد 2: 302، وأسهل المدارك 3: 75، وفتح الرحيم 2: 172، وبلغة السالك 2: 322، والمبسوط 11: 8، وعمدة القاري 12: 267، والمجموع 15: 269، والمغني لابن قدامة 6: 363، والشرح الكبير 6: 388، وسبل السلام 3: 948.
(4) صحيح البخاري 3: 163، وصحيح مسلم 3: 1347 حديث 1722، موطأ مالك 2: 757 حديث 46، وسنن أبي داود 2: 135 حديث 1705، وشرح معاني الاثار 4: 134، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7: 196، حديث 4869. وفي البعض منها اختلاف يسير في اللفظ.
(5) المجموع 15: 283، ومغني المحتاج 2: 407، والسراج الوهاج: 310.
(6) المجموع 15: 283، والمغني لابن قدامة 6: 389، والشرح الكبير 6: 397.

[ 589 ]

دليلنا: عموم الاخبار (1)، والمنع يحتاج إلى دلالة. مسألة 17: لم ينص أصحابنا على شئ من جعل اللقط والضوال إلا على إباق العبد، فانهم رووا أنه إن رده من خارج البدل استحق الاجرة أربعين درهما، قيمتها أربعة دنانير، وان كان من البدل فعشرة دراهم قيمتها دينار، وما عدا ذلك يستحق الاجرة بحسب العادة (2). وقال الشافعي: لا يستحق شيئا من الاجرة على شئ من ذلك، إلا أن يجعله له الجاعل، سواء كانت قيمته قليلا أو كثيرا، معروفا كان برد الضوال أو لم يكن، من بعيد رده أو من قريب (3). وقال مالك: إن كان معروفا برد الضوال، وممن يستاجر لذلك، فانه يستحق الجعل. وإن لم يكن معروفا، فلا يستحق الجعل (4). وقال أبو حنيفة: إن كان ضوالا أو لقطة فانه لا يستحق شيئا. وإن كان آبقا فرده من مسيرة ثلاثة أيام، وكان ثمنه أربعين درهما وزيادة استحق أربعين درهما، وإن نقص أحد الشرطين، فان جاء به من مسيرة أقل من ثلاثة أيام فبحسابه، فان كان من مسيرة يوم ثلث الاربعين، وإن كان من مسيرة يومين ثلثي الاربعين. وإن كان قيمته أقل من أربعين، فقال أبو حنيفة، ومحمد: ينقص من قيمته درهم ويستحق الباقي، إن كان قيمته أربعين، فيستحق تسعة وثلاثين، وإن

(1) الكافي 5: 137، والتهذيب 6: 389، والاستبصار 3: 67 (باب اللقطة والضالة).
(2) التهذيب 6: 398 حديث 1203.
(3) الام 4: 71، والمجموع 15: 114 و 118، وكفاية الاخيار 1: 193، والوجيز 1: 240، ومختصر المزني: 136، والسراج الوهاج: 318، ومغني المحتاج 2: 429، والمغني لابن قدامة 6: 381.
(4) جواهر الاكليل 2: 200، والخرشي 7: 64، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 292 - 293، والمحلى 8: 206.

[ 590 ]

كان قيمته ثلاثين يستحق تتسعة وعشرين (1). وقال أبو يوسف: يستحق أربعين، وان سوى عشرة دراهم، والقياس أنه لا يستحق شيئا، لكن أعطيناه استحسانا (2)، هكذا حكاه الساجى. دليلنا: إجماع الفرقه وأخبارهم (3). وروى ابن أبي مليكة: أن النبي عليه السلام جعل في جعل الابق يوجد خارج الحرم عشرة دراهم (4). وروي عن عمر أنه قال: من رد آبقا فله دينار (5). وروي عن ابن مسعود أنه سئل: هل يستحق من رد آبقا الاجرة؟ فقال: له من كل رأس أربعون درهما (6). مسألة 18: إذا اختلفا، فقال صاحب العبد الابق: شارطتك على رده بنصف دينار. وقال الذي رد: شارطتني على دينار، فالقول قول الجاعل مع يمينه إنه لم يجعل له دينارا، ثم يستحق عليه أجرة المثل. وقال الشافعي: يتحالفان، ويستحق أجرة المثل (7).

(1) المبسوط 11: 21، والنتف 2: 594، واللباب 2: 166 - 167، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 4: 435، وشرح فتح القدير 4: 435، وبدائع الصنائع 6: 205، والفتاوى الهندية 2: 298، وتبيين الحقائق 3: 308، والمغني لابن قدامة 6: 382، والمحلى 8: 206، (2) النتف 2: 594، والمبسوط 11: 32، وبدائع الصنائع 6: 205، والفتاوى الهندية 2: 296، وشرح فتح القدير 4: 436، وتبيين الحقائق 3: 308، والمحلى 8: 206، والمغني لابن قدامة 6: 382 - 383.
(3) انظر التهذيب 6: 398 حديث 1203.
(4) السنن الكبرى 6: 200.
(5) اشار الى هذا الحديث في شرح فتح القدير 4: 435، وتبيين الحقائق 3: 308.
(6) المصنف لعبد الرزاق 8: 208، والسنن الكبرى 6: 200، والمغني لابن قدامة 6: 382، وبدائع الصنائع 6: 204، والجوهر النقي في ذيل السنن الكبرى 6: 200 وفي البعض اختلاف يسير في اللفظ.
(7) المجموع 15: 124، والوجيز 1: 241، والسراج الوهاج: 319، ومغني المحتاج 2: 434.

[ 591 ]

دليلنا: أنه مدعى عليه، فكان عليه اليمين، ولزمه أجرة المثل لانه رد عليه ما أبق منه. مسألة 19: إذا أسلمت الام وهي حبلى من مشرك، أو كان لها منه ولد غير بالغ، فانه يحكم للولد والحمل بالاسلام ويتبعانها. وبه قال أهل العراق (1). والشافعي (2). وقال مالك: الحمل يتبعها، والولد لا يتبعها (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4). وقوله تعالى: " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم " (5) فحكم بأن ذرية المؤمنين يلحقون بهم، والولد ذرية مثل الحمل سواء. وأيضا قول النبي عليه السلام: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، ويمجسانه (6). مسألة 20: المراهق إذا أسلم، حكم باسلامه، فان ارتد بعد ذلك، حكم بارتداده، وان لم يتب قتل، ولا يعتبر إسلامه باسلام أبويه. وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد غير أنه قال: لا يقتل إن ارتد، لان هذا الوقت ليس بوقت

(1) النتف 2: 589، والمبسوط 10: 216، وبدائع الصنائع 6: 199، وشرح فتح القدير 4: 420، والفتاوى الهندية 2: 288، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 4: 420، وتبيين الحقائق 3: 299.
(2) المجموع 15: 316، والسراج الوهاج: 316، ومغني المحتاج 2: 423، والمغني لابن قدامة 10: 91، وبداية المجتهد 2: 305.
(3) بداية المجتهد 2: 305، والمغني لابن قدامة 10: 91.
(4) التهذيب 10: 140 حديث 553 و 554 وأحاديث أخرى.
(5) الطور: 21.
(6) صحيح مسلم 4: 2047 حديث 2658، والموطأ 1: 241 حديث 52، ومسند أحمد بن حنبل 2: 233 و 275 و 282، والسنن الكبرى 6: 203، ومجمع الزوائد 7: 218 وفي بعض المصادر " ما من مولود ".

[ 592 ]

التعذيب حتى يبلغ (1). وقال الشافعي: لا يحكم باسلامه ولا بارتداده، ويكون تبعا لابويه، غير أنه يفرق بينه وبينها لكيلا يفتناه. وبه قال زفر (2). وفي أصحابه من قال: يحكم باسلامه ظاهرا، فإذا بلغ ووصف الاسلام يكون مسلما من هذا الوقت (3). دليلنا: ما رواه أصحابنا " أن الصبي إذا بلغ عشر سنين أقيمت عليه الحدود التامة، واقتص منه، ونفذت وصيته وعتقه " (4). وذلك عام في جميع الحدود. وأيضا قوله عليه السلام " كل مولود يولد على الفطرة فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، حتى يعرب عنه لسانه فاما شاكرا أو كفورا " (5). وهذا عام، إلا من أخرجه الدليل. واستدل أصحاب أبي حنيفة باسلام علي عليه السلام وكان غير بالغ،

(1) المبسوط 10: 120 و 122 و 124، وبدائع الصنائع 7: 134 - 135، وشرح فتح القدير 4: 404، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 4: 404، وتبيين الحقائق 3: 292، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 4: 404، والمجموع 19: 223، والمغني لابن قدامة 10: 85 و 88، والشرح الكبير 10: 81 و 84.
(2) الام 6: 159، والمجموع 19: 223، والوجيز 1: 255، والسراج الوهاج: 316، ومغني المحتاج 2: 424، والمبسوط 10: 120، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 4: 404، وتبيين الحقائق 3: 292، والمغني لابن قدامة 10: 85 و 88.
(3) المجموع 19: 227، والسراج الوهاج: 316، ومغني المحتاج 2: 424، والوجيز 1: 256، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 4: 404.
(4) الكافي 7: 28 حديث 3 (باب وصية الغلام) ومن لا يحضره الفقيه 4: 145 حديث 501 (باب 92)، والتهذيب 9: 181 حديث 726 (باب وصية الصبي).
(5) صحيح مسلم 3: 2047 حديث 22، ومسند أحمد بن حنبل 2: 233، و 3: 353، ومجمع الزوائد 7: 218 والسنن الكبرى 6: 202 - 203، وفي البعض اختلاف يسير في اللفظ.

[ 593 ]

وحكم باسلامه بلا خلاف (1). وأجاب أصحاب الشافعي عن ذلك بأن قالوا: حكمنا باسلامه لانه يجوز أن يكون بالغا، لان أقل البلوغ عند الشافعي تسع سنين (2)، وعند أبي حنيفة إحدى عشرة سنة. واختلف الناس في إسلام علي عليه السلام، فمنهم من قال: أسلم وله عشر سنين (3)، ومنهم من قال: تسع سنين (4)، ومنهم من قال: إحدى عشرة سنة (5). وقال الواقدي (6) وأصل ما قيل أنه ابن إحدى عشرة سنة. وروي عن محمد بن الحنفية أنه قال: قتل علي عليه السلام في السابع والعشرين من شهر رمضان، وكان له ثلاث وستون سنة (7). ولا خلاف أنه قتل سنة أربعين من الهجرة، فلما هاجر النبي عليه السلام الى المدينة كان لعلي عليه السلام ثلاث وعشرون سنة، وأقام النبي عليه السلام بمكة

(1) شرح فتح القدير 4: 404، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 4: 404، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 4: 404، وتبيين الحقائق 3: 292.
(2) مغني المحتاج 2: 167، والسراج الوهاج: 229.
(3) رواه الحاكم في المستدرك 3: 111، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 4: 121.
(4) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية 1: 431، وابن الاثير في اسد الغابة 4: 17، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 4: 121.
(5) وهو قول الواقدي الاتي.
(6) أبو عبد الله، محمد بن عمر بن واقد الواقدي. ولد سنة 130 هجرية في آخر خلافة مروان بن محمد، وقيل قبل سنة ذلك بسنة. كما اختلفوا في وفاته فقيل: أنه توفي سنة 206 هجرية، وقيل: أنه توفى في ذي الحجة سنة 207 ه‍ وقال الخطيب: أنه الواقدي توفي سنة 209 ه‍. تاريخ بغداد 3: 20، وفيات الاعيان 12: 641.
(7) رواه الحاكم في المستدرك 3: 145، وابن عساكر في تاريخ دمشق 3: 387 - 388، والطبري في تاريخه 4: 117، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 4: 120.

[ 594 ]

دون ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر الى المدينة، فبان بهذا أنه كان لعلي عليه السلام إحدى عشرة سنة. قال أبو الطيب الطبري: وجدت في فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل أن قتادة روى عن الحسن أن عليا عليه السلام أسلم وله خمس عشرة سنة (1). قال: وأما البيت الذي ينسب إليه من قوله:.............................. غلاما ما بلغت أوان حلمي (2) فليس بثابت عنه، ويحتمل أن يكون قال: " غلاما قد بلغت أوان حلمي ". مسألة 21: إذا مات اللقيط ولم يخلف وارثا، فميراثه لبيت المال. وبه قال جميع الفقهاء (3). وقال قوم: ميراثه لملتقطه (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا قوله عليه السالم: " الولاء لمن أعتق " (5). وهذا لم يعتق، ودليله أن من لم يعتق لا ولاء له.

(1) رواه أيضا الحاكم في مستدركه 3: 111.
(2) سبقتكم إلى الاسلام طرا غلاما ما بلغت أوان حلمي (3) الام 4: 70، ومختصر المزني: 137، والمجموع 15: 286 و 291، والمغني لابن قدامة 6: 411، والشرح الكبير 6: 417، والمدونة الكبير 3: 368، وبداية المجتهد 2: 305، والمحلى 8: 274، والمبسوط 10: 210، وبدائع الصنائع 6: 199، وتبيين الحقائق 3: 297، والخرشي 7: 132.
(4) منهم شريح وإسحاق حكاه عنهما ابن قدامة في المغني 6: 411، والشرح الكبير 6: 417، وابن حزم في المحلى 8: 274.
(5) صحيح البخاري 3: 96، والموطأ 2: 782 و 870، وصحيح مسلم 2: 1141 حديث 1504، وسنن أبي داود 4: 21 حديث 3929 و 3930، ومسند أحمد بن حنبل 1: 281، والسنن الكبرى 10: 338.

[ 595 ]

مسألة 22: إذا ادعى أجنبيان بأنه ولدهما، وكان مع كل واحد منهما بينة، فتعارضتا، أولا بينة معها أصلا، أقرع بينهما، فمن خرج اسمه ألحق به. وللشافعي: إذا تعارضت بينتاهما قولان. أحدهما: مثل ما قلناه من القرعة (1). والثاني: أنهما يسقطان، كأنه ليس هناك بينة وأري القافة، فان قالت: هو ابن لاحدهما ألحق به، وإن لم يكن قافة، أو أشكل عليهم، أو قالوا: هو ابنهما أو ليس بابن لهما، فالاربع مسائل واحدة، يوقف حتى يبلغ ويختار أيهما شاء (2). دليلنا: إجماع الفرقة على أن كل مجهول فيه القرعة، وهذا داخل فيه. مسألة 23: إذا ادعى نفسان لقيطا ويدهما عليه، وأقاما جميعا البينة، حكم بالقرعة. وقال الشافعي: تعارضت البينتان، وقد مضى قوله فيهما (3). وقال أبو حنيفة: إن وصفه أحدهما بشئ على بدله، فانه يحكم له، لانه إذا وصفه دل على يد سابقة (4). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الاولى سواء، والوصف لا يحكم به، لانه يجوز أن يكون شاهده أو سمعه، ولان من وصف لقطة لم يجب دفعها إليه، كذلك اللقيط.

(1) المجموع 15: 296 و 298 و 305 - 306، والوجيز 1: 258.
(2) مختصر المزني: 136 - 137، والسراج الوهاج: 314 و 317، ومغني المحتاج 2: 419 و 428، والوجيز 1: 257 - 258، والمغني لابن قدامة 6: 419 و 425، والشرح الكبير 6: 416 و 432، والبحر الزخار 5: 289، وبدائع الصنائع 6: 199.
(3) تقدم في المسألة " 22 ".
(4) بدائع الصنائع 6: 199، وشرح فتح القدير 4: 419، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 4: 419، والفتاوى الهندية 2: 286، وتبيين الحقائق 3: 299، والمغني لابن قدامة 6: 419، والشرح الكبير 6: 416.

[ 596 ]

مسألة 24: إذا ادعى ذمي لقيطا، وقال: هذا ولدي، قبل إقراره، فان أقام بينة على قوله ألحق به، وحكم بكفره، وإن لم يقم بينة قبل دعواه وألحق به أيضا. وللشافعي فيه قولان إذا أقام البينة. أحدهما: يقبل قوله في النسب، ولا يحكم بكفره. والثاني: يحكم بكفره، وإن لم يقم البينة ألحق النسب. وهل يحكم بكفره؟ على قولين (1). دليلنا: قوله تعالى: " ألحقنا بهم ذريتهم " (2) وإذا ثبت نسبه بلا خلاف حكمنا بكفره، لان ولد الكافر يكون كافرا، والحكم باسلامه يحتاج الى شرع. مسألة 25: الحر، والعبد، والمسلم، والكافر في دعوى النسب سواء، لا مزية لاحدهم على الاخر. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: الحر أولى من العبد، والمسلم أولى من الكافر (4). دليلنا: عموم الاخبار فيمن ادعى النسب (5)، ولم يخصوا كافرا من مسلم، ولا عبدا من حر.

(1) مختصر المزني: 137، والسراج الوهاج: 316، ومغني المحتاج 2: 422، والمجموع 15: 302، والوجيز 1: 257.
(2) الطور: 21.
(3) مختصر المزني: 137، والوجيز 1: 257، ومغني المحتاج 2: 428، والسراج الوهاج: 317، والمجموع 15: 301، والمغني لابن قدامة: 423، والشرح الكبير 6: 431.
(4) بدائع الصنائع 6: 199، والفتاوى الهندية 2: 288، والهداية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 4: 421، وشرح فتح القدير 4: 421، وشرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 4: 421، والمجموع 15: 301، والمغني لابن قدامة 6: 423 - 424، والشرح الكبير 6: 431.
(5) دعائم الاسلام 2: 518، والتهذيب 8: 166 (باب لحوق الاولاد بالاباء وثبوت الانساب..)، والاستبصار 3: 367 (باب 215).

[ 597 ]

مسألة 26: إذا ادعت إمرأة لقيطا بأنه ولدها، فأقامت بينة بذلك، ألحق بها وبالزوج بلا خلاف. وإن ادعته ولم تقم بينة، فانه يقبل إقرارها عندنا على نفسها، سواء كان معها زوج أو لم يكن. وللشافعي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يرد قولها، ولا يقبل إلا ببينة. وبه قال أبو حنيفة، ومالك (1)، وسواء كان معها زوج أو لم يكن (2). والثاني: أنه يقبل قولها، ويلحق بها، سواء كان معها زوج أو لم يكن ولا يلحق بالزوج إلا بالبينة، أو باقراره (3). والثالث: أنه إن كان لها زوج لا يقبل إقرارها، وإن لم يكن لها زوج يقبل إقرارها (4). والخلاف في الامة مثل الخلاف في الحرة سواء. دليلنا: الاخبار المروية في أن إقرار العاقل على نفسه جائز (5). وهي على عمومها في الرجل، والمرأة، والعبد، والحر، والحرة، والكافر، والمسلم. وتخصيصها يحتاج إلى دليل.

(1) شرح فتح القدير 4: 419، وبدائع الصنائع 6: 200، والفتاوى الهندية 2: 286، وجواهر الاكليل 2: 220، والشرح الصغير في هامش بلغة السالك 2: 327، والمغني لابن قدامة 6: 423.
(2) مختصر المزني: 137، والسراج الوهاج: 317، ومغني المحتاج 2: 427، والوجيز 1: 257، والمجموع 15: 300 و 303 - 304، والمغني لابن قدامة 6: 422.
(3) المجموع 15: 300 و 303، والسراج الوهاج: 317، والوجيز 1: 257، ومغني المحتاج 2: 427، والمغني لابن قدامة 6: 422.
(4) المجموع 15: 300 و 304 - 305، ومغني المحتاج 2: 427، والوجيز 1: 257، والمغني لابن قدامة 6: 422 - 423.
(5) لم أعثر على هذا الحديث بهذا اللفظ في الكتب المتوفرة من الفريقين مع اشتهاره. ويمكن القول بأن الشيخ قدس سره انفرد بنقله في هذا الكتاب. نعم روى ابن ابي جمهور في ثلاث موارد من كتاب عوالي اللالي بلفظ " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " من دون اشارة الى مصدر للحديث فلاحظ عوالي اللالي 3: 442 حديث 5.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية