الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الخلاف - الشيخ الطوسي ج 2

الخلاف

الشيخ الطوسي ج 2


[ 1 ]

كتاب الخلاف تأليف شيخ الطائفة الإمام أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس سره 385 - 460 ه‍ الجزء الثاني مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

الكتاب: الخلاف (الجزء الثاني) المؤلف: شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المحققون: الحاج السيد علي الخراساني والحاج السيد جواد الشهرستاني والحاج الشيخ مهدي نجف الموضوع: فقه اللغة: عربي عدد الأجزاء: 5 أجزاء عدد الصفحات: 496 الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجامعة المدرسين بقم المشرفة الطبع: الجديدة المطبوع: 2000 نسخة التاريخ: 1409 ه‍. ق

[ 3 ]

كتاب الزكاة

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة 1: يجب في المال حق سوى الزكاة المفروضة، وهو ما يخرج يوم الحصاد من الضغث بعد الضغث، والحفنة بعد الحفنة يوم الجذاذ، وبه قال الشافعي (1) والنخعي ومجاهد (2). وخالف جميع الفقهاء في ذلك (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم. وأيضا قوله تعالى: " وآتوا حقه يوم حصاد " (4) فأوجب إخراج حقه يوم الحصاد، والأمر يقتضي الوجوب، والزكاة لا تجب إلا بعد التصفية والتذرية، وبلوغه المبلغ الذي يجب فيه الزكاة. وأيضا روت فاطمة بنت قيس (5) إن النبي صلى الله عليه وآله قال: " في

(1) كذا في جميع النسخ المعتمدة، وقد نسب النووي في المجموع 5: 593 هذا القول للشعبي وأوضح في كتابه خلاف الشافعي للقول المذكور، ولعله من سهو النساخ.
(2) أحكام القرآن للجصاص 3: 9، والمحلى 5: 218، والمجموع 5: 593 - 594، وعمدة القاري 8:، 237 - 238.
(3) المجموع 5: 593، وعمدة القاري 8: 237.
(4) الأنعام: 141.
(5) فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية، أخت الضحاك بن قيس الأمير، وكانت أسن منه، في بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر، حكى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن =

[ 6 ]

المال حق سوى الزكاة (1). وروى حريز عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تعالى " وآتوا حقه يوم حصاده (2) قالوا جميعا: قال أبو جعفر عليه السلام: هذا من الصدقة، يعطى المسكين القبضة بعد القبضة، ومن الجذاذ الحفنة بعد الحفنة حتى يفرغ (3). مسألة 2: في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه، وفي ست وعشرين بنت مخاض، وبه قال أمير المؤمنين عليه السلام (4). وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: في خمس وعشرين بنت مخاض (5)، وأما ما زاد على ذلك فليس في النصب خلاف إلى عشرين ومائة. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.

= الشعبي قال: قالت فاطمة بنت قيس طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لا سكنى لك ولا نفقة، ولما طلقها زوجها أبو حفص خطبها معاوية وأبو جهم بن حذيفة، فاستشارت رسول الله صلى الله عليه (وآله ] وسلم فيهما فقال النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو حذيفة فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمرها بأسامة بن زيد فتزوجته. روت عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنها القاسم بن محمد بن أبي بكر وأبو سلمة بن عبد الرحمن والشعبي. الإصابة 4: 373، وأسد الغابة 5: 526، وتهذيب التهذيب 12: 443. (1) سنن الترمذي 3: 48 حديث 659 و 660، وسنن الدارمي 1: 385 بلفظ آخر.
(2) الأنعام: 141.
(3) الكافي 3: 565 حديث 2، والتهذيب 4: 106 حديث 303. وفيهما للحديث تتمة، إقتصر المؤلف (قدس سره) على مورد الشاهد فقط.
(4) سنن البيهقي 4: 92، وسنن أبي داود 2: 99 حديث 1572، والمبسوط للسرخسي 2: 150، والمجموع 5: 400، وسبل السلام 2: 592.
(5) الأم 2: 5، والهداية 1: 98، والمبسوط للسرخسي 2: 150، والمجموع 5: 389 - 400، وبداية المجتهد 1: 250، وسبل السلام 2: 592، وفتح العزيز 5: 318.

[ 7 ]

وأيضا روى عاصم بن ضمرة (1) عن علي عليه السلام (2) قال: أظنه عن رسول الله، وذكر مثل ما قلناه. وقد روي مثل ذلك عن عمرو بن حزم (3) عن رسول الله صلى عليه وآله. وأيضا روى عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في خمس قلائص (4) شاة، وليس في ما دون الخمس شئ، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين خمس، وفي ست وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين (5). وقال عبد الرحمن: هذا فرق بيننا وبين الناس، وساق الحديث إلى آخره. مسألة 3: إذا بلغت الإبل مائة وعشرين ففيها حقتان بلا خلاف، فإذا زادت واحدة فالذي يقتضيه المذهب أن يكون فيها ثلاث بنات لبون، إلى مائة وثلاثين ففيها حقه وبنتا لبون، إلى مائة وأربعين ففيها

(1) عاصم بن ضمرة وقيل: - حمزة - السلولي، الكوفي من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وروي عنه، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي ومنذر بن يعلى الثوري وحبيب بن أبي ثابت، مات سنة 74 هجرية. مرآة الجنان 1: 155، وتهذيب التهذيب 5: 45، وشذرات الذهب 1: 82، وتنقيح المقال 2: 113.
(2) رواه البيهقي في سننه 4: 92 - 93، وأبو داود في سننه أيضا 2: 99 حديث 1572.
(3) أبو الضحاك، عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري، روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وعنه ابنه محمد وزوجته سودة بنت حارثة، شهد الخندق وما بعدها، مات سنة 51 وقيل: 52 أو 53 هجرية. أسد الغابة 4: 98، والإصابة 2: 225، وتهذيب التهذيب 8: 20، وشذرات الذهب 1: 59.
(4) القلائص: جمع مفرده قلوص، قيل في معناها الكثير، قال الجوهري: والقلوص من النوق الشابة، وهي بمنزلة الجارية من النساء، وحكى قول العدوي: أول ما يركب من أناث الإبل إلى أن تثنى، فإذا أثنت فهي ناقة. الصحاح 3: 1054، وتاج العروس 4: 436.
(5) الكافي 3: 532 حديث 2، والتهذيب 4: 23 حديث 56، والاستبصار 2: 22 حديث 60.

[ 8 ]

حقتان وبنت لبون، إلى مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق، إلى مائة وثمانين ففيها أربع بنات لبون، إلى مائة وسبعين ففيها حقة وثلاث بنات لبون، إلى مائة وثمانين ففيها حقتان وبنتا لبون، إلى مائة وتسعين ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون، إلى مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، ثم على هذا الحساب بالغا ما بلغ. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وابن عمر (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا بلغت مائة وإحدى وعشرين استؤنفت الفريضة، في كل خمس شاة، إلى مائة وأربعين ففيها حقتان وأربع شياه، إلى مائة وخمس وأربعين ففيها حقتان وبنت مخاض، إلى مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق. ثم يستأنف الفريضة أيضا بالغنم، ثم بنت مخاض، ثم بنت لبون، ثم حقة فيكون في كل خمس شاة إلى مائة وسبعين فيكون فيها ثلاث حقاق وأربع شياه. فإذا بلغت خمسا وسبعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وبنت مخاض، إلى مائة وخمس وثمانين. فإذا صارت ستا وثمانين ومائة ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون، إلى خمس وتسعين ومائة، فإذا صارت مائة وستا وتسعين ففيها أربع حقاق، إلى مائتين. ثم يعمل في كل خمسين ما عمل في الخمسين التي بعد مائة وخمسين، إلى أن ينتهي إلى الحقاق، فإذا انتهى إليها انتقل إلى الغنم، ثم بنت مخاض، ثم بنت لبون، ثم حقة، وعلى هذا أبدا (2).

(1) الأم 2: 5 - 6، والمجموع 5: 390 - 400، وفتح العزيز 5: 319، والمبسوط للسرخسي 2: 151، والهداية 1: 99.
(2) المبسوط 2: 151، والهداية 1: 98، واللباب 1: 142، والمجموع 5: 400، وفتح العزيز 5: 319 - 320، وبداية المجتهد 1: 251.

[ 9 ]

وقال مالك وأحمد بن حنبل: في مائة وعشرين حقتان، ثم لا شئ فيها حتى تبلغ مائة وثلاثين فيكون فيها بنتا لبون وحقة، وجعلا ما بينهما وقصا (1). وقال ابن جرير: هو بالخيار بين أن يأخذ بمذهب أبي حنيفة، أو مذهب الشافعي (2). دليلنا: ما رواه عبد الله بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: ليس في الإبل شئ حتى تبلغ خمسا، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة، ثم في كل خمس شاة حتى تبلغ خمسا وعشرين، فإذا زادت ففيها ابنة مخاض، فإن لم يكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت على خمس وثلاثين فابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت فحقة إلى ستين، فإذا زادت فجذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت فبنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت فحقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون (3). ومثل هذا روى الناس كلهم في كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتبه لعماله في الصدقات وهو مجمع عليه (4). فوجه الدلالة من الخبر أنه لا يخلو أن يكون أراد بقوله: في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون في الزيادة أو في الزيادة والمزيد عليه، ولا يجوز أن يكون المراد بذلك الزيادة دون المزيد عليه، لأن ذلك خلاف الإجماع، لأنه لم يقل به أحد، ولأنه كان يؤدي إلى أن يجري في مائة وخمسين حقتان، لأنه ما زاد

(1) المغني لابن قدامة 2: 445، وبداية المجتهد 1: 251، والمجموع 5: 400، وفتح العزيز 5: 320، (2) المجموع 5: 400 - 401، وفتح العزيز 5: 320.
(3) التهذيب 4: 21 حديث 54، والاستبصار 2: 20 حديث 58.
(4) سنن أبي داود 2: 96 حديث 1567 و 1568 و 1570، وسنن النسائي 5: 18 - 19، والموطأ 1: 257 حديث 23، وسنن ابن ماجة 1: 573 حديث 1898، وصحيح البخاري 2: 146.

[ 10 ]

ما يجب فيه حقة أو بنت لبون. وأجمعوا على أن فيها ثلاث حقاق، وكان يجب في مائة وسبعين ثلاث حقاق، وذلك أيضا لم يقل به أحد، لأن أبا حنيفة يقول: فيها ثلاث حقاق وأربع شياه، ومالك يقول: فيها حقة وثلاث بنات لبون، وكذلك يقول الشافعي. وإن أراد ذلك في الزيادة والمزيد عليه، فلا يخلو من أن يكون أراد أنه لا بد أن يجمع المال الأمران، أو يكون المراد أي الأمرين أمكن. والأول باطل لأنا أجمعنا على أن في مائة وخمسين ثلاث حقاق، ولم يجتمع فيه العددان، فلم يبق إلا أنه أراد أي الجنسين في المال، فإنه يجب ذلك. وإذا ثبت ذلك فيمكن في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، فوجب ذلك فيه كما أنه يجب في مائة وخمسين ثلاث حقاق، وهذا بين. وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام مثل ذلك سواء (1). وكذلك روى عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام (2). وروى الفضيل بن يسار، وبريد العجلي عن أبي عبد الله عليه السلام مثل ذلك (3). وروى إبراهيم عن مسلم (4) عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا بلغت الإبل مائة وعشرين وواحدة ففيها ثلاث بنات لبون " (5). وهذا نص.

(1) التهذيب 4: 20 حديث 52، والاستبصار 2: 19 حديث 56.
(2) الكافي 3: 532 حديث 2، والتهذيب 4: 21 حديث 53، والاستبصار 2: 19 حديث 57.
(3) الكافي 3: 531 الحديث الأول، والتهذيب 4: 22 حديث 55، والاستبصار 2: 20 حديث 59.
(4) في بعض النسخ المخطوطة إبراهيم بن مسلم، وهو مجهول الحال على التقديرين.
(5) لم نقف على هذا الحديث بهذا السند، وقد روى ابن حزم في المحلى 6: 61، الحاكم في =

[ 11 ]

مسألة 4: من وجب عليه بنت مخاض، ولا يكون عنده إلا ابن لبون ذكر، أخذ منه ويكون بدلا مقدرا لا على وجه القيمة، وبه قال الشافعي وأبو يوسف (1). وقال أبو يوسف ومحمد: إخراجه على سبيل القيمة (2). دليلنا: ما رويناه من الأخبار، فإنها تضمنت أنه متى لم تكن عنده بنت مخاض فابن لبون ذكر (3)، وما يكون على وجه القيمة لا يقدر، لأنه يختلف باختلاف الأسعار والأوقات والبلدان، فإذا ثبت أنه على وجه واحد، دل على أنه ليس على وجه القيمة، بل هو على وجه التقدير. مسألة 5: إذا فقد بنت مخاض وابن لبون معا كان مخيرا بين أن يشتري أيهما شاء، ويعطي. وبه قال الشافعي (4). وقال مالك: يتعين عليه شراء بنت مخاض (5). دليلنا: إنه إذا ثبت أنه مخير بين إخراج أيهما شاء، فإذا فقدهما كان مخيرا بين شراء أيهما شاء. على أن الخبر الذي رويناه (6)، رواه أيضا مخالفونا أنه قال: فإن لم يكن

المستدرك 1 - 393 - 394، والمتقي الهندي في كنز العمال 6: 315 - 316، وأحاديث طويلة وبأسانيد مختلفة تضمنت تحقق ثلاث بنات لبون في النصاب المذكور أعلاه فلاحظ. (1) الأم 2: 6، والمبسوط للسرخسي 2: 155، والمجموع 5: 401، والوجيز 1: 81، وفتح العزيز 5: 349.
(2) الهداية 1: 101، واللباب 1: 146، والمبسوط للسرخسي 2: 155، وبداية المجتهد 1: 252.
(3) انظر من لا يحضره الفقيه 2: 12 حديث 33، والتهذيب 4: 20 حديث 52 و 54، والاستبصار 2: 19 حديث 56 و 58.
(4) الأم 2: 6، والمجموع 5: 401، والوجيز 1: 81، وفتح العزيز 5: 349، والمغني لابن قدامة 2: 442.
(5) المغني لابن قدامة 2: 442، والمجموع 5: 402، وبداية المجتهد 1: 252، وفتح العزيز 5: 349.
(6) روي في المسألة المتقدمة برقم " 4 ".

[ 12 ]

عنده بنت مخاض فابن لبون ذكرا (1). وهذا ليس عنده بنت مخاض، فينبغي أن يجوز له شراء ابن لبون لظاهر الخبر. مسألة 6: زكاة الإبل، والبقر، والغنم، والدراهم، والدنانير لا تجب حتى يحول على المال الحول. وبه قال جميع الفقهاء (2)، وهو المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام، وأبي بكر، وعمر، وابن عمر (3). وقال ابن عمر: لا زكاة حتى يحول عليه الحول عند ربه (4)، وقال ابن عباس: إذا استفاد مالا زكاه لوقته كالركاز (5) (6)، وكان ابن مسعود إذا قبض العطاء زكاه لوقته، ثم استقبل به الحول (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف أنه إذا حال الحول يجب عليه الزكاة، ولم يقم دليل على أنه يجب عليه الحول، والأصل براءة الذمة. وأيضا روت عائشة عن النبي صلى الله عيه وآله أنه قال: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (8).

(1) سنن ابن ماجة 1: 575 حديث 1800، وسنن أبي داود 2: 97 حديث 1567، وسنن النسائي 5: 19.
(2) المجموع 5: 360 - 361، والوجيز 1: 84، وفتح العزيز 5: 482، والمغني لابن قدامة 2: 491، وبداية المجتهد 1: 261.
(3) سنن الدارقطني 2: 91 حديث 6، والمجموع 5: 360.
(4) سنن الترمذي 3: 26 حديث 632، وسنن الدارقطني 2: 92 حديث 8.
(5) الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق المعادن. قال ابن الأثير في النهاية 2: 258: والقولان تحتملهما اللغة، لأن كلا منهما مركوز في الأرض.
(6) المجموع 5: 361، والمغني 2: 492.
(7) انظر المجموع 5: 361، والمغني 2: 492.
(8) سنن البيهقي 4: 95، وسنن الدارقطني 2: 90 حديث 3.

[ 13 ]

وروي عن علي عليه السلام وأنس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول " (1). وروي مثل ذلك عن ابن عمر (2). وروى محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يفيد المال؟ قال: لا زكاة حتى يحول عليه الحول (3). مسألة 7: إذا بلغت الإبل خمسا، ففيها شاة. ثم ليس فيها شئ إلى عشر ففيها أيضا شاة، فما دون النصاب وقص، وما فوق الخمس إلى تسع وقص، والشاة واجبة في الخمس، وما زاد عليه وقص، ويسمى ذلك شنقا، وبه قال أبو حنيفة وأهل العراق وأكثر الفقهاء، وقالوا: لا فرق بين ما نقص عن نصاب، ولا ما بين الفريضتين (4). وللشافعي فيه قولان: أحدهما قال في " الجديد " و " القديم " و " البويطي " مثل ما قلناه، في أنه في خمس شاة وما زاد عليه عفو، وهو اختيار المزني (5). وظاهر قوله في " الاملاء " إن الشاة وجبت في التسع كلها (6). قال أبو العباس: وهو أصح القولين. وأكثر أصحاب الشافعي عبروا عنها بالوجهين، والمسألة مشهورة بالقولين، وهو ظاهر مذهبهم (7). دليلنا: إجماع الفرقة.

(1) سنن الدارقطني 2: 91 الحديث 5 و 6.
(2) سنن الدارقطني 2: 90 الحديث الأول.
(3) الكافي 3: 525 حديث 2، والتهذيب 4: 35 حديث 91 وفيها " لا يزكيه... ".
(4) اللباب: 1: 141، والمجموع 393.
(5) الأم 2: 5، ومختصر المزني: 40، والمجموع 5: 391 و 393.
(6) حكاه النووي في المجموع 5: 390 - 391 عن الشافعي في البويطي.
(7) المجموع 5: 390 - 391.

[ 14 ]

وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إذا بلغت خمسة وعشرين ففيها بنت مخاض، ولا شئ في زيادتها حتى تبلغ ستا وثلاثين، فإذا بلغتها ففيها بنت لبون " (1) وقوله: لا شئ في زيادتها نفي دخل على نكرة فاقتضى أنه لا شئ فيها بحال وروي حريز عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وبريد بن معاوية والفضيل بن يسار عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في حديث زكاة الإبل وساق الحديث على ما قلناه ثم قال: وليس على النيف شئ، ولا على الكسور شئ (2). مسألة 8: إذا بلغت الإبل مائتين، كان الساعي بالخيار بين أن يأخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون. وقال أبو حنيفة أربع حقاق لا غير (3). وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (4)، والآخر مثل قول أبي حنيفة (5). دليلنا: ما قدمناه من الأخبار من أن الإبل إذا زادت على مائة وعشرين ففي كل خمسين حقه وفي كل أربعين بنت لبون (6)، وهذا عدد اجتمع فيه

(1) الظاهر انفراد المصنف بهذه الرواية وفي هذا الكتاب فقط لخلو المصادر الحديثية المتوفرة لدينا الأخرى عنه والله أعلم بالصواب.
(2) الكافي 3: 531 حديث 1، والتهذيب 4: 22 حديث 55، والاستبصار 2: 21 حديث 59.
(3) اللباب 1: 143، والهداية 1: 94، وبداية المجتهد 1: 251.
(4) المجموع 5: 390.
(5) الأم 2: 6، والمجموع 5: 390 و 411، وفتح العزيز 5: 351، والمبسوط 2: 151.
(6) الكافي 3: 531 الحديث الأول، والتهذيب 4: 22 حديث 55، والاستبصار 2: 21 حديث 59.

[ 15 ]

خمسينات وأربعينات فيجب أن يكون مخيرا. مسألة 9: إذا كانت الإبل كلها مراضا، لا يكلف صاحبها شراء صحيحة للزكاة، وتؤخذ منها. وبه قال الشافعي (1). وقال مالك: يكلف شراء صحيحة (2). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا الخبر الذي تضمن ذكر كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى عامله قال فيه: فلا تدخلن عليه دخول متسلط، واجعل الخيار إلى رب المال (3) يدل على ذلك. وأيضا فعلى من أوجب شراء صحيحة الدلالة، وليس في الشرع ما يدل عليه، والأصل براءة الذمة. مسألة 10: من وجب عليه جذعة، وعنده ماخض، وهي التي تكون حاملا، لم يجب عليه إعطائها. فإن تبرع بها رب المال جاز أخذها، وبه قال الفقهاء أجمع أبو حنيفة ومالك والشافعي (4). وقال داود وأهل الظاهر: لا يقبل ماخضا مكان حائل، ولا شيئا هو على مكان ما هو دونها (5). دليلنا: إن هذا الفضل في الحامل إذا تبرع به مالكه جاز أخذه. ألا ترى أنه

(1) الأم 2: 6، والمجموع 5: 399، والوجيز 1: 82، وكفاية الأخيار 1: 111.
(2) المغني لا بن قدامة 2: 467، والمجيز 1: 82.
(3) جاء في نهج البلاغة: 381 (صبحي الصالح) من وصية له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات: " فلا تدخل عليها دخول متسلط عليه ولا عنيف به. ولا تنفرن بهيمة ولا تفزعنها ولا تسوءن صاحبها فيها، واصدع المال صدعين ثم خيره، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره... إلى آخرها ".
(4) الأم 2: 8، والمجموع 5: 428.
(5) المجموع 5: 428.

[ 16 ]

لو تبرع بإعطائه من غير أن يجب عليه جاز أخذه. فأما نهي النبي صلى الله عليه وآله عن أخذ كرائم المال (1)، فإنما نهى أن يؤخذ ذلك بغير رضا صاحب المال، فأما مع رضاه فلم ينه عنه على حال. مسألة 11: من وجب عليه شاة أو شاتان أو أكثر من ذلك وكانت الإبل بها ذبل يساوي كل بعير شاة، جاز أن يؤخذ مكان الشاة بعير بالقيمة إذا رضي به صاحب المال. وقال الشافعي: إن كان عنده خمس من الإبل مراضا كان بالخيار بين أن يعطي شاة أو واحدا منها، وكذلك إن كانت عنده عشر كان بالخيار بين شاتين أو بعير منها، وإن كانت عنده عشرون فهو بالخيار بين أربع شياه أو بعير منها الباب واحد (2). وقال مالك وداود: لا يقبل منه في كل هذا غير الغنم (3). ووافق مالك الشافعي في أنه يقبل منه بنت لبون وحقة وجذعة مكان بنت مخاض وخالف داود فيهما معا (4)، إلا أنهم اتفقوا أن ذلك لا على جهة القيمة والبدل، لأن البدل عندهم لا يجوز (5) دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في جواز أخذ القيمة من الزكوات، وإذا كان قيمة بعير قيمة شاة أو قيمة شاتين جاز أخذه بذلك.

(1) صحيح البخاري 2: 158، وصحيح مسلم 1: 50 حديث 29، وسنن أبي داود 2: 105 حديث 1584، وسنن ابن ماجة 1: 568 حديث 1783، وسنن الترمذي 3: 21 حديث 625، وسنن الدارمي 1: 379، ومسند أحمد بن حنبل 1: 233.
(2) المجموع 5: 395 - 396، والمغني لا بن قدامة 2: 440، والمحلي 2: 22، وسبل الاسلام 2: 592.
(3) المجموع 5: 395، والمغني لا بن قدامة 2: 440، وسبل السلام 2: 592.
(4) المحلي 6: 22.
(5) المحلي 2: 18، والمبسوط 2: 156.

[ 17 ]

مسألة 12: من وجبت عليه شاة في خمس الإبل أخذت منه من غالب غنم أهل البلد، سواء كانت غنم أهل البلد شامية أو مغربية أو نبطية، وسواء كان ضأنا أو ماعزا، وبه قال الشافعي (1). وقال مالك: نظر إلى غالب ذلك، فإن كان الضأن هو الغالب أخذت منه، وإن كان الماعز الأغلب أخذ منه (2). دليلنا: ما رواه سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وآله قال: نهينا أن نأخذ من المراضع، وأمرنا أن نأخذ الجذع من الضأن، والثني من الماعز، وأطلق (3). وأيضا قوله في خمس من الإبل شاة، والاسم يقع على جميع ما قلناه. مسألة 13: إذا حال عليه الحول وأمكنه الأداء لزمه الأداء، فإن لم يفعل من القدرة لزمه الضمان، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: إذا أمكنه الأداء لم يلزمه الأداء إلا بالمطالبة بها، ولا مطالبة عنده في الأموال الباطنة، وإنما تتوجه المطالبة إلى الظاهرة، وإذا أمكنه الأداء فلم يفعل حتى هلكت فلا ضمان عليه (5). دليلنا: إن الفرض تعلق بذمته، فإذا أمكنه ولم يخرج كان ضامنا له، ولم يحكم ببراءة ذمته لأنه لا دلالة على ذلك.

(1) الأم 2: 8، والمجموع 5: 398، والوجيز 1: 80، وفتح العزيز 5: 346.
(2) بداية المجتهد: 254.
(3) حكى النووي في المجموع 5: 399 عن سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقال: نهينا عن الأخذ من راضع لبن وإنما حقنا في الجذعة والثنية، ثم قال النووي: هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وغيرهما مختصرا. انظر سنن النسائي 5: 30، وسنن أبي داود 2: 102 حديث 1580.
(4) الأم 2: 18، والمجموع 5: 377، والمبسوط 2: 174، والمغني لابن قدامة 2: 539.
(5) المبسوط 1: 174 - 175، والمجموع 5: 377، والمغني لابن قدامة 2: 539.

[ 18 ]

وأما دليلنا على وجوب الأداء مع الامكان: إنه مأمور به، والأمر يقتضي الفور، فوجب عليه الأداء في هذه الحال، وإنما قلنا أنه مأمور به لقوله تعالى: " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (1) فمن قال: لا يجب الأداء إلا مع المطالبة، فقد ترك الظاهر. مسألة 14: لا شئ في البقر حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغتها ففيها تبيع أو تبيعة، وهو مذهب جميع الفقهاء (2). وقال سعيد بن المسيب والزهري: فريضتها في الابتداء كفريضة الإبل في كل خمس شاة إلى ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع (3). دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، وقد أجمعنا على أن الثلاثين فيها تبيع، فمن ادعى أن فيما دون ذلك شيئا فعليه الدلالة. وأيضا روى الحكم (4) عن طاووس عن ابن عباس قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة، وجذعا أو جذعة، ومن كل أربعين بقرة بقرة مسنة فقالوا: الأوقاص؟ فقال: لم يأمرني فيها رسول الله صلى الله عليه وآله بشئ، وسأسأل رسول الله صلى الله عليه وآله إذا قدمت عليه، فلما قدم على رسول الله صلى الله

(1) البقرة: 43.
(2) الأم 2: 9 و 7: 144، والفتاوى الهندية 1: 177، والمجموع 5: 416، والمغني لابن قدامة 2: 457، وبداية المجتهد 1: 253.
(3) المحلى 6: 9، وبداية المجتهد 1: 253، وحكاه البيهقي في سننه 4: 99.
(4) الحكم بن عتيبة الكندي، أبو محمد، مولاهم، عده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام علي بن الحسين والباقر والصادق عليهم السلام، فقيه، روى عن أبي جحيفة وزيد بن أرقم وشريح القاضي وغيرهم وروى عنه الأعمش والسبيعي وأبو إسحاق الشيباني وقتادة، مات سنة 113 وقيل 114 هجرية. رجال الشيخ الطوسي 86 و 114 و 171، وتهذيب التهذيب 2: 433، وشذرات الذهب 1: 151، وتنقيح المقال 1: 358.

[ 19 ]

عليه وآله سأله عن الأوقاص؟ فقال: ليس فيها شئ ذكرها هذا الخبر الدارقطني (1). وروى حريز عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وبريد والفضيل عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا في البقر: في كل ثلاثين بقرة تبيع حولي، وليس في أقل من ذلك شئ، وفي أربعين بقرة بقرة مسنة، وليس فيما بين الثلاثين إلى أربعين شئ حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، وليس فيما بين الأربعين إلى الستين شئ، فإذا بلغت الستين ففيها تبيعان إلى السبعين، فإذا بلغت السبعين ففيها تبيع ومسنة إلى الثمانين، فإذا بلغت ثمانين ففي كل أربعين مسنة إلى تسعين، فإذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبيعات حوليات، فإذا بلغت عشرين ومائة ففي كل أربعين مسنة، ثم يرجع البقر إلى أسنانها. وليس على النيف شئ، ولا على الكسور شئ، ولا على العوامل شئ، إنما الصدقة على السائمة الراعية، وكلما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه حتى يحول عليه الحول، فإذا حال عليه الحول وجب عليه (2). مسألة 15: زكاة البقر في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة، وليس بعد الأربعين فيه شئ حتى تبلغ ستين، فإذا بلغت ففيها تبيعان أو تبيعتان، ثم على هذا الحساب ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة، وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق (3).

(1) رواه البيهقي في سننه 4: 99، وقد اختلف متن الحديث مع النسخة المطبوعة من سنن الدارقطني، والظاهر أن الشيخ اعتمد نسخة أصح من النسخة المطبوعة والله أعلم بالصواب.
(2) الكافي 3: 534 الحديث الأول، والتهذيب 4: 24 حديث 57، والاستبصار 2: 20 حديث 59.
(3) الأم 2: 9، والمجموع 5: 416، والمغني لابن قدامة 2: 457، والهداية، والآثار (مخطوط): 48، وبداية المجتهد 1: 253، والوجيز 1: 80.

[ 20 ]

وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: المشهور عنه ما ذكره في الأصول، وهو أن ما زادت وجبت الزكاة فيه بحسابه، فإذا بلغت إحدى وأربعين بقرة ففيها مسنة وربع عشر مسنة، وعليها المناظرة. والثانية: رواها الحسن بن زياد لا شئ عليه في زيادتها حتى تبلغ خمسين، فإذا بلغتها ففيها مسنة وربع مسنة. والثالثة: رواها أسد بن عمرو (1) مثل قولنا (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا خبر طاووس عن ابن عباس يدل على ذلك (3)، وخبر زرارة وغيره عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (4) صريح بما قلناه فلا وجه لإعادته. مسألة 16: إذا بلغت البقر مائة وعشرين كان فيها ثلاث مسنات أو أربع تبائع مخير في ذلك. وللشافعي فيه قولان: أحدهما أن فيه ثلاث مسنات لا يجوز غيره، والآخر مثل قولنا من التخيير (1).

(1) أبو المنذر أسد بن عمرو بن عامر بن عبد الله بن عمرو القشيري، القاضي البجلي الكوفي، صاحب أبي حنيفة، سمع منه وتفقه عليه، روى عنه أحمد بن حنبل، وولي القضاء بواسط وبغداد بعد أبي يوسف، وهو أول من كتب كتب أبي حنيفة، مات سنة 188 وقيل: 190 هجرية.
(2) الفتاوى الهندية 1: 177، وكنز الدقائق 1: 262، وشرح فتح القدير 2. 133، والهداية 1: 99، والمغني لابن قدامة 2: 457، وشرح العناية 2: 133.
(3) سنن الدارقطني 2: 103 حديث 2.
(4) انظر ما رواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 534 الحديث الأول، والشيح الطوسي في التهذيب 4: 24 حديث 57. (5) الأم 2: 9، والمجموع 5: 416، والمنهاج القويم: 333، وفتح القريب: 30، وشرح الأزهار 1: 485.

[ 21 ]

دليلنا: إجماع الفرقة والأخبار المروية في هذا المعنى أن في كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة، فإذا اجتمع عدد يمكن أخذ كل واحد منهما كان بالخيار بين اعطاء أيهما شاء (2). مسألة 17: زكاة الغنم في كل أربعين شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه إلى أربعمائة، فإذا بلغت ذلك ففي كل مائة شاة، وبهذا التفصيل قال النخعي والحسن بن صالح بن حي (2). وقال جميع الفقهاء أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم مثل ذلك إلا أنهم لم يجعلوا بعد المائتين وواحدة أكثر من ثلاث إلى أربعمائة، ولم يجعلوا في الثلاثمائة وواحدة أربعا كما جعلناه (3). وفي أصحابنا من ذهب إلى هذا على رواية شاذة، وقد بينا الوجه فيها، وهو اختيار المرتضى (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى حريز عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وبريد والفضيل عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في الشاة: في كل أربعين شاة شاة، وليس فيما دون الأربعين شاة شئ، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ عشرين ومائة، فإذا بلغت عشرين ومائة ففيها مثل ذلك شاة واحدة، فإذا زادت على عشرين ومائة

(1) انظر الكافي 3: 534 الحديث الأول، والتهذيب 4: 24 حديث 57.
(2) المجموع 5: 417، وبداية المجتهد 1: 254، وبدائع الصنائع 2: 28، والمغني لابن قدامة 2: 463، وعمدة القاري 9: 21، البحر الزخار 3: 165.
(3) المدونة الكبرى 1: 313، واللباب 1: 144، والمجموع 5: 417، وبداية المجتهد 1: 253، والبحر الزخار 3: 165.
(4) جمل العلم والعمل: 126.

[ 22 ]

واحدة ففيها شاتان، وليس فيها أكثر من شاتين حتى تبلغ مائتين، فإذا بلغت المائتين ففيها مثل ذلك، فإذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه، ثم ليس فيها شئ أكثر من ذلك حتى تبلغ ثلاثمائة، فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه، فإذا زادت واحدة ففيها أربع حتى تبلغ أربعمائة، فإذا تمت أربعمائة كان على كل مائة شاة، ويسقط الأمر الأول، وليس على ما دون المائة بعد ذلك شئ، وليس في النيف شئ، وقالا: كل ما لا يحول عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه، فإذا حال عليه الحول وجب عليه (1). مسألة 18: السخال لا تتبع الأمهات في شئ من الحيوان الذي يجب فيه الزكاة، بل لكل شئ منها حول نفسه، وبه قال النخعي والحسن البصري (2). وخالفت الفقهاء في ذلك على اختلاف بينهم سنذكره. دليلنا: إجماع الفرقة، والأصل براءة الذمة، فمن أوجب شيئا في السخال إما بانفرادها أو مع أمهاتها فعليه الدليل. وأيضا روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (3). وقد قدمنا في رواية من تقدم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام ما هو صريح بذلك، فلا معنى لإعادته. وروي عن ابن عمر أنه قال: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول عند ربه (4).

(1) الكافي 3: 534 الحديث الأول، والتهذيب 4: 25 حديث 58، والاستبصار 2: 22 حديث 61.
(2) المجموع 5: 374، والمغني لابن قدامة 2: 470.
(3) سنن ابن ماجة 1: 571 حديث 1792، وسنن البيهقي 4: 95.
(4) سنن البيهقي 4: 103، وسنن الدارقطني 2: 92 حديث 8.

[ 23 ]

وروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (1) عن أبيه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه آله قال: " ليس في مال المستفيد زكاة " (2). مسألة 19: قد بينا أنه لا زكاة في السخال ما لم يحل عليها الحول. ومن أوجب فيها الزكاة اختلفوا، فقال الشافعي: السخال تتبع الأمهات بثلاث شرائط: أن تكون الأمهات نصابا، وأن تكون السخال من عينها لا من غيرها، وأن يكون اللقاح في أثناء الحول لا بعده. وقال في الشرط الأول: إذا ملك عشرين شاة ستة أشهر فزادت حتى بلغت أربعين شاة، كان ابتداء الحول من حين بلغت نصابا، سواء كانت الفائدة من عينها، أو من غيرها. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (3). وقال مالك ينظر فيه، فإن كانت الفائدة من غيرها كما قال الشافعي، وإن كانت من عينها كان حولها حول الأمهات، فإذا حال الحول من حين ملك الأمهات، أخذ الزكاة من الكل (4). وقال في الشرط الثاني، وهو إذا كان الأصل نصابا، فاستفاد مالا من غيرها، وكانت الفائدة من غير عينها: لم يضم إليها، وكان حول الفائدة معتبرا بنفسها، وسواء كانت الفائدة من جنسها، مثل أن كان عنده خمس من الإبل ستة أشهر، ثم ملك خمسا من الإبل، أو من غير جنسها مثل إن كان عنده خمس من الإبل، فاستفاد ثلاثين بقرة (5).

(1) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، مولاهم المدني، روى عن أبيه زيد وابن المنكدر وعنه ابن وهب وعبد الرزاق ووكيع وغيرهم، قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 6: 177.
(2) سنن البيهقي 4: 104.
(3) الأم 2: 12، والمجموع 5: 373، والمغني لابن قدامة 2: 471، وشرح فتح القدير 2: 148.
(4) بداية المجتهد 1: 254، والمجموع 5: 374، والمغني لابن قدامة 2: 471.
(5) بداية المجتهد 1: 255.

[ 24 ]

وقال مالك وأبو حنيفة إن كانت الفائدة من غير جنسها مثل قول الشافعي، وإن كانت من جنسها، كان حول الفائدة حول الأصل، حتى لو كانت عنده خمس من الإبل حولا إلا يوما، فملك خمسا من الإبل، ثم مضى اليوم، زكى المالين معا (1). وانفرد أبو حنيفة فقال: هذا إذا لم يكن زكى بدلها، فأما إن زكى بدلها، مثل أن كان عنده مائتا درهم حولا، فأخرج زكاته، ثم اشترى بالمائتين خمسا من الإبل، فإنها لا تضم إلى التي كانت عنده في الحول، كما قال الشافعي. وقال: إن كان له عبد، فأخرج زكاة الفطرة عنه، ثم اشترى به خمسا من الإبل، مثل قول الشافعي. وهذا الخلاف قد سقط عنا بما قدمناه من أنه لا زكاة على مال حتى يحول عليه الحول، سخالا كانت أو مستفادا أو نقلا من جنس إلى جنس. مسألة 20: المأخوذ من الغنم، الجذع من الضأن، والثني من المعز، فلا يؤخذ منه دون الجذعة، ولا أكثر من الثنية. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ إلا الثنية فيهما (3). وقال مالك: الواجب الجذعة فيهما (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه

(1) بداية المجتهد 1: 254، والمجموع 5: 374.
(2) الأم 2: 10، والمجموع 5: 397 و 418، والوجيز 1: 80، والمغني لابن قدامة 2: 473، وفتح القريب المجيب: 30.
(3) اللباب 1: 145، والفتاوى الهندية 1: 178، والهداية 1: 100، والمبسوط 2: 182، والمغني لابن قدامة 2: 474.
(4) المدونة الكبرى 1: 316، والمغني لابن قدامة 2: 474.

[ 25 ]

وآله فقال: نهانا أن نأخذ من المراضع، وأمرنا أن نأخذ الجذعة والثنية (1). مسألة 21: يفرق المال فرقتين ويخير رب المال، ويفرق الآخر كذلك ويخير رب المال، إلى أن يبقى ما فيه كمال ما يجب عليه، فيؤخذ منه. وقال عمر بن الخطاب: يفرق المال ثلاث فرق، يختار رب المال واحد منها، ويختار الساعي الفريضة من الفرقتين الباقيتين. وبه قال الزهري (2). وقال عطاء والثوري: يفرقه فرقتين، ثم يعزل رب المال واحدة، ويختار الساعي الفريضة من الأخرى (3). وقال الشافعي: لا يفرق المال. ذكر ذلك في " القديم " (4). دليلنا: إجماع الفرقة، والخبر المروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام فيما قاله لعامله عند توليه إياه ووصاه به، وهو معروف (5). مسألة 22: من كان عنده أربعون شاة أنثى، أخذ منه أنثى، وإن كانت ذكورا كان مخيرا بين اعطاء الذكر والأنثى. وإن كان أربعين من البقر ذكرا كانت أو أنثى ففيها مسنة، ولا يؤخذ منها الذكر. وقال الشافعي: إن كان أربعون إناثا، أو ذكورا وإناثا، ففيها أنثى قولا واحدا (6).

(1) انظر مصادر الحديث في هامش المسألة " 12 " المتقدمة.
(2) السنن الكبرى 4: 102، وسنن أبي داود 2: 98 حديث 1568، والمغني لابن قدامة 2: 469، والبحر الزخار 3: 165.
(3) السنن الكبرى 4: 102، والبحر الزخار 3. 166.
(4) البحر الزخار 3: 165، وذكر البيهقي في سننه 4: 102 " وقد حكى الشافعي في القديم هذين المذهبين من غير تسمية قائليهما ".
(5) ذكره الشيخ المفيد في المقنعة: 42 والشيخ الكليني في الكافي 3: 536 حديث 1، والتهذيب 4: 96 حديث 274.
(6) الأم 2: 12، والمجموع 5: 422.

[ 26 ]

وإن كانت ذكورا فعلى وجهين: قال أبو إسحاق وأبو الطيب بن سلمة (1): لا يؤخذ إلا الأنثى (2). وقال ابن خيران: يؤخذ منها ذكر، قال: وهو قول الشافعي (3). دليلنا: إن الأربعين ثبت أنه يجب فيها شاة، وهذا الاسم يقع على الذكر والأنثى على حد واحد، فيجب أن يكون مخيرا. وأما البقر، فلأن النبي صلى الله عليه وآله قال: " في كل أربعين مسنة " (4) والذكر لا يسمى بذلك، فيجب اتباع النص. مسألة 23: إذا كان عنده نصاب من الماشية إبل، أو بقر، أو غنم، فتوالدت، ثم ماتت الأمهات، لم يكن حولها حول الأمهات، ولا يجب فيها شئ، ويستأنف لها الحول. وقال الشافعي: إذا كانت عنده أربعون شاة مثلا، فإذا حال على الأمهات الحول، وجب فيها الزكاة من السخال. وهذا منصوص الشافعي، وبه قال أبو العباس، وعليه عامة أصحابه (5). وقال أبو القاسم بن بشار الأنماطي من أصحابه: ينظر فيه، فإن نقص من الأمهات ما قصرت الأمهات عن النصاب، بطل حول الكل، وكان للسخال

(1) أبو الطيب، محمد بن الفضل بن سلمة بن عاصم البغدادي، من متقدمي علماء الشافعية، أخذ العلم عن أبي العباس بن سريج، توفي سنة 308 ه‍. تهذيب الأسماء واللغات 2: 246، وطبقات الشافعية: 13.
(2) المجموع 5: 421 - 422.
(3) المجموع 5: 422.
(4) قطعة من حديث طويل رواه الكليني في الكافي 3: 534 الحديث الأول، والشيخ الطوسي في التهذيب 4: 24 حديث 57، وابن ماجة في سننه 1: 571 حديث 1803، وأبي داود في سننه 2: 99 حديث 1572، والترمذي في سننه 3: 19 حديث 622، والدارمي في سننه أيضا 1: 382، ومالك في موطأه 1: 259 حديث 24.
(5) الأم 2: 16، والمجموع 5: 373، وفتح العزيزة: 380.

[ 27 ]

حول بنفسها من حين كمل النصاب. وإن لم ينقص الأمهات عن النصاب، فالحول بحاله (1). وقال أبو حنيفة: إن ماتت الأمهات، انقطع الحول بكل حال، ولم يكن للسخال حول حتى يصرن ثنايا. فإن صرن ثنايا، يستأنف لهن الحول. وإن بقي من الأمهات شئ ولو واحدة، كان الحول بحاله. كما قال الشافعي (2). وحكي هذا المذهب عن الأنماطي، وقال من حكاه: في المسألة ثلاثة أوجه (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن الأصل براءة الذمة، فمن أوجب في السخال بانفرادها، أو بانضمامها إلى الأمهات، أو جعل حولها حول الأمهات، فعليه الدلالة. وأيضا قوله عليه السلام: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (4). يدل على ذلك، لأن السخال لم يحل عليها الحول. وروى جابر عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ليس في السخال زكاة " (5). مسألة 24: قد بينا أنه إذا ملك أربعين شاة، فتوالدت أربعين سخلة، ثم تماوتت الأمهات، لا يجب في السخال شئ، بل يستأنف حولها. وقال الشافعي: لا ينقطع حولها، فإذا حال على الأمهات الحول أخذ من

(1) المجموع 5: 370، وفتح العزيزة: 380، وعمدة القاري 246 8.
(2) فتح العزيزة: 380.
(3) المجموع 5: 373.
(4) انظر سنن الترمذي 3: 25 حديث 631 و 633، وسنن ابن ماجة 1: 571 حديث 1792، وموطأ مالك 1: 245 حديث 4، ومسند أحمد بن حنبل 1: 148، وسنن الدارقطني 2: 90، وسنن البيهقي 4: 95 و 103 - 104.
(5) روي نحو هذا الحديث عن عمر بن الخطاب في الموطأ 1: 265 فلاحظ.

[ 28 ]

السخال الزكاة، والفرض فيها واحد منها، ولا يكلف شراء كبيرة (1). وقال مالك: يكلف شراء كبيرة، ولا يؤخذ منه واحد منها (2). وهذا الفرع يسقط عنا، لأن عندنا يستأنف بالسخال الحول على ما بيناه، فإذا حال عليها الحول أخذ منها. مسألة 25: قد بينا أنه لا يؤخذ من الصغار حتى يحول عليها الحول. وقال الشافعي على ما مضى القول فيه: تعد الصغار تابعة للأمهات، والظاهر من مذهبه أنه يؤخذ من الصغار الصغار، ومن الكبار الكبار، من خمس وعشرين فصيلا فصيل، ومن ستة وثلاثين فصيلا فصيل، وعلى هذا. وكذلك في الغنم والبقر (3). وقال أبو العباس وأبو إسحاق معا: لا آخذ إلا السن المنصوص عليها بنت مخاض، وبنت لبون، وحقة، وجذعة، وبنتا لبون، وعلى هذا الحساب (4). وهذا الفرع يسقط عنا لما مضى القول فيه. مسألة 26: لا يجوز نقل مال الزكاة من بلد إلى بلد مع وجود مستحقيه، فإن نقله كان ضامنا له إن هلك، فإن لم يجد له مستحقا جاز نقله، ولا ضمان عليه أصلا. وللشافعي في ذلك قولان، أحدهما: أنه يجزيه (5)، والآخر: إنه لا يعتد به (6). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وقد بينا رواياتهم في ذلك (7).

(1) الأم 2: 12، والمجموع: 5: 370، وفتح العزيزة: 379 - 380.
(2) المدونة الكبرى 1: 312، والمجموع 5: 374.
(3) فتح العزيزة: 380.
(4) المصدر السابق.
(5) و (6) الأم 2: 81، والمجموع 6: 221.
(7) انظر الكافي 3: 553 حديث 1 و 4، ومن لا يحضره الفقيه 2: 15 حديث 46، والتهذيب 4: 47 حديث 125 و 126.

[ 29 ]

مسألة 27: إذا كان له ثمانون شاة في بلدين، فطالبه الساعي في كل بلد من البلدين بشاة، لم يلزمه أكثر من شاة. وكان بالخيار بين أن يخرجها في أي بلد شاء، وعلى الساعي أن يقبل قوله إذا قال: أخرجت في البلد الآخر، ولا يطالبه بيمين. وقال الشافعي: يجب عليه شاة واحدة يخرجها في البلدين، في كل بلد نصفها، فإن قال: أخرجتها في بلد واحد أجزأه، فإن صدقه الساعي مضى، وإن اتهمه كان عليه اليمين (1). وهل اليمين على الوجوب أو الاستحباب؟ على قولين (2). هذا قوله في جواز نقل المال من بلد إلى بلد، فإن لم يجز ذلك أخذ في كل واحد من البلدين نصف شاة، ولا يلتفت إلى ما اعطي. دليلنا: إجماع الفرقة على قول أمير المؤمنين عليه السلام لعامله حين ولاه الصدقات: أنزل ماءهم من غير أن تخالط أموالهم ثم قل: هل الله في أموالكم من حق؟ فإن أجابك مجيب فامض معه، وإن لم يجبك فلا تراجعه (3). فأمر عليه السلام بقبول قول رب المال، ولم يأمر باستظهار، ولا باليمين، فمن أوجب ذلك فعليه الدلالة. مسألة 28: إذا قال رب المال عندي وديعة، أو لم يحل عليه الحول، قبل من قوله ولا يطالب باليمين، سواء كان خلافا للظاهر أو لم يكن كذلك. وقال الشافعي: إذا اختلفا، فالقول قول رب المال فيما لا يخالف الظاهر، وعليه اليمين استحبابا وإن خالف الظاهر فعلى وجهين. وما يخالف الظاهر هو

(1) الأم 2: 19، والمجموع 6: 174.
(2) المجموع 6: 174.
(3) الكافي 3: 536 قطعة من الحديث الأول مع اختلاف في ألفاظه، ونحوه في التهذيب 4: 96 حديث 274. والمقنعة: 42، ونهج البلاغة، قسم الكتب والرسائل رقم 25 ص 380 تحقيق صبحي الصالح.

[ 30 ]

أن القول: هذا وديعة، قال: لأن الظاهر أنه ملك له إذا كان في يده، فهذا اليمين على وجهين وإذا كان الخلاف في الحول، فإنه لا يخالف الظاهر، فيكون اليمين استحبابا، فكل موضع يقول: اليمين استحبابا فإن حلف وإلا ترك، وكل موضع يقول: يلزمه اليمين فإن حلف وإلا أخذ منه بذلك الظاهر الأول لا بالنكول (1). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء، فلا وجه لإعادته (2). مسألة 29: إذا حال على المال الحول، فالزكاة تجب في عين المال، ولرب المال أن يعين في ذلك أي جزء شاء، وله أن يعطي من غير ذلك أيضا مخير فيه. مثال ذلك، أن يملك أربعين شاة وحال عليه الحول، أستحق أهل الصدقة منها شاة غير معينة، وله أن يعين ما شاء منها. وبه قال الشافعي في الجديد، وهو أصح القولين عند أصحابه. وبه قال أبو حنيفة (3). والقول الثاني: تجب في ذمة رب المال والعين مرتهنة بما في الذمة، فكان جميع المال رهنا في الذمة (4). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن كل خبر روي في وجوب الزكاة تضمن أن الإبل إذا بلغت خمسا ففيها شاة - إلى قوله -: فإذا بلغت ستا وعشرين ففيها بنت مخاض، وكذلك فيما بعد، وكذلك قالوا في البقر إذا بلغت ثلاثين، ففيها تبيع أو تبيعة، وقالوا في الغنم إذا بلغت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففيها شاتان، وهذه الأخبار صريحة بأن الفريضة تتعلق بالأعيان لا

(1) الأم 2: 16، ومختصر المزني: 42.
(2) انظر ما قدمه المصنف رحمه الله في المسألة (27).
(3) المجموع 5: 377 و 379، وفتح العزيز 5: 551، والمبسوط 2: 166.
(4) المجموع 5: 377 و 379.

[ 31 ]

بالذمة (1). وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن علق عليها شيئا، كان عليه الدلالة. مسألة 30: من كان له دراهم أو دنانير فغصبت، أو سرقت، أو جحدت، أو غرقت، أو دفنها في موضع ثم نسيها، وحال عليه الحول، فلا خلاف أنه لا تجب عليه الزكاة منها، لكن في وجوب الزكاة فيه خلاف، فعندنا لا تجب فيه الزكاة. وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وهو قول الشافعي في " القديم " (2). وقال في " الجديد ": تجب فيه الزكاة، وبه قال زفر (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم لا يختلفون في ذلك. مسألة 31: من غل ماله، أو غل بعضه حتى لا تؤخذ منه الصدقة، فإن كان جاهلا بذلك عفي عنه وأخذ منه الصدقة، وإن كان عالما بوجوبه عليه ثم فعله عزره الإمام، وأخذ منه الصدقة. وبه قال الشافعي، إلا أنه قال: إن كان الإمام عادلا عزره، وإن لم يكن الإمام عادلا لم يعزره، ويأخذ منه الصدقة. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري (4). وقال أحمد بن حنبل وطائفة من أصحاب الحديث: تؤخذ منه الزكاة ويؤخذ معها نصف ماله (5).

(1) انظر الكافي 3: 532 حديث 2، و 534 حديث 1، و 535 حديث 1. ومن لا يحضره الفقيه 2: 12 حديث 33، والتهذيب 4: 21 حديث 53 و 24 - 25 حديث 57 و 59، والاستبصار 2: 19 حديث 57 و 23 حديث 61 و 62.
(2) الهداية 1: 96 - 97، وكنز الدقائق 1: 256، والأم 2: 51، والمجموع 5: 340، وفتح العزيز 5: 499، والمغني لابن قدامة 2: 639.
(3) المجموع 5: 341، وفتح العزيز 5: 499، والهداية 1: 97، وكنز الدقائق 1: 256.
(4) الأم 2: 17، ومختصر المزني: 43، والمجموع 5: 334، و 6: 173، والفتح الرباني 8: 218. (5) المغني لابن قدامة 2: 434، والمجموع 5: 337، والمنهل العذب 9: 170.

[ 32 ]

وروي ذلك عن مالك أيضا. دليلنا: إن الزكاة قد ثبت وجوبها عليه، فتؤخذ منه بلا خلاف، وتعزيره مجمع عليه، ولسنا نحتاج أن نشرط عدالة الإمام، لأنه لا يكون عندنا إلا معصوما، فأما أخذ نصف ماله فإنه يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " ليس في المال حق سوى الزكاة " (1) ولم يفصل. مسألة 32: المتغلب إذا أخذ الصدقة، لم تبرأ ذمته من وجوب الزكاة عليه، لأن ذلك تحكم ظلم به، والصدقة لأهلها، ويجب عليه إخراجها، وقد روي أن ذلك مجز عنه (2)، والأول أحوط. وقال الشافعي: إذا أخذ الزكاة إمام غير عادل أجزأت عنه، لأن إمامته لم تزل بفسقه (3). وذهب أكثر الفقهاء من المحققين وأكثر أصحاب الشافعي إلى أنه إذا فسق زالت إمامته (4).

(1) روي الحديث وبطرق مختلفة عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال، روي ذلك ابن ماجة في سنة 1: 570 حديث 1789، وحكاه عن ابن ماجة السيوطي في الجامع الصغير 2: 460، والمناوي في فيض القدير 5: 375. وروى الدارمي في سننه 1: 385، والترمذي في سننه أيضا 3: 48 حديث 659 و 660 عن فاطمة بنت قيس الحديث بلفظ آخر نصه: " إن في المال حقا سوى الزكاة ". وتقدم نحوه في المسألة الأولى من كتاب الزكاة فلاحظ.
(2) انظر الكافي 3: 543 (باب فيما يأخذ السلطان من الخراج)، ومن لا يحضره الفقيه 2: 15 حديث 41، والتهذيب 4: 39 حديث 98 و 100، والاستبصار 2: 27 حديث 75 و 77.
(3) المجموع 6: 164، والشرح الكبير لابن قدامة المطبوع مع المغني 2: 673.
(4) المدونة الكبرى 1: 328، والمجموع 6: 164.

[ 33 ]

وقال أحمد بن حنبل وعامة أصحاب الحديث: لا تزول الإمامة بفسقه، وهو ظاهر قول الشافعي (1). وقال أصحابه لا تجئ على أصوله. فأما فسق الإمام فعندنا لا يجوز، لأنه لا يكون إلا معصوما، وليس هذا موضع الدلالة عليه. والذي يدل على أن ذمته لم تبرأ بما أخذه المتغلب، إن الزكاة حق لأهلها، فلا تبرأ ذمته بأخذ غير من له الحق، ومن أبرأ الذمة بذلك فعليه الدلالة. مسألة 33: المتولد من الظباء والغنم سواء كانت الأمهات ظباء أو الفحولة نظر فيه، فإن كان يسمى غنما كان فيها الزكاة وأجزأت في الأضحية، وإن لم يسم غنما فليس فيها زكاة، ولا تجزي في الأضحية. فأما إذا كانت ماشية وحشية على حدتها فلا زكاة فيها بلا خلاف. وقال الشافعي: إن كانت الأمهات ظباء، والفحولة أهلية، فهي كالظباء لا زكاة فيها، ولا تجزي في الأضحية، وعلى قتلها الجزاء إذا كان محرما (2)، وهذا لا خلاف فيه. وإن كانت الأمهات أهلية والفحولة ظباء قال الشافعي: لا زكاة فيها، ولا تجزي عن الأضحية، وفيها الجزاء (3). وقال أبو حنيفة: هذه حكمها حكم أمهاتها فيها الزكاة، وتجزي في الأضحية، ولا جزاء على من قتلها (4). دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " في سائمة الغنم

(1) الشرح الكبير لابن قدامة 2: 673.
(2) الأم 2: 19، والمجموع 5: 339، والوجيز 1: 79، والمبسوط 2: 183، والمغني لابن قدامة 2: 460.
(3) انظر المصادر المتقدمة.
(4) المبسوط 2: 183، والمغني لابن قدامة 2: 460، والمجموع 5: 339، والوجيز 1: 79.

[ 34 ]

الزكاة " (1). وهذه إذا كانت تسمى غنما فالاسم يتناولها، فيجب فيها الزكاة. وكذلك قوله: " في أربعين شاة شاة " (2) وهذه تسمى شاة، فيجب فيها الزكاة. وقد قيل: إن الغنم المكية آبائها الظباء، وتسمية ما يتولد بين الظباء والغنم، رخل، وجمعه رخال، لا يمتنع من تناول اسم الغنم له، فمن أسقط عنه الزكاة فعليه الدلالة. مسألة 34: لا زكاة في السخال والفصلان والعجاجيل حتى يحول عليها الحول. وقد قال الشافعي وأصحابه: هذه الأجناس كالكبار من ملك منها نصابا جرت في الحول من حين ملكها، فإذا حال عليها الحول أخذت الزكاة منها، به قال أبو يوسف (3). وقال مالك وزفر مثل ذلك، لكنهما قالا: تجب الزكاة ولا تؤخذ، ولكن يكلف عن الصغار كبيرة (4). وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: لا يجري في الحول حتى يصير ثنايا، فإذا

(1) الظاهر أن المصنف قدس سره أراد بيان اشتراط السوم في الزكاة عند الإشارة إلى هذا الحديث، ولم يلتزم اللفظ، فقد روي في كتب الفريقين بألفاظ مختلفة نشير إلى البعض منها: الكافي 3: 535 الحديث الثالث، والتهذيب 4: 22 حديث 55، وسنن الدارقطني 2: 113 حديث 2، وسنن أبي داود 2: 96 حديث 1567 (2) انظر الكافي 3: 534 حديث 1، وسنن ابن ماجة 1: 577 حديث 1805، وسنن الدارمي 1: 381، وسنن الدارقطني 2: 113 حديث 2، وسنن الترمذي 3: 17 حديث 621، وسنن النسائي 5: 21، وسنن أبي داود 2: 96 حديث 1567.
(3) الهداية 1: 101، وبدائع الصنائع 1: 31، وفتاوى قاضيخان بهامش الفتاوى الهندية 1: 248، والمغني لابن قدامة 2: 470 - 471.
(4) المغني لابن قدامة 2: 471، وبدائع الصنائع 1: 31، والهداية 1: 101.

[ 35 ]

صارت ثنايا جرت في حول الزكاة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ".
(2) مسألة 35: لا تأثير للخلطة في الزكاة، سواء كانت خلطة أعيان، أو خلطة أوصاف. وإنما يزكى كل واحد منها زكاة الانفراد، فينظر إلى ملكه، فإن كان فيه الزكاة عن الانفراد ففيه الزكاة على الانفراد. فلا زكاة فيه مع الخلطة. وخلطة الأعيان هي الشركة المشاعة بينهما، مثل أن يكون بينهما أربعون شاة مشتركة مشاعة، أو ثمانون شاة، فهذه شركة أعيان، فإذا كان كذلك فإن كان الأربعون بينهما فلا زكاة عليهما، وإن كان الثمانون بينهما كان عليهما شاتان، وإن كان لواحد كان شاة واحدة. وخلطة الأوصاف أن يشتركا في المرعى والفحولة، ويكون مال كل واحد منهما معروفا معينا، وأي الخلطتين كانت كان الحكم ما قدمناه ذكره. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (3). وقال الشافعي وأصحابه: إنهما يزكيان زكاة الرجل الواحد، فإن كان بينهما أربعون شاة كان فيها شاة، كما لو لواحد. وإن كانا خليطين في ثمانين

(1) الهداية 1: 101، وشرح فتح القدير 1: 504، وبدائع الصنائع 1: 31، وفتاوى قاضيخان 1: 248.
(2) سنن البيهقي 4: 95 و 103 - 104، وسنن الدارقطني 2: 90، وسنن ابن ماجة 1: 571 حديث 1792، وسنن الترمذي 3: 25 حديث 631، وموطأ مالك 1: 245 حديث 4، ومسند أحمد بن حنبل 1: 148.
(3) المبسوط 2: 153، والمجموع 5: 433، وفتح العزيز 5: 391، والمغني لابن قدامة 2: 476، وعمدة القاري 9: 10، وبداية المجتهد 1: 254.

[ 36 ]

ففيها شاة، كما لو كانت لواحد. فلو كانت مائة وعشرين شاة لثلاثة ففيها شاة واحدة، وإن لم يكن للمال خلطة كان فيها ثلاث شياه على كل واحد شاة (1). وبه قال الأوزاعي، والليث بن سعد (2). وقال عطاء وطاووس: وإن كانت الخلطة خلطة أعيان فكما قال الشافعي، وإن كانت خلطة أوصاف، أعتبر كل واحد بنفسه، ولم تؤثر الخلطة (3). وقال مالك: إنما يزكيان زكاة الواحد إذا كان مال كل واحد منهما في الخلطة نصابا، مثل أن يكون بينهما ثمانون شاة فتكون فيها شاة، فأما إن قصر ملك أحدهما عن نصاب فلا زكاة عليه، فإن كان بينهما أربعون شاة فلا زكاة فيها، وإن كان بينهما ستون لأحدهما عشرون وللآخر ما بقي، فعلى صاحب الأربعين شاة، ولا شئ على صاحب العشرين (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (5) فإنهم لا يختلفون فيما قلناه. وروى أنس النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا لم تبلغ سائمة الرجل أربعين فلا شئ فيها " (6) ولم يفرق. وروي عنه أنه قال: " ليس على المرء فيما دون خمس ذود (7) من الإبل

(1) الأم 2: 14، والمجموع 5: 533، وفتح العزيز 5: 389 - 390، وبداية المجتهد 1: 254، والمبسوط 2: 153 - 154.
(2) المجموع 5: 433، والمغني لابن قدامة 2: 476.
(3) المجموع 5: 433، والمغني لابن قدامة 2: 476، وعمدة القاري 9: 12.
(4) الموطأ 1: 263، والمجموع 5: 433.
(5) انظر ما رواه المصنف في التهذيب 4: 25 حديث 59، والاستبصار 2: 23 حديث 62.
(6) رواه الدارقطني في سننه 2: 115 ولفظه: " إذا نقصت سائمة الغنم أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها صدقة ". ورواه البيهقي في سننه أيضا 4: 100 ولفظه: " إذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة فليس فيها صدقة ".
(7) الذود: لفظة مؤنثة لا واحد لها من لفظها، وهي تعني ثلاثة أبعرة إلى التسعة وقيل إلى العشرة وقيل غير ذلك. انظر النهاية 2: 171 وتاج العروس 2: 347.

[ 37 ]

صدقة " (1) ولم يفصل. وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع " (2) فنحمله على أنه لا يجمع بين متفرق في الملك لتؤخذ منه الزكاة زكاة رجل واحد، ولا يفرق بين مجتمع في الملك، لأنه إذا كان ملك للواحد وإن كان في مواضع متفرقة لم يفرق بينه وقد استعمل الخبر. مسألة 36: إذا كان لرجل واحد ثمانون شاة في موضعين، أو مائة وعشرون في ثلاثة مواضع، لا يجب عليه أكثر من شاة واحدة. وبه قال أبو حنيفة (3). وقال الشافعي لا يجمع بين ذلك، بل يؤخذ منه في كل موضع إذا بلغ النصاب ما يجب فيه (4). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن الأصل براءة الذمة، وما قلناه لا خلاف فيه، وما ادعوه ليس عليه دليل. وقوله عليه السلام: " لا يفرق بين مجتمع " (5) يمكن أن يكون لرب واحد، وإن المراد به الجمع في الملك. فإن قالوا: المراد المجتمع في موضع واحد. قلنا: قد بينا أن ذلك غير واجب، فينبغي أن يكون المراد ما قلناه. مسألة 37: لا يجب الزكاة في النصاب الواحد إذا كان بين شريكين، من الدارهم والدنانير وأموال التجارات والغلات. وبه قال أبو حنيفة ومالك

(1) صحيح البخاري 2: 148، والموطأ 1: 245 ذيل حديث 2 باختلاف بسيط فيهما.
(2) سنن ابن ماجة 1: 577 حديث 1805 و 1807 و 1810، وسنن أبي داود 2: 98 حديث 1568، وسنن الترمذي 3: 19 حديث 621، وسنن الدارقطني 2: 104 حديث 1.
(3) شرح فتح القدير 2: 501، وبدائع الصنائع 2: 29.
(4) الأم 2: 19.
(5) لاحظ قوله صلى الله عليه وآله في المسألة المتقدمة " 34 ".

[ 38 ]

والشافعي في " القديم " (1). وقال في " الجديد " تضم الخلطة في ذلك، وتجب فيه الزكاة (2). دليلنا: إنه إذا ثبت أنه الشركة والخلطة في المواشي لا يجب فيها الزكاة، فلا تجب أيضا في هذه الأموال، لأن أحدا لا يفرق بين المسألتين. مسألة 38: إذا كان لانسان أربعون شاة، فأقامت في يده ستة أشهر، ثم باع نصفها، بطل حوله. فمتى حال على الجميع الحول، لا تجب فيه الزكاة لا على البائع ولا على المشتري. وإن حال عليه من يوم يشتريه. وقال الشافعي: إن حوله باق إذا باع مشاعا، فمتى حال عليه الحول وجب عليه الزكاة، وعلى شريكه إذا حال الحول من يوم اشتراه، على هذا عامة أصحابه (3). وقال ابن خيران: يستأنف الحول بينهما من يوم يبيعه، لأنه يحصل بينهما الشركة في هذا الوقت (4). دليلنا: إنا بينا أن مال الشركة لا تجب فيه الزكاة إذا نقص نصيب كل واحد عن النصاب، فإذا كان هذا ناقصا من النصاب، لم تجب فيه الزكاة على ما بيناه. مسألة 39: من كان له أربعون شاة واستأجر لها أجيرا بشاة منها، سقط عند زكاتها إن كان أفرد الشاة بلا خلاف، لأنه نقص المال عن النصاب، وإن لم يفردها فعندنا مثل ذلك، لأن ملكه قد نقص عن النصاب. وقال الشافعي: فيها الزكاة على الجميع بالحساب (5). وهذه المسألة فرع على أن المال المختلط فيه الزكاة، وقد بينا فساده، فلا وجه

(1) و (2) 5: 450، وبداية المجتهد 1: 249.
(3) الأم 2: 20، والمجموع 5: 437.
(4) المجموع 5: 437.
(5) المجموع 5: 349، وفتح العزيز 5: 507 - 508.

[ 39 ]

للكلام على هذا الفرع. مسألة 40: إذا كان لرجل أربعون شاة في بلد، وله عشرون في بلد آخر خلطة مع عشرين لغيره، يجب عليه في الأربعين المنفردة شاة، ولا شئ عليه في العشرين المشتركة. وقال الشافعي: الواجب في ذلك شاة ثلاثة أرباعها على صاحب الأربعين، والعشرين المشتركة وربعها على صاحب العشرين، وبه قال أبو إسحاق وغيره (1). ومن أصحابه من قال: على صاحب العشرين نصف شاة، وعلى صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة (2). وهذه المسألة تسقط عنا، لأنها مبنية على أن مال الخلطة تتعلق به الزكاة، وقد دللنا على خلافه. مسألة 41: إذا كان له ستون شاة في ثلاثة بلاد، في كل بلدة عشرون خلطة مع عشرين لغيره، كان عليه شاة واحدة، لأن له ستين. ففي أربعين واحدة والباقي عفو، وليس على الباقين شئ من الزكاة، لأن مالهم نقص عن النصاب. وقال الشافعي: في الكل شاة واحدة، على صاحب الستين منها نصف شاة، وعلى كل واحد من الشركاء سدس شاة (3). ومن أصحابه من قال: على كل واحد من أصحاب العشرين نصف شاة، وعلى صاحب الستين نصف شاة، لأنه يضم ماله إلى بعض الكل خلطة (4).

(1) مختصر المزني: 44، والمجموع 5: 444، والوجيز 1: 84، وفتح العزيز 5: 470.
(2) المجموع 5: 444، والوجيز 1: 84، وفتح العزيز 5: 471 - 472 (3) المجموع 5: 445.
(4) المجموع 5: 445، وفتح العزيز 5: 478 من دون نسبته لأحد من الفقهاء.

[ 40 ]

ومنهم من قال وهو أبو العباس بن سريح: على أصحاب العشرين على كل واحد نصف شاة، وعلى صاحب الستين شاة ونصف، فيكون في الكل ثلاث شياه (1) وهذه المسألة أيضا تسقط عنا، لأنا بينا أن المراعى في النصاب الملك دون الخلطة، وهذه الأقاويل مبنية على أن مال الخلطة فيه زكاة، وقد بينا فساده. مسألة 42: مال الصبي والمجنون إذا كان صامتا لا تجب فيه الزكاة، وإن كان غلات أو مواشي يجب على وليه أن يخرج عنه. وقال الشافعي: مالهما مثل مال البالغ العاقل تجب فيه الزكاة، ولم يفصل. وبه قال عمر، وابن عمر، وعائشة (2)، ورووه عن علي عليه السلام، وعن الحسن بن علي عليه السلام (3)، وبه قال الزهري، وربيعة، وهو المشهور عن مالك، وبه قال الليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق (4). وقال الأوزاعي والثوري: تجب الزكاة في مالهما، لكن لا يجب إخراجها، بل تحصى، حتى إذا بلغ الصبي عرفوه مبلغ ذلك، فيخرجه بنفسه. وبه قال ابن مسعود (5). وذهب ابن شبرمة وأبو حنيفة وأصحابه إلى إنه لا تجب في ملكهما الزكاة، ولم يفصلوا (6).

(1) المجموع 5: 445.
(2) الأم 2: 28، والمجموع 5: 231، ومختصر المزني: 44، والوجيز 1: 87، والمغني لابن قدامة 2: 488، وبداية المجتهد 1: 236 والهدية 1: 96 ومغني المحتاج 1: 409، والمبسوط 2: 162، وشرح فتح القدير 1: 483، وسبل السلام 2: 605.
(3) المجموع 5: 231، والمغني لابن قدامة 2: 488، وبداية المجتهد 1: 236، والمبسوط 2: 162.
(4) المدونة الكبرى: 1: 249، وبداية المجتهد 1: 236، والمبسوط 2: 162، والمجموع 5: 231، والمغني لابن قدامة 2: 488.
(5) المغني لابن قدامة 2: 488، والمجموع 5: 231.
(6) اللباب 1: 140، والمبسوط 2: 162، والهداية 1: 96، وشرح فتح القدير 1: 483، والوجيز 1: 87، والمغني لابن قدامة 2: 488، وبداية المجتهد 1: 236.

[ 41 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل عدم الزكاة، وإيجابها يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل على ما قالوه. ويمكن أن يستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى ينتبه، وعن المجنون حتى يفيق " (1). ولا يلزمنا مثل ذلك في المواشي والغلات، لأنا قلنا ذلك بدليل. مسألة 43: المكاتب على ضربين: مشروط عليه ومطلق، فإن كان مشروطا عليه فبحكم الرق لا يملك شيئا، فإذا حصل معه مال في مثله الزكاة لم تلزمه زكاة، ولا تجب أيضا على المولى زكاته، لأنه ما ملكه ملكا له التصرف فيه على كل حال. وإن كان غير مشروط عليه فإنه يتحرر بمقدار ما أدى، فإن كان معه مال (يخصه من الحرية قدر) (2) تجب فيه الزكاة وجب عليه الزكاة، لأنه ملكه، ولا يلزمه فيما عداه، ولا على سيده لما قلناه. وقال الشافعي: لا زكاة في مال المكاتب على كل حال، وبه قال جميع الفقهاء (3) إلا أبا ثور فإنه قال تجب فيه الزكاة (4). دليلنا: إجماع الفرقة على أن المكاتبة على القسمين اللذين ذكرناهما، فإذا ثبت ذلك فما يصح اضافته إلى ملكه لزمه زكاته، وما لا يمكن اضافته إليه لا يلزمه زكاته بلا خلاف.

(1) صحيح البخاري 8: 204، وسنن الترمذي 4: 32 الحديث 1423، وسنن أبي داود 4: 140 حديث 4401 و 4403، ومسند أحمد 6: 100 و 144 باختلاف في ألفاظها.
(2) في بعض النسخ " لحصته من الحرية قدرا ".
(3) الأم 2: 27، ومختصر المزني: 44، والمجموع 5: 326 و 330، والوجيز 1: 87، وفتح العزيز 5: 519، والهداية 1: 96، وشرح فتح القدير 1: 486، والمبسوط 2: 164، واللباب 1: 140، وبداية المجتهد 1: 37، وكفاية الأخيار 1: 106.
(4) المجموع 5: 230، وبداية المجتهد 1: 237.

[ 42 ]

وقد روي عن ابن عمر وجابر أنهما قالا: لا زكاة في مال المكاتب (1) ولا مخالف لهما. مسألة 44: المكاتب إن كان مشروطا وهو في عيلولة مولاه لزمه فطرته، وإن لم يكن في عيلته يمكن أن يقال: إنها تلزمه لعموم الأخبار بوجوب إخراج الفطرة عن المملوك (2)، ويمكن أن يقال: لا تلزمه، لأنه ليس في عيلته. وإن كان غير مشروط عليه، وتحرر منه جزء. فإن كان في عيلته لزمه فطرته، وإن لم يمكن في عيلته لا تلزمه، لأنه ليس بمملوك بالإطلاق، ولا هو حر بالإطلاق، فيكون له حكم نفسه ولا يلزمه أيضا لمثل ذلك. وقال الشافعي: لا يلزم واحدا منهما، ولم يفضل (3) ومن أصحابه من قال: يجب عليه أن يخرج الفطرة عن نفسه، لأن الفطرة تتبع النفقة (3). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وليس هاهنا ما يدل على وجوب الفطرة على واحد منها. فأما الموضع الذي قلنا إن على مولاه الفطرة إذا كان مشروطا عليه إن كان في عيلته، فعموم الأخبار الموجبة للفطرة على من يعوله من المماليك وغيرهم. مسألة 45: إذا ملك المولى عبده مالا، فإنه لا يملكه، وإنما يستبيح التصرف

(1) رواه الدارقطني في سننه 2: 108 الحديث الأول عن جابر، والبيهقي في سننه أيضا 4: 109 عن جابر وابن عمر ولفظ الحديث في الأول: " ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق " وفي الثاني " ليس في مال العبد ولا المكاتب زكاة ".
(2) انظر الكافي 4: 170 حديث 1 و 2، ومن لا يحضره الفقيه 2: 114 حديث 491، والتهذيب 4: 71 حديث 193 و 194 والاستبصار 2: 46 حديث 149.
(3) المجموع 6: 120، والوجيز 1: 99، والمحلى 6: 135، والمغني لابن قدامة 2: 703 - 704، وبداية المجتهد 1: 271.
(4) مختصر المزني: 54، والمجموع 6: 120، والوجيز 1: 99.

[ 43 ]

فيه، ويجوز له الشراء منه. فإذا ثبت ذلك، فالزكاة تلزم السيد لأنه ماله، وله انتزاعه منه على كل حال. وقال الشافعي: في " الجديد ": لا يملك، وزكاته على سيده كما قلناه، وبه قال أبو حنيفة (1). وقال في " القديم ": يملك، وبه قال مالك. وعلى هذا قال: لا يلزمه الزكاة في هذا المال (2). دليلنا: إجماع الفرقة على أن العبد لا يملك، فإذا ثبت ذلك فإن المال للسيد فيلزمه زكاته. وأيضا فلا خلاف بين أصحابنا في أن من باع مملوكه وله مال إن علم ذلك كان ماله للمشتري، وإن لم يعلم كان للبائع، فلولا أنه ملكه لا يملك المشتري ذلك مع علمه، ولا جاز له أخذه إذا لم يعلمه. مسألة 46: لا يجوز تقديم الزكاة قبل حول الحول إلا على وجه القرض، فإذا حال الحول جاز له أن يحتسب به من الزكاة إذا كان المقترض مستحقا والمقرض تجب عليه الزكاة. وأما الكفارة، فلا يجوز تقديمها على الحنث. وقال الشافعي: يجوز تقديم الزكاة قبل الحول، وتقديم الكفارة على الحنث (3). وقال داود وأهل الظاهر وربيعة: لا يجوز تقديم شئ منهما قبل وجوبه بحال (4).

(1) الأم 2: 27، والمجموع 5: 331، والهداية 1: 96، واللباب 1: 140، وبداية المجتهد 1: 237، وشرح فتح القدير 1: 486.
(2) المجموع 5: 331، وبداية المجتهد 1: 237.
(3) الأم 2: 20، والمجموع 6: 146، والمبسوط 2: 177، وبداية المجتهد 1: 266، ومغني المحتاج 1: 416، والمغني لابن قدامة 2: 495.
(4) المحلى 6: 95 - 96، والمغني لابن قدامة 2: 495.

[ 44 ]

وقال أبو حنيفة: يجوز تقديم الزكاة قبل وجوبها، ولا يجوز تقديم الكفارة قبل وجوبها (1). وقال مالك: يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث، ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل الوجوب (2)، وبه قال أبو عبيدة بن حربويه (3) من أصحاب الشافعي. وأبو حنيفة، ومالك في طرفي نقيض. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف في أنه إذا أخرجه وقت وجوبه أنه تبرأ ذمته، وليس على براءة ذمته إذا أخرجها قبل ذلك دليل. وأيضا قول النبي صلى الله عليه وآله والأئمة علهم السلام: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (4). يدل على ذلك. مسألة 47: إذا تسلف الساعي لأهل السهمان من غير مسألة من الدافع والمدفوع إليه، فجاء وقت الزكاة وقد تغيرت صفتهما أو صفة واحد منهما قبل

(1) المبسوط 2: 177، والمغني لابن قدامة 2: 495، وبداية المجتهد 1: 266.
(2) المدونة الكبرى 1: 284 و 2: 117، والمغني لابن قدامة 2: 495 و 11: 223، وبداية المجتهد 1: 266 و 406.
(3) أبو عبيد، علي بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي المشهور بابن حربويه، سمع أحمد بن المقدام والحسن بن محمد الزعفراني وغير هم، روى عنه أبو عمر بن حيويه، وأبو حفص بن شاهين وغيرهما، ولي القضاء في مصر سنة 293 ومات سنة 319 ببغداد وصلى عليه الاصطخري. انظر تاريخ بغداد 11: 395، وطبقات الشافعية للشيرازي: 15، والبداية والنهاية 11: 167، وتهذيب التهذيب 7: 303، وشذرات الذهب 2: 281. علما بأن النسخ المخطوطة والمطبوعة اختلفت في كنيته ولقبه وهو من سهو النساج.
(4) الكافي 3: 524، والفقيه 2: 8 قطعة من حديث 26، والتهذيب 4: 40 حديث 102 و / 104 و 108 و 109، والاستبصار 2: 23 حديث 65 و 66. وعيون أخبار الرضا 2: 123، وموطأ مالك 1: 17 حديث 4، ومسند أحمد بن حنبل 1: 148، وسنن أبي داود 2: 100 ذيل حديث 1573، وسنن الترمذي 3: 25 حديث 631، وسنن ابن ماجة 1: 571 حديث 1792، وسنن البيهقي 4: 95.

[ 45 ]

الدفع إلى أهل السهمان، ثم هلك بغير تفريط في يد الساعي، كان ضامنا. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ضمان عليه (2). فأما إذا هلك بتفريط فإنه يضمن بلا خلاف. دليلنا: على ما قلناه: إنه قبض على ما ليس له من غير أمر من المستحق ولا تبرع من الدافع، فوجب عليه ضمانه، لأن إبراء ذمته من ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 48: إذا تسلف بمسألتهما جميعا، وجاء وقت الزكاة وقد تغيرت صفتهما أو صفة واحد منهما قبل الدفع إلى أهل السهمان، ثم هلك قبل الدفع بغير تفريط فإن ضمان ذلك على الدافع والمدفوع إليه. وقال الشافعي فيه وجهان: أحدهما: إن ضمانه على رب المال (3) والثاني: على أهل السهمان (4). دليلنا: إنه قد حصل من كل واحد من الفريقين إذن، وليس أحدهما أولى بالضمان من صاحبه، فوجب عليهما الضمان. مسألة 49: ما يتعجله الوالي من الصدقة متردد بين أن يقع موقعها أو يسترد. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: ليس له أن يسترد، بل هو متردد بين أن يقع موقعها أو يقع تطوعا (6).

(1) الأم 2: 21، ومختصر المزني: 44، والمجموع 6: 159، وفتح العزيز 5: 539، والمغني لابن قدامة 2: 502.
(2) شرح فتح القدير 1: 516، وفتح العزيز 5: 539.
(3) الأم 2: 21، والمجموع 6: 157، والوجيز 1: 88، وفتح العزيز 5: 537، والمغني لابن قدامة 2: 502.
(4) المجموع 6: 157، والوجيز 1: 88، وفتح العزيز 5: 537، والمغني لابن قدامة 2: 502.
(5) المجموع 6: 157، وفتح العزيز 5: 537 - 538 (6) المبسوط 3: 12، والمجموع 6: 148.

[ 46 ]

دليلنا على ذلك: إنا قد بينا أنه يجوز تقديم الزكاة على جهة القرض، فإذا ثبت ذلك، وتغير حال الفقير من الفقر إلى الغنى لم يسقط عنه الدين، بل يتأكد قضاؤه عليه، فمن أسقط عنه ما كان عليه فعليه الدلالة. مسألة 50: إذا عجل زكاته لغيره، ثم حال عليه الحول وقد أيسر المعطى، فإن كان أيسر بذلك المال فقد وقعت موقعها ولا يسترد، وإن أيسر بغيره استرد أو يقام عوضه. وهو مذهب الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا يرد على حال أيسر به أو بغيره (2). دليلنا: إنه قد ثبت أنه لا يستحق الزكاة غني، وإذا كان هذا المال دينا عليه إنما يستحقه إذا حال عليه الحول، وإذا كان في هذه الحال غير مستحق لا يجوز أن يحتسب بذلك. مسألة 51: إذا عجل له وهو محتاج، ثم أيسر، ثم افتقر وقت حول الحول جاز أن يحتسب له قولان: أحدهما مثل قولنا (3)، والآخر أنه لا يحتسب له به (4). دليلنا: إنا قد بينا أن هذا المال دين عليه، وإنما يحتسب بعد الحول، وإذا كان في هذا الوقت مستحقا جاز أنه يحتسب عليه فيها. مسألة 52: إذا دفع إليه وهو موسر في الحال ثم افتقر عند الحول جاز أن يحتسب به

(1) الأم 2: 21، والمجموع 6: 154، والسراج الوهاج: 135، والمبسوط 3: 12، وعمدة القاري 8: 287، والمغني لابن قدامة 2: 500.
(2) المبسوط 3: 12، واللباب 1: 157، وعمدة القاري 8: 287، والمجموع 6: 156، والمغني لابن قدامة 2: 500.
(3) الأم 2: 21، والمجموع 6: 154، والوجيز 1: 88.
(4) المجموع 6: 154، والوجيز 1: 88.

[ 47 ]

وقال الشافعي: لا يحتسب به أصلا (1). دليلنا: إنا قد بينا أن هذا المال دين عليه، والمراعى في استحقاق الزكاة عند الاعطاء وهو حال الاحتساب، وفي هذه الحال فهو مستحق لها، فجاز الاحتساب. مسألة 53: إذا عجل زكاته، ومات المدفوع إليه، ثم حال الحول، جاز أن يحتسب به بعد الحول. وقال الشافعي: لا يجوز أن يحتسب به (2). دليلنا: إجماع الفرقة على أنه يجوز أن يقضي به الدين عن الميت. وأيضا قوله تعالى: " وفي سبيل الله " (3) وقضاء الدين عن المؤمنين في سبيل الله، فيجب أن يكون جائزا. مسألة 54: من ملك مائتي درهم، فعجل زكاة أربعمائة عشرة درهم بشرط أن يستفيد تمام ذلك. أو كان له مائتا شاة فقدم زكاة أربعمائة أربع شياه، ثم حال الحول وعنده أربعمائة درهم. أو أربعمائة شاة لا يجزي عنها، وهو أحد قولي الشافعي المختار عند أصحابه (4). والقول الآخر: إنه يجزي (5) دليلنا: إن هذه المسألة لا تصح على أصلنا، لأن عندنا المستفاد في الحول لا يضم إلى الأصل، فما زاد على المائتين اللتين كانتا معه لا يجب عليه الزكاة، لأنه لم يحل عليه الحول. فإن فرضنا أنه استوفى حول المستفاد جاز له أن يحتسب بذلك من الزكاة، لأنا قد بينا أن ما يجعله يكون دينا جاز له أن يحتسب بذلك من الزكاة.

(1) الأم 2: 21، والمجموع 6: 156.
(2) الأم 2: 21، ومختصر المزني: 45، والوجيز 1: 88.
(3) التوبة: 60.
(4) الأم 2: 21، ومختصر المزني 45، والمجموع 6: 147، وفتح العزيز 5: 532.
(5) المجموع 6: 147، وفتح العزيز 5: 532.

[ 48 ]

مسألة 55: إذا كان عنده أربعون شاة فعجل شاة وحال الحول، جاز له أن يحتسب بها. وإن كان عنده مائة وعشرون وعجل شاة، ثم حال الحول لا يلزمه شئ آخر. وكذلك إن كانت عنده مائتا شاة فعجل شاتين، ثم نتجت شاة ثم حال الحول لا يلزمه شئ آخر. وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال في المسألة الأولى: إذا عجل من أربعين شاة أنها لم تقع موقعها لأن المال قد نقص عن الأربعين (1). وقال الشافعي في المسألة الأولى: إنها تجزيه، وفي الثانية والثالثة إنه يؤخذ منه شاة أخرى (2). دليلنا: إنه قد ثبت أن ما يعجله على وجه الدين، وما يكون كذلك فكأنه حاصل عنده، وجاز له أن يحتسب به، لأن المال ما نقص عن النصاب في المسألة الأولى، وفي المسألتين الأخيرتين لا يلزمه شئ آخر، وإن كان ما عجله باقيا على ملكه، لأن ما نتج لا يعتد به، لأنه لا يضم إلى الأمهات على ما مضى القول فيه. مسألة 56: إذا مات المالك في أثناء الحول، وانتقل ماله إلى الورثة، انقطع حوله، واستأنف الورثة الحول. وقال الشافعي في " القديم ": لا ينقطع حوله، وتبني الورثة على حول مورثهم (3). وقال في " الجديد " مثل قولنا (4). وعلى هذا إذا كان عجل زكاته كان للورثة استرجاعه.

(1) المبسوط 2: 177، والمجموع 6: 147، وفتح العزيز 5: 532.
(2) الأم 2: 21، ومختصر المزني: 45، وفتح العزيز 5: 532.
(3) المجموع 5: 363، وفتح العزيز 5: 536.
(4) الأم 2: 21، والمجموع: 5: 363، وفتح العزيز 5: 536.

[ 49 ]

دليلنا: على انقطاع الحول: إن الزكاة من فروض الأعيان، ومن شرط وجوبها حلول الحول في الملك، وهذا لم يحل عليه الحول في ملك واحد منهما، فيجب أن لا يلزمه فيه الزكاة، ومن يبني حول أحدهما على حول الآخر فعليه الدلالة. مسألة 57: النية شرط في الزكاة، وهو مذهب جميع الفقهاء (1) إلا الأوزاعي، فإنه قال: لا تفتقر إلى النية (2). دليلنا: قوله تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين - إلى قوله - ويؤتوا الزكوة " (3) والإخلاص لا يكون إلا بنية. وأيضا فلا خلاف أنه إذا نوى كونها زكاة أجزأت عنه، ولم يدل دليل على إجزائها مع فقد النية. وأيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: " إنما الأعمال بالنيات " (4) يدل على ذلك. مسألة 58: محل نية الزكاة حال الاعطاء. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (5)، والثاني إنه يجوز أن يقدمها (6).

(1) الأم 2: 22، واللباب 1: 140، والمغني لابن قدامة 2: 502، والمجموع 6: 179 - 180، وفتح العزيز 5: 522، والبحر الزخار 3: 142.
(2) المجموع 6: 180، والمغني لابن قدامة 2: 502.
(3) البينة: 5.
(4) التهذيب 4: 186 حديث 519، وأمالي الشيخ الطوسي 2: 231، وصحيح البخاري 1: 2، وصحيح مسلم 3: 1515 حديث 155، ومسند أحمد بن حنبل 1: 25، وسنن البيهقي 7: 341، وسنن ابن ماجة 2: 1413 حديث 4227، وسنن النسائي 1: 58، وسنن الترمذي 4: 179 حديث 2147، وسنن أبي داود 2: 262 حديث 2201.
(5) مختصر المزني: 44، وفتح العزيز 5: 522.
(6) الأم 2: 23، ومختصر المزني: 44، وفتح العزيز 5: 522.

[ 50 ]

دليلنا إنه لا خلاف أنها إذا قارنت أجزأت، وليس على جوازها دليل إذا تقدمت. مسألة 59: يجوز إخراج القيمة في الزكاة كلها، وفي الفطرة أي شئ كانت القيمة، ويكون القيمة على وجه البدل لا على أنه أصل. وبه قال أبو حنيفة (1)، إلا أن أصحابه اختلفوا على وجهين: منهم من قال: الواجب هو المنصوص عليه، والقيمة بدل (2). ومنهم من قال: الوجب أحد الشيئين، أما المنصوص عليه أو القيمة، وأيهما أخرج فهو الأصل. ولم يجيزوا في القيمة سكنى دار، ولا نصف صاح تمر جيد بصاع دون قيمته (3). وقال الشافعي وأصحابه: إخراج القيمة في الزكاة لا يجوز، وإنما يخرج المنصوص عليه، وكذلك يخرج المنصوص عليه فيما يخرج فيه على سبيل التقدير لا على سبيل التقويم، وكذلك قال في الأبدال في الكفارات، وكذلك قوله في الفطرة (4). وبه قال مالك. غير أنه خالفه في الأعيان فقال: يجوز ورق عن ذهب، وذهب عن ورق (4). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك. وأيضا فقد روى البرقي (6) عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: كتبت

(1) اللباب 1: 147، والمبسوط 2: 156، وشرح فتح القدير 2: 144، والمنهل العذب 9: 235، والمجموع 5: 429، والمغني لابن قدامة 2: 671 - 672، والفتح الرباني 9: 147.
(2) المبسوط 2: 156.
(3) المنتقى شرح الموطأ 2: 93.
(4) المجموع 5: 429، والمبسوط 2: 156، والمغني لابن قدامة 2: 671.
(5) المجموع 5: 429.
(6) أحمد بن محمد بن خالد البرقي، أصله الكوفة، ثقة في نفسه، هرب إلى برق رود مع أبيه من ظلم يوسف بن عمر والي الكوفة فنسب إليها، صحب الإمام الجواد والهادي عليهما السلام وروى عنهما، وثقه أكثر من ترجم له، توفي سنة 274 وقيل سنة 280. انظر رجال الشيخ الطوسي: 398 و 410، والفهرست: 20، ورجال النجاشي: 59، وتنقيح المقال 1: 82.

[ 51 ]

إليه: هل يجوز جعلت فداك أن يخرج ما يجب في الحرث الحنطة والشعير، وما يجب على الذهب دراهم ما يسوي أم لا يجوز إلا أن يخرج من كل شئ ما فيه؟ فأجاب عليه السلام: أيما تيسر يخرج منه (1). وروى علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير، وعن الدنانير دراهم بالقيمة، أيحل ذلك له أم لا؟ قال: لا بأس (2). مسألة 60: يجوز أن يتولى إخراج زكاته بنفسه عن أمواله الظاهرة والباطنة، والأفضل في الظاهرة أن يعطيها الإمام، فإن فرقها بنفسه أجزأه. وقال الشافعي: يجوز أن يخرج زكاة الأموال الباطنة بنفسه قولا واحدا، والأموال الظاهرة على قولين: قال في " الجديد " يجوز أيضا، وقال في " القديم ": لا يجوز (3). وبه قال مالك وأبو حنيفة (4). دليلنا: كل آية تضمنت الأمر بإيتاء الزكاة مثل قوله تعالى: " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (5) وقوله: " ويؤتون الزكاة " (6) وما أشبه ذلك يتناول ذلك، لأنها عامة، ولا يجوز تخصيصها إلا بدليل. ولا ينافي ذلك قوله: " خذ من أموالهم صدقة " (7) لأنا نقول: إذا طالب الإمام بها وجب دفعها إليه، وإن لم يطالب وأخرج بنفسه أجزأه. مسألة 61: لا تجب الزكاة في الماشية حتى تكون سائمة للدر والنسل، فإن

(1) الكافي 3: 559 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 2: 16 حديث 52 ن والتهذيب 4: 95 حديث 271 باختلاف يسير بألفاظها.
(2) قرب الاسناد 102، والكافي 3: 559 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 2: 26 حديث 51، والتهذيب 4: 95 حديث 272 باختلاف يسير بألفاظها أيضا.
(3) فتح العزيز 5: 520.
(4) فتاوى قاضيخان 1: 260، وفتح العزيز 5: 520.
(5) البقرة: 110.
(6) المائدة: 55.
(7) التوبة: 103.

[ 52 ]

كانت سائمة للانتفاع بظهرها وعملها فلا زكاة فيها، أو كانت معلوفة للدر والنسل فلا زكاة. وهو مذهب الشافعي، وبه قال في الصحابة علي عليه السلام، وجابر، ومعاذ، وفي الفقهاء الليث بن سعد والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه (1). وقال مالك: تجب في الغنم الزكاة سائمة كانت أو غير سائمة (2)، فاعتبر الجنس. قال أبو عبيد: وما علمت أحدا قال بهذا قبل مالك (3). وقال الثوري مثل قول أبي عبيد الحكاية. وقال داود: لا زكاة في معلوفة الغنم، فأما عوامل البقر والإبل ومعلوفتها الزكاة (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم، فإنهم لا يختلفون فيه. وأيضا الأصل براءة الذمة، وقد أجمعنا على أن ما اعتبرناه فيه الزكاة، وليس في الشرع دليل بوجوب الزكاة فيما ذكروه. وأيضا روى أنس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " في سائمة الغنم زكاة " (5) فدل على أن المعلوفة ليس فيها زكاة عند من قال بدليل الخطاب.

(1) المبسوط 2: 165، والمحلى 6: 45، والمجموع 5: 358، ومنهل العذب 9: 146، وعمدة القاري 9: 21 - 22.
(2) المدونة الكبرى 1: 313، ومقدمات ابن رشد 1: 244، وبداية المجتهد 1: 244، والمحلى 6: 45، وعمدة القاري 9: 21.
(3) حكى السبكي في المنهل العذب 9: 147 قول ابن عبد البر لفظه: لا أعلم أحدا قال بقول مالك والليث من فقهاء الأمصار.
(4) المحلى 6: 45، والبحر الزخار 3: 157، والمبسوط 2: 165.
(5) صحيح البخاري 2: 146، وسنن أبي داود 2: 96 و 98 حديث 1567 و 1570، وسنن النسائي 5: 21 و 29، والمستدرك على الصحيحين 1: 396، وسنن البيهقي 4: 85 - 86 و 100.

[ 53 ]

وروى عاصم بن ضمرة، عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ليس في العوامل شئ " (1). وروى ابن عباس قال، قال النبي صلى الله عليه وآله: " ليس في البقر العوامل شئ " (2) وروى عمر بن شعيب (3) عن أبيه (5) عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ليس في الإبل العوامل شئ " (5). وروى زرارة عن أبي جعفر أو عن أحدهما قال: ليس في شئ من الحيوان زكاة غير هذه الأصناف الثلاثة: الإبل والبقر والغنم وكل شئ من هذه الأصناف من الدواجن والعوامل ليس فيها شئ (6). مسألة 62: إذا كانت الماشية سائمة دهرها فإن فيها الزكاة، وإن كانت دهرها معلوفة أو عاملة لا زكاة فيها، وإن كانت البعض والبعض حكم للأغلب

(1) سنن أبي داود 2: 99 حديث 1572.
(2) سنن الدارقطني 2: 103 حديث 2، وحكاه السيوطي في الجامع الصغير 2: 459 حديث 7632 عن معجم الطبراني الكبير فلاحظ. (3) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، أبو إبراهيم، روى عن أبيه، وجل روايته عنه وعن طاووس وسليمان بن يسار وغيرهم وروى عنه عطاء وعمرو بن دينار والزهري مات سنة 118 ه‍. التاريخ الكبير 6: 342، وتهذيب التهذيب 8: 48، وشذرات الذهب 1: 155، ومرآة الجنان 1: 256.
(4) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، وقد ينسب إلى جده أيضا روى عن جده وابن عباس وابن عمر، وعنه ابنه عمرو وثابت البناني وعثمان بن حكيم وغيرهم. قال ابن حجر: وذكر البخاري وأبو داود وغيرهما أنه سمع عن جده، ولم يذكر أحد منهم أنه يروي عن أبيه محمد (إنتهى). فعليه يكون ما في المتن من كلمة " جده "، عائدة لشعيب لا لعمرو فلاحظ: التاريخ الكبير 4: 218، وتهذيب التهذيب 4: 356 و 5: 337.
(5) سنن الدارقطني 2: 103 حديث 1، وكنز العمال 6: 553 حديث 16913.
(6) التهذيب 4: 41 حديث 104، والاستبصار 2: 24 حديث 66.

[ 54 ]

والأكثر، وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: إذا كانت سائمة في بعض الحول، ومعلوفة في بعض الحول، سقطت الزكاة، فأما مقدار العلف، فإن فيه وجهين: أحدهما: أن يعلفها الزمان الذي لا يلزم فيه السوم. والآخر: الذي يثبت به حكم العلف أن ينوي العلف ويعلف، فإذا حصل الفعل والنية انقطع الحول وإن كان العلف بعض يوم (2). ومن أصحابه من قال بمذهب أبي حنيفة (3). دليلنا على ذلك: إن حكم السوم إذا كان معلوما فلا يجوز إسقاطه إلا بدليل، وليس على ما اعتبره الشافعي دليل في إسقاط حكم السوم به. مسألة 63: لا زكاة في شئ من الحيوان إلا في الإبل والبقر والغنم وجوبا، وقد روى أصحابنا أن في الخيل العتاق على كل فرس دينارين، وفي غير العتاق دينارا على وجه الاستحباب (4). وقال الشافعي: لا زكاة في شئ من الحيوان إلا في الثلاثة الأجناس. وبه قال مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد. وعامة الفقهاء قالوا: سواء كانت ذكورا، أو إناثا، أو سائمة، أو معلوفة وعلى كل حال (5). وقال أبو حنيفة: إن كانت الخيل ذكورا فلا زكاة فيها (6)، وإن كانت

(1) المبسوط 2: 166، وفتح العزيز في شرح الوجيز 5: 495.
(2) المجموع 5: 358، وكفاية الأخيار 1: 108.
(3) المجموع 5: 358، وفتح العزيز 5: 495، وكفاية الأخيار 1: 108، والبحر الزخار 3: 157.
(4) التهذيب 4: 67 حديث 183.
(5) الآثار (مخطوط): 46، والأم 2: 26، والمجموع 5: 337 و 339، والمغني لابن قدامة 2: 486، ومقدمات ابن رشد 1: 244، وكفاية الأخيار 1: 106 ومنهاج القويم: 173.
(6) المجموع 5: 339.

[ 55 ]

إناثا ففيه روايتان، أصحهما في الزكاة (1). وإن كانت ذكورا وإناثا ففيها الزكاة لا تختلف الرواية عنه. ولا يعتبر فيها النصاب، فإن ملك واحدا كان بالخيار بين أن يخرج عن كل فرس دينارا، وبين أن يقومه فيخرج ربع عشر قيمته كزكاة التجارة (2). دليلنا: إجماع الفرقة، فإن ما فصلنا مجمع عليه عندهم. وروى أبو يوسف، عن غورك السعدي (3)، عن جعفر بن محمد، عم أبيه، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " في كل فرس دينارا إذا كانت راعية " (4). وأيضا روى حريز عن محمد بن مسلم وزرارة عنهما جميعا قالا: وضع أمير المؤمنين عليه السلام على الخيل العتاق الراعية في كل فرس في كل عام دينارين، وجعل على البراذين دينارا (5). مسألة 64: من كان معه نصاب فبادل بغيره، لا يخلو أن يبادل بجنس مثله. مثل أن بادل إبلا بابل، أو بقرا ببقر أو غنما بغنم، أو ذهبا بذهب، أو فضة بفضة، فإنه لا ينقطع الحول ويبني.

(1) المغني لابن قدامة 2: 486.
(2) المجموع 5: 339، والمغني لابن قدامة 2: 486، وبداية المجتهد 1: 243.
(3) غورك بن الخضرم السعدي وقيل: بن أبي الحصرم، أبو عبد الله الحضرمي الكوفي، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. وذكره الزبيدي في تاج العروس وقال: " وغورك بن الحصرم الحصرمي السعدي روى عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام وعنه القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وكان أبو مسعود البجلي يقول هو من بني سعد، ومن قال إنه من سعد سمرقند فقد أخطأ ". انظر رجال الشيخ الطوسي: 269، ولسان الميزان 5: 421، وتنقيح المقال 2: 366.
(4) سنن الدارقطني 2: 125.
(5) الكافي 3: 530 حديث 1، والتهذيب 4: 67 حديث 183، والاستبصار 2: 12 حديث 34.

[ 56 ]

وإن كان بغيره مثل أن بادل إبلا بغنم، أو ذهبا بفضة، أو ما أشبه ذلك، انقطع حوله، واستأنف الحول في البدل الثاني، وبه قال مالك (1). وقال الشافعي: يستأنف الحول في جميع ذلك، وهو قوي (2). وقال أبو حنيفة: فيما عدا الأثمان بقول الشافعي وقولنا، وفي الأثمان إن بادل فضة بفضة، أو ذهبا بذهب بنى كما قلناه، ويجئ على قوله إن بادل ذهبا بفضة أن يبني (3). دليلنا: إجماع الفرقة على أنه لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، وإذا بادل لم يحل عليه الحول، وهذا يقوي ما قلناه من مذهب الشافعي. وأما ما اعتبره من الذهب والفضة، إذا بادل شيئا منهما بمثله خصصناه بقوله عليه السلام: " في الرقة ربع العشر " (4) وما يجري مجراه من الأخبار المتضمنة لوجوب الزكاة في الأجناس، ولم يفصل بين ما يكون بدلا من غيره أو غير بدل. مسألة 65: يكره للانسان أن ينقص نصاب ماله قبل حول الحول فرارا من الزكاة، فإن فعل وحال عليه الحول وهو أقل من النصاب فلا زكاة عليه. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي (5). وقال بعض التابعين: لا ينفعه الفرار منها، فإذا حال عليه الحول وليس معه نصاب أخذت الزكاة منه، وبه قال مالك (6).

(1) المدونة الكبرى 1: 321، ومقدمات ابن رشد 1: 249، والنتف 1: 176، وفتح العزير 5: 490.
(2) الأم 2: 24، والمجموع 5: 361، وفتح العزيز 5: 490.
(3) النتف في الفتاوى 1: 176، والمبسوط 2: 166، وفتح العزيز 5: 490.
(4) مسند أحمد بن حنبل 1: 12 وفيه: " في الرقة ربع العشور ".
(5) النتف في الفتاوى 1: 176، والمبسوط 2: 166، ومختصر المزني: 46، والمجموع 5: 468.
(6) مقدمات ابن رشد: 235، وبداية المجتهد 1: 264، والمجموع 5: 468، وفتح العزيز 5: 492.

[ 57 ]

دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (1) وهذا لم يحل عليه الحول. مسألة 66: إذا كان معه نصاب من جنس واحد، ففرقه في أجناس مختلفة فرارا من الزكاة، لزمته الزكاة إذا حال عليه الحول، على أشهر الروايات. وقد روي أن ما أدخله على نفسه أكثر. وقال الفقهاء في هذه المسألة مثل ما قالوه في مسألة التنقيص سواء (2). دليلنا على هذه الرواية: ما رواه إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير أعليه زكاة؟ قال: إن كان فر بها من الزكاة فعليه الزكاة. قلت: لم يفر بها. ورث مائة درهم وعشرة دنانير؟ قال: ليس عليه زكاة قلت: لا يكسر الدراهم على الدنانير، ولا الدنانير على الدراهم؟ قال: لا (3). مسألة 67: إذا أصدق المرأة أربعين (4) شاة بأعيانها، ملكتها بالعقد، وجرت في الحول من حين ملكتها، سواء كان قبل القبض أو بعده. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: لا تجري في حول الزكاة قبل القبض (6).

(1) سنن ابن ماجة 1: 571 حديث 1792، وموطأ مالك 1: 17 حديث 4، وسنن الترمذي 3: 25 حديث 631، وسنن أبي داود 2: 100 ذيل حديث 1573، ومسند أحمد بن حنبل 1: 148، وسنن البيهقي 4: 95.
(2) المبسوط 2: 166، النتف في الفتاوي 1: 176، والمجموع 5: 364 و 368، وفتح العزيز 5: 492.
(3) التهذيب 4: 94 حديث 270، والاستبصار 2: 40 حديث 122.
(4) في جميع النسخ المعتمدة والمطبوعة " عشرين " بدل أربعين والصواب ما أثبتناه لأنه حد النصاب في الغنم، كما وإن المسألة طرحت في الكتب الفقهية كما أثبتناها.
(5) الأم 2: 25، ومختصر المزني 46، والمجموع 6: 30.
(6) المبسوط 2: 168 و 184.

[ 58 ]

دليلنا: قوله صلى الله عليه وآله: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (1) وهذا قد حال عليه الحول، فوجب أن يكون فيه زكاة. مسألة 68: إذا رهن جارية أو شاة، فحملتا بعد الرهن، كان الحمل خارجا عن الرهن، وكذلك لو رهن نخلة فأثمرت. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: نماء الرهن يكون رهنا مثل الرهن (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإذا ثبت ذلك كانت الزكاة لازمة له. مسألة 69: لا زكاة في شئ من الغلات حتى تبلغ خمسة أوسق، والوسق: ستون صاعا، يكون ثلاثمائة صاع، كل صاع أربعة أمداد، يكون ألفا ومائتي مد، والمد رطلان وربع بالعراقي، يكون ألفين وسبعمائة رطل. فإن نقص عن ذلك فلا زكاة فيه، وبه قال الشافعي، إلا أنه خالف في وزن المد والصاع، فجعل وزن كل مد رطلا وثلثا، يكون على هذه ألفا وستمائة رطل بالبغدادي. وبه قال ابن عمر، وجابر، ومالك والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري وأبو يوسف ومحمد (4). وقال أبو حنيفة: لا يعتبر فيه النصاب، بل يجب في قليله وكثيره حتى لو حملت النخلة رطبة واحدة كان فيها عشرها (5). دليلنا: إجماع الطائفة، وأيضا الأصل براءة الذمة، ولا خلاف أن ما قلناه تجب فيه الزكاة، وليس على قول من قال في قليله وكثيره الزكاة دليل.

(1) انظر ما تقدم في مسألة " 64 ".
(2) الأم 2: 26، ومختصر المزني: 46، والمغني لابن قدامة 4: 471، وبداية المجتهد 2: 272.
(3) اللباب 2: 11، والمغني لابن قدامة 4: 471، وبداية المجتهد 2: 272.
(4) الآثار (مخطوط): 46 - 47، وبدائع الصنائع 2: 59، والوجيز 1: 90، والمجموع 5: 458، وبداية المجتهد 1: 256، ورسالة المقادير الشرعية: 21.
(5) الآثار (مخطوط): 46، وشرح فتح القدير 2: 3، وبدائع الصنائع 2: 59، وبداية المجتهد 1: 257، والمجموع 5: 458.

[ 59 ]

وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة " (1). وروى أبو الزبير (2) عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا زكاة في شئ من الحرث حتى يبلغ خمسة أوسق، فإذا بلغ خمسة أوسق ففيه الصدقة والوسق ستون صاعا " (3). وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وآله " ما سقت السماء ففيه العشر وما سقي بنضح أو غرب ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق " (4). مسألة 70: الصاع أربعة أمداد، والمد رطلان وربع بالعراقي. وقال أبو حنيفة: المد، رطلان (5). وقال الشافعي: رطل وثلث (6). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن ما اعتبرناه مجمع على تعلق الزكاة به، وإذا نقص عنه ففيه خلاف. مسألة 71: إذا نقص عن النصاب شئ، قل ذلك أو أكثر، لم تجب فيه الزكاة، وهو المختار لأصحاب الشافعي وقالوا: لو نقص أوقية لم تجب فيه الزكاة.

(1) صحيح البخاري 2: 147، وسنن ابن ماجة 1: 571 حديث 1793، وموطأ مالك 1: 274 حديث 36، وسنن النسائي 5: 36 و 39 و 40.
(2) أبو الزبير، محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي المكي، مولاهم، روى عن العبادلة الأربعة وعائشة وجابر وسعيد وغيرهم وروى عنه عطاء والزهري وأبو أيوب وغيرهم. تهذيب التهذيب 9: 440.
(3) سنن الدارقطني 2: 98 حديث 16، وكنز العمال 6: 326 حديث 15874.
(4) سنن البيهقي 4: 121، والمستدرك على الصحيحين 1: 395، وسنن أبي داود 2: 108 حديث 1597 باختلاف يسير باللفظ.
(5) بدائع الصنائع 2: 73، ورسالة في تحرير المقادير الشرعية: 6، وبداية المجتهد 1: 257.
(6) المنهاج القويم: 339، وكفاية الأخيار 1: 115، ورسالة في تحرير المقادير الشرعية: 21.

[ 60 ]

وفيه قول آخر وهو أن ذلك على التقريب، فإن نقص رطل أو رطلان وجب فيه الزكاة (1). دليلنا: إن النبي صلى الله عليه وآله جعل النصاب حدا، فلو أوجبنا الزكاة فيما نقص، لأبطلنا الحد. ولأن ما ذكرناه مجمع على وجوب الزكاة فيه، وما نقص عنه ليس عليه دليل. مسألة 72: النصاب من الغلات إذا كان بين خليطين لا تجب فيه الزكاة، وبه قال أبو حنيفة (2). وللشافعي فيه قولان، أحدهما: تجب، والآخر: لا تجب (3). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن الأصل براءة الذمة، فمن أوجب عليها شيئا فعليه الدلالة. مسألة 73: يجوز الخرص على أرباب الغلات، وتضمينهم حصة المساكين. وبه قال الشافعي، وعطاء، والزهري، ومالك، وأبو ثور وذكروا أنه إجماع الصحابة (1). وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يجوز الخرص في الشرع، وهو من الرجم بالغيب، وتخمين لا يسوغ العمل به، ولا تضمين الزكاة هذا ما حكاه المتقدمون من أصحاب الشافعي عنه. وأصحابه اليوم ينكرون ويقولون الخرص جائز ولكن إذا اتهم رب المال في الزكاة خرص عليه، وتركها في يده بالخرص، فإن كان على ما خرص فذلك، وإن اختلفا فادعى رب المال النقصان، فإن كان ما يذكره قريبا قبل منه، وإن

(1) المجموع 5: 457 - 458.
(2) فتح العزيز 5: 391، وبداية المجتهد 1: 249.
(3) المجموع 5: 450. (4) المدونة الكبرى 1: 339، وفتح الباري 3: 270، وعمدة القاري 9: 67 - 68، وبداية المجتهد 1: 258، ونيل الأوطار 2: 206، والبحر الزخار 3: 171 - 172، وسبل السلام 2: 613.

[ 61 ]

كان تفاوت لم يقبل منه (1). وأما تضمين الزكاة، فلم يجيزوه أصلا. دليلنا: إجماع الفرقة: وفعل النبي صلى الله عليه وآله بأهل خيبر، وكان يبعث في كل سند عبد الله بن رواحة (2) حتى يخرص عليهم (3). وروت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يبعث عبد الله ابن رواحة خارصا إلى خيبر (4) فأخبرت عن دوام فعله. وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتاب (5) أن النبي صلى الله عليه وآله قال في الكرم: " يخرص كما يخرص النخل، ثم تؤدى زكاته زبيبا، كما تؤدى زكاة النخل تمرا " (6) مسألة 74: لا تجب الزكاة في شئ مما يخرج من الأرض إلا في الأجناس

(1) عمدة القاري 9: 68، وبداية المجتهد 2: 258، ونيل الأوطار 2: 206، والبحر الزخار 3: 171، وسبل السلام 2: 613.
(2) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي أبو محمد وقيل: أبو رواحة أحد النقباء قتل في معركة مؤتة وكان أميرا فيها سنة 8 هجرية روى عن النبي صلى الله عليه وآله وبلال وروى عنه أبو هريرة وابن عباس وأنس وغيرهم. تهذيب التهذيب 5: 212، وأسد الغابة 3: 156، والإصابة 2: 298، وشذرات الذهب 1: 12.
(3) سنن ابن ماجه 1: 582 حديث 1820، وموطأ مالك 2: 703 حديث 1 و 2، وسنن أبي داود 3: 364 حديث 3414 و 3415، ومسند أحمد بن حنبل 2: 24، وسنن الدارقطني 2: 133 حديث 2 3 و 25 وسنن البيهقي 4: 122.
(4) سنن أبي داود 2: 110 حديث 1606 و 3: 263 حديث 3413.
(5) كتاب بن أسيد بن أبي العيص الأموي، أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد المكي، ولاه النبي صلى الله عليه وآله مكة عام الفتح عند خروجه إلى حنين، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعنه روى سعيد بن المسيب وعطاء وعبيد الله، كان حيا سنة 22 ه‍. انظر تهذيب التهذيب 7: 89، والإصابة 2: 44، وشذرات الذهب 1: 26.
(6) سنن أبي داود 2: 110 حديث 1603، وسنن الترمذي 3: 36 حديث 644، وسنن الدارقطني 2: 133 حديث 16 و 20، وسنن ابن ماجة 1: 582 حديث 1819، وسنن البيهقي 4: 121 - 122.

[ 62 ]

الأربعة: التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير. وقال الشافعي: لا تجب الزكاة إلا فيما أنبته الآدميون ويقتات حال الادخار، وهو البر، والشعير، والدخن، والذرة، والباقلاء، والحمص، والعدس (1). وما ينبت من قبل نفسه كبذر قطونا ونحوه، أو أنبته الآدميون لكنه لا يقتات كالخضروات كلها القثاء، والبطيخ، والخيار، والبقول لا زكاة فيه. وما يقتات مما لا ينبته الآدميون مثل البلوط لا زكاة فيه. والثمار فلا يختلف قوله في العنب، والرطب (2). اختلف قوله في الزيتون فقال في (القديم): فيه الزكاة، وقال في (الجديد): لا زكاة فيه (3). ولا على البقول في الورس، والزعفران وبه قال مالك، والثوري، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد لكن محمدا قال: ليس في الورس زكاة (4). وقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد: كل نبت يسقى بماء الأرض فيه العشر، سواء كان قوتا أو غير قوت (5). فأوجب في الخضروات العشر، وفي البقول كلها، وفي كل الثمار (6).

(1) الأم 2: 34، والمجموع 5: 493، وكفاية الأخيار 1: 108، وسبل السلام 2: 610، وفتح الباري 3: 273، والمنهاج القويم: 338.
(2) المجموع 5: 454، والمنهاج القويم: 338.
(3) المجموع 5: 454، والوجيز 1: 90، وبداية المجتهد 1: 245، وكفاية الأخيار 1: 109.
(4) الأم 2: 38، والمجموع 5: 455، والوجيز 1: 90، والمدونة الكبرى 1: 294، وبداية المجتهد 1: 245، والمنهاج القويم: 339.
(5) اللباب 1: 150، والنتف في الفتاوى 1: 184، والمجموع 5: 456، والمغني لابن قدامة 2: 549، والمنهل العذب 5: 199.
(6) المبسوط 3: 2، والفتاوى الهندية 1: 184، وبدائع الصنائع 2: 53، وأحكام القرآن للجصاص 3: 9 و 12، وفتاوى قاضيخان 1: 274، والمجموع 5: 494 والمغني لابن قدامة 2: 549.

[ 63 ]

وقال: الذي لا تجب فيه الزكاة القصب الفارسي، والحشيش، والحطب، والسعف، والتبن (1). وقال في الريحان: العشر (2). وقال في حب الحنظل النابت في البرية: لا عشر فيه، لأنه لا مالك له. وهذا يدل على أنه لو كان له مالك لكان في العشر. دليلنا: إجماع الفرقة: وأيضا الأصل براءة الذمة، وما ذكرناه مجمع على وجوب الزكاة فيه، وما ذكروه ليس على وجوبه فيه دليل. وروى علي عليه السلام، وطلحة بن عبيد الله (3)، وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " ليس في الخضروات صدقة " (4). وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ليس فيما أنبت الأرض من الخضر زكاة " (5). وروى معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر يكون وإنما ذلك

(1) الفتاوى الهندية 1: 186، والنتف في الفتاوى 1: 184، واللباب 1: 50، والمبسوط 3: 2، والمجموع 5: 456، والمنهل العذب 5: 199، وبداية المجتهد 1: 245، والمغني لابن قدامة 2: 549، وأحكام القرآن للجصاص 3: 9 و 12.
(2) المبسوط 3: 2، وفتاوى قاضيخان 1: 276.
(3) أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان القرشي المدني، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه أولاده محمد وموسى، والسائب بن يزيد، وجابر بن عبد الله الأنصاري، كان في قتال أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل وكان أول قتيل رماه صاحبه مروان بن الحكم بسهم فأصاب ركبته ومات منه، وكان ذلك سنة 36. الإصابة 2: 220، وأسد الغابة 3: 59، وتهذيب التهذيب 5: 20، وشذرات الذهب 1: 43.
(4) سنن الدارقطني 2: 94 حديث 1 و 69 حديث 4 و 6، والمصنف لعبد الرزاق بن همام 4: 120 حديث 7188.
(5) سنن البيهقي 4: 130، وسنن الدارقطني 2: 95 حديث 2.

[ 64 ]

في التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطيخ والرمان والخضر فعفي عنها رسول الله صلى الله عليه وآله (1). مسألة 75: لا زكاة في الزيتون، وبه قال الشافعي في " الجديد "، وإليه ذهب ابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي (2). وقال في " القديم ": فيه الزكاة، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد (3)، لكنهما خالفا أبا حنيفة في الخضروات (4). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 76: لا زكاة في العسل، وبه قال الشافعي، وبه قال عمرو بن عبد العزيز (5). وقال أبو حنيفة: إن كان في أرض الخراج فلا شئ فيه، وإن كان في غير أرضه فيه العشر (6).

(1) سنن البيهقي 4: 129، وسنن الدارقطني 2: 97 حديث 9، والمستدرك على الصحيحين 1: 401، وكنز العمال 6: 327 حديث 15879.
(2) المجموع 5: 454 و 456، وكفاية الأخيار 1: 109، وبداية المجتهد 1: 245، والمغني لابن قدامة 2: 572 وفتح العزيز 5: 562.
(3) المجموع 5: 454 و 456، وبداية المجتهد 1: 245، وأحكام القرآن للجصاص 3: 11، وفتح العزيز 5: 562، والمنهاج القويم: 339، والمنهل العذب 9: 200 - 201.
(4) المبسوط 3: 2، واللباب 1: 152، وبدائع الصنائع 1: 59، والمجموع 5: 456، والمحلى 5: 211، والبحر الزخار 3: 169.
(5) الأم 2: 39، والمجموع 5: 455، والوجيز 1: 90، وفتح العزيز 5: 563، وأحكام القرآن للجصاص 3: 154، والمغني لابن قدامة 2: 572، وفتح الباري 3: 271، وشرح فتح القدير 2: 6.
(6) أحكام القرآن للجصاص 3: 154، والمبسوط 2: 215، واللباب 1: 153، والهداية 1: 110، وشرح فتح القدير 2: 5، وفتح الباري 3: 271، وتبين الحقائق 1: 291، والمغني لابن قدامة 2: 573، والمجموع 5: 456، وفتح العزيز 5: 563.

[ 65 ]

وقال أبو يوسف: فيه العشر، وفي كل عشر قرب قربة، هذا حكاية أبي حامد (1). وحكى غيره قال: رأيته في كتبهم في كل عشرة أرطال (2). دليلنا: ما قدمناه في المسائل الأولى سواء. مسألة 77: الحنطة والشعير جنسان لا يضم أحدهما إلى صاحبه، فإذا بلغ كل واحد منهما نصابا - وهو خمسة أوسق - ففيه الزكاة، وإن نقص عن ذلك لم يكن في شئ. وأما السلت - فهو نوع من الشعير يقال: إنه بلون الحنطة، وطعمه طعم الشعير بارد، مثله فإذا كان كذلك - ضم إليه، وحكم فيه بحكمة. وأما ما عداه من سائر الحبوب فلا زكاة فيه. وقال الشافعي: كلما يقتات ويدخر، مثل الحنطة، والشعير، والسلت، والذرة، والدخن، والجاروس، وكذلك القطان كلها وهي الحمص، والعدس، والذخر وهو اللوبيا، والفول وهو الباقلاء، والأرز، والماش، والهرطمان وهو الحلبان كل هذا فيه الزكاة، ولا يضم بعضها إلى بعض. واعتبر النصاب خمسة أوسق كما قلناه، وإن خالفنا في المقدار على ما حكيناه عنه، وجعل السلت جنسا منفردا لم يضمه إلى الشعير (3). قال: ولا زكاة في العث - وقيل: إنه بزر الأشنان، ذكر ذلك المزني (4)،

(1) انظر أحكام القرآن للجصاص 3: 13، والمبسوط 3: 16، والهداية 1: 10.
(2) أحكام القرآن للجصاص 3: 13، والمبسوط 3: 16.
(3) الأم 2: 34، وكفاية الأخيار 1: 108، والمجموع 5: 505، وفتح العزيز 5: 560، وفتح الوهاب بشرح منهج الطلاب 1: 106 - 107، والأحكام السلطانية للفراء الحنبلي: 122، والأحكام السلطانية للماوردي: 118، والسراج الوهاج: 121، وفتح المعين: 49، والمنهاج القويم: 338.
(4) المجموع 5: 498، وفتح العزيز 5: 564.

[ 66 ]

وقال غيره: هو حب أسود يقشر يأكله أعراب طي (1) - ولا حب الحنظل، ولا حب شجرة توته - وهو البلوط -، وحبة الخضراء، ولا في حب الرشاد - وهو الثفاء - ولا بزر قطونا، ولا حبوب البقول، ولا بزر قثاء والبطيخ، ولا بزر كتان، ولا بزر الجزر، ولا حب الفجل، ولا في الجلجان - وهو السمسم -، ولا في الترمس لأنه أدم، ولا في بزور القدر مثل الكزبرة، والكمون، والكراويا، ودار صيني، والثوم، والبصل (2). وقال أبو حنيفة: الزكاة واجبة في جميع ذلك، ولم يعتبر النصاب (3). وقال مالك الحنطة والشعير صنف واحد، والقطنية كلها صنف واحد، فإذا بلغ خمسة أوسق ففيها الزكاة (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فما ذكرناه لا خلاف في وجوب الزكاة فيه: وما قالوه ليس عليه دليل، والأصل براءة الذمة. وأما الدليل على أن الحنطة والشعير جنسان، فما رواه عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، ولا الحنطة بالحنطة، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بالسواء عينا بعين، يدا بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والحنطة بالشعير، والشعير بالحنطة، والتمر، والتمر بالملح، والملح بالتمر

(1) قال النووي في المجموع 5: 498: ولا تجب الزكاة فيه بالعث، وبه مثله الشافعي، قال المزني وغيره هو حب الغاسول وهو الأشنان وقال الآخرون هو حب أسود يابس يدفن حتى يلين قشره ثم يزال قشره ويطحن ويخبز ويقتاته أعراب طي.
(2) الأم 2: 35، والمجموع 5: 498، وكفاية الأخيار 1: 108، وفتح الوهاب بشرح منهج الطلاب 1: 107، والأحكام السلطانية للفراء الحنبلي: 122، والأحكام السلطانية للماوردي: 118.
(3) المبسوط 3: 3، وفتاوى قاضيخان 1: 276، والهداية 1: 109 - 110، وشرح فتح القدير 2: 3، وبداية المجتهد 1: 257، وفتح العزيز 5: 567.
(4) المبسوط 3: 3، وبداية المجتهد 1: 257، والمدونة الكبرى 1: 348، والمجموع 5: 513.

[ 67 ]

يدا بيد كيف شئتم " (1). فلو كان الشعير من جنس الحنطة، لما جاز بيعه متفاضلا. مسألة 78: كل مؤنة تلحق الغلات إلى وقت إخراج الزكاة على رب المال، وبه قال جميع الفقهاء (2)، إلا عطاء، فإنه قال: المؤنة على رب المال والمساكين بالحصة (3). دليلنا: قوله عليه السلام: " فيما سقت السماء العشر " (4) " أو نصف العشر " فلو ألزمناه المؤنة لبقي أقل من العشر أو نصف العشر. مسألة 79: إذا سقي الأرض سيحا وغير سيح معا، فإن كانا نصفين، أخذ نصفين، وإن كانا متفاضلين، غلب الأكثر. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، والآخر بحسابه (5). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 80: كل أرض فتحت عنوة بالسيف فهي أرض لجميع المسلمين المقاتلة وغيرهم، وللإمام الناظر فيها تقبيلها ممن يراه بما يراه من نصف أو ثلث،

(1) سنن النسائي 7: 274، ومسند أحمد بن حنبل 5: 320، وفيه أيضا ص 314، وسنن ابن ماجة 2: 757 حديث 2254، وصحيح مسلم 3: 1210 حديث 80 و 81 باختلاف يسير لا يضر بالمعنى فلاحظ.
(2) المجموع 5: 467 و 578، وفتح العزيز 5: 586، والمغني لابن قدامة 2: 570.
(3) المجموع 5: 467.
(4) الكافي 3: 512 قطعة من حديث 1 و 2، و 513 حديث 3، و 514 حديث 6، والتهذيب 4: 13 قطعة من حديث 34 و 36، والاستبصار 2: 14 قطعة من حديث 40 و 42، وصحيح البخاري 2: 155، وسنن الترمذي 3: 30 حديث 639 و 630، وصحيح مسلم 2: 675 حديث 7، وموطأ مالك 1: 270 حديث 33، ومسند أحمد بن حنبل 1: 145 و 3: 341 و 353، وسنن الدارقطني 2: 129 حديث 5 و 10، وسنن ابن ماجة 1: 580، وسنن أبي داود 2: 108 حديث 1596 و 1597. (5) الأم 2: 38، والمجموع 5: 463، ومختصر المزني: 48، والمغني لابن قدامة 2: 557.

[ 68 ]

وعلى المتقبل بعد إخراج حق القبالة، العشر أو نصف العشر، فيما يفضل في يده وبلغ خمسة أوسق. وقال الشافعي: الخراج والعشر يجتمعان في أرض واحدة، يكون الخراج في رقبتها والعشر في غلتها (1) - قال: وأرض الخراج سواد العراق وحده من تخوم الموصل إلى عبادان طولا، ومن القادسية إلى حلوان عرضا - وبه قال الزهري، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأحمد وإسحاق (2). وقال أبو حنيفة وأصحابه: العشر والخراج لا يتجمعان، بل يسقط العشر، ويثبت الخراج (3). قال أبو حامد وظاهر هذا أن المسألة وفاق، وذلك أن الإمام إذا فتح أرضا عنوة فعليه أن يقسمها عندنا بين الغانمين، ولا يجوز أن يقرها على ملك المشركين. ولا خلاف أن عمر فتح السواد عنوة، ثم اختلفوا فيما صنع، فعندنا أنه قسمها بين الغانمين، فاستغلوها سنتين أو ثلاثا، ثم رأى أنه إن أقرهم على القسمة تشاغلوا بالعمارة عن الجهاد وتعطل الجهاد، وإن تشاغلوا بالجهاد خرب السواد، فرأى المصلحة في نقض القسمة، فاستنزل المسلمين عنها، فمنهم من ترك حقه بعوض، ومنهم من تركه بغير عوض. فلما حصلت الأرض لبيت المال - فعند الشافعي أنه - وقفها على المسلمين، ثم أجرها منهم بقدر معلوم، أخذ منهم في كل سنة عن كل جريب من الكرم

(1) المجموع 5: 543، والشرح الكبير لابن قدامة 2: 576، والمبسوط 2: 207.
(2) المجموع 5: 544، والشرح الكبير لابن قدامة 2: 576.
(3) النتف 1: 185، والمبسوط 2: 207، وشرح فتح القدير 2: 200، والمجموع 5: 545، وفتح العزيز 5: 566، والمغني لابن قدامة 2: 587.

[ 69 ]

عشرة دراهم، ومن النخل ثمانية دراهم، ومن الرطبة ستة، ومن الحنطة أربعة دراهم، ومن الشعير درهمان، فأرض السواد عنده وقف لا تباع ولا توهب ولا تورث (1). وقال أبو العباس: ما وقفها ولكنه باعها من المسلمين بثمن معلوم يجب في كل سنة عن كل جريب (2). وهو ما قلناه، فالواجب فيها في كل سنة ثمن أو أجرة، وأيهما كان فإن العشر يجتمع معه بلا خلاف، فإن العشر والأجرة يجتمعان، وكذلك الثمن والعشر يجتمعان، فعلى مقتضى مذهبنا لا خلاف بيننا وبينهم فيها. وأما مذهب أبي حنيفة، فإن الإمام إذا فتح أرضا عنوة فعلية قسمة ما ينقل ويحول كقولنا. وأما الأرض، فهو بالخيار بين ثلاثة أشياء: بين أن يقسمها بين الغانمين، أو يقفها على المسلمين، وبين أن يقرها في يد أهلها المشركين ويضرب عليهم الجزية بقدر ما يجب على رؤوسهم. فإذا فعل هذا تعلق الخراج بها إلى يوم القيامة، ولا يجب العشر في غلتها إلى يوم القيامة، فمتى أسلم واحد منهم أخذت تلك الجزية منه باسم الخراج، ولا يجب العشر في غلتها، وهو الذي فعله في سواد العراق. فعلى تفصيل مذهبهم لا يجتمع العشر والخراج إجماعا، لأنه إذا أسلم واحد منهم سقط الخراج عندنا، ووجب العشر في غلتها. وعندهم استقر الخراج في رقبتها، وسقط العشر من غلتها. فلا يجتمع العشر والخراج أبدا على هذا. وأصحابنا اعتقدوا أن أبا حنيفة يقول: إن العشر والخراج الذي هو الثمن أو الأجرة لا يجتمعان، وتكلموا عليه.

(1) الأم 4: 180 و 280، والمجموع 15: 321، وفتح العزيز 5: 566 - 567.
(2) فتح العزيز 5: 566 وفيه إشارة إلى قول ابن سريج من دون تفصيل.

[ 70 ]

واعتقد أصحاب أبي حنيفة إنا نقول: إن العشر والخراج الذي هو الجزية يجتمعان، فتكلموا عليه. وقد بينا الغلط فيه. وعاد الكلام في غير ظاهر المسألة إلى فصلين: أحدهما: إذا فتح أرضا عنوة بالسيف ما الذي يصنع؟ عندنا تقسم، وعندهم بالخيار (1). والثاني: إذا ضرب عليهم هذه الجزية، هل تسقط بالاسلام أم لا دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار التي أوردناها في كتاب تهذيب الأحكام مفصلة مشروحة (2). وروى محمد بن علي الحلبي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن السواد ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد. قلنا: أيشتري من الدهاقين؟ قال: لا يصلح إلا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين، فإذا شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها. قلنا: فإذا أخذها منهم، قال: نعم يرد عليه رأس ماله، وله ما أكل من غلتها بما عمل (3). وروى أبو الربيع الشامي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تشتروا

(1) انظر الأحكام السلطانية للماوردي: 147، وخراج أبي يوسف: 68.
(2) التهذيب 4: 118 باب 34 الخراج وعمارة الأرضين، وانظر الكافي 3: 512 باب أقل ما يجب فيه الزكاة من الحرث الحديث الثاني.
(3) التهذيب 7: 147 حديث 652، والاستبصار 3: 109 حديث 384.
(4) أبو الربيع خليد وقيل: خالد بن أوفى الشامي العنزي من أصحاب الإمام الباقر والصادق عليهما السلام، له كتاب رواه عنه ابن مسكان وخالد بن جرير. انظر رجال الشيخ الطوسي: 120، والفهرست: 186، ورجال النجاشي: 117، وتنقيح المقال: 1: 386.

[ 71 ]

من أرض السواد شيئا إلا من كان له ذمة، فإنما هي فئ للمسلمين (1). مسألة 81: إذا أخذ العشر من الثمار والحبوب مرة، لم يتكرر وجوبه فيما بعد ذلك، ولو حال عليه أحوال، وبه قال جميع الفقهاء (2). وقال الحسن البصري: كلما حال عليه الحول، وعنده نصاب منه، ففيه العشر (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة وعدم الزكاة، وإنما أوجبنا في أول دفعة إجماعا، وتكراره يحتاج إلى دلالة، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 82: إذا كانت له نخيل، وعليه بقيمتها دين، ثم مات قبل قضاء الدين، لم ينتقل النخيل إلى الورثة، بل تكون باقية على حكم ملكه حتى يقضي دينه. ومتى بدا صلاح الثمرة في حياته فقد وجب في هذه المثمرة حق الزكاة وحق الديان، وإن بدا صلاحها بعد موته لا يتعلق به حق الزكاة، لأن الوجوب قد سقط عن الميت بموته، ولم يحصل به للورثة، فتجب فيه الزكاة عليهم، وبه قال أبو سعيد الاصطخري من أصحاب الشافعي (4). وقال الباقون من أصحابه: إن النخيل تنقل إلى ملك الورثة، ويتعلق الدين بها كما يتعلق بالرهن. وقالوا: إن بدا صلاحها قبل موته فقد تعلق به حق الدين والزكاة، وإن بدا صلاحها بهد موته كانت الثمرة للورثة، ووجب عليهم فيه الزكاة، ولا يتعلق به الدين (5).

(1) الفقيه 3: 152 حديث 667، والتهذيب 7: 147 حديث 653، والاستبصار 3: 109 حديث 385.
(2) المجموع 5: 568، والمغني لابن قدامة 2: 560 (3) المجموع 5: 568.
(4) المجموع 16: 49 و 52.
(5) قال النووي في المجموع 16: 49 " وذهب سائر أصحابنا إلى أنه ينتقل إلى الورثة، فإن حدثت منها فوائد لم يتعلق بها حق الغرماء، وهو المذهب ".

[ 72 ]

دليلنا: قوله تعالى لما ذكر الفرائض ومن يستحق التركة قال في آخر الآية: " من بعد وصيته يوصي بها أو دين " (1) فبين أن الفرائض إنما تستحق بعد الوصية والدين، فمن أثبته قبل الدين فقد ترك الظاهر. مسألة 83: إذا كان للمكاتب ثمار وزروع، فإن كان مشروطا عليه، أو مطلقا ولم يؤد من مكاتبته شيئا، فإنه لا يتعلق به العشر. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: فيه العشر (3). وإن كان المكاتب مطلقا وقد أدى بعض مكاتبته، فإنه يلزمه بمقدار ما تحرر منه من ماله الزكاة إذا بلغ مقدارا تجب فيه الزكاة. وهذا التفصيل لم يراعه أحد من الفقهاء بل قولهم في المكاتب على كل حال ما قلناه. دليلنا: على الأول أن الزكاة لا تجب إلا على الأحرار، فأما المماليك فلا تجب عليهم الزكاة. وأيضا الأصل براءة الذمة، وليس في الشرع أن هذا المال فيه الزكاة. وأيضا لا خلاف أن مال المكاتب لا زكاة فيه، وإنما يقول أبو حنيفة: إن هذا عشر ليس بزكاة، والعشر زكاة بدلالة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله رواه عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وآله قال في الكرم: " يخرص كما يخرص النخل فتؤدى زكاته زبيبا كما تؤدى زكاة النخل تمرا " (4). وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا زكاة في شئ من

(1) النساء: 12.
(2) الأم 2: 27، والمجموع 5: 330، وفتح العزيز 5: 519.
(3) المجموع 5: 330، وفتح العزيز 5: 519.
(4) انظر ما رواه عتاب في سنن الدارقطني 2: 133، وسنن أبي داود 2: 110 حديث 1603، وسنن البيهقي 4: 122، وسنن الترمذي 3: 36 حديث 644.

[ 73 ]

الحرث حتى يبلغ خمسة أوسق فإذا بلغ خمسة أوساق ففيه الزكاة " (1). وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ليس فيما دون خمسة أوساق من التمر صدقة " (2) وهذه نصوص على أن العشر زكاة مسألة 84: إذا استأجر أرضا من غير أرض الخراج، كان العشر على مالك الزرع دون مالك الأرض. وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد (3). وقال أبو حنيفة: تجب على مالك الأرض دون مالك الزرع (4). دليلنا: قوله عليه السلام: " فيما سقطت السماء العشر " (5) فأوجب الزكاة في نفس الزرع، وإذا كان مالكه المستأجر وجب عليه فيه الزكاة، ومالك الأرض إنما يأخذ الأجرة، والأجرة لا تجب فيها الزكاة بلا خلاف. مسألة 85: إذا اشترى الذمي أرضا عشرية وجب عليه فيها الخمس، وبه قال أبو يوسف، فإنه قال: عليه فيها عشران (6). وقال محمد: عليه عشر واحد (7). وقال أبو حنيفة: تنقلب خراجية (8).

(1) سنن الدارقطني 2: 98 حديث 16.
(2) صحيح مسلم 2: 674 حديث 4، وسنن الدارقطني 2: 93 حديث 5، وسنن النسائي 5: 36، وسنن البيهقي 4: 120.
(3) المجموع 5: 562، والمبسوط 3: 5، والمغني لابن قدامة 2: 589.
(4) المبسوط 3: 5، والمجموع 5: 562، والمغني لابن قدامة 2: 589.
(5) مقطع من حديث طويل رواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 512 حديث 1، والمصنف في التهذيب 4: 38 حديث 96، والاستبصار 2: 26 حديث 73، مع تقديم وتأخير.
(6) النتف 1: 185، والهداية 1: 111، وشرح فتح القدير 2: 12، والمجموع 5: 560، وتبيين الحقائق 1: 294.
(7) النتف 1: 185، والهداية 1: 111، وشرح فتح القدير 2: 12، والمجموع 5: 560 - 561، وتبين الحقائق 1: 294.
(8) النتف 1: 185، والهداية 1: 111، وشرح فتح القدير 2: 12، والمجموع 5: 560، وتبيين الحقائق 1: 294، والمغني لابن قدامة 2: 590.

[ 74 ]

وقال الشافعي: لا عشر عليه ولا خراج (1). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في هذه المسألة، وهي مسطورة لهم، منصوص عليها. روى ذلك أبو عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: أيما ذمي اشتري من مسلم أرضا فإن عليه الخمس (2). مسألة 86: إذا باع تغلبي - وهم نصارى العرب - أرضه من مسلم، وجب على المسلم فيها العشر، أو نصف العشر، ولا خراج عليه وقال الشافعي: عليه العشر. وقال أبو حنيفة: يؤخذ منه عشران (3). دليلنا: إن هذا ملك قد حصل لمسلم، ولا يجب عليه وفي ذلك أكثر من العشر، وما كان يؤخذ من الذمي من الخراج كان جزية، فلا يلزم المسلم ذلك. مسألة 87: إذا اشترى تغلبي من ذمي أرضا لزمته الجزية، كما كانت تلزم الذمي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه عشران (4)، وهذان العشران عندهم خراج يؤخذ باسم الصدقة. وقال الشافعي: لا عشر عليه ولا خراج. دليلنا: إن هذا ملك قد حصل لذمي فوجب عليه فيه الجزية كما يلزم في سائل أهل الذمة.

(1) المجموع 5: 560.
(2) من لا يحضره الفقيه 2: 22 حديث 81، والتهذيب 4: 139 حديث 393.
(3) قال يحيى بن آدم القرشي في خراجه: 66، قال بعضهم: تضاعف عليها الصدقة.
(4) المبسوط 3: 48.

[ 75 ]

مسألة 88: إذا نقص من المائتي درهم حبة أو حبتان في جميع الموازين، أو بعض الموازين، فلا زكاة فيه. وبه قال أبو حنيفة والشافعي (1). وقال مالك: إن نقص الحبة والحبتان في جميع الموازين ففيها الزكاة (2). هذا هو المعروف من مذهب مالك. وقال الأبهري (3): ليس هذا مذهب مالك، وإنما مذهبه أنها إن نقصت في بعض الموازين، وهي كاملة في بعضها، ففيها الزكاة (4). دليلنا: إنه لا خلاف أن في المائتين زكاة، وإذا نقص فليس على وجوب الزكاة فيها دليل، فوجب نفيه. لأن الأصل براءة الذمة. وأيضا روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله إليه وآله قال: " ليس فيما دون خمس أواق صدقه " (5) وهي مائتا درهم. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله

(1) الأم 2: 39، والمجموع 6: 8، وفتح العزيز 6: 7، وكفاية الأخيار 1: 114، والمنتقى شرح الموطأ 2: 96.
(2) المنتقى شرح الموطأ 2: 96، والمجموع 6. 7.
(3) أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح الأبهري شيخ المالكية، تفقه على محمد بن يوسف وابنه أبو الحسن روى عن الباغندي وعبد الله بن بدران البجلي له تصانيف منها شرح مختصر ابن عبد الحكم مات سنة 375. طبقات الفقهاء: 141، وتاريخ بغداد 5: 462، وشذرات الذهب 3: 85.
(4) قال في المنتقى شرح الموطأ 2: 96: فحكى أبو الحسن بن القصار وأبو بكر الأبهري أن معنى ذلك أن تكون في الميزان وازنه، وفي ميزان ناقصة، فإذا نقصت في جميع الموازين فلا زكاة فيها. وانظر فتح العزيز 6: 7.
(5) صحيح البخاري 2: 143 - 144، وصحيح مسلم 2: 674 حديث 3، وسنن أبي داود 2: 94 حديث 1558، وسنن الترمذي 3: 22 حديث 626، وسنن البيهقي 4: 33، والموطأ 1: 224 حديث 1، وسنن الدارقطني 2: 93 حديث 5، وسنن النسائي 5: 36، وسنن ابن ماجة 1: 572 وكنز العمال 6: 325.

[ 76 ]

أنه قال: " ليس فيما دون خمسة أواق صدقة " وهي مائتا درهم. وروى علي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهم، وليس في أقل من مائتين شئ، فإذا كانت مائتين ففيها خمسة دراهم " (1). مسألة 89: إذا كان عنده دراهم محمول عليها، لا زكاة فيها حتى تبلغ ما فيها من الفضة مائتي درهم، سواء كان الغش نصف أو أقل أو أكثر، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إن كان الغش النصف أو أكثر مثلا ما قلناه، وإن كان الغش دون النصف سقط حكم الغش، وكانت كالفضة الخالصة التي لا غش فيها (3). فإن كان مائتي درهم فضة خالصة، فأخرج منها خمسة مغشوشة أجزأه، ولو كان عليه دين مائتا درهم فضة خالصة فأعطى مائتين من هذه أجزأه (4). وكان هذا لا يجوز عندنا، ولا عند الشافعي (5). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وما ذكرناه لا خلاف فيه، وليس على ما قاله دليل. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة " (6).

(1) سنن الترمذي 3: 16 حديث 20، وسنن الدارمي 1: 383، وسنن أبي داود 2: 101 حديث 1574، وسنن البيهقي 4: 118 وفيها اختلاف يسير في بعض ألفاظ الحديث.
(2) الأم 2: 39، والمجموع 6: 9، وفتح العزيز 6: 12.
(3) اللباب 1: 149، والهداية 1: 104، والمجموع 6: 19، وفتح العزيز 6: 12.
(4) المجموع 6: 19، وفتح العزيز 6: 12.
(5) فتح العزيز 6: 12.
(6) صحيح البخاري 2: 148، وصحيح مسلم 2: 675 حديث 6، وموطأ مالك 1: 244 حديث 2، وسنن الدارقطني 2: 93 حديث 6، وسنن البيهقي 4: 134.

[ 77 ]

وأيضا قولهم عليهم السلام: الزكاة في تسعة أشياء: الذهب، والفضة (1) والغش ليس بفضة، وكل هذه نصوص. مسألة 90: لا زكاة في سبائك الذهب والفضة، ومتى اجتمع معه دراهم أو دنانير ومعه سبائك أو نقار، أخرج من الدراهم والدنانير إذا بلغا النصاب، ولم يضم السبائك والنقار إليها. وقال جميع الفقهاء: يضم بعضها إلى بعض (2). وعندنا أن ذلك يلزمه إذا قصد به الفرار من الزكاة (3). دليلنا: الأخبار التي ذكرناها في الكتابين المقدم ذكرهما (4)، وأيضا الأصل براءة الذمة، وما ذكرناه تجب فيه الزكاة بلا خلاف، وما قالوه ليس على وجوب الزكاة فيه دليل. مسألة 91: من كان له سيوف مجراة بفضة أو ذهب، أو أواني، مستهلكا كان أو غير مستهلك، لا تجب فيه الزكاة. وقال الشافعي وباقي الفقهاء: إن كان مستهلكا بحيث إذا جرد وأخذ وسبك لم يحصل منه شئ يبلغ نصابا فلا زكاة فيه، لأنه مستهلك. وإن لم يكن مستهلكا وكان إذا جمع وسبك يحصل منه شئ يبلغ نصابا، أو بالاضافة إلى ما معه نصابا ففيه الزكاة (5)

(1) الكافي 3: 497، ومن لا يحضره الفقيه 2: 8، والخصال 2: 421 حديث 19 و 20، ومعاني الأخبار 154 حديث 1، والتهذيب 4: 2 حديث 1 و 5، والاستبصار 2: 1 حديث 1 و 2.
(2) اللباب 1: 151، والمبسوط 2: 193، وشرح فتح القدير 1: 529، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة المطبوع مع الميزان 1: 117، والميزان 2: 8.
(3) المبسوط للشيخ الطوسي 1: 210، وجمل العلم والعمل: 124.
(4) انظر الكافي 3: 518 حديث 5 و 8 و 9، والتهذيب 4: 7 حديث 16 و 19، والاستبصار 2: 6 باب الزكاة في سبائك الذهب والفضة.
(5) الأم 2: 40، والمجموع 6: 43، والمغني لابن قدامة 2: 609..

[ 78 ]

دليلنا: إنا بينا في المسألة الأولى أن السبائك والمصاغ ليس فيها الزكاة، وإذا ثبت ذلك فهذه فرع عليها، ولا أحد يفرق بينهما. مسألة 92: إذا كان له لجام لفرسه محلى بذهب أو فضة، لم يلزمه زكاته، واستعمال ذلك حرام، لأنه من السرف. وقال الشافعي: إن لطخه بذهب فهو حرام بلا خلاف، ويلزمه زكاته (1)، وإذا كان بالفضة فعلى وجهين: أحدهما: مباح، لأنه من حلي الرجال كالسكين والسيف والخاتم، فلا يلزمه زكاته (2). والآخر: أنه حرام، لأنه من حلي الفرس، فعلى هذا يلزمه زكاته. دليلنا: ما قدمناه من أن عدا الدراهم والدنانير ليس فيه الزكاة (3)، وهذا ليس بدنانير ولا دراهم. مسألة 93: إذا كان معه مائتا درهم خالصة، وجبت عليه خمسة دراهم منها خالصة، فإن أخرج بهارج (4) لم يجزه، وعليه إن يتم خمسة دراهم خالصة. وقال أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي: لا يجزيه (5). وقال محمد بن الحسن: قال أبو حنيفة: إن أخرج منها خمسة دراهم بهرجة أجزأه (6). - - (6) مغني المحتاج 1: 392.
(7) المجموع 6: 38، والوجيز 1: 94، وفتح العزيز 6: 29، ومغني المحتاج 1: 392.

(1) مغني المحتاج 1: 392.
(2) المجموع 6: 38، والوجيز 1: 94، وفتح العزيز 6: 29، ومغني المحتاج 1: 392.
(3) تقدم في المسألة " 90 " من هذا الكتاب.
(4) البهارج: جمع بهرج، الباطل والردئ من الشئ، وهو معرب، يقال: درهم بهرج. قاله الجوهري في الصحاح 1: 300 مادة (بهرج).
(5) يستفاد ذلك مما حكاه أحمد بن يحيى بن المرتضى في البحر الزخار 3: 154 حيث نقل عن أبي العباس قوله: لا يجزي تبر عن وضح كالردئ عن الجيد.
(6) المبسوط 2: 194، والمجموع 6: 19، وفتح العزيز 6: 12، والمغني لابن قدامة 2: 602، والبحر الزخار 3: 154.

[ 79 ]

وقال: محمد عليه أن يخرج ما نقص (1). دليلنا: الأخبار المروية في أن في مائتي درهم خمسة منها (2). وأيضا قال عليه السلام: " في الرقة ربع العشر " (3) وهذا يقتضي أن يلزمه ربع العشر منها، فإذا أخرج بهارج لم يخرج منها. مسألة 94: إذا كان معه خلخال وزنه مائتا درهم، وقيمته لأجل الصنعة ثلاثمائة درهم، لا تجب فيها الزكاة. وقال محمد: قال أبو حنيفة: إن أخرج خمسة دراهم أجزأه، وبه قال أبو يوسف (4). وقال محمد بن الحسن: لا يجزيه، وبه قال أصحاب الشافعي (5). دليلنا: إنا قد بينا أن ما ليس بدارهم ولا دنانير لا تجب فيه الزكاة، وسنبين أن مال التجارة ليس فيه الزكاة، فعلى الوجهين لا تجب في هذا زكاة، لا في وزنه ولا في قيمته. وأما على من قال من أصحابنا: إن مال التجارة فيه الزكاة (6)، فينبغي أن نقول أنه تجب فيه زكاة ثلاثمائة، لأن الزكاة تجب في القيمة، وقيمته ثلاثمائة. مسألة 95: المعتبر في الفضة التي فيها الزكاة الوزن، وهو أن يكون كل درهم ستة دوانيق، وكل عشرة سبعة مثاقيل، ولا اعتبار بالعدد، ولا بالسود

(1) حكى قول محمد في البحر الزخار 3: 154 لفظه: يجزئ القدر الخالص فيكمله.
(2) انظر من لا يحضره الفقيه 2: 8 - 9 حديث 26، والكافي 3: 515 حديث 1، والتهذيب 4: 12 حديث 30، والاستبصار 2: 13 حديث 39.
(3) مسند أحمد بن حنبل 1: 12.
(4) المبسوط 3: 37، وتبيين الحقائق 1: 278.
(5) المجموع 6: 45، وكفاية الأخيار 1: 114، وفتح العزيز 6: 36، والمبسوط 3: 37، وتبيين الحقائق 1: 278.
(6) انظر تفصيل ذلك في المسألتين التاليتين برقم " 105 و 106 ".

[ 80 ]

البغلية التي في كل درهم درهم ودانقان، ولا بالطبرية الخفيفة التي في كل درهم أربعة دوانيق، وبه قال جميع الفقهاء (1). وقال المغربي (2): الاعتبار بالعدد دون الوزن، فإذا بلغت مائتي عدد ففيها الزكاة سواء كانت وافية أو من الخفيفة، وإن كانت أقل من مائتي عدد فلا زكاة فيها، سواء كانت خفيفة أو وافية (3). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع الأمة، وقول المغربي لا يعتد به، ومع ذلك فقد انقرض وانعقد الإجماع على خلافه. مسألة 96: لا زكاة في مال الدين إلا أن يكون تأخره من قبل صاحبه. وقال أبو حنيفة، والشافعي في " القديم ": لا زكاة في الدين (4)، ولم يفصلا. وقال الشافعي في عامة كتبه: إن فيه الزكاة (5). وقال أصحابه: إن كان الدين حالا، فله ثلاثة أحوال: إما أن يكون على ملي باذل، أو على ملي جاحد في الظاهر باذل في الباطن، أو على جاحد في الظاهر والباطن. فإن كان ملي باذل ففيه زكاة، كالوديعة وهذا مثل قولنا. وإن كان على ملي باذل في الباطن دون الظاهر، ويخاف إن طالبه أن يجحده ويمنعه، فلا زكاة عليه في الحال، فإذا قبضه زكاه. لما مضى قولا واحدا (6).

(1) اللباب 1: 148، والمبسوط 2: 194، والمجموع 6: 6 و 7 و 14، وفتح العزيز 6: 5 - 6، ورسالة المقادير الشرعية: 27، وبداية المجتهد 1: 247.
(2) لم نقف على ترجمة للقائل لاشتراك مجموعة من الفقهاء بهذا اللقب.
(3) المجموع 6: 19. (4) النتف في الفتاوى 1: 170، والمجموع 6: 21، وفتح العزيز 5: 502.
(5) المجموع 6: 20، وفتح العزيز 5: 502.
(6) الأم 2: 51، والمجموع 6: 21، وفتح العزيز 5: 502 و 505.

[ 81 ]

وإن كان على ملي جاحد في الظاهر والباطن، فالحكم فيه وفي المعسر واحد: لا يجب عليه إخراج الزكاة منه في الحال (1). ولكن إذا قبضه هل يزكيه أم لا؟ على قولين: قال أبو إسحاق: يملكه (2)، وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يملكه (3). فعلى قول ابن أبي هريرة لا زكاة عليه أصلا، وعلى قول أبي إسحاق لا زكاة في الحال عليه. فإذا قبضه فهل يستأنف أم لا؟ على قولين كالمغصوب سواء. والمال الغائب إن كان متمكنا منه ففيه الزكاة في البلد الذي فيه المال، وإن أخرجه في غيره فعلى قولين. وإن كان ممنوعا أو مفقودا يرجو طلابه لم يجب عليه أن يخرج الزكاة، فإذا عاد إليه فهل يخرج الزكاة لما مضى؟ على قولين كالمغصوب سواء. دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (4)، وأيضا الأصل براءة الذمة، وإيجاب الزكاة في هذا المال يحتاج إلى دلالة شرعية، وليس فيها ما يدل على ما قالوه، فوجب نفيه. مسألة 97: لا زكاة فيما زاد على المائتين حتى يبلغ أربعين درهما، وعلى هذا بالغا ما بلغ في كل أربعين درهما درهم، وما نقص عنه لا شئ فيه. والذهب ما زاد على عشرين ليس فيه شئ حتى يبلغ أربعة دنانير، ففيها عشر دينار. وبه قال أبو حنيفة (5). وقال الشافعي: فيما زاد على المائتين وعلى العشرين دينارا ربع العشر، ولو

(1) و (2) و (3) المجموع 6: 20، وفتح العزيز 5: 502.
(4) انظر التهذيب 4: 34 حديث 87 و 88، والاستبصار 2: 28 حديث 79 و 80.
(5) اللباب 1: 149 - 150، والمبسوط 2: 190، والمجموع 6: 17، وبداية المجتهد 1: 248.

[ 82 ]

كان قيراطا بالغا ما بلغ، وبه قال ابن عمر. ورووه عن علي عليه السلام، وبه قال ابن أبي ليلى، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد، ومالك (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا ما قلناه لا خلاف أن فيه الزكاة، وليس على ما قالوه دليل. وروى أبو إسحاق (2)، عن عاصم بن ضمرة، عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهما (3). وروى محمد بن إسحاق (4) عن المنهال بن الجراح (5) عن حبيب بن نجيح (6) عن عبادة بن نسي (7) عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه

(1) الأم 2: 40، والمجموع 6: 16، والمبسوط 2: 190، وبداية المجتهد 1: 248.
(2) أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد السبيعي الكوفي، روى عن أمير المؤمنين عليه السلام وسليمان بن صرد وزيد بن أرقم وعنه ابن يونس والأعمش والثوري ومحمد بن عجلان مات سنة 29 وقيل 32. تهذيب التهذيب 8: 63.
(3) مسند أحمد بن حنبل 1: 92 و 145، وسنن أبي داود 2: 101 حديث 1574، والسنن الكبرى 4: 118.
(4) محمد بن إسحاق هذا مشترك بين عدة ممن حمل الحديث ورواه، ولا يمكن تمييزه في المصادر المتوفرة لدينا.
(5) المنهال بن الجراح أبو العطوف الجزري، حكى ابن حجر في لسانه عن الدارقطني قوله كان ابن إسحاق إذا روى عنه يقلب فيقول الجراح بن المنهال. والد وكيع قاضي حران مات سنة 168، لسان الميزان 2: 99 و 6: 103، والجرح والتعديل 2: 523، والمجروحين 1: 218، وسنن الدارقطني 2: 94.
(6) حبيب بن نجيح لم يترجم بأكثر من روايته عن عبد الرحمن بن غنم ورواية المنهال عنه. انظر التاريخ الكبير 2: 326، والجرح والتعديل 3: 110، ولسان الميزان 2: 173.
(7) عبادة بن نسي الكندي، أبو عمر الشامي الأردني قاضي طبرية روى عن أوس بن أوس الثقفي وشداد بن أوس وعبادة بن الصامت وغيرهم وعنه برد بن سنان والحسن بن ذكوان وغيرهما مات سنة 118.

[ 83 ]

وآله لما بعثه إلى اليمن قال له: " لا تأخذ من الكسر شيئا ولا شيئا من الورق حتى يبلغ مائتي درهم، فإذا بلغها فخذ خمسة دراهم، ولا تأخذ من زيادتها شيئا حتى تبلغ أربعين درهما، فإذا بلغها فخذ درهما " (1) وهذا نص. مسألة 98: إذا ارتد الانسان ثم حال الحول، فإن كان ارتد عن فطرة الاسلام وجب عليه القتل ولا يستتاب، وماله قد انتقل إلى ورثته، وليس ح عليهم فيه زكاة، لأنهم يستأنفون الحول. وإن كان إسلامه عن كفر ثم ارتد انتظر به العود، فإن عاد إلى الاسلام بعد حلول الحول وجب عليه الزكاة بحلول الحول الأول، وإن لم يعد فقتل بعد حلول الحول، أو لحق بدارهم الحرب وجب أن يخرج عنه الزكاة، لأن ملكه كان باقيا إلى حين القتل. وللشافعي في مال المرتد قولان: أحدهما: فيه الزكاة. والثاني: نتوقف فيه (2). دليلنا: إنه قد ثبت أنه مأمور بالزكاة، ولا يجوز إسقاطها إلا بدليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. وأيضا جميع الآيات المتناولة لوجوب الزكاة يتناول الكافر والمسلم، فمن خصها فعليه الدلالة. مسألة 99: لا زكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالا، فإذا بلغت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال، فإن نقص من العشرين ولو قيراط لا تجب فيه الزكاة، وما زاد عليه ففي كل أربعة دنانير عشر دينار، وبه قال أبو حنيفة (3).

(1) سنن الدارقطني 2: 93 حديث 1.
(2) الأم 2: 27، ومختصر المزني: 49، والمجموع 5: 328.
(3) المبسوط 2: 190، وشرح فتح القدير 1: 524، والنتف 1: 167، والمجموع 6: 17 - 18، وبداية المجتهد 1: 248.

[ 84 ]

وقال الشافعي، ما زاد على العشرين فبحسابه، ولو نقص شئ ولو حبة فلا زكاة، وبه قال أبو حنيفة وجميع الفقهاء (1). وقال مالك إن نقص حبة وحبتان وجاز جواز الوافية، فهي كالوافية، فيها الزكاة بناء على أصله في الورق (2). وقد بيناه. وقال عطاء والزهري والأوزاعي: لا نصاب في الذهب، وإنما يقوم بالورق، فإن كان ذهبا قيمته مائتا درهم ففيه الزكاة وإن كان دون عشرين مثقالا، (3) وقال الحسن البصري: لا زكاة في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالا، فإذا بلغها ففيه دينار (4)، وذهب إليه قوم من أصحابنا (5). دليلنا: الروايات المجمع عليها عند الطائفة، وقد أوردناها في الكتابين المذكورين، وبينا الكلام على الرواية الشاذة في هذا الباب (6). وأيضا روى علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " ليس فيما دون عشرين مثقالا من الذهب صدقة، فإذا بلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال " (7). وروى ابن عمر قال: كان الرسول صلى الله عليه وآله يأخذ من كل عشرين

(1) الأم 2: 40، والمجموع 6: 17، وكفاية الأخيار 1: 114، وفتح العزيز 6: 7 و 18، والمبسوط 2: 190، وبداية المجتهد 1: 248.
(2) المجموع 6: 7، وفتح العزيز 6: 6، والمنتقى 2: 96.
(3) المجموع: 6: 18.
(4) المجموع 6: 17، وبداية المجتهد 1: 247. (5) قاله ابن بابويه في المقنع: 50.
(6) التهذيب 4: 6 باب زكاة الذهب، والاستبصار 2: 12 باب المقدار الذي تجب فيه الزكاة من الذهب والفضة.
(7) نقل الحديث بلفظه الإمام أحمد بن يحيى في كتابه البحر الزخار 3: 148 - 149 عن كتاب أصول الأحكام فلاحظ.

[ 85 ]

دينارا نصف دينار، ومن كل أربعين دينارا دينارا (1). مسألة 100: إذا كان معه ذهب وفضة، ينقص كل واحد منهما عن النصاب، لم يضم أحدهما إلى الآخر. مثل أن يكون معه مائة درهم وعشرة دنانير لا بالقيمة ولا بالأجزاء، وبه قال الشافعي وأكثر أهل الكوفة. ابن أبي ليلى وشريك (2)، والحسن بن صالح بن حي، وأحمد بن جنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام (3). وذهبت طائفة إلى أنهما متى قصرا عن نصاب ضممنا أحدهما إلى الآخر، وأخذنا الزكاة منهما. ذهب إليه مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، محمد (4). ثم اختلفوا في كيفية الضم على مذهبين: فكلهم قال إلا أبا حنيفة: أضم بالأجزاء دون القيمة، وهو أن اجعل كل دينار بإزاء عشرة دراهم، فإذا كان معه مائة درهم وعشرة دنانير ضممنا إليها وأخذنا الزكاة منهما، سواء كانت قيمة الذهب أكثر من مائة أو أقل، فإن كان معه مائة درهم وتسعة دنانير لم يضم، وإن كان قيمة الذهب ألف درهم (5).

(1) روى الحديث ابن ماجة في سننه 1: 571 حديث 1791، والدارقطني في سننه 2: 92 حديث 1 عن عائشة مثله.
(2) أبو عبد الله، شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، قاضي الكوفة، روى عن سلمة بن كهيل وزياد بن علاقة وسماك بن حرب وغيرهم، وعنه وكيع وأبو غسان النهدي، مات سنة 177 هجرية. تهذيب التهذيب 4: 333، وشذرات الذهب 1: 287، وطبقات الفقهاء: 66.
(3) الأم 2: 40، والمجموع 6: 18، والمبسوط 2: 192، والمغني لابن قدامة 2: 597.
(4) اللباب 1: 151، والمبسوط 2: 193، وبدائع الصنائع 2: 19، والمدونة الكبرى 1: 242، وبداية المجتهد 1: 248 - 249، والمجموع 6: 18، والمغني لابن قدامة 2: 598، والبحر الزخار 3: 151.
(5) اللباب 1: 151، والمبسوط 2: 193، وتبيين الحقائق 1: 281 - 182، والمجموع 6: 18، والبحر الزخار 3: 151.

[ 86 ]

وقال أبو حنيفة: أضم ما هو الأحوط للمساكين بالقيمة أو الأجزاء، فإن كان معه مائة درهم وعشرة دنانير ضممتها بالأجزاء، وإن كانت قيمة الذهب تسعين درهما وإن كانت قيمة مائة درهم تسعة دنانير ضممتها إليه، ولم أضم بالأجزاء احتياطا للمساكين (1). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون فيه، وأيضا ما اعتبرناه لا خلاف فيه، وما ادعوه ليس على صحته دليل. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة " (2). فمن قال: يجب فيها بأن يضم إليها غيرها فقد ترك الخبر. وكذلك ما رواه علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " ليس فيما دون عشرين مثقالا من الذهب " (3) يدل على ذلك أيضا. مسألة 101: كل مال تجب الزكاة في عينه بنصاب وحول فلا زكاة فيه حتى يكون النصاب موجودا في أول الحول إلى آخره، فإن كان عنده أربعون شاة، فذهبت واحدة، انقطع الحول. فإن ملك واحدة كمل النصاب واستأنف. وهكذا في عين الذهب والفضة متى نقص النصاب انقطع الحول، فإذا كمل استأنف الحول. وبه قال الشافعي وأصحابه (4). وقال أبو حنيفة وصاحباه: إذا كان النصاب موجودا في طرفي الحول لم يضر نقصان بعضه في وسطه، وإنما ينقطه الحول بذهاب كله، فأما بذهاب بعضه فلا (5).

(1) تبيين الحقائق 1: 281 - 282، والمجموع 6: 18، والبحر الزخار 3: 151.
(2) صحيح البخاري 2: 148، وصحيح مسلم 2: 675 حديث 6، وموطأ مالك 1: 244 حديث 2، وسنن الدارقطني 2: 93 حديث 6، وسنن البيهقي 4: 134.
(3) دعائم الاسلام: 248.
(4) الأم 2: 12، والمجموع 5: 359 - 360.
(5) المبسوط 2: 172.

[ 87 ]

وقال مالك: لو ملك عشرين شاة شهرا، ثم توالدت، وبلغت أربعين، كان حولها حول الأصل (1). وقال أبو حنيفة: لو ملك أربعين شاة ساعة ثم هلكت إلا واحدة، ثم مضى عليها أحد عشر شهرا، ثم ملك تمام النصاب، أخرج زكاة الكل (2). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن ما اعتبرناه لا خلاف أن فيه الزكاة، وما ادعوه ليس عليه دليل. وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (3) وهذا لم يحل عليه الحول، وإنما حال على بعضه. مسألة 102: الحلي على ضربين: مباح، وغير مباح. فغير مباح أن يتخذ الرجل لنفسه حلي النساء كالسوار، والخلخال، والطوق. وأن تتخذ المرأة لنفسها حلي الرجال كالمنطقة، وحلية السيف وغيره. فهذا عندنا لا زكاة فيه، لأنه مصاغ، لا من حيث كان حليا. وقد بينا أن السبائك ليس فيها الزكاة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: فيه زكاة (4). وأما المباح، أن تتخذ المرأة لنفسها حلي النساء، ويتخذ الرجل لنفسه حلي الرجال كالسكين، والمنطقة، فهذا المباح عندنا أنه لا زكاة فيه. للشافعي فيه قولان: قال في " القديم " و " البويطي " وأحد قوليه في " الأم ": لا زكاة فيه، وبه قال في الصحابة ابن عمر، وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء. وفي التابعين

(1) المجموع 5: 374، وفتح العزيز 5: 486.
(2) المبسوط 2: 172، وفتح العزيز 5: 487.
(3) سنن ابن ماجة 1: 571 حديث 1792.
(4) الأم 2: 41 و 4: 286، ومختصر المزني: 49، والمجموع 6: 46، وفتح العزيز 6: 20 - 21، وكفاية الأخيار 1: 115، والمبسوط 2: 191.

[ 88 ]

سعيد بن المسيب، والحسن البصري، والشعبي، وقالوا: زكاته اعارته كما يقول أصحابنا (1). وفي الفقهاء مالك، وإسحاق، وأحمد وعليه أصحابه وبه يفتون (2). والقول الآخر: فيه الزكاة، أومى إليه في " الأم "، وبه قال في الصحابة عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وفي التابعين الزهري، وفي الفقهاء المزني، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه (3). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون فيه، وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن أوجب عليها الزكاة كان عليه الدلالة. وأيضا روي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: لا زكاة في الحلي (4). وقالوا: " زكاة الحلي اعارته " (5). وروي أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا زكاة في الحلي " (6) وهذا نص.

(1) المقنع: 52.
(2) الأم 2: 41، وأحكام القرآن للجصاص 3: 107، والمغني لابن قدامة 2: 603، والمبسوط للسرخسي 2: 192، وبداية المجتهد 1: 242، وكفاية الأخيار 1: 114.
(3) الأم 2: 41 - 42 و 4: 286، ومختصر المزني 50، والمجموع 6: 46، وفتح العزيز 6: 19 - 20، وأحكام القرآن للجصاص 3: 107، والمبسوط 2: 192، وبداية المجتهد 1: 242، والمغني لابن قدامة 2: 603 - 604، وسبل السلام 2: 614.
(4) يستفاد هذا المعنى من عدة أحاديث رويت عنهم عليهم السلام كما في الكافي 3: 517، والتهذيب 4: 8 حديث 20 و 23، والاستبصار 2: 7 حديث 17 و 20.
(5) الكافي 3: 518 حديث 6، والتهذيب 4: 8 حديث 22، والاستبصار 2: 7 حديث 19.
(6) رواه عبد الرزاق في المصنف 4: 82 حديث 7048 و 7049 ولفظ الحديث: " ليس في الحلي زكاة ".

[ 89 ]

وروت فريعة بنت أبي أمامة (1) قالت: حلاني رسول الله صلى الله عليه وآلة رعاثا [ من ذهب ] وحلى أختي، وكنا في حجرة، فما أخذ منا زكاة حلي قط (2). الرعاث: الحلق. فإن قالوا: لم يأخذ لأنه لم يكن نصابا. قلنا هو باطل، لأنه لا يقال: ما أخذ زكاة إلا والمال مما يجب فيه الزكاة مسألة 103: ذهب الشافعي إلى أن الجام الدابة لا يجوز أن يكون محلى بفضة، وهو حرام (3). واختلف أصحابه، فذ هب أبو العباس وأبو إسحاق إلى التحريم (4). وقال أبو الطيب بن سلمه: مباح (5). والمسألة عندهم على قولين: والذهب كله حرام بلا خلف إلا عند الضرورة، وذلك مثل أن يجدع أنف إنسان فيتخذ أنفا من الذهب، أو يربط به أسنانه (6). والمصحف لا يجوز أن يحيله بفضة على قولين (7)، والذهب لا يجوز أصلا، وفي أصحابه من أجازه. فأما تذهيب المحاريب وتفضيضها قال أبو العباس: ممنوع منه، وكذلك

(1) فريعة وقيل: فارعة بنت أبي أمامة أسعد بن زرارة الأنصاري، زوجها النبي صلى الله عليه وآله من نبيط بن جابر وولدت له، كانت ممن بايعته صلى الله عليه وآله. الإصابة 4: 362 و 375، والاستيعاب 4: 377، وأسد الغابة 5: 529.
(2) حكاه الصعدي في جواهر الأخبار بهامش البحر الزخار 3: 152 عن كتاب الانتصار بنفس اللفظ. ونقله البعض باختلاف في بعض ألفاظه منهم الزمخشري في الفائق 2: 65، وابن منظور في لسان العرب 2: 152، وابن الأثير في النهاية 2: 234، وأسد الغابة 5: 529، وابن حجر في الإصابة 4: 362.
(3) الأم 2: 40، والمجموع 6: 38 - 39.
(4) المجموع 6: 38.
(5) المصدر السابق.
(6) كفاية الأخيار 1: 115، المجموع 6: 38. (7) المجموع 6: 42.

[ 90 ]

قناديل الفضة والذهب: قال والكعبة وسائر المساجد في ذلك سواء (1)، فما أجازه وأباحه لا تجب فيه الزكاة، وما حرمه ففيه الزكاة (2). ولا نص لأصحابنا في هذه المسائل غير أن الأصل الإباحة، فينبغي أن يكون ذلك مباحا إلا أنه لا زكاة فيه على كل حال، لأنها سبائك. وقد بينا أنه لا تجب الزكاة إلا في الدراهم والدنانير. مسألة 104: أواني الذهب والفضة محرم اتخاذها واستعمالها، غير أنه لا تجب فيها الزكاة. وقال الشافعي: حرام استعمالها قولا واحدا (3)، وفي اتخاذها قولان: أحدهما: محظور، والآخر: مباح. وعلى كل حال تجب فيه الزكاة (4). دليلنا: ما قدمناه من أن المصاغ لا تجب فيه الزكاة، وإنما تجب في الدراهم والدنانير. وأما الدليل على حظر استعمالها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن استعمال آنية الذهب والفضة، وقال: " من شرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " (5). مسألة 105: كلما خرج من البحر من لؤلؤ، أو مرجان، أو زبرجد، أو در، أو عنبر، أو ذهب، أو فضة فيه الخمس وما يجري مجراه. وكذلك الحكم في الفيروزج، والياقوت، والعقيق وغيره من الأحجار

(1) و (2) المصدر السابق.
(3) الوجيز 1: 94، والمجموع 6: 40، وكفاية الأخيار 1: 114.
(4) الأم 2: 42، والوجيز 1: 93 - 94، والمجموع 6: 40 و 44، وكفاية الأخيار 1: 115.
(5) صحيح البخاري 7: 146، وصحيح مسلم 3: 1634 حديث 1 و 2، وموطأ مالك 2: 924 حديث 11، ومسند أحمد بن حنبل 6: 98 و 301 و 302 و 304 و 6. 3، وسنن الدارمي 2: 121، وسنن ابن ماجة 2: 1130 حديث 3413 مع اختلاف بسيط في ألفاظها.

[ 91 ]

والمعادن، وبه قال عبد الله بن الحسن العنبري البصري، وأبو يوسف (1). وقال الشافعي: كل ذلك لا شئ فيه إلا الذهب والفضة، فإن فيه الزكاة. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن (2). دليلنا: إجماع الفرقة، لأنهم لا يختلفون فيه. وأيضا قوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه " (3) وهذا غنيمة. مسألة 106: لا زكاة في مال التجارة عند المحصلين من أصحابنا، وإذا باع استأنف به الحول (4). وفيهم من قال: فيه الزكاة إذا طلب برأس المال أو بالربح (5). ومنهم من قال: إذا باعه زكاه لسنة واحدة (6). ووافقنا ابن عباس في أنه لا زكاة فيه. وبه قال أهل الظاهر كداود وأصحابه (7).

(1) الخراج لأبي يوسف: 70، والنتف في الفتاوى 1: 178، والمبسوط 2: 212 - 213، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 1: 291 وقد حكاه ابن حزم في المحلى 6: 117 عن أبي يوسف أيضا. أما نسبة القول إلى عبيد الله بن الحسن البصري فإن المصادر المشار إليها خالية منه وقد نسب البعض ذلك إلى الحسن البصري والله أعلم بالصواب.
(2) 2: 42، ومختصر المزني: 50، والمجموع 6: 77، وفتح العزيز 6: 88، والمبسوط 2: 212 213، وعمدة القاري 9: 96، وتبيين الحقائق 1: 290، والمدونة الكبرى 1: 292.
(3) الأنفال: 41.
(4) ذهب إلى هذا القول الشيخ المفيد قدس سره في المقنعة: 40، والسيد المرتضى قدس سره في الانتصار: 78، وأبو الصلاح الحلبي.
(5) قاله ابن بابويه في المقنع: 52، وسلار بن عبد العزيز في المراسم: 136. (6) قال الشيخ المفيد قدس سره في المقنعة: 40: وقد روي أنه إذا باعه زكاه لسنة واحدة وذلك هو الاحتياط.
(7) المحلى 5: 238، والمغني لابن قدامة 2: 623، والمجموع 6: 47.

[ 92 ]

وقال الشافعي: هو القياس (1). وذهب قوم إلى أنه ما دامت عروضا وسلعا لا زكاة فيه، فإذا قبض ثمنها زكاه لحول واحد. وبه قال عطاء، ومالك (2). وذهب قوم إلى أن الزكاة فيه، يقوم كل حول ويؤخذ منه الزكاة. وبه قال الشافعي في " الجديد " و " القديم "، وإليه ذهب الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه (3). دليلنا: الأخبار التي أوردناها في الكتابين المقدم ذكرهما (4). وأيضا الأصل براءة الذمة، ولا دليل على أن مال التجارة فيه الزكاة. وأيضا ما رويناه من أن الزكاة في تسعة أشياء (5) يدل على ذلك لأن التجارة خارجة عنها. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر بن العاص أنه قال: " ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة " (6) فلولا أن التجارة تحفظ من الزكاة وتمنع من وجوبها

(1) المجموع 6: 47، وبداية المجتهد 1: 261.
(2) المدونة الكبرى 1: 251، وبداية المجتهد 1: 260، والمغني لابن قدامة 624 2، والمبسوط 2: 190، والمجموع 6: 47.
(3) الأم 2: 47، ومختصر المزني: 50، والوجيز: 94، والمغني لابن قدامة 2: 623، والهداية 1: 105، والمبسوط 2: 190، وبدائع الصنائع 2: 20، وشرح فتح القدير 1: 526، والمجموع 6: 47، وبداية المجتهد 1: 261.
(4) انظر التهذيب 4: 68 (باب 20) حكم أمتعة التجارات، والاستبصار 2: 9 (باب 4) الزكاة في أموال التجارات.
(5) روى الشيخ الكليني في الكافي 3: 496، والصدوق 2: 8، والمصنف قدس الله أرواحهم الطاهرة في التهذيب 4: 2، والاستبصار 2: 2 عدة أحاديث فلاحظ.
(6) جاء في تحفة الأحوذي 3: 297 ما لفظه: " قال الحافظ: وروى الشافعي عن عبد المجيد بن أبي رواد عن ابن جريح عن يوسف بن ماهك مرسلا أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم =

[ 93 ]

ما دلهم عليها. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " (1) ولم بين ولم يفصل بين ما يكون للتجارة والخدمة. مسألة 107: على قول من قال من أصحابنا: إن مال التجارة فيه الزكاة، إذا اشترى مثلا سلعة بمائتين، ثم ظهر فيها الربح، ففيها ثلاث مسائل: أوليها: اشترى سلعة بمائتين، فبقيت عنده حولا، فباعها مع الحول بألف، لا يلزمه أكثر من زكاة المائتين، لأن الربح لم يحل عليه الحول. الثانية: حال الحول على السلعة، ثم باعها بزيادة بعد الحول، فلا يلزمه أكثر من زكاة المائتين، لأن الفائدة لم يحل عليها الحول. وقال الشافعي: زكاها مع الأصل (2). قال أصحابه: هذا إذا كانت الزيادة حادثة قبل الحول.

= قال: " ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة. وفي الباب عن أنس مرفوعا: اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة، رواه الطبراني في الأوسط في ترجمة علي بن سعد. وروى الشافعي في الأم 2: 28 - 29 عدة أحاديث يرفعها إلى يوسف بن ماهك وغيره وبألفاظ قريبة منه. وروى يحيى عن مالك في الموطأ 1: 251 أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة. وهناك ألفاظ أخرى للحديث انظر المصنف لعبد الرزاق 4: 66، وسنن البيهقي 4: 107، وسنن الترمذي 3: 32. (1) سنن ابن ماجة 1: 570 حديث 1790، وسنن أبي داود 2: 101 حديث 1574 ومسند أحمد بن حنبل 1: 92 و 113 و 121 و 132 و 145 و 146.
(2) المجموع 6: 59، وفتح العزيز 6: 58، ومغني المحتاج 1: 399، والمغني لابن قدامة 2: 630، وبداية المجتهد 1: 265.

[ 94 ]

الثالثة: اشترى سلعة بمائتين، فلما كان بعد ستة أشهر باعها بثلاثمائة، فنضت الفائدة منها مائة، فحول الفائدة من حين نضت، ولا تضم إلى الأصل. وبه قال الشافعي قولا واحدا. وقال أصحابه المسألة على ثلاثة طرق: منهم من قال: إذا نض المال كان حول الفائدة من حين نضت قولا واحدا (1). وقال أبو العباس: زكاة الفائدة من حين ظهرت نضت أو لم تنض (2). وقال المزني وأبو إسحاق وغيرهما: المسألة على قولين: أحدهما: حول الفائدة حول الأصلي. وبه قال أبو حنيفة. والثاني: حولها من حيث نضت (3). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، ومن ضم الفائدة إلى الأصل يحتاج إلى دليل. وأيضا روي عنه عليه السلام أنه قال: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (4) والفائدة لم يحل عليها الحول، فلا تجب فيها الزكاة. مسألة 108: قد بينا أنه لا زكاة في مال التجارة، وأن على مذهب قوم من أصحابنا فيه الزكاة، فعلى هذا إذا اشترى عرضا للتجارة بدراهم أو دنانير، كان حول السلعة حول الأصل. وإن اشترى عرضا للتجارة بعرض كان عنده للقنية كأثاث البيت فإن حول السلعة من حين ملكها للتجارة، وبه قال

(1) المجموع 6: 58، وفتح العزيز 6: 58، ومغني المحتاج 1: 399، والمغني لابن قدامة 2: 630، وبداية المجتهد 1: 265.
(2) المجموع 6: 58.
(3) مختصر المزني: 50، والمجموع 6: 58، وفتح العزيز 6: 59، والمغني لابن قدامة 2: 630، وبداية المجتهد 1: 265.
(4) تقدمت الإشارة إلى مصادر الحديث في المسألة 64 ولا حاجة للتكرار فلاحظ.

[ 95 ]

الشافعي (1). وقال مالك: لا تدور في حول التجارة إلا بأن يشتريها بمال تجب فيه الزكاة كالذهب والورق. فأما إذا اشترى بعرض كان للقنية فلا يجري في حول الزكاة (2). دليلنا: ما رواه سمرة بن جندب (3) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرنا أن نخرج الزكاة من الذي نعد للبيع (4). وأيضا متاع البيت لا زكاة فيه بلا خلاف، فمتى نقله أو عرضه للتجارة فإنما تجب عليه الزكاة إذا حال الحول ما تجب فيه الزكاة. مسألة 109: على مذهب من أوجب الزكاة في التجارة تتعلق الزكاة بالقيمة، وتجب فيها. وبه قال الشافعي (5): وقال أبو حنيفة: تتعلق بالسلعة، وتجب فيها لا بالقيمة، فإن أخرج العرض فقد أخرج أصل الواجب، وإن عدل عنه إلى القيمة فقد عدل إلى بدل الزكاة (6).

(1) الأم 2: 47، ومختصر المزني: 50، والمجموع 6: 55، وبداية المجتهد 1: 261.
(2) المدونة الكبرى 1: 251، وبداية المجتهد 1: 261.
(3) سمرة - بفتح السين وضم الميم - بن جندب بن هلال بن جريح الفزاري، استعمله ابن زياد على شرطته في البصرة والكوفة واستعمله معاوية على ولاية البصرة ثم عزلة فقال: لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعته ما عذبني أبدا. مات سنة 58 وقيل غير ذلك. الإصابة 2: 78، وأسد الغابة 2: 354، والجرح والتعديل 4: 154، وشذرات الذهب 1: 65، وتهذيب التهذيب 4: 236، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 73 و 77 و 78. (4) سنن أبي داود 2: 95 حديث 1562، ورواه الدارقطني في سننه 2: 127 ذيل حديث 9 بلفظ آخر. وحكاه السبكي في المنهل العذب 10: 132 و 134 بلفظيه فلاحظ.
(5) الأم 2: 47، والمجموع 6: 63، والمبسوط 2: 191، والمغني لابن قدامة 2: 624.
(6) الفتاوى الهندية 1: 179 - 180، والمبسوط 2: 191، وبدائع الصنائع 2: 21 - 22، والمغني لابن قدامة 2: 624، وبداية المجتهد 1: 260.

[ 96 ]

دليلنا: أنه لا بد من تقويم السلعة، فإنه لا يمكن النسبة إلى السلعة، فإذا ثبت ذلك وجب أن يأخذ منها الزكاة. وروى إسحاق بن عمار في حديث الزكاة، أوردناه في تهذيب الأحكام عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: كل عرض فهو مردود إلى الدراهم والدنانير (1) وهذا يدل على أن الزكاة متعلقة بالقيمة. مسألة 110: إذا ملك عرضا للتجارة، فحال عليه الحول من حين ملكه، وبلغت قيمته نصابا، كان فيه الزكاة. وإن قصر عن نصاب فلا زكاة فيه، وإذا بلغت قيمته في الحول الثاني نصابا استؤنف الحول من حين بلغ النصاب وقال ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي: أي وقت بلغت قيمته نصابا فذاك آخر الحول في حقه وأقومه وآخذ منه الزكاة (2). وقال أبو إسحاق: ينقطع حكم الحول الآخر من حول الأول ويكون ابتداء الثاني عقيب خروج الأول، فإذا حال الثاني قومناه (3). دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (4). وإنما يحول الحول من حين يكمل النصاب، فيجب أن يكون هو المراعى. مسألة 111: إذا ملك سلعة للتجارة في أول الحول، ثم ملك أخرى للتجارة بعدها بشهر آخر، ثم أخرى بعدها بشهر، ثم حال الحول، نظرت فإن كان حول

(1) الظاهر أن المصنف قدس سره أشار إلى الحديث الذي رواه في التهذيب 4: 93 حديث 269 والاستبصار 2: 39 حديث 121، والحديث الذي رواه الشيخ الكليني قدس سره في الكافي 3: 516 الحديث الثامن لفظه: " كل ما خلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك إلى الدراهم في الزكاة والديات ".
(2) المجموع 6: 68.
(3) المصدر السابق.
(4) تقدمت الإشارة إلى مصادر الحديث في المسألة 64 من هذا الكتاب ولا حاجة لإعادة ذكرها فلاحظ.

[ 97 ]

الأولى وقيمتها نصاب، وحول الثانية وقيمتها نصاب، وحول الثالثة كذلك، يزكي كل سلعة بحولها. وإن كانت الأولى نصابا، فحال حول الأولى وقيمتها نصاب، وحال حول الثانية والثالثة وقيمة كل واحدة منهما أقل من نصاب، أخذ من الأولى الزكاة خمسة دراهم، ومن الثانية والثالثة من كل أربعين درهما درهم. وقال الشافعي في النصاب الأول مثل ما قلناه، وفيما زاد عليه ربع العشر. وإن كانت بحالها وحال حول الأولى وهي أقل من نصاب، وحال حول الثانية وهي أقل من نصاب، لم يضم بعضه إلى بعض. واعتبرنا تكملة النصاب وحول الحول من عند تمام النصاب، وما بقي بعد ذلك على ما قدمناه. وقال الشافعي يضم بعضه إلى بعض، وأخذ منه الزكاة (1). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وما ذكره يحتاج إلى دليل، وأيضا فقد بينا في الأموال الصامتة أنه لا يضم بعضه إلى بعض، فحكم أموال التجارة حكم الصامتة، لأن أحدا لا يفرق. مسألة 112: إذا اشترى عرضا للتجارة ففيه ثلاث مسائل: أوليها: أن يكون ثمنها نصابا من الدراهم أو الدنانير على مذهب من قال من أصحابنا: إن مال التجارة ليس فيه زكاة، ينقطع حول الأصل. وعلى مذهب من أوجب، فإن حول العرض حول الأصل. وبه قال الشافعي قولا واحدا (2). فإن كان الذي اشترى بها عرضا للقنية، مثل شئ من متاع البيت من

(1) الأم 2: 39، ومختصر المزني: 50.
(2) الأم 2: 47 - 48، ومختصر المزني: 50، والوجيز 1: 94 - 95، والمجموع 6: 54، وفتح العزيز 6: 54.
(9)

[ 98 ]

الفرش وغير ذلك، كان حول السلعة من حين اشتراها. وبه قال الشافعي (1). وإن كان الذي اشتراها نصابا تجب فيه الزكاة من الماشية، فإنه يستأنف الحول. وبه قال أبو العباس، وأبو إسحاق من أصحاب الشافعي (2). وقال الاصطخري: يبني ولا يستأنف، وهو ظاهر كلام الشافعي (3). دليلنا: قد روينا عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: كل ما عدا الأجناس التسعة مردود إلى الدنانير والدراهم (4) فإذا ثبت ذلك لا يمكن أن يبنى على الحول الأول، لأن السلعة تجب في قيمتها من الدنانير والدراهم الزكاة، والأصل تجب في عينها، ولا يمكن حمل أحدهما على الآخر. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (5) وإذا لم يحل على الأول الحول، وجب أن لا يبنى عليه الثاني.

(1) الأم 2: 47، والوجيز 1: 94 - 95، والمجموع 6: 56، وكفاية الأخيار 1: 117.
(2) الوجيز 1: 95، والمجموع 6: 55 - 56، وفتح العزيز 6: 54 - 55، وكفاية الأخيار 1: 117.
(3) الوجيز 1: 95، والمجموع 6: 55 - 56، وفتح العزيز 6: 54، وكفاية الأخيار 1: 117.
(4) لعل الشيخ قدس سره أراد الحديث الذي رواه عن الشيخ الكليني قدس سره بسنده عن إسحاق بن عمار الساباطي عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: قلت له تسعون ومائة درهم وتسعة عشر دينارا أعليها في الزكاة شئ؟ فقال: " إذا اجتمع الذهب والفضة فبلغ ذلك مائتي درهم ففيها الزكاة لأن عين المال الدراهم كل ما خلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك إلى الدراهم في الزكاة والديات " ثم ذيل المصنف قدس سره بيانا لهذا الحديث. انظر ذلك في الكافي 3: 516 حديث 8، والتهذيب 4: 93 حديث 269، والاستبصار 2: 39 حديث 121، فكان سنده عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام من سهو قلمه الشريف.
(5) انظر مصادر الحديث في هامش المسألة " 64 " من هذا الكتاب.

[ 99 ]

مسألة 113: إذا كان عنده سلعة ستة أشهر، ثم باعها استأنف الحول على قول من لم يوجب الزكاة في مال التجارة، وعلى من أوجب فيها بنى على الأول. وقال الشافعي: بنى على حول الأصل (1)، وهذا وفاق على مذهب من أوجب في مال التجارة الزكاة، فأما من لا يوجب، فلا يصح، ويبني على أنه لا زكاة في مال التجارة، وقد مضت فيما تقدم. مسألة 114: إذا اشترى سلعة للتجارة بنصاب من جنس الأثمان، مثلا اشتراها بمائتي درهم أو بعشرين دينارا، ثم حال الحول، قومت السلعة بما اشتراها به، ولا يعتبر نقد البلد. وإن لم يكن نصابا فلا يلزمه زكاته، إلا أن يصير مع الربح نصابا، ويحول عليه الحول. وبه قال الشافعي، إلا أنه قال: إن كان الثمن أقل من نصاب، فيه وجهان: أحدهما يقوم بما اشتراها به (2). وقال أبو إسحاق: يقوم بغالب نقد البلد (3). ووافقنا أبو يوسف في أنه يقوم بالنقد الذي اشتراها به (4). وقال محمد: يقوم بغالب نقد البلد، وبه قال ابن الحداد (5) (6).

(1) الأم 2: 47، ومختصر المزني: 50.
(2) الأم 2: 47 - 48، ومختصر المزني: 50 - 51، والمجموع 6: 65، وفتح العزيز 6: 70، والمغني لابن قدامة 2: 626.
(3) الأم 2: 47 - 48، والمجموع 6: 66، وفتح العزيز 6: 70، والمبسوط 2: 191، وبدائع الصنائع 2: 21، وتبيين الحقائق 1: 280، وحاشية تبيين الحقائق 1: 280.
(4) تبيين الحقائق 1: 280، وحاشية تبيين الحقائق 1: 280.
(5) مشترك بين شخصين مالكي المذهب وآخر شافعي، والظاهر هو: محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الكتاني المصري الشافعي المعروف بابن الحداد، ولي القضاء بمصر له أدب القضاء، والفتاوى، وجامع الفقه وغيرها مات سنة 344 ه‍ وفيات الأعيان 1: 589، وتذكرة الحفاظ 3: 108، وشذرات الذهب 2: 367، وطبقات الشافعية: 21.
(6) المجموع 6: 64، وفتح العزيز 6: 70، والمبسوط 2: 191، وبدائع الصنائع 2: 21، وتبيين الحقائق 1: 279، والمغني لابن قدامة 2: 626.

[ 100 ]

وقال أبو حنيفة: يقوم بما هو أحوط للمساكين (1). دليلنا: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن طلب برأس المال فصاعدا ففيه الزكاة، وإن طلب بخسران فليس فيه زكاة (2) ولا يمكن أن يعرف رأس المال إلا أن يقوم بما اشتراه به بعينه. مسألة 115: قد بينا أنه إذا بادل دنانير بدنانير، وحال الحول، لم ينقطع حول الأصل، وكذلك إن بادل دراهم بدراهم. وإن بادل دراهم بدنانير، أو دنانير بدراهم، أو بجنس غيرها. بطل حول الأول. وقال الشافعي: يستأنف الحول على كل حال، بادل بجنسه أو بغير جنسه (3)، فإن كانت المبادلة للتجارة وهو الصرف الذي يقصد به شراء الذهب والفضة للتجارة والربح على وجهين: قال أبو العباس وأبو إسحاق وغيرهما، يستأنف (4)، وكان أبو العباس يقول بشراء الصيارف: أنه لا زكاة في أموالهم (5).

(1) المبسوط 2: 191، وبدائع الصنائع 2: 21، وتبين الحقائق 1: 279، والمغني لابن قدامة 2: 262، وفتح العزيز 6: 70.
(2) لعل الشيخ قدس سره أشار للحديث الذي رواه في التهذيب 4: 69 حديث 187 عن إسماعيل بن عبد الخالق قال: سأله سعيد الأعرج وأنا حاضر أسمع فقال: إنا نكبس الزيت والسمن عندنا نطلب به التجارة فربما مكث عندنا السنة والسنتين هل عليه زكاة؟ قال: فقال: إن كنت تربح فيه شيئا وتجد رأس مالك فعليك فيه زكاة وإن كنت إنما تربص به لأنك لا تجد إلا وضيعة فليس عليك زكاة حتى يصير ذهبا أو فضة، فإذا صار ذهبا أو فضة فزكه للسنة التي تتجر فيها. وفي الباب منه وفي الاستبصار 2: 10، وما رواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 529 عدة أحاديث تدل على هذا المعنى فلاحظ.
(3) الأم 2: 24، والمجموع 5: 361، وفتح العزيز 5: 489.
(4) الوجيز: 94 - 95، وفتح العزيز 5: 489.
(5) فتح العزيز 5: 489.

[ 101 ]

وقال الاصطخري: يبني ولا يستأنف، وكان يقول: الذي قال أبو العباس خلاف الإجماع (1). وقال أبو حنيفة: إن كانت المبادلة بالأثمان بنى جنسا كان أو جنسين، وإن كان في الماشية استأنف جنسا كان أو جنسين (2). دليلنا: ما روي عنهم عليه السلام أنهم قالوا: الزكاة في الدراهم والدنانير، وعدوا تسعة أشياء (3)، ولم يفرقوا بين أن تكون الأعيان باقية أو أبدلت بمثلها، فيجب حملها على العموم. مسألة 116: إذا اشترى عرضا للتجارة، جرى في الحول من حين اشتراه. وبه قال الشافعي (5). دليلنا: قوله عليه السلام: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (6). مسألة 117: إذا ملك سلعة للقنية، ثم نواها للتجارة، لم تصر للتجارة بمجرد النية. وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك (7).

(1) فتح العزيز 6: 54.
(2) المبسوط 2: 166، وفتح العزيز 5: 490.
(3) انظر الكافي 3: 497 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 2: 8 حديث 26، والتهذيب 4: 1 حديث 1.
(4) الأم 2: 47، ومختصر المزني: 50، والمنهاج القويم: 349.
(5) مقدمات ابن رشد 1: 250، وبلغة السالك 1: 223.
(6) تقدمت الإشارة إلى مصادر هذا الحديث في المسألة " 64 " من هذا الكتاب فلاحظ.
(7) الأم 2: 47 - 48، والوجيز 1: 94، والمجموع 6: 48 - 49، والمبسوط 2: 198، ومغني المحتاج 1: 398، وبلغة السالك 1: 224.

[ 102 ]

وقال الحسين الكرابيسي (1) من أصحاب الشافعي: تصير للتجارة بمجرد النية. وبه قال أحمد وإسحاق (2). دليلنا: إنا قد اتفقنا أنه إذا اشترى بنية القنية لا يلزمه زكاته، فمن ادعى أن بالنية عاد إلى التجارة فعليه الدلالة. مسألة 118: النصاب يراعى في أول الحول إلى آخره، وسواء كان ذلك في الماشية أو الأثمان أو التجارات. وقال أبو حنيفة: النصاب في طرفي الحول، وإن نقص فيما بينهما جاز في جميع الأشياء، الأثمان والمواشي. وبه قال الثوري (3). وقال الشافعي: وأصحابه فيه قولان: وقال أبو العباس: لا بد من النصاب طول الحول في المواشي والأثمان والتجارات (4). وقال باقي أصحابه: مال التجارة يراعى فيه النصاب حين حول الحول، فإن كان في أول الحول أقل من نصاب لم يضره ذلك، فأما الأثمان والمواشي فلا بد فيها من النصاب من أوله إلى آخره (5). دليلنا: إن ما اعتبرناه لا خلاف أنه يتعلق به زكاة، وما ادعوه ليس عليه دلالة.

(1) الحسين بن علي البغدادي الكرابيسي - نسبة إلى بيعه الكرابيس - فقيه محدث، صحب الشافعي، وأخذ العلم عنه، مات سنة 245 وقيل: 248 هجرية. تاريخ بغداد 8: 64، ووفيات الأعيان 1: 181، وطبقات الشافعية: 6، وتهذيب التهذيب 2: 359، وشذرات الذهب 2: 117.
(2) المغني لابن قدامة 2: 624، والمجموع 6: 48 - 49.
(3) المبسوط 2: 172، وفتح القدير 1: 528، وتبيين الحقائق: 1: 280، وبداية المجتهد 1: 263.
(4) المجموع 6: 55.
(5) المجموع 6: 55، والوجيز 1: 94، والمبسوط 2: 172، وكفاية الأخيار 1: 117.

[ 103 ]

وأيضا قوله عليهم السلام: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (1). وذلك عام في جميع الأشياء. مسألة 119: من كان له مماليك للتجارة تلزمه زكاة الفطرة دون الزكاة المال، إذا قلنا لا تجب الزكاة في مال التجارة، وإذا قلنا فيه الزكاة، أو قلنا أنه مستحب، ففي قيمتها الزكاة، وتلزمه زكاة الفطرة عن رؤوسهم. وبه قال الشافعي ومالك أكثر أهل العلم (2). وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: تجب زكاة التجارة دون صدقة الفطرة (3). دليلنا على الأول: إنا قد بينا أن مال التجارة لا تجب فيه الزكاة، فإذا ثبت ذلك، فزكاة الفطرة واجبة بالاجماع، لأن أحدا لم يسقطها مع إسقاط زكاة المال وأما الذي يدل على الثاني فهو أن الزكاة التجارة تجب في القيمة، وهي ثابتة بالاجماع، لأن أحدا لم يسقطها، وإنما الخلاف في اجتماع زكاة الفطرة معها، أم لا، وكل خبر ورد في وجوب إخراج الفطرة عن العبيد يتناول هذا الموضع. وروى عبد الله بن عمر أنه قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله زكاة الفطرة في رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير، وعلى كل حر وعبد، ذكر وأنثى من المسلمين (4).

(1) تقدم في المسألة " 64 " من هذا الكتاب مصادر الحديث المذكور فلاحظ.
(2) الأم 2: 48، ومختصر المزني: 51، والوجيز 1: 95، والمجموع 6: 53، والنتف 1: 164 و 192.
(3) النتف 1: 164 و 192، والوجيز 1: 95، والمجموع 6: 53.
(4) اختلفت المصادر الحديثية في نقل هذا الحديث بألفاظ مختلفة قريبة تؤدي معنى واحدا مثل: صحيح البخاري 2: 161، وصحيح مسلم 2: 677 حديث 12 و 21، وموطأ مالك 1: 284 حديث 52، وسنن أبي داود 2: 112 حديث 1611، وسنن ابن ماجة 1: 584 حديث 1826، وسنن الدارقطني 2: 138.

[ 104 ]

مسألة 120: إذا ملك مالا، فتوالى عليه الزكاتان، زكاة العين وزكاة التجارة، ومثل أن اشترى أربعين شاة سائمة للتجارة، أو خمسا من الأبل، أو ثلاثين من البقر، وكذلك لو اشترى نخلا للتجارة فأثمرت ووجبت زكاة الثمار، أو أرضا فزرعها فاشتد السنبل، فلا خلاف أنه لا تجب فيه الزكاتان معا، وإنما الخلاف في أيهما تجب، فعندنا أنه تجب زكاة العين دون زكاة التجارة. وبه قال الشافعي في " الجديد " (1). وقال في " القديم ": تجب زكاة التجارة وتسقط زكاة العين، وبه قال أهل العراق (2). دليلنا: كل خبر ورد في وجوب الزكاة في الأعيان يتناول هذا الموضع مثل قوله: " في أربعين من الغنم شاة، وفي خمس من الإبل شاة، وفي ثلاثين من البقر تبيع " (3) ولم يفصل، فمن أسقط فعليه الدليل وأيضا فإن عندنا أن زكاة التجارة ليس بواجب على ما مضى، فلو أسقطنا زكاة العين أدى إلى سقوطهما، وذلك خلاف الإجماع. مسألة 121: إذا اشترى مائتي قفيز طعاما بمائتي درهم للتجارة، وحال الحول وهو يساوي مائتي درهم، ثم نقص قبل إمكان الأداء فصار يساوي مائة درهم، كان بالخيار بين أن يخرج خمسة أقفزة من ذلك أو درهمين ونصف. وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد (1).

(1) الأم 2: 48، ومختصر المزني: 51، والمجموع 6: 50، والمبسوط 2: 170.
(2) الأم 2: 48، ومختصر المزني: 51، والمجموع 6: 50، والمبسوط 2: 170.
(3) سنن الترمذي 2: 17 حديث 621 و 2: 19 حديث 622، وسنن أبي داود 2: 96 حديث 1567، و 2: 99 حديث 1572، وسنن ابن ماجة 1: 573 حديث 1798، و 1: 576 حديث 1803، و 1: 577 حديث 1804 و 1805، وسنن النسائي 5: 17 باب (25 و 27) فلاحظ.
(4) المجموع 6: 69، والمبسوط 3: 15.

[ 105 ]

وقال أبو حنيفة: هو بالخيار بين أن يخرج خمسة دراهم أو خمسة أقفزة (1). دليلنا: إنا قد بينا أن الزكاة تتعلق بالقيمة، والقيمة تراعى وقت الاخراج، والامكان شرط في الضمان، فإذا نقص قبل الامكان فقد نقص منه، ومن مال المساكين فلا يلزمه أكثر من خمسة أقفزة أو قيمتها درهمين ونصف. مسألة 122: المسألة بعينها بفرض أن الطعام زاد، فصار كل قفيز بدرهمين، فلا يلزمه أكثر من خمسة دراهم، أو قيمة قفيزين ونصف. وقال أبو حنيفة: هو بالخيار بين أن يخرج خمسة دراهم أو خمسة أقفزة، لأنه يعتبر القيمة عند حلول الحول (2). وقال أبو يوسف ومحمد: هو بالخيار بين أن يخرج عشرة دراهم أو خمسة أقفزة، لأنهما يعتبران القيمة حين الاخراج (3). وللشافعي فيه قولان: - أولها: يخرج خمسة دراهم، لأن عليه ربع عشر القيمة حين الوجوب. والآخر: أخرج خمسة أقفزة وإن كانت قيمتها عشرة دراهم، لأن الحق تعلق بالعين، فما زاد فللمساكين. والثالث: هو بالخيار بين أن يخرج خمسة دراهم أو خمسة أقفزة قيمتها عشرة دراهم (4). دليلنا: إن ما اعتبرناه مجمع على لزومه، وما اعتبروه ليس عليه دليل. مسألة 123: إذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة على أن يشتري بها متاعا والربح بينهما، فاشترى سلعة بألف، وحال الحول، وهي تساوي ألفين،

(1) اللباب 1: 151، والفتاوى الهندية 1: 179 - 180، والمبسوط 3: 15، وشرح فتح القدير 1: 528.
(2) الفتاوى الهندية 1: 180، وبدائع الصنائع 2: 21 - 22.
(3) بدائع الصنائع: 2: 22.
(4) المجموع 6: 69، وفتح العزيز 6: 69.

[ 106 ]

فإنما تجب في الألف الزكاة، لأنه قد حال الحول عليها. وأما الربح فإن فيه الزكاة من حين ظهر إلى أن يحول عليه الحول. فزكاة الأصل على رب المال، وزكاة الربح ففي أصحابنا من قال: إن المضارب له أجرة المثل وليس له من الربح شئ (1)، فعلى هذا زكاة الرح على رب المال. ومنهم من قال: له من الربح بمقدار ما وقع الشرط عليه (2)، فعلى هذا يلزم المضارب الزكاة من الربح بمقدار ما يصيبه منه، وزكاة باقي الرح على صاحب المال، هذا إذا كان المضارب مسلما. فإن كان ذميا فمن قال: إن الربح لصاحب المال، كان الزكاة عليه،. ومن قال: بينهما صاحب المال بمقدار ما يصيبه منه، يلزم الذمي شئ، لأنه لا تجب الزكاة في ماله. وقال الشافعي: إذا حال الحول والسلعة تساوي ألفين وجبت الزكاة في الكل، لأن الربح في مال التجارة يتبع الأصل في الحول (3). فأما من تجب عليه فيه قولان: أحدهما: زكاة الكل على رب المال. والثاني: على رب المال زكاة الأصل، وزكاة حصته من الربح. وعلى العامل زكاة حصته من الربح (4). دليلنا: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (5) والربح لم يحل عليه الحول.

(1) قاله الشيخ قدس سره في المقنعة: 97. (2) قاله ابن حمزة في الوسيلة 710، وحكاه العلامة الحلي في المختلف: 23 عن ابن الجنيد.
(3) المجموع 6: 70.
(4) المجموع 6: 70، ومغني المحتاج 1: 401.
(5) انظر مصادر الحديث في المسألة " 64 " المتقدمة.

[ 107 ]

وأيضا الأصل براءة الذمة، والأصل تجب فيه الزكاة بلا خلاف، فمن أوجب في الربح الزكاة قبل الحول فعليه الدلالة، فأما صحة أحد المذهبين في مال المضارب قد بينا في الكتاب الكبير. مسألة 124: إنما يملك المضارب الربح من حين يظهر الربح في السلعة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، وهو أصحهما. وبه قال أبو حنيفة (1). فعلى هذا يكون عليه الزكاة من حين ظهر الربح. والآخر: بالمقاسمة يملك، وهو اختيار المزني (2)، فعلى هذا زكاة الكل على رب المال إلى أن يقاسم. دليلنا: أنه إذا صح أن الربح بينهما وثبت، فحين ظهر الربح يجب أن يثبت للمضارب كما يثبت للمالك. وأيضا روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من أعطي مالا للمضاربة فاشترى أباه قال: يقوم فإن زاد على ما اشتراه بدرهم انعتق منه نصيبه ويستسعى فيما بقي لرب المال (3). فلولا أنه ملك بالظهور دون المقاسمة لما صح هذا القول. مسألة 125: إذا ملك نصابا من الأموال الزكاتية الذهب، أو الفضة، أو الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الثمار، أو الحرث، أو التجارة وعليه دين يحيط به، فإن كان له مال غير هذا بقدر الدين، كان الدين في مقابلة ما عدا مال الزكاة

(1) الأم 2: 49، والمجموع 6: 70، والمبسوط 2: 204.
(2) مختصر المزني: 51، والمبسوط 2: 204.
(3) وهو مضمون رواية محمد بن القيس التي رواها كل من الشيخ الكليني في الكافي 5: 241 حديث 8، والصدوق في الفقيه 3: 144 حديث 633، والمصنف في التهذيب 7: 190 حديث 841.

[ 108 ]

سواء كان ذلك عقارا أو أثاثا أو أي شئ، وعليه الزكاة في النصاب. وإن لم يكن له غير النصاب الذي فيه الزكاة، فعندنا أن لا يمنع من وجوب الزكاة. واختلف الناس فيه على أربعة مذاهب: فقال الشافعي في الجديد والأم: الدين يمنع وجوب الزكاة، وبه قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وحماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى (1). وقال في القديم، واختلاف العراقيين في الجديد: الدين يمنع وجوب الزكاة، فإن كان الدين بقدر ما عنده منع من وجوب الزكاة، وإن كان أقل منع الزكاة فيما قابله، فإن بقي بعده نصاب فيه الزكاة، وإلا فلا زكاة فيه. وبه قال الحسن البصري، وسليمان بن يسار، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق (2). وذهب قوم إلى أنه إن كان ما في يده من الأثمان أو التجارة منع الدين من وجوب الزكاة فيما، وإن كان من الماشية أو الثمار، أو الحرث لم يمنع. ذهب إليه مالك، والأوزاعي (3). وقال أبو حنيفة وأصحابه: الدين يمنع من وجوب الزكاة في الماشية، والتجارة، والأثمان. فأما الأموال العشرية الحرث والثمار، فالدين لا يمنع وجوب العشر. وكأنه يقول: الدين يمنع وجوب الزكاة، والعشر ليس بزكاته عندهم، فلا يمنع الدين منه (4).

(1) الأم 2: 51، والمجموع 5: 344، والنتف في الفتاوى 1: 172، المغني لابن قدامة 2: 633، والشرح الكبير على المقنع لابن قدامة 2: 454.
(2) المجموع 5: 344، والمغني لابن قدامة 2: 634، والشرح الكبير 2: 454 - 455.
(3) المجموع 5: 344، والمغني لابن قدامة 2: 634، والشرح الكبير 2: 455.
(4) المغني لابن قدامة 2: 634، وبداية المجتهد 1: 238.

[ 109 ]

دليلنا: كل خبر روي عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام (1) من أن الزكاة في الأجناس المخصوصة، متناول لهذا الموضع، لأنه لم يفرق بين من عليه الدين، وبين من لم يكن عليه ذلك، فوجب حملها على العموم. مسألة 126: إذا ملك مائتي درهم عليه مائتان، وله عقار، وأثاث يفي بما عليه من الدين، فعندنا أنه يجب عليه في المائتين الزكاة. وقال أبو حنيفة: المائتان في مقابلة المائتين، ويمنع الدين وجوبها فيه، لا يكون الدين في مقابلة ما عداه (2). دليلنا: إنا قد بينا أنه لو يملك غير المائتين لم تسقط عنه الزكاة، لأن الزكاة حق في المال، والدين يتعلق بالذمة، فلا يمنع منه. مسألة 127: إذا ملك مائتين لا يملك غيرها، فقال: لله علي أن أتصدق بمائة منها، ثم حال الحول، لا تجب عليه زكاتها. وللشافعي فيه قولان: أحدهما، إن قال: إن الدين يمنع، فها هنا يمنع والآخر: لا يمنع (3). ففي هذا وجهان، أحدهما: يمنع، والآخر: لا يمنع. فإذا قال: لا يمنع أخرج خمسة دراهم، وتصدق بمائة. وقال محمد بن الحسن: النذر لا يمنع وجوب الزكاة عليه زكاة مائتين خمسة دراهم. درهمين ونصف عن هذه المائة، ودرهمين ونصف عن المائة الأخرى، وعليه أن يتصدق بسبعة وتسعين درهما ونصف (4).

(1) انظر ما رواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 509، والشيخ الطوسي في الاستبصار 2: 2.
(2) المبسوط 2: 197، والنتف في الفتاوى 1: 172، وبداية المجتهد 1: 238.
(3) الوجيز 1: 86، والمجموع 5: 345، وكفاية الأخيار 1: 119.
(4) حكاه الرافعي في فتح العزيز 5: 510 فلاحظ.

[ 110 ]

دليلنا: إنه إذا جعل لله على نفسه من ذلك المال مائة فقد زال بذلك ملكه، فإذا حال الحول لم يبق معه نصاب، فلا تجب عليه، لأنه علق النذر بالمال لا بالذمة. مسألة 128: إذا ملك مائتين، فحال عليها الحول، وجبت الزكاة فيها، فتصدق بها كلها وليس معه مال غيرها، لم يسقط بذلك فرض الزكاة. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني إن الخمسة تقع عن الفرض، والباقي عن النفل. دليلنا: إن إخراج الزكاة عبادة، والعبادة تحتاج إلى نية، فمتى تجرد عن نية العبادة والوجوب لم يجز. ولو قلنا: إنها يجزي عنه لأنه يستحق الزكاة منها، فإذا أخرج إلى مستحقها فقد أجزأ عنه، لأن ذلك يجري مجرى الوديعة. إذا لم ينو فإنها يقع رد الوديعة لكان قويا، والأحوط الأول. مسألة 129: إذا كان له ألف، فاستقرض ألفا غيرها، ورهن هذه عند المقرض، فإنه يلزمه زكاة الألف التي في يده إذا حال عليها الحول دون الألف التي هي رهن، والمقرض لا يلزمه شئ، لأن مال القرض زكاته على المستقرض دون القارض. وقال الشافعي: هذا قد ملك ألفين وعليه ألف دين، فإذا قال: الدين لا يمنع وجوب الزكاة زكى الألفين، وإذا قال: يمنع زكى الألف. وأما المقرض ففي يده رهن بألف، والرهن لا يمنع وجوب الزكاة على الراهن، وله دين على الراهن ألف، فهل تجب الزكاة في الدين على قولين (2).

(1) المجموع 6: 185.
(2) الأم 2: 51، ومختصر المزني: 51 - 52، والوجيز 1: 86، والمجموع 5: 366.

[ 111 ]

دليلنا: إنه لا خلاف بين الطائفة أن زكاة القرض على المستقرض دون القارض، وإن المال الغائب إذا لم يتمكن منه لا تلزمه زكاته، والرهن لا يتمكن منه، فعلى هذا صح ما قلناه. والمقرض يسقط عنه زكاة القرض بلا خلاف بين الطائفة، ولو قلنا إنه يلزم المستقرض زكاة الألفين لكان قويا، لأن الألف القرض لا خلاف بين الطائفة أنه يلزمه زكاته، والألف المرهونة هو قادر على التصرف فيها بأن يفك رهنها، والمال الغائب إذا كان متمكنا منه يلزمه زكاته بلا خلاف بينهم (1). مسألة 130: إذا وجد نصابا من الأثمان أو غيرها من المواشي، عرفها سنة، ثم هو كسبيل ماله وملكه، فإذا حال بعد ذلك عليه حول وأحوال، لزمته زكاته، فإنه مالك، وإن كان ضامنا له. وأما صاحبه فلا زكاة عليه، لأن المال الغائب الذي لا يتمكن منه لا زكاة فيه. وقال الشافعي: إذا كان بعد سنة هل يدخل في ملكه بغير اختياره؟ على قولين: أحدهما وهو المذهب: إنه لا يملكها إلا باختياره (3). والثاني: يدخل مثلها في ذمته، وإن كانت ماشية وجب قيمتها في ذمته (4). فأما الزكاة فإذا حال الحول من حين التقط فلا زكاة فيها، لأنه أمين (5). وأما صاحب المال فله مال لا يعلم موضعه على قولين مثل الغصب، وأما الحول الثاني فإن لم يملكها فهي أمانة في يده.

(1) الأم 2: 51، ومختصر المزني: 51 - 52، والمجموع 5: 343.
(2) المجموع 5: 342، و 15: 267، والمغني لابن قدامة 2: 641.
(3) المجموع 5: 342، و 15: 267.
(4) المجموع 15: 267.
(5) المجموع 5: 342.

[ 112 ]

ورب المال على قولين مثل الضالة، وإذا ملكها الملتقط وحال الحول فهو كرجل له ألف وعليه ألف، فإن قال: الدين يمنع، فها هنا يمنع، وإن قال: لا يمنع، فها هنا لا يمنع، إذا لم يكن له ملك سواه بقدره، فإن كان له مال سواه لزمه زكاته، ورب المال على قولين كالضالة والمغصوب (1). دليلنا: ما روي عنهم عليهم السلام قالوا: لقطة غير الحرم يعرفها سنة ثم هي كسبيل ماله (2) وسبيل ماله أن تجب فيه الزكاة فهذا تجب فيه الزكاة. مسألة 131: إذا أكرى دارا أربع سنين بمائة دينار معجلة أو مطلقة، فإنها تكون أيضا معجلة، ثم حال الحول، لزمته زكاة الكل، إلا إذا كان متمكنا من أخذه، وكل ما حال عليه الحول لزمته زكاة الكل، إلا أنه لا يجب عليه إخراجه إلا بعد مضي المدة التي يستقر فيها ملكه نصابا، فإذا مضت تلك المدة زكاه لما مضى، ولا يستأنف الحول. وللشافعي فيه قولان: أحدهما اختيار المزني والبويطي وأكثر أصحابه مثل ما قلناه (3)، والذي نص الشافعي عليه أنه إذا حال عليه الحول زكى بخمسة وعشرين، وفي الثانية زكى خمسين (4). وقال مالك: كلما مضى شهر ملك الشهر.

(1) المجموع 5: 342 - 343.
(2) روى الشيخ المصنف قدس سره في التهذيب 6: 389 حديث 1163، والاستبصار 3: 68 حديث 227 بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام في اللقطة يجدها الرجل الفقير أهو فيها بمنزلة الغني قال عليه السلام: نعم واللقطة يجدها الرجل ويأخذها قال عليه السلام: يعرفها لسنة فإن جاء لها طالب وإلا فهي كسبيل ماله... إلى آخره.
(3) الأم 2: 61، ومختصر المزني 52، والوجيز 1: 86، والمجموع 6: 23، وفتح العزيز 5: 514، ومغني المحتاج 1: 412.
(4) الأم 2: 61، ومختصر المزني: 52، والوجيز 86، وفتح العزيز 5: 514، ومغني المحتاج 1: 412.

[ 113 ]

وقال أبو حنيفة: إذا مضى خمس المدة ملك عشرين دينارا، وعندهما معا حينئذ يستأنف الحول. دليلنا: إن عندنا أن الأجرة تستحق بنفس العقد بإجماع الفرقة على ذلك على ما بيناه في الإجارات إذا كانت مطلقة أو معجلة، وإذا كان هذا ملكا صحيحا وحال الحول لزمته زكاته. والذي يدل على أن ملكه صحيح، إنه يصح أن يتصرف فيه بجميع تصرف الملك، ألا ترى أنه لو كانت الأجرة جارية جاز له وطؤها، فعلم بذلك أن ملكه صحيح. مسألة 132: يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يكره أن يقسمها في دار الحرب (2). دليلنا على ذلك: إنه لا مانع في الشرع منه، فينبغي أن يكون جائزا. مسألة 133: إذا حصلت أموال المشركين في أيدي المسلمين فقد ملكوها، سواء كانت الحرب قائمة أو تقضت. وقال الشافعي: إن كانت الحرب قائمة فلا يملك ولا يملك أن يملك، ومعناه أن يقول أخذت حقي ونصيبي منها. وإن كانت الحرب تقضت فإنه لا يملكها، ولكنه يملك إن يملكها (3). دليلنا: ما روي عنهم عليهم السلام: إن من سرق من مال المغنم بمقدار ما يصيبه فلا قطع عليه (4) فلو لم يكن مالكا لوجب عليه القطع. وأيضا فلا خلاف أنه لو وطأ جارية من المغنم، فإنه لا يكون زانيا، ولا

(1) الأم 4: 141.
(2) الأم 7: 333.
(3) الوجيز 1: 86، والمجموع 5: 354.
(4) من لا يحضره الفقيه 4: 45 حديث 151، والتهذيب 10: 106 حديث 410، والاستبصار 4: 242 حديث 914.

[ 114 ]

يقام عليه الحد. وعندنا أنه يدرأ عنه الحد بمقدار ما يصيبه منها، فلولا أنه مالك لما وجب ذلك. مسألة 134: إذا ملك من مال الغنيمة نصابا تجب فيه الزكاة جرى في الحول ولزمته زكاته، سواء كانت الغنيمة أجناسا مختلفة مثل الذهب والفضة والمواشي، أو جنسا واحدا. وقال الشافعي: إن اختار أن يملك وملك وكانت الغنيمة أجناسا مختلفة لا تلزمه الزكاة، وإن كانت جنسا واحدا لزمته (1). دليلنا: إنه قد ملك من كل جنس ما تجب فيه الزكاة، فوجب أن يجب عليه ذلك، لتناول الأمر له بذلك، ولا شئ يمنع منه، والشافعي إنما منع منه لأنه قال: إنه لا يملك من كل جنس بل الإمام مخير أن يعطيه من أي جنس شاء قيمته تحكما (2) وهذا عندنا ليس بصحيح، لأن له في كل جنس نصيبا، فليس للإمام منعه منه، والباقي يقسم بين المقاتلة (3) يتناول ذلك، ولم يقولوا إن الإمام مخير في ذلك، وله قسمة تحكم. ولو قلنا: لا تجب عليه الزكاة لأنه غير متمكن من التصرف فيه قبل القسمة لكان قويا. مسألة 135: من ملك نصابا، فباعه قبل الحول بخيار المجلس، أو خيار الثلاث، أو ما زاد على ذلك على مذهبنا، أو كان له عبد فباعه قبل أن يهل شوال بشرط، ثم أهل شوال في مدة الشرط، فإن كان الشرط للبائع، أو لهما، فإن زكاة المال وزكاة الفطرة على البائع، وإن كان الشرط للمشتري دون البائع

(1) المجموع 5: 353،. مغني المحتاج 1: 411 - 412.
(2) المجموع 5: 353.
(3) تفسير العياشي 2: 61 حديث 51، والتهذيب 4: 132 حديث 369.

[ 115 ]

فزكاته على المشتري، زكاة الفطرة في الحال، وزكاة المال يستأنف الحول به. وللشافعي في انتقال الملك ثلاثة أقوال: أحدها: إنه ينتقل بنفس العقد، فعلى هذا زكاة الفطرة على المشتري. والآخر: إنه بشرطين، العقد وانقضاء الخيار، فالفطرة على البائع. والثالث: إنه مراعى، فإن تم البيع فالفطرة على المشتري، وإن فسخ فالفطرة على البائع، لأن به تبين انتقال الملك بالعقد. وزكاة الأموال مثل ذلك مبنية على الأقوال الثلاثة: إذا قال: ينتقل بنفس العقد، فلا زكاة عليه. وإن قال: بشرط، فالزكاة على البائع. وإن قال: مراعى، فإن صح البيع استأنف المشتري الحول، وإن انفسخ فالزكاة على البائع (1). دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " المؤمنون عند شروطهم " (2). فإذا ثبت هذا، فإن كان الشرط للبائع، أولهما، فالملك ثابت للبائع، فعليه زكاته. وإن كان الشرط للمشتري، استأنف الحول، لأن ملك البائع قد زال. مسألة 136: من باع ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، كان البيع صحيحا، فإن قطع فذاك، وإن توانى عنه حتى بدا صلاح الثمرة، فلا يخلو إما أن يطالب المشتري بالقطع، أو البائع بالقطع، أو يتفقا على القطع، فإن لهما ذلك، ولا زكاة على واحد منهما. وإن اتفقا على التبقية، أو اختار البائع تركه، كان له تركه، وكانت الزكاة على المشتري. وقال الشافعي: إن طالب البائع بالقطع فسخنا البيع بينهما، وعاد الملك

(1) المجموع 5: 351.
(2) التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835.

[ 116 ]

إلى صاحبه، وكانت زكاته عليه. وكذلك إن اتفقا على القطع، فإن اتفقا على التبقية جاز، وكانت الزكاة على المشتري (1). وقال أبو إسحاق: إن اتفقا على التبقية فسخنا البيع، فإذا رضي البائع بالتبقية واختار المشتري القطع، فيه قولان، أحدهما: يجبر المشتري على التبقية والآخر: يفسخ البيع (2). دليلنا: على ما قلناه: إن الأصل براءة الذمة، وفسخ العقد يحتاج إلى دلالة، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 137: يكره للانسان أن يشتري ما أخرجه في الصدقة، وليس محظور، وبه قال أبو حنيفة والشافعي (3). وقال مالك: البيع مفسوخ (4). دليلنا: قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربا " (5) وهذا بيع، فمن ادعى فسخه، فعليه الدلالة. مسألة 138: المعادن كلها يجب فيها الخمس من الذهب، والفضة، والحديد، والصفر، والنحاس، والرصاص، ونحوها مما لا ينطبع ومما لا ينطبع، كالياقوت، والزبرجد، والفيروزج ونحوها، وكذلك القير، والموميا، والملح، والزجاج وغيره. وقال الشافعي: لا يجب في المعادن شئ إلا الذهب والفضة فإن فيهما

(1) الجموع 5: 466.
(2) ذكر النووي في المجموع 5: 466 حكاية هذا القول من دون نسبته لأحد من الفقهاء.
(3) الأم 2: 59، والمنتقى شرح الموطأ 2: 181، وعمدة القاري 9: 48 - 85.
(4) حكى الباجي في المنتقى 2: 181، والعيني في عمدة القاري 9: 85 قول مالك في هذه المسألة بعدم الفسخ، ونسبا قول الفسخ لأهل الظاهر.
(5) البقرة: 275.

[ 117 ]

الزكاة، وما عداهما ليس فيه شئ، انطبع أو لم ينطبع (1). وقال أبو حنيفة: كلما ينطبع مثل الحديد، والرصاص، والذهب، والفضة ففيه الخمس. وما لا ينطبع فليس فيه شئ مثل الياقوت، والزمرد، والفيروزج فلا زكاة فيه لأنه حجارة (2). وقال أبو حنيفة ومحمد: في الزيبق الخمس (3). وقال أبو يوسف: لا شئ فيه، ورواه عن أبي حنيفة (4). وقال أبو يوسف: قلت لأبي حنيفة: هو كالرصاص، فقال: فيه الخمس (5). وقال أبو يوسف وسألته عن الزيبق بعد ذلك فقال: إنه يخالف الرصاص، فلم أر فيه شيئا (6). فروايته عن أبي حنيفة ومذهبه الذي مات عليه أنه يخمس. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا قوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه " (7) وهذه الأشياء كلها مما غنمه الانسان. وأيضا الأخبار التي وردت عنهم عليهم السلام في أن الأرض خمسها لنا، وإن لنا خمس الأشياء حتى أرباح التجارات (8) تتناول ذلك. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " في الركاز الخمس " (9).

(1) الأم 2: 42، ومختصر المزني: 53، وكفاية الأخيار 1: 117، ومغني المحتاج 1: 394، وشرح فتح القدير 1: 537، والمبسوط 2: 211.
(2) المبسوط 2: 211 و 213، وشرح فتح القدير 1: 537 و 541.
(3) المبسوط 2: 213، وشرح فتح القدير 1: 541.
(4) و (5) المبسوط 2: 213.
(6) المصدر السابق.
(7) الأنفال: 41.
(8) انظر ما رواه الشيخ الطوسي قدس سره في التهذيب 4: 123، والاستبصار 2: 54 في هذا المعنى.
(9) صحيح البخاري 2: 160، وصحيح مسلم 3: 1334 حديث 45 و 46 وموطأ مالك 1: 249 =

[ 118 ]

والمعادن ركاز. مسألة 139: يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات، والغلات، والثمار على اختلاف أجناسها بعد إخراج حقوقها ومؤنتها، وإخراج مؤنة الرجل لنفسه ومؤنة عياله سنة. ولم يوافقنا على ذلك أحد من الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (1)، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه إذا أخرج الخمس عما ذكرناه كانت ذمته بريئة بيقين، وإن لم يخرج ففي براءة ذمته خلاف. مسألة 140: وقت وجوب الخمس في المعادن حين الأخذ، ووقت الاخراج حين التصفية والفراغ منه، ويكون المؤنة وما يلزم عليه من أصله، والخمس فيما يبقى، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي (2). وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يراعى فيه حلول الحول، وهو اختيار المزني، لأنه لا تجب الزكاة إلا في الذهب والفضة، وهما يراعى فيهما حلول الحول (3). والآخر عليه أصحابه: أنه يجب عليه حين التناول، وعليه إخراجه حين التصفية والفراغ، فإن أخرجه قبل التصفية لم يجزه (4).

= حديث 9، وسنن الترمذي 3: 34 حديث 642، ومسند أحمد بن حنبل 1: 314، وسنن النسائي 5: 44، وسنن أبي داود 3: 181 حديث 3085، وسنن البيهقي 4: 155. (1) انظر ما رواه الشيخ المصنف قدس سره في التهذيب 4: 121 (باب الخمس والغنائم)، والاستبصار 2: 54 (باب وجوب الخمس فيما يستفيده الانسان حالا بعد حال).
(2) المجموع 6: 81، والمغني لا بن قدامه 2: 619، وفتح العزيز 6: 91، والمبسوط 2: 211.
(3) مختصر المزني: 53، والمجموع 6: 81، وفتح العزيز 6: 91، والمبسوط 2: 211.
(4) المجموع 6: 80 و 84، وفتح العزيز 6: 91، والمغني لابن قدامة 2: 619، والمبسوط 2: 211، ومغني المحتاج 1: 394 - 395.

[ 119 ]

دليلنا: قوله تعالى " فإن لله خمسه " (1) والأمر يقتضي الفور، فيجب الخمس على الفور. وأما احتساب النفقة من أصله فعليه إجماع الفرقة. وأيضا الأصل براءة الذمة، وما قلناه مجمع عليه، وما قالوه ليس عليه دليل. مسألة 141: لا بأس ببيع تراب المعادن وتراب الصياغة، إلا أن تراب الصياغة يتصدق بثمنه. وقال مالك: يجوز بيع تراب المعدن دون تراب الصياغة (2). وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز بيعه (3). دليلنا: قوله تعالى " وأحل الله البيع وحرم الربا " (4) وهذا بيع. وأيضا الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 142: قد بينا أن المعادن فيه الخمس، ولا يراعى فيها النصاب. وبه قال الزهري وأبو حنيفة كالركاز سواء، إلا أن الكنوز لا يجب فيها الخمس إلا إذا بلغت الحد الذي تجب فيه الزكاة (5). وقال الشافعي في القديم والأم والجديد والاملاء: إن الواجب ربع العشر، وبه قال أحمد وإسحاق (6). وأومأ الشافعي في الزكاة إلى اعتبار النصاب مائتي درهم (7)، وذهب

(1) الأنفال: 41.
(2) بداية المجتهد 2: 157، والمجموع 6: 90.
(3) الأم 2: 42، ومختصر المزني: 53، والمجموع 6: 98 - 90، وبداية المجتهد 1: 250.
(4) البقرة: 275.
(5) المبسوط 2: 211، والمغني لابن قدامة 2: 618، والمجموع 6: 83 و 90، وبداية المجتهد 1: 250.
(6) الوجيز 1: 96، والمجموع 6: 90، وكفاية الأخيار 1: 118، والمبسوط للسرخسي 2: 211، ومغني المحتاج 1: 394، وبداية المجتهد 1: 250.
(7) الأم 2: 43، ومختصر المزني: 53، والمجموع 6: 2، وكفاية الأخيار 1: والمغني لابن قدامه 2: 618.

[ 120 ]

غيرهم إلى أن المعادن الركاز، وفيها الخمس (1). وقال عمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي: ما وجد بدرة مجتمعة، أو كان في أثر سيل في بطحاء وغيرها، ففيه الخمس، وأومأ إليه في الأم (2). وقال أبو إسحاق في الشرح: المسألة على ثلاثة أقوال ولا يختلف مذهبه في أن في المعادن الزكاة. دليلنا: إجماع الفرقة، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " في الركاز الخمس. قلت: يا رسول الله وما الركاز؟ فقال: الذهب والفضة اللذان خلقهما الله سبحانه في الأرض يوم خلقها " (3) وهذه صفة المعدن. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن رجل وجد كنزا في قرية خربة؟ فقال: " ما وجدته في قرية غير مسكونة، أو في خربة جاهلية ففيه، وفي الركاز الخمس " (4). ثبت أن المعادن ركاز، لأنه عطف على الركاز. مسألة 143: إذا كان المعدن لمكاتب أخذ منه الخمس، سواء كان مشروطا عليه أو لم يكن. وبه قال أبو حنيفة (5). وقال الشافعي: لا شئ عليه (6). دليلنا: إن ذلك خمس، ولا يختص بالأحرار دون العبيد والمكاتبين، والشافعي إنما منع منه لأن عنده أنه زكاة، وقد بينا خلافه، وإنه خمس. مسألة 144: الذمي إذا عمل في المعدن يمنع منه، فإن خالف وأخرج شيئا

(1) الأم 2: 43، ومختصر المزني: 53.
(2) الأم 2: 43، والمدونة الكبرى 1: 287 - 288.
(3) روى الحديث البيهقي في سننه 4: 152، مع اختلاف يسير باللفظ.
(4) رواه أحمد بن حنبل في مسنده 2: 180 و 186 و 203، والصنعاني في سبل السلام 2: 617 ما يؤدي معنى الحديث دون اللفظ فلاحظ.
(5) النتف في الفتاوى 1: 178، والمبسوط 2: 212.
(6) المجموع 6: 91.

[ 121 ]

منه ملكه، ويؤخذ منه الخمس، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، إلا أنه قال: لا يؤخذ منه شئ لأنه زكاة، ولا يؤخذ منه زكاة (1). دليلنا: ما قدمنا في المسألة الأولى سواء من أن ذلك خمس، وليس بزكاة، ولا يمنع الكفر من وجوب الخمس في ماله. مسألة 145: حق الخمس يملك مستحقه مع الذي يخرج من المعدن شيئا. وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: المخرج يملكه كله، ويجب عليه للمساكين حق (3). دليلنا: قوله تعالى: " فإن لله خمسه " (4) وهذا يتناول أن الخمس من نفس الغنيمة. وكذلك الأخبار المروية أن المعادن فيها الخمس (5) تتناول ذلك. مسألة 146: الركاز هو الكنز المدفون يجب فيه الخمس بلا خلاف، ويراعى عندنا فيه أن يبلغ نصابا يجب في مثله الزكاة، وهو قول الشافعي في الجديد (6). وقال في القديم: يخمس قليله وكثيره، وبه قال مالك وأبو حنيفة (7). دليلنا: إجماع الفرقة وأيضا ما اعتبرناه لا خلاف أن فيه الخمس، وما نقص فليس عليه دليل.

(1) المجموع 6: 76 و 91، والوجيز 1: 97، وفتح العزيز 6: 100 - 101.
(2) تبيين الحقائق 1: 289، وحاشية تبيين الحقائق 1: 289، والمجموع 6: 102، والمغني لابن قدامة 2: 614.
(3) المجموع 6: 102، والمغني لابن قدامة 2: 614.
(4) الأنفال: 41.
(5) انظر ما رواه الشيخ الصدوق في كتابة من لا يحضره الفقيه 2: 21 (باب الخمس)، وما رواه المصنف في التهذيب 4: 121 حديث 345 و 349.
(6) الأم 2: 45، ومختصر المزني: 53، والمجموع 6: 99 و 102.
(7) المجموع 6: 99 و 102، والمدونة الكبرى 1: 291، والمبسوط 2: 211، وتبيين الحقائق 1: 288.

[ 122 ]

مسألة 147: النفقة التي تلزم على المعادن والركاز من أصل ما يخرج. وقال الشافعي: تلزم رب المال (1). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 148: إذا وجد دراهم مضروبة في الجاهلية فهو ركاز، ويجب فيه الخمس، سواء كان ذلك في دار الاسلام أو دار الحرب، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: يجب فيه الخمس إن كان في دار الاسلام، وإن كان في دار الحرب لا شئ عليه (3). دليلنا: قوله تعالى: " فإن لله خمسه " (4) ولم يفرق، والأخبار الواردة أن الركاز فيه الخمس على عمومها (5). وخبر أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " في الركاز الخمس " (6)، عام أيضا ولم يفرق. مسألة 149: إذا وجد كنزا عليه أثر الاسلام، بأن تكون الدراهم أو الدنانير مضروبة في دار الاسلام، وليس عليه أثر ملك، يؤخذ منه الخمس. وقال الشافعي: هو بمنزلة اللقطة إذا كان عليها أثر الاسلام (7)، وإن كانت مبهمة لا سكة فيها، والأواني فعلى قولين: أحدهما: بمنزلة اللقطة. والثاني:

(1) المجموع 6: 91.
(2) الوجيز 1: 97، والمجموع 6: 97.
(3) الفتاوى الهندية 1: 185، والنتف 1: 181، والمجموع 6: 102.
(4) الأنفال: 41.
(5) انظر الفقيه 2: 21 حديث 73 و 75، والتهذيب 4: 70 و 121 و 122 الأحاديث 192 و 346 و 347.
(6) صحيح البخاري 2: 160، وصحيح مسلم 3: 1334 حديث 45 و 46، والموطأ 1: 249 حديث 9، وسنن الترمذي 3: 34 حديث 642، وسنن البيهقي 4: 155، ومسند أحمد بن حنبل 1: 314، وسنن النسائي 5: 44، وسنن أبي داود 3: 181 حديث 3085.
(7) المجموع 6: 98، وفتح العزيز 6: 1056.

[ 123 ]

أنه ركاز وغلب عليه المكان، فإن كان في دار الحرب خمس، وإن كان في دار الاسلام فهي لقطة (1). دليلنا: عموم ظاهر القرآن والأخبار الواردة في هذا المعنى (2)، وتخصيصها يحتاج إلى دليل. مسألة 150: إذا وجد ركازا في ملك مسلم أو ذميا في دار الاسلام لا يتعرض له إجماعا، وإن كان ملكا لحربي في دار الحرب فهو ركاز، وبه قال أبو يوسف وأبو ثور (3). وقال الشافعي: هو غنيمة (4). وفائدة الخلاف المصرف، لأن وجوب الخمس فيه مجمع عليه. دليلنا: عموم الأخبار المتناولة لوجوب الخمس في الركاز (5) فمن خصها فعليه الدليل. مسألة 151: إذا وجد ركازا في دار استأجرها، فاختلف المكتري والمالك، فادعى كل واحد منهما أنه له، كان القول قول المكتري مع يمينه. وبه قال الشافعي (6). وقال المزني: القول قول المالك (7). دليلنا: إن الظاهر أنه للمكتري، لأن المالك لا يكري دارا وله فيها دفين،

(1) الوجيز 1: 97، والمجموع 6: 98، وفتح العزيز 6: 104 - 105.
(2) انظر قوله تعال في سورة الأنفال: 41، وما رواه الحر العاملي في الوسائل 6: 345 الباب الخامس.
(3) المجموع 6: 102.
(4) الأم 2: 45، والوجيز 1: 97، والمجموع 6: 91، وفتح العزيز 6: 109، والمغني لابن قدامة 2: 613، والشرح الكبير على المقنع لابن قدامة 2: 594.
(5) انظر ما رواه الشيخ المصنف قدس سره في التهذيب 4: 122 حديث 347.
(6) الوجيز 1: 97، والمجموع 6: 96، وفتح العزيز 6: 110.
(7) المجموع 6: 96، وفتح العزيز 6: 110.

[ 124 ]

فإن فعل فهو نادر، والغالب ما قلناه. مسألة 152: مصرف الخمس من الركاز والمعادن مصرف الفئ. وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي وأكثر أصحابه: مصرفها مصرف الزكاة، وبه قال مالك، والليث بن سعد (2). وقال المزني وابن الوكيل من أصحاب الشافعي: مصرف الواجب في المعدن مصرف الصدقات، وأما مصرف حق الركاز فمصرف الفئ (3). دليلنا: عموم الظاهر، والأخبار في مستحق الخمس (4)، وعليه إجماع الطائفة. مسألة 153: إذا أخذ الإمام الخمس من مال، فليس له أن يرده على من أخذه منه، وبه قال الشافعي (5). وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: له أن يرده عليه (6). دليلنا: إن الخمس لمستحقه، فلا يجوز أن يعطي من لا يستحقه، والواجد لا يخلو من أن يكون من أهل الخمس أو من غير أهله، فإن كان من غير أهله فلا يجوز أن يعطاه، لأنه لا يستحقه ومن كان من أهله فله مشارك آخر، فلا يجوز اعطائه، إلا أن يقاص من غيره. مسألة 154: على من وجد الركاز إظهاره وإخراج الخمس منه، وبه قال الشافعي (7). وحكي في القديم عن أبي حنيفة: إنه بالخيار كتمانه ولا شئ عليه، وبين إظهاره وإخراج الخمس منه.

(1) المجموع 6: 102.
(2) و (3) المجموع 6: 101 - 102، وفتح العزيز 6: 103.
(4) الفقيه 2: 22 حديث 79، والتهذيب 4: 125 حديث 360 و 361.
(5) المجموع 6: 90.
(6) المجموع 6: 90، والمغني لابن قدامة 2: 615.
(7) الأم 2: 45.

[ 125 ]

دليلنا: كل ظاهر دل على وجوب الخمس يتناوله، فعلى من أجاز الكتمان الدليل. مسألة 155: على الإمام إذا أخذ الزكاة أن يدعو لصاحبها، وبه قال داود (1). وقال جميع الفقهاء: إن ذلك مستحب غير واجب (2). دليلنا: قوله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة - إلى قوله -: وصل عليهم " (3) وهذا أمر يقتضي الوجوب.

(1) عمدة القاري 9: 94، وسبل السلام 2: 606، ونيل الأوطار 4: 217.
(2) مختصر المزني: 53، والمجموع 6: 171، وعمدة القاري 9: 94، والمغني لابن قدامة 2: 508.
(3) التوبة: 103.

[ 127 ]

كتاب زكاة الفطرة

[ 129 ]

مسألة 156: زكاة الفطرة فرض، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: هي واجبة غير مفروضة (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى " (3) وروي عنهم عليه السلام أنها نزلت في زكاة الفطرة، والأخبار المروية في هذا المعنى أكثر من أن تحصى (4)، وظاهرها يقتضي الأمر، وهو يقتضي الايجاب. وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله فرض صدقة من رمضان طهرة للصائم من الذنب واللغو، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة كانت له زكاة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات (5).

(1) الأم 2: 63، ومختصر المزني 54، والمجموع 6: 104، وفتح العزيز 1: 111، وكفاية الأخيار 1: 118، ومغني المحتاج 1: 401.
(2) الهداية 1: 115، وبدائع الصنائع 2: 69، وشرح فتح القدير 2: 29 - 30، والمجموع 6: 104، وفتح العزيز 6: 112.
(3) الأعلى: 14 - 15.
(4) انظر تفسير علي بن إبراهيم 2: 721، ومن لا يحضره الفقيه 2: 119 حديث 515، والتهذيب 4: 108 حديث 314، والدر المنثور 6: 339 - 340.
(5) ذكره ابن الأثير في جامع الأصول في إحدى طبعاته 4: 644 حديث 2732 عن ابن عمر، وفي طبعة (1370 هجرية) 4: 354 حديث 2733 حكاه عن ابن عباس، كما وإن المصادر التالية حكته عن ابن عباس أيضا فلاحظ سنن أبي داود 2: 111 حديث 1609، وسنن ابن ماجة 1: =

[ 130 ]

مسألة 157: زكاة الفطرة على كل كامل العقل إذا كان حرا، يخرجها عن نفسه وعن جميع من يعوله من العبيد والإماء وغيرهم، مسلمين كانوا أو كفارا. فأما المشرك فلا يصح منه إخراج الفطرة، لأن من شرطه الاسلام. وقال الشافعي: تجب على كل مسلم حر يخرجها عن نفسه وغيره من عبيد وغيرهم إذا كانوا مسلمين، فأما إخراجها عن الشرك فلا يجوز (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأخبار التي وردت في أنه يخرجها عن نفسه وعن من يعوله وعن عبيدة عامة في المسلمين والكفار (2)، فعلى من خصصها الدلالة. وأيضا طريقة الاحتياط تقتضيه، لأنه إذا أخرجها عمن قلناه برئت ذمته بلا خلاف، وإذا لم يخرجها فيه خلاف. مسألة 158: العبد لا تجب عليه الفطرة، وإنما يجب على مولاه أن يخرجها عنه. وبه قال جميع الفقهاء (3) وقال داود: يجب على العبد، ويلزم المولى إطلاقه. ليكتسب ويخرجها عن نفسة (4)

= 585 حديث 1827، وسنن الدارقطني 2: 138 حديث 1، والسنن الكبرى 4: 163. (1) الأم 2: 65، والوجيز 1: 98، والمجموع 6: 118، وكفاية الأخيار 1: 199، وفتح العزيز 6: 143، ومغني المحتاج 1: 402، وعمدة القاري 9: 110، والمحلى 6: 132، وبداية المجتهد 1: 271.
(2) الفقيه 2: 114 و 116 حديث 491 و 497 و 499، والتهذيب 4: 71 حديث 194 و 195، والاستبصار 2: 46 حديث 149 و 154 و 155 و 157.
(3) الأم 2: 63، واللباب 1: 159، والمجموع 6: 120 و 140، وعمدة القاري 9: 19، وبداية المجتهد 1: 270، والشرح الكبير لابن قدامة 2: 650، وبدائع الصنائع 2: 70، ومغني المحتاج 1: 403، وبلغة السالك 1: 237 - 238.
(4) المحلى 6: 140، والمجموع 6: 120 و 140، وعمدة القاري 9: 109، وبداية المجتهد 1: 270، والمنهل العذب 9: 224.

[ 131 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا عندنا لا تجب الفطرة إلا على من يملك نصابا تجب في مثلة الزكاة. والعبد لا يملك شيئا، فلا تجب عليه الفطرة. وأيضا الأصل براءة الذمة، فعلى من شغلها الدلالة. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة، إلا صدقة الفطرة في الرقيق " (1). مسألة 159: إذا ملك عبده عبدا، وجب على السيد الفطرة عنهما. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، وهو قوله في الجديد، لأنه يقول إذا ملك لا يملك (2). وقال قديما: إذا ملك ملك، فعلى هذا لا تجب على واحد منهما الفطرة (3). دليلنا: إنه ثبت أن العبد لا يملك شيئا وإن ملك، فإذا لم يملك فما ملكه ملك لمولاه، فعلى المولى فطرتهما. مسألة 160: المكاتب لا تجب عليه الفطرة إذا تحرر منه شئ، وتجب على سيده بمقدار ما بقي منه، وإن كان مشروطا عليه وجب على مولاه الفطرة عنه. وقال الشافعي: لا تجب الفطرة عليه ولا على سيده (4).

(1) صحيح البخاري 2: 149، وصحيح مسلم 2: 675 - 676، وسنن أبي داود 2: 108 حديث 1594 و 1595، وسنن ابن ماجة 1: 579 حديث 1812،، وموطأ مالك 1: 277 حديث 37، وسنن الترمذي 3: 23 حديث 628، وسنن النسائي 5: 35 - 36، وفي جميع ما ذكرناه من المصادر ذكر الحديث بألفاظ مختلفة مع زيادة ونقيصة فيه تؤدي جميعها لنفس المعنى.
(2) الأم 2: 69، ومختصر المزني: 54، والمجموع 6: 108 و 136، وفتح العزيز 6: 165، والمغني لابن قدامة 2: 691، والشرح الكبير 2: 650.
(3) المجموع 6: 108 و 136، وفتح العزيز 6: 165، والمغني 2: 691، والشرح الكبير 2: 650.
(4) الأم 2: 64، والوجيز 1: 99، والمجموع 6: 109، وفتح العزيز 6: 166، وعمدة القاري 9: 109، ومغني المحتاج 1: 402 - 403، وبداية المجتهد 1: 271.

[ 132 ]

وحكى أبو ثور في القديم إن على السيد إخراجها عن مكاتبة (1). دليلنا: على المشروط عليه وهو أنه عبده، فما أوجب الفطرة عليه من العبيد يوجب عليه في المكاتب المشروط عليه، لأنه داخل فيهم. وأما المطلق فلأنه ليس بملك له، لأن بعضه حر ولا هو حر كله فيلزمه، فيجب أن تسقط الفطرة بمقدار ما تحرر منه. مسألة 161: يجب على الزوج إخراج الفطرة عن زوجته. وبه قال الشافعي: ومالك وأبو ثور (2). وذهب الثوري وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنها لا تتحمل بالزوجية (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون فيه. وأيضا روى إبراهيم بن أبي يحيى الهجري (4) عن جعفر بن محمد عن أبيه

(1) المجموع 6: 110، وفتح العزيز 6: 166، ومغني المحتاج 1: 402 - 403.
(2) الأم 2: 63، والوجيز 1: 98، والمجموع 6: 118، والمبسوط 3: 105، وعمدة القاري 9: 109، وبدائع الصنائع 2: 72، وبداية المجتهد 1: 270، وأقرب المسالك 1: 237، والمنهل العذب 9: 224.
(3) اللباب 1: 159، وشرح فتح القدير 2: 33، وبدائع الصنائع 2: 72، وعمدة القاري 9: 109، والمبسوط 3: 105، والمجموع 6: 118، وتبيين الحقائق 1: 307، والمنهل العذب 9: 224، وبداية المجتهد 1: 270.
(4) الظاهر هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى مولى أسلم، عده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام خاصا به، قال الشيخ: روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وكان خاصا بحديثنا والعامة تضعفه لذلك له كتاب مبوب في الحلال والحرام رواه عن الإمام الصادق عليه السلام. قيل إنه مات سنة 184 وقيل: 191. وقد ذكر الدكتور بشار عواد معروف عند تعليقه على ما ذكره المزي من تضعيف لإبراهيم هذا في كتابه تهذيب الكمال ما لفظه: ويلاحظ على كل الذي قيل في إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى جملة أمور منها.. إن الإمام الشافعي لم ينفرد بتوثيقه، فقد نظر ابن عقدة في حديثه فلم يحد فيه نكارة وكذلك ابن عدي بعد أن كتب له ترجمة حافلة في الكامل استغرقت عشرين صفحة وقد نقل =

[ 133 ]

عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله فرض صدقة الفطرة عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد، والذكر، والأنثى ممن تمونون (1) وهذا نص. مسألة 163: روى أصحابنا: أن من أضاف إنسانا طول شهر رمضان وتكفل بعيلولته لزمته فطرته (2). وخالف جميع الفقهاء في ذلك (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 163: الولد الصغير إذا كان معسرا، فطرته على والده. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. غير أن أبا حنيفة قال: تجب عليه فطرته، لأن له عليه ولاية (4).

= المؤلف قول حمدان الاصبهاني فيه وفي تعديله. انظر رجال الشيخ الطوسي: 144، والفهرست: 3، ورجال النجاشي: 12، وتنقيح المقال 1: 30، وتذهيب الكمال 2: 184 و 191،، وتهذيب التهذيب 1: 158. (1) لم نقف في المراجع الحديثية المتوفرة على الحديث المتقدم لفظا وسندا، وقد روى القاضي النعمان في دعائم الاسلام حديثا مرسلا عن علي عليه السلام عن النبي، وآخر عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي ما يقاربه لفظا. وزاد في نسخة " خ " من النسخ المعتمدة بعد ما ذكره من دليل ما نصه: وروى نافع عن ابن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والذكر والأنثى ممن تمونون. رواه البخاري في صحيح 12: 161، ومالك في موطأه 1: 284، وابن ماجة 1: 584، وأبي داود 2: 112، ومسلم في صحيحة 2: 677، والدارقطني في سننه 2: 141 باختلاف يسير بينها.
(2) ممن قال بهذا القول أيضا الشيخ المفيد في المقنعة: 43، والسيد المرتضى في الانتصار: 88، وابن حمزة في الوسيلة: 681.
(3) انظر ذلك في المغني لابن قدامة 2: 693، والشرح الكبير 2: 652، والمجموع 6: 136، والبحر الزخار 3: 199.
(4) الهداية 1: 115، والمبسوط 3: 102، وتبيين الحقائق 1: 306، وشرح فتح القدير 2: 32، =

[ 134 ]

وعندنا أنه يلزمه، لأنه في عياله، وهذا داخل تحت العموم، والصريح بما روي أنه تجب عليه الفطرة يخرجها عن نفسه وعن ولده (1). وأما الشافعي فقال: لأن عليه نفقته (2). مسألة 164: إذا كان الولد الصغير موسرا لزم أباه نفقته، وعليه فطرته. وبه قال محمد بن الحسن (3). وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف والشافعي: نفقته وفطرته من مال نفسه (4). دليلنا: كل خبر روي في أنه تجب الفطرة على الرجل يخرجها عن نفسه، وعن ولده (5) يتناول هذا الموضع، فعلى من خصها الدلالة. مسألة 165: ولو الولد إذا كان صغيرا موسرا كان أو معسرا مثل ولد الصلب على ما مضى القول فيه (6).

= والمنهاج القويم: 351 - 352، والأم 2: 63 و 65، وكفاية الأخيار 1: 120، وبداية المجتهد 1: 270. (1) من لا يحضره الفقيه 2: 118 حديث 510 و 511، والتهذيب 4: 76 حديث 215، والاستبصار 2: 47 - 48 حديث 154 و 155 و 157 و 158.
(2) الأم 2: 63 و 65، وكفاية الأخيار 1: 119، ومغني المحتاج 1: 405، والمنهاج القويم: 351، وبداية المجتهد 1: 270.
(3) اللباب 1: 159، والنتف 1: 163، والمبسوط 3: 104، والهداية 1: 115، وشرح فتح القدير 2: 33، وتبيين الحقائق 1: 307، وشرح العناية 2: 32، والمحلى 6: 139، والمجموع 6: 141.
(4) اللباب 1: 159، والنتف 1: 163، والمبسوط 3: 104، والهداية 1: 115، ومراقي الفلاح: 122، والفتاوى الهندية 1: 192، وشرح فتح القدير 2: 32، وتبيين الحقائق 1: 307، والمدونة الكبرى 1: 355، ومقدمات ابن رشد 1: 254، والمحلى 6: 139، والأم 2: 63، وبداية المجتهد 1: 270، وشرح العناية 2: 32.
(5) انظر الكافي 4: 170، ومن لا يحضره الفقيه 2: 114، والتهذيب 4: 71، والاستبصار 2: 46.
(6) انظر المسألة المرقمة 163.

[ 135 ]

وقال الشافعي مثل ذلك، وقال: إن كان موسرا فنفقته وفطرته من ماله، وإن كان معسرا فنفقته وفطرته على جده (1). وقال أبو حنيفة: نفقته على جده دون فطرته (2). وقال الساجي في كتابه (قال محمد بن الحسن: قلت لأبي حنيفة: لم لا تجب فطرته على جده؟ فقال: لأنها لا تجب على جده. فسألته عن العلة فأعاد المذهب) (3). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى، لأنها فرع عليها، فإذا ثبتت تلك ثبتت هذه، لأن اسم الولد يقع على ولد الولد حقيقة. مسألة 166: الولد إن كان معسرا نفقته وفطرته على ولده، زمنا كان أو صحيحا. وقال الشافعي: إن كان زمنا فعليه نفقته وفطرته (4). وقال أبو حنيفة: تلزمه النفقة دون الفطرة (5). وإن كان صحيحا ففيها قولان: قال في الزكاة: نفقته على ولده، وقال في النفقات: لا نفقة عليه (6). وقال أبو حنيفة: عليه نفقته (7).

(1) الأم 2: 63 - 64 و 5: 100، والمجموع 6: 120 و 141، والمنهاج القويم: 352، ومغني المحتاج 1: 407.
(2) الفتاوى الهندية 1: 192، والمبسوط 3: 105، وشرح فتح القدير 2: 32، والمجموع 6: 141، وفتح العزيز 6: 120. (3) حكى قول أبي حنيفة هذا النووي في المجموع 6: 120 و 141 فلاحظ.
(4) الأم 2: 63 و 5: 100، ومختصر المزني 54، والمجموع 6: 120، وبدائع الصنائع 2: 72.
(5) الهداية 2: 47، وبدائع الصنائع 2: 72، وفتح العزيز 6: 119.
(6) الأم 2: 80.
(7) اللباب 1: 186، والنتف 1: 196، والهداية 2: 47، وشرح فتح القدير 3: 347، وبدائع الصنائع 3: 30.

[ 136 ]

دليلنا: عموم الأخبار التي رويت في أن الانسان يجبر على نفقة الوالدين (1) والولد يتناول هذا الموضع، لأنها على عمومها. فمن خصها بالزمن دون الصحيح فعليه الدلالة، وإذا ثبتت النفقة وجبت الفطرة لأنه صار من عياله، فيتناوله عموم اللفظ في وجوب الفطرة عمن يمونه. مسألة 167: الولد الكبير إن كان موسرا فنفقته وفطرته عليه بلا خلاف، وإن كان معسرا فنفقته وفطرته على والده، صحيحا كان أو زمنا. وقال الشافعي: إن كان زمنا نفقته وفطرته على أبيه (2). وقال أبو حنيفة: عليه النفقة دون الفطرة (3). وإن كان معسرا صحيحا فعلى طريقين: منهم من قال على قولين (4)، ومنهم من قال: لا نفقة على والده قولا واحدا (5). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 168: إذا كان له مملوك غائب يعلم حياته وجبت عليه فطرته رجي عوده أو لم يرج، وإن لم يعلم حياته لا تلزمه فطرته. وقال الشافعي في الأول مثل ما قلناه (6)، وفي الثاني على قولين: أحدهما: تلزمه فطرته، وهو قول أبي إسحاق (7).

(1) انظر الكافي 3: 551 - 552 و 4: 13 و 5: 512، والتهذيب 4: 56 و 6: 293، والاستبصار 2: 33 و 3: 43، والفقيه 3: 59، والخصال 247 و 288، وعلل الشريع 1: 371.
(2) الأم 2: 63 و 5: 100، ومغني المحتاج 1: 405، والمبسوط 3: 105.
(3) اللباب 1: 186، والمبسوط 3: 105، والهداية 1: 116، وتبيين الحقائق 1: 307، وشرح العناية 2: 33.
(4) انظر الوجيز 1: 98، والمبسوط 3: 105، ومغني المحتاج 1: 405.
(5) الوجيز 1: 98، وكفاية الأخيار 1: 119 - 120، والسراج الوهاج: 131.
(6) الأم 2: 63 - 65، والوجيز 1: 99، وفتح العزيز 6: 152، والمجموع 6: 115، ومغني المحتاج 1: 404.
(7) المجموع 6: 115، وفتح العزيز 6: 152.

[ 137 ]

والثاني: لا تلزمه، وبه قال المزني (1). دليلنا: إنه إذا لم يعلم بقاؤه لا يعلم أنه مالك للعبد، وإذا لم يتحقق الملك لا تلزمه، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: " يخرجه عن نفسه وعن مملوكه " (2) وهذا لا يعلم أنه له مملوكا فلا تلزمه. فأما إذا علم حياته فإنما أوجبنا عليه لعموم الأخبار (3). مسألة 169: المملوك المعضوب - وهو المقعد خلقة - لا يلزم نفقته. وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: تلزمه (5). دليلنا: إن من هذه صفته ينعتق عليه على ما سنبينه فيما بعد، وعليه إجماع الفرقة، فإذا انعتق لا تلزمه نفقته إلا أن يتكفل بنفقته فتلزمه حينئذ فطرته. مسألة 170: إذا كان له مملوك كافر، أو زوجة كافرة، وجب عليه إخراج الفطرة عنهما. وقال الشافعي: لا يجب عليه إخراج الفطرة عن الكافر (6). وقال أبو حنيفة: تلزمه إخراج الفطرة عن المملوك وإن كافرا، ولا

(1) المجموع 6: 115، وفتح العزيز 6: 152 - 153.
(2) و (3) الأخبار المروية في الفقيه 2: 114 و 116، والتهذيب 4: 71، والاستبصار 2: 46، وصحيح البخاري 2: 149، وصحيح مسلم 2: 675 - 676، وسنن ابن ماجة 1: 579 و 584، وموطأ مالك 1: 277، وسنن النسائي 5: 36، وسنن الترمذي 3: 23، وسنن أبي داود 2: 108، وسنن الدارقطني 2: 139 وغيرها.
(4) الهداية 2: 49، واللباب 1: 191، وبدائع الصنائع 4: 39.
(5) الأم 5: 102، والمجموع 18: 317.
(6) الأم 2: 65، والوجيز 1: 98، والمجموع 6: 118 و 140 - 141، ومغني المحتاج 1: 403، وبداية المجتهد 1: 271.

[ 138 ]

يلزمه إخراجها عن الزوجة، بناء منه على أن الفطرة لا تجب بالزوجية (1). دليلنا: عموم الأخبار. وأيضا روى ابن عمر: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بصدقة الفطرة عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون (2). وفيه دليلان: أحدهما في قوله: عن العبد، ولم يفرق. والثاني قوله: ممن تمونون، وهذا ممن يمونه. مسألة 171: إذا كان لمشرك عبد مشرك، فأسلم العبد، أجبر على بيعه، ولا يترك على ملكه. فإن أهل هلال شوال ثم أسلم إلى قبل الزوال، لم يلزم فطرته. وللشافي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه. والثاني إنه يزكي، وهو أصحهما عندهم (3). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وإيجاب ذلك عليه يحتاج إلى دليل. وعندنا وإن كان الكافر مخاطبا بالعبادات، فإخراج الزكاة لا يصح منه، لأنه يحتاج إلى نية القربة، وهي لا تتأتى منه مع كفره. مسألة 172: قد بينا أن زكاة الفطرة تتحمل بالزوجية، فإن أخرجت المرأة عن نفسها بإذن زوجها أجزأ عنها بلا خلاف، وإن أخرجت بغير إذنه فإنه لا يجزي عنها. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه. والثاني أنه يجزي (4). دليلنا: إنا قد بينا أن فطرتها على زوجها، ففعلها لا يسقط الفرض عنه إلا

(1) اللباب 1: 159 - 160، والهداية 1: 116 - 117، وتبيين الحقائق 1: 307، والمجموع 6: 118 - 119 و 141، وبداية المجتهد 1: 271.
(2) سنن الدارقطني 2: 141 حديث 12.
(3) فتح العزيز 6: 162 - 163، ومغني المحتاج 1: 402.
(4) الوجيز 1: 98، والمجموع 6: 123 - 124، وفتح العزيز 6: 138.

[ 139 ]

بدليل، ولا دليل على ذلك. مسألة 173: اختلف روايات أصحابنا فيمن ولد له مولود ليلة العيد، فروي أنه يلزمه فطرته (1). وروي أنه لا يلزمه فطرته إذا أهل شوال (2) وقال الشافعي في القديم: تجب الفطرة بطلوع الفجر الثاني من يوم الفطر، فأن تزوج امرأة أو ملك عبدا أو ولد له ولد أو أسلم كافر قبل طلوع الفجر بلحظة، ثم طلع فعليه فطرته، فإن ماتوا قبل طلوعه فلا شئ عليه. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (3). وقال في الجديد: تجب بغروب الشمس في آخر يوم من رمضان، فلو تزوج امرأة أو ملك عبدا أو ولد له ولد أو أسلم كافر قبل الغروب بلحظة، ثم غربت، وجبت الفطرة، وإن ماتوا قبل الغروب بلحظة فلا فطرة عليه (4). فأما إذا وجدت الزوجية أو ملك العبد أو ولد له بعد الغروب وزالوا قبل طلوع الفجر، فلا فطرة بلا خلاف. وقال مالك في العبد بقوله الجديد، وفي الولد بقوله القديم (5). دليلنا: على أنه لا يلزمه: ما رواه معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: لا قد خرج الشهر.

(1) من لا يحضره الفقيه 2: 116 حديث 499، والتهذيب 4: 72 ذيل الحديث 197، وإليه مال الشيخ الصدوق في المقنع: 67.
(2) من لا يحضره الفقيه 2: 116 حديث 500، والتهذيب 4: 72 حديث 197.
(3) الوجيز 1: 98، والمجموع 6: 125 - 126، وكفاية الأخيار 1: 119، واللباب 1: 161، والهداية 1: 117، وتبيين الحقائق 1: 310، وبداية المجتهد 1: 273.
(4) الأم 2: 63 و 65، والوجيز 1: 98، والمجموع 6: 125 - 127، ومختصر المزني: 54، وكفاية الأخيار 1: 119، وبداية المجتهد 1: 273، والمنهاج القويم: 350.
(5) المدونة الكبرى 1: 354، ومقدمات ابن رشد 1: 255 - 256، وبلغة السالك 1: 238، وبداية المجتهد 1: 273.

[ 140 ]

وسألته عمن أسلم ليلة الفطرة عليه فطرة؟ قال: لا (1). والرواية الأخرى رواها العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة متى هي؟ قال: قبل الصلاة يوم الفطر (2). والوجه في الجمع بينهما أن يحمل الخبر الأول على سقوط الفرض بخروج الشهر، والثانية بحملها على الاستحباب، ويقوي ذلك أن الأصل براءة الذمة، فلا يعلق عليها شئ إلا بدليل. وروي عن ابن عباس قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله صدقة الفطرة في رمضان طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين (3). مسألة 174: إذا كان العبد بين شريكين فعليهما فطرته بالحصة، وكذلك إن كان بينهما ألف عبد، أو كان ألف عبد لألف نفس مشاعا، الباب واحد. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: إذا كان العبد بين شريكين سقطت الفطرة، ولو كان بينهما ألف عبد مشاعا فلا فطرة (5). دليلنا: عموم الأخبار في وجوب إخراج الفطرة عن العبد (6)، ولم يفرقوا

(1) الكافي 4: 172 حديث 12، والفقيه 2: 116 حديث 500، والتهذيب 4: 72 حديث 197.
(2) التهذيب 4: 75 حديث 212، والاستبصار 2: 44 حديث 141.
(3) سنن أبي داود 2: 11 حديث 1609، وسنن ابن ماجة 1: 585 حديث 1827، وسنن الدارقطني 2: 138 حديث 1، والسنن الكبرى 4: 163، وجامع الأصول 4: 354 حديث 2733.
(4) مختصر المزني: 54، والوجيز 1: 98، والمجموع 6: 120 و 141، وفتح العزيز 6: 143.
(5) اللباب 1: 160، والنتف 1: 192، والهداية 1: 116، والمجموع 6: 120 و 141، وفتح العزيز 6: 143.
(6) منها ما روي في الكافي 4: 170، والفقيه 2: 114، والتهذيب 4: 71، والاستبصار 2: 46 فلاحظ.

[ 141 ]

بين أن يكون مشاعا أو غير مشاع. وأيضا الاحتياط يقتضي ذلك، لأنه إذا أخرج برئت ذمته بيقين، وإذا لم يخرج ففي براءتها خلاف. مسألة 175: إذا أوجبنا على الشريكين زكاة عبد واحد، كان عليهما من فاضل قوتهما الغالب عليه، فإن اختلف قوتهما كانا مخيرين بين الانفاق من جنس واحد، سواء كان الأدون أو الأعلى. وإن أخرجا مختلفين كان أيضا جائزا. وقال ابن سريج: يخرجان من جنس واحد من أدونهما قوتا (1). وقال أبو إسحاق: يخرجان من جنسين مختلفين على قول الشافعي إنه يجب إخراجه من غالب قوته، وبه قال أبو عبيد بن حربويه (2). والذي اختاره أبو عباس وأبو إسحاق أنهما يخرجان مع غالب قوت البلد، لأنه الذي يلزم المكلف دون قوت نفسه (3). دليلنا: عموم الأخبار في التخيير بين الأجناس ولم يفوقوا. وروى يونس بن عبد الرحمن عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك هل على كل أهل البوادي الفطرة؟ قال، فقال: الفطرة على كل من اقتات قوتا فعليه أن يؤدي من ذلك القوت (4). روى هذا الخبر الصفار بإسناده عن يونس عن زرارة وابن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام (5).

(1) الوجيز 1: 100، والمجموع 6: 135، وفتح العزيز 6: 225 - 226، ومغني المحتاج 1: 407.
(2) المجموع 6: 130 و 135، وفتح العزيز 6: 224، ومغني المحتاج 1: 407.
(3) المجموع 6: 130 و 132 و 135، وفتح العزيز 6: 212.
(4) التهذيب 4: 78 حديث 220، والاستبصار 2: 42 حديث 136.
(5) التهذيب 4: 78 حديث 221، والاستبصار 2: 43 حديث 137.

[ 142 ]

مسألة 176: إذا كان بعض المملوك حرا، وبعضه مملوك، لزمته فطرته بمقدار ما يملك منه. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا فطرة في هذا (2). وقال مالك: على سيده بمقدار ما يملك، ولا شئ على العبد بالحرية (3). وقال ابن الماجشون: تلزمه زكاته تامة، ولا شئ على العبد (4). وعندنا فيما يبقي منه، إن كان يملك نصابا، وجب عليه فطرته، وإلا فلا شئ عليه (5). وقال الشافعي: إن كان معه ما يفضل عن قوت يومه لزمته، وإلا فلا شئ عليه (6). دليلنا: ما دللنا به على العبد بين الشريكين. مسألة 177: إذا باع عبدا قبل هلال شوال، فأهل شوال قبل أن تمضي ثلاثة أيام التي هي شرط في الحيوان، كان الفطرة على البائع، لأنه في ملكه بعد، وإن كان بينهما الشرط أكثر من ثلاثة أيام للبائع أو لهما، كان مثل ذلك على البائع فطرته، وإن كان الشرط فيما زاد للمشتري، كانت الفطرة عليه، لأنه إذا اختار دل على أن العقد كان له في الأول.

(1) الأم 2: 65، والوجيز 1: 99، ومختصر المزني 54، والمجموع 6: 120، وفتح العزيز 6: 143، وعمدة القاري 9: 199، والمحلى 6: 135، ومغني المحتاج 1: 403.
(2) النتف 1: 192، وبدائع الصنائع 2: 70، وعمدة القاري 9: 119، والمجموع 6: 120، وفتح العزيز 6: 143، والمحلى 6: 135.
(3) المدونة الكبرى 1: 350، وبلغة السالك 1: 237 - 238، والمجموع 6: 120، وفتح العزيز 6: 143 - 144، والمحلى 6: 135.
(4) المجموع 6: 120، وعمدة القاري 9: 119.
(5) المبسوط للشيخ الطوسي 1: 240، والمهذب لابن البراج 1: 174. (6) الأم 2: 65، ومختصر المزني: 54.

[ 143 ]

وقال الشافعي: إذا باع عبدا بشرط خيار المجلس أو خيار الثلاث، وكان الخيار لهما أو لأحدهما، فلا فرق في ذلك الباب الواحد، تكون الفطرة على مالك العبد، وله فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: ينتقل بنفس العقد، فالفطرة على المشتري، وهو اختيار المزني (1). والثاني: بالعقد، وقطع الخيار، فعلى هذا على البائع فطرته (2). والثالث: مراعى باختيار أحدهما، فإن كان الاختيار للبائع كان العبد له والفطرة عليه، وإن اختار المشتري تبين أن العبد له وعليه فطرته (3). دليلنا: ما روي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: إذا مات الحيوان في مدة الخيار كان من مال البائع دون مال المشتري (4) وذلك يدل على أن الملك له وعليه فطرته. مسألة 178: إذا أهل شوال، وله رقيق، وعليه دين، ثم مات، فإن الدين لا يمنع وجوب الفطرة، فإن كانت تركته بقي بما عليه من الصدقة والدين، قضي دينه وأخرجت فطرته، وما بقي فللورثة. وإن لم تف، كانت التركة بالحصص بين الدين والفطرة. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: يقدم حق الله تعالى. والثاني: يقدم حق الآدمي. والثالث: يقسم فيهما (5).

(1) الأم 2: 63 و 65، ومختصر المزني: 54، وفتح العزيز 6: 232.
(2) الأم 2: 63 و 65، وفتح العزيز 6: 232.
(3) الأم 2: 63 و 65، ومختصر المزني: 54، وفتح العزيز 6: 232.
(4) الكافي 5: 169 حديث 3، والفقيه 3: 126 حديث 551، والتهذيب 7: 24 حديث 24 حديث 103 و 104.
(5) الأم 2: 66، ومختصر المزني: 54، والوجيز 86، والمجموع 6: 137، ومغني المحتاج 1: 411.

[ 144 ]

دليلنا: إنهما حقان وجبا عليه، وليس تقديم أحدهما على صاحبه أولى من الآخر، فيجب أن يسوى بينهما، ومن رجح فعليه الدلالة. مسألة 179: إذا مات قبل هلال شوال وله عبد، وعليه دين، ثم أهل شوال بيه العبد في الدين، ولم يلزم أحدا فطرته. وبه قال أبو سعيد الاصطخري من أصحاب الشافعي (1). وقال باقي أصحابه: أنه تلزم الفطرة الورثة، لأن التركة لهم وإن كانت مرهونة بالدين (2). دليلنا: قوله تعالى في آية الميراث " من بعد وصية يوصي بها أو دين " (3) فثبت أن الميراث يستحق بعد قضاء الدين والوصية، فلا يجوز نقلها إليهم مع بقاء الدين. فإن قيل: لو لم ينتقل إلى الورثة بنفس الموت، لكان إذا مات وله تركة وعليه دين وله إبنان، فمات أحدهما وخلف ابنا، ثم أبرأه منه له الدين عنه، كانت التركة بين الابن وابن الابن، فلو لم تكن منتقلة إلى الابنين بوفاته لما كان لابن الابن شئ هاهنا، فإن الوارث يملك ممن له الدين. وأيضا فإن الوارث يملك قضاء الدين من غير التركة. وأيضا فإنه يملك طلب التركة حيث وجدها، ويملك المخاصمة، ويملك أن يحلف، فلولا أنها له ما ملك إثباتها بيمينه، لأن أحدا لا يثبت بيمينه مال غيره. قيل له: الملك وإن لم ينتقل إليها فهو مبقي على ملك الميت، فإذا أبرأه من له الدين، انتقل منه إلى ابنيه اللذين خلفهما، ولذلك صحت منهم المطالبة. واليمين وغير ذلك من الأحكام.

(1) المجموع 6: 137، وفتح العزيز 6: 236، ومغني المحتاج 1: 408.
(2) مختصر المزني: 54، والمجموع 6: 137، وفتح العزيز 6: 234، ومغني المحتاج 1: 408.
(3) النساء: 12.

[ 145 ]

مسألة 180: إذا أوصى بعبده، ومات الموصي قبل أن يهل شوال، ثم قبل الموصي له الوصية، لم يخل من أحد الأمرين: إما أن يقبل قبل أن يهل شوال أو بعده، فإن قبل قبله، كانت الفطرة عليه، لأنه حصل في ملكه بلا خلاف، وإن قبل بعد أن يهل شوال، فلا يلزم أحدا فطرته. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يملك حين قبل، فعلى هذا لا يلزم أحدا فطرته، وفيه وجه آخر أن فطرته في تركة الميت. والثاني: مراعى، فإن قبل تبينا أنه ملك بالوصاية ولزمته فطرته. وإن رد تبينا أن الورث انتقل إليهم بالوفاة، فعليهم فطرته. والثالث: قول ابن عبد الحكم: إنه يزول ملكه عنه بالموت إلى الموصى له بذلك، كالميراث. وهذا نقل المزني إلى المختصر (1)، وإنه دخل في ملك الموصى له بغير اختياره، فإن قبل استقر ملكه، وإن رد خرج الآن من ملكه إلى ورثة الميت. لا عن الميت، فعلى هذا يلزم الموصى له فطرته، وأبي أكثر أصحابه هذا القول (2). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وليس في الشرع دليل على شغل واحد منهما، فيجب تركهما على الأصل. مسألة 181: إذا مات الموصي، ثم مات الموصي له قبل أن يقبل الوصية، قام ورثته مقامه في قبول الوصية، وصار مثل المسألة الأولى سواء. وبه قال الشافعي (3).

(1) مختصر المزني: 54.
(2) الأم 2: 64 و 66، ومختصر المزني: 54، والمجموع 6: 138، وفتح العزيز 6: 240 - 241، ومغني المحتاج 1: 408.
(3) الأم 2: 65 - 66، ومختصر المزني: 54، والمجموع 6: 138، وفتح العزيز 6: 243، ومغني المحتاج 1: 408.

[ 146 ]

وقال أبو حنيفة: تبطل الوصية (1)، وحكي عنه أيضا أنها تتم بموت الموصى له، ودخلت في ملكه بموته ولا يفتقر إلى قبول (2). وقد بينا في المسألة الأولى من الذي تلزمه فطرته. دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 182: من وهب لغيره عبدا قبل أن يهل شوال فقبله الموهوب له، ولم يقبضه حتى يهل شوال، ثم قبضه، فالفطرة على الموهوب له. وبه قال الشافعي في الأم، وهو قول مالك (3). وقال أبو إسحاق: الفطرة على الواهب، لأن الهبة تملك بالقبض (4). دليلنا: إن الهبة منعقدة بالايجاب والقبول، وليس من شرط انعقادها القبض، وسنبين ذلك في باب الهبة. فإذا ثبت ذلك، ثبت هذه، لأن أحدا لا يفرق بينهما. وفي أصحابنا من قال القبض شرط في صحة العقد، فعلى هذا لا فطرة عليه، كما قال أبو إسحاق، وتلزم الفطرة الواهب (5). مسألة 183: تجب زكاة الفطرة على من ملك نصابا تجب فيه الزكاة، أو قيمة نصاب. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (6). وقال الشافعي: إذا فضل صاع عن قوته وقوت عياله ومن يمؤنه يوما وليلة

(1) شرح فتح القدير 8: 432، وبدائع الصنائع 7: 332، وبداية المجتهد 2: 331.
(2) شرح فتح القدير 8: 432، وبدائع الصنائع 7: 332.
(3) الأم 2: 63 و 65، والمجموع 6: 138.
(4) المجموع 6: 138 من دون نسبة.
(5) الذي يستفاد من قول الشيخ المفيد قدس سره في المقنعة: 100 هو أن القبض شرط في صحة الهبة فلاحظ.
(6) اللباب 1: 159، والهداية 1: 115، وشرح فتح القدير 2: 29، والمجموع 6: 113 وفتح العزيز 60: 176 - 177.

[ 147 ]

وجب ذلك عليه، وبه قال أبو هريرة، وعطاء، والزهري، ومالك (1)، وذهب إليه كثير من أصحابنا (2). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وقد أجمعنا على أن من ذكرناه تلزمه زكاة الفطرة، ولا دليل على وجوبها على من قالوه. مسألة 184: إذا كان عادما وقت الوجوب، ثم وجد بعد خروج الوقت، لا يجب عليه، بل هو مستحب. وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: يجب عليه (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 185: المرأة الموسرة إذا كانت تحت معسر، أو تحت مملوك، أو الأمة تكون تحت مملوك أو معسر، فالفطرة على الزوج بالزوجية. فإذا كان لا يملك لا يلزمه شئ، لأن المعسر لا تجب عليه الفطرة، ولا يلزم الزوجة، ولا مولى الأمة شئ، لأنه لا دليل على ذلك. وقال الشافعي وأصحابه فيها قولان: أحدهما: يجب عليها أن تخرجها عن نفسها، وعلى السيد أن يخرجها عن أمته.

(1) الأم 2: 64 و 66، ومختصر المزني: 54، وكفاية الأخيار 1: 119، وبلغة السالك 1: 238، والمدونة الكبرى 1: 355، والهداية 1: 115، والمجموع 6: 113، والمنهاج القويم: 350، وبداية المجتهد 1: 270.
(2) حكى العلامة في المختلف: 22 عن ابن الجنيد ما لفظه: "... وعلى الفقير إذا تصدق عليه بما يتجاوز قوت يومه أن يخرج ذلك عنه إلى غيره " (إنتهى). وكذا النراقي في المستند: 63 عند كلامه على الشرط الثالث وهو الغنى.
(3) الأم 2: 67.
(4) المدونة الكبرى 1: 349 - 350، وبلغة السالك 1: 239.

[ 148 ]

والثاني: لا يجب ذلك عليه (1)، كما قلناه. دليلنا: ما بيناه من أن الفطرة تجب على الزوج، فإذا أعدم سقط عنه فرضها ووجوب ذلك على الزوجة، والسيد، ورجوعها عليها يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 186: إذا أخرج الفقير الفطرة تبرعا، وهو ممن يحل له أخذ الفطرة، فرد عليه فطرته عليه بعينها، كره له أخذها. وقال الشافعي: لا بأس به (2). دليلنا: ما روى عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: إذا أخرجت شيئا في الصدقة فلا ترده في مالك (3). مسألة: 187: زكاة الفطرة صاع من أي جنس يجوز إخراجه. وهو المروي عن علي عليه السلام، وعبد الله بن الزبير، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، ومن التابعين النخعي وغيرة وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل وإسحاق (4). وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن أخرج تمرا أو شعيرا فصاع، وإن أخرج البر فنصف صاع، وعنه في الزبيب روايتان (5).

(1) الأم 2: 67، والوجيز 1: 98، والمجموع 6: 124 - 125، وكفاية الأخيار 1: 119.
(2) الأم 2: 70، ومغني المحتاج 1: 408.
(3) الظاهر أنه مستفاد من عدة أخبار متفرقة لاحظ الكافي 7: 30 - 31، والفقيه 4: 182، والتهذيب 9: 135 و 137 و 150، والاستبصار 4: 101 - 102.
(4) الأم 2: 66 و 68، والمجموع 6: 128 و 142، والمغني لابن قدامة 2: 652، وبداية المجتهد 1: 272، وبلغة السالك 1: 238، وشرح فتح القدير 6: 194، والبحر الزخار 3: 201، ونيل الأوطار 4: 254، وعمدة القاري 9: 116، والمحلى 6: 124.
(5) اللباب 1: 160 والفتاوى الهندية 1: 191، والمحلى 6: 126، والمغني لابن قدامة 2: 653، والمجموع 6: 143، وفتح العزيز 6: 194، والفتح الرباني 9: 147، وفتاوى قاضيخان 1: =

[ 149 ]

قال الكرخي: هو إجماع الصحابة، روى ذلك عن أبي بكر، وابن عباس، وجابر وقال الثوري: بقوله في البر (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الذمة تبرأ بيقين بإخراج الصاع، ولا تبرأ بيقين بإخراج نصف صاع. وأيضا روى عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله فرض صدقة الفطرة صاعا من تمرا أو صاعا من شعير أو صاعا من بر على كل حر وعبد، ذكر أو أنثى (2). روى أبو سعيد الخدري قال: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وآله صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب، ولم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية حاجا أو معتمرا وهو يومئذ خليفة فخطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر زكاة الفطرة فقال: إني لأرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر، وكان ذلك أول ما ذكر الناس المدين، قال أبو سعيد، فأما أنا فلا أخرجه إلا ذاك ما عشت أبدا (3). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سئل عن صدقة الفطرة؟ قال: صاع من طعام، فقيل: أو نصف صاع؟ فقال: بئس الاسم الفسوق بعد

= 231، وشرح فتح القدير 2: 40. (1) المجموع 6: 143، وعمدة القاري 9: 113، الفتح الرباني 9: 147.
(2) صحيح البخاري 2: 161، وصحيح مسلم 2: 677، وسنن أبي داود 2: 112، وسنن ابن ماجة 1: 584، وسنن الترمذي 3: 61، وسنن الدارقطني 2: 138.
(3) صحيح البخاري 2: 161، وصحيح مسلم 2: 678، وسنن أبي داود 2: 113، وسنن ابن ماجة 1: 585، وسنن الترمذي 3: 59، وسنن الدارقطني 2: 146.

[ 150 ]

الإيمان، يعني قيمة معاوية. مسألة 188: يجوز إخراج صاع من الأجناس السبعة: التمر، أو الزبيب أو الحنطة، أو الشعير، أو الأرز، أو الأقط، أو اللبن. ويجوز أخرج قيمته بسعر الوقت. وقال الشافعي: يجوز إخراج صاع مما كان قوتا حال الاختيار كالبر، والشعير، والذرة، والدخن، والثفل يعني ما له ثفل من الحبوب دون ما لا ثفل له من الأدهان (1) وقال: لا يجوز إخراج القيمة (2). وحكى يونس بن بكر (3) عن أبي حنيفة أنه إن أخرج صاعا اهليلج أجزأه فإن كان هذا منه على سبيل القيمة فهو وفاق منه، وإن كان منه على سبيل أنه أصل فهو خلاف. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فالأجناس التي اعتبرناها لا خلاف أنها تجزي، وما عاداها على جوازها دليل. فأما جواز إخراج القيمة فقد مضى في باب زكاة الأموال، فلا وجه لإعادته. مسألة 189: المستحب ما يكون غالبا على قوت البلد. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: الغالب على قوت نفسه، وهو قول أبي عبيد بن بويه (4).

(1) الأم 2: 68، والمجموع 6: 128، وفتح العزيز 6: 194 و 205، والمنهاج القويم: 352 - 353.
(2) الأم 2: 68، والمغني لابن قدامة 2: 671.
(3) قال ابن أبي الوفاء القرشي في الجواهر المضية 2: 236 (يونس بن بكر، روى عنه أبو سعيد الأشج وأبو بكر بن أبي شيبة، روى عن أبي حنيفة والأعمش وهشام بن عروة... مات سنة 199 ه‍).
(4) الأم 2: 67، والمجموع 6: 132، وفتح العزيز 6: 224، ومغني المحتاج 1: 406.

[ 151 ]

وقال أبو العباس وأبو إسحاق مثل قولنا (1). دليلنا: إجماع الفرقة على الرواية المروية عن أبي الحسن العسكري عليه السلام في تصنيف أهل الأمصار، وما يخرجه أهل كل مصر وبلدة، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير (2)، وذلك يدل على أن المراعى غالب قوت أهل البلد، لأن اعتبار قوت نفس الانسان لا طريق إلى تعيينه. مسألة 190: إذا اعتبرنا حال قوت البلد، فلا فرق أن يخرجه من أعلاه أو من أدونه، فإنه يجزيه. ومن وافقنا من أصحاب الشافعي في هذه المسألة لهم فيها قولان: أحدهما مثل ما قلناه. والثاني: أنه إن كان الغالب الأدنى، وأخرج الأعلى أجزأه، وإن كان الأعلى فأخرج الأدنى لم يجزه (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأخبار المروية في هذا الكتاب تضمنت التخيير، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: " صاع من تمر أو صاع من زبيب أو من حنطة أو شعير " (4) ولم يفرق. مسألة 191: لا يجزي في الفطرة الدقيق والسويق أصلا وبه قال الشافعي (5). فإن أخرجه على وجه القيمة كان جائزا عندنا. وقال أبو حنيفة: الدقيق والسويق يجزي كل واحد منهما أصلا كالبر (6).

(1) المجموع 6: 132.
(2) التهذيب 4: 79 حديث 226، والاستبصار 2: 44 حديث 140.
(3) الوجيز 1: 100، والمجموع 6: 133 - 134، ومغني المحتاج 1: 406، والمنهاج القويم: 353.
(4) انظر صحيح البخاري 2: 161، وصحيح مسلم 2: 677، وسنن الترمذي 3: 61، وسنن أبي داود 2: 112، وسنن أبي ماجة 1: 584، وسنن الدارقطني 2: 138.
(5) الأم 2: 68، والمجموع 6: 132، ومغني المحتاج 1: 407، والمبسوط 3: 113، والمغني لابن (6) الفتاوى الهندية 1: 191، والهداية 1: 116، والمبسوط 3: 113 - 114، وشرح فتح القدير 2: 40، وتبيين الحقائق 1: 309.

[ 152 ]

وقال أبو القاسم بن بشار الأنماطي من أصحاب الشافعي: يجوز إخراج الدقيق (1). دليلنا: إنه لا خلاف أن ما قلناه جائز، وليس على إجزاء ما ذكروه دليل. وأيضا الأخبار المروية تضمنت الحب ولم تتضمن الدقيق والسويق (2)، فما خالفها وجب اطراحه. مسألة 192: زكاة الفطرة واجبة على المسلمين من أهل الحضر والبادية، وبه قال جميع الفقهاء (3). وقال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة بن أبي عبد الرحمن: لا فطرة على أهل البادية (4). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار المروية في هذا الباب عامة لجميع الناس (5). فمن خصصها فعليه الدلالة. مسألة 193: يجوز لأهل البادية أن يخرجوا أقطا أو لبنا. وقال الشافعي: يجوز إخراج الأقط، فإن لم يكن فصاعا من لبن. وقال في الأم: لا يؤدوا أقطا، فإن أدوا لا أقول تجب عليهم الإعادة (6).

(1) المجموع 6: 132.
(2) انظر الكافي 4: 171، والفقيه 2: 114، والتهذيب 4: 71 و 75 - 76 و 80.
(3) الأم 2: 67، والمجموع 6: 142، والموطأ 1: 283، وشرح الموطأ للزرقاني 2: 384، وبداية المجتهد 1: 270، والمغني لابن قدامة 2: 660، والشرح الكبير لابن قدامة 2: 647.
(4) المحلى 6: 131، والمغني لابن قدامة 2: 660، والشرح الكبير 2: 647، والمجموع 6: 142، وشرح الموطأ للزرقاني 2: 385.
(5) انظر الكافي 4: 170، والفقيه 2: 114، والتهذيب 4: 71، والاستبصار 2: 42، وصحيح مسلم 2: 677، وسنن الترمذي 2: 60، وسنن ابن ماجة 1: 584، وسنن أبي داود 2: 112.
(6) الأم 2: 67، والوجيز 1: 99 - 100، والمجموع 6: 131، وفتح العزيز 6: 206 - 207، ومغني المحتاج 1: 406، والمغني لابن قدامة 2: 662.

[ 153 ]

واختلف أصحابه وقال أبو إسحاق: لا يختلف قوله أنه جائز (1). وقال غيرة: المسألة على قولين: أحدهما، أنه جائز، والآخر غير جائز (2). وروى أبو سعيد الخدري فيما قدمناه: (أو صاع من أقط) (4). مسألة 194: إذا كان عبد بين شريكين، فقد قلنا: عليهما فطرته، فإن أخرج كل واحد منهما جنسا يخالف الجنس الآخر كان جائزا. وبه قال أبو إسحاق المروزي (5). وقال أبو العباس: يجوز (6). دليلنا: الأخبار التي رويت في التخيير (7)، أو يكون قوت البلد الغالب حنطة، جاز أن يخرج شعيرا.

(1) المجموع 6: 131، وفتح العزيز 6: 206، ومغني المحتاج 1: 406.
(2) الوجيز 1: 99، ومغني المحتاج 1: 406، والمجموع 6: 131، وعمدة القاري 9: 115، وكفاية الأخيار 1: 120، وفتح العزيز 6: 206.
(3) انظر الكافي 4: 173 حديث 14 و 15، والفقيه 2: 115 حديث 494، والتهذيب 4: 78 حديث 220 و 223، والاستبصار 2: 42 حديث 136 و 138.
(4) صحيح مسلم 2: 678، وسنن الترمذي 3: 59، وسنن ابن ماجة 1: 585، وسنن أبي داود 2: 113.
(5) المجموع 6: 135، والوجيز 1: 100، ومغني المحتاج 1: 406.
(6) الوجيز 1: 100، والمجموع 6: 135.
(7) منها ما رواها الشيخ الكليني في الكافي 4: 171، والصدوق في الفقيه 2: 144، والمصنف عطر الله أرواحهم الزكية في التهذيب 4: 71 و 75 - 76 و 80، والبخاري في صحيح 2: 161، ومسلم في صحيحه 2: 677 - 678، والترمذي في سننه 3: 59، وأبو داود في سننه 2: 112 - 113، وابن ماجة في سننه 1: 584 - 585، والدارقطني في سننه 2: 138.

[ 154 ]

وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه. والثاني أنه لا يجزيه (1). دليلنا: الأخبار الواردة في هذا الكتاب ظاهرها يقتضي التخيير، لأنه قال: (صاعا من تمرا أو صاعا من شعير) (2) فوجب حملها على ظاهرها. مسألة 196: مصرف زكاة الفطرة مصرف زكاة الأموال إذا كان مستحقه فقيرا مؤمنا. والأصناف الموجودة في الزكاة خمسة: الفقير، والمسكين، والغارم، وفي سبيل الله، وابن السبيل. ويجوز أن يخص فريق منهم بذلك دون فريق، ولا يعطى الواحد أقل من صاع. وقال الشافعي: مصرف هؤلاء الخمسة، وأقل ما يعطى من كل فريق ثلاثة (3) يقسم كل صاع خمسة عشر سهما لكل إنسان منهم سهم. وقال مالك يخص به الفقراء والمساكين، وقال به أبو سعيد الاصطخري من أصحاب الشافعي، فإذا أخرجها إلى ثلاثة أجزاء (4). وقال أبو حنيفة: له أن يضعها في صنف شاة (5)، كما قلناه. وهكذا الخلاف في زكاة المال، وزاد بأن قال: لو خص بها أهل الذمة جاز (6).

(1) الأم 2: 68 - 69، ومختصر المزني 55، والمجموع 6: 134.
(2) انظر الكافي 4: 171، والفقيه 2: 114، والتهذيب 4: 71 و 75 - 76 و 80.
(3) الأم 2: 80، والمجموع 6: 186 و 217، وكفاية الأخيار 1: 124، والهداية 1: 113، والمنهاج القويم: 362، وتبيين الحقائق 1: 299، والشرح الكبير لابن قدامة 2: 705، والمغني لابن قدامة 2: 712 - 713.
(4) المدونة الكبرى 1: 359، وبلغة السالك 1: 238، والشرح الكبير لابن قدامة 2: 705، والمجموع 6: 186.
(5) اللباب 1: 156، والهداية 1: 113، وتبيين الحقائق 1: 299، والمجموع 6: 186.
(6) الفتاوى الهندية 1: 188، والهداية 1: 113، والمغني لابن قدامة 2: 209 - 210، وتبيين =

[ 155 ]

دليلنا: قوله تعالى " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " الآية والصدقة تتناول زكاة الفطرة وزكاة المال، فأما تخصيص فريق دون فريق فإجماع الطائفة عليه. مسألة 197: يستحب حمل الزكوات زكاة الأموال الظاهرة والباطنة وزكاة الفطرة إلى الإمام ليفرقها على مستحقيها، فإن فرقها بنفسه جاز. وقال الشافعي: الباطنة هو بالخيار، والفطرة مثلها، والظاهرة فيهما قولان: أحدهما يتولاه بنفسه، والآخر: يحملها إلى الإمام (2). ومنهم من قال الأفضل أن يلي ذلك بنفسه إذا كان الإمام عادلا، فإن كان الإمام جائزا فإنه يليها بنفسه قولا واحدا، وإن حملها إليه سقط عنه فرضها (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4)، وأيضا قوله (خذ من أموالهم صدقة (5) يدل على ذلك، والإمام قائم مقام النبي صلى الله على وآله في ذلك. مسألة 198: وقت إخراج الفطرة يوم العيد قبل صلاة العيد، فإن أخرجها بعد صلاة العيد كانت صدقة، فإن أخرجها من أول الشهر كان جائزا، ومن أخرج بعد ذلك أثم، ويكون قضاء. وبه قال الشافعي (6).

= الحقائق 1: 300. (1) التوبة: 60.
(2) الوجيز 1: 87، والمجموع 6: 162 و 164، وفتح العزيز 5: 520.
(3) المجموع 6: 164، وفتح العزيز 5: 522.
(4) انظر ما رواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 1536، والمصنف في التهذيب 4: 96.
(5) التوبة: 103.
(6) الوجيز 1: 88، وسنن الترمذي 3: 64، وفتح العزيز 5: 533 و 6: 117، ومغني المحتاج 1: 416.

[ 156 ]

وقال أبو حنيفة: يجوز أن يخرج قبله، ولو أخرجها بسنين جاز (1). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن ما ذكرناه لا خلاف أنه جائز، وما ادعاه أبو حنيفة ليس عليه دليل. مسألة 199: الصاع المعتبر في الفطرة في أربعة أمداد، والمد رطلان وربع بالعراقي، يكون تسعة أرطال. وقال الشافعي: المد رطل وثلث، ويكون خمسة أرطال وثلث، وبه قال مالك وإليه رجع أبو يوسف، وإليه ذهب أحمد بن حنبل (2). وذهب الثوري وأبو حنيفة ومحمد إلى أن المد رطلان، والصاع ثمانية أرطال (3). دليلنا: أجاع الفرقة، وطريقة الاحتياط، لأنه إذا أخرج ما قلناه برئت ذمته بيقين بلا خلاف، وليس على براءتها إذا أخرج ما قالوه دليل. مسألة 200: الزكاة إذا وجبت بحلول الحول، وتمكن من إخراجها، ولم تسقط بوفاته، سواء كانت زكاة الأموال، والحج. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: يسقط ذلك بوفاته، فإن أوصى بها كانت صدقة تطوع

(1) اللباب 1: 162، والفتاوى الهندية 1: 192، والهداية 1: 117، وشرح العناية للبابرتي المطبوع في هامش شرح فتح القدير 2: 43.
(2) الوجيز 1: 99، وفتح العزيز 6: 194، ومغني المحتاج 1: 405، وكفاية الأخيار 1: 120، واللباب 1: 160، والهداية 1: 177، وشرح فتح القدير 2: 40، وبدائع الصنائع 2: 73، والمغني لابن قدامة 2: 657، وبلغة السالك 1: 238، والمنهل العذب 9: 223، ورسالة المقادير الشرعية: 15 و 21 و 27.
(3) اللباب 1: 160، والهداية 1: 117، وبدائع الصنائع 2: 73، وفتح العزيز 6: 195، والمنهل العذب 9: 223، ورسالة المقادير الشرعية: 6.
(4) المجموع 6: 232، والمبسوط 2: 185.

[ 157 ]

تعتبر من الثلث هكذا زكاة الفطرة والكفارات، والحج (1). والجزية والعشر عنه روايتان، قال في الأصول ونقله أبو يوسف ومحمد أنه تسقط بالوفاة كالخراج (2). وروى ابن المبارك أنهما لا يسقطان بالموت (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا أن هذه حقوق واجبة تعلقت بذمته أو بماله، فلا يجوز إسقاطها بالموت إلا بدليل، ولا دليل يدل عليه. وأيضا قوله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة " وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله، ومن يقوم مقامه، فإذا كانت الأموال ثابتة وجب أن يؤخذ منها الصدقة.

(1) الفتاوى الهندية 1: 193، وفتاوى قاضيخان 1: 256، والمبسوط 2: 185 - 186، والمجموع 6: 232، والمحلى 6: 88.
(2) الأحكام السلطانية: 145، والمحلى 6: 88، والمبسوط 3: 50.
(3) المحلى 6: 88.
(4) التوبة: 103.

[ 159 ]

كتاب الصوم

[ 161 ]

مسألة 1: قوله تعالى: " يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات " (1). من أصحابنا من قال إنما عني بعشرة أيام من المحرم، وكان الفرض التخيير بين الصوم والاطعام، ثم نسخ بقوله " شهر رمضان الذي - إلى قوله - فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (2) فحتم على الصوم لا غيره (3). وقال الشافعي: المراد بالآية شهر رمضان، إلا أنه نسخ فرض التخيير إلى التضييق (4). وقال معاذ: المراد به غير شهر رمضان، وهو ثلاثة أيام في كل شهر كان هذا فرض الناس حين قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة، ثم نسخ بشهر رمضان (5). والذي قاله الشافعي أقرب إلى الصواب، لأن الظاهر الأمر فيها، وليس فيه

(1) البقرة: 183.
(2) البقرة: 184.
(3) حكاه الشيخ الطوسي في التبيان 2: 116، والطبرسي في مجمع البيان 2: 273 عن عطاء وقتادة وابن عباس وابن أبي ليلى ومعاذ ولم نقف على قول لأصحابنا في ذلك في المصادر المتوفرة.
(4) السنن الكبرى 4: 200، والمجموع 6: 250، والمنهل العذب 10: 26.
(5) أحكام القرآن للجصاص 1: 173، والجامع لأحكام القرآن 2: 275، والسنن الكرى 4: 200، والمجموع 6: 249، والتفسير الكبير للرازي 5: 78.

[ 162 ]

أنه كان غير شهر رمضان. وأما التخيير الذي فيها فهو منسوخ بلا خلاف في شهر رمضان، فينبغي أقل ما في هذا الباب أن يتوقف في المراد بالآية، ويعتقد أنه إذا كان الفرض غير شهر رمضان فهو منسوخ به، وإن كان المراد به شهر رمضان فقد نسخ التخيير فيها بلا خلاف. مسألة 2: الصوم لا يجزي من غير نية، فرضا كان أو نقلا، شهر رمضان كان أو غيره، سواء كان في الذمة أو متعلقا بزمان بعينه. وبه قال جميع الفقهاء (1) إلا زفر، فإنه قال: إذا تعين عليه رمضان على وجه لا يجوز له الفطر، وهو إذا كان صحيحا مقيما أجزأه من غير نية (2)، فإن لم يتعين عليه بأن يكون مريضا أو مسافرا أو كان الصوم في الذمة كالنذر والقضاء والكفارات، فلا بد فيه من النية، وروى هذا عن مجاهد (3). دليلنا: قولي تعالى: " وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى " (4) فنفى المجازاة على كل نعمة إلا ما يبتغي به وجهه والابتغاء بها وجهه هو النية. وأيضا فلا خلاف أنه إذا نوى أن صومه صحيح مجز، وليس على قول من قال إذا لم ينو أنه يجزئ دليل. وأيضا قوله عليه السلام: " الأعمال بالنيات " (5) ونحن نعلم إنما أراد

(1) الأم 2: 95، والوجيز 1: 100، والمجموع 6: 300، وكفاية الأخيار 1: 126، والنتف 1: 142، واللباب 1: 163، والهداية 1: 118، وشرح فتح القدير 2: 45، ومغني المحتاج 1: 423، وبدائع الصنائع 2: 83، والمغني لابن قدامة 3: 17 - 18، وبداية المجتهد 1: 283، والمنهل العذب 10: 215. وبلغة السالك 1: 244.
(2) الهداية 1: 129، وبدائع الصنائع 2: 83، والمجموع 6: 300، وبداية المجتهد 1: 283، والفتح الرباني 1: 281، والمنهل العذب 1: 216.
(3) المجموع 6: 300.
(4) الليل: 19 - 20.
(5) أمالي الشيخ الطوسي 2: 231، والتهذيب 4: 186، وصحيح البخاري 1: 2، وصحيح مسلم =

[ 163 ]

به كونها شرعية مجزية دون وقوع جنس الأفعال، لأنه لو أراد ذلك لكان كذبا مسألة 3: الصوم على ضربين: مفروض ومسنون، والمفروض على ضربين: ضرب يتعين صومه، كصوم شهر رمضان، والصوم النذر المعين بيوم مخصوص، فما هذا حكمه يجوز فيه تجديد النية إلى قبل الزوال، وبه قال أبو حنيفة (1). ويجزي في صوم شهر رمضان نية واحدة من أول الشهر إلى آخره وبه قال مالك (2). وما لا يتعين، بل يجب في الذمة، مثل النذر الواجب في الذمة، والكفارات، وقضاء شهر رمضان وما أشبه ذلك فلا بد فيه من تجديد النية لكل يوم، ويجزي ذلك إلى قبل الزوال. وقال الشافعي: لا بد من أن ينوي لكل يوم من ليله، سواء وجب ذلك شرعا أو نذرا، كصيام شهر رمضان، والنذر، والكفارات، وسواء تعلق بزمان بعينه كصوم رمضان، أو نذر زمان بعينه، أو كان في الذمة كالنذور المطلقة، والقضاء، والكفارات، (3)، وبه قال مالك وأحمد، إلا أن مالكا قال: إذا نوى شهر رمضان في أول ليلة للشهر كله أجزأه (4)، كما قلناه.

= 3: 1515 حديث 155، ومسند أحمد بن حنبل 1: 35، وسنن ابن ماجة 2: 1413 حديث 2425، وسنن أبي داود 2: 262 حديث 2201، وسنن الترمذي 4: 172 حديث 2147، وسنن البيهقي 7: 341. (1) النتف 1: 142، والهداية 1: 118، وعمدة القاري 10: 303، والمجموع 6: 301، والمغني لابن قدامة 3: 18، والمنهل العذب 1: 215.
(2) المغني لابن قدامة 3: 23، الشرح الكبير لابن قدامة 3: 28، والمجموع 6: 302، وفتح العزيز 6: 291، والمنهل العذب 10: 216، والهداية 1: 128، والمبسوط 3: 60.
(3) الأم 2: 95، ومختصر المزني: 56، والوجيز 1: 101، وكفاية الأخيار 1: 126، والمجموع 6: 302، والمغني لابن قدامة 3: 18 و 23، وبلغة السالك 1: 244، وشرح الموطأ 2: 401، والمنهل العذب 1: 215، وعمدة القاري 10: 303، وفتح العزيز 6: 302، (4) انظر المصادر السابقة.

[ 164 ]

وقال أبو حنيفة: إن كان متعلقا بالذمة كقول الشافعي، وإن كان متعلقا بزمان بعينه كصوم شهر رمضان والنذر المعين أجزأه أن ينوي لكل يوم قبل الزوال (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم. وأيضا قوله " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (2) ولم يذكر مقارنة النية له. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله بعث إلى أهل السواد في يوم عاشوراء وقال " من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك بقية نهاره (3) وكان صيام عاشوراء واجبا " (4). وروي مثل ما قلناه عن علي عليه السلام وابن مسعود (5). مسألة 4: الصوم المعين على ضربين: أحدهما شهر رمضان، فيجزي فيه نية القربة، ولا تجب فيه نية التعين، فلو نوى صوما آخر نفلا أو قضاء وقع عن شهر رمضان، وإن كان التعيين بيوم مثل النذر يحتاج إلى نية معينة. وأما الصوم الواجب في الذمة، مثل قضاء رمضان، أو الصوم في النذر غير المعين، أو غيره من أنواع الصوم الواجب، وكذلك صوم النفل، فلا بد في جميع ذلك من نية التعيين ونية القربة، ويكفي أن ينوي أنه يصوم متقربا به إلى الله تعالى، وأن أراد الفضل نوى أنه يصوم غدا يوما من شهر رمضان. ونية التعيين هو أن ينوي الصوم الذي يريده، ويعينه بالنية. وقال الشافعي: في جميع ذلك لا بد من نية التعيين، وهو أن ينوي أنه يصوم غدا من رمضان فريضة، ومتى أطلق النية ولم يعين أو نوى عن غيره

(1) النتف 1: 142، والمجموع 6: 301 - 302، وفتح العزيز 6: 303.
(2) البقرة: 185.
(3) صحيح البخاري 3: 58، وصحيح مسلم 2: 798، وسنن النسائي 4: 192 بلفظ آخر.
(4) صحيح البخاري 3: 57، وصحيح مسلم 2: 792.
(5) المحلى 6: 166، وعمدة القاري 10: 304، والمغني لابن قدامة 3: 18.

[ 165 ]

كالنذر والكفارات والتطوع لم يقع عن رمضان ولا عما نوى، سواء كان في السفر أو في الحضر (1). وقال أبو حنيفة: إن كان الصوم في الذمة، كما قلناه (2). وقال الشافعي (3): وإن كان متعلقا بزمان بعينه كالنذر وشبهه وشهر رمضان لم يخل حاله في رمضان من أحد أمرين: إما أن يكون حاضرا أو مسافرا. فإن كان حاضرا لم يفتقر إلى تعيين النية، فإن نوى مطلقا أو تطوعا أو نذرا أو كفارة، وقع عن رمضان وعن أي شئ نوى، انصرف إلى رمضان، (4). وإن كان في السفر نظرت، فإن نوى مطلقا وقع عن رمضان، وإن نوى نذرا أو كفارة وقع عما نوى له كما لو نوى نذرا. أحدهما: عن شهر رمضان كما لو أطلق (6). وقال أبو يوسف ومحمد: عن أي شئ نوى في رمضان وقع رمضان في سفر كان في أو حضر، وأجروه في السفر على ما أجراه أبو حنيفة في الحضر (7). دليلنا: قوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (8) فأمره بالامساك،

(1) الوجيز 1: 101، والمجموع 6: 263 و 302، وفتح العزيز 6: 292، وكفاية الأخيار 1: 126، والمبسوط 3: 60.
(2) الهداية 1: 119، وبدائع الصنائع 2: 85، وتبيين الحقائق 1: 316.
(3) كذا في جميع النسخ والظاهر أنها من سهو النساخ، وهذا تقسيم لقول أبي حنفية وقد وضع المؤلف قدس سره قول الشافعي فيما سبق فتأمل.
(4) بدائع الصنائع 2: 84، والمجموع 6: 302، وبداية المجتهد 1: 283.
(5) المجموع 6: 302، والمغني لابن قدامة 3: 36.
(6) بدائع الصنائع 2: 84، وتبيين الحقائق 1: 315 - 316، والهداية 1: 118، والمبسوط 3: 61، والمجموع 6: 302، وفتح العزيز 6: 392، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 30.
(7) المبسوط 3: 61، وبدائع الصنائع 2: 84، وبداية المجتهد 1: 283.
(8) البقرة 185.

[ 166 ]

وهذا قد أمسك فوجب أن يجزيه. وأيضا تعيين النية يحتاج في الموضع الذي يجوز أن يقع الصوم على وجهين، فأما إذا لم يصح أن يقع إلا شهر رمضان فلا يحتاج إلى تعيين النية، كرد الوديعة. وأما في حال السفر فعندنا لا يجوز أن يصومه على حال، بل فرضه الافطار، فإن نوى نافلة، أو نذرا كان عليه، أو كفارة احتاج إلى تعيين النية ويقع عما ينويه، لأن هذا زمان يستحق فيه الافطار، فجاز أن ينوي فيه صيام يوم يريده، لأنه لا مانع منه. هذا على قول من أجاز صوم النافلة في السفر على ما نختاره (1)، فأما إذا منعنا منه، فلا يصح هذا الصوم على حال. مسألة 5: وقت النية من أول الليل إلى طلوع الفجر، أي وقت نوى أجزأه، ويضيق عند طلوع الفجر، هذا مع الذكر. فأما إذا فاتت ناسيا جاز تجديدها إلى عند الزوال. وأجاز أصحابنا في نية القربة في شهر رمضان خاصة أن تتقدم على الشهر بيوم وأيام (2) فأما نية التعيين فعلى ما بيناه أولا. وقال الشافعي: وقت الوجوب قبل طلوع الفجر الثاني لا يجوز أن يتأخر عنه، فإذا بقي من الليل قدر نية فقط فقد تضيق عليه، كما إذا بقي من وقت الظهر قدر أربع ركعات تعينت عليه، قال: فإن وافق إنهاء النية مع انتهاء الليل أجزأه، وإن ابتدأ بالنية قبل طلوع فطلع الفجر قبل إكمالها لم يجزه (3).

(1) اختاره المصنف في المبسوط 1: 258 فلاحظ.
(2) الذي يستفاد من أقوال الفقهاء والتي تتوفر كتبهم، إطلاق جواز تقديم نية القربة من دون تحديد الوقت.
(3) المجموع 3: 44 و 6: 290 و 304، وكفاية الأخيار 1: 126، والمغني لابن قدامة 3: 18، والمنهاج =

[ 167 ]

وأما وقت الجواز ففيها ثلاثة أوجه: ظاهر المذهب أن وقتها ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الثاني، أي وقت أتى بها فيه أجزأه (1)، وبه قال أبو العباس وأبو سعيد وغيرهما (2). وفيهم من قال: وقتها بعد نصف الليل، فإن نوى قبل النصف لم يجزه (3). وقال أبو إسحاق: وقت النية أي وقت شاء من الليل، ولكن بعد أن لا يفعل بعدها ما ينافيها، مثل أن ينام بعدها ولا ينتبه حتى يطلع الفجر فإن انتبه قبل طلوع الفجر، أو أكل أو شرب أو جامع، فعليه تجديد النية (4). وحكي أن أبا سعيد الاصطخري لما بلغته هذه المقال قال: يستتاب من قال هذا، فإن تاب وإلا قتل، لأنه خالف إجماع المسلمين (5). دليلنا: إجماع الأمة، فإن خلاف أبي إسحاق شاذ لا يلتفت إليه، وعليه إجماع الطائفة لا يختلفون فيه. مسألة 6: يجوز أن ينوي صيام النافلة نهارا، ومن أجازه إلى عند الزوال (6)، وهو الظاهر في الروايات (7)، ومنهم من أجازه إلى آخر النهار (8) ولست أعرف به نصا. وقال الشافعي: يجوز ذلك قبل الزوال قولا واحدا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل (9).

= القويم 348 - 349. (1) المجموع 6: 290.
(2) المجموع 6: 291، وفتح العزيز 6: 308.
(3) المجموع 6: 290 - 291، وفتح العزيز 6: 305.
(4) المجموع 6: 288 و 291.
(5) المجموع 6: 291.
(6) حكاه العلامة في المختلف كتاب الصوم: 42 عن ابن عقيل.
(7) انظر التهذيب 4: 188 حديث 528 و 532.
(8) ذهب إليه ابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهية: 719).
(9) الأم 2: 95، ومختصر المزني: 56، والوجيز 1: 101، والمجموع 6: 302، وعمدة القاري 10: 303، والمغني لابن قدامة 3: 31، وتبيين الحقائق 1: 315.

[ 168 ]

وقال مالك: لا يجوز حتى ينوي له ليلا كالفرض سواء، وبه قال المزني (1). وروى ذلك عن جابر بن زيد (2) في التابعين، وفي الصحابة عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وأبي طلحة، وأبي الدرداء، وأبي أيوب الأنصاري (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون فيما قلناه إلا الخلاف الشاذ الذي لا يستند إلى رواية. وروى عكرمة قال: قالت عائشة: دخل علي على رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " عندك شئ "؟ قلت لا فقال " إذن أصوم ". ودخل علي يوما آخر فقال: " عندك شئ "؟ قلت: نعم قال: إذن أطعم وإن كنت قد فرضت الصوم " (4). فوجه الدلالة أنه قال: إذن أصوم يعني أبتدأ الصوم وأستأنفه فإن أذن في كلام العرب لهذا المعنى. وأيضا روى أن النبي صلى الله عليه وآله بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء فقال " من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك بقية النهار " (5).

(1) المجموع 6: 302، والمغني لابن قدامة 3: 29، وعمدة القاري 10: 303.
(2) جابر بن زيد اليحمدي الأزدي، أبو الشعثاء الجوفي البصري روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وروى عنه قتادة وعمر بن دينار وعمر بن هرمة وغيرهم، كان من فقهاء البصرة، مات سنة 93 وقيل 103 أو 104 هجرية. تهذيب التهذيب 2: 38، ومرآة الجنان 1: 182، وشذرات الذهب 1: 101.
(3) المجمع 6: 302، وعمة القاري 10: 303، والمغني لابن قدامة، 3: 29، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 33.
(4) صحيح مسلم 2: 808 باب 32، ومسند أحمد بن حنبل 6: 49 و 207، وسنن النسائي 4: 193، وسنن الدارقطني 2: 176 حديث 21.
(5) صحيح البخاري 3: 58، وصحيح مسلم 2: 798 باب 21، وسنن النسائي 4: 192 بلفظ آخر.

[ 169 ]

مسألة 7: إذا نوى بالنهار يكون صائما من أوله لا من وقت تجديد النية. وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (1). وقال أبو إسحاق: يكون صائما من وقت تجديد النية، وما قبلة يكون إمساكا لا صوما يثاب عليه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أنه يكون صائما صوما شرعيا، والصوم الشرعي لا يكون إلا من أوله. مسألة 8: علامة شهر رمضان ووجوب صومه أحد شيئين، إما رؤية الهلال أو شهادة شاهدين، فإن غم عد شعبان ثلاثين يوما ويصام بعد ذلك بنية الفرض، فأما العدد والحساب فلا يلتفت إليهما، ولا يعمل بهما، وبه قالت الفقهاء أجمع (3). وحكوا عن قوم شذاذ أنهم قالوا: يثبت بهذين وبالعدد، فإذا أخبر ثقاة من أهل الحساب والعلم والنجوم بدخول الشهر ووجوب قبول قولهم (4). وذهب قوم من أصحابنا إلى القول بالعدد (5)، وذهب شاذ منهم إلى القوق بالجدول. دليلنا: الأخبار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الأئمة صلوات الله عليهم ذكرناها في تهذيب الأحكام (6)، وبينا القول فيما يعارضها من شواذ الأخبار.

(1) المجموع 6: 292، وفتح العزيز 6: 315، وعمدة القاري 10: 303، ومغني المحتاج 1: 424.
(2) المجموع 6: 292، وفتح العزيز 6: 316، ومغني المحتاج 1: 424.
(3) المبسوط 3: 64، والمجموع 6: 270 و 279، وبداية المجتهد 1: 275، وتبيين الحقائق 1: 316 - 317، وعمدة القاري 10: 271 و 281، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 8.
(4) المجموع 6: 270 و 279، وعمدة القاري 10: 271 - 272 و 281، وبداية المجتهد 1: 275.
(5) منهم الشيخ الصدوق في الفقيه، وقد ألف الشيخ المفيد رسالة في رد القائلين بالعدد وإبطال أخبارهم.
(6) التهذيب 4: 154 باب 41 علامة أول شهر رمضان، والاستبصار 2: 62 باب 3 3.

[ 170 ]

وأيضا قوله تعالى: " يسئلونك عن الأهلة، قل هي مواقيت للناس والحج " (1) فبين أن الأهلة يعرف بها مواقيت الحج والشهور، ومن ذهب إلى الحساب والجدول لا يراعى الهلال أصلا وذلك خلاف القرآن. مسألة 9: صوم يوم الشك يستحب بنية شعبان، ويحرم صومه بنية رمضان وصومه من غير نية أصلا لا يجزي عن شئ. وذهب الشافعي إلى أنه يكره أفراده بصوم التطوع من شعبان، أو صيامه احتياطا لرمضان، ولا يكره إذا كان متصلا بما قبله من صيام الأيام. وذلك لا يكره أن يصومه إذا وافق عادة له في مثل ذلك، أو يوم نذر أو غيره (2). وحكي أن به قال في الصحابة علي عليه السلام وعمر، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وفي التابعين الشعبي، والنخعي، وفي الفقهاء مالك، والأوزاعي (3). وقالت عائشة وأختها أسماء: لا يكره بحال (4). وقال ابن الحسن وابن سيرين: إن صام إمامه صام، وإن لم يصم إمامه لم يصم (5). وقال ابن عمر: إن كان صحوا كره، وإن كان غيما لم يكره، وبه قال

(1) البقرة: 189.
(2) مختصر المزني: 56، والمجموع 6: 403 - 404، وعمدة القاري 10: 273، وكفاية الأخيار 1: 129، والمنهل العذب 10: 53، والبحر الزخار 3: 248.
(3) الموطأ 1: 39 حديث 55، والمجموع 6: 404، وعمدة القاري 10: 273، والمنهل العذب 10: 53، والبحر الزخار 3: 247، والفتح الرباني 9: 262.
(4) المجموع 6: 403، وعمدة القاري 10: 273، والمنهل العذب 10: 54، والبحر الزخار 3: 248.

[ 171 ]

أحمد بن حنبل (1). وقال أبو حنيفة: إن صام تطوعا لم يكره، وإن صامه على سبيل التحرز لرمضان حذرا أن يكون منه فهذا مكروه (2). دليلنا: إجماع الطائفة، والأخبار التي رويناها في الكتاب المقدم ذكره (3). وروي عن علي عليه السلام أنه قال: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان (4). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الصوم جنة من النار " (5) ولم يفرق. مسألة 10: إذا رأى الهلال قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المستقبلة دون الماضية. وبه قال جميع الفقهاء (6).

(1) المجموع 6: 404، وعمدة القاري 10: 273، والمنهل العذب 10: 53 - 54، والبحر الزخار 3: 248.
(2) الهداية 1: 119، والمبسوط 3: 63، والفتاوى الهندية 1: 201، والنتف 1: 146، وتبيين الحقائق 1: 317، والفتح الرباني 9: 262، والمجموع 6: 404، والمنهل العذب 10: 53، وبداية المجتهد 1: 292، والبحر الزخار 3: 248.
(3) انظر التهذيب 4: 180 باب 41، والاستبصار 2: 77 باب 37.
(4) من لا يحضره الفقيه 2: 79 حديث 348، والمقنع: 59.
(5) الكافي 4: 62 حديث 1 و 3، والفقيه 2: 44 ذيل حديث 196 و 45 ذيل حديث 200، وصحيح البخاري 3: 34، وصحيح مسلم 2: 806 و 807 حديث 162 و 163، وسنن أبي داود 2: 307، وسنن الترمذي 2: 512، وسنن النسائي 4: 167، وسنن ابن ماجة 1: 525، ومسند أحمد 2: 414.
(6) الأم 2: 95، والموطأ 1: 287، وشرح فتح القدير 2: 52، والمغني لابن قدامة 3: 108، والمجموع 6: 272 - 273، وفتح العزيز 6: 286، وتبيين الحقائق 1: 321، وبداية المجتهد 1: 275.

[ 172 ]

وذهب قوم من أصحابنا إلى أنه أن رأي قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإن رأي بعده فهو لليلة المستقبلة (1). وبه قال أبو يوسف (2). دليلنا: الأخبار التي رويناها في الكتاب المقدم ذكره، وبينا القول في الرواية الشاذة (3). وأيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: " إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا " (4) وهذا رآه بالنهار، فينبغي أن يكون صومه وفطره من الغد، لأنه إن صام ذلك عن علي عليه السلام وعمر، وابن عمر، وأنس وقالوا كلهم: لليلة القابلة، ولا مخالف لهم يدل على أنه إجماع الصحابة (5). مسألة 11: لا يقبل في رؤية هلال رمضان إلى شهادة شاهدين، فأما الواحد فلا يقبل منه هذا مع الغيم، وأما مع الصحو فلا يقبل إلا خمسون قسامة (6)، أو اثنان من خارج البلد. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل ما قلناه من اعتبار الشاهدين (7)، وبه قال مالك،

(1) منهم السيد المرتضى في الناصريات، كتاب الصوم، مسألة 126.
(2) شرح فتح القدير 2: 52، وتبيين الحقائق 1: 321، والمجموع 6: 272 - 273، والمغني لابن قدامة 3: 108، وفتح العزيز 6: 286.
(3) انظر التهذيب 4: 154 باب 41 علامة أول شهر رمضان.
(4) صحيح البخاري 3: 34، وصحيح مسلم 2: 759، ومسند أحمد بن حنبل 2: 63 و 415 و 456، و 3: 341، و 5: 42، وموطأ مالك 1: 286، وسنن النسائي 4: 132، والمستدرك على الصحيحين 1: 423.
(5) انظر المجموع 6: 273، وفتح العزيز 6: 287، والمغني لابن قدامة 3: 108.
(6) القسامة بالفتح: اليمين، كالقسم. وحقيقتها أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفر على استحقاقهم دم صاحبهم. قاله ابن الأثير في النهاية 4: 62.
(7) الأم 2: 94، ومختصر المزني: 58، والوجيز 1: 100، والمجموع 6: 275، وفتح العزيز 6. 250، والسراج الوهاج: 136.

[ 173 ]

والأوزاعي، والليث بن سعد سواء كان صحوا أو غيما (1). والآخر: إنه يقبل شهادة واحد، وعليه أكثر أصحابه، وبه قال في الصحابة عمر، وابن عمر، وحكوه عن علي عليه السلام، وبه قال الفقهاء أحمد بن حنبل (2). وقال أبو حنيفة: إن كان يوم غيم قبلت شاهدا واحدا، وإن كان صحوا لم يقبل إلا التواتر فيه الخلق العظيم (3). دليلنا: إجماع الطائفة، والأخبار التي ذكرناها في الكتابين المقدم ذكرهما (4). وأيضا فلا خلاف أن شاهدين يقبلان، ولم يقم دليل على وجوب قبول الواحد. وروى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: إنا صحبنا أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، وتعلمنا منهم، وأنهم حدثونا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين: فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وأنسكوا " ذكره الدارقطني (5). مسألة 12: لا يقبل في هلال شوال إلا شاهدان. وبه قال جميع الفقهاء (6).

(1) المجموع 6: 282، وفتح العزيز 6: 250، والمغني لابن قدامة 3: 97، وبداية المجتهد 1: 276، وبلغة السالك 1: 240.
(2) المجموع 6: 282، والوجيز 1: 100، وفتح العزيز 6: 250، والمغني لابن قدامة 3: 96، وبداية المجتهد 1: 276، والمبسوط 3: 139 - 140، والسراج الوهاج: 136.
(3) الهداية 1: 121، والمبسوط 3: 139 - 140، والمجموع 6: 282، وفتح العزيز 6: 258، والمغني لابن قدامة 3: 97، وبداية المجتهد 1: 277.
(4) انظر التهذيب 4: 155 و 159 - 160، والاستبصار 2: 63 حديث 200 و 205.
(5) سنن الدارقطني 2: 167 حديث 13.
(6) المغني لابن قدامة 3: 98، والمجموع 6: 280 - 281، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 10، وبداية =

[ 174 ]

وقال وأبو ثور: يثبت بشاهد واحد (1). دليلنا: الإجماع، فإن أبا ثور لا يعتد به، ومع ذلك فقد انقرض خلافة، وسبقه الإجماع. وأيضا فإن شهادة الشاهدين يجوز الافطار بلا خلاف، وليس على قول من أجاز ذلك بواحد دليل. مسألة 13: من أصبح جنبا في شهر رمضان ناسيا تمم صومه ولا شئ وعليه، وإن أصبح كذلك معتمدا من غير عذر بطل صومه وعليه قضائه وعليه الكفارة. وقال جميع الفقهاء: تمم صومه ولا شئ عليه ولا قضاء ولا كفارة (2). وقال أبو هريرة: لا يصح صومه (3)، وبه قال الحسن بن صالح بن حي (4)، وهذا مثل ما قلناه إلا أني لا أعلم هل يوجبان الكفارة أم لا. دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون فيه، وأيضا فإذا قضى وكفر برئت ذمته بلا خلاف وإذا لم يفعله لم تبرأ ذمته بيقين. وروي أبو هريرة قال: من أصبح جنبا فلا صوم له، ما أنا قلته قال محمد ورب الكعبة (5). مسألة 14: إذا شك في طلوع الفجر وجب عليه الامتناع من الأكل، فإن

= المجتهد 1: 277، وتبيين الحقائق 1: 320. (1) انظر المصادر المتقدمة.
(2) الموطأ 1: 289، والنتف 1: 158، والمغني لابن قدامة 3: 78، والشرح الكبير لابن قدامة 54.
(3) المجموع 6: 307 - 308، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 78، والمغني 3: 78، وبلغة السالك 1: 250، والفتح الرباني 10: 69.
(4) المغني لابن قدامه 3: 78، والشرح الكبير 3: 54.
(5) سنن ابن ماجة 1: 543 حديث 1702، ومسند أحمد بن حنبل 2: 248 و 286 مع تقديم وتأخير فيهما.

[ 175 ]

أكل ثم تبين له أنه كان طالعا كان عليه القضاء، وكذلك إن شك في دخول الليل فأكل ثم تبين أنه ما كان غابت الشمس كان عليه القضاء. وبه قال جميع الفقهاء (1). وقال الحسن وعطاء: لا قضاء عليه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " أتموا الصيام إلى الليل " (3) وهذا لم يصم إلى الليل، فوجب عليه القضاء. مسألة 15: يجوز له الجماع إذا بقي من طلوع الفجر مقدار ما يغتسل فيه من الجنابة، فإن لم يعلم ذلك وظن أن الوقت باق فجامع، فطلع عليه الفجر نزع وكان عليه القضاء دون الكفارة، فإن لن ينزع وأولج كان عليه القضاء والكفارة. فأما إذا كان عالما بقرب الفجر، فجامع فطلع الفجر عليه، كان عليه القضاء والكفارة. وقال الشافعي وأصحابه: إذا أولج قبل طلوع الفجر فوافاه الفجر مجامعا فيه مسألتان: أحداهما أن يقع النزع والطلوع معا، والثانية إذا لم ينزع. فالأولى: إذا وافاه الفجر مجامعا، فوقع النزع والطلوع معا، وهو أنه جعل ينزع وجعل الفجر يطلع لم يفسد صومه، ولا قضاء ولا كفارة. وبه قال أبو حنيفة (4). وقال زفر والمزني: أفسد صومه، وعليه القضاة بلا كفارة (5). وأما الثانية: إذا وافاه الفجر مجامعا فتمكث أو تحرك لغير إخراجه، فلا

(1) المجموع 6: 309، والهداية 1: 130، وعمدة القاري 5: 297. (2) عمدة القاري 5: 297، والمجموع 6: 309.
(3) البقرة: 187.
(4) الأم 2: 97، والوجيز 1: 102، والمجموع 6: 311، والمغني لابن قدامة 3: 65، ومغني المحتاج 1: 432، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 67، والسراج الوهاج: 141، والمبسوط 3: 140.
(5) المجموع 6: 311، والمبسوط 3: 140.

[ 176 ]

فصل بين من هذا وبين من وافاه الفجر فابتداء بالايلاج مع ابتداء الطلوع حتى وقع الايلاج والطلوع معا. فإن كان جاهلا بالفجر فعليه بالقضاء بلا كفارة (1). وليس على قولهم جماع يمنع من صوم بلا كفارة إلا هذا، ولا من أكل مع الجهل أفسد الصوم إلا هذا. فإن كان علما به أفسد الصوم وعليه الكفارة (2). وقال أبو حنيفة: عليه القضاء بلا كفارة (3). وقال أصحاب أبي حنيفة: لأن صومه ما أنعقد، فالجماع لم يفسد صوما منعقدا فلا كفارة (4). وقال أصحاب الشافعي: المذهب أن الصوم لم ينعقد، وإن الكفارة إنما وجبت بجماع من الانعقاد (5). دليلنا: إجماع الفرقة على من أصبح جنبا متعمدا، من غير ضرورة لزمه القضاء والكفارة، وفي المسألتين معا قد أصبح جنبا متعمدا، فوجب أن يلزم القضاء والكفارة. فأما إذا لم يعلم، فليس عليه شئ، لأنه لو فعل ذلك نهارا لم يلزمه شئ بلا خلاف بين الطائفة. مسألة 16: إذا خرج من بين أسنانه ما يمكنه التحرز منه، ويمكنه أن يرميه فابتلعه عامدا كان عليه القضاء. وبه قال الشافعي (6).

(1) مختصر المزني: 56، والوجيز 1: 102، وكفاية الأخيار 1: 130، ومغني المحتاج 1: 432.
(2) الأم 2: 97، ومختصر المزني: 56، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 66، والمغني لابن قدامة 3: 65. والسراج الوهاج: 141.
(3) الوجيز 1: 104، والمغني لابن قدامة 3: 65، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 66.
(4) المبسوط 3: 141.
(5) مختصر المزني: 56، والمجموع 6: 338.
(6) الأم 2: 96، والوجيز 1: 102، والمجموع 6: 317، وفتح العزيز 6: 394.

[ 177 ]

وقال أبو حنيفة: لا شئ عليه ولا قضاء (1). دليلنا: إنه ابتلع ما يفطر، فوجب أن يفطره، لأنه لو تناول ابتداء ذلك المقدار لأفطره بلا خلاف. وأيضا فإنه ممنوع من الأكل وهذا أكل. مسألة 17: غبار الدقيق، والنفض الغليظ حتى يصل إلى الحلق يفطر، ويجب منه القضاء، والكفارة متى تعتمد. ولم يوافق عليه أحد من الفقهاء، بل أسقطوا كلهم القضاء والكفارة معا (2). دليلنا: الأخبار التي بيناها في الكتاب الكبير (3) وطريقة الاحتياط، لأن مع ما قلناه تبرأ الذمة بيقين، وفي الاخلال به خلاف مسألة 18: إذا بلغ الريق قبل أن ينفصل من فيه لا يفطر بلا خلاف، وكذلك إن جمعه في فيه ثم بلعه لا يفطر. فإن انفصل من فيه، ثم عاد إليه أفطر. ووافقنا الشافعي في الأول والأخيرة (4)، وأما الثانية وهي الذي يجمع في فيه ثم يبلعه له فيها وجهان: أحدهما مثل ما قلناه، والآخر يفطر (5)، وكذلك القول في النخامة (6). دليلنا: إن الصوم إذا كان صحيحا وجب أن لا يحكم بفساده إلا بدليل،

(1) تبيين الحقائق 1: 324، والمجموع 6: 317، والمغني لابن قدامة 3: 46، والشرح الكبير 3: 50، وفتح العزيز 6: 394.
(2) المجموع 6: 328، وفتح العزيز 6: 386، وتبيين الحقائق 1: 324.
(3) التهذيب 4: 214 حديث 621، والاستبصار 2: 94 حديث 305.
(4) الوجيز 1: 102، والمجموع 6: 318، وفتح العزيز 6: 390، وكفاية الأخيار 1: 126.
(5) الوجيز 1: 102، والمجموع 6: 318، وفتح العزيز 6: 391، وكفاية الأخيار 1: 126.
(6) الوجيز 1: 102، والمجموع 6: 319، وفتح العزيز 6: 392 - 393، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 74 - 75، والسراج الوهاج: 139.

[ 178 ]

وليس في الشرع ما يدل أن ما ذكره يفطر. مسألة 19: إذا تقيأ متعمدا وجب عليه القضاء بلا كفارة، فإن ذرعه القئ فلا قضاء عليه أيضا، وهو المروي عن علي عليه السلام، وعبد الله بن عمر، وبه قال أبو حنيفة: والشافعي، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق (1). وقال ابن مسعود وابن عباس: لا يفطره على حال وإن تعمد (2). وقال عطاء وأبو ثور: إن تعمد القئ أفطر وعليه القضاء والكفارة، وإن ذرعه لم يفطر وأجرياه مجرى الأكل عامدا (3). دليلنا: إجماع الطائفة والأخبار التي رويناها في الكتاب الكبير (4) وطريقة الاحتياط تقتضيه أيضا، فإنه إذا قضى برئت ذمته بيقين، فأما إيجاب الكفارة فلا دليل عليه والأصل براءة الذمة. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من ذرعه قئ وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقيأ فليقض " (5). مسألة 20: إذا أصبح يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان، ويعتقد أنه من شعبان بنية الافطار، ثم بان أنه من شهر رمضان لقيام بينة عليه قبل

(1) الأم 2: 97، ومختصر المزني: 56، والوجيز 1: 102، والمجموع 6: 320، وكفاية الأخيار 1: 127، واللباب 1: 166، وعمدة القاري 11: 36، والمغني لابن قدامة 3: 54، وبلغة السالك 1: 245، ونيل الأوطار 4: 280.
(2) المجموع 6: 320، والمغني لابن قدامة 3: 54، وعمدة القاري 11: 36، ونيل الأوطار 4: 280.
(3) المجموع 6: 320، وعمدة القاري 11: 36.
(4) انظر التهذيب 4: 264.
(5) موطأ مالك 1: 304 حديث 47، وسنن أبي داود 2: 310 حديث 2380، وسنن الترمذي 2: 98 حديث 720، وسنن ابن ماجة 1: 536 حديث 1676، وسنن الدارمي: 14، ومسند أحمد بن حنبل 2: 498.

[ 179 ]

الزوال، جدد النية وصيام، وقد أجزأه. وإن بعد الزوال أمسك بقية النهار وكان عليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: يمسك وعليه القضاء على كل حال (2). قال الأكثر: أن يجب عليه الامساك ولا يكون صائما (3). وقال أبو إسحاق: يكون صائما من الوقت الذي أمسك صوما شرعيا (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5). مسألة 21: إذ نوى أن يصوم غدا من شهر رمضان فرضة أو نفلة، فقال: إنه كان من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن من رمضان فهو نافلة أجزأه ولا يلزمه القضاء. قال الشافعي: لا يجزيه وعليه القضاء (6). دليلنا: ما قدمناه من أن شهر رمضان يجزي فيه نية القربة، ونية التعيين ليست شرطا في صحة الصوم (7)، وهذا قد نوى القربة وإنما لم يقطع على نية التعيين فكان صومه صحيحا. مسألة 22: إذا كان ليلة ثلاثين، فنوى إن كان غدا من رمضان فهو صائما فرضا أو نفلا، أو نوى إن كان من رمضان فهو فرض وإن لم يكن فهو نفل أجزأه.

(1) الفتاوى الهندية 1: 201، والمغني لابن قدامة 3: 74.
(2) الأم 2: 96 و 102، ومختصر المزني: 56، والوجيز 1: 104، والمجموع 6: 272.
(3) و (4) المجموع 6: 272.
(5) انظر التهذيب 4: 187 - 188 حديث 526 و 528.
(6) الأم 7: 145، ومختصر المزني: 56، والوجيز 1: 101، والمجموع 6: 296، والسراج الوهاج: 138، والمغني لابن قدامة 3: 26 - 27، والمنهل العذب 10: 53.
(7) انظر المسألة " 4 " من كتاب الصوم.

[ 180 ]

وقال الشافعي في الموضعين: إنه لا يجزي (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 23: إذا عقد النية ليلة الشك على أن يصوم من رمضان من غير أمارة من رؤية أو خبر من ظاهره العدالة، فوافق شهر رمضان أجزأه، وقد روي أنه لا يجزيه (2). وإن صامه بأمارة من قول من ظاهره العدالة من الرجال أو المراهقين دون المنجمين فإنه يجزيه أيضا. وقال أصحاب الشافعي في الأول: أنه لا يجزيه (3)، وفي المسألة الثانية قال أبو العباس بن سريح: إن صام بقول بعض المنجمين وأهل الحساب أجزأه (4). دليلنا: ما قدمناه من إجماع الفرقة وأخبارهم على أن من صام يوم الشك أجزأه عن شهر رمضان، ولم يفرقوا. ومن قال من أصحابنا: لا يجزيه، تعلق بقوله: " أمرنا بأن نصوم يوم الشك بنية أنه من شعبان، ونهينا أن نصومه من رمضان " وهذا يدل على فساد المنهي عنه. مسألة 24: إذا كان شاكا في الفجر فأكل وبقي على شكه لا يلزمه

(1) مختصر المزني: 56، والوجيز 1: 101، والمجموع 6: 296، والسراج الوهاج: 138، والمغني لابن قدامة 3: 25، وكفاية الأخيار 1: 129.
(2) التهذيب 4: 182 حديث 507، والاستبصار 2: 78 حديث 239. وبه قال المصنف في النهاية: 151، وابن البراج في المهذب 1: 189، وابن بابويه في المقنع: 57، والسيد المرتضى في الناصريات كتاب الصوم مسألة: 128، وسلار في المراسم: 96، والعلامة الحلي في المختلف كتاب الصوم: 44.
(3) الوجيز 1: 101، والمجموع 6: 281، وكفاية الأخيار 1: 129.
(4) المجموع 6: 279، وبداية المجتهد 1: 275.

[ 181 ]

القضاء. وبه قال الشافعي (1). وقال مالك: يلزمه القضاء (2). دليلنا: قوله تعالى: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " (3) وهذا لم يتبين بعد. مسألة 25: من جامع في نهار رمضان متعمدا من غير عذر وجب عليه القضاء والكفارة. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب أبي حنيفة (4). قال الليث بن سعد والنخعي: لا كفارة عليه (5). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار الواردة التي ذكرناها (6). وأيضا إذا فعل برئت ذمته بيقين، وإذا لم يفعل ففي برائتها خلاف. وروى أبو هريرة قال: أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله هلكت فقال: ما شأنك؟ فقال: وقعت على امرأتي في شهر رمضان، فقال: تجد ما تعتق به؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا، قال: اجلس فأتى النبي صلى الله عليه وآله بعذق فيه تمر، فقال: تصدق به، فقال: يا رسول الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا، قال: فضحك النبي

(1) مختصر المزني: 56، والمجموع 6: 306.
(2) المدونة الكبرى 1: 192، والمجموع 6: 306، والشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 247.
(3) البقرة: 187.
(4) الأم 2: 99، ومختصر المزني: 56، والوجيز 1: 104، والمجموع 6: 344، وكفاية الأخيار 1: 129، واللباب 1: 166، وشرح فتح القدير 2: 69، والمغني لابن قدامة 3: 58، وبداية المجتهد 1: 291، وبلغة السالك 1: 248، والمنهل العذب 10: 125.
(5) المجموع 6: 344، والمحلى 6: 188، والمغني لابن قدامة 3: 58، وعمدة القاري 1: 24، والمنهل العذب 10: 125.
(6) التهذيب 4: 205، والاستبصار 2: 95.

[ 182 ]

صلى الله عليه وآله حتى بدا ثناياه فأطعمه إياهم (1). مسألة 26: يجب بالجماع كفارتان: إحداهما على الرجل والثانية على المرأة إن كانت مطاوعة له، فإن استكرهها كان عليه كفارتان. وقال الشافعي في القديم والأم: كفارة واحدة، وعليه أصحابه وبه يفتون (2). وهل عليه أم عليها ويتحملها الزوج، على وجهين: وقال في الاملاء: كفارتان على كل واحد منهما كفارة كاملة من غير تحمل (3)، وبه قال مالك وأبو حنيفة (4). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك. وأيضا الأخبار المروية في هذا الباب ذكرناها في الكتاب المقدم ذكره (5). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله (6) أنه قال: " من أفطر في رمضان فعليه مثل ما على المظاهر " (7) وهذا نص وهذه قد أفطرت.

(1) روي الحديث بألفاظ مختلفة لا تخل بالمقصود في صحيح البخاري 3: 41 وصحيح مسلم 2: 781 حديث 81، وسنن أبي داود 2: 313 حديث 2390 و 2392، وسنن الدارمي 2: 11، والموطأ 1: 296 حديث 28 و 29.
(2) الأم 2: 100، ومختصر المزني: 56، والوجيز 1: 104، والمجموع 6: 331، والمنهاج القويم: 386، وكفاية الأخيار 1: 129.
(3) المجموع 6: 331، ومغني المحتاج 1: 444، وشرح فتح القدير 2: 70.
(4) المدونة الكبرى 1: 218، والمجموع 6: 331 و 345، وبدائع الصنائع 2: 98، وتبيين الحقائق 1: 327، وشرح فتح القدير 2: 70، ومغني المحتاج 1: 444، وبداية المجتهد 1: 294.
(5) الكافي 4: 103، حديث 9، ومن لا يحضره الفقيه 2: 73 حديث 313، والمقنعة: 55، والتهذيب 4: 215 حديث 625.
(6) ورد في بعض النسخ المعتمدة " علي عليه السلام ".
(7) في الجعفريات: 59 عن علي عليه السلام، وسنن الدارقطني 2: 190 حديث 52 عن النبي صلى الله عليه وآله مع اختلاف في اللفظ.

[ 183 ]

مسألة 27: إذا وطأها نائمة أو أكرهها قهرا على الجماع لم تفطر هي، وعليه كفارتان. وللشافعي فيه قولان حسب قوله لزوم كفارة واحدة أو كفارتين (1). وإن كان إكراه تمكين مثل أن يضربها فتمكنه فقد أفطرت غير أنه لا يلزمها الكفارة وكان عليه ذلك (2) وله في إفطارها وجهان ولا يختلف قوله في أنه ليس عليها كفارة (3). دليلنا: على الأول إجماع الفرقة على أنه إذا أكرهها فعليه كفارتان لا يختلفون فيه، فأما إذا لم يكن أكرهها ملجأ فإنها تكون مفطرة ولزمها القضاء. وأما الكفارة فلعموم قولهم: لا كفارة على المكرهة (4)، ولم يفصلوا بين إكراه وإكراه، والأصل براءة الذمة. مسألة 28: إذا زنى بامرأة في رمضان، كان عليه كفارة وعليها كفارة. ومن أصحابنا من قال: يلزمه ثلاث كفارات (5)، وروي ذلك عن الرضا عليه السلام (6).

(1) 6: 31 و 336، ومغني المحتاج 1: 444، وبداية المجتهد 1: 294، وعمدة القاري 11: 27.
(2) الأم 2: 100، والوجيز 1: 104، وفتح العزيز 6: 399 والمجموع 6: 336، ومغني المحتاج 1: 444، وبداية المجتهد 1: 294، وعمدة القاري 11: 27، والمنهاج القويم: 386.
(3) الأم 2: 100، والمجموع 6: 331 و 336، وفتح العزيز 6: 399، والمنهاج 386.
(4) انظر بعض ما رواه أصحاب الكتب الحديثية حول روايات الرفع كما في الكافي 4: 103 حديث 9، ومن لا يحضره الفقيه 2: 73 حديث 313، والتهذيب 4: 215 حديث 625، وسنن ابن ماجة 1: 659، وسنن الدارقطني 4: 170 حديث 33، وسنن البيهقي 7: 356 و 357، وسنن سعيد بن منصور 1: 278 - 279، والمستدرك على الصحيحين 2: 198.
(5) قاله الشيخ الصدوق في الفقيه 2: 73 - 74.
(6) رواه عبد السلام بن صالح الهروي كما في الفقيه 3: 238 حديث 1128، والتهذيب 4: 209 حديث 605، والاستبصار 2: 97 حديث 316.

[ 184 ]

وقال الشافعي: عليه كفارة وعليها كفارة، ولا يتحملها بالزوجية، لأنها مفقودة ها هنا (1)، فإيجاب واحدة عليه ليس فيها خلاف. وإذا نصرنا الثلاث كفارات، فالمرجع فيه إلى الخبر الذي ذكرناه، وقد أوردناه في الكتاب المقدم ذكره. مسألة 29: الكفارة لا تسقط قضاء الصوم الذي أفسده بالجماع، سواء كفر بالعتق أو بالصوم. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يسقط منه القضاء (2)، والآخر: لا يسقط (3)، وعليه أكثر أصحابه سواء كفر بعتق أو صيام (4). وقال الأوزاعي: إن كفر بصيام فلا قضاء، لأن الصوم يدخل في الصوم (5). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار التي رويناها عنهم عليهم السلام (6)، وطريقة الاحتياط أيضا تقتضيه. مسألة 30: إذا عجز عن الكفارة بكل حال يسقط عنه فرضها، واستغفر الله، ولا شئ عليه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (7).

(1) الوجيز 1: 104، والمجموع 6: 336، ومغني المحتاج 1: 444، وعمدة القاري 11: 27.
(2) الأم: 2: 99، والوجيز 1: 105، والمجموع 6: 331، وفتح العزيز 6: 453، والسراج الوهاج: 146. (3) الأم 2: 99، والوجيز 1: 105، والمجموع 6: 331 و 344، وفتح العزيز 6: 453، والسراج الوهاج: 146.
(4) الوجيز 1: 105، والمجموع 6: 344 - 245، وفتح العزيز 6: 453، وعمدة القاري 11: 28.
(5) المجموع 6: 345، وفتح العزيز 6: 457، وبدائع الصنائع 2: 98، وعمدة القاري 11: 28.
(6) انظر الفقيه 3: 238، والتهذيب 4: 208 - 209، والاستبصار 2: 97.
(7) الأم 2: 99، والمجموع 6: 343، والمغني لابن قدامة 3، 72 - 73، وفتح العزيز 6: 454، =

[ 185 ]

والثاني: لا يسقط عنه فرضها، ويكون في ذمته أبدا إلى أن يخرج، وهو الذي اختاره أصحابه (1). دليلنا: إجماع الفرقة: وأيضا قوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (2) وقال: " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتيها " (3) وهذا عاجز، وليس في وسعه الكفارة، ولا أوتي ذلك. مسألة 31: إذا أكل وشرب ناسيا لم يفطر، وكذلك الجماع. وبه قال الشافعي وأصحابه، وهو المروي عن علي عليه السلام، وابن عمر، وأبي هريرة، وبه قال الفقهاء الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه غير أن أبا حنيفة قال: القياس أنه يفطر، غير أني لم أفطره استحسانا (4). فعنده أن العمد والسهو فيما يفسد العبادات سواء إلا الصوم فإنه مخصوص بالخبر، فلهذا لم يفطره استحسانا (5). وقال ربيعة ومالك: أفطره وعليه القضاء، ولا كفارة (6). وقال مالك: هذا في صوم الفرض، فأما التطوع فلا يفطر الناسي (7).

= ومغني المحتاج 1: 445، والسراج الوهاج: 146. (1) الأم 2: 99، والوجيز 1: 105، والمجموع 6: 343، والمغني لابن قدامة 3: 72 - 73، وفتح العزيز 6: 454، ومغني 1: 445، وكفاية الأخيار 1: 130، والسراج الوهاج: 146.
(2) البقرة: 286.
(3) الطلاق: 7.
(4) الأم: 97، والوجيز 1: 102، واللباب 1: 165، وشرح فتح القدير 2: 62، والمغني لابن قدامة 3: 60، والمجموع 6: 334، والشرح الكبير 3: 58، وبداية المجتهد 1: 293، والمنهل العذب 10: 139.
(5) اللباب 1: 165، وشرح فتح القدير 2: 62، والمغني لابن قدامة 3: 60، والمنهل العذب 10: 139، وبداية المجتهد 1: 293.
(6) الموطأ 1: 306، والمدونة الكبرى 1: 208، وبداية المجتهد 1: 293، وبلغة السالك 1: 250، والمنهل العذب 10: 139، والمجموع 6: 324، والمغني لابن قدامة 3: 60، والشرح الكبير 3: 58.
(7) موطأ مالك 1: 306.

[ 186 ]

وقال أحمد: إن أكل ناسيا مثل ما قلناه، وإن جامع ناسيا فعليه القضاء والكفارة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، وليس على إيجاب القضاء والكفارة على الناسي دليل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (2). وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من صام ثم نسي فأكل وشرب فليتم صومه ولا قضاء عليه، الله أطعمه وسقاه " (3). مسألة 32: كفارة من أفطر في شهر رمضان لأصحابنا فيه روايتان: إحداهما: أنها على الترتيب، مثل كفارة الظهار. العتق أولا ثم الصوم ثم الاطعام (4). وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، والأوزاعي، والليث

(1) مسائل الإمام أحمد: 92، والمغني لابن قدامة 3: 60، والشرح الكبير 3: 57، والمجموع 6: 324، وبداية المجتهد 1: 293.
(2) رواه الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 36 حديث 132 بلفظه: " وضع عن أمتي تسعة أشياء السهو والخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه... " ورواها بن ماجة في سننه 1: 659 حديث 2045 ولفظه: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
(3) في صحيح البخاري 3: 40، وسنن ابن ماجة 1: 535 حديث 1673، وصحيح مسلم 2: 809 حديث 171، وسنن الدارمي 2: 13، ومسند أحمد 2: 395 و 489 425 و 491 و 493 و 513 من دون لفظة " ولا قضاء عليه ". وقد رويت عن أئمة الهدى عليهم السلام بهذا المعنى أحاديث كثيرة في هذا الباب وبألفاظ مختلفة تؤكد عدم القضاء عليه فلاحظ.
(4) التهذيب 4: 321 حديث 984، والاستبصار 2: 95 حديث 310، وذهب إلى هذا القول الشيخ المفيد في المقنعة: 55، وابن بابويه في المقنع 60 - 61، والسيد المرتضى في جمل العلم والعمل: 97، والمصنف في المبسوط 1: 271، والعلامة الحلي في المختلف كتاب الصوم: 55.

[ 187 ]

ابن سعد (1). والأخرى: إنه مخير فيها (2)، وبه قال مالك (3). وقد ذكرنا الروايتين معا في الكتابين المقدم ذكرهما (4)، فإن رجحنا الترتيب فبطريقة الاحتياط، وإن رجحنا التخيير فلأن الأصل براءة الذمة وبما رواه أبو هريرة: إن رجلا أفطر في شهر رمضان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا (5)، وخبر الأعرابي (6) يقوي الترتيب. مسألة 33: كل موضع تجب فيه الكفارة عتق رقبة، فإنه يجزي أي رقبة كانت، إلا في قتل الخطأ، فإنه لا يجزي إلا المؤمنة، وبه قال أبو حنيفة (7). وقال الشافعي: لا يجزي إلا المؤمنة في جميع الكفارات (8).

(1) مختصر المزني: 56، والوجيز 1: 104، والمجموع 6: 345، وكفاية الأخيار 1: 129، واللباب 1: 167، والهداية 1: 124، والنتف 1: 159، والمغني لابن قدامة 3: 66، وتبيين الحقائق 1: 328، وبداية المجتهد 1: 295، ومغني المحتاج 1: 444، وفتح القريب: 34.
(2) مسائل علي بن جعفر كما حكاه عنه المجلسي في البحار 10: 255، وبه قال ابن أبي عقيل كما حكاه عنه العلامة الحلي في المختلف، كتاب الصوم: 55.
(3) المدونة الكبرى 1: 219، وبلغة السالك 1: 251، والمغني لابن قدامة 3: 66، وبداية المجتهد 1: 295، والمجموع 6: 345.
(4) التهذيب 4: 205 - 206 و 321، والاستبصار 2: 80 و 95.
(5) صحيح البخاري 3: 41، وصحيح مسلم 2: 781، وموطأ مالك 1: 296، وسنن أبي داود 2: 313.
(6) الكافي 4: 102 حديث 2، والتهذيب 4: 206 حديث 595، والاستبصار 2: 80 حديث 245.
(7) النتف 1: 384، والمبسوط 7: 2، واللباب 1: 151، والمغني لابن قدامة 8: 586، وكفاية الأخيار 2: 72، وبداية المجتهد 2: 110، والبحر الزخار 4: 234.
(8) الأم 5: 280، ومختصر المزني 204، والمجموع 17: 368، وكفاية الأخيار 1: 129 و 2: 72، والسراج الوهاج: 146 و 439، وبداية المجتهد 2: 110، والمغني لابن قدامة 8: 586، والنتف 1: 384، والمبسوط 7: 3، والبحر الزخار 4: 234.

[ 188 ]

دليلنا: الظواهر التي وردت في وجوب عتق رقبة (1)، ولم يقيدوها بمؤمنة، فعلى من قيدها بالايمان الدليل، لأن الأصل براءة الذمة. مسألة 34: يستحب أن تكون الرقبة سليمة من الآفات، وليس ذلك بواجب. وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: لا تجزي إلا سليمة (3). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 35: الصوم في الشهرين يجب أن يكون متتابعا. وبه قال جميع الفقهاء (4). وقال ابن أبي ليلى: إن شاء تابع وإن شاء فرق (5). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار المروية في هذا المعنى (6)، ودليل الاحتياط. مسألة 36: إذا أطعم فليطعم لكل مسكين نصف صاع وروي مد (7)

(1) انظر ما ورد في الكافي 4: 101 و 138 و 139، ومن لا يحضره الفقيه 2: 72، والتهذيب 4: 205 و 207 و 212، والاستبصار 2: 87 و 95 و 96.
(2) اللباب 1: 168، والمبسوط 7: 2، وشرح فتح القدير 3: 235، والمغني لابن قدامة 8: 587، والمنهل العذب 10: 122، والبحر الزخار 4: 235.
(3) الأم 5: 282، ومختصر المزني: 205، والمجموع 17: 368، وكفاية الأخيار 2: 72، والمغني لابن قدامة 8: 587، والمنهل العذب 10: 122، والسراج الوهاج: 439، والبحر الزخار 4: 234.
(4) الأم 2: 98، والمجموع 6: 345، والنتف 1: 160، والمبسوط 3: 72، والموطأ 1: 304، والمغني لابن قدامة 3: 66، والشرح الكبير 3: 69، وبداية المجتهد 1: 295، والهداية 1: 125، والمنهل العذب 10: 122.
(5) المبسوط 3: 72، والمجموع 6: 345، والمنهل العذب 10: 122.
(6) انظر الكافي 4: 101 و 138، ومن لا يحضره الفقيه 2: 72، والتهذيب 4: 205 و 208 و 209 و 212، والاستبصار 2: 87 و 95 و 97.
(7) انظر المقنع: 61، والتهذيب 4: 207 و 320 - 321، والاستبصار 2: 96 حديث 312.

[ 189 ]

سواء كفر بالتمر، أو بالبر، أو غير ذلك. وقال أبو حنيفة: إن كفر بالتمر والشعير فعليه لكل مسكين صاع، وإن كان من البر نصف صاع (1) وعنه في الزبيب روايتان (2). دليلنا: إجماع الفرقة على أنه لا زيادة على مدين ولأن الأصل براءة الذمة ووجوب المدين أو المد قد بينا الوجه فيه فيما أومأنا إليه. مسألة 37: إذا عملنا بالرواية التي ضمنت الترتيب (3) فتلبس بالصوم ثم وجد الرقبة لا يجب عليه الانتقال إليها، فإن فعل كان أفضل. وبه قال الشافعي (4)، وكذلك في سائر الكفارات المرتبة. وقال أبو حنيفة فيها كلها بوجوب الانتقال إلا في المتمتع إذا تلبس بصوم السبعة أيام فإنه قال: لا يرجع إلى الهدي (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإنه إذا تلبس بالصوم تلبس بما هو فرضه، فمن أوجب عليه الانتقال إلى فرض آخر فعليه الدلالة. مسألة 38: إذا أفسد الصوم بالوطء ثم وطأ بعد ذلك مرة أو مرات لا يتكرر عليه الكفارة، ولا أعرف فيه خلافا بين الفقهاء، بل نصوا على ما قلناه (6). وربما قال المرتضى من أصحابنا أنه يجب عليه بكل مرة

(1) اللباب 1: 168، والهداية 1: 127، والمبسوط 3: 113، والمنهل العذب 10: 123، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 71، والمجموع 6: 345، وبداية المجتهد 1: 295.
(2) اللباب 1: 160، والمبسوط 3: 113 - 114، والفتاوى الهندية 1: 191، والمغني لابن قدامة 2: 653، وفتح العزيز 6: 194، والمجموع: 345، والفتح الرباني 9: 147.
(3) المتقدمة في المسألة 32.
(4) المجموع 18: 123، ومغني المحتاج 1: 444، وكفاية الأخيار 1: 130، والمغني لابن قدامة 3: 68.
(5) المجموع 7: 190 و 18: 123 - 124، والمغني لابن قدامة 3: 68.
(6) المجموع 6: 337، والمغني لابن قدامة 3: 73، وبداية المجتهد 1: 296.

[ 190 ]

كفارة (1). دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، والكفارة الأولى مجمع عليها، وما زاد عليها ليس عليه دليل. مسألة 39: إذا أكل ناسيا، فاعتقد أنه أفطر، فجامع وجب عليه الكفارة. وقال الشافعي في الأم: لا كفارة عليه (2). دليلنا: إنه وطء في صوم صحيح في شهر رمضان يجب أن تلزمه الكفارة لدخوله تحت عموم الأخبار الواردة في هذا المعنى (3). مسألة 40: إذا باشر امرأته فيما دون الوطء فأمنى، لزمته الكفارة، سواء كان قبلة أو ملامسة أو أي شئ كان. وقال مالك مثل ما قلناه (4). وقال أبو حنيفة والشافعي: عليه القضاء بلا كفارة (5). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط. مسألة 41: إذا أدخل في دبر امرأته أو غلام كان عليه القضاء والكفارة. وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة عليه القضاء بلا كفارة (7). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، ولأنا نبني هذه المسألة على وجوب الحد عليه بالفعل على كل حال، وكل من قال بذلك أوجب عليه القضاء

(1) حكاه العلامة الحلي أيضا في المختلف كتاب الصوم: 57.
(2) الأم 2: 100، والمجموع 6: 339 - 340.
(3) انظر الكافي 4: 101، والفقيه 2: 72، والتهذيب 4: 205، والاستبصار 2: 95.
(4) بلغة السالك 1: 244، والمجموع 6: 342.
(5) اللباب 1: 167 - 167، والهداية 1: 125، وشرح فتح القدير 2: 72، والأم 2: 100 - 101، ومختصر المزني، والوجيز 1: 104، والمجموع 6: 330 و 342.
(6) اللام 2: 101، والمجموع 6: 341 - 342، والمغني لابن قدامة 3: 61، والمحلى 6: 191، والمنهاج القويم: 386.
(7) النتف في الفتاوى 1: 154، تبيين الحقائق 1: 327.

[ 191 ]

والكفارة، والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة. وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه " (1). وروي عن أبي بكر أنه يرمى به من شاهق (2). وعن علي عليه السلام أنه يرمى عليه حائط (3) ولا مخالف لهما في الصحابة. مسألة 42: إذا أتى بهيمة فأمنى كان عليه القضاء والكفارة. فإن أولج ولم ينزل فليس لأصحابنا فيه نص، ولكن يقتضي المذهب أن عليه القضاء، لأنه لا خلاف فيه. وأما الكفارة فلا تلزمه، لأن الأصل براءة الذمة، وليس في وجوبها دلالة، فأما الحد فلا يجب عليه ويجب عليه التعزير. وقال أبو حنيفة: لا حد ولا غسل ولا كفارة، وكذلك إذا وطأ الطفلة الصغيرة (4). وقال الشافعي وأصحابه: فيها قولان: أحدهما: يجب عليه الحد إن كان محصنا الرجم، وإن كان غير محصن فالحد. والآخر: عليه القتل على كل حال مثل اللواط (5). ومنهم من الحق به ثالثا، وهو أنه لا حد عليه، وعليه التعزير مثل ما قلناه.

(1) في سنن ابن ماجة 2: 856 حديث 2561، ومسند أحمد بن حنبل 1: 300، وسنن الترمذي 4: 57 حديث 1456، وسنن أبي داود 4: 158 حديث 4462 باختلاف في اللفظ. (2) رواه أصحاب المصنفات عن ابن عباس فتأمل.
(3) رواه في جواهر الأخبار في هامش البحر الزخار 6: 144.
(4) الهداية 1: 124، والمبسوط 3: 79، وشرح فتح القدير 2: 70.
(5) الأم 2: 100، والمجموع 6: 341، وكفاية الأخيار 2: 112.

[ 192 ]

وإذا أوجبوا الحد ألزموه الكفارة (1) وإذا قالوا بالتعزير ففي الكفارة وجهان. أحدهما: لا كفارة، والثاني: عليه الكفارة (2). دليلنا على أنه إذا أمنى إن عليه الكفارة: ما روي عنهم عليهم السلام إن من استمنى حكمه حكم المجامع من وجوب القضاء والكفارة (3). فأما إذا لم ينزل فلا دلالة على وجوب الغسل ولا الكفارة، فيجب نفيها لأن الأصل براءة الذمة. مسألة 43: إذا وطأ في يوم من شهر رمضان فوجبت الكفارة، فإن وطأ في اليوم الثاني فعليه كفارة أخرى سواء كفر عن الأول أو لم يكفر، فإن وطأ ثلاثين يوما لزمته ثلاثون كفارة. وبه قال مالك، والشافعي، وجميع الفقهاء (4) إلا أبا حنيفة فإنه قال: إن لم يكفر عن الأول فلا كفارة في الثاني، وإن كفر عن الأول ففي الثاني روايتان: رواية الأصول أن عليه الكفارة، وروي عنه زفر أنه لا كفارة عليه (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله فيمن جامع يوما من رمضان يتناول عمومه (6) ذلك لأنه لم يفصل، فعلى من خصه الدلالة.

(1) مختصر المزني: 57، والمجموع 6: 341، وكفاية الأخيار 2: 111، ومغني المحتاج 1: 444، (2) الأم 2: 100، والمجموع 6: 341.
(3) الكافي 4: 102 - 103 حديث 4 و 7، والتهذيب 4: 206 و 273 و 320، والاستبصار 2: 18 حديث 247.
(4) الأم 2: 99، والمدونة الكبرى 1: 218، والمبسوط 3: 74، وبدائع الصنائع 2: 101، والمغني لابن قدامة 3: 73، والمجموع 6: 337، ومغني المحتاج 1: 444، وبداية المجتهد 1: 296، والمنهاج القويم: 389.
(5) المبسوط 3: 74، وبدائع الصنائع 2: 101، وشرح فتح القدير 2: 69، وبداية المجتهد 1: 296، والمجموع 6: 337.
(6) صحيح البخاري 3: 41، وصحيح مسلم 2: 782، وموطأ مالك 1: 296، وسنن أبي داود 2: 313، وسنن الدارمي 2: 11.

[ 193 ]

مسألة 44: إذا أكل أو شرب أو ابتلع ما يسمى به أكلا لزمه القضاء والكفارة، مثل ما يلزم الواطئ، سواء كان ذلك في صوم رمضان أو في صوم النذر. وقال الشافعي: لا تجب هذه الكفارة إلا بالوطء في الفرج إذا كان الصوم تاما، وهو أن يكون أداء صوم شهر رمضان في الحضر، فإن وطأ في غير الفرج أو في غيره من الصيام من نذر أو كفارة أو قضاء فلا كفارة، وعلى هذا جل أصحابه (1). وقال أبو علي بن أبي هريرة: تجب الكفارة الصغرى، وهي مد من الطعام بالأكل والشرب وما يجري مجراهما (2)، وبه قال سعيد بن جبير، وابن سيرين، وحماد بن أبي سليمان (3). وقال مالك: من أفطر بمعصية فعليه الكفارة بأي شئ أفطر من جماع أو غيره، حتى أنه لو كرر النظر فأمنى فعليه الكفارة (4). وقال قوم: إن أفطر بأكل فعليه الكفارة، ذهب إليه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو إسحاق (5). وقال أبو حنيفة، يكفر بأعلى ما يقع به الفطر من جنسه، فأعلى جنس الجماع الوطء في الفرج، وبه تجب الكفارة، وأعلى الكفارة جنس المأكولات ما يقصد

(1) الأم 2: 100، والوجيز 1: 104، والمجموع 6: 329، وكفاية الأخيار 1: 129، وبداية المجتهد 1: 292، والمنهل العذب 10: 131، والمبسوط 3: 73.
(2) المجموع 6: 328 - 329، وفتح العزيز 6: 448.
(3) المجموع 6: 329 - 330، وعمدة القاري 11: 24، والمنهل العذب 10: 131.
(4) المدونة الكبرى 1: 196 - 197، والمجموع 6: 330، وبداية المجتهد 1: 292، وبلغة السالك 1: 244.
(5) النتف 1: 159، والهداية 1: 124، والمبسوط 3: 73، وشرح فتح القدير 2: 71، وبداية المجتهد 1: 292، والمجموع 6: 330، والمنهل العذب 10: 130.

[ 194 ]

به صلاح البدن من طعام أو دواء، فأما ما لا يقصد به صلاح البدن مثل أن يبتلع جوهرة أو جوزة أو لوزة يابسة فلا كفارة عليه، بلى إن ابتلع لوزة رطبة فعليه الكفارة لأنه يقصد به صلاح البدن (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وأيضا روى أبو هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وآله أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا (2) ولم يفرق. وروى سعيد بن المسيب أن رجلا قال: يا رسول الله أفطرت في شهر رمضان، فقال له: " أعتق رقبة " (3) ولم يسأله عن التفصيل، ثبت أن الحكم لا يختلف. مسألة 45: من أفطر يوما من شهر رمضان على وجه يلزمه الكفارة المجمع عليها أو الكفارة على خلاف، فإنه يقضي يوما آخر بدله لا بد منه. وبه قال جميع الفقهاء أبو حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم (4). وقال ربيعة: يقضي اثنا عشر يوما قال: لأن الله تعالى رضي من عباده شهرا من اثني عشر شهرا، وجب أن يكون كل يوم اثني عشر يوما (5).

(1) اللباب 1: 166، والهداية 1: 124، والمبسوط 3: 73، والمجموع 6: 330، والمنهل العذب 10: 130.
(2) شرح معاني الآثار 2: 60، وصحيح مسلم 2: 782 حديث 84، وموطأ مالك 1: 296 حديث 28.
(3) موطأ مالك 1: 297 حديث 29.
(4) الأم 2: 100، ومختصر المزني: 57، والمجموع 6: 329، واللباب 1: 166، والمبسوط 3: 73، وفتاوى قاضيخان 1: 212، والفتاوى الهندية 1: 205، وبداية المجتهد 1: 291، والمغني لابن قدامة 3: 52، والمنهل العذب 10: 137، والبحر الزخار 3: 254.
(5) المجموع 6: 329 والمبسوط 3: 72، والمغني لابن قدامة 3: 52، والبحر الزخار 3: 254.

[ 195 ]

وقال سعيد بن المسيب: يقضي عن كل يوم شهرا (1)، وروي ذلك عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله (2). وقال النخعي: يقضي عن كل يوم ثلاثة آلاف يوم (3). ورووا عن علي عليه السلام وابن مسعود: لا قضاء عليه لعظم الجرم (4). ولا ينفع القضاء عنه بصوم الدهر، لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من أفطر يوما من شهر رمضان لغير رخصة لم يقض عنه صوم الدهر " (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن علق عليها أكثر مما قلناه فعليه الدلالة. مسألة 46: من أكره على الافطار لم يفطر، ولم يلزمه شئ، سواء كان إكراه قهر، أو إكراه على أن يفعل باختياره. وقال الشافعي: إن أكره إكراه قهر مثل أن يصب الماء في حلقه لم يفطر، وإن أكره حتى أكل بنفسه فعلى قولين (6). وكذلك إن أكره حتى يتقيأ بنفسه فعلى قولين، لأنه إن ذرعه القئ لم يلزمه شئ، وإن تقيأ متعمدا أفطر (7).

(1) المجموع 6: 329، والمغني لابن قدامة 3: 52، والبحر الزخار 3: 254.
(2) سنن الدارقطني 2: 191 حديث 55 و 56.
(3) المجموع 6: 329، والمغني لابن قدامة 3: 52، والبحر الزخار 3: 254.
(4) صحيح البخاري 3: 41، والسنن الكبرى 4: 228، وعمدة القاري 11: 24. والمجموع 6: 329.
(5) صحيح البخاري 3: 41، وسنن الترمذي 3: 101 حديث 723، وسنن ابن ماجة 1: 535 حديث 1672، وسنن أبي داود 2: 314 - 315 حديث 2396، والسنن الكبرى 4: 228 باختلاف في ألفاظها فلاحظ.
(6) المجموع 6: 325، والمبسوط 3: 98.
(7) الأم 2: 97، والمجموع 6: 320، وكفاية الأخيار 1: 127.

[ 196 ]

وكذلك إن أكرهها على الجماع بالقهر لم تفطر هي، وإن كان إكراه تمكين فعلى قولين (1). وكذلك اليمين إذا حلف: لا دخلت هذا الدار، فأدخل الدار محمولا لم يحنث، وإن أكره على أن يدخل فعلى قولين (2). ولو قتل باختياره لزمه القود، وإن أكره فإن كان إكراه قهر وهو أن يرمي به عليه فلا ضمان عليه، وإن أكره حتى يقبل فعلى قولين في القود (3) فأما الدية فإنها بينهما إذا سقط القود (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، ولا يعلق عليها شئ إلا بدليل، ولا دليل في شئ من هذه المسائل على ما ادعوه. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " رفع عن أمتي ثلاث: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (5). مسألة 47: الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وتصدقتا عن كل يوم بمدين، أو مد من طعام، وعليهما القضاء، وإليه ذهب الشافعي في القديم والجديد، وبه قال مجاهد وأحمد (6). وقال في البويطي: على المرضع القضاء والكفارة، وعلى الحامل القضاء

(1) المجموع 6: 325.
(2) المجموع 18: 48.
(3) المجموع 18: 390 - 391.
(4) الأم 2: 97 و 100 والمجموع 18: 394.
(5) اختلفت ألفاظ أحاديث الرفع في المصادر الحديثية عند الفريقين مع تضمن الثلاث المذكورة نشير لبعضها فلاحظ. من لا يحضره الفقيه 1: 36 حديث 132، والخصال (باب التسعة): 417، وسنن ابن ماجة 1: 659، ومستدرك الحاكم 2: 198، وسنن الدارقطني 4: 170، وسنن البيهقي 7: 356 - 357، وسنن سعيد بن منصور 1: 278 - 279 وغيرها.
(6) مختصر المزني: 57، والمجموع 6: 267 - 269، وأحكام القرآن للجصاص 1: 180، والمغني لابن قدامة 3: 80، والمنهل العذب 10: 29، وبداية المجتهد 1: 290.

[ 197 ]

دون الكفارة، وبه قال مالك والأوزاعي (1). وقال الزهري والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: عليهما القضاء ولا كفارة، وإليه ذهب المزني (2). وقال ابن عباس وابن عمر: عليهما الكفارة دون الكفارة كالشيخ الهم يكفر ولا يقتضي (3). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط. وأيضا قوله تعالى: " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " (4) هذه مطيقة. مسألة 148: تكره القبلة للشاب إذا كان صائما، ولا تكره للشيخ. وبه قال ابن عمر وابن عباس (5). وقال الشافعي: تكره لهما إذا حركت الشهوة وإلا لم تكره (6). وقال مالك: تكره على كل حال، وبه قال عمر بن الخطاب (7). وقال ابن مسعود: لا تكره على حال (8).

(1) المدونة الكبرى 1: 210، وبداية المجتهد 1: 290، والمنهل العذب: 10: 290، والمجموع 6: 267 - 269.
(2) اللباب 1: 171، والمجموع 6: 267 - 269، وبداية المجتهد 1: 290.
(3) سنن أبي داود 2: 296، وأحكام القرآن للجصاص 1: 180، والمغني لابن قدامة 3: 81، والمجموع 6: 269، وبداية المجتهد 1: 290، والمنهل العذب 10: 290.
(4) البقرة: 184.
(5) مختصر المزني: 57، والموطأ 1: 293، وسنن البيهقي 4: 232، والمنهل العذب 10: 110.
(6) الأم 2: 98، ومختصر المزني: 57، ومغني المحتاج 1: 431، وشرع الموطأ 2: 414.
(7) المغني لابن قدامة 3: 84، وبلغة السالك 1: 244، وشرح الموطأ 2: 414، والمنهل العذب 10: 109، وشرح النووي بهامش إرشاد الساري 5: 78.
(8) قال الطحاوي في شرح معاني الآثار 2: 90 (باب القبلة للصائم): كان ابن مسعود يباشر امرأته وهو صائم.

[ 198 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 49: إذا وطأ فيما دون الفرج، أو باشرها، أو قبلها بشهوة فأنزل، كان عليه القضاء والكفارة. وبه قال مالك (1). وقال الشافعي: لا كفارة عليه، ويلزمه القضاء (2). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط تقتضيه أيضا. مسألة 50: إذا كرر النظر فأنزل أثم ولا قضاء عليه ولا كفارة، فإن فاجأته النظرة لم يأثم. وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: إن كرر أفطر وعليه القضاء (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا لا دليل على أنه بتكرار النظر يصير مفطرا والأصل براءة الذمة. مسألة 51: إذا نوى الصوم من الليل فأصبح مغمى عليه يوما أو يومين أو ما زاد عليه كان صومه صحيحا، وكذلك إن بقي نائما يوما أو أياما، وكذلك إن أصبح صائما ثم جن في بعضه ح أو مجنونا فأفاق في بعضه ونوى فلا قضاء عليه. وقال الشافعي: إذا نوى الصيام من الليل ثم أصبح مغمى عليه واتصل الاغماء يومين أو أكثر فلا صيام له بعد اليوم الأول لأنه ما نوى من ليلته وخرج النهار من غير نية، وأما اليوم الأول فإن لم يفق في شئ منه فلا صيام له (5).

(1) المدونة الكبرى 1: 195 - 196، وبلغة السالك 1: 244، والفتح الرباني 10: 61، ونيل الأوطار 4: 290.
(2) مختصر المزني: 57، والمجموع 6: 355، والفتح الرباني 10: 61، ونيل الأوطار 4: 290.
(3) مختصر المزني: 57، والوجيز 1: 102، والسراج 141، والمغني لابن قدامة 3: 49.
(4) المغني لابن قدامة 3: 49، وبلغة السالك 1: 244، وشرح فتح القدير 64 2، والمبسوط 3: 70، والبحر الزخار 3: 251، والمنهل العذب 10: 111، ونيل الأوطار 4: 290.
(5) مختصر المزني 57، والمجموع 6: 345 - 345، وفتح العزيز 6: 406، وكفاية الأخيار 1: 127، ومغني المحتاج 1: 432 - 433، والسراج الوهاج 141، والمغني لابن قدامة 3: 32، والشرح =

[ 199 ]

وقال أبو حنيفة والمزني: يصح صيامه (1). وإن أفاق في شئ منه، فنقل المزني: إذا أفاق في شئ منه صح صومه (2). وقال في البويطي والظهار: إن كان مقيما عند طلوع الفجر صح صومه (3). وقال في اختلاف العراقيين: إذا أصاب الرجل امرأته في شهر رمضان ثم مرض في آخر يومه فذهب عقله أو حاضت امرأته فقد قيل: على الرجل عتق رقبة، وقيل: لا شئ عليه (4). وقال أصحابه في المسألة ثلاث أقوال: أحدها: أنه يصح صومه إذا أفاق في شئ من صومه، وهو المختار عندهم (5). والآخر: أن يكون مفيقا عند الدخول في الصوم، وإلا لم يصح (6). والثالث: متى أغمي عليه في شئ منه بطل، وهو أقيسها (7). ومنهم من قال المسألة على قول واحد، وهو أن الاعتبار بأن يكون مفيقا حين الدخول، ولا يضر ما وراء ذلك (8).

= الكبير لابن قدامة 3: 25. (1) اللباب 1: 172، والمبسوط 3: 70، والهداية 1: 128، ومختصر المزني: 57، والمجموع 6: 345، والمغني لابن قدامة 3: 32، والشرح الكبير 3: 25، وفتح العزيز 6: 406.
(2) مختصر المزني: 57.
(3) الأم، كتاب الظهار، 5: 284، والمجموع 6: 345 - 346، وفتح العزيز 6: 406.
(4) الأم 7: 145.
(5) المجموع 6: 346، وكفاية الأخيار 1: 127.
(6) المجموع 6: 346، ومغني المحتاج 1: 433، والشرح الكبير 3: 25.
(7) المجموع 6: 346، وفتح العزيز 6: 407.
(8) الوجيز 1: 103، والمجموع 6: 346، والسراج الوهاج: 141.

[ 200 ]

ومنهم من قال: من شرطه أن يكون مفيقا في طريفي النهار، حكي ذلك عن أبي العباس، وحكي عنه غير هذا (1). فخرج في الاغماء خمسة مذاهب: أحدهما: من شرطه أن يكون مفيقا من أول النهار. والثاني: متى أفاق في شئ منه أجزأه. والثالث: متى أغمي عليه في شئ منه بطل صومه. والرابع: يفترق إلى الإفاقة في الطرفين. والخامس: يصح صيامه وإن لم يفق في شئ منه. أما النوم فإنه نوى ليلا، وأصبح نائما، وانتبه بعد الغروب صح صومه قولا واحدا (2). وقال أبو سعيد الاصطخري وغيره لا يصح صومه (3) وأما إن جن بعض النهار، وأصبح مجنونا وأفاق، أو أصبح مفيقا ثم جن قال في القديم: لا يبطل صومه (4) ومن أصحابه من قال: يبطل صومه (5). وقال المزني إذا نوى الصوم من الليل ثم أغمي عليه جميع النهار أجزأه كما يجزيه إذا نام في جميع النهار (6). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون فيه، ولأن إبطال الصوم بما قالوه يحتاج إلى دليل. وأيضا فقد بينا أنه ليس من شرط الصوم مقارنة النية له، ويجوز تقديمها

(1) المجموع 6: 345، وفتح العزيز 6: 406.
(2) المجموع 6: 346، ومغني المحتاج 1: 432، وكفاية الأخيار 1: 127، السراج الوهاج: 141.
(3) المجموع 6: 346، وفتح العزيز 6: 405 - 406 (4) المجموع 6: 347.
(5) الوجيز 1: 102، والمجموع 6: 347، وفتح العزيز 6: 405.
(6) المجموع 6: 345، وفتح العزيز 6: 406.

[ 201 ]

لأنه لا يحتاج إلى نية التعيين، وإذا ثبت ذلك صح ما قلناه. مسألة 52: إذا نوى ليلا وأصبح مغمى عليه حتى ذهب اليوم، صح صومه. ولا فرق بين الجنون والاغماء وبه قال أبو حنيفة، والمزني (1). وقال الشافعي، وباقي أصحابه: لا يصح صومه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا إبطال الصوم يحتاج إلى دليل. مسألة 53: كل سفر يجب فيه التقصير في الصلاة يجب فيه الافطار، وقد بينا كيفية الخلاف فيه، فإذا حصل مسافرا لا يجوز له فيه أن يصوم، فإن صامه كان عليه القضاء وبه قال أبو هريرة وستة من الصحابة (3). وقال داود: هو بالخيار بين أن يصوم أو يقضي وبين أن يفطر ويقضي، فوافقنا في وجوب القضاء، وخالف في جواز الصوم (4). وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك وعامة الفقهاء: هو بالخيار بين أن يصوم ولا يقضي وبين أن يفطر ويقضي، وبه قال أبو عباس (5). وقال ابن عمر: يكره أن يصوم، فإن صامه فلا قضاء عليه (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (7) فأوجب القضاء بنفس السفر، وليس في الظاهر ذكر الافطار.

(1) اللباب 1: 172، والهداية 1: 128، والمبسوط 3: 70، ومختصر المزني: 57، والمجموع 6: 345، وفتح العزيز 6: 406، والمغني لابن قدامة 3: 32، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 25.
(2) مختصر المزني 57، والمجموع 6: 345، وفتح العزيز 6: 406، والشرح الكبير 3: 25، والمغني لابن قدامة 3: 32، وكفاية الأخيار 1: 127.
(3) شرح معاني الآثار 2: 63، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2: 279 - 280، والمجموع 6: 264، ونيل الأوطار 4: 305، وأحكام القرآن للجصاص 1: 214، (4) نيل الأوطار 4: 305.
(5) المحلى 6: 247 - 248، وأحكام القرآن للجصاص 1: 215، والجامع لأحكام القرآن 2: 280، المجموع 6: 261 و 265.
(6) المجموع 6: 264.
(7) البقرة: 185.

[ 202 ]

وروي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ليس من البر الصيام في السفر " (1) " والصائم في السفر كالمفطر في الحضر " (2). وروي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله بلغه أن أناسا صاموا فقال: " أولئك العصاة " (3). مسألة 54: القادم من سفر وكان قد أفطر، والمريض إذا برأ، والحائض إذا طهرت، والنفساء إذا انقطع دمها، يمسكون بقية النهار تأديبا، وكان عليهم القضاء. وقال أبو حنيفة: عليهم أن يمسكوا بقية النهار على كل حال (4). وقال الشافعي وأصحابه: ليس عليهم الامساك، وإن أمسكوا كان أحب إلي (5). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، ولأن هذا اليوم واجب صومه، وإنما أبيح الافطار لعذر، وقد زال العذر، فبقي حكم الأصل. مسألة 55: إذا نذر صيام يوم بعينه وجب عليه صومه، ولا يجوز عليه تقديمه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز له أن يقدمه، وهكذا الخلاف في الصلاة (6). دليلنا: إجماع الفرقة ودليل الاحتياط، ولأن جواز تقديمه يحتاج إلى شرع،

(1) صحيح البخاري 3: 44، وصحيح مسلم 2: 786 الحديث 92، وسنن أبي داود 2: 317 الحديث 2407، وسنن النسائي 4: 157 و 177، وسنن ابن ماجة 1: 532 حديث 1664 و 1665.
(2) سنن ابن ماجة 1: 532 الحديث 1666، وسنن النسائي 4: 183.
(3) صحيح مسلم 2: 785 الحديث 90، وسنن الترمذي 3: 89 الحديث 710، وسنن النسائي 7: 177.
(4) اللباب 1: 173، وتبيين الحقائق 1: 339 - 340، والوجيز 1: 104.
(5) الأم 2: 101، والمجموع 6: 255، والوجيز 1: 104، وفتح العزيز 6: 436، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 65، والسراج الوهاج: 143، ومغني المحتاج 1: 438، وتبيين الحقائق 1: 340.
(6) المبسوط 3: 96 و 133.

[ 203 ]

وليس شرع يدل عليه. مسألة 56: إذا أصبح يوم الشك مفطرا، ثم ظهر أنه كان من رمضان، وجب عليه إمساك باقيه. وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي في البويطي: لا يلزمه إمساك باقيه (2)، وقال في القديم والجديد: يلزمه (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " صوموا لرؤيته " وهذا قد صحت عنده الرؤية. مسألة 57: الصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، والمريض إذا برأ وقد أفطروا أول النهار أمسكوا بقية النهار تأديبا، ولا يجب ذلك بحال، فإن كان الصبي نوى الصوم من أوله وجب عليه الامساك، وأن كان المريض نوى ذلك لا يصح، لأن صوم المريض لا يصح عندنا. وأما المسافر فإن نوى الصوم لعلمه بدخوله إلى بلده، وجب عليه الامساك بقية النهار ويعتد به. وللشافعي وأصحابه في هذه المسألة قولان: أحدهما: لا يجب أن يمسك وعليه أصحابه (6). والآخر: عليه أن يمسك (7). وقال أبو إسحاق: إن كان الصبي والمسافر تلبسا بالصوم، وجب عليهما الامساك بقية النهار.

(1) المبسوط 3: 62 - 63.
(2) فتح العزيز 6: 436.
(3) فتح العزيز 6: 436.
(4) البقرة: 184.
(5) سنن النسائي 4: 154، وسنن البيهقي 4: 247، وسنن الدارقطني 2: 160 حديث 20 و 27 و 28 و 33.
(6) المجموع 6: 255 - 256، وبدائع الصنائع 2: 103.
(7) المجموع 6: 255 - 256.

[ 204 ]

وقال الباقون: لا يجب ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، ولا يوجب عليها إلا بدليل. مسألة 58: إذا نوى الصوم قبل الفجر ثم سافر في النهار، لم يجز له الافطار. وبه قال أبو حنيفة والشافعي (1). وقال أحمد والمزني: له الافطار (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبار قد أوردناها في الكتاب الكبير (3). وأيضا قوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " (4) وحقيقة الإتمام، إكمال ما تلبس به. مسألة 59: إذا رأى هلال شهر رمضان وحده لزمه صومه، قبل الحاكم شهادته أو لم يقبل، وكذلك إذا رأى هلال شوال أفطر، وبه قال أبو حنيفة والشافعي (5). وقال مالك وأحمد: يلزمه الصيام في أول الشهر، ولا يملك الفطر في آخره (6). وقال الحسن البصري وعطاء وشريك: إن صام الإمام صام معه، وإن فطر أفطر (7).

(1) الأم 2: 102، والمبسوط 3: 68.
(2) مختصر المزني: 57، ومسائل أحمد بن حنبل: 94 - 95، والاقناع 1: 307، والروض المربع 1: 124.
(3) التهذيب 4: 227 - 228 حديث 667 و 669 و 670، والاستبصار 2: 98 حديث 317 و 319 و 320.
(4) البقرة: 187.
(5) اللباب 1: 163 - 164، والأم 2: 95، والمغني لابن قدامة 3: 96، والمجموع 6: 280.
(6) المجموع 6: 280، والمغني لابن قدامة 3: 96 و 99 - 100.
(7) المجموع 6: 280 و 403، وعمدة القاري 10: 273، والبحر الزخار 3: 248، والمنهل العذب 10: 37، والمغني لابن قدامة 3: 96.

[ 205 ]

دليلنا: قوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (1) وهذا فقد شهد وجب عليه صومه. وقال عليه السلام: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " (2) وهذا قد رأى. مسألة 60: إذا وطأ في هذا اليوم الذي رأى الهلال وحده كان عليه القضاء والكفارة. وبه قال الشافعي ومالك (3). وقال أبو حنيفة: عليه القضاء بلا كفارة (4). دليلنا: الأخبار المتضمنة لوجوب الكفارة على من وطأ في نهار رمضان (5)، وهذا منهم. وطريقة الاحتياط أيضا تقتضيه، لأن مع ذلك تبرأ ذمته بيقين. مسألة 61: لا يثبت هلال شوال ولا شئ من الشهور إلا بشهادة نفسين عدلين. وبه قال الشافعي (6)، إلا خلافه في أول رمضان (7).

(1) البقرة: 185.
(2) لقد كثرت ألفاظ الحديث واختلفت في المصادر الحديثية والإشارة إلى. مواضعها يطيل بنا ويخرجنا عن الموضوع فانظر على سبيل المثال: الكافي 4: 76 الحديث الأول، ومن لا يحضره الفقيه 2: 76 حديث 334، والتهذيب 4: 155 حديث 430 و 434، والاستبصار 2: 62. حديث 200 و 210، وصحيح البخاري 3: 35، وسنن الترمذي 3: 68 حديث 684،، وصحيح مسلم 2: 759 (باب 2 وجوب الصوم لرؤية الهلال)، وسنن النسائي 4: 133 و 135.
(3) الوجيز 1: 104، ومغني المحتاج 1: 444، وفتح العزيز 6: 449 - 450، والسراج الوهاج: 146، والمدونة الكبرى 1: 194.
(4) اللباب 1: 174، والفتاوى الهندية 1: 197 - 198، وفتاوى قاضيخان 1: 197، وفتح العزيز 6: 450.
(5) انظر الكافي 4: 101، ومن لا يحضره الفقيه 2: 72، والتهذيب 4: 205، والاستبصار 2: 95.
(6) الأم 2: 94، ومختصر المزني: 57، والمجموع 6: 277 و 280 - 281، وفتح العزيز 6: 250.
(7) مختصر المزني 58، والوجيز 1: 100، والمجموع 6: 275، وفتح العزيز 6: 250، والسراج الوهاج: 126، ومغني المحتاج 1: 420 - 421، وشرح الموطأ 2: 396، ونيل الأوطار 4: 259.

[ 206 ]

وقال أبو ثور: شاهد واحد يثبت به كل ذلك (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قبول شاهدين في ذلك مجمع عليه، وثبوته بشاهد واحد لا دليل عليه. مسألة 62: إذا قامت البينة بعد الزوال برؤية الهلال في الليلة الماضية في شوال أفطر على كل حال أي وقت كان بلا خلاف، فأما صلاة العيد فلا يجب قضاؤها. وبه قال أبو حنيفة، والمزني، وأحد قولي الشافعي (2). القول الآخر: أنها تقضي (3). وقد مضت في كتاب صلاة العدين (4)، وقلنا: إن القضاء فرض ثان يحتاج إلى دليل إذا قلنا إن صلاة العيدين فرض، وكذلك قضاء النوافل على مذهبهم يحتاج إلى دليل. ولأنا روينا عنم أنهم قالوا: " صلاة العيد لا تقضى " (5) وهذا قد فاتته، فلا يلزم القضاء بموجب الأخبار. مسألة 63: من فاته صوم رمضان لعذر من مرض أو غيره فعليه قضاؤه. ووقت القضاء ما بين رمضانين، الذي تركه والذي بعده، فإن أخر القضاء إلى أن يدركه رمضان آخر صام الذي أدركه وقضى الذي فاته، فإن كان

(1) المجموع 6: 281، والمغني لابن قدامة 3: 98، الشرح الكبير لابن قدامة 3: 10، والمنهل العذب 10: 61، وشرح النووي المطبوع في هامش إرشاد الساري 5: 54، ونيل الأوطار 4: 259، - والفتح الرباني 9: 247، وشرح الموطأ 2: 396، والبحر الزخار 3: 246.
(2) الأم 1: 229، ومختصر المزني: 32، والوجيز 1: 70 - 71، والمجموع 5: 27 و 29، وفتح العزيز 5: 63، والشرح الكبير لابن قدامة 2: 225، وشرح فتح القدير 1: 315 - 316، وتبيين الحقائق 1: 226.
(3) المجموع 5: 26 و 28، وفتح العزيز 5: 63.
(4) مضى الحديث عنه في المسألة 25 من صلاة العيدين.
(5) انظر التهذيب 3: 129 حديث 276، والكافي 3: 459 الحديث الأول، والاستبصار 1: 444 حديث 1714.

[ 207 ]

تأخيره لعذر سفر أو مرض استدام به فلا كفارة عليه، وإن تركه مع القدرة كفر عن كل يوم بمد من طعام. وبه قال في التابعين الزهري، وهو قول مالك، والشافعي، والأوازعي، والثوري (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقضي ولا كفارة (2). وقال الكرخي: وقت القضاء ما بين رمضانين، وقال أصحابه ليس للقضاء وقت مخصوص (3). دليلنا إجماع الفرقة، والاحتياط يقتضيه، لأنه إذا كفر برئت ذمته بيقين، وإذا لم يكفر وقضى لم تبرأ ذمته بيقين. وأيضا قوله تعالى: " ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (4) وهو القضاء، فالظاهر أن الفدية على من أطاق القضاء وإن (5) كان الخطاب راجعا إلى القضاء والأداء معا، فالظاهر أنه منهما إلا أن يقوم دليل على تركه، وبهذا قال ستة من الصحابة، منهم: ابن عمر، وابن عباس وأبو هريرة (6)، ولا مخالف لهم. مسألة 64: إذا أفطر رمضان ولم يقضه، ثم مات، فإن كان تأخيره لعذر

(1) الأم 2: 103، والمجموع 6: 363 - 364 و 366، وعمدة القاري 11: 52، وبداية المجتهد 1: 289، وشرح فتح القدير 2: 81، ومغني المحتاج 1: 441، والمبسوط 3: 77، والمغني لابن قدامة 3: 85 - 86، والشرح الكبير 3: 87.
(2) اللباب 1: 170، والهداية 1: 127، وعمدة القاري 11: 55، وشرح فتح القدير 2: 81، والمجموع 6: 363، والمحلى 6: 260، والمغني لابن قدامة 3: 86، والمبسوط 3: 77. (3) الهداية 1: 127، والمبسوط 3: 77، وشرح فتح القدير 2: 81.
(4) البقرة: 185.
(5) في بعض النسخ " لو ".
(6) سنن الدارقطني 2: 196 حديث 87 و 91، والمغني لابن قدامة 3: 85 - 86، والشرح الكبير 3: 87، والمجموع 6: 366.

[ 208 ]

مثل استمرار المرض أو سفر لم تجب القضاء عنه ولا الكفارة. وبه قال الشافعي (1) وقال قتادة: يطعم عنه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن إيجاب ذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 65: فإن أخر قضاءه لغير عذر ولم يصم ثم مات، فإنه يصام عنه. وقال الشافعي في القديم والجديد معا: يطعم عنه ولا يصام عنه (3)، وبه قال مالك الثوري وأبو حنيفة وأصحابه (4). وقال أحمد وإسحاق: إن كان صومه نذرا فإنه يصوم عنه وليه، وإن لم يكن نذرا أطعم عنه وليه (5). وقال أبو ثور يصوم عنه نذرا كان أو غيره (6). وقال أصحاب الشافعي هذا قول ثان للشافعي، وهو أنه يصام عنه (7). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار التي وردت رويناها في الكتاب المقدم ذكره (8).

(1) المجموع 6: 367 - 368 و 373، وكفاية الأخيار 1: 130، ومغني المحتاج 1: 438، والسراج الوهاج: 144، وشرح النووي في هامش إرشاد الساري 5: 126.
(2) المجموع 6: 372، والمغني لابن قدامة 3: 84، والشرح الكبير 3: 87.
(3) المجموع 6: 367 و 369، وفتح العزيز 6: 463، والمغني لابن قدامة 3: 84، والشرح الكبير 3: 88.
(4) المجموع 6: 373، والمبسوط 3: 89، والمغني لابن قدامة 3: 84، والشرح الكبير 3: 88.
(5) المجموع 6: 372 - 373، والمغني لابن قدامة 3: 84 - 85، والشرح الكبير 3: 88 و 93.
(6) المجموع 6: 372، والمغني لابن قدامة 3: 84، والشرح الكبير 3: 89.
(7) المجموع 6: 370، والمغني لابن قدامة 3: 84، والشرح الكبير 3: 89.
(8) التهذيب 4: 249، والاستبصار 2: 110.

[ 209 ]

وروى عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " (1). وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى " (2) وهذا الحديث في الصحيح وهو نص. مسألة 66: إذا أخر قضاء لغير عذر حتى يلحقه رمضان آخر ثم مات، قضى عنه وليه الصوم وأطعم عنه كل يوم مدين. وقال الشافعي: إن مات قبل أن يدركه آخر تصدق عنه بمد، وإن مات بعد رمضان آخر بمدين (3). وقال أبو حنيفة: يطعم مدين من بر أو صاعا من شعير أو تمر (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن ما ذكرناه مجمع عليه، وما ادعوه ليس عليه دليل. مسألة 67: حكم ما زاد على عام واحد في تأخير القضاء حكم العام الواحد. وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (5).

(1) صحيح البخاري 3: 46، وصحيح مسلم 2: 803.
(2) صحيح البخاري 3: 46، وصحيح مسلم 2: 804، ومسند أحمد بن حنبل 1: 224، وسنن الترمذي 3: 95 حديث 716، وسنن ابن ماجة 1: 559 حديث 1758.
(3) المجموع 6: 364 - 365، وفتح العزيز 6: 463، ومغني المحتاج 1: 441 - 442، والسراج الوهاج: 145.
(4) اللباب 1: 171، والفتاوى الهندية 1: 207، والهداية 1: 127.
(5) الوجيز 1: 105، والمجموع 6: 365، ومغني المحتاج 1: 441، وفتح العزيز 6: 463، والسراج الوهاج: 145.

[ 210 ]

وقال بعضهم: عليه عن كل عام كفارة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل. مسألة 68: يجوز أن يقضي فواءت رمضان متفرقا، والتتابع أفضل، وبه قال الشافعي (2). وبه قال أبو عبيدة بن الجراح (3)، ومعاذ بن جبل، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وفي الفقهاء مالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه (4). وقال قوم: إن المتابعة واجبة (5). روي ذلك عن علي عليه السلام، وعبد الله بن عمر، وعائشة، والنخعي (6)، وبه قال أبو داود وأهل الظاهر (7). دليلنا: إجماع الفرقة. فأما فضل التتابع فقد روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله

(1) الوجيز 1: 105، والمجموع 6: 365، وفتح العزيز 6: 463، والسراج الوهاج: 145، ومغني المحتاج 1: 441، والبحر الزخار 3: 257.
(2) مختصر المزني: 58، وفتح العزيز 6: 467، والمغني لابن قدامة 3: 91، والشرح الكبير 3: 85، وشرح الموطأ 2: 445، والمجموع 6: 367.
(3) أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب القرشي، شهد بدرا والمشاهد، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعنه جابر بن عبد الله وأبو أمامة وعبد الرحمن بن غنم وغيرهم. ولاه عمر بن الخطاب الشام ومات في الطاعون سنة 18 هجرية تهذيب التهذيب 5: 73، وشذرات الذهب 1: 29، والإصابة 2: 243، وأسد الغابة 3: 84.
(4) أحكام القرآن للجصاص 1: 208 - 209، والهداية 1: 127، والمغني لابن قدامة 3: 91، والشرح الكبير 3: 85، شرح الموطأ 2: 445، والمجموع 6: 367، وشرح العناية 2: 81.
(5) المجموع 6: 367، والمنهل العذب 10: 141، وبداية المجتهد 1: 289.
(6) المغني لابن قدامة 3: 91، والمجموع 6: 367، وشرح الموطأ 2: 445، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 85، والمنهل العذب 10: 141.
(7) المحلى 6: 261، وشرح الموطأ 2: 445، والمجموع 6: 367، والمنهل العذب 10: 141، والمغني لابن قدامة 3: 91، والشرح الكبير 3: 85.

[ 211 ]

قال: " من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه " (1). وأما جواز الفرقة رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله قال في قضاء رمضان: " إن شاء تابع وإن شاء فرق " (2). مسألة 69: لا ينعقد صيام يوم العيدين، فإن نذره لم يصح، ولم ينعقد نذره، ولا يلزمه قضاء. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: ينعقد النذر، فإن صامه أجزأه، وإن لم يصمه كان عليه قضاء (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا فقد ثبت أن صومه محرم بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن صيام هذين اليومين يوم الفطر ويوم الأضحى، روى ذلك أبو هريرة، وعمر، وعثمان، وعلي عليه السلام (5). مسألة 70: من لم يجد الهدي لا يجوز له أن يصوم أيام التشريق. وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد (6). وقال في القديم يجوز، وهو الأظهر، وبه قال مالك (7).

(1) سنن الدارقطني 2: 191 - 192 حديث 58 و 59، وسنن البيهقي 4: 259.
(2) سنن الدارقطني 2: 193 حديث 74 و 75.
(3) المجموع 6: 440، ومغني المحتاج 1: 433، وكفاية الأخيار 1: 129، والهداية 1: 131، والمبسوط 3: 95، والفتح الرباني 10: 141، والمنهل العذب 10: 165، وعمدة القاري 11: 110.
(4) الهداية 1: 131، والمبسوط 3: 95، والفتح القدير 2: 100، وعمدة القاري 11: 109، والمنهل العذب 10: 165، والفتح الرباني 10: 141.
(5) صحيح البخاري 3: 55، وصحيح مسلم 2: 799، والموطأ 1: 300.
(6) الوجيز 1: 103، والمجموع 6: 441 و 445، وفتح العزيز 6: 410 - 411، والمنهل العذب 10: 167، ومغني المحتاج 1: 433، وعمدة القاري 11: 113، وشرح النووي المطبوع بهامش إرشاد الساري 5: 119.
(7) المجموع 6: 441 و 445، وفتح العزيز 6: 410، وشرح النووي 5: 119، والفتح الرباني 10:

[ 212 ]

دليلنا: الأخبار المروية ذكرناها في الكتاب الكبير (1). وأيضا روى أبو هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن صيام ستة أيام. يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه (2) وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن صيام خمسة أيام في السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق (3). مسألة 71: إذا أكل ما لا يؤكل باختياره، كالخزف والخرق والطين والخشب والجوهر أو شرب غير مشروب كماء الشجر والورد والعرق، كل هذا يفطر، وهو قول جميع الفقهاء (4) إلا الحسن بن صالح بن حي فإنه قال: لا يفطر إلا المأكول المعتاد (5). دليلنا: قوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " (6) والصيام هو الامساك، وهذا يقتضي الامساك عن كل شئ. وما روي من الأخبار في أن من أكل أو شرب متعمدا أنه يفطر (7) وهذا

= 143 و 147، وكفاية الأخيار 1: 129، وسنن الترمذي 3: 144. (1) التهذيب 4: 231.
(2) سنن الدارقطني 2: 157، حديث 6، وفتح العزيز 6: 415.
(3) حكاه الهندي في كنز العمال عن مسند الديلمي 8: 521 حديث 23950، ومسند الطيالسي: 281 حديث 2105، وفيه ستة أيام في السنة.
(4) الفتاوى الهندية 1: 202 و 205، واللباب في شرح الكتاب 1: 166، والمجموع 6: 317، والأم 2: 100، والمغني لابن قدامة 3: 37، وكفاية الأخيار 1: 126.
(5) المجموع 6: 317، والمغني لابن قدامة 3: 37.
(6) البقرة 187.
(7) من لا يحضره الفقيه 2: 67 حديث 276، والتهذيب 4: 202 حديث 584، والاستبصار 2: 80 حديث 244.

[ 213 ]

يتناول هذا الموضع، لأن من أكل شيئا مما ذكرناه أو شرب يسمى أكلا. مسألة 72: من أكل البرد النازل من السماء أفطر. وبه قال جميع الفقهاء (1). وحكي عن أبي طلحة الأنصاري أنه كان يقول: لا يفطر (2). دليلنا: إجماع المسلمين، فإن هذا الخلاف قد انقرض. مسألة 73: الحقنة بالمايعات تفطر، وأما التقطير في الذكر لا يفطر. وقال الشافعي: الواصل منهما يفطر، وهو الحقنة والتقطير في الذكر، وبه قال أبو يوسف ومحمد (3). وقال الحسن بن صالح بن حي: لا يفطر بهما (4). وقال مالك: لا يفطر بقليل الحقنة ويفطر بكثيرها (5). وقال أبو حنيفة: يفطر بالحقنة على ما قلناه (6). وأما التقطير في الذكر، فقد قال الحاكم، (7) في المختصر: يفطر لأنه قال: لو قطر في ذكره أفطر.

(1) الفتاوى الهندية 1: 205، وفتاوى قاضيخان 1: 213، والبحر الزخار 3: 252.
(2) البحر الزخار 3: 251.
(3) اللباب 1: 169، والهداية 1: 125، والنتف 1: 158، والمبسوط 3: 67، وفتاوى قاضيخان 1: 211، وشرح فتح القدير 2: 74، ومختصر المزني: 58، والوجيز 1: 101، والمجموع 6: 312 - 313 و 320، وفتح العزيز 6: 363 و 367، وفتح القريب: 34، وكفاية الأخيار 1: 127، والبحر الزخار 3: 252، والمغني لابن قدامة 3: 39، والسراج الوهاج: 139.
(4) المجموع 6: 320، والبحر الزخار 3: 252، (5) المدونة الكبرى 1: 197، والمجموع 6: 320.
(6) النتف 1: 158، واللباب 1: 168، وتبين الحقائق 1: 329، والمبسوط 3: 67، وفتح القدير 2: 73، والمجموع 6: 32.
(7) أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي النيسابوري، الحاكم، الشافعي المعروف بابن البيع، محدث، حافظ مؤرخ، ولد بنيسابور في 3 ربيع الأول 321، وتوفي في صفر بنيسابور أيضا سنة 403، وقيل 405 هجرية معجم المؤلفين 10: 238.

[ 214 ]

وكان الجرجاني أبو عبد الله (1) يقول: لا يفطره (2). دليلنا: على الحقنة إجماع الفرقة، وأما التقطير فليس على كونه مفطرا دليل. والأصل بقاء الصوم وصحته. مسألة 74: إذا داوى جرحه، فوصل الدواء إلى جوفه لا يفطر، رطبا كان أو يابسا. وكذلك إذا طعن نفسة فوصلت الطعنة إلى جوفه، أو طعن باختياره. ذلك لا يفطر. وقال الشافعي: ما كان من ذلك باختياره يفطر، وما كان منه بغير اختياره لا يفطر (3). وقال أبو حنيفة: الدواء إن كان رطبا أفطر وإن كان يابسا لا يفطر (4). قال أصحابه: لأن اليابس لا يجري ولا يصل إلى الجوف (5). والطعنة فإن وصل الرمح إلى جوفه لم يفطر (6). قال أصحابه: إذا لم يستقر لم يفطر وإن استقر أفطر (7). وما عدا ذلك من المسائل التي ذكرناها كلها يفطر عنده، واعتبر وصول ذلك إلى جوفه بفعل آدمي كان أو غير آدمي (8)، إلا الذباب وغبرة الطريق

(1) أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي تفقه على أبي بكر الرازي، وعليه تفقه القدوري وأحمد بن محمد الناطفي يعد من أصحاب التخريج، مات سنة 398، هجرية في بغداد، الفوائد البهية: 202، والجواهر المضية 2: 142 وطبقات الفقهاء: 123.
(2) النتف في الفتاوى 1: 158.
(3) المجموع 6: 312 و 324، والمبسوط 3: 98.
(4) اللباب 1: 168 - 169، والمبسوط 3: 68، والفتاوى الهندية 1: 208، والنتف 1: 156، وفتاوى قاضيخان 1: 208، وفتح العزيز 6: 363.
(5) المبسوط 3: 68. (6) المبسوط 3: 98، وفتاوى قاضيخان 1: 209.
(7) المبسوط 3: 98، والفتاوى الهندية 1: 204.
(8) المبسوط 3: 98.

[ 215 ]

فإنه لا يفطر (1). وقال أبو يوسف ومحمد: لا يفطر بدواء ولا بطعنة (2)، والعقد عندهم أن يصل من المجاري التي هي خلقة في البدن، فأما من غيرها فلا يفطر. دليلنا: إن الأصل صحة صومه وانعقاده، وكون هذه الأشياء مفطرة له يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 75: السعوط مكروه إلا أنه لا يفطر. وقال الشافعي: ما وصل منه إلى الدماغ يفطر (3). دليلنا: إن ذلك يحتاج إلى دليل، وليس ها هنا دليل. مسألة 76: إذا تمضمض للصلاة نافلة كانت أو فرضا، فسبق الماء إلى حلقه لم يفطر، وإن تمضمض للتبرد أفطر. وقال الشافعي: إذا تمضمض ذاكرا لصومه، فبالغ أفطر إذا وصل إلى حلقه. وإن سبق الماء إلى حلقه من المضمضة أو إلى رأسه من الاستنشاق أو من غيرهما له فيه قولان: قال في القديم والأم معا: يفطر، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والمزني (4). وقال في البويطي والاملاء واختلاف العراقيين: لا يفطر، وهو أصح

(1) النتف 1: 157، وفتاوى قاضيخان 1: 208، والبحر الزخار 3: 252.
(2) النتف 1: 156، وفتاوى قاضيخان 1: 208.
(3) الوجيز 1: 101، والمجموع 6: 320، وفتح العزيز 6: 364، والسراج الوهاج: 139، ومغني المحتاج 1: 428.
(4) الأم 2: 101، ومختصر المزني 58، والمجموع 6: 326 - 327، وفتح العزيز 6: 393، والمدونة الكبرى 1: 200، والمغني لابن قدامة 3: 42، والمنهل العذب 10: 93، والفتاوى الهندية 1: 202، والمبسوط 3: 66.

[ 216 ]

القولين، وبه قال الأوزاعي (1)، وأحمد، وإسحاق سواء كان لفرض أو نافلة (2). وقال النخعي وابن أبي ليلى: إن كان لنافلة أفطر، وإن كان لفريضة لم يفطر، وبه قال ابن عباس (3). دليلنا: إن ذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. وأما في حال التبرد فلا خلاف أنه يفطر. وأيضا فإن على ما فصلناه إجماع الفرقة، وأخبارهم به مفصلة بيناها في الكتاب المقدم ذكره (4). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (5) وهذا خطأ. مسألة 77: من كان أسيرا في بلد الشرك، أو كان محبوسا في بيت، أو كان في طرف من البلاد ولا طريق له إلى معرفة شهر رمضان، ولا إلى ظنه بأمارة صحيحة، فليتوخ شهرا يصومه، فإن وافق شهر رمضان أو بعده أجزأ، وإن وافق قبله لم يجزه وعليه القضاء. وقال الشافعي: إن لم يكن معه دليل وغلب على ظنه شهر فإنه يصومه، غير أنه لا يعتد به، وافق الشهر أو لم يوافق.

(1) الأم 7: 145، وفتح العزيز 6: 393، والمغني لابن قدامة 3: 42، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 50، وكفاية الأخيار 1: 126.
(2) المجموع 6: 327، والمغني لابن قدامة 3: 42، والشرح الكبير 3: 51، والمنهل العذب 10: 93.
(3) الأم 7: 145، والمجموع 6: 327، والمنهل العذب 10: 93.
(4) الكافي 4: 107 حديث 1 و 4، التهذيب 4: 205 حديث 593، والاستبصار 2: 94 حديث 304.
(5) الفقيه 1: 36 حديث 132، وسنن ابن ماجة 1: 659 حديث 2045 بلفظ قريب منه كما أشرنا إليه في المسألة 31 المتقدمة فلاحظ.

[ 217 ]

وإن كان معه ضرب من الدلالة والأمارات، مثل أن يعلم أنه صام في شدة الحر، أو البرد، أو الربيع، أو ذكر هذا في بعض الشهور وعرفه بعينه فصام حينئذ فله ثلاثة أحوال: حاله يوافقه، فإنه يجزيه، وهو مذهب الجماعة (1) إلا الكرخي، فإنه قال: لا يجزيه وإن وافقه (2). وإن وافق ما بعده، فإنه يجزيه أيضا (3) ويكون قضاء إذا كان شهرا يجوز صيامه كله، مثل المحرم أو صفر أو ما يجري مجراهما، سواء كان بعد رمضان أو أقل منه أو أكثر، وهو مذهب الشافعي. وإن وافق شهرا لا يصح صومه كله، مثل شوال فإن صومه كله صحيح إلا يوم الفطر أو ذي الحجة، فإنه لا يصح صومه يوم النحر وثلاثة أيام التشريق، سقط ها هنا الاعتبار بالهلال، ويكون المعتبر العدد. فمن صام شوال وكان تاما قضى يوما، وإن كان ناقضا قضى يومين، لأن فرضه ثلاثون. وإن كان ذا الحجة وكان تاما قضى أربعة أيام، أيام النحر والتشريق، وإن كان ناقصا قضى خمسة أيام. هذا إن صام شهرا بين هلالين، فأما إن صام ثلاثين يوما من شهرين أجزأ إذا كانت أياما يصح صوم جميعها، فإن كان فيها ما لا يصح صومه قضى ما لا يصح صيامه. ومتى وافق ما قبله، ثم بان له الخطأ قبل خروج رمضان صامه، وإن كان قد

(1) الأم 2: 101 ن والمجموع 6: 285، و 287، والشرح الكبير 3: 12.
(2) نسب النووي في المجموع 6: 285، وابن قدامة في المغني 3: 101، وفي الشرح الكبير 3: 12 هذا الخلاف إلى الحسن بن صالح فلاحظ.
(3) المجموع 6: 285 و 287، والمغني لابن قدامة 3: 101، والشرح الكبير 3: 12.

[ 218 ]

خرج بعضه صام ما أدرك منه وقضى ما فات. وإن كان خرج كله فلهم فيه طريقان، أحدهما: عليه القضاء قولا واحدا، وذهب شيوخ أصحابه مثل الربيع والمزني وأبو العباس إلى أن المسألة على قولين: أحدهما: لا قضاء عليه، ذكره المزني وقال: لا أعلم أحدا قال به (1). والثاني: وهو الصحيح عليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة وغيره من الفقهاء، وإليه ذهب المزني (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (3)، ولأنه إذا وافقه أو وافق ما بعده فقد برئت ذمته بيقين، وإذا صام قبله لم تبرأ ذمته بيقين، فكان عليه القضاء. مسألة 78: إذا أفاق المجنون في أثناء الشهر صام ما أدركه، ولم يلزمه قضاء ما فاته في حال جنونه، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: متى أفاق وبقي من الشهر جزء لزمه صومه جميعه (5). دليلنا: الأخبار التي ذكرناها في الكتاب المقدم ذكره (6)، وعليه إجماع الفرقة. وأيضا الأصل براءة الذمة، وإيجاب ما مضى يحتاج إلى دليل. وروي عن علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:

(1) الأم 2: 101 - 102، ومختصر المزني: 58، والمبسوط 3: 59.
(2) الأم 2: 102، والمجموع 6: 287 - 288، والمبسوط 3: 59، والمغني لابن قدامة 3: 102.
(3) الكافي 4: 108 حديث 1، ومن لا يحضره الفقيه 2: 78 حديث 346، والمقنعة: 60، والتهذيب 4: 310 حديث 935.
(4) المجموع 6: 254، والهداية 1: 128.
(5) الهداية 1: 128. والمبسوط 3: 88 - 89، وأحكام القرة ن للجصاص 1: 184، وبدائع الصنائع 2: 89.
(6) التهذيب 3: 302 (باب 30 صلاة المضطر) و 4: 243 (باب 59 حكم المغمى عليه).

[ 219 ]

" رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى ينتبه " (1). ومن ألزمه القضاء فقد أجرى عليه القلم، وذلك خلاف الخبر. مسألة 79: إذا وطأ في أول النهار ثم مرض أو جن في آخره، لزمته الكفارة ولم تسقط عنه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه وهو أقيسهما (2)، والثاني: لا كفارة عليه، وبه قال أبو حنيفة (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قد اشتغلت ذمته بالكفارة حين الوطء بلا خلاف، وإسقاطها يحتاج إلى دليل. مسألة 80: إذا تلبس بالصوم في أول النهار، ثم سافر في آخر النهار، لم يكن له الافطار، وبه قال جميع الفقهاء (4) إلا أحمد فإنه قال: يجوز له أن يفطر (5). دليلنا: إن جواز ذلك يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، وأيضا عليه إجماع الفرقة.

(1) صحيح البخاري 7: 59، وسنن الترمذي 4: 32 حديث 1423، وفي سنن النسائي 6: 156. وسنن ابن ماجة 1: 658 حديث 2041 و 2042، ومسند أحمد بن حنبل 6: 100 - 101 و 144 عن عائشة.
(2) الوجيز 1: 104، وفتح العزيز 6: 451، ومغني المحتاج 1: 444، والسراج الوهاج: 146.
(3) الوجيز 1: 104، وفتح العزيز 6: 451، وفتاوى قاضيخان 1: 215، ومغني المحتاج 1: 444، والسراج الوهاج: 146، وبداية المجتهد 1: 297.
(4) الأم 2: 102، والفتاوى الهندية 1: 206، والجامع لأحكام القرآن: 2: 279، والمغني لابن قدامة 3: 35، والشرح الكبير 3: 22، والمبسوط 3: 68، وعمدة القاري 11: 46، وبداية المجتهد 1: 287، ونيل الأوطار 4: 309، والفتح الرباني 10: 125، وكفاية الأخيار 1: 131.
(5) المغني لابن قدامة 3: 34 - 35، والشرح الكبير 3: 22، والفتح الرباني 10: 124، وبداية المجتهد 1: 287، ونيل الأوطار 4: 309.

[ 220 ]

وأيضا قوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " وذلك يقتضي بعد الدخول فيه. مسألة 81: إن وطأ هذا المسافر لزمته الكفارة. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: لا يلزمه (3). دليلنا: عموم الأخبار الواردة في وجوب الكفارة على من أفطر يوما من شهر رمضان (4)، وتخصيصها يحتاج إلى دليل. مسألة 82: لا يكره السواك للصائم على كل حال. وبه قال أبو حنيفة (5). وقال الشافعي: يكره بعد الزوال ولا يكره قبله (6). دليلنا: الأخبار المروية في فضل السواك (7) وهي على عمومها، فمن خصصها فعليه الدلالة. مسألة 83: إذا تلبس بصوم التطوع كان بالخيار بين إتمامه والافطار، وبه قال الشافعي والثوري وأحمد (8)، غير أن عندنا إذا كان بعد الزوال يكره له الافطار.

(1) القرة: 187.
(2) تفسير القرطبي 2: 279، والمبسوط 3: 68، وعمدة القاري 11: 46.
(3) أحكام القرآن للجصاص 1: 216، وتفسير القرطبي 2: 279، والمبسوط 3: 68، وعمدة القاري 11: 46.
(4) انظر الكافي 4: 101، ومن لا يحضره الفقيه 2: 72، والتهذيب 4: 321، والاستبصار 2: 95.
(5) الهداية 1: 126، وفتح القدير 2: 77، وعمدة القاري 11: 14، والمغني لابن قدامة 3: 46، والفتح الرباني 10: 48، والمنهل العذب 10: 90.
(6) الأم 2: 101، والهداية 1: 126، وفتح القدير 2: 77، وعمدة القاري 11: 14، والمنهل العذب 10: 91.
(7) التهذيب 4: 263، والاستبصار 2: 92، وصحيح البخاري 2: 5، وصحيح مسلم 1: 220، وسنن أبي داود 1: 12، وسنن الترمذي 1: 34، وسنن النسائي 1: 8، وسنن ابن ماجه 1: 105.
(8) الأم 2: 103 - 104، ومغني المحتاج 1: 448، والسراج الوهاج: 147، والمغني لابن قدامة 3:

[ 221 ]

وقال أبو حنيفة وأصحابه: متى خرج فعليه قضاؤه، وهل يلزمه الدخول، فيه؟ فعلى قولين: المعروف من مذهبهم أنه يلزمه وعليه المناظرة، وقد يرتكبون أنه لا يلزمه (1). مسألة 84: من أفطر يوما نذر صومه من غير عذر لزمته الكفارة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (2). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط. مسألة 85: من ارتمس في الماء متعمدا أو كذب على الله أو رسوله أو على الأئمة عليهم السلام متعمدا أفطر، وعليه القضاء والكفارة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك في الافطار ولزوم الكفارة معا (3)، وبه قال المرتضى من أصحابنا (4) والأكثر على ما قلناه (5). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 86: من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال لزمه قضاؤه

= 92، والشرح الكبير 3: 113، والمبسوط 3: 68، والمجموع 6: 392 و 394، وفتح العزيز 6: 464، وأحكام القرآن للجصاص 1: 234، ونيل الأوطار 4: 346، وعمدة القاري 11: 79، وشرح الموطأ 2: 450. (1) شرح معاني الآثار 2: 111، والمبسوط 3: 68، واللباب 1: 171، والمغني لابن قدامة 2: 92، والشرح الكبير 3: 113، والمجموع 6: 394، وفتح العزيز 6: 464، وأحكام القرآن للجصاص 1: 234، وعمدة القاري 11: 79، وشرح الموطأ 2: 450، (2) اللباب 1: 168، ومغني المحتاج 1: 443، والمغني لابن قدامة 3: 64، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 68، والسراج الوهاج: 145.
(3) المجموع 6: 347، وفتح العزيز 6: 380.
(4) قال العلامة الحلي في المختلف: 48 من كتاب الصوم في مسألة الارتماس: " قال السيد المرتضى لا يجب به القضاء والكفارة واختاره ابن إدريس وهو مذهب ابن عقيل ".
(5) قاله ابن البراج في المهذب 1: 192، وحكاه العلامة الحلي في المختلف: 48 من كتاب الصوم عن أبي الصلاح أيضا، وبه قال السيد المرتضى في الانتصار: 62، وتوقف في جمل العلم والعمل: 96 فلاحظ.

[ 222 ]

وكان عليه الكفارة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط. مسألة 87: من تعمد البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر، أو نام بعد انتباهتين وبقي إلى طلوع الفجر نائما، كان عليه القضاء والكفارة معا. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2)، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه متى قضى وكفر فقد برئت ذمته بيقين، وإذا لم يفعل ففيه خلاف. مسألة 88: إذا أجنب في أول الليل ونام عازما على أن يقوم في الليل ويغتسل فبقي نائما إلى طلوع الفجر لم يلزمه شئ بلا خلاف. وإن انتبه دفعة ثم نام إلى طلوع الفجر كان عليه القضاء بلا كفارة. وإن انتبه دفعتين كان عليه القضاء والكفارة على ما قلناه. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 89: إذا نوى في أثناء النهار أنه قد ترك الصوم، أو عزم على أن يفعل ما ينافي الصوم لم يبطل صومه، وكذلك الصلاة إذا نوى أن يخرج منها، أو فكر هل يخرج أم لا؟ لا تبطل صلاته، وإنما يبطل الصوم والصلاة بفعل ما ينافيهما. وبه قال أبو حنيفة (3). وقال أبو حامد الأسفرايني: يبطل صومه وصلاته قال: ولا أعرفها منصوصة

(1) انظر المبسوط 3: 56، والمغني لابن قدامة 3: 78، والشرح الكبير على المقنع 3: 54، والأم 2: 97، ومغني المحتاج 1: 436، وبداية المجتهد 1: 284، والبحر الزخار 3: 235، ونيل الأوطار 4: 291.
(2) التهذيب 4: 212 حديث 616 و 618، والاستبصار 2: 87 حديث 272 و 274.
(3) المبسوط 3: 86، والمجموع 3: 286.

[ 223 ]

للشافعي. وحكي عن بعض الخراسانية من أصحابه أنها منصوصة للشافعي أنه يبطل الصوم (1). وأما الصلاة فمنصوص للشافعي أنها تبطل (2). دليلنا: إن نواقض الصوم والصلاة قد نص لنا عليها، ولم يذكروا في جملتها هذه النية، فمن جعلها من جملة ذلك كان عليه الدلالة. مسألة 90: من كان عليه شهران متتابعان، فصام شهرا ويوما ثم أفطر لغير عذر بنى عليه، ولا يجب عليه استئنافه. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: يستأنف (3). وكذلك إذا نذر صوم شهر متتابعا فصام خمسة عشر يوما ثم أفطر بنى. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (4). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار التي أوردناها في الكتاب المقدم ذكره (5)، ولا وجه لإعادتها.

(1) الوجيز 1: 40، والمجموع 6: 297.
(2) حكاه النووي في المجموع 1: 337 و 3: 285، وفتح العزيز 3: 258، والمبسوط 3: 86.
(3) انظر مختصر المزني: 56، والمبسوط 3: 81، والبحر الزخار 3: 262 - 263.
(4) المدونة الكبرى 1: 216.
(5) انظر الكافي 4: 138 - 139 حديث 1 و 4 و 7، والتهذيب 4: 284 - 285 و 445 حديث 861 و 862 و 1027، والاستبصار 2: 124 - 125 حديث 404 و 405.

[ 225 ]

كتاب الاعتكاف

[ 227 ]

مسألة 91: لا ينعقد الاعتكاف لأحد - رجلا كان أو امرأة - إلا في المساجد الأربعة التي هي: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. وقال الشافعي في الجديد: لا ينعقد اعتكاف المرأة إلا في المسجد (1). وقال في القديم والجديد معا: يكره لها أن تعتكف في غير مسجد بيتها، وهو الموضع المنفرد في المنازل للصلاة (2). وبه قال أبو حنيفة (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف أن في المواضع التي ادعيناها ينعقد الإعتكاف وإن خالفوا في كراهته لها، ولم يدل دليل على انعقاده في المواضع التي قالوها، فوجب لذلك نفيها. مسألة 92: لا يصح الإعتكاف إلا بصوم، أي صوم كان، نذرا أو رمضان أو تطوعا، ولا يصح أن يفرد الليل به، ولا العيدين، ولا التشريق. وبه قال أبو

(1) الوجيز 1: 107، والمجموع 6: 480 و 484، وفتح العزيز 6: 501، وشرح العناية 2: 109، ومغني المحتاج 1: 451، والمبسوط 3: 119. المجموع 6: 482، وفتح العزيز 6: 503، ومغني المحتاج 1: 451.
(2) المجموع 6: 482، وفتح العزيز 6: 503، ومغني المحتاج 1: 451.
(3) الفتاوى الهندية 1: 211، وفتاوى قاضيخان 1: 221، وتبيين الحقائق 1: 350، والمبسوط 3: 119، والنتف 1: 161، واللباب 1: 175، والهداية 1: 132، والمجموع 6: 484، وشرح فتح القدير 2: 109، وشرح العناية 2: 109، وبداية المجتهد 1: 303، والمغني لابن قدامة 3: 129.

[ 228 ]

حنيفة وأصحابه، ومالك، والثوري، والأوزاعي (1). وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وفي التابعين خلق (2). وقال الشافعي: يصح الإعتكاف بغير صوم، ويصح أن يفرد الليل والعيدين وأيام التشريق بالاعتكاف (3)، وبه قال أحمد (4)، ورووا ذلك عن علي عليه السلام، وأبي مسعود البدري، والحسن البصري، وإسحاق (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف أن مع الصوم في الأوقات المخصوصة يصح اعتكافه، وليس على انعقاده في غيرها دليل، فوجب نفيه. وروي عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا اعتكاف إلا بصوم " (6). وروى عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب قال: قلت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني نذرت أن أعتكف يوما في الجاهلية؟ فقال: " اعتكف وصم " (7).

(1) الفتاوى الهندية 1: 124 و 127 و 210، وتبيين الحقائق 1: 348، المبسوط 3: 116، واللباب 1: 174، والهداية 1: 132، وشرح فتح القدير 2: 107 - 108، وشرح العناية 2: 107، والمدونة الكبرى 1: 225 - 226، والمغني لابن قدامة 3: 125، وبلغة السالك 1: 255، وبداية المجتهد 1: 305، والمجموع 6: 487، والبحر الزخار 3: 267، وعمدة القاري 11: 140.
(2) المغني لابن قدامة 3: 125، والمجموع 6: 487، وعمدة القاري 11: 140، وبداية المجتهد 1: 305.
(3) الأم 2: 107، ومختصر المزني 60، والوجيز 1: 106، والمجموع 6: 487 و 489، والمنهاج القويم: 397، والمغني لابن قدامة 3: 125، وبداية المجتهد 1: 305، ومغني المحتاج 1: 453، وشرح فتح القدير 2: 107، والهداية 1: 132، وعمدة القاري 11: 140.
(4) المغني لابن قدامة 3: 125، والشرح الكبير 3: 125، والمجموع 6: 487، وعمدة القاري 11: 140.
(5) بداية المجتهد 1: 305، والمغني لابن قدامة 3: 125، المجموع 6: 487، وعمدة القاري 11: 140.
(6) سنن البيهقي 4: 317 - 318.
(7) سنن أبي داود 2: 334 حديث 2474، وسنن الدارقطني 2: 200 حديث 9، وسنن البيهقي 4: 316.

[ 229 ]

مسألة 93: إذا باشر امرأته في حال اعتكافه فيما دون الفرج، أو لمس ظاهرها بطل اعتكافه، أنزل أو لم ينزل. وبه قال الشافعي في الإملاء (1). وقال في الأم: لا يبطل اعتكافه، أنزل أو لم ينزل (2). وقال أبو حنيفة: إن أنزل بطل، وإن لم ينزل، لم يبطل (3). دليلنا: قوله تعالى: " ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد " (4) وهذا عام في كل مباشرة، أنزل أو لم ينزل، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. مسألة 94: إذا وطأ المعتكف ناسيا، لم يبطل اعتكافه. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: يبطل اعتكافه (6). دليلنا: إجماع الفرقة. وقوله عليه السلام: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (7). مسألة 95: إذا نذر أن يعتكف شهرا، كان بالخيار بين أن يعتكف متفرقا

(1) الوجيز 1: 106، والمجموع 6: 525، ومغني المحتاج 1: 452، والسراج الوهاج: 148، والمغني لابن قدامة 3: 141 - 142.
(2) الأم 2: 105، والمجموع 6: 525، والمغني لابن قدامة 3: 142.
(3) اللباب 1: 176، والهداية 1: 133، وتبيين الحقائق 1: 352، وفتاوى قاضيخان 1: 222، والمبسوط 3: 123، والمغني لابن قدامة 3: 142، والمجموع 6: 527، وشرح فتح القدير 2: 114، وبداية المجتهد 1: 316، والبحر الزخار 3: 269.
(4) البقرة: 187.
(5) المجموع 6: 524 و 527، والمنهاج القويم: 399، وكفاية الأخيار 1: 134، ومغني المحتاج 1: 452، والمغني لابن قدامة 3: 139، والسراج الوهاج: 148.
(6) اللباب 1: 176، والهداية 1: 133، والمبسوط 3: 123، وتبيين الحقائق 1: 352، والمغني لابن قدامة 3: 139، والمجموع 6: 527.
(7) تقدم في هامش المسألة " 31 " من كتاب الصوم إن هذا الحديث روي في الكتب الحديثية بألفاظ مختلفة فلاحظ.

[ 230 ]

أو متتابعا، والمستحب المتابعة. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: عليه المتابعة إلا أن ينوي اعتكاف نهار شهر، فإنه لا يلزمه المتابعة (2). دليلنا: إن المتابعة لم يذكرها في النذر، فيجب أن لا تلزمه، ولأن الأصل براءة الذمة، والشهر لزمه لذكره له في اللفظ وبالاجماع. مسألة 96: إذا نذر اعتكاف يومين، لا ينعقد نذره. وقال الشافعي: يلزمه يومان وليلة (3). وقال محمد: يلزمه يومان وليلتان، وحكى هذا عن أبي حنيفة (4). دليلنا: إجماع الفرقة على أنه لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام، وإذا كان هذا يومين وجب أن لا ينعقد، فإذا ثبت ذلك فلو نذر اعتكاف ثلاثة أيام لزمه ثلاثة أيام وليلتان، لأنه لا يمكنه أن يصوم ثلاثة أيام متواليات إلا بدخول ليلتين في جملتها، فلأجل ذلك قلنا ذلك. مسألة 97: إذا نذر اعتكاف عشره أيام متتابعة، لزمه الوفاء به، ولا يصح منه اعتكافها إلا في المساجد الأربعة التي قدمنا ذكرها، فيصح منه أداء الجمعة فيها. وقال الشافعي: إذا اعتكف قدر عشرة أيام متتابعة، فاعتكف في غير

(1) الأم 2: 105، والوجيز 1: 107، والمجموع 6: 493، وفتح العزيز 6: 508، والسراج الوهاج: 149، والمغني لابن قدامة 3: 158.
(2) الفتاوى الهندية 1: 214، والهداية 1: 134، اللباب 1: 176، وتبيين الحقائق 1: 353، والمبسوط 3: 119 - 120، وشرح فتح القدير 2: 114، والمغني لابن قدامة 3: 158، وفتح العزيز 6: 508.
(3) الأم 2: 107، ومختصر المزني: 61، والمجموع 6: 497، وفتح العزيز 6: 516، والبحر الزخار 3: 266.
(4) الهداية 1: 134، والمبسوط 3: 122 - 123، وتبيين الحقائق 1: 353، وبدائع الصنائع 2: 110، وفتاوى قاضيخان 1: 224، والمجموع 6: 497، وفتح العزيز 6: 516، والبحر الزخار 3: 266.

[ 231 ]

الجامع خرج يوم الجمعة وبطل اعتكافه (1). وقال أبو حنيفة: لا يبطل، ويكون كأنه استثناه لفظا إذا كان خروجه بمقدار ما يصلي فيه أربعا قبل الجمعة، وأربعا بعدها، وقيل: ستا قبلها وأربعا بعدها ثم يوافي موضعه ويبني (2). دليلنا: إنا قد بينا أن الإعتكاف لا يصح إلا في المساجد الأربعة بإجماع الفرقة على ذلك، ويكون الاعتكاف صحيحا فيها فلا خلاف، وعدم الدليل على صحته في غيرها، وإذا ثبت ذلك سقط عنا هذا التفريع. مسألة 98: إذا أذن لزوجته أو أمته في الاعتكاف عشرة أيام، لم يكن له منعهما بعد ذلك. وبه قال أبو حنيفة في الزوجة، فأما الأمة فلا يلزمها (3). وقال الشافعي: له منعهما من ذلك (4). دليلنا: أنه قد ثبت اعتكافهما بإذنه بلا خلاف، وجواز منعهما ذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 99: إذا نذر أن يعتكف شهر رمضان، لزمه ذلك، فإن فاته قضى شهرا آخر يصوم فيه، فإن آخره إلى رمضان آخر فاعتكف فيه أجزأه. وقال الشافعي: إذا فاته قضاه بغير صوم، وإن شاء أخره وقضاه في رمضان آخر (5).

(1) المجموع 6: 514، وكفاية الأخيار 1: 134، والهداية 1: 133، والمبسوط 3: 117، وتبيين الحقائق 1: 350.
(2) فتاوى قاضيخان 1: 221 - 222، والهداية 1: 133، واللباب 1: 175، والمبسوط 3: 117، وتبين الحقائق 1: 350، وشرح فتح القدير 2: 110، والمجموع 6: 514.
(3) الفتاوى الهندية 1: 211، وفتاوى قاضيخان 1: 223، وبدائع الصنائع 2: 109، وشرح فتح القدير 2: 109 - 110، والمغني لابن قدامة 3: 151 - 152، وفتح العزيز 6: 492.
(4) الأم 2: 108، والمجموع 6: 477، وفتح العزيز 6: 492، والمغني لابن قدامة 3: 151.
(5) المجموع 6: 487، والبحر الزخار 3: 267.

[ 232 ]

وقال أبو حنيفة: إن فاته اعتكافه فعليه قضاء اعتكاف شهر يصوم، كما قلناه فإن أراد أن يعتكف رمضان الثاني عما تركه لم يجزه (1). دليلنا: أن ما اعتبرناه من صوم رمضان الأول أو صوم شهر آخر لا خلاف أنه يجزيه، ومن قال: إنه يجزيه بلا صوم فعليه الدلالة، وكذلك من قال: إن رمضان الثاني لا يجزيه فعليه الدلالة. مسألة 100: من أراد أن يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان إما بالنذر أو أراد استيفاءه، فينبغي أن يدخل فيه ليلة إحدى وعشرين مع غروب الشمس. وبه قال الشافعي، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه (2). وذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أن وقت الدخول فيه في أول نهار الحادي والعشرين (3). دليلنا: أن ما اعتبرناه لا خلاف أنه يجوز، ولا دلالة على إجزاء ما قالوه. مسألة 101: لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام وليلتين، ومن وافقنا في اعتبار الصوم فيه قال: أقله يوم وليلة (4)، ومن لم يعتبر الصوم مثل الشافعي وغيره قال: أقله ساعة ولحظة (5).

(1) الفتاوى الهندية 1: 211، وفتاوى قاضيخان 1: 224 - 225، وبدائع الصنائع 2: 112، وشرح فتح القدير 2: 115، والبحر الزخار 3: 267.
(2) المجموع 6: 492، وفتح العزيز 6: 476، وبداية المجتهد 1: 304، والفتاوى الهندية 1: 214، وفتاوى قاضيخان 1: 224، وعمدة القاري 11: 148، والبحر الزخار 3: 268.
(3) المجموع 6: 492، وبداية المجتهد 1: 304، والمغني لابن قدامة 3: 157، والشرح الكبير 3: 137، والبحر الزخار 3: 268.
(4) بداية المجتهد 1: 304، والمجموع 6: 491، وعمدة القاري 11: 140، والبحر الزخار 3: 267.
(5) المجموع 6: 489، ومغني المحتاج 1: 452، كفاية الأخيار 1: 133، والمغني لابن قدامة 3: 160، والشرح الكبير 3: 141، وبداية المجتهد 1: 304، وعمدة القاري 11: 140، والبحر الزخار 3: 267.

[ 233 ]

وقال في سنن حرملة المستحب: أن لا ينقص عن يوم وليلة. دليلنا: إجماع الفرقة على أنه لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام، وقد ذكرنا الأخبار في ذلك في الكتاب الكبير (1). وهكذا الخلاف إذا نذر اعتكافا مطلقا. مسألة 102: لا يصح الاعتكاف إلا في أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. وقال الزهري: لا يصح الاعتكاف إلا في جامع، أي جامع كان (2). وبه قالت عائشة (3). وقال الشافعي: المستحب أن يعتكف في الجامع، ويصح أن يعتكف في سائر المساجد (4). وبه قال أبو حنيفة (5). دليلنا: أن ما اعتبرناه من البقاع لا خلاف أنه يصح الاعتكاف فيه وينعقد، وما قالوه ليس على انعقاد الاعتكاف فيه دليل. وأيضا إجماع الفرقة على ذلك، وأخبارهم متواترة به ذكرنا طرفا منها في الكتاب الكبير (6).

(1) التهذيب 4: 289 حديث 872 و 876 و 879.
(2) المجموع 6: 483، والمغني لابن قدامة 3: 128، وفتح العزيز 6: 501 - 502، وكفاية الأخيار 1: 133، وبداية المجتهد 1: 305 - 306، وعمدة القاري 11: 142، والشرح الكبير 3: 130، والبحر الزخار 3: 265.
(3) المغني لابن قدامة 3: 128، والشرح الكبير 3: 130، وبداية المجتهد 1: 305.
(4) الأم 2: 105، والوجيز 1: 107، والمجموع 6: 483، وكفاية الأخيار 1: 133، وفتح العزيز 6: 502، ومغني المحتاج 1: 450، وشرح فتح القدير 2: 109، وبداية المجتهد 1: 302، وعمدة القاري 11: 142، والبحر الزخار 3: 265.
(5) الفتاوى الهندية 1: 211، واللباب 1: 175، وفتاوى قاضيخان 1: 221، وتبيين الحقائق 1: 350، وعمدة القاري 11: 142، وشرح فتح القدير 2: 109، والهداية 1: 132، والمجموع 6: 483، والبحر الزخار 3: 265.
(6) التهذيب 4: 290 حديث 882 و 885.

[ 234 ]

مسألة 103: إذا نذر أن يصلي في مسجد معين، لزمه الوفاء به، والترحل إليه، سواء كان المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى، أو مسجد الرسول، أو غيرها من المساجد. والاعتكاف إذا نذره في المساجد الأربعة لزمه الوفاء به، ولا ينعقد إن نذره في غيرها. وقال الشافعي: إن كان المسجد الحرام مثل ما قلناه، ووجب عليه أن يخرج حاجا أو معتمرا، وإن كان غيره صلى واعتكف حيث شاء (1). دليلنا: إن ذمته اشتغلت بالقطع واليقين، فوجب أن لا تبرأ إلا بيقين، وما ذكرناه مقطوع عليه براءة الذمة، وليس على ما قالوه دليل. مسألة 104: إذا خرج لقضاء حاجة ضرورية من المسجد، لا يجوز له أن يأكل في منزله، ولا في موضع آخر، ويجوز أن يأكل في طريقه ماشيا. وللشافعي فيه قولان: قال أبو العباس: ليس له أن يأكل في منزله، بل له أن يأكل ماشيا (2). وقال أبو إسحاق: يجوز له ذلك (3)، وبه قال المزني (4). دليلنا: أن ما اعتبرناه لا خلاف في جوازه، وليس على جواز ما قالوه دليل. مسألة 105: يجوز للمعتكف أن يخرج لعيادة مريض ويزور الوالدين، والصلاة على الأموات. وقال الشافعي: ليس له ذلك، فإن فعل بطل اعتكافه (5). وبه قال باقي

(1) الوجيز 1: 107، ومغني المحتاج 1: 451، والبحر الزخار 3: 265، وفتح العزيز 6: 504.
(2) المجموع 6: 504 - 505، وفتح العزيز 6: 532.
(3) الأم 2: 105، ومختصر المزني: 60، والمجموع 6: 505، وفتح العزيز 6: 532.
(4) مختصر المزني: 60، والمجموع 6: 532.
(5) الأم 2: 105، ومختصر المزني: 60، والمجموع 6: 512، وفتح العزيز 6: 533، والمغني لابن قدامة =

[ 235 ]

الفقهاء (1). دليلنا: أنه لا مانع منه، والأصل الإباحة، وأيضا عليه إجماع الفرقة، وأيضا الأخبار الواردة في الحث على تشييع الجنازة، والصلاة على الأموات على عمومها (2). مسألة 106: يجوز للمعتكف أن يخرج فيؤذن في منارة خارجة للجامع وإن كان بينه وبين الجامع فضاء لا يكون في الرحبة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (3). والآخر: لا يجوز، فإن خرج بطل اعتكافه (4). دليلنا: كل ما روي في الحث على الأذان من الأخبار، إذ لم يفصلوا فيه بين حالة الاعتكاف وغير حاله (5)، فوجب أن تكون على عمومها. مسألة 107: من خرج لإقامة الشهادة ولم يتعين عليه اقامتها لم يبطل اعتكافه.

= 3: 136، والشرح الكبير 3: 148، وبداية المجتهد 1: 302، وكفاية الأخيار 1: 133، والمنهل العذب 10: 247. (1) المغني لابن قدامة 3: 136، تبيين الحقائق 1: 351، والمجموع 6: 512، وبلغة السالك 1: 256، وشرح فتح القدير 2: 111، وبداية المجتهد 1: 302، والشرح الكبير 3: 148، والمنهل العذب 10: 247.
(2) انظر ما رواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 174 باب ثواب حمل الجنازة، و 4: 178 حديث 1 و 3، والشيخ الصدوق في الفقيه 2: 122 حديث 529، والشيخ المؤلف في التهذيب 1: 452 حديث 1470، و 4: 288 حديث 871.
(3) الأم 2: 105، والوجيز 1: 108، والمجموع 6: 505، وفتح العزيز 6: 530، ومغني المحتاج 1: 459.
(4) الوجيز 1: 108، والمجموع 6: 505، ومغني المحتاج 1: 459، وفتح العزيز 6: 530.
(5) انظر الكافي 3: 307 حديث 27، وثواب الأعمال: 52، ومن لا يحضره الفقيه 1: 185 حديث 881 و 882 و 886، والتهذيب 2: 283 حديث 1126 و 1132.

[ 236 ]

وقال الشافعي: يبطل اعتكافه (1). دليلنا: أن الأصل جواز ذلك، وأيضا قوله تعالى: " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " (2) ولم يفصل. مسألة 108: إن تعين عليه الأداء دون التحمل، مثل إن لم يبق من الشهود غيره، فعليه أن يخرج ويقيم الشهادة، ولا يبطل اعتكافه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (3). دليلنا: أنه مأمور بإقامة الشهادة، وواجب عليه ذلك بلا خلاف، فإذا خرج لما وجب عليه لا يبطل اعتكافه، لأنه لا دليل على ذلك. مسألة 109: إذا سكر المعتكف، بطل اعتكافه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (5). والثاني: لا يبطل (6). دليلنا: أن الاعتكاف هو المقام واللبث للعبادة، فإذا سكر نقض حقيقة الاعتكاف لأنه فسق، فوجب أن يبطل اعتكافه. مسألة 110: إذا ارتد المعتكف بطل اعتكافه. وقال الشافعي: لا يبطل (7). واختلف أصحابه على وجهين، أحدهما:

(1) الأم 2: 105، والوجيز 1: 108، والمجموع 6: 514، وفتح العزيز 6: 538، وكفاية الأخيار 1: 134.
(2) البقرة 282.
(3) المجموع 6: 515، وفتح العزيز 6: 538، وكفاية الأخيار 1: 134.
(4) الأم 2: 105، والمجموع 6: 515، وفتح العزيز 6: 538، وكفاية الأخيار 1: 134.
(5) الأم 2: 106، والمجموع 6: 518، وفتح العزيز 6: 494 و 498، والمنهاج القويم: 399، وفتح القريب: 35، والسراج الوهاج: 149، والبحر الزخار 3: 263، ومغني المحتاج 1: 454.
(6) الوجيز 1: 106، والمجموع 6: 518، وفتح العزيز 6: 495، والبحر الزخار 3: 264، ومغني المحتاج: 455.
(7) الوجيز 1: 106 والمجموع 6: 518، وفتح العزيز 6: 494، ومغني المحتاج 1: 454.

[ 237 ]

مثل ما قلناه أنه يبطل (1). والثاني: لا يبطل (2). دليلنا: أنه إذا ارتد وهو مولود على الفطرة وجب قتله على كل حال، وإن كان أسلم ثم ارتد فهو محكوم بنجاسته، فلا يجوز أن يقيم في المسجد، ولا تصح منه الطاعة، وذلك ينافي الاعتكاف. مسألة 111: من نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعة، فخرج لغير حاجة بطل اعتكافه، وبه قال الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة (3). وقال أبو يوسف، ومحمد: إن خرج أكثر النهار بطل اعتكافه، وإن أخرج أقله لم يبطل (4). دليلنا: إذا لم يخرج صح اعتكافه بلا خلاف، وإذا خرج ليس على صحته دليل. مسألة 112: إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعة، لزمه أن يفي به، ويصوم فيها. وإن لم يذكر الصوم، وإن ذكر الصوم كان أبلغ فمتى أفطر يوما فيها أستأنف الصوم والاعتكاف. وقال الشافعي: إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعة بصوم فأفطر قال أصحابه على قولين، أحدهما: يستأنف الصيام دون الاعتكاف (5).

(1) الوجيز 1: 106، والمجموع 6: 518، وفتح العزيز:: 496، وفتح القريب: 35، والسراج الوهاج: 149، ومغني المحتاج 1: 454.
(2) الوجيز 1: 106، والمجموع 6: 518، وفتح العزيز 6: 495، ومغني المحتاج 1: 455.
(3) الهداية 1: 133، وفتاوى قاضيخان 1: 222، والمغني لابن قدامة 3: 135، والشرح الكبير 3: 153، وفتح العزيز 6: 511، وكفاية الأخيار 1: 133.
(4) المبسوط 3: 118، وفتاوى قاضيخان 1: 222، وعمدة القارئ 11: 152، والمغني لابن قدامة 3: 135، والشرح الكبير 3: 153.
(5) المجموع 6: 486، وفتح العزيز 6: 486.

[ 238 ]

والآخر يستأنفها معا (1). دليلنا: أنه إذا أفطر قطع التتابع فيها لأنه ليس ينفصل الاعتكاف عن الصوم، ولأنه إذا استأنف وأعاده برئت ذمته بيقين، وإذا أفرد لم تبرأ ذمته بيقين. مسألة 113: المعتكف إذا وطأ في الفرج نهارا، أو استمنى بأي شئ كان، لزمته كفارتان، وإن فعل ذلك ليلا لزمته كفارة واحدة، وبطل اعتكافه. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك وسائر الفقهاء: يبطل اعتكافه، ولا كفارة عليه (2). وقال الزهري، والحسن البصري: عليه الكفارة ولم يفصلوا الليل من النهار (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإذا كفر برءت ذمته بيقين، وإذا لم يكفر لم تبرأ ذمته بيقين. مسألة 114: إذا قال: لله علي أن أعتكف يوما، لم ينعقد نذره، لأنه لا اعتكاف أقل من ثلاثة أيام على ما بيناه. فإن نذر اعتكاف ثلاثة أيام، وجب عليه الدخول فيه قبل طلوع الفجر من أول يوم إلى غروب الشمس من اليوم الثالث. وقال الشافعي: إذا قال: لله على أن أعتكف يوما، وجب عليه ذلك (4). وهل يجوز له التفريق أم لا؟ أصحابه على قولين: أحدهما: أن له أن يبتدء قبل طلوع الفجر إلى بعد الغروب، وإن دخل فيه

(1) المجموع 6: 486، وفتح العزيز 6: 486.
(2) الأم 2: 105، والمجموع 6: 527، والمغني لابن قدامة 3: 140، والشرح البير 3: 155، وبلغة السالك 1: 256.
(3) المجموع 6: 527، والمغني لابن قدامة 3: 140، والشرح الكبير 3: 155.
(4) الأم 2: 106، والوجيز 1: 107، والمجموع 6: 494، وبداية المجتهد 1: 304.

[ 239 ]

نصف النهار اعتكف إلى مثل وقته من النصف (1). والقول الآخر عليه وأصحابه وهو المذهب: أن عليه أن يتابع ويدخل فيه قبل طلوع الفجر إلى بعد الغروب، قالوا: لأن اليوم عبارة عن ذلك (2). دليلنا: أنا بينا أن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم، ولا يكون أقل من ثلاثة أيام، فإذا ثبت ذلك فالصوم لا ينعقد إلا من عند طلوع الفجر الثاني إلى بعد الغروب، والثلاثة أيام مثل ذلك. وأيضا فما اعتبرناه لا خلاف أنه يجزي، وما ذكروه لا دليل على جوازه. مسألة 115: إذا قال لله علي أن أعتكف ثلاثة أيام بلياليهن، لزمه ذلك. فإن قال: متتابعة لزمه بينها ليلتان، وإن لم يشرط المتابعة جاز له أن يعتكف نهارا ثلاثة أيام لا للياليهن. وقال أصحاب الشافعي: إذا أطلق على وجهين: أحدهما: يلزمه ثلاثة أيام بينهما الليلتان. والآخر: أنه يلزمه بياض ثلاثة أيام فحسب، وعليه أصحابه (3). وقال محمد بن الحسن: يلزمه ثلاثة أيام بلياليها (4). دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، والذي وجب عليه بالنذر الاعتكاف ثلاثة أيام، واليوم عبارة عما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، هكذا ذكره الخليل (5)

(1) الأم 2: 106، والمجموع 6: 494 - 495، وفتح العزيز 6: 508، ومغني المحتاج 1: 456، والسراج الوهاج: 149.
(2) الأم 2: 106، ومختصر المزني: 61، والوجيز 1: 107، والمجموع 6: 494، وفتح العزيز 6: 508، ومغني المحتاج 1: 456، والسراج الوهاج: 149.
(3) المجموع 6: 496 - ظ 497 (4) بدائع الصنائع 2: 110.
(5) أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد بن عمر بن تميم الفراهيدي الأزدي، من كبار أصحابنا المجتهدين، من أئمة اللغة والأدب، وأول من وضع علم العروض، أخذ عنه سيبويه، ولد سنة 100 في البصرة ومات فيها سنة 175. انظر تنقيح المقال 1: 402، وتأسيس الشيعة: 150 و 178، =

[ 240 ]

وغيره من أهل اللغة (1)، والليل لم يجر له ذكر، فوجب أن لا يلزمه. مسألة 116: لا يجوز للمعتكف استعمال شئ من الطيب. وقال الشافعي: يجوز ذلك (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا إذا لم يستعمل الطيب يصح اعتكافه بلا خلاف، وإذا استعمل ففي صحته خلاف. مسألة 117: المعتكفة إذا مات زوجها أو طلقها، خرجت وبنت على اعتكافها إذا فرغت. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: تستأنف، والآخر: تبني (3). دليلنا: إن إعادة الاعتكاف يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 118: من أكل طعاما في المسجد يحتاج إلى غسل يده، فالأولى أن يغسلها في الطست ويقلب الماء إلى خارج المسجد، فإن خرج فغسل يده لم يبطل اعتكافه. وقال الشافعي: يبطل (4). دليلنا: إن هذا خروج محتاج إليه، وقد استثنى ذلك عليه. مسألة 119: من لا تجب عليه الجمعة من عبد، أو امرأة، أو أمة، أو أم

= وتهذيب التهذيب 3: 163، وشذرات الذهب 1: 257، ومرآة الجنان 1: 262، ومعجم الأدباء 4: 181، وروضات الجنات 3: 289، وبغية الوعاة: 244. (1) انظر تاج العروس 9: 115.
(2) الأم 2: 108، ومختصر المزني: 61، والوجيز 1: 106، والمجموع 6: 536، وفتح العزيز 6: 483، ومغني المحتاج 1: 452، والسراج الوهاج: 148.
(3) الأم 2: 108، ومختصر المزني: 61، والمجموع 6: 519، وفتح العزيز 6: 538.
(4) انظر المجموع 6: 503.

[ 241 ]

ولد، أو مسافر لا يصح منه الإعتكاف إلا في المساجد الأربعة. وقال الشافعي: يعتكفون حيث شاءوا (1). دليلنا: عموم الأخبار الواردة في ذلك (2). وأيضا لا خلاف أن اعتكافهم في هذه المواضع صحيح، ولا دليل على صحة ما قالوه. مسألة 120: إذا نذر اعتكاف أيام إذا فعل فعلا، أو امتنع منه، لا على وجه القربة، بل على وجه منع النفس منه، مثل أن يقول: إن دخلت الدار، أو إن لم أدخل الدار، كان بالخيار بين الوفاء به وبين أن لا يفي به. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (3)، والآخر: عليه كفارة يمين (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، ولا يجوز شغلها إلا بدليل. وأيضا فقد روي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: لا نذر إلا ما أريد به وجه الله (5). مسألة 121: إذا نذر أن يعتكف في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، أو في مسجد الكوفة، أو مسجد البصرة، لزمه الوفاء به، ولا يجوز في غيرها.

(1) الأم 2: 108، ومختصر المزني: 61، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 132.
(2) الكافي 4: 176 حديث 1 و 3، ومن لا يحضره الفقيه 2: 120 حديث 519 و 521، والتهذيب 4: 290 حديث 882 و 884.
(3) المجموع 6: 542.
(4) المصدر السابق.
(5) انظر باب النذر من كتاب الكافي 7: 454، والفقيه 3: 227، والتهذيب 8: 303 في معنى هذا الحديث.

[ 242 ]

وقال الشافعي: إن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام لزمه الوفاء به، وإن كان مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، أو مسجد الأقصى فعلى قولين، وإن كان غيرها فله أن يعتكف حيث شاء (1). دليلنا: إنا بينا أن الاعتكاف لا يكون إلا في هذه المواضع، فإن نذر في غيرها لا ينعقد نذره، فأما هذه المساجد فإذا نذر على وجه القربة وجب عليه الوفاء به، لأنه لا دليل على التخيير فيه، والذي نذره شئ معين، فلا يجوز خلافه.

(1) الوجيز 1: 107، والمجموع 6: 479، وفتح العزيز 6: 503، والسراج الوهاج: 148، والمنهاج القويم 398، ومغني المحتاج 1: 451.

[ 243 ]

كتاب الحج

[ 245 ]

مسألة 1: ليس من شرط وجوب الحج الاسلام، لأن الكافر يجب عليه عندنا جميع العبادات. وقال الشافعي: الاسلام من شرط وجوبه (1). دليلنا: قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت " (2) ولم يفصل. وقوله تعالى: " وأتموا الحج والعمرة لله " (3) ولم يفصل بين الكافر والمسلم. وأيضا جميع الأخبار الواردة بوجوب الحج. تتناول الجميع (4). مسألة 2: من شروط وجوب الحج، الرجوع إلى كفاية زائدا على الزاد والراحلة. ولم يعتبر ذلك أحد من الفقهاء إلا ما حكي عن ابن سريج أنه قال: لو كانت له بضاعة يتجر بها، ويربح قدر كفايته، إعتبرنا الزاد والراحلة في الفاضل عنها، ولا يحج ببضاعته (5). وخالفه جميع أصحاب الشافعي (6).

(1) الوجيز 1: 108، والمجموع 7: 18، وفتح العزيز 7: 6، ومغني المحتاج 1: 461، وكفاية الأخيار 1: 134، والمنهاج القويم: 402، والسراج الوهاج: 151، وفتح القريب: 36، وحاشية الشرقاوي 1: 4 461 (2) آل عمران: 97.
(3) البقرة: 196.
(4) انظر التهذيب 5: 459 حديث 1593، والكافي 4: 264 باب فرض الحج والعمرة حديث 1 و 3.
(5) المجموع 7: 73، وفتح العزيز 7: 14.
(6) المجموع 7: 73 - 74، وفتح العزيز 7: 14، وكفاية الأخيار 1: 135.

[ 246 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، وعند حصول ما قلناه لا خلاف في وجوبه، وقبل حصوله ليس على وجوبه دليل. مسألة 3: من لم يجد الزاد والراحلة لا يجب عليه الحج، فإن حج لم يجزه وعليه الإعادة إذا وجدهما. وقال باقي الفقهاء: أجزأه (1). دليلنا: إن الله تعالى علق الوجوب على المستطيع (2)، فمن قال: إن غير المستطيع إذا حج أجزأ عنه إذا كان مستطيعا، فعليه الدلالة. وأيضا عليه إجماع الفرقة. وأيضا فإذا استطاع وأعاد برئت ذمته بيقين، وإن لم يعد فليس على برائتها دليل. مسألة 4: المستطيع ببدنه، الذي يلزمه فعل الحج بنفسه، أن يكون قادرا على الكون على الراحلة، ولا يلحقه مشقة غير محتملة في الكون عليها، فإذا كانت هذه صورته فلا يجب عليه فرض الحج إلا بوجود الزاد والراحلة. فإن وجد أحدهما لا يجب عليه فرض الحج، وإن كان مطيقا للمشي، قادرا عليه. وبه قال في الصحابة ابن عباس، وابن عمر (3)، وفي التابعين الحسن البصري، وسعيد بن جبير (4)، وفي الفقهاء الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (5).

(1) فتاوى قاضيخان 1: 281، وبدائع الصنائع 2: 122، ومغني المحتاج 1: 462، والسراج الوهاج: 151.
(2) لقوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " آل عمران: 97.
(3) المجموع 7: 66، وبداية المجتهد 1: 309، والجامع لأحكام القرآن 4: 147.
(4) المجموع 7: 78، وعمدة القاري 9: 126، والجامع لأحكام القرآن 4: 147.
(5) النتف 1: 201 - 202، واللباب 1: 177، وعمدة القاري 9: 126، والمجموع 7: 66 و 78، وفتح العزيز 7: 10، والمغني لابن قدامة 3: 168، والجامع لأحكام القرآن 4: 147 ومغني المحتاج 1: 463، وبداية المجتهد 1: 309، وكفاية الأخيار 1: 134.

[ 247 ]

وقال مالك: إذا كان قادرا على المشي لم تكن الراحلة شرطا في حقه، بل من شرطه أن يكون قادرا على الزاد. والقدرة على الزاد تختلف، فإن كان مالكا له لزمه، وإن لم يكن مالكا له وكان ذا صناعة كالتجارة والخياطة والحجامة وما يكتسب به الزاد في طريقه لزمه، وإن لم يكن ذا صناعة لكن من عادته مسألة الناس فهو واجد. فعنده القدرة على المشي كالراحلة، والقدرة على كسب الزاد بصنعه أو بمسألة الناس كوجود الزاد (1). وبمثله قال ابن الزبير، والضحاك (2) (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فأن الأصل براءة الذمة، ولا خلاف أن من اعتبرناه يجب عليه الحج، وليس على قول من خالف دليل. وأيضا قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " (4) والاستطاعة تتناول القدرة وجميع ما يحتاج إليه، فيجب أن يكون من شرطه. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الاستطاعة الزاد والراحلة " لما سئل عنها. وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وأنس بن

(1) مقدمات ابن رشد 1: 288، والمغني لابن قدامة 3: 168، وبلغة السالك 1: 263، والجامع لأحكام القرآن 4: 148، وبدائع الصنائع 2: 122، والمجموع 7: 78، ونيل الأوطار 5: 13، وفتح العزيز 7: 10، والبحر الزخار 7: 10، والبحر الزخار 3: 282.
(2) الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الخراساني، روى عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم، وعنه جويبر بن سعيد والحسن بن يحيى البصري وحكيم بن الديلم، وطائفة أخرى. مات سنة 106 هجرية وقيل 105 وطبقات الفقهاء: 77، وتهذيب التهذيب 4: 453. (3) الجامع لأحكام القرآن 4: 148، والبحر الزخار 3: 282، وعمدة القاري 9: 126، والمغني لابن قدامة 3: 168.
(4) آل عمران: 97.

[ 248 ]

مالك، ورواه أيضا علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله (1). مسألة 5: إذا وجد الزاد والراحلة، ولزمه فرض الحج، ولا زوجة له، بدأ بالحج دون النكاح، سواء خشي العنت أو لم يخش. وقال الأوزاعي: إن خشي العنت فالنكاح أولى، وإن لم يخف العنت فالحج أولى. وقال أصحاب الشافعي: ليس لنا فيها نص، غير أن الذي قاله الأوزاعي قريب (2). دليلنا: قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " (3) وهذا قد استطاع، فمن أجاز تقديم النكاح عليه فعليه الدلالة، على أن الحج فرض عند وجود الزاد والراحلة، وحصول كمال الاستطاعة بلا خلاف، وهو على الفور عندنا على ما سنبينه، والنكاح مسنون عند الأكثر، فلا يجوز له العدول عن الفرض إلى النفل إلا بدليل. مسألة 6: الذي لا يستطيع الحج بنفسه، وأيس من ذلك إما بأن لا يقدر على الكون على الراحلة، أو يكون به سبب لا يرجى زواله وهو العضب، والضعف الشديد من الكبر، أو ضعف الخلقة بأن يكون ضعيف الخلقة في بدنه لا يقدر أن يثبت على مركب، يلزمه فرض الحج في ماله، بأن يكتري من الحج عنه، فإن فعل ذلك سقط الفرض. وبه قال في الصحابة علي عليه السلام (4)، وفي الفقهاء الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد،

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 25، وسنن الترمذي 3: 177 حديث 813 و 5: 325 حديث 2998 و 5: 418 حديث 3316 نحوه، وسنن ابن ماجة 2: 967 حديث 2896 و 2897، والدر المنثور 2: 56، وسنن الدارقطني 2: 215 حديث 1 و 16.
(2) انظر المجموع: 7: 72، وفتح العزيز 1: 135، وكفاية الأخيار 1: 135.
(3) آل عمران: 97.
(4) المجموع 7: 100، والجامع لأحكام القرآن 4: 151.

[ 249 ]

وإسحاق (1). وقال مالك فرض الحج لا يتوجه على من لا يقدر عليه بنفسه، فإن كان معضوبا لم يجب الحج عليه، ولا يجوز أن يكتري من يحج عنه، فإن أوصى أن يحج عنه حج عنه من الثلث (2). وحكي عنه أنه قال: لو عضب بعد وجوب الحج عليه سقط عنه فرضه (3). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، لأنه إذا فعل ما قلناه برئت ذمته بيقين، وإذا لم يفعل فليس على براءة ذمته دليل. وروي عن علي عليه السلام أنه قال لشيخ كبير لم يحج: إن شئت فجهز رجلا يحج عنك (4). وروى سفيان عن عيينة عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس أن امرأة من خثعم سألت رسول الله عليه وآله فقالت: إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على راحلة، فهل ترى أن أحج عنه؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم. وفي رواية عمرو بن دينار عن الزهري مثله، وزاد: فقالت: يا رسول الله فهل ينفعه ذلك؟ فقال: نعم كما لو كان عليه دين تقضيه نفعه (5).

(1) الأم 2: 123، والمجموع 7: 93 - 94 و 100، الجامع لأحكام القرآن 4: 151، وفتح العزيز 7: 44، والمغني لابن قدامة 3: 181، ومغني المحتاج 1: 469.
(2) المغني لابن قدامة 3: 181، والجامع لأحكام القرآن 4: 150، والمجموع 7: 100 - 101، وفتح العزيز 7: 44، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 289.
(3) الجامع لأحكام القرآن 4: 150.
(4) الكافي 4: 272 حديث 1 و 2، ومن لا يحضره الفقيه 2: 260 حديث 1263، والتهذيب 5: 460 حديث 1599.
(5) صحيح البخاري 2: 155، وسنن ابن ماجة 2: 970 حديث 2906 - 2909، وموطأ مالك 1: 359 حديث 97، وسنن الدارمي 2: 40، وسنن أبي داود 2: 161 حديث 1809 و 1810، مسند =

[ 250 ]

مسألة 7: إذا استطاع بمن يطيعه بالحج عنه لا يلزمه فرض الحج إذا لم يكن مستطيعا بنفسه، ولا بماله، وبه قال مالك وأبو حنيفة (1). وقال الشافعي: يلزمه فرض الحج (2). دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، وليس في الشرع ما يدل على ذلك. وأيضا قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " وهذا ما استطاع. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إن الاستطاعة هي الزاد والراحلة " (4). وإذا كان هذا غير واحد للزاد والراحلة لا يلزمه. مسألة 8: إذا كان لولده مال، روى أصحابنا أنه يجب عليه الحج، ويأخذ منه قدر كفايته ويحج به، وليس للإبن الامتناع منه. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: الأخبار المروية في هذا المعنى من جهة الخاصة قد ذكرناها في الكتاب الكبير (5) وليس فيها ما يخالفها تدل على إجماعهم على ذلك.

= أحمد بن حنبل 4: 5، وسنن النسائي 5: 117، وصحيح مسلم 2: 973 حديث 1334، والسنن الكبرى 4: 328، وسنن الترمذي 3: 267 حديث 928. (1) الجامع لأحكام القرآن 4: 151، والمجموع 7: 101.
(2) الأم 2: 113، والجامع لأحكام القرآن 4: 151، والمجموع 7: 93 و 101، ومغني المحتاج 1: 470.
(3) آل عمران: 97.
(4) سنن الترمذي 3: 177 حديث 813 و 5: 325 حديث 2998 و 3316، وسنن ابن ماجة 2: 967 حديث 2896 و 2897، وسنن الدارقطني 2: 215 حديث 1 و 6، وأحكام القرآن للجصاص 2: 25، والدر المنثور 2: 56 ذيل تفسير الآية.
(5) انظر التهذيب 5: 15 عند قول الشيخ المفيد قدس سره: فإن كان الرجل لا مال له.

[ 251 ]

وأيضا قوله تعالى: " أنت ومالك لأبيك " (1). فحكم أن ملك الإبن مال الأب، وإذا كان له فقد وجد الاستطاعة فوجب عليه الحج مسألة 9: إذا بذل له الاستطاعة، لزمه فرض الحج. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (2). والثاني: وهو الذي يختارونه أنه لا يلزمه (3). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار الواردة في هذا المعنى (4). وأيضا قوله تعالى: " من استطاع إليه سبيلا " (5) وهذا قد استطاع. مسألة 10: إذا كانت به علة يرجى زوالها مثل الحمى وغيرها، فأحج رجلا عن نفسه ثم مات، أجزأه عن حجة الاسلام. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يجزيه (6)، والآخر: لا يجزيه، وهو الذي يختارونه (7). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار المروية عنه في هذا المعنى. مسألة 11: المعضوب الذي لا يرجى زواله، مثل أن يكون خلق نضوا (8) يجب أن يحج رجلا عن نفسه، فإذا فعل ثم برأ يجب عليه أن يحج بنفسه حجة الاسلام. وبه قال الشافعي في الأم (9).

(1) سنن ابن ماجة 2: 769 حديث 2291 و 2292، ومسند أحمد بن حنبل 2: 179 و 204 و 214، ولفظ الحديث فيهما: " أنت ومالك لوالدك ".
(2) المجموع 7: 93، وفتح العزيز 7: 45، ومغني المحتاج 1: 470.
(3) المصادر السابقة.
(4) الكافي 3: 266 حديث 1، والمقنعة: 71، ومن لا يحضره الفقيه 2: 259 حديث 1256، والتهذيب 5: 3 حديث 3 و 4، الاستبصار 2: 140 حديث 455 و 456.
(5) آل عمران: 97.
(6) المجموع 7: 112 - 113، وفتح العزيز 7: 42.
(7) نفس المصدر.
(8) أي مهزولا. انظر النهاية 5: 72 مادة (نضا).
(9) الأم 2: 114 و 123، والمجموع 7: 115، وفتح العزيز 7: 42.

[ 252 ]

وفي أصحابه من قال: المسألة على قولين مثل العليل الذي يرجى زواله (1). دليلنا: قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " (2) وهذا قد استطاع، فوجب أن يحج بنفسه. وما فعل أولا كان لزمه في ماله، فإجزائه عما يجب عليه في بدنه يحتاج إلى دليل. مسألة 12: إذا أوصى المريض بحجة تطوع، أو استأجر من يحج عنه تطوعا فإنه جائز. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي (3). والقول الآخر: لا يجزي ولا الوصية به (4). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار التي وردت في فضل الحج، ومن يعطي غيره ما يحج به عنه، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير (5). مسألة 13: إذا أحرم بالحج عن غيره نيابة، ثم نقل النية إلى نفسه لا يصح نقلها. فإذا أتم حجه لم تسقط أجرته عمن كان استأجره. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: لا شئ له (6)، والآخر: وهو الذي يختارونه مثل قولنا من أن له أجرة (7). دليلنا: أن الأجرة استحقها بنفس العقد، وبالدخول في الاحرام انعقد الحج عن المستأجر، ونيته ما أثرت في النقل، وجب أن يكون استحقاق الأجرة

(1) الوجيز 1: 110، والمجموع 7: 115، وفتح العزيز 7: 42.
(2) آل عمران: 97.
(3) حاشية الخرشي 2: 296، وبداية المجتهد 1: 310، وبدائع الصنائع 2: 124، وفتاوى قاضيخان 1: 282، والمجموع 7: 114، وفتح العزيز 7: 40،، والأم 2: 122، والوجيز 1: 110.
(4) الأم 2: 122، والمجموع 7: 122 و 114، وفتح العزيز 7: 40، (5) من لا يحضره الفقيه 2: 140 حديث 608، والتهذيب 8: 40 حديث 121، والاستبصار 3: 279 حديث 992.
(6) و (7) الأم 2: 125، والوجيز 1: 113، والمجموع 7: 137 - 138.

[ 253 ]

ثابتا، لأن إسقاطه يحتاج إلى دليل. مسألة 14: إذا استأجر الصحيح من يحج عنه الحجة الواجبة، لا يجزيه بلا خلاف، وإن استأجر من يحج عنه تطوعا أجزأه. وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: لا يجوز أن يستأجر لا نفلا ولا فرضا (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم الواردة في ذلك (3)، وأيضا الأصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 15: الأعمى يتوجه إليه فرض الحج إذا كان له من يقوده ويهديه، ووجد الزاد والراحلة لنفسه ولمن يقوده، ولا يجب عليه الجمعة. وقال الشافعي: يجب عليه الحج والجمعة معا (4). وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه الحج وإن وجد جميع ما قلناه (5). دليلنا: قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " (6) وهذا مستطيع، فمن أخرجه عن العموم فعليه الدلالة. مسألة 16: من استقر عليه وجوب الحج فلم يفعل ومات، وجب أن يحج عنه من صلب ماله مثل الدين، ولم تسقط بوفاته، هذا إذا أخلف مالا، فإن لم يخلف مالا كان وليه بالخيار في القضاء عنه. وبه قال الشافعي، وعطاء، وطاووس (7).

(1) المغني لابن قدامة 3: 185، والمجموع 7: 116، وفتح العزيز 7: 41، والبحر الزخار 3: 285.
(2) الأم 2: 122 - 123، والمجموع 7: 114 و 116، والمغني لابن قدامة 3: 185، والبحر الزخار 3: 285.
(3) تقدمت الإشارة إليها في المسألة " 12 ".
(4) الوجيز 1: 110، والمجموع 7: 85، والبحر الزخار 3: 283، والمنهاج القويم: 408.
(5) الفتاوى الهندية 1: 218، وفتاوى قاضيخان 1: 282، وبدائع الصنائع 2: 121، والبحر الزخار 3: 283، والهداية 1: 134، وشرح العناية 2: 125، وشرح فتح القدير 2: 125، والمجموع 7: 85.
(6) آل عمران: 97.
(7) الأم 2: 125، ومختصر المزني: 62، والمجموع 7: 109 و 112، وسنن الترمذي 3: 267، وعمدة القاري 10: 213، والمغني لابن قدامة 3: 198، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 196.

[ 254 ]

وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بوفاته، بمعنى أنه لا يفعل عنه بعد وفاته، وحسابه على الله يلقاه، والحج في ذمته. وإن كان أوصى حج عنه من ثلثه ويكون تطوعا لا يسقط الفرض به عنه. وهكذا يقول في الزكوات، والكفارات، وجزاء الصيد كلها تسقط بوفاته، ولا تفعل عنه بوجه (1). دليلنا: إجماع الفرقة والأخبار التي ذكرناها في الكتاب الكبير (2)، ويدل عليه خبر الخثعمية أيضا (3). مسألة 17: سكان الجزائر والسواحل الذين لا طريق لهم غير البحر، يلزمهم ركوبه إلى الحج إذا غلب في ظنهم السلامة، فإن غلب في ظنهم العطب لا يجب عليهم ذلك. واختلف قول الشافعي في ذلك (4). واختلف أصحابه على طريقين، فقال الاصطخري والمروزي: المسألة على اختلاف حالين: إذا كان الغالب الهلكة كالبر إذا كان مخوفا لا يلزمه. والآخر: إذا كان الغالب السلامة، يلزمه وإن جوز حدوث حادثة في الطريق (5). ومن أصحابه من قال: إذا غلب في ظنه الهلكة لم يجب قولا واحدا، وإن

(1) المجموع 7: 112، وعمدة القاري 10: 214، والمغني لابن قدامة 3: 198، والشرح الكبير 3: 196، والبحر الزخار 3: 285.
(2) من لا يحضره الفقيه 2: 270 حديث 1315 و 1320، والتهذيب 5: 15 حديث 41 و 43. (3) تقدمت مصادر الحديث في المسألة 6 من هذا الكتاب فلاحظ.
(4) الأم 2: 120، ومختصر المزني: 62، والوجيز 1: 109، والمجموع 7: 83، وفتح العزيز 7: 17، والمنهاج القويم: 405، والسراج الوهاج: 152 - 153، والبحر الزخار 3: 283.
(5) المجموع 7: 83، وفتح العزيز 7: 19.

[ 255 ]

غلب على ظنه السلامة فعلى قولين (1). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، ومع غلبة الظن قد حصلت التخلية، لأن القطع على السلامة ليس في موضع، ولم يقم دليل على وجوبه مع ظنه الهلكة في ذلك. مسألة 18: من مات وكان قد وجب عليه الحج، وعليه دين، نظر فإن كانت التركة تكفي للجميع أخرج عنه الحج ويقضي الدين من صلب المال، وإن لم يسع المال قسم بينهما بالسوية، والحج يجب إخراجه من الميقات دون بلد الميت. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها مثل ما قلناه (2). والثاني: إنه يقدم دين الآدميين (3). والثالث: يقدم دين الله تعالى (4). دليلنا: إنهما جميعا دينان، وليس أحدهما أولى من صاحبه، فوجب أن يقسم بينهما. مسألة 19: من قدر على الحج عن نفسه، فلا يجوز أن يحج عن غيره، وإن كان عاجزا عن الحج عن نفسه لفقد الاستطاعة جاز له أن يحج عن غيره. وبه قال الثوري (5). وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز له أن يحج عن غيره على كل حال، قدر عليه أو لم يقدر (6).

(1) المجموع 7: 83، وفتح العزيز 7: 18، وكفاية الأخيار 1: 135، والسراج الوهاج 152 - 153.
(2) الوجيز 1: 86، والمجموع 7: 109.
(3) الوجيز 1: 86، والمجموع 6: 232 و 7: 110.
(4) الوجيز 1: 86، والمجموع 6: 231 و 7: 110، وسبل السلام 2: 699.
(5) المغني لابن قدامة 3: 201، والشرح الكبير 3: 208.
(6) عمدة القاري 9: 127، وبداية المجتهد 1: 310، والمغني لابن قدامة 3: 201، والشرح الكبير 3: 208، والوجيز 1: 110، والمجموع 7: 118، وفتح العزيز 7: 34.

[ 256 ]

وكذلك يجوز له أن يتطوع به وعليه فرض نفسه (1). وبه نقول. وقال الشافعي: كل من يحج حجة الاسلام لا يصح أن يحج عن غيره، فإن حج عن غيره أو تطوع بالحج انعقد إحرامه عما يجب عليه، سواء كانت حجة الاسلام أو واجبا عليه بالنذر. وإن كانت عليه حجة الاسلام فنذر حجة فأحرم بالنذر انعقد عن حجة الاسلام. وبه قال ابن عباس، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل جوازه والمنع يحتاج إلى دليل، وكذلك إجازته مطلقا يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. فأما الدليل على أنه نوى التطوع وقع عنه لا عن حجة الاسلام قوله عليه السلام: " الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى " (3) وهذا نوى التطوع، وجب أن يقع عما نوى عنه. مسألة 20: من نذر أن يحج، ولم يحج حجة الاسلام، وحج بنية النذر، أجزأ عن حجة الاسلام على ما وردت به بعض الروايات. وفي بعض الأخبار أن ذلك لم يجزيه عن حجة الاسلام، وهو الأقوى عندي. وقال الشافعي: لا يقع إلا عن حجة الاسلام (4).

(1) الوجيز 1: 110، والمجموع 7: 117 - 118، وبداية المجتهد 1: 310، والمغني لابن قدامة 3: 201، والشرح الكبير 3: 207، وعمدة القاري 9: 127.
(2) الأم 2: 122، والمجموع 7: 118، وفتح العزيز 7: 34، والمغني لابن قدامة 3: 201، والشرح الكبير 3: 207، وعمدة القاري 9: 127.
(3) أمالي الشيخ الطوسي 2: 231، والتهذيب 4: 186 حديث 519، وصحيح البخاري 1: 4، ومسند أحمد 1: 25، وسنن ابن ماجة 2: 1413 حديث 4227، وصحيح مسلم 3: 1515 حديث 155، وسنن أبي داود 2: 262 حديث 2201.
(4) المجموع 7: 117.

[ 257 ]

دليلنا على ذلك: إنهما فرضان، أحدهما: حجة الاسلام، والآخر: بالنذر، فإجزاء أحدهما عن الآخر يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 21: يجوز للعبد أن يحج عن غيره من الأحرار إذا أذن له مولاه. وقال الشافعي: لا يجوز له ذلك (1). دليلنا: إنه لا مانع يمنع عنه في الشرع، فيجب جوازه. وأيضا الأخبار المروية في جواز حج الرجل عن الرجل (2) تتناول الحر والعبد، فوجب حملها على العموم. مسألة 22: الحج وجوبه على الفور دون التراخي، وبه قال مالك، وأبو يوسف، والمزني (3). وليس لأبي حنيفة فيه نص، وقال أصحابه: يجئ على قوله أنه على الفور كقول أبي يوسف (4). وقال الشافعي: وجوبه على التراخي (5) - معناه أنه بالخيار إن شاء قدم وإن شاء آخر والتقديم أفضل - وبه قال الأوزاعي، والثوري، ومحمد (6). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون، وأيضا طريقة الاحتياط تقتضيه.

(1) المجموع 7: 114.
(2) انظر الفقيه 2: 271 حديث 1323.
(3) مقدمات ابن رشد 1: 288، والمغني لابن قدامة 3: 196، وبداية المجتهد 1: 310، والمجموع 7: 103، وفتح العزيز 7: 31، وشرح فتح القدير 2: 123، والهداية 1: 134.
(4) الفتاوى الهندية 1: 216، وفتاوى قاضيخان 1: 284، والهداية 1: 134، وشرح فتح القدير 2: 123 وبداية المجتهد 1: 311، والمجموع 7: 103، والمغني لابن قدامة 3: 196، وشرح العناية 2: 123.
(5) الأم 2: 118، والوجيز 1: 110، والمجموع 7: 103، وفتح العزيز 7: 31، والهداية 1: 134، وبداية المجتهد 1: 311، والمغني لابن قادمة 3: 196، وشرح العناية 2: 123.
(6) الهداية 1: 134، والفتاوى الهندية 1: 216، وفتاوى قاضيخان 1: 284، وشرح العناية 2: 123، والمجموع 7: 103.

[ 258 ]

وأيضا فقد ثبت أنه مأمور به، والأمر عندنا يقتضي الفور على ما بيناه في أصول الفقه. وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من أراد الحج فليعجل " (2) فقد أمر بتعجيله وأيضا روى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى الحج ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ".
(3) فتوعده على التأخير، فلولا أنه يقتضي الفور لم يوعده على تأخيره. مسألة 23: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فإذا طلع الفجر قد انقضت أشهر الحج. وبه قال الشافعي، وابن مسعود، وابن الزبير.
(4) وقال أبو حنيفة: شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة. فجعل يوم النحر آخرها، فإذا غربت الشمس منه فقد خرجت أشهر الحج.
(5) وقد روى ذلك أصحابنا.
(6)

(1) عدة الأصول: 85 (طبعة بمبي).
(2) سنن ابن ماجة 2: 962 حديث 2883، وسنن أبي داود 2: 141، حديث 1732، ومستدرك الحاكم 1: 488، ومسند أحمد 1: 214، وسنن البيهقي 4: 340.
(3) رواه الترمذي في سننه 3: 154 حديث 809 عن حارث عن علي عليه السلام.
(4) مختصر المزني: 63، والوجيز 1: 113، والمجموع 7: 140 و 145، وفتح العزيز 7: 74، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 131، وبداية المجتهد 1: 315، والتفسير الكبير للرازي 5: 161، والمغني لابن قدامة 3: 268، والشرح الكبير 3: 230.
(5) الهداية 1: 159، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 131، والمغني لابن قدامة 3: 268، والتفسير الكبير للرازي 5: 161، والمجموع 7: 145 - 146، وبداية المجتهد 1: 315.
(6) رواه الشيخ الكليني في الكافي 4: 290 حديث 3.

[ 259 ]

وقال مالك: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة ثلاثة أشهر كاملة. (1) وقد روي ذلك في بعض رواياتنا.
(2) وعن ابن عمرو ابن عباس روايتان كقولنا وقول مالك.
(3) دليلنا: إجماع الفرقة على أن أشهر الحج يصح أن يقع فيه الاحرام بالحج، ولا يصح الاحرام بالحج إلا في الأشهر التي ذكرناها، لأنه إذا طلع الفجر من يوم النحر فقد فات وقت الاحرام بالحج، ولهذا رجحنا هذه الرواية على الروايات الباقية. وأيضا فما اعتبرناه مجمع عليه على أنه من أشهر الحج، وليس على قول من قال بخلافه دليل. مسألة 24: لا ينعقد الاحرام بالحج ولا العمرة التي يتمتع بها إلى الحج إلا في أشهر الحج، فإن أحرم في غيرها انعقد إحرامه بالعمرة. وبه قال جابر بن عبد الله، وابن عباس، وعطاء، وعكرمة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ومالك، والشافعي (4). وقال أبو حنيفة والثوري: ينعقد في غيرها إلا أن الاحرام فيها أفضل وهو

(1) الموطأ 1: 344، ومقدمات ابن رشد 1: 290، وبداية المجتهد 1: 315، والمغني لابن قدامة 3: 268، والشرح الكبير 3: 230، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 131، والتفسير الكبير 5: 160، والمجموع 7: 145.
(2) الكافي 4: 289 حديث 1 و 2، والفقيه 2: 197 حديث 899، والتهذيب 5: 46 حديث 139، والاستبصار 2: 160 حديث 520.
(3) صحيح البخاري 2: 173، والموطأ 1: 344 حديث 62، وأحكام القرآن للجصاص 1: 299، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 131، والمجموع 7: 145، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 230.
(4) مختصر المزني: 63، وأحكام القرآن للجصاص 1: 300، والوجيز 1: 113، والمجموع 7: 144، والمغني لابن قدامة 3: 231، والشرح الكبير 3: 229، وبداية المجتهد 1: 315، والسراج الوهاج: 156.

[ 260 ]

المسنون، وإذا أحرم في غيرها أساء وانعقد إحرامه (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف أن الاحرام بالحج ينعقد في الأشهر التي قدمنا ذكرها، وليس على قول من قال بانعقادها في غيرها دليل. مسألة 25: جميع السنة وقت العمرة المبتولة، (2) ولا تكره في شئ منها. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: تكره في خمسة أيام، وهي أيام أفعال الحج، عرفة والنحر، والتشريق (4). وقال أبو يوسف: تكره في أربعة أيام النحر والتشريق (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا ما دل على وجوب العمرة أو ندبها لم يخصص بوقت دون وقت، وكراهتها في وقت يحتاج إلى دليل. مسألة 26: يجوز أن يعتمر في كل شهر، بل في كل عشرة أيام. وقال أبو حنيفة والشافعي: له أن يعتمر ما شاء (6). وقال مالك: لا يجوز إلا مرة، (7) وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي، وابن

(1) النتف 1: 208، وشرح فتح القدير 2: 133، وأحكام القرآن للجصاص 1: 300، والمجموع 7: 144، وفتح العزيز 7: 75، والمغني لابن قدامة 3: 231، والشرح الكبير 3: 229.
(2) قال الشيخ الطريحي في مجمع البحرين 5: 317 (مادة بتل): والمبتول، المقطوع. ومنه الحج المبتول، والعمرة المبتولة.
(3) الأم 2: 134، والوجيز 1: 113، والمجموع 7: 147 - 148، وعمدة القاري 10: 108، وفتح العزيز 7: 76.
(4) المبسوط 4: 172، والفتاوى الهندية 1: 237، وفتاوى قاضيخان 1: 301، والمجموع 7: 148، وبداية المجتهد 1: 315، وعمدة القاري 10: 108، وفتح الباري 3: 598، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 230.
(5) عمدة القاري 10: 108، وفتاوى قاضيخان 1: 301.
(6) الأم 2: 135، والوجيز 1: 113، والمجموع 7: 149، وفتح العزيز 7: 77، وعمدة القاري 10: 108، والمغني لابن قدامة 3: 178.
(7) المغني لابن قدامة 3: 178، والمبسوط 4: 172، وعمدة القاري 10: 108، وفتح الباري 3: =

[ 261 ]

سيرين (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وكل خبر ورد في الحث على العمرة لم يخصص بعدد دون عدد. وروي عن علي عليه السلام أنه قال: في كل شهر عمرة، أو في كل عشرة أيام عمرة (2). واعتمر ابن عمر أعواما في كل عام عمرتين، في أيام ابن الزبير (3). وروى القاسم بن محمد أن عائشة اعتمرت في شهر واحد عمرتين، فقال رجل للقاسم: فما أنكرتم عليها؟ فقال القاسم: أم المؤمنين كيف ينكر عليها، فاستحيى الرجل (4). وأنس كلما حمم (5) رأسه اعتمر - يعني نبت شعره - (6) ولا مخالف لهم في الصحابة. مسألة 27: لا يجوز إدخال الحج على العمرة، ولا إدخال العمرة على الحج إذا كان أحرم بالحج وحده، بل كل واحد منهما له حكم نفسه. فإن أحرم بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج، فضاق عليه الوقت، أو حاضت المرأة جعله حجة مفردة ومضى فيه. وإن أحرم بالحج مفردا ثم أراد التمتع، جاز له أن يتحلل

= 472، وفتح العزيز 7: 77. (1) المجموع 7: 149، والمغني لابن قدامة 3: 178.
(2) انظر صحيح البخاري 3: 2، وسنن البيهقي 4: 343 - 344، والكافي 4: 252 حديث و 2.
(3) حكاه ابن قدامة عن مسند الشافعي. انظر المغني 3: 178.
(4) حكى ابن قدامة أيضا في المغني 3: 178 إن عائشة اعتمرت في شهر مرتين، وحكى البيهقي في سننه 4: 344 عن القاسم عن عائشة أنها اعتمرت في سنة ثلاث مرات، قلت: عاب ذلك عليها أحد؟ قال: سبحان الله أم المؤمنين.
(5) قال ابن الأثير في النهاية 1: 444 " ومنه حديث أنس كان إذا حمم رأسه بمكة خرج واعتمر، أي اسود بعد الحلق بنبات شعره. والمعنى أنه كان لا يؤخر العمرة إلى المحرم، وإنما كان يخرج إلى الميقات ويعتمر في ذي الحجة. (6) سنن البيهقي 4: 344، والنهاية لابن الأثير 1: 444 - 445.

[ 262 ]

ثم ينشئ الاحرام بعد ذلك بالحج، فيصير متمتعا. فأما أن يحرم بالحج قبل أن يفرغ من مناسك العمرة، أو بالعمرة قبل أن يفرغ من مناسك الحج، فلا يجوز على حال. وقال جميع الفقهاء يجوز إدخال الحج على العمرة بلا خلاف بينهم. (1) وأما إدخال العمرة على الحج، إذا أحرم بالحج وحده وأراد إدخال العمرة عليه فللشافعي فيه قولان: قال في القديم: يجوز، (2) وبه قال أبو حنيفة (3). وقال في الجديد: لا يجوز، وهو الأصح عندهم (4). دليلنا: على ما فصلناه، إجماع الفرقة، وأما ما ذكروه فليس في الشرع ما يدل عليه، فوجب نفيه. مسألة 28: العمرة فريضة مثل الحج. وبه قال الشافعي في الأم (5) وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وسائر الصحابة، ومن التابعين سعيد بن جبير، وابن المسيب، وعطاء، وفي الفقهاء الثوري، وأحمد، وإسحاق (6). وقال في القديم: سنة مؤكدة، وما علمت أحدا رخص في تركها (7) وإليه

(1) الأم 2: 135، والوجيز 1: 114، والمجموع 7: 170 و 173، وفتاوى قاضيخان 1: 301، وكفاية الأخيار 1: 135.
(2) الوجيز 1: 114، وفتح العزيز 7: 117، والمجموع 7: 170 و 173، وكفاية الأخيار 1: 135.
(3) فتح العزيز 7: 118، والشرح الكبير 3: 245.
(4) الأم 2: 135، والوجيز 1: 114، والمجموع 7: 173، وفتح العزيز 7: 117، وكفاية الأخيار 1: 135.
(5) الأم 2: 132.
(6) المحلى 7: 41، وأحكام القرآن للجصاص 1: 263 و 267، والمستدرك على الصحيحين 1: 471، والتفسير الكبير 5: 141، وتفسير القرطبي 2: 368، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 118، والمجموع 7: 7، وبداية المجتهد 1: 312 وفتح الباري 3: 597، وسبل السلام 2: 694.
(7) الأم 2: 132، والمجموع 7: 4، وعمدة القاري 10: 107. (*

[ 263 ]

أومى في أحكام القرآن، وأمالي حرملة، وبه قال في الصحابة ابن مسعود، وهو قول الشعبي، ومالك، وأبي حنيفة وأصحابه (1). دليلنا: قوله تعالى " وأتموا الحج والعمرة لله " (2) والإتمام لا يتم إلا بالدخول، فوجب الدخول أيضا. وروي عن علي عليه السلام وعمر أنهما قالا: إتمامها أن تحرم بها من دويرة أهلك (3). وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: وأقيموا الحج والعمرة لله (4). وأيضا فإن الله تعالى قرن العمرة بالحج في قوله: " وأتموا الحج والعمرة لله " (5) بلفظ واحد، فإذا كان الحج واجبا فالعمرة مثله. وأيضا عليه إجماع الفرقة. وأيضا فإذا اعتمر برئت ذمته بلا خلاف، وإذا لم يعتمر لم تبرأ ذمته بيقين، فالاحتياط يقتضي فعليها. وروى ابن سيرين عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الحج والعمرة فريضتان، لا يضرك بأيهما بدأت " (6) وهذا نص.

(1) المحلى 7: 42، وأحكام القرآن للجصاص 1: 264، والمجموع 7: 7، وعمدة القاري 10: 108، وفتح الباري 3: 597، وتفسير القرطبي 2: 368، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 118، وبداية المجتهد 1: 312. (2) البقرة: 196.
(3) أحكام القرآن للجصاص 1: 263، وسنن البيهقي 4: 341، و 5: 30، وتفسير القرطبي 2: 365.
(4) سنن البيهقي 4: 341، وذكر السيوطي في الدر المنثور 1: 209 قائلا: وأخرج عبد بن حميد وابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود أنه قرأ: وأقيموا الحج والعمرة للبيت، ثم قال: والله لولا التحرج أني لم أسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لقلنا إن العمرة واجبة مثل الحج. أما القرطبي في تفسيره 2: 369 قال: وفي مصحف ابن مسعود " وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله " وروى عنه: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت.
(5) البقرة: 196.
(6) سنن الدارقطني 2: 284 حديث 217، والمستدرك على الصحيحين 1: 471، وتفسير القرطبي 2: 368، والدر المنثور 1: 209.

[ 264 ]

وروي عن عائشة قالت: يا رسول الله على النساء جهاد؟ فقال: " نعم، جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة " (1). فأخبر أن عليهن جهادا، وفسره بالحج والعمرة، ثبت أنها واجبة. مسألة 29: القارن مثل المفرد سواء إلا أنه يقرن بإحرامه سياق الهدي ولذلك سمي قارنا، ولا يجوز أن يجمع بين الحج والعمرة في حالة واحدة، ولا يدخل أفعال العمرة قط في أفعال الحج. وقال جميع الفقهاء: أن القارن هو من قرن بين الحج والعمرة في إحرامه، فيدخل أفعال العمرة في أفعال الحج (2). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، وأيضا من قال: إن أفعال العمرة تدخل في أفعال الحج، يحتاج قوله إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 30: إذا قرن بين الحج والعمرة في إحرامه لم ينعقد إحرامه إلا بالحج، فإن أتى بأفعال الحج لم يلزمه دم، وإن أراد أن يأتي بأفعال العمرة ويحل ويجعلها متعة جاز ذلك، ويلزمه الدم. وقد بينا ما يريد الفقهاء بالقران، واختلفوا في لزوم الدم. فقال الشافعي، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: يلزمه دم (3).

(1) سنن ابن ماجة 2: 968 حديث 2901، وسنن الدارقطني 2: 284 حديث 215، وسنن البيهقي 4: 350.
(2) اللباب 1: 196، والمبسوط 4: 25، والوجيز 1: 114، والمجموع 7: 170، وفتح العزيز 7: 118، وبداية المجتهد 1: 324، والمغني لابن قدامة 3: 251، وكفاية الأخيار 1: 135، والتفسير الكبير للرازي 5: 142، والبحر الزخار 3: 378.
(3) الأم 2: 133، والمجموع 7: 191، والمحلى 7: 167، والمدونة الكبرى 1: 378، والنتف 1: 213 والهداية 1: 155، وشرح فتح القدير 2: 207.

[ 265 ]

وقال الشعبي: عليه بدنه (1). وقال طاووس: لا شئ عليه، (2) وبه قال داود (3). وحكي عن محمد بن داود (4) أنه استفتي عن هذا بمكة، فأفتى بمذهب أبيه، فجروا برجله (5). دليلنا: على ما فصلناه: إجماع الفرقة، وأيضا فإن كل من قال: إن القران ما فسرناه قال بما فصلناه، ولأن الأصل براءة الذمة، ثم قال أنه أتى بأفعال الحج لزمه دم فعليه الدلالة. مسألة 31: إذا أراد المتمتع أن يحرم بالحج، فينبغي أن ينشئ الاحرام من جوف مكة ويحرم منها، فإن خالف وأحرم من غيرها وجب عليه أن يرجع إلى مكة ويحرم منها، سواء كان حرام من الحل. الحرم إذا أمكنه، فإن لم يمكنه مضى على إحرامه وتمم أفعال الحج، ولا يلزمه دم لهذه المخالفة. وقال الشافعي: إن أحرم من خارج مكة وعاد إليها فلا شئ عليه، وإن لم يعد إليها ومضى على وجهه إلى عرفات فإن كان أنشأ الاحرام من الحل فعليه دم قولا واحدا، (6) وإن أنشأه من الحرم ما بين مكة والحل فعلى قولين:. أحدهما: عليه دم (7)، والآخر: لا دم عليه (8). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، ومن أوجب عليه دما لمكان ما قلناه فعليه الدلالة.

(1) المجموع 7: 191.
(2) المجموع 7: 191، والشرح الكبير 3: 252.
(3) المحلى 7: 167، والمجموع 7: 191، والشرح الكبير 3: 252.
(4) أبو بكر، ومحمد بن داود بن علي الاصفهاني الظاهري من فقهاء الظاهرية، أديب وله مؤلفات في الفقه والأصول، ولد ببغداد وقتل فيها سنة 297. انظر التاريخ بغداد 5: 256، وتذكرة الحفاظ 2: 209، وشذرات الذهب 2: 226.
(5) الشرح الكبير 3: 252، والمجموع 7: 191.
(6) المجموع 7: 209.
(7) المصدر السابق.
(8) نفس المصدر السابق.

[ 266 ]

مسألة 32: المفرد إذا أراد أن يحرم بالعمرة بعد الحج، وجب عليه أن يحرم من خارج الحرم، فإن خالف وأحرم من مكة وطاف وسعى وحلق لا يكون معتمرا، ولا يلزمه دم. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (1). والثاني: تكون عمرة صحيحة (2). دليلنا: كون ذلك عمرة يحتاج إلى شرع، وليس في الشرع ما يدل عليه. وأيضا فقد ثبت وجوب العمرة، وإذا أتى بالاحرام من خارج الحرم برئت ذمته بلا خلاف، وليس على براءة ذمته إذا أحرم من غيره دليل. مسألة 33: التمتع أفضل من القران والإفراد. وبه قال أحمد بن حنبل، (3) وهو قول الشافعي في اختلاف الحديث (4). وقال في عامة كتبه: الإفراد أفضل (5) وبه قال مالك، قال: التمتع أفضل من القران (6).

(1) الوجيز 1: 114، والمجموع 7: 209، وفتح العزيز 7: 98، ومغني المحتاج 1: 475، والسراج الوهاج: 155.
(2) الوجيز 1: 114، والمجموع 7: 209، وفتح العزيز 7: 99، ومغني المحتاج 1: 475، والسراج الوهاج: 155، والمنهاج القويم: 410.
(3) مسائل أحمد بن حنبل: 124، ونيل الأوطار 5: 41، والمجموع 7: 152، والشرح الكبير 3: 239، وتبيين الحقائق 2: 40، وعمدة القاري 9: 184.
(4) المجموع 7: 15 - 151 و 163، والتفسير الكبير 5: 142، والشرح الكبير 3: 239، ومغني المحتاج 1: 514.
(5) المجموع 7: 150 و 152، وكفاية الأخيار 1: 135، وأحكام القرآن للجصاص 1: 285، وتفسير القرطبي 2: 387، والهداية 1: 153، والمبسوط 4: 25، ومغني المحتاج 1: 514، والتفسير الكبير 5: 142، وتبيين الحقائق 2: 40، والشرح الكبير 3: 240.
(6) الشرح الكبير 3: 240، وبداية المجتهد 1: 335، وتفسير القرطبي 2: 387، والمجموع 7: 152، والتفسير الكبير 5: 142، واللباب 1: 192، والهداية 1: 153، وتبيين الحقائق 2: 40.

[ 267 ]

وقال أبو الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والمزني: القران أفضل (1). وكره عمرة المتعة، (2) وكره زيد بن صوحان (3) القران، وكذلك سليمان ابن ربيعة (4). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، وأيضا المتمتع يأتي بعمرة والحج، ولا يجوز أن يكون من يأتي بالحج وحده أفضل ممن يأتي بهما. وأيضا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة "، (5) فتأسف على فوات إحرامه بالعمرة، ولا يتأسف إلا على ما هو أفضل. وأيضا أنه إذا تمتع أتى بكل من النسكين في وقت شريف، وإذا أفرد أتى بالعمرة في غير أشهر الحج.

(1) المجموع 7: 152، وأحكام القرآن للجصاص 1: 285، واللباب 1: 192، والمبسوط 4: 25، وتفسير القرطبي 2: 389، والتفسير الكبير 5: 142، والهداية 1: 153، وشرح فتح القدير 2: 199، وعمدة القاري 9: 184، ونيل الأوطار 5: 41، والبحر الزخار 3: 280.
(2) أحكام القرآن للجصاص 1: 284، والتفسير الكبير 5: 153، وتفسير القرطبي 2: 388، والمجموع 7: 151، والمبسوط 4: 27، ونيل الأوطار 5: 42، والبحر الزخار 3: 367.
(3) زيد بن صوحان، أخو صعصعة بن صوحان العبدي، كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وكان من الأبدال، وقد وردت في فضله روايات عديدة، قيل: إنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله، وإنما رواياته عن أمير المؤمنين عليه السلام، استشهد في معركة الجمل سنة 36 هجرية. انظر رجال الشيخ الطوسي، وتنقيح المقال 1: 466، وشذرات الذهب 1: 44، وأسد الغابة 2: 233.
(4) سلمان بن ربيعة بن يزيد بن عمرو بن سهم، أبو عبد الله الباهلي، أدرك النبي صلى الله عليه وآله وليس له صحبة، وهو أول من قضى بالكوفة، استقضاه عمر عليها، ثم قضى بالمدائن، قتل سنة 25 هجرية وقيل غير ذلك. أسد الغابة 2: 327، وتهذيب التهذيب 4: 136.
(5) النهاية لابن الأثير 4: 10 (مادة قبل)، وتفسير القرطبي 2: 389، وفي صحيح مسلم 2: 886 حديث 147، وسنن ابن ماجة 2: 1023 حديث 3074، ومسند أحمد بن حنبل 3: 320، وسنن الدارمي 2: 46، وسنن النسائي 5: 143 (لم أسق).

[ 268 ]

مسألة 34: عندنا أن النبي صلى الله عليه وآله حج قارنا على ما فسرناه في القران. وقال أبو حنيفة وأصحابه: حج قارنا على ما يفسرونه (1). وقال الشافعي: حج النبي صلى الله عليه وآله مفردا (2). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى البراء بن عازب أن عليا عليه السلام وأبا موسى الأشعري أحرما باليمن وقالا: إهلالا كاهلال رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قدم علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له النبي صلى الله عليه وآله: " بما أهللت؟ " فقال له: إهلالا كاهلال رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " أما إني سقت الهدي وقرنت " (3). وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " (4). فتأسف على فوات إحرامه بالعمرة، لأن في فوتها فوت التمتع الذي هو أفضل على على ما دللنا عليه. فهذا الخبر يدل على ثلاثة أشياء: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وآله حج قارنا. والثاني: إن القران ما قلناه دون ما قالوه.

(1) المبسوط 4: 26، وعمدة القاري 9: 184.
(2) المجموع 7: 160، والمبسوط 4: 25، والتفسير الكبير للرازي 5: 143.
(3) سنن النسائي 5: 149، وسنن أبي داود 2: 158 حديث 1797 وفيه اختلاف يسير في اللفظ. (4) النهاية لابن الأثير 4: 10 (مادة قبل) وفي صحيح مسلم 2: 888 حديث 1218، وسنن ابن ماجة 2: 1023 حديث 3074، وسنن الدارمي 2: 46، وسنن النسائي 5: 143، ومسند أحمد بن حنبل 3: 320. " لم أسق " بدلا عن " لما سقت ".

[ 269 ]

والثالث: إن التمتع أفضل. مسألة 35: دم التمتع نسك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (1). وقال الشافعي: هو دم جبران (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعال: " والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خيرا فاذكروا أسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " (3). فأخبر أنها من الشعائر، وأمرنا بالأكل، فلو كان دم جبران لما أمرنا بالأكل منها. مسألة 36: المتمتع إذا أحرم بالحج من مكة لزمه دم بلا خلاف، فإن أتى الميقات وأحرم منه لم يسقط عنه الدم. وقال جميع الفقهاء يسقط عنه الدم (4). دليلنا: طريقة الاحتياط، فإنه إذا فعل ما قلناه برئت ذمته بلا خلاف، وإذا لم يفعل فيه خلاف. مسألة 37: من أحرم بالحج ودخل مكة، جاز أن يفسخه ويجعله عمرة، ويتمتع بها. وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا إن هذا منسوخ (5). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار التي رويناها (6).

(1) الهداية 1: 186، تبيين الحقائق 2: 90 وبهامشه حاشية الشلبي، والمجموع 7: 176، والتفسير الكبير للرازي 5: 154.
(2) المجموع 7: 176، وتبيين الحقائق 2: 90، والتفسير الكبير 5: 154.
(3) الحج: 36.
(4) المجموع 7: 174، وفتح العزيز 7: 147.
(5) المجموع 7: 166، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 254، ونيل الأوطار 5: 56 - 57، وبداية المجتهد 1: 322.
(6) التهذيب 5: 25 حديث 74.

[ 270 ]

وأيضا لا خلاف إن ما قلناه هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وآله أصحابه، وقال لهم: " من لم يسق هديا فليحل وليجعلها عمرة " (1) وروى ذلك جابر وغيره بلا خلاف في ذلك، وهذا صريح. ومن ادعى النسخ فعليه الدلالة، وما يدعى في هذا الباب خبر واحد لا ينسخ فيه المعلوم. مسألة 38: إذا أتى بالاحرام في غير أشهر الحج، وفعل بقية أفعال العمرة في أشهر الحج لا يكون متمتعا، ولا يلزمه دم. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: لا يجب عليه الدم كما قلناه (2). والثاني: يلزمه دم التمتع (3). وبه قال أبو حنيفة (4). وقال ابن سريج: إن جاوز الميقات محرما بعمرته في أشهر الحج لزمه دم، وأن جاوزه في غير أشهر الحج فلا دم عليه (5). وهذا مثل قولنا، لأن ما قبل الميقات عندنا لا يعتد به، والمراعى أن يحرم من الميقات. دليلنا: إجماع الفرقة على أن من شرط العمرة التي يتمتع بها أن تقع في أشهر الحج، فإذا فعل الاحرام في غيرها لم يفعل جميع العمرة فيها، فمن أجاز ذلك وواجب عليه الدم فعليه الدلالة. مسألة: 39: إذا أحرم المتمتع من مكة بالحج، ومضى إلى الميقات، ثم مضى منه إلى عرفات لم يسقط عنه الدم.

(1) صحيح مسلم 2: 888 حديث 1218، وسنن ابن ماجة 2: 1023 حديث 3074، وسنن النسائي 5: 143، وسنن الدارمي 2: 46، ومسند أحمد بن حنبل 3: 320، مع اختلاف يسير في لفظ الجميع.
(2) المجموع 7: 174 و 176، وفتح العزيز 7: 139، والتفسير الكبير للرازي 5: 153.
(3) المصادر المتقدمة.
(4) المجموع 7: 182، وفتح العزيز 7: 142، والتفسير الكبير 5: 153.
(5) المجموع 7: 176، وفتح العزيز 7: 141.

[ 271 ]

وقال الشافعي: إن مضى إلى عرفات لزمه دم قولا واحدا (1). وإن مضى إلى الميقات، ثم منه إلى عرفات على وجهين: أحدهما: لا دم (2) والثاني: عليه دم (3) دليلنا: قوله تعالى: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " (4) ولم يفرق، فمن خصه فعليه الدلالة. مسألة 40: من أحرم بالتمتع بعد الميقات ولا يمكنه الرجوع صحت متعته، ولزمه الدم. وقال الشافعي في القديم: لا يلزمه دم التمتع، لكن يلزمه دم لأنه ترك الاحرام من الميقات (5). ولم يراع إمكان الرجوع ولا تعذره. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (6). وأيضا قوله تعالى: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " (7) ولم يفرق. مسألة 41: نية التمتع لا بد منها. وللشافعي فيه وجهان: شرط. والثاني: لا يفتقر إلى النية (8). دليلنا: قوله تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " (9) والتمتع عبادة، ولا تكون العبادة، ولا تكون العبادة على وجه الاخلاص إلا بالنية.

(1) المجموع 7: 174.
(2) المجموع 7: 174 و 178.
(3) المصدر السابق.
(4) البقرة: 196.
(5) المجموع 7: 206، وفتح العزيز 7: 89، والمنهاج القويم: 411، والمغني لابن قدامة 3: 225، ومغني المحتاج 1: 474. أقول: ويستفاد من المصادر المتقدمة إذا أمكنه الرجوع إلى الميقات سقط عنه الدم فلاحظ.
(6) انظر الكافي 4: 324 (باب من جاوز ميقات أرضه بغير إحرام)، والتهذيب 5: 283 حديث 965 و 966.
(7) البقرة: 196.
(8) الوجيز 1: 115، وفتح العزيز 7: 161.
(9) البينة: 5.

[ 272 ]

وأيضا فلا خلاف أنه إذا نوى، أن تمتعه صحيح، وإذا لم ينو لا دليل على صحته. مسألة 42: فرض المكي ومن كان من حاضري المسجد الحرام القران والإفراد، فإن تمتع سقط عنه الفرض، ولم يلزمه دم. وقال الشافعي: يصح تمتعه وقرانه وليس عليه دم (1). وقال أبو حنيفة: يكره له التمتع والقران، فإن خالف وتمتع فعليه دم المخالفة دون التمتع والقران (2). دليلنا: قوله تعالى: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي - إلى قوله - ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " (3). معناه أن الهدي لا يلزم إلا من لم يكن من حاضري المسجد، ويجب أن يكون قوله ذلك راجعا إلى الهدي لا إلى التمتع، لأنه يجري مجرى قول القائل: من دخل داري فله درهم، ذلك لمن لم يكن غاصبا في أن ذلك يرجع إلى الجزاء دون الشرط، ولو قلناه أنه راجع إليهما وقلنا إنه لا يصح منهم التمتع أصلا لكان قويا. مسألة 43: من ليس من حاضري المسجد الحرام فرضه التمتع، فإن أفرد أو قرن مع الاختيار لم تبرأ ذمته، ولم تسقط حجة الاسلام. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا إنها تسقط. دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (4) وأيضا فذمته مشغولة بحجة الاسلام

(1) المجموع 7: 169، وعمدة القاري 9: 205.
(2) المجموع 7: 169، وعمدة القاري 9: 205، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 129.
(3) البقرة: 196.
(4) انظر الكافي 4: 291 (باب أصناف الحج)، والتهذيب 5: 25 حديث 75 و 84، والاستبصار 2: 150 حديث 493 و 501.

[ 273 ]

بلا خلاف، وإذا تمتع برئت ذمته بلا خلاف، وإذا أفرد أو قرن فليس على براءة ذمته دليل. مسألة 44: إذا أحرم بالحج متمتعا وجب عليه الدم إذا أهل بالحج، ويستقر في ذمته. وبه قال أبو حنيفة والشافعي (1). وقال عطاء: لا يجب حتى يقف بعرفة (2). وقال مالك: لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة (3). دليلنا: قوله تعالى: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " (4) فجعل الحج غاية لوجوب الهدي، والغاية وجود أول الحج دون اكماله يدل عليه قوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " (5) كانت الغاية دخول أول الليل دون اكماله كله. وروى ابن عمر قال: تمتع الناس على عهد الرسول صلى الله عليه وآله فقال عليه السلام: " من كان معه هدي فإذا أهل بالحج فليهد ومن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " (6) وهذا نص. مسألة 45: لا يجوز إخراج الهدي قبل الإحرام بالحج. وقال الشافعي: إذا أخرج ذلك، إذا تحلل من العمرة وقبل الاحرام بالحج على قولين، أحدهما: لا يجوز. والثاني: يجوز (7). دليلنا: إنه لا يجب عليه قبل الإحرام بالحج بلا خلاف بيننا، فإخراج ما لم

(1) الوجيز 1: 115، والمجموع 7: 184، وفتح العزيز 7: 168، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 129، والتفسير الكبير 5: 154.
(2) المجموع 7: 184.
(3) المجموع 7: 184، وفتح العزيز 7: 168، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 129.
(4) البقرة: 196.
(5) البقرة: 187.
(6) صحيح مسلم 2: 901 حديث 174، وسنن أبي داود 2: 160 حديث 1805، وسنن النسائي 5: 150، وسنن البيهقي 5: 17.
(7) المجموع 7: 183، وفتح العزيز 7: 168 - 169.

[ 274 ]

يجب عليه عما يجب عليه فيما بعد يحتاج إلى دليل. مسألة 46: إذا أحرم بالحج وجب الهدي على ما قلناه، ولا يجوز له إخراجه إلى يوم النحر. وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: إذا أحرم بالحج يجوز له إخراجه قولا واحدا (2)، ولا يجوز قبل الإحلال من العمرة قولا واحدا (3). مسألة 47: لا يجوز الصيام بدل الهدي إلا بعد عدم الهدي، وعدم ثمنه، فإن عدمهما جاز له الصوم، وإن لم يحرم بالحج بأن يصوم يوما قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة، وقد روي رخصة في أول العشر (4). وقال أبو حنيفة: إذا أهل بالعمرة يجوز له الصيام إذا عدم الهدي ودخل وقته، ولا يزال كذلك إلى يوم النحر (5). وقال الشافعي: لا يجوز له الصيام إلا بعد الاحرام بالحج وعدم الهدي، ولا يجوز له الصوم قبل الإحرام بالحج قولا واحدا (6). ووقت الاستحباب أن يكون آخره يوم التروية، ووقت الجواز أن يكون آخره يوم عرفة.

(1) بدائع الصنائع 2: 225، وتبيين الحقائق 2: 90، واللباب 1: 217، وتفسير القرطبي 2: 398، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 129، والمجموع 7: 184، والتفسير الكبير للرازي 5: 154، وفتح العزيز 7: 168.
(2) المجموع 7: 183، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 129، والتفسير الكبير 5: 154.
(3) المجموع 7: 183، وفتح العزيز 7: 168.
(4) انظر الكافي 4: 507، والتهذيب 5: 235 حديث 793، والاستبصار 2: 283 حديث 1005.
(5) الفتاوى الهندية 1: 239، والمجموع 7: 193، وفتح العزيز 7: 172، وأحكام القرآن للجصاص 1: 294.
(6) المجموع 7: 193، وفتح العزيز 7: 172.

[ 275 ]

دليلنا: إنه لا خلاف بين الطائفة أن الواجب أن يصوم الثلاثة أيام التي ذكرناها مع الاختيار، وأن الاحرام بالحج ينبغي أن يكون يوم التروية، فخرج من ذلك جواز الصوم قبل الاحرام بالحج. مسألة 48: لا يجوز صيام أيام التشريق في الحج بدل الهدي في أكثر الروايات (1)، وعند المحصلين من أصحابنا (2). وبه قال علي عليه السلام في الصحابة، وإليه ذهب أهل العراق، وبه قال الشافعي في الجديد (3). وقال في القديم: يصومها، وبه قال ابن عمر، وعائشة، في الفقهاء مالك وأحمد وإسحاق (4). وقد روي في بعض روايات أصحابنا ذلك (5). دليلنا: إجماع الفرقة على أن صوم أيام التشريق محرم لمن كان بمنى، وأخبارنا في هذا المعنى قد أوردناها في الكتاب المقدم ذكره (6). وروي أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن صيام ستة أيام: يوم الفطر، والأضحى، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من رمضان (7).

(1) التهذيب 5: 229 حديث 774 و 775، والاستبصار 2: 276 حديث 983 و 984.
(2) انظر المختلف (كتاب الصوم): 68.
(3) المجموع 6: 445، والوجيز 1: 103، وفتح العزيز 6: 410 - 411، ومغني المحتاج 1: 433، وعمدة القاري 11: وكفاية الأخيار 1: 129، والمغني لابن قدامة 3: 509، والجامع لأحكام القرآن 2: 400.
(4) المجموع 6: 445، وفتح العزيز 6: 410، ومغني المحتاج 1: 533، وفتح الباري 4: 242 - 243، والمغني لابن قدامة 3: 509 - 510، والجامع لأحكام القرآن 2: 400، وكفاية الأخيار 1: 129، ونيل الأوطار 4: 353.
(5) التهذيب 5: 229 حديث 777، والاستبصار 2: 277 حديث 986. (6) التهذيب 4: 296 حديث 895، وانظر الكافي 4: 58 حديث 1، والفقيه 2: 47 حديث 208.
(7) رواه الدارقطني في سننه 2: 157 حديث 6 مع تقديم وتأخير في ألفاظ الحديث.

[ 276 ]

وروى عمر وابن سليم (1) عن أبيه قال: بينا نحن بمنى إذ أقبل علي بن أبي طالب عليه السلام على جمل أحمر ينادي: إن الرسول صلى الله عليه وآله قال: إنها أيام أكل وشرب فلا يصومن أحد فيها (2). وقد أوردنا في الكتاب ما فيه كفاية من الأخبار من طرقنا، وأنهم قالوا: يصبح ليلة الحصبة صائما (3)، وهي بعد انقضاء أيام التشريق. مسألة 49: لا يصوم التطوع ولا صوما واجبا عليه ولا صوما نذره فيها بل يقضيها ولا صوما له به عادة في أيام التشريق، هذا إذا كان بمنى، فأما إذا كان في غيره من البلدان فلا بأس أن يصومهن. وقال أصحاب الشافعي في غير صوم التمتع لا يجوز صومه على حال (4). وماله سبب كالنذر والقضاء أو وافق صوم يوم له به عادة، فعلى وجهين: أحدهما: لا يجوز (5). وقال أبو إسحاق: يجوز صوم له سبب (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن النهي عام عن صوم هذه الأيام (7)،

(1) عمرو بن سليم بن خلدة بن مخلد بن عمار بن زريق الأنصاري الزرقي، روى عن أبي قتادة وأبي هريرة وابن عمر وابن الزبير وسعيد بن المسيب وأمه وغيرهم، وعنه ابنه سيعد وأبو بكر بن المنكدر والزهري وغيرهم مات سنة 104 ه‍. انظر تهذيب التهذيب 8: 44.
(2) قال العسقلاني في تلخيص الحبير المطبوع في هامش المجموع 6: 411، وأخرجه يونس في تاريخ مصر من طريق يزيد بن الهادي عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه. أقول: وأخرجه الحاكم في مستدركه 1: 434، والذهبي في تلخيصه 1: 434 عن مسعود بن الحكم الزرقي عن أمه أنها حدثته قال: كأني انظر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء في شعب الأنصار وهو يقول: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست أيام صيام، إنها أيام أكل وشرب وذكر.
(3) التهذيب 5: 229 حديث 776.
(4) المجموع 6: 441.
(5) المجموع 6: 443 - 444.
(6) المجموع 6: 443 و 7: 189.
(7) التهذيب 4: 233 حديث 683 و 686، الاستبصار 2: 100 حديث 325 و 328.

[ 277 ]

فوجب حملها على عمومها. فأما الفرق بين منى وغيرها من الأمصار فالمرجع فيه ما روته الطائفة فقط. مسألة 50: إذا تلبس بالصوم ثم وجد الهدي، لم يجب عليه أن يعود إليه، وله المضي فيه وله الرجوع إلى الهدي بل هو الأفضل، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: إن وجده وهو في صوم السبعة مثل ما قلناه (2). وإن كان في الثلاثة بطل صومه، وإن وجده بعد أن صام الثلاثة فإن كان ما أحل من إحرامه بطل صومه أيضا وعليه الهدي، وإن كان أحل من إحرامه فقد مضى صومه (3). وهذا مذهبه في كل كفارة على الترتيب متى وجد الرقبة وهو في الصوم فعليه أن يعود إلى الرقبة (4). وهكذا المتيمم إذا وجد الماء بعد تلبسه بالصلاة (5). ووافقه المزني في كل هذا (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا من عدم الهدي وثمنه كان فرضه الصوم، فإذا تلبس فقد دخل في فرضه، فمن أوجب عليه الانتقال إلى فرض فعليه الدلالة. مسألة 51: إذا أحرم بالحج ولم يصم، ثم وجد الهدي، لم يجز له الصوم ووجب عليه الهدي.

(1) الوجيز 1: 116، وأحكام القرآن للجصاص 1: 297، ومختصر المزني: 64، وتفسير القرطبي 2: 401، وفتح العزيز 7: 191.
(2) تفسير القرطبي 2: 401، وأحكام القرآن للجصاص 1: 297، وبداية المجتهد 1: 297، وبداية المجتهد 1: 356، وفتح العزيز 7: 191.
(3) المجموع 17: 377.
(4) المصدر السابق.
(5) المجموع 2: 318، وفتح العزيز 2: 337.
(6) المجموع 2: 318 و 17: 376 - 377، وفتح العزيز 2: 337 و 7: 191.

[ 278 ]

وللشافعي فيه ثلاثة أقوال مبنية على أقواله في الكفارات. أحدها: إن الاعتبار بحال الوجوب، فعلى هذا فرضه الصيام فإن أهدى كان أفضل. والثاني: الاعتبار بحال الأداء. والثالث: بأغلظ الأحوال، فعلى الوجهين يجب عليه الهدي (1). دليلنا: الإجماع على أنه إذا أهدى برئت ذمته، وليس على قول من قال: أنه إذا صام برئت ذمته دليل. مسألة 52: قد بينا أنه إن يصم الثلاثة أيام التي قبل النحر، فلا يصوم أيام التشريق ويصوم بعدها، ويكون أداء إلى أن يهل المحرم، فإذا أهل المحرم فإن وقت الصوم قد فات، ووجب عليه الهدي واستقر في ذمته. وقال أبو حنيفة: إذا لم يصم إلى أن يجئ يوم النحر سقط الصوم، فلا يفعل أبدا، ويستقر الهدي في ذمته (2). وقال الشافعي في قوله في القديم: يصوم أيام التشريق ويكون أداء، وبعدها يصومها ويكون قضاء (3). وعلى قوله في الجديد: لا يصوم أيام التشريق ويصوم بعدها ويكون قضاء (4). وقال ابن سريج: فيها قول آخر مثل قول أبي حنيفة (5).

(1) المجموع 7: 190، وفتح العزيز 7: 191.
(2) الفتاوى الهندية 1: 239، والمجموع 7: 193، وبداية المجتهد 1: 357، وأحكام القرآن للجصاص 1: 295، وفتح العزيز 7: 173 - 174.
(3) المجموع 7: 186 و 193، وفتح العزيز 7: 173.
(4) المجموع 7: 186 و 193، وفتح العزيز 7: 173 - 174.
(5) المجموع 7: 186، وفتح العزيز 7: 173.

[ 279 ]

دليلنا: إجماع الفرقة على أنه يصوم بعد أيام التشريق ولم يقولوا بأنه يكون قضاء، وتسميته بأنه قضاء يحتاج إلى دليل. فأما استقرار الهدي في ذمته بعد النحر فيحتاج إلى دلالة، واستقراره بعد المحرم فعليه إجماع الفرقة. وأيضا قوله تعالى: " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج " (1) وروي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: يعني في ذي الحجة (2)، فدل على ما قلناه، لأن هذا قد فاته صوم ذي الحجة. مسألة 53: صوم السبعة أيام لا يجوز إلا بعد أن يرجع إلى أهله، أو يصير بمقدار مسير الناس إلى أهله، أو يمضي عليه شهر ثم يصوم بعده. وقال أبو حنيفة: إذا فرغ من أفعال الحج جاز له صوم السبعة قبل أن يأخذ في السير (3). وللشافعي فيه قولان: قال في الحرملة ونقله المزني: أن المراد هو الرجوع إلى أهله (4) كما قلناه. وقال في الاملاء: هذا إذا أخذ في السير خارج مكة بعد فراغه من أفعال الحج (5). وفي أصحابه من يجعل مثل قول أبي حنيفة القول الثاني (6). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم فإنهم فصلوا ما قلناه وبينوه، وقد أوردنا ما

(1) البقرة: 196.
(2) الكافي 4: 506 حديث 1، والتهذيب 5: 38 حديث 114 و 5: 232 حديث 784، والاستبصار 2: 280 حديث 995.
(3) اللباب 1: 196، والمجموع 7: 193، وفتح العزيز 7: 176.
(4) مختصر المزني 64، والمجموع 7: 185.
(5) المجموع 7: 185، ومغني المحتاج 1: 517.
(6) المجموع 7: 185، وفتح العزيز 7: 176.

[ 280 ]

روى عنهم في الكتاب المقدم ذكره (1). ويدل على ذلك قوله تعالى: " وسبعة إذا رجعتم " (2) فلا يخلو من أن يريد رجوعا عن أفعال الحج، أو عن وقته، أو الأخذ في السير أو الرجوع إلى وطنه. فبطل أن يريد عن أفعاله لأنه إنما يقال فيه: فرغ منها ولا يقال: رجع عنها. وبطل أن يريد الوقت لأنه لا يجوز أن يقال: رجع عن زمان كذا. وبطل أن يريد الأخذ في المسير لأنه ليس بالرجوع، والرجوع في الحقيقة الرجوع إلى موضعه. ولأن السفر لا يجوز فيه الصيام عندنا على ما بيناه في كتاب الصوم، فلم يبق إلا أراد الرجوع إلى الوطن. وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من لم يجد الهدي فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله " (3) وهذا نص. مسألة 54: إذا لم يصم في مكة ولا في طريقه حتى عاد إلى وطنه، صام الثلاثة متتابعة والسبعة مخير فيها، ويجوز أن يصوم العشر متتابعة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (4). والثاني: أنه يفصل بين الثلاثة والسبعة (5). وكيف يفصل؟ له فيه خمسة أقوال، أحدهما: أربعة أيام وقدر المسافة. والثاني: أربعة أيام. والثالث: يفصل قدر المسافة. والرابع: لا يفصل بينهما،

(1) التهذيب 5: 234 حديث 790، والاستبصار 2: 283 حديث 1002.
(2) البقرة: 196.
(3) صحيح مسلم 2: 196 حديث 174، وسنن النسائس 5: 150، وسنن أبي داود 2: 160 حديث 1805، وسنن البيهقي 5: 17.
(4) مغني المحتاج 1: 517.
(5) الوجيز 1: 116، والمجموع 7: 188، وفتح العزيز 7: 184، ومغني المحتاج 1: 517.

[ 281 ]

والخامس: يفصل بينهما بيوم (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإيجاب الفصل بينهما يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 55: يستحب للمتمتع أن يحرم بالحج يوم التروية بعد الزوال. وبه قال الشافعي (2)، سواء كان واجدا للهدي أو عادما له. وقال مالك: المستحب أن يحرم إذا أهل ذو الحجة (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد ذكرنا أخبارهم في ذلك (4). مسألة 56: إذا أفرد الحج عن نفسه، فلما فرغ من الحج خرج إلى أدنى الحرم فاعتمر لنفسه ولم يعد إلى الميقات لا دم عليه، وكذا من تمتع ثم اعتمر بعد ذلك من أدنى الحرم. وكذلك إذا أفرد عن غيره أو تمتع أو قرن ثم اعتمر لنفسه من أدنى الحل كل هذا لا دم لتركه الإحرام من الميقات بلا خلاف. وأما إن أفرد غيره ثم اعتمر لنفسه من خارج الحرم دون الحل، قال الشافعي في القديم: عليه دم (5). وقال أصحابه: على هذا لو اعتمر من غيره ثم حج عن نفسه، فأحرم بالحج من جوف مكة فعلية دم لتركه الإحرام من الميقات، وعندنا أنه لا دم عليه (6). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، فمن ألزمها شيئا احتاج إلى دليل.

(1) المجموع 7: 189، وفتح العزيز 7: 183 و 185، ومغني المحتاج 1: 517، وكفاية الأخيار 1: 144.
(2) المجموع 7: 181.
(3) المغني لابن قدامة 3: 430، والشرح الكبير 3: 430، والمحلى 7: 124، والمجموع 7: 181.
(4) انظر الكافي 4: 454 حديث 1، والتهذيب 5: 167 حديث 557.
(5) المجموع 7: 180.
(6) المصدر السابق.

[ 282 ]

مسألة 57: إذا أكمل المتمتع أفعال العمرة، تحلل منها إذا لم يكن ساق الهدي، فإن كان لا يمكنه التحلل ولا يصح له التمتع ويكون قارنا على مذهبنا في القران. وقال الشافعي: إذا فعل أفعال العمرة تحلل، سواء ساق الهدي أو لم يسق (1). وقال أبو حنيفة: إن لم يكن معه هدي لم يحل من العمرة، لكنه يحرم بالحج ولا يحل حتى يحل منهما (2). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا لا خلاف أن النبي صلى الله عليه وآله لم يحل، وقال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي " (3). وهذا يدل على بطلان مذهب الشافعي في قوله: إن له أن يحل على كل حال، لأن النبي صلى الله عليه وآله جعل العلة في ترك التحلل سياق الهدي ويدل على بطلان مذهب أبي حنيفة في قوله: أن يحرم بالحج، وإن لم يحل لأنه لو جاز ذلك لفعله النبي صلى الله عليه السلام وآله، وقد علمنا أنه لم يفعل، وإنما مضى على إحرامه الأول. وروت حفصة قالت: قلت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " (4).

(1) المجموع 7: 180.
(2) تبيين الحقائق 2: 47، والمجموع 7: 180.
(3) النهاية لابن الأثير 4: 10 (مادة قبل) وصحيح مسلم 2: 888 حديث 1218، وسنن النسائي 5: 143، وسنن ابن ماجة 2: 1023 حديث 3074، ومسند أحمد 3: 320، وسنن أبي داود 2: 184 حديث 1905، وسنن الدارمي 2: 46 وفي بعضها اختلاف يسير في اللفظ.
(4) صحيح البخاري 2: 175، وصحيح مسلم 2: 902 حديث 177، وموطأ مالك 1: 394 حديث 181، ومسند أحمد بن حنبل 6: 382.

[ 283 ]

مسألة 58: المواقيت الأربعة لا خلاف فيها، وهي: قرن المنازل، ويلملم - وقيل: المسلم - والجحفة، وذو الحليفة. فأما ذات عرق، فهو آخر ميقات أهل العراق، لأن أوله المسلخ، وأوسطه غمرة، وآخره ذات عرق. وعندنا أن ذلك منصوص عليه من النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بالاجماع من الفرقة وأخبارهم (1). وأما الفقهاء، فقد اختلفوا فيه: فذهب طاووس، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وابن سيرين إلى أنه ثبت قياسا (2). فقال طاووس: لم يوقت رسول الله صلى الله عليه وآله ذات عرق، ولم يكن حينئذ أهل المشرق، فوقت الناس ذات عرق (3). وأما أبو الشعثاء فقال: لم يوقت رسول الله صلى الله عليه وآله لأهل المشرق شيئا، فاتخذ الناس بحيال قرن ذات عرق (4). وابن سيرين قال: وقت عمر بن الخطاب ذات عرق لأهل العراق (5). وقال عطاء: ما ثبت ذات عرق إلا بالنص، وقال: كذلك سمعنا أنه وقت ذات عرق أو العقيق لأهل المشرق (6). وقال الشافعي في الأم: لا أحسبه إلا كما قال طاووس (7).

(1) انظر قرب الاسناد: 108، ومن لا يحضره الفقيه 2: 198 حديث 903، والتهذيب 5: 54 حديث 166، والكافي 4: 318 حديث 1، 3، وعلل الشرايع: 434 حديث 2 و 3.
(2) سنن البيهقي 5: 27، وعمدة القاري 9: 145.
(3) الأم 2: 138 وفتح العزيز 7: 80، وسنن البيهقي 5: 27.
(4) الأم 2: 138، وإرشاد الساري 3: 102، وسنن البيهقي 5: 27.
(5) الأم 2: 138، وعمدة القاري 9: 145، وسنن البيهقي 5: 27.
(6) الأم 2: 137 - 138، وسنن البيهقي 5: 28، وشرح فتح القدير 2: 131 - 132.
(7) الأم 2: 138، وشرح فتح القدير 2: 132.

[ 284 ]

وقال أصحابه: ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله نص في ذلك (1). دليلنا: ما قلناه من إجماع الفرقة وأخبارهم. وأيضا روى القاسم بن محمد، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وقت لأهل العراق ذات عرق (2). وروى أبو الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه وقت لأهل المشرق ذات عرق (3). وقال الشافعي: الإهلال لأهل المشرق من العقيق كان أحب إلي (4) وكذلك قال أصحابه (5). مسألة 59: من جاوز الميقات مريدا لغير النسك، ثم تجدد له إحرام بنسك رجع إلى الميقات مع الامكان، وإلا أحرم من موضعه. وقال الشافعي: يحرم من موضعه (6) ولم يفصل. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا توقيت النبي صلى الله عليه وآله المواقيت يدل على ذلك (7)، لأنه لو جاز الإحرام من موضعه لم يكن لذلك معنى.

(1) المجموع 7: 194 و 197، وكفاية الأخيار 1: 137.
(2) سنن أبي داود 2: 143 حديث 1739، وسنن النسائي 5: 125، وسنن البيهقي 5: 28، وسنن الدارقطني 2: 236 حديث 5.
(3) سنن البيهقي 5: 28، وسنن ابن ماجة 2: 972 حديث 2915، وسنن الدارقطني 2: 236 حديث 4، وصحيح مسلم 2: 841 (باب 2) حديث 1183.
(4) الأم 2: 138، ومختصر المزني: 65، وفتح العزيز 7: 81، والمغني لابن قدامة 3: 214، والشرح الكبير 3: 213، وبداية المجتهد 1: 313، وعمدة القاري 9: 145.
(5) مغني المحتاج 1: 473، وفتح العزيز 7: 81. (6) الوجيز 1: 113 - 114، والمجموع 7: 203، ومغني المحتاج 1: 474، والسراج الوهاج 1: 155.
(7) صحيح مسلم 2: 838، وسنن النسائي 5: 125، وسنن الدارمي 2: 30، والموطأ 1: 330، وسنن الدارقطني 2: 236، وسنن البيهقي 5: 28، وسنن أبي داود 2: 143، وسنن ابن ماجة 2: 972.

[ 285 ]

وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه إذا فعل ما قلناه صح نسكه بلا خلاف، وإذا لم يفعل ففيه الخلاف. مسألة 60: المجاور بمكة إذا أراد الحج أو العمرة خرج إلى ميقات أهله إن أمكنه، وإن لم يمكنه فمن خارج الحرم. وقال الشافعي: يحرم من موضعه (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 61: من جاوز الميقات محلا، فأحرم من موضعه وعاد إلى الميقات قبل التلبس بشئ من أفعال النسك أو بعده لا دم عليه. وقال الشافعي: إن كان عوده بعد التلبس بشئ من أفعاله، مثل أن يكون طاف طواف الورود، وجب عليه دم. وإن كان قبل التلبس لا دم عليه (2). وبه قال الحسن البصري، وسعيد بن جبير، وأبو يوسف، ومحمد (3). وقال مالك، وزفر، يستفز الدم عليه متى أحرم دونه، ولا ينفعه رجوعه (4). وقال أبو حنيفة: إن عاد إليه ولبى فلا دم عليه، وإن لم يلب فعليه دم (5).

(1) الوجيز 1: 113، والمجموع 7: 203، وفتح العزيز 7: 84، وكفاية الأخيار 1: 137، ومغني المحتاج 1: 474، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 216، والسراج الوهاج 1: 155، والمغني لابن قدامة 3: 219.
(2) الأم 2: 139، والوجيز 1: 114، ومغني المحتاج 1: 474 - 475، والمجموع 7: 207 - 208، وكفاية الأخيار 1: 137، والمغني لابن قدامة 3: 225، والشرح الكبير 3: 225، والمنهاج القويم: 411، والسراج الوهاج: 155.
(3) النتف في الفتاوى 1: 206، وفتاوى قاضيخان 1: 287، والمبسوط 4: 171، والمجموع 7: 208.
(4) المبسوط 4: 170، والنتف 1: 206، والمجموع 7: 208.
(5) النتف 1: 206، وفتاوى قاضيخان 1: 287، والمبسوط 4: 170، والمجموع 7: 208، والمغني لابن قدامة 3: 225، والشرح الكبير 3: 225.

[ 286 ]

دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وليس على وجوب وما قالوه دليل. مسألة 62: لا يجوز الاحرام قبل الميقات، فإن أحرم لم ينعقد إحرامه إلا أن يكون نذر وذلك. وقال أبو حنيفة: الأفضل أن يحرم قبل الميقات (1). وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل قول أبي حنيفة (2). والثاني: الأفضل من الميقات إلا أنه ينعقد قبله على كل حال (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فالاحرام من الميقات مقطوع على صحته وانعقاده، وليس على انعقاده قبل الميقات دليل، والأصل براءة الذمة. وأيضا لا خلاف أن النبي صلى الله عليه وآله أحرم من الميقات، ولو كان يصح قبله أو كان فيه فضل لما تركه عليه الصلاة والسلام. مسألة 63: يستحب الغسل عند الإحرام، وعند دخول مكة، وعند دخول المسجد الحرام، وعند دخول الكعبة، وعند الطواف، والوقوف بعرفة، والوقوف بالمشعر. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: في سبع مواضع: للاحرام، ولدخول مكة، وللوقوف بعرفة، وللمبيت بالمزدلفة، ولرمي الجمار الثلاث، ولا يغسل لرمي جمرة العقبة (4).

(1) الفتاوى الهندية 1: 221، والهداية 1: 136، والمبسوط 4: 166، وتبيين الحقائق 2: 7، وشرح فتح القدير 2: 133، وبدائع الصنائع 2: 164، والمغني لابن قدامة 3: 222.
(2) الوجيز 1: 114، والمجموع 7: 200، ومغني المحتاج 1: 475، والسراج الوهاج: 155، والمغني لابن قدامة 3: 222.
(3) الأم 2: 139، والمجموع 7: 200، والمبسوط 4: 166، وبدائع الصنائع 2: 164، ومغني المحتاج 1: 475، والمغني لابن قدامة 3: 222، والمنهاج القويم: 411، والسراج الوهاج: 155.
(4) الأم 2: 146، والوجيز 1: 117، والمجموع 7: 213 - 214، والمنهاج القويم: 415 - 416، ومغني المحتاج 1: 478، والسراج الوهاج: 156.

[ 287 ]

وقال في القديم: لتسع مواضع هذه السبع مواضع، ولطواف الزيارة، وطواف الوداع (1). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن ما ذكرناه مستحب بلا خلاف، والزائد عليه ليس عليه دليل. مسألة 64: يكره أن يتطيب للاحرام قبل الإحرام إذا كانت تبقى رائحته إلى بعد الإحرام. وقال الشافعي: يستحب أن يتطيب للاحرام، سواء كانت تبقى رائحته وعينه مثل الغالية والمسك، أو لا تبقى له عين وإنما تبقى له الرائحة كالبخور والعود والند (2). وبه قال عبد الله بن الزبير، وابن عباس، ومعاوية، وسعد بن أبي وقاص، وأم حبيبة (3). وعائشة، وأبو حنيفة، وأبو يوسف (4). وكان محمد معهما حتى حج الرشيد (5)، فرأى الناس كلهم متطيبين

(1) المجموع 7: 214، ومغني المحتاج 1: 479.
(2) الأم 2: 151، والمجموع 7: 218 و 221، وفتح العزيز 7: 247 - 248، والوجيز 1: 117، ومغني المحتاج 1: 479، وبداية المجتهد 1: 317، وعمدة القاري 9: 156.
(3) أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان بن صخر بن حرب الأموية، كنيت بأم حبيبة، لابنتها حبيبة بنت عبيد الله بن جحش، هاجرت مع زوجها عبيد الله إلى الحبشة فولدت هناك حبيبة، فتنصر عبيد الله ومات بالحبشة، نصرانيا، وبقيت أم حبيبة مسلمة بأرض الحبشة، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله يخطبها إلى النجاشي، والقصة معروفة ومشهورة في كتب السير والتاريخ. انظر أسد الغابة 5: 573، وشذرات الذهب 1: 54، والإصابة 4: 298، وتنقيح المقال 3: 71.
(4) المجموع 7: 221 - 222، والمغني لابن قدامة 3: 234، والشرح الكبير 3: 233، وفتح العزيز 7: 249، وعمدة القاري 9: 156، وبداية المجتهد 1: 317.
(5) هو: هارون بن محمد بن المنصور العباسي الملقب بالرشيد، أبو جعفر، خامس ملوك العباسيين وأشهرهم، ولد في الري عند إمارة أبيه عليها، وبويع له بالملك سنة 170 هجرية بعد وفاة أخيه الهادي، قتل الآلاف من العلويين ودس السم للإمام موسى بن جعفر عليه السلام في السجن وقتله. مات سنة 193، في سناباد قرية من قرى طوس. وبعد أن استشهد الإمام علي بن موسى =

[ 288 ]

فقال: هذا شنيع، فامتنع منه (1). وقال مالك مثل قولنا إنه يكره، فإن فعله فعليه أن يغتسل، وإن لم يفعل وأحرم على ما هو عليه فعليه الفدية (2)، وبه قال عطاء (3)، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا أجمعت الأمة على أنه لا يجوز للمحرم الطيب، ولم يفصلوا بين استئنافه واستدامته، والنهي متناول للحالين، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك. وأما أخبارنا فهي أكثر من أن تحصى قد ذكرناها في الكتاب المقدم ذكره (5). وروى صفوان بن يعلى بن منية (6) عن أبيه (7) قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله بالجعرانة (8) فأتاه رجل وعليه مقطعة - يعني جبة -

= الرضا عليه السلام بالسم على يد المأمون دفن المأمون دفن المأمون الرضا عليه السلام بجنب أبيه الرشيد. انظر تاريخ الطبري 6: 47، وتاريخ بغداد 14: 5، والبداية والنهاية 10: 213، وشذرات الذهب 1: 333. (1) المجموع 7: 222، وعمدة القاري 9: 156.
(2) المغني لابن قدامة 3: 234، والشرح الكبير 3: 233، وبداية المجتهد 1: 317، والمجموع 7: 222، وعمدة القاري 9: 156.
(3) عمدة القاري 9: 156.
(4) انظر عمدة القاري 9: 156، والمغني لابن قدامة 3: 234، والشرح الكبير 3: 234، وبداية المجتهد 1: 317 و 319.
(5) التهذيب 5: 297 حديث 1006 و 1015.
(6) نسبة إلى جدته وهو صفوان بن يعلى بن أمية التميمي، وروى عن أبيه وعنه ابن أخيه محمد وعطاء بن أبي رباح والزهري. تهذيب التهذيب 4: 432، والجرح والتعديل 4: 423.
(7) يعلى بن أمية بن أبي عبيدة واسمه عبيد ويقال: زيد بن همام بن الحارث بن بكر بن زيد بن مالك، أبو خلف ويقال: أبو خالد ويقال: أبو صفوان المكي حليف قريش، وهو يعلى بن منية وهي أمه ويقال جدته. روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعن عمر وعنبه بن أبي سفيان وعنه أولاده صفوان ومحمد وعثمان وعبد الرحمن قتل بصفين. تهذيب التهذيب 11: 339.
(8) الجعرانة: بإسكان العين وتخفيف الراء، وقيل: بكسر العين وتشديد الراء بين الطائف ومكة وإلى مكة أقرب.

[ 289 ]

وهو متضمخ بالخلوق - وفي بعضها وعليه ردع من زعفران - فقال: يا رسول الله إني أحرمت بالعمرة، وهذه علي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كنت تصنع في حجك؟ قال: كنت أنزع هذه المقطعة فأغسل هذا الخلوق، فقال له رسول الله: فما كنت صانعا في حجتك فاصنعه في عمرتك (1) وهذا أمر يقتضي الوجوب. مسألة 65: يجوز أن يلبي عقيب إحرامه، والأفضل إذا علت راحلته البيداء أن يلبي. وبه قال مالك (2). وللشافعي فيه قولان: قال في الأم والإملاء: الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته إن كان راكبا، وإذا أخذ في السير إن كان راجلا (3). وقال في القديم: أن يهل خلف الصلاة نافلة كانت أو فريضة (4). وبه قال أبو حنيفة (5). دليلنا: ما ذكرناه من الأخبار في الكتاب المقدم ذكره (6) فأما الراجل فالأفضل أن يلبي خلف صلاته كما قال أبو حنيفة والشافعي في القديم. مسألة 66: لا ينعقد الاحرام بمجرد النية، بل لا بد أن يضاف إليها التلبية

(1) رواه مسلم في صحيحه 2: 836 حديث 7 باختلاف يسير في الألفاظ.
(2) المدونة الكبرى 1: 361، ومقدمات ابن رشد 1: 301، وبلغة السالك 1: 269، والمجموع 7: 223، وفتح العزيز 7: 259.
(3) مختصر المزني: 65، والوجيز 1: 117، والمجموع 7: 214، وفتح العزيز 7: 258، ومغني المحتاج 1: 481، والسراج الوهاج: 157.
(4) مختصر المزني: 65، والوجيز 1: 117، والمنهاج القويم: 417، والمجموع 7: 214، ومغني المحتاج 1: 481، والسراج الوهاج: 157.
(5) الهداية 1: 137، واللباب 1: 179 - 180، وفتح القدير 2: 139، والمجموع 7: 223، وفتح العزيز 7: 259. (6) التهذيب 5: 85 حديث 281، والاستبصار 2: 170 حديث 563.

[ 290 ]

والسوق، أو الأشعار، أو التقليد. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد إلا بالتلبية أو سوق الهدي (1). وقال الشافعي: يكفي مجرد النية (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا لا خلاف أن ما ذكرناه ينعقد به الاحرام، وما ذكروه ليس عليه دليل. مسألة 67: إذا أحرم كإحرام فلان وتعين له ما أحرم به عمل عليه، وإن لم يعلم حج متمتعا. وقال الشافعي: يحج قارنا (3) على ما يقولون في القران. دليلنا: إنا قد بينا ما يدعونه من القران لا يجوز، فإذا بطل ذلك فالاحتياط يقتضي أن يأتي بالحج متمتعا، لأنه يأتي بالحج والعمرة وتبرأ ذمته بيقين بلا خلاف. مسألة 68: إذا أحرم فنسي، فإن عرف أنه أحرم بشيئين ولم يعلم ما هما جعلهما عمرة، وإن نسي فلم يعلم بماذا أحرم منهما، أو لم يعلم هل بهما أو بأحدهما، مثل ذلك جعله عمرة ويتمتع. وقال الشافعي: إن أحرم بشيئين ولم يعلم ما هما فهو قارن (4) - على ما يفسرونه - وإن نسي فلم يعلم بماذا أحرم منهما، أو لم يعلم هل أهل بهما أو

(1) اللباب 1: 180، والفتاوى الهندية 1: 222، والمبسوط 4: 138، وتبيين الحقائق 2: 9، والمجموع 7: 202 و 205، والوجيز 1: 116، وفتح العزيز 7: 202، والشرح الكبير 3: 237.
(2) الوجيز 1: 116، والمجموع 7: 223 و 225، وفتح العزيز 7: 201، والمبسوط 4: 138، ومغني المحتاج 1: 478، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 237.
(3) المجموع 7: 227، ومغني المحتاج 1: 478، والوجيز 1: 116 - 117، وفتح العزيز 7: 211 - 212، والسراج الوهاج: 156.
(4) الأم 2: 204، ومختصر المزني: 65، والمجموع 7: 233، والمغني لابن قدامة 3: 254، والخرشي 2: 308.

[ 291 ]

بأحدهما ففيها قولان: قال في الأم والإملاء: لا يجوز له التحري وعليه أن يقرن (1) وبه قال أبو حنيفة (2). وقال في القديم: من لبى فنسي ما نواه فأحب إلي أن يقرن. فعلى هذا القول قال أصحابه: يتحرى (3). دليلنا: إنه لا يخلو أن يكون إحرامه بالحج أو العمرة، فإن كان بالحج فقد بينا أنه يجوز له أن يفسخه إلى عمرة يتمتع بها، وإن كان بالعمرة فقد صحت العمرة على الوجهين، وإذا أحرم بالعمرة لا يمكنه أن يجعلها حجة مع القدرة على إتيان أفعال العمرة، فلهذا قلنا: يجعلها عمرة على كل حال. مسألة 69: التلبية فريضة، ورفع الصوت بها سنة، لم أجد أحدا ذكر كونها فرضا. وقال الشافعي: إنها سنة (4)، ولم يذكروا خلافا، وكلهم قالوا: رفع الصوت بها سنة (5). وبه قال في الصحابة علي عليه السلام على ما حكوه عنه، وابن عمر، وعائشة، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والنخعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق (6).

(1) الأم 2: 204، والمجموع 7: 233، والمغني لابن قدامة 3: 254، والشرح الكبير 3: 262.
(2) الفتاوى الهندية 1: 223، والمغني لابن قدامة 3: 254، والشرح الكبير 3: 262.
(3) المجموع 7: 233 - 234. (4) الوجيز 1: 117، والمجموع 7: 246، وعمدة القاري 9: 171، وفتح الباري 3: 411، والشرح الكبير 3: 264، وكفاية الأخيار 1: 138، ونيل الأوطار 5: 53.
(5) المجموع 7: 240، وعمدي القاري 9: 171، وفتح العزيز 7: 262، وفتح الباري 3: 408، والفتح الرباني 11: 188.
(6) المدونة الكبرى 1: 367، والمحلى 7: 94 - 95، والمغني لابن قدامة 3: 257، والشرح الكبير 3: 264، وعمدي القاري 9: 171، والفتح الرباني 11: 188.

[ 292 ]

دليلنا: إجماع الفرقة والأخبار الواردة المتضمنة للأمر بالتلبية (1)، وظاهرها يقتضي الوجوب، وطريقة الاحتياط تقتضيه. وروى خلاد بن السائب (2) عن أبيه (3) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " أتاني جبرئيل فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالاهلال " (4) وظاهر الأمر يقتضي الوجوب، ولو خلينا وظاهره لقلنا إن رفع الصوت أيضا واجب، لكن تركناه بدليل. مسألة 70: لا يلبي في مجسد عرفة. وبه قال مالك (5). وقال الشافعي: يستحب ذلك (6). دليلنا: إن الحاج عليه أن يقطع التلبية يوم عرفة قبل الغروب، فإن حصل بعرفات بعدها هناك لم يجز له التلبية، وإن حصل قبل الزوال جاز له ذلك لعموم الأخبار (7). مسألة 71: لا يلبي في حال الطواف لا خفيا ولا معلنا. وللشافعي فيه قولان، قال في الأم: لا يلبي. وقال في غير الأم: له ذلك لكنه يخفض صوته. وبه قال ابن عباس (8).

(1) الكافي 4: 333 حديث 11 و 14، والتهذيب 5: 91 حديث 300.
(2) هو خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري روى عن أبيه. انظر أسد الغابة 2: 121.
(3) السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري الخزرجي من بني كعب بن الخزرج أبو سهلة روى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه ابنه. انظر أسد الغابة 2: 251 (4) الموطأ 1: 334 حديث 34، وسنن البيهقي 5: 42، وسنن النسائي 5: 162. وسنن أبي داود 2: 163، حديث 1414، وسنن الترمذي 3: 191 حديث 829، وسنن ابن ماجة 2: 975 حديث 2923 وفي البعض منها اختلاف يسير في اللفظ فلاحظ.
(5) المدونة الكبرى 1: 364، وبلغة السالك 1: 270.
(6) الأم 2: 204، والمجموع 7: 240 و 245، وفتح العزيز 7: 261، وكفاية الأخيار 1: 138، والشرح الكبير 1: لابن قدامة 3: 265، والفتح الرباني 11: 188.
(7) انظر الكافي 4: 462 باب قطع تلبية الحاج حديث 1 و 2، والتهذيب 5: 182 حديث 608 و 610.
(8) الأم 2: 205، والوجيز 1: 117 - 118، والمجموع 7: 240 و 245، وفتح العزيز 7: 262، =

[ 293 ]

دليلنا: إجماع الفرقة على أنه يجب على المتمتع أن يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة. وما روي عنهم عليهم السلام من قولهم: إن هؤلاء يطوفون ويسعون ويلبون، وكلما طافوا أحلوا، وكلما لبوا عقدوا، فيخرجون لا محلين ولا محرمين (1). وأيضا وري عن ابن عمر أنه قال: لا يلبي الطائف (2). وقال سفيان ما رأيت أحدا يلبي وهو يطوف إلا عطاء بن السائب (3) (4). فالدلالة من قوله أنه إجماع، لأنه لا مخالف له. مسألة 72: التلبية الأربعة لا خلاف في جواز فعلها على خلاف بيننا و بينهم في كونها فرضا أو نفلا، وما زاد عليها عندنا مستحب. وقال الشافعي: ما زاد عليها مباح، وليس بمستحب (5). وحكى أصحاب أبي حنيفة عنه أنه قال: إنها مكروهة (6). دليلنا: إجماع الفرقة، فأما الألفاظ المخصوصة التي رواه أصحابنا من قوله: " لبيك ذا المعارج لبيك " وما بعدها (7) فلم يعرفها أحد من الفقهاء.

= ومغني المحتاج 1: 481، والفتح الرباني 11: 190 - 191، والمغني لابن قدامة 3: 264، وكفاية الأخيار 1: 138، وبداية المجتهد 1: 238. (1) انظر الكافي 4: 541 باب النوادر الحديث 4.
(2) فتح العزيز 7: 262.
(3) أبو السائب، عطاء بن السائب بن مالك، ويقال: زيد أو يزيد الثقفي، مولاهم كوفي، روى عن أبيه وأنس وسعيد بن جبير والشعبي وغيرهم، وعنه إسماعيل بن أبي خالد والأعمش وسفيان الثوري وغيرهم. مات سنى 136، وقيل: 137 هجرية. انظر تهذيب التهذيب 7: 203، وطبقات ابن سعد 6: 338، وشذرات الذهب 1: 194، وسير أعلام النبلاء 6: 110.
(4) المغني لابن قدامة 3: 264، والشرح الكبير 3: 268، والفتح الرباني 11: 191.
(5) الأم 2: 204 والمجموع 7: 245، وفتح العزيز 7: 264، والمبسوط 4: 187، والمنهاج القويم: 414، والفتح الرباني 11: 187.
(6) اللباب 1: 180، وشرح فتح القدير 2: 139.
(7) التهذيب 5: 92 حديث 301.

[ 294 ]

مسألة 73: لا يجوز للمرأة لبس القفازين، وبه قال في الصحابة علي عليه السلام، وابن عمر، وعائشة، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والنخعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق (1). وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، وهو الأقوى (2). والآخر: لها ذلك (3). وبه قال أبو حنيفة، والثوري (4). وبه قال سعد بن أبي وقاص، فإنه أمر بناته أن يلبسن القفازين (5). دليلنا: الإجماع على أنها إذا لم تلبس يصح إحرامها ويكمل، ولا دليل على جواز لبس ذلك لها في حال الاحرام، فطريقة الاحتياط تقتضي تركهما. وروى الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين " (6) وهذا نص وعليه إجماع الفرقة، لا يختلفون فيه.

(1) المدونة الكبرى 1: 459، والمجموع 7: 269، والمغني لابن قدامة 3: 315، والشرح الكبير 3: 331، وعمدة القاري 9: 166، وفتح العزيز 7: 454، وبداية المجتهد 1: 317، والفتح الرباني 11: 204.
(2) المجموع 7: 269 و 360، وفتح العزيز 7: 454، والمغني لابن قدامة 3: 315، والشرح الكبير 3: 331، وبدائع الصنائع 2: 186، والفتح الرباني 11: 204.
(3) الأم 2: 203، والمجموع 7: 269 و 360، عمدة القاري 10: 200، والمغني لابن قدامة 3: 315، والشرح الكبير 3: 331، والفتح الرباني 11: 204.
(4) عمدة القاري 10: 199، وبدائع الصنائع 2: 186، والمجموع 7: 269، والمغني لابن قدامة 3: 315، وبداية المجتهد 1: 317، والشرح الكبير 3: 331، وفتح العزيز 7: 454، والفتح الرباني 11: 204.
(5) الأم 2: 203، والمجموع 7: 269، والمغني لابن قدامة 3: 315، والشرح الكبير 3: 331، وبدائع الصنائع 2: 194، والفتح الرباني 11: 204.
(6) سنن الترمذي 3: 194، حديث 833، وسنن البيهقي 5: 46، وسنن النسائي 5: 136، وسنن أبي داود 2: 165، حديث 1825.

[ 295 ]

مسألة 74: يكره للمرأة أن تختضب للاحرام قصدا به الزينة، فإن قصدت به السنة لم تكن به بأس. وقال الشافعي: يستحب ذلك (1)، ولم يفصل. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2)، وطريقة الاحتياط تقتضيه، لأن مع تركه يتحقق كمال الاحرام، وليس على استحبابه مطلقا دليل. مسألة 75: من لا يجد النعلين، لبس الخفين، وقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين على جهتهما. وبه قال عمر، وابن عمر، والنخعي، وعروة بن الزبير، والشافعي، وأبو حنيفة وعليه أهل العراق (3). وقال عطاء وسعيد بن مسلم: القداح يلبسهما غير مقطوعين، ولا شئ عليه (4) وبه قال أحمد بن حنبل (5) وقد رواه أيضا أصحابنا (6) وهو الأظهر. دليلنا: أنه إذا لم يلبسهما غير مقطوعين لا خلاف في كمال إحرامه، وإذا

(1) الأم 2: 150، والوجيز 1: 117، والمجموع 7: 360، وفتح العزيز 7: 252، والسراج الوهاج: 157، ومغني المحتاج 1: 480.
(2) من لا يحضره الفقيه 2: 223 حديث 1024، والتهذيب 5: 300 حديث 1020، والاستبصار 2: 181 حديث 601.
(3) الأم 2: 147، وكفاية الأخيار 1: 140، والمجموع 7: 261 و 265، وفتح العزيز 7: 440، والفتاوى الهندية 1: 224، وتبيين الحقائق 2: 12، وبدائع الصنائع 2: 173، وعمدة القاري 10: 198، والمغني لابن قدامة 3: 278، وفتح القدير 2: 142، والشرح الكبير 3: 282، وبداية المجتهد 1: 361، والفتح الرباني 11: 202.
(4) الأم 2: 148، والمجموع 7: 265، والمغني لابن قدامة 3: 277، والشرح الكبير 3: 282، وبداية المجتهد 1: 316، وعمدة القاري 10: 198، والفتح الرباني 11: 203.
(5) المجموع 7: 265، والمغني لابن قدامة 3: 277، والشرح الكبير 3: 281، وعمدة القاري 10: 198.
(6) رواه الشيخ الكليني في الكافي 4: 347 حديث 2 و 6، والفقيه 2: 217 حديث 996.

[ 296 ]

لبسهما كما هما فيه الخلاف. وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين " (1) وهذا نص. وأما الرواية الأخرى فقد ذكرناها في الكتاب المقدم ذكره (2). مسألة 76: من كان معه نعلان وشمشك (3) لا يجوز له أن يلبس الشمشك. وقال أبو حنيفة: هو بالخيار يلبس أيهما شاء (4) وبه قال بعض أصحاب الشافعي (5) وقال في الأم: لا يلبسهما، فإن فعل افتدى (6). دليلنا: إنه إذا لم يلبسهما كمل إحرامه بلا خلاف، وإذا لبسهما ففي كماله خلاف، فالاحتياط يقتضي تركهما. مسألة 77: من لبس الخفين المقطوعين مع وجود النعلين لزمه الفداء. وهو منصوص الشافعي (7) وفي أصحابه من قال: لا فدية عليه (8) وبه قال أبو حنيفة (9).

(1) انظر صحيح البخاري 2: 169، وصحيح مسلم 2: 834 حديث 1177، وموطأ مالك 1: 325 حديث 8، وسنن الترمذي 3: 165 ذيل حديث 836، وسنن ابن ماجة 2: 977 حديث 2929، وسنن النسائي 5: 135، وسنن الدارمي 2: 32.
(2) التهذيب 5: 70 حديث 229.
(3) قال الطريحي: الشمشك بضم الشين وكسر الميم قيل إنها المشاية البغدادية وليس فيه نص من أهل اللغة. مجمع البحرين 5: 277.
(4) انظر المبسوط 4: 127، وعمدة القاري 10: 199، وبداية المجتهد 1: 361، وفيها " الخف المقطوع " بدلا عن الشمشك.
(5) انظر المجموع 7: 261، وفيه: غير النعلين والدارس. (6) الأم 2: 147 وفيه " الخفين " بدلا عن الشمشك ونحوه في بداية المجتهد 1: 361.
(7) المجموع 7: 261، وفتح العزيز 7: 453، والمغني لابن قدامة 3: 279، والشرح الكبير 3: 283.
(8) المجموع 7: 261، وفتح العزيز 7: 453.
(9) المجموع 7: 261، والشرح الكبير 3: 283، والمغني لابن قدامة 3: 279.

[ 297 ]

دليلنا: طريقة الاحتياط، فإنه إذا كفر برئت ذمته بيقين، وإذا لم يفد ففيه خلاف. وأيضا ما روي عنهم عليهم السلام من قولهم: " كل من لبس ما لا يحل له لبسه، أو أكل طعاما لا يحل له فعليه فدية " (1) وذلك داخل فيه. مسألة 78: من لا يجد ميزرا ووجد سراويلا لبسه، ولا فدية عليه، ولا يلزمه فتقه. وبه قال ابن عباس، والشافعي، والثوري، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور (2). وقال مالك: لا يفعل ذلك، فإن فعل فعليه الفداء (3). وقال أبو حنيفة: لا يلبسه بحال، فإذا عدم الأزار لبسه مفتوقا، فإن لبسه غير مفتوق فعليه الفداء (4) وربما ذكر أصحابه جواز لبسه عند عدم الأزار، وإذا لبسه فعليه الفداء (5) دليلنا: ما ذكرناه في الكتاب المذكور من الأخبار، وأنهم قالوا لا بأس بلبسه (6). ولم يذكروا فتقه، ولا وجوب الفدية. وأيضا الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل. مسألة 79: من لبس القباء، فإن أدخل كتفيه فيه ولم يدخل يديه في كميه

(1) التهذيب 5: 369 حديث 1287.
(2) مختصر المزني: 66، والمجموع 7: 266، وسنن الترمذي 3: 196، والمغني لابن قدامة 3: 277، والشرح الكبير 3: 281، وبداية المجتهد 1: 316 و 361.
(3) موطأ مالك 1: 325، والمغني لابن قدامة 3: 277، والشرح الكبير 3: 281، والمجموع 7: 266، وبداية المجتهد 1: 316 و 361.
(4) المبسوط 4: 126، وبدائع الصنائع 2: 184، والمجموع 7: 266، والمغني لابن قدامة 3: 277، والشرح الكبير 3: 281، وبداية المجتهد 1: 316 و 361.
(5) المجموع 7: 266.
(6) التهذيب: 69 حديث 35، وانظر الكافي 4: 347 حديث 6: والفقيه 2: 218 حديث 998.

[ 298 ]

ولا يلبسه مقلوبا كان عليه الفداء. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا شئ عليه (2). ومتى توشح به كالرداء لا شئ عليه بلا خلاف. دليلنا: طريقة الاحتياط، والقطع على تمام الاحرام وصحة نسكه إذا افتدى، وليس على قول من أسقطها دليل. وروى ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا يلبس المحرم القميص ولا الأقبية " (3). مسألة 80: لا يجوز للمحرم لبس السواد. ولم يكره أحد من الفقهاء ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 81: يجب على المحرم كشف رأسه بلا خلاف، وكشف وجهه غير واجب. وبه قال في الصحابة علي عليه السلام، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، وجابر، ومروان بن الحكم (4) ولا مخالف لهم فيه. وبه قال الشافعي، والثوري، وأحمد وإسحاق (5).

(1) المجموع 7: 266، وفتح العزيز 7: 441، والمغني لابن قدامة 3: 285، والشرح الكبير 3: 287، وكفاية الأخيار 1: 140، وحاشية الخرشي 2: 345.
(2) المبسوط 4: 125، وبدائع الصنائع 2: 184، والمجموع 7: 266، وفتح العزيز 7: 441، والمغني لابن قدامة 285 6 3، والشرح الكبير 3: 287.
(3) روى البيهقي في سننه 5: 50 بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن لبس القميص والأقبية.
(4) المجموع 7: 268، والمغني لابن قدامة 3: 310، والشرح الكبير 3: 279.
(5) الأم 7: 241، والمجموع 7: 268، ومغني المحتاج 1: 518، وفتح العزيز 7: 446، وتبيين الحقائق 2: 12، وبدائع الصنائع 2: 185، والمغني لابن قدامة 3: 310، والشرح الكبير 3: 279، وكفاية الأخيار 1: 140، والسراج الوهاج: 168، وشرح النووي على صحيح البخاري المطبوع مع إرشاد الساري 5: 181.

[ 299 ]

وقال أبو حنيفة ومالك: يجب عليه كشف وجهه (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل الإباحة، فمن ادعى الحظر فعليه الدلالة. مسألة 82: إذا حمل على رأسه مكتلا أو غيره لزمه الفداء. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: لا يلزمه، وبه قال عطاء (3). دليلنا: عموم ما روي فيمن غطى رأسه أن عليه الفدية (4) ولم يفصلوا. مسألة 83: إذا لبس المحرم، ثم صبر ساعة، ثم لبس شيئا آخر، ثم لبس بعد ساعة، فعليه عن كل لبسة كفارة، سواء كفر عن الأولى أو لم يكفر، وكذلك الحكم في الطيب. وقال الشافعي: إن كان كفر عن الأولى لزمته الكفارة ثانية قولا واحدا (5) وإن لم يكفر ففيها قولان: قال في القديم: يتداخل، فعليه كفارة واحدة (6)، وبه قال محمد (7).

(1) تبيين الحقائق 2: 12، وبدائع الصنائع 2: 185، والمغني لابن قدامة 3: 310، والشرح الكبير 3: 279، وبداية المجتهد 1: 317، والمجموع 7: 268، وفتح العزيز 7: 446.
(2) الوجيز 1: 124، والمجموع 7: 253، وفتح العزيز 7: 435، والمغني لابن قدامة 3: 309، والشرح الكبير 3: 278.
(3) اللباب 1: 181، والفتاوى الهندية 1: 242، وتبيين الحقائق 2: 12، والمغني لابن قدامة 3: 309، والشرح الكبير 3: 278، والمجموع 7: 253، وفتح العزيز 7: 435.
(4) التهذيب 5: 207 حديث 1049.
(5) مختصر المزني: 66، والمجموع 7: 379.
(6) الوجيز 1: 127، والمجموع 7: 379، وكفاية الأخيار 1: 141.
(7) شرح فتح القدير 2: 228، وبدائع الصنائع 2: 189.

[ 300 ]

وقال في الأم والإملاء مثل ما قلناه (1). وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف (2). دليلنا: إنه لا خلاف أنه يلزمه بكل لبسة كفارة، فمن ادعى تداخلها فعليه الدلالة. وطريقة الاحتياط تقتضي ما قلناه، لأن معه تبرأ ذمته بيقين. مسألة 84: إذا وطأ المحرم ناسيا، أو لبس أو تطيب ناسيا، لم تلزمه الكفارة. وبه قال الشافعي، وعطاء بن أبي رباح، والثوري، وأحمد، وإسحاق (3). وقال أبو حنيفة ومالك: عليه الفدية (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5)، وطريقة براءة الذمة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " رفع عن أمتي ثلاث: النسيان والخطأ وما استكرهوا عليه " (6). مسألة 85: إذا لبس ناسيا في حال إحرامه، وجب عليه نزعه في الحال إذا ذكر، فإن استدام ذلك لزمه الفداء، وإذا أراد نزعه فلا ينزعه من رأسه بل يشقه من أسفله.

(1) مختصر المزني: 66، والوجيز 1: 127، والمجموع 7: 379، وكفاية الأخيار 1: 141.
(2) شرح فتح القدير 2: 228، وبدائع الصنائع 2: 189.
(3) الأم 2: 154 و 203، والمحلى 7: 258، والمجموع 7: 343، والمغني لابن قدامة 3: 339، وبداية المجتهد 1: 371، ومغني المحتاج 1: 520، والشرح الكبير 3: 353.
(4) اللباب 1: 203، والمحلى 7: 256، والمغني لابن قدامة 3: 339، والشرح الكبير 3: 353.
(5) الكافي 4: 374 حديث 4، والفقيه 2: 224 حديث 1049، والتهذيب 5: 318 حديث 1095.
(6) رواه حملة الحديث بألفاظ مختلفة، انظر سنن ابن ماجة 1: 659 حديث 2043 و 2045، وسنن الدارقطني 4: 170 حديث 33، ومستدرك الصحيحين 2: 198، وسنن البيهقي 7: 356 - 357، وخبار أصفهان 1: 90 و 251، وسنن سعيد بن منصور 1: 278 حديث 1144، ومن لا يحضره الفقيه 1: 36 حديث 132، والخصال 2: 417 حديث 9.

[ 301 ]

وقال الشافعي: ينزعه من رأسه (1). وحكي عن بعض التابعين أنه قال: ينزعه من أسفل بأن يشقه حتى لا يغطي (2). وهذا مثل ما قلناه. وإن كان لبسه قبل الاحرام نزعه من رأسه. دليلنا: طريقة الاحتياط، فإنه متى فعل كما قلناه كمل إحرامه بلا خلاف، وإذا لم يفعل ففيه الخلاف، وأخبارنا صريحة بذلك مفصلة ذكرناها في الكتاب الكبير (3). مسألة 86: إذا لبس أو تطيب مع الذكر فعليه الفدية بنفس الفعل، سواء استدامه أو لم يستدمه، حتى لو لبس ثم نزع عقيبه أو تطيب ثم غسل عقيبه. وبه قال الشافعي (4). وكان أبو حنيفة يقول في القديم: إن استدام اللباس أكثر النهار ففيه الفدية، وإن كان أقل فلا فدية، وقال: أخيرا إن استدامه طول النهار ففيه الفدية، وإن كان أقل من ذلك فلا فدية فيه، ولكن فيه الصدقة (5). ووافقنا في الطيب (6). وعن أبي يوسف روايتان مثل قول أبي حنيفة (7). دليلنا: عموم الأخبار التي تضمنت الفدية (8)، ولم يفرقوا فيها بين من استدامه أو لم يستدمه، وطريقة الاحتياط تقتضيه، لأنه إذا أفدى برئت ذمته بيقين، وإذا لم يفد فيه الخلاف.

(1) الأم 2: 154، والمجموع 7: 340.
(2) عمدة القاري 10: 210، والمجموع 7: 340.
(3) التهذيب 5: 72 حديث 237 و 238.
(4) الأم 2: 154، والمجموع 7: 254، وفتح العزيز 7: 251 - 252، وبدائع الصنائع 2: 187.
(5) و (6) اللباب 1: 199 - 200، والهداية 1: 161، وشرح فتح القدير 2: 228، وبدائع الصنائع 2: 187.
(7) الهداية 1: 161، وشرح فتح القدير 2: 228، وبدائع الصنائع 2: 187.
(8) التهذيب 5: 369 حديث 1287.

[ 302 ]

وأيضا قوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو نسك " (1) ومعناه من كان منكم مريضا فلبس أو طيب أو حلق بلا خلاف، فعلق الفدية بنفس الفعل دون الاستدامة. مسألة 87: من طيب كل العضو أو بعضه فعليه الفداء، وإن ستر بعض رأسه فعليه الفدية، وإن وجد نعلين بعد لبس الخفين المقطوعين وجب عليه نزع الخفين ولبسهما، فإن لم يفعل فعليه الفداء وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إن تطيب جميع العضو، أو لبس في العضو كله كاليد والرجل فيه الفدية، وإن لبس في بعضه أو طيب بعضه فلا فدية وتجب الصدقة إلا في الرأس فإنه إذا أستر بعضه ففيه الفدية، فأما لبس الخفين المقطوعين أسفل من الكعبين فلا فدية عنه، فإنه لا يستر جميع العضو (3). دليلنا: عموم الأخبار (4)، والآية، وطريقة الاحتياط. مسألة 88: ما عدا المسك، والعنبر، والكافور، والزعفران، والورس، والعود عندنا لا يتعلق به الكفارة إذا استعمله المحرم. وخالف جميع الفقهاء في ذلك، فأوجبوا في استعمال ما عداها الكفارة (5). والأخبار التي ذكرناها ليس فيها خلاف.

(1) البقرة: 196.
(2) الأم 2: 147 و 151 و 154، والوجيز 1: 117، والمجموع 7: 270 - 271، وعمدة القاري 10: 203، والمعني لابن قدامة 3: 279، وبداية المجتهد 1: 316، وكفاية الأخيار 1: 140 - 141.
(3) الهداية 1: 161، والمبسوط 4: 122 و 128، وشرح فتح القدير 2: 225، والمغني لابن قدامة 3: 279، وبداية المجتهد 1: 316، وعمدة القاري 10: 159.
(4) الكافي 4: 354 حديث 2، والفقيه 2: 223 حديث 1047، والتهذيب 5: 305 حديث 1039 و 5: 308 حديث 1054.
(5) انظر الأم 2: 152، والوجيز 1: 124، والمجموع 7: 282 - 283، والمغني لابن قدامة 3: 296 و 298، وبداية المجتهد 1: 317، وعمدة القاري 10: 197، ومغني المحتاج 1: 520.

[ 303 ]

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (1)، وأيضا الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دلالة. مسألة 89: الريحان الفارسي إذا شمه، لا يتعلق به الفدية. واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال مثل ما قلناه، وبه قال عطاء وعثمان وابن عباس (2). وقال آخرون: هو طيب، وبه قال ابن عمر وجابر (3). دليلنا: إن الأصل الإباحة، وبراءة الذمة، فمن حظره أو أوجب به كفارة فعليه الدلالة. وكذلك الخلاف في النرجس، والمرز نجوش، واللفاح، والبرم، والبنفسج، مسألة 90: الدهن على ضربين: طيب وغير طيب فالطيب هو: البنفسج، والورد، والزنبق، والخيري، والنيلوفر، والبان وما في معناها لا خلاف أن فيه. الفدية على أي وجه استعمله. والضرب الثاني ليس بطيب مثل الشيرج، والزيت، والسليخ من البان، والزبد، والسمن لا يجوز عندنا الأدهان به على وجه، ويجوز أكله بلا خلاف. فأما وجوب الكفارة بالأدهان بما قلناه فلست أعرف فيه نصا، والأصل براءة الذمة. واختلف الناس على أربعة مذاهب:

(1) التهذيب 5: 299 حديث 11.
(2) المجموع 7: 274، و 283، والمغني لابن قدامة 3: 297، والشرح الكبير 3: 291، وعمدة القاري 10: 156 - 157.
(3) الأم 2: 152، والوجيز 1: 124، والمجموع 7: 274 و 283، ومغني المحتاج 1: 520، والمغني لابن قدامة 3: 297، والشرح الكبير 3: 291.

[ 304 ]

فقال أبو حنيفة: فيه الفدية على كل حال (1). وقال الحسن بن صالح بن حي: لا فدية فيه بحال (2). وقال الشافعي: فيه الفدية في الرأس واللحية، ولا فديه فيما عداهما (3). وقال مالك: إن دهن به ظاهر بدنه ففيه الفدية، وإن كان في بواطن بدنه فلا فدية (4). دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، فمن أوجب فيه الفدية فعليه الدلالة. وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله إدهن وهو محرم بزيت (5). مسألة 91: من أكل طعاما فيه شئ من الطيب، فعليه الفدية على جميع الأحوال. وقال مالك: إن مسته النار فلا فدية (6). وقال الشافعي: إن كانت أوصافه باقية من طعم أو لون أو رائحة فعليه الفدية، وإن بقي له وصف ومعه رائحة ففيه الفدية قولا واحدا (7). وإن لم يبق غير لونه وما بقي ريح ولا طعم فيه، قولان: أحدهما مثل ما

(1) اللباب 1: 199، والمبسوط 4: 122، والفتاوى الهندية 1: 240، وبدائع الصنائع 2: 190، وتبيين الحقائق 2: 53، والمجموع 7: 282، والمغني لابن قدامة 3: 306، وفتح العزيز 7: 462.
(2) المجموع 7: 282.
(3) الأم 2: 152، ومختصر المزني: 66، والمجموع 7: 279 و 282 و 462، والوجيز 1: 125، والمبسوط 4: 122، والمغني لابن قدامة 3: 306، ومغني المحتاج 1: 520، وبدائع الصنائع 2: 190.
(4) بلغة السالك 1: 288، والمغني لابن قدامة 3: 306، والمجموع 7: 282، وفتح العزيز 7: 462.
(5) سنن الترمذي 3: 218 حديث 969، وسنن ابن ماجة 2: 1030 حديث 3083، ومسند أحمد بن حنبل 2: 59، وفي الجميع اختلاف يسير في اللفظ.
(6) الموطأ 1: 330 والمغني لابن قدامة 3: 304، والشرح الكبير 3: 289، وبلغة السالك 1: 289.
(7) الأم 2: 152 و 204، والمجموع 7: 282، وكفاية الأخيار 1: 141، والمغني لابن قدامة 3: 304، والشرح الكبير 3: 289 - 290.

[ 305 ]

قلناه. والثاني: لا فديه عليه (1). دليلنا: عموم الأخبار في أن من أكل طعاما لا يحل له أكله وجبت عليه الفدية (2). وطريقة الاحتياط أيضا تقتضيه. مسألة 92: العصفر والحناء ليسا من الطيب، فإن لبس المعصفر كان مكروها وليس عليه فدية. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: هما طيبان، فمن لبس المعصفر وكان مفدما (4) مشعبا فعليه الفدية، وإلا فلا فدية عليه (5). دليلنا: إن الأصل الإباحة وبراءة الذمة، فمن حظرها أو أوجب الفدية باستعمالهما فعليه الدلالة. والأخبار صريحة عن أهل البيت عليهم السلام بأن ذلك ليس من الطيب (6). وروي أن عمر بن الخطاب أبصر على عبد الله بن جعفر ثوبين مضرجين وهو محرم، فقال: ما هذه الثياب؟ فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: ما أخال أحدا يعلمنا بالسنة، فسكت عمر (7).

(1) الأم 2: 152 و 204، والمجموع 7: 282، وكفاية الأخيار 2: 141.
(2) الكافي 4: 354 حديث 3، ومن لا يحضره الفقيه 2: 223 حديث 1046، والتهذيب 5: 369 - 370 حديث 1287.
(3) الأم 2: 148، والمجموع 7: 278 و 282، والمغني لابن قدامة 3: 300، وبدائع الصنائع 2: 185. (4) المقدم: أي الممتنع من قبول الصبغ لتناهي شبعه. انظر النهاية 3: 421 مادة (فدم).
(5) المبسوط 4: 126، وعمدة القاري 10: 157، وبدائع الصنائع 2: 185 و 191، والمجموع 7: 281 - 282، وبداية المجتهد 1: 317، والمغني لابن قدامة 3: 300، (6) الكافي 4: 342 حديث 17، والفقيه 2: 216 حديث 16، والتهذيب 5: 69 حديث 224، والاستبصار 2: 165 حديث 541.
(7) أخرجه الشافعي في الأم 2: 147.

[ 306 ]

مسألة 93: إذا مس طيبا ذاكرا لإحرامه، عالما بالتحريم، رطبا، كالغالية والمسك والكافور إذا كان مبلولا بماء ورد أو دهن طيب، فعليه الفدية في أي موضع كان من دية، ولو بعقبه. وكذلك لو سعط به أو حقن به. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة لو ابتلع الطيب فلا فدية (2). وعندنا وعند الشافعي ظاهر البدن وباطنه سواء، وكذلك إن حشي جرحه بطيب فداواه. دليلنا: عموم الأخبار التي وردت فيمن استعمل الطيب أن عليه الفدية (3) وهي عامة في جميع المواضع، وطريقة الاحتياط أيضا تقتضيه، لأنه إذا كفر برئت ذمته بيقين، وإن لم يكفر ففيه الخلاف. مسألة 94: وإن كان الطيب يابسا مسحوقا، فإن علق بيده منه شئ فعليه الفدية، وإن لم يعلق بحال فلا فدية، وإن كان يابسا غير مسحوق كالعود والعنبر والكافور فإن علق بيده رائحته فعليه الفدية. وقال الشافعي: إن علق به رائحته فيها قولان (4). دليلنا: عموم الأخبار (5) وطريقة الاحتياط تقتضيه. مسألة 95: إذا مس خلوق الكعبة لا فدية عليه، عالما كان أو جاهلا، عامدا أو ناسيا.

(1) الأم 2: 152، والمجموع 7: 270 - 271، وكفاية الأخيار 1: 141، ومغني المحتاج 1: 520.
(2) الفتاوى الهندية 1: 241، والمبسوط 4: 124، وبدائع الصنائع 2: 191، والمجموع 7: 282.
(3) الكافي 4: 354 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 2: 224 حديث 1047، والتهذيب 5: 305 حديث 1039.
(4) الأم 2: 152، ومختصر المزني: 66، والوجيز 1: 125، والمجموع 7: 272.
(5) الكافي 4: 354 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 2: 224 حديث 1047، والتهذيب 5: 305 حديث 1039.

[ 307 ]

وقال الشافعي: إن جهل أنه طيب فبان طيبا رطبا، فإن غسله في الحال وإلا فعليه الفدية، وإن علمها طيبا فوضع يده عليه يعتقده يابسا فبان رطبا ففيها قولان (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2) فإن هذه المسألة منصوصة لهم، وأيضا الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل. مسألة 96: يكره للمحرم القعود عند العطار الذي يباشر العطر، وإن جاز في زقاق العطارين أمسك على أنفه. وقال الشافعي: لا بأس بذلك، وأن يجلس عند رجل متطيب عند الكعبة، وفي جوفها وهي تجمر إذا لم يقصد ذلك، وإن قصد الإستشمام كره له ذلك، إلا الجلوس عند البيت وفي وجوفه، وإن شم هناك طيبا فإنه لا يكره (3). دليلنا: إجماع الفرقة فإنها منصوصة لهم (4)، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك. مسألة 97: يكره للمحرم أن يجعل الطيب في خرقة ويشمها، فإن فعل فعليه الفداء. وقال الشافعي: لا كفارة عليه ولا بأس به (5). دليلنا: عموم الأخبار الواردة في المنع من الطيب (6) فإنهم لم يفصلوا في ذلك، وطريقة الاحتياط تقتضي ما قلناه.

(1) الأم 2: 152 و 204، والوجيز 1: 125، والمجموع 7: 338.
(2) التهذيب 5: 299 حديث 1015.
(3) الأم 2: 152، والوجيز 1: 125، والمجموع 7: 280 و 283، وكفاية الأخيار 1: 141.
(4) التهذيب 5: 304 حديث 1039.
(5) الأم 2: 152، والمجموع 7: 275، وكفاية الأخيار 1: 141.
(6) الكافي 4: 353 الحديث الأول، والتهذيب 5: 304 حديث 1039.

[ 308 ]

مسألة 98: لا يجوز للمحرم أن يحلق رأسه كله ولا بعضه مع الاختيار بلا خلاف، فإن حلق لعذر جاز وعليه الفدية، وحد ما يلزم فيه الفدية ما يقع عليه اسم الحلق. وحد الشافعي ذلك بثلاث شعرات فصاعدا إلى جميع الرأس (1). وقال أبو حنيفة بحلق ربع الرأس فصاعدا، فإن كان أقل من الربع فعليه الصدقة (2). دليلنا: قوله تعالى: " ولا تحلقوا رءوسكم " 03) وهذا نهي عما يقع عليه اسم الحلق، ثم قال: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية " (4) ومعناه فحلق " ففدية " فما يقع عليه هذا الاسم يجب في الفدية. مسألة 99: إذا حلق أقل من ثلاث شعرات، لا تلزمه الفدية. ويتصدق بما استطاع. وقال الشافعي: يتصدق بشئ (5). وربما قال: مد عن كل شعرة (6). وربما قال: ثلث شاة (7). وربما قال: درهم (8). وهكذا قوله في ثلاث ليالي منى إذا بات بغيرها (9).

(1) مختصر المزني: 66، والمجموع 7: 364 و 374، وكفاية الأخيار 1: 144، والمنهاج القويم: 442، والشرح الكبير 3: 270، والمحلى 7: 213.
(2) اللباب 1: 200، والهداية 1: 161، وشرح فتح القدير 2: 229، والمحلى 7: 212، والمجموع 7: 374، والشرح الكبير 3: 271.
(3) البقرة: 196 (4) البقرة: 196.
(5) المجموع 7: 374.
(6) الوجيز 1: 125، والمجموع 7: 371، وفتح العزيز 7: 467، ومغني المحتاج 1: 521، والسراج الوهاج: 168، والمغني لابن قدامة 3: 530، والشرح الكبير 3: 271.
(7) الوجيز 1: 125، والمجموع 7: 371، وفتح العزيز 7: 467، ومغني المحتاج 1: 521.
(8) المجموع 7: 371، والوجيز 1: 125، وفتح العزيز 7: 467، والسراج الوهاج: 169، ومغني المحتاج 1: 521.
(9) المجموع 7: 367 و 372، وفتح العزيز 7: 467، والمغني لابن قدامة 3: 532، والشرح الكبير 3: 272.

[ 309 ]

وهكذا في الأظفار الثلاثة، وفي ثلاث حصيات، فإن في الثلاث دما قولا واحدا، فما دونه فيه الأقوال الثلاثة (1). وقال مجاهد: لا شئ عليه (2). وعن مالك روايتان كقول الشافعي، وقول مجاهد (3). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، ولا يتناوله اسم الحلق، وأما الصدقة فطريق وجوبها الاحتياط. وما روي عنهم عليهم السلام من أن من مس شعر رأسه ولحيته فسقط شئ من شعر رأسه ولحيته يتصدق بشئ (4) يتناول هذا الموضع. مسألة 100: من قلم أظفار يديه لزمته فدية، فإن قلم دون ذلك لزمه عن كل أصبع مد من طعام. وقال أبو حنيفة: إن قلم خمسة أصابع من يد واحدة لزمته الفدية (5) ورواه أيضا أصحابنا - وإن قلم أقل من ذلك من يد أو خمسة من اليدين فعليه الصدقة (6). وقال الشافعي: إن قلم ثلاث أصابع لزمته فدية، سواء كانت من يد واحدة أو من اليدين، وإن قلم الأظفار كلها لزمته أيضا فدية واحدة إذا كان في مجلس واحد، وإن كان في مجالس لزمه عن كل ثلاثة فدية. وهكذا قوله في شعر رأسه: كلما حلق ثلاث شعرات لزمته فدية، وإن حلق

(1) المجموع 7: 372.
(2) و (3) المجموع 7: 374، والمغني لابن قدامة 3: 531.
(4) الكافي 4: 361 حديث 11، والفقيه 2: 229 حديث 1089، والتهذيب 5: 338 حديث 1171، والاستبصار 2: 198 حديث 668.
(5) اللباب 1: 200 - 201، والهداية 1: 162 - 163، والمبسوط 4: 78، والمجموع 7: 376، والمغني لابن قدامة 3: 532.
(6) نسبه العلامة الحلي في المختلف 1: 115 لابن الجنيد.

[ 310 ]

جميع الرأس لزمته فدية واحدة (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2) وأيضا ما قلناه مجمع على وجوب تعلق الدم به، وما قالوه ليس عليه دليل، والأصل براءة الذمة، وأخبار الخاصة في ذلك قد ذكرناها. مسألة 101: إذا قلم ظفرا واحدا تصدق بمد من طعام. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدهما مثل ما قلناه. والثاني: فيه درهم. والثالث: فيه ثلث شاة (3). وإن قلم ثلاثة أظافير في ثلاثة أوقات ففي كل واحد ثلاثة أقوال، ولا يقول: إذا تكاملت ثلاثة فيها دم (4). وفي أصحابه من قال: دم، وليس هو المذهب عندهم (5). دليلنا: إجماع الفرقة على ما قلناه وأخبارهم (6)، وطريقة الاحتياط في اعتبار المد، وطريقة براءة الذمة في المنع من إيجاب شاة، أو ثلث شاة أو درهم كذلك.

(1) الأم 2: 206، ومختصر المزني: 66، والمجموع 7: 376، والمنهاج القويم: 342 - 343، ومغني المحتاج 1: 521، وكفاية الأخيار 1: 144، والسراج الوهاج: 168، والمغني لابن قدامة 3: 532.
(2) من لا يحضره الفقيه 2: 227 حديث 1075، والتهذيب 5: 332 حديث 1142، والاستبصار 2: 194 حديث 651.
(3) الأم 2: 206، ومختصر المزني: 66، والوجيز 1: 127، والمجموع 7: 366، و 371 و 376، وفتح العزيز 7: 467.
(4) الأم 2: 206، ومختصر المزني: 66، والوجيز 1: 127، والمجموع 7: 366 و 371 و 376، وفتح العزيز 7: 467، ومغني المحتاج 1: 521، والسراج الوهاج 168 - 169، وبداية المجتهد 1: 367.
(5) انظر الأم 2: 206، ومختصر المزني: 66، والوجيز 1: 125، والمجموع 7: 371 و 376.
(6) من لا يحضره الفقيه 2: 227 حديث 1075، والتهذيب 5: 332 حديث 1142، والاستبصار 2: 194 حديث 651.

[ 311 ]

مسألة 102 من حلق أو قلم ناسيا لم يلزمه الفداء، والصيد يلزمه فداءه ناسيا كان أو عامدا، فأما إذا فعل ذلك جاهلا لزمه الفداء على كل حال. وقال الشافعي: يلزمه الفداء عالما كان أو جاهلا، ناسيا كان أو ذكرا، وإن زال عقله بجنون أو إغماء ففيه قولان (1). دليلنا: إجماع الفرقة وبراءة الذمة. وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " رفع عن أمتي ثلاث: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (2). فأما الصيد فلا خلاف فيه أنه يلزمه الفداء وإن كان ناسيا. مسألة 103: يجوز للمحرم أن يحلق رأس المحل، ولا شئ عليه. وبه قال الشافعي (3). وقال مالك وأبو حنيفة: ليس له ذلك، فإن فعل فعليه الضمان (4)، والضمان عند أبي حنيفة صدقة (5).

(1) مختصر المزني: 66، والوجيز 1: 126، والمجموع 7: 339، وفتح العزيز 7: 468، والمغني لابن قدامة 3: 526، والشرح الكبير 3: 352.
(2) اختلفت ألفاظ الحديث في المصادر التالية وكلها تدل عليه فلاحظ. سنن ابن ماجة 1: 659 حديث 2043 و 2045، وسنن الدارقطني 4: 170 حديث 33، وسنن البيهقي 7: 356 357، والمستدرك على الصحيحين 2: 198، وسنن سعيد بن منصور 1: 278 حديث 1144 و 1146، وأخبار أصفهان 1: 90، وكنز العمال 12: 155 حديث 34539 وما بعده، والخصال 2: 417 حديث 9، ومن لا يحضره الفقيه 1: 36 حديث 132.
(3) الأم 2: 206، والمجموع 7: 348 و 350، وفتح العزيز 7: 469، والمغني لابن قدامة 3: 529، والشرح الكبير 3: 274.
(4) المدونة الكبرى 1: 428، والخرشي 2: 354، والهداية 1: 162، والمجموع 7: 348 و 350، وفتح العزيز 7: 469.
(5) الهداية 1: 162، والمغني لابن قدامة 3: 529، والشرح الكبير 3: 274، والمجموع 7: 350، فتح العزيز 7: 469.

[ 312 ]

دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل. مسألة 104: المحل لا يجوز له أن يحلق رأس المحرم بحال إذا كان عالما بحاله، لا بإذنه ولا بغير إذنه، فإن فعل لم يلزمه الفداء. وقال الشافعي: إن حلقه بأمره لزم الآخر الفدية، ولا تلزم الحالق. وإن حلقه مكرها أو نائما ففيه قولان: أحدهما: على الحالق الفدية، ولا شئ على المحرم (1)، وبه قال مالك (2). والآخر: أنه يلزم المحرم الفدية، وعلى الحالق صدقة، والصدقة فيه نصف صاع (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل. مسألة 105 إذا حلق محرم رأس محرم لا يلزمه شئ، وإن كان قد فعل قبيحا. وقال أبو حنيفة: إن كان بإذنه فعلى الآذن الفدية، وعلى الحالق صدقة (5).

(1) الأم 2: 206، والوجيز 1: 126، والمجموع 7: 344 و 350، وفتح العزيز 7: 469، ومغني المحتاج 1: 522، والمغني لابن قدامة 3: 530، والشرح الكبير 3: 273.
(2) حاشية الخرشي 2: 354، والمجموع 7: 344 و 350، وفتح العزيز 7: 469.
(3) المجموع 7: 346. (4) الفتاوى الهندية 1: 243، وفتاوى قاضيخان 1: 289، والمجموع 7: 350، وفتح العزيز 7: 469، والمغني لابن قدامة 3: 530، والشرح الكبير 3: 273، والفتح الرباني 11: 224.
(5) الفتاوى الهندية 1: 243، وفتاوى قاضيخان 1: 289، والهداية 1: 162، والمبسوط 4: 73، والمجموع 7: 345 و 350، وفتح العزيز 7: 469.

[ 313 ]

وقال الشافعي: كالمحل يحلق رأس المحرم، إن كان بأمره لزم الآمر الفدية، وإن كان مكروها على قولين، وإن كان ساكتا فعلى وجهين. فأما المحرم فعندنا إن كان بأمره لزمه الفداء، وإن كان بغير أمره لم يلزمه فداء (1). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، فعلى من شغلها الدليل. مسألة 106: الاكتحال بالإثمد (2) مكروه للنساء والرجال. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: مثل ما قلناه، والآخر: أنه لا بأس به (3) هذا إذا لم يكن فيه طيب، فإن كان فيه طيب فلا يجوز. ومن استعمله فعليه الفداء. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وطريقة الاحتياط. وقول النبي صلى الله عليه وآله: " الحاج أشعث أغبر " (4). وذلك ينافي الاكتحال. مسألة 107: يجوز للمحرم أن يغتسل، ولا يجوز له أن يرتمس في الماء،

(1) المجموع 7: 345 و 346 و 350، وفتح العزيز 7: 469، والهداية 1: 162، والمبسوط 4: 73، ومغني المحتاج 1: 522.
(2) الإثمد: بكسر الهمزة والميم، حجر يكتحل به، ويقال: إنه معرب ومعادنه بالمشرق. قاله الطريحي في مجمع البحرين 3: 20 (مادة ثمد).
(3) الأم 2: 150، ومختصر المزني: 66، والوجيز 1: 125، والمجموع 7: 281 و 354، والمغني لابن قدامة 313 6 3 - 314، والفتح الرباني 11: 213.
(4) لم نقف على هذا الحديث بهذا اللفظ في المصادر المتوفرة، وقد روى ابن ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة 1: 225 (في آداب - الحج) حديثا مرسلا عن النبي صلى الله عيه وآله قال: إنما الحاج الشعث التفث. وقال ابن الأثير في النهاية 1: 191 (مادة تفل): في حديث الحج قيل يا رسول الله من الحاج؟ قال: " الشعث التفل " التفل: الذي قد ترك استعمال الطيب.

[ 314 ]

ويكره له أن يدلك جسده ورأسه بل يفيض الماء عليه، فإن سقط شئ من شعره لم يلزمه شئ، ومتى ارتمس في الماء لزمه الفداء، وهو المماقلة والتماقل. وقال الشافعي وباقي الفقهاء: لا بأس بذلك إلا أنه قال: إن سقط شئ من شعره فالأحوط أن يفديه (1). دليلنا: إجماع الفرقة على أن الارتماس لا يجوز، وطريقة الاحتياط تقتضي الامتناع منه، فأما إذا ارتمس فقد غطى رأسه بالماء. وما أوجب الفداء في تغطية الرأس أوجبه ها هنا لدخوله في العموم. مسألة 108: يجوز للمحرم أن يدخل الحمام وإزالة الوسخ عن جسمه، ويكره له دلك بدنه. وبه قال الشافعي، غير أنه لم يكره الدلك (2). وقال مالك: عليه الفدية (3). دليلنا: أن الأصل براءة الذمة والاباحة، فمن حظره أو أوجب عليه شيئا فعليه الدلالة. مسألة 109: يكره أن يغسل رأسه بالخطمي والسدر، وإن فعله لم يلزمه الفداء. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: عليه الفدية (5).

(1) الأم 2: 146 و 205، والوجيز 1: 124، والمجموع 7: 355، وبداية المجتهد 1: 318.
(2) الأم 2: 146، ومختصر المزني: 66، والمجموع 7: 355، وفتح العزيز 7: 463، وعمدة القاري 10: 201، وبداية المجتهد 1: 319.
(3) المدون الكبرى 1: 389، وبداية المجتهد 1: 319، والخرشي 2: 351، وعمدة القاري 10: 201، والمجموع 7: 355.
(4) الأم 2: 146، والمجموع 7: 355، وفتح العزيز 7: 463، والشرح الكبير 3: 313، وعمدة القاري 10: 201.
(5) الفتاوى الهندية 1: 241، وبدائع الصنائع 2: 191، وعمدة القاري 10: 201، والشرح الكبير 3: 313، والمجموع 7: 355، وبداية المجتهد 1: 319.

[ 315 ]

دليلنا: براءة الذمة في الأصل، فمن شغلها فعليه الدلالة. مسألة 110: يكره للمحرم أن يحتجم. وقال الشافعي: لا بأس به (1). وقال مالك: لا يفعل (2). دليلنا: إن الأصل الإباحة، فعلى من منع منه الدلالة، وأما كراهته فعليه إجماع الفرقة. وروي عن ابن عباس أنه قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وآله وهو محرم (3)، وذلك يدل على أنه ليس بمحظور. مسألة 111: إذا كان الولي أو وكيله، أو الزوج أو وكيله في القبول، أو المرأة محرمين أو واحد منهم محرما، فالنكاح باطل. وبه قال في الصحابة علي عليه السلام، وعمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ولا مخالف لهم في الصحابة، وإليه ذهب في التابعين سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، وفي الفقهاء مالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (4). وقالت طائفة: إنه لا تأثير للاحرام في عقد الزواج بوجه، ذهب إليه

(1) الأم 2: 206، ومختصر المزني: 66، والمجموع 7: 355، وفتح العزيز 7: 464.
(2) المدونة الكبرى 1: 428 - 429، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 334، وبلغة السالك 1: 288، والمجموع 7: 355، والفتح الرباني 11: 212، وسنن الترمذي 3: 199.
(3) صحيح البخاري 3: 19، وصحيح مسلم 2: 862 حديث 1202، وسنن الترمذي 3: 199 حديث 841، وسنن أبي داود 2: 167 حديث 1835، وسنن الدارمي 1: 37، وسنن النسائي 5: 193، وسنن ابن ماجة 2: 1029 حديث 3081، ومسند أحمد بن حنبل 1: 215، والمستدرك للحاكم 1: 453.
(4) المحلى 7: 199، ومختصر المزني: 66، والوجيز 1: 127، والمجموع 7: 287 - 288، وفتح العزيز 7: 481، والمغني لابن قدامة 3: 318، والشرح الكبير 3: 318، وبداية المجتهد 1: 320، وعمدة القاري 10: 195، والفتح الرباني 11: 231، وكفاية الأخيار 1: 142.

[ 316 ]

الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، ويرويه عن الحكم (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (2)، فإنهم لا يختلفون في ذلك. وأيضا طريقة الاحتياط تقتضيه، لأنه إذا عقد في حال الاحلال كان العقد صحيحا بلا خلاف، وإذا عقد في حال الاحرام ففيه خلاف. وأيضا فاستباحة الفرج لا يجوز إلا بحكم شرعي بلا خلاف، ولا دليل في الشرع على استباحته بالعقد حال الاحرام. وروى أبان بن عثمان عن عثمان (3) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا ينكح محرم ولا ينكح ولا يخطب " (4) وهذا نص. مسألة 112 إذا أشكل الأمر فلا يدري هل وقع في حال الاحرام أو قبله، فالعقد صحيح، لأن الأصل الإباحة (5). وبه قال الشافعي (6). والأحوط عندي تجديد العقد، لأنه إذا جدد فإن كان وقع العقد الأول حال الاحلال فلا يضر هذا شيئا، وإن كان وقع العقد حال الاحرام فيكون هذا العقد صحيحا، فالاحتياط يقتضي تجديده على ما بيناه. مسألة 113: إن اختلفا، فقالت: وقع العقد بعد إحرامك، وقال هو وقع قبله، فالقول قول الزوج بلا خلاف بيننا وبين الشافعي (1). وإن كان بالضد من ذلك، فادعت أنه كان حلالا، وقال: كنت حراما، حكم عليه بتحريم

(1) وهو قول الشافعي أيضا كما في المجموع 7: 287.
(2) انظر التهذيب 5: 329 حديث 1132 و 1133.
(3) المجموع 7: 283.
(4) المجموع 7: 283، ونسب ابن قدامة في المغني القول إلى بعض أصحاب الشافعي من دون تسمية. انظر المغني 3: 322، والشرح الكبير 3: 320.
(5) صحيح مسلم 2: 1030 حديث 1409، وموطأ مالك 1: 348 حديث 70، وسنن أبي داود 2: 169 حديث 1842، وسنن النسائي 5: 192، ومسند أحمد بن حنبل 1: 64.
(6) المجموع 7: 290، والمحلى 7: 199، وكفاية الأخيار 1: 142، والفتح الرباني 11: 231.
(7) المجموع 7: 290، والمحلى 7: 199، والفتح الرباني 11: 231.

[ 317 ]

الوطء، ولزمه نصف المهر (1). وهذا أيضا ينبغي أن يكون مذهبنا، ويسقط الخلاف فيهما، والحكم في الأمة والحرة سواء إذا اختلفا أو اختلف السيد والزوج. مسألة 114: إذا عقد المحرم على نفسه عالما بتحريم ذلك، أو دخل بها وإن لم يكن عالما، فرق بينهما ولا تحلل له أبدا، ولم يوافقنا عليه أحد من الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط وأخبارهم، قد ذكرناها في الكتاب الكبير (2). مسألة 115: لا يجوز للمحرم أن يشهد على النكاح. وقال الشافعي: لا بأس به (3). وقال أبو سعيد الاصطخري من أصحابه مثل ما قلناه (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا ينكح المحرم، ولا ينكح ولا يشهد " (5) وهذا نص. مسألة 116: كل موضع حكمنا ببطلان العقد في المحرم يفرق بينهما بلا طلاق. وبه قال الشافعي (6). وقال مالك: يفرق بينهما بطلقة (7)، وكذلك كل نكاح وقع فاسدا عنده

[ 318 ]

يفرق بينهما بطلقة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فالطلاق فرع ثبوت العقد، فإذا لم يثبت العقد كيف يطرأ عليه الطلاق، والخبر الذي قدمناه من النهي عن نكاح المحرم يدل على فساده، لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه على ما بين في الأصول (2). مسألة 117: للمحرم أن يراجع زوجته سواء طلقها حلالا ثم أحرم، أو طلقها وهو محرم. وبه قال الشافعي (3). وقال أحمد: لا يجوز ذلك (4). دليلنا: قوله تعالى: " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك " (5) ولم يفصل. وقال: " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " (6) والامساك هو المراجعة، ولم يفصل. فوجب حمله على عمومه. مسألة 118: للمحرم أن يستظل بثوب ينصبه ما لم يكن فوق رأسه بلا خلاف، وإذا كان فوق رأسه مثل الكنيسة، والعمارية، والهودج فلا يجوز له ذلك سائرا، فأما إذا كان نازلا فلا بأس أن يقعد تحت الخيمة، والخباء، والبيوت. وبه قال مالك وأحمد (7). وقال الشافعي: يجوز له ذلك كيف ما ستر (8). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، لأنه إذا لم يستر صح إحرامه

(1) المدونة الكبرى 1: 371 - 372.
(2) عدة الأصول: 99 (الطبعة الحجرية).
(3) مختصر المزني: 66، والمجموع 7: 290.
(4) المغني لابن قدامة 3: 340، والمجموع 7: 290، وشرح الأزهار 2: 86.
(5) البقرة: 228.
(6) البقرة: 229.
(7) المغني لابن قدامة 3: 286، والشرح الكبير 3: 279، والمجموع 7: 267.
(8) المجموع 7: 267، والمغني لابن قدامة 3: 285 - 286، والشرح الكبير 279 3.

[ 319 ]

كاملا بلا خلاف، وإذا ستر ففيه الخلاف. وروي عن ابن عمر أنه قال: أضح لمن أحرمت له (1)، فأمره بالظهور للشمس. مسألة 119: يكره للمحرم النظر في المرآة، رجلا كان أو امرأة. وبه قال الشافعي في سنن الحرملة (2). قال في الأم: لهما أن ينظر في المرآة (3). دليلنا: جماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 120: يجوز للمحرم أن يغسل ثيابه وثياب غيره. وبه قال الشافعي (4). وقال أحمد: أكره له أن يغسل ثياب غيره. دليلنا: إجماع الفرقة، وبراءة الذمة، وإباحة الأصل، فمن ادعى خلاف ذلك فعليه الدلالة. مسألة 121: يجوز دخول مكة نهارا بلا خلاف، ويجوز عندنا دخولها ليلا. وبه قال الشافعي وجميع الفقهاء (5). وحكي عن ابن جريح عن عطاء أنه قال: أكره دخولها ليلا (6). دليلنا: إباحة الأصل، وكراهته تحتاج إلى دليل. مسألة 122: الأدعية المخصوصة التي ذكرناها في الكتاب عند دخول مكة، والمسجد الحرام، ومشاهدة الكعبة (7) لا يعرفها أحد من الفقهاء، ولهم

(1) سنن البيهقي 5: 70.
(2) فتح العزيز 7: 464.
(3) انظر المصدر السابق.
(4) الأم 2: 150.
(5) المجموع 8: 6، والفتح الرباني 12: 9، والمغني لابن قدامة 3: 387، والشرح الكبير 3: 387، وسبل السلام 2: 738، وشرح النووي المطبوع بهامش إرشاد الساري 5: 378.
(6) انظر الفتح الرباني 12: 9.
(7) انظر التهذيب 5: 99 حديث 327 و 328.

[ 320 ]

أدعية غيرها. دليلنا: عمل الطائفة بما أوردناه. مسألة 123: رفع اليدين عند مشاهدة الكعبة لا يعرفه أصحابنا. وقال الشافعي: ذلك مستحب (1). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وشغلها بواجب أو مندوب يحتاج إلى دليل. مسألة 124: المستحب أن يستلم الحجر بجميع بدنه، فإن لم يتمكن واستلمه ببعضه أجزأه. وللشافعي فيه وقولان: أحدهما مثل ما قلناه (2). والثاني قاله في الأم: إنه لا يجزيه (3). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 125: استلام الركن الذي فيه الحجر لا خلاف فيه، وباقي الأركان مستحب استلامها. وبه قال ابن عباس، وابن الزبير، وجابر (4). وقال الشافعي: لا يستلمها - يعني الشاميين - وبه قال عمر، وابن عمر، ومعاوية (5). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم وأخبارهم (6) وطريقة الاحتياط تقتضيه، لأن فعل ذلك لا يضر على حال بلا خلاف.

(1) الأم 2: 169، والمجموع 8: 8، والمغني لابن قدامة 3: 388، والشرح الكبير 3: 389.
(2) المجموع 8: 29 و 32.
(3) الأم 2: 170، والمجموع 8: 29.
(4) المجموع 8: 34 و 58، والمبسوط 4: 49، وبداية المجتهد 1: 330، والمغني لابن قدامة 3: 400، وعمدة القاري 9: 255، وشرح النووي 5: 388، ونيل الأوطار 5: 116.
(5) المجموع 8: 34 و 58، ومغني المحتاج 1: 488، وفتح العزيز 7: 319، والمغني لابن قدامة 3: 400، والفتح الرباني 12: 43 وشرح النووي 5: 388، وعمدة القاري 9: 255.
(6) الكافي 4: 408، والتهذيب 5: 106 حديث 341 و 344، والاستبصار 2: 216 حديث 743 و 745.

[ 321 ]

يستحب استلام الركن اليماني على ما بيناه. وبه قال الشافعي، وقال: يضع يده عليه ويقبلها ولا يقبل الركن (1)، وبه قال مالك إلا أنه قال: يضع يده على فيه ولا يقبلها (2). وقال أبو حنيفة: لا يستلمه أصلا (3). دليلنا: إن ما قلناه مروي عن ابن عمر، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة (5) ولا مخالف لهم في الصحابة. وأيضا عليه إجماع الفرقة وأخبارهم (5) وطريقة الاحتياط تقتضيه. مسألة 127: لا يكره قراءة القرآن في حال الطواف، بل هي مستحبة. وبه قال الشافعي، وحكي ذلك عن مجاهد (6). وقال مالك والأوزاعي: أكره قراءة القرآن في الطواف (7).

(1) مختصر المزني: 67، والمجموع 8: 35، ومغني المحتاج 1: 488، وفتح العزيز 7: 319 - 320، والمبسوط 4: 49، وشرح النووي 5: 390، والمغني لابن قدامة 3: 401.
(2) المغني لابن قدامة 3: 401، وبلغة السالك 1: 276، وفتح العزيز 7: 320، وشرح النووي 5: 39.
(3) المغني لابن قدامة 3: 399 - 400، والشرح الكبير 3: 394 - 395، وفتح العزيز 7: 319، وشرح النووي 5: 390، وفي الفتاوى الهندية 1: 226، والمبسوط 4: 49 ما لفظه: استلام الركن اليماني حسن وتركه لا يضره.
(4) سنن الترمذي 3: 214 حديث و 860 و 861، وسنن أبي داود 2: 175 - 176 حديث 1873 و 1876، وصحيح مسلم 2: 924 حديث 242 و 247، والمغني لابن قدامة 3: 401، وشرح النووي 5: 390.
(5) الكافي 4: 408 حديث 8 و 9، والتهذيب 5: 105 - 106 حديث 342 و 343، والاستبصار 2: 216 حديث 744 و 745. (6) الأم 2: 173، والمجموع 8: 59، وفتح العزيز 7: 324، وعمدة القاري 9: 293، والمغني لابن قدامة 3: 397، والشرح الكبير 3: 401.
(7) المغني لابن قدامة 3: 397، والشرح الكبير 3: 401، والمجموع 8: 59، وعمدة القاري 9: 293.

[ 322 ]

دليلنا: كلما ورد من فضل قراءة القرآن لا يختص بمكان دون مكان (1). وأيضا قوله تعالى: " فاقرؤا ما تيسر من القرآن " (2) وقوله: " فاقرؤا ما تيسر منه " (3) يدلان عليه. مسألة 128: الأفضل أن يقول طواف وطوافان وثلاثة أطواف، فإن قال: شوط وشوطان وثلاثة أشواط جاز. وقال الشافعي: أكره ذكر الشوط (4). وبه قال مجاهد (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل الإباحة. مسألة 129: لا يجوز الطواف إلا على طهارة من حدث ونجس، وستر العورة، فإن أخل بشئ من ذلك لم يصح طوافه، ولا يعتد به. وبه قال مالك، والشافعي، والأوزاعي وعامة أهل العلم (6). وقال أبو حنيفة: إن طاف على غير طهارة فإن أقام بمكة أعاد، وإن عاد إلى بلده وكان محدثا فعليه دم الشاة، وإن كان جنبا فعليه بدنة (7). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، لأنه إذا طاف على طهارة صح طوافه بلا خلاف، وليس على صحته إذا طاف بغير طهارة دليل. وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله لما أراد أن يطوف توضأ، ثم

(1) انظر الكافي 2: 611، وثواب الأعمال: 130 و 133، والاستبصار 2: 227 حديث 785.
(2) و (3) المزمل: 20.
(4) و (5) الأم 2: 176، والمجموع 8: 55 - 56.
(6) الأم 2: 178، ومختصر المزني: 67، والمجموع 8: 17 و 19، وكفاية الأخيار 1: 136، والمنهاج القويم: 418، ومغني المحتاج 1: 485، وبداية المجتهد: 1: 330، وبلغة السالك 1: 274، وعمدة القاري 9: 259، وفتح العزيز 7: 286.
(7) اللباب 1: 203 - 204، والمبسوط 4: 38، والهداية 1: 165، وعمدة القاري 9: 259، وبدائع الصنائع 2: 129، وتبين الحقائق 2: 59، وبداية المجتهد 1: 330، والمجموع 8: 17 و 19.

[ 323 ]

طاف (1). وقد قال عليه السلام: " خذوا عني مناسككم " (2) وهذا أمر يقتضي الايجاب. وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله: " لا صلاة إلا بطهور " (4) فوجب أن يكون حكم الطواف حكمه. مسألة 130: من طاف على وضوء وأحدث في خلاله، إنصرف وتوضأ وعاد، فإن كان زاد على النصف بنى عليه، وإن لم يزد أعاد الطواف. وقال الشافعي: إن لم يطل الفصل بنى قولا واحدا، ولم يفصل، وإن طال فعلى قولين: قال في القديم: إستأنف، وقال في الجديد: بنى، وهو المذهب عندهم ولم يفصل (5).

(1) صحيح البخاري 2: 183، وسنن البيهقي 5: 86.
(2) أخرجه الرافعي في فتح العزيز 7: 303 ورواه ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير المطبوع في هامش المجموع 7: 292 و 293 عن مسلم والنسائي ولم أقف في النسخ المطبوعة على هذا الحديث في مضانه، ورواه ابن أبي جمهور الاحسائي في عوالي اللآلي 1: 215 حديث 73 و 4: 34 حديث 118. علما بأن مسلم في صحيحه 2: 943، والنسائي في سننه 5: 270 وغيرهما رواه بلفظ قريب منه. (3) روى الدارمي في سننه 2: 44 عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه المنطق، وروي البيهقي في سننه أيضا 5: 85 و 87 نحوه باختلاف يسير في اللفظ.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 22 حديث 67، والتهذيب 2: 140 حديث 545، وانظر جميع الصحاح ففيها الحديث بلفظ " لا صلاة بغير طهور ".
(5) الأم 2: 179، والمجموع 8: 48، وفتح العزيز 7: 287، وكفاية الأخيار 1: 136، والمنهاج القويم 419،

[ 324 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (1)، وطريقة الاحتياط فإنه إذا لم يجز النصف وأعاد صح طوافه بلا خلاف. مسألة 131: متى طاف على غير وضوء وعاد إلى بلده، رجع وأعاد الطواف مع الامكان، فإن لم يمكنه استناب من يطوف عنه. وقال الشافعي: يرجع ويطوف، ولم يفصل (2). وقال أبو حنيفة: يجبره بدم (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4) وطريقة الاحتياط، لأن من طاف على ما قلناه برئت ذمته بلا خلاف، وسقط الفرض عنه، هذا على أبي حنيفة، وأما على الشافعي فقوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (5). مسألة 132: الطواف يجب أن يكون حول البيت والحجر معا، فإن سلك الحجر لم يعتد به. وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: إذا سلك الحجر أجزأه (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، لأن من طاف على ما قلناه برئت ذمته بلا خلاف، وسقط الفرض عنه، وإذا لم يفعل ففيه الخلاف. مسألة 133: إذا تباعد من البيت حتى يطوف بالسقاية وزمزم لم يجزه. وقال الشافعي: يجزيه (8).

(1) الكافي 4: 414 حديث 2، والتهذيب 5: 118 حديث 384.
(2) الأم 2: 178 - 179، وفتح العزيز 7: 288.
(3) الهداية 1: 166، واللباب 1: 203، والمبسوط 4: 38، وبدائع الصنائع 2: 129.
(4) الكافي 4: 420 (باب من طاف على غير وضوء)، والفقيه 2: 250 (باب ما يجب على من طاف أو قضى شيئا من المناسك على غير وضوء)، والتهذيب 5: 116 حديث 378 و 385.
(5) الحج: 78.
(6) الأم 2: 176، ومختصر المزني: 67، والمجموع 8: 25.
(7) الهداية 1: 166، والمبسوط 4: 49، وبدائع الصنائع 2: 132.
(8) الأم 2: 177، والمجموع 8: 39، وكفاية الأخيار 1: 133.

[ 325 ]

دليلنا: إن ما ذكرناه مقطوع على إجزائه، وما ذكروه ليس على إجزائه دليل، فالاحتياط أيضا يقتضي ما قلناه. مسألة 134: إذا طاف منكوسا - وهو أن يجعل البيت على يمينه - فلا يجزيه، وعليه الإعادة. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: إن أقام بمكة أعاد، وإن عاد إلى بلده جبره بدم (2). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، والقطع على براءة الذمة إذا فعل ما قلناه، وعدم القطع إذا فعل خلافه. وأيضا لا خلاف أن النبي صلى الله عليه وآله فعل ما قلناه، وقد قال: " خذوا عني مناسككم " (3) فمن خالفه لا يجزيه. مسألة 135: كيفية الطواف: أن يبتدئ في السبع طوافات من الحجر، ثم يأتي إلى الموضع الذي بدأ منه، فإن ترك ولو خطوة منها لم يجزه، ولم تحل له النساء حتى يعود إليها فيأتي بها. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: عليه أن يطوف سبعا، لكنه إذا أتى بمعظمه وهو أربع من سبع أجزأه، فإن عاد إلى بلده جبره بدم، وإن أتى بأقل من أربع لم يجزه (5).

(1) الوجيز 1: 118، والمجموع 8: 60، وفتح العزيز 7: 292، والمبسوط 4: 44، والمغني لابن قدامة 3: 403، والشرح الكبير 3: 407، والفتح الرباني 12: 54.
(2) الفتاوى الهندية 1: 232، والمبسوط 4: 44، والمجموع 8: 60، وفتح العزيز 7: 292، والمغني لابن قدامة 3: 403، والشرح الكبير 407، والفتح الرباني 12: 54.
(3) أخرجه الرافعي في فتح العزيز 7: 303، ورواه ابن حجر العسقلاني في تخليص الحبير المطبوع في هامش المجموع 7: 292 - 293 عن مسلم والنسائي ولم أقف في النسخ المطبوعة على هذا الحديث في مضانه. ورواه أيضا ابن أبي جمهور الاحسائي في عوالي اللآلي 1: 215 حديث 73 و 4: 34 حديث 118، أما رواية مسلم في صحيحه 2: 943، وأبو داود في سننه 2: 201، والنسائي في سننه 5: 270، وأحمد بن حنبل 3: 366 وغيرهم بألفاظ قريبة منه فلاحظ.
(4) الأم 2: 170، وفتح العزيز 7: 303، والمبسوط 4: 46، وبدائع الصنائع 2: 132.
(5) الهداية 1: 166، والمبسوط 4: 46، وبدائع الصنائع 2: 132 وفتح العزيز 7: 304.

[ 326 ]

دليلنا: طريقة الاحتياط، وظواهر الأوامر بسبع طوافات، فمن نقص لا يكون قد امتثل المأمور، وفعل النبي صلى الله عليه وآله، لأنه لا خلاف أنه طاف كما قلناه. 136: لا ينبغي أن يطوف إلا ماشيا مع القدرة، وإنما يطوف راكبا إذا كان عليلا أو من لا يقدر عليه، فإن خالف وطاف راكبا أجزأه ولم يلزمه دم. وقال الشافعي: الركوب مكروه، فإن فعله لم يكن عليه شئ، مريضا كان أو صحيحا (1). وقال أبو حنيفة: لا يركب إلا من عذر من مرض، فإن طاف راكبا فعليه دم (2). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنه لا خلاف بينهم في كراهته، وأما إلزام الدم فيحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة. مسألة 137: إذا طاف وظهره إلى الكعبة لا يجزيه. وبه قال أبو حنيفة (3). وقال أصحاب الشافعي: لا نص للشافعي فيه، والذي يجئ على مذهبه أنه يجزيه (4). دليلنا: طريقة الاحتياط، والقطع على براءة الذمة إذا فعل ما قلناه، وليس على ما قالوه دليل.

(1) الأم 2: 174، والمجموع 8: 27، وفتح العزيز 7: 315، والمسوط 4: 45، وبدائع الصنائع 2: 130، والمنهل العذب 1: 211، والشرح الكبير 3: 404.
(2) المبسوط 4: 45، وبدائع الصنائع 2: 130، والشرح الكبير 3: 404، والمنهل العذب 1: 211.
(3) اللباب 1: 183.
(4) المجموع 8: 13 و 32.

[ 327 ]

مسألة 138: ركعتا الطواف واجبتان عند أكثر أصحابنا (1). وبه قال عامة أهل العلم أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، والثوري (2). وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، والآخر أنهما غير واجبتين (3) وهو أصح القولين عندهم. وبه قال قوم من أصحابنا. دليلنا: قوله تعالى " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " (4) وهذا أمر يقتضي الوجوب. وطريقة الاحتياط أيضا تقتضيه، لأنه إذا صلاهما برئت ذمته بيقين، وإذا لم يصلهما فيه الخلاف، وأخبارنا في هذا المعنى أكثر من أن تحصى، ذكرناها وبينا الوجه في الرواية المخالفة لها (5) ولا خلاف أن النبي صلى الله عليه وآله صلاهما، وظاهر ذلك يقتضي الوجوب. مسألة 139: يستحب أن يصلي الركعتين خلف المقام، فإن لم يفعل وفعل في غيره أجزأه. وبه قال الشافعي (6). وقال مالك: فإن لم يصلهما خلف المقام، فعليه دم (7).

(1) انظر المهذب لابن البراج 1: 68، والمقنعة للشيخ المفيد 63، والكافي لأبي الصلاح: 157، والمراسم لسلار: 110، وجمل العلم والعمل للسيد المرتضى.
(2) اللباب 1: 183، والمبسوط 4: 12، والموطأ 1: 376، وبلغة السالك 274 1، والمغني لابن قدامة 3: 405، والشرح الكبير 3: 414، والمجموع 8: 62، وفتح العزيز 7: 306، ونيل الأوطار 1: 124، والفتح الرباني 12: 74.
(3) الوجيز 1: 118، والمجموع 8: 51 و 62، وفتح العزيز 7: 306 - 307، والمغني لابن قدامة 3: 405، والشرح الكبير 3: 414، والفتح الرباني 12: 74، ونيل الأوطار 1: 124، وكفاية الأخيار 1: 139.
(4) البقرة: 125.
(5) التهذيب 5: 136 حديث 448 و 461.
(6) المجموع 8: 53، وفتح العزيز 7: 309، ومغني المحتاج 1: 491، والمنهاج القويم: 423، وشرح الأزهار 2: 109، وبداية المجتهد 1: 362.
(7) قال النووي في المجموع 8: 62 (وقال مالك إذا صلاهما في الحجر أعاد الطواف والسعي إن كان بمكة، فإن لم يصلهما حتى رجع إلى بلاده أراق دما ولا إعادة عليه). وانظر بداية المجتهد 1: 362.

[ 328 ]

وقال الثوري: يأتي بهما في الحرم (1). دليلنا: أنه لا خلاف أن الصلاة في غيره مجزية، ولا تجب عليه الإعادة، وجبرانه بدم يحتاج إلى دليل، لأن الأصل براءة الذمة. مسألة 140: السعي بين الصفا والمروة ركن، لا يتم الحج إلا به، فإن تركه أو ترك بعضه ولو خطوة واحدة لم تحل له النساء حتى يأتي به. وبه قالت عائشة، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (2). وقال ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب: السعي سنة، ليس بواجب (3). وقال أبو حنيفة: واجب وليس بركن، وهو بمنزلة المبيت بالمزدلفة، فإن تركه فعليه دم (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط في براءة الذمة، وفعل النبي صلى الله عليه وآله، وأمره بالاقتداء به (5). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إن الله تعالى كتب عليكم السعي " (6) ومعناه فرض. مسألة 141: السعي بين الصفا والمروة سبع، يبتدئ بالصفا، ويختم بالمروة

(1) المجموع 8: 62، ومغني المحتاج 1: 491، وبداية المجتهد 362 1.
(2) أحكام القرآن للجصاص 1: 96، والمجموع 8: 77، والجامع لأحكام القرآن 2: 183، وبداية المجتهد 1: 333، وشرح النووي 5: 395.
(3) أحكام القرآن للجصاص 1: 96 والمجموع 8: 77، والجامع لأحكام القرآن 2: 183.
(4) اللباب 1: 184، والمبسوط 4: 50، والمجموع 8: 77، والجامع لأحكام القرآن 2: 183، وشرح النووي المطبوع مع إرشاد الساري 5: 395.
(5) وهو قوله صلى الله عليه وآله " خذوا عني مناسككم ".
(6) سنن البيهقي 5: 98، وحكاه السيوطي في الجامع الصغير 1: 27 حديث 1766 عن الطبراني في معجمه الكبير.

[ 329 ]

بلا خلاف بين أهل العلم، وصفته أن يعد ذهابه إلى المروة دفعة، ورجوعه إلى الصفا أخرى، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة وهكذا. وعليه جميع الفقهاء وأهل العلم إلا أهل الظاهر، وابن جرير، وأبا بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي فإنهم اعتبروا الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا دفعة واحدة (1). وحكي عن ابن جرير أنه استفتي فأفتى بذلك، فحمل الفتيا إلى أبي بكر الصيرفي فأفتى بمثله، فحمل الفتيا إلى إسحاق المروزي فخط على فتيا الصيرفي ظنا منه أنه تبع ابن جرير، فأقام الصيرفي على فتياه. دليلنا على ما قلناه: إجماع الفرقة وأخبارهم (2)، وأيضا في خبر جابر أن النبي صلى الله عليه وآله بدأ بالصفا وختم بالمروة (3)، فلو كان ما قالوه صحيحا لكان خاتما بالصفا، وذلك باطل بالاتفاق. مسألة 142: يكفي في السعي أن يطوف ما بين الصفا والمروة وإن لم يصعد

(1) المغني لابن قدامة 3: 409، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 419، وقال النووي في المجموع 8: 71 (وقال جماعة من أصحابنا يحسب الذهاب من الصفا إلى المروة والعود منها إلى الصفا مرة واحدة - إلى قوله - وممن قال هذا من أصحابنا أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي وأبو علي بن خيران وأبو سعيد الاصطخري وأبو حفص بن الوكيل وأبو بكر الصيرفي وقال به أيضا محمد بن جرير الطبري وهذا غلط ظاهر).
(2) الكافي 4: 434 حديث 6، والتهذيب 5: 148 حديث 487.
(3) قال جابر عند وصفه حجة النبي صلى الله عليه وآله: حتى إذا كان آخر الطواف على المروة قال: " إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت... إلى آخر الحديث. انظر صحيح مسلم 2: 890 حديث 147، وسنن ابن ماجة 2: 1025 حديث 3074، وسنن البيهقي 5: 114، وسنن أبي داود 2: 184، وسنن الدارمي 2: 48.
(4) الأم 2: 210، والمجموع 8: 64 و 70، والوجيز 1: 120، وفتح العزيز 7: 345، والمنهاج القويم 424، والمبسوط 4: 51، وعمدة القاري 9: 290، والفتح الرباني 11: 78، وبداية المجتهد 1: 334.

[ 330 ]

وقال ابن الوكيل من أصحاب الشافعي: لا بد أن يصعد عليهما ولو شيئا يسيرا (1). دليلنا: قوله تعالى: " فلا جناح عليه أن يطوف بهما " (2) وأجمع المفسرون على أنه أراد أن يطوف بينهما، ومن انتهى إليهما فقد طاف بينهما، والأخبار كلها دالة على ما قلناه (3)، وعليه إجماع الفرقة. مسألة 143: إذا طاف بين الصفا والمروة سبعا وهو عند الصفا، أعاد السعي من أوله، لأنه لا بدء بالمروة. وقال الفقهاء: يسقط الأول، ويبني على أنه بدأ بالصفا، فيضيف إليه شوطا آخر (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5)، وطريقة الاحتياط تقتضيه، لأنه إذا أعاد برئت ذمته بيقين، وإذا لم يعد ففيه الخلاف. مسألة 144: أفعال العمرة خمسة: الإحرام، والتلبية، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والتقصير. وإن حلق جاز، والتقصير أفضل، وبعد الحج الحلق أفضل. وقال الشافعي: أربعة، في أحد قوليه: الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير والحلق أفضل (6). وفي القول الأخر: ثلاثة، والحلق أو التقصير ليس فيها، وإنما هو إطلاق محظور (7).

(1) المجموع 8: 64، وفتح العزيز 7: 345. (2) سورة البقرة: 158.
(3) الكافي 4: 434 (باب السعي بين الصفا والمروة وما يقال فيه)، والتهذيب 5: 155 حديث 511 و 513. و 516.
(4) المجموع 8: 70، والمبسوط 4: 50، وعمدة القاري 5: 290.
(5) التهذيب 5: 153 حديث 503، والاستبصار 2: 240 حديث 836.
(6) المجموع 8: 266، والمنهاج القويم: 412، ومغني المحتاج 1: 513، وكفاية الأخيار 1: 143.
(7) المجموع 8: 266.

[ 331 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، لأنه إذا فعل ما قلناه فقد أتى بكمال العمرة بلا خلاف، وإن لم يفعل ففيه الخلاف. مسألة 145: هدي المتمتع لا يجوز نحره إلا بمنى. وقال الشافعي: ينحره على المروة، وإن نحره بمكة جاز أي موضع شاء (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2). مسألة 146: من ليس على رأسه شئ من الشعر، مثل أن يكون أصلع أو أقرع فعليه أن يمر الموسى على رأسه استحبابا. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: يجب عليه ذلك (4). دليلنا: إجماع الفرقة، والأصل براءة الذمة، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 147: المحرم بالعمرة من الميقات يقطع التلبية إذا دخل الحرم، فإن كان متمتعا قطعها إذا شاهد بيوت مكة. وقال الشافعي: لا يقطع المقيم التلبية حتى يأخذ في الطواف (5). وبه قال ابن عباس (6). وقال مالك مثل ما قلناه، إلا أنه قال: إذا كان أحرم وراء الميقات لا يقطع حتى يرى البيت (7).

(1) الوجيز 1: 132، وفتح العزيز 8: 85، وبداية المجتهد 1: 365.
(2) الكافي 4: 488 حديث 3، والتهذيب 5: 201 حديث 670، والاستبصار 2: 263 حديث 928.
(3) المجموع 8: 212، ومغني المحتاج 1: 503، وتلخيص الحبير في هامش المجموع 7: 373، والمغني لابن قدامة 3: 469، والشرح الكبير 3: 465.
(4) المجموع 8: 212، وفتح العزيز 7: 379، والمغني لابن قدامة 3: 469، والشرح الكبير 3: 465.
(5) المغني لابن قدامة 3: 425، والشرح الكبير 3: 425، وبداية المجتهد 1: 328، وعمدة القاري 9: 180.
(6) المصادر السابقة.
(7) المغني لابن قدامة 3: 426، والشرح الكبير 3: 426، وعمدة القاري 9: 180.

[ 332 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن إيجاب ذلك على ما قالوه يحتاج إلى دليل. مسألة 148: أفعال العمرة لا تدخل في أفعال الحج عندنا، ومتى فرغ من أفعال العمرة بكمالها حصل محلا، فإذا أحرم بعد ذلك بالحج أتى بأفعال الحج على وجهها، ويكون متمتعا، وإن أحرم بالحج قبل استيفاء أفعال العمرة بطلت عمرته وكانت حجته مفردة. وقال الشافعي: إذا قرن يدخل أفعال العمرة في أفعال الحج، واقتصر على أفعال الحج فقط، يجزيه طواف واحد وسعي واحد عنهما (1). وبه قال جابر، وابن عمر، وعطاء، وطاووس، والحسن البصري، ومجاهد، وربيعة، ومالك، وأحمد، وإسحاق (2). وقال بمثل ما قلناه من أن أفعال العمرة لا تدخل في أفعال الحج في الصحابة علي عليه السلام، وابن مسعود، وفي التابعين الشعبي، والنخعي، وفي الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه (3). ولأبي حنيفة تفصيل، قال: من شرط القران تقديم العمرة على الحج، ويدخل مكة، ويطوف ويسعي للعمرة، ويقيم على إحرامه حتى يكمل أفعال الحج، ثم يحل منها. فإن ترك الطواف للعمرة قبل الوقوف انتقضت عمرته، وصار مفردا بالحج، وعليه قضاء العمرة (4). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في التفصيل

(1) الوجيز 1: 114، والمجموع 7: 8 و 8: 61، وفتح العزيز 7: 116 - 117، والنتف 1: 212، وسنن الترمذي 3: 283، وتحفة الأحوذي 4: 18، وعمدة القاري 9: 184.
(2) المجموع 8: 61، والمغني لابن قدامة 3: 497، وسنن الترمذي 3: 283، وتحفة الأحوذي 4: 18، وعمدة القاري 9: 184، وتفسير القرطبي 2: 392.
(3) المجموع 8: 61، وتحفة الأحوذي 4: 19، وعمدة القاري 9: 184.
(4) المبسوط 4: 25 و 27 و 28، واللباب 1: 192 و 194. الذي ذكرناه، وقد

[ 333 ]

أوردنا أخبارهم في شرح ذلك في الكتاب المقدم ذكره (1). وأيضا قوله تعالى: " وأتموا الحج والعمرة لله " (2) فأمر بالحج والعمرة معا، ولكل واحد منهما أفعال مخصوصة، فمن ادعى دخول أحدهما في الآخر فعليه الدليل. وروى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من جمع الحج إلى العمرة فعليه طوافان " (3). وروى حماد بن عبد الرحمن (4) قال: حججت مع إبراهيم بن محمد بن الحنفية (5) فطاف طوافين وسعى سعيين لحجته وعمرته وقال: حججت مع أبي محمد بن الحنيفة (6) فطاف طوافين وسعى سعيين لحجته وعمرته، وقال: حججت مع أبي علي بن أبي طالب عليه السلام فطاف طوافين وسعى سعيين لحجته وعمرته، وقال: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فطاف طوافين وسعى سعيين لحجته وعمرته، فهو فعل رسول الله صلى الله عليه وآله

(1) التهذيب 5: 35 حديث 104 و 107، وانظر الكافي 4: 295 حديث 1.
(2) البقرة: 196.
(3) لم نقف على هذا اللفظ في الكتب المتوفرة، أما حكايتهم عن عمران بن حصين في فعل النبي وجمعه بين الحج والعمرة وطوافه وسعيه صلى الله عليه وآله طوافين وسعيين فهو متواتر في الكتب فلاحظ.
(4) حماد بن عبد الرحمن الأنصاري، روى عن إبراهيم بن محمد، وروى عنه إسرائيل بن يونس ومندل بن علي، وثقه ابن حيان، قاله ابن حجر في التهذيب التهذيب 3: 18.
(5) إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام وثقه بعض من ترجم له، روى عن أبيه وعن جده مرسلا، روى عنه ياسين العجلي وعمر بن عبد الله المدني مولى غفرة، ومحمد بن إسحاق وحماد بن عبد الرحمن. رجال الشيخ الطوسي: 82، وتنقيح المقال 1: 32، وتهذيب التهذيب 1: 157، وتقريب التهذيب 1: 42.
(6) محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام، اشتهر بلقب أمه خولة بنت جعفر بن قيس بن حنفية، جلالة مقامة وعلو شأنه معروف ومشهور، مات سنة 80 وقيل: 83. انظر تنقيح المقال 3: 111، ووفيات الأعيان 4: 169، وسير أعلام النبلاء 4: 110، وطبقات القراء 2: 204.

[ 334 ]

والأئمة والناس من بعد (1). فأما القران الذي قالوه فقد بينا فساده فيما مضى. مسألة 149: إذا حاضت المتمتعة قبل أن تفرغ من أفعال العمرة، جعلته حجة مفردة. وقال الفقهاء بأسرهم تحتاج إلى تجديد الاحرام (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (3). مسألة 150: يخطب الإمام بعرفة يوم عرفة قبل الأذان. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: بعده (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وحديث جابر لأنه قال: فخطب الناس ثم أذن بلال وأقام (6) وهذا نص. مسألة 151: يصلي الإمام بالناس بعرفة الظهر والعصر، يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين. وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (7).

(1) حكى العيني في عمدة القاري 9: 280 هذه الرواية باختلاف يسير في اللفظ. وانظر نحوه في سنن الدارقطني 2: 263 حديث 130 و 132، والبحر الزخار 3: 378، وفتح الباري 3: 495، وتفسير القرطبي 2: 392.
(2) الشرح الكبير لابن قدامة 3: 257، والمنهل العذب 1: 52 - 53.
(3) من لا يحضره الفقيه 2: 240 حديث 1365، والتهذيب 5: 390 حديث 1365، والاستبصار 2: 310 حديث 1106.
(4) الأم 2: 212، والوجيز 1: 120، والمجموع 8: 91، وفتح العزيز 7: 349، والمغني لابن قدامة 3: 433، وبداية المجتهد 1: 335، ومغني المحتاج 496.
(5) المبسوط 4: 15، والمجموع 8: 91، وبداية المجتهد 1: 335.
(6) صحيح مسلم 2: 890 حديث 147، وسنن الدارمي 2: 48، وسنن ابن ماجة 2: 1024 - 1025 حديث 3074، وسنن البيهقي 5: 114.
(7) شرح معاني الآثار 2: 214، والمجموع 8: 92، واللباب 1: 185، والمحلى 7: 125، والمغني لابن =

[ 335 ]

وقال مالك: بأذانين وإقامتين (1). وقال أحمد: بإقامتين (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، (3)، وحديث جابر لأنه قال: ثم إذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر (4). وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين. وهذا نص. مسألة 152: إذا كان الإمام مقيما أتم وقصر من خلفه من المسافرين، وإن كان مسافرا قصر وقصروا، ومن كان من أهل مكة فلا يقصر لأن المسافة نقصت عما يجب فيه التقصير. وقال الشافعي: إن كان الإمام مقيما أتم وأتم من خلفه من المقيمين والمسافرين، وإن كان مسافرا قصر وقصر من خلفه من المسافرين وأتم المقيمون (5). وبه قال أبو حنيفة (6). وقال مالك: يقصر كما قالوا: وزاد فقال: يقصر أهل مكة من وإن كانت

= قدامة 3: 433، وبداية المجتهد 1: 336، والفتح الرباني 12: 116. (1) بداية المجتهد 1: 336، والمغني لابن قدامة 3: 433، والمحلى 7: 125، والمجموع 8: 92، والفتح الرباني 12: 116.
(2) المجموع 8: 92، والمحلى 7: 125، وبداية المجتهد 1: 336، والفتح الرباني 12: 116.
(3) الكافي 4: 462 حديث 4، والتهذيب 5: 179 حديث 600 و 607.
(4) صحيح مسلم 2: 890 حديث 147، سنن ابن ماجة 2: 1025 حديث 3074، وسنن البيهقي 5: 114، وسنن الدارمي 2: 48، وسنن أبي داود 2: 186 حديث 1906.
(5) المجموع 4: 357 و 8: 91، والمغني لابن قدامة 3: 435، وبداية المجتهد 1: 336، والمنهل العذب 2: 21 - 22. (6) المجموع 4: 357 و 8: 91، والمنهل العذب 2: 21 - 22، وبداية المجتهد 1: 336.

[ 336 ]

المسافة قريبة مع قوله بأن التقصير في أربعة برد (1). دليلنا: إنا قد بينا فيما تقدم من كتاب الصلاة أن فرض المسافر التقصير، وأنه لا يجوز له التمام، وإن صلى خلف المقيم، فمن أوجب التمام فعليه الدلالة. فأما أهل مكة، فلم تحصل لهم المسافة التي يجب فيها التقصير. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد " (2) وهذا نص. مسألة 153: من صلى مع إمام جمع، وإن صلى منفردا جمع أيضا، سواء كان من له التقصير، أو من ليس له القصر. وللشافعي فيمن ليس له القصر قولان. أحدهما: ليس له الجمع، والآخر: له الجمع (3). وقال أبو حنيفة: ليس له الجمع إلا مع إمام (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فقد بينا في كتاب الصلاة أن له الجمع في السفر والحضر، وعلى كل حال (5). وروي عن ابن عمر أنه جمع مع إمام وعلى الانفراد (6). مسألة 154: بطن عرنة (7) ليس من الموقف، فمن وقف فيه لم يجزه. وبه

(1) المغني لابن قدامة 3: 435، وبداية المجتهد 1: 336، والمنهل العذب 2: 21 - 22، والمجموع 4: 357 و 8: 91.
(2) سنن الدارقطني 1: 387 حديث 1.
(3) الأم 2: 212، والمجموع 8: 92، وفتح العزيز 4: 473، وعمدة القاري 9: 304، وبداية المجتهد 1: 165، وفتح الباري 3: 513، وإرشاد الساري 3: 198.
(4) المبسوط 4: 16، والمجموع 8: 92، وفتح الباري 3: 513، وإرشاد الساري 3: 198، وفتح العزيز 4: 473.
(5) تقدم في الجزء الأول: 588 مسألة 351 من كتاب الصلاة.
(6) انظر مسائل أحمد بن حنبل: 118، والمغني لابن قدامة 3: 434، والسنن الكبرى 5: 121، وصحيح مسلم 2: 937 و 938، حديث 288 و 289 و 291.
(7) ذكره الحموي في معجمه 4: 111 وقال: (قال الأزهري: بطن عرنة واد بحذاء عرفات).

[ 337 ]

قال الشافعي (1). وقال مالك: يجزيه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، وحديث جابر (3). وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن وادي عرنة " (4). مسألة 155: يجوز الوقوف بعرفة راكبا وقائما سواء، وهو أحد قولي الشافعي ذكره في الإملاء (5). وقال في القديم: الركوب أفضل (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا تفضيل الركوب يحتاج إلى دلالة. وأيضا القيام أشق من الركوب، فينبغي أن يكون أفضل. مسألة 156: وقت الوقوف من حين تزول الشمس إلى طلوع الفجر من يوم النحر. وبه قال جميع الفقهاء إلا أحمد بن حنبل، فإنه خالف في الأول، فقال: من عند طلوع الفجر من يوم عرفة (7) ووافق في الآخر (8).

(1) المجموع 8: 109 و 120، وفتح العزيز 7: 362، واللباب 1: 186، والمغني لابن قدامة 3: 436، والشرح الكبير 3: 436، وعمدة القاري 10: 5، وبداية المجتهد 1: 337، والفتح الرباني 12: 115 (2) المغني لابن قدامة 3: 436، والشرح الكبير 3: 436، وبداية المجتهد 1: 377، وعمدة القاري 10: 5، والفتح الرباني 12: 115.
(3) المتقدم في وصف حجة النبي صلى الله عليه وآله.
(4) انظر سنن البيهقي 5: 115، والمجموع 8: 120 - 121، وحكاه المتقي الهندي في كنز العمال 5: 61 عن الطبراني عن ابن عباس.
(5) الأم 2: 212، والمجموع 8: 111، وفتح العزيز 7: 358، وفتح الباري 3: 513، والمغني لابن قدامة 3: 443، وعمدة القاري 9: 303، والمنهل العذب 2: 51.
(6) المجموع 8: 111، وفتح العزيز 7: 358، وعمدة القاري 9: 303، والمنهل العذب 2: 51.
(7) الاقناع 1: 387، والمجموع 8: 120، والمبسوط 4: 55، والمغني لابن قدامة 3: 443، وعمدة القاري 10: 5، وفتح العزيز 7: 363، والشرح الكبير 3: 441، والفتح الرباني 12: 121.
(8) انظر المصادر السابقة الذكر.

[ 338 ]

وروي في بعض أخبارنا: إلى طلوع الشمس (1). وفي شاذها: إلى زوال من يوم النحر (2)، ولم يقل به أحد من الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، وحديث جابر كل ذلك يدل على أول الوقت (3)، وقد تكلمنا على الأخبار المختلفة من طرق أصحابنا إلى طلوع الشمس، وإلى الزوال في الكتابين المقدم ذكرهما (4). مسألة 157: الأفضل أن يقف إلى غروب الشمس في النهار، ويدفع من الموقف بعد غروبها، فإن دفع قبل الغروب لزمه دم، فأما الليل إذا وقف ففي أي وقت دفع أجزأه. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن الأفضل مثل ما قلناه، فأما الإجزاء فهو أن يقف ليلا ونهارا أي شئ كان، ولو كان بمقدار المرور فيه (5). وقال أبو حنيفة: يلزمه دم إن أفاض قبل الغروب (6). وقال الشافعي في القديم والأم: إن دفع قبل الغروب عليه دم (7). وقال في الاملاء: يستحب أن يهدي، ولا يجب عليه، فضمان الدم على قولين، وقال: إن دفع قبل (8) الزوال أجزأه.

(1) انظر التهذيب 5: 290 حديث 984 و 985 و 987 و 997، والاستبصار 2: 303 حديث 1082 و 1083.
(2) التهذيب 5: 291 حديث 988 و 989.
(3) تقدم في المسألة 150 و 159 من كتاب الحج.
(4) التهذيب 5: 290 - 291 حديث 985 و 987، والاستبصار 2: 303 باب 209 من أدرك المشعر الحرام بعد طلوع الشمس.
(5) الأم 2: 212، والمجموع 8: 94 و 102 و 119، وفتح العزيز 7: 368، والمغني لابن قدامة 3: 442.
(6) المبسوط 4: 56، وعمدة القاري 10: 5، والمجموع 8: 119، وفتح العزيز 7: 368.
(7) الأم 2: 212، والمجموع 8: 94 و 102، وفتح العزيز 7: 364، ومغني المحتاج 1: 498، والسراج الوهاج: 162.
(8) كذا في جميع النسخ المعتمدة، ولعل الصواب هو " بعد " كما حكاه عن الاملاء النووي في المجموع 8: 102 فلاحظ.

[ 339 ]

وقال مالك: إن وقف نهارا لم يجزه حتى يقيم إلى الليل، فيجمع بين الليل والنهار، وإن وقف ليلا وحده أجزأه (1). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، فإنه إذا وقف إلى الوقت الذي قلناه تم حجه بلا خلاف، وإن لم يقف ففيه الخلاف، ولا خلاف أن النبي صلى الله عليه وآله أفاض بعد الغروب، وقد قال: " خذوا عني مناسككم " (2). وأما لزوم الدم، فطريقه إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من ترك نسكا فعليه دم " (3) وهذا قد ترك نسكا، لأنه لا خلاف أن الأفضل الوقوف إلى غروب الشمس. مسألة 158: إذا عاد قبل غيبوبة الشمس وأقام حتى غابت سقط عنه الدم، وإن عاد بعد غروبها لم يسقط. وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: إن عاد قبل خروج وقت الوقوف سقط الدم (5). دليلنا: إن إسقاط الدم بعد وجوبه عليه إذا عاد ليلا يحتاج إلى دليل، وليس عليه دليل. مسألة 159: يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين.

(1) المغني لابن قدامة 3: 441، وبداية المجتهد 1: 337، والمجموع 8: 119، وفتح العزيز 7: 363، والشرح الكبير 3: 443، وعمدة القاري 5: 10، وبدائع الصنائع 2: 126.
(2) تقدمت الإشارة إليه في المسألة (3) روى مالك في موطأة 1: 397 و 419 عن ابن عباس نحوه. وانظر المجموع 8: 94 و 99.
(4) بدائع الصنائع 2: 127، والمجموع 8: 119.
(5) الأم 2: 212، والمجموع 8: 119، وفتح العزيز 7: 368.

[ 340 ]

وقال أبو حنيفة: يجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة (1). وقال مالك: بأذانين وإقامتين (2). وقال الشافعي مثل ما قلناه: إذا جمع بينهما في وقت الأولى (3)، وإن جمع بينهما في وقت الثانية ثلاثة أقوال: قال في القديم: يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين وهو الصحيح عندهم (4). وقال في الجديد: يجمع بينهما بإقامتين بغير أذان (5). وقال في الإملاء: إن رجى اجتماع الناس أذن وإلا لم يؤذن (6). وحكي عن مالك مثل قولنا سواء (7). دليلنا: إجماع الفرقة وحديث جابر قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بين المغرب والعشاء الآخرة بالمزدلفة بأذان وإقامتين، ولم يسبح بينهما شئ (8). مسألة 160: المغرب والعشاء الآخرة لا يصليان إلا بالمزدلفة إلا لضرورة من الخوف، والخوف أن يخاف فوتهما، وخوف الفوت إذا مضى ربع الليل، وروي إلى نصف الليل (9). وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال: بطلوع

(1) اللباب 1: 187، والمبسوط 4: 62، وعمدة القاري 10: 12، وإرشاد الساري إلى مناسك الملا علي القاري: 143، والمحلى 7: 127.
(2) المجموع 8: 149، وعمدة القاري 10: 12، وفتح العزيز 3: 156.
(3) المجموع 3: 86، وفتح العزيز 3: 154.
(4) عمدة القاري 10: 12، وشرح الأزهار 2: 119، ومغني المحتاج 1: 135، وفتح العزيز 7: 153، والمجموع 3: 86.
(5) الأم 2: 212، وعمدة القاري 10: 12، والمحلى 7: 126، وفتح العزيز 3: 152 و 155.
(6) فتح العزيز 3: 153.
(7) المغني لابن قدامة 3: 447، والشرح الكبير 3: 447، وعمدة القاري 10: 12.
(8) انظر سنن ابن ماجة 2: 1026 حديث 3074، وسنن الدارمي 2: 48، وسنن البيهقي 5: 121.
(9) الكافي 3: 281 حديث 13، والفقيه 1: 141 حديث 657 و 1: 142 حديث 662 والاستبصار 1: 264 حديث 953، والتهذيب 2: 30 حديث 88.

[ 341 ]

الفجر (1). وقال الشافعي: إن صلى المغرب في وقتها بعرفات والعشاء بالمزدلفة أجزأه (2). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، فإنه لا خلاف أنه إذا صلى كما قلناه أنه يجزيه، وقبل ذلك لا دليل عليه. وحديث أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما نزل المعرس أناخ النبي صلى الله عليه وآله ناقته، ثم بال، ثم دعا بالوضوء فتوضأ ليس بالبالغ جدا فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: الصلاة أمامك، ثم ركب حتى قدمنا المزدلفة، فنزل فتوضأ وأسبغ الوضوء وصلى (3). مسألة 161: الوقوف بالمزدلفة ركن، فمن تركه فلا حج له. وقال الشعبي والنخعي: المبيت بها ركن (4). وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وقالوا: ليس بركن (5)، إلا أن الشافعي قال: إن ترك المبيت بها لزمه دم واحد في أحد قوليه (6). والثاني: لا شئ

(1) اللباب 1: 60 - 61 و 187، والمبسوط 4: 62 - 63، وفتح العزيز 7: 360، والمغني لابن قدامة 1: 428.
(2) المجموع 8: 148، وفتح العزيز 7: 360.
(3) صحيح البخاري 1: 47، والموطأ 1: 401، ومسند أحمد بن حنبل 5: 199 - 200، وسنن الدارمي 2: 56 - 57 وسنن أبي داود 2: 190 حديث 1921 و 1925، وسنن البيهقي 5: 122 باختلاف في بعض ألفاظ الحديث فيها.
(4) المجموع 8: 150، والمغني لابن قدامة 3: 450، وتفسير القرطبي 2: 425، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 138، وعمدة القاري 10: 17، وشرح النووي 5: 415.
(5) المجموع 8: 150، والمبسوط 4: 63 - 64، وعمدة القاري 10: 16، وتفسير القرطبي 2: 425، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 138.
(6) الأم 2: 212، والوجيز 1: 121، والمغني لابن قدامة 3: 450، وعمدة القاري 10: 16، وكفاية الأخيار 1: 139. وأحكام القرآن العربي 1: 138، وتفسير القرطبي 2: 425.

[ 342 ]

عليه (1). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، لأنه إذا وقف بها فلا خلاف في صحة حجته، وإذا لم يقف ففي صحتها خلاف، وفعل النبي صلى الله عليه وآله يدل عليه لأنه لا خلاف أنه وقف بالمشعر. وروي عنه عليه السلام أنه قال: " من ترك المبيت بالمزدلفة فلا حج له " (2). مسألة 162: من فاته عرفات وأدرك المشعر ووقف بها فقد أجزأ. ولم يوافقنا عليه أحد من الفقهاء (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (4) فإنهم لا يختلفون فيما قلناه. مسألة 163: لا يجوز الرمي إلا بالحجر، وما كان من جنسه من البرام والجواهر وأنواع الحجارة، ولا يجوز بغيره كالمدر، والآجر، والكحل، والزرنيخ، والملح وغير ذلك من الذهب والفضة. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: يجوز بالحجر، وبما كان من نفس الأرض كالطين والمدر،

(1) المجموع 8: 150، والوجيز 1: 121، وعمدة القاري 10: 16، وكفاية الأخيار 1: 139، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 138، وتفسير القرطبي 2: 425.
(2) وروى الدارقطني في سننه 2: 241 حديث 22 وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من فاته المبيت بالمزدلفة فقد فاته الحج ".
(3) انظر المجموع 8: 102 - 103، وكفاية الأخيار 1: 142 - 143، وبداية المجتهد 1: 335، والمنهل العذب 1: 41 - 42.
(4) الكافي 4: 474 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 2: 284 حديث 1394، والتهذيب 5: 289 حديث 981 و 983، وفي الاستبصار 2: 301 حديث 1076 و 1077.
(5) الأم 2: 213، ومختصر المزني: 68، والوجيز 1: 122، وفتح العزيز 7: 397، والمنهاج القويم: 433، والمجموع 8: 186، والمبسوط 4: 66، والمغني لابن قدامة 3: 455، وكفاية الأخيار 1: 138، والمنهل العذب 2: 120، والبحر الزخار 3: 340.

[ 343 ]

والكحل، والزرنيخ، ولا يجوز بالذهب ولا بالفضة (1). وقال أهل الظاهر: يجوز بكل شئ حتى لو رمى بالخرق، والعصافير الميتة أجزأه (2). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، فإن ما ذكرناه مجمع على إجزائه، وليس على ما قالوه دليل. وروى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله غداة جمع: التقط حصيات من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: " بأمثال هؤلاء فارموا ومثل الحجر حجر "، (3) وروي الفضل بن عباس قال: لما أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله من المزدلفة وهبط بمكان محسر قال: " أيها الناس عليكم بحصى الخذف " (4) وهذا نص. مسألة 164: لا يجوز أن يرمي بحصاة قد رمي بها، سواء رماها هو، أو رماها غيره. وقال الشافعي: أكرهه، فإن فعل أجزأه، سواء رماها هو أو غيره (5). وقال المزني: إن رماها هو لا يجوز، وإن رماها غيره أجزأه (6). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، وفعل النبي صلى الله عليه وآله، فإنه لا خلاف أنه ما رمى بها هو أو غيره.

(1) الهداية 1: 147، والمبسوط 4: 66، والفتاوى الهندية 1: 233، وتبيين الحقائق 2: 31، والمجموع 8: 186، وشرح فتح القدير 2: 177، والمنهل العذب 2: 120، والمغني لابن قدامة 3: 455، والبحر الزخار 3: 340، وفتح العزيز 7: 398.
(2) البحر الزخار 3: 340.
(3) انظر ما رواه البيهقي في سننه 5: 127.
(4) انظر المصدر السابق.
(5) الأم 2: 213، والمجموع 8: 172 و 185، وفتح العزيز 7: 399، وكفاية الأخيار 1: 138، والمغني لابن قدامة 3: 455، والشرح الكبير 3: 459.
(6) المجموع 8: 172 و 185.

[ 344 ]

مسألة 156: إذا رمى الحصاة، فوقعت على عنق بعير، فتحرك البعير فوقعت في المرمى، أو على ثوب رجل، فتحرك فوقعت في المرمى، لا يجوز. وللشافعي فيه وجهان (1). وإذا رمى فلم يعلم أصاب أم لا؟ يجزيه. وللشافعي فيه وجهان (2). وإذا وقعت على مكان عال وتدحرجت فوقعت عليه أجزأه. وللشافعي فيه وجهان (3). دليلنا: طريقة الاحتياط، فإنه إذا عاد مكانها برئت ذمته بلا خلاف، وإذا لم يفعل ففيه الخلاف. مسألة 166: قد قلنا أن وقت الوقوف بالمزدلفة من وقت حصوله بها إلى طلوع الفجر الثاني. وقد روي إلى طلوع الشمس (4). فإن دفع قبل طلوع الفجر مع الاختيار لم يجزه، سواء كان قبل نصف الليل أو بعده. وقال الشافعي: الوقت الكامل من عند الحصول إلى أن يسفر الفجر، والآخر إلى أن يكون بها ما بين أول وقتها إلى طلوع الشمس، إلا أنه إن حصل بها بعد نصف الليل أجزأه ولا شئ عليه، وإن حصل قبل نصف الليل ولم يلبث بها حتى ينتصف الليل فهل عليه دم أم لا؟ على قولين (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 167: وقت الاستحباب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر بلا خلاف، ووقت الإجزاء من عند طلوع الفجر مع الإختيار.

(1) الأم 2: 213، ومختصر المزني: 68، والوجيز 1: 122، والمجموع 8: 174 - 175، وفتح العزيز 7: 399، وكفاية الأخيار 1: 138.
(2) المصادر المتقدمة.
(3) نفس المصادر المتقدمة.
(4) الاستبصار 2: 257 حديث 907 و 908.
(5) الأم 2: 212، والمجموع 8: 135 - 136، ومغني المحتاج: 499، والسراج الوهاج: 163.

[ 345 ]

فإن رمى قبل ذلك لم يجزه، وللعليل، ولصاحب الضرورة، والنساء يجوز الرمي بالليل. وقال الشافعي: أول وقت الإجزاء إذا انتصفت ليلة السحر، وبه قال عطاء، وعكرمة (1). وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق: وقته إذا طلع الفجر، فإن رمى قبله لم يجزه مثل ما قلناه (2). وقال النخعي، والثوري: وقته بعد طلوع الشمس من يوم النحر، وقبل ذلك لا يجزي ولا يعتد به (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها (4). وروي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله أرسل بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت وأفاضت (5). مسألة 168: ينبغي أن يبتدئ بمنى برمي جمرة العقبة، ثم ينحر، ثم يحلق، ثم يذهب إلى مكة فيطوف طواف الزيارة وهو طواف الحج بلا خلاف، ويسعى إن لم يكن قدم السعي حيث كان بمكة قبل الخروج، والترتيب في ذلك مستحب وليس بواجب، فإن قدم الحلق على الرمي أو على الذبح أجزأه. وبه قال الشافعي (6).

(1) الأم 2: 213، والمجموع 8: 180، والمغني لابن قدامة 3: 459، وشرح الأزهار 2: 123، وبداية المجتهد 1: 339، والشرح الكبير لابن قدامه، وتبيين الحقائق 2: 31.
(2) تبيين الحقائق 2: 31، والمغني لابن قدامة 3: 459، والشرح الكبير 3: 460، والمبسوط 4: 68، وبداية المجتهد 1: 339، والمحلى 7: 135، والمجموع 8: 180، وشرح الأزهار 2: 123.
(3) المغني لابن قدامة 3: 459، والشرح الكبير 3: 460، وشرح الأزهار 2: 123.
(4) الكافي 4: 485 حديث 4 و 5، ومن لا يحضره الفقيه 2: 285 حديث 1400 و 1403، والتهذيب 5: 263 حديث 888 و 895 و 897.
(5) سنن البيهقي 5: 133.
(6) الأم 2: 215، ومختصر المزني: 68، والمجموع 8: 216، ومغني المحتاج 1: 503.

[ 346 ]

وقال أبو حنيفة الترتيب مستحب، فإن قدم الحلق على النحر فعليه دم (1). دليلنا: إنه لا خلاف أنه إذا فعل ذلك لا يجب عليه الإعادة، وأما لزوم الدم فيحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة، وأخبارنا في ذلك قد ذكرناها في الكتاب الكبير (2). وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: إذبح ولا حرج، فجاء رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: إرم ولا حرج قال: فما سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن شئ يومئذ قدم أو أخر إلا قال: إفعل ولا حرج (3). وهذا بعينه على هذا اللفظ مروي عن أئمتنا عليهم السلام (4). مسألة 169: لا يجوز أن يأكل من الهدي الواجب مما يلزمه في حال الإحرام من الكفارات، أو ما يلزمه بالنذر. وبه قال الشافعي، وله في النذر وجهان (5). وقال أبو إسحاق: يحل، لأنه تطوع بإيجابه على نفسه (6). وقال أبو حنيفة: يأكل من الكل إلا من جزاء الصيد وحلق الشعر (7).

(1) النتف 1: 224، وبدائع الصنائع 2: 158، وتبيين الحقائق 2: 63، وبداية المجتهد 1: 340 - 341، والمجموع 8: 216.
(2) التهذيب 5: 237 حديث 798.
(3) صحيح مسلم 2: 948 حديث 1306 باختلاف يسير في اللفظ.
(4) انظر الكافي 4: 504 حديث 2، والتهذيب 5: 236 حديث 797، والاستبصار 2: 284 حديث 1007.
(5) الأم 2: 217، ومختصر المزني: 74، والمجموع 8: 417 - 418، والمغني لابن قدامة 3: 583، وبداية المجتهد 1: 367.
(6) المجموع 8: 418 - 419، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 583.
(7) النتف 1: 225، واللباب 1: 217، وتبيين الحقائق 2: 89، والمبسوط 4: 76، والمجموع 8: 419، وبداية المجتهد 1: 367.

[ 347 ]

وقال مالك: يأكل من الكل إلا من جزاء الصيد (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 170: يجوز الأكل من الهدي المتطوع به بلا خلاف، والمستحب أن يأكل ثلثه، ويتصدق بثلثه، ويهدي ثلثه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (2). والثاني: يأكل النصف ويتصدق بالنصف (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وقوله تعالى: " فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " (4) فقسم ثلاثة أصناف. مسألة 171: يقع التحلل من إحرام العمرة إذا طاف وسعى وقصر، والتقصير نسك يثاب عليه. وبه قال أبو حنيفة (5)، وهو أحد قولي الشافعي إذ قال: إن الحلق نسك (6). والثاني: إنه إطلاق محظور، وليس بنسك ولا يثاب عليه (7). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (8).

(1) المدونة الكبرى 1: 384، والمغني لابن قدامة 3: 583، والشرح الكبير 3: 583، وبداية المجتهد 1: 367، والموطأ 1: 381، والمجموع 8: 419، وعمدة القاري 10: 56.
(2) الأم 2: 217، والمجموع 8: 415، وعمدة القاري 10: 58، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 587.
(3) المجموع 8: 415، والشرح الكبير 3: 587.
(4) الحج: 36.
(5) الفتاوى الهندية 1: 237، واللباب 1: 221، والمبسوط 4: 30 و 52، وفتح الباري 3: 561، والمجموع 8: 208، وبداية المجتهد 1: 358.
(6) المجموع 8: 194 و 208، وفتح العزيز 7: 383، وعمدة القاري 10: 62، وكفاية الأخيار 1: 143.
(7) المجموع 8: 194 و 208، وكفاية الأخيار 1: 143، وعمدة القاري 10: 62، وبداية المجتهد 1: 358، وفتح الباري 3: 561.
(8) الكافي 4: 438 حديث 1، والفقيه 2: 236 حديث 1127، والتهذيب 5: 157 حديث 521 و 522.

[ 348 ]

مسألة 172: التحلل في الحج ثلاثة: أولها: إذا رمى، وحلق، وذبح، فإنه يتحلل من كل شئ إلا النساء والطيب. فإذا طاف طواف الزيارة، وسعى، حل له كل شئ إلا النساء. فأما الإصطياد فلا يحل له لكونه في الحرم، ويجوز أن يأكل منه. فإذا طاف طواف النساء حلت له النساء. وقال الفقهاء كلهم: إنه يتحلل بتحليلتين معا بالرمي وطواف الزيارة. والتحلل الأول يحصل بشيئين: رمي وحلق، أو رمي وطواف، أو حلق وطواف، ويستبيح عند ذلك اللباس، وترجيل الشعر، والحلق، وتقليم الأظفار (1). قال الشافعي: ولا يحل له الوطء إلا بعد التحلل الثاني قولا واحدا (2). والطيب على قولين: قال في القديم: لا يحل بالتحلل الأول (3). والآخر يحل قولا واحدا (4). فأما عقد النكاح، والوطء فيما دون الفرج، والاصطياد، وقتل الصيد فعلى قولين: قال في القديم: لا يحل (5).

(1) الوجيز 1: 121، وفتح العزيز 7: 383، ومغني المحتاج 1: 505، والمنهاج القويم: 435، وبداية المجتهد 1: 358، وعمدة القاري 10: 93، والمبسوط 4: 22.
(2) مختصر المزني: 68، والوجيز 1: 121، المجموع 8: 225، ومغني المحتاج 1: 505، وفتح العزيز 7: 384، والمنهاج القويم: 435.
(3) المجموع 8: 225 و 8: 233، وفتح العزيز 7: 385، وعمدة القاري 10: 93.
(4) مختصر المزني: 68، والمجموع 8: 233، وفتح العزيز 7: 385، وعمدة القاري 10: 93.
(5) المجموع 8: 233، وفتح العزيز 7: 385، والمنهاج القويم: 435، ومغني المحتاج 1: 505، والسراج الوهاج: 164.

[ 349 ]

والثاني: يحل له كل هذا (1). وبه قال أبو حنيفة (2)، ولم يعتبر أحد طواف النساء بحال. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة تقتضي ذلك، لأنه إذا فعل ما قلناه لا خلاف أنه يستبيح النساء، وقبل طواف النساء لا دليل على إباحته. مسألة 173 يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم. وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: إذا استلم الحجر قطعها (3)، وقد مضت. والحاج يقطع التلبية يوم عرفة عند الزوال، وقالوا: لا يزال يلبي حتى يرمي جمرة العقبة من يوم النحر (4). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن إيجاب ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 174: يستحب للإمام أن يخطب الناس بمنى يوم النحر بعد الزوال، وبعد الظهر. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: لا يخطب يوم النحر (6).

(1) مختصر المزني: 68، والأم 2: 220، والمجموع 8: 233، وفتح العزيز 7: 385، ومغني المحتاج 1: 505، والسراج الوهاج: 164، والهداية 1: 184، والمبسوط 4: 22.
(2) اللباب 1: 188، والهداية 1: 148، والمبسوط 4: 22، وعمدة القاري 10: 93، المغني لابن قدامة 3: 470.
(3) الأم 2: 170، ومختصر المزني: 67، وعمدة القاري 9: 180، وتبيين الحقائق 2: 45، والفتح الرباني 11: 190، والمنهل العذب 1: 120.
(4) الأم 2: 220 - 221، ومختصر المزني: 68، والمجموع 8: 154 و 181، واللباب 1: 188، والهداية 1: 147، والمبسوط 4: 20، وبداية المجتهد 1: 328، ومغني المحتاج 1: 501، وعمدة القاري 9: 180، وكفاية الأخيار 1: 138، والمغني لابن قدامة 3: 461، والمنهل العذب 1: 177، والفتح الرباني 11: 189.
(5) مختصر المزني: 68، والمجموع 8: 218 - 219، وفتح العزيز 7: 356، ومغني المحتاج 1: 507.
(6) الهداية 1: 142، واللباب 1: 185، والمبسوط 4: 53، وتبيين الحقائق 2: 22، والمجموع 8: 89.

[ 350 ]

دليلنا: ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله خطب يوم النحر (1). وروى ذلك الهرماس بن زياد الباهلي (2)، وأبو أمامة الباهلي (3). وأيضا الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل. وأيضا فإنه تحميد الله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، وتعليم الناس المناسك، وكل ذلك مرغب فيه، فلا وجه للمنع منه. مسألة 175: روى أصحابنا رخصة في تقديم الطواف والسعي قبل الخروج إلى منى وعرفات (4)، والأفضل أن لا يطوف طواف الحج إلا يوم النحر إن كان متمتعا، ولا يؤخره. فإن أخره فلا يؤخره عن أيام التشريق. وأما المفرد والقارن فيجوز لهما أن يؤخرا إلى أي وقت شاءا، والأفضل التعجيل على كل حال. وقال الشافعي: وقت الفضل يوم النحر قبل الزوال، وأول وقت الإجزاء النصف الأخير من ليلة النحر، وآخره فلا غاية له، ومتى أخره فلا شئ عليه (5). وقال أبو حنيفة: إن أخره عن أيام التشريق فعليه دم (6).

(1) سنن أبي داود 2: 198 حديث 1954 و 1955، وسنن البيهقي 5: 140.
(2) الهرماس بن زياد الباهلي، أبو حديد البصري، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعنه ابنه القعقاع وحنبل بن عبد الله وعكرمة بن عمار. قال ابن مندة هو آخر من مات من الصحابة باليمامة، وقال عكرمة بن عمار لقيته سنة اثنتين ومائة. قاله ابن حجر في التهذيب 11: 28.
(3) أبو أمامة، صدى بن عجلان بن وهب، ويقال: ابن عمرو الباهلي. صحب النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه وعن عمر وعثمان وأبي عبيدة بن الجراح وغيرهم وعنه سليمان بن حبيب المحاربي وشداد بن عمار الدمشقي ومحمد بن زياد وغيرهم. تهذيب التهذيب 4: 420.
(4) التهذيب 5: 131 حديث 430 و 432.
(5) الأم 2: 215، ومختصر المزني: 68، والمجموع 8: 220 - 221 و 224 و 282، والمنهاج القويم: 431، ومغني المحتاج 1: 504.
(6) الهداية 1: 149، والنتف 1: 210، والمبسوط 4: 41، وتبيين الحقائق 2: 34، واللباب 1: 189، والمجموع 8: 224 و 282.

[ 351 ]

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم أوردناها في الكتاب الكبير (1). مسألة 176: لا يجوز الرمي أيام التشريق إلا بعد الزوال، وقد روي رخصة قبل الزوال في الأيام كلها (2)، وبالأول قال الشافعي وأبو حنيفة (3) إلا أنه قال أبو حنيفة: وإن رمى اليوم الثالث قبل الزوال جاز استحسانا (4). وقال طاووس: يجوز قبل الزوال في الكل (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، فإن من فعل ما قلناه لا خلاف أنه يجزيه، وإذا خالفه ففيه الخلاف. مسألة 177: الترتيب واجب في رمي الجمار بلا خلاف، ويرمي التي هي إلى منى أقرب، ويختم بالتي هي إلى مكة أقرب، ويقف عند الأولى والثانية، ويكبر مع كل حصاة يرميها، ولا يقف عند الثالثة، كل ذلك لا خلاف فيه، فإن نقص في الأولى شيئا ورمى الجمرتين بعدها نظرت، فإن كان أقل من الثلاث أعاد على الجميع، وإن كان رماها أربعا فصاعدا أتمها ولا يعيد على التي بعدها. وقال الشافعي: من نسي واحدة من الأولى أعاد عليها وعلى ما بعدها (6).

(1) التهذيب 5: 131 حديث 429.
(2) الأم 2: 213، ومختصر المزني: 68، والوجيز 1: 122، والمجموع 8: 282، وفتح الباري 3: 580، ومغني المحتاج 1: 507، والمبسوط 4: 68، والهداية 1: 149، والسراج الوهاج: 165، وعمدة القاري 10: 86، وبداية المجتهد 1: 341.
(3) اللباب 1: 190، والمبسوط 4: 68 - 69، والهداية 1: 149، وعمدة القاري 10: 86، والمجموع 8: 282، وبداية المجتهد 1: 341، وفتح الباري 3: 580، وفتح العزيز 7: 397.
(4) عمدة القاري 10: 86، وفتح الباري 3: 580.
(5) الكافي 4: 480 حديث 4 و 5، والتهذيب 5: 261 حديث 890 و 891، والاستبصار 2: 296 حديث 1054 و 1056.
(6) الأم 2: 213، ومختصر المزني 68 - 69، والمجموع 8: 239 - 240، والمنهاج القويم: 432، وكفاية الأخيار 1: 137، ومغني المحتاج 1: 507.

[ 352 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن إيجاب الإعادة يحتاج إلى دلالة لأنها فرض ثان. مسألة 178: إذا نسي واحدة من الحصيات ولا يدري عن من أي الجمار هي، رمى كل جمرة بحصاة، وقد أجزأه. وقال الشافعي: يجعلها من الأولى ويرميها بحصاة، ويعيد على الجمرتين (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وإيجاب الإعادة على الباقيين يحتاج إلى دليل. مسألة 179: إذا رمى سبع حصيات دفعة واحدة لم يعتد بأكثر من واحدة، سواء وقعت عليها مجتمعة أو متفرقة. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إذا وقعت متفرقة اعتد بهن كلهن (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وحديث عائشة أنها قالت: يكبر مع كل حصاة (4)، وذلك لا يتم إلا مع التفريق. مسألة 180: إذا أخر الرمي حتى يمضي أيام الرمي، وجب عليه أن يرميها في العام المقبل، إما بنفسه أو يأمر من يرمي عنه، ولا يلزمه الهدي، ويحل إذا أتى بطواف الزيارة والسعي وطواف النساء. وقال أ صحاب الشافعي: يجب عليه الهدي في ذمته (5)، وهل يحل قبل

(1) الأيام 2: 215، والمجموع 8: 235 و 239 - 240، وفتح العزيز 7: 405، والمنهاج القويم: 432، وكفاية الأخيار 1: 137، ومغني المحتاج 1: 507.
(2) الأم 2: 213، ومختصر المزني: 68، والمجموع 8: 178 و 185، وكفاية الأخيار 1: 138، ومغني المحتاج 1: 507، وعمدة القاري 10: 89، والمنهاج القويم: 432.
(3) عمدة القاري 10: 89، وفتح الباري 3: 582، والمجموع 8: 185، وفتح العزيز 7: 399.
(4) سنن أبي داود 2: 201 حديث 1973.
(5) مختصر المزني: 69، والوجيز 1: 122، والمجموع 7: 408 و 8: 229 و 235، وفتح العزيز 7:

[ 353 ]

الذبح؟ فيه وجهان: أحدهما: يصير حلالا قبل الذبح (1). والثاني: لا يصير حلالا حتى يذبح (2). دليلنا: إجماع الفرقة على ما قلناه وأخبارهم (3)، وإلزام الهدي يحتاج إلى دلالة، وليس عليه دلالة. مسألة 181: من فاته رمي يوم حتى غربت الشمس، قضاه من الغد، ويكون قاضيا، فإذا قضى رمى ما فاته بكرة، وما يرمي ليومه عند الزوال، هكذا في الأيام كلها. فإن فاته في الأيام كلها فقد فات الوقت، ولا يرميها إلا من القابل على ما مضى في هذه الأيام، إما بنفسه أو من ينوب عنه. وليس عليه دم بتأخيره من يوم إلى يوم، ولا بتأخير الأيام. وقال الشافعي فيه قولان: أحدهما: إن الأربعة أيام كاليوم الواحد، فما فاته في يوم منها رماه في الغد على الترتيب ويكون مؤديا، وهو الذي قاله في القديم، ومختصر الحج، ونقله المزني واختاره الشافعي (4). والثاني: كل يوم محدود الأول محدود الثاني، فإذا غربت الشمس فقد فات

= 407، ومغني المحتاج 1: 509، وكفاية الأخيار 1: 143، وعمدة القاري 10: 86. (1) المجموع 8: 228، وفتح العزيز 7: 382، والمنهاج القويم: 434، وعمدة القاري 10: 93.
(2) المجموع 8: 229، وفتح العزيز 7: 382 - 383.
(3) التهذيب 5: 264 حديث 900، والاستبصار 2: 297 حديث 1060.
(4) الأم 2: 214 و 221، ومختصر المزني: 69، والوجيز 1: 122، وفتح العزيز 7: 406 و 408، ومغني المحتاج 1: 508، والمجموع 8: 235، و 241، والمبسوط 4: 64، وعمدة القاري 10: 18، وتفسير القرطبي 3: 6.

[ 354 ]

الرمي (1)، هذا قوله في الثلاثة أيام. فأما يوم النحر ففيه طريقان، أحدهما: أن فيه قولين مثل الثلاثة. والآخر: إنه محدود الأول والآخر (2). وهو بعيد عندهم. فعلى هذا إذا فاته حتى غربت الشمس ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: يقضي، والثاني: لا يقضي وعليه دم، والثالث: يرمي ويهريق دما " (3). فأما إذا فاته الثلاثة فعلى القولين معا " مضى وقت الرمي على كل حال (4). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن القضاء في اليوم الثاني أحوط، وكذلك فيما بعد الأربعة، وإلزام الدم يحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة. مسألة 182: يجوز للرعاة وأهل السقاية المبيت بمكة، ولا يبيتوا بمنى بلا خلاف. فأما من له مريض يخاف عليه، أو مال يخاف ضياعه، فعندنا يجوز له ذلك. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (5)، والثاني: ليس له ذلك (6).

(1) الأم 2: 214، والمجموع 8: 236، و 239، ومختصر المزني: 68، ومغني المحتاج 1: 507 - 508، والوجيز 1: 122، وفتح العزيز 7: 407، وبداية المجتهد 1: 341.
(2) الأم 2: 214، والمجموع 8: 236، ومغني المحتاج 1: 508، والمبسوط 4: 64، والوجيز 1: 122، وفتح العزيز 7: 408، وعمدة القاري 10: 18 - 19، وشرح فتح القدير 2: 393.
(3) الأم: 214، والمجموع 8: 236، ومغني المحتاج 1: 509، والوجيز 1: 122، وفتح العزيز 7: 408، وبداية المجتهد 1: 339، وعمدة القاري 10: 18 - 19، والمبسوط 4: 64.
(4) الأم 2: 214، ومختصر المزني: 69، وبداية المجتهد 1: 341، ومغني المحتاج 1: 507.
(5) المجموع 8: 247، ومختصر المزني: 467، والوجيز 1: 121، والمجموع 8: 248، وكفاية الأخيار 1: 139، ومغني المحتاج 1: 507، وفتح الباري 3: 579.
(6) الأم 2: 215، ومختصر المزني: 69، والوجيز 1: 122، والمجموع 8: 248، والجامع لأحكام القرآن 3: 7، وعمدة القاري 10: 84.

[ 355 ]

دليلنا: قوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (1) وإلزام المبيت والحال ما وصفناه فيه حرج. مسألة 183: يستحب للإمام أن يخطب بمنى يوم النفر الأول بعد الزوال، وهو أوسط أيام التشريق، ويعلمهم أنهم بالخيار بين التعجيل والتأخير. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: يخطب يوم النفر، وهو أول التشريق (3)، فانفرد به ولم يقل به فقيه، ولا نقل فيه أثر. دليلنا: إن ما ذكرناه أحوط. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله خطب بمنى أوسط أيام التشريق (4). روت ذلك سراء بنت نبهان (5) قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وذكرت مثل ذلك (6). مسألة 184: يوم النفر الأول بالخيار أن ينفر أي وقت شاء إلى غروب

(1) الحج: 78.
(2) مختصر المزني: 69، والمجموع 8: 238 و 249 ومغني المحتاج 3: 488، وعمدة القاري 10: 79، والفتح الرباني 12: 216.
(3) النتف 1: 225، وعمدة القاري 10: 78 - 79، والهداية 1: 142، وتبيين الحقائق 2: 22، والمجموع 8: 89، والفتح الرباني 12: 215، والمغني لابن قدامة 3: 488.
(4) سنن أبي داود 2: 197، وسنن البيهقي 5: 151.
(5) سراء بنت نبهان الغنوية، وقيل: سري بنت نبهان العنبرية، والظاهر أن الأول أصح. ربة بيت صحابية، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنها ربيعة بن عبد الرحمن الغنوي وساكنة بنت الجعد. طبقات ابن سعد 8: 310، وتهذيب التهذيب 12: 424، وأسد الغابة 5: 473، والاكمال 4: 293.
(6) سنن أبي داود 2: 197، وسنن البيهقي 5: 151.

[ 356 ]

الشمس، فإذا غربت فليس له أن ينفر، فإن نفر أثم. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: له أن ينفر قبل طلوع الفجر، فإن طلع الفجر يوم النفر الثاني فنفر أثم (2). دليلنا: قوله تعالى: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " (3) فعلق الرخصة في اليوم الثاني، وهذا فاته اليوم الثاني، فلا يجوز له أن ينفر. مسألة 185: من فاته رمي يوم، رماه من الغد، وكذلك الحكم في اليومين، ويبدأ بالأول فالأول مرتبا. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: مثل ما قلناه (4). والآخر: يسقط الترتيب (5). فإن اجتمع عليه الثلاثة أيام جاز أن يرمي كل جمرة بإحدى وعشرين حصاة. دليلنا: إجماع الفرقة، ودليل الاحتياط، فإن ما قلناه لا خلاف في جوازه، وسقوط النسك به، وما قالوه ليس عليه دليل. مسألة 186: إذا رمى ما فاته بنية يومه قبل أن يرمي ما لأمسه، لا يجزي ليومه ولا عن أمسه. وللشافعي فيه وجهان، أحدهما: مثل ما قلناه (6).

(1) الأم 2: 215، والوجيز 1: 122، والمجموع 8: 249، ومغني المحتاج 1: 506، وتبيين الحقائق 2: 34، وشرح فتح القدير 2: 184.
(2) اللباب 1: 190، وتبيين الحقائق 2: 34، وشرح فتح القدير 2: 184، والهداية 1: 149.
(3) البقرة: 203.
(4) الأم 2: 214، والمجموع 8: 240، ومختصر المزني: 69، والوجيز 1: 122، ومغني المحتاج 1: 509، وفتح العزيز 7: 402 و 406.
(5) المجموع 8: 240.
(6) المجموع 8: 236 و 240، والوجيز 1: 122.

[ 357 ]

والثاني: وهو المذهب أنه يقع لأمسه، هذا على قوله بالترتيب (1). دليلنا: إجماع الفرقة على وجوب الترتيب، وهذا لم يرتب، وطريقة الاحتياط. مسألة 187: إذا رمى جمرة واحدة بأربع عشرة حصاة، سبعا عن يومه، وسبعا عن أمسه، فالأولى لا تجزيه عن يومه، لأنه ما رتب، والثانية تجزي عن أمسه، ويحتاج أن يرمي ليومه. وقال الشافعي: لا يجزيه عن يومه بلا خلاف، وأجزأه عن أمسه (2). ولكن أي السبعين يجزيه؟ فيه وجهان، أحدهما: الأولى، والثاني: الثانية (3). دليلنا: إنا قد أبطلنا أن ما يرميه بنية يومه يجزيه عن أمسه، فإذا بطلت الأولى لم يبق بعد ذلك إلا الثانية، فيجزي عن أمسه. مسألة 188: من فاته حصاة أو حصاتان أو ثلاثة حتى يخرج أيام التشريق لا شئ عليه، وإن رماها في القابل كان أحوط. وقال الشافعي: إن ترك واحدة فعليه مد، وإن ترك ثنتين فعليه مدان، وإن ترك ثلاثة فدم (4)، إذا كان في الجمرة الأخيرة، فإذا كان من الجمرة الأولى أو الثانية لا يصح ما بعدها على ما مضى (5).

(1) مختصر المزني: 69، والمجموع 8: 236 و 240، والوجيز 1: 122، ومغني المحتاج 1: 509، والمنهاج القويم: 434.
(2) الأم 2: 214، ومختصر المزني: 69، والوجيز 1: 122، والمجموع 8: 240 - 241، ومغني المحتاج 1: 509، والمنهاج القويم: 434.
(3) المجموع 8: 240 - 241.
(4) الأم 2: 214، ومختصر المزني: 69، والوجيز 1: 123، والمجموع 7: 509 و 8: 241، وعمدة القاري 10: 88، وفتح الباري 3: 581، وبداية المجتهد 1: 342، ومغني المحتاج 1: 509.
(5) المجموع 8: 242، ومغني المحتاج 1: 509.

[ 358 ]

دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، فمن أوجب عليها شيئا فعليه الدلالة. مسألة 189: من ترك الرمي في الأربعة أيام قضاه من قابل، أو أمر من يقضي عنه، ولا دم عليه. وقال الشافعي: لا قضاء عليه قولا واحدا. وفيما يجب عليه قولان: أحدهما عليه دم واحد (1)، والثاني: عليه أربعة دماء، لكل يوم دم (2). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، فعلى من شغلها بشئ الدلالة. مسألة 190: من ترك المبيت بلا عذر بمنى ليلة كان عليه دم، فإن ترك ليلتين كان عليه دمان، والثالثة لا شئ عليه، لأن له أن ينفر في الأول إلا أن تغيب الشمس، ثم ينفر فيلزمه ثلاثة دماء. وقال الشافعي: إن ترك ليلة فيه ثلاثة أقوال: أحدها: عليه دم (3)، والآخر: عليه ثلث دم (4)، والثالث قاله في مختصر الحج: في ليلة درهم وفي ليلتين درهمان وفي الثلاثة عليه دم، على أحد قوليه (5)، والقول الآخر: لا شئ عليه (6). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط.

(1) الوجيز 1: 122، والمجموع 8: 241، وعمدة القاري 10: 86، والمغني لابن قدامة 3: 524، والشرح الكبير 3: 494، وفتح العزيز 7: 407، وبداية المجتهد 1: 342.
(2) الوجيز 1: 122، والمجموع 8: 241، وفتح العزيز 7: 407.
(3) المجموع 8: 246، ومغني المحتاج 1: 509، والوجيز 1: 121، وكفاية الأخيار 1: 139.
(4) المجموع 8: 246 و 247، وفتح العزيز 7: 390. (5) الأم 2: 215، والمجموع 8: 247، والمبسوط للسرخسي 4: 25، ومغني المحتاج 1: 509، وكفاية الأخيار 1: 139.
(6) مختصر المزني: 69، والمجموع 8: 246، والوجيز 1: 121، وكفاية الأخيار 1: 139.

[ 359 ]

مسألة 191: نزول المحصب (1) مستحب، وهو نسك. وبه قال عمر بن الخطاب. وقال جميع الفقهاء: هو مستحب، وليس بنسك (2). فإن أرادوا بالنسك ما يلزمه بتركه الدم فليس عندنا، لأن من تركه لا يلزمه الدم، وإنما يكون قد ترك الأفضل، ويسقط الخلاف. مسألة 192: يصح أن يحرم عن الصبي، ويجنبه جميع ما يتجنبه المحرم، وكلما يلزم المحرم البالغ يلزم في إحرام الصبي مثله، من الصيد، والطيب، واللباس وغير ذلك، وتصح منه الطهارة، والصلاة والصوم، والحج غير أن الطهارة والصلاة والصيام لا يصح منه حتى يعقل ويميز، والحج يصح منه بإذن وليه إذا كان مميزا، ويصح له الحج بحرام وليه عنه إن لم يكن مميزا. وبه قال مالك والشافعي (3). وقال أبو حنيفة: لا ينعقد له صلاة، ولا صوم، ولا حج، فإن أذن له وليه فأحرم لم ينعقد إحرامه، وإنما يفعل ذلك ليمرن عليه، ويتجنب ما يتجنب المحرم استحسانا، وإذا قتل صيدا فلا جزاء عليه (4).

(1) المحصب - بميم مضمومة ثم مفتوحة ثم حاء مفتوحة ثم صاد مفتوحة مهملتين ثم باء موحدة - وهواسم لمكان متسع بين مكة ومنى وهو إلى منى أقرب، ويقال له الأبطح والبطحاء. حكاه النووي في المجموع 8: 253 عن المطالع وغيره.
(2) المجموع 8: 252 - 253، وفتح الملك المعبود 2: 188 و 192، وعمدة القاري 10: 101، واللباب 1: 190، والفتح الرباني 12: 231.
(3) الأم 2: 111 و 177، والمجموع 7: 23 و 29، وعمدة القاري 10: 217، والمغني لابن قدامة 3: 208، والشرح الكبير 3: 169، والمدونة الكبرى 1: 367، وبداية المجتهد 1: 308، والسراج الوهاج: 151، وبلغة السالك 1: 261، ومغني المحتاج 1: 461، ومغني المحتاج 1: 461، والوجيز 1: 123، وفتح العزيز 7: 6، والفتح الرباني 11: 31.
(4) شرح معاني الآثار 2: 258، وعمدة القاري 10: 217، والهداية 1: 134، والمبسوط 4: =

[ 360 ]

دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا ما روي أن امرأة رفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله صبيا من محفة فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: " نعم ولك أجر " (1). مسألة 193: إذا قتل الصبي الصيد لزم وليه الفداء عنه. والشافعي نص على ما قلناه (2). وفي أصحابه من قال: يلزمه في ماله (3). دليلنا: إجماع الفرقة (4)، وأيضا الصبي غير مخاطب بالعبادة، فلا يلزمه ما يلزم المخاطب بالعبادة. مسألة 194: يجوز لأم أن تحرم عن ولدها الصغير. وبه قال أبو سعيد الاصطخري من أصحاب الشافعي (5). وقال الباقون من أصحابه: لا يصح (6). دليلنا: خبر المرأة التي سألت النبي صلى الله عليه وآله عن إحرامها عن الصبي، فقال لها: " نعم له حج ولك أجر " (7).

= 130، واللباب 1: 187، وتبيين الحقائق 2: 6، والمجموع 7: 39، وفتح العزيز 7: 6، والمغني لابن قدامة 3: 208، والمنهل العذب 1: 278، ونيل الأوطار 5: 20، والفتح الرباني 11: 31. (1) الأم 2: 111 و 177، ومسند أحمد بن حنبل 1: 219 و 244 و 288، وسنن البيهقي 5: 155، وسنن النسائي 5: 120.
(2) المجموع 7: 32، والوجيز 1: 123، ومغني المحتاج 1: 461، وفتح العزيز 7: 425. (3) المجموع 7: 32، والوجيز 1: 123، ومغني المحتاج 1: 461، وفتح العزيز 7: 425.
(4) وأيضا وردت بذلك أخبار انظر الكافي 4: 303 ذيل الحديث 1، والفقيه 2: 265 ذيل الحديث 1291، والتهذيب 5: 409 ذيل الحديث 1424.
(5) المجموع 7: 25، وفتح العزيز 7: 421، وفي عمدة القاري 10: 218، والوجيز 1: 123، ونيل الأوطار 5: 21 من ذكر الاسم.
(6) المجموع 7: 25، وفتح العزيز 7: 421، وعمدة القاري 10: 218.
(7) تقدم في المسألة 192 وانظر مسند أحمد بن حنبل 1: 219 و 244 و 288، وسنن البيهقي 5: 155، والأم 2: 111 و 177، وسنن النسائي 5: 120.

[ 361 ]

مسألة 195: إذا أحرم الولي بالصبي، فنفقته الزائدة على نفقته في الحضر على الولي دون ماله، وبه قال أكثر الفقهاء (1). وقال قوم منهم: يلزمه في ماله (2). دليلنا: إن الولي هو الذي أدخله في ذلك، وليس بواجب عليه، فيجب أن يلزمه، لأن إلزامه في مال الصبي يحتاج إلى دلالة. مسألة 196: إذا حمل الانسان صبيا فطاف به، ونوى بحمله طواف الصبي وطواف نفسه، أجزأ عنهما. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يقع الطواف عن الولي، والثاني: يقع عن الصبي (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنها منصوبة لهم فيمن حمل غيره فطاف به في أنه يجزي عنهما جميعا إذا نوى ذلك (4). مسألة 197: الصبي إذا وطأ في الفرج عامدا فقد روى أصحابنا إن عمد الصبي وخطأه سواء (5)، فعلى هذا لا يفسد حجه، ولا تتعلق به كفارة. وإن قلنا: أن ذلك عمد، يجب أن يفسد الحج وتتعلق به الكفارة،

(1) المجموع 7: 30، والوجيز 1: 123، والمغني لابن قدامة 3: 210، والشرح الكبير 3: 172، وفتح العزيز 7: 423، ومغني المحتاج 1: 461، وبلغة السالك 1: 262.
(2) المجموع 7: 30، والوجيز 1: 123، والمغني لابن قدامة 3: 210، والشرح الكبير 3: 172، وفتح العزيز 7: 423.
(3) الأم 2: 211، والمجموع 8: 29 و 61، والوجيز 1: 119، ومغني المحتاج 1: 492، والسراج الوهاج: 161.
(4) انظر الكافي 4: 429 حديث 13، والتهذيب 5: 125 حديث 411.
(5) التهذيب 10: 233 حديث 920 و 921.

[ 362 ]

لعموم الأخبار فيمن وطأ عامدا أنه يفسد حجه (1)، كان قويا، إلا أنه لا يلزمه القضاء، لأنه ليس مكلف، ووجوب القضاء يتوجه إلى المكلف. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: إن عمده وخطأه سواء في الحكم، فإن حكم بأن عمده خطأ، فهو على قولين مثل البالغ في فساد الحج. وإن قال: عمده عمد فقد أفسد حجه وعليه بدنه (2). وهل يجب عليه القضاء بالافساد؟ على قولين، أحدهما: لا قضاء عليه، لأنه غير مكلف مثل ما قلناه. الثاني: عليه القضاء (3). فإذا قال: يصح منه وهو صغير ففعل فلا كلام، وإذا قال: لا يصح أو قال: يصح ولم يفعل حتى بلغ، فحج بعد بلوغه، فهل تجزيه عن حجة الإسلام أم لا؟ نظرت في التي أفسدها، فإن كانت لو سلمت من الفساد أجزأت عن حجة الإسلام، وهو أن يبلغ قبل فوات وقت الوقوف بعرفات، فكذلك القضاء، وإن كان لو سلمت من الفساد لا تجزيه عن حجة الاسلام، بأن لم يبلغ في وقت الوقوف، فكذلك القضاء (5). دليلنا: عموم الأخبار التي وردت على ما قدمناه.

(1) كثيرة منها ما رواه في الكافي 4: 373، حديث 1 و 2 و 3 و 5، والتهذيب 5: 317 - 319، الأحاديث 1092، 1093 و 1095 و 1099 1097 وغيرها.
(2) المجموع 7: 34 و 403، وفتح العزيز 7: 426 و 428.
(3) المجموع 7: 36 و 403، وفتح العزيز 7: 427.
(4) المجموع 7: 36 و 404، والوجيز 1: 123، ومغني المحتاج 1: 523.
(5) المجموع 7: 37 و 404، والوجيز 1: 123.

[ 363 ]

مسألة 198 ضمان ما يتلفه الصبي المحرم من الصيد على الولي. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، والثاني: في ماله (1). دليلنا: عموم الأخبار الواردة في ذلك، وإنه يلزمه جميع ما يلزم المحرم (2). مسألة 199: طواف الوداع مستحب بلا خلاف، وقد قدمنا أن طواف النساء فرض لا يتحلل من النساء إلا به، وإن ترك طواف الوداع لا يلزمه دم، وإن ترك طواف النساء لم تحل له النساء حتى يعود ويطوف، أو يأمر من يطوف عنه. وخالف جميع الفقهاء في طواف النساء، ووافقونا في طواف الوداع. فأما لزوم الدم بتركه، فذهب إليه أبو حنيفة، وأحد قولي الشافعي (3). والآخر: لا دم عليه (4). دليلنا: على وجوب طواف النساء: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، فأما لزوم الدم بترك طواف الوداع فيحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة. مسألة 200: من وطأ في الفرج قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه بلا

(1) المجموع 7: 32، والوجيز 1: 123، والمبسوط للسرخسي 4: 130، ومغني المحتاج 1: 461، وفتح العزيز 7: 425.
(2) الكافي 4: 303 حديث 1، والفقيه 2: 265 حديث 1291، والتهذيب 5: 409 حديث 1424.
(3) الأم 2: 180، والمجموع 8: 254 و 284، والوجيز 1: 123، ومغني المحتاج 1: 510، والسراج الوهاج: 166، والهداية 1: 166، واللباب 1: 204، والفتاوى الهندية 1: 246، وعمدة القاري 10: 95.
(4) المجموع 8: 254، والوجيز 1: 123، ومغني المحتاج 1: 510، والسراج الوهاج: 166، وعمدة القاري 10: 95.

[ 364 ]

خلاف: ويلزمه المضي فيها، ويجب عليه الحج عليه الحج من قابل، ويلزمه بدنه عندنا وعند الشافعي (1). وعند أبي حنيفة: شاة (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما قالا: من وطأ قبل التحلل أفسد، وعليه ناقة (3)، ولا مخالف لهما. مسألة 201: إذا وطأ بعد الوقوف بالمشعر قبل التحلل لزمه بدنة، ولم يفسد حجه. وقال الشافعي ومالك: إن وطأ بعد الوقوف بعرفة قبل التحلل أفسد حجه، وعليه بدنة (4)، مثل الوطء قبل الوقوف. وقال أبو حنيفة: لا يفسد حجه الوطء بعد الوقوف بعرفة، وعليه بدنة (5).

(1) المجموع 7: 414، والأم 2: 218، ومختصر المزني: 69، والوجيز 1: 126، والنتف 1: 213، وبداية المجتهد 1: 358، وشرح فتح القدير 2: 239 وشرح العناية على الهداية 2: 239، والمغني لابن قدامة 3: 324 و 517، وكفاية الأخيار 1: 142، ومغني المحتاج 1: 522.
(2) النتف 1: 213، والمجموع 7: 414، وشرح فتح القدير 2: 238، والمبسوط للسرخسي 2: 118، والمغني لابن قدامة 3: 325 و 517، والهداية 1: 164، واللباب 1: 202، وبداية المجتهد 1: 358.
(3) المغني 3: 323 و 517، والموطأ 1: 384.
(4) الأم 2: 218، والمجموع 7: 387 و 414، وبداية المجتهد 1: 358، وشرح فتح القدير 2: 240، وشرح العناية على الهداية 2: 239، والنتف في الفتاوى 1: 213، والمغني لابن قدامة 3: 324، والموطأ 1: 382، وكفاية الأخيار 1: 142.
(5) شرح فتح القدير 2: 240، والفتاوى الهندية 1: 245، والمجموع 7: 414 وبداية المجتهد 1: 358، وشرح العناية على الهداية 2: 240، والنتف في الفتاوى 1: 213، والمغني 3: 325، واللباب 1: 202، والمبسوط 4: 119.

[ 365 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فكل من قال الوقوف بالمشعر الحرام الركن قال بما قلناه، وقد دللنا على أنه ركن (1)، فثبت ما قلناه لفساد التفرقة. وأيضا رواية ابن عمر وابن عباس تدل على ذلك (2). وما بعد الوقوف بالمشعر نخرجه بدليل إجماع الفرقة. مسألة 202: من أفسد حجه وجب عليه المضي فيه، واستيفاء أفعاله، وبه قال جميع الفقهاء (3)، إلا داود، فإنه قال: يخرج بالفساد منه (4). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع الأمة، وداود قد سبقه الإجماع وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك. وأيضا قوله تعالى: " وأتموا الحج والعمرة لله " (5). يتناول هذا الموضع، لأنه لم يفرق بين حجة أفسدها وبين ما لم يفسده. وما قلناه مروي عن علي عليه السلام وابن عباس، وعمر، وأبي هريرة ولا مخالف لهم في الصحابة (6). مسألة 203: إذا وطأ في الفرج بعد التحلل الأول لم يفسد حجه وعليه بدنة. وقال الشافعي مثل ذلك (7)، وله في لزوم الكفارة قولان:

(1) تقدم في المسألة رقم (161) فراجع.
(2) انظر المسألة المتقدمة رقم (200) هامش 3.
(3) المجموع 7: 414، وبداية المجتهد 1: 375، والأم 2: 218، والمبسوط للسرخسي 2: 118 و 121، والموطأ 1: 381 - 382، والمنهاج القويم: 444، والمقدمة الحضرمية: 44، والشرح الكبير 3: 323، وكفاية الأخيار 1: 142، وإرشاد الساري: 227، ومغني المحتاج 1: 523، وتبيين الحقائق 2: 57، وفتح العزيز 7: 472، والسراج الوهاج: 169.
(4) المجموع 7: 414، والشرح الكبير 3: 323.
(5) البقرة: 196.
(6) الموطأ 1: 381 حديث 151، والمنهاج القويم: 444، والشرح الكبير 3: 323، والمغني لابن قدامة 3: 323، والمجموع 7: 384، والمبسوط 4: 118.
(7) المجموع 7: 407، والشرح الكبير 3: 328، والوجيز 1: 126، وكفاية الأخيار 1: 142، والمنهاج =

[ 366 ]

أحدهما: بدنة، والآخر: شاة (1). وقال مالك: يفسدها ما بقي منه، وعليه أن يأتي بالطواف والسعي، لأنه يمضي في فساده، ثم يقضي ذلك بعمل عمرة، ويخرج في الحل، فيأتي بذلك (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا تبنى هذه المسألة على وجوب الوقوف بالمشعر، فكل من قال بذلك قال بما قلناه. وروي عن ابن عباس أنه قال: من وطأ بعد التحلل - وفي بعضها بعد الرمي - فحجه تام، وعليه بدنة (3). مسألة 204: إذا وطأ بعد الوطء، لزمه بكل وطء كفارة، وهي بدنة، سواء كفر عن الأول أو لم يكفر. وقال الشافعي: إن وطأ بعد أن كفر عن الأول وجبت عليه الكفارة، قولا واحدا، وهل هي شاة أو بدنة على قولين. وإن كان قبل أن يكفر عن الأول ففيها ثلاثة أقوال: أحدهما: لا شئ عليه، والثاني: شاة، والثالث: بدنة (4).

= القويم: 444، وفتح العزيز 7: 471 - 472، ومغني المحتاج 1: 522، والمغني لابن قدامة 3: 519، وإرشاد الساري: 226، وبداية المجتهد 1: 358، والسراج الوهاج: 169. (1) المجموع 7: 408، وشرح فتح القدير 2: 241، الشرح الكبير 3: 328، والوجيز 1: 126، وفتح العزيز 7: 472، وكفاية الأخيار 1: 145، ومغني المحتاج 1: 523، والسراج الوهاج: 169، وبداية المجتهد 1: 358.
(2) موطأ مالك 1: 384، الشرح الكبير 3: 326، والمدونة الكبرى 1: 454، وبلغة السالك 1: 292، وبداية المجتهد 1: 370، والمجموع 7: 407 و 414، وفتح العزيز 7: 471.
(3) الموطأ 1: 384 حديث 155، والشرح الكبير 3: 326 و 328.
(4) المجموع 7: 407، والمغني لابن قدامة 3: 328 - 329، والوجيز 1: 126، ومغني المحتاج 1: 522، وفتح العزيز، وفتح العزيز 7: 472، وبداية المجتهد 1: 359.

[ 367 ]

دليلنا: ظواهر الأوامر التي وردت بأن من وطأ وهو محرم فعليه كفارة، ولم يفصلوا (1). وإن قلنا بما قاله الشافعي: أنه إن كان كفر عن الأول لزمته الكفارة، وإن كان قبل أن يكفر فعليه كفارة واحدة، كان قويا، لأن الأصل براءة الذمة. مسألة 205: من أفسد حجه وجب عليه الحج من قابل. وقال الشافعي مثل ذلك في المنصوص عليه (2). ولأصحابه قول آخر: وهو أنه على التراخي (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم التي ضمنت أن عليه الحج من قابل (4)، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك، ولأنا قد بينا أن حجة الاسلام على الفور (5)، وهذه حجة الاسلام. وأيضا فلا خلاف أنه مأمور بذلك، والأمر عندنا يقتضي الفور (6)، وبهذا المذهب قال عمر، وابن عباس، وابن عمر (7). مسألة 206: إذا وطأها وهي محرمة فالواجب كفارتان، فإن أكرهها

(1) انظر مثلا الكافي 4: 374 الحديث 5 و 7، والتهذيب 5: 317 و 331 حديث 1093، 1097 و 1140 وغيرها.
(2) المجموع 7: 384، والأم 2: 218، والشرح الكبير 3: 323، وكفاية الأخيار 1: 142، ومغني المحتاج 1: 523، والمنهاج القويم: 444، وبداية المجتهد 1: 360، وفتح العزيز 7: 472.
(3) المجموع 7: 384، ومغني المحتاج 1: 523، وكفاية الأخيار 1: 142، وفتح العزيز 7: 473.
(4) كثيرة منها ما في الكافي 4: 373 و 374، 376 و 379 الأحاديث 1 و 2 و 3 و 5 و 6، 5 على التوالي، والتهذيب 5: 317، و 318 و 319، الأحاديث 1092 و 1093 و 1095 و 1096 و 1097 و 1099 على التوالي أيضا.
(5) انظر المسألة 22.
(6) انظر عدة الأصول: 85 (طبعة بمبي).
(8) المجموع 7: و 38، والشرح الكبير 3: 323، والمغني لابن قدامة 3: 383.

[ 368 ]

كانتا جميعا عليه، وإن طاوعته لزمته واحدة، ولزمتها الأخرى. وقال الشافعي: كفارة واحدة يتحملها الزوج، ولم يفصل (1). وله قول آخر: أن على كل واحد منهما كفارة (2). وفي من يتحملها وجهان: أحدهما: عليه وحده، والثاني: على كل واحد منهما كفارة فإن أخرجهما الزوج سقط عنها (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (4)، وطريقة الاحتياط. مسألة 207: إذا وجب عليهما الحج في المستقبل، فإذا بلغا إلى الموضع الذي واقعها فيه فرق بينهما. وبه قال الشافعي نصا (5). واختلف أصحابه على وجهين: أحدهما: هي واجبة، والثاني: مستحبة (6). وقال مالك ": واجبة (7).

(1) الأم 2: 218، والمجموع 7: 395، وبداية المجتهد 1: 359، والمغني لابن قدامة 3: 327، والمنهاج القويم: 444، ومغني المحتاج 1: 522، وفتح العزيز 7: 475، والبحر الزخار 3: 325، ونيل الأوطار 5: 84.
(2) المجموع 7: 395، ومغني المحتاج 1: 523، والمغني لابن قدامة 3: 323، والفتح الرباني 11: 234.
(3) المجموع 7: 395.
(4) منها الكافي 4: 374، حديث 5 و 7، والتهذيب 5: 317 و 331 حديث 1093 و 1097 و 1140.
(5) المجموع 7: 399 و 415، وبداية المجتهد 1: 359، وشرح فتح القدير 2: 240، وشرح العناية على الهداية 2: 240 وتبيين الحقائق 2: 57 والمبسوط للسرخسي 2: 119، والشرح الكبير 3: 324، والمغني لابن قدامة 3: 324، وإرشاد الساري: 227، وفتح العزيز 7: 476.
(6) المجموع 7: 399 و 415، وفتح العزيز 7: 476، ومغني المحتاج 1: 523، وإرشاد الساري: 227.
(7) المدونة الكبرى 1: 454، والموطأ 1: 382، وبداية 1: 359 والمجموع 7: 415، وشرح =

[ 369 ]

وقال أبو حنيفة: لا أعرف هذه التفرقة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (2) وطريقة الاحتياط أيضا تقتضيه، وروي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر (3) ولا مخالف لهما. مسألة 208: إذا وطأ المحرم ناسيا، لا يفسد حجه. وقال أبو حنيفة: يفسد حجه مثل العمد (4)، وهو أحد قولي الشافعي (5). والثاني: لا يفسد وهو أصح قولين: (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة.

= فتح القدير 2: 240، والمبسوط للسرخسي 2: 118، والمغني لابن قدامة 3: 324، والشرح الكبير 3: 324، والمحلى 7: 191، وإرشاد الساري 227، وتبيين الحقائق 2: 57، وفتح العزيز 7: 476. (1) تبيين الحقائق 2: 57، والمجموع 7: 415، وبداية المجتهد 1: 359، وشرح فتح القدير 2: 240، وشرح العناية على الهداية 2: 240، والمبسوط للسرخسي 2: 119، والمحلى 7: 190، والشرح الكبير 3: 342، والمغني لابن قدامه 3: 385.
(2) إضافة للمصادر المتقدمة في المسألة 206 هامش (4) انظر الكافي 4: 273 حديث 1 و 2 و 5، والتهذيب 5: 317 حديث 1092 وغيرها كثير.
(3) قال النووي في المجموع 7: 415 " وممن قال بالتفريق عمر بن الخطاب، وعثمان، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وإسحاق، وابن المنذر ".
(4) الفتاوى الهندية 1: 244، وشرح فتح القدير 2: 241، والمبسوط للسرخسي 2: 121، والنتف في الفتاوى 1: 213، والشرح الكبير 3: 322، والمغني لابن قدامة 3: 339، والهداية 1: 165، وبدائع الصنائع 2: 217، واللباب 1: 203، وفتح العزيز 7: 478.
(5) المجموع 7: 394، وفتح العزيز 7: 478، وبداية المجتهد 1: 359، والشرح الكبير 3: 322، والمغني لابن قدامة 3: 339.
(6) الهداية 1: 165، وبدائع الصنائع 2: 217، والمجموع 7: 394، وشرح فتح القدير 2: 241، وشرح العناية على الهداية 2: 240، والمبسوط للسرخسي 2: 121، والشرح الكبير 3: 322، والمغني لابن قدامة 3: 339، وفتح العزيز 7: 478.

[ 370 ]

وأيضا روي عنه عليه السلام أنه قال: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (1)، وهذا نص مسألة 209: إذا وطأ المحرم فيما دون الفرج لا يفسد حجه، أنزل أو لم ينزل. وبه قال الشافعي (2). وقال مالك: إذا أنزل أفسد الحج (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا إفساد الحج يحتاج إلى دليل، والأصل صحته، لأنه انعقد صحيحا، وليس على ما قالوه دليل. مسألة 210: من أصحابنا من قال: إن إتيان البهيمة، واللواط بالرجال والنساء، وإتيانها في دبرها، كل ذلك يتعلق به فساد الحج (4). وبه قال الشافعي (5). ومنهم من قال: لا يتعلق الفساد إلا بالوطء في القبل من المرأة (6). وقال أبو حنيفة: إتيان البهيمة لا يفسد، والوطء في الدبر على

(1) اختلفت ألفاظ الحديث في المصادر التالية، وكلها تدل عليه فلاحظ: سنن ابن ماجة 1: 659 (باب 16)، وسنن الدارقطني 4: 170 حديث 33، وسنن البيهقي 7: 356 حديث 357، والمستدرك على الصحيحين 2: 198، وكنز العمال 12: 155 حديث 34539 وما بعده.
(2) المجموع 7: 411، والأم 2: 218، وفتح العزيز 7: 480، وشرح فتح القدير 1: 237 - 238، والمغني 3: 331، وبداية المجتهد 1: 359، والمحلى 7: 255.
(3) موطأ مالك 1: 283، وبداية المجتهد 1: 359، والمغني لابن قدامة 3: 331، وفتح العزيز 7: 480، والشرح الكبير 3: 328.
(4) منهم أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 203، وابن حمزة في الوسيلة (ضمن الجوامع الفقهية): 686.
(5) المجموع 7: 4 9، والأم 2: 218، والمغني لابن قدامة 3: 327، والشرح الكبير 3: 322، ومغني المحتاج 1: 522، وكفاية الأخيار 1: 143، والمنهاج القويم: 443.
(6) منهم الصدوق في المقنع: 71 حيث قال: " فإن كان جماعك دون الفرج فعليك بدنه وليس عليك الحج من قابل ".

[ 371 ]

روايتين، المعروف أنه يفسده (1). دليلنا على الأول: طريقة الاحتياط، وعلى الثاني براءة الذمة. مسألة 211: من أفسد عمرته كان عليه بدنة. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: شاة (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 212: القارن على تفسيرنا إذا أفسد حجه لزمه بدنة، وليس عليه دم القران. وقال الشافعي: إذا وطأ القارن - على تفسيرهم فيمن جمع بين الحج والعمرة في الاحرام - لزمه بدنة واحدة بالوطء، ودم القران باق عليه (4). وقال أبو حنيفة: يسقط دم القران، ويجب عليه شاتان، شاة بإفساد الحج وشاة بإفساد العمرة (5).

(1) الفتاوى الهندية 1: 244، وشرح فتح القدير 2: 240، وشرح العناية على الهداية 2: 240، والمغني لابن قدامة 3: 327، والشرح الكبير 3: 322، واللباب 1: 202، وبدائع الصنائع 2: 216، وإرشاد الساري 226، والمجموع 7: 421، وفتح العزيز 7: 471.
(2) المجموع 7: 389، وفتح المعين: 63، والوجيز 1: 126، ومغني المحتاج 1: 522، والسراج الوهاج: 169، وكفاية الأخيار 1: 145، وفتح العزيز 7: 472، وإرشاد الساري: 227، والمبسوط 4: 58، وشرح فتح القدير 2: 241.
(3) المبسوط 4: 119، وشرح فتح القدير 2: 241، واللباب 1: 202، والهداية 1: 165، والمجموع 7: 414.
(4) المجموع 7: 173 و 405، وفتح العزيز 7: 476، ومغني المحتاج 1: 523 والمغني لابن قدامة 3: 499.
(5) الفتاوى الهندية 1: 245، والمبسوط 4: 119، وبدائع الصنائع 2: 219، والمغني لابن قدامة 3: 499، والمجموع 7: 417، وفتح العزيز 7: 477، وإرشاد الساري: 227. دليلنا: إجماع الفرقة، وبراءة الذمة، ولأنا قد بينا فساد ما يقولونه في

[ 372 ]

كيفية القران (1). مسألة 213: من وجب عليه دم في إفساد الحج فلم يجد، فعليه بقرة، فإن لم يجد فسبع شياة على الترتيب، فإن لم يجد فقيمة البدنة دراهم، ويشتري بها طعاما يتصدق به، فإن لم يجد صام عن كل مد يوما. ونص الشافعي على مثل ما قلناه (2). وفي أصحابه من قال: هو مخير (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (4)، وطريقة الاحتياط. مسألة 214: من نحر ما يحب عليه في الحل وفرق اللحم في الحرم لا يجريه. وبه قال الشافعي (5). وقال بعض أصحابه: يجزيه (6). دليلنا: قوله تعالى: " ثم محلها إلى البيت العتيق " (7) وهذا ما بلغه، وعليه إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط تقتضيه. مسألة 215: إذا نحر في الحرم، وفرق اللحم في الحل، لم يجزه، وبه قال

(1) تقدم ذلك في المسألة " 29 " من هذا الكتاب فلاحظ.
(2) الأم 2: 218، ومختصر المزني: 69، والمجموع 7: 401، وفتح المبين: 63، وكفاية الأخيار 1: 145، والوجيز 1: 131، ومغني المحتاج 1: 523، والمنهاج القويم: 444، وفتح العزيز 8: 76.
(3) المجموع 7: 401، والوجيز 1: 132، وفتح العزيز 8: 78.
(4) أخبارهم الدالة على التركيب كثيرة ومختلفة في الألفاظ انظر على سبيل المثال: الكافي 4: 385 باب كفارات ما أصاب المحرم من الوحش، والفقيه 2: 233 حديث 1112، والتهذيب 5: 341، الأحاديث 1183 و 1187 و 1626 وغيرها.
(5) الوجيز 1: 132، والمجموع 7: 500، وكفاية الأخيار 1: 146، ومغني المحتاج 1: 530، وفتح العزيز 8: 86، والمنهاج القويم: 453.
(6) المجموع 7: 500، والوجيز 1: 132، وفتح العزيز 8: 86، ومغني المحتاج 1: 530.
(7) الحج: 33.

[ 373 ]

الشافعي قولا واحدا (1). وكذلك الإطعام، ولا يجزيه عندنا إلا لمساكين الحرم. وبه قال الشافعي قولا واحدا (2). وقال مالك في اللحم مثل قولنا، والاطعام: كيف شاء (3). وقال أبو حنيفة: إذا فرق اللحم أو أطعم المساكين في غير الحرم أجزأه (4). دليلنا: طريقة الاحتياط. مسألة 216: من وجب عليه الهدي في إحرام الحج فلا ينحره إلا بمنى، وإن وجب عليه في إحرام العمرة فلا ينحره إلا بمكة. وقال باقي الفقهاء: أي مكان شاء من الحرم يجزيه (5)، إلا أن الشافعي استحب مثل ما قلناه (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 217: من أفسد الحج وأراد أن يقضي، أحرم من الميقات. وبه قال

(1) المجموع 7: 500، والمغني لابن قدامة 3: 587، وتفسير القرطبي 6: 316، وكفاية الأخيار 1: 146، والهداية 1: 186، وشرح فتح القدير 2: 263، وتبيين الحقائق 2: 90، والبحر الزخار 3: 394، وفتح القريب: 39.
(2) الأم 2: 217، والمجموع 7: 499، وكفاية الأخيار 1: 145، وفتح العزيز 8: 86، والمنهاج القويم: 453، وفتح القريب: 39، وبداية المجتهد 1: 265.
(3) المدونة الكبرى 1: 431، والمغني لابن قدامة 3: 589، وتفسير القرطبي 6: 316، وبداية المجتهد 1: 365.
(4) الفتاوى الهندية 1: 262، والمغني لابن قدامة 3: 588، واللباب 1: 124، والمبسوط 4: 136، والهداية 1: 186، وتبيين الحقائق 2: 90، وشرح فتح القدير 3: 263، والمبسوط 4: 136، والهداية 1: 186، وتبيين الحقائق 2: 90، وشرح فتح القدير 2: 263، والبحر الزخار 3: 394، وفتح العزيز 8: 88.
(5) المجموع 7: 500، والمحلى 7: 235، وشرح فتح القدير 2: 323، وتبيين الحقائق 2: 90، والمغني لابن قدامة 3: 465، وبداية المجتهد 1: 365، والمبسوط 4: 136، والوجيز 1: 132.
(6) المجموع 7: 500، والوجيز 1: 123، والمنهاج القويم: 453، وفتح العزيز 8: 88.

[ 374 ]

أبو حنيفة وقال: لا يلزمه إن كان أحرم فيما أفسد من قبل الميقات (1). وقال الشافعي: يلزمه من الموضع الذي كان أحرم منه (2). دليلنا: إنا قد بينا أن الإحرام قبل الميقات لا ينعقد، وهو إجماع الفرقة، وأخبارهم عامة في ذلك (3)، فلا تتقدر على مذهبنا هذه المسألة. مسألة 218: إذا أراد قضاء العمرة التي أفسدها أحرم من الميقات. وقال الشافعي مثل قوله في الحج، بأغلظ الأمرين (4). وقال أبو حنيفة: يحرم من أدنى الحل، ولا يلزمه الميقات (5). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 219: من فاته الحج سقط عنه توابع الحج، والوقوف بعرفات، والمشعر، ومنى، والرمي، وعليه طواف وسعي، فيحصل له إحرام، وطواف، وسعي، ثم يحلق بعد ذلك، وعليه القضاء من القابل، ولا هدي عليه. وفي أصحابنا من قال: عليه هدي. وروي ذلك في بعض الروايات (6).

(1) البحر الزخار 3: 324، وفتح العزيز 7: 475.
(2) مختصر المزني: 69، والمجموع 7: 39، والمغني لابن قدامة 3: 384، وفتح العزيز 4: 474، والوجيز 1: 126، والمنهاج القويم: 444، والبحر الزخار 3: 324، وكفاية الأخيار 1: 142، ومغني المحتاج 1: 474.
(3) انظر من لا يحضره الفقيه 2: 198 باب مواقيت الاحرام، والكافي 4: 318 باب مواقيت الاحرام، والتهذيب 5: 55 حديث 166 وما بعده.
(4) مختصر المزني: 69، والمجموع 7: 390، والمغني لابن قدامة 3: 384، وفتح العزيز 4: 474، والوجيز 1: 126، والمنهاج القويم: 444، والبحر الزخار 3: 324، وكفاية الأخيار 1: 142، ومغني المحتاج 1: 474. (5) البحر الزخار 3: 324، وفتح العزيز 7: 475.
(6) الكافي 4: 475 حديث 1، والتهذيب 5: 295 حديث 1000، والاستبصار 2: 307 حديث 1097.

[ 375 ]

وبمثله قال الشافعي إلا في الحلق، فإنه على قولين إلا أنه قال: لا يصير حجه عمرة، وإن فعل أفعال العمرة، وعليه القضاء وشاة (1). وبه قال أبو حنيفة، ومحمد إلا في فصل، وهو أنه لا هدي عليه (2). وقال أبو يوسف تنقلب حجته عمرة، مثل ما قلناه (3). وعن مالك ثلاث روايات: أوليها: مثل قول الشافعي. والثانية: يحل بعمل عمرة، وعليه الهدي دون القضاء. والثالثة: لا يحل، بل يقيم على إحرامه، حتى إذا كان من قابل أتى بالحج، فوقف وأكمل الحج (4). وقال المزني: يمضي في فائته، فيأتي بكل ما يأتي به الحاج إلا الوقوف (5)، فخالف الباقين في التوابع. دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن إلزام التوابع مع الفوات يحتاج إلى دليل، وكذلك البقاء، وإسقاط القضاء يحتاج إلى دليل، وأما وجوب الهدي فطريقة الاحتياط تقتضيه. مسألة 220: من فاته الحج وكانت حجة الاسلام، فعليه قضاؤها على الفور في السنة الثانية. وبه قال الشافعي، وهو ظاهر مذهبهم (6).

(1) المجموع 8: 286 و 290، وكفاية الأخيار 1: 143، وفتح العزيز 8: 48، والوجيز 1: 131، والسراج الوهاج: 172.
(2) اللباب 1: 214 - 215، والمبسوط 4: 174 - 175، وبداية المجتهد 1: 345 و 360، والمجموع 8: 290، وفتح العزيز 8: 54.
(3) المبسوط 4: 174 - 175، واللباب 1: 215، والمجموع 8: 290.
(4) المدونة 1: 374، والشرح الصغير 1: 305 هامش البلغة، وبلغة السالك 1: 305، المجموع 8: 290، (5) مختصر المزني: 70، والمجموع 8: 290.
(6) المجموع 7: 389 و 8: 285، وكفاية الأخيار 1: 142، والوجيز 1: 126، وفتح العزيز 7: =

[ 376 ]

وفي أصحابه من قال: على التراخي (1). دليلنا: ما بيناه من أن حجة الإسلام على الفور، وأيضا فهو مأمور بهذه الحجة، والأمر عندنا على الفور (2). وطريقة الاحتياط أيضا تقتضيه، وما ذكرناه مروي عن عمر، وابن عمر (3) ولا مخالف لهما. مسألة 221: على الرواية التي ذكرناها، أن من فاته الحج عليه الهدي، ولا يجوز تأخيره إلى القابل (4)، وهو أحد قولي الشافعي (5). والثاني، أن له ذلك (6). دليلنا: طريقة الاحتياط، لأنه إذا أتى به برئت ذمته بلا خلاف. مسألة 222: من دخل مكة لحاجة لا تتكرر كالتجارة، والرسالة، وزيارة الأهل، أو كان مكيا فخرج لتجارة ثم عاد إلى وطنه، أو دخلها للمقام بها، فلا يجوز له أن يدخلها إلا بإحرام. وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة، وهو قول الشافعي في الأم (7). ولأبي حنيفة تفصيل فقال: هذا لمن كانت داره قبل المواقيت، وأما إن كانت داره في المواقيت أو دونها فله دخولها بغير إحرام (8).

= 473، والسراج الوهاج: 169، ومغني المحتاج 1: 523 و 537. (1) المجموع 7: 384 و 8: 285، والوجيز 1: 126، وفتح العزيز 7: 473.
(2) عدة الأصول: 85 (طبعة بمبي).
(3) المجموع 7: 384، وكفاية الأخيار 1: 143، وسبل السلام 2: 765.
(4) تقدمت الإشارة إليها في المسألة 219 فلاحظ.
(5) الأم 2: 166، والوجيز 1: 131، وفتح العزيز 8: 83، ومغني المحتاج 1: 537.
(6) الوجيز 1: 132، وكفاية الأخيار 1: 143، وفتح العزيز 8: 83 - 84.
(7) الأم 2: 142، ومغني المحتاج 1: 484، والهداية 1: 136، والمجموع 7: 16، وعمدة القاري 10: 205، وتبيين الحقائق 2: 7، وشرح فتح القدير 2: 132، وبدائع الصنائع 2: 164، والمغني لابن قدامة 3: 226 و 228، والشرح الكبير 3: 223.
(8) المجموع 7: 16، وعمدة القاري 10: 205، وتبيين الحقائق 2: 7، وفتح القدير 1: 132،

[ 377 ]

والقول الآخر للشافعي أن ذلك مستحب غير واجب (1) قاله في عامة كتبه، وبه قال ابن عمر، ومالك (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، والأخبار الواردة في هذا المعنى وظاهرها يقتضي الايجاب (3). مسألة 223: من يتكرر دخوله مكة من الحطابة والرعاة، جاز له دخولها بغير إحرام. وبه قال الشافعي (4). وقال بعض أصحابه: إن للشافعي فيه قولا آخر، وهو أنه يلزم هؤلاء في السنة مرة (5). دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 224: من يجب عليه أن لا يدخل مكة إلا محرما، فدخلها محلا، فلا قضاء عليه، وبه قال الشافعي على قوله: إنه واجب أو مستحب (6). وقال أبو حنيفة: عليه أن يدخلها محرما، فإن دخلها محلا فعليه القضاء، ثم ينظر، فإن حج حجة الإسلام من سنته فالقياس أن عليه القضاء، لكنه يسقط

= والمغني لابن قدامة 3: 226 فصل 2279. (1) الأم 2: 142، والمجموع 7: 16، وعمدة القاري 10: 205، وتبيين الحقائق 2: 7، وبدائع الصنائع 2: 164، والمغني لابن قدامة 3: 226 فصل 2279.
(2) المدونة الكبرى 1: 377 - 378، والمجموع 7: 16، وعمدة القاري 10: 205، والمغني لابن قدامة 3: 226 فصل 279، والشرح الكبير 3: 223.
(3) منها في الكافي 4: 326 حديث 11، والتهذيب 5: 165 حديث 550 و 552 و 554 والاستبصار 2: 245 باب 165.
(4) الأم 2: 141 - 142، والمجموع 7: 11، ومختصر المزني: 96، ومغني المحتاج 1: 485، والسراج الوهاج: 158، وعمدة القاري 10: 208، والمغني لابن قدامة 3: 227.
(5) المجموع 7: 11.
(5) مختصر المزني 69، والمجموع 7: 16، والأم 2: 142، ومغني المحتاج 1: 485، والمغني لابن قدامة 3: 229، والشرح الكبير 3: 224.

[ 378 ]

القضاء استحسانا، وإن لم يحج من سنته استقر عليه القضاء (1). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وإيجاب الاحتياط يحتاج إلى دلالة. مسألة 225: من أسلم وقد جاوز الميقات، فعليه الرجوع إلى الميقات، والإحرام منه، فإن لم يفعل، وأحرم من موضعه، وحج، تم حجه، ولا يلزمه دم. وبه قال أبو حنيفة والمزني (2). وقال الشافعي: يلزمه دم قولا واحدا (3). دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ فعليه الدلالة. مسألة 226 إحرام الصبي عندنا جائز صحيح، وإحرام العبد صحيح بلا خلاف، ووافقنا الشافعي في إحرام الصبي (4). فعلى هذا إذا بلغ الصبي، واعتق العبد قبل التحلل، فيه ثلاث مسائل: إما أن يكملا بعد فوات وقت الوقوف، أو بعد الوقوف وقبل فوات وقته. فإن كملا بعد فوات وقت والوقوف، مثل أن يكملا بعد طلوع الفجر من يوم النحر، مضيا على الإحرام، وكان الحج تطوعا، ولا يجزي عن حجة الاسلام بلا خلاف. وإن كملا قبل الوقوف، تعين إحرام كل واحد منهما بالفرض، وأجزأه عن

(1) المبسوط 4: 172، والفتاوى الهندية 1: 253، وبدائع الصنائع 2: 165، والمغني لابن قدامة 3: 229، والشرح الكبير 3: 224، والمجموع 7: 16.
(2) مختصر المزني: 70، والمجموع 7: 61، وتفسير القرطبي 2: 371، والفتاوى الهندية 1: 253، والمغني لابن قدامة 3: 228، ومغني المحتاج 1: 474، والشرح الكبير 3: 223، والبحر الزخار 3: 290.
(3) الأم 2: 130، ومختصر المزني 70، والمجموع 7: 61، ومغني المحتاج 1: 474، وبداية المجتهد 1: 361، والشرح الكبير 3: 223، والبحر الزخار 3: 290.
(4) الأم 2: 130، والمجموع 7: 22، والوجيز 1: 123، وبدائع الصنائع 2: 121.

[ 379 ]

حجة الاسلام. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: الصبي يحتاج إلى تجديد إحرام، لأن إحرامه لا يصح عنده، والعبد يمضي على إحرامه تطوعا، ولا ينقلب فرضا (2). وقال مالك: الصبي والعبد معا يمضيان في الحج، ويكون تطوعا (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، فإنهم لا يختلفون في هذه المسألة، وهي منصوصة لهم، وقد ذكرناها ونصوصها في الكتاب المقدم ذكره (4). مسألة 227: وإن كان البلوغ والعتق بعد الوقوف وقبل فوات وقته، مثل أن كملا قبل طلوع الفجر، رجعا إلى عرفات والمشعر إن أمكنهما، وإن لم يمكنهما رجعا إلى المشعر ووقفا وقد أجزأهما، فإن لم يعودا إليهما أو إلى أحدهما فلا يجزيهما عن حجة الاسلام. وقال الشافعي: إن عادا إلى عرفات، فوقفا قبل طلوع الفجر، فالحكم فيه كما لو كملا قبل الوقوف فإنه يجزيهما، وإن لم يعودا إلى عرفات لم يجزهما عن حجة الاسلام (5). وحكي عن ابن عباس أنه قال: يجزيهما عن حجة الاسلام (6).

(1) انظر الأم 2: 130، وعمدة القاري 10: 218، والمغني لابن قدامة 3: 204، والشرح الكبير 3: 169، وتفسير القرطبي 2: 370، وبدائع الصنائع 2: 121.
(2) عمدة القاري 10: 218، والمجموع 7: والمغني لابن قدامة 3: 204، وتفسير القرطبي 2: 370، وبدائع الصنائع 2: 121.
(3) المغني لابن قدامة 3: 204، والشرح الكبير 3: 169، وعمدة القاري 10: 218.
(4) انظر التهذيب 5: 5 حديث 13، والاستبصار 2: 148 حديث 484 و 485، ومن لا يحضره الفقيه 2: 265 حديث 1289 و 1290، والكافي 4: 279 حديث 8.
(5) الأم 2: 130 والمختصر للمزني: 70، والمجموع 7: 56، والمغني لابن قدامة 3: 204، وتفسير القرطبي 2: 370، وفتح العزيز 7: 429، ومغني المحتاج 1: 462، والوجيز 1: 123.
(6) نسب هذا القول ابنا قدامة في المغني 3: 204، والشرح الكبير 3: 168 إلى ابن عباس. وأما =

[ 380 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن من أدرك المشعر فقد أدرك الحج، ومن فاته فقد فاته الحج (1). مسألة 228: كل موضع قلنا إنه يجزيهما عن حجة الاسلام، فإن كانا متمتعين يلزمهما الدم للتمتع، وإن لم يكونا متمتعين لم يلزمهما دم. وقال الشافعي: عليهما دم. وقال في موضع آخر: لا يبين لي أن عليهما دما (2). وقال أبو إسحاق: على قولين (3). وقال أبو سعيد الاصطخري، وأبو الطيب بن سلمة: لا دم، قولا واحدا (4). دليلنا في المتمتع: قوله تعالى: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " (5) ولم يفصل وغير المتمتع، فالأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل. مسألة 229: لا ينعقد إحرام العبد إلا بإذن سيده. وبه قال داود ومن تابعه (6). وقال جميع الفقهاء: ينعقد، وله أن يفسخ عليه حجه، والأفضل أن

= النووي في المجموع 7: 61، والرافعي في فتح العزيز 7: 429 نسبه إلى أبي العباس بن سريج فلاحظ. (1) انظر المقنعة: 67، والكافي لابن الصلاح الحلبي: 197، والنهاية: 273، والتهذيب 5: 429 حديث 981، والكافي 4: 476 حديث 3 و 6، والفقيه 2: 243 حديث 1161 و 1165.
(2) الأم 2: 130، ومختصر المزني: 70، والوجيز 1: 123، والمجموع 7: 59، وفتح العزيز 7: 429، وتفسير القرطبي 2: 370، والمغني لا بن قدامة 3: 228، والشرح الكبير 3: 223.
(3) انظر المجموع 7: 59، وفتح العزيز 7: 429.
(4) المجموع 7: 59، وفتح العزيز 7: 430.
(5) البقرة: 196.
(6) المحلى 7: 43، والمجموع 7: 43، والبحر الزخار 3: 281.

[ 381 ]

لا يفسخه (1). دليلنا: قوله تعالى: " عبد مملوكا لا يقدر على شئ " (2) والاحرام من جملة ذلك، ومن أجاز فعليه الدلالة، وعليه إجماع الفرقة وأخبارهم (3). مسألة 230: العبد إذا أفسد حجه، وكان أحرم بإذن مولاه، لزمه ما يلزم الحر، ويجب على مولاه إذنه فيه إلا الفدية، فإنه بالخيار بين أن يفدي عنه، أو يأمره بالصيام. وإن كان بغير إذنه فإحرامه باطل، لا يتصور معه الإفساد. وقال جميع الفقهاء: إن الافساد صحيح في الموضعين معا (4). وقال أصحاب الشافعي: إن المنصوص أن عليه القضاء (5)، ومن أصحابه من قال: لا قضاء عليه (6). دليلنا على وجوب القضاء: إذا كان بإذن سيده طريقة الاحتياط، وعموم الأخبار فيمن أفسد حجه أن عليه القضاء، وهي متناولة له، لأنه حكمنا بصحة إحرامه. فأما إذا لم يكن بإذنه فقد بينا أن إحرامه باطل (7). مسألة 231: إذا أذن له السيد في الإحرام، وأفسد، وجب عليه أن يأذن له في القضاء. وللشافعي فيه وجهان:

(1) الأم 2: 112، ومختصر المزني: 70، والمجموع 7: 43، والمغني لابن قدامة 3: 205، والشرح الكبير 3: 173، والمبسوط للسرخسي 4: 165، والبحر الزخار 3: 281.
(2) النحل: 75.
(3) انظر التهذيب 5: 4 حديث 5.
(4) الأم 2: 112 ومغني المحتاج 1: 535، والمغني لابن قدامه 3: 207.
(5) الأم 2: 112 و 130، ومختصر المزني (6) المجموع 7: 51، ومغني المحتاج 1: 535، والبحر الزخار 3: 326.
(7) تقدم في المسألة السابقة.

[ 382 ]

أحدهما: له منعه منه (1). والآخر: ليس له ذلك (2). دليلنا: إنه إذا أذن له في ذلك لزمه جميع ما يتعلق به، ومما يتعلق به قضاء ما أفسده. مسألة 232: إذا أفسد العبد حجه، ولزمه القضاء على ما قلناه، فأعتقه السيد، كان عليه حجة الإسلام وحجة القضاء، ويجب عليه البدأة بحجة الإسلام، وبعد ذلك بحجة القضاء. وبه قال الشافعي (3). وهكذا القول في الصبي إذا بلغ، وعليه قضاء حجه، فإنه لا يقضي قبل حجة الاسلام، فإن أتى بحجة الاسلام كان القضاء باقيا، وإن أحرم بالقضاء إنعقد لحجة الاسلام وكان القضاء باقيا في ذمته. هذا إذا تحلل من حجة كان أفسدها، وتحلل منها ثم أعتق. فأما إن أعتق قبل التحلل منها، فلا فصل بين أن يفسد بعد العتق أو قبل العتق، فإنه يمضي في فاسده، ولا تجزيه الفاسدة عن حجة الاسلام، فإذا قضي، فإن كانت لو سلمت التي أفسدها من الفساد أجزأه عن حجة الاسلام فالقضاء يجزيه عنه، مثل إن أعتق قبل فوات وقت الوقوف، ووقف بعده. وإن كانت لو سلمت لم تجزه عن حجة الاسلام فالقضاء كذلك، مثل أن يعتق بعد فوات وقت الوقوف، فيكون عليه القضاء وحجة الاسلام معا. وهذا كله وفاق، إلا ما قاله من العتق قبل التحلل (4)، فإنا نعتبر قبل الوقوف بالمشعر، فإن كان بعده لا يتعلق به فساد الحج أصلا، فتكون حجته تامة إلا أنها لا تجزيه عن حجة الإسلام على حال.

(1) الأم 2: 112، والمجموع 7: 43 و 51، ومغني المحتاج 1: 535، والمنهاج القويم: 450.
(2) المجموع 7: 51، والمنهاج القويم: 450.
(3) الأم 2: 112 و 119، والمجموع 7: 53، والوجيز 1: 123، وفتح العزيز 7: 427.
(4) الأم 2: 119، والمجموع 7: 51 و 53، وعمدة القاري 10: 216.

[ 383 ]

دليلنا: ما قدمناه من أن من لحق المشعر فقد لحق الحج، ومن لم يلحق فقد فاته، فهذه التفريعات يقتضيها كلها. مسألة 233: إذا أذن المولى لعبده في الإحرام، ثم بدا له، فأحرم العبد قبل أن يعلم نهيه عن ذلك، صح إحرامه، وليس له فسخه عليه. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه (1)، والآخر: له ذلك، بناء على مسألة الوكيل إذا عزله قبل أن يعلم، فإن له فيه قولين (2). دليلنا: إن هذا إحرام صحيح انعقد بإذن المولى، لأن العلم بالإذن كان حاصلا ولم يعلم النهي، فيجب أن يصح، لأن المنع من ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 234: إذا أحرم العبد بإذن سيده، لم يكن لسيده أن يحلله منه. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: له أن يحلله منه (4). دليلنا: طريقة الاحتياط، ولأن هذا إحرام صحيح، وجواز تحليله منه يحتاج إلى دليل. مسألة 235: من أهل بحجتين إنعقد إحرامه بواحدة منهما، وكان وجود الأخرى وعدمها سواء، ولا يتعلق بها حكم، ولا يجب قضاؤها ولا الفدية. وهكذا من أهل بعمرتين، أو بحجة ثم أدخل عليها أخرى، أو بعمرة ثم

(1) الأم 2: 117، والمجموع 7: 44، والمغني لابن قدامة 3: 205، ومغني المحتاج 1: 535.
(2) المجموع 7: 44، ومغني المحتاج 1: 535. (3) الأم 2: 112، والمجموع 7: 43، والسراج الوهاج: 172، ومغني المحتاج 1: 535، والمنهاج القويم: 450، والمغني لابن قدامة 3: 205.
(4) بدائع الصنائع: 2: 181، والفتاوى الهندية 1: 264، والمغني لابن قدامة 3: 205، والمجموع 7: 45.

[ 384 ]

أدخل عليها أخرى. والكلام فيما زاد عليه كالكلام فيه سواء. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينعقد إحرامه بحجتين وأكثر، وبعمرتين وأكثر، لكنه لا يمكنه المضي فيهما (2). ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة ومحمد: يكون محرما بهما ما لم يأخذ في السير، فإذا أخذ فيه ارتفضت إحديهما وبقيت الأخرى، وعليه قضاء التي ارتفضت والهدي، قالا: ولو حصر قبل المسير تحلل منهما بهديين (3). وقال أبو يوسف: ترتفض أحديهما عقيب الانعقاد، وعليه قضاؤها وهدي، وتبقى الأخرى يمضي فيها (4). دليلنا: إن انعقاد واحدة مجمع عليه، وما زاد عليها ليس عليه دليل، والأصل براءة الذمة، ولأنا أجمعنا على أن المضي فيهما لا يمكن، فمن أوجب القضاء في واحدة فعليه الدلالة. مسألة 236: الاستئجار للحج جائز، فإذا صار الرجل معضوبا جاز أن يستأجر من يحج عنه، وتصح الإجارة وتلزم، ويكون للأجير أجرته، فإذا فعل الحج عن المكتري، وقع عن المكتري، وسقط الفرض به عنه.

(1) الأم 2: 136، ومختصر المزني: 70، والمجموع 7: 231، وفتح العزيز 7: 203، والمغني لابن قدامة 3: 255، والشرح الكبير 3: 261.
(2) المبسوط 4: 177، والفتاوى الهندية 1: 223، وتبيين الحقائق 2: 75، وفتاوى قاضيخان 1: 302، والمغني لابن قدامة 3: 255، والشرح الكبير 3: 261، وفتح العزيز 7: 203.
(3) المبسوط للسرخسي 4: 177، والفتاوى الهندية 1: 223، وفتاوى قاضيخان 1: 302، وبدائع الصنائع للسرخسي 4: 177، والفتاوى الهندية 1: 180، وتبيين الحقائق 2: 75، والمغني لابن قدامة 3: 255، والشرح الكبير 3: 261.
(4) فتاوى قاضيخان 1: 302، وبدائع الصنائع 2: 170، والمبسوط 4: 60 و 175، وتبيين الحقائق 2: 75، والمجموع 7: 147.

[ 385 ]

وكذلك إذا مات من عليه حج، واكترى وليه من يحج عنه، ففعل الأجير الحج. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا يجوز الإجارة على الحج، فإذا فعل كانت الإجارة باطلة، فإذا فعل الأجير ولبى عن المكتري وقع الحج عن الأجير، ويكون للمكتري ثواب النفقة، فإن بقي مع الأجير شئ كان عليه رده (2). فأما إن مات، فإن أوصى أن يحج عنه كانت تطوعا من الثلث (3)، وإن لم توجد كان لوليه وحده أن يحج عنه، فإذا فعل، قال محمد: أجزأه إن شاء الله، وأراد " أجزأه " الاضافة إليه، ليبين أن غير الولي لا يملك هذا. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا الأصل جواز الإجارات في كل شئ، فمن منع في شئ دون شئ فعليه الدلالة، ولأنا اتفقنا على وجوب الحج عليه، فمن أسقطه بالموت فعليه الدلالة. وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله سمع رجلا وهو يقول: لبيك عن شبرمة فقال له: ويحك من شبرمة (4)؟! فقال له: أخ لي، أو صديقي لي، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة " (5).

(1) الأم 2: 115 و 124، والمجموع 7: 120، والمغني لابن قدامة، 3: 198، والشرح الكبير 3: 196، ومغني المحتاج 1: 469، والمبسوط 4: 158.
(2) المبسوط 4: 148 و 158، والمجموع 7: 139، والمغني لابن قدامة 3: 186 و 6: 155، والشرح الكبير 3: 185 و 6: 74، والفتاوى الهندية 4: 448، وتبيين الحقائق 2: 85 و 5: 124، وحاشية الشبلي على التبيين 2: 86، وحاشية ابن عابدين 6: 55، واللباب في شرح الكتاب 2: 48.
(3) عمدة القاري 10: 214، والمغني لابن قدامة 3: 198، والشرح الكبير 3: 196.
(4) شبرمة، غير منسوب، له صحبة، توفي في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله. قاله ابن الأثير في أسد الغابة 2: 384.
(5) سنن ابن ماجة 2: 969 حديث 2903.

[ 386 ]

فوجه الدلالة أنه قال: ثم حج عن برمة. وعند أبي حنيفة لا يحج عنه (1). وروي عن ابن عباس أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وآله فقالت: إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، فهل ترى أن أحج عنه؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: " نعم " فقالت: يا رسول الله فهل ينفعه ذلك؟ قال: " نعم كما لو كان عليه دين فقضيته نفعه " (2). وهذا يدل على ما قلناه من ثلاثة أوجه: أحدهما: إنها سألته عن النيابة عنه؟ فقال: تجوز. والثاني: قالت: ينفعه؟ قال: نعم، فأخبرها أن الحج ينعقد وينفعه، وعندهم ينفعه ثواب النفقة. والثالث: إنه شبهه بالدين، في أنه ينفعه ويسقط به قضاؤه عنه. وروى عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصل منى ينحر فجاءته امرأة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير قد اقعد، وأدركته فريضة الله على عبادة في الحج، ولا يستطيع أداءها، فهل يجزي عنه أن أؤديها عنه؟ فقال: " نعم " (3). وهذا نص. لأنها سألته عن الإجزاء عنه بالنيابة؟ فقال: نعم. مسألة 237: إذا صحت الإجارة فلا يحتاج إلى تعيين الموضع الذي يحرم منه. وللشافعي فيه قولان:

(1) المغني 3: 196، والشرح الكبير 3: 196.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 4: 328.
(3) رواها البيهقي في سننه الكبرى 4: 329، باختلاف يسير في بعض ألفاظه. ورواه ابن ماجة في سننه 2: 970 حديث 2907 عن عبد الله بن عباس.

[ 387 ]

قال في الأم ونقله المزني: لا يصح إلا بأن يقوم يحرم من موضع كذا وكذا (1). وقال في الاملاء: يحرم عنه من ميقات بلد المستأجر، وهو أصح القولين عندهم (2). دليلنا: إنا قد بينا أن الإحرام قبل الميقات لا يجوز (3)، وإذا ثبت فلا يصح إحرامه لو شرطه عليه قبل ذلك. ولأنه إذا ثبت الأول ثبت الآخر، لأن أحدا لا يفصل. وأيضا روى طاووس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " هذه المواقيت لأهلها، ولكل آت أتى عليها من غير أهلها ممن أراد حجا أو عمره " (4). وهذا عام في كل أحد، نائبا كان أو غير نائب. مسألة 238: إذا قال الإنسان: أول من يحج عني فله مائة، فبادر رجل فحج عنه استحق المائة. وبه قال الشافعي (5). وقال المزني: لا يستحق المائة، وله أجره المثل (6). دليلنا: إن هذا شرط وجزاء، والنبي صلى الله عليه وآله قال: " المؤمنون

(1) الأم 2: 124، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 121 و 15: 31، والوجيز 1: 111، وفتح العزيز 7: 51.
(2) المجموع 7: 121 و 15: 31، والوجيز 1: 111، وفتح العزيز 7: 51.
(3) راجع المسألة 62.
(4) رواه البخاري في صحيحه 2: 65، ومسلم في صحيحه 2: 838 حديث 11، والنسائي في سننه 5: 125، والبيهقي في السنن الكبرى 5: 29 باختلاف في بعض ألفاظه.
(5) الأم 2: 129، والمجموع 7: 122 و 15: 32 و 117، والوجيز 1: 111، ومغني المحتاج 1: 470، وفتح العزيز 7: 51.
(6) مختصر المزني: 71، والمجموع 7: 122 و 15: 32 و 117، والوجيز 1: 111، وفتح العزيز 7: 51.

[ 388 ]

عند شروطهم " (1) وليس في الشرع ما يمنع منه. مسألة 239: وإذا أحرم الأجير بالحج عن المستأجر، انعقد عمن أحرم عنه، فإن أفسد الأجير الحج انقلب عن المستأجر إليه وصار محرما بحجة عن نفسه فاسدة، فعليه قضاؤها عن نفسه، والحج باق عليه للمستأجر، يلزمه أن يحج عنه فيما بعد إن كانت الحجة في الذمة، ولم يكن له فسخ هذه الإجارة، لأنه لا دليل على ذلك. وإن كانت معينة إنفسخت الإجارة، وكان على المستأجر أن يستأجر من ينوب عنه. وبه قال الشافعي، إلا أنه قال: إن كانت الحجة في الذمة وكان المستأجر حيا له يفسخ عليه، وإن كان ميتا لم يكن للولي فسخة (2). وقال المزني: إذا أفسدها لم تنقلب إليه، بل أفسد حج غيره، فيمضي في فاسدها عن المستأجر، وعلى الأجر بدنة، ولا قضاء على واحد منهما (3). دليلنا: على انتقاله: أنه استأجره على أن يحج عنه حجة صحيحة شرعية، وهذه فاسده غير شرعية، فيجب أن لا يجزيه. وأما تجويز الفسخ عليه فليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 240: إذا استأجر رجلان رجلا ليحج عنهما، لم يصح عنهما ولا عن واحد منهما بلا خلاف، ولا يصح عندنا إحرامه عن نفسه، ولا ينقلب إليه.

(1) روى الشيخ المصنف في التهذيب 7: 371 حديث 1503، والاستبصار 3: 232 حديث 835 حديثا طويلا أسنده عن منصور بزرج عن عبد صالح عليه السلام في آخره قال عليه السلام: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " المؤمنون عند شروطهم ". ورواه الشيخ الكليني في الكافي 5: 404 حديث 8 بطريق آخر عن منصور بن بزرج قال: قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام - باختلاف في ألفاظه وقد تضمن معنى الحديث المذكور - وفيه قوله عليه السلام: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " المسلمون عند شروطهم " فلاحظ.
(2) الأم 2: 124 - 125، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 134، وفتح العزيز 7: 66 - 67.
(3) المجموع 7: 134، وفتح العزيز 7: 66 - 67.

[ 389 ]

وقال الشافعي: ينقلب الإحرام إليه (1). دليلنا: إن انقلاب ذلك إليه يحتاج إلى دليل، وأيضا فإن من شرط الاحرام النية، فإذا لم ينو عن نفسه فقد تجرد عن نيته، فإذا تجرد عن نيته فلا يجزيه. مسألة 241: إذا أحرم الأجير عن نفسه وعن من استأجره، لم ينعقد الإحرام عنهما، ولا عن واحد منهما. وقال الشافعي: ينعقد عنه دون المستأجر (2). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 242: إذا أفسد الحج فعليه القضاء، وإذا تلبس بالقضاء فأفسده، فإنه لا يلزمه القضاء ثانيا. وقال الشافعي: لا يلزمه القضاء ثانيا (3). دليلنا: عموم الأخبار الواردة في أن من أفسد حجه كان عليه القضاء (4)، ولم يفصلوا. مسألة 243: إذا مات الأجير أو أحصر قبل الإحرام، لا يستحق شيئا من الأجرة. وعليه جمهور أصحاب الشافعي (5). وأفتى الاصطخري والصيرفي سنة القرامطة (6) حين صدوا الناس عن الحج فرجعوا، بأنه يستحق عن الأجرة بقدر ما عمل (7).

(1) الأم 2: 125، والمجموع 7: 138.
(2) الأم 2: 125، والمجموع 7: 118 و 138، وفتح العزيز 7: 36.
(3) المجموع 7: 389، ومغني المحتاج 1: 523، وفتح العزيز 7: 473.
(4) راجع المسألة 205.
(5) الأم 2: 124، والمجموع 7: 136 و 15: 83 و 84، والوجيز 1: 113، وفتح العزيز 7: 72.
(6) انظر حوادث سنة 294 من الكامل في التاريخ 7: 548، وانظر تبيين الحقائق 2: 4، وفتح القدير 2: 127، وفتاوى قاضيخان 1: 283.
(7) مختصر المزني: 71، والمجموع 7: 137، وفتح العزيز 7: 72.

[ 390 ]

وقال أصحاب الشافعي: إنما أفتيا من قبل نفوسهما إلا أنهما خرجاه على مذهب الشافعي (1). دليلنا: إن الإجارة إنما وقعت على أفعال الحج، وهذا لم يفعل شيئا منها، فيجب أن لا يستحق الأجرة، ومن أوجب له ذلك فعليه الدلالة. ويقوى في نفسي ما قاله الصيرفي، لأنه كما استؤجر على أفعال الحج استؤجر على قطع المسافة، وهذا قد قطع قطعة منها، فيجب أن يستحق الأجرة بحسبه مسألة 244: إذا مات أو أحصر بعد الإحرام سقطت عنه عهدة الحج، ولا يلزمه رد شئ من الأجرة. وبه قال أصحاب الشافعي (2) إن كان بعد الفراغ من الأركان، كأن تحلل بالطواف، ولم يقو على المبيت بمنى والرمي. ومنهم من قال: يرد قولا واحدا (3). ومنهم من قال: على قولين (4). وإن مات بعد أن فعل بعض الأركان، وبقي البعض، قال في الأم: له من الأجرة بقدر ما عمل (5)، وعليه أصحابه (6)، وقد قيل: لا يستحق شيئا (7)، فالمسألة على قولين. دليلنا: إجماع الفرقة، فإن هذه المسألة منصوصة لهم، لا يختلفون فيها. مسألة 145: إذا أحرم الأجير ومات، فقد قلنا أنه سقط الحج عنه،

(1) المجموع 7: 137 و 15: 84.
(2) الأم 2: 124، والمجموع 7: 137 و 15: 85، وفتح العزيز 7: 72.
(3) المجموع 7: 137 و 15: 85، وفتح العزيز 7: 72.
(4) المجموع 7: 136 و 15: 85، وفتح العزيز 7: 70.
(5) الأم 2: 124، والمجموع 7: 136 و 15: 85، وفتح العزيز 7: 70.
(6) مختصر المزني: 71، والمجموع 7: 136، وفتح المعين: 83، وفتح العزيز 7: 70.
(7) الأم 2: 124، والمجموع 7: 136، وفتح العزيز 7: 70.

[ 391 ]

وإن كان أحرم عن نفسه فلا يجوز أن ينقلها إلى غيره. وللشافعي فيه قولان: قال في القديم: يجوز له البناء عليه، ويتم عنه غيره، والآخر: أنه لا يصح ذلك (1). دليلنا: إن جواز ذلك يحتاج إلى دلالة، لأن الأصل في الشريعة أن لا تجزي عبادة إلا عن واحد، فمن أجازها عن اثنين فعليه الدلالة. مسألة 246: إذا استأجر رجلا على أن يحج مثلا من اليمن، فأتى الأجير الميقات، ثم أحرم عن نفسه بالعمرة، فلما تحلل منها الحج عن المستأجر، فإن كانت الحجة حجها من الميقات صحت، وإن حجها من مكة وهو متمكن من الرجوع إلى الميقات لم تجزه، وإن لم يمكنه صحت حجته، ولا يلزمه دم. وقال الشافعي مثلنا، إلا أنه قال: حجته صحيحة، قدر على الرجوع أو لم يقدر، ويلزمه دم، لإخلاله بالرجوع إلى الميقات (2). دليلنا: إنه استأجر على أن يحج من ميقات بلده، فإذا حج من غيره فقد فعل غير ما أمر به، وإجزائه عنه يحتاج إلى دليل، فأما مع التعذر فلا خلاف فيه في جزائه، وإيجاب الدم عليه يحتاج إلى دليل. مسألة 247: إذا استأجره ليتمتع عنه، فقرن أو أفرد، لم يجز عنه. وقال الشافعي: إن قرن عنه أجزأه (3) على تفسيرهم في القران.

(1) المجموع 7: 136 و 15: 83.
(2) الأم 2: 125، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 128، والمغني 3: 190، والشرح الكبير 3: 190، وفتح العزيز 7: 54.
(3) الأم 2: 125، والمجموع 7: 133 و 139، والمغني 3: 190، والشرح الكبير 3: 191، وفتح العزيز 7: 63.

[ 392 ]

وهل يرد من الأجرة بقدر ما ترك منها من العمل؟ وجهان (1). وإن أفرد عنه، فإن أتى بالحج وحده دون العمرة، فعليه أن يرد من الأجرة بقدر عمل العمرة (2). وإن حج واعتمر بعد الحج، فإن عاد إلى الميقات فأحرم بها منه فلا شئ عليه، وإن أحرم بالعمرة من أدنى الحل فعليه دم (3). وهل عليه أن يرد من الأجرة بقدر ما ترك من عمل العمرة؟ وجهان (4). دليلنا: إن من ذكرناه لم يأت بما استأجره عليه وأتى بغيره، فمن قال إنه يجزي عنه فعليه الدلالة، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 248: إذا استأجره للإفراد، فتمتع، فقد أجزأه. وقال الشافعي: إن كان في كلامه ما يوجب التخيير أجزأه ولا شئ عليه، وإن لم يكن ذلك في كلامه وقعت العمرة عن الأجير، والحج عن المستأجر، وعليه دم لا خلاله بالاحرام للحج من الميقات (5). وفي وجوب رد الأجرة بقدر ما ترك من عمل الحج طريقان (6). دليلنا: إجماع الطائفة، فإن هذه المسألة منصوصة لهم. مسألة 249: إذا أوصى بأن يحج عنه تطوعا، صحت الوصية. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: الوصية باطلة (7). والثاني: صحيحة (8).

(1) و (2) و (3) المجموع 7: 133.
(4) الأم 2: 125، والمجموع 7: 133، وفتح العزيز 7: 63.
(5) الأم 2: 125، والمجموع 7: 133، وفتح العزيز 7: 64. (6) المجموع 7: 133.
(7) الأم 2: 122، والمجموع 7: 114، وفتح العزيز 7: 40، والوجيز 1: 40.
(8) المجموع 7: 144، والوجيز 1: 110، وفتح العزيز 7: 40.

[ 393 ]

دليلنا: قوله تعالى: " فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه " (1). وأيضا إجماع الفرقة دليل عليه، فإنهم لا يختلفون فيه. مسألة 250: إذا قال: حج عني بنفقتك، أو علي ما تنفق، كانت الإجارة باطلة، فإن حج عنه لزمه أجره مثل. وبه قال الشافعي (2). مسألة 251: من قال: أول من يحج عني فله مائة، كانت جعالة صحيحة. وقال المزني: إجارة فاسدة (4). دليلنا: إن هذا شرط وجزاء محض، ولا مانع يمنع من ذلك، فينبغي أن يكون صحيحا. مسألة 252: إذا قال: حج عني أو اعتمر بمائة، كان صحيحا، فمتى حج أو اعتمر استحق مائة. وقال الشافعي: الإجارة باطلة، لأنها مجهولة، فإن حج أو اعتمر

(1) البقرة: 181.
(2) الأم 2: 129 - 130، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 123 و 15: 32، ومغني المحتاج 1: 470، وفتح العزيز 7: 52.
(3) تقدم في المسألة (236) الإشارة إلى قول أبي حنيفة في عدم جواز الإجارة على الحج، فإذا فعل كانت الإجارة باطلة، فإذا فعل الأجير ولبى عن المكتري وقع الحج عن الأجير، ويكون للمكتري ثواب النفقة، فإن بقي مع الأجير شئ كان عليه رده، ولعل صحة الإجارة المشار إليها مبنية على هذا القول.
(4) المجموع 7: 122، والوجيز: 111، وفتح العزيز 7: 51 - 52.

[ 394 ]

استحق أجرة المثل (1). دليلنا: إن هذا تخيير بين الحج والعمرة بأجرة معلومة، وليس بمجهول، ولا مانع يمنع عنه، فمن ادعى المنع فعليه الدلالة. مسألة 253: إذا قال: من يحج عني فله عبد، أو دينار، أو عشرة دراهم كان صحيحا، ويكون المستأجر مخيرا في إعطائه أيها شاء. وقال الشافعي: العقد باطل، فإن حج استحق أجرة المثل (2). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء، من أنه تخيير وليس بمجهول، فمن ادعى ذلك فعليه الدلالة. مسألة 254: من كان عليه حجة الإسلام وحجة النذر لم يجز له أن يحج النذر قبل حجة الاسلام، فإن خالف وحج بنية النذر لم تنقلب إلى حجة الإسلام. وقال الشافعي: تنقلب إلى حجة الاسلام (3). وهكذا الخلاف في الأجير إذا استأجره، وكان معضوبا ليحج عنه حجة النذر لا تنقلب إلى حجة الاسلام. وعند الشافعي تنقلب (4). دليلنا: قول النبي صلى الله عليه وآله: " الأعمال بالنيات " (5) وظاهرها يقتضي مطابقة الأعمال للنيات، فمن قال: ينقلب إلى غيرها فعليه الدلالة.

(1) الأم 2: 129، ومختصر المزني: 71، والوجيز 1: 111، والمجموع 7: 123، وفتح العزيز 7: 51.
(2) الوجيز 1: 111، والمجموع 7: 123 و 15: 118، وفتح العزيز 7: 52.
(3) الأم 2: 131، والمجموع 7: 117، والوجيز 1: 110، وفتح العزيز 7: 34.
(4) الأم 2: 131، والمجموع 7: 117 و 118، وفتح العزيز 7: 35. (5) التهذيب 4: 186 حديث 518 و 519، وأمالي الشيخ الطوسي 2: 231، وصحيح البخاري 1: 2، ومسند أحمد بن حنبل 1: 25، وسنن البيهقي 7: 341.

[ 395 ]

مسألة 255: إذا استأجر ليحج عنه، أو ليعتصر م حج عنه، لم يقع ذلك عن المحجوج عنه، سواء كان حيا أو ميتا، ولا يستحق عليه شيئا من الأجرة. وقال الشافعي: إن كان المحجوج عنه حيا وقعت عن الأجير، وإن كان ميتا وقعت عن المحجوج عنه، ولا يستحق شيئا من الأجرة على حال (1). دليلنا: إنه ما فعل ما استأجره فيه، بل خالف ذلك، فمن ادعى أن خلافه يجزي عنه فعليه الدلالة. مسألة 256: إذا كان عليه حجتان حجة الاسلام وحجة النذر وهو معضوب، جاز أن يستأجر رجلين ليحجا عنه في سنة واحدة. وبه قال الشافعي (2). وفي أصحابه من قال: لا يجوز ذلك، كما لا يجوز أن يفعل الحجتين في سنة واحدة (3). دليلنا: إن المنع من ذلك يحتاج إلى دليل، وليس كذلك هو نفسه، لأن ذلك مجمع على المنع منه. مسألة 257: إذا أتى المتمتع بأفعال العمرة من الطواف والسعي والحلق، ثم أحرم بالحج وأتى بأفعاله جميعا، ثم ذكر أنه طاف أحد الطوافين إما العمرة أو الحج بغير طهارة، ولا يدري أيهما هو، فعليه أن يعيد الطواف بوضوء، ويعيد بعده السعي، ولا دم عليه. وقال الشافعي: يلزم بأغلظ الأمرين، فنفرض إن كان من طواف العمرة يعيد الطواف والسعي، وصار قارنا بإدخال الحج عليها، وعليه دمان،

(1) الأم 2: 124 و 129، والمجموع 7: 134.
(2) الأم 2: 131، والمجموع 7: 117، وفتح العزيز 7: 36.
(3) المجموع 7: 117، وفتح العزيز 7: 36.

[ 396 ]

وإن كان من طواف الحج فعليه أن يعيد الطواف والسعي، وعليه دم (1). دليلنا: إن إعادة الطواف والسعي مجمع عليه، وإلزام الدم يحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة. مسألة 258: إذا قتل المحرم صيدا لزمه الجزاء، سواء كان ذاكرا للاحرام عامدا إلى قتل الصيد، أو كان ناسيا للاحرام مخطئا في قتل الصيد، أو كان ذاكرا للاحرام مخطئا في قتل الصيد، أو ناسيا للاحرام عامدا في القتل. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وعامة أهل العلم (2). وقال مجاهد: إنما يجب الجزاء في قتل الصيد إذا كان ناسيا للاحرام، أو مخطئا في قتل الصيد، فأما إذا كان عامدا فيهما فلا جزاء عليه (3). وقال داود: إنما يجب الجزاء على العامد دون الخاطئ (4). دليلنا على الفريقين: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وعلى مجاهد قوله تعالى: " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم " (5). وعلى داود مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله إذ قال: " في الضبع كبش إذا أصابه المحرم " (6) ولم يفرق.

(1) المجموع 7: 238، وفتح العزيز 7: 231.
(2) الأم 2: 182، و 207، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 438، والوجيز 1: 128، والمحلى 7: 15 و 219 و 221، والمبسوط 4: 96، وعمدة القاري 10: 161، والمغني لابن قدامة 3: 541، وتفسير القرطبي 6: 308، واللباب 1: 206، ومغني المحتاج 2: 524، وبداية المجتهد 1: 346، والمجموع 7: 320، وفتح العزيز 7: 497، والبحر الزخار 3: 311، والشرح الكبير 3: 352.
(3) المحلى 7: 215، وأحكام القرآن للجصاص 2: 470، وعمدة القاري 10: 161، وتفسير القرطبي 6: 308، والمجموع 7: 320.
(4) المحلى 7: 194 و 214، وعمدة القاري 10: 161، والمغني لابن قدامة 3: 541، وتفسير القرطبي 3: 307، وبداية المجتهد 1: 346، والشرح الكبير 3: 352.
(5) المائدة: 95.
(6) سنن البيهقي 5: 184.

[ 397 ]

مسألة 259: إذا عاد إلى قتل الصيد، وجب عليه الجزاء ثانيا. وبه قال عامة أهل العلم (1). وروي في كثير من أخبارنا أنه إذا عاد لا يجب عليه الجزاء، وهو ممن ينتقم الله منه (2)، وهو الذي ذكرته في النهاية (3)، وبه قال داود (4). دليلنا: على الأول قوله تعالى: " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم " (5) ولم يفرق بين الأول والثاني، وقوله بعد ذلك: " ومن عاد فينتقم الله منه " (6) لا يوجب إسقاط الجزاء، لأنه لا يمتنع أن يكون بالمعاودة ينتقم الله منه وإن لزمه الجزاء. وإذا قلنا بالثاني، فطريقته الأخبار التي ذكرناها في الكتاب (7)، ويمكن أن يستدل بقوله: " ومن عاد فينتقم الله منه " (8) ولم يوجب الجزاء، ويقوي ذلك أن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل. مسألة 260: إذا قتل صيدا، فهو مخير بين ثلاثة أشياء، بين أن يخرج مثله من النعم، وبين أن يقوم مثله دراهم ويشتري به طعاما ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مد يوما. وإن كان الصيد لا مثل له فهو مخير بين شيئين، بين أن يقوم الصيد ويشتري بثمنه طعاما ويتصدق به، أو يصوم عن كل مد يوما، ولا يجوز

(1) المحلى 7: 238، وتفسير القرطبي 6: 308، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 675، وأحكام القرآن للجصاص 2: 475، والأم 2: 183، والمجموع 7: 323، وبداية المجتهد 1: 346، والبحر الزخار 3: 313.
(2) التهذيب 5: 467 حديث 1633، والاستبصار 2: 211 حديث 720.
(3) النهاية: 226.
(4) غرائب القرآن المطبوع بهامش جامع البيان 7: 39، والمجموع 7: 323، والبحر الزخار 3: 313.
(5) و (6) المائدة: 95.
(7) التهذيب 5: 372 و 467 حديث 1297 و 1298 و 1633، والاستبصار 2: 211 حديث 720.
(8) المائدة: 95.

[ 398 ]

إخراج القيمة بحال. وبه قال الشافعي (1). ووافق في جميع ذلك مالك إلا في فصل واحد، وهو أن عندنا إذا أراد شراء الطعام قوم المثل، وعنده قوم الصيد، ويشتري بثمنه طعاما (2). وفي أصحابنا من قال على الترتيب (3). وقال أبو حنيفة: الصيد مضمون بقيمته، سواء كان له مثل أو لم يكن له مثل، إلا أنه إذا قومه فهو مخير بين أن يشتري بالقيمة من النعم ويخرجه، ولا يجوز أن يشتري من النعم إلا ما يجوز في الضحايا، وهو الجذع من الضأن، والثني من كل شئ، وبين أن يشتري بالقيمة طعاما ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مد يوما (4). وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يشتري بالقيمة شيئا من النعم ما يجوز في الضحايا وما لا يجوز له (5). دليلنا: قوله تعالى: " فجزاء مثل ما قتل من النعم " (6) فأوجب في الصيد مثلا موصوفا من النعم. وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " في الضبع كبش إذا أصابه المحرم " (7) وعليه إجماع الفرقة.

(1) الأم 2: 207، والمجموع 7: 438، وكفاية الأخيار 1: 144، وعمدة القاري 10: 161، والوجيز 1: 128، وفتح العزيز 7: 499، والفتح الرباني 11: 258.
(2) الموطأ 1: 355، المدونة الكبرى 1: 434، وبداية المجتهد 1: 346، والمغني لابن قدامة 3: 558، والمجموع 7: 438، وعمدة القاري 10: 161.
(3) قال العلامة في المختلف: 101 (وهو مذهب الشيخ المصنف - قدس سره - في النهاية، وابن أبي عقيل، وابن بابويه والسيد المرتضى).
(4) المبسوط 4: 82 - 83، وعمدة القاري 10: 161، واللباب 1: 206، وشرح فتح القدير 2: 263، وفتح الباري 4: 17، وبداية المجتهد 1: 346، والمجموع 7: 438.
(5) عمدة القاري 10: 161، وبدائع الصنائع 2: 200، وشرح فتح القدير 2: 263، وشرح العناية 2: 263.
(6) المائدة: 95.
(7) سنن البيهقي 5: 184، وسنن ابن ماجة 2: 1030.

[ 399 ]

مسألة 261: ما له مثل، منصوص عليه عندنا، وقد فصلناه في النهاية وتهذيب الأحكام وغيرهما (1). وقال الشافعي: ما قضت الصحابة فيه بالمثل، مثل البدنة في النعامة، والبقرة في حمار الوحش، والشاة في الظبي والغزال، فإنه يرجع إلى قولهم فيه، وما لم يقضوا فيه بشئ فيرجع إلى قول عدلين (2). وهل أن يكون أحدهما القاتل أم لا؟ لأصحابه قولان (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (4) وعليه عملهم، فإن فرضنا أن يحدث ما لا نص فيه، رجعنا فيه إلى قول عدلين على ما يقتضيه ظاهر القرآن (5). مسألة 262: في صغار أولاد الصيد صغار أولاد المثل. وبه قال الشافعي (6)، وأبو حنيفة إلا أن أبا حنيفة يوجب القيمة (7).

(1) النهاية: 222 وما بعدها، وتهذيب الأحكام 5: 341 وما بعدها، والمبسوط للشيخ المؤلف. قدس سره 1: 339.
(2) الأم 2: 192 - 193، ومختصر المزني: 71، والوجيز 1: 128، وكفاية الأخيار: 145، والمجموع 7: 423 و 428، والمغني لابن قدامة 3: 545 - 546، وأحكام القرآن للشافعي 1: 122، وبداية المجتهد 1: 346، ومغني المحتاج 1: 525، والمنهاج القويم: 447، وفتح العزيز 7: 503.
(3) المجموع 7: 430، والوجيز 1: 128، وعمدة القاري 10: 163، وفتح العزيز 7: 503.
(4) انظر: الكافي 4: 385 باب كفارات ما أصاب المحرم من الوحش وما بعده، الفقيه 2: 232 باب 119 ما يجب على المحرم في أنواع ما يصيب من الصيد، والتهذيب 5: 341 حديث 1180 وما بعده، والاستبصار 2: 200 باب 127 وما بعده.
(5) انظر التبيان 4: 26 في تفسير قوله تعالى من سورة المائدة: " يحكم به ذوا عدل منكم ".
(6) الأم 2: 201، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 431، والوجيز 1: 128، والمغني لابن قدامة 3: 549، وتفسير القرطبي 6: 310، والمجموع 7: 431 و 439، وكفاية الأخيار 1: 145، وفتح العزيز 7: 504، والشرح الكبير 3: 364، وبداية المجتهد 1: 350، والفتح الرباني 11: 259.
(7) المبسوط 4: 83، وتفسير القرطبي 6: 310، والفتاوى الهندية 1: 247، وتبيين الحقائق 2: 63، والمجموع 7: 438، والفتح الرباني 11: 259، وبداية المجتهد 1: 350.

[ 400 ]

وقال مالك: يجب في الصغار الكبار (1). دليلنا: قوله تعالى: " فجزاء مثل ما قتل من النعم " (2) ومثل الصغير صغير، وعليه إجماع الفرقة، وطريقة براءة الذمة تدل عليه. مسألة 263: إذا قتل صيدا أعور أو مكسورا فالأفضل أن يخرج الصحيح من الجزاء، وإن أخرج مثله كان جائزا. وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: يفديه بصحيح (4). دليلنا: قوله تعالى: " فجزاء مثل ما قتل من النعم " (5) ومثل الأعور يكون أعور، ومثل المكسور مكسور. مسألة 264: إذا قتل ذكرا جاز أن يفديه بأنثى، وإن قتل أنثى جاز أن يفديها بذكر، وإن فدا كل واحد منهما بمثله كان أفضل. وبه قال الشافعي وأصحابه إلا في فداء الأنثى بالذكر، فإن في أصحابه من قال: لا يجوز أن يفدي الأنثى بالذكر (6).

(1) بداية المجتهد 1: 350، وبلغة السالك 1: 300، والخرشي 2: 376، والمجموع 7: 439، وفتح العزيز 7: 504، والمغني لابن قدامة 3: 549، والشرح الكبير 3: 364، والمحلى 7: 232، والفتح الرباني 11: 259.
(2) المائدة: 95.
(3) الأم 2: 201 و 207 ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 431 - 432، والوجيز 1: 128، وكفاية الأخيار 1: 145، وفتح العزيز 7: 505، ومغني المحتاج 1: 526، والمنهاج القويم: 447، والمغني لابن قدامة 3: 549، والشرح الكبير 3: 364، والفتح الرباني 11: 259.
(4) الخرشي 2: 376، وبلغة السالك 1: 300، والمغني لابن قدامة 3: 549، والشرح الكبير 3: 364، والمجموع 7: 439، والفتح العزيز 7: 505، وفتح الباري 4: 21، والفتح الرباني 11: 259.
(5) المائدة: 95.
(6) الأم 2: 193 و 207، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 432، والوجيز 1: 128، وكفاية الأخيار 1: 145، والمنهاج القويم: 447، ومغني المحتاج 1: 526، وفتح العزيز 7: 505، والشرح الكبير 3: 364.

[ 401 ]

دليلنا: عموم الأخبار الواردة في ذلك، وقوله تعالى: " فجزاء مثل ما قتل من النعم " (1) ونحن نعلم أنه أراد المثل من الخلقة، لأن الصفات الأخر لا تراعى، ألا ترى أن اللون وغيره من الصفات لا تراعى، فعلم أن المراد ما قلناه. مسألة 265: إذا جرح المحرم صيدا، فإنه يضمن ذلك الجرح على قدره. وبه قال كافة العلماء (2). وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنه لا يضمن جرح الصيد، ولا إتلاف أبعاضه. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 266: إذا لزمه أرش الجراح، قوم الصيد صحيحا ومعيبا، فإن كان ما بينهما مثلا عشر، الزم عشر مثله. وبه قال المزني (3). وقال الشافعي: يلزمه عشر قيمة المثل (4). دليلنا: قوله تعالى: " فجزاء مثل ما قتل من النعم " (5) والمثل لا يدخل في القيمة بالاتفاق بيننا وبين الشافعي. مسألة 267: إذا حرج صيدا، فغاب عن عينه، لزمه الجزاء على الكمال. وبه قال مالك (6).

(1) المائدة: 95.
(2) الأم 2: 207، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 432، والمغني لابن قدامة 3: 550، والفتاوى الهندية 1: 248، واللباب 1: 208، وبدائع الصنائع 2: 205، وفتح العزيز 7: 506، والشرح الكبير لابن قدامة 3: 367.
(3) مختصر المزني: 71، والمجموع 7: 432، 433، وفتح العزيز 7: 506.
(4) الأم 2: 207، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 432 - 433، والوجيز 1: 129، وفتح العزيز 7: 506، ومغني المحتاج 1: 527.
(5) المائدة: 95.
(6) المدونة الكبرى 1: 433، والخرشي 2: 368، وبلغة السالك 1: 295، والشرح الكبير 3: 368.

[ 402 ]

وقال الشافعي: لا يلزمه الجزاء على الكمال، ويقوم بين كونه صحيحا مجروحا، والدم جار، والزم ما بينهما (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم، وهذه منصوصة لهم (2) وطريقة الاحتياط تقتضي ما قلناه. مسألة 268 جزاء الصيد على التخيير بين أخراج المثل، أو بيعه وشراء الطعام والتصدق به، وبن الصوم عن كل مد يوما. وبه قال جميع الفقهاء (3). وروي عن ابن عباس وابن سيرين أنهما قالا: وجوب الجزاء على الترتيب، فلا يجوز أن يطعم مع القدرة على إخراج، ولا يجوز أن يصوم مع القدرة على الاطعام (4). وحكى أبو ثور عن الشافعي أنه قال في القديم مثل هذا (5). وذهب إليه قوم من أصحابنا (6). دليلنا: قوله تعالى: " فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل - إلى قوله - أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما " (7) و (أو)

(1) الأم 2: 207، والمجموع 7: 435، ومغني المحتاج 1: 527، وفتح العزيز 7: 508، والشرح الكبير 3: 368.
(2) قرب الاسناد: 107، والتهذيب 5: 359 حديث 1246.
(3) الأم 2: 207، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 427 و 432، والمبسوط 4: 84، وعمدة القاري 10: 162، والمغني لابن قدامة 3: 557، والمحلى 7: 219، وفتح الباري 4: 21، وكفاية الأخيار 1: 145، والخرشي 2: 374، وبداية المجتهد 1: 346، وفتح العزيز 7: 499، والشرح الكبير 3: 338.
(4) المغني لابن قدامة 3: 557، والمجموع 7: 438، والشرح الكبير 3: 339، والمحلى 7: 221، وبدائع الصنائع 2: 200.
(5) المجموع 7: 427 - 428، وعمدة القاري 10: 163، وفتح العزيز 7: 500، والمحلى 7: 2230.
(6) تقدم في مسألة " 260 " " قول العلامة في المختلف: 101 " وهو مذهب الشيخ في النهاية وابن أبي عقيل وابن بابويه والسيد المرتضى ".
(7) المائدة: 95.

[ 403 ]

للتخيير بلا خلاف بين أهل اللسان، فمن أدعى الترتيب فعليه الدلالة. مسألة 269: المثل الذي يقوم هو الجزاء. وبه قال الشافعي (1). وقال مالك: يقوم الصيد المقتول (2). دليلنا: قوله تعالى: " فجزاء مثل ما قتل من النعم " (3) والقراءة بالخفض توجب أن يكون الجزاء بدلا عن المثل من النعم، لأن تقديرها لمثل ما قتل من النعم. مسألة 270: ما له مثل يلزم قيمته وقت الإخراج دون حال الاتلاف، وما لا مثل له يلزم قيمته حال الإتلاف دون حال الاخراج، وهو الصحيح من مذهب الشافعي (4). ومنهم من قال: ما لا مثل له على قولين: أحدهما: الاعتبار بحال الاخراج (5)، والثاني: مثل ما قلناه (6). دليلنا: إن حال الإتلاف وجب عليه قيمته، فالاعتبار بذلك دون حال الإخراج، لأن القيمة قد استقرت في ذمته. مسألة 271: لحم الصيد حرام على المحرم، سواء صاده هو أو غيره، قتله

(1) الأم 2: 207، ومختصر المزني: 71، والمبسوط 4: 84، والمحلى 7: 223، وعمدة القاري 10: 163، والمجموع 7: 423، وتفسير القرطبي 6: 309، وبداية المجتهد 1: 346، والوجيز 1: 128، والسراج الوهاج: 170، والمجموع 7: 438، وفتح العزيز 7: 499، وكفاية الأخيار 1: 144، وفتح القريب: 39.
(2) المدونة الكبرى 1: 433، وبلغة السالك 1: 299، والخرشي 2: 374، والمحلى 7: 223، وعمدة القاري 10: 163، والمغني لابن قدامة 3: 558، والمجموع 7: 438، وبداية المجتهد 1: 346، وفتح العزيز 7: 500.
(3) المائدة: 95.
(4) الوجيز 1: 128، وكفاية الأخيار 1: 145، والمجموع 7: 428، وفتح العزيز 7: 500، ومغني المحتاج 1: 128، 529، وعمدة القاري 10: 163.
(5) و (6) المجموع 7: 428، وفتح العزيز 7: 501.

[ 404 ]

هو أو غيره، أذن فيه أو لم يأذن، أعان عليه أو لم يعن، وعلى كل حال. وهو مذهب جماعة من الفقهاء ذكروهم غير معينين. وقال الشافي: ما يقتله بنفسه أو بأمره أو يشير إليه أو يدل عليه أو يعطي سلاحا لانسان يقتله به، محرم عليه أكله، سواء كانت الدلالة عليه يستغنى عنها أو لا يستغنى. وكذلك ما اصطيد له بعلمه أو بغير علمه فلا يحل أكله (1). وما اصطاده غيره ولا أثر له فيه، ولا صيد لأجله، فمباح له أكله (2). وقال أبو حنيفة: إنه يحرم عليه ما صاده بنفسه، وماله فيه أثر لا يستغنى عنه، بأن يدل عليه ولا يعلم مكانه، أو دفع إليه سلاحا يحتاج إليه. فأما إذا دل عليه دلالة ظاهرة لا يحتاج إليه، أو دفع سلاحا لا يحتاج إليه، أو أشار إليه ويستغنى عنها، فلا يحرم عليه، وكذلك ما صيد لأجله لا يحرم عليه (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، ويمكن أن يستدل بقوله تعالى: " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (4) والمراد به المصيد عند أهل التفسير. مسألة 272: المحرم إذا ذبح صيدا فهو ميتة، لا يجوز لأحد أكله، وبه

(1) الأم 2: 208، وعمدة القاري 10: 169 و 177، والمغني لابن قدامة 3: 292، والمجموع 7: 303 و 324، والوجيز 1: 127، وفتح العزيز 7: 508، والفتح الرباني 11: 250، وتبيين الحقائق 2: 68.
(2) عمدة القاري 10: 169 و 177، والمغني لابن قدامة 3: 292.
(3) المبسوط 4: 87، وعمدة القاري 10: 169، والهداية 1: 174، وتبيين الحقائق 2: 68، واللباب 1: 210، والمجموع 7: 324، والوجيز 1: 129، وفتح العزيز 7: 508.
(4) المائدة: 96.

[ 405 ]

قال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد (1). وقال في القديم، والإملاء: ليس بميتة، ولكن لا يجوز له أكله (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 273: المحرم أو المحل إذا ذبحا صيدا في الحرم كان ميتة لا يجوز لأحد أكله. وفي أصحاب الشافعي من قال فيه قولان (3)، ومنهم من قال: إن هذا ميتة قولا واحدا (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 274: إذا أكل من صيد قتله لزمه قيمته. وبه قال أبو حنيفة (5). وقال الشافعي: إذا أكل من لحم الصيد الذي قتله لم يلزمه بذلك شئ (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 275: إذا دل على الصيد، فقتله المدلول، لزم الدال الفداء،

(1) المبسوط 4: 85، والمجموع 7: 441، واللباب 1: 210، والوجيز 1: 128، والمغني لابن قدامة 3: 295، وبدائع الصنائع 2: 204، وتبيين الحقائق 2: 67، وفتح العزيز 7: 494، والهداية 1: 177، والبحر الزخار 3: 312، ومغني المحتاج 1: 525، وعمدة القاري 10: 164.
(2) الوجيز 1: 128، والمغني لابن قدامة 3: 295، والمجموع 7: 304، وفتح العزيز 7: 494، وتبيين الحقائق 2: 67، والبحر الزخار 3: 312.
(3) الوجيز 1: 128، والمجموع 7: 297، و 304، وفتح العزيز 7: 494.
(4) الوجيز 1: 128، والمجموع 7: 297 و 304، ومغني المحتاج 1: 525، وعمدة القاري 10: 164.
(5) المبسوط 4: 86، وعمدة القاري 10: 164، والهداية 1: 177، وتبيين الحقائق 2: 68، وبدائع الصنائع 2: 203، والمجموع 7: 330.
(6) الأم 2: 207، والمجموع 7: 330، والوجيز 1: 129، وفتح العزيز 7: 494، وبدائع الصنائع 2: 204.

[ 406 ]

وكذلك المدلول إن كان محرما، أو في الحرم، سواء كانت دلالة ظاهرة أو باطنة. فإن أعاره سلاحا قتل به صيدا، فلا نص لأصحابنا فيه، والأصل براءة الذمة. وقال الشافعي: لا يضمن جميع ذلك (1). وقال أبو حنيفة: يجب عليه الجزاء إذا دل على صيد دلالة باطنة، وإذا أعاره سلاحا لا يستغني عنه، وأما إذا دل عليه دلالة ظاهرة، أو أعاره سلاحا يستغني عنه، فلا جزاء (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 276: إذا أمسك محرم صيدا، فجاء محرم آخر فقتله، لزم كل واحد منهما الفداء كاملا. وقال الشافعي: جزاء واحد، وعلى من يجب فيه وجهان: أحدهما: يجب على الذابح. والآخر: يكون بينهما الممسك والذابح (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 227: صيد الحرم مضمون بلا خلاف بين الفقهاء، إلا داود، فإنه قال: لا يضمن (4).

(1) الأم 2: 208، والمبسوط 4: 79، والمغني لابن قدامة 3: 288، والمجموع 7: 300 و 330، والوجيز 1: 127 - 128، ومغني المحتاج 1: 524، وشرح فتح القدير 2: 256، وبدائع الصنائع 2: 203، وتبيين الحقائق 2: 63، وفتح العزيز 7: 491.
(2) المبسوط 4: 79 - 80، واللباب 1: 206، وشرح فتح القدير 2: 258، وتبيين الحقائق 2: 63، وبدائع الصنائع 2: 203، والمجموع 7: 330، وفتح العزيز 7: 492.
(3) الأم 2: 207، والمجموع 7: 437، وفتح العزيز 7: 494، والوجيز 1: 129، والمغني لابن قدامة 3: 562.
(4) قال ابن حزم في المحلى 7: 217 " لا يلزم قاتل الصيد خطأ أو ناسيا لإحرامه شرع صوم، ولا غرامة هدي، أو إطعام أصلا ".

[ 407 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 278: صيد الحرم إذا تجرد عن الإحرام يضمن، فإن كان القاتل محرما تضاعف الجزاء، وإن كان محلا لزمه جزاء واحد. وقال الشافعي: صيد الحرم مثل صيد الإحرام مخير بين ثلاثة أشياء: بين المثل، والإطعام، والصوم. وفيما لا مثل له بين الإطعام، والصيام (1). وقال أبو حنيفة: لا مدخل للصوم في ضمان صيد الحرم (2). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 279: المحل إذا صاد صيدا في الحل وأدخله الحرم، ممنوع من قتله، وإذا قتله لزمه الجزاء. وبه قال أبو حنيفة (3). وقال الشافعي: هو ممنوع، وإذا قتله فلا جزاء عليه (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 280: الشجر الذي ينبته الآدميون في العادة إذا أنبته الآدميون أو أنبته الله تعالى فلا ضمان في قطعه، وأما ما أنبته الله تعالى في الحرم، فيجب الضمان بقطعه، وإن أنبته الله تعالى في الحل فقطعه آدمي وأدخله في الحرم، فأنبته، فلا ضمان على قاطعه. وقال الشافعي: شجر الحرم مضمون على المحل والمحرم إذا كان ناميا غير

(1) المجموع 7: 491، وفتح العزيز شرح الوجيز 7: 509، والوجيز 1: 129، والمنهاج القويم: 448، وكفاية الأخيار 1: 146، ومغني المحتاج 1: 524، والمبسوط 4: 97.
(2) المبسوط 4: 97، واللباب 1: 211، وتبيين الحقائق 2: 68، والمجموع 7: 491، وفتح العزيز شرح الوجيز 7: 509، والشرح الكبير 3: 371، والهداية 1: 174.
(3) المبسوط 4: 97 - 98، وبدائع الصنائع 1: 208، والفتاوى الهندية 1: 250 - 251، وتبيين الحقائق 2: 69، وبداية المجتهد 1: 347، والمجموع 7: 492، وفتح العزيز 7: 509.
(4) قال النووي في المجموع 7: 491 " جاز له التصرف فيه بالبيع والذبح والأكل وغيرها ولا جزاء عليه ".

[ 408 ]

مؤذ، وأما اليابس والمؤذي كالعوسج وغيره فلا ضمان في قطعه (1). وقال داود وأهل الظاهر: لا ضمان في قطعه، لكنه ممنوع منه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، على التفصيل الذي ذكرناه، وأخبارهم مشروحة بذلك ذكرناها في الكتاب الكبير المذكور (3). مسألة 281: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغير شاة. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: هو مضمون بالقيمة (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروي عن ابن عباس أنه قال: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة (6). والدوحة الشجرة الكبيرة، والجزلة الصغيرة.

(1) الأم 2: 208، والمجموع 7: 494، والمغني لابن قدامة 3: 362 و 364 و 367، وفتح العزيز 7: 510، وفتح الملك المعبود 2: 205، وكفاية الأخيار 1: 146، وعمدة القاري 10: 189، والشرح الكبير 3: 378 و 380، وسبل السلام 2: 725، ونيل الأوطار 1: 94.
(2) المحلى 7: 260، والمجموع 7: 495، والمغني لابن قدامة 3: 367، وفتح الملك المعبود 2: 205، والشرح الكبير 3: 380، (3) التهذيب 5: 379 حديث 1322 و 1332.
(4) الأم 2: 208، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 496، وتلخيص الحبير المطبوع في ذيل المجموع 7: 521، والمغني لابن قدامة 3: 368، وفتح العزيز 7: 510، ونيل الأوطار 5: 94، وفتح الملك المعبود 2: 205، ومغني المحتاج 1: 527، وبداية 1: 353، وعمدة القاري 10: 189، وفتح الباري 4: 44. (5) شرح فتح القدير 2: 280، واللباب 1: 311، والفتاوى الهندية 1: 252، والمبسوط للسرخسي 4: 104، وبدائع الصنائع 2: 210، والهداية 1: 175 والمجتمع 7: 496، والمغني لابن قدامه 4: 368، والمحلى 7: 261، ونيل الأوطار 5: 94، وفتح الملك المعبود 2: 205 وتبيين الحقائق 2: 70، وفتح الباري 4: 44، وبداية المجتهد 1: 353، (6) حكاه ابن قدامة في المغني 3: 367، والنووي في المجموع 7: 447، والرافعي في فتح العزيز 7: 511 والعسقلاني في تلخيص الحبير 7: 521، والمرتضى في البحر الزخار 3: 315.

[ 409 ]

وعن ابن الزبير أنه قال: في الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة (1). ولا مخالف لهما. مسألة 282: لا بأس بالرعي في الحرم. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: لا يجوز (3). دليلنا: إجماع الفرقة، والأصل الإباحة. وفي خبر أبي هريرة إلا علف الدواب، وفيه إجماع، لأن الناس من عهد النبي صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا يرعون بهائمهم في الحرم، ولم ينكر منكر عليهم. مسألة 283: لا بأس بإخراج حصى الحرم، وترابه، وأحجاره. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك، إلا أنه إذا أخرجه لا ضمان عليه (4). وقال: البرام (5) ليست من أحجار الحرم، وإنما تحمل إليه فتعمل فيه (6). دليلنا: إن الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل.

(1) حكى ذلك عنه في الأم 2: 208، ومختصر المزني: 71، وفتح العزيز 7: 511، والتلخيص الحبير 7: 521.
(2) المجموع 7: 495، وفتح الملك المعبود 2: 207، وكفاية الأخيار 1: 146، والوجيز 1: 129، ومغني المحتاج 1: 528، والمنهاج القويم: 446، وفتح العزيز 7: 512، والبحر الزخار 3: 318، والمنهل العذب 2: 207.
(3) شرح فتح العزيز 2: 281، والمبسوط للسرخسي 4: 104، والفتاوى الهندية 1: 253، وتبيين الحقائق 2: 70 وبدائع الصنائع 2: والنتف 1: 222، والهداية 1: 175، والمجموع 7: 495، فتح الملك المعبود 2: 207، والبحر الزخار 3: 318، والمنهل العذب 2: 207، وفتح العزيز 7: 512.
(4) المجموع 7: 462، و 467، وكفاية الأخيار 1: 147، وفتح العزيز 7: 513، ومغني المحتاج 1: 528.
(5) البرام: جمع البرمة، وهي القدر المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن. انظر النهاية لابن الأثير 1: 121 (مادة برم).
(6) المجموع 7: 459، وفتح العزيز 7: 513.

[ 410 ]

مسألة 284: المفرد والقارن عندنا سواء وإنما يفارق القارن المفرد بسياق الهدي، فإذا ثبت ذلك، فإذا قتل الصيد لزمه جزاء واحد، وكذا الحكم في اللباس، والطيب وغير ذلك. وقال الشافعي: يلزم القارن والمفرد جزاء واحد (1) - على تفسيره في القارن -. وقال أبو حنيفة: يلزم القارن جزاءان (2) في جميع ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، ولأنا بينا أن الاحرامين لا يجتمعان، وإذا ثبت ذلك زال الخلاف، لأن أبا حنيفة بنى ذلك على اجتماعهما. وأيضا قوله تعالى: " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم " (3) ولم يقل: مثل: ولم يفرق. مسألة 285: إذا اشترك جماعة في قتل صيد، لزم كل واحد منهم جزاء كامل. وبه قال التابعين الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وفي الفقهاء الثوري، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه (4). وذهب قوم إلى أنه يلزم الجميع جزاء واحد، روي ذلك عن عمر، وابن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وبه قال التابعين عطاء، والزهري، وحماد،

(1) مختصر المزني: 72، والمجموع 7: 437 و 440، والمحلى 7: 237، وفتح العزيز 7: 509، والهداية 1: 176، والمبسوط 4: 81، وتبيين الحقائق 2: 70، وشرح فتح القدير 2: 282.
(2) اللباب 1: 211، والمبسوط 4: 81، والهداية 1: 176، والفتاوى الهندية 1: 248، وشرح فتح القدير 2: 283، والمحلى 7: 237، والمجموع 7: 437 و 440، وتبيين الحقائق 2: 70، وفتح العزيز 7: 509.
(3) المائدة: 95.
(4) المجموع 7: 439، والمبسوط 4: 80 - 81، والمغني لابن قدامة 3: 289، والمحلى 7: 237، وشرح فتح القدير 2: 283، واللباب 1: 211، والجامع لأحكام القرآن 6: 313، وبداية المجتهد 1: 347، والشرح الكبير 3: 369، وبدائع الصنائع 2: 202، وفتح العزيز 7: 508.

[ 411 ]

وفي الفقهاء الشافعي، وأحمد، وإسحاق (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 286: المحرم إذا قتل صيدا مملوكا لغيره لزمه الجزاء لله تعالى، والقيمة لمالكه. وبه قال أبو حنيفة والشافعي (2). وذهب مالك، والمزني إلى أن الجزاء لا يجب في قتل الصيد المملوك بحال (3). دليلنا: قوله تعالى: " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم " (4) ولم يفصل. مسألة 287: يجب في قتل حمام الحرم شاة، وفي فرخه ولد شاة صغير. وبه قال الشافعي، وقال: القياس أن يجب فيه قيمته، ولكني أوجبت فيه شاة إتباعا للصحابة (5). وقال أبو حنيفة: تجب القيمة، بناء على أصله في أن الصيد مضمون بالقيمة (6).

(1) الأم 2: 207، والمجموع 7: 424، و 439، والمبسوط 4: 81، والمحلى 7: 237، ومختصر المزني: 72، والمغني لابن قدامة 3: 562، والشرح الكبير 3: 369، والجامع لأحكام القرآن 6: 313، وبداية المجتهد 1: 348، وفتح العزيز 7: 508.
(2) المجموع 7: 330 و 444، ومختصر المزني: 72، والمبسوط 4: 103 - 104، والهداية 1: 175، وبدائع الصنائع 2: 203، والفتاوى الهندية 1: 248، والبحر الزخار 3: 311، وفتح العزيز 7: 486، والمنهاج القويم: 445، ومغني المحتاج 1: 525.
(3) المدونة الكبرى 1: 440، والمجموع 7: 330، وفتح العزيز 7: 486، والبحر الزخار 3: 311.
(4) المائدة: 95.
(5) الأم 2: 195 و 197، ومختصر المزني: 72، والمجموع 7: 431 و 440، وفتح العزيز 7: 504، والمنهاج القويم: 447، والجامع لأحكام القرآن 6: 310، وبداية المجتهد 1: 350، والمغني لابن قدامة 3: 556، ونيل الأوطار 5: 95.
(6) المبسوط 4: 82، وبداية المجتهد 1: 350، والمجموع 7: 440، والجامع لأحكام القرآن 6: 310، والمغني لابن قدامة 3: 556.

[ 412 ]

وقال مالك: في حمامة الحرم شاة، وفي حمامة الحل قيمتها (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (2). وأيضا روي ما ذكرناه عن أربعة من الصحابة: عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس (3)، وطريقة الاحتياط تقتضيه أيضا. مسألة 288: إذا رمى صيدا وهو في الحل والصيد في الحل، فدخل السهم في الحرم، وخرج فأصاب الصيد في الحل، فقتله، لم يلزمه ضمانه. وبه قال الشافعي (4). وفي أصحابه من قال: يلزمه ضمانه (5). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، ولا دليل على وجوب ذلك عليه. مسألة 289: إذا كان طير على غصن من شجرة أصلها في الحرم والغصن في الحل، فأصابه إنسان فقتله، لزمه الضمان. وقال الشافعي: لا يلزمه (6). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنها منصوصة لهم (7)، وطريقة الاحتياط

(1) الموطأ 1: 415، والمدونة الكبرى 1: 443، والخرشي 2: 375، والمجموع 7: 431 و 440، ونيل الأوطار 5: 95، والجامع لأحكام القرآن 6: 310، وبلغة السالك 1: 300، وبداية المجتهد 1: 350.
(2) رواها الشيخ الكليني في الكافي 4: 389 حديث 1 و 2، والشيخ الصدوق في الفقيه 2: 171 حديث 751: (3) الأم 2: 195، ومختصر المزني: 72، والمجموع 7: 440، ونيل الأوطار 5: 95، والمغني لابن قدامة 3: 556.
(4) المجموع 7: 441، والمغني لابن قدامة 3: 357، وفتح العزيز 7: 509.
(5) المجموع 7: 441، والمغني لابن قدامة 3: 357، وفتح العزيز 7: 509، ومغني المحتاج 1: 524، والمنهاج القويم: 445.
(6) المجموع 7: 441 و 444، ومغني المحتاج 1: 527، والمنهاج القويم: 446.
(7) الكافي 4: 238 حديث 29، والتهذيب 5: 386 حديث 1347.

[ 413 ]

مسألة 290: الدجاج الحبشي ليس بصيد، ولا يجب فيه الجزاء. وقال الشافعي: يجب فيه الجزاء (1). وأما الأهلي فلا خلاف أنه غير مضمون. دليلنا: إجماع الفرقة، فإنها منصوصة لهم (2)، والأصل براءة الذمة يدل عليه أيضا. مسألة 291: إذا انتقل الصيد إلى المحرم بالميراث، لا يملكه. للشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه (3)، والآخر: يملك، وله التصرف فيه بجميع أنواع التصرف إلا بالقتل (4). دليلنا: عموم الأخبار المانعة من تملك الصيد، والتصرف فيه (5)، وطريقة الاحتياط تقتضيه. مسألة 292: إذا أحرم الإنسان ومعه صيد، زال ملكه عنه، ولا يزول ملكه عما يملكه في منزله وبلده. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يزول ملكه، ولا فرق بين أن يكون في يده أو بيته. والثاني: أن ملكه لا يزول (6).

(1) المجموع 7: 296، وذكر ابن حزم في المحلى 7: 227 في صيد الدجاج الحبشي الجزاء.
(2) انظر الكافي 4: 232 حديث 2 و 3.
(3) المجموع 7: 306، والوجيز 1: 128، ومغني المحتاج 1: 525، وفتح العزيز 7: 496.
(4) المجموع 7: 309 - 310، وفتح العزيز 7: 496، ومغني المحتاج 1: 525.
(5) انظر ما رواه الشيخ المصنف قدس سره في التهذيب 5: 362 حديث 1257 و 1259.
(6) المجموع 7: 313، والمغني لابن قدامة 3: 564، وفتح العزيز 7: 495، والمنهاج القويم: 445، والجامع لأحكام القرآن 6: 323، ومغني المحتاج 1: 525، وشرح فتح القدير 2: 278.

[ 414 ]

وقال مالك أبو حنيفة: تزول عنه اليد المشاهدة، ولا تزول عنه اليد الحكمية (1). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنها منصوصة لهم على التفصيل الذي قلناه (2)، والذي قلناه من زوال ملكه عما معه مجمع عليه، وما غاب عنه ليس عليه دليل. مسألة 293: الجراد مضمون بالجزاء، فإذا قتله المحرم لزمه الحزاء. وبه قال عمر، وابن عباس، وهو مذهب الشافعي (3). وروي عن ابن سعيد الخدري أنه قال: الجراد من صيد البحر، لا يجب به الجزاء (4). دليلنا: قوله تعالى: " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (5) والجراد من صيد البر مشاهدة، فإذا ثبت أنه من صيد البر، ثبت أنه مضمون إجماعا. مسألة 294: في قتل الجراد تمرة. وروي ذلك عن عثمان (6).

(1) المبسوط 4: 89، والمدونة الكبرى 1: 439 - 440، والفتاوى الهندية 1: 351، والمغني لابن قدامة 3: 564، والهداية 1: 174، وبدائع الصنائع 2: 206، وتبيين الحقائق 2: 69، وشرح فتح القدير 2: 277، والخرشي 2: 364، والجامع لأحكام القرآن 6: 323، وفتح العزيز 7: 495.
(2) الكافي 4: 238 حديث 27، والتهذيب 5: 362 حديث 1259 و 1260.
(3) الأم 2: 196 و 199، والمجموع 7: 424 و 436 و 440، وعمدة القاري 10: 164، وبداية المجتهد 1: 351، والمحلى 7: 229، والمغني لابن قدامة 3: 545، والشرح الكبير 3: 316، ومختصر المزني: 72، ومغني المحتاج 1: 525، وفتح العزيز 7: 490.
(4) المغني لابن قدامة 3: 544، والشرح الكبير 3: 316، والمجموع 7: 331، والفتح الرباني 11: 264.
(5) المائدة: 96.
(6) روى الشافعي في أمه 2: 208 ذلك عن عمر، وكذلك السرخسي في المبسوط 4: 101، والعيني في عمدة القاري 10: 164، وابن حزم في المحلى 7: 229.

[ 415 ]

وروي: كف من طعام، وبه قال ابن عباس (1). وروي عن عمر أنه قال لكعب وقد قتل جرادتين: ما جعلت على نفسك؟ فقال: درهمين، فقال: درهم خير من مائة جرادة (2). وقال الشافعي: هو مضمون بالقيمة (3). وعندنا في الكثير منه دم (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط في الكثير تقتضيه. مسألة 295: إذا انفرش الجراد بالطريق، ولا يمكن سلوكه إلا بقتله ووطئه، فلا جزاء على قاتله. وبه قال عطاء، وهو أحد قولي الشافعي (5). والقول الآخر: أن عليه ذلك (6). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وأيضا قوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " وهذا لا يمكنه التخلص منه إلا بقتله، فلا شئ عليه. مسألة 296: بيض النعام إذا كسره المحرم، فعليه أن يرسل فحولة الإبل

(1) الأم 2: 169 و 198 - 199، ومختصر المزني: 72، وعمدة القاري 10: 164، والمجموع 7: 332، والمحلى 7: 231، والمغني لابن قدامة 3: 545، والشرح الكبير 3: 316، والمنهل العذب 1: 177، والفتح الرباني 11: 263، وتلخيص الحبير 7: 517، وفتح الملك المعبود 1: 177.
(2) الأم 2: 196، ومختصر المزني: 72، وفيهما (قال: ما جعلت في نفسك؟ قال: درهمين، قال: بخ درهمان خير من مائة جرادة اجعل ما جعلت في نفسك). وروى ابن حزم في المحلى 7: 230 ما لفظه " فقال لي عمر: ما نويت في نفسك؟ قلت: درهمين، فقال عمر: تمرتان خير من جرادتين امض لما نويت في نفسك ".
(3) الأم 2: 196، ومختصر المزني: 72، والمجموع 7: 332 و 440، وبداية المجتهد 1: 351، ومغني المحتاج 1: 526، والمغني لابن قدامة 3: 545، والفتح الرباني 11: 263، والفتح الملل المعبود 1: 179، والشرح الكبير 3: 316.
(4) اختاره المصنف في النهاية: 228، وانظر الكافي 4: 393 حديث 3.
(5) الأم 2: 200، والمجموع 7: 336 - 337، وعمدة القاري 10: 164.
(6) الأم 2: 200، والمجموع 7: 336 - 337، والوجيز 1: 128، وفتح العزيز 7: 498.

[ 416 ]

في إناثها بعدد البيض، فما ينتج كان هديا لبيت الله تعالى. وإن كان بيض الحمام، فعليه أن يرسل فحولة الغنم في الإناث بعدد البيض، فما خرج كان هديا. فإن لم يقدر على ذلك لزمه عن كل بيضة شاة، أو إطعام عشرة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام، فإذا كسره في الحرم وهو محل لزمته قيمته. وقال داود وأهل الظاهر: لا شئ عليه في البيض (1). وقال الشافعي: البيض إذا كان من صيد مضمون كان فيه قيمته (2). وقال مالك: يجب في البيضة عشر قيمته الصيد (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 297: إذا كسر المحرم بيضة فيها فرخ، فإن كان بيض نعام كان عليه بكارة من الإبل، وإن كان بيض قطاة فعليه بكارة من الغنم. وقال الشافعي: عليه قيمة بيضة فيها فرخها (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 298: إذا باض الطير على فراش محرم، فنقله إلى موضعه، فنفر الطير فلم يحضنه، لزمه الجزاء.

(1) المحلى 7: 233، والمجموع 7: 318 و 332، والفتح الرباني 11: 251.
(2) الأم 2: 191، والمجموع 7: 333، وبداية المجتهد 1: 350، والمحلى 7: 233، ومختصر المزني: 72، والوجيز 1: 127، وفتح العزيز 7: 486، والفتح الرباني 11: 251، ونيل الأوطار 1: 89.
(3) بداية المجتهد 1: 350، والمدونة الكبرى 2: 437، والمحلى 7: 233، والجامع لأحكام القرآن 6: 311، والمجموع 7: 333، والمغني لابن قدامة 3: 553، وفتح العزيز 7: 486، والمجموع 7: 332، ونيل الأوطار 1: 89، والفتح الرباني 11: 251.
(4) الأم 2: 197، ومختصر المزني: 72، والمجموع 7: 319، ومغني المحتاج 1: 525، وفتح العزيز 7: 487.

[ 417 ]

وللشافعي فيه قولان: أحدها: مثل ما قلناه (1)، والثاني: لا يلزمه شئ (2). دليلنا: عموم الأخبار الواردة في هذا المعنى (3). مسألة 299: إذا قتل الأسد، لزمه كبش على ما رواه بعض أصحابنا (4)، فأما الذئب وغيره من السباع فلا جزاء عليه، سواء صال أو لم يصل. وقال الشافعي: لا جزاء في ذلك بحال (5). وقال أبو حنيفة: إذا صال السبع على المحرم فقتله لم يلزمه شئ (6)، وإن قتله من غير صول لزمه الجزاء (7). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، ولا يتعلق عليها شئ إلا بدليل، وما أوجبناه من الكبش فإجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 300: الضبع لا كفارة في قتله، وكذلك السبع المتولد بين الذئب والضبع. وقال الشافعي: فيهما الجزاء (8).

(1) الأم 2: 199، والوجيز 1: 127، والمجموع 7: 319 و 335 و 337.
(2) الأم 2: 199، والمجموع 7: 335 و 337، ومغني المحتاج 1: 524.
(3) انظر الكافي 4: 389 باب كفارة ما أصاب المحرم من الطير والبيض، والتهذيب 5: 353 وما بعدها.
(4) الكافي 4: 237 حديث 26، والتهذيب 5: 366 حديث 1275، والاستبصار 2: 208 حديث 712.
(5) الأم 2: 208، ومختصر المزني: 72، وكفاية الأخيار 1: 141، والمجموع 7: 334، وفتح العزيز 7: 488، والمبسوط 4: 90، وتبيين الحقائق 2: 66.
(6) المبسوط 4: 90، واللباب 1: 209، وتبيين الحقائق 2: 67، وفتح العزيز 7: 488.
(7) المبسوط 4: 90.
(8) الأم 2: 192، ومختصر المزني: 71، والمجموع 7: 423، والوجيز 1: 128، وكفاية الأخيار =

[ 418 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، والأصل براءة الذمة، وأيضا الضبع عندنا محرم الأكل، وسندل عليه فيما بعد (1)، فإذا ثبت ذلك، فكل من قال بذلك قال: لا جزاء فيه. مسألة 301: إذا أراد المحرم صيد من شبكة، أو حبالة، أو فخ وما أشبه ذلك، فمات بالتخليص لزمه الجزاء. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه. والثاني: لا جزاء عليه (2). دليلنا: عموم الأخبار الواردة في وجوب الجزاء على من قتل الصيد معتمدا (3) ولم يفرقوا. مسألة 302: إذا نتف المحرم ريش الطائر أو جرحه، فإن بقي ممتنعا على ما كان، بأن تحامل فأهلك، نفسه، فإن أوقع نفسه في بئر أو ماء أو صدم حائطا، فعليه ضمان ما جرحه، وإن امتنع وغاب عن العين وجب عليه ضمان كاملا. وقال الشافعي مثل ما قلناه، إلا أنه قال: إذا غاب عن العين يقوم بين كونه صحيحا ومعيبا، فإن كان له مثل ألزم ما بين قيمتي المثل وإن لم يكن له مثل ألزم ما بين القيمتين (4).

= 1: 145، وفتح العزيز 7: 489. (1) يأتي إن شاء الله في كتاب الأطعمة المسألة 9.
(2) الأم 2: 199، والمجموع 7: 297، والوجيز 1: 128، وفتح العزيز 7: 497، والبحر الزخار 3: 311، ومغني المحتاج 1: 524.
(3) نحو ما رواه في التهذيب 5: 372 حديث 1297 و 341 حديث 1180 و 1181 و 1182 و غيرها، والاستبصار 2: 310 حديث 718 و 719 و 720 وغيرها، وانظر الكافي 4: 381 أبواب الصيد.
(4) الأم 2: 200، ومختصر المزني: 72، والمجموع 7: 425 و 436، وفتح العزيز 7: 486، و كفاية الأخيار 1: 141، والمغني لابن قدامة 3: 555.

[ 419 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، فإن هذه المسألة منصوص عليها (1)، وطريقة الاحتياط تقتضيه، فإن فعل ما قلناه تبرأ ذمته بيقين. مسألة 303: إذا جرح الصيد، فجاءه آخر فقتله، لزم كل واحد منهما الفداء. وقال الشافعي: على الجارح القيمة ما بين كونه صحيحا ومعيبا، وعلى الثاني الجزاء (2). وفي الصحابة من قال مثل ما قلناه، وقالوا: ليس بشئ (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 304: إذا جرح الصيد، فصار غير ممتنع بعد الجرح والنتف، ثم غاب عن العين، لزمه الجزاء كاملا. وبه قال أبو إسحاق من أصحاب الشافعي: (4). وبه قال باقي أصحابه: غلط في ذلك. والمنصوص للشافعي أنه لا يلزمه ضمان جميعه، وإنما يضمن الجناية التي وجدت منه، وهو النتف والجرح (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (6)، وطريقة الاحتياط. مسألة 305: المتولد بين ما يجب فيه الجزاء وما لا يجب، مثل السبع

(1) التهذيب 5: 358 حديث 1245 وما بعده، والاستبصار 2: 205 حديث 699 و 700، ومن لا يحضره الفقيه 2: 233 حديث 1113، والكافي 4: 386 حديث 6 وغيرها.
(2) الأم 2: 200، والمجموع 7: 434، وفتح العزيز 7: 507.
(3) المجموع 7: 434، والوجيز 1: 129، وفتح العزيز 7: 507.
(4) المجموع 7: 435، والوجيز 1: 129.
(5) الأم 2: 200، والمجموع 7: 435، ومختصر المزني: 72، والمغني لابن قدامة 3: 555، والشرح الكبير 3: 368.
(6) التهذيب 5: 359 حديث 1246 و 1248، والاستبصار 2: 205 حديث 299، ومن لا يحضره الفقيه 2: 233 حديث 1113، وقرب الاسناد: 107.

[ 420 ]

وهو المتولد بين الضبع والذئب، والمتولد بين الحمار الوحشي والحمار الأهلي، لا يجب بقتله الجزاء. وعند جميع الفقهاء، يجب به الجزاء (1). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، ولا دليل على وجوب الجزاء بما قلناه. مسألة 306: الجوارح من الطير كالبازي، والصقر، والشاهين، والعقاب ونحو ذلك، والسباع من البهائم كالنمر، والفهد وغير ذلك لا جزاء في قتل شئ منه. وقد قدمنا أن في رواية أصحابنا أن في الأسد كبشا (2). وقال الشافعي: لا جزاء في شئ منه (3). وقال أبو حنيفة: يجب الجزاء في جميع ذلك إلا الذئب، فلا جزاء فيه، و يجب الجزاء أقل الأمرين، إما القيمة أو الشاة، ولا يلزم أكثرهما (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، فمن علق عليها شيئا فعليه الدلالة. مسألة 307: صيد المدينة حرام اصطياده. وبه قال الشافعي (5).

(1) الأم 2: 201، ومختصر المزني: 72، والمجموع 7: 297، والوجيز 1: 127، ومغني المحتاج 1: 524، وفتح العزيز 7: 489.
(2) تقدم في المسألة: 299.
(3) الأم 2: 208، ومختصر المزني: 72، وعمدة القاري 10: 182، والمجموع 7: 333، والوجيز 1: 127، وكفاية الأخيار 1: 142، وفتح العزيز 7: 488، والمغني لابن قدامة 3: 345، والمبسوط للسرخسي 4: 90.
(4) المبسوط 4: 92 - 93، والمجموع 7: 333، واللباب 1: 208، والهداية 1: 172، وشرح العناية 2: 256، وفتح الباري 4: 40، وفتح العزيز 7: 488.
(5) المجموع 7: 480 و 497، وعمدة القاري 10: 229، والمغني لابن قدامة 3: 370، والوجيز 1: 129، وفتح العزيز 7: 513، ومغني المحتاج 1: 529، والشرح الكبير 3: 383، والبحر الزخار 3: 319.

[ 421 ]

وقال أبو حنيفة: ليس بمحرم (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروي عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " المدينة حرام من عير (2) إلى ثور، ولا ينفر صيدها ولا يختل خلاها، ولا يعضد شجرها إلا رجلا يعلفه بعيره " (3). مسألة 308: إذا اصطاد في المدينة، لا يجب عليه الجزاء. وللشافي فيه قولان: قال في القديم: عليه الجزاء، والجزاء أن يسلب ما عليه - يعني الصائد - فيكون لمن يسلبه (4). وفيه قال آخر: أنه يكون للمساكين (5). وقال في الجديد: لا جزاء عليه (6). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، فعلى من شغلها بشئ الدليل.

(1) عمدة القاري 10: 229، والمجموع 7: 497، والمغني لابن قدامة 3: 370، والشرح الكبير 3: 383، وفتح العزيز 7: 514، والبحر الزخار 3: 319.
(2) وفي بعض الأحاديث " عائر "، وورد في كتب الحديث باللفظين المذكورين.
(3) روى أبو داود في سننه 2: 216 حديث 2034 بسنده عن علي عليه السلام قال: ما كتبنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا القرآن وما في هذه الصحيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور، فمن أحدث حدثا... إلى آخر ما رواه فلاحظ، وحكاه أيضا البيهقي في سننه الكبرى 5: 196 وليس فيه نفر الصيد وعضد الشجر.
(4) الوجيز 1: 130، والمجموع 7: 480 - 481، وتفسير القرطبي 6: 306، ومغني المحتاج 1: 529، وفتح العزيز 7: 514، والمغني لابن قدامة 3: 372، والبحر الزخار 3: 321.
(5) الوجيز 1: 130، والمجموع 7: 480 - 481، وفتح العزيز 7: 514، والبحر الزخار 3: 321.
(6) الوجيز 1: 127 - 128، والمجموع 7: 480، والمغني لابن قدامة 3: 371، وتفسير القرطبي 6: 306، ومغني المحتاج 1: 529، وفتح العزيز 7: 514.

[ 422 ]

مسألة 309: صيد و ج (1) - وهو بلد باليمن - غير محرم، ولا مكروه. قال الشافعي: هو مكروه، (2) وقال أصحابه: ظاهر هذا المذهب أنه أراد بذلك كراهية تحريم (3). دليلنا: إن الأصل الإباحة، فمن منع منه فعليه الدلالة، وأيضا قوله تعالى: " فإذا حللتم فاصطادوا " (4) وهذا إباحة، فمع ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 310: إذا بلغ قيمة مثل الصيد أكثر من ستين مسكينا، لكل مسكين نصف صاع، لم يلزمه أكثر من ذلك، وكذلك لا يلزمه أكثر من ستين يوما من الصوم، هذا في النعامة، وفي البقرة ثلاثين مسكينا أو ثلاثين يوما، وفي الظبي عشرة مساكين أو ثلاثة أيام، ولم يعتبر أحد من الفقهاء ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (5). مسألة 311: إذا عجز عن صيام شهرين، وعن الإطعام، صام ثمانية عشر يوما، وفي القطاة تسعة أيام، وفي الحمام ثلاثة أيام، ولم يقل بذلك أحد من الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، وبراءة الذمة، وما ذكرناه

(1) قال الحموي في معجم البلدان 5: 361 هو الطائف، وروى البيهقي في سننه 5: 200 حديثا في باب كراهية قتل الصيد وقطع الشجر بوج من الطائف وكذلك كل من ذكر هذه المسألة بين أنه في الطائف ولم أعهد لأحد قول أنه في اليمن والله العالم بالصواب.
(2) المجموع 7: 483، والوجيز 1: 130، وفتح العزيز 7: 518، والبحر الزخار 3: 320.
(3) قال النووي في المجموع 7: 483 (وبهذا قطع الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب والمحاملي والمصنف والبغوي والمتولي والجمهور من أصحابنا في الطريقين، قالوا: ومراد الشافعي بالكراهة كراهة تحريم). وقال ابن قدامة في المغني 3: 373 " قال أصحاب الشافعي هو محرم ". (4) المائدة: 2.
(5) الكافي 4: 386 حديث 3 و 5، والتهذيب 5: 342 حديث 1185، والفقيه 2: 233 حديث 1110.

[ 423 ]

مجمع عليه، والزائد على ذلك ليس عليه دليل في حال العجز. مسألة 312: ما يجب فيه المثل أو القيمة إذا قتله المحرم في الحرم تضاعف ذلك عليه، وإن قتله المحل في الحرم لزمته القيمة لا غير، ولم يفصل أحد من الفقهاء ذلك (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 313: إذا كان الصيد قاصدا إلى الحرم، يحرم اصطياده، ولم يعتبر ذلك، أحد من الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 314: روى أصحابنا أن المحرم إذا أصاب صيدا فيما بين البريد والحرم لزمه الفداء، (2) ولم يقل بذلك أحد من الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 315: لا يجوز للمحصور أن يتحلل إلا بهدي. وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: لا هدي عليه (4). دليلنا: طريقة الاحتياط، وأيضا قوله تعالى: " فإن أحصرتم فما استيسر

(1) انظر المجموع 7: 490، وبداية المجتهد 1: 347، والمغني لابن قدامة 3: 349، واللباب 1: 211، والبحر الزخار 3: 315.
(2) الكافي 4: 232 حديث 1، والتهذيب 5: 361 حديث 1255، والاستبصار 2: 207 حديث 705.
(3) الأم 2: 159 و 169، والمجموع 8: 353، والنتف 1: 214، وتفسير القرطبي 2: 373، وبداية المجتهد 1: 343، والوجيز 1: 130، وكفاية الأخيار 1: 144، ومغني المحتاج 1: 534، والمغني لابن قدامة 3: 376.
(4) المدونة الكبرى 1: 366 و 450، وتفسير القرطبي 2: 373، وبداية المجتهد 1: 343، والمجموع 8: 354، وبلغة السالك 1: 306، والخرشي 2: 389، ومقدمات ابن رشد 1: 295، وفتح العزيز 8: 13، والمغني لابن قدامة 3: 374.

[ 424 ]

من الهدي " (1). وأيضا روى جابر قال: احصرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله بالحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة (2). مسألة 316: إذا أحصره العدو، جاز أن يذبح هديه مكانه، والأفضل أن ينفذ به إلى منى أو مكة. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: لا يجوز له أن ينحر إلا في الحرم، سواء أحصر في الحل أو في الحرم، فإن أحصر في الحرم نحر مكانه، وإن أحصر في الحل انفذ بهديه، ويقدر له مدة يغلب على ظنه أنه يصل فيها وينحر، فإذا مضت تلك المدة تحلل، ثم ينظر، فإن كان وافق تحلله بعد نحر هديه فقد صح تحلله، ووقع موقعه ظاهرا وباطنا، وإن كان تحلل قبل أن ينحر هديه لم يصح تحلله في الباطن إلى أن ينحر هديه، فإن كان تطيب أو لبس لزمه بذلك دم (4). دليلنا: على جواز ذلك فعل النبي صلى الله عليه وآله بالحديبية حيث صده المشركون، فلما قاضا سهيل بن عمرو (5) نحر وتحلل

(1) البقرة: 196.
(2) سنن الترمذي 3: 248 حديث 904، وصحيح مسلم 2: 955، وانظر سنن النسائي 7: 222.
(3) الأم 2: 159 و 218، والمجموع 8: 355، وتفسير القرطبي 2: 379، والمغني لابن قدامة 3: 376، وبداية المجتهد 1: 343، وفتاوى قاضيخان 1: 305، والنتف في الفتاوى 1: 214، والوجيز 1: 130، ومختصر المزني: 72، وكفاية الأخيار 1: 145، ومغني المحتاج 1: 534، وفتح العزيز 8: 17، والمبسوط للسرخسي 4: 106.
(4) الفتاوى الهندية 1: 255، والمجموع 8: 355، والجامع لأحكام القرآن 2: 379 - 380، وبداية المجتهد 1: 343، وفتاوى قاضيخان 1: 305، والنتف في الفتاوى 1: 214، والجامع لأحكام القرآن 2: 373، واللباب 1: 212، والمبسوط 4: 106 وفتح العزيز 8: 18.
(5) سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر القرشي العامري يكنى أبا يزيد، أسر يوم بدر كافرا، وهو صاحب القضية يوم الحديبية مع رسول =

[ 425 ]

مكانه، (1) والحديبية من الحل، وهذا نص. مسألة 317: إذا أحصره العدو، جاز له التحلل، سواء كان مفردا أو قارنا أو متمتعا أو معتمرا. وبه قال جميع الفقهاء، (2) إلا مالكا، فإنه قال: إن كان معتمرا لم يكن له التحلل (3). دليلنا: عموم الآية، وفعل النبي صلى الله عليه وآله بالحديبية (4). مسألة 318: إذا كان متمكنا من البيت، ومصدودا عن الوقوف بعرفة، جاز له التحلل أيضا. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة ومالك: ليس له ذلك (6). دليلنا: عموم الآية، وهو قوله تعالى: " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " ولم يفصل. مسألة 319: المصدود عن الحج أو العمرة، إن كانت حجة الاسلام أو عمرته، لزمه القضاء في القابل، وإن كان تطوعا لا يلزمه القضاء.

= الله صلى الله عليه وآله وسلم حين اصطلحوا، وإنه أسلم يوم الفتح ومات في الطاعون سنة (18) هجرية. أسد الغابة 2: 371، طبقات ابن سعد 5: 453. (1) صحيح البخاري 5: 161 - 162، وسنن البيهقي 5: 215، والبحر الزخار 3: 387.
(2) الأم 2: 158 و 161، والمغني لابن قدامة 3: 374، والوجيز 1: 130، والمبسوط 4: 109، والمجموع 8: 355، وفتح العزيز 8: 3.
(3) المدونة الكبرى 1: 365 - 366، والمغني لابن قدامة 3: 374، وعمدة القاري 10: 142، والخرشي 2: 388، وبلغة السالك 1: 306 وفتح الباري 4: 5، والمبسوط 4: 109، والمجموع 8: 355 (4) انظر المسألة السابقة: 316.
(5) الأم 2: 162، والمجموع 8: 355، ومغني المحتاج 1: 537، والمغني لابن قدامة 3: 379، والوجيز 1: 131، وفتح العزيز 8: 60، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 123.
(6) اللباب 1: 214، وبدائع الصنائع 2: 302، والمجموع 8: 355، والمدونة الكبرى 1: 365، والمبسوط 4: 114، وفتح العزيز 8: 60 - 61.

[ 426 ]

وقال الشافعي: لا قضاء عليه بالتحلل، فإن كانت حجة تطوع أو عمرة تطوع لم يلزمه قضاؤها بحال، وإن كانت حجة الاسلام أو عمرة الاسلام وكانت قد استقرت في ذمته قبل هذه السنة، فإذا خرج منها بالتحلل فكأنه لم يفعلها، فتكون باقية في ذمته على ما كانت عليه، وإن كانت وجبت عليه في هذه السنة، سقط وجوبها ولم تستقر في ذمته، لأنا بينا أنه لم يوجد جميع شرائط الحج (1). فعلى قولهم التحلل بالحصر لا يوجب القضاء بحال. وقال أبو حنيفة: إذا تحلل المحصر لزمه القضاء، وإن كان أحرم بعمرة تطوع قضاها، وإن أحرم بحجة تطوع وأحصر تحلل منه، وعليه أن يأتي بحج وعمرة. وإن كان بينهما فأحصر، فتحلل، لزمته حجة وعمرتان، عمرة لأجل العمرة، وعمرة وحجة لأجل الحج. ويجئ على مذهبه إذا أحرم بحجتين فإنه ينعقد بهما، وإنما يترفض عن أحدهما إذا أخذ في السير، فإن أحصر قبل أن يسير، وتحلل منهما، ويلزمه حجتان وعمرتان (2). دليلنا: على ذلك: إن وجوب القضاء على كل حال يحتاج إلى دلالة، وما ذكرناه مقطوع به. وأيضا فالنبي صلى الله عليه وآله خرج عام الحديبية في ألف وأربعمائة

(1) الأم 2: 162 و 218، والمجموع 8: 355، ومختصر المزني 72، والوجيز 1: 130، ومغني المحتاج 1: 537، والمغني لابن قدامة 3: 375، والشرح الكبير 3: 536.
(2) المبسوط للسرخسي 4: 109 و 177، والفتاوى الهندية 1: 223 و 255، وفتاوى قاضيخان 1: 302 و 305 وبدائع الصنائع 2: 170، والجامع لأحكام القرآن 2: 376، والمغني لابن قدامة 3: 375، والشرح الكبير 3: 536، وبداية المجتهد 1: 343 و 348، والمجموع 8: 355.

[ 427 ]

من أصحابه محرمين بعمرة، فحصره العدو، فتحللوا، فلما كانت في السنة الثانية عاد في نفر معدودين، فلو كان القضاء قد وجب على جماعتهم لأخبرهم بذلك ولفعلوه، ولو فعلوا لنقل نقلا عاما أو خاصا. مسألة 320: الحصر الخاص، مثل الحصر العام سواء. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه. والثاني: أنه يجب القضاء في القابل (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى، ولأن الأصل براءة الذمة. مسألة 321: المحصر بالعدو إذا لم يجد الهدي أو لم يقدر على شرائه لا يجوز له أن يتحلل، ويبقى الهدي في ذمته، ولا ينتقل إلى الاطعام ولا إلى الصوم. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، أنه لا ينتقل إلى بدل. والثاني: وهو الصحيح عندهم، أنه ينتقل إلى البدل، فإذا قال لا ينتقل، يكون في ذمته (2). وله في جواز التحلل قولان منصوصان. أحدهما: إنه يبقى محرما إلى أن يهدي. والثاني: وهو الأشبه أنه يتحلل، ثم يهدي إذا وجد (3).

(1) الأم 2: 166 و 218، والمجموع 8: 306، والوجيز 1: 130، ومغني المحتاج 1: 537، وفتح العزيز 8: 59.
(2) الأم 2: 161، والوجيز 1: 132، وأحكام القرآن للجصاص 1: 280، والتفسير الكبير 5: 148 - 149، والمجموع 8: 299، ومغني المحتاج 1: 534، وفتح العزيز 8: 14 و 80.
(3) الأم 2: 161، والوجيز 1: 130، وأحكام القرآن للجصاص 1: 280، وتفسير الفخر الرازي 5: 149، والمجموع 8: 299، ومغني المحتاج 1: 534، وفتح العزيز 8: 15، ومختصر المزني: 72.

[ 428 ]

وإذا قال: يجوز الانتقال، قال في مختصر الحج: ينتقل إلى صوم التعديل، (1) وقال في الأم: ينتقل إلى الاطعام، (2) وفيه قول ثالث: أنه مخير بين الإطعام والصيام (3). دليلنا: على ما قلناه: قوله تعالى: " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " (4) وتقديره، وأردتم التحلل، فما استيسر من الهدي، ثم قال: " ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله " (5) فمنع من التحلل إلا بعد أن يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر، ولم يذكر البدل، ولو كان له بدل لذكره، كما أن نسك الأذى لما كان له بدل ذكره. مسألة 322: المحصر بالمرض يجوز له التحلل، غير أنه لا يحل له النساء حتى يطوف في القابل، أو يأمر من يطوف عنه. وبه قال أبو حنيفة، (6) إلا أنه لم يعتبر طواف النساء. وبه قال ابن مسعود (7). وذهب قوم إلى أنه لا يجوز له التحلل، بل يبقى على إحرامه أبدا إلى أن يأتي به، فإن فاته الحج تحلل بعمرة. وبه قال مالك والشافعي وأحمد (8). وروي ذلك عن جماعة من الصحابة كابن عباس، وابن عمر وابن

(1) الأم 2: 161، والمجموع 8: 299، والمغني لابن قدامة 3: 379، والمنهاج القويم: 451، وفتح العزيز 8: 80، (2) الأم 2: 161، والتفسير الكبير 5: 149، والمجموع 8: 299.
(3) الأم 2: 161، وأحكام القرآن للجصاص 1: 280، والمجموع 8: 229، ومختصر المزني: 72 وفتح العزيز 8: 80.
(4) البقرة: 169.
(5) البقرة: 196.
(6) الفتاوى الهندية 1: 255، وفتاوى قاضيخان 1: 305، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 120، والمبسوط 4: 107، واللباب 1: 212، وبدائع الصنائع 2: 177، وفتح العزيز 8: 9.
(7) المغني لابن قدامه 3: 382، وبداية المجتهد 1: 345، والشرح الكبير 3: 538.
(8) المغني لابن قدامة 3: 382، والروض المربع: 153، والجامع لأحكام القرآن 2: 374، وعمدة القاري 11: 140، والمجموع 8: 310، والوجيز 1: 130، والأم 2: 219، والمبسوط 4: 107، ومغني المحتاج 1: 534، وبداية المجتهد 1: 344.

[ 429 ]

الزبير، ومروان، وعائشة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير و أيضا قوله تعالى: " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " (2) وذلك عام في منع العدو، والمنع بالمرض. فإن في اللغة يقال: احصره المرض، وحصره العدو، وقال الفراء: احصره المرض لا غير، وحصره العدو، وأحصره معا (3). وروى عكرمة، عن حجاج بن عمرو الأنصاري (4) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى " وفي بعضها: " وعليه الحج من قابل " (5). مسألة 323: يجوز للمحرم أن يشترط في حال إحرامه أنه إن عرض له عارض يحبسه أن يحل حيث حبسه من مرض، أو عدو، أو انقطاع نفقة، أو فوات وقت، وكان ذلك صحيحا يجوز له أن يتحلل إذا عرض شئ من ذلك. وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، (6) وابن مسعود، وبه قال

(1) المغني لابن قدامة 3: 382، وتفسير القرطبي 2: 374.
(2) البقرة: 196.
(3) انظر تاج العروس 3: 143، ولسان العرب 4: 195 مادة (حصر) فيهما.
(4) الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري المازني روى عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وروى عنه ضمرة بن سعيد، وعبد الله بن رافع، ضرب مروان بن الحكم يوم الدار حتى سقط لا يعقل، وشهد مع أمير المؤمنين صفين. أسد الغابة 1: 382، وتهذيب التهذيب 2: 204، والإصابة 1: 312.
(5) سنن ابن ماجة 2: 1028 حديث 3077 و 3078، وسنن أبي داود 2: 173 (باب الاحصار) الأحاديث 1862 و 1863، وسنن الترمذي 3: 277 حديث 940، وسنن النسائي 5: 198، ومسند أحمد بن حنبل 3: 450. (6) كذا وقع في جميع النسخ المعتمدة، ولعله زيادة من سهو النساخ، حيث أن ابن عمر كان يرى عدم تأثير الاشتراط في الحج، وقد أشار إلى ذلك المؤلف قدس سره بعيد هذا وقد أوضح ذلك البيهقي في سننه الكبرى 5: 223 حيث قال: وعندي أن أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب =

[ 430 ]

الشافعي (1). وقال بعض أصحابه: إنه لا تأثير للشرط، وليس بصحيح عندهم. والمسألة على قول واحد في القديم، وفي الجديد على قولين، وبه قال أحمد وإسحاق (2). وقال الزهري، ومالك، وابن عمر: الشرط لا يفيد شيئا ولا يتعلق به التحلل (3). وقال أبو حنيفة: المريض له التحلل من غير شرط، فإن شرط سقط عنه الهدي (4). دليلنا: إجماع الفرقة، لأنه شرط لا يمنع منه الكتاب ولا السنة، فيجب أن يكون جائزا، لأن المنع منه يحتاج إلى دليل، وحديث ضباعة بنت الزبير (5) يدل على ذلك. روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله دخل على ضباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني أريد الحج، وأنا شاكية،

= لو بلغه حديث ضباعة بنت الزبير لصار إليه، ولم ينكر الاشتراط، كما لم ينكره أبوه. (1) المجموع 8: 353، والمغني لابن قدامة 3: 249، والمحلى 7: 114، والوجيز 1: 130، ونيل الأوطار 5: 37، وسنن البيهقي 5: 222، والجامع لأحكام القرآن 2: 375.
(2) المجموع 8: 353، والمغني لابن قدامة 3: 248، ومسائل أحمد بن حنبل: 123، ونيل الأوطار 5: 37، والاقناع 1: 401، والجامع لأحكام القرآن 2: 375، وعمدة القاري 10: 147.
(3) المغني لابن قدامة 3: 249، والمحلى 7: 114 و 115، ونيل الأوطار 5: 37، وسنن البيهقي 5: 223، والجامع لأحكام القرآن 2: 375، وعمدة القاري 10: 146.
(4) المغني لابن قدامة 3: 249.
(5) ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم القرشية ابنة عم النبي الأكرم صلى الله عليه [ وآله ] وسلم زوجة المقداد بن عمر روت عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وعن زوجها وروى عنها ابن عباس وجابر وأنس وعائشة وغيرهم. الإصابة 4: 342، وتهذيب التهذيب 12: 432، وأسد الغابة 5: 495.

[ 431 ]

فقال النبي صلى الله عليه وآله: " احرمي واشترطي أن تحلني حيث حبستني " (1) وهذا نص مسألة 224: إذا شرط على ربه في حال الإحرام، ثم حصل الشرط وأراد التحلل، فلا بد من نية التحلل، ولا بد من الهدي. وللشافعي فيه قولان في النية والهدي معا (2). دليلنا: عموم الآية في وجوب الهدي على المحصر، وطريقة الاحتياط. مسألة 325: ليس للرجل أن يمنع زوجته الحرة من حجة الاسلام إذا وجبت عليها. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في اختلاف الحديث (3). وقال في القديم والجديد: له منعها من ذلك (4). وقال أصحابه: والأول لا يجئ على مذهبه، وهو قول غريب (5). دليلنا: إن الحج على الفور، فإذا ثبت ذلك فليس لأحد منعها من ذلك، لأن جواز ذلك يحتاج إلى دليل، ولأن الشافعي إنما أجاز ذلك لقوله إن الحج على التراخي. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله، رواه أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا تمنعوا إماء الله عن مساجد الله فإذا خرجن

(1) السنن الكبرى 5: 221، وسنن الترمذي 3: 278 حديث 941، وصحيح مسلم 2: 868 حديث 106 وما بعده، وسنن النسائي 5: 167.
(2) المجموع 8: 353، والوجيز 1: 130، وفتح العزيز 8: 10، وتفسير الفخر الرازي 5: 149، ومغني المحتاج 1: 534، والسراج الوهاج: 171، والمنهاج القويم: 452.
(3) اختلاف الحديث (الأم) 8: 514، والمجموع 8: 327، والمغني لابن قدامة 3: 195. 573، وفتح العزيز 8: 36، وفتح الباري 4: 76، والمبسوط 4: 112.
(4) المجموع 8: 327، والوجيز 1: 130، ونيل الأوطار 5: 17، ومختصر المزني: 73، وفتح الباري 4: 77، والمبسوط 4: 112.
(5) المجموع 8: 328.

[ 432 ]

فليخرجن تفلات (1) (2) وهذا عام في سائر المساجد، والمسجد الأعظم منها. مسألة 326: ليس للمرأة أن تحرم تطوعا إلا بإذن زوجها، فإن أحرمت بغير إذنه كان له منعها منه. للشافعي في جواز إحرامها قولان (3)، وفي المنع منه قولان (4). دليلنا: إن جواز ذلك يحتاج إلى دليل، وإذا لم يصح إحرامها فالمنع من ذلك لا يحتاج إلى دليل، لأنه فرع على ثبوته. مسألة 327: ليس للأبوين، ولا لواحد منهما منع الولد في حجة الإسلام، أمر بلا خلاف. وعندنا أن الأفضل أن لا يحرم إلا برضاهما في التطوع، فإن بادر وأحرم لم يكن لهما ولا لواحد منهما منعه. وقال الشافعي: لهما منعه من ابتداء الاحرام قولا واحدا (5). فإن بادر وأحرم كان لهما ولكل واحد منهما المنع على قولين (6). دليلنا: إن المنع من ابتداء الاحرام، والمنع بعد الانعقاد يحتاج إلى دليل، ولا دلالة تمنع منه، والأصل براءة الذمة. مسألة 328: شرائط وجوب الحج على المرأة هي شرائط وجوبه على

(1) تفلات: أي تاركات للطيب، انظر النهاية 1: 191 (مادة تفل).
(2) مسند أحمد بن حنبل 2: 438، وسنن الدارمي 1: 293، وسنن أبي داود 1: 155 حديث (3) الوجيز 1: 130، والمجموع 8: 333، وفتح العزيز 8: 36 و 40.
(4) اختلاف الحديث (الأم) 8: 514، والوجيز 1: 130.
(5) الأم 2: 163، والمجموع 8: 348، والوجيز 1: 131، وفتح العزيز 8: 42، والمنهاج القويم: 449.
(6) الأم 2: 163، والمجموع 8: 349، وفتح العزيز 8: 43، والمنهاج القويم: 449.

[ 433 ]

الرجال سواء، وهي: البلوغ، والعقل، والحرية، والزاد، والراحلة، والرجوع إلى كفاية، وتخلية الطريق، وإمكان المسير. وهي بعينها شروط الأداء. وليس من شرط الوجوب، ولا من شرط الأداء في حجة الاسلام المحرم بل أمن الطريق، ومصاحبة قوم ثقات تكفي، فأما حجة التطوع فلا تجوز لها إلا بمحرم. وقال الشافعي بمثل ما قلناه، وزاد إن من شرط الأداء محرما أو نساء ثقات، وأقل ذلك امرأة واحدة. وبه قال مالك، والأوزاعي (1). وقال الشافعي بمثل ما قلناه وزاد: إذا كان الطريق مسلوكا متصلا كطريق السوق فهذا أمر لا يفتقر معه إلى محرم ولا نساء. وبه قال بعض أصحاب الشافعي (3). وأما التطوع فقال الشافعي: لا يجوز لها أن تسافر إلا مع ذي رحم محرم، هذا هو المنصوص عليه (4) ومن أصحابه من قال ذلك بغير محرم كالفرض (5). وذهب أبو حنيفة إلى أن المحرم شرط في الوجوب (6).

(1) الأم 2: 117، والمجموع 8: 343، والموطأ 1: 425، وبداية المجتهد 1: 311، والمنهل العذب 10: 261، ومغني المحتاج 1: 467، والوجيز 1: 109، والمغني لابن قدامة 3: 192، وتبيين الحقائق 1: 5، وبلغة السالك 1: 264، والمبسوط للسرخسي 4: 110، والفتح الرباني 11: 44، وإرشاد الساري: 37.
(2) المجموع 8: 343، والمنهل العذب 10: 261.
(3) المجموع 7: 86 و 8: 340، ومغني المحتاج 1: 467، والفتح الرباني 11: 44، وفتح العزيز 7: 23، وإرشاد الساري: 38.
(4) الأم 5: 299، والمجموع 8: 341 و 343 و 7: 87.
(5) المجموع 8: 342.
(6) النتف 1: 204، واللباب 1: 177، وأحكام القرآن للجصاص 2: 24، وبداية المجتهد 1: 311، وتبيين الحقائق 2: 4، والمنهل العذب 10: 261، والمجموع 8: 343، ونيل الأوطار 5: 16.

[ 434 ]

وأبى أصحابه هذا وقالوا: ليس بشرط في الوجوب، لكنه شرط في الأداء والفرض والنفل عنده سواء (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وقوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " (2) ولم يذكر محرما، وباقي الشروط مجمع عليها، أكثرها أوردناها في الكتاب المقدم ذكره (3). مسألة 329: يجوز للمرأة أن تخرج في حجة الإسلام وإن كانت معتدة، أي عدة كانت، ومنع الفقهاء كلهم من ذلك (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وعموم الآية، فإنه لم يذكر فيها أن لا تكون معتدة، فمن منع منها في هذه الحالة فعليه الدلالة. مسألة 330: إذا حج حجة الإسلام، ثم ارتد، ثم عاد إلى الاسلام، اعتد بتلك الحجة، ولم يجب عليه غيرها. وكذلك كل ما فعله من العبادات يعتد بها، وعليه أن يقضي جميع ما تركه قبل عوده إلى الاسلام، وسواء تركه حال إسلامه أو حال ردته. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة ومالك: إذا أسلم حدث وجوب حجة الإسلام عليه، كأنه ما كان فعلها، وكلما كان فعله قبل ذلك فقد حبط عمله وبطل، و ما تركه فلا يقضيه، سواء تركه في حال إسلامه أو حال ردته، ويكون ككافر

(1) اللباب 1: 177.
(2) آل عمران: 97.
(3) التهذيب 5: 401، وانظر الاستبصار 2: 146، وقرب الاسناد: 130.
(4) انظر المجموع 8: 337، وفتح العزيز 8: 41، والمبسوط 4: 111، والمغني لابن قدامة 3: 196، والشرح الكبير 3: 177، وإرشاد الساري: 39، والبحر الزخار 3: 286.
(5) الأم 1: 70، والمجموع 7: 9 و 8: 354، والمحلى 7: 277، وأحكام القرآن 3: 48، ومغني المحتاج 1: 130، والمنهاج القويم: 103، والسراج الوهاج: 36، وفتح العزيز 7: 5 و 479.

[ 435 ]

أصلي أسلم يستأنف أحكام المسلمين (1). دليلنا: إنه لا خلاف أن حجة الاسلام دفعة واحدة في العمر، وهذا قد فعلها، فمن حكم بإبطالها وإيجابها ثانيا فعليه الدلالة. وأما وجوب القضاء فيما فات من العبادات، فطريقة الاحتياط تقتضيه. وأيضا روى الأقرع بن حابس (2) قال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله الحج مرة واحدة أو في كل عام؟ فقال: " بل مرة، وما زاد فهو تطوع " (3). وهذا فعل مرة، فلم يجب عليه غيرها. مسألة 331: إذا أحرم المسلم، ثم ارتد، لا يبطل إحرامه، فإن عاد إلى الاسلام جاز أن يبني عليه. وللشافعي فيه وجهان. أحدهما: يبطل كالصلاة والصيام (4). والثاني: لا يبطل (5). دليلنا: إن إبطال ذلك يحتاج إلى دليل، وقد وقع في الأصل صحيحا بلا خلاف، ولا دلالة على ذلك. مسألة 332: الأيام المعدودات أيام التشريق بلا خلاف، والأيام

(1) أحكام القرآن للقرطبي 3: 48، والمجموع 7: 9 و 3: 5، والمحلى 7: 277، والفتاوى الهندية 1: 217، وفتح العزيز 7: 5، والبحر الزخار 3: 281، وإرشاد الساري: 22.
(2) الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان من بني تميم قدم على النبي صلى الله عليه وآله وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله فتح مكة وحنينا، وقال ابن دريد اسم الأقرع فراس ولقب الأقرع لقرع كان به في رأسه، استعمله عبد الله بن عامر عل جيش سيره إلى خرسان فأصيب بالجوزجان هو والجيش. انظر أسد الغابة 1: 107 و 110.
(3) مسند أحمد بن حنبل 1: 352، وسنن ابن ماجة 2: 963 حديث رقم 2886، وسنن أبو داود 2: 139 حديث 1721، والمستدرك للحاكم 1: 441 باختلاف بسيط.
(4) المجموع 7: 400 و 8: 354، وفتح العزيز 7: 479، والوجيز 1: 126.
(5) المجموع 8: 354، وفتح العزيز 7: 479، والوجيز 1: 126، والوجيز 3: 281.

[ 436 ]

المعلومات عشرة أيام من أول ذي الحجة، آخرها غروب الشمس من يوم النحر، وهو قول علي عليه السلام، وابن عباس، وابن عمر، وبه قال الشافعي (1). وقال مالك: ثلاثة أيام يوم النحر، فجعل أول التشريق وثانيها من المعدودات والمعلومات (2). وقال أبو حنيفة ثلاثة أيام، أولها يوم وآخرها أول التشريق، فجعل أول التشريق من المعدودات والمعلومات (3). وقال مالك: لا ذبح إلا في المعلومات (4). وقال أبو حنيفة: الذبح جائز في غير المعلومات، وهو باقي التشريق. وروي عن علي عليه السلام: أربعة أيام أولها يوم عرفة (5). وقال سعيد بن جبير: المعدودات هي المعلومات (6). دليلنا: إجماع الفرقة، فإن هذه المسألة منصوصة لهم (7). وأيضا اختلاف اسمها يدل على اختلاف أوقاتها، لأنهما لو كانا شيئا واحدا، أو اتفقا في بعض لما استحقا اسمين مختلفين، وهذا أصل الحقيقة.

(1) تفسير القرطبي 12: 43، والوجيز 1: 132، والوجيز 1: 132، والمجموع 8: 381، والمغني لابن قدامة 3: 464، وقرب الاسناد: 81، وأحكام القرآن للجصاص 3: 233، وسنن البيهقي 5: 228، والوجيز 1: 132، ومختصر المزني: 73، والمجموع 8: 381، والتهذيب 5: 487 حديث 1736، وفتح العزيز 8: 89.
(2) بداية المجتهد 1: 422، والمغني 3: 464، والمجموع 8: 381، وتفسير القرطبي 12: 43، وفتح العزيز 8: 89.
(3) المجموع 8: 381، وفتح العزيز 8: 89.
(4) بداية المجتهد 1: 422، والمجموع 8: 381 و 390، والمغني لابن قدامة 3: 464.
(5) المجموع 8: 381.
(6) المغني لابن قدامة 3: 464، وتفسير القرطبي 12: 43.
(7) قرب الاسناد: 81، ورواه المصنف في التهذيب 5: 487 حديث 1736.

[ 437 ]

مسألة 333: يجوز عندنا الذبح في اليوم الثالث من أيام التشريق. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز، لأنه ليس من المعلومات (2). دليلنا: إجماع الفرقة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن صيام أيام التشريق، وقال: إنها أيام أكل وشرب (3). ويقال: وقال: " إنها أيام أكل وشرب وذكر وذبح " (4). ثبت بذلك أن الثالث من أيام الذكر والذبح معا، وعند أبي حنيفة أن الثالث ليس من أيام الذكر ولا الذبح (5). مسألة 334: إذا قال: لله علي هدي، أو أن أهدي، أو أهدي هديا فعليه أن يهدي إما من الإبل أو البقر أو الغنم. وبه قال أبو حنيفة، وهو أصح قولي الشافعي (6). وقال في القديم والإملاء: والنذر يلزمه ما يقع اسم الهدي عليه قل أو كثر (7).

(1) الأم 2: 217، والمجموع 8: 381 و 390، وبداية المجتهد 1: 122، والوجيز 1: 132، والمغني لابن قدامة 3: 464، وتفسير القرطبي 12: 43، وأحكام القرآن للجصاص 3: 234، والشرح الكبير 3: 556.
(2) المجموع 8: 381 و 390، وبداية المجتهد 1: 422، وتفسير القرطبي 12: 43، والشرح الكبير 3: 556.
(3) شرح معاني الأخبار 2: 244، ومسند أحمد بن حنبل 1: 169 و 174 و 3: 415 و 451.
(4) شرح معاني الأخبار 2: 244 وفيه: " أنها أيام أكل وشرب وذكر الله ".
(5) شرح معاني الآثار 2: 248.
(6) الأم 2: 216، والمجموع 8: 356 و 465، واللباب 1: 216، والمبسوط 4: 136، وأحكام القرآن للجصاص 3: 244، والفتاوى الهندية 1: 262، والمحلى 7: 150، ومختصر المزني: 73.
(7) الأم 2: 257، والمجموع 8: 465.

[ 438 ]

دليلنا: إن ما ذكرناه مجمع على إجزائه وما ذكروه ليس عليه دليل ولأنا روينا أن الهدي لا يقع إلا على البدن والنعم (1). وأيضا قوله تعالى: " فما استيسر من الهدي " (2) لا خلاف أنه يتناول النعم دون غيرها. مسألة 335: الدماء المتعلقة بالإحرام كدم التمتع، والقران، وجزاء الصيد، وما وجب بارتكاب محظورات الاحرام كاللباس، والطيب وغير ذلك إن أحصر جاز له أن ينحر مكانه في حل أو حرم، إذا لم يتمكن من إنفاذه بلا خلاف. وإن لم يحصر فعندنا ما يجب بإحرام الحج على اختلاف أنواعه، لا يجوز ذبحه إلا بمنى، وما يجب بإحرام العمرة المفردة لا يجوز ذبحه إلا بمكة قبالة الكعبة بالجزورة. وقال الشافعي: فيه ثلاث مسائل: إن نحر وفرق اللحم في الحرم أجزأه بلا خلاف بينهم، وإن نحر وفرق اللحم في الحل لم يجزه عنده خلافا لأبي حنيفة (3)، وإن نحر في الحل وفرق اللحم في الحرم، فإن كان تغير لم يجز، وإن فرقه طريا في الحرم فعلى وجهين (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، فإن ما ذكرناه لا خلاف في إجزائه، وما ذكروه ليس عليه دليل. مسألة 336: ما يجب عليه من الدماء بالنذر، فإن قيده ببلد أو بقعة لزمه

(1) انظر التهذيب 5: 206 حديث 688 و 690، والكافي 4: 487 حديث 1. (2) البقرة: 196.
(3) اللباب 1: 218، والمغني لابن قدامة 3: 588، وفتح العزيز 8: 88.
(4) الأم 2: 217، وكفاية الأخيار 1: 146، والمجموع 7: 498 و 500، ومغني المحتاج 1: 530، وفتح العزيز 8: 86 و 88، والسراج الوهاج: 171، والمغني لابن قدامة 3: 588.

[ 439 ]

في موضعه الذي عينه بلا خلاف، وإن أطلقه فلا يجوز عندنا إلا بمكة قبالة الكعبة بالجزورة، ولا يجزي إلا من النعم على ما تقدم القول فيه. وقال الشافعي في المطلق: كدماء الحج إن كان محصرا فحيث يحل، وإن لم يكن محصرا ففيه المسائل الثلاثة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (2)، وطريقة الاحتياط. مسألة 337: إذا ساق الهدي من الإبل أو البقر، فمن السنة أن يقلدها نعلا، ويشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وهو أن يشق المكان بحديدة حتى يسيل الدم ويشاهد ويرى، وروي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، ولا مخالف لها فيه. وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد، والشافعي (3). غير أن مالكا وأبا يوسف قالا: الاشعار من الجانب الأيسر (4). وقال أبو حنيفة: يقلدها ولا يشعرها، فإن الإشعار مثله وبدعة (5). دليلنا: إجماع الفرقة،. وأيضا روي عن ابن عباس أن رسول الله عليه وآله صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنته - (وفي بعضها ببدنة) - فأشعرها من صفحة سنانها الأيمن، ثم سلت الدم عنها - (وفي بعضها ذلك الدم عنها، وفي بعضها بيده، وفي بعضها بإصبعه) - ثم أتى براحلته، فقعد عليها واستقرت به على

(1) الأم 2: 257، والمجموع 7: 499 - 500، وقد تقدمت الإشارة إليها في المسألة السابقة فلاحظ.
(2) التهذيب 5: 239 حديث 806.
(3) الأم 2: 216، والمجموع 8: 358 و 359، والمغني لابن قدامة 3: 591، وبداية المجتهد 1: 364، وموطأ مالك 1: 379، والمحلى 7: 112، وفتح الباري 3: 543، ومختصر المزني: 73، وعمدة القاري 10: 38، وفتح العزيز 8: 93.
(4) المجموع 8: 359، والمغني لابن قدامة 3: 592، والمحلى 7: 112.
(5) المبسوط 4: 138، وفتح الباري 3: 544، والمحلى 7: 111، والمجموع 8: 358، والمغني لابن قدامة 3: 591، وفتح العزيز 8: 93.

[ 440 ]

البيداء، أهل الحج (1). وروى عروة، عن مسور بن مخرمة ومروان أنهما قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله عام الحديبية، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره (2) وهذا في الصحيح. مسألة 338: الغنم يستحب تقليدها. وبه قال الشافعي (3). وقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروى جابر قال: كان هدايا رسول الله صلى الله عليه وآله غنما مقلدة (5) وهذا في السنن. وروى مالك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن الرسول الله صلى الله عليه وآله أهدى غنما مقلدة (6) وهذا في الصحيح.

(1) سنن أبي داود 2: 146، حديث 1752 و 1753، وانظر سنن النسائي 5: 172 و 174، والسنن الكبرى 5: 232 باختلاف يسير في اللفظ.
(2) صحيح البخاري 2: 206 و 207، وسنن أبي داود 2: 146، والسنن الكبرى 5: 232 وسنن النسائي 5: 169.
(3) مختصر المزني: 74، والمجموع 8: 357 و 360، وبداية المجتهد 1: 364، وعمدة القاري 10: 41، وفتح الباري 3: 431، وإرشاد الساري 3: 220.
(4) بداية المجتهد 1: 364، والفتاوى الهندية 1: 261، وتبيين الحقائق 2: 92، والمحلى 7: 112، والمجموع 8: 360، وفتح العزيز 8: 94، وعمدة القاري 10: 41، وفتح الباري 3: 544، وإرشاد الساري 3: 220، والمغني لابن قدامة 3: 591، والمبسوط 4: 137.
(5) الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الرحمن روى عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وأخوه عبد الرحمن وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعي وغيرهم، مات سنة 74 ه‍. تهذيب التهذيب 1: 342.
(6) سنن أبي داود 2: 146 حديث 1755، وانظر صحيح مسلم 2: 958 حديث 365 و 367، وصحيح الترمذي 3: 252 حديث 909، والسنن الكبرى 5: 232، وسنن ابن ماجة 2: 1034 حديث 3096.

[ 441 ]

مسألة 339: عندنا يصير محرما بأحد ثلاثة أشياء: التلبية، والتقليد، والإشعار، ولا بد في ذلك من النية. وقال الشافعي: يصير محرما بمجرد النية، وهو قول الجماعة (1). وروي عن ابن عمر، وابن عباس أنه يصير محرما بنفس التقليد (2). وحكينا عن أبي حنيفة أنه لا يصير محرما بمجرد النية، وإنما ينعقد إحرامه بالتلبية أو سوق هدي (3)، مثل ما قلناه، وخالف في الأشعار. دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن ما ذكرناه لا خلاف فيه أنه ينعقد به الاحرام، وما قالوه ليس عليه دليل. مسألة 340: عندنا أن من ينفذ هديا من افق من الآفاق، يواعد أصحابه يوما يقلدونه فيه أو يشعرونه، ويجتنب هو ما يجتنبه المحرم، فإذا كان يوم وافقهم على نحره أو ذبحه يحل مما أحرم منه. وروي ذلك عن ابن عباس (4)، وخالف جميع الفقهاء في ذلك (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل جواز ذلك، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 341: يجوز اشتراك سبعة في بدنة واحدة، أو بقرة واحدة أو بقرتين إذا كانوا متقربين، وكانوا أهل خوان واحد، سواء كانوا متمتعين

(1) المجموع 7: 223 و 225 و 8: 360، وفتح العزيز 7: 201، والوجيز 1: 116، ومغني المحتاج 1: 478، والمبسوط 4: 138، والشرح الكبير 3: 237، والسراج الوهاج: 156، والمنهاج القويم: 413، وبداية المجتهد 1: 226، والبحر الزخار 3: 294.
(2) المجموع 8: 360.
(3) اللباب 1: 180، والفتاوى الهندية 1: 222، والمبسوط 4: 138، وتبيين الحقائق 2: 9، والمجموع 7: 202 و 205، والوجيز 1: 116، وفتح العزيز 7: 202، والشرح الكبير 3: 237، وبداية المجتهد 1: 326.
(4) صحيح البخاري 2: 207، وسنن البيهقي 5: 234، وفتح الباري 3: 545، وشرح معاني الآثار 2: 264، وفتح الملك المعبود 1: 14، وصحيح مسلم 2: 959 حديث 369.
(5) انظر المجموع 8: 360.

[ 442 ]

أو قارنين أو مفردين، أو بعضهم مفردا وبعضهم قارنا أو متمتعا، أو بعضهم مفترضين وبعضهم متطوعين، ولا يجوز أن يكون بعضهم يريد اللحم. وبه قال أبو حنيفة إلا أنه لم يعتبر أهل خوان واحد (1). وقال الشافعي مثل ذلك إلا أنه أجاز أن يكون بعضهم يريد اللحم (2). وقال مالك: لا يجوز الإشتراك إلا في موضع واحد، وهو إذا كانوا متطوعين (3). وقد روى ذلك أصحابنا أيضا (4)، وهو الأحوط. دليلنا: على الأول: خبر جابر، روى عطاء عن جابر قال: كنا نتمتع على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ونشترك السبعة في البقرة أو البدنة (5). وما رواه أصحابنا أكثر من أن تحصى (6). والثاني: قد رواه أصحابنا، وطريقة الاحتياط تقتضيه (7).

(1) الباب 1: 217، والمغني لابن قدامة 3: 595، وفتح الملك المعبود 3: 29، والمجموع 8: 398، والمبسوط 4: 144، والنتف في الفتاوى 1: 238، وفتح العزيز 8: 66، ونيل الأوطار 5: 187.
(2) الأم 2: 159 و 271، والمجموع 8: 398 و 422، وفتح الملك المعبود 3: 29، ومختصر المزني: 74، وفتح العزيز 8: 65، والمبسوط 4: 144.
(3) فتح الملك المعبود 3: 29، والمدونة الكبرى 1: 469، وبلغة السالك 1: 34، والمغني لابن قدامة 3: 594، والمجموع 8: 398، والخرشي 2: 387، وعمدة القاري 10: 48.
(4) الكافي 4: 496 حديث 2.
(5) صحيح مسلم 2: 956 حديث 355، باختلاف يسير في اللفظ. وروي عن جابر أحاديث أخرى في هذا الباب انظر نفس المصدر 2: 955 حديث 35 و 355، وموطأ مالك 2: 486 حديث 9.
(6) الكافي 4: 496 حديث 3 و 4، والتهذيب 5: 208 حديث 697 و 704، والاستبصار 2: 266 حديث 940 و 949، والفقيه 2: 294 حديث 1452 و 1455.
(7) الكافي 4: 496 حديث 2.

[ 443 ]

مسألة 342: إذا ذبح الإبل، أو نحر البقر، أو الغنم لم يجزه، وكان حراما أكله. وقال الشافعي: خالف سنة وأجزأه (1). وقال مالك: إن ذبح الإبل لم يحل أكلها، مثل نا قلناه (2). دليلنا: إجماع، الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 343: السنة في البدن أن تنحر وهو قائمة. وبه قال جميع الفقهاء (3). وقال عطاء: ينحرها باركة (4). دليلنا: قوله تعالى: " فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها " (5). قال ابن عباس: " صواف " أي معقولة إحدى يديها، وقوله: " وجبت جنوبها " (6) أي سقطت على جنوبها (7).

(1) الأم 2: 217 و 239 و 257، والمجموع 9: 84 - 85، ومختصر المزني: 74، وبداية المجتهد 1: 0 430 (2) المدونة الكبرى 2: 65، ومقدمات ابن رشد 1: 324 وبداية المجتهد 1: 430، وعمدة القاري 10: 47، والمجموع 9: 90.
(3) الأم 2: 217، ومختصر المزني: 74، والمجموع 8: 408، واللباب 1: 218، وبداية المجتهد 1: 366 و 430، والمبسوط 4: 146، والشرح الكبير 3: 551، والمغني 3: 462، وأحكام القرآن لابن العربي 3: 1277، وعمدة القاري 10: 50، والجامع لأحكام القرآن 12: 63، وإرشاد الساري 3: 226 والفتح الرباني 13: 0 55 (4) الشرح الكبير 3: 551، والمغني لابن قدامه 3: 462، وعمدة القاري 10: 50، والجامع لأحكام القرآن 12: 0 62 (5) و (6) الحج: 36.
(7) عمده القاري 10: 51، وأحكام القرآن للجصاص 3: 244، والسنن الكبرى 5: 237، والدر المنثور 4: 362، وإرشاد الساري 3: 0 226

[ 444 ]

وقال مجاهد: سقطت على الأرض (1) وإجماع الفرقة دليل على ما قلناه. وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، وهي قائمة على ما بقي من قوائمها (2). مسألة 344: محل النحر للحاج منى، وللمعتمر مكة، فإن خالف لا يجزيه. وبه قال مالك (3). وقال الشافعي: السنة ما قلناه، وإن خالف أجزأه (4). دليلنا: إن ما ذكرناه مجز بلا خلاف، وما ذكروه ليس على إجزائه دليل، وذمته مرتهنة فلا تبرأ إلا بدليل. مسألة 345: الهدي الواجب وهو ما يلزم المحرم بارتكاب محظور من اللباس، والطيب، والوطء، وحلق الشعر، وقتل الصيد غير ذلك، أو النذر لا يحل له أن يأكل منه، ويجوز أن يأكل من هدي التمتع. وبه قال أبو حنيفة (5). وقال الشافعي: لا يجوز الأكل من جميع ذلك، ولا من دم التمتع، لأن

(1) أحكام القرآن للجصاص 3: 244، والدر المنثور 4: 362.
(2) سنن ابن داود 2: 149 حديث 1767، والسنن الكبرى 5: 237، والدر المنثور 4: 362.
(3) بداية المجتهد 1: 355 و 365، وفتح الباري 3: 552، وبلغه السالك 1: 301، والخرشي 2: 379 - 380.
(4) الأم 2: 217، والمجموع 7: 500 و 8: 191 و 380، ومختصر المزني 74، وفتح العزيز 8: 85، وعمدة القاري 10: 48، ومغني المحتاج 1: 531، وبداية المجتهد 1: 265، والسراج الوهاج: 171.
(5) اللباب 1: 217، وتبيين الحقائق 2: 89، والمجموع 8: 419، وبداية المجتهد 1: 367، والمحلى 7: 271، وأحكام القرآن لابن العربي 3: 1278، وأحكام القرآن للجصاص 3: 236، وفتح الباري 3: 558، والنتف 1: 225، والمغني لابن قدامه 3: 583، والبحر الزخار 3: 394.

[ 445 ]

عنده أنه دم جبران وليس بنسك (1). وقال مالك: يأكل من الكل إلا من النذر، وجزاء الصيد، والحق (2). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط. وللشافعي في النذر تفصيل، وظاهر مذهبه أنه مثل سائر الواجبات (3). مسألة 346: الهدي المتطوع به يستحب أن يأكل ثلثه، ويتصدق بثلثه، ويهدي ثلثه. وبه قال الشافعي في القديم، ومختصر الحج (4). وله قول آخر وهو: أنه يأكل نصفه، ويتصدق بالنصف (5) هذا في المستحب فأما الإجزاء فيكفي ما يقع عليه اسم الأكل قل أو كثر، ولا ينبغي أكل جميعه (6). وقال أبو العباس: له أن يأكل الكل (7). وقال عامة أصحاب الشافعي مثل ما قلناه، وهو قدر ما يقع عليه الإسم (8).

(1) المجموع 8: 417، والأم 2: 216 - 217، وبداية المجتهد 1: 367، وأحكام القرآن لابن العربي 3: 1278، وأحكام القران للجصاص 3: 236، والمغني لابن قدامة 3: 583، والشرح الكبير 3: 583، والجامع لأحكام القرآن 12: 46.
(2) بداية المجتهد 1: 367، والشرح الكبير 3: 583، والمجموع 8: 419، وعمدة القاري 10: 56، والمحلى 7: 271، والجامع لأحكام القرآن 12: 44، وأحكام القرآن لابن العربي 3: 1278 - 1279، وفتح الباري 3: 558، والفتح الرباني 3: 57.
(3) انظر الأم 2: 257، والمجموع 8: 417.
(4) الأم 2: 217، والمجموع 8: 415 و 419، والشرح الكبير 3: 587، والمنهاج القويم: 458، والجامع لأحكام القرآن 12: 47، وعمدة القاري 10: 58.
(5) المجموع 8: 415، والشرح الكبير 3: 587، والجامع لأحكام القرآن 12: 47.
(6) المنهاج القويم: 457، والمجموع 8: 413. (7) المجموع 8: 416، وانظر الشرح الكبير 3: 588.
(8) مختصر المزني: 74، والمجموع 8: 416.

[ 446 ]

دليلنا: قوله تعالى: " فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " (1) فسمى ثلاثة أجناس، فالمستحب التسوية بينهم في ذلك، وهو إجماع الفرقة. مسألة 347: إذا أكل الكل لم يضمن شيئا. وهو قول أبي العباس (2) وقال الباقون من أصحاب الشافعي: يضمن، وهو على وجهين: أحدهما: القدر الذي لو تصدق به أجزأه، والثاني: قدر المستحب، وهو إما النصف أو الثلث على قولين (3). وقال أبو حامد الأسفرايني: القول قول أبي العباس، وهذا التفريع على قول الشافعي في النذر المطلق، وغلط أصحابنا فنقلوا من مسألة إلى مسألة. دليلنا: إنه متطوع به في الأصل، فلو لم يفعله لما ضمن، فمن أوجب الضمان بعد ذلك فعليه الدلالة، لأن الأصل براءة الذمة. مسألة 348: قد ذكرنا أن ما يجب بالنذر المطلق لا يجوز له الأكل منه، سواء كان على سبيل المجازات أو واجبا. وهو مذهب قوم من أصحاب الشافعي (4). وفي أصحابه من قال وعليه أكثرهم: أن ما وجب بالنذر المطلق المذهب أن يأكل منه (5). وقال مالك: يأكل من الكل إلا ما وجب بالنذر، ولم يفصل ما وجب عن إتلاف صيد، وحلق شعر (6).

(1) الحج: 36.
(2) المجموع 8: 416، وانظر الشرح الكبير 3: 588.
(3) المجموع 8: 416.
(4) المجموع 8: 413 و 418، ومختصر المزني: 74، وأحكام القرآن لابن العربي 3: 1278، والمنهاج القويم: 457 - 458، وبداية المجتهد 1: 366 - 367، والمغني لابن قدامة 3: 583، وانظر الجامع لأحكام القرآن 12: 45 - 46، والجامع لأحكام القرآن 12: 45 - 46، والمنهاج القويم: 458.
(5) المجموع 8: 414 - 418، والجامع لأحكام القرآن 12: 45 - 46.
(6) المجموع 8: 419، وبداية المجتهد 1: 366 - 367، والجامع لأحكام القرآن 12: 44، والمغني =

[ 447 ]

وقال أبو حنيفة: لا يأكل من الكل إلا من دم التمتع والقران (1) مثل ما قلناه. وأصل الخلاف أن دم التمتع عندنا وعند أبي حنيفة نسك، وعند الشافعي جبران. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " والبدن جعلناها لكم من شعائر الله - إلى قوله - فكلوا منها " (2) وهذا عام، فإذا ثبت جواز الأكل، ثبت أنه نسك، لأن أحدا لا يفرق. مسألة 349: إذا ضل الهدي الواجب في الذمة، فعليه إخراج بدله، وإن عاد الضال يستحب له إخراجه أيضا، ولا يجوز له بيعه إن شاء أولا، وإن شاء آخرا. وقال الشافعي مثل ذلك، إلا أنه قال: إن عاد الضال أخرجه أيضا (3). دليلنا: إن إيجاب ذلك يحتاج إلى دليل، والواجب عليه أحدهما بالاتفاق. مسألة 350: لا يجوز أن يتولى ذبح الهدي والأضحية أحد من الكفار، ولا اليهود، ولا المجوس، ولا النصارى. ووافقنا الشافعي في المجوس، وكره في اليهودي والنصراني وأجازه (4).

= لابن قدامة 3: 583، وأحكام القرآن لابن العربي 3: 1279، وعمدة القاري 10: 56، والشرح الكبير 3: 583. (1) اللباب 1: 217، والمجموع 8: 419، وأحكام القرآن لابن العربي 3: 1278، وبداية المجتهد 1: 367، والجامع لأحكام القرآن 12: 46، وعمدة القاري 10: 56، والفتح الرباني 13: 57، والبحر الزخار 3: 394.
(2) الحج: 36.
(3) المجموع 8: 379، والمغني لابن قدامة 3: 576، والشرح الكبير 3: 577.
(4) الأم 2: 217 و 240، والمجموع 8: 405 و 407، والوجيز 2: 212، وكفاية الأخيار 2: 140.

[ 448 ]

دليلنا: إن ذبيحة أهل الكتاب غير مباحة، ونحن ندل على ذلك في الذبائح، (1) فإذا ثبت ذلك فأحد لا يفرق. مسألة 351: إذا نذر هديا بعينه زال ملكه عنه، وانقطع تصرفه فيه، ولا يجوز له بيعه وإخراج بدله. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: له إخراج بدله (3). دليلنا: طريقة الاحتياط، ولأن البدل يحتاج إلى دليل. وروى سالم بن عبد الله (4) عن أبيه قال: أهدي عمر بن الخطاب نجيبا فأعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيبا، فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، فأبيعها واشتري بثمنها بدنا، فقال: " لا، انحرها " (5). مسألة 352: إذا جن بعد إحرامه، فقتل صيدا، أو حلق شعرا، أو وطأ ما يفسد الحج، لزمه الجزاء بقتل الصيد، وليس عليه فيما عداه شئ. وللشافعي في جميع ذلك قولان. أحدهما: عليه الضمان. والثاني: لا ضمان عليه (6). دليلنا: على أنه لا يلزمه فيما عدا الصيد: إن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل.

(1) يأتي في كتاب الصيد والذباحة مسألة " 23 ".
(2) الأم 2: 257، والمجموع 8: 467، والمغني لابن قدامة 3: 580، والفتح الرباني 13: 36.
(3) اللباب 1: 219، وتبيين الحقائق 2: 91، والمجموع 8: 368، والمغني لابن قدامة 3: 580.
(4) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، تقدمت ترجمته فلاحظ.
(5) سنن أبي داود 2: 146 حديث 1756.
(6) المجموع 7: 300 و 341، ومغني المحتاج 1: 521 و 522 و 524.

[ 449 ]

وقوله صلى الله عليه وآله: " رفع القلم عن ثلاثة: أحدهم المجنون حتى يفيق " (1). وأما الصيد، فما بيناه من أن حكم العمد والنسيان سواء يوجبه (2). مسألة 353 المستحب للمكي، والمتمتع، ولمن يحرم من دويرة أهله، إذا أراد الحج أن يحرم ويخرج إلى منى، ولا يقيم بعد إحرامه، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: المستحب أن يحرم ويقيم، فإذا أراد الخروج إلى منى خرج محرما (4). دليلنا: عمل الطائفة، وطريقة الاحتياط، لأن ما ذكرناه لا خلاف في جوازه. مسألة 354: إذا رمى حلال صيدا وقف وقوائمه في الحل ورأسه في الحرم من الحل، فأصاب رأسه فقتله، فعليه الجزاء. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: لا جزاء عليه (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 355: إذا حلب لبن صيد ضمنه. وبه قال الشافعي (7). وقال أبو حنيفة: إن نقص بالحلب ضمنه، وإلا لم يضمن (8).

(1) صحيح البخاري 7: 59، وسنن ابن ماجة 1: 658، وسنن الدارمي 2: 171، ومسند أحمد ابن حنبل 1: 118، وسنن النسائي 6: 156، والخصال للشيخ الصدوق: 94.
(2) انظر المسألة (258).
(3) الأم 2: 211، والمجموع 7: 181.
(4) المبسوط للسرخسي 4: 32.
(5) الوجيز 1: 129، والمجموع 7: 443، ومغني المحتاج 1: 525، وفتح العزيز 7: 509.
(6) المبسوط 4: 103، والفتاوى الهندية 1: 251، وبدائع الصنائع 2: 211، والبحر الزخار 3: 316.
(7) المجموع 7: 319 و 436، ومغني المحتاج 1: 525.
(8) اللباب 1: 219، وبدائع الصنائع 2: 203، وتبيين الحقائق 2: 66، والمجموع 7: 319.

[ 450 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 356: قال الشافعي: يكره أن يقال لمن لم يحج: " صرورة " لقوله عليه السلام: " لا صرورة في الاسلام " (1). ويكره أن يقال لحجة الوداع: حجة الوداع، لأن الوداع المفارقة والعزم على أن لا يعود (2). ويكره أن يقال للمحرم وصفر معا: صفران، بل يسمى كل واحد منهما باسمه (3). ويكره لمن طاف بالبيت أن يضع يده على فيه (4). ويكره أن يقال: شوط، ودور، بل يقال: طواف، وطوافان (5). ولا أعرف لأصحابنا نصا في كراهة شئ من هذه المسائل، بل ورد في أخبارهم لفظ صرورة، ولفظة شوط وأشواط، (6) والأولى أن تكون على أصل الإباحة، لأن الكراهة تحتاج إلى دليل. مسألة 357: قال الشافعي: يستحب لمن حج أن يشرب من نبيذ السقاية، الذي لم يشتد، ولم يتغير، لأن النبي صلى الله عليه وآله رخص لأهل سقاية العباس ترك المبيت بمنى من أجل السقاية، وإنه يشرب النبيذ (7). ولا أعرف لأصحابنا في هذا نصا، والأصل براءة الذمة.

(1) سنن البيهقي 5: 164، وسنن أبي داود 2: 141 حديث 1729، والمجموع 7: 119، ومسند أحمد بن حنبل 1: 312.
(2) المجموع 8: 281.
(3) سنن البيهقي 5: 164.
(4) المجموع 8: 46.
(5) الأم 4: 176، والمجموع 7: 119 و 8: 55.
(6) كثيرة منها في الكافي 4: 305 و 429 حديث 1 و 2 و 3 و 12 و 14، والفقيه 2: 248 حديث 1193 و 1194، والتهذيب 5: 87 و 134 و 135 حديث 290 و 441 وحديث 445، والاستبصار 2: 173 و 227 و 240 حديث 572 و 783 و 785 و 835.
(7) المجموع 8: 271، وسنن البيهقي 5: 147، ومغني المحتاج 1: 511.

[ 451 ]

مسألة 358: مكة أفضل من المدينة. وبه قال الشافعي، وأهل مكة، وأهل العلم أجمع (1) إلا مالكا فإنه قال: المدينة أفضل من مكة. وبه قال أهل المدينة (2). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم رووا أن صلاة في المسجد الحرام بعشرة آلاف صلاة (3)، وصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله بألف صلاة، فدل ذلك على أن مكة أفضل. وروي عن ابن عباس قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة التفت إليها فقال " أنت أحب البلاد إلى الله تعالى، وأنت أحب البلاد إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك لما خرجت " (4). وروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا

(1) المجموع 7: 469 - 470، والمحلى 7: 279، وفتح الملك المعبود 2: 237، وعمدة القاري 10: 235.
(2) فتح الملك المعبود 2: 237، والمجموع 7: 470 و 8: 476، وعمدة القاري 10: 235 والمحلى 7: 279.
(3) كذا في النسخ المعتمدة، وفي بعض النسخ المطبوعة عن بعض النسخ الخطية " ألف صلاة ". وعند ملاحظة المصادر الحديثية نجد أن أكثر الأحاديث تشير إلى أن الصلاة في المسجد الحرام تعدل بـ " مائة ألف صلاة " وفي بعضها تعدل " ألف صلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله " والذي تعدل الصلاة فيه ألف صلاة في غيره من المساجد. انظر الكافي 4: 526 حديث 5 و 6، والفقيه 1: 147 حديث 679، وما بعده، وثواب الأعمال: 50 حديث 1، والتهذيب 6: 31 حديث 58.
(4) روي ابن ماجة في سننه 2: 1037 بسنده عن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، واقف بالجزورة يقول: " والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، والله لولا أني أخرجت ما خرجت " ونحوه في سنن الدارمي 2: 239.

[ 452 ]

المسجد الحرام " (1). وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائتي صلاة في مسجدي " (2) وما يكون بهذا الوصف يكون أفضل. مسألة 359: يستحب لمن أراد الخروج من مكة أن يشتري بدرهم تمرا ويتصدق به (3). وما أعرف لأحد من الفقهاء ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 360: يكره للمحرم أن يلبي غيره إذا ناداه، ولم أجد لأحد من الفقهاء كراهية ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، وأخبارهم ذكرناها في الكتاب المقدم ذكره (4)

(1) مسند أحمد بن حنبل 4: 80، ورواه مسلم في صحيحه 2: 1012 حديث 505 و 506 و 508 و 509 عن ابن عمر وأبي هريرة وهكذا البيهقي في سننه 5: 246، وكذا الدارمي 1: 330، وأيضا ابن ماجة 1: 450 باب 195.
(2) سنن ابن ماجة 1: 450 حديث 1406 وفيه " مائة " عوض " مائتين ".
(3) قال الشيخ الصدوق قدس سره في الفقيه 2: 332 (باب دخول مكة): وابتع بدرهم تمرا وتصدق به ليكون كفارة لما دخل عليك في إحرامك مما لا تعلم.
(4) انظر: التهذيب 5: 386 حديث 1348، والكافي 4: 366 حديث 4، والفقيه 2: 211 حديث 964 و 965..

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية