الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الخلاف- الشيخ الطوسي ج 1

الخلاف

الشيخ الطوسي ج 1


[ 1 ]

الخلاف تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس سره 460 - 385 ه‍ الجزء الأول مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

الكتاب: الخلاف (الجزء الأول) المؤلف: شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي التحقيق: جماعة من المحققين الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة التاريخ: جمادى الآخرة 1407 ه‍

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. لا شك أن كتاب " الخلاف " هو من الكتب المعروفة المشهورة عند الإمامية لأن مؤلف هذا السفر العظيم هو شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رضوان الله عليه حيث إن مكانة الشيخ وثروته العلمية الغزيرة في غنى عن البيان، فمن لاحظ تاريخ الإمامية ومعاجمعهم وأمعن النظر في مؤلفات الشيخ علم أنه أكبر علماء الدين وشيخ كافة المجتهدين والقدوة لجميع المتضلعين، وأن الهدف من تأليف كتابه هذا كما يستفاد من مقدمته رحمه الله هو درج الخلاف في المسائل الفرعية بين الخاصة والعامة بنحو استدلالي جامع، وبيان النظرية الصائبة والرأي الصحيح الموافق للكتاب العزيز والسنة الشريفة عن طريق أهل بيت العصمة عليهم السلام. فمن هنا يعلم إن علماءنا رضوان الله تعالى عليهم لم يكونوا متعصبين بل هدفهم هو العثور على الرأي الصائب الذي يكون معاضدا بالكتاب والسنة، فمن الحري أن يتخذ هذا طريقا في البحث العلمي. وقبل سنين كانت المؤسسة في صدد طبع هذا الكتاب بصورة أنيقة وكاملة لكي يستفاد أكثر فأكثر من أفكار شيخ الطائفة. وقد أكد على هذا الأمر سماحة أية الله العظمى الشيخ المنتظري دام ظله الوارف. وقد اطلعت هذه المؤسسة أخيرا على تحقيق أنيق قام به جماعة من المحققين

[ 4 ]

وبإشراف حجة الاسلام والمسلمين الحاج الشيخ مجتبى العراقي أدام الله توفيقاتهم، وقد تحقق ما كان تستهدفه المؤسسة ولله الحمد، وبما أن المؤسسة رغبت أن تؤدي خدمة في هذا المجال قامت بطبع هذا الكتاب وبهذه الصورة، سائلة الله سبحانه أن يوفقها لنشر الكتب العلمية الاسلامية وتقديمها لرواد العلم والفضيلة إنه خير ناصر ومعين. مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 5 ]

تقديم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أوضح وجوه الشك بكشف النقاب عن وجه اليقين، وشيد أعلام الدين بكتابه المبين، وبين أحكام أصوله ومنهج شريعته بمحكم التبيين. والصلاة والسلام على خير خلقه، وأشرف بريته الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله الأطهار الأئمة المنتجبين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أعداء الله إلى قيام يوم الدين. قال الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: " كل شئ يعز إذا نزر، ما خلا العلم فإنه يعز إذا غزر ". ومن أجل العلوم شأنا، وأعظمها شرفا، وأعلاها قدرا، هو علم الفقه، فبالفقه يتعرف الانسان على أحكامه اليومية. فصنف علماء الاسلام في شتى العلوم، ومختلف الفنون، تصانيف عديدة وتآليف كثيرة... يتقدم الركب أعلام الإمامية بآثارهم الباهرة، واحتجاجاتهم القاهرة، وأدلتهم الساطعة الظاهرة. فغاصوا في أعماق وكنه تلك المعارف الإلهية الحقة، سائرين على نهج وخطى أئمتهم المعصومين الغر الميامين. لا يحيدون عنهم قيد أنملة... فمنهم من أطنب فأجاد، ومنهم من أوجز فأفاد، فلله درهم وعليه أجرهم.

[ 6 ]

وظهر - بذلك - على مسرح الأحداث أعلام اشير لهم بالبنان، فأهاب بهم التاريخ، وعنت لهم عروش الجبابرة، وطأطأ لهم طواغيت العصر. فأذعن لفضلهم وعلمهم القاصي والداني، فتلألأت أنوارهم الوهاجة، فأضاؤا ما حولهم، وامتازوا عن أقرانهم بمواهب خلاقة، وخصال حميدة، وسجايا طيبة رشيدة، فأسسوا بذلك مجدهم المؤثل، وآراءهم الخالدة، على مر الدهور وكر العصور (1). وممن نحا هذا المنحى، وسار على الطريقة المثلى، وشق طريقه المملوء بالأشواك والعراقيل لإرساء القواعد الصلدة، وبذر اللبنة الصالحة، هو: " شيخ الطائفة الحقة الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ". فالطوسي كما يعرفه كل من له أيسر إلمام بالثقافة الاسلامية، علم خفاق في عالم الفكر الاسلامي، وشخصية فريدة من نوعها في تاريخ الاسلام. فهو كالطود الشامخ في آثاره، واليم الخضم المتلاطم الأمواج في أفكاره وآرائه، وهو بحق قطب رحى الدين، وأحد أكبر دعائم الاسلام، عماد الشيعة، ورافع أعلام الشريعة. فالثقافة الاسلامية بكل فروعها مدينة لجهود هذا الرجل العظيم، الذي نذر حياته لخدمة الاسلام، وأدى إلى الفكر الاسلامي خدمة منقطعة النظير. ولادته: ولد الشيخ الطوسي في طوس خراسان، في شهر رمضان عام 385 هجرية،

(1) راجع كتابي الذريعة إلى تصانيف الشيعة، وطبقات أعلام الشيعة للبحاثة الكبير والمتتبع الشهير الشيخ آقا بزرك الطهراني، وأعيان الشيعة لآية الله السيد محسن الأمين العاملي، وتأسيس الشيعة لعلوم الاسلام لآية الله السيد حسن الصدر.

[ 7 ]

بعد وفاة الشيخ الصدوق أحد أكبر محدثي الشيعة بأربع سنين... فرضع من ثدي الإيمان الصادق، والولاية المخلصة الحقة، وتربى تربية سالمة من شوائب الادران، فجعلت منه أمة في وضعه وسيرته، أمة في أخلاقه وأفعاله، وبالتالي أمة عظمي في فكره وقلمه. فكان شعلة وهاجة لا تنطفئ في جولان من الخواطر، يبرمج ويخطط لمستقبله الزاهر الذي ينتظره. فدرس أولا في مدارس خراسان، وقطع بذلك أشواطا عالية من العلم والمعرفة، ولما لم يجد ما يطفي غليل ظمأه، شد الرحال إلى بغداد - عاصمة العلم آنذاك - في عام 408 هجرية بعد وفاة السيد الرضي بسنتين، للاغتراف من نمير علمائها، والارتشاف من مناهل غدرانها، وهو ابن ثلاثة وعشرين عاما، وذلك أبان زعامة ومرجعية شيخ الفرقة الحقة آنذاك (محمد بن محمد بن النعمان) المشتهر بالشيخ المفيد، عطر الله رمسه، ونور الله ضريحه. فلازم الشيخ المفيد ملازمة الظل للاستزادة من عبيق يمه الصافي، والغور في بحر علومه. كما وأدرك شيخه الحسين بن عبيد الله بن الغضائري المتوفى عام 411 هجرية. وتتلمذ على أبي الحسين، علي بن أحمد بن محمد بن أبي جيد القمي الذي يروي عنه النجاشي. وفي عام 413 هجرية التحق الشيخ المفيد بالرفيق الأعلى، وانتقلت زعامة الطائفة إلى السيد الشريف المرتضى، فانضوى الطوسي تحت لوائه، واهتم السيد به غاية الاهتمام، وبالغ في إجلاله وتقديره والترحيب به، وكان يدر عليه من المعاش في كل شهر اثني عشر دينارا، فلم يكد ليغيب يوما واحدا عن درس أستاذه الأعظم، همه الاستماع لآرائه وأفكاره، والتدقيق في معانيها ونقضها وإبرامها.

[ 8 ]

واستمرت الحال سنون متمادية حتى اختار الله للسيد المرتضى اللقاء به، لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة 436 هجرية. فاستقل الشيخ الطوسي بالظهور، وانثنت له وسادة المرجعية العليا للطائفة، وتفرد بالزعامة الكبرى، وأصبح وحيد العصر بلا منازع، فقصد إليه القاصدون يضربون آباط الإبل بعد أن سار ذكره في الآفاق سير المثل، وازدلفت إليه العلماء تستضئ بنوره المتألق وترتشف من معينه المتدفق، يشد إليه الرحال من كل حدب وصوب ليستمتعوا بغزير علومه على اختلاف مسالكهم ومذاهبهم، ويستزيدوا من سعة دائرة استبحاره في شتى العلوم، حتى بلغ عدد تلاميذه الذين اجتهدوا على يديه، وتلقوا منه رموز العلم وكنوز المعرفة، أكثر من ثلاثمائة مجتهد من الخاصة، فضلا عن العامة الذين لا يمكن حصرهم و عدهم، لما رأوا فيه من شخصية علمية وقادة ونبوغا موصوفا، وعبقرية ظاهرة في العلم والعمل، حتى إن خليفة الوقت القائم بأمر الله (عبد الله بن القادر بالله أحمد) أسند إليه كرسي الكلام والإفادة، ولم يكن هذا الكرسي ليمنح إلا للأوحدي من الناس في ذلك العصر، والمتفوق على الكل علما وعملا وكمالا. فلم يفتأ شيخ الطائفة على هذا المنوال اثنتي عشرة سنة مقصودا لحل المشكلات، وأداء المهمات، وقضاء الحاجات، حتى حدثت القلاقل والفتن والاضطرابات. وجد الشيخ الطوسي في إخمادها وإطفاء لهيبها، ولكن الحظ لم يحالفه، فاضطرمت نيرانها أكثر فأكثر. تلك الأحداث المؤلمة التي شنها (طغرل بك) أول ملوك السلجوقيين على الشيعة العزل من السلاح، عند دخوله بغداد عام 447 هجرية، فأمر بإحراق مكتبة شيخ الطائفة العامرة بأمهات الكتب الخطية الثمينة، والتي لا تقدر بثمن، تلك المكتبة التي بذل أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي

[ 9 ]

جهده العميم في إنشائها والاهتمام بها، في محلة بين السورين في الكرخ عام 381 هجرية على غرار بيت الحكمة التي بناها هارون الرشيد. يقول ياقوت الحموي في معجم بلدانه: " إن هذا الوزير قد جمع فيها أنفس الكتب والآثار القيمة... ونافت كتبها على عشرة آلاف مجلد، وهي بحق من أعظم المكتبات العالمية، وكان فيها مائة مصحف بخط ابن مقلة ". وقال ابن الجوزي في حوادث سنة 449 هجرية "... وفي صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي، متكلم الشيعة بالكرخ، وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ، وأضيف إليه ثلاث سناجيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق... ". ولكن المؤسف حقا أن نرى المعايير متزلزلة، والقيم متأطرة بأطر بالية... فالخطيب البغدادي المتوفى عام 463 هجرية مع كونه معاصرا للشيخ الطوسي المتوفى عام 460 هجرية... وبما إنه يكتب تأريخا عن بغداد وعن سير الأحداث التاريخية الهامة التي حدثت بها. يتجاهل ذكر الحوادث التي ألمت بالشيعة وشيخ طائفتها الشيخ الطوسي - ولو استطرادا عابرا - لا لشئ إلا لأمر كان يبطنه؟!. والعجب كل العجب من بعض الكتاب الذين جاءوا بعده وسودوا صفحات كتبهم بعبارات وتفاسير ومحاكمات تندى له جبين الانسانية، فما السر إذن في التحامل على مثل هذا المخلص في وظيفته، الذاب عن عقيدته، المدافع عن حقه ومذهبه. ولكن " الحق جديد وإن طالت به الأيام، والباطل مخذول وإن نصره أقوام " كما قاله صنو سيد الأنام، إمام الخاص والعام، أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام. * * *

[ 10 ]

هجرته: وفي خضم الأحداث المؤلمة آثر الشيخ الطوسي الهجرة إلى النجف الأشرف حيث مرقد سيد الأبطال أمير المؤمنين علي عليه السلام، ليبقى بعيدا عن المعمعات الطائفية، وليتفرغ للتأليف والتصنيف، يسامر القماطر والمحابر، ويكد في حصر آراء الأكابر وتقييد شواردهم. وأمه الفضلاء للاغتراف من معينه الذي لا ينضب، والتطلع على درايته الصائبة، وقريحته الثاقبة، وهمته العالية، فوضع بذلك اللبنة الأولى لأكبر جامعة علمية إسلامية في النجف الأشرف، وشيد أركانها، فأصبحت ربوع وادي الغري تشع بمظاهر الجلال والكمال، صانها الله من طوارق الحدثان. * * * مكانته العلمية: سرى ذكره يطوي المفاوز والحزوم عبر حقب الزمن. فلا تجد صقعا إلا وفيه عبقة فواحة من فضله، وألق من نبله. وإن اليراع لعاجز عن وصفه، والاطراء عليه، ومهما أراد الانسان الغور والغوص في عظمة هذه الشخصية الفذة، كلما ازداد تعجبا من مواطن عبقريته، ونبوغه الفكري الخلاق، راعى تلعات العلم والمعرفة وجمع أشتات الفنون، وكفاه مدحا أن يلقب (بشيخ الطائفة). يقول البحاثة الكبير والمتتبع الخبير الشيخ آقا بزرك الطهراني (قدس سره) في مقدمته على التبيان في تفسير القرآن: " مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة، وأجيال متعاقبة، ولم يكن من الهين على أحد منهم أن يعدوا نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى، وكانوا يعدون أحاديثه أصلا مسلما ويكتفون بها، ويعدون التأليف في قبالها وإصدار الفتوى

[ 11 ]

مع وجودها تجاسرا على الشيخ وإهانة له، واستمرت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن إدريس، فكان أعلى الله مقامه الشريف يسميهم بالمقلدة، وهو أول من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه، وفتح باب الرد على نظرياته، ومع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى إن المحقق وابن أخته العلامة الحلي ومن عاصرهما بقوا لا يعدون رأي شيخ الطائفة ". وقال العلامة في خلاصته: " شيخ الإمامية ووجههم ورئيس الطائفة جليل القدر عظيم المنزلة، ثقة عين صدوق، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب، وجميع الفضائل تنسب إليه، صنف في كل فنون الاسلام وهو المهذب للعقائد في الأصول والفروع، الجامع لكمالات النفس في العلم والعمل ". ونعته السيد بحر العلوم في فوائده الرجالية بقوله: " شيخ الطائفة المحقة، ورافع أعلام الشريعة الحقة، إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين عليهم السلام، وعماد الشيعة الإمامية في كل ما يتعلق بالمذهب والدين، محقق الأصول والفروع، ومهذب فنون المعقول والمسموع، شيخ الطائفة على الإطلاق، ورئيسها الذي تلوى إليه الأعناق، صنف في جميع علوم الاسلام، وكان القدوة في ذلك والإمام... ". تهافت لا يغتفر: بعد أن أقر بفضله الخصوم، وسلموا له في كل العلوم فرأوه مكينا في المعارف الإلهية، ضليعا في الفنون الاسلامية، فاشتبه الأمر على السبكي وغيره فوقعوا في تهافت فظيع، وغلط فاحش من نسبة الإمام الطوسي إلى الشافعية. يقول تاج الدين تقي الدين السبكي في الجزء الثالث من طبقات الشافعية

[ 12 ]

الكبرى / 51: " (محمد بن الحسن بن علي) أبو جعفر الطوسي، فقيه الشيعة ومصنفهم كان ينتمي إلى مذهب الشافعي، له تفسير القرآن وأملى أحاديث وحكايات تشتمل على مجلدين، قدم بغداد وتفقه على مذهب الشافعي، وقرأ الأصول والكلام على أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالمفيد، فقيه الإمامية، وحدث عن هلال الحفار، روى عنه ابنه أبو علي الحسن، وقد أحرقت كتبه عدة نوب بمحضر من الناس، توفي بالكوفة سنه ستين وأربعمائة " إنتهى كلام السبكي. نعم إن الشيخ الطوسي تفقه على مذهب الشافعي، وبقية المذاهب الأخرى كالحنفية، والمالكية، والحنابلة، والظاهرية وغيرها. وتضلع بها وكتب عنها الكثير - والكتاب الماثل بين يديك هو أنموذج حي ودليل ناصع على تبحره واضطلاعه بخرائد مسائل الجماعة وفرائد أصولهم -. ولكن ذلك لا يعني إنه قد انتمى إلى أحد تلك المذاهب، علما بأن التاريخ لم يذكر بأن الطوسي كان شافعيا، أو أنه قد انتحل إحدى المذاهب الأخرى. يقول ابن كثير في كتابه البداية والنهاية، في أوضاع سنة 460 هجرية / 97 من المجلد 12: " أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، فقيه الشيعة ودفن في مشهد علي، وكان مجاورا به حين أحرقت داره بالكرخ وكتبه، سنة ثمان وأربعين إلى محرم هذه السنة فتوفي ودفن هناك ". وقال ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ 10: 58 " توفي أبو جعفر الطوسي، فقيه الإمامية بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ". كتبه ومؤلفاته: امتاز الشيخ الطوسي (قدس سره) بكثرة التآليف القيمة، والتصانيف

[ 13 ]

الجيدة، الغنية عن كل إطراء وثناء، فبزغت أسفاره في المشارق والمغارب طلوع النجم في الغياهب. وهو من أكثر أعلام الفكر الاسلامي أثرا، وأجودهم إنتاجا، ولا زالت آثاره التي دبجها يراعه غرة ناصعة في جبين الدهر وناصية الزمن. ومن مميزاته إنه صنف في كل فروع الثقافة الاسلامية تصانيف عديدة، أصحبت المصدر والمرجع المؤول عليه عند الباحثين والمحققين. وحسبه عظمة وفخرا أن تكون كتبه محور كل الأبحاث والدراسات الفقهية منها والأصولية والرجالية والحديثية. وهي العمدة في كل باب. ولم يتوخ من كل ذلك إلا الخدمة الصادقة لآل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. مبتعدا عن الشهوات واللذائذ الدنيوية. هذا وقد كان الشيخ الطوسي يستقي معارفه من مكتبتين ضخيمتين: الأولى: مكتبة سابور في الكرخ - السالف الذكر - والتي أصبحت طعمة الحريق بأمر طغرل بك، والتي كانت حاوية لأمهات الكتب الأصول بخطوط المؤلفين. والمكتبة الثانية، مكتبة أستاذه السيد المرتضى، وكانت تحوي على أكثر من ثمانين ألف كتاب. نعم لقد سبر الشيخ الطوسي أغوار هذه الكتب القيمة وغربلها، وغاص في أعماقها، واقتنى دررها، وترك الزائد منها. وبذلك ألف كتبه المعول عليها في الأبحاث العلمية. وأهم تلك الآثار هي:
1 - الأبواب المعروف ب‍ (رجال الشيخ الطوسي: سمي بالأبواب لأنه مرتب على أبواب بعدد رجال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام. وهو أحد الأصول الرجالية الخمسة المعول عليها عند أعلام الطائفة.

[ 14 ]

2 - اختيار معرفة الناقلين: لأبي عمرو، محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، المعاصر لابن قولويه، المتوفى سنة 369 هجرية. والنسخة المتداولة المعروفة برجال الكشي هي عين اختيار شيخ الطائفة، وليس للأصل أثر يذكر.
3 - الاستبصار، وهو أحد الكتب الأربعة المعول عليها في استنباط الأحكام الشرعية عند فقهاء الطائفة، وأحاديثها 5511 حديثا، وقال: " حصرتها لئلا يقع فيها زيادة أو نقصان " طبع عدة مرات، وله شروح طويلة ومفصلة وكثيرة ليس في وسعنا ذكرها. راجع الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
4 - أصول العقائد.
5 - الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد. طبع عدة مرات.
6 - أنس الوحيد.
7 - الايجاز في الفرائض.
8 - التبيان في تفسير القرآن، فهو تفسير نفيس قيم، وصفه الشيخ بقوله: (لم يعمل مثله). وقال إمام المفسرين الشيخ الطبرسي في مقدمة كتابه الجليل (مجمع البيان في تفسير القرآن): إنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق، ويلوح عليه رواء الصدق، قد تضمن من المعاني الأسرار البديعة، واحتضن من الألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها، ولا بتنميقها دون تحقيقها، وهو القدوة أستضئ بأنواره، وأطأ مواقع آثاره.
9 - تلخيص كتاب الشافي في الإمامة: لعلم الهدى السيد المرتضى.
10 - تمهيد الأصول: شرح لكتاب (جمل العلم والعمل) لاستاذه السيد المرتضى. 11 - تهذيب الأحكام: وهو نظير الاستبصار، وأحد الكتب الأربعة المعول

[ 15 ]

عليها، الحافلة بأدلة الأحكام من السنة الشريفة، استخرجها شيخ الطائفة من الأصول المعتمدة للقدماء، وهو شرح على كتاب المقنعة لاستاذه الشيخ المفيد المتوفى عام 413 هجرية. وأحصيت أحاديثه في 13590 حديثا، وللتهذيب تذييلات عديدة، وشروح كثيرة، وحواشي أكثر.
12 - الجمل والعقود في العبادات: ألف بطلب من ابن البراج الطرابلسي.
13 - رياضة العقول: شرح (مقدمة في المدخل إلى علم الكلام).
14 - شرح الشرح في الأصول.
15 - العدة في الأصول: ألفه في حياة أستاذه السيد المرتضى وقسمه إلى قسمين، قسم في الأصول الاعتقادية، والثانية في أصول الفقه.
16 - الغيبة: في غيبة الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه.
17 - الفهرست: وهو من أهم الكتب الرجالية المعتمد عليها عند أعلام الإمامية. طبع لأول مرة قبل عقود عديدة في الهند بتصحيح (ألويس اسپرنگر ومولوي عبد الحق ومولوي غلام قادر).
18 - ما لا يسع المكلف الاخلال به في علم الكلام.
19 - ما يعلل وما لا يعلل في علم الكلام.
20 - المبسوط في الفقه: وهو من أجل الكتب المدونة في هذا الباب، وفيه آخر آراءه العلمية.
21 - مختصر أخبار المختار بن أبي عبيدة الثقفي.
22 - مختصر المصباح في الأدعية والعبادات.
23 - مختصر في عمل يوم وليلة في العبادات.
24 - مسألة في الأحوال.
25 - مسألة في العمل بخبر الواحد وبيان حجيته.
26 - مسألة في وجوب الجزية على اليهود والمنتمين إلى الجبابرة.

[ 16 ]

27 - مسألة في تحريم الفقاع. 28 - مسائل ابن البراج. 29 - الفرق بين النبي والإمام. 30 - المسائل الإلياسية: وهي مائة مسألة في فنون مختلفة. 31 - المسائل الجنبلائية في الفقه. 32 - المسائل الحائرية في الفقه. 33 - المسائل الحلبية في الفقه. 34 - المسائل الدمشقية في تفسير القرآن: وهي اثنتي عشرة مسألة. 35 - المسائل الرازية في الوعيد: وهي خمس عشرة مسألة. 36 - المسائل الرجبية في تفسير آي من القرآن. 37 - المسائل القمية. 38 - مصباح المتهجد في أعمال السنة، وهو من أجل الكتب المؤلفة في الأعمال والأدعية. 39 - المفصح في الإمامة: وهو من آثار العامة. 40 - مقتل الحسين عليه السلام. 41 - مقدمة في المدخل إلى علم الكلام. 42 - مناسك الحج في مجرد العمل. 43 - النقض على ابن شاذان في مسألة الغار. 44 - النهاية في مجرد الفقه والفتاوى: وهو من أعظم الآثار، وأجل الكتب في الفقه، وكان هذا الكتاب بين الفقهاء من لدن عصر مصنفه إلى عصر المحقق الحلي مورد البحث والتدريس في الجامعات العلمية. 45 - هداية المسترشد وبصيرة المتعبد في الأدعية والعبادات. 46 - مسائل الخلاف في الأحكام - وهو الكتاب الذي بين يديك - وهو كتاب

[ 17 ]

فقهي مقارن بين المذاهب الاسلامية عني بذكر المسائل الفقهية مع النظر بعين الاعتبار لموارد الاختلاف من أصحاب الحديث والرأي من فقهاء العامة. وقد ذكر البحاثة المتتبع آية الله الشيخ آقا بزرك الطهراني عن وجود عدة نسخ خطية له. ومن أهم تلك النسخ، النسخة الموجودة في مكتبة (الشيخ هادي كاشف الغطاء) و (مكتبة الشيخ محمد السماوي) و (مكتبة الشيخ مشكور الحولاوي) و (مكتبة الحسينية الشوشترية) و (مكتبة السيد حسن الصدر في الكاظمية) والأخيرة من أقدم النسخ التي رآها الشيخ الطهراني حيث كتب على ظهر الصفحة الأخيرة منها إجازة تاريخها 668 هجرية، ونسخة في (الخزانة الرضوية بخراسان) ونسخة في (مكتبة الحجة السيد ميرزا باقر القاضي بتبريز). هذا وإن للكتاب نسخ أخرى موجودة في أكثر المكتبات العامة هنا وهناك منها: النسخة الموجودة في (مكتبة آية الله المرعشي العامة بقم) والنسخة الموجودة في (مكتبة المدرسة الفيضية العامرة بقم) والنسخة الموجودة في (مكتبة مجلس الشورى الاسلامي بطهران). * * * وفي إطار إحدى اللقاءات المتكررة بسماحة العلامة الفقيه آية الله العظمى الشيخ حسين علي المنتظري - دام ظله - جرى الحديث عن الوحدة الاسلامية وسبل تطويرها وتنميتها وتقريب وجهات النظر المختلفة حولها. فأبدى - دام ظله - اهتمامه الجاد والمتزايد لنشر التراث الاسلامي الذي يمكنه أن يؤدي دورا ملحوظا وهاما لرفع الحواجز المصنوعة. وبما إن كتاب الخلاف للشيخ الطوسي خير كتاب يرسم الخطوط الأصلية لآراء علماء الخاصة والعامة، فلذا طلب سماحته في السعي بطبعه بحلة قشيبة وتحقيق جيد، وتشجيع المحققين، والأخذ بيدهم، ورفع الصعاب من أمامهم.

[ 18 ]

هذا وإني إذ أبارك للأخوة حجج الاسلام الشيخ محمد مهدي نجف سبط فقيه عصره المرحوم آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره والسيد جواد نجل العلامة السيد عبد الرضا الشهرستاني والسيد علي نجل العلامة السيد إبراهيم الخراساني الكاظمي دامت بركات أيامهم آمين - بفضل الله وقوته - من إخراج هذا الكتاب بحلته الأنيقة المزينة بهوامش وتحقيقات جيدة غنية عن كل اطراء وثناء. علما بأن هذا الكتاب الخالد قد طبع وبسعي المؤمنين عدة طبعات إلا أنها مع الأسف خالية من التصحيح فضلا عن التحقيق. * * * مشايخه وأساتذته: للشيخ الطوسي أساتذة كثيرون، ومشائخ كبار، نذكر أهمهم حسب استقصاء المحدث النوري في مستدركه على الوسائل المجلد الثالث: 509.
1 - الشيخ محمد بن محمد بن النعمان، المشتهر بالشيخ المفيد المتوفى عام 413 هجرية.
2 - الشيخ حسين بن عبيد الله بن الغضائري، المتوفى عام 411 هجرية.
3 - أبو عبد الله، أحمد بن عبد الواحد البزاز، المعروف بابن عبدون وبابن الحاشر. المتوفى عام 423 هجرية.
4 - أبو الحسين، علي بن أحمد، المعروف بابن أبي جيد القمي المتوفى عام 408 هجرية.
5 - أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت الأهوازي، وهو طريقه إلى ابن عقدة.
6 - أبو القاسم علي بن شبل بن أسد الوكيل، أشار إليه في ترجمة إبراهيم بن

[ 19 ]

إسحق الأحمري في الأمالي: " قرأ علي وأنا أسمع في منزله ببغداد في الربض بباب محول في سنة عشر وأربعمائة ". والمتوفى بعد سنة 410 هجرية.
7 - السيد الشريف علم الهدى، أبو القاسم، علي بن الحسين بن موسى ابن محمد بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، المتوفى عام 436 هجرية.
8 - الشريف أبو محمد الحسن بن القاسم المحمدي، أشار إليه في ترجمة إسماعيل بن علي الخزاعي، ومحمد بن أحمد الصفواني، ومحمد بن علي بن المفضل. والمتوفى بعد سنة 408 هجرية.
9 - أحمد بن إبراهيم القزويني المتوفى بعد عام 408 هجرية.
10 - أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم القزويني.
11 - جعفر بن الحسين بن حسكة القمي المتوفى عام 408 هجرية.
12 - أبو زكريا محمد بن سليمان الحراني، أو (الحمداني) من أهل طوس.
13 - الشيخ أبو طالب بن عزور.
14 - السيد أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار، المولود سنة 322 هجرية والمتوفى 414 هجرية.
15 - أبو عمرو، عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي، المتوفى بعد سنة 410 هجرية، وهو الواسطة بين الشيخ وابن عقدة.
16 - الشيخ أبو محمد، الحسن بن محمد بن يحيى بن داود الفحام، المعروف بابن الفحام السر من رائي - السامرائي - المتوفى بعد سنة 408 هجرية.
17 - الحسين بن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري، المتوفى بعد سنة 408 هجرية وهو طريق الشيخ إلى أخبار أبي قتادة القمي.
18 - محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ المتوفى بعد سنة 411 هجرية.
19 - أبو منصور السكري يروي عن جده علي بن عمر.

[ 20 ]

20 - محمد بن علي بن خشيش - بالخاء المعجمة المضمومة والشين المفتوحة المعجمة والياء الساكنة المنقطة تحتها نقطتين والشين المعجمة أخيرا - بن نضر ابن جعفر بن إبراهيم التميمي، المتوفى بعد سنة 408 هجرية.
21 - أبو الحسن، علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقرئ، المعروف بابن الحمامي المقرئ، المتوفى بعد سنة 408 هجرية.
22 - أبو الحسن، محمد بن محمد بن محمد بن مخلد المتوفى بعد سنة 417 هجرية.
23 - أبو الحسين، علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعروف بابن بشران المعدل والمتوفى بعد سنة 411 هجرية.
24 - أبو عبد الله محمد بن علي بن حموي البصري المتوفى بعد سنة 413 هجرية.
25 - أبو الحسن بن سوار المغربي، عده العلامة الحلي في الإجازة الكبيرة من مشائخه من العامة.
26 - محمد بن سنان. عده العلامة في الإجازة الكبيرة من مشائخه من العلامة. 27 - أبو علي بن شاذان المتكلم. عده العلامة في الإجازة كسابقيه. 28 - أبو الحسين حسنبش المقرئ، المتوفى بعد سنة 408 هجرية. 29 - القاضي أبو القاسم علي التنوخي بن القاضي أبي علي المحسن بن القاضي أبي القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم داود بن إبراهيم بن تميم القحطاني، من تلامذته السيد المرتضى. قال السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض: الأكثر إنه من الإمامية، ولكن العلامة الحلي عده في الإجازة الكبيرة من العامة. 30 - القاضي أبو الطيب الطبري الحويري، المتوفى بعد سنة 408 هجرية.

[ 21 ]

31 - أبو علي، الحسن بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن أشناس المعروف بابن الحمامي البزاز، وهو غير ابن الحمامي السالف الذكر. المتوفى عام 439 هجرية. 32 - أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم بن علي القمي المعروف بابن الخياط. 33 - أبو عبد الله بن الفارسي. 34 - أبو الحسين الصفار. 35 - أبو الحسين وأبو العباس أحمد بن علي النجاشي، صاحب (كتاب الرجال) المعروف والمتوفى عام 450 هجرية. 36 - أبو محمد عبد الحميد بن محمد المقرئ النيسابوري. 37 - أبو عبد الله أخو سروة، وكان يروي عن ابن قولويه. * * * تلامذته: يربو عدد تلاميذ الشيخ الطوسي على المئات من الخاصة فضلا عن العامة، وإنا نذكر المشاهير منهم كما ذكره العلامة السيد محمد باقر الخوانساري في روضاته 6: 228.
1 - الثقة العين، أبو علي، الحسن بن الشيخ الطوسي.
2 - أبو إبراهيم، إسماعيل بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسين بن بابويه القمي.
3 - أبو طالب، إسحاق بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسين بن بابويه القمي.
4 - الشيخ العدل الثقة، آدم بن يونس بن المهاجر النسفي.
5 - الشيخ الفقيه الدين، أبو الخير، بركة بن محمد بن بركة الأسدي.

[ 22 ]

6 - الشيخ العلم العين المشهور، أبو الصلاح الحلبي.
7 - السيد الثقة المحدث، أبو إبراهيم، جعفر بن علي بن جعفر الحسيني.
8 - شيخ الاسلام، الحسن بن بابويه القمي.
9 - الفقيه الثقة الوجيه الكبير محي الدين، أبو عبد الله، الحسن بن المظفر الهمداني.
10 - الشيخ الثقة الفقيه، أبو محمد، الحسن بن عبد العزيز الجبهاني.
11 - الفقيه الثقة الإمام موفق الدين.
12 - الفقيه الثقة، الحسين بن الفتح الواعظ الجرجاني.
13 - السيد الفقيه، أبو محمد زيد بن علي بن الحسين الحسيني.
14 - السيد أبو الصمصام، ذو الفقار بن معبد الحسيني.
15 - الشيخ سلمان بن الحسن بن سلمان الصهرشتي.
16 - الشيخ الفقيه الثقة، صاعد بن ربيعان. 17 - الشيخ الفقيه، أبو الصلت، محمد بن عبد القادر.
18 - الشيخ الفقيه المشهور، سعد الدين ابن البراج.
19 - الشيخ المفيد المقدم، عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري.
20 - والمفيد الآخر، عبد الجبار بن علي المقري الرازي.
21 - الشيخ علي بن عبد الصمد التميمي السبزواري.
22 - الشيخ عبيد الله بن الحسن بابويه القمي.
23 - الأمير الفاضل الزاهد الورع غازي بن أحمد بن أبي منصور الساماني.
24 - الشيخ الثقة الفقيه، كردي بن عكبري بن كردي الفارسي.
25 - السيد المرتضى، أبو الحسن، المطهر ابن أبي القاسم الديباجي.
26 - الشيخ الثقة الفقيه، أبو عبد الله، محمد بن هبة الله الوراق. 27 - الشيخ أبو جعفر، محمد بن علي بن محسن الحلبي.

[ 23 ]

28 - الشيخ أبو سعيد، منصور بن الحسين الآبي. 29 - الشيخ الإمام جمال الدين محمد بن أبي القاسم الطبري. 30 - السيد الفقيه المحدث الثقة، ناصر الدين الرضي بن محمد الحسيني. 31 - محمد بن الحسن بن علي الفتال. * * * وفاته ومدفنه: واستمرت السنون المتطاولة، والشيخ الطوسي منهمك بالتأليف والتصنيف، مكب على البحث والتدريس منشغل بالقضاء والافتاء. حتى وافاه الأجل المحتوم في ليلة الاثنين الثاني والعشرين من محرم الحرام سنة 460 هجرية عن عمر يناهز الخامسة والسبعين عاما. وتولى غسله ودفنه تلميذه الشيخ الحسن بن مهدي السليقي. والشيخ أبو محمد الحسن بن عبد الواحد العين زربي، والشيخ أبو الحسن اللؤلؤي. ودفن في داره التي كان يقطنها بوصية منه، وهي الآن من أشهر مساجد النجف الأشرف. وكانت محط بحث وإفادة العلماء العظام والمراجع الكرام منهم الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، والشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني، والشيخ المجاهد شيخ الشريعة الاصفهاني، والشيخ آقا ضياء الدين العراقي، والسيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس الله أسرارهم. تراب أقدام أهل العلم والعمل مجتبى المحمدي العراقي عفي عنه

[ 24 ]

كلمة المحققين بسم الله الرحمن الرحيم إن الخلاف والفقه المقارن من العلوم الجليلة، العظيمة الشأن، الكثيرة الفائدة، التي أتعب العلماء السابقون أنفسهم الزاكية في إروائها وتنقيحها والكتابة فيها، إلى أن انتهى المطاف - بها أخيرا - ولظروف قاسية قاهرة في زوايا الخمول والنسيان. فالكتابة فيها أمر شاق وعسير، ولكنه ذو فوائد جمة في تطوير الدراسات الاسلامية والأبحاث العلمية، والاستفادة من التلاقح الفكري في أوسع النطاقات والأفق، والقضاء على النزعات الطائفية، وإبعادها عن مجالات البحث العلمي، والحد من تأثير العوامل المساعدة على التفرقة والتشتت، بتقارب وجهات النظر المختلفة، واطلاع أصحاب هذا المذهب على آراء المذهب الآخر. فالخلافي المطلع على اسلوب البحث المنهجي البعيد عن التعصب الأعمى، المجرد ذهنه من الشوائب يمكنه التغلب على عواطفه، والتحكم بآرائه، والظهور على المسرح بأفكار صائبة ثاقبة. فالفقه المقارن: هو جمع آراء المجتهدين في شتى المسائل الفقهية على صعيد واحد من دون إجراء موازنة بينها. وأما الخلاف: فهو جمع الآراء الفقهية المختلفة وتقييمها والموازنة بينها

[ 25 ]

بالتماس أدلتها وترجيح بعضها على بعض (1). أو إنه " علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية، ودفع الشبه وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية " (2). فالخلافي هدفه جمع آراء الفقهاء، وإقامة الأدلة والبراهين والحجج الساطعة التي تؤيد مذهبه، وتقوي رأيه الذي اعتمد عليه. يقول ابن خلدون في مقدمته: " وأما الخلافات: فاعلم إن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم خلافا لا بد من وقوعه لما قدمناه، واتسع ذلك في الملة اتساعا عظيما وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا منهم، ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار، وكانوا بمكان من حسن الظن بهم، اقتصر الناس على تقليدهم ومنعوا من تقليد سواهم لذهاب الاجتهاد لصعوبته وتشعب العلوم التي هي مواده باتصال الزمان، وافتقاد من يقوم على سوى هذه المذاهب الأربعة، فأقيمت هذه المذاهب الأربعة أصول الملة، وأجري الخلاف بين المتمسكين بها والآخذين بأحكامها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية والأصول الفقهية، وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه، تجري على أصول صحيحة وطرائق قويمة يحتج بها كل على مذهبه الذي قلده وتمسك به. وأجريت في مسائل الشريعة كلها، وفي كل باب من أبواب الفقه، فتارة يكون الخلاف بين الشافعي ومالك، وأبو حنيفة يوافق أحدهما وتارة بين مالك وأبي حنفية، والشافعي يوافق أحدهما. وتارة بين الشافعي وأبي حنيفة، ومالك يوافق أحدهما. وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة ومثارات اختلافهم

(1) الأصول العامة للفقه المقارن: 13.
(2) كشف الظنون 1: 721 مادة (علم الخلاف).

[ 26 ]

ومواقع اجتهادهم، وكان هذا الصنف من العلم يسمى " بالخلافيات " ولا بد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته، وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم ومران المطالعين له على الاستدلال عليه. وتآليف الحنفية والشافعية فيه أكثر من تآليف المالكية، لأن القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع مذهبهم كما عرفت، فهم لذلك آهل النظر والبحث. وأما المالكية فالأثر أكثر معتمدهم وليسوا بأهل نظر، وأيضا فأكثرهم أهل الغرب وهم بادية غفل من الصنائع إلا في الأقل، وللغزالي، فيه كتاب المآخذ، ولأبي زيد الدبوسي كتاب التعليقة، ولابن القصار من شيوخ المالكية عيون الأدلة، وقد جمع الساعاتي في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبني عليها من الفقه الخلافي مدرجا في كل مسألة ما ينبني عليها من الخلافيات " إنتهى (1). وهناك كتب خلافية مهمة لم يتعرض لها ابن خلدون نذكر قسما منها وهي: خلافيات الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفي عام 458 هجرية، جمع فيه المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة، واختلاف الفقهاء للطحاوي، والتخليص لأبي بكر بن العربي، واختلاف الفقهاء للطبري. والخلاف للشيخ الطوسي - الكتاب الماثل بين يديك - حيث إنه جمع المسائل الخلافية بين السنة والشيعة. * * *

(1) مقدمة ابن خلدون: 456 - 457.

[ 27 ]

البواعث الدواعي لتأليف الخلاف: لقد توخى المصنف - رحمه الله - عند تصنيفه لهذا السفر القيم طرح آراء فقهاء العامة والخاصة على طاولة البحث والمناظرة، ومن ثم ذكر الدليل الذي يؤيد مدعاه ويفند آراء الآخرين بأسلوب جيد ومناقشة هادفة. وحري بنا أن نلم إلمامة عجلى بأسباب الخلاف الجوهري الحاصل بين أعلام الطائفتين. فالشيعة الإمامية يستقون معارفهم الاسلامية عن طريق أئمتهم المعصومين الغر الميامين، لما ورد عن الرسول الأعظم - الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى - بأن نأتمر بأوامر كتابه وننتهي بنواهيه، ونهتدي بهدى عترته، ونقتدي بسيرتهم، للمأثور عنه صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (1). وفي سنن الترمذي بإسناده عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله: " يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ". وفيه أيضا عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (2).

(1) مسند أحمد بن حنبل 3: 14، 17.
(2) سنن الترمذي 5: 662.

[ 28 ]

وفي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أما بعد: ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي " (1). فجعل الرسول الأعظم العترة عدلا للكتاب الجليل في وجوب التمسك بهم والانصياع لأوامرهم والتأسي بأقوالهم وأفعالهم، وإنهما متلازمان في الحجية والاعتبار إلى يوم القيامة لقوله صلى الله عليه وآله " حتى يردا علي الحوض " وأي عذر لمن ترك أقوالهم وفتاواهم المأثورة. اللهم وفقنا للتمسك بهم، والاهتداء بهديهم. وروى القندوزي الحنفي عن عمر بن الخطاب إنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما عقد المؤاخاة بين أصحابه قال: " هذا علي أخي في الدنيا والآخرة، وخليفتي في أهلي، ووصيي في أمتي ووارث علمي وقاضي ديني، ماله مني مالي منه، نفعه نفعي، وضره ضري، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني " (2).

(1) صحيح مسلم 4: 1873. وسنن الدارمي 2: 432، وانظر مستدرك الحاكم 3: 109، والجامع الصغير 1: 402، وينابيع المودة: 286. هذا ورويت بأسانيد أخر، ففي صحيح الترمذي عن سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي المعروف بالأعمش، وفي معجم الطبراني عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي المسعودي، وفي مسند أحمد بن حنبل عن عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة العرزمي وشريك بن عبد الله القاضي وزيد بن ثابت، وفي فرائد السمطين عن محمد بن طلحة اليامي الكوفي، وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم وخصائص النسائي عن أبي عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز، وغيرها مما لا يسعنا حصرها.
(2) ينابيع المودة: 299.

[ 29 ]

وقال أبو ليلى الغفاري مرفوعا: " ستكون من بعدي فتنة فإذا كان ذلك فألزموا عليا فإنه الفاروق بين الحق والباطل ". فلذلك اقتدت الشيعة بعلي عليه السلام وتمسكت بآله المعصومين، وركبت السفينة التي من دخل فيها نجا، ومن تخلف عنها هلك وهوى. وأما أبناء السنة والجماعة فإنهم يسيرون على نهج الخلفاء، ويهتدون بهديهم ويقتفون آثارهم ويعتمدون على أحاديث كل الصحابة والتابعين. وهناك عوامل جانبية أخرى أدت إلى انفصام عرى الأخوة وتوسيع رقعة الخلاف أكثر فأكثر منها: 1 - إن منع الخلفاء من تدوين حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله كان له الأثر الحساس والهام في إيجاد شقة الخلاف بين الطائفتين. يقول ابن سعد في طبقاته " إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه أمر بتحريقها (1). واستمر الحال حتى رأس المائة الهجرية في عهد عمر بن عبد العزيز الذي أمر بتدوين الحديث، وكان بذلك ابن شهاب أول من دون الحديث ثم كثر التدوين والتصنيف بعده. هذا وقد روى الذهبي في تذكرة الحفاظ " إن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه " (2).

(1) طبقات ابن سعد 5: 188 (في ترجمة القاسم بن محمد بن أبي بكر).
(2) تذكرة الحفاظ 1: 2 - 3.

[ 30 ]

ووقف أمام هذا التيار جمع من الصحابة كأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي والمقداد اقتداءا بإمامهم وسيدهم ومولاهم علي بن أبي طالب عليه السلام، وعارضوا الفكرة معارضة شديدة، وأكدوا بأن للكتاب عدل وهو العترة (1) وكان الأمر أن أبعدت السلطة الحاكمة آنذاك أبا ذر من بلد إلى بلد حتى لقي حتفه طريدا فريدا بالربذة سنة 31 هجرية. ولهذا السبيل قتل وصلب ميثم التمار، ورشيد الهجري وغيرهم في زمان معاوية وبأمر منه. فخنق الجائرون من الحكام صوت المعارضة الاسلامية من الصحابة والتابعين الأجلاء وقضت عليهم قضاء وقتيا، وفتحت الأبواب على مصراعيها لبعض اليهود المتزمتين، والذين يحملون بغضا دفينا للاسلام والمسلمين. فتمكن كعب بن ماتع اليهودي الملقب بكعب الأحبار، وتميم الداري الراهب النصراني في رواية أحاديث كثيرة باسم الاسلام، فروى عنهما بعض مشاهير الصحابة كأنس بن مالك وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير ومعاوية وعبد الله بن عباس ونظرائهم من الصحابة والتابعين " (2). وكان ذلك أن تأثر البعض من السياسيين - المخضرمين - في أيام الأمويين والعباسيين بثقافة أهل الكتاب وتطبعوا بطابعهم في خلق الأحاديث والروايات، وجعل قصص غريبة على لسان النبي الأمي والصحابة.
2 - لقد كان لباعة الضمير والوجدان القدح المعلى في تشويه الحقائق، فلأجل اكتساب المزيد من الدراهم والدنانير نراه يختلق أحاديث ينسبها تارة للنبي صلى الله عليه وآله وأخرى لأحد الصحابة وثالثة لنفسه وهو كل يوم في شأن.

(1) تقدم في صفحة 26 و 27.
(2) تهذيب التهذيب 1: 511 و 8: 438، والجرح والتعديل 7: 161.

[ 31 ]

يقول ابن تيمية في منهاجه: " وطائفة وضعوا لمعاوية فضائل، ورووا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك كلها كذب " (1). والمهدي العباسي المغرم بلعب الحمام لا يتورع عن دفع عشرة آلاف درهم إلى من يصحح له لعبته بالتماس دليل من السنة يضعه له رجل فقيه. فيأتيه غياث بن إبراهيم - وهو من فقهاء عصره - ليدخل عليه وليروي له (لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح) فيضيف لفظ الجناح إلى الحديث الشريف ليصحح للمهدي لعبته ولينال الجائزة. والذي يبدو للمتطلع إن الكذبة لم تنطل على جلاس المهدي، وإن المهدي شعر بذلك أو أدركه شئ من تأنيب الضمير، فقال بعد قيام هذا المحدث: " أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وآله. ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله جناح، ولكنه أراد أن يتقرب إلينا ". وقد جمع ابن الجوزي نزرا يسيرا من الأحاديث المختلفة في كتابه الموسوم (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية) و (الموضوعات) ولخصه السيوطي في كتابه (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) فراجعها. يقول العلامة السيد محمد تقي الحكيم في مناهج البحث في التاريخ: " والغريب إننا أصبحنا لكثرة ما ألفنا هذا النوع من الكذب على حساب التاريخ لا نستنكره على القائمين به، وكأنه من الأمور الطبيعية التي تدعوا إليها مصالح البلاد. فموظفوا الدعاية المعنيون بهذا الأمر لا يختلفون في مقاييسنا عن بقية المواطنين لصالح المجموع " (2).
3 - هذا وإن ابتعاد الناس عن القيم الرفيعة والمثل العليا وانخراطهم في

(1) منهاج السنة 2: 207، وقال العيني في عمدة القاري: فإن قلت: قد ورد في فضله - يعني معاوية - أحاديث كثيرة، قلت: نعم، ولكن ليس فيها حديث صحيح يصح من طرق الاسناد.
(2) مناهج البحث في التاريخ: 12.

[ 32 ]

الجو المادي المكهرب الحاكم آنذاك، أدى إلى أن يعيشوا في مفارقات متناقضة وأجواء وهمية كاذبة يترنحون ذات اليمين مرة وذات الشمال أخرى. ولذا يقول الأستاذ عبد الرحمن بدوي في تصديره لكتاب شخصيات قلقة في الاسلام: " للشيعة أكبر الفضل في إغناء المضمون الروحي للاسلام، وإشاعة الحياة الخصبة القوية العنيفة التي وهبت هذا الدين البقاء قويا غنيا قادرا على إشباع النوازع الروحية للنفوس، حتى أشدها تمردا وقلقا، ولولا هذا لتحجر في قوالب جامدة، ليت شعري ماذا كان سيؤول إليه أمره فيها. ومن الغريب إن الباحثين لم يوجهوا عناية كافية إلى هذه الناحية، ناحية الدور الروحي في تشكيل مضمون العقيدة الذي قامت به الشيعة، والعلة في هذا إن الجانب السياسي في الشيعة هو الذي لفت الأنظار أكثر من بقية الجوانب، مع إنه ليس إلا واحدا منها ". * * * وإنا إذ نتسائل ألم يكن الواقع الحي آنذاك - كما صورناه - يوحي بوقوف الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وبحزم بوجه الجبابرة والطغاة المنحرفين عن وجه الصراط السوي، يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر ويطالبونهم بالرجوع إلى حضيرة الاسلام والعمل على ضوء تعاليمه العالية والابتعاد عن كل أوجه التخلف والفساد المتفشي في أوصال الجهاز الحاكم. ألم يحكم هؤلاء باسم الاسلام؟ أو ليس إنهم تسنموا منصب الخلافة إلا باعتبارهم خلفاء لرسول الله صلى الله عليه وآله؟ ولكن ما الحيلة عندما يمارس الخليفة الحكم في ضمن أفق ضيق ونطاق محدود من التفكير، وسيطرة الآخرين عليه في مراكز الدولة كالبرامكة وما شاكلهم من الذين ليسوا هم بأحسن حظا من الخليفة في العلم والثقافة والزهد والتقوى!؟

[ 33 ]

أليس من حقنا أن نقتدي بأئمة أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ونهتدي بهداهم ونسير على خطاهم ونحذو حذوهم ولا نعزب عنهم قيد شعره. ألم يقل مالك بن أنس في حق الإمام الصادق عليه السلام: " جعفر بن محمد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصل وإما صائم وإما يقرأ القرآن " (1) " وما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علما وعبادة وورعا ". أو لم يقل أبو حنيفة كما نقلها الآلوسي في تحفته: " لولا السنتان لهلك النعمان " (2) إشارة للسنتين اللتين حضر فيهما بحث الإمام الصادق عليه السلام. ولسنا في صدد ذكر مناقب الأئمة وفضائلهم في هذه العجالة، ومن يروم الاطلاع فعليه بمراجعة المصادر المتوفرة في الباب. * * * منهجية التحقيق: بعد أن شمرنا عن ساعد الجد بتحقيق هذا الكتاب، اعترضتنا صعاب جمة، فمن شحة في المصادر، وصعوبة الحصول على البعض من الأقوال وتراجم الاعلام، وعدم توفر الظروف الملائمة في بعض الأحيان حتى اضطررنا تصوير بعض النسح المطبوعة النادرة الحصول وجعلها في متناول أيدينا لتسهيل مهمة التحقيق. علما بأن الشيخ الطوسي قد اعتمد عند تصنيفه لهذا السفر العظيم على كثير

(1) تهذيب التهذيب 2: 104.
(2) التحفة الاثني عشرية للآلوسي: 8.

[ 34 ]

من أمهات المصادر والكتب المتداولة آنذاك، ولكن الحملات الصليبية الحاقدة التي اجتاحت الأمة الاسلامية على حين غفلة من أمرها، وشتت شملها، وقطعت أوصالها، وبددتها طرائق قددا، واستولت على خزائن الآثار - التي أتعب العلماء أنفسهم الزاكية في إروائها وإمدادها بكل ما عندهم ونقلتها إلى متاحفها ومراكز الآثار عندها، لنفقد بذلك آثار أعلامنا وتراثهم وبما جادت به أقلامهم الوضاءة وأفكارهم الثاقبة الخالدة، وإرشاداتهم القيمة السديدة. وقد بذلنا كل ما في وسعنا في الحصول على أهم الكتب الاسلامية المعروفة التي يعتمد عليها أصحاب الفرق الاسلامية في دروسهم وعليه يدور رحى أبحاثهم، سواءا كانت قبل زمان الشيخ الطوسي - اعتمد عليها الشيخ أو لم يعتمد - أو بعده مستهدفين ارجاع الأقوال التي نقلها الشيخ إلى أحد الكتب المعتبرة عند أصحاب الفرق الاسلامية، ولا نبرئ أنفسنا من الخطأ والنسيان، فلربما وقعنا في بعض الهفوات التي قلما يسلم أحد منها، آملين العفو وسائلين المولى جل وعلا أن يجنبنا الزلات والوقوع في الهلكات. وبعد البحث الشاق والجهد المضني تمكنا من الحصول على أكثر من مأتي مصدر معتبر هي المحور الأساسي في تحقيقنا، وهي من خيرة الكتب الفقهية والرجالية والتاريخية المعول والمعتمد عليها عند أصحاب الفرق الاسلامية. هذا وإن الحصول على بعض الأقوال أو تراجم بعض الأعلام قد أخرنا يوما أو يومين ولربما أسبوعا، ولا نكون مبالغين إن قلنا إن النزر اليسير منها قد أخرنا الشهر تقريبا. كما واصطدمنا بأقوال متناقضة من الفقيه الواحد، فهذا الكتاب ينقل رأيا مخالفا لما هو الموجود في الثاني، وهناك ثالث يخالفهما بالتفصيل أو الاجمال وهلم جرا، أشرنا في الهامش إلى مقصود المصنف دون غيره من الأقوال.

[ 35 ]

ومع كل ذلك فإننا مصممون في السير قدما لإتمام القصد، مستمدين من الله العون، والله من وراء القصد. هذا ولما كان الهدف المتوخى هو استخراج نص صحيح للكتاب دون الالتزام بالأمور الشكلية التي سار عليها البعض في التحقيق، فاعتمدنا على عدة نسخ مخطوطة منها. 1 - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة المدرسة الفيضية بقم تحت رقم [ 395 ] في 385 ورقة، 17 * 30 سم، مجدولة الصحائف بماء الذهب، كتبت عناوين المسائل والأدلة بالحمرة، في كل صفحة 25 سطرا كتبها عبد الرزاق ابن ملا مير الجيلاني، وقد وقع الفراغ من تحرير كتاب الحج في يوم الأربعاء من شهر ربيع الثاني سنة (1056 ه‍).
2 - النسخة المحفوظة أيضا في خزانة مكتبة المدرسة الفيضية تحت رقم [ 73 ] في 301 ورقة، 21 * 31 سم، في كل صفحة 28 سطرا. وقع الفراغ من تحريرها في سلخ جمادي الثاني من سنة (125 ه‍) - كذا في الأصل، ولعله 1250 هجرية - وجاء على ظهر الصفحة الأولى ما نصه: " من الكتب التي استنسخته لنفسي الجانية وأنا العبد محمد الرضوي ".
3 - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة مجلس الشورى الاسلامي بطهران، تحت رقم [ 8137 ] في 267 ورقة، مجهولة الناسخ، جاء في آخر كتاب الصدقات ما لفظه: " وقع الفراغ من مشقة مشقه يوم الاثنين ثالث ربيع الثاني سنة ألف ومأتين وثلاث وعشرين من الهجرة النبوية على مشرفها ألف ألف تحية ".
4 - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى السيد النجفي المرعشي دام ظله بقم المقدسة. تحت رقم [ 450 / 14 ] في 408 ورقة، 5 / 16 * 5 / 25 سم، في كل صفحة 25 سطرا. مجهولة الناسخ والتاريخ من خطوط القرن الثالث عشر الهجري.

[ 36 ]

ولعلنا سوف نوفق في المستقبل القريب الاطلاع على نسخ خطية معتبرة في خزانات المكتبات الشخصية والعامة المتناثرة هنا وهناك، وسنشير إليها في الأجزاء التالية إن شاء الله تعالى. ولا يفوتنا هنا إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل والثناء الوافر لسماحة آية الله الحاج الشيخ مجتبى المحمدي العراقي على وضعه كافة الإمكانات الموجودة لديه تحت اختيارنا، وبذله قصارى الجهد في إخراج هذا الكتاب بهذه الحلة المنقحة المحققة. زاد الله من أمثاله ووفقه لمرضاته. قم المقدسة في غرة ذي الحجة الحرام 1403 هجرية. المحققون محمد مهدي نجف، جواد الشهرستاني على الخراساني الكاظمي

[ 37 ]

الصفحة الأولى من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة مكتبة المدرسة الفيضية العامرة بقم برقم [ 395 ].

[ 38 ]

الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة مكتبة المدرسة الفيضية العامرة بقم برقم [ 395 ].

[ 39 ]

الصفحة الأولى من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة مكتبة المدرسة الفيضية العامرة بقم برقم [ 73 ].

[ 40 ]

الصفحة الأولى من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة مكتبة مجلس الشورى الاسلامي العامرة بطهران برقم [ 8137 ].

[ 41 ]

الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة مكتبة مجلس الشورى الاسلامي العامرة بطهران برقم [ 8137 ].

[ 42 ]

الصفحة الأولى من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي العامرة بقم برقم [ 450 / 14 ].

[ 43 ]

الصفحة الأخيرة من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي العامرة بقم برقم [ 450 / 14 ].

[ 45 ]

مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حق حمده، والصلاة على خيرته من خلقه، محمد والطاهرين من عترته. أئمة الهدى، الأبرار، وسلم تسليما. سألتم أيدكم الله، إملاء مسائل الخلاف بيننا وبين من خالفنا من جميع الفقهاء من تقدم منهم ومن تأخر. وذكر مذهب كل مخالف على التعيين، و بيان الصحيح منه وما ينبغي أن يعتقد. وأن أقرن كل مسألة بدليل نحتج به على من خالفنا، موجب للعلم من ظاهر قرآن، أو سنة مقطوع بها، أو إجماع، أو دليل خطاب، أو استصحاب حال - على ما يذهب إليه كثير من أصحابنا - أو دلالة أصل، أو فحوى خطاب. وأن أذكر خبرا عن النبي (صلى الله عليه وآله)، الذي يلزم المخالف العمل به، والانقياد له. وأن أشفع ذلك بخبر من طريق الخاصة المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام). وإن كانت المسألة مسألة إجماع من الفرقة المحقة، ذكرت ذلك. وإن كان فيها خلاف بينهم أومأت إليه. وأن أتعمد في ذلك الايجاز والاختصار، لأن ذلك يطول، وربما مل الناظر فيه. وقد ذكرنا طرفا كثيرا من ذلك في كتابنا المعروف بتهذيب الأحكام، و

[ 46 ]

كتاب الاستبصار، وإن كان هذان الكتابان مقصورين على ما نختص بروايته، وأنا مجيبكم إلى ما سألتم بعون الله وقوته، حسب ما سألتم. معتمدا فيه الايجاز حسب ما اقترحتم، ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق، بمنه ولطفه، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.

[ 47 ]

كتاب الطهارة

[ 49 ]

كتاب الطهارة مسألة 1: في معنى الطهور عندنا: إن الطهور هو المطهر المزيل للحدث والنجاسة. وبه قال الشافعي (1) (2). وقال أبو حنيفة (3)، والأصم (4): الطهور والطاهر بمعنى

(1) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب، أبو عبد الله، إمام المذهب، روى عن مسلم بن خالد الزنجي، ومالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد وغيرهم. مات سنة (204 ه‍). تهذيب التهذيب 9: 25 - 31، وطبقات الشافعية: 2 وشذرات الذهب 2: 9 ومرآة الجنان 2: 13، وتذكرة الحفاظ 1: 329 والفهرست لابن النديم: 263.
(2) أحكام القرآن لابن العربي 3: 1404، ومغني المحتاج 1: 17 وتفسير القرطبي 13: 39، والمجموع 1: 84.
(3) أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، وقيل: ابن كاوس الكوفي التميمي مولى بني تيم الله بن ثعلبة، وقيل: بني قفل، من أبناء فارس، وقيل: كابل من مدينة نسا، إمام المذهب الحنفي رأى أنسا، وروى عن عطاء، وعاصم، والسبيعي وغيرهم، وروى عنه زفر بن الهذيل، وأبو يوسف القاضي، والشيباني، له الكلمة المشهورة: " لولا السنتان لهلك النعمان " مشيرا إلى سنتي تتلمذه على الإمام الصادق عليه السلام، له الفقه الأكبر والعالم والمتعلم، ورسالته إلى البستي، ولد سنة 80، وقيل: غير ذلك، ومات سنة 150. انظر: الفهرست لابن النديم: 255، الجواهر المضية 1: 27، مرآة الجنان 1: 309، شذرات الذهب 1: 227، تحفة الآلوسي: 8، المعارف: 216، وتهذيب التهذيب 10: 449. 451.
(4) أبو بكر، عقبة بن عبد الله الأصم، الرفاعي، العبدي، البصري النيسابوري. روى عن أبيه، وعطاء بن أبي رباح، وحميد بن هلال، وسالم بن عبد الله وغيرهم. وعنه معقل بن مالك الباهلي، وأبو =

[ 50 ]

واحد (1). دليلنا: هو أن هذه اللفظة وضعت للمبالغة، والمبالغة لا تكون إلا فيما يتكرر فيه الشئ الذي اشتق الاسم منه. ألا ترى إنهم يقولون: فلان ضارب إذا ضرب ضربة واحدة، ولا يقال: ضروب إلا بعد أن يتكرر منه الضرب. وإذا كان كونه طاهرا مما لا يتكرر، ولا يتزايد، فينبغي أن يكون كونه طهورا لما يتزايد. والذي يتصور التزايد فيه، أن يكون مع كونه طاهرا مطهرا مزيلا للحدث والنجاسة، وهو الذي نريده. وأيضا وجدنا العرب تقول: ماء طهور، وتراب طهور. ولا تقول: ثوب طهور، ولا خل طهور. لأن التطهير غير موجود في شئ من ذلك. فثبت أن الطهور هو المطهر على ما قلناه (2). مسألة 2: في ماء البحر. يجوز الوضوء بماء البحر مع وجود غيره من المياه، ومع عدمه. وبه قال جميع الفقهاء (3).

= قبيصة، وشاذ بن فياض، وابن المبارك وغيرهم. مات سنة (200 ه‍). تهذيب التهذيب 7: 244، والفهرست لابن النديم: 214.
(1) أحكام القرآن العربي 3: 1404، والمجموع للنووي 1: 84 وفيه قال: وحكوا عن الحسن البصري وسفيان وأبي داود وبعض أصحاب أبي حنيفة وبعض أهل اللغة. وأنظر أيضا نيل الأوطار 1: 19، وتفسير القرطبي 13: 39.
(2) قال ابن العربي في أحكام القرآن 3: 1404: وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف (طهور) مختص بالماء، ولا يتعدى إلى سائر المائعات، وهي طاهرة، فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدل دليل على أن الطهور هو المطهر. وانظر أيضا لسان العرب 6: 175، والنهاية لابن الأثير 3: 147، والمصباح المنير 2: 518 (مادة طهر).
(3) الأم 1: 3، والمحلى 1: 210، وأحكام القرآن لابن العربي 3: 1413، وتفسير القرطبي 13: 53.

[ 51 ]

وروي عن عبد الله بن عمر (1)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (2) إنهما قالا: التيمم أحب إلينا منه (3). وقال سعيد بن المسيب (4): يجوز التوضؤ به مع عدم الماء، ولا يجوز مع وجوده (5). دليلنا: قوله تعالى: " وأنزلنا من السماء ماء طهورا " (6)، وماء البحر

(1) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، العدوى، أبو عبد الرحمن المكي. روى عن النبي (ص)، وعن أبيه، وعمه زيد وغيرهم. وعنه عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن المسيب، وعون بن عبد الله وغيرهم. مات سنة (73 ه‍). وقيل: (74 ه‍). تهذيب التهذيب 5: 328، والإصابة 2: 338، وشذرات الذهب 1: 81، ومرآة الجنان 1: 154.
(2) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن وقيل: أبو نصير. روى عن النبي (ص)، وعن أبي بكر وعمر، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. وعنه أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن الحارث بن نوفل وغيرهم. مات سنة (65 ه‍). تهذيب التهذيب 5: 337، والإصابة 2: 343 ومرآة الجنان 1: 141 وشذرات الذهب 1: 73.
(3) لم نعثر على هذا القول، إلا أن الترمذي ذكر في سننه 1: 100 (باب 52) ما هذا لفظه: وقد كره بعض أصحاب النبي (ص) الوضوء بماء البحر منهم: ابن عمر، وعبد الله بن عمرو. وروى عبد الرزاق بن همام في كتابه المصنف 1: 93 عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ماءان لا ينقيان من الجنابة: ماء البحر، وماء الحمام، وجاء في هامش الصفحة ما لفظه، وأخرجه ابن أبي شيبة...، وقد روى قبله من طريق قنادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمر، وقال: ماء البحر لا يجزي من وضوء ولا جنابة. وأنظر أيضا تحفة الأحوذي 1: 231. والمحلى 1: 221، والمجموع 1: 91، ونيل الأوطار 1: 20. وتفسير القرطبي 13: 53.
(4) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي أبو محمد. روى عن أبي بكر مرسلا، وعن عمر، وعثمان، وعلى، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. وعنه ابنه محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، والزهري، وقتادة وغيرهم. مات حدود سنة (100 ه‍). طبقات الفقهاء: 24، وتهذيب التهذيب 4: 84، وشذرات الذهب 1: 102، ومرآة الجنان 1: 185.
(5) نقل في تحفة الأحوذي 1: 231 عن كتاب البدر المنير: في الحديث عن جواز الطهارة بماء البحر، وبه قال جميع العلماء، إلا ابن عبد البر، وابن عمر، وسعيد بن المسيب. وقال النووي في المجموع 1: 91: (وحكاه أصحابنا أيضا عن سعيد بن المسيب).
(6) الفرقان: 48.

[ 52 ]

يتناوله اسم الماء. وقال تعالى أيضا: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (1)، فشرط في وجوب التيمم عدم الماء، ومن وجد ماء البحر فهو واجد للماء الذي يتناوله الطاهر. وعلى المسألة إجماع الفرقة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتة " (2). وروى عبد الله بن سنان (3) وأبو بكر الحضرمي (4) قالا: سألنا أبا عبد الله عليه السلام عن ماء البحر، أطهور هو؟ قال: نعم (5). مسألة 3: في مسح الوجه بالثلج أو البرد. من مسح وجهه ويديه بالثلج ولا يتندى وجهه لم يجزه. فإن مسح وجهه بالثلج وتندى به وجهه مثل الدهن فقد أجزأه.

(1) النساء: 43، والمائدة: 6.
(2) انظر سنن الترمذي 1: 100، وموطأ مالك 1: 22، وسنن البيهقي 1: 3. وسنن الدارمي 1: 185، وسنن ابن ماجه 1: 136، وسنن النسائي 1: 50، والمستدرك 1: 141. والمصنف 1: 94، وسنن أبي داود 1: 21، وسنن الدار قطني 1: 34، ومسند أحمد 2: 237، 361، و 3: 373 و 5: 365.
(3) عبد الله بن سنان بن ظريف. قال النجاشي في رجاله: 158، كان خازنا للمنصور والمهدي والهادي والرشيد. كوفي ثقة ثقة من أصحابنا، جليل لا يطعن عليه في شئ. وانظر رجال الشيخ الطوسي: 265، 354.
(4) أبو بكر، عبد الله بن محمد الكوفي الحضرمي. سمع أبا الطفيل، تابعي. روى عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام. وروى الكشي له مناظرة جيدة جرت له مع زيد. وحكى ابن داود في رجاله (باب الكنى) توثيقه عن الكشي ولم نجده ولعله أخذه من أصل الكشي لا من اختيار الشيخ. كما وثق أيضا بوقوعه في إسناد كامل الزيارات وبرواية ابن أبي عمير وصفوان وبعض أصحاب الإجماع عنه، وبوجود طريق للصدوق إليه، وبكثرة رواياته والله العالم. رجال الكشي 416، ورجال الشيخ الطوسي 224، ومستدرك الوسائل 3: 618، ومعجم رجال الحديث 10: 310 - 313.
(5) التهذيب 1: 216 حديث 622 و 623، والكافي 3: 1 حديث 4 و 5.

[ 53 ]

وقال الشافعي: لا يجزيه ولم يفصل (1). وقال الأوزاعي (2) يجزيه ولم يفصل (3). دليلنا: على إنه لا يجزيه إذا مسح ولم يتند، هو إن الله تعالى قال: " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق " (4). فأمر بغسل الوجه واليدين ومن مسح عليهما فلم يغسلهما. ولا يلزمنا مثل ذلك في جواز ذلك إذا تندى وجهه. لأنه إذا تندى وجهه فقد غسل، وإن كان غسلا خفيفا. على إنا لو خلينا والظاهر، لما أجزنا ذلك، لكن خصصناه بدلالة إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في جواز ذلك. وروى حريز (5)، عن محمد بن مسلم (6) قال سألت أبا عبد الله

(1) قال النووي في المجموع 1: 81: وقيل لا يصح لأنه لا يسمى غسلا حكاه جماعة منهم أقصى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري صاحب الحاوي، وأبو الفرج محمد بن عبد الواحد بن محمد الدارمي صاحب الاستذكار وهما من كبار أئمتنا العراقيين وعزاه الدارمي إلى أبي سعيد الاصطخري.
(2) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو. واسمه يحمد الشامي الأوزاعي، الفقيه. نزل بيروت في أواخر عمره فمات بها. روى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وشداد بن عمار، وعطا بن أبي رباح وقتادة وغيرهم. وعنه مالك والثوري وابن المبارك وغيرهم. مات سنة (157 ه‍)، وقيل: (158 ه‍). تهذيب التهذيب 6: 238، ومرآة الجنان 1: 333، وشذرات الذهب 1: 241.
(3) تفسير الفخر الرازي 11: 157، والمجموع للنووي 1: 81.
(4) المائدة: 6.
(5) حريز بن عبد الله السجستاني، أبو محمد الأزدي، من أهل الكوفة، أكثر السفر والتجارة إلى سجستان فعرف بها. وكانت تجارته في السمن والزيت. قيل: روى عن أبي عبد الله عليه السلام. وقال يونس: لم يسمع من أبي عبد الله (ع) إلا حديثين وكان ممن شهر السيف في قتال الخوارج بسجستان في حياة أبي عبد الله عليه السلام قاله النجاشي، ووثقه الشيخ في الفهرست: 62 رجال النجاشي: 111، ورجال الطوسي: 181.
(6) محمد بن مسلم بن رباح، أبو جعفر الأوقص الطحان، مولى ثقيف الأعور. وجه أصحابنا بالكوفة، فقيه ورع، صحب أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام، وروى عنهما وكان أوثق الناس، مات =

[ 54 ]

عليه السلام عن الرجل يجنب في السفر، لا يجد إلا الثلج؟ قال: يغتسل بالثلج أو ماء البحر (1). وروى معاوية بن شريح (2) قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده فقال: يصيبنا الدمق (3) والثلج، ونريد أن نتوضأ، ولا نجد إلا ماءا جامدا فكيف أتوضأ؟ أدلك به جلدي؟ قال نعم (4). مسألة 4: الماء المسخن بالنار يجوز التوضؤ به. وبه قال جميع الفقهاء (5) إلا مجاهدا (6) فإنه كرهه (7). وأما المسخن بالشمس إذا أريد به ذلك، فهو مكروه إجماعا (8). دليلنا: على بطلان قول مجاهد: ما قلناه في مسألة ماء البحر من الظواهر

= سنه (150 ه‍). قاله النجاشي في رجاله: 247، ورجال الشيخ الطوسي: 135، 300. (1) التهذيب 1: 191 حديث 550، والاستبصار 1: 157 حديث 542 وفيهما قال: (يغسل بالثلج أو ماء النهر).
(2) معاوية بن ميسرة بن شريح القاضي بن الحارث الكندي القاضي. روى عن أبي عبد الله (ع). قاله النجاشي. وقد وثقه المحدث النوري وغيره برواية ابن أبي عمير وصفوان وعثمان بن عيسى عنه. رجال النجاشي: 321، والمستدرك 3: 678.
(3) الدمق: بالتحريك، الثلج مع الريح. لسان العرب 11: 393 (مادة دمق).
(4) التهذيب 1: 191 حديث 552، والاستبصار 1: 157 حديث 543.
(5) المحلى 1: 221، والمجموع 1: 90 - 91، والأم 1: 3، وحاشية سليمان الجمل على شرح المنهج 1: 35. والتفسير الكبير 11: 168.
(6) مجاهد بن جبر المكي، أبو الحجاج المخزومي، مولى السائب بن أبي السائب، روى عن علي (ع)، وسعد بن أبي وقاص، والعبادلة الأربعة. ورافع بن خديج وغيرهم. وروى عنه عطاء وعكرمة، وابن عون، وعمرو بن دينار، وغيرهم. مات سنة (100 ه‍). وقيل (103 ه‍). وقيل غير ذلك. طبقات الفقهاء: 45، وتهذيب التهذيب 10: 42 وشذرات الذهب 1: 125، ومرآة الجنان 1: 214.
(7) المحلى 1: 221، والمجموع 1: 91. والتفسير الكبير 11: 168.
(8) المحلى 1: 221، والمجموع 1: 87 - 88، والأم 1: 3، وتفسير القرطبي 13: 55، والتفسير الكبير 11: 169.

[ 55 ]

وعليه أيضا إجماع الفرقة. وروي عنهم عليهم السلام إنهم قالوا: " الماء كله طاهر ما لم يعلم أن فيه نجاسة " ولم يفصلوا (1). مسألة 5: لا يجوز الوضوء بالمايعات غير الماء. وهو مذهب جميع الفقهاء (2). وقال الأصم: يجوز ذلك (3). وذهب قوم من أصحاب الحديث، وأصحابنا إلى أن الوضوء بماء الورد جائز (4). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا " (5)، فأوجب عند فقد الماء المطلق التيمم. ومن توضأ بالمائع لم يكن تطهر بالماء، فوجب أن لا يجزيه. وروى حريز، عن أبي بصير (6)، عن أبي عبد الله عليه السلام: عن الرجل يكون معه اللبن، أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا إنما هو الماء والصعيد (7). مسألة 6: لا يجوز الوضوء بشئ من الأنبذة المسكرة، سواء كان نيا أو مطبوخا على حال، وبه قال الشافعي (8).

(1) التهذيب 1: 214 (باب المياه وأحكامها وما يجوز التطهر به وما لا يجوز)، ومن لا يحضره الفقيه 1: 9.
(2) التفسير الكبير 11: 169.
(3) التفسير الكبير 11: 169. والمجموع 1: 93.
(4) قال الشيخ الصدوق (قدس سره) في الهداية: 13: (لا بأس أن يتوضأ بماء الورد للصلاة ويغتسل به في الجنابة).
(5) النساء: 43.
(6) قال النجاشي في رجاله: 344: يحيى بن القاسم، أبو بصير الأسدي. وقيل: أبو محمد. ثقة، وجيه، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. وقيل: يحيى بن أبي القاسم، واسم أبي القاسم إسحاق. وروى عن أبي الحسن موسى عليه السلام مات أبو بصير سنة (150 ه‍) (7) التهذيب 1: 188 حديث 540، والاستبصار 1: 155 حديث 534. و 1: 14 حديث 26.
(8) تحفة الأحوذي 1: 294، وأحكام القرآن للجصاص 2: 387.

[ 56 ]

وقال أبو حنيفة: يجوز التوضؤ بنبيذ التمر، إذا كان مطبوخا عند عدم الماء (1) وهو قول أبي يوسف (2). وقال محمد (3) يتوضأ به ويتيمم (4)، وقال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بسائر الأنبذة (5). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا " (6)، فنقلنا عند عدم الماء إلى التيمم من غير واسطة. فيجب أن لا يجوز الوضوء بالأنبذة، لأنه خلاف الظاهر، وعليه إجماع الفرقة. وروى سماعة بن مهران (7)، عن الكلبي النسابة (8) إنه سأل أبا عبد الله

(1) المبسوط للسرخسي 1: 88، وشرح معاني الآثار 1: 96، والمجموع 1: 93، وبدائع الصنائع 1: 17، وبداية المجتهد 1: 32، وتحفة الأحوذي 1: 293، وتفسير القرطبي 13: 51.
(2) أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حميد الأنصاري، الكوفي. القاضي، كان تلميذ أبي حنيفة ومن أتباعه. مات سنة (182 ه‍). طبقات الفقهاء 113، والكنى والألقاب 1: 180، وشذرات الذهب 1: 299، ومرآة الجنان 1: 382.
(3) أبو عبد الله، محمد بن الحسن بن فرقد الدمشقي، مولى لبني شيبان، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، فطلب الحديث، وسمع مسعر بن كدام ومالك بن مسعود والأوزاعي والثوري، وجالس أبا حنيفة وأخذ عنه فغلب عليه الرأي له الجامع الكبير والصغير. مات بالري سنة (189 ه‍). الفهرست لابن النديم: 257، وطبقات الفقهاء: 114، وشذرات الذهب 1: 321، ومرآة الجنان 1: 422.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 387، والمبسوط للسرخسي 1: 88، وشرح معاني الآثار 1: 96، وبدائع الصنائع 1: 16، وتحفة الأحوذي 1: 293، والمجموع 1: 93.
(5) المبسوط 1: 89، وبدائع الصنائع 1: 17، والمجموع 1: 93.
(6) النساء: 43.
(7) سماعة بن مهران - بكسر الميم - بن عبد الرحمن الحضرمي، مولى عبد بن وائل بن حجر الحضرمي يكنى أبا ناشرة، وقيل: أبا محمد. كان يتجر في القز، ويخرج به إلى حران، ونزل من الكوفة كندة. روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، ومات بالمدينة ثقة ثقة، وله بالكوفة مسجد. قاله النجاشي في رجاله: 146، وانظر رجال الطوسي 214، 351.
(8) الكلبي النسابة: مشترك بين هشام بن محمد بن السائب بن بشر بن زيد... بن كلب بن مرة الناسب، العالم بالأيام، المشهور بالفضل والعلم، كان يختص بمذهبنا وكان أبو عبد الله (ع) يقربه، =

[ 57 ]

عليه السلام عن النبيذ؟ فقال: حلال. فقال: إنا ننبذه فنطرح فيه العكر (1)، وما سوى ذلك، فقال: شه شه (2)، تلك الخمرة المنتنة. قلت: جعلت فداك فأي نبيذ تعني؟ قال: إن أهل المدينة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تغير الماء، وفساد طباعهم، فأمرهم أن ينبذوا فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كف من تمر، فيقذف به في الشن فمنه شربه، ومنه طهوره (3). مسألة 7: إذا خالط الماء ما غير لونه، أو طعمه، أو رائحته من الطهارات فإنه يجوز التوضؤ به، ما لم يسلبه إطلاق اسم الماء، فإن سلبه لم يجز التوضؤ به. وإن كان نجاسة فلا يجوز التوضؤ به على حال. وقال الشافعي: إذا خالط الماء ما غير أحد أوصافه لم يجز التوضؤ به، إذا كان مختلطا به نحو الدقيق، والزعفران، واللبن، وغير ذلك. وإن جاوره ما غير أحد أوصافه، فلا بأس به، نحو القليل من الكافور، والمسك، والعنبر، وغير ذلك (4). وقال أبو حنيفة: يجوز التوضؤ به ما لم يخرجه عن طبعه، وجريانه، أو يطبخ به (5).

= المتوفى سنة (206 ه‍). وقيل: (204 ه‍). وبين أبيه محمد بن السائب الذي عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام. المتوفى سنة (146 ه‍). والمناسب من حيث الطبقة، أن يكون الراوي هو الأب وليس الابن. والله العالم. رجال النجاشي: 339، وتاريخ بغداد 14: 46، ورجال الطوسي: 136، 289، واللباب في تهذيب الأنساب 3: 104. (1) قال ابن منظور: وعكر الشراب، والماء، والدهن آخره وخاثره، وعكر الماء والنبيذ عكرا إذا كدر. لسان العرب 6: 287 (مادة عكر).
(2) كلمة زجر ونفر مثل صه، إلا أنه بالضم. وقال الزبيدي في التاج: حكاية كلام شبه الانتهار.
(3) التهذيب 1: 220 حديث 629، والاستبصار 1: 16 حديث 29، والكافي 6: 416 حديث 3.
(4) الأم 1: 7، وأحكام القرآن للجصاص 3: 338 - 339، والمجموع 1: 105 ومغني المحتاج 1: 18 - 19، وشرح فتح القدير 1: 49.
(5) أحكام القرآن للجصاص 3: 338، وبدائع الصنائع 1: 15، وشرح فتح القدير 1: 49.

[ 58 ]

دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " (1) فأوجب علينا التيمم عند فقد الماء، ومن وجد الماء متغيرا فهو واجد للماء. وأيضا روى محمد بن أحمد بن يحيى (2) عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي (3) [ عن أبي داود المنشد ] (4) (5) عن جعفر بن محمد (6) عن يونس (7) عن حماد بن عيسى (8) قال: أبو عبد الله عليه السلام: الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر (9).

(1) النساء: 43.
(2) أبو جعفر، محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري القمي كان ثقة في الحديث، عده الشيخ فيمن لم يرو عنهم عليهم السلام وقال في الفهرست: رحمه الله جليل القدر، كثير الرواية. رجال الطوسي: 493، والفهرست: 144، ورجال النجاشي: 31.
(3) الحسن بن الحسين اللؤلؤي، كوفي، ثقة، كثير الرواية. قاله النجاشي في رجاله: 31.
(4) كذا في التهذيب 1: 215. حديث 620، والكافي 3: 1 حديث 2 و 3.
(5) سليمان بن سفيان المسترق، أبو داود المنشد. كان راوية ومنشدا لشعر السيد الحميري رضوان الله عليه، مولى بني أعين من كندة، له كتاب، ويعد من خواص أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وثقه جمع. مات سنة (230 ه‍). الفهرست للشيخ الطوسي 184، ومناقب ابن شهر آشوب 4: 281.
(6) جعفر بن محمد: مشترك بين عدة من الرجال، ولم يحدده في هذه الرواية أحد من الأعلام، حسبما هو المتوفر من المصادر بين أيدينا.
(7) يونس: مشترك أيضا بين عدة من الرجال، ولا يمكن تحديده من بينهم بصورة الجزم.
(8) حماد بن عيسى، أبو محمد الجهني. أصله كوفي. قال النجاشي: كان ثقة في حديثه، صدوقا. وعده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام ووثقه في الفهرست. مات سنة (209 ه‍). وقيل سنة (207 ه‍). وله نيف وتسعون سنة. رجال النجاشي: 109، ورجال الطوسي: 174 و 346، والفهرست: 61.
(9) التهذيب 1: 215 حديث 619 و 620، وفي حديث 621 بسنده عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين عن أبي داود المنشد. وفي الكافي 3: 1 حديث 2 و 3. ورواه أيضا بنفس المصدر حديث 4 بسنده عن شيخه الجليل محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسين عن أبي داود المنشد. أما الشيخ الصدوق فقد رواه في الفقيه 1: 6 حديث 1، مرسلا عن الصادق عليه السلام قال: (كل ماء طاهر إلا ما علمت أنه قذر).

[ 59 ]

مسألة 8: لا يجوز إزالة النجاسات عند أكثر أصحابنا بالمايعات. وهو مذهب الشافعي (1). وقال المرتضى (2): يجوز ذلك (3) وقال أبو حنيفة: كل مايع مزيل للعين يجوز إزالة النجاسة به (4). دليلنا: إنا قد علمنا بحصول النجاسة في الثوب أو البدن، وحظر الصلاة فيه. فلا يجوز أن نستبيح بعد ذلك الصلاة إلا بدليل. وليس في الشرع ما يدل عليه. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال لأسماء (5) في دم الحيض يصيب الثوب: " حتيه ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء " (6) فأمر بغسل الدم بالماء، فدل على أنه لا يجوز بغيره، لأنه لو جاز لبينه.

(1) المجموع 1: 92 و 95، والمبسوط للسرخسي 1: 96، وشرح فتح القدير 1: 133.
(2) علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر عليه السلام، أبو القاسم، المرتضى. حاز من العلوم ما لم يدانيه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر. وكان متكلما شاعرا أديبا، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا. مات رضي الله عنه لخمس بقين من شهر ربيع الأول، سنة ست وثلاثين وأربعمائة. قاله النجاشي في رجاله: 206، والفهرست للطوسي: 98، وتاريخ بغداد 11: 402، ووفيات الأعيان 1: 433، ومرآة الجنان 3: 55.
(3) الناصريات (كتاب الطهارة) مسألة 4.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 96، وتفسير القرطبي 13: 51، ومراقي الفلاح: 27، وشرح فتح القدير 1: 133، والدراري المضية 1: 34، وقال النووي في المجموع 1: 95: وحكى أصحابنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي بكر الأصم، إنه يجوز رفع الحدث وإزالة النجس بكل مائع طاهر.
(5) أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، زوجة الزبير بن العوام. روت عن النبي (ص) وروى عنها ابناها عبد الله وعروة وأحفادها وغيرهم. ماتت بمكة سنة (73 ه‍). الاستيعاب بهامش الإصابة 4: 228، وأسد الغابة 5: 392، والدر المنثور: 33 والإصابة 4: 224.
(6) نصب الراية 1: 206، وشرح فتح القدير 1: 133، وفي سنن ابن ماجه 1: 206 (أقرصيه واغسليه وصلي فيه). ولا يخفى أن لهذه الرواية ألفاظا مختلفة في كتب الحديث ولأجل مطابقة المتن اقتصرنا على بعض المصادر.

[ 60 ]

مسألة 9: جلد الميتة نجس، لا يطهر بالدباغ، سواء كان الميت مما يقع عليه الذكاة أو لا يقع، يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه، وبه قال عمر (1) وابن عمر، وعائشة (2) وأحمد بن حنبل (3) (4) وقال الشافعي: كل حيوان طاهر في حال حياته، فجلده إذا مات يطهر بالدباغ وهو ما عدا الكلب والخنزير، وما تولد بينهما (5) وقال أبو حنيفة: يطهر الجميع إلا جلد الخنزير (6) وقال داود (7):

(1) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح، روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وعن أبي بكر، وأبي بن كعب. وروى عنه أولاده، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم. قتل سنة (23 ه‍). أسد الغابة 4: 52 تهذيب التهذيب 7: 438، ومرآة الجنان 1: 78، وشذرات الذهب 1: 33، والإصابة 2: 511.
(2) عائشة بنت أبي بكر، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا، وعن أبيها وعمر، وحمزة بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. ماتت في رمضان سنة (58 ه‍). قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 12: 433. وانظر الإصابة 4: 348، وأسد الغابة 5: 501.
(3) أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي ثم البغدادي، خرجت به أمه من مرو وهي حامل فولدته ببغداد وبها طلب العلم. فروى عن بشر بن المفضل، وإسماعيل بن عليه، وسفيان بن عيينة، وجرير، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم وأبو داود، والباقون مع البخاري أيضا بواسطة وغيرهم. مات سنة (241 ه‍). تهذيب التهذيب 1: 72، طبقات الفقهاء: 75، وتذكرة الحفاظ 2: 17 وتاريخ بغداد 4: 412 وحلية الأولياء 9: 161.
(4) التفسير الكبير 5: 16، وفي المجموع 1: 217 قال النووي ما لفظه: لا يطهر بالدباغ شئ من جلود الميتة، لما روى عن عمر بن الخطاب وابنه وعائشة وهو أشهر الروايتين عن أحمد ورواية عن مالك. ونحوه في نيل الأوطار 1: 74، والحاوي للفتاوى 1: 14.
(5) الأم 1: 9، وأحكام القرآن للجصاص 1: 115، والمجموع 1: 217 والتفسير الكبير 5: 16، وبداية المجتهد 1: 76، ونيل الأوطار 1: 74. وبدائع الصنائع 1: 85، والحاوي للفتاوى 1: 15.
(6) أحكام القرآن للجصاص 1: 115، والتفسير الكبير 5: 16، والمجموع 1: 217 وبداية المجتهد 1: 76، ومراقي الفلاح: 28 ونيل الأوطار 1: 76، وبدائع الصنائع 1: 85، والحاوي للفتاوى 1: 15.
(7) أبو سليمان، داود بن علي بن داود بن خلف الأصفهاني. هو أول من استعمل قول الظاهر، وأخذ بالكتاب والسنة، وألغى ما سوى ذلك من الرأي والقياس. مات سنة (270 ه‍). الفهرست لابن =

[ 61 ]

يطهر الجميع (1) وقال الأوزاعي: يطهر جلد ما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل لحمه (2) وهو مذهب أبي ثور (3) وقال مالك (4): يطهر الظاهر منه دون الباطن (5) وقال الزهري (6) يجوز الانتفاع بجلد الميتة،

= النديم: 271، وتاريخ بغداد 8: 396، وطبقات الفقهاء: 76 وتذكرة الحفاظ 2: 136، ومرآة الجنان 2: 422. (1) التفسير الكبير 5: 16، وقال النووي في المجموع 1: 217 ما لفظه: قاله داود وأهل الظاهر، وحكاه الماوردي عن أبي يوسف. وبداية المجتهد 1: 76، والحاوي 1: 15، ونيل الأوطار 1: 76.
(2) قال النووي في المجموع 1: 217: وهو مذهب الأوزاعي، وابن المبارك، وأبي ثور وإسحاق بن راهويه. وانظر التفسير الكبير 5: 16، ونيل الأوطار 1: 75، والحاوي 1: 14.
(3) إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، البغدادي. ويقال كنيته: أبو عبد الله، وأبو ثور لقب. قال أحمد ابن حنبل هو عندي كسفيان الثوري، وكان أبو ثور على مذهب أبي حنيفة، فلما قدم الشافعي بغداد تبعه وأقر كتبه، وانتشر علمه، ومع ذلك قال الرافعي في كتاب الغصب من العزيز: أبو ثور، وكان معدودا في طبقات أصحاب الشافعي، فله مذهب مستقل، ولا يعد تقريره وجها (هذا لفظه) مات سنة (240 ه‍). قاله ابن هداية الحسيني في طبقات الشافعية: 5، وانظر طبقات الفقهاء: 75، وتهذيب التهذيب 1: 118، وتاريخ بغداد 6: 65، ومرآة الجنان 2: 129.
(4) أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي، الحميري، المدني. إمام دار الهجرة، روى عن عامر بن عبد الله بن الزبير بين العوام ونعيم بن عبد الله، وزيد بن أسلم وغيرهم. وروى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن عبد الله بن الهاد وغيرهم. مات سنة (179 ه‍). قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 10: 5، وطبقات الفقهاء: 42، وحلية الأولياء 6: 316، والديباج المذهب: 11، وتذكرة الحفاظ 1: 193.
(5) التفسير الكبير 5: 16، وحاشية الدسوقي 1: 54 وأشار النووي في المجموع 1: 217 إلى مذهب مالك وقال: يطهر الجميع والكلب والخنزير إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه فيستعمل في اليابس دون الرطب ويصلى عليه لا فيه. وانظر نيل الأوطار 1: 76، والحاوي 1: 15.
(6) أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث الزهري. أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام. روى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن جعفر، وربيعة ابن عباد، والمسور بن مخرمة، وغيرهم. وروى عنه عطاء بن أبي رباح وأبو الزبير المكي، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، وصالح بن كيسان وغيرهم، مات سنة (123 ه‍). وقيل: (124 ه‍). =

[ 62 ]

قبل الدباغ وبعده (1) دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم " (2) والجلد من جملة الميتة. وأيضا فإنه قبل الدباغ معلوم نجاسته بالاجماع، فمن ادعى زوالها احتاج إلى دليل. وروى الحسين بن سعيد (3) عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمد بن مسلم قال: سألته عن جلد الميت أيلبس في الصلاة إذا دبغ؟ فقال: لا، ولو دبغ سبعين مرة (4). مسألة 10: لا يجوز بيع جلود الميتة، لا قبل الدباغ، ولا بعده. وقال الشافعي: لا يجوز بيعها قبل الدباغ، ويجوز بعده (5) وكان قديما يقول: لا يجوز بيعها بعد الدباغ أيضا (6) وقال أبو حنيفة: يجوز بيعها قبل الدباغ وبعده.

= تهذيب التهذيب 9: 445 ومرآة الجنان 1: 260، وشذرات الذهب 1: 162، وتذكرة الحفاظ 1: 102. (1) الحاوي 1: 15، وروى عبد الرزاق بن همام في المصنف 1: 62 ما لفظه: وكان الزهري ينكر الدباغ ويقول: يستمتع به على كل حال، وذكر النووي في المجموع 1: 217 ما حكوه عن الزهري وقال: ينتفع بجلود الميتة بلا دباغ ويجوز استعمالها في الرطب واليابس. والتفسير الكبير 5: 16، ونيل الأوطار 1: 76.
(2) المائدة: 3.
(3) الحسين بن سعيد بن حماد بن مهران الأهوازي، مولى علي بن الحسين عليه السلام كان ثقة، عينا جليل القدر أصله كوفي: انتقل مع أخيه الحسن إلى الأهواز ثم إلى قم وتوفي فيها، وعده الشيخ الطوسي تارة في أصحاب الإمام الرضا وأخرى في أصحاب الإمام الجواد وثالثة في أصحاب الإمام الهادي عليهم السلام. رجال النجاشي: 46، ورجال الطوسي: 372 و 399 و 412، والفهرست لابن النديم 277.
(4) التهذيب 2: 203 حديث 794، ومن لا يحضره الفقيه 1: 160 حديث 750 وفيه: روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنه سأله عن جلد الميتة يلبس... الخ.
(5) أحكام القرآن للجصاص 1: 115، والمجموع 1: 228.
(6) المجموع 1: 228.

[ 63 ]

دليلنا: الآية، لأن قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة " (1) يقتضي حظر جميع أنواع التصرف. وروى الحسن بن محبوب (2)، عن عاصم بن حميد (3) عن علي بن المغيرة (4) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، الميتة ينتفع بشئ منها؟ قال: لا (5). مسألة 11: جلود ما لا يؤكل لحمه إذا ذكي، منها ما يجوز استعماله في غير الصلاة، ومنها ما لا يجوز استعماله بحال. فما يجوز استعماله مثل السمور (6) والسنجاب (7) والفنك (8) وجلود

(1) المائدة: 3.
(2) الحسن بن محبوب السراد، ويقال: الزراد. يكنى أبا علي، مولى بجيلة، كوفي ثقة، روى عن أبي الحسن موسى والرضا عليه السلام، وروى عن ستين رجلا من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، وكان جليل القدر، يعد من الأركان الأربعة في عصره، وعده الكشي من الفقهاء الذين أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم توفي سنة 224. رجال الكشي: 556، والفهرست للشيخ الطوسي: 46، ورجال الطوسي: 347، 372، ومعجم رجال الحديث 5: 90.
(3) عاصم بن حميد الحناط الحنفي، أبو الفضل. مولى، كوفي، ثقة، عين، صدوق روى عن أبي عبد الله عليه السلام. قاله النجاشي في رجاله: 232، ورجال الطوسي: 261.
(4) علي بن المغيرة الزبيدي الأزرق. والظاهر اتحاده مع علي بن أبي المغيرة الكوفي والذي ذكره النجاشي في ترجمة ابنه الحسن. روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، انظر رجال النجاشي: 40، وجامع الرواة 1: 552 و 603.
(5) التهذيب 2: 204 حديث 799، والكافي 3: 398 حديث 6. وروى عبد الرزاق بن همام في المصنف 1: 64 ما لفظه: عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أيبيع الرجل جلود الضان الميتة لم تدبغ؟ قال: ما أحب أن تأكل ثمنها وإن تدبغ. وفي رواية أخرى قال: وكان الحسن يقول: ينتفع بها ولا تباع.
(6) السمور: بالفتح، دابة معروفة يتخذ من جلدها فراء مثمنة، تكون ببلاد الترك تشبه النمر: (مجمع البحرين، مادة سمر).
(7) السنجاب: حيوان على حد اليربوع، أكبر من الفأرة، شعره في غاية النعومة، يتخذ من جلده الفراء، يلبسه المتنعمون (مجمع البحرين، مادة سنجب).
(8) الفنك: دويبة برية، غير مأكولة اللحم، يؤخذ منها الفرو. ويقال: إن فروها أطيب من جميع أنواع =

[ 64 ]

السبع (1) كلها لا بأس أن يجلس عليها، ولا يصلي فيها، وقد وردت رخصة في لبس جلود السمور والسنجاب والفنك في حال الصلاة (2). فأما ما عدا ذلك من الكلب والأرنب والذئب والخنزير والثعلب، فلا يجوز استعماله على حال. وما يجوز استعماله بعد الذكاة، لا يجوز إلا بعد الدباغ. وقال الشافعي: كل حيوان لا يؤكل لحمه لا تؤثر الذكاة في طهارته، وينجس جلده وسائر أجزائه. وإنما يطهر ما يطهر منها بالدباغ (3) وقال أبو حنيفة: يطهر بالذكاة (4). دليلنا: إن جواز التصرف في هذه الأشياء، يحتاج إلى دلالة شرعية، وليس في الشرع ما يدل على إباحة التصرف في هذه الأشياء، وإنما أجزناه بدلالة إجماع الفرقة على ذلك. وروى علي بن أبي حمزة (5) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لباس الفراء، والصلاة فيها؟ فقال: لا تصل فيها، إلا فيما كان منه ذكيا، قال: قلت أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ فقال: بلى، إذا كان مما يؤكل لحمه. فقلت: وما لا يؤكل لحمه من الغنم؟ قال: لا بأس بالسنجاب، فإنه دابة لا تأكل

= الفراء، يجلب كثيرا من بلاد الصقالبة، وهو أبرد من السمور وأعدل، وأحر من السنجاب، صالح لجميع الأمزجة المعتدلة، ويقال: إنه نوع من جراء الثعلب الرومي (مجمع البحرين، مادة فنك). (1) أي: السباع من الطير والدواب.
(2) التهذيب 2: 210 - 211 حديث 825 - 826، والاستبصار 1: 384 حديث 1459 - 1460، والكافي 3: 397 حديث 3، ومن لا يحضره الفقيه 1: 170 حديث 804.
(3) الأم 1: 9، وبداية المجتهد 1: 76، وبدائع الصنائع 1: 86.
(4) مراقي الفلاح: 28، وبدائع الصنائع 1: 86، والهداية 1: 21.
(5) علي بن أبي حمزة، واسم أبي حمزة سالم البطايني، أبو الحسن، مولى الأنصار كوفي، وكان قائد أبي بصير يحيى بن القاسم. وله أخ يسمى جعفر بن أبي حمزة. روى عن أبي الحسن موسى عليه السلام وعن أبي عبد الله عليه السلام ثم وقف. وهو أحد عمد الواقفة، قاله النجاشي: 188.

[ 65 ]

اللحم، وليس هو مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ نهى عن كل ذي ناب ومخلب (1). وروى الحسين بن سعيد، عن الحسن (2)، عن زرعة (3)، عن سماعة قال: سألته عن لحوم السباع وجلودها قال: أما لحوم السباع من الطير والدواب فإنا نكرهه. وأما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه (4). وأيضا بعد دباغها لا خلاف في جواز استعمالها ولا دليل قبل الدباغ. مسألة 12: جلد الكلب لا يطهر بالدباغ. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: يطهر (6) وبه قال داود (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فالخبر الذي قدمناه، من أن ما لا يؤكل لحمه لا يقع عليه الطهارة بالذكاة.

(1) التهذيب 2: 203 حديث 797، والكافي 3: 397 حديث 3.
(2) الحسن بن سعيد بن حماد بن مهران الأهوازي، من موالي علي بن الحسين عليهما السلام، ومن أصحاب الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام شارك أخاه الحسين في كتبه الثلاثين في جميع رجاله، وزاد بروايته عن زرعة الحضرمي، وفضالة بن أيوب. وكان الحسين يروي عن أخيه عنهما وهو الذي أوصل علي بن مهزيار، وإسحاق بن إبراهيم الحضيني إلى الرضا عليه السلام، حتى جرت الخدمة على أيديهما، الفهرست لابن النديم: 277، ورجال الطوسي: 371، 399 والفهرست: 53، وجامع الرواة 1: 202.
(3) زرعة بن محمد، أبو محمد الحضرمي، ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، وكان صحب سماعة وأكثر عنه. قاله النجاشي في رجاله: 133 وانظر الفهرست للطوسي: 75.
(4) التهذيب 2: 205 حديث 802، ومن لا يحضره الفقيه 1: 169 حديث 801.
(5) الأم 1: 9، وأحكام القرآن للجصاص 1: 115، والمحلى 1: 122، والمجموع 1: 216، ونيل الأوطار 1: 74. (6) أحكام القرآن للجصاص 1: 115، ومراقي الفلاح: 28، والمحلى 1: 122. والمجموع 1: 221، وبداية المجتهد 1: 76.
(7) المحلى 1: 118، وبداية المجتهد 1: 76، وفي المجموع 1: 217: قاله داود وأهل الظاهر وحكاه الماوردي عن أبي يوسف. ونيل الأوطار 1: 76.

[ 66 ]

وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه نهى عن كل ذي ناب (1)، وذلك عام على كل حال. مسألة 13: لا بأس باستعمال أصواف الميت، وشعره، ووبره إذا جز، وعظمه. وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: شعر الميت وصوفه وعظمه نجس (3). وبه قال عطاء (4) (5) وقال الأوزاعي: الشعور كلها نجسة، لكنها تطهر بالغسل (6) وبه قال الحسن البصري (7) والليث بن سعد (8) (9)

(1) التهذيب 2: 203 حديث 797، والكافي 3: 397 حديث 3، وسنن البيهقي 1: 25.
(2) أحكام القرآن للجصاص 1: 121، والمحلى 1: 122، وحاشية الدسوقي 1: 55، ومراقي الفلاح: 28، وبداية المجتهد 1: 75، وشرح فتح القدير 1: 66.
(3) المجموع 1: 230، وشرح فتح القدير 1: 66، وبداية المجتهد 1: 75، وحاشية الدسوقي 1: 55.
(4) عطاء بن أبي رباح، أسلم القرشي، مولاهم أبو محمد المكي. روى عن ابن عباس وابن عمرو ومعاوية، وأسامة وغيرهم. وروى عنه ابنه يعقوب، وأبو إسحاق السبيعي ومجاهد وغيرهم. مات سنة (114 ه‍). طبقات الفقهاء: 44. وتهذيب التهذيب 7: 199.
(5) المجموع 1: 236، وحكى البيهقي في سننه 1: 26 عن عطاء إنه كره الانتفاع بعظام الفيلة وأنيابها.
(6) أحكام القرآن للجصاص 1: 121، والمجموع 1: 236.
(7) أبو سعيد، الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى الأنصار. وأمه خيرة مولاة أم سلمه. روى عن أبي بن كعب، وسعد بن عبادة، وعمر بن الخطاب، ولم يدركهم، وعن ثوبان وعمار بن ياسر وغيرهم. وروى عنه حميد الطويل وقتادة وعطاء بن السائب وغيرهم. مات سنة (110 ه‍). طبقات الفقهاء: 68 وتهذيب التهذيب 2: 263، ومرآة الجنان 1: 229، وشذرات الذهب 1: 136.
(8) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث فارسي، أصبهاني، شيخ الديار المصرية، الإمام المصري. روى عن نافع وابن أبي مليكة ويحيى بن سعيد الأنصاري والزهري وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك وابن وهب وشعيب وغيرهم. مات سنة (175 ه‍). تهذيب التهذيب 8: 459، شذرات الذهب 1: 285، ومرآة الجنان 1: 369.
(9) قال الجصاص في أحكام القرآن 1: 121 ما نصه: وقال الليث لا ينتفع بعصب الميتة ولا بعقبها. ولا أرى بأسا بالقرن والظلف أن ينتفع به، ولا بأس بعظام الميتة ولا الشعر ولا الصوف وانظر =

[ 67 ]

وقال مالك: الشعر والريش والصوف لا روح فيه، ولا ينجس بالموت كما قلناه. والعظم والقرن والسن يتنجس (1). وقال أحمد: صوف الميتة وشعرها طاهر (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين " (3) فامتن علينا بما جعل لنا من المنافع بهذه الأشياء، ولم يفصل بين ما يكون من حي، وما يكون من ميت. وروى حماد، عن حريز، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لزرارة (4) ومحمد ابن مسلم: اللبن، واللباء والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر، وكل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي، وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه (5). مسألة 14: لا بأس بالتمشط بالعاج واستعمال المداهن منه. وبه قال

= المجموع 1: 236. (1) المجموع 1: 236، وبداية المجتهد 1: 75، وحكى ابن حزم في المحلى 1: 122 قول مالك: لا خير في عظام الميتة وهي ميتة. وانظر حاشية الدسوقي 1: 55.
(2) المجموع 1: 236، والإقناع 1: 14.
(3) النحل: 80.
(4) قال ابن النديم: زرارة لقب، واسمه عبد ربه بن أعين بن سنسن، أبو علي، أكبر رجال الشيعة فقها وحديثا ومعرفة بالكلام والتشيع. وذكر الشيخ المامقاني (ره) سنبس وقيل: (سنسن). وضبطه في ترجمة أحمد بن إبراهيم السنسني بسينين مهملتين مضمومتين نسبة إلى سنسن وزان هدهد الشاعر المعروف. وقال النجاشي: شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم، وكان قارئا فقيها متكلما شاعرا أديبا، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقا فيما يرويه، من أصحاب الإمام الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام. مات سنة (150 ه‍). الفهرست لابن النديم 276، رجال النجاشي: 132، ورجال الطوسي 123، 201، 350 تنقيح المقال 1: 438.
(5) الكافي 6: 258 حديث 4، والتهذيب 8: 75 حديث 321، والاستبصار 4: 88 حديث 338.

[ 68 ]

أبو حنيفة (1) وقال الشافعي لا يجوز (2). دليلنا: إن الأصل الإباحة في جميع الأشياء فمن ادعى التحريم فعليه الدلالة، وعليه إجماع الفرقة. وروى ابن أبي عمير (3) عن الحسين بن الحسن بن عاصم (4) عن أبيه (5) إنه قال: دخلت على أبي إبراهيم عليه السلام وفي يده مشط عاج يتمشط به، فقلت له: جعلت فداك إن عندنا بالعراق من يزعم إنه لا يحل التمشط بالعاج، قال: ولم؟ فقد كان لأبي منها مشط أو مشطان. ثم قال: تمشطوا بالعاج، فإن العاج يذهب بالوباء (6) وروى الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن مهزم (7) عن القاسم بن

(1) أحكام القرآن للجصاص 1: 121، ومراقي الفلاح: 28 وشرح فتح القدير 1: 67.
(2) السنن الكبرى 1: 26، والأم 1: 9.
(3) محمد بن زياد بن عيسى، أبو أحمد الأزدي. كان أوثق الناس عند الخاصة والعامة، وأنسكهم نسكا، وأورعهم، وأعبدهم، وأدرك أبا الحسن موسى، والإمامين بعده عليهم السلام، وكان من أصحاب الإجماع، جليل القدر، عظيم الشأن، وأصحابنا يسكنون إلى مراسيله، لأنه لا يرسل إلا عن ثقة. الكنى والألقاب 1: 199، والنجاشي: 250، والفهرست: 142، وتنقيح المقال 2: 61.
(4) لم نقف على ترجمة له في المصادر المتوفرة لدينا، إلا أن أحمد بن المبارك روى عنه أيضا في (باب الكحل من كتاب الكافي) 6: 494 حديث 9.
(5) قال الشيخ المامقاني في التنقيح: الحسن بن عاصم. لم أقف فيه إلا على رواية الحسين ابنه، عن أبي إبراهيم عليه السلام في باب التمشط. وعن أبي عبد الله (ع) في باب الكحل من الكافي. إشارة إلى الرواية المذكورة أعلاه. تنقيح المقال 1: 286.
(6) الكافي 6: 488 حديث 3. وروى البيهقي في سنة 1: 26 عن أنس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتمشط بمشط من عاج.
(7) إبراهيم بن مهزم الأسدي. من بني نصر. أيضا يعرف بابن أبي بردة، ثقة ثقة، عده الشيخ من أصحاب الإمامين أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، وعمر عمرا طويلا. رجال النجاشي: 17. الخلاصة: 6، ورجال الطوسي: 154، 342.

[ 69 ]

الوليد (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عظام الفيل، مداهنها وأمشاطها، فقال: لا بأس بها (2). مسألة 15: يكره استعمال أواني الذهب والفضة، وكذلك المفضض منها. وقال الشافعي: لا يجوز استعمال أواني الذهب والفضة (3)، وبه قال أبو حنيفة في الشرب والأكل والتطيب على كل حال (4). وقال الشافعي: يكره المفضض (5) وقال أبو حنيفة لا يكره (6)، وهو مذهب داود. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روى الحلبي (7)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا تأكل في آنية من فضة. ولا في آنية مفضضة (8). وروى ابن محبوب، عن العلاء بن رزين (9)، عن محمد بن مسلم، عن

(1) القاسم بن الوليد القرشي العماري. روى عن أبي عبد الله عليه السلام. رجال النجاشي: 240.
(2) الكافي 6: 489 حديث 11.
(3) الأم 1: 10، والسنن الكبرى 1: 27، ومغني المحتاج 1: 29، والمجموع 1: 261، ونيل الأوطار 1: 81.
(4) بدائع الصنائع 5: 132، والمجموع 1: 261.
(5) مغني المحتاج 1: 29.
(6) المجموع 1: 261 وبدائع الصنائع 5: 133.
(7) أبو علي، عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي. مولى بني تيم الله بن ثعلبة، كوفي، كان يتجر هو وأبوه وإخوته إلى حلب، فغلبت عليهم النسبة إلى حلب، وآل أبي شعبة، بيت مذكور في أصحابنا، روى جدهم أبو شعبة عن الحسن والحسين عليهم السلام، وكانوا جميعهم ثقات، مرجوعا إلى ما يقولون، وكان عبيد الله كبيرهم، وجههم وصنف الكتاب المنسوب إليهم، وعرضه على الصادق عليه السلام وصححه واستحسنه، وقال عند قرائته: ليس لهؤلاء في الفقه مثله. رجال النجاشي: 171، والفهرست للطوسي: 106، جامع الرواة 1: 529.
(8) الكافي 6: 267 حديث 3، والتهذيب 9: 10 حديث 386.
(9) العلاء بن رزين القلا، ثقفي، مولى. كان يقلي السويق، روى عن أبي عبد الله عليه السلام، وصحب محمد بن مسلم، وتفقه عليه، وكان ثقة، وجها. رجال النجاشي: 229.

[ 70 ]

أبي جعفر عليه السلام أنه نهى عن آنية الذهب والفضة (1). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن استعمال أواني الذهب والفضة (2). مسألة 16: لا يجوز استعمال أواني المشركين من أهل الذمة، وغيرهم. وقال الشافعي: لا بأس باستعمالها ما لم يعلم فيها نجاسة (3) وبه قال أبو حنيفة ومالك (4) وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق (5): لا يجوز استعمالها (6). دليلنا: قوله تعالى: " إنما المشركون نجس " (7)، فحكم عليهم بالنجاسة فيجب أن يكون كلما باشروه نجسا. وعليه إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط تقتضي تنجيسها. وروى محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن آنية أهل الذمة والمجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم، ولا من طعامهم الذي يطبخونه، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر (8). مسألة 17: السواك مسنون، غير واجب، وبه قال جميع الفقهاء (9).

(1) التهذيب 6: 90 حديث 385، والكافي 6: 267 حديث 4.
(2) صحيح مسلم 3: 163، ومن لا يحضره الفقيه 4: 4 (باب مناهي النبي صلى الله عليه وآله).
(3) المجموع 1: 264، ومغني المحتاج 1: 31.
(4) تفسير القرطبي 6: 78.
(5) أبو يعقوب، إسحاق بن راهويه إبراهيم بن مخلد الحنظلي، التميمي، المروزي عالم خراسان في عصره. من سكان مرو، وهو أحد كبار الحفاظ، أخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي وغيرهم. مات سنة (238 ه‍). تاريخ بغداد 6: 345، والفهرست لابن النديم: 286، وطبقات الفقهاء: 78، وتهذيب التهذيب 1: 216.
(6) المجموع: 1: 264.
(7) التوبة: 28.
(8) الكافي 6: 264 حديث 5. (9) الأم 1: 23 ومقدمات ابن رشد 1: 56 والتفسير الكبير 11: 157 وبدائع الصنائع 1: 19، ومغني المحتاج =

[ 71 ]

وقال داود: إنه واجب (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (2). فلو كان واجبا لأمرهم به، شق أو لم يشق. وروى حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يكثر السواك، وليس بواجب. فلا يضرك تركه في فرط (3) الأيام (4). مسألة 18: عندنا أن كل طهارة عن حدث، سواء كانت صغرى، أو كبرى بالماء كانت، أو بالتراب، فإن النية واجبة فيها. وبه قال الشافعي، ومالك، والليث بن سعد، وابن حنبل (5). وقال الأوزاعي: الطهارة لا تحتاج إلى نية (6)، وقال أبو حنيفة: الطهارة

= 1: 55 وشرح فتح القدير 1: 15، ومراقي الفلاح: 11، وحاشية الدسوقي 1: 102، والدراري المضية 1: 58، ونيل الأوطار 1: 126، والمجموع 1: 271. (1) التفسير الكبير 11: 157، والمحلى 2: 8 والمجموع 1: 271، ونيل الأوطار 1: 126 وتحفة الأحوذي 1: 108.
(2) الكافي 3: 22 حديث 1، وسنن الترمذي 1: 34، وسنن ابن ماجه 1: 105 حديث 287.
(3) الفرط: الحين. يقال لقيته في الفرط بعد الفرط. أي الحين بعد الحين. الفرط: أن تأتيه في الأيام، ولا تكون أقل من ثلاثة، ولا أكثر من خمس عشرة ليلة. لسان العرب 7: 370 (مادة فرط).
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 33 حديث 117: المحاسن 2: 563 حديث 960.
(5) التفسير الكبير 11: 153، أحكام القرآن للجصاص 2: 334 والمبسوط للسرخسي 1: 72، ومغني المحتاج 1: 47، وشرح فتح القدير 1: 21، وبداية المجتهد 1: 8، وبدائع الصنائع 1: 19، ومقدمات ابن رشد 1: 40، وحاشية الدسوقي 1: 93.
(6) أحكام القرآن لابن العربي 2: 557، وأحكام القرآن للجصاص 2: 334 وبداية المجتهد 1: 65.

[ 72 ]

بالماء لا تفتقر إلى نية، والتيمم يفتقر إلى النية (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " (2) الآية. فكأن تقدير الآية. فاغسلوا وجوهكم وأيديكم للصلاة، ولا يكون الانسان غاسلا لهذه الابعاض للصلاة إلا بالنية. وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال: " الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرء ما نوى " (3). فبين أن ما لا يكون بنية، لا يكون للانسان، فوجبت النية. وأيضا فإذا نوى فلا خلاف أن طهارته صحيحة، وإذا لم ينو فليس على صحتها دليل. مسألة 19: التسمية على الطهارة مستحبة، غير واجبة. وبه قال جميع الفقهاء (4). وقال إسحاق: واجبة (5) وحكي ذلك عن أهل الظاهر (6). وقال إسحاق: إن تركها عمدا لم تجزه الطهارة، وإن تركها ناسيا أو متأولا أجزأته (7).

(1) التفسير الكبير 11: 153، والمبسوط للسرخسي 1: 72، وأحكام القرآن للجصاص 2: 334، ومراقي الفلاح: 12، وبدائع الصنائع 1: 19، وشرح فتح القدير 1: 21، والمحلى 1: 73، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 557 وبداية المجتهد 1: 8. (2) المائدة 6.
(3) صحيح البخاري 1: 4 حديث 1، سنن ابن ماجه 2: 1413 حديث 4227.
(4) التفسير الكبير 11: 157 وتفسير ابن كثير 2: 23، وشرح فتح القدير 1: 12، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 6، ومقدمات ابن رشد 1: 56، ومراقي الفلاح: 11، ومغني المحتاج 1: 57، وبدائع الصنائع 1: 20، والأم 1: 31 وحاشية الدسوقي 1: 103.
(5) التفسير الكبير 11: 157 وفيه: وقال أحمد وإسحاق: واجبة. وتحفة الأحوذي 1: 117.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 55، وتحفة الأحوذي 1: 117.
(7) سنن الترمذي 1: 38، وتحفة الأحوذي 1: 117، والتفسير الكبير 11: 157.

[ 73 ]

دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى شرع، وليس في الشرع ما يدل على وجوب التسمية. وروى علي بن الحكم (1)، عن داود العجلي (2)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من توضأ فذكر اسم الله تعالى، طهر جميع جسده. ومن لم يسم لم يطهر من جسده إلا ما أصابه الماء (3). مسألة 20: يستحب غسل اليدين قبل إدخالهما الاناء، من النوم مرة، ومن البول مرة، ومن الغائط مرتين، ومن الجنابة ثلاثا. وقال الشافعي: يستحب غسلهما ثلاثا، ولم يفرق (4). وبه قال جميع الفقهاء (5) وقال داود، والحسن البصري: يجب ذلك (6). وقال أحمد: يجب ذلك من نوم الليل دون نوم النهار (7). دليلنا: براءة الذمة، وإجماع الفرقة، وأيضا فإن الله تعالى لما أوجب الوضوء في الآية، ذكر الأعضاء الأربعة، ولم يذكر غسل اليدين قبل إدخالهما الاناء، ولو كان واجبا لذكره.

(1) علي بن الحكم بن الزبير النخعي، أبو الحسن الضرير، مولى النخع، كوفي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام ووثقه في الفهرست. رجال الطوسي: 382، وفهرست الشيخ الطوسي: 87، ورجال النجاشي: 210.
(2) داود العجلي مولى أبي المغرا. لم نعثر على ترجمته في المصادر المتوفرة لدينا، سوى أنه روى عن أبي عبد الله عليه السلام، وروى عنه علي بن الحكم في الكافي 3: 344 حديث 22، وروى عن أبي بصير في التهذيب 1: 358 حديث 1076. وفي الاستبصار 1: 68 حديث 205. وروى أيضا عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام في الكافي 3: 90 حديث 7.
(3) التهذيب 1: 358 حديث 1076، والاستبصار 1: 68 حديث 205.
(4) الأم 1: 24، ومغني المحتاج 1: 57، وتحفة الأحوذي 1: 111، وبداية المجتهد 1: 8.
(5) تفسير ابن كثير 2: 23، وفتح القدير 1: 13، وبداية المجتهد 1: 8.
(6) بداية المجتهد 1: 8، وتحفة الأحوذي 1: 112.
(7) مسائل الإمام أحمد بن حنبل: 4، وسنن الترمذي 1: 37، وتحفة الأحوذي 1: 112.

[ 74 ]

وروى ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان (1)، عن عبيد الله الحلبي قال: سألته عن الوضوء، كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أن يدخلها في الاناء؟ قال: واحدة من حدث البول، واثنتين من الغائط، وثلاثا من الجنابة (2). مسألة 21: المضمضة والاستنشاق مسنونان في الطهارة الصغرى والكبرى معا، وبه قال الشافعي (3). وقال الثوري (4) وأبو حنيفة: هما واجبان في الغسل من الجنابة، ومسنونان في الوضوء (5). وقال ابن أبي ليلى (6) (7) وإسحاق: هما واجبان في الطهارتين

(1) حماد بن عثمان بن عمرو بن خالد الفزاري، مولاهم، كوفي، كان يسكن عرزم فنسب إليها، وأخوه، ثقتان رويا عن أبي عبد الله عليه السلام، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق والكاظم وأبي الحسن الرضا عليهم السلام. مات سنة (190 ه‍). رجال النجاشي: 110، ورجال الطوسي 173 و 346 و 371.
(2) التهذيب 1: 36 حديث 96، والكافي، 1: 12 حديث 5، والاستبصار 1: 50 حديث 141.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 62، وسنن الترمذي 1: 41، والمحلى 2: 50، والتفسير الكبير 11: 157 وتفسير ابن كثير 2: 23، وبداية المجتهد 1: 9، وشرح فتح القدير 1: 38، والدراري المضية 1: 48.
(4) أبو عبد الله، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الكوفي، روى عن أبيه، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير وغيرهم. وروى عنه جمع كثير، منهم: جعفر بن برقان، وخصيف بن عبد الرحمن، وابن إسحاق. مات سنة (161 ه‍). طبقات الفقهاء: 65 وتهذيب التهذيب 4: 111.
(5) التفسير الكبير 11: 157، والمبسوط 1: 62، وسنن الترمذي 1: 41، وشرح فتح القدير 1: 38 و 16، المحلى 2: 50، بداية المجتهد 1: 9، وتحفة الأحوذي 1: 120، والدراري المضية 1: 48، وتفسير ابن كثير 2: 23.
(6) بداية المجتهد 1: 9، وتحفة الأحوذي 1: 120، والدراري المضية 1: 48.
(7) أبو عبد الرحمن، محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، قاضي الكوفة، تفقه على الشعبي، والحكم بن عيينة. وأخذ عنه الفقه سفيان بن سعيد الثوري، والحسن بن صالح بن حي. مات (148 ه‍). طبقات الفقهاء: 64، والتاريخ الكبير 1: 162. وتهذيب التهذيب 9: 301.

[ 75 ]

معا (1). وقال أحمد: الاستنشاق واجب فيهما والمضمضة لا تجب (2). دليلنا: براءة الذمة، وإيجابهما يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وأيضا لما ذكر الله تعالى الأعضاء الواجب غسلها في الآية لم يذكرهما. وروى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المضمضة والاستنشاق مما سن رسول صلى الله عليه وآله (3). مسألة 22: إيصال الماء إلى ما يستره شعر اللحية، وتخليلها غير واجب. فيجزي في الوضوء إمرار الماء على الشعر. وقال الشافعي: يستحب تخليل الشعر (4) وقال إسحاق، وأبو ثور، والمزني (5): التخليل واجب (6). وحكي عن أبي حنيفة قولان: الأول، إنه يلزمه إمرار الماء على اللحية، والثاني: إنه يلزمه إمرار الماء على ربعها (7).

(1) سنن الترمذي 1: 41، تحفة الأحوذي 1: 120، الدراري المضية 1: 48، والتفسير الكبير 11: 157.
(2) تفسير القرطبي 6: 84، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 07 وتحفة الأحوذي 1: 120، والدراري المضية 1: 48، والمحلى 2: 50.
(3) الاستبصار 1: 67 حديث 202، والتهذيب 1: 79 حديث 203.
(4) سنن الترمذي 1: 46، وبداية المجتهد 1: 10، وعمدة القاري 3: 222.
(5) المزني: بضم الميم وفتح الزاي، أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن عمرو بن إسحاق المصري الشافعي، الفقيه. هو أول من صنف في مذهب الشافعي. مات بمصر سنة (264 ه‍). وقال ابن النديم: المزني هو أبو إبراهيم، إسماعيل بن إبراهيم المزني، من مزينة، قبيلة من قبائل اليمن، أخذ عن الشافعي. طبقات الشافعية: 5، والفهرست لابن النديم: 266، والكنى والألقاب 3: 182.
(6) تفسير القرطبي 6: 84 وقال الترمذي في سننه 1: 46: قال إسحاق: إن تركه ناسيا أو متأولا أجزأه، وإن تركه عامدا أعاده. وانظر تحفة الأحوذي 1: 129 و 132. وذكر العيني قول المزني في عمدة القاري 3: 222.
(7) قال السرخسي في المبسوط 1: 80 حكاه المعلى عن أبي يوسف. ونحوه في أحكام القرآن للجصاص 2: 339، ومراقي الفلاح: 10، وشرح فتح القدير 1: 18، وبدائع الصنائع 1: 3.

[ 76 ]

دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وإيجاب التخليل يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى زرارة بن أعين، أنه قال لأبي جعفر عليه السلام، هل يجب غسل ما أحاط به الشعر؟ فقال: كل ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه، ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء (1). مسألة 23: حد الوجه الذي يجب غسله في الوضوء، من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن طولا، وما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا. وقال جميع الفقهاء: إن حده من منابت الشعر من رأسه، إلى مجمع اللحية والذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا (2). إلا مالكا فإنه قال: البياض الذي بين العذار (3) والأذن لا يلزمه غسله (4). وقال الزهري: ما أقبل من الأذنين من الوجه، يغسل مع الوجه (5). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك. وأيضا فلا خلاف في إن ما اعتبرناه من الوجه، وما زاد عليه يحتاج إلى دليل. وروى حماد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأحدهما عليه السلام، أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي له أن يوضأ، والذي قال الله تعالى وأمر بغسله، الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر، وإن نقص منه أثم. قال: ما دارت عليه السبابة والوسطى والابهام، من

(1) التهذيب 1: 364 حديث 1106، ومن لا يحضره الفقيه 1: 28 ذيل حديث 88.
(2) التفسير الكبير 11: 157، والأم 1: 25، والمبسوط للسرخسي 1: 6، والمجموع 1: 371.
(3) عذار اللحية جانباها، يتصل أعلاها بالصدغ، وأسفله بالعارض. مجمع البحرين: 297 (مادة عذر).
(4) مقدمات ابن رشد 1: 50، وبداية المجتهد 1: 10، وحاشية الدسوقي 1: 85 ونيل الأوطار 1: 188.
(5) أحكام القرآن لابن العربي 2: 573، وتحفة الأحوذي 1: 147، وبداية المجتهد 1: 14، ونيل الأوطار 1: 188. وروى عبد الرزاق بن همام في المصنف 1: 14 عن الشعبي قال: ما استقبل الوجه من الأذنين فهو من الوجه يغسله، وظاهرهما من الرأس، ونحوه في التفسير الكبير 11: 159.

[ 77 ]

قصاص شعر الرأس إلى الذقن، وما جرت عليه الإصبعان من الوجه مستديرا، فهو من الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه. قلت: الصدغ (1) ليس من الوجه؟ قال: لا (2). مسألة 24: ما استرسل من شعر اللحية طولا وعرضا، لا يجب إفاضة الماء عليه وهو أحد قولي الشافعي (3)، واختيار المزني (4) وبه قال أبو حنيفة (5). والقول الآخر: إنه يجب (6). ولا خلاف أنه لا يجب غسل هذا الشعر. دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة المحقة، وأيضا فإن الله تعالى أوجب غسل الوجه، وما استرسل من الشعر لا يسمى وجها. مسألة 25: لا يجب إيصال الماء إلى أصل شئ من شعر الوجه مثل شعر الحاجبين والأهداب والعذار والشارب والعنفقة (7). وبه قال أبو حنيفة (8).

(1) قال ابن الأثير، الصدغ، هو ما بين العين إلى شحمة الأذن. النهاية 3: 17. وقال الجوهري: الصدغ بالضم: ما بين العين والأذن ويسمى أيضا الشعر المتدلي عليه صدغا. وفيه: ربما قيل صدغ بالسين لما حكاه عن قطرب. انظر الصحاح في اللغة (فصل الصاد من باب الغين).
(2) الكافي 3: 27 حديث 1، والتهذيب 1: 54 حديث 154، ومن لا يحضره الفقيه 1: 28 حديث 88 باختلاف يسير في اللفظ.
(3) الأم 1: 25، وبداية المجتهد 1: 10، ومغني المحتاج 1: 52، والأم (مختصر المزني): 2، والتفسير الكبير 11: 158.
(4) الأم (مختصر المزني): 2، والتفسير الكبير 11: 158.
(5) التفسير الكبير 11: 158، والمبسوط للسرخسي 1: 6، وأحكام القرآن للجصاص 2: 339، ومراقي الفلاح: 10، وبداية المجتهد 1: 10، وشرح فتح القدير 1: 9، وبدائع الصنائع 1: 4.
(6) الأم 1: 25، وبدائع الصنائع 1: 4، والتفسير الكبير 11: 158، الأم (مختصر المزني): 2.
(7) قال ابن منظور: العنفقة، ما بين الشفة السفلى والذقن منه، لخفة شعرها. وقيل ما بين الذقن وطرف الشفة السفلى، كان عليها شعرا أو لم يكن. وقيل: ما نبت على الشفة السفلى من الشعر. لسان العرب 12: 150 (مادة عنفق).
(8) شرح فتح القدير 1: 10، وبدائع الصنائع 1: 3.

[ 78 ]

وقال الشافعي: ذلك واجب (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء، وعليه إجماع الفرقة، وخبر زرارة، وقد قدمناه (2). مسألة 26: غسل المرفقين واجب مع اليدين، وبه قال جميع الفقهاء (3) إلا زفر (4) فإنه قال: لا يجب ذلك (5). دليلنا: قوله تعالى: " وأيديكم إلى المرافق " (6) فإن " إلى " قد تكون بمعنى " مع " وتكون بمعنى الغاية. وقد ثبت عن الأئمة عليهم السلام إن المراد بها في الآية " مع " فعلمنا بذلك وجوب غسلهما، وأيضا الاحتياط يقتضي ذلك. لأن من غسل المرفقين مع اليدين، لا خلاف أن وضوءه صحيح. وإذا لم يغسلهما، ليس على صحته دليل. وروى جابر، إن النبي صلى الله عليه وآله توضأ فغسل يديه، وذلك من مرفقيه (7)، وعليه إجماع الفرقة.

(1) الأم: 1: 25، ومغني المحتاج 1: 51، وبدائع الصنائع 1: 3.
(2) تقدم في المسألة (22).
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 341، ومقدمات ابن رشد 1: 51، ومراقي الفلاح: 9، وعمدة القاري 2: 233: وأحكام القرآن لابن العربي 2: 565، وشرح فتح القدير 1: 10، وبدائع الصنائع 1: 4، وبداية المجتهد 1: 10، ومغني المحتاج 1: 52، وحاشية الدسوقي 1: 87، والتفسير الكبير 11: 159، والمبسوط للسرخسي 1: 6.
(4) أبو الهذيل، زفر بن الهذيل بن قيس بن مسلم بن مكمل بن ذهل بن ذويب العنبري. أحد الفقهاء والزهاد، وأول من قدم البصرة برأي أبي حنيفة، مات سنة (158 ه‍) الفهرست لابن النديم: 256، والجرح والتعديل 3: 608، ولسان الميزان 2: 476.
(5) شرح فتح القدير 1: 10 وأحكام القرآن للجصاص 2: 341، وعمدة القاري 2: 233. وبدائع الصنائع 1: 4، والتفسير الكبير 11: 159 وفيه: وقال مالك وزفر: لا يجب غسلهما.
(6) المائدة: 6.
(7) لم نعثر على هذه الرواية، إلا أن الدار قطني في سننه 1: 83، روى عن جابر بن عبد الله قال: كان =

[ 79 ]

وروى عمر بن أذينة (1)، عن بكير (2) وزرارة ابني أعين أنهما سألا أبا جعفر عليه السلام عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فوصف لهما، إلى أن انتهى إلى غسل اليدين، فقالا: ثم غمس كفه اليسرى في الاناء، فاغترف بها من الماء، فغسل به اليمنى من المرفق إلى أطراف الأصابع لا يرد الشعر، وكذلك فعل باليسرى (3). مسألة 27: مسح الرأس دفعة واحدة، وتكراره بدعة. وقال أبو حنيفة: ترك التكرار أولى (4) وقال الشافعي: المسنون ثلاث مرات (5) وبه قال الأوزاعي: والثوري. وقال: ابن سيرين (6): يمسح

= رسول الله (ص) إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. وقال السرخسي في المبسوط 1: 7: إنه (ص) توضأ وأدار الماء على مرافقه. (1) عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن أذينة بن سلمة. قال النجاشي في رجاله: 218: شيخ أصحابنا البصريين ووجههم، روى عن أبي عبد الله عليه السلام بمكاتبة. وقيل: اسمه محمد بن عمر بن أذينة فغلب عليه اسم أبيه. وقيل: أحمد بن عمر بن أذينة أيضا. وثقه الشيخ في الفهرست. انظر تفصيل ذلك في تنقيح المقال 2: 340، والفهرست: 113.
(2) بكير بن أعين بن سنسن، أخو زرارة، كوفي. يكنى أبا الجهم من موالي بني شيبان. لما بلغ الصادق (ع) موت بكير بن أعين قال: (أما والله لقد أنزله الله عز وجل بين رسول الله (ص) وبين أمير المؤمنين (ع). عده الشيخ من أصحاب الإمام الباقر والصادق عليهما السلام. رجال الطوسي: 109 و 157، وجامع الرواة 1: 129.
(3) مما يظهر من رواية الشيخ (قدس سره) في التهذيب والاستبصار، ورواية الكليني (قدس سره) في الكافي، إن ما ذكر أعلاه ليس نصا لرواية، بل إن المصنف نور الله ضريحه ذكرها بتصرف. وللإطلاع على نص الرواية، انظر التهذيب 1: 56 حديث 158، والاستبصار 1: 57 حديث 168، والكافي 3: 25 حديث 5.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 7، ومراقي الفلاح: 12، وبدائع الصنائع 1: 22، ونيل الأوطار 1: 198.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 7، وبدائع الصنائع 1: 22، وبداية المجتهد 1: 12، وتفسير القرطبي 6: 89 ومغني المحتاج 1: 58، والأم 1: 26، ونيل الأوطار 1: 197.
(6) محمد بن سيرين الأنصاري، مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، إمام وقته. روى عن مولاه =

[ 80 ]

دفعتين (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم و أرجلكم " (2) فأوجب المسح بالظاهر. وقد ثبت أن الأمر لا يقتضي التكرار، فمن أوجب التكرار احتاج إلى دليل، وكذلك من قال إنه مسنون احتاج إلى دليل. وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في مسح القدمين، ومسح الرأس قال: مسح الرأس واحدة (3). مسألة 28: لا يجوز أن يستأنف لمسح الرأس والرجلين ماءا جديدا عند أكثر أصحابنا. وقد رويت رواية شاذة أنه: يستأنف ماءا جديدا (4)، وهي محمولة على التقية. فإن جميع الفقهاء يوجبون استئناف الماء (5)، إلا مالكا. فإنه أجاز المسح ببقية الماء، لإجازته استعمال الماء المستعمل. وإن كان الأفضل عنده استئناف الماء (6).

= أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وجندب بن عبد الله البجلي وغيرهم. وروى عنه الشعبي، وثابت، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند. مات سنة (110 ه‍). تهذيب التهذيب 9: 214. (1) تفسير القرطبي 6: 89.
(2) المائدة: 6.
(3) في التهذيب 1: 82، حديث 215، والاستبصار 1: 61 حديث 181 مع زيادة نصها: من مقدم الرأس ومؤخره، ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما. وروى الترمذي في سننه 1: 50 (باب ما جاء إن مسح الرأس مرة) قال: حدثنا محمد بن منصور المكي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سألت جعفر ابن محمد عليهما السلام عن مسح الرأس، أيجزي مرة؟ فقال: أي والله.
(4) الاستبصار 1: 58 حديث 173 و 174: والتهذيب 1: 58 حديث 163 و 164.
(5) تحفة الأحوذي 1: 142، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 571، وسنن الترمذي 1: 51.
(6) موطأ مالك 1: 41، وحاشية الدسوقي 1: 88.

[ 81 ]

دليلنا: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم وأرجلكم " (1)، ولم يذكر استئناف الماء، وهذا قد مسح. فإن قيل: ولم يذكر المسح ببقية الندى، قلنا: نحن نحمل الآية على العموم، ونخصها بدليل إجماع الفرقة. وقد تكلمنا على الروايات المختلفة في ذلك، في الكتابين المقدم ذكرهما (2). وروى بكير وزرارة، عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام أنهما حين وصفا وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، ذكرا في آخره أنه لم يستأنف لمسح الرأس والرجلين ماءا جديدا، وذلك نص (3). وروى أبو عبيدة الحذاء (4) قال: وضأت أبا جعفر عليه السلام بجمع (5) وقد بال فناولته ماءا فاستنجى، ثم صببت عليه كفا، فغسل به وجهه، وكفا فغسل به ذراعه الأيمن، وكفا فغسل به ذراعه الأيسر، ثم مسح بفضلة الندى رأسه ورجليه (6). مسألة 29: المسح ببعض الرأس هو الواجب، والأفضل ما يكون مقداره

(1) المائدة: 6.
(2) أي التهذيب 1: 58 و 59، والاستبصار 1: 58 و 59.
(3) تقدم في المسألة (26).
(4) زياد بن عيسى، أبو عبيدة الحذاء، كوفي، مولى، ثقة. روى عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع) مات في حياة أبي عبد الله (ع). وقال سعد بن عبد الله الأشعري: ومن أصحاب أبي جعفر، أبو عبيدة، وهو زياد بن رجاء كوفي، ثقة، صحيح، واسم أبي الرجاء منذر. وقيل: زياد بن أحرم ولم يصح. رجال النجاشي: 129.
(5) جمع: بالفتح والسكون، المشعر الحرام، وهو أقرب الموقفين إلى مكة المشرفة، مجمع البحرين: 389. وفي المصباح المنير 1: 150: ويقال: المزدلفة، جمع.
(6) الاستبصار 1: 58 حديث 172 نحوه. وفيه أيضا: 69 حديث 209، والتهذيب 1: 58 حديث 162 بلفظ آخر نصه: قال: وضأت أبا جعفر عليه السلام بجمع وقد بال فناولته ماءا فاستنجى، ثم أخذ كفا فغسل به وجهه وكفا غسل به ذراعه الأيمن وكفا غسل به ذراعه الأيسر، ثم مسح بفضلة الندى رأسه ورجليه.

[ 82 ]

ثلاث أصابع مضمومة، ويجزي مقدار إصبع واحد. وقال مالك: يجب مسح الرأس كله (1)، فإن ترك بعضه ناسيا لم يؤثر، وإن تركه عامدا فإن كان الثلث فما دونه لم يؤثر، وإن كان أكثر من الثلث بطل وضوءه. وقال الشافعي: ما يقع عليه اسم المسح يجزي (2) وبه قال الأوزاعي، والثوري. قال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: إنه يجب أن يمسح قدر ثلث الرأس بثلاث أصابع. وفي الثانية: إنه يمسح ربع الرأس بثلاث أصابع (3) وقال زفر يمسح ربع الرأس بإصبع واحد (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم " (5)، قد ثبت إن الباء تقتضي التبعيض، لأنه لا بد من أن يكون لدخولها في الكلام المفيد المستقل بنفسه فائدة، وليست فائدتها إلا التبعيض. وأيضا روى زرارة وبكير ابنا أعين عن أبي جعفر عليه السلام إنه قال في المسح: تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشئ من رأسك، أو بشئ من قدميك، ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد

(1) المدونة الكبرى 1: 16، وأحكام القرآن للجصاص 2: 341، والمبسوط للسرخسي 1: 63، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 566، وشرح فتح القدير 1: 11، وبداية المجتهد 1: 11، وعمدة القاري 2: 234، وبدائع الصنائع 1: 4، وحاشية الدسوقي 1: 88. والتفسير الكبير 11: 160.
(2) الأم 1: 26، وأحكام القرآن للجصاص 2: 341 والمبسوط للسرخسي 1: 63، ومغني المحتاج 1: 53، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 566، وبداية المجتهد 1: 11، وبدائع الصنائع 1: 4، وعمدة القاري 2: 234 وفتح المعين: 6. والتفسير الكبير 11: 160.
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 344، والمبسوط للسرخسي 1: 63، وعمدة القاري 2: 234 وشرح فتح القدير 1: 11، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 566، وبدائع الصنائع 1: 4، وفتح المعين: 6. وبداية المجتهد 1: 11.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 344، وبدائع الصنائع 1: 4.
(5) المائدة: 6.

[ 83 ]

أجزأك (1). مسألة 30: مسح جميع الرأس غير مستحب. وقال جميع الفقهاء: إن مسح جميعه مستحب (2). دليلنا: إن استحبابه يحتاج إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل عليه وأيضا أجمعت الفرقة على إن ذلك بدعة، فوجب نفيه. مسألة 31: استقبال شعر الرأس واليدين في المسح والغسل لا يجوز. وقال جميع الفقهاء: إن ذلك جائز (3). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا ما ذكرناه لا خلاف إن فرض الوضوء يسقط به، وما قالوه ليس على سقوط الفرض به دليل. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه حين علم الأعرابي الوضوء قال له: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " (4). فلا يخلو أن يكون استقبل الشعر، أو لم يستقبله. فإن كان استقبل فيجب فيمن لا يستقبل أن لا يجزيه. وقد أجمعنا على خلافه. وإن كان ما استقبل الشعر، فقد ثبت أن من خالفه لا يجزيه، ولا يقبل الله تعالى صلاته. مسألة 32: موضع مسح الرأس، مقدمه. وقال جميع الفقهاء: إنه مخير، أي مكان شاء مسح مقدار الواجب (5). دليلنا: طريقة الاحتياط، فإن من مسح الموضع الذي قلناه فصلاته ماضية بلا خلاف. وإن مسح موضعا آخر ففيه خلاف. وعليه إجماع الفرقة. وخبر

(1) التهذيب 1: 90 حديث 237، والاستبصار 1: 61 حديث 182.
(2) مغني المحتاج 1: 59، ومراقي الفلاح 1: 12، وبدائع الصنائع 1: 22، ونيل الأوطار 1: 192.
(3) مسائل الإمام أحمد بن حنبل: 6، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 572 وتحفة الأحوذي 1: 134، ونيل الأوطار 1: 192.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 25 حديث 76، والمبسوط للسرخسي 1: 9 عن ابن عمر.
(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 341، الأم 1: 26، وفتح الباري 1: 292.

[ 84 ]

الأعرابي أيضا يدل عليه على الترتيب الذي قلناه. وقد رويت روايات من جهة الخاصة موافقة للعامة. بينا الوجه فيها في الكتابين المذكورين (1). مسألة 33: من كان على رأسه جمة (2) فأدخل يده تحتها، ومسح على رأسه أجزءه. وقال الشافعي: لا يجزيه (3). دليلنا: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم " (4)، وهذا مسح رأسه. والأخبار المروية في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله إنه مسح رأسه. تدل على ذلك (5). مسألة 34: إذا غسل رأسه لا يجزيه عن المسح. وعن الشافعي روايتان: إحداهما مثل ما قلناه (6). والأخرى: إنه يجزيه. وهو مذهب باقي الفقهاء (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم " (8)، ومن

(1) التهذيب 1: 62 حديث 169 - 170، والاستبصار 1: 60 - 61 حديث 179 و 180، والكافي 3: 72 حديث 11.
(2) قال ابن الأثير في النهاية 1: 300: الجمة: هو الاجتماع والكثرة، والغفير من الغفر، وهو التغطية والستر، فجعلت الكلمتان في موضع الشمول والاحاطة. وقال أيضا: الجمة من شعر الراس، ما سقط على المنكبين. وورد في مجمع البحرين: 530: الجمة من الانسان، مجتمع شعر ناصيته.
(3) الأم 1: 26.
(4) المائدة: 6.
(5) من لا يحضره الفقيه 1: 24 حديث 74، والكافي 1: 25 حديث 4 و 5، والتهذيب 1: 190 و 191.
(6) فتح العزيز 1: 355، ومغني المحتاج 1: 53. (7) فتح العزيز 1: 355، ومغني المحتاج 1: 53، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 571، وحاشية الدسوقي 1: 89، وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 114، وتفسير القرطبي 6: 90.
(8) المائدة: 6.

[ 85 ]

غسل فلم يمسح. لأن المسح غير الغسل. وخبر الأعرابي يدل على ذلك أيضا على ما بيناه لأن النبي صلى الله عليه وآله مسح بلا خلاف. مسألة 35: إيصال الماء إلى داخل العين في غسل الوجه ليس بمستحب. وقال أصحاب الشافعي: إنه مستحب وحكي عن ابن عمر مثل ذلك (1). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، والوجوب والندب يحتاجان إلى دليل. وأيضا قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم " (2) ولم يقل وأعينكم. وخبر الأعرابي يدل على ذلك أيضا، لأنه لم يرو أنه غسل داخل العين، ولو كان غسلهما لما جاز تركهما. وأيضا إجماع الفرقة يدل على ذلك. مسألة 36: المسح على العمامة لا يجوز. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، ومالك (3). وقال الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: ذلك جائز (4). دليلنا: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم " (5)، فأوجب المسح على الرأس. ومن مسح على العمامة لم يمسح رأسه. وأيضا إجماع الفرقة يدل على ذلك.

(1) المبسوط للسرخسي 1: 6، وأحكام القرآن للجصاص 2: 366، وبدائع الصنائع 1: 4، وتفسير القرطبي 6: 84 وحكى الفخر الرازي في تفسيره 11: 157 عن ابن عباس قوله بوجوب إيصال الماء داخل العين.
(2) المائدة: 6.
(3) الأم 1: 26، ومقدمات ابن رشد 1: 52 وشرح فتح القدير 1: 11، وبداية المجتهد 1: 13، وبدائع الصنائع 1: 5، وأحكام القرآن للجصاص 2: 351.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 351، ومقدمات ابن رشد 1: 52، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 8، وبداية المجتهد 1: 13، والدراري المضية 1: 52.
(5) المائدة: 6.

[ 86 ]

وروى يونس (1)، عن حماد (2)، عن الحسين (3)، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، عن رجل توضأ وهو معتم، وثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد؟ فقال: ليدخل إصبعه (4). مسألة 37: لا يجوز مسح الأذنين، ولا غسلهما في الوضوء. وقال الشافعي: يستحب أن يمسحا بماء جديد (5). وقال أبو حنيفة: إنهما من الرأس، يمسحان معه (6). وذهب الزهري: إلى أنهما من الوجه يغسلان معه (7).

(1) أبو محمد، يونس بن عبد الرحمن، مولى علي بن يقطين بن موسى، مولى بني أسد. كان وجها في أصحابنا، متقدما عظيم المنزلة. ولد في أيام هشام بن عبد الملك، ورأى جعفر بن محمد عليه السلام بين الصفا والمروة، ولم يرو عنه. وروى عن أبي الحسن موسى والرضا عليهما السلام. وكان الرضا عليه السلام يشير إليه في العلم والفتيا، وكان ممن بذل له على الوقف مال جزيل، وامتنع من أخذه، وثبت على الحق. قاله النجاشي عده الشيخ في أصحاب الإمام الكاظم والرضا عليهما السلام وقال: ضعفه القميون وهو ثقة. وقال العلامة: مات سنة ثمان ومأتين. رجال النجاشي: 348، والخلاصة: 184. ورجال الطوسي 364، 394.
(2) هو حماد بن عيسى، تقدمت ترجمته في مسألة 7.
(3) الحسين بن المختار، أبو عبد الله القلانسي. كوفي، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليه السلام، له كتاب يرويه عنه حماد بن عيسى وغيره. عده الشيخ في أصحاب الكاظم عليه السلام وقال: واقفي. وعده الشيخ المفيد في الارشاد من الثقات وأهل الورع الذين رووا النص على الإمام الرضا عليه السلام رجال الشيخ الطوسي: 346، وإرشاد الشيخ المفيد: 304. ورجال النجاشي: 43.
(4) التهذيب 1: 90 حديث 239. والكافي 3: 30 حديث 3، والاستبصار 1: 61 حديث 183.
(5) الأم 1: 26، وأحكام القرآن للجصاص 2: 353، وبداية المجتهد 1: 13، وتفسير القرطبي 6: 90، وتحفة الأحوذي 1: 147.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 65، وأحكام القرآن للجصاص 2: 353، وشرح معاني الآثار 1: 34، وبداية المجتهد 1: 13، وشرح فتح القدير 1: 12، وتحفة الأحوذي 1: 148، وتفسير القرطبي 6: 90.
(7) أحكام القرآن لابن العربي 2: 573، وتحفة الأحوذي 1: 147، وأشار أيضا إلى ذلك ابن رشد في بداية المجتهد 1: 14 بقوله: وشذ قوم فذهبوا إلى أنهما يغسلان مع الوجه.

[ 87 ]

وذهب مالك وأحمد إلى أنهما من الرأس لكنهما يمسحان بماء جديد (1). وذهب الشعبي (2) والحسن البصري، وإسحاق: إلى أن ما أقبل منهما يغسل، وما أدبر يمسح مع الرأس (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين " (4)، فأوجب غسل الوجه، ومسح الرأس، ولم يذكر الأذنين. وأيضا خبر الأعرابي يدل عليه. وروى ابن بكير (5)، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام، إن أناسا يقولون: إن بطن الأذنين من الوجه، وظهرهما من الرأس. فقال: ليس عليهما غسل ولا مسح (6). مسألة 38: الفرض في غسل الأعضاء مرة واحدة، واثنتان سنة، والثالثة بدعة. وفي أصحابنا من قال: إن الثانية بدعة (7) وليس بمعول عليه. ومنهم من

(1) المدونة الكبرى 1: 16، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 8، وأحكام القرآن للجصاص 2: 353، وتحفة الأحوذي 1: 148. وتفسير القرطبي 6: 90، وبداية المجتهد 1: 13.
(2) أبو عمر، عامر بن شراحيل الشعبي الحميري، كوفي من شعب همدان، وإليها ينسب. روى عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وزيد بن ثابت، وسعيد بن زيد وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، والأعمش، وسعيد بن عمر وغيرهم. مات سنة (104 ه‍). وقيل (107 ه‍). طبقات الفقهاء: 61، وتهذيب التهذيب 5: 65.
(3) سنن الترمذي 1: 55، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 574، وتحفة الأحوذي 1: 147.
(4) المائدة: 6.
(5) أبو علي، عبد الله بن بكير بن أعين بن سنسن الشيباني ثقة، مولاهم، روى عن الصادق عليه السلام، وروى عنه الحسن بن علي بن فضال، والقاسم بن عروة، وجعفر بن بشير وغيرهم. رجال النجاشي: 164، والفهرست 106، وتنقيح المقال 2: 171.
(6) الاستبصار 1: 63 حديث 187، والكافي 3: 29 حديث 10. وفي التهذيب 1: 55 حديث 156 من دون كلمة (بطن).
(7) لم نعثر على هذا القول في مظان المصادر المتوفرة لدينا. وقد صرح بنسبته للشيخ الصدوق (قدس سره) =

[ 88 ]

.............................................................................

(1) ابن إدريس في السرائر: وقال: والمرتان سنة وفضيلة بإجماع المسلمين، ولا يلتفت إلى خلاف من خالف من أصحابنا بأنه لا يجوز المرة الثانية، لأنه إذا تعين المخالف وعرف اسمه ونسبه فلا يعتد بخلافه. والشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه يخالف في ذلك. (انتهى). وقد استند على قول ابن إدريس (قدس سره) أكثر الفقهاء الذين تلوه، ونسبوا المخالفة إلى الشيخ الصدوق قدس سره أيضا. فنقول: لم يستظهر من كتب الشيخ الصدوق (قدس سره) كما ستطلع عليه القول بذلك. ولعل ابن إدريس (قدس سره) استند إلى كتاب آخر غير ما هو موجود بين أيدينا من كتب الشيخ الصدوق (قدس سره). أما ما قاله الصدوق في الهداية: 17 ما لفظه: إن من توضأ مرتين لم يؤجر، ومن توضأ ثلاثا فقد أبدع (إنتهى). وأما ما قاله في الفقيه 1: 25 ما لفظه: وأما الأخبار التي رويت في أن الوضوء مرتين مرتين، فأحدها بإسناد منقطع برواية أبي جعفر الأحول، ذكر عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فرض الله الوضوء واحدة ووضع رسول الله صلى الله عليه وآله للناس اثنتين اثنتين. وهذا على وجه الانكار، لا على وجه الإخبار. كأنه عليه السلام يقول: حد الله حدا فتجاوزه رسول الله صلى الله عليه وآله وتعداه. وقال تعالى: " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ". وفي حديث آخر بإسناد منقطع رواه عمرو بن أبي المقدام قال: حدثني من سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: إني لأعجب ممن يرغب أن يتوضأ اثنتين اثنتين وقد توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله اثنتين اثنتين، فإن النبي صلى الله عليه وآله كان يجدد الوضوء لكل فريضة. فمعنى هذا الحديث هو إني لأعجب ممن يرغب عن تجديد الوضوء، وقد جدده النبي صلى الله عليه وآله. والخبر الذي روي: إن من زاد على مرتين لم يؤجر يؤكد ما ذكرته. ومعناه إن تجديده بعد التجديد لا أجر له. وكذلك ما روي إن مرتين أفضل معناه التجديد. وكذلك ما روي في مرتين أنه إسباغ. (إنتهى). ويستفاد مما تقدم من كلام الشيخ الصدوق قدس سره: إن الثانية لم يؤجر عليها هو غسل الأعضاء في الوضوء الواحد مرتين. وعدم الأجر على الفعل لا يدل على عدم الجواز، وكونه بدعة. ولعل ابن إدريس وصاحب الحدائق وغيرهما من الفقهاء العظام قدس الله أرواحهم استظهروا من عدم الأجر كونه بدعة.

[ 89 ]

قال: الثالثة تكلف (1)، ولم يصرح بأنها بدعة (2). والصحيح الأول. وقال الشافعي: الفرض واحد، واثنتان أفضل، والسنة ثلاثة (3). وبه قال أبو حنيفة، وأحمد (4). وقال مالك: مرة أفضل من المرتين. وحكي عن بعضهم إن الثلاث مرات واجب. دليلنا: قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم " (5)، ومن غسل دفعة واحدة وجهه ويديه، فقد أدى الفرض. فمن ادعى أكثر منه فرضا أو سنة فعليه الدليل. وأيضا روى ابن محبوب، عن ابن رباط (6) عن يونس بن عمار (7) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء للصلاة؟ فقال: مرة مرة (8). مسألة 39: الفرض في الطهارة الصغرى المسح على الرجلين.

(1) في نسخة كما نقل عنها الشيخ البحراني في الحدائق الناضرة 2: 319 (ومنهم من قال: إن الثانية تكلف ولم يقل بأنها بدعة. والصحيح الأول).
(2) وهو قول الشيخ المفيد قدس سره في المقنعة: 5.
(3) فتح الباري 1: 260، وبداية المجتهد 1: 12.
(4) سنن الترمذي 1: 64 والمبسوط للسرخسي 1: 9 وشرح فتح القدير 1: 20، ومسائل الإمام أحمد: 6.
(5) المائدة: 6.
(6) علي بن الحسن بن رباط البجلي، أبو الحسن. كوفي، ثقة، معول عليه. قاله النجاشي. وعده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الرضا عليه السلام. وقد يطلق ابن رباط أيضا على الحسن والحسين ويونس بني رباط. رجال النجاشي 189، ورجال الطوسي: 384، وجامع الرواة 2: 433.
(7) يونس بن عمار بن الفيض الصيرفي التغلبي، أبو الحسن الكوفي. روى عن أبي عبد الله عليه السلام وروى عنه يونس بن عبد الرحمن، وعثمان بن عيسى وابن محبوب وغيرهم، وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام. رجال الطوسي 337، وجامع الرواة 2: 360، تنقيح المقال 3: 343.
(8) الكافي 3: 26 حديث 6، الاستبصار 1: 69 حديث 211، والتهذيب 1: 80 حديث 206، وصحيح البخاري 1: 39.

[ 90 ]

وقال جميع الفقهاء: الفرض هو الغسل (1). وقال الحسن بن أبي الحسن البصري، ومحمد بن جرير (2) وأبو علي الجبائي (3) بالتخيير (4). وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين كابن عباس (5) وعكرمة (6) وأنس (7) وأبي

(1) المبسوط للسرخسي 1: 8، وأحكام القرآن للجصاص 2: 345، ومسائل أحمد بن حنبل: 8: والأم: 1: 27، وفتح الباري 1: 266، وفتح المعين: 6، ومقدمات ابن رشد 1: 52، ومراقي الفلاح: 9، وعمدة القاري 2: 236 و 238، وبدائع الصنائع 1: 5، ومغني المحتاج 1: 53، وتفسير الطبري 6: 83، وبداية المجتهد 1: 14، والتفسير الكبير 11: 161.
(2) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، أبو جعفر، المفسر الكبير، صاحب (جامع البيان). أصله من طبرستان مات سنة 310 ه‍. قال ابن حجر في لسان الميزان: ثقة صادق، فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر، وإنما نبز بالتشيع لأنه صحح حديث غدير خم. وحكى الذهبي في التذكرة عن الفرغاني: (إنه لما بلغه إن ابن أبي داود تكلم في حديث غدير خم، عمل كتاب الفضائل، وتكلم على تصحيح الحديث قلت: رأيت مجلدا من طرق الحديث لابن جرير، فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق). انظر لسان الميزان 5: 100، وطبقات المفسرين: 30، وتذكرة الحفاظ 2: 251، والبداية والنهاية 11: 145.
(3) أبو علي، محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن أبي السكن الجبائي، رأس المعتزلة، ومن انتهت إليه رئاستهم، روى عن أبي يعقوب الشحام وغيره، مات سنة (303 ه‍). لسان الميزان 5: 271.
(4) التفسير الكبير 11: 161، وتفسير الطبري 6: 83، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 575، والمبسوط للسرخسي 1: 8، وبدائع الصنائع 1: 5، وعمدة القاري 2: 238، وبداية المجتهد 1: 14.
(5) أبو العباس، عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف. توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وله ثلاثة عشر سنة. أخذ عنه الفقه جماعة منهم: عطاء بن أبي رباح، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة. مات سنة (68 ه‍). طبقات الفقهاء: 18.
(6) عكرمة مولى ابن عباس، وأصله من البربر، وكان ممن ينتقل من بلد إلى بلد. مات سنة (107 ه‍). وقيل غير ذلك. طبقات الفقهاء: 46.
(7) أبو حمزة، أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم - بفتح الضادين المعجمتين - بن زيد بن حرام الأنصاري، الخزرجي. خادم رسول الله صلى الله عليه وآله مات سنة (93 ه‍). وقيل غير ذلك. تهذيب الأسماء 1: 127، وصفوة الصفوة 1: 298.

[ 91 ]

العالية (1) والشعبي القول بالمسح (2). دليلنا: قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم " (3)، فأوجب بظاهر اللفظ غسل الوجه، ثم عطف اليدين عليه، فأوجب ذلك غسلهما، ثم استأنف حكما آخر، فقال: " وامسحوا برؤسكم " (4) فأوجب المسح على الرأس، ثم عطف الرجلين عليه، فيجب أن يكون حكمهما حكمه في وجوب المسح بمقتضى العطف، كما إن الفرض في غسل اليدين، بمجرد العطف. وقد استوفينا الكلام على هذا الدليل في كتاب تهذيب الأحكام (5). وأيضا روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، وابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله، إنه توضأ ومسح على قدميه ونعليه (6). وروي أيضا عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، فمسح على رجليه (7). وفي رواية أخرى قال: إن في كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل (8). وروي عنه أنه قال: غسلتان

(1) أبو العالية، رفيع بن مهران الرياحي البصري، مولى امرأة من بني رياح من تميم، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين، مات سنة (106 ه‍). وقيل: (93 ه‍). طبقات الفقهاء: 70.
(2) التفسير الكبير 11: 161 وتفسير الطبري 6: 82. وأحكام القرآن للجصاص 2: 345، والدر المنثور 2: 262، والمبسوط للسرخسي 1: 8، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 575، وبداية المجتهد 1: 14، وفتح الباري 1: 266، وعمدة القاري 2: 238، ومقدمات ابن رشد 1: 53. (3 و 4) المائدة: 6.
(5) تهذيب الأحكام 1: 60 - 63.
(6) تهذيب الأحكام 1: 63 حديث 172.
(7) تهذيب الأحكام 1: 63 حديث 173.
(8) تهذيب الأحكام 1: 63 حديث 174، الدر المنثور 2: 262، وفيه: عن ابن عباس قال: " أبى الناس إلا الغسل. ولا أجد في كتاب الله إلا المسح " ونحوه في سنن ابن ماجه 1: 156 حديث 458.

[ 92 ]

ومسحتان (1). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ما نزل الفرقان إلا بالمسح (2) وعليه إجماع الفرقة. وروى محمد بن الحسين (3)، عن الحكم بن مسكين (4) عن محمد بن مروان (5) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة، قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأنه يغسل ما أمر الله بمسحه (6). مسألة 40: مسح الرجلين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين. والكعبان: هما الناتئان في وسط القدم. وقال من جوز المسح من مخالفينا: إنه يجب استيعاب الرجل بالمسح (7). وقالوا كلهم: إن الكعبين: هما عظما الساقين (8) إلا ما حكي عن محمد بن

(1) تفسير الطبري 6: 82، والدر المنثور 2: 262، والتهذيب 1: 63 حديث 176، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 575، وعمدة القاري 2: 238.
(2) التهذيب 1: 63 حديث 175، ولفظ الحديث (ما نزل القرآن إلا بالمسح).
(3) أبو جعفر، محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الزيات الهمداني، وثقه الشيخ في رجاله وعده من أصحاب الإمام الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام. وقال النجاشي بعد عنوانه: واسم أبي الخطاب زيد. جليل من أصحابنا عظيم القدر كثير الرواية، ثقة، عين، حسن التصانيف، مسكون إلى روايته. توفي سنة (262 ه‍). رجال النجاشي: 257، ورجال الطوسي: 407، 423، 435، وتنقيح المقال 3: 106.
(4) قال النجاشي في رجاله: 105: حكم بن مسكين، مولى ثقيف المكفوف، أبو محمد، كوفي. روى عن أبي عبد الله عليه السلام، ذكره أبو العباس.
(5) محمد بن مروان الكلبي. عده الشيخ في رجاله ص 135، من أصحاب الباقر عليه السلام. وعده أيضا من أصحاب الصادق عليه السلام ص 305.
(6) التهذيب 1: 65 حديث 184، والاستبصار 1: 64 حديث 191. والكافي 3: 31 حديث 9.
(7) أحكام القرآن للجصاص 2: 345.
(8) المبسوط للسرخسي 1: 9، وأحكام القرآن للجصاص 2: 347، والأم 1: 27، ومراقي الفلاح: 9، =

[ 93 ]

الحسن، فإنه قال: هما الناتئان في وسط القدم، مع قوله بالغسل (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فقد دللنا على أن المسح ببعض الرأس والرجلان معطوفتان عليه، فوجب أن يكون حكمهما حكمه، بحكم العطف. وروى زرارة وبكير ابنا أعين، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال في المسح: تمسح على النعلين، ولا تدخل يدك تحت الشراك وإذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك (2). فأما الذي يدل على أن الكعبين ما قلناه، هو أنه إذا ثبت وجوب مسح الرجلين من غير تخيير، فكل من قال بذلك قال: إن الكعبين ما قلناه، ومن خالف في ذلك قال: بوجوب الغسل أو التخيير، وقد دللنا على أنه لا يجوز غير المسح. فالتفرقة بين المسألتين خروج عن الإجماع. وروى زرارة وبكير ابنا أعين، أنهما سألا أبا جعفر عليه السلام، عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فوصف لهما، ثم قالا له: أصلحك الله، فأين الكعبان؟ قال: هاهنا، يعني المفصل دون عظم الساق، فقالا: هذا ما هو؟ قال: هذا عظم الساق (3). مسألة 41: عندنا إن الموالاة واجبة، وهي أن يتابع بين أعضاء الطهارة،

= وأحكام القرآن لابن العربي 2: 577، وبدائع الصنائع 1: 7، ومغني المحتاج 1: 54، وشرح فتح القدير 1: 10، والدراري المضية 1: 55 والتفسير الكبير 11: 162. (1) المبسوط للسرخسي 1: 9، وأحكام القرآن للجصاص 2: 347، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 577. وبدائع الصنائع 1: 7، وشرح فتح القدير 1: 10، والتفسير الكبير 11: 162.
(2) التهذيب 1: 90، حديث 237، والاستبصار 1: 61 حديث 182، وفي تفسير العياشي 1: 298 حديث 51، والكافي 3: 25 حديث 5 الحديث بطوله فراجع.
(3) روى الشيخ الكليني (قدس سره) في الكافي 3: 25 حديث 5، والعياشي في تفسيره 1: 298 حديث 51، الحديث بصورة مفصلة فراجع.

[ 94 ]

ولا يفرق بينها إلا لعذر بانقطاع الماء، ثم يعتبر إذا وصل إليه الماء، فإن حفت أعضاء طهارته أعاد الوضوء، وإن بقي في يده نداوة بنى على ما قطع عليه. وللشافعي قولان: أحدهما، أنه إذا فرق إلى أن يجف أعاد (1)، وبه قال عمر، وربيعة (2) والليث. والثاني: لا تبطل طهارته (3). وبه قال الثوري، وأبو حنيفة (4). وقال مالك وابن أبي ليلى، والليث: إن فرق لعذر لم تبطل طهارته، وإن فرق لغير عذر بطلت. ولم يعتبروا جفاف ما وضاه (5). دليلنا: إنه لا خلاف أنه إن والى صحت طهارته، وإذا لم يوال فيه، ففيه خلاف. وأيضا فقد ثبت أنه مأمور باتباع الوضوء في كل عضو إذا فعل واحد منها، والأمر يقتضي الفور، وترك الموالاة ينافيه، وعليه إجماع الفرقة. وروى معاوية بن عمار (6) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، ربما

(1) المبسوط للسرخسي 1: 56، وبدائع الصنائع 1: 22، ومغني المحتاج 1: 61.
(2) أبو عثمان، ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ. وهو مولى تيم بن مرة، ويعرف بربيعة الرأي. أدرك من الصحابة أنس بن مالك، والسايب بن يزيد، وعامة التابعين، وعنه أخذ مالك: مات سنة (136 ه‍). طبقات الفقهاء 37، والتاريخ الكبير 33: 286.
(3) التفسير الكبير 11: 155، والمبسوط للسرخسي 1: 56، وأحكام القرآن للجصاص 2: 355، وبداية المجتهد 1: 17، ومغني المحتاج 1: 61.
(4) التفسير الكبير 11: 155، والمبسوط للسرخسي 1: 56، ومراقي الفلاح: 12، وبداية المجتهد 1: 17، وبدائع الصنائع 1: 22، وأحكام القرآن للجصاص 2: 355 وكنز الدقائق: 3.
(5) التفسير الكبير 11: 155، وأحكام القرآن للجصاص 2: 356، ومقدمات ابن رشد 1: 54، وبداية المجتهد 1: 17، وبدائع الصنائع 1: 22، وحاشية الدسوقي 1: 93.
(6) معاوية بن عمار بن أبي معاوية جناب بن عبد الله الدهني، مولاهم، كوفي، ودهن من بجيلة كان وجها في أصحابنا، ومقدما كبير الشأن، عظيم المحل، ثقة. وكان أبوه عمار ثقة في العامة وجها، روى معاوية عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى عليهما السلام. مات سنة (175 ه‍). قاله النجاشي في =

[ 95 ]

توضأت فنفذ الماء، فدعوت الجارية فأبطأت علي بالماء، ويجف وضوئي؟ قال: أعد (1). مسألة 42: الترتيب واجب في الوضوء، في الأعضاء كلها. ويجب تقديم اليمين على اليسار. وقال الشافعي بمثل ذلك (2) إلا في تقديم اليمين على اليسار (3). وبه قال أمير المؤمنين عليه السلام، وابن عباس، وبه قال قتادة (4) وأبو عبيد القاسم بن سلام (5) وأحمد، وإسحاق (6). وقال أبو حنيفة: الترتيب غير واجب (7) وبه قال مالك (8) وهو المروي

= رجاله: 322. (1) التهذيب 1: 88، 98 حديث 231، 256. والكافي 3: 35 حديث 8، والاستبصار 1: 72 حديث 221.
(2) التفسير الكبير 11: 153، والأم 1: 30، المبسوط للسرخسي 1: 55، أحكام القرآن للجصاص 2: 360، وفتح المعين: 6، وبداية المجتهد 1: 16، وشرح فتح القدير 1: 23، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 55، وبدائع الصنائع 1: 22، ومغني المحتاج 1: 54.
(3) الأم 1: 30.
(4) أبو الخطاب، قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري. كان أعمى. مات سنة (117 ه‍). طبقات الفقهاء: 72 وتهذيب التهذيب 8: 351.
(5) أبو عبيد، القاسم بن سلام - بتشديد اللام - البغدادي، الفقيه النحوي القاضي أخذ عن الكسائي، والفراء، وإسماعيل بن عياش وغيرهم. ولي القضاء بطرسوس، مات سنة (244 ه‍). طبقات الفقهاء 76، وبغية الوعاة: 376.
(6) مسائل الإمام أحمد بن حنبل: 11، وبداية المجتهد 1: 16. وتفسير القرطبي 6: 98.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 55، ومراقي الفلاح: 12، وبداية المجتهد 1: 16، وتفسير القرطبي 6: 98، وشرح فتح القدير 1: 23، وبدائع الصنائع 1: 22، والتفسير الكبير 11: 153، وأحكام القرآن للجصاص 2: 360.
(8) أحكام القرآن للجصاص 2: 360، ومقدمات ابن رشد 1: 54، وبداية المجتهد 1: 16، وحاشية الدسوقي 1: 99، والتفسير الكبير 11: 153، وتفسير القرطبي 6: 99.

[ 96 ]

عن ابن مسعود (1) والأوزاعي (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤسكم و أرجلكم إلى الكعبين " (3). فبدأ في إيجاب الطهارة بغسل الوجه، ثم عطف باقي الأعضاء على بعضها ب‍ (الواو). وقال كثير من النحويين، نحو الفراء (4) وأبي عبيد، أنها توجب الترتيب (5). وأيضا قوله: " فاغسلوا وجوهكم " فوجب البداية بالوجه، لمكان الفاء التي توجب الترتيب بلا خلاف. وإذا وجبت البداية بالوجه، وجب في باقي الأعضاء، لأن أحدا لم يفصل. وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه لا خلاف أن من رتب، فإن وضؤه صحيح، واختلفوا إذا لم يرتب. وخبر الأعرابي يدل عليه أيضا، على ما بيناه. وقوله صلى الله عليه وآله: " ابدؤا بما بدأ الله به " (6) يدل عليه أيضا.


(1) أبو عبد الرحمن، عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شخص بن هذيل الهذلي. حليف بني زهرة شهد بدرا والمشاهد بعدها، وصحب النبي صلى الله عليه وآله وحدث عنه، وعن عمر، وسعد بن معاذ، وروى عنه ابناه عبد الرحمن وأبو عبيدة، وأبو رافع، وجابر، وأنس وغيرهم. مات سنة (32 ه‍). وقيل سنة (33 ه‍). الإصابة 2 ; 360.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 360، وتفسير القرطبي 6: 98 - 99.
(3) المائدة: 6.
(4) أبو زكريا، يحيى بن زياد بن عبد الله بن مروان الديلمي، المعروف ب‍ (الفراء). قيل له: الفراء، لأنه كان يفري الكلام، إمام العربية. روى عن قيس بن الربيع، ومندل بن علي، والكسائي. وعنه سلمة بن عاصم، ومحمد بن الجهم السمري. مات سنة (207 ه‍). بغية الوعاة: 411.
(5) مغني اللبيب 2: 354. (6) التهذيب 1: 96 حديث 250. سنن الدار قطني 2: 254 حديث 81 و 82، والدر المنثور 1: 160 والمبسوط للسرخسي 4: 50.

[ 97 ]

وروى زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: تابع بين الوضوء كما قال الله عز وجل، ابدأ بالوجه، ثم باليدين، ثم امسح الرأس والرجلين، لا تقدمن شيئا بين يدي شئ تخالف ما أمرت به، فإن غسلت الذراع قبل الوجه، فابدأ بالوجه، ثم أعد على الذراع، وإن مسحت بالرجل قبل الرأس، فامسح على الرأس قبل الرجل، ثم أعد على الرجل، ابدأ بما بدأ الله عز وجل (1). مسألة 43: لا يجوز المسح على الخفين، لا في الحضر ولا في السفر. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (2) على اختلاف بينهم في مقدار المسح في السفر والحضر. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم و أرجلكم " (3) فمن مسح على خفه لم يوقع الفرض في الرجل، ودليل الاحتياط يقتضيه. وروى أبو بكر الحضرمي قال: سألته عن المسح على الخفين، قال: لا تمسح على خف (4). مسألة 44: لا بأس بالتمندل من نداوة الوضوء، وتركه أفضل. وبه قال أكثر الفقهاء (5).

(1) الكافي 3: 34 حديث 5، والتهذيب 1: 97 حديث 251، والاستبصار 1: 73 حديث 223، ومن لا يحضره الفقيه 1: 28 حديث 89.
(2) التفسير الكبير 11: 163 والمبسوط للسرخسي 1: 97، والأم 1: 32 - 36، وأحكام القرآن للجصاص 2: 348، وشرح معاني الآثار 1: 79، ومسائل الإمام أحمد: 9، ومراقي الفلاح: 21، وبداية المجتهد 1: 17 وفتح الباري 1: 305، وعمدة القاري 3: 102، وبدائع الصنائع 1: 7، وشرح فتح القدير 1: 99، ومغني المحتاج 1: 63، وموطأ مالك 1: 36، وتفسير القرطبي 6: 100.
(3) المائدة: 6.
(4) التهذيب 1: 361 حديث 1087، ولفظ الحديث: قال سألته عن المسح على الخفين والعمامة فقال: سبق الكتاب الخفين. وقال: لا تمسح على خف.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 73، ومغني المحتاج 1: 61. وتحفة الأحوذي 1: 177.

[ 98 ]

وقال مالك والثوري: لا بأس به في الغسل دون الوضوء (1). وحكي ذلك عن ابن عباس (2). وروي عن ابن عمر، إن ذلك مكروه في الوضوء والغسل معا. وبه قال ابن أبي ليلى (3). دليلنا: على جوازه: أن الأصل الإباحة، والحظر يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى حريز، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن المسح بالمنديل قبل أن يجف؟ قال: لا بأس به (4). مسألة 45: إذا تطهر بالماء قبل أن يستنجي، ثم استنجى كان ذلك جائزا. وكذلك القول في التيمم. وقال أصحاب الشافعي على مذهب الشافعي في التيمم: إنه لا يجوز، وأجازوا ذلك في الوضوء (5) وحكى الربيع (6) عن الشافعي مثل ما قلناه (7)، وغلطه أصحابه. دليلنا: إن الواجب عليه الاستنجاء، والطهارة بالماء أو التيمم، وقد فعلهما.

(1) جاء في تحفة الأحوذي 1: 177 ما لفظة: وكان مالك، والثوري، وأحمد، وإسحق وأصحاب الرأي لا يرون به بأسا ولم يفصل وفي المدونة الكبرى 1: 17 ما لفظه (وقال مالك: لا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء).
(2) المصنف لعبد الرزاق 1: 182 حديث 709.
(3) المصنف لعبد الرازق 1: 182 حديث 710 وتحفة الأحوذي 1: 177.
(4) التهذيب 1: 364 حديث 1101.
(5) مغني المحتاج 1: 43، والأم 1: 23.
(6) أبو محمد، الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي، المؤذن بجامع مصر، خادم الشافعي، روى الأم وغيرها من الجديد. مات سنة (270 ه‍). طبقات الشافعية ص: 6.
(7) الأم 1: 23.

[ 99 ]

فمن قال لا يجزيه فعليه الدلالة. وكل ظاهر يتضمن الأمر بالوضوء والاستنجاء يدل على ذلك، لأنه امتثل الأمر ولم يفصل. مسألة 46: لا يجوز للجنب، والحائض، والمحدث أن يمسوا المكتوب من القرآن، ولا بأس بأن يمسوا أطراف أوراق المصحف، والتنزه عنه أفضل. وقال الشافعي: لا يجوز لهم ذلك (1). وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك للجنب والحائض (2)، فأما المحدث فلا باس عليه. وقال الحكم (3) وحماد (4) وداود: إن ذلك غير جائز ولم يفصلوا (5). دليلنا: إن الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل. فأما ما يدل على أن نفس الكتابة لا يجوز مسها قوله تعالى: " لا يمسه إلا المطهرون " (6) وإنما أراد به القرآن دون الأوراق. وروى سالم (7) عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا يمس

(1) التفسير الكبير 29: 193، ومغني المحتاج 1: 36 و 72، وروح المعاني 27: 134 وتفسير القرطبي 17: 226.
(2) قال ابن العربي في أحكام القرآن 4: 1727: واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، فروي عنه أنه يمسه المحدث، وروي عنه أن يمس ظاهره وحواشيه معا وما لا مكتوب فيه. وزاد القرطبي في تفسيره 17: 226: وأما الكتاب فلا يمسه إلا طاهر. وانظر مراقي الفلاح: 24 وعمدة القاري 3: 63، وشرح فتح القدير 1: 117، وبدائع الصنائع 1: 33 والهداية للمرغيناني 1: 31.
(3) الحكم بن عيينة، مولى كندة. تفقه بإبراهيم النخعي مات سنة (115 ه‍). طبقات الفقهاء: 62.
(4) أبو إسماعيل، حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري. تفقه بإبراهيم النخعي، وروى عن سعيد بن المسيب، وعكرمة، والشعبي وغيرهم مات سنة (119 ه‍). وقيل: (120 ه‍). طبقات الفقهاء: 3: 6، وتهذيب التهذيب 3: 16.
(5) قال القرطبي في تفسيره 11: 227: وروي عن الحكم، وحماد، وداود بن علي أنه لا بأس بحمله، ومسه للمسلم والكافر طاهرا ومحدثا، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله.
(6) الواقعة: 79.
(7) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عمر، روى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي رافع، وأبي أيوب =

[ 100 ]

القرآن إلا طاهر " (1). وفيه إجماع الفرقة. وروى حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان إسماعيل بن أبي عبد الله عليه السلام (2) عنده فقال: يا بني اقرأ المصحف، فقال: إني لست على وضوء، فقال: لا تمس الكتابة، ومس الورق واقرأه (3) مسألة 47: يجوز للجنب والحائض أن يقرءا القرآن. وفي أصحابنا من قيد ذلك بسبع آيات من جميع القرآن (4)، إلا سور العزائم الأربع، التي هي: سورة سجدة لقمان (5)، حم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك، فإنه لا يقرأ منها شئ. وقال الشافعي: لا يجوز لهما ذلك، لا قليلا ولا كثيرا إلا بعد الغسل، أو التيمم (6) وقال أبو حنيفة: يقرءآن دون الآية (7). وقال أحمد بن حنبل مثل قول الشافعي (8) وقال داود: يقرأ الجنب كيف شاء (9) وقال مالك يجوز

= وغيرهم. وروى عنه ابنه أبو بكر، والزهري، وصالح بن كيسان وغيرهم مات سنة (106 ه‍). طبقات الفقهاء: 32، وتهذيب التهذيب 3: 436. (1) سنن البيهقي 1: 88 و 309.
(2) إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام الهاشمي، المدني، وكان أكبر إخوته، وكان أبوه الصادق عليه السلام شديد الحب له، والبر به. توفي في حياة أبيه في العريض، فحمل إلى المدينة على رقاب الرجال. جامع الرواة 1: 95، وتنقيح المقال 1: 131.
(3) التهذيب 1: 126 حديث 342، والاستبصار 1: 113، حديث 376 باختلاف يسير باللفظ.
(4) وهو قول الشيخ المفيد في المقنعة: 6.
(5) كذا وقع في كلام كثير من الفقهاء القدماء. والمراد به سورة السجدة التي تلي سورة لقمان. وإلا فلا ريب أن سورة لقمان ليست من العزائم، ولتوضيح سور العزائم نشير إلى أرقامها: 32، 41، 53، 96.
(6) سنن الترمذي 1: 275، ومغني المحتاج 1: 72، ونيل الأوطار 1: 284.
(7) شرح معاني الآثار 1: 90، ومراقي الفلاح: 24، والمحلى 1: 78، وشرح فتح القدير 1: 116، والهداية للمرغيناني 1: 31، نيل الأوطار 1: 284.
(8) سنن الترمذي 1: 275.
(9) تحفة الأحوذي 1: 411، والمحلى 1: 77.

[ 101 ]

للحائض أن تقرأ على الإطلاق، والجنب يقرأ الآية والآيتين على سبيل التعوذ (1). دليلنا: قوله تعالى: " فاقرؤا ما تيسر من القرآن " (2)، وقوله: " فاقرؤا ما تيسر منه " (3). وأيضا إن الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى عبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته أتقرأ النفساء، والحائض ; والجنب، والرجل يتغوط، القرآن؟ فقال: يقرءون ما شاءوا (4). وقد بينا الكلام فيما اختلف من الأخبار في مقادير ما يقرءونه في الكتابين (5). مسألة 48: لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول ولا غائط، ولا عند الاضطرار، لا في الصحاري، ولا في البنيان. وبه قال أبو أيوب الأنصاري (6)، وإليه ذهب أبو ثور، وأحمد بن حنبل (7).

(1) المحلى 1: 78، وشرح فتح القدير 1: 116، وتحفة الأحوذي 1: 410، وفي بداية المجتهد 1: 47: وقد فرقوا بينهما، فأجازوا للحائض القراءة القليلة استحسانا لطول مقامها حائضا، وهو مذهب مالك. والهداية للمرغيناني 1: 31.
(2) (3) المزمل: 20.
(4) التهذيب 1: 128 حديث 348، والاستبصار 1: 114 حديث 381.
(5) الاستبصار 1: 114 (باب الجنب والحائض يقرءآن القرآن) والتهذيب 1: 128.
(6) أبو أيوب، خالد بن زيد الأنصاري، الخزرجي، من بني مالك بن النجار. مات عام غزا يزيد القسطنطنية في خلافة معاوية وصلى عليه يزيد بن معاوية سنة (52 ه‍). التاريخ الكبير 3: 136، وصفوة الصفوة 1: 186.
(7) موطأ مالك 1: 193، وشرح فتح القدير 1: 297، وبداية المجتهد 1: 84، وسنن الترمذي 1: 14، وعمدة القاري 2: 277، ومجمع الزوائد 1: 205، ونيل الأوطار 1: 94، والأم 1: 23، والمدونة الكبرى 1: 7، وتحفة الأحوذي 1: 56 وفيه لأحمد بن حنبل ثلاث روايات: احداها كما حكاها =

[ 102 ]

وبه قال النخعي (1) وأبو حنيفة وأصحابه (2) إلا أبا يوسف، فإنه فرق بين الاستقبال والاستدبار (3). وقال الشافعي: لا يجوز ذلك في الصحاري دون البنيان (4). وبه قال العباس بن عبد المطلب (5)، وعبد الله بن عمر، ومالك (6). وقال ربيعة وداود: يجوز فيها جميعا (7) وبه قال عروة بن الزبير (8) (9) دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروي عن النبي صلى الله

= المصنف، والثانية كما ذهب إليه الشافعي، والثالثة كما ذهب إليه أبو يوسف، وهي المروية عنه في سنن الترمذي. (1) أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمر بن ربيعة النخعي، الكوفي، كان مفتي أهل الكوفة، روى عن عبد الرحمن بن يزيد، ومسروق، وعلقمة. مات سنة (95) وقيل: (96) طبقات الفقهاء: 62، وتهذيب التهذيب 1: 177.
(2) شرح فتح القدير 1: 297، وعمدة القاري 2: 277، وتحفة الأحوذي 1: 56، ونيل الأوطار 1: 94.
(3) عمدة القاري 2: 279، ونيل الأوطار 1: 94.
(4) الأم 1: 23، وشرح فتح القدير 1: 298، وعمدة القاري 2: 278 و 281، ونيل الأوطار 1: 94، وتحفة الأحوذي 1: 56.
(5) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي، أبو الفضل. عم النبي (ص) أسر في من أسر من المشركين في معركة بدر، ثم فودي. قال ابن عبد البر: كان رئيسا في الجاهلية، وأسلم قبل فتح خيبر، وكان جوادا مطعما، مات سنة (32 ه‍)، قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 5: 122.
(6) سنن الترمذي 1: 16، ومقدمات ابن رشد 1: 64، والمدونة الكبرى 1: 7، وبداية المجتهد 1: 85، وشرح فتح القدير 1: 297، وعمدة القاري 2: 278 و 281، وتحفة الأحوذي 1: 56، ونيل الأوطار 1: 94.
(7) مقدمات ابن رشد 1: 64، وعمدة القاري 2: 278. وتحفة الأحوذي 1: 56، ونيل الأوطار 1: 94.
(8) أبو عبد الله، عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد المدني. روى عن أبيه، وأخيه عبد الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة وغيرهم. وروى عنه صالح بن كيسان، والزهري، وعطاء بن رباح وغيرهم. قال الواقدي: مات سنة (74) وقيل: (99 ه‍). وقيل غير ذلك. طبقات الفقهاء: 26، تهذيب التهذيب 7: 180، والتاريخ الكبير 7: 31.
(9) عمدة القاري 2: 278، ونيل الأوطار 1: 94، وتحفة الأحوذي 1: 56.

[ 103 ]

عليه وآله أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ببول ولا غائط " (1). وروى محمد بن عبد الله بن زرارة (2) عن عيسى بن عبد الله الهاشمي (3) عن أبيه (4) عن جده (5) عن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: " إذا دخلت المخرج، فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولكن شرقوا أو غربوا " (6). مسألة 49: الاستنجاء واجب من الغائط ومن البول، إما بالماء أو بالحجارة، والجمع بينهما أفضل. ويجوز الاقتصار على واحد منهما، إلا في البول، فإنه لا يزال إلا بالماء. فمتى صلى ولم يستنج، لم تجزه الصلاة. وقال الشافعي: الاستنجاء منهما واجب (7). وجوزه بالماء والأحجار،

(1) سنن البيهقي 1: 91، باختلاف يسير باللفظ، والأم 1: 22.
(2) محمد بن عبد الله بن زرارة بن أعين. رجل فاضل، دين، أصدق لهجة من أحمد بن الحسن بن فضال. والعلامة قد وثق رواية هو في طريقها. رجال النجاشي: 28، وتنقيح المقال 3: 143.
(3) عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام. ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. وذكر الشيخ المفيد في أماليه، مدح الإمام الصادق عليه السلام إياه. رجال الطوسي: 257 وأمالي الشيخ المفيد: 83، ورجال الكشي: 332 رقم 607، ورجال النجاشي: 226.
(4) عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام. عده الشيخ الطوسي تارة من أصحاب الإمام علي بن الحسين عليهما السلام. وأخرى من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. رجال الطوسي: 97، و 229. (5) محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام. عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام علي بن الحسين عليهما السلام. وعده أيضا من أصحاب الإمام الصادق (ع). رجال الشيخ الطوسي 101 و 279.
(6) تهذيب الأحكام 1: 25 حديث 64، والاستبصار 1: 47 حديث 130 باختلاف يسير باللفظ.
(7) الأم 1: 22، وأحكام القرآن للجصاص 2: 358. وبدائع الصنائع 1: 18، وشرح فتح القدير 1: 148، وعمدة القاري 2: 300، والتفسير الكبير 11: 168.

[ 104 ]

وأوجب إعادة الصلاة على من لم يستنج، وبه قال مالك (1). وقال أبو حنيفة: هو مستحب، غير واجب (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. فإن من استنجى وصلى برءت ذمته بيقين، وإذا صلى بغير استنجاء ففيه خلاف. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة بغائط ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار " (3). وروى زرارة قال: توضأت يوما ولم أغسل ذكري، ثم صليت. فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك؟ فقال: اغسل ذكرك وأعد صلاتك (4). وروى بريد بن معاوية (5) عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: يجزي من الغائط الاستنجاء (6) بالأحجار ولا يجزي من البول إلا الماء (7). مسألة 50: حد الاستنجاء أن ينقي الموضع من النجاسة، سواء كان بالأحجار أو بالماء. فإن نقى بدون الثلاثة، استعمل الثلاثة سنة، فإن لم ينق

(1) حاشية الدسوقي 1: 105، وحكى العيني في العمدة 2: 300، عن مالك روايتان احداها سنة، والأخرى فرض.
(2) شرح فتح القدير 1: 148، وبدائع الصنائع 1: 18، والتفسير الكبير 11: 168، وعمدة القاري 2: 300، وأحكام القرآن للجصاص 2: 358.
(3) سنن البيهقي 1: 91، والأم 1: 22.
(4) التهذيب 1: 51 حديث 149، والاستبصار 1: 56، حديث 164.
(5) أبو القاسم، بريد بن معاوية العجلي، عربي، روى عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام. كان وجها من وجوه الشيعة، فقيه، له محل عند الأئمة. عده الشيخ الطوسي في رجاله تارة في أصحاب الإمام الباقر، وأخرى في أصحاب الإمام الصادق عليهما السلام. رجال النجاشي: 87، ورجال الطوسي: 109، و 158.
(6) في التهذيب والاستبصار: المسح.
(7) التهذيب 1: 50 حديث 147، والاستبصار 1: 57 حديث 166.

[ 105 ]

بالثلاثة استعمل ما زاد عليه حتى ينقي. وبه قال الشافعي (1). وقال مالك وداود: الاستنجاء يتعلق بالانقاء، ولم يعتبر العدد (2). وقال أبو حنيفة: هو مسنون، والسنة تتعلق بالانقاء دون العدد (3). دليلنا: على وجوب الانقاء: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروى علي بن إبراهيم (4)، عن أبيه (5)، عن عبد الله بن المغيرة (6) عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: للاستنجاء حد؟ قال: لا، ينقي ما ثمة (7). قلت: فإنه ينقي ما ثمة، ويبقي الريح؟ قال: الريح لا ينظر إليها (8). وأما اعتبار العدد، قوله صلى الله عليه وآله: " وليستنج بثلاثة أحجار " (9) وظاهره الوجوب إلا أن يقوم دليل.

(1) الأم 1: 22، ومختصر المزني: 3، والمحلى 1: 98، ومغني المحتاج 1: 43، وشرح فتح القدير 1: 148، وبدائع الصنائع، 1: 19، والدراري المضية 1: 40.
(2) المحلى 1: 97، وعمدة القاري 2: 305، ونيل الأوطار 1: 117.
(3) شرح معاني الآثار 1: 123، والمحلى 1: 97، وعمدة القاري 2: 305، وبدائع الصنائع 1: 19، والدراري المضية 1: 40، ونيل الأوطار 1: 117، وشرح فتح القدير 1: 148.
(4) علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، أبو الحسن. ثقة في الحديث، ثبت، معتمد صحيح المذهب، سمع وأكثر وصنف كتبا، صاحب التفسير المعتمد المعروف ب‍ (تفسير علي بن إبراهيم). رجال النجاشي: 197، وتنقيح المقال 2: 260.
(5) إبراهيم بن هاشم القمي، أبو إسحاق. أصله كوفي، انتقل إلى قم. وأصحابنا يقولون: إنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم. قيل: تتلمذ على يونس بن عبد الرحمن عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام. رجال النجاشي: 13، ورجال الطوسي: 369.
(6) أبو محمد، عبد الله بن المغيرة البجلي. مولى جندب بن عبد الله بن سفيان العلقمي، كوفي، ثقة ثقة لا يعدل به أحد من جلالته، ودينه، وورعه، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه. رجال النجاشي: 159، وتنقيح المقال 2: 218.
(7) يعني: ما هناك من محل النجاسة، مجمع البحرين: 529 (مادة ثمم).
(8) الكافي 3: 17 حديث 9، والتهذيب 1: 28 حديث 75.
(9) السنن الكبرى للبيهقي 1: 91..

[ 106 ]

وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان (1) (2) مسألة 51: يجوز الاستنجاء بالأحجار وغير الأحجار إذا كان منقيا غير مطعوم، مثل الخشب، والخرق، والمدر وغير ذلك. وبه قال الشافعي (3). وقال داود: لا يجوز بغير الأحجار (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا ذهب أحدكم لحاجته فليتمسح بثلاثة أحجار، أو بثلاثة أعواد، أو بثلاث حثيات من تراب " (5). وروى حريز عن زرارة قال: كان يستنجي من البول ثلاث مرات، ومن الغائط بالمدر والخرق (6). مسألة 52: لا يجوز الاستنجاء بالروث، والعظام، وبه قال الشافعي (7). وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز ذلك (8). دليلنا: طريقة الاحتياط، فإن من استنجى بغيرهما وقع موقعه، وإذا استعملها فيه خلاف.

(1) العجان: ككتاب، ما بين الخصية وحلقة الدبر. مجمع البحرين: 590 (مادة عجن).
(2) التهذيب 1: 49 حديث 129.
(3) الأم 1: 22، ومغني المحتاج 1: 43.
(4) المجموع للنووي 1: 113، ونيل الأوطار 1: 115، والمحلى 1: 99.
(5) سنن الدار قطني 1: 57 حديث 12، وقريب منه رقم 11: و 12 مكرر.
(6) التهذيب 1: 209، 454 حديث 606، 1054.
(7) الأم 1: 22، المحلى 1: 98، وعمدة القاري 2: 301، ونيل الأوطار 1: 116، وبدائع الصنائع 1: 18.
(8) شرح معاني الآثار 1: 124، وفي عمدة القاري 2: 201 لمالك روايتين، ونيل الأوطار 1: 116، وشرح فتح القدير 1: 150، وفي بدائع الصنائع 1: 18، قال: فإن فعل ذلك يعتد به عندنا، فيكون مقيما سنة ومرتكبا كراهة.

[ 107 ]

وروى سلمان (1) قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نستنجي بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع ولا عظم (2). وروى المفضل بن صالح (3) عن ليث المرادي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن استنجاء الرجل بالعظم، أو البعر، أو العود؟ قال: أما العظام والروث فطعام الجن، وذلك مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: لا يصلح بشئ من ذلك (5). مسألة 53: النوم الغالب على السمع والبصر، والمزيل للعقل، ينقض الوضوء سواء كان قائما أو قاعدا، أو مستندا أو مضطجعا، وعلى كل حال. وبه قال المزني، فإنه قال: النوم حدث في نفسه، ينتقض الوضوء به على كل حال (6). وقال الشافعي: إذا نام مضطجعا، أو مستلقيا، أو مستندا

(1) سلمان الفارسي. حاله عظيم جدا، أحد الأركان الأربعة، وهو أشهر من أن يخفى، وكفى في حقه قول النبي الكريم صلى الله عليه وآله: " سلمان المحمدي " وقوله: " سلمان منا أهل البيت ". وهو من حواري رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد عده الشيخ الطوسي في رجاله تارة في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وأخرى في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. رجال الطوسي: 20 و 43، جامع الرواة 1: 371.
(2) سنن ابن ماجة 1: 115 حديث 316 (ذيل الحديث).
(3) أبو جميلة، المفضل بن صالح الأسدي النخاس، مولى بني أسد مات في حياة الإمام الرضا عليه السلام، وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام. رجال الشيخ: 315، وتنقيح المقال 3: 237.
(4) أبو بصير ليث بن البختري الأصغر المرادي، وقيل: أبا محمد، وأبو يحيى. عده الشيخ في أصحاب الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام، رجال النجاشي: 245، ورجال الطوسي: 134 و 278 و 385. وجامع الرواة 2: 34.
(5) التهذيب 1: 354، حديث 1053.
(6) الأم (مختصر المزني): 4، وعمدة القاري 3: 109، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 557، وفتح الباري 1: 314 ونيل الأوطار 1: 239، وتفسير القرطبي 6: 221.

[ 108 ]

انتقض الوضوء (1). وروي عن أبي موسى الأشعري (2) وأبي مخلد (3) وحميد الأعرج (4) وعمرو بن دينار (5) أنهم قالوا: لا ينتقض الوضوء بالنوم بحال، إلا أن يتيقن خروج حدث (6). وقال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: إنه إن كثر نقض الوضوء، وإن قل لم ينقض (7).

(1) الأم 1: 12 و 14، وبداية المجتهد 1: 35، والمحلى 1: 225، ونيل الأوطار 1: 240، وبدائع الصنائع 1: 31، وفي عمدة القاري 3: 110 وتحفة الأحوذي 1: 256 للشافعي أربعة أقوال فراجع.
(2) أبو موسى، عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار بن حرب الأشعري. روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام، وابن عباس، وعمار وغيرهم. مات سنة (42) وقيل: (44 ه‍). وقيل: غير ذلك. الاستيعاب بهامش الإصابة 2: 363، والإصابة 2: 351.
(3) كذا في الأصل: ونحوه في طبقات الشافعية: 67. وقال أبو مخلد البصري، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة ويعرف تارة ب‍ (صاحب النفائس). وصوابه أبو مجلز، بكسر الميم وإسكان الجيم وفتح اللام وآخره زاي. واسمه لاحق بن حميد السدوسي، البصري. روى عن ابن عباس، وعنه يزيد بن حبان. قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 12: 222، و 227.
(4) حميد بن قيس المروزي، أبو صفوان. مولى بني أسد بن عبد العزى، الأعرج، المكي. روى عن يحيى ابن يعمر، والزهري، ومجاهد وغيرهم، وروى عنه مالك، وأبو حنيفة، ومعمر، وجعفر الضبعي. التاريخ الكبير 2: 352، وتهذيب التهذيب 3: 37. وفي عمدة القاري 2: 109، نسب العيني القول المذكور إلى جماعة منهم: حميد بن عبد الرحمن والأعرج، ولعل المصنف أيضا نسبه إليهما، وقد سقطت الواو من بينهما أثناء النسخ والله العالم.
(5) أبو محمد، عمرو بن دينار الأثرم، الجمحي، المكي. كان مفتي أهل مكة في زمانه. مات سنة (126) وقيل: (125 ه‍). التاريخ الكبير 6: 328، وطبقات الفقهاء 46.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 78، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 557، وفتح الباري 1: 315، وعمدة القاري 3: 109، ونيل الأوطار 1: 239، وتفسير القرطبي 6: 221.
(7) المدونة الكبرى 1: 9، والمبسوط للسرخسي 1: 78، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 13، ومقدمات ابن رشد 1: 44، والمحلى 1: 225، وقال الترمذي في السنن 1: 114 (وقال بعضهم إذا نام حتى غلب على عقله، وجب عليه الوضوء. وبه يقول إسحق) وقال العيني في العمدة 3: 109 (ذهب =

[ 109 ]

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا وضوء من النوم إلا على من نام مضطجعا أو متوركا، فأما من نام قائما، أو راكعا، أو ساجدا، أو قاعدا، سواء كان في الصلاة أو غيرها، فلا وضوء عليه (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " (2)، قال أهل التفسير: المراد به إذا قمتم من النوم (3) فإن الآية خرجت على سبب معروف، فكأنه قال: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وهذا عام في كل نوم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " العين وكاء (4) السه (5) فمن نام فليتوضأ (6) وروي: " إذا نامت العينان استطلق الوكاء " (7).

= إسحاق إلى القول بأن النوم ينقض الوضوء بكل حال، قليله وكثيره. وأما الأوزاعي، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، بأن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض بكل حال) ونحوه في نيل الأوطار 1: 239. (1) المحلى 1: 224، أحكام القرآن لابن العربي 2: 558. وبداية المجتهد 1: 35، وبدائع الصنائع 1: 31، ومراقي الفلاح 14، وعمدة القاري 3: 109، ونيل الأوطار 1: 240.
(2) المائدة: 6.
(3) تفسير الطبري 6: 72، وتفسير العياشي 1، 297، والدر المنثور 2: 262، وأحكام القرآن للجصاص 2: 330، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 557.
(4) الوكاء بالكسر والمد، خيط يشد به السرة، والكيس، والقربة ونحوها. مجمع البحرين 97، (مادة وكأ).
(5) قال ابن منظور: السه، بحذف عين الفعل، ويروى وكاء الست، بحذف لام الفعل لسان العرب 17: 388 (مادة سته). وفي مجمع البحرين: 603، ويراد به حلقة الدبر، وهذه من الاستعارات العجيبة كأنه شبه السه بالوعاء، والعين بالوكاء. فإذا أطلق الوكاء، لم ينضبط الوعاء.
(6) سنن ابن ماجة 1: 161، وسنن أبي داود 1: 52 حديث 203.
(7) مسند أحمد بن حنبل 4: 97، ولفظ الحديث: " إن العينين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء " وسنن الدارمي 1: 184.

[ 110 ]

وروى ابن أبي عمير، عن إسحاق بن عبد الله الأشعري (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا ينقض الوضوء إلا حدث، والنوم حدث (2). مسألة 54: ملامسة النساء، ومباشرتهن لا تنقض الوضوء، سواء كانت مباشرة ذات محرم، أو غيرهن من النساء. سواء كانت المباشرة باليد، أو بغيرها من الأعضاء. بشهوة كانت، أو بغير شهوة. وبه قال عبد الله بن عباس، والحسن البصري، ومحمد بن الحسن، وإحدى الروايتين عن الثوري (3). وقال الشافعي: مباشرة النساء من غير حائل إذا كن غير ذوات محارم تنقض الوضوء بشهوة كانت، أو بغير شهوة، باليد كانت، أو بالرجل، أو بغيرهما من الجسد، عامدا كان أو ناسيا (4). وبه قال عبد الله بن عمر، وابن مسعود، والزهري وربيعة (5). وقال الأوزاعي: إن مسها بيده انتقض وضوؤه، وإن كان بغير شهوة لم

(1) إسحاق بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري القمي. ثقة، روى عن الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام رجال الطوسي: 107 و 149، وتنقيح المقال 1: 114.
(2) التهذيب 1: 6 حديث 5، والاستبصار 1: 79 حديث 246. (3) أحكام القرآن للجصاص 2: 369، وبدائع الصنائع 1: 30، والمبسوط للسرخسي 1: 67، وفي نيل الأوطار 1: 244: وذهب على، وابن عباس، وعطاء وطاووس، والعترة جميعا، وأبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أنه لا ينقض.
(4) الأم 1: 15، والمبسوط 1: 67، والمحلى 1: 248، وأحكام القرآن للجصاص 2: 369: والتفسير الكبير 11: 168، وبداية المجتهد 1: 36، وبدائع الصنائع 1: 30، وتفسير القرطبي 6: 225. ونيل الأوطار 1: 244.
(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 369، والمبسوط 1: 67، والأم 1: 15، وتفسير القرطبي 6: 224، ونيل الأوطار 1: 244.

[ 111 ]

ينتقض وضوؤه، وإن مسها بالرجل لم ينتقض (1). وقال مالك: إن مسها بشهوة انتقض، وإن كان بغير شهوة لم ينتقض وضوؤه (2). وبه قال الليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق (3) وفي إحدى الروايتين عن الثوري، حتى قال مالك: إن مسها بشهوة من وراء حائل انتقض وضوؤه، إذا كان الحائل رقيقا (4). وقال ربيعة والليث ينتقض، سواء كان الحائل صفيقا أو رقيقا (5). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن مسها فانتشر عليه، انتقض وضوؤه، وإن لم ينتشر لم ينتقض (6). دليلنا: إن الطهارة قد ثبتت، ونقضها بما ذكرناه يحتاج إلى دليل. وقوله تعالى: " أو لامستم النساء " (7) كناية عن الجماع لا غير، بدليل إجماع الفرقة عليه. وروى أبو مريم (8) قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام، ما تقول في الرجل

(1) قال القرطبي في تفسيره [ 6: 224 ]: قال الأوزاعي: إذا كان اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه.
(2) مقدمات ابن رشد 1: 67، والمحلى 1: 248، وبداية المجتهد 1: 36، وبدائع الصنائع 1: 30. وأحكام القرآن للجصاص 2: 360، والمبسوط 1: 67. وتفسير القرطبي 6: 224.
(3) المحلى 1: 248، وتفسير القرطبي 6: 224.
(4) تفسير القرطبي 6: 226، وحاشية الدسوقي 1: 120. وقال ابن رشد في مقدماته [ 1: 69 ]: وأما إن كان مسه على حائل رقيق فاختلف فيه قول مالك، روى عنه ابن وهب أنه لا وضوء عليه، وهو الأشهر. وروى علي بن زياد عن مالك، إن عليه الوضوء.
(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 369، وتفسير القرطبي 6: 226.
(6) المبسوط 1: 68، ونيل الأوطار 1: 244: والمحلى 1: 248.
(7) النساء: 43. والمائدة: 6.
(8) أبو مريم، عبد الغفار بن القاسم بن قيس بن فهد الأنصاري. عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب السجاد والباقر والصادق عليهم السلام، روى عنه ابن محبوب ومحمد بن القاسم، وأبان رجال الشيخ الطوسي: 99، 129، 237، ورجال النجاشي: 185.

[ 112 ]

يتوضأ ثم يدعو جاريته، فتأخذ بيده حتى ينتهي إلى المسجد؟ فإن من عندنا يزعمون أنها الملامسة. فقال: لا والله ما بذلك بأس، وربما فعلته وما يعني بهذا: " أو لامستم النساء " إلا المواقعة في الفرج (1). مسألة 55: مس الفرج لا ينقض الوضوء: أي الفرجين كان، سواء كان رجلا أو امرأة، أو أحدهما مس فرج صاحبه، بظاهر الكف، أو بباطنه. وبه قال علي عليه الصلاة والسلام، وعبد الله بن مسعود، وعمار (2) والحسن البصري، وربيعة، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه (3). وقال الشافعي: الرجل إذا مس ذكره بباطن كفه، والمرأة إذا مست فرجها بباطن كفها انتقض وضوؤهما (4). وهو المروي عن عمر، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص (5) وأبي هريرة (6) وعائشة، وسعيد بن المسيب، وسليمان

(1) التهذيب 1: 22 حديث 55، والاستبصار 1: 87 حديث 278، وتفسير العياشي 1: 243 حديث 139.
(2) أبو اليقظان، عمار بن ياسر. من السابقين الأولين إلى الاسلام صحب النبي صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين عليه السلام، وكان من شرطة الخميس. حاله أشهر من أن تذكر. ومناقبه كثيرة، وكفاه فخرا خطاب النبي صلى الله عليه وآله له: " صبرا يا آل ياسر إن موعدكم الجنة ". وهو رابع الأركان، ومن الأصفياء. تهذيب التهذيب 7: 408، وتنقيح المقال 2: 320.
(3) شرح معاني الآثار 1: 78 - 79، وبداية المجتهد 1: 37، وبدائع الصنائع 1: 30، ومجمع الزوائد 1: 244، ونيل الأوطار 1: 248 - 249.
(4) الأم 1: 19، والمحلى 1: 237، والسنن الكبرى 1: 134، وبداية المجتهد 1: 37، ونيل الأوطار 1: 251، وبدائع الصنائع 1: 30، ومغني المحتاج 1: 35.
(5) أبو إسحق، سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب. ويقال: وهيب بن عبد مناف الزهري روى عن خولة بنت حكيم، وعنه أولاده وابن عباس وغيرهم. مات سنة (51) وقيل: 55 أو 56 وقيل: غير ذلك. التاريخ الكبير 4: 43، وتهذيب التهذيب 3: 483.
(6) أبو هريرة: قال ابن حجر في تهذيب التهذيب 12: 262: أنه قد اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة [ 4: 200 ]: وصفه البعض بأنه لا يحاط به، ولا يضبط اسمه واسم أبيه في جاهلية ولا إسلام، وهو ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه. مات سنة (58 ه‍). وقيل غير ذلك.

[ 113 ]

ابن يسار (1) ومالك، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق (2). إلا أن مالكا والأوزاعي قالا: ينتقض الوضوء به، وإن مس بظاهر الكف (3). وقال الشافعي: إذا مس دبره انتقض وضوؤه أيضا (4) وقال مالك: لا ينتقض (5) وقال الشافعي: إذا مس ذكر الصغير أو الكبير انتقض وضوؤه (6) وقال مالك وأحمد: إذ مس ذكر الصغير لا ينتقض. ولم يقل أحمد في مس الأنثيين أنه ينقض الوضوء إلا عروة فإنه قال: ينتقض وضوؤه (7). وقال الشافعي: إذا مس فرج بهيمة لا ينتقض وضوؤه (8). وحكى عنه ابن عبد الحكم (9)

(1) سليمان بن يسار الهلالي، أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله المدني مولى ميمونة، وقيل: كان مكاتبا لأم سلمة. روى عنهن، وغيرهن، مات سنة (107 ه‍). وقيل غير ذلك. التاريخ الكبير 4: 41، وتهذيب التهذيب 4: 228.
(2) سنن الترمذي 1: 129. والمدونة الكبرى 1: 8، والمحلى 1: 237، وموطأ مالك 1: 42، ونيل الأوطار 1: 248 - 249. ومجمع الزوائد 1: 245، وحكى ابن رشد القرطبي في مقدماته 1: 69 عن مالك ثلاثة أقوال فراجع.
(3) في المدونة الكبرى 1: 8 (إن مسه بظاهر الكف أو الذراع فلا ينتقض وضوؤه). ونحوه في مقدمات ابن رشد 1: 69. وقال في المحلى 1: 237: إلا أن الأوزاعي والشافعي لم يريا الوضوء ينقض ذلك إلا بمسه بباطن الكف فقط، لا بظاهرها. وقال مالك: مس الفرج من الرجل - فرج نفسه الذكر فقط - بباطن الكف لا بظاهرها ولا بالذراع يوجب الوضوء.
(4) الأم 1: 19، والمحلى 1: 237، ومقدمات ابن رشد 1: 70، وجاء في مغني المحتاج 1: 36، قال الشافعي في الجديد ينتقض الوضوء بمس حلقة الدبر، وفي القديم إنه لا ينتقض لأنه لا يلتذ بمسها.
(5) المدونة الكبرى 1: 8، ومقدمات ابن رشد 1: 70 والمحلى 1: 237.
(6) الأم 1: 19، ومغني المحتاج 1: 36.
(7) السنن الكبرى 1: 137.
(8) الأم 1: 19.
(9) أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري. سمع من ابن وهب، وأشهب، وأصحاب مالك. صحب الشافعي وتفقه عليه. قال البيهقي: انتقل قبيل وفاته بشهرين إلى مذهب مالك، لأنه كان يطلب أن يستخلفه الشافعي بعده، واستخلف البويطي. مات سنة (268 ه‍). =

[ 114 ]

إنه ينتقض وضوؤه (1)، ولم يصحح أصحابه ذلك. دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء، من إجماع الفرقة، وثبوت حكم الطهارة، وأن نقضهما يحتاج إلى دليل. وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس في القبلة ولا المباشرة، ولا مس الفرج وضوء (2). وروى قيس بن طلق (3) عن أبيه (4) قال: قدمنا على نبي الله، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال: وهل هو إلا مضغة منه، أو قال: بضعة منه (5). وقال أبو داود: وفي بعض الألفاظ: في مس الرجل ذكره " في الصلاة " (6) وهذا نص. مسألة 56: مس فرج البهيمة لا ينقض الوضوء. وبه قال الشافعي (7) إلا في رواية ابن عبد الحكم (8). وقال الليث بن سعد: ينقض الوضوء.

= طبقات الفقهاء 81، وطبقات الشافعية: 7. (1) قال الخطيب الشربيني في مغني المحتاج [ 1: 36 ]: وحكاه جمع جديد أنه ينقض لأنه كفرج الآدمي في وجوب الغسل في الايلاج فيه، فكذا في المس.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 38 حديث 145، والتهذيب 1: 21 حديث 54، والاستبصار 1: 87 حديث 277، والكافي 3: 37 حديث 12 (مع تقديم وتأخير بالألفاظ).
(3) قيس بن طلق بن علي بن المنذر الحنفي، اليمامي، روى عن أبيه وروى عنه ابنه هوذة وغيره تابعي مشهور. تهذيب التهذيب 8: 398.
(4) طلق بن علي بن المنذر، أبو علي الحنفي، اليمامي، وفد على النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه، وقيل اسمه طلق بن ثمامة. التاريخ الكبير 4: 358، الإصابة 2: 224.
(5) سنن أبي داود 1: 46 حديث 182، وسنن الترمذي 1: 131 حديث 85.
(6) سنن أبي داود 1: 46 حديث 183.
(7) الأم 1: 19، ومغني المحتاج 1: 36.
(8) تقدم في المسألة (55).

[ 115 ]

دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 57: الدود الخارج من أحد السبيلين - إذا كان خاليا من نجاسة - والحصى، والدم إلا دم الحيض، والاستحاضة، والنفاس، لا ينقض الوضوء. وهو مذهب مالك وربيعة (1). وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن جميع ذلك ينقض الوضوء (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. وروى زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يوجب الوضوء إلا من غائط، أو بول، أو ضرطة، أو فسوة تجد ريحها (3). وروى زكريا بن آدم (4) قال: سألت الرضا عليه السلام عن الناسور (5) أينقض الوضوء؟ فقال: إنما ينقض الوضوء ثلاث البول، والغائط، والريح (6). مسألة 58: البول والغائط إذا خرجا من غير السبيلين من موضع في البدن، ينقض الوضوء، إذا كان مما دون المعدة، وإن كان فوقها لا ينقض الوضوء. وبه قال الشافعي: إلا أن له فيما فوق المعدة قولين (7).

(1) المدونة الكبرى 1: 10، وبداية المجتهد 1: 33، وشرح الكرماني 3: 14، وعمدة القاري 3: 47.
(2) الأم 1: 17، ومغني المحتاج 1: 33، وشرح فتح القدير 1: 35، ومراقي الفلاح: 14، وبدائع الصنائع 1: 27، وعمدة القاري 3: 47، والهداية للمرغيناني 1: 15، وبداية المجتهد 1: 33.
(3) التهذيب 1: 10، حديث 16.
(4) زكريا بن آدم بن عبد الله بن سعد الأشعري القمي. ثقة، جليل القدر، له وجه عند الإمام الرضا عليه السلام. عده الشيخ في أصحاب الصادق والرضا والجواد عليهم السلام. رجال الطوسي: 200 و 377 و 401، وتنقيح المقال 1: 447. وجامع الرواة 1: 330.
(5) الناسور: عرق في باطنه فساد، فكلما بدأ أعلاه رجع غبرا فاسدا. ويحدث تارة في المآقي، وأخرى حوالي المقعدة، وثالثة في اللثة. تاج العروس 3: 564 (مادة نسر).
(6) الكافي 3: 36، حديث 2: والتهذيب 1: 10 حديث 18، والاستبصار 1: 86 حديث 272. ولفظ الحديث: " قال: سألت الرضا عليه السلام عن الناسور؟ فقال: إنما ينقض الوضوء ثلاث... الخ ".
(7) مغني المحتاج 1: 33.

[ 116 ]

دليلنا: قوله تعالى: " أو جاء أحد منكم من الغائط " (1). والغائط عبارة عن الحدث المخصوص، ولم يفرق. وروى زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لا يوجب الوضوء إلا من غائط، أو بول، أو ضرطة، أو فسوة تجد ريحها (2) وهذا عام. فإن قيل: هذا يوجب أن ينقض ما يخرج من فوق المعدة. قلنا: ما يخرج من فوق المعدة لا يكون غائطا أصلا، فلا يتناوله الاسم. مسألة 59: إذا أدخل ذكره في دبر امرأة، أو رجل، أو (في) فرج بهيمة، أو فرج ميتة، فلأصحابنا في الدبر روايتان: إحداهما، إن عليه الغسل (3) وبه قال جميع الفقهاء (4). والأخرى، لا غسل عليه، ولا على المفعول به (5). ولا يوافقهم على هذه الرواية أحد (6).

(1) المائدة: 6، والنساء 43.
(2) التهذيب 1: 10 حديث 16.
(3) الاستبصار 1: 112 حديث 373 و 3: 243 حديث 868، والتهذيب 7: 414 و 461 حديث 1658 و 1847.
(4) وهو المحكي عن السيد المرتضى قدس سره مع دعواه الإجماع على وجوبه، والمحكي عن ابن الجنيد أيضا، حكاه العلامة في المختلف: 36، واختاره ابن حمزة في الوسيلة، والمصنف في المبسوط 4: 243 و 1: 270. كما اختار أيضا وجوب الغسل لمن أدخل ذكره في فرج الميتة كما في المبسوط 1: 28 و 270.
(5) من لا يحضره الفقيه 1: 47 حديث 185، والكافي 3: 47، والتهذيب 1: 124 حديث 335 و 1: 125 حديث 336. والاستبصار 1: 112 حديث 370 و 371.
(6) وهو اختيار الشيخ الصدوق قدس سره في الفقيه 1: 47 لظاهر الخبر المروي عن الحلبي، والشيخ الكليني في الكافي 3: 47 ولظاهر الخبر المروي عن البرقي وظاهر سلار في المراسم، وهو اختيار الشيخ المصنف في النهاية: 19. كما اختار أيضا عدم الغسل لمن أدخل ذكره في فرج البهيمة لعدم وجود دليل عليه كما في المبسوط 1: 28 (باب ذكر غسل الجنابة وأحكامها) واختار الغسل ظاهرا كما في المبسوط أيضا 1: 270 (باب في ذكر ما يمسك عنه الصائم).

[ 117 ]

فأما فرج الميتة فلا نص لهم فيه أصلا. وقال جميع أصحاب الشافعي: إن عليه الغسل (1) وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يجب عليه الغسل (2) ولا إذا أدخل في فرج البهيمة. والذي يقتضيه مذهبنا أن لا يجب الغسل في فرج البهيمة، فأما فرج الميتة، فالظاهر يقتضي أن عليه الغسل، لما روي عنهم من أن حرمة الميت كحرمة الحي (3). ولأن الظواهر المتضمنة لوجوب الغسل على من أولج في الفرج تدل على ذلك لعمومها (4)، وطريقة الاحتياط تقتضيه. ونصرة الرواية الأخرى أن الأصل براءة الذمة، وعدم الوجوب، وشغلها بوجوب الغسل يحتاج إلى دليل، وروي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: اسكتوا عما سكت الله عنه (5). وأما اختلاف الأحاديث من طريق أصحابنا، فقد بينا الوجه في الكتابين المقدم ذكرهما (6).

(1) مغني المحتاج 1: 69، ونقل العيني في العمدة 3: 252 عن المغني لابن قدامة: تغييب الحشفة في الفرج هو الموجب للغسل سواء كان الفرج قبلا أو دبرا من كل حيوان آدمي أو بهيم حيا أو ميتا طائعا أو مكرها نائما أو مستيقظا.
(2) مراقي الفلاح: 16، وشرح فتح القدير 1: 41، والهداية للمرغيناني 1: 17، وعمدة القاري 3: 253.
(3) التهذيب 10: 62 حديث 229، والاستبصار 4: 225 حديث 842.
(4) الكافي 3: 46 (باب ما يوجب الغسل على الرجل والمرأة)، ومن لا يحضره الفقيه 1: 46 (باب صفة غسل الجنابة) والتهذيب 1: 118 (باب حكم الجنابة وصفة الطهارة منها) والاستبصار 1: 108 (باب إن التقاء الختانين يوجب الغسل).
(5) لقد تضمن قول مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام في نهج البلاغة 3: 160، هذا المعنى بعد قوله عليه السلام: إن الله افترض عليكم الفرائض... الخ. ونحوه في أمالي الشيخ المفيد: 94 مجلس 20.
(6) انظر الاستبصار 1: 112 وما تقدم في المسألة من آراء، والتهذيب 1: 118.

[ 118 ]

مسألة 60: المذي (1) والودي (2) " والوذي " (3) لا ينقضان الوضوء، ولا يغسل منهما الثوب. وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وأوجبوا منهما الوضوء، وغسل الثوب (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وصحة الوضوء، ونواقضه تحتاج إلى دليل. وروى زيد الشحام (5)، وزرارة، ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي، فلا تغسله،

(1) المذي: بسكون الذال، مخفف الياء، البلل اللزج الذي يخرج من الذكر عند ملاعبة النساء. النهاية 4: 312 (مادة مذي).
(2) الودي: بسكون الدال، وبكسرها، وتشديد الياء البلل اللزج الذي يخرج من الذكر بعد البول. وقيل: التشديد أصح وأفصح من السكون. النهاية 5: 169 (مادة ودا).
(3) الوذي: بالذال المعجمة الساكنة، والياء المخففة، وعن الأموي بتشديد الياء، ما يخرج عقيب إنزال المني. مجمع البحرين: 92 (مادة وذا). في بعض النسخ، الخطية منها والمطبوعة زيادة (الوذي) وفي البعض الآخر أبدلت بكلمة (الودي). أما عبارة المؤلف قدس سره تدل على التثنية، ويؤيد ذلك ما ورد في الروايات المذكورة آنفا. وقد توهم البعض في أن كلمة (الوذي) لم ترد قبل الشهيد الثاني قدس سره فإنه قد عرفها. إلا أن المتتبع يرى ما رواه الشيخ في التهذيب 1: 20 حديث 48 ما لفظه: محمد بن الحسن الصفار... عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يخرج من الإحليل المني والمذي والودي والوذي. فأما المني فهو الذي تسترخي له العظام ويفتر به الجسد، وفيه الغسل. وأما المذي فيخرج من الشهوة ولا شئ فيه. وأما الودي فهو الذي يخرج بعد البول. وأما الوذي فهو الذي يخرج من الأدواء ولا شئ فيه.
(4) المدونة الكبرى 1: 12، والأم 1: 39، والمبسوط 1: 67، وشرح معاني الآثار 1: 45 - 48، وموطأ مالك 1: 41، والمحلى 1: 232، ومجمع الزوائد 1: 284، وعمدة القاري 3: 217، وفتح الباري 1: 380، وسنن الترمذي 1: 197 ونيل الأوطار 1: 274.
(5) أبو أسامة، زيد بن يونس الأزدي، مولاهم الشحام، الكوفي. قيل: توفي سنة (100 ه‍). عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام وعنونه ب‍ " زيد بن محمد ". وذكره النجاشي بعنوان زيد بن يونس بن موسى. الفهرست للطوسي: 71، ورجال الطوسي: 122، 195، ورجال النجاشي: 132.

[ 119 ]

ولا تقطع له الصلاة، ولا تنقض له الوضوء، إنما ذلك بمنزلة النخامة (1) وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل (2) (3) وروي عن أبي عبد الله عليه السلام: إن سال من ذكرك شئ من وذي أو ودي وأنت في الصلاة فلا تغسله، ولا تقطع الصلاة، ولا تنقض له الوضوء، وإن بلغ عقبيك، فإنما ذلك بمنزلة النخامة، وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل، أو من البواسير (4) وليس بشئ، فلا تغسله من ثوبك، إلا أن تقذره (5). وقد بينا ما اختلف من الأخبار في هذا المعنى في كتابنا المقدم ذكره (6). مسألة 61: ما يخرج من غير السبيلين، مثل القئ، والرعاف، والفصد، وما أشبهها لا ينقض الوضوء. وبه قال الشافعي (7) وهو المروي عن ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن أبي أوفى (8) وغيرهم من الصحابة (9) وسعيد بن المسيب، والقاسم بن

(1) النخامة: البزقة التي تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة. النهاية 5: 34 (مادة نخم).
(2) الحبائل: عروق ظهر الانسان. مجمع البحرين (مادة حبل): 486.
(3) الاستبصار 1: 94 حديث 305، والتهذيب 1: 21 حديث 52.
(4) البواسير: علة تحدث في المقعدة، وفي داخل الأنف أيضا. قاله الجوهري في الصحاح (مادة بسر).
(5) رواها زرارة كما في الكافي 3: 39، حديث 1، وعلل الشرائع 1: 279 باب (231) حديث 1.
(6) انظر الاستبصار 1: 91 (باب حكم المذي والوذي).
(7) الأم 1: 18، والمبسوط للسرخسي 1: 75، وسنن الترمذي 1: 145.
(8) عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث بن هوازن الأسلمي. أبو معاوية وقيل: أبو إبراهيم، وقيل غير ذلك. روى عنه أبو إسحاق الشيباني، والحكم بن عيينة. مات سنة (80 ه‍). الاستيعاب بهامش الإصابة 2: 255، والإصابة 2: 271.
(9) روى البيهقي في سننه 1: 145 بسنده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: من أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار في مشيخة جلة =

[ 120 ]

محمد (1) ومالك (2). وقال أبو حنيفة: ينتقض الوضوء بالدم إذا خرج فظهر، وبالقئ إذا كان ملاء الفم وقال: البلغم والبصاق لا ينقضان الوضوء (3). وقال أبو يوسف، وزفر: إن البلغم إن كان نجسا نقض الوضوء، قليلا كان أو كثيرا، وإن كان طاهرا لا ينقض الوضوء، إلا إذا كان ملاء الفم (4). دليلنا: ما قدمناه من ثبوت حكم الطهارة، وأن نقضها يحتاج إلى دليل. وأيضا عليه إجماع الفرقة لا يختلفون في ذلك. وروى ابن أبي عمير، عن ابن أذينة (5) عن زيد الشحام قال: سألت

= سواهم يقولون فيمن رعف: غسل عنه الدم ولم يتوضأ. (1) القاسم بن محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة القرشي، التيمي، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن. روى عن أبيه، وعن العبادلة، وغيرهم. عده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمامين السجاد والباقر عليهما السلام وقال ابن سعد: كان ثقة، فقيها، إماما، كثير الحديث، ورعا، وقال ابن خلكان: كان من سادات التابعين وأفضل أهل الزمان، وأحد الفقهاء السبعة في المدينة. مات سنة (101 ه‍) وقيل: (106 ه‍). وقيل غير ذلك. التاريخ الكبير 7: 157، رجال الطوسي: 100 و 133، والطبقات الكبرى 5: 187، ووفيات الأعيان 4: 59.
(2) موطأ مالك 1: 39، ومقدمات ابن رشد 1: 70، والمدونة الكبرى 1: 18، وبداية المجتهد 1: 33، وسنن الترمذي 1: 145.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 75، ومراقي الفلاح: 14، ومقدمات ابن رشد 1: 70، والمحلى 1: 256، وبداية المجتهد 1: 33، ونسب الراية 1: 38.
(4) المبسوط 1: 75، والمحلى 1: 257، وبداية المجتهد 1: 33.
(5) عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن أذينة... بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان شيخ من أصحابنا البصريين ووجههم. روى عن الإمام الصادق مكاتبة. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام. وقد ورد تارة تحت عنوان ابن أذينة. وأخرى بعنوان: عمر بن أذينة، وثالثة عمر بن محمد بن عبد الرحمن. فتارة ينسب إلى أبيه وأخرى إلى جد أبيه لأن أذينة له شرفا وقدرا بين الأصحاب. رجال النجاشي 218، ورجال الطوسي: 253 و 353، وتنقيح المقال 2: 340.

[ 121 ]

أبا عبد الله عليه السلام عن القئ هل ينقض الوضوء؟ قال: لا (1). وروى سماعة، عن أبي بصير قال: سمعته يقول: إذا قاء الرجل وهو على طهر فليتمضمض، وإذا رعف وهو على وضوء فليغسل أنفه، فإن ذلك يجزيه، ولا يعيد وضوءه (2). مسألة 62: القهقهة لا تنقض الوضوء، سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، وبه قال جابر بن عبد الله (3) (4)، وأبو موسى الأشعري، وعطاء، والزهري (5)، والشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق (6). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كانت في الصلاة نقضت الوضوء. وبه قال الشعبي، والنخعي، والثوري (7).

(1) التهذيب 1: 13 حديث 25، والكافي 3: 36 حديث 9، والاستبصار 1: 83 حديث 259.
(2) التهذيب 1: 15 حديث 31، والاستبصار 1: 85 حديث 270.
(3) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام الأنصاري، المدني، الخزرجي. صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله. شهد بدرا وثماني عشرة غزوة معه صلى الله عليه وآله ومن السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وحاله أشهر من أن يذكر. عده الشيخ في رجاله من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين وعلي بن الحسين والباقر عليهم أفضل الصلاة والسلام. رجال الطوسي: 12 و 37 و 66 و 72 و 85 و 111، وتنقيح المقال 1: 199.
(4) صحيح البخاري 1: 53 سنن الدار قطني 1: 172 الأحاديث 48 - 62، والمستدرك للحاكم 1: 145.
(5) سنن الدار قطني 1: 166 حديث 21.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 77، وبدائع الصنائع 1: 32، ومسائل الإمام أحمد: 13، وشرح فتح القدير 1: 34 و 35، ونصب الراية 1: 53.
(7) المبسوط 1: 77، ومراقي الفلاح: 15، وبدائع الصنائع 1: 32، وبداية المجتهد 1: 39، وشرح فتح القدير 1: 34، ونصب الراية 1: 48، والنتف 1: 28، وسنن الدار قطني 1: 166، 172، وروى البيهقي في سننه 1: 145 بسنده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: من أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار في مشيخة جلة =

[ 122 ]

دليلنا: ما قدمناه من إجماع القرقة، وثبوت حكم الطهارة. وأن لا دليل على أن ذلك ينقض الوضوء. وروى أديم بن الحر (1)، إنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الأسفلين.
(2) مسألة 63: أكل ما مسته النار، لا ينقض الوضوء. وهو مذهب جميع الفقهاء، والصحابة بأجمعهم (3) إلا أبا موسى الأشعري، وزيد بن ثابت (4) وأنس بن مالك، وأبا طلحة (5)، وابن عمر، وأبا هريرة، وعائشة فإنهم قالوا: إنه ينقض الوضوء (6).

= سواهم يقولون فيمن ضحك في الصلاة: أعادها ولم يعد وضوءه. وروينا نحو قولهم في الضحك عن الشعبي وعطاء والزهري (إنتهى). (1) أديم بن الحر الجعفي، مولاهم، الحذاء، كوفي ثقة، صاحب أبي عبد الله عليه السلام، ذكره الشيخ الطوسي باسم (آدم) وهو يروي عنه نيفا وأربعين حديثا. رجال النجاشي: 83، ورجال الطوسي: 143، وجامع الرواة 1: 77.
(2) التهذيب 1: 16 حديث 36.
(3) سنن الترمذي 1: 119، والمبسوط 1: 79، ومسائل الإمام أحمد: 15، وبداية المجتهد 1: 39، وعمدة القاري 3: 104، ومجمع الزوائد 1: 251.
(4) زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد، وقيل: أبو ثابت، وقيل: أبو عبد الرحمن. روى عنه جماعة منهم أبو هريرة، وابن عمر، وأنس، وسهل بن سعد، وغيرهم. مات سنة 45 وقيل: (55 ه‍). وقيل غير ذلك. طبقات الفقهاء: 15، والتاريخ الكبير 3: 380، والإصابة 1: 543، والاستيعاب 1: 532.
(5) أبو طلحة، زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو الأنصاري المدني. روى عن النبي صلى الله عليه وآله. وعنه ابنه عبد الله، وربيبه أنس بن مالك، والجهني، وابن عباس، وغيرهم. مات سنة (51 ه‍). وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب 3: 414.
(6) شرح معاني الآثار 1: 69، والمحلى 1: 243، ومجمع الزوائد 1: 249، وعمدة القاري 3: 104، وسنن الترمذي 1: 16 و 19. وقال السرخسي في المبسوط 1: 79 وأهل الظاهر يوجبون الوضوء مما مسته النار.

[ 123 ]

دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى من الاعتبار (1)، والخبر، والاجماع، فلا وجه لا عادته. مسألة 64: أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء. وبه قال جميع الفقهاء (2). وقال أحمد: إنه ينقض الوضوء (3). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى (4)، فلا وجه لا عادته. مسألة 65: من تيقن الطهارة وشك في الحدث لم يجب عليه الطهارة، وطرح الشك. وبه قال أبو حنيفة والشافعي (5). وقال مالك: يبني على الشك. ويلزمه الطهارة (6). وقال الحسن (7) إن كان في الصلاة بنى على اليقين، وهو الطهارة، وإن كان خارج الصلاة، بنى على الشك، وأعاد الوضوء احتياطا (8). دليلنا: ما قدمناه من أن الطهارة معلومة، فلا يجب العدول عنها إلا بأمر معلوم والشك لا يقابل العلم، ولا يساويه، فوجب طرحه، وعليه إجماع الفرقة. وروى عبد الله بن بكير، عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إذا

(1) ويراد به الاستصحاب، أي إن الطهارة ثابتة ونقضها يحتاج إلى دليل.
(2) شرح معاني الآثار 1: 70، وعمدة القاري 3: 104. والدراري المضية 1: 61، والمبسوط 1: 80، وسنن الترمذي 1: 125، ونيل الأوطار 1: 252.
(3) الاقناع 1: 39، مسائل الإمام أحمد: 15، وسنن الترمذي 1: 125، وبداية المجتهد 1: 39، والمحلى 1: 241، وعمدة القاري 3: 104، والدراري المضية 1: 61، ونيل الأوطار 1: 252.
(4) تقدم في المسألتين (61 و 62).
(5) عمدة القاري 2: 253، والمبسوط للسرخسي 1: 86، وفتح الباري 1: 238.
(6) المدونة الكبرى 1: 14، عمدة القاري 2: 253، فتح الباري 1: 238. وحاشية الدسوقي 1: 122.
(7) هو الحسن البصري، تقدمت ترجمته.
(8) عمدة القاري 2: 253، وفتح الباري 1: 238.

[ 124 ]

استيقنت أنك قد توضأت، فإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت (1). وعن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: لا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه يقين آخر (2). مسألة 66: إذا التقى الختانان وجب الغسل، سواء أنزل أو لم ينزل. وبه قال جميع الفقهاء (3)، إلا داود (4) وقوما ممن تقدم مثل أبي سعيد الخدري (5)، وأبي بن كعب (6)، وزيد بن ثابت، وغيرهم (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم، وطريقة الاحتياط تقتضيه أيضا. وروى أبو هريرة إن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا قعد بين شعبها الأربع والتصق ختانه بختانها فقد وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل (8).

(1) الكافي 3: 33 حديث 1 باختلاف يسير باللفظ. التهذيب 1: 102 حديث 268. (2) التهذيب 1: 8 ذيل حديث 11.
(3) شرح معاني الآثار 1: 55، والأم 1: 37، والمدونة الكبرى 1: 29، والمحلى 2: 4، وموطأ مالك 1: 46، وبداية المجتهد 1: 45، ومراقي الفلاح 16، وشرح فتح القدير 1: 43، وبدائع الصنائع 1: 36، ومغني المحتاج 1: 69، وعمدة القاري 3: 247، والدراري المضية 1: 69. وتحفة الأحوذي 1: 364.
(4) المحلى 2: 4، وبداية المجتهد 1: 45، وعمدة القاري 3: 247، وتحفة الأحوذي 1: 364.
(5) أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الخدري. روى عن النبي صلى الله عليه وآله. وعن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام وغيرهم. مات سنه (63 ه‍). وقيل (74) وقيل غير ذلك. الإصابة 2: 32، وصفوة الصفوة 1: 299.
(6) أبو المنذر، أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الأنصاري. وقيل أبو الطفيل. روى عن النبي صلى الله عليه وآله. وروى عنه عمر، وأبو أيوب، وأنس وغيرهم. مات سنة (19 ه‍). وقيل (22) وقيل: غير ذلك. التاريخ الكبير 2: 39. وطبقات الفقهاء: 13.
(7) المحلى 2: 4، وعمدة القاري 3: 247.
(8) روى البخاري في صحيحه 1: 77، ومسلم في صحيحه 1: 271 الحديث بلفظ آخر نصه: " قال إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ". وروى البيهقي في سننه 1: 163 بلفظ قريب من المتن نصه: " إذا قعد بين شعبها الأربع ثم أجهد نفسه فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل " وفي =

[ 125 ]

وروى أحمد بن محمد بن عيسى (1)، عن محمد بن إسماعيل (2) قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يجامع قريبا من الفرج فلا ينزلان، متى يجب الغسل؟ فقال: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، قلت التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم (3). مسألة 67: إذا أنزل بعد الغسل وجب عليه الغسل، سواء كان بعد البول أو قبله فإن رأى بللا دون الانزال، وكان قد بال لم يجب عليه الغسل، وإن لم يكن بال، كان عليه إعادة الغسل. وقال الشافعي: إذا أنزل بعد الغسل، وجب عليه الغسل، سواء كان قبل البول أو بعده (4). وقال مالك لا غسل عليه سواء كان قبل البول أو بعده (5). وقال الأوزاعي: إن كان قبل البول، فلا غسل عليه، وإن كان بعد البول فعليه الغسل (6) وقال أبو حنيفة: إن كان قبل البول فعليه الغسل وإن كان بعده فلا غسل عليه (7).

= حديث آخر " إذا التقى الختان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل ". (1) أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك بن الأحوص بن السائب بن مالك بن عامر الأشعري من بني ذخران بن عوف بن الجماهر بن الأشعث، أبو جعفر، شيخ القميين ووجههم وفقيههم من غير مدافع، وكان الرئيس الذي يلقى السلطان. عده الشيخ من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي عليهم السلام. رجال النجاشي: 64 ورجال الطوسي: 366 و 397 و 409، وتنقيح المقال 1: 90.
(2) محمد بن إسماعيل بن بزيع، أبو جعفر، مولى المنصور أبي جعفر، وولد بزيع بيت منهم حمزة بن بزيع كان من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم قاله النجاشي، وعده الشيخ الطوسي من أصحاب الكاظم والرضا والجواد. رجال النجاشي، 254، رجال الطوسي: 360، 386، 405.
(3) الكافي 3: 46 حديث 2، والتهذيب 1: 118 حديث 311، والاستبصار 1: 108 حديث 359.
(4) الأم 1: 37، والمحلى 2: 7، المجموع 2: 139.
(5) المحلى 2: 7، والمجموع 2: 139.
(6) لم نعثر على قول الأوزاعي في المصادر المتوفرة لدينا إلا أن ابن حزم في المحلى 2: 7 نسبه إلى أبي حنيفة.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 67، والمجموع 2: 139.

[ 126 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وقوله صلى الله عليه وآله: " الماء من الماء " (1) وذلك عام في كل من أنزل. وروى عنبسة بن مصعب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي عليه الصلاة والسلام لا يرى في شئ الغسل، إلا في الماء الأكبر (3). فأما التفصيل الذي بيناه في حكم البلل، فيدل عليه إجماع الفرقة. وروى معاوية بن ميسرة (4) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في رجل رأى بعد الغسل شيئا، قال: إن كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضأ، وإن لم يبل حتى اغتسل، ثم وجد البلل فليعد الغسل (5). مسألة 68، من أمنى من غير أن يلتذ به، وجب عليه الغسل. وبه قال الشافعي وأصحابه (6). وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه الغسل، إلا أن يلتذ بخروجه (7). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء، وقوله صلى الله عليه وآله: " الماء

(1) سنن ابن ماجة 1: 199، حديث 607، وصحيح مسلم 1: 269، حديث 343.
(2) عنبسة بن مصعب العجلي الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام. رجال الشيخ الطوسي: 130 و 261 و 356. وتنقيح المقال 2: 353.
(3) التهذيب 1: 119 - 120 حديث 315 و 316. والاستبصار 1: 109 - 110 حديث 361 و 362 و 364. والكافي 3: 48 حديث 1.
(4) معاوية بن ميسرة بن شريح بن الحارث الكندي، القاضي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام. روى عنه ابن أبي الكرام، وفضالة، وعبد الله بن المغيرة وغيرهم. رجال النجاشي: 321، ورجال الطوسي: 310، وجامع الرواة 2: 242.
(5) التهذيب 1: 144 حديث 408، والاستبصار 1: 119 حديث 403، والكافي 3: 49 حديث 4 (قريب منه).
(6) الأم 1: 37، المبسوط 1: 67، بداية المجتهد 1: 46، وشرح فتح القدير 1: 41، وبدائع الصنائع 1: 37، مغني المحتاج 1: 70.
(7) المبسوط 1: 67، مراقي الفلاح: 16 وشرح فتح القدير 1: 41، وبدائع الصنائع 1: 37.

[ 127 ]

من الماء " (1) وقوله عليه السلام: الغسل من الماء الأكبر (2) يدل على ذلك. مسألة 69: الكافر إذا أسلم لم يجب عليه الغسل، بل يستحب ذلك. وبه قال الشافعي (3) وقال مالك وأحمد: عليه الغسل (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وإيجاب الغسل على من أسلم يحتاج إلى شرع. وأيضا فقد علمنا إن جماعة أسلموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وآله أمرهم بالغسل. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: آمره بذلك، لأنه مستحب. مسألة 70: الكافر إذا تطهر أو اغتسل من جنابة، ثم أسلم لم يعتد بهما. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: إنه يعتد بهما (6). دليلنا: ما بيناه من أن هاتين الطهارتين تحتاجان إلى نية القربة (7)، والكافر لا يصح منه نية القربة في حال كفره، لأنه غير عارف بالله تعالى، فوجب أن لا يجزيه. مسألة 71: إمرار اليد على البدن في الغسل من الجنابة غير لازم.

(1) سنن ابن ماجة 1: 199 حديث 607، صحيح مسلم 1: 269 حديث 343.
(2) التهذيب 1: 119 - 120 حديث 315 و 316، والكافي 3: 48 حديث 1، والاستبصار 1: 109 - 110 حديث 361 و 362 و 364.
(3) الأم 1: 38، والدراري المضية 1: 71، ونيل الأوطار 1: 281.
(4) حاشية الدسوقي 1: 130، والدراري المضية 1: 71، ونيل الأوطار 1: 281.
(5) ذكر النووي في المجموع 2: 152 لهذه المسألة وجهين وقال: الثاني تجب إعادته وهو الأصح لأنه عبادة محضة فلم تصح من الكافر في حق الله تعالى كالصوم والصلاة (إنتهى). وانظر أيضا الفقه على المذاهب الأربعة 1: 119.
(6) مراقي الفلاح: 18، وبدائع الصنائع 1: 35، ونيل الأوطار 1: 282.
(7) تقدم في المسألة 18.

[ 128 ]

وبه قال الشافعي (1) وأبو حنيفة (2) وغيرهما (3) وقال مالك: يلزمه ذلك (4). دليلنا: قوله تعالى: " حتى تغتسلوا " (5) وقوله: " وإن كنتم جنبا فاطهروا " (6) وهذا قد اغتسل، وتسمى بذلك. وأيضا الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الجنابة؟ فقال: لو أن رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وإن لم يدلك جسده (7). مسألة 72: يجوز للرجل والمرأة أن يتوضأ كل واحد منهما بفضل وضوء صاحبه. وبه قال الشافعي (8). وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة (9). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (1) ولم يفرق.

(1) الأم 1: 40، والمحلى 2: 30.
(2) المبسوط 1 ; 45، والمحلى 2: 30، ومراقي الفلاح: 17.
(3) قال ابن حزم في المحلى 2: 30: وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وداود وأبي حنيفة والشافعي.
(4) المدونة الكبرى 1: 27، والمحلى 2: 30، والمبسوط للسرخسي 1: 45، وبداية المجتهد 1: 42، وحاشية الدسوقي 1: 90.
(5) النساء: 43.
(6) المائدة: 6.
(7) التهذيب 1: 148 ذيل حديث 422.
(8) الأم 1: 29، والمحلى 1: 215، وعمدة القاري 3: 196، والمنهل العذب 1: 275.
(9) حكاه العيني في العمدة 3: 196 وقال: ذهب الإمام أحمد إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها. ونحوه في نيل الأوطار 1: 32، وحكاه أيضا عن إسحاق. وذكر في المنهل العذب 1: 275 لأحمد أقوال متعددة منها نحو ما ذكره العيني.
(10) النساء: 43، والمائدة: 6.

[ 129 ]

وروى ابن مسكان (1)، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له أيتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة؟ قال: نعم إن كانت تعرف الوضوء، وتغسل يدها قبل أن تدخلهما الاناء (2). مسألة 73: الفرض في الغسل، إيصال الماء إلى جميع البدن، وفي الوضوء إلى أعضاء الطهارة، وليس له قدر لا يجوز أقل منه، إلا أن المستحب أن يكون الغسل بتسعة أرطال، والوضوء بمد. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجزي في الغسل أقل من تسعة أرطال، ولا في الوضوء أقل من مد (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم " (5) وقد يكون غاسلا وإن استعمل أقل من الصاع والمد. وأيضا تقدير ذلك يحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة. وروى إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه، أن عليا عليه السلام كان

(1) قال النجاشي: عبد الله بن مسكان، أبو محمد، مولى عنزة، ثقة عين. روى عن أبي الحسن موسى عليه السلام وقيل إنه روى عن أبي عبد الله، وعده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الصادق، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم. رجال النجاشي: 158، ورجال الكشي: 375 رقم 705، ورجال الطوسي: 264.
(2) لم نعثر على رواية ابن مسكان هذه. ولعله رواه من كتابه. وقد روى الشيخ الكليني في الكافي 3: 11 حديث 4، بسنده عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أيتوضأ الرجل من فضل المرأة؟ قال: إذا كانت تعرف الوضوء، ولا يتوضأ من سؤر الحائض.
(3) أي أنه لم يحدد له قدر معين. قال في الأم [ 1: 40 ]: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي ذر " فإذا وجدت الماء فامسسه جلدك " ولم يحك أنه وصف له قدرا من الماء إلا إمساس الجلد. وحكي في المنهل العذب 1: 306 قول الشافعي: واستحب أن لا ينقص في الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد.
(4) قال السرخسي في المبسوط 1: 45: وأدنى ما يكفي في غسل الجنابة من الماء صاع وفي الوضوء مد.
(5) المائدة: 6.

[ 130 ]

يقول: الغسل من الجنابة والوضوء، يجزي منه ما أجزأ من الدهن الذي يبل الجسد (1). فأما الاستحباب فقد روى حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع. والمد رطل ونصف، والصاع ستة أرطال (2). يعني رطل المدينة.

(1) التهذيب 1: 138 حديث 385. والاستبصار 1: 122 حديث 414.
(2) الاستبصار 1: 121 حديث 409، والتهذيب 1: 136 حديث 378، وذكر الشيخ في ذيل الحديث: يعني أرطال المدينة، فيكون تسعة أرطال بالعراقي حسب ما ذكره في الكتاب. فائدة: إعلم أن الأخبار اختلفت في تحديد الصاع والمد والرطل. فروي عنهم عليهم السلام في ذلك عدة روايات نشير إلى بعضها. روى الشيخ الصدوق قدس سره في معاني الأخبار 1: 249 (باب معنى الصاع والمد والفرق بين صاع الماء ومده وبين صاع الطعام ومده) بسنده إلى المروزي قال قال أبو الحسن عليه السلام: الغسل صاع من الماء والوضوء مد من ماء. وصاع النبي صلى الله عليه وآله خمسة أمداد والمد وزن مائتي وثمانين درهما، والدرهم وزن ستة دوانيق، والدانق ست حبات، والحبة وزن حبتي شعير من أوساط الحب لا من صغاره ولا من كباره. وروي بسنده أيضا عن جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني - قال: وكان معنا حاجا - قال: كتب إلى أبي الحسن عليه السلام على يد أبي: جعلت فداك، إن أصحابنا اختلفوا في الصاع، بعضهم يقول: الفطرة بصاع المدينة، وبعضهم يقول بصاع العراق. فكتب إلي: الصاع ستة أرطال بالمدني، وتسعة أرطال بالعراقي. قال: وأخبرني فقال: إنه بالوزن يكون ألفا ومائة وسبعين وزنا. وروي بسنده أيضا عن أبي القاسم الكوفي، أنه جاء بمد، وذكر أن ابن أبي عمير أعطاه ذلك المد وقال: أعطانيه فلان - رجل من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام - وقال هذا مد النبي صلى الله عليه وآله، فعيرناه فوجدناه أربعة أمداد، وهو قفيز وربع بقفيزنا هذا. وقال ابن الأثير في النهاية 3: 60 مادة (صوع): قد تكرر ذكر الصاع في الحديث، وهو مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه فقيل: هو رطل وثلث بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز، وقيل: هو رطلان وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق. فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا، أو ثمانية أرطال (إنتهى). =

[ 131 ]

مسألة 74: من وجب عليه الوضوء وغسل الجنابة، أجزأه عنهما الغسل. وبه قال جميع الفقهاء (1) إلا الشافعي فإن له ثلاثة أقوال: أحدها: مثل ما قلناه، وعليه يعتمد أصحابه (2). والثاني: أنه يجب عليه أن يتطهر ثم يغسل، أو يتطهر بعد أن يغتسل (3). والثالث: إنه يجب عليه أن يتطهر أولا، فيسقط عنه فرض غسل الأعضاء الأربعة في الغسل، ويأتي بما بقي، وقد أجزأه (4). دليلنا: قوله تعالى: " وإن كنتم جنبا فاطهروا " (5) يعني اغتسلوا، ولم يفرق. وأيضا إجماع الفرقة.

= والمشهور إن الصاع أربعة أمداد، والمد رطلان وربع بالعراقي، فالصاع تسعة أرطال به، والمد رطل ونصف بالمدني فالصاع ستة أرطال به. ويمكن الجمع بين الروايات الشيخ الصدوق، بحمل خبر المروزي على صاع الغسل، وخبر الهمداني على صاع الفطرة. حيث ذكر الأول في من لا يحضره الفقيه في باب الغسل 1: 23 حديث 69، والثاني في باب الفطرة 2: 115، حديث 493. وقد صرح بذلك أيضا في معاني الأخبار ووضعهما تحت عنوان: الفرق بين صاع الماء ومده، وصاع الطعام ومده. والاعتبار والنظر يقتضي الاختلاف، إذ من المعلوم أن الرطل والمد والصاع كل منها كانت في الأصل مكاييل معينة. والأجسام المختلفة يختلف قدرها بالنسبة إلى كيل معين. فلا يمكن أن يكون الصاع من الماء موافقا للصاع من التمر أو الحنطة أو غيرهما من حيث الوزن. لكون الماء أثقل من التمر والحبوب مع تساوي الحجم. والله أعلم بالصواب. (1) سنن الترمذي 1: 180، والأم 1: 42، ومغني المحتاج 1: 76، وعمدة القاري 3: 191 وفتح الباري 1: 360، وتحفة الأحوذي 1: 361.
(2) الأم 1: 42، وعمدة القاري 3: 191، ومغني المحتاج 1: 76.
(3) مغني المحتاج 1: 76، وعمدة القاري 3: 191.
(4) فتح الباري 1: 360 وفيه: يقدم غسل أعضاء وضوئه على ترتيب الوضوء لكن بنية غسل الجنابة، وإلى هذا جنح الداودي شارح المختصر من الشافعية.
(5) المائدة: 6.

[ 132 ]

وروى محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام إن أهل الكوفة يروون عن علي عليه السلام إنه كان يأتي (1) بالوضوء قبل الغسل من الجنابة. قال: كذبوا على علي عليه السلام، ما وجدوا ذلك في كتاب علي عليه السلام، قال الله تعالى: وإن كنتم جنبا فاطهروا (2). مسألة 75: الترتيب واجب في غسل الجنابة، يبدأ بغسل رأسه، ثم ميامن جسده، ثم مياسره. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، لأنه إذا رتب طهر بالاجماع، وإذا لم يرتب فيه خلاف. وروى حماد، عن حريز، عن زرارة، قال: قلت له: كيف يغتسل الجنب؟ فقال: إن لم يكن أصاب كفه شئ (4) غمسها في الماء، ثم بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف (5) ثم صب على رأسه ثلاث أكف، ثم صب على منكبه الأيمن مرتين، وعلى منكبه الأيسر مرتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه (6). مسألة 76: التيمم إذا كان بدلا من الوضوء يكفي فيه ضربة واحدة لوجهه وكفيه. وبه قال الأوزاعي، وسعيد بن المسيب، ومالك، وأحمد، وإسحاق (7).

(1) في التهذيب والاستبصار (يأمر).
(2) التهذيب 1: 142 حديث 400، والاستبصار 1: 125 حديث 426.
(3) قال الرازي في تفسيره [ 11: 166 ]: قال الأكثرون لا ترتيب في الغسل، وقال إسحق: تجب البداءة بأعلى البدن، وأنظر مغني المحتاج 1: 73، وفتح المعين 1: 4. والمجموع 2: 234.
(4) في التهذيب (مني).
(5) في التهذيب من دون (ثلاث غرف).
(6) الكافي 3: 43 حديث 3، والتهذيب 1: 133 حديث 368.
(7) المجموع 2: 211، المحلى 2: 156، والمبسوط للسرخسي 1: 107، ونيل الأوطار 1: 332، والدراري المضية 1: 84، وعمدة القاري 4: 22، وفتح الباري 1: 445، وحاشية الدسوقي 1: 155، ومقدمات =

[ 133 ]

وإذا كان بدلا من الغسل فضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين. وقال الشافعي: التيمم ضربتان على كل حال، ضربة للوجه يستغرق جميعه، وضربة لليدين إلى المرفقين (1). وقد ذهب إليه قوم من أصحابنا (2). وبه قال عمر، وجابر، والحسن البصري، والشعبي، ومالك، وليث بن سعد، والثوري وأبو حنيفة وأصحابه (3). ورووا ذلك عن علي عليه الصلاة والسلام أنه قال: يضرب ضربتين، ضربة لوجهه، وضربة لكفيه (4). وحكي ذلك عن الشافعي في القديم (5) وكذلك حكي عن مالك (6). فالفرق بين الطهارتين منفرد به. وفي أصحابنا من قال بضربة واحدة في الموضعين جميعا. اختاره المرتضى (7) وقال ابن سيرين: يضرب ثلاث ضربات: ضربة لوجهه، وضربة

= ابن رشد 1: 80. (1) الأم 1: 49، والمحلى 2: 152، والمبسوط للسرخسي 1: 107، وأحكام القرآن للجصاص 2: 387، ومقدمات ابن رشد 1: 79، والمجموع 2: 210، وبداية المجتهد 1: 68، ومغني المحتاج 1: 99.
(2) قال الشيخ الصدوق في أماليه: 384 (المجلس الثالث والتسعون) فإذا أراد الرجل أن يتمم ضرب بيديه على الأرض مرة واحدة، ثم ينفضهما فيمسح بهما وجهه ثم يضرب بيده اليسرى الأرض فيمسح بها يده اليمنى من المرفق إلى أطراف الأصابع. ثم يضرب بيمينه الأرض ويمسح بها يساره من المرفق إلى أطراف الأصابع، وقد روي أن يمسح الرجل جبينه وحاجبيه ويمسح على ظهر كفيه وعليه مضى مشايخنا رضي الله عنهم.
(3) المحلى 2: 148 - 152، وشرح معاني الآثار 1: 114، وموطأ مالك 1: 56، ونصب الراية 1: 150، والمبسوط للسرخسي 1: 106، ونيل الأوطار 1: 333، وبداية المجتهد 1: 68، والمدونة الكبرى 1: 42، ومقدمات ابن رشد 1: 79، وأحكام القرآن للجصاص 2: 387، والمجموع 2: 210 - 211.
(4) المحلى 2: 156، والأم 1: 50، والمجموع 2: 211.
(5) عمدة القاري 4: 22، وفتح الباري 1: 445، والمجموع 2: 211.
(6) بداية المجتهد 1: 66، وأحكام القرآن للجصاص 2: 387، والمجموع 2: 210.
(7) المسائل الناصريات، المسألة 46. وجمل العلم والعمل: 55، وفيه: وقد روي أن تيممه إن كان عن جنابة أو ما أشبهها ثنى ما ذكرناه من الضربة ومسح الوجه واليدين.

[ 134 ]

للكفين، وضربة للذراعين (1). وذهب الزهري إلى أنه يمسح يديه إلى المنكبين (2). دليلنا: قوله تعالى: " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم " (3) ومن مسح دفعة واحدة، فقد مسح. فيجب أن يجزيه، والزيادة تحتاج إلى دليل، ولا يلزمنا مثل ذلك في الغسل، لأنا إنما أثبتناه بدليل. وروى حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت كيف التيمم؟ قال: هو ضرب واحد للوضوء. وللغسل من الجنابة تضرب بيدك مرتين، ثم تنفضهما نفضة للوجه، ومرة لليدين، ومتى أصبت الماء فعليك الغسل إن كنت جنبا، والوضوء إن لم تكن جنبا (4). مسألة 77: يجب أن يكون التيمم بالتراب أو ما كان من جنسه من الأحجار ولا يلزم أن يكون ذا غبار. ولا يجوز التيمم بالزرنيخ، وغير ذلك من المعادن. وبه قال الشافعي، إلا أنه اعتبر التراب أو الحجر إذا كان ذا غبار (5). وقال أبو حنيفة: كل ما كان من جنس الأرض أو متصلا بها مثل الثلج، والصخر يجوز التيمم به (6) وبه قال مالك إلا أنه اعتبر أن يكون من جنس

(1) المبسوط 1: 107، ونيل الأوطار 1: 332، والدراري المضية 1: 85، والمجموع 2: 211.
(2) المحلى 2: 153، وشرح معاني الآثار 1: 110، ونصب الراية 1: 155، والمبسوط 1: 107، ونيل الأوطار 1: 334، وبداية المجتهد 1: 66، والدراري المضية 1: 84، وأحكام القرآن للجصاص 2: 387، والمجموع 2: 211.
(3) المائدة: 6.
(4) الاستبصار 1: 172 حديث 59، والتهذيب 1: 210 حديث 611، باختلاف يسير. (5) المحلى 2: 160، والأم 1: 50، ومقدمات ابن رشد 1: 78، وأحكام القرآن للجصاص 2: 389، ومغني المحتاج 1: 96، وبداية المجتهد 1: 68، والمجموع 2: 213، والتفسير القرطبي 5: 236، وحاشية الجمل 1: 213.
(6) المحلى 2: 160، والمبسوط للسرخسي 1: 109، وأحكام القرآن للجصاص 2: 389، والمجموع 2: 213 =

[ 135 ]

الأرض وما يتصل بها (1). وقال الثوري والأوزاعي: يجوز التيمم بالأرض، وبكل ما عليها، سواء كان متصلا بها أو غير متصل كالثلج والملح وغير ذلك (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (3) والصعيد هو التراب الذي لا يخالط غيره من السبخ والرمل (4). ذكر ذلك ابن دريد (5) وحكاه عن أبي عبيدة (6) وغيره من أهل اللغة (7) فمن تيمم بغير ما قلناه لم يكن ممتثلا للآية. وروى حريز، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون

= وعمدة القاري 4: 10، وبداية المجتهد 1: 68، ونيل الأوطار 1: 328، وحاشية الجمل 1: 195، وتفسير القرطبي 5: 236. (1) مقدمات ابن رشد 1: 78، والمحلى 2: 160، وأحكام القرآن للجصاص 2: 389، والمجموع 2: 213، وبداية المجتهد 1: 68، وعمدة القاري 4: 10 ونيل الأوطار 1: 328، وحاشية الدسوقي 1: 155، وحاشية الجمل 1: 195، وتفسير القرطبي 5: 236.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 289، والمجموع 2: 213، وعمدة القاري 4: 10، ونيل الأوطار 1: 328، وتفسير القرطبي 5: 238.
(3) المائدة: 6.
(4) تاج العروس 2: 398، ومجمع البحرين 204 (مادة صعد).
(5) محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزدي القحطاني البصري، أبو بكر. عالم، فاضل، أديب حفوظ، شاعر، نحوي، لغوي، كان إمام أهل اللغة. روى عنه خلق كثير منهم السيرافي، والمرزباني، والأصفهاني. قيل في حقه: إنه ما ازدحم العلم والشعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر ابن دريد. مات سنة (321 ه‍). الفهرست لابن النديم: 67، وبغية الوعاة: 30.
(6) أبو عبيدة، معمر بن المثنى اللغوي البصري. مولى بني تيم، تيم قريش النحوي أخذ عنه أبو عبيد وأبو حاتم والمازني وغيرهم. مات سنة (211 ه‍). وقد قارب المأتين. وقيل: غير ذلك. بغية الوعاة: 395 - ووفيات الأعيان 5: 235، والمعارف: 236.
(7) حكاه العيني في العمدة وقال: وفي الجمهرة وهو التراب الذي لا يخالطه رمل ولا سبخ هذا قول أبي عبيدة. وحكى أيضا أقوال أهل اللغة. عمدة القاري 4: 3..

[ 136 ]

معه اللبن، أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إنما هو الماء والصعيد (1). مسألة 78: لا يجوز التيمم بتراب قد خالط نورة، أو زرنيخا، أو كحلا، أو مائعا غير الماء. غلب عليه أو لم يغلب عليه. وقال الشافعي وأصحابه: إذا غلب عليه لا يجوز التيمم به (2)، وإذا لم يغلب عليه فيه قولان، قال المروزي (3): يجوز التيمم به إذا لم يغلب عليه (4). وقال الباقون من أصحابه: لا يجوز (5). دليلنا: قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (6) والصعيد قد بينا: أنه التراب أو الأرض، وهذا ليس بتراب محض، ولا أرض والخبر الذي قدمناه (7) أيضا يؤيده. مسألة 79: التراب المستعمل في التيمم، يجوز التيمم به دفعة أخرى. وصورته أن يجمع ما ينتشر في التيمم من التراب، ويتيمم به. وإن كان الأفضل نفض اليدين قبل التيمم حتى لا يبقى فيهما شئ من التراب. وقال أكثر أصحاب الشافعي: أنه لا يجوز (8). وحكي عن بعض أصحابه: إنه يجوز (9).

(1) الاستبصار 1: 14 و 155 حديث 26 و 534، والتهذيب 1: 188 حديث 540.
(2) الأم 1: 50، والمجموع 2: 217، ومغني المحتاج 1: 96، وحاشية الجمل 1: 215.
(3) إبراهيم بن أحمد، أبو إسحاق المروزي. صاحب أبي العباس، أخذ العلم علي بن سريج مات سنة (340 ه‍). طبقات الفقهاء 92، وطبقات الشافعية: 19.
(4) المجموع 2: 217.
(5) المجموع 2: 217.
(6) المائدة: 6.
(7) تقدم في المسألة السابقة.
(8) الأم 1: 50، ومغني المحتاج 1: 96 و 100.
(9) مغني المحتاج 1: 96 و 100.

[ 137 ]

دليلنا: قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (1) وهذا صعيد. والخبر الذي قدمناه أيضا يدل على ذلك (2). مسألة 80: يكره التيمم بالرمل، إلا أنه يجزي ذلك. وللشافعي فيه قولان، وقال بعض أصحابه: فيه قول واحد، لكن على اختلاف حالين: إذا كان الرمل فيه تراب يعلق باليد يجوز التيمم به، وإذا لم يكن فيه تراب لم يجز (3). دليلنا: قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا " (4) والصعيد هو الأرض على ما بيناه والرمل يسمى أرضا، ولأجل ذلك يقال: أرض رمل، كما يقال: أرض صخر، وأرض حصى، فينبغي أن يجوز التيمم به. مسألة 81: إذا ترك شيئا من المقدار الذي يجب مسحه في التيمم لم يجزه. وقال الشافعي: إذا أبقى شيئا من موضع التيمم قليلا كان أو كثيرا لم يجزه (5) كما قلناه. فإن كان تركه ناسيا، وذكر قبل أن يتطاول الزمان مسح عليه، وإن تطاول الزمان فيه قولان، أحدهما: يستأنف. والثاني: يبني. وقال أبو حنيفة: إن كان ما تركه دون الدرهم لم يجب عليه شئ، وإن كان أكثر منه لم يجزه (6). دليلنا: ما قدمناه من كيفية التيمم، وأنه يجب عليه أن يمسح على ظهر كفيه

(1) المائدة: 6.
(2) تقدم في المسألة 77.
(3) الأم 1: 50، ومغني المحتاج 1: 96، وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 213.
(4) المائدة: 6.
(5) الأم 1: 49، والمجموع 2: 239، وبداية المجتهد 1: 68.
(6) أحكام القرآن للجصاص 2: 391 والتفسير الكبير 11: 172، والمجموع 2: 239، وبداية المجتهد 1: 68.

[ 138 ]

ووجهه إلى طرف أنفه، فإذا ترك شيئا منه فقد خالف الظاهر (1). مسألة 82: الترتيب واجب في التيمم: يبدأ بمسح وجهه، ثم يمسح كفيه يقدم اليمين على الشمال. وبه قال الشافعي (2)، إلا في تقديم اليمين على الشمال، وقال أبو حنيفة: لا يجب فيه الترتيب (3). دليلنا: ما قلناه في وجوب الترتيب في الوضوء سواء (4) وطريقة الاحتياط تقتضيه. مسألة 83: الموالاة واجبة في جميع التيمم. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (5). دليلنا: أنه لا يجوز التيمم إلا عند تضيق الوقت، فلو لم يوال لخرج الوقت وفاتت الصلاة. مسألة 84: من قطعت يداه من الذارعين سقط عنه فرض التيمم فيهما. وقال الشافعي: يتيمم فيما بقي إلى المرفقين (6). دليلنا: أنا قد بينا أن الفرض يتعلق بمسح ظاهر الكفين، فإذا لم يكونا فإيجاب غيرهما يحتاج إلى دليل. مسألة 85: من تيمم لصلاة، جاز له أن يؤدي النوافل والفرائض به، ولا فرق بين أن ينوي بالتيمم الدخول في النافلة أو الفريضة.

(1) أي إنه خالف ظاهر المأمور به فلا يكون مجزيا.
(2) الأم 1: 49، والمجموع 2: 234، والمحلى 2: 161، ومغني المحتاج 1: 94 وفيه فصل بين التيمم بدل الغسل فلم يعتبر فيه الترتيب، وبين بدل الوضوء فاعتبر فيه، لاعتبار الترتيب في الوضوء.
(3) عمدة القاري 4: 37، والمبسوط للسرخسي 1: 121، والمحلى 2: 161.
(4) انظر مسألة 42.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 121، ومغني المحتاج 1: 100، والمجموع 2: 233.
(6) الأم 1: 49.

[ 139 ]

وقال الشافعي: إذا تيمم للنافلة لم يجز أن يصلي فريضة به (1)، ووافقنا أبو حنيفة فيما قلناه (2). دليلنا: قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " (3) وقد بينا أن المراد بقوله: " فاغسلوا " كأنه قال: للصلاة، ثم قال في آخر الآية: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " فكان تقديره: فتيمموا للصلاة، وذلك عام في جميع الصلوات، وتخصيصه يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى حريز، عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: يصلي الرجل بتيمم واحد صلاة الليل والنهار كلها؟ فقال: نعم (4). مسألة 86: من وجب عليه الغسل من الجنابة ولم يجد ماءا جاز له أن يتيمم ويصلي وهو مذهب جميع الصحابة والفقهاء (5). وروي عن عمر، وابن مسعود أنهما قالا: لا يجوز ذلك (6). دليلنا: قوله تعالى: " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا " (7) وقد بينا أن الملامسة المراد بها الجماع. وأيضا عليه إجماع الفرقة.

(1) الأم 1: 47، والمبسوط للسرخسي 1: 117. ومغني المحتاج 1: 98.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 117.
(3) المائدة: 6.
(4) التهذيب 1: 200 صدر الحديث 580، الاستبصار 1: 164 صدر الحديث 570، والكافي 3: 63 صدر الحديث 4.
(5) التفسير الكبير 11: 173، والموطأ 1: 56، والمبسوط للسرخسي 1: 111، ومقدمات ابن رشد 1: 80، وسنن الترمذي 1: 216، وبداية المجتهد 1: 61 وعمدة القاري 4: 31، والهداية للمرغيناني 1: 25، والدراري المضية 1: 81.
(6) التفسير الكبير 11: 173، والمبسوط للسرخسي 1: 111، ومقدمات ابن رشد 1: 80، وسنن الترمذي 1: 216، وبداية المجتهد 1: 61.
(7) المائدة: 6.

[ 140 ]

وروى حريز، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد وصلى، ثم وجد الماء؟ فقال: لا يعيد، إن رب الماء رب الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين (1). مسألة 87: إذا تيمم الرجل الجنب بنية أنه يتيمم عن الطهارة الصغرى، وكان قد نسي الجنابة، قال الشافعي: يجوز له الدخول به في الصلاة (2). وهذه المسألة لا نص لأصحابنا فيها على التعيين، والذي يقتضيه المذهب: أنه لا يجوز له أن يدخل به في الصلاة، لأن التيمم يحتاج إلى نية أنه بدل من الوضوء، أو بدل من الجنابة، وإذا لم ينو ذلك لم يصح التيمم، وينبغي أن يعيد التيمم. وأيضا: فإن كيفية التيمم تختلف على ما قدمناه من الضربة والضربتين. وأيضا: طريقة الاحتياط تقتضي إعادة التيمم، لأنه يصير داخلا في صلاته بيقين. وإن قلنا أنه متى نوى بتيممه استباحة الصلاة من حدث، جاز له الدخول في الصلاة، كان قويا، والأحوط الأول. مسألة 88: إذا وجد المتيمم الإماء قبل الدخول في الصلاة، انتقض تيممه، ووجبت عليه الطهارة. هو مذهب جميع الفقهاء (3) وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن (4): لا

(1) التهذيب 1: 197 حديث 571، والاستبصار 1: 161 حديث 557.
(2) الأم (مختصر المزني): 6.
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 384، والمبسوط للسرخسي 1: 110، ونيل الأوطار 1: 336.
(4) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني. قيل: اسمه كنيته، وقيل: عبد الله، روى عن أبيه وأسامة بن زيد وغيرهم. وروى عنه عمر، وعروة، والشعبي وغيرهم. مات سنة (94 ه‍). طبقات الفقهاء: 31، والمنهل العذب 1: 23.

[ 141 ]

يبطل (1). دليلنا: إن الله تعالى أوجب التيمم للدخول في الصلاة بشرط فقد الماء، فلا يجوز الدخول فيها به مع وجود الماء. وأيضا عليه إجماع الفرقة. وروى ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، وابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل تيمم؟ قال: يجزيه ذلك إلى أن يجد الماء (2). مسألة 89: من وجد الماء بعد دخوله في الصلاة، لأصحابنا فيها روايتان: إحداهما - وهو الأظهر -: أنه إذا كبر تكبيرة الاحرام، مضى في صلاته (3). وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور (4). الثانية: إنه يخرج ويتوضأ إذا لم يركع (5) وقال أبو حنيفة والثوري: تبطل صلاته، وعليه استعمال الماء أي وقت كان، إلا إذا دخل في صلاة العيدين، أو دخل في صلاة الجنازة، أو وجد سؤر الحمار (6). وقال الأوزاعي: يمضي في صلاته، وتكون نافلة، ثم يتطهر، ويعيدها وقال المزني: تبطل صلاته بكل حال (7). دليلنا: إن من دخل في صلاة بتيمم دخل فيها دخولا صحيحا بلا خلاف،

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 384. والمبسوط للسرخسي 1: 110، ونيل الأوطار 1: 336.
(2) التهذيب 1: 200 حديث 579.
(3) فقه الرضا: 5، والمقنعة: 8، والمبسوط للطوسي 1: 33، والمقنع: 8، والهداية: 19، والمراسم: 54، والغنية (في أحكام التيمم).
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 384، والتفسير الكبير 11: 174، وتفسير القرطبي 5: 235.
(5) الكافي 3: 64 حديث 5، والاستبصار 1: 166 حديث 576، والتهذيب 1: 204 حديث 591 و 592 و 593، والنهاية: 48.
(6) أحكام القرآن للجصاص 2: 384 والتفسير الكبير 11: 174، وفيه: لو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها. وبه قال مالك وأحمد خلافا لأبي حنيفة والثوري وهو اختيار المزني وابن شريح.
(7) الأم (مختصر المزني): 6، والتفسير الكبير 11: 174، وتفسير القرطبي 5: 235.

[ 142 ]

فلا يوجب عليه قطع الصلاة إلا بدليل، وليس في الشرع ما يدل على ذلك. أما الرواية الأخرى، فرواها عبد الله بن عاصم (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يجد الماء فيتيمم ويقوم في الصلاة، فجاء الغلام فقال: هو ذا الماء فقال: إن كان لم يركع، فلينصرف وليتوضأ، وإن كان قد ركع فليمض في صلاته (2). مسألة 90: من صلى بتيمم ثم وجد الماء، لم يجب عليه إعادة الصلاة، وهو مذهب جميع الفقهاء (3) وقال الطاووس (4): عليه الإعادة (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإنه قد صلى بالتيمم بحكم الشرع، والاعادة تحتاج إلى دليل شرعي. وروى عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا لم يجد الرجل طهورا، وكان جنبا، فليمسح من الأرض وليصل، فإذا وجد الماء فليغتسل، وقد أجزأته صلاته التي صلى (6).

(1) عبد الله بن عاصم، روى عنه أبان الأحمر، وجعفر بن بشر، عده البرقي في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. رجال البرقي: 23، ومعجم رجال الحديث 10: 237، وقاموس الرجال 5: 492.
(2) الاستبصار 1: 166 حديث 576، والكافي 3: 64 حديث 5، والتهذيب 1: 204 حديث 591 و 592 و 593. باختلاف يسير باللفظ.
(3) التفسير الكبير 11: 174 والمجموع 2: 306 ونيل الأوطار 1: 336.
(4) طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن. من أبناء الفرس، الحميري الهمداني اليماني. روى عن ابن عباس وابن عمر، وجابر بن عبد الله وغيرهم. وروى عنه الزهري وعمرو بن دينار وسليمان الأحول وغيرهم. مات سنة (106 ه‍). المنهل العذب 1: 79، والتاريخ الكبير 4: 365.
(5) التفسير الكبير 11: 174، والمجموع 2: 306. وجاء في نيل الأوطار 1: 336 ما لفظه: وقال الهادي، والناصر، والمؤيد بالله، وأبو طالب، وطاووس، وعطاء، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ومكحول، وابن سيرين، والزهري، وربيعة كما حكاه المنذري وغيره: إنها تجب الإعادة مع بقاء الوقت.
(6) التهذيب 1: 197 حديث 572، والاستبصار 1: 161 حديث 558، والكافي 3: 63 حديث 3 بسنده عن الحلبي.

[ 143 ]

مسألة 91: لا بأس أن يجمع بين صلاتين بتيمم واحد، فرضين كانا أو نفلين، أدائين أو فائتين، وعلى كل حال، في وقت واحد أو وقتين. وقال الشافعي: لا يجوز أن يجمع بين صلاتي فرض (1) ويجوز أن يجمع بين فريضة واحدة وما شاء من النوافل، وهو المحكي عن ابن عمر، وابن عباس (2) وبه قال مالك وأحمد (3). وقال أبو حنيفة، والثوري: يجوز ذلك على كل حال كما قلناه (4) وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن البصري (5). وقال أبو ثور يصلي فريضتين في وقت واحد ولا يصلي فريضتين في وقتين (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (7) وقد بينا أن معناه: فتيمموا للصلاة، وذلك يفيد جنس الصلاة، فوجب حمله على العموم (8).

(1) التفسير الكبير 11: 174، وأحكام القرآن للجصاص 2: 382، والمبسوط 1: 113، وعمدة القاري 4: 24، وبدائع الصنائع 1: 55، وشرح فتح القدير 1: 95، والمحلى 2: 129.
(2) المدونة الكبرى 1: 48، ومجمع الزوائد 1: 264، وفتح الباري 1: 447. وعمدة القاري 4: 24، والسنن الكبرى 1: 221.
(3) موطأ مالك 1: 54، والمدونة الكبرى 1: 48، وعمدة القاري 4: 24، وأحكام القرآن للجصاص 2: 382، وتفسير القرطبي 5: 235، والمحلى 2: 129، وقال الرازي في التفسير الكبير [ 11: 174 ]: وقال أحمد يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 382، والمبسوط 1: 113، وبدائع الصنائع 1: 55، وشرح فتح القدير 1: 95، وعمدة القاري 4: 24، وتفسير القرطبي 5: 235، والمحلى 2: 128. (5) عمدة القاري 4: 24، والمحلى 2: 128.
(6) قال ابن حزم في المحلى 2: 129: وقال أبو ثور: يتيمم لكل وقت صلاة فرض إلا أنه يصلي الفوائت من الفروض كلها بتيمم واحد. وحكى العيني في العمدة 4: 24 قول أبي ثور: أنه يتيمم لكل صلاة فرض.
(7) المائدة: 6.
(8) انظر مسألة رقم: 18 و 85.

[ 144 ]

وروى محمد بن سعيد (1) عن السكوني (2) عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهم السلام قال: لا بأس بأن يصلي صلاة الليل والنهار بتيمم واحد ما لم يحدث أو يصيب الماء (3). مسألة 92: التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستباح به الدخول في الصلاة. وبه قال كافة الفقهاء (4) إلا داود وبعض أصحاب مالك فإنهم قالوا: يرفع الحدث (5). دليلنا: إنه لا خلاف أن الجنب إذا تيمم وصلى، ثم وجد الماء وجب عليه الغسل، فلو كان الحدث قد زال بالتيمم، لما وجب عليه الغسل، لأن رؤية الماء لا توجب الغسل. ألا ترى إنه كان محدثا وتيمم ثم وجد الماء لم يجب عليه الغسل وإنما وجب عليه الوضوء، فعلم بذلك أن الحدث باق. وروي أن عمرو بن العاص (6) أجنب في بعض الغزوات فخشي أن يغتسل لشدة البرد فتيمم وصلى، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وآله ذكر له ذلك فقال: صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فذكر له العذر وقال: خشيت أن

(1) محمد بن سعيد بن غزوان بن محمد الأسدي. له كتاب، قاله النجاشي: 288.
(2) إسماعيل بن أبي زياد (مسلم) السكوني الشعيري. عده الشيخ في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. رجال النجاشي: 20، ورجال الطوسي: 147.
(3) التهذيب 1: 201 حديث 585. وفيه أيضا حديث 582: عن محمد بن سعيد بن غزوان عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام مثله، ونحوه في الاستبصار 1: 163 حديث 565، 567.
(4) مقدمات ابن رشد 1: 82، وتفسير القرطبي 5: 234، والمجموع 2: 221.
(5) حكاه النووي في المجموع 2: 221 وقال: وقال داود والكرخي الحنفي وبعض المالكية يرفعه. وانظر تفسير القرطبي 5: 234. وعمدة القاري 4: 24.
(6) عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد السهمي. أسلم سنة ثمان قبل الفتح، وقيل: بين الحديبية وخيبر. وقد اختلفت الأقوال في سنة وفاته فقيل: سنة (42 ه‍). وقيل سنه (63 ه‍). وقيل غير ذلك وقد اتفق الشيخان البخاري ومسلم على ثلاثة أحاديث من أحاديثه فقط. تهذيب التهذيب 8: 56 والمنهل العذب 1: 86.

[ 145 ]

أهلك، فضحك ولم يقل شيئا (1). فسماه النبي صلى الله عليه وآله جنبا، ولو كان حدثه قد ارتفع به لما سماه جنبا. مسألة 93: يجوز للمتيمم أن يصلي بالمتوضئين على كراهية فيه. وبه قال جميع الفقهاء من غير كراهية فيه (2). وقال محمد بن الحسن: لا يجوز (3). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (4) وقد بينا أن المراد به فتيمموا للدخول في الصلاة،، ولم يفصل بين أن يكون إماما أو منفردا، فوجب حملها على العموم. وروى ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران (5) وجميل (6) عن أبي عبد الله

(1) الظاهر أن هذه الرواية نقلها المصنف قدس سره بالمعنى. وقد رواها مفصلة أحمد بن حنبل في مسنده 4: 203، والحاكم في المستدرك 1: 177، والبيهقي في سننه 1: 225 (باب التيمم في السفر إذا خاف الموت أو العلة في شدة البرد). (2) قال ابن حزم في المحلى [ 2: 143 ]: وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر وسفيان والشافعي وداود وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي ذلك عن ابن عباس وعمار بن ياسر وجماعة من الصحابة. وانظر عمدة القاري 4: 24، وفتح الباري 1: 446، وبدائع الصنائع 1: 56، ويستفاد من موطأ مالك 1: 55، والمدونة الكبرى 1: 48 الجواز مع الكراهة.
(3) عمدة القاري 4، 24، وبدائع الصنائع 1: 56، والمحلى 2: 143.
(4) المائدة: 6.
(5) أبو جعفر، محمد بن حمران النهدي البزاز، ثقة، كوفي الأصل، عده الشيخ في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وروى عنه، وله كتاب اشترك فيه هو وجميل بن دراج. رجال الشيخ 285، ورجال النجاشي: 278.
(6) جميل بن دراج، ودراج يكنى بأبي الصبيح بن عبد الله، أبو علي النخعي. قال ابن فضال أبو محمد شيخنا ووجه الطائفة، ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، أخذ عن زرارة قاله النجاشي في رجاله. وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الصادق تارة وأخرى من أصحاب الكاظم عليهما السلام وروى عنهما. وقد أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه. رجال الطوسي: 163 و 346، والفهرست للطوسي: 44، ورجال النجاشي: 98.

[ 146 ]

عليه السلام أنهما سألاه عن إمام قوم أصابته جنابة في السفر، وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل، أيتوضأ بعضهم ويصلي بهم؟ فقال: لا، ولكن يتيمم الجنب ويصلي بهم، فإن الله عز وجل جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا (1). مسألة 94: لا يجوز التيمم إلا في آخر الوقت عند الخوف من فوت الصلاة. وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم قبل الدخول الوقت (2) وقال الشافعي: لا يجوز إلا بعد دخول الوقت، ولم يعينه (3). دليلنا: طريقة الاحتياط، لأنه لا خلاف في أنه إذا تيمم في آخر الوقت وصلى فإن صلاته صحيحة ماضية، واختلفوا إذا تيمم قبل ذلك، وليس في الشرع ما يدل على صحة ما قالوه. وأيضا روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إذا لم تجد ماء وأردت التيمم، فأخر التيمم إلى آخر الوقت، فإن فاتك

(1) روى الشيخ الصدوق قدس سره في من لا يحضره الفقيه 1: 60 حديث 223 الحديث بلفظ آخر نصه: سأل محمد بن حمران النهدي وجميل بن دراج أبا عبد الله عليه السلام عن إمام قوم... الخ ". ورواه الشيخ قدس سره في التهذيب 3: 167 حديث 365، والاستبصار 1: 425 حديث 1638، عن محمد بن حمران وجميل بن دراج قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إمام قوم - إلى قوله - جعل التراب طهورا. ونحوه في الكافي 3: 66 حديث 3، عن محمد بن حمران وجميل قالا: قلنا لأبي عبد الله عليه السلام. وقد روى الحديث بلفظ آخر الشيخ قدس سره في التهذيب 1: 404 حديث 1264 نصه: عن ابن أبي عمير عن محمد بن حمران وجميل عن أبي عبد الله عليه السلام أنهما سألاه عن إمام قوم أصابته في سفر جنابة وليس معه من الماء ما يكفيه في الغسل، أيتوضأ ويصلي بهم؟ قال: لا، ولكن يتيمم ويصلي، فإن الله تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا.
(2) نيل الأوطار 1: 329، والمبسوط للسرخسي 1: 109، وبداية المجتهد 1: 65، وبدائع الصنائع 1: 54، والمجموع 2: 243، والتفسير الكبير 11: 173.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 109، وبداية المجتهد 1: 65، ومغني المحتاج 1: 105 وبدائع الصنائع 1: 54، ونيل الأوطار 1: 329، والمجموع 2: 243، والتفسير الكبير 11: 173.

[ 147 ]

الماء، لم تفتك الأرض (1). وروى زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: إذا لم يجد المسافر الماء، فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت، فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه، وليتوضأ لما يستقبل (2). مسألة 95: طلب الماء واجب، ومن تيمم من غير طلب لم يصحح تيممه. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: الطلب ليس بواجب (4). دليلنا: طريقة الاحتياط، لأنه لا خلاف أن من طلب الماء فلم يجد ثم تيمم يكون تيممه صحيحا، ولا دليل على صحة تيممه مع فقد الطلب، وفيه الخلاف. وأيضا عليه إجماع الفرقة. والخبر الذي رواه زرارة في المسألة الأولى يتضمن الأمر بالطلب، لأنه قال: " فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف الفوت تيمم " (5)، وهذا صريح في وجوب الطلب لأنه أمر. وروى النوفلي (6)، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليه السلام أنه قال: يطلب الماء في السفر، إن كانت الحزونة (7) فغلوة سهم،

(1) الكافي 3: 63 حديث 1، والتهذيب 1: 203 حديث 588، والاستبصار 1: 165 حديث 573.
(2) الكافي 3: 63 حديث 2، والتهذيب 1: 203 حديث 589، والاستبصار 1: 165 حديث 574.
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 377، والمبسوط للسرخسي 1: 108، وبداية المجتهد 1: 65، وأحكام القرآن للشافعي 1: 48، والأم 1: 47، وبدائع الصنائع 1: 47، والمجموع 2: 248.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 378، والمبسوط للسرخسي 1: 108 و 115، وبداية المجتهد 1: 65، وبدائع الصنائع 1: 47، وشرح فتح القدير 1: 98.
(5) تقدم في المسألة 94.
(6) الحسين بن يزيد بن محمد بن عبد الملك النوفلي، نوفل النخع، مولاهم، كوفي، أبو عبد الله، كان شاعرا أديبا وسكن الري، ومات بها. قاله النجاشي، وعده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الرضا عليه السلام. رجال النجاشي: 30، ورجال الطوسي: 373، وفهرست الطوسي: 59.
(7) الحزن، كفلس، ما غلظ من الأرض وهو خلاف السهل. مجمع البحرين (مادة حزن).

[ 148 ]

وإن كانت سهولة فغلوتين، لا يطلب أكثر من ذلك (1). وهذا صريح أيضا، وقد بينا الكلام على ما يخالف هاتين الروايتين في الكتابين المقدم ذكرهما (2). مسألة 96: كل سفر فقد فيه الماء، يجوز فيه التيمم، طويلا كان أو قصيرا. وبه قال جميع الفقهاء (3). وحكي عن بعضهم أنه قال: إنما يجوز في السفر الطويل الذي يقصر فيه الصلاة (4). دليلنا: قوله تعالى: " وإن كنتم مرضى أو على سفر " (5) إلى قوله: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (6)، ولم يفصل. وكذلك الأخبار الواردة في إيجاب التيمم لمن عدم الماء، وليس فيها تفصيل سفر دون سفر (7). مسألة 97: المقيم الصحيح الذي فقد الماء، بأن يكون في قرية لها بئر أو عين نضب ماؤها، وضاق وقت الصلاة، يجوز أن يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه، وكذلك إذا حيل بينه وبين الماء. وبه قال مالك والأوزاعي (8). وبمثله قال الشافعي: إلا أنه قال: إذا وجد الماء توضأ وأعاد الصلاة (9)

(1) التهذيب 1: 202 حديث 586، والاستبصار 1: 165 حديث 571.
(2) انظر التهذيب 1: 184 و 202، والاستبصار 1: 165.
(3) الأم 1: 45، والتفسير الكبير 11: 167، والمحلى 2: 116، وأحكام القرآن للشافعي 1: 48، وعمدة القاري 4: 7، وتفسير القرطبي 5: 218.
(4) التفسير الكبير 11: 167، والمحلى 2: 116، وتفسير القرطبي 5: 218.
(5) (6) المائدة: 6.
(7) انظر التهذيب 1: 185 - 203 حديث 536 و 548 و 553 و 555 و 560 و 586 و 589. والاستبصار 1: 165 حديث 571 و 574، والكافي 3: 63 - 64 حديث 2 و 6.
(8) المدونة الكبرى 1: 44، وتفسير القرطبي 5: 218، وبداية المجتهد 1: 63، وعمدة القاري 4: 7، والمجموع 2: 305.
(9) المحلى 2: 118، وعمدة القاري 4: 7، والجموع 2: 305.

[ 149 ]

وبه قال محمد بن الحسن (1) وقال زفر: لا يتيمم ولا يصلي بل يصبر حتى يجد الماء (2). وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما مثل قول محمد (3) والأخرى مثل قول زفر (4). دليلنا: قوله تعالى: " أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا " (5) فإن قيل: قال في أول الآية: " وإن كنتم مرضى أو على سفر " فشرط في جواز التيمم السفر، أو المرض، أو الحدث. قلنا: ظاهر الآية يفيد أن كل واحد من هذه الشرائط، يبيح التيمم لأنه عطف بعضها على بعض ب‍ " أو " فاقتضى ذلك أنه يكون السفر بمجرده يبيح التيمم إذا لم يجد الماء، وكذلك المرض، وكذلك المجئ من الغائط. وليس يجب أن يجعل الاتيان من الغائط شرطا مع وجود السفر، كما لا يجب أن يجعل المرض شرطا مع وجود السفر، وعليه إجماع الفرقة. وروى عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا، فليمسح من الأرض، وليصل. فإذا وجد ماءا فليغتسل، وقد أجزأته صلاته التي صلى (6) وهذا عام، فإنه لم يفصل. وروى عبد الله بن أبي يعفور، وعنبسة بن مصعب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أتيت البئر وأنت جنب، فلم تجد دلوا، ولا شيئا تغرف

(1) عمدة القاري 4: 7.
(2) تفسير القرطبي 5: 218، والمحلى 2: 118، وعمدة القاري 4: 7.
(3) المحلى 2: 118، وعمدة القاري 4: 7، والمجموع 2: 305.
(4) بداية المجتهد 1: 63، والمجموع 2: 305.
(5) المائدة: 6.
(6) التهذيب 1: 193 حديث 556، والاستبصار 1: 159 حديث 549، ورواه الكليني في الكافي بسند آخر 3: 63 حديث 3.

[ 150 ]

به فتيمم بالصعيد، فإن رب الماء رب الصعيد، ولا تقع في البئر، ولا تفسد على القوم ماءهم (1) فأجاز له التيمم مع وجود الماء، إذا لم يقدر على أخذه، فكيف إذا عدمه أصلا. فأما وجوب الإعادة فيحتاج إلى دلالة شرعية، لأنها فرض ثان، وخبر عبد الله بن سنان صريح بأنه لا إعادة عليه. وروى يعقوب بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل تيمم وصلى، فأصاب بعد صلاته ماءا، أيتوضأ ويعيد الصلاة؟ أم تجوز صلاته؟ قال: إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت، توضأ وأعاد، فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه (2) وهذا أيضا عام، وإنما أوجب إعادة الصلاة، إذا لم يخرج الوقت لأنه يكون قد صلى قبل تضييق الوقت بتيمم وذلك لا يجوز. مسألة 98: من صلى بتيمم، جاز له أن يتنفل بعدها ما شاء من النوافل والفرائض على ما بيناه، ولا يجوز أن يتنفل قبلها. وللشافعي قولان: أحدهما يجوز، ذكر ذلك في الأم (3) والآخر لا يجوز، ذكر ذلك في البويطي (4) وقال مالك: لا يجوز (5). دليلنا: على أنه لا يجوز هو: أن التيمم قد بينا أنه لا يجوز إلا عند تضيق

(1) التهذيب 1: 185 حديث 535، والكافي 3: 65 حديث 9، والاستبصار 1: 127 حديث 435 باختلاف يسير باللفظ.
(2) الاستبصار 1: 159 حديث 551، والتهذيب 1: 193 حديث 559 مع زيادة (الصلاة) بعد كلمة وأعاد. (3) الأم 1: 47.
(4) البويطي: أبو يعقوب، يوسف بن يحيى، أكبر أصحاب الشافعي المصريين وخليفته في حلقته بعد وفاته مات سنة (231 ه‍) أما قوله: قال في البويطي، معناه قال الشافعي في الكتاب الذي رواه البويطي عن الشافعي، فسمى الكتاب باسم مصنفه مجازا. قاله النووي في المجموع 1: 106 - 107.
(5) فتح الباري 1: 447.

[ 151 ]

الوقت، وفي تلك الحال لا يجوز أن يتنفل، لأنه نافلة في وقت فريضة، ولا يمنع من جواز ذلك لشئ يرجع إلى التيمم، بل لشئ يرجع إلى تضيق الوقت، وخوف فوت الصلاة. مسألة 99: إذا تيمم، ثم طلع عليه ركب، لم يجب عليه أن يسألهم الماء، ولا يستدلهم عليه. وقال الشافعي: يجب عليه ذلك (1). دليلنا: أن هذه الحالة، حال وجوب الصلاة، وتضيق وقتها، والخوف من فوتها، وقد مضى وقت الطلب، فلا يجب عليه ذلك. مسألة 100: المجدور والمجروح ومن أشبههما ممن به مرض مخوف، يجوز له التيمم، مع وجود الماء. وهو قول جميع الفقهاء (2) إلا طاوسا، ومالكا، فإنهما قالا: يجب عليهما استعمال الماء (3). دليلنا: قوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (4) وإيجاب استعمال الماء على ما ذكرناه من أعظم الحرج، وعليه إجماع الطائفة. وروى ابن أبي عمير، عن محمد بن مسكين (5) وغيره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قيل له إن فلانا أصابته جنابة، وهو مجدور فغسلوه، فمات.

(1) المجموع 2: 259.
(2) أحكام القرآن للشافعي 1: 48، وعمدة القاري 4: 33، وبدائع الصنائع 1: 48.
(3) عمدة القاري 4: 33، وقال في المدونة الكبرى: 45: يغسل ما صح من جسده ويمسح على مواضع الجراحة إن قدر على ذلك وإلا فعلى الخرق التي عصب بها.
(4) الحج: 78.
(5) لم يترجمه أصحاب الرجال في كتبهم، ولعله متحد مع محمد بن سكين كما استظهره الأردبيلي في جامع الرواة 2: 193، فلاحظ.

[ 152 ]

فقال قتلوه، ألا سألوا؟ ألا يمموه؟ إن شفاء العي (1) السؤال (2). وروى أحمد بن محمد بن أبي نصر (3)، عن داود بن سرحان (4) عن أبي عبد الله عليه السلام، في الرجل تصيبه الجنابة وبه جروح أو قروح، أو يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: لا يغتسل، ويتيمم (5). مسألة 101: إذا خاف الزيادة في العلة وإن لم يخف التلف، جاز له أن يتيمم. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة الفقهاء (6). وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يجوز، والأخر: لا يجوز (7). دليلنا: قوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (8) واستعمال

(1) العي: بكسر العين وتشديد الياء، التحير في الكلام، والمراد به هنا الجهل، ولما كان الجهل أحد أسباب العي عبر عنه به. مجمع البحرين: 65، (مادة عيا).
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 59 حديث 218، والكافي 3: 68 حديث 5، والتهذيب 1: 184 حديث 529.
(3) قال النجاشي: أحمد بن محمد بن عمرو بن أبي زيد مولى السكون أبو جعفر المعروف بالبزنطي كوفي، لقي الرضا وأبا جعفر عليهما السلام، وكان عظيم المنزلة عندهما. وعده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم والرضا عليهما السلام موثقا له فيهما. مات سنة 221 ه‍. رجال النجاشي: 58، ورجال الشيخ الطوسي: 344، و 366. والخلاصة: 13.
(4) داود بن سرحان العطار، كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام قاله النجاشي، وعده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. رجال النجاشي: 121، ورجال الشيخ الطوسي: 190، والخلاصة 69.
(5) التهذيب 1: 185 حديث 531.
(6) التفسير الكبير 11: 166، والمبسوط للسرخسي 1: 112، وبدائع الصنائع 1: 48، وشرح فتح القدير 1: 85، وسبل السلام 1: 161.
(7) التفسير الكبير 11: 166، وسبل السلام 1: 161، والمبسوط للسرخسي 1: 112، وبدائع الصنائع 1: 48، وتفسير القرطبي 5: 216، وشرح فتح القدير 1: 86.
(8) الحج: 78.

[ 153 ]

الماء والحال ما قلناه فيه حرج. والخبر الذي قدمناه عن داود بن سرحان (1) وغيره صريح بجواز ذلك، لأنه عام، وعلى المسألة إجماع الفرقة. مسألة 102: إذا لم يخف التلف، ولا الزيادة في المرض، غير أنه يشينه (2) استعمال الماء، ويؤثر في خلقته، ويغير شيئا منه، ويشوه به، يجوز له التيمم. وللشافعي فيه قولان: (3). فأما إذا لم يشوه خلقته، ولا يزيد في علته ولا يخاف التلف، وإن أثر فيه أثرا قليلا، لا خلاف أنه لا يجوز له التيمم. دليلنا: ما قدمناه من الآية والأخبار، لأنها عامة في كل خوف (4). مسألة 103: المرض الذي لا يخاف منه التلف، ولا الزيادة فيه، مثل الصداع، ووجع الضرس وغير ذلك، لا يجوز معه التيمم. وبه قال جميع الفقهاء (5) إلا داود، وبعض أصحاب مالك، فإنهم قالوا: يجوز ذلك (6). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (7). فشرط في إباحة التيمم، عدم الماء، وهذا واجد للماء، ولا يلزمنا مثل ذلك، لأنا خصصنا ذلك بالدليل. مسألة 104. إذا خاف من استعمال الماء لشدة البرد، وأمكنه أن يسخنه، وجب عليه ذلك بلا خلاف. وإن لم يمكنه، تيمم وصلى، ولا إعادة عليه.

(1) تقدم في المسألة رقم 100.
(2) الشين: ما يحدث في ظاهر الجلد من الخشونة، يحصل به تشويه الخلقة. مجمع البحرين: 588 (مادة شين).
(3) التفسير الكبير 11: 166، والمجموع 2: 285، وعمدة القاري 4: 33.
(4) انظر الدليل في المسألة 100.
(5) المجموع 2: 284، وعمدة القاري 4: 33.
(6) المجموع 2: 285، وعمدة القاري 4: 33.
(7) النساء: 43، والمائدة: 6.

[ 154 ]

وقال الشافعي: إن أمكنه استعمال جزء من الماء وجب عليه استعماله، وإن لم يمكنه تيمم وصلى. فإن كان مقيما وجبت عليه الإعادة بلا خلاف بينهم، وإن كان مسافرا فعلى قولين (1). دليلنا: قوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (2) وهذا فيه حرج. وأما الإعادة، فإنها فرض ثان يحتاج إلى دليل، وخبر داود بن سرحان صريح في ذلك، وقد قدمناه (3) وعليه إجماع الفرقة. مسألة 105: من كان في بعض جسده، أو بعض أعضاء طهارته ما لا ضرر عليه، والباقي عليه جراح أو علة يضربها وصول الماء إليها، جاز له التيمم، ولا يغسل الأعضاء الصحيحة أصلا، فإن غسلها ثم تيمم كان أحوط. وقال أبو حنيفة: إن كان الأكثر منها صحيحا غسل الجميع ولا يتيمم، وإن كان الأكثر سقيما تيمم ولا يغسل (4). والذي عليه عامة أصحاب الشافعي، إنه يغسل ما يقدر على غسله ويتيمم (5)، وقال بعض أصحابه مثل ما قلناه، إنه يقتصر على التيمم (6). دليلنا: على جواز التيمم على كل حال: عموم الآية، والأخبار التي قدمناها (7) ولا يخصص إلا بدليل، وإنما استحببنا الجمع بينهما ليؤدي الصلاة

(1) المجموع 2: 321، والدراري المضية 1: 83، ومغني المحتاج 1: 107.
(2) الحج: 78.
(3) انظر مسألة 100.
(4) التفسير الكبير 11: 167، والمبسوط للسرخسي 1: 122، وبدائع الصنائع 1: 51.
(5) التفسير الكبير 11: 166، والمجموع 2: 287 - 323، وبدائع الصنائع 1: 51.
(6) قال النووي في المجموع 2: 288: وقال أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة والقاضي أبو حامد المرودودي فيه قولان كمن وجد بعض ما يكفيه من الماء، أحدهما يجب غسل الصحيح والتيمم، والثاني يكفيه التيمم.
(7) انظر مسألة: 100.

[ 155 ]

بالاجماع عليه، وليس عليه في ذلك ضرر. مسألة 106: إذا حصل في بعض فرجه، أو مذاكيره نجاسة لا يقدر على غسلها لألم فيه، أو قرح، أو جراح، يغسل ما يمكنه ويصلي، وليس عليه الإعادة. وقال الشافعي: يغسل ما يمكنه ويصلي، ثم يعيد الصلاة (1). وقال ابن خيران (2) من أصحابه: لا يعيد، وهو قوله في القديم، واختيار المزني (3)، وبه قال أبو حنيفة. دليلنا: الآية التي تلوناها، والأخبار التي قدمناها (4)، من أن من صلى بتيمم لا إعادة عليه، وهي عامة في جميع ذلك. مسألة 107: إذا عدم الماء لطهارته، والتراب لتيممه، ومعه ثوب أو لبد سرج نفضه وتيمم منه. فإن لم يجد إلا الطين، وضع يديه عليه، ثم فركه، وتيمم وصلى، ولا إعادة عليه. وقال الشافعي مثل ذلك، إلا أنه قال: يعيد الصلاة (5). وبه قال أبو يوسف (6) وأحمد. وقال أبو حنيفة ومحمد: يحرم عليه الصلاة في هذه الحال (7).

(1) الأم 1: 44.
(2) أبو علي، الحسين بن صالح بن خيران البغدادي، الفقيه الشافعي. أحد أركان المذهب مات سنة (320 ه‍). وقيل غير ذلك. البداية والنهاية 11: 171، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2: 213.
(3) قال المزني في مختصره 7: أولى قوليه بالحق عندي أن يجزيه ولا يعيد، وكذلك كل ما عجز عنه المصلي، وفيما رخص له في تركه من طهر وغيره.
(4) انظر مسألة 100.
(5) الأم 1: 51.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 116.
(7) المنقول عن أبي حنيفة ومحمد في المصادر التي سنشير إليها جواز ذلك. ولعل الشيخ قدس سره اقتبس ذلك من مصادر أخرى. انظر أحكام القرآن للجصاص 2: 391، والمبسوط للسرخسي 1: 109، =

[ 156 ]

دليلنا: قوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس " (1) فأوجب إقامة الصلاة عند الدلوك، ولم يفصل. وأيضا روى الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب (2)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كنت في حال لا تقدر إلا على الطين فتيمم به، فإن الله أولى بالعذر، إذا لم يكن معك ثوب جاف، أو لبد تقدر أن تنفضه وتتيمم به (3). وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أصابه الثلج فلينظر لبد سرجه، فيتيمم من غباره، أو من شئ معه، وإن كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس أن يتيمم منه (4). وأما وجوب الإعادة فيحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 108: من أجنب نفسه مختارا، اغتسل على كل حال، وإن خاف التلف أو الزيادة في المرض (5)، وخالف جميع الفقهاء في ذلك.

= وبدائع الصنائع 1: 54 (1) الاسراء: 78.
(2) علي بن رئاب (رباب) أبو الحسن، مولى جرم، بطن من قضاعة، وقيل: مولى بني سعد بن بكر الطحان. كوفي ثقة، جليل القدر، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام. ذكره المسعودي وقال: علي بن رباب من علية علماء الرافضة. رجال النجاشي: 189، والفهرست: 87، ورجال الطوسي: 243، ومروج الذهب 3: 194.
(3) الكافي 3: 67 حديث 1، والاستبصار 1: 156 حديث 537، والتهذيب 1: 189 حديث 543.
(4) التهذيب 1: 189 حديث 545، والاستبصار 1: 158 حديث 545 من دون قوله: " وإن كان في... الخ ".
(5) لفقهائنا قدس الله أرواحهم الطاهرة في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: وجوب الغسل على متعمد الجنابة، وهو اختيار الشيخ المفيد كما في المقنعة: 8، والشيخ الصدوق في الهداية: 19، والشيخ الطوسي كما في المتن، وجمع من الفقهاء. الثاني: عدم وجوب الغسل، وحاله كحال غير المتعمد من لزوم التيمم وعدم الإعادة، وبه صرح =

[ 157 ]

دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، وروى أبو بصير، وسليمان بن خالد (1) جميعا، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه سئل عن رجل كان في أرض باردة، فتخوف إن هو اغتسل أن يصيبه عنت (2) من الغسل كيف يصنع؟ قال: يغتسل وإن أصابه ما أصابه. قال: وذكر أنه كان وجعا شديد الوجع، فأصابته جنابة وهو في مكان بارد، وكانت ليلة شديدة الريح باردة، فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملوني فاغسلوني، فقالوا: إنا نخاف عليك، فقلت لهم: ليس بد، فحملوني ووضعوني على خشبات، ثم صبوا علي الماء، فغسلوني (3). وروى محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة، ولا يجد الماء، وعسى أن يكون الماء جامدا؟ قال: يغتسل على ما كان، حدثه رجل أنه فعل ذلك، فمرض شهرا من البرد، فقال: اغتسل على ما كان فإنه لا بد من الغسل (4).

= جمع كثير منهم: المحقق الحلي في الشرائع 1: 49، والمعتبر: 110، والعلامة الحلي في المختلف 1: 52، والمنتهى 1: 153، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 71، وصرح النراقي في المستند 1: 231 بجواز تعمد الجنابة مع تعذر استعمال الماء. الثالث: عدم وجوب الغسل ووجوب التيمم عليه، ولزوم الإعادة عند ارتفاع المانع وإليه ذهب الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 30، وفي الاستبصار 1: 162 مقيدا ذلك بعدم التمكن. واختاره ابن إدريس أيضا كما في السرائر: 27، مقيدا ذلك بخوف التلف. (1) سليمان بن خالد بن دهقان بن نافلة، أبو الربيع الأقطع، مولى عفيف بن معدي كرب. كان قارئا، فقيها، وجها، ثقة، صاحب قرآن. روى عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام. وعده الشيخ المفيد في الارشاد من شيوخ أصحاب أبي عبد الله وخاصته وبطانته وثقاته، ومن الفقهاء الصالحين. توفي في حياة الإمام الصادق عليه السلام فتوجع لفقده ودعا لولده، وأوصى بهم أصحابه. رجال النجاشي: 138، رجال الطوسي: 207، إرشاد المفيد: 288. (2) العنت بالتحريك: الهلاك، وأصله المشقة والصعوبة، والضرر والفساد. مجمع البحرين: 153 (مادة عنت) (3) التهذيب 1: 198 حديث 575، والاستبصار 1: 162 حديث 563.
(4) الاستبصار 1: 163 حديث 564، والتهذيب 1: 198 حديث 576، وزاد فيهما بعد ذلك: (وذكر أبو =

[ 158 ]

مسألة 109: إذا كان في المصر محبوسا، أو في موضع نجس، أو مربوطا على خشبة، صلى يؤمي ايماءا على حسب ما يقدر عليه، فإن كان موضع سجوده نجسا سجد على كفه عندنا، وهو مذهب الكافة، إلا ما حكاه الطحاوي (1) عن أبي حنيفة، أنه قال: لا يصلي (2). وللشافعي إذا لم يقدر في موضع السجود إلا على نجاسة قولان: أحدهما يسجد عليها. والآخر لا يسجد ويؤمي إيماء (3) فأما الإعادة فللشافعي فيها قولان: أحدهما: يعيد والآخر: لا يعيد (4) وهو اختيار المزني (5). ثم القول في أيهما هو الفرض؟ فيه ثلاثة أقوال: (أحدها) الأول. (والثاني) الثاني. (والثالث) هما جميعا. وقول رابع: وهو أن يثيب الله تعالى على أيهما شاء ثواب الفرض، وهو قول أبي إسحاق المروزي، فأما على مذهبنا فلا إعادة عليه. دليلنا: قوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس " (6) وهذا عام في جميع الأحوال حسب ما يتمكن منها، والقضاء يحتاج إلى دليل. مسألة 110: الجبائر، والجراح، والدماميل، وغير ذلك إذا أمكن نزع ما

= عبد الله عليه السلام أنه اضطر إليه وهو مريض فأتوه به مسخنا فاغتسل به وقال لا بد من الغسل). (1) أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الطحاوي. صاحب كتاب شرح معاني الآثار وغيره، و (طحا) قرية من ضواحي القاهرة. مات سنة (321 ه‍). النجوم الزاهرة 3: 239، وتذكرة الحفاظ 3: 28.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 380 وفيه: فقال أبو حنيفة ومحمد وزفر: لا يصلي حتى يقدر على الماء إذا كان في المصر. وهو قول الثوري والأوزاعي، وفي بدائع الصنائع 1: 50 ما لفظه: وأما المحبوس في مكان نجس لا يجد ماءا ولا ترابا نظيفا فإنه لا يصلي عند أبي حنيفة.
(3) الأم 1: 51، ومختصر المزني: 7، وبدائع الصنائع 1: 50.
(4) المصدر السابق.
(5) الأم (مختصر المزني): 7.
(6) الاسراء: 78.

[ 159 ]

عليها وغسل الموضع وجب ذلك، فإن لم يتمكن من ذلك بأن يخاف التلف أو الزيادة في العلة، مسح عليها وتمم وضوءه وصلى، ولا إعادة عليه. وبه قال أبو حنيفة (1) وأصحابه، والشافعي وأصحابه، إلا أنهم قالوا: لا إعادة عليه على قولين (2). دليلنا: قوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (3) وإيجاب نزع الجبائر فيه حرج، وأيضا عليه إجماع الفرقة. وروى عبد الرحمن بن الحجاج (4) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة، كيف يصنع بالوضوء، وعند غسل الجنابة، وغسل الجمعة؟ قال: يغسل ما وصل إليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر، ويدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله ولا ينزع الجبائر ولا يعبث بجراحته (5). وروى عبد الأعلى مولى آل سام (6) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام:

(1) بدائع الصنائع 1: 51.
(2) الأم (مختصر المزني): 7، ومغني المحتاج 1: 107.
(3) الحج: 78.
(4) عبد الرحمن بن الحجاج البجلي مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، بياع السابري. يسكن بغداد، روى عن الإمامين أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام ولقي الإمام الرضا عليه السلام. وكان ثقة، ثبتا، وجها، وكان وكيلا لأبي عبد الله عليه السلام، ومات في عصر الإمام الرضا عليه السلام. عده الشيخ من أصحاب الإمامين الباقر والصادق، وكان أستاذ صفوان بن يحيى، وكانت له كتب يرويها جمع من الأصحاب. رجال النجاشي: 178، ورجال الطوسي 230 و 353. ورجال الكشي: 442 رقم 830.
(5) الكافي 3: 32 حديث 1، والتهذيب 1: 362 حديث 1094، والاستبصار 1: 77 حديث 238.
(6) عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وذكره العلامة في القسم الأول من الخلاصة. ونقل الكشي أن الإمام الصادق عليه السلام أذن له في الكلام لأنه يقع ويطير. رجال الطوسي: 238، رجال الكشي 319 رقم 578، والخلاصة: 127.

[ 160 ]

عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (1) امسح عليه (2). فأما إعادة الصلاة فيحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة. مسألة 111: يجوز المسح على الجبائر سواء وضعها على طهر أو غير طهر. وقال الشافعي: لا يجوز المسح عليها إلا إذا وضعها على طهر (3) وهل يلزمه الإعادة؟ على قولين (4): وهل يستبيح الصلوات الكثيرة؟ فيه قولان: وهل يمسح على جميع الجبائر؟ فيه قولان (5): والذي نقوله: أنه يجوز له أن يمسح على الجبائر، ولا يجب أن يكون على طهر، ويلزمه استيعابها، ويجوز له استباحة الصلوات الكثيرة بذلك. دليلنا: على ذلك: الآية التي قدمناها، والأخبار، وهي على عمومها (6). وإيجاب الإعادة يحتاج إلى دليل. مسألة 112: يجوز أن يتيمم لصلاة الجنازة مع وجود الماء، ويجوز أن يصلي عليها وإن لم يتطهر أصلا. وبه قال ابن جرير الطبري، والشعبي، وقال الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: يجوز ذلك بالتيمم (7) ولا يجوز ذلك من غير تيمم ولا

(1) الحج: 78.
(2) التهذيب 1: 363 حديث 1097، والكافي 3: 33 حديث 4، والاستبصار 1: 77 حديث 240.
(3) المجموع 2: 326، ومغني المحتاج 1: 107، ونيل الأوطار 1: 323.
(4) الأم 1: 43، والمجموع 2: 324، ومغني المحتاج 1: 107.
(5) المجموع 2: 323.
(6) في المسألة المتقدمة برقم (110).
(7) المبسوط للسرخسي 1: 118، وبدائع الصنائع 1: 51، وعمدة القاري 4: 16 وشرح فتح القدير 1: 95، والهداية للمرغيناني 1: 27.

[ 161 ]

وضوء. وقال الشافعي: لا يجوز له أن يتيمم أصلا إذا كان واجدا للماء (1). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك. وروى يونس بن يعقوب (2) قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء؟ فقال: نعم، انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل، كما تكبر وتسبح في بيتك على غير وضوء (3). وروى زرعة عن سماعة قال: سألته عن رجل مرت به جنازة وهو على غير طهر؟ قال يضرب بيده على حائط اللبن فيتيمم به (4). مسألة 113: إذا كان معه في السفر من الماء ما لا يكفيه لغسله من الجنابة، تيمم وصلى، وليس عليه إعادة، وكذلك القول في الوضوء. وقال الشافعي وأصحابه: أنه يستعمل ما وجده من الماء فيما يكفيه ويتيمم (5) وبه قال مالك (6) وعطاء،

(1) المبسوط للسرخسي 1: 118، وبدائع الصنائع 1: 51، وعمدة القاري 4: 16، والنتف في الفتاوى 1: 44.
(2) يونس بن يعقوب بن قيس، أبو علي الجلاب البجلي الدهني. قال النجاشي في رجاله: 348: اختص بالإمامين أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، وكان يتوكل للإمام أبي الحسن عليه السلام، ومات بالمدينة في أيام الإمام الرضا عليه السلام، فتولى أمره، وكان خصيصا عندهم موثقا. عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام موثقا إياه فيها. رجال الطوسي: 335، 363، 394.
(3) التهذيب 3: 203 حديث 475، والكافي 3: 178 حديث 1 وفيه: " أيصلى عليها؟ ". وفي من لا يحضره الفقيه 1: 107 حديث 495 باختلاف يسير باللفظ.
(4) التهذيب 3: 203 حديث 477، والكافي 3: 178 حديث 5 وفيه: " وهو على غير وضوء كيف يصنع؟ " (5) الأم 1: 49، وأحكام القرآن للجصاص 2: 374، ومختصر المزني: 7، والمبسوط للسرخسي 1: 113، والمجموع 2: 268، ومغني المحتاج 1: 89، وتفسير القرطبي 5: 230.
(6) كذا في جميع النسخ. أما ما في المصادر المتوفرة لدينا خلاف ذلك، وكذا ما نقله العلامة الحلي في تذكرة الفقهاء، مسألة (51) من السبب الثالث من أسباب التيمم، خلافا لما نقله المصنف في المتن، =

[ 162 ]

والحسن بن صالح بن حي (1). وقال في الاملاء (2) والقديم: يستحب له استعمال الماء، ولا يجب عليه. وهو قول الزهري، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، واختيار المزني (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون فيه. وروى الحسين بن أبي العلاء (4) قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن

= ولعل الشيخ نقله من بعض المصادر التي لم تصل إلينا. ومن أراد التوسعة والاطلاع على قول مالك، يراجع المدونة الكبرى 1: 47، وأحكام القرآن للجصاص 2: 374، وتفسير القرطبي 5: 230. (1) أبو عبد الله، الحسن بن صالح بن حي بن مسلم بن حيان الهمداني، الكوفي. وقيل: الحسن بن صالح بن صالح بن حي الفقيه العابد. روى عن عمرو بن دينار، وسلمة ابن كهيل، وسماك بن حرب، وجماعة مات سنة (167 ه‍). وقيل: (168 ه‍). طبقات الفقهاء: 66، والتاريخ الكبير 2: 295، والمنهل العذب 2: 61.
(2) الاملاء: هو أحد مصنفات محمد بن إدريس الشافعي، إمام المذهب. وهو أحد مصنفاته التي يطلق عليها الفقهاء (الجديد) ومنها: الأم، والمختصرات، والرسالة، والجامع الكبير. أما ما يطلق عليها (القديم) فهي آراء الشافعي المذكورة في كتبه نحو: الأمالي، ومجمع الكافي، وعيون المسائل، والبحر المحيط (3) المبسوط للسرخسي 1: 113، ومغني المحتاج 1: 89، وتفسير القرطبي 5: 230، وقال النووي في المجموع [ 2: 268 ]: وقال في القديم والاملاء: يقتصر على التيمم لأن عدم بعض الأصل بمنزلة عدم الجميع في جواز الاقتصار على البدل. وقال الجصاص في أحكام القرآن [ 2: 374 ]: فقال أصحابنا جميعا يتيمم وليس عليه استعماله. وفيه أيضا: وقال مالك والأوزاعي لا يستعمل الجنب هذا الماء في الابتداء، ويتيمم.
(4) قال النجاشي في رجاله: [ 42 ] ما لفظه: الحسين بن أبي العلا الخفاف، أبو علي الأعور، مولى بني أسد، ذكر ذلك ابن عقدة، وعثمان بن حاتم بن متناب، وقال أحمد بن الحسين رحمه الله: هو مولى بني عامر، وأخواه على وعبد الحميد، روى الجميع عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام، وكان الحسين أوجههم (إنتهى). عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام تحت عنوان: الحسين بن أبي العلاء الخفاف، وتارة أخرى من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام بعنوان: الحسين بن أبي العلاء =

[ 163 ]

الرجل يجنب ومعه من الماء بقدر ما يكفيه لوضوءه للصلاة، أيتوضأ بالماء، أو يتيمم؟ قال: يتيمم، ألا ترى إنه جعل عليه نصف الطهور (1). مسألة 114: قد بينا أنه لا يجوز التيمم إلا في آخر الوقت، سواء كان طامعا في الماء أو آيسا، وعلى كل حال لا يجوز له تقديمه في أول الوقت. وقال الشافعي: إن كان آيسا من وجود الماء آخر الوقت فالأفضل تقديمه، وإن كان طامعا فالأفضل تأخيره، وإن تساوى حاله، فيه قولان: أحدهما إن تقديمه أفضل، والآخر إن تأخيره أفضل (2) وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة الفقهاء (3). دليلنا: ما قدمناه من أن التيمم لا يجوز إلا في آخر الوقت (4) فإذا ثبت ذلك بطلت المسألة في التفصيل في الأوقات لأن ذلك إنما يسوغ مع جواز التقديم. مسألة 115: يستحب التيمم من ربى الأرض وعواليها، ويكره من مهابطها، ولم يفرق أحد من الفقهاء بين الموضعين. دليلنا: إجماع الفرقة، وروى النوفلي، عن غياث بن إبراهيم (5) عن أبي

= العامري، أبو علي الزنجي الخفاف الكوفي، مولى بني عامر. رجال الطوسي: 115 و 169. (1) التهذيب 1: 404 حديث 1266. ورواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 57 حديث 213، عن الحلبي باختلاف يسير في اللفظ. أما ما رواه الكليني في الكافي 3: 65 حديث 2 ما لفظه: عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب ومعه من الماء قدر ما يكفيه لشربه، أيتيمم أو يتوضأ؟ قال: التيمم أفضل. ألا ترى إنه إنما جعل عليه نصف الطهور.
(2) الأم 1: 46، والتفسير الكبير 11: 174.
(3) المحلى 2: 120، والتفسير الكبير 11: 174، والمدونة الكبرى 1: 42، ومقدمات ابن رشد 1: 85، والهداية للمرغيناني 1: 26، وشرح فتح القدير 1: 94.
(4) انظر المسألة 94.
(5) غياث بن إبراهيم التميمي الأسيدي. بصري سكن الكوفة، ثقة. روى عن الإمامين أبي عبد الله وأبي =

[ 164 ]

عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لا وضوء من موطأ. قال النوفلي: يعني ما تطأ عليه برجلك (1). وروى غياث بن إبراهيم قال: نهى أمير المؤمنين عليه السلام، أن يتيمم الرجل بتراب من أثر الطريق (2). مسألة 116: من نسي الماء في رحله فتيمم، ثم وجد الماء في رحله، فإن كان قد فتش وطلب، ولم يظفر به، بأن خفي عليه مكانه، أو ظن أنه ليس معه ماء، مضت صلاته، وإن كان فرط وتيمم، ثم ذكر، وجب عليه إعادة الصلاة. وقال الشافعي: تجب عليه الإعادة (3). وحكى أبو ثور قال: سألت أبا عبد الله عن من نسي في رحله ماء فتيمم وصلى؟ قال: لا يعيدها (4). واختلف أصحابه فيها، منهم من قال: يجوز أن يكون أراد به مالكا أو أحمد ابن حنبل، فإنهما يكنيان أبا عبد الله، ولم تصح الرواية عن الشافعي (5). ومنهم من قال: إن أبا ثور لم يلق مالكا، ولم يرو إلا عن الشافعي، فلا يجوز أن يكون عني غير الشافعي. وجعل هذا قولا آخر، فاستقر على القولين:

= الحسن عليهما السلام. قاله النجاشي. والأسيدي بضم الهمزة وفتح السين المهملة وتشديد الياء المثناة من تحت وتخفيفها كما في سبائك الذهب نسبة إلى أسيد بن عمرو بن تميم. رجال النجاشي: 234، وسبائك الذهب: 27. (1) الكافي 3: 62 حديث 5، والتهذيب 1: 186 حديث 537.
(2) الكافي 3: 62 حديث 6، والتهذيب 1: 187 حديث 538.
(3) الأم 1: 46، وأحكام القرآن للجصاص 2: 376، والتفسير الكبير 11: 175، والمجموع 2: 264. (4) قال النووي في المجموع [ 2: 264 ]: هكذا حكاه الجمهور عن أبي ثور.
(5) قال النووي في المصدر السابق: فقال كثيرون لعله أراد بأبي عبد الله مالكا أو أحمد، وضعف المحققون هذا، بأن أبا ثور لم يلق مالكا، وليس معروفا بالرواية عن أحمد، وإنما هو صاحب الشافعي، وأحد رواة كتبه القديمة.

[ 165 ]

أحدها صلاته مجزية، وبه قال أبو حنيفة (1) والثاني لا تجزي وهو الأصح، وبه قال مالك، وأبو يوسف (2). دليلنا: على أنه إذا لم يفتش لزمته الإعادة، لأنه ترك الطلب، وقد بينا أنه واجب (3) فإذا كان واجبا لم يجز التيمم من دونه، وأما إذا طلب ولم يجد، فإنما قلنا لا يجب عليه الإعادة، لأنه فعل ما أمر به، فإن فرضه في هذا الوقت التيمم والصلاة، وقد فعلهما، ووجوب الإعادة يحتاج إلى دليل. مسألة 117: إذا وجد الماء بثمن لا يضربه، وكان معه الثمن، وجب عليه شراؤه كائنا ما كان الثمن، وبه قال مالك (4). وقال أبو حنيفة: إن وجده بزيادة من ثمنه قليلة لزمه شراؤه، وإن وجده بزيادة كثيرة، لم يلزمه شراؤه (5). وقال الشافعي: إن وجده بثمن مثله في موضعه وهو غير خائف، لزمه شراؤه، وإن لم يجد ثمنه، أو وجد الماء بثمن أكثر من مثله في موضعه، لم يلزمه (6)

(1) المبسوط للسرخسي 1: 121، والتفسير الكبير 11: 175، وأحكام القرآن للجصاص 2: 376، والنتف 1: 42، والهداية للمرغيناني 1: 27، وشرح فتح القدير 1: 97، وقال النووي في المجموع [ 2: 267 ]: وقال أبو حنيفة وأبو ثور وداود: لا إعادة، وهي رواية عن مالك.
(2) التفسير الكبير 11: 175، والهداية للمرغيناني 1: 27، والمجموع 2: 267، والنتف 1: 42، وشرح فتح القدير 1: 97، وفي المدونة الكبرى [ 1: 43 ] قال مالك: أرى أن يعيد ما كان في الوقت. فإن ذهب الوقت لم يعد. ونحوه حكاه الجصاص في أحكام القرآن 2: 376.
(3) تقدم بيانه في المسألة 95.
(4) جاء في المدونة الكبرى [ 1: 46 ] ما لفظه: قال مالك: إن كان قليل الدراهم رأيت أن يتيمم، وإن كان واسع المال رأيت أن يشتري ما لم يكثروا عليه في الثمن، فإن رفعوا عليه في الثمن فيتيمم ويصلي. وقريب منه ما ذكره ابن حزم في المحلى 2: 136.
(5) المجموع 2: 255، والمبسوط 1: 115، والمحلى 2: 136، وأحكام القرآن للجصاص 2: 376، والهداية للمرغيناني 1: 28، ومراقي الفلاح: 21، وبدائع الصنائع 1: 48 وشرح فتح القدير 1: 98.
(6) الأم (مختصر المزني): 8، والمحلى 2: 136. والمجموع 2: 253، وبدائع الصنائع 1: 48، وتفسير =

[ 166 ]

وقال أصحابه: ثمن مثله في موضعه. ومنهم من قال: ثمن مثله بمجرى العادة (1). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء " (2) وهذا واجد، لأنه لا فرق بين أن يجده مباحا وبين أن يجده بثمن، فوجب حمل الآية على عمومها، وعلى إجماع الفرقة وروى صفوان بن يحيى قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة، وهو لا يقدر على الماء، فوجد قدر ما يتوضأ به بمأة درهم، أو بألف درهم، وهو واجد لها، أيشتري ويتوضأ، أو يتيمم؟ قال: بل يشتري. قد أصابني مثل هذا فاشتريت وتوضأت، وما يشترى بذلك مال كثير (3). مسألة 118: إذا اجتمع جنب وحائض وميت، ومعهم من الماء ما يكفي أحدهم، وليس هو ملكا لواحد بعينه، كانوا مخيرين في أي يستعمله واحد منهم، وإن كان ملكا لأحدهم فهو أولى به. وقال الشافعي: الميت أحق به (4). دليلنا: هو أن هذه فروض اجتمعت، وليس بعضها أولى من بعض، ولا دليل على التخصيص، فوجب أن يكون على التخيير. وأيضا الروايات اختلفت

= القرطبي 5: 228. (1) حكاه النووي في المجموع 2: 254 - 255، عن أصحاب الشافعي بالمعنى لا باللفظ.
(2) النساء: 43، والمائدة: 6.
(3) التهذيب 1: 406 حديث 1276. وفي الكافي 3: 74 حديث 17 باختلاف يسير في اللفظ. ورواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 23 حديث 71 لفظه: (قال: سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة، ولم يقدر على الماء، فوجد ماءا بقدر ما يتوضأ به بمأة درهم، أو بألف درهم، هل يجب عليه أن يشتريه ويتوضأ به، أو يتيمم؟ فقال: بل يشتري. قد أصابني مثل ذلك، فاشتريت وتوضأت، وما يسوءني بذلك مال كثير.
(4) المجموع 2: 273. وقال المزني في مختصره: 8، ما نصه: كان الميت أحبهم إلي أن يجودوا بالماء عليه.

[ 167 ]

في ذلك على وجه لا ترجيح فيها، فحملناها على التخيير. وروى الحسن التفليسي ويقال له: الأرمني (1) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن القوم يكونون في السفر، فيموت منهم ميت، ومعهم جنب، ومعهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما، أيهما يبدأ به؟ قال: يغتسل الجنب ويترك الميت (2). وروى محمد بن علي (3) عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له، الجنب والميت يتفقان في مكان لا يكون الماء إلا بقدر ما يكتفي به أحدهما، أيهما أولى أن يجعل الماء له؟ قال: يتيمم الجنب، ويغسل الميت بالماء (4). مسألة 119: إذا اجتمع جنب ومحدث، ومعهما من الماء ما يكفي أحدهما، كانا مخيرين أيضا. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها مثل ما قلناه (5). والثاني إن المحدث

(1) روى الشيخ (قدس سره) الحديث في التهذيب والاستبصار كما سنشير إليه عن الحسن بن النضر الأرمني قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام... الحديث. وروي بلفظ آخر الخبر الذي تقدمه برقم (330) عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن أحمد بن محمد، عن الحسن التفليسي قال سألت أبا الحسن عليه السلام... الحديث. ولعل هذا الاختلاف في السند والمتن أوقع بين علماء الرجال قدس الله أرواحهم الطاهرة الاختلاف والاضطراب في ترجمة الحسن التفليسي هذا، وهل هو متحد مع الأرمني أم لا؟ انظر تنقيح المقال 1: 270 و 313.
(2) الاستبصار 1: 102 حديث 331، والتهذيب 1: 110 حديث 287، وفيهما زيادة على ما في المتن: (لأن هذا فريضة وهذا سنة).
(3) مشترك بين عدة من الرواة وقد وقع بهذا العنوان في إسناد كثير من الروايات تبلغ ثلاثمائة وأربعة عشر موردا. كما ذكر ذلك في معجم رجال الحديث 16: 324، وقد أشار الشيخ في الاستبصار أن الراوي عنه هو علي بن محمد القاساني.
(4) التهذيب 1: 110 حديث 288، والاستبصار 1: 102 حديث 332.
(5) المجموع 2: 276.

[ 168 ]

أول (1) والثالث أن الجنب أولى (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء (3). مسألة 120: إذا عدم الماء، ووجده بالثمن، وليس معه الثمن، فقال له إنسان: أنا أبيعك بالنسيئة، فإن كان له ما يقضي به ثمنه، لزمه شراؤه، وإن لم يكن له ما يقتضي ذلك، لم يلزمه وعليه التيمم. وقال الشافعي: يلزمه ولم يفصل (4). دليلنا: على أنه إذا كان متمكنا يلزمه: لقوله تعالى: " فلم تجدوا ماء " (5) ولا فرق بين أن يجده مباحا أو بثمن يقدر عليه ولا يجحف به. وأما إذا لم يقدر عليه فلا يلزمه، بدلالة قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (6) وهذا غير واجد للماء، فينبغي أن يكون فرضه التيمم. مسألة 121: إذا تطهر للصلاة أو تيمم، ثم ارتد، ثم رجع إلى الاسلام، لم تبطل طهارته ولا تيممه. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إنهما يبطلان (7). والثاني: لا يبطلان (8) والثالث: يبطل التيمم دون الطهارة (9). دليلنا: على أنهما لا يبطلان: إن نواقض الطهارة معروفة، وليس من جملتها

(1) (2) المصدر السابق.
(3) أي المسألة 118.
(4) قال النووي في المجموع [ 2: 255 ]: من وجد من يبيعه الماء بثمن مؤجل، فإن لم يكن له مال غائب، لم يلزمه شراؤه بلا خلاف، وإن كان فوجهان: الصحيح يلزمه شراؤه وهو المنصوص في البويطي، وبه قطع الجمهور.
(5) (6) النساء: 43.
(7) المجموع 2: 5، 301.
(8) (9) المصدر السابق.

[ 169 ]

الارتداد، ولأنه لو كان من جملتها، لكان عليه دليل، فمن ادعى أنه ينقضه، فعليه الدلالة ولا يجدها. مسألة 122: العاصي بسفره إذا عدم الماء، وجب عليه التيمم عند تضييق الوقت، ويصلي ولا إعادة عليه. وقال الشافعي: يجب عليه أن يتيمم، وهل يسقط الفرض عنه؟ فيه وجهان: أحدهما يسقط. والآخر لا يسقط (1). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (2) ولم يفرق. ووجوب الإعادة عليه يحتاج إلى دليل. وقد قدمنا من الأخبار ما يدل على أن من صلى بتيمم ليس عليه الإعادة (3) وذلك على عمومه. مسألة 123: إذا جامع المسافر زوجته، وعدم الماء، فإن كان معه من الماء ما يغسل به فرجه وفرجها، فعلا ذلك وتيمما وصليا، ولا إعادة عليهما، لأن النجاسة قد زالت، والتيمم عند عدم الماء يسقط به الفرض، وهذا لا خلاف فيه. فإن لم يكن معهما ماء أصلا فهل يجب عليهما الإعادة، أم لا؟ فيه قولان للشافعي: أحدهما يجب (4)، والآخر لا يجب (5). والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا إعادة عليهما.

(1) قال النووي في المجموع [ 2: 303 ]: وإن كان في سفر معصية ففيه وجهان: أحدهما: تجب الإعادة لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تتعلق بالسفر، والسفر معصية، فلم تتعلق به رخصة. والثاني: لا تجب لأنا لما أوجبنا عليه ذلك صار عزيمة فلم يلزمه الإعادة. ونحوه في مغني المحتاج 1: 106.
(2) النساء: 43، والمائدة: 6.
(3) تقدم في المسألة 90 - 96.
(4) المجموع 2: 209.
(5) المصدر السابق.

[ 170 ]

دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (1) فأوجب على الجنب التيمم ولم يفرق. وروى العيص بن القاسم (2)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل يأتي الماء وهو جنب، وقد صلى بتيمم؟ قال: يغتسل ولا يعيد الصلاة (3). وروى حريز، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد وصلى، ثم وجد الماء؟ فقال: لا يعد، إن رب الماء رب الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين (4). وروى عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا لم يجد الرجل طهورا، وكان جنبا، فليمسح من الأرض، وليصل، فإذا وجد الماء فليغتسل وقد أجزأته صلاته التي صلى (5). ولم يفرقوا في شئ من الأخبار، فوجب حملها على العموم. مسألة 124: الحائض إذا انقطع دمها، جاز للرجل وطئها قبل أن تغتسل أو تتيمم. وقال الشافعي: لا يجوز (6).

(1) النساء: 43، والمائدة: 6.
(2) أبو القاسم، العيص بن القاسم بن ثابت البجلي الكوفي. ابن أخت سليمان بن خالد الأقطع. عربي، ثقة، عين عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام رجال النجاشي: 232، ورجال الشيخ الطوسي 264، والخلاصة: 131، ورجال الكشي: 361.
(3) التهذيب 1: 197 حديث 569، والاستبصار 1: 161 حديث 556، وليس فيهما كلمة (بتيمم).
(4) الاستبصار 1: 161 حديث 557، والتهذيب 1: 197 حديث 571.
(5) التهذيب 1: 197 حديث 572، والاستبصار 1: 161 حديث 558. ورواه الشيخ الكليني بطريق آخر في الكافي 3: 63 حديث 3.
(6) المجموع 2: 366، وبداية المجتهد 1: 55 والتفسير الكبير 6: 68، وأحكام القرآن للجصاص 1: 348، =

[ 171 ]

وسنتكلم عليها في باب الحيض (1) إن شاء الله تعالى. مسألة 125: الجنب إذا عدم الماء، تيمم لاستباحة الصلاة، فإذا تيمم جاز له أن يستبيح صلوات كثيرة، فرائض ونوافل. وعند الشافعي يستبيح فرضا واحدا وما شاء من النوافل (2) وقد مضت هذه المسألة (3). فإن أحدث بعد هذا التيمم ما يوجب الوضوء، ووجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته، أعاد التيمم، ولا يستعمل ذلك الماء وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، وهو الذي يختاره ويقول به (4). والآخر: إنه يستعمل ذلك الماء في أعضاء طهارته ويتيمم للباقي (5) بناءا منه على المسألة التي مضت، في أنه متى وجد من الماء ما لا يكفي لطهارته استعمل ذلك الماء فيما يكفيه ويتيمم للباقي (6). وعندنا إن فرضه التيمم، وقد تكلمنا عليه (7). دليلنا: إن حدث الجنابة باق، فينبغي أن يتيمم بدلا من الجنابة، ولا حكم للحدث الموجب للوضوء على كل حال.

= والأم 1: 59، وشرح النووي على صحيح مسلم 2: 336، والفتاوى الكبرى 1: 78. (1) يأتي في المسألة رقم: 3.
(2) الأم 1: 47، وأحكام القرآن للجصاص 2: 382، والتفسير الكبير 11: 174، والمبسوط للسرخسي 1: 113، والمجموع 2: 293، والمدونة الكبرى 1: 48، والهداية للمرغيناني 1: 27، وشرح فتح القدير 1: 95، وعمدة القاري 4: 24، والمحلى 2: 129.
(3) انظر المسألة رقم: 91.
(4) الأم 1: 49، وتفسير القرطبي 5: 230، وقال النووي في المجموع 2: 268: وقال في القديم والاملاء يقتصر على التيمم، لأن عدم بعض الأصل بمنزلة عدم الجميع في جواز الاقتصار على البدل.
(5) الأم 1: 49، والمبسوط 1: 113، والمجموع 2: 268، وأحكام القرآن للجصاص 2: 374، وتفسير القرطبي 5: 230.
(6) (7) تقدم في المسألة رقم: 113.

[ 172 ]

مسألة 126: الماء المستعمل في الوضوء عندنا طاهر مطهر، وكذلك ما يستعمل في الأغسال الطاهرة بلا خلاف بين أصحابنا. والمستعمل في غسل الجنابة أكثر أصحابنا قالوا: لا يجوز استعماله في رفع الحدث (1). وقال المرتضى: يجوز ذلك، وهو طاهر مطهر (2). وقال الحسن البصري، والزهري، والنخعي. وفي إحدى الروايتين عن مالك، وداود: إن الماء المستعمل طاهر مطهر، ولم يفصلوا (3). وقال أبو يوسف: الماء المستعمل نجس (4) وكان يحكيه عن أبي حنيفة، وأصحابه يدفعون ذلك عنه. وقال الشافعي وأصحابه: إن الماء المستعمل طاهر غير مطهر، وبه قال الأوزاعي، وإحدى الروايتين عن مالك (5) وهو الظاهر عن أبي حنيفة، وبه قال محمد وأصحابه (6) وحكى أبو ثور عن الشافعي أنه سأله عن ذلك فتوقف فيه. وحكى عيسى بن أبان (7) عن الشافعي: إن الماء المستعمل طاهر ومطهر (8).

(1) منهم ابن حمزة في الوسيلة، كتاب الطهارة (فصل في بيان أحكام المياه)، والشيخ المفيد في المقنعة، 9، والشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 10، وابن البراج في جواهر الفقه: 2.
(2) جمل العلم والعمل: 51.
(3) التفسير الكبير 11: 170، وغرائب القرآن بهامش جامع البيان (تفسير الطبري) 6: 79، والمحلى 1: 184، وبداية المجتهد 1: 27، والمنهل العذب 1: 249.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 46، وبداية المجتهد 1: 27، والمنهل العذب 1: 250.
(5) التفسير الكبير 11: 170، وبداية المجتهد 1: 26، والمنهل العذب 1: 250، وغرائب القرآن 6، 79.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 46، وبداية المجتهد 1: 26، وغرائب القرآن 6: 79، والمنهل العذب 1: 250.
(7) عيسى بن أبان بن صدقة، صحب محمد بن الحسن الشيباني، وتفقه عليه، وروى عنه. استخلفه يحيى بن أكثم على القضاء بعسكر المهدي، وتولى القضاء في البصرة حتى مات سنة 221 ه‍. تاريخ بغداد 11: 157، وطبقات الفقهاء: 115.
(8) قال الفخر الرازي في التفسير الكبير [ 11: 170 ]: وهو قول قديم للشافعي، والقول الجديد للشافعي، =

[ 173 ]

دليلنا: قوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به " (1) فبين أن الماء المطلق يطهر، وهذا ماء مطلق. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " خلق الله الماء طهورا " (2)، وقد بينا أن الطهور هو المطهر (3)، وعليه إجماع الفرقة. وروى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل، وقال: الماء الذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابة، لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه، وأما الذي يتوضأ به الرجل فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به (4). مسألة 127: إذا بلغ الماء المستعمل قلتين، لأصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما يجوز استعماله في الوضوء، والآخر: لا يجوز (5). وهذه المسألة تسقط عنا لأنا نجوز استعماله وإن لم يبلغ ذلك. وأما على ما فصلناه من الفرق بين غسل الجنابة والوضوء (6) فينبغي أن نقول: متى بلغ الماء المستعمل في غسل الجنابة كرا أنه لا يجوز استعماله، لأنه ثبت فيه المنع من استعماله قبل أن يبلغ كرا، فإذا بلغ كرا يحتاج إلى دليل في جواز استعماله. ويمكن أن يقال: إذا بلغ كرا جاز استعماله لظاهر الآيات (7) والأخبار

= إنه لم يبق طهورا ولكنه طاهر. وانظر أيضا غرائب القرآن 6: 79، والمنهل العذب 1: 449. (1) الأنفال: 11.
(2) رواه الفخر الرازي في التفسير الكبير 24: 95، وروي في السنن والصحاح بألفاظ قريبة منه فراجع. (3) تقدم بيانه في المسألة الأولى من هذا الكتاب.
(4) الاستبصار 1: 27 حديث 71، والتهذيب 1: 22 حديث 630 مع اختلاف يسير في اللفظ.
(5) مغني المحتاج 1: 21.
(6) تقدم في المسألة 126.
(7) قوله تعالى في سورة الأنفال: 11. " وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به " وقوله تعالى في سورة الفرقان: 48. " وأنزلنا من السماء ماءا طهورا "..

[ 174 ]

المتناولة لطهارة الماء (1) وما نقض عنه أخرجناه بدليل. ولقولهم عليهم السلام: إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا (2). مسألة 128: الماء المستعمل في غسل الثوب إذا كان طاهرا، أو غسل فيه رصاص، أو نحاس، يجوز استعماله. وبه قال الشافعي: (3) وكذلك ما يستعمل في طهارة نفل، كتجديد الوضوء، والمضمضة، والاستنشاق، وتكرار الطهارة، والاغسال المستحبة، وما أشبه ذلك. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة (4) والآخر: يجوز (5). دليلنا: على ذلك: الآية (6) والأخبار (7)، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 129: الماء المستعمل في الطهارة، يجوز استعماله في غسل النجاسة.

(1) انظر الكافي 3: 1 باب طهور الماء، ومن لا يحضره الفقيه 1: 6 باب المياه وطهرها ونجاستها، والتهذيب 1: 214 باب المياه وأحكامه.
(2) لقد نسب الشيخ قدس سره هذه الرواية إلى الأئمة عليهم السلام، ونقلها السيد مرتضى قدس سره في الانتصار: 6 مسألة 1، عن كتب العامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال المحقق في المعتبر: 22، في مسألة الماء المستعمل في الحدث الأكبر ما لفظه: وما يدعى من قول الأئمة عليهم السلام إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا، لم نعرفه، ولا نقلناه عنهم ونحن نطالب المدعي نقل هذا اللفظ بالإسناد إليهم.
(3) قال السرخسي في المبسوط 1: 47: قال الشافعي إذا لم يحصل إزالة حدث، أو نجاسة بالماء، لا يصير الماء مستعملا، كما لو غسل ثوبا طاهرا، والتقريب لأبي شجاع: 3، والمجموع 1: 149 و 157.
(4) المحلى 1: 188، وبداية المجتهد 1: 26، ومغني المحتاج 1: 20.
(5) مغني المحتاج 1: 20.
(6) وهو قوله تعالى في سورة الأنفال: 11 " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به " وقوله تعالى في سورة الفرقان: 48 " وأنزلنا من السماء ماء طهورا ".
(7) المتقدمة في المسألة 126 هامش 2 و 3، والمسألة 127 هامش 2.

[ 175 ]

وذهب أكثر أصحاب الشافعي، وأبو العباس بن سريج (1) وأبو إسحاق، من أنه لا يجوز، وقال: ابن خيران، والانماطي (2) من أصحابه يجوز. دليلنا: ما قدمناه من عموم الآية والأخبار (3)، وإذا ثبت جواز الوضوء به بما قدمناه ثبت جواز استعماله في إزالة النجاسة، لأن أحدا لا يفرق بينهما. مسألة 130: إذا ولغ الكلب في الاناء، وجب إهراق ما فيه، وغسل الاناء ثلاث مرات، إحداهن بالتراب. وقال الشافعي: يجب غسل الاناء سبع مرات أولاهن بالتراب، وهو قول الأوزاعي (4). وقال أبو حنيفة: يجب غسل الاناء إلى أن يغلب على الظن طهارته، ولا يراعى فيه العدد (5) وقال مالك، وداود: يجب غسل الاناء تعبدا لا لأجل النجاسة، ولا يتقدر فيه بالعدد (6).

(1) أبو العباس، أحمد بن عمر بن سريج، لقب ب‍ " الباز الأشهب " قاضي شيراز، وكان من عظماء علماء الشافعية، مات سنة (306 ه‍) أخذ الفقه عن الأنماطي، والمزني، وغيره. طبقات الفقهاء: 89، والبداية والنهاية 11: 129، ووفيات الأعيان 1: 66. (2) أبو القاسم، عثمان بن سعيد بن بشار. وقيل: عبد الله بن أحمد بن بشار البغدادي، الأنماطي. منسوب إلى الأنماط، وهي نوع من البسط. أخذ العلم عن المزني والربيع وروى عنه أبو بكر الشافعي مات ببغداد سنة (288 ه‍). طبقات الشافعية الكبرى 2: 52، وطبقات الشافعية: 8.
(3) تقدم في المسألة: 126.
(4) الأم 1:، والمحلى 1: 112، والهداية للمرغيناني 1: 23، والمجموع 2: 580، وشرح فتح القدير 1: 75، ومغني المحتاج 1: 83، والمنهل العذب 1: 253، ونيل الأوطار 1: 42.
(5) حكى النووي في المجموع 2: 580 نحو ذلك. وقال ابن حزم في المحلى [ 1: 113 ]: وقال أبو حنيفة: ولا يغسل الإناء منه إلا مرة. ونحوه في عمدة القاري 3: 40، وفتح الباري 1: 277. وحكى المرغيناني في الهداية 1: 23، قول أبي حنيفة: يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا، ونحوه في شرح فتح القدير 1: 75، ونيل الأوطار 1: 42.
(6) عد ابن حزم في المحلى 1: 112 القائلين بغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا إحداهن بالتراب جماعة منهم داود. وفي ص: 113 ما لفظه: وتردد - مالك - في غسل الإناء سبع مرات، فمرة لم يره، ومرة رآه، =

[ 176 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وروى حريز، عن الفضل أبي العباس (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة، والشاة، والبقر، والإبل، والحمار، والخيل، والبغال، والوحش، والسباع، فلم أترك شيئا إلا سألته عنه، فقال: لا بأس به. حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: رجس نجس، لا تتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء مرتين (2). وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في الكلب يلغ في الإناء: " يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا " (3) وهذا نص في أن السبع ليست واجبة، وإنما يجوز الاقتصار على الثلاث والخمس، وذلك يبطل مذهبه. مسألة 131: الكلب نجس العين، نجس اللعاب، نجس السؤر. وبه قال ابن عباس، وأبو هريرة، وعروة بن الزبير، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، غير أنهم كلهم ذهبوا إلى غسل الإناء سبع مرات

= وقال في قول آخر يهرق الماء ويغسل الإناء سبع مرات. ونحوه في المجموع 2: 580، وعمدة القاري 3: 40، والمبسوط للسرخسي 1: 48، وفتح المعين: 13، وفتح الباري 1: 276. وقال الخرشي المالكي في شرحه [ 1: 118 ]: ويستحب أن يغسل الإناء سبع مرات تعبدا على المشهور لطهارة الكلب. (1) الفضل بن عبد الملك، أبو العباس البقباق. مولى، كوفي، ثقة، عين: روى عن أبي عبد الله عليه السلام. قاله النجاشي في رجاله: 237. وللشيخ المفيد (قدس سره) في رسالته في الرد على أصحاب العدد، عند ذكره بعض رواة الحديث منهم الفضل، عبارة تدل عن عظم منزلته ووثاقته، ننقلها نصا كما نقلها الشيخ المامقاني في تنقيح المقال 1: 209: " والأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام، الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذم واحد منهم، وهم أصحاب الأصول المدونة... الخ ".
(2) التهذيب 1: 225 حديث 646، والاستبصار 1: 19 حديث 40، وفيهما من دون كلمة (مرتين).
(3) سنن البيهقي 1: 240 (باب غسل الإناء من ولوغ الكلب)، وسنن الدار قطني 1: 65 حديث 13. وروى عبد الرزاق بن همام في المصنف 1: 97 حديث 333 بسنده عن ابن جريح قال: قلت كم يغسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب؟ قال: كل ذلك سمعت سبعا وخمسا وثلاث مرات.

[ 177 ]

من ولوغه (1) غير أبي حنيفة فإنه لم يعتبر العدد. وقال أيضا: إنما هو نجس الحكم لا نجس العين (2). وقال مالك: هو طاهر، وسؤره ولعابه طاهر، يجوز استعماله بالشرب وغيره، لكن يغسل منه الإناء تعبدا. وبه قال داود (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد صرح بذلك أبو عبد الله عليه السلام في رواية أبي العباس عنه، حين قال: رجس لا يتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء. وقد قدمناه في المسألة الأولى (4). مسألة 132: إذا ولغ كلبان أو كلاب في إناء واحد، كان حكمهما حكم الكلب الواحد، في أنه لا يجب أكثر من غسل الإناء ثلاث مرات. وهو مذهب الجميع (5) إلا أن بعض أصحاب الشافعي، حكى أنه قال: يغسل بعد كل كلب سبع مرات (6).

قال النووي في المجموع [ 2: 580 ] وبه قال أكثر العلماء. حكى ابن المنذر وجوب الغسل سبعا عن أبي هريرة، وابن عباس، وعروة بن الزبير، وطاووس، وعمرو بن دينار، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور. وانظر أيضا الأم 1: 6، والمحلى 1: 112، وبدائع الصنائع 1: 64، والمنهل العذب 1: 257.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 48، والمحلى 1: 113، والهداية للمرغيناني 1: 20 وشرح فتح القدير 1: 64.
(3) المدونة الكبرى 1: 5، والمبسوط للسرخسي 1: 48، والمحلى 1: 113، والمجموع 2: 580، وفتح المعين: 13، وشرح الخرشي 1: 118، وعمدة القاري 3: 39 وبدائع الصنائع 1: 64. وجاء في نيل الأوطار 1: 43: وقال عكرمة ومالك في رواية عنه: أنه طاهر.
(4) تقدم في المسألة 130.
(5) أي لا يجب تعدد الغسلات حسب تعدد الولوغ. انظر ذلك في المجموع 2: 584، ومغني المحتاج 1: 84، وشرح النووي في هامش إرشاد الساري 2: 311، وعمدة القاري 3: 40.
(6) قال النووي في المجموع [ 2: 584 ]: إذا تكرر الولوغ من كلب أو كلاب فثلاثة أوجه: الصحيح المنصوص أنه يكفي للجميع سبع، والثاني: يجب لكل ولغة سبع إحداهن بالتراب، والثالث: إنه إن كان تعدد الولوغ من كلب كفى سبع لجميع ولغاته، وإن تعدد الكلب وجب لكل كلب سبع، حكاه =

[ 178 ]

دليلنا: قوله تعالى: صلى الله عليه وآله: " إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليهرقه، وليغسل الإناء " (1). ولم يفرق بين الواحد وما زاد عليه وذلك يتناول الجنس الذي يقع على القليل والكثير، وكذلك خبر زرارة، والفضل (2) مثل ذلك. مسألة 133: إذا ولغ الكلب في إناء، وجب غسله ثلاث مرات إحداهن بالتراب، وهي من جملة الثلاث. وقال الشافعي: سبع مرات، من جملتها الغسل بالتراب، وبه قال الأوزاعي (3) وقال الحسن وأحمد: يجب غسل الإناء سبعا بالماء وواحدا بالتراب، فيكون ثماني مرات (4). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء (5). مسألة 134: إذا ولغ الكلب في إناء، ثم وقع ذلك الإناء في الماء الذي لا ينجس بنجاسة غير مغيرة للأوصاف - أما الكر على مذهبنا، أو القلتين على مذهب الشافعي - فإنه لا ينجس الماء ولا يحصل بذلك غسلة من جملة الغسلات. وللشافعي فيه قولان (6).

= صاحب الحاوي. ونحوه في شرح النووي بهامش إرشاد الساري 2: 311، وعمدة القاري 3: 41. (1) سنن الدار قطني 1: 64 حديث 2، وصحيح مسلم 1: 234 حديث 89، وفيه (فليرقه).
(2) كذا في جميع النسخ، ولعله من سهو النساخ، وصوابه (خبر حريز عن الفضل) المتقدم في المسائل السابقة، لعدم وجود رواية عن زرارة في ولوغ الكلب حسبما استقصيناه.
(3) سنن الترمذي 1: 152، والأم 1: 6، والمحلى 1: 112، والهداية 1: 23، ومغني المحتاج 1: 83، وشرح فتح القدير 1: 75.
(4) جاء في مسائل الإمام أحمد بن حنبل: 4 ما لفظه: قال أحمد: سؤر الكلب أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغسله سبع مرات إحداهن بالتراب. وهي رواية عن داود أيضا. وقال النووي في المجموع 2: 580: وعن أحمد رواية أنه يجب غسله ثماني مرات إحداهن بالتراب، وهي رواية عن داود أيضا.
(5) انظر المسألة المتقدمة رقم: 130.
(6) قال النووي في المجموع [ 2: 587 ]: قال أصحابنا: لو وقع الإناء الذي ولغ فيه، في ماء قليل نجسه ولم =

[ 179 ]

وإذا كان الماء أقل من قلتين، فإنه ينجس، ولا يجوز استعماله، ولا يعتد بذلك في غسل الإناء. دليلنا: ما قلناه من وجوب اعتبار العدد في غسل الإناء (1)، وبوقوعه في الماء لا يحصل العدد، فينبغي أن لا يكون مجزءا. وأيضا إذا تمم غسلاته بعد ذلك فلا خلاف في طهارة الإناء، وليس على طهارته دليل إذا لم يحصل العدد. مسألة 135: إذا أصاب الثوب نجاسة، فغسل بالماء، فانفصل الماء عن المحل وأصاب الثوب أو البدن، فإنه إن كانت من الغسلة الأولى، فإنه نجس، ويجب غسل الموضع الذي أصابه. وإن كانت من الغسلة الثانية لا يجب غسله إلا أن يكون متغيرا بالنجاسة، فيعلم بذلك أنه نجس. وقال أبو حنيفة، والانماطي (2) من أصحاب الشافعي: إنه ينجس، ولم يفصلا (3) وللشافعي فيه ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون الماء متغيرا، فيحكم بنجاسته. والثاني: أن لا يكون متغيرا، غير أنه لا يكون قد طهر المحل، فإنه مثل الأول. والثالث: أن لا يكون متغيرا، وقد طهر المحل، فيحكم بطهارة الماء والمحل (4). دليلنا: على القسم الأول: إنه ماء قليل معلوم حصول النجاسة فيه، فوجب أن يحكم بنجاسته. وقد روى العيص بن القاسم قال: سألته عن الرجل أصابه قطرة من طست فيه ماء وضوء، فقال: إن كان الوضوء من بول أو قذر، فليغسل ما

= يطهر الإناء، وإن وقع في ماء كثير لم ينجس الماء، وهل يطهر الإناء؟ فيه خمسة أوجه حكاها الأصحاب مفرقة وجمعها صاحب البيان وغيره، أحدها... إلى آخره. (1) قاله الشيخ في المسألة المتقدمة برقم 130.
(2) أبو القاسم، عثمان بن سعيد بن بشار تقدمت ترجمته في المسألة 129.
(3) (4) المجموع 1: 158.

[ 180 ]

أصابه. وإن كان وضوءه للصلاة، فلا يضره (1). والذي يدل على القسم الثاني، إن الماء على أصل الطهارة، ونجاسته يحتاج إلى دليل. وروى عمر بن أذينة. عن الأحول (2) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخرج من الخلاء، فأستنجي بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به، فقال لا بأس به (3). وروى الفضيل بن يسار (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال في الرجل الجنب يغتسل بالماء فينتضح الماء في إنائه: فقال: لا بأس " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (5) (6)

(1) الظاهر أن الشيخ (قدس سره) انفرد بروايته في الخلاف، واستشهد بهذا الخبر المحقق الحلي في المعتبر: 22: ورده الشهيد الأول في الذكرى: 9 بقوله: وهو مقطوع.
(2) محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي، مولى، الأحول، أبو جعفر، كوفي صيرفي، يلقب مؤمن الطاق، وصاحب الطاق. كان دكانه في طاق المحامل بالكوفة. فيرجع إليه في النقد، فيرد ردا يخرج كما يقول. قاله النجاشي في رجاله: 249. عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، ووثقه في الثاني ونحوه في الفهرست، له مناظرات معروفة ومشهورة مع أبي حنيفة. رجال الشيخ الطوسي 302 و 359، والفهرست: 131.
(3) الكافي 3: 13 حديث 3، والتهذيب 1: 85 حديث 223، وفي من لا يحضره الفقيه 1: 41 حديث 162 بزيادة كلمة (وليس عليك شئ)، وفي علل الشرائع 1: 271 (باب 207) باختلاف يسير وزيادة في آخره لفظه: (فسكت، فقال أو تدري لم صار لا بأس به؟ قلت لا والله، جعلت فداك فقال: لأن الماء أكثر من القذر). (4) الفضيل بن يسار النهدي، أبو القاسم، عربي، بصري، صميم، ثقة، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، ومات في أيامه، وقال ابن نوح: يكنى أبا مسور. قاله النجاشي في رجاله: 238، وذكره الكشي في عداد من أجمعت العصابة على تصديقه، والاقرار له بالفقه. رجال الكشي: 238.
(5) الحج: 78.
(6) الكافي 3: 13 حديث 7، والتهذيب 1: 86 حديث 224، ورواه أيضا بسند آخر حديث 225 مع اختلاف يسير في اللفظ.

[ 181 ]

وروى عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به، أينجس ذلك ثوبه؟ فقال: لا (2). مسألة 136: إذا ولغ الكلب في الإناء، نجس الماء الذي فيه. فإن وقع ذلك الماء على بدن الانسان أو ثوبه، وجب عليه غسله، ولا يراعي فيه العدد. وقال الشافعي: كل موضع يصيبه ذلك الماء، وجب غسله سبع مرات مثل الإناء (3). دليلنا: وجوب غسله معلوم بالاتفاق لنجاسة الماء، واعتبار العدد يحتاج إلى دليل، وحمله على الولوغ قياس لا نقول به. مسألة 137: إذا أصاب من الماء الذي يغسل به الإناء من ولوغ الكلب ثوب الانسان أو جسده، لا يجب غسله سواء كان من الدفعة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة. ولأصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما مثل قولنا (4)، والآخر: إنه نجس يجب غسله (5). ثم اختلفوا، منه من قال: يغسل من كل دفعة سبع مرات

(1) عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، القرشي، اللهبي - نسبة إلى أبي لهب - عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، ووثقه العلامة في الخلاصة، وابن داود في رجاله. رجال الطوسي: 234 و 354، والخلاصة: 127، ورجال ابن داود: 228.
(2) التهذيب 1: 86 حديث 228.
(3) المجموع 2: 587.
(4) المجموع 2: 585.
(5) ذكر النووي في المجموع [ 2: 585 ] لهذه المسألة تفصيلا نصه: فإذا انفصلت غسالة ولوغ الكلب متغيرة بالنجاسة فهي نجسة، وإن انفصلت غير متغيرة فثلاثة أوجه أو أقوال: أحدها: إنها طاهرة، والثاني: نجسة، والثالث وهو الأصح: إن كانت غير الأخيرة فنجسة وإن كانت الأخيرة، فطاهرة تبعا للمحل المنفصل عنه.

[ 182 ]

ومنهم من قال: يجب أن يغسل قدر ما يجب غسل الإناء حال الانفصال عنه، فإن أصابه من الدفعة الأولى غسل ستا، وإن أصابه من الثانية غسل خمسا، ومن الثالثة أربعا، وعلى هذا الحساب، فإن أصابه من السادسة وجب غسله دفعة واحدة، فإن أصابه من السابعة فلا خلاف بينهم أنه طاهر. فإن جمعت الغسلات بعضها إلى بعض فيه وجهان، أحدهما: إنه طاهر، والآخر: إنه نجس. دليلنا: إن الحكم بنجاسة ذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه، وأيضا فلو حكمنا بنجاسته لما طهر الإناء، أبدا، لأنه كلما غسل فما يبقى من النداوة يكون نجسا، فإذا طرح فيه ماء آخر نجس أيضا، وذلك يؤدي إلى أن لا يطهر أبدا. مسألة 138: يغسل الإناء من سائر النجاسات، سوى الولوغ ثلاث مرات. وقال أبو حنيفة: الواجب ما يغلب على الظن معه حصول الطهارة (1) وقال أحمد: يغسل سبعا مثل الولوغ سواء (2). وقال الشافعي: يجب غسله مرة وجوبا وثلاثا استحبابا (3). دليلنا: طريقة الاحتياط، فإنه إذا غسله ثلاث مرات، فقد علمنا طهارته بإجماع الفرقة، وكذلك عند الشافعي، وما زاد عليه يحتاج إلى دليل. وروى عمار الساباطي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن

(1) الهداية 1: 37، وشرح فتح القدير 1: 145.
(2) المجموع 2: 592، والإقناع 1: 58، وبداية المجتهد 1: 83، وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 167.
(3) الأم 1: 6، وقال المزني في مختصره [ 8 ]: ويغسل الإناء من النجاسة سوى ذلك ثلاثا أحب إلي، فإن غسله واحدة تأتي عليه، فقد طهر. والمجموع 2: 592، والتقريب لأبي شجاع: 12. وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 167، والمبسوط 1: 93.
(4) عمار بن موسى الساباطي، أبو اليقظان، وقيل: أبو الفضل. وثقه النجاشي، والشيخ في التهذيب =

[ 183 ]

الكوز، أو الإناء يكون قذرا، كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات، يصب فيه الماء، فيحرك فيه، ثم يفرغ منه ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ منه ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ منه وقد طهر (1) قال: وسألته عن الإبريق وغيره يكون فيه خمرا، أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: إذا غسل فلا بأس. وقال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرات. سئل أيجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده، ويغسله ثلاث مرات (2). وقال: إغسل الإناء الذي تصير فيه الجرذ ميتا سبع مرات (3). مسألة 139: إذا أصاب الثوب نجاسة، أو الإناء، فصب عليهما الماء، ولا يغسل ولا يعصر، فهل يطهر الإناء والثوب؟ لأصحابنا في ذلك روايتان: إحداهما أنه يطهر. والأخرى: أنه لا بد من غسله، وكذلك الإناء. ولأصحاب الشافعي فيه قولان، أحدهما: أنه يطهر. والآخر لا يطهر (4). فالذي قدمناه في خبر عمار الساباطي (5) يدل على وجوب الغسل والدلك وأيضا فقد روى ابن أبي يعفور (6) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن

= وعده الشيخ المفيد من أصحاب الإمامين أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، ومن الأعلام الرؤساء المأخوذ منهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذم واحد منهم. حكى ذلك المامقاني في تنقيح المقال 2: 318، وعده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. رجال النجاشي: 223، ورجال الشيخ الطوسي: 250 و 354. (1) التهذيب 1: 284 حديث 832.
(2) الكافي 6: 427، حديث 1، والتهذيب 1: 283 حديث 830 و 9: 115 حديث 501.
(3) التهذيب 1: 284 حديث 832.
(4) المجموع 2: 593.
(5) تقدم في المسألة 138.
(6) عبد الله بن أبي يعفور - واسمه واقد، وقيل: وقدان - العبدي، مولاهم كوفي، أبو محمد، ثقة ثقة، جليل =

[ 184 ]

البول يصيب الثوب؟ فقال: اغسله مرتين (1). وروى أبو إسحاق النحوي (2) قال: سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صب عليه الماء مرتين (3). والوجه في الجمع بينهما، قد ذكرناه في الكتابين المقدم ذكرهما (4) وهو إن قلنا: يحمل خبر الاقتصار على الصب، على ما إذا كان بول الصبي الرضيع. أما إذا كان قد أكل الطعام، فلا بد من الغسل. وروى هذا التفصيل الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الصبي؟ قال: تصب عليه الماء، فإن كان قد أكل، فاغسله غسلا، والغلام والجارية شرع سواء (5). مسألة 140: إذا أصاب الثوب نجاسة، فصب عليه الماء، وترك تحته إجانة حتى يجتمع فيها ذلك الماء، فإنه نجس.

= في أصحابنا، كريم على أبي عبد الله الصادق عليه السلام، وكان قارئا في مسجد الكوفة، وقد روى الكشي روايات تدل على عظمته وجلالة قدره، توفي في حياة الصادق عليه السلام، في سنة الطاعون. رجال النجاشي: 157، ورجال الكشي: 246، 249، وغيرهما، ورجال الشيخ الطوسي: 223. (1) التهذيب 1: 251 حديث 722.
(2) أبو إسحاق، ثعلبة بن ميمون النحوي. مولى بني أسد، ثم مولى بني سلام، كان وجها في أصحابنا، قارئا، فقيها، نحويا، لغويا، راوية، وثقة الكشي في رجاله وعده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. رجال الكشي 412، ورجال النجاشي: 91، ورجال الطوسي: 161، 345.
(3) التهذيب 1: 249 حديث 716، وفي حديث 714 ورد الخبر ضمن رواية الحسين بن أبي العلاء. ورواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 20 حديث 7 عن الحسين بن أبي العلاء كما في التهذيب، إلا أنه قال سألت أبا عبد الله عليه السلام... إلى آخره.
(4) التهذيب 1: 249 (باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات)، والاستبصار 1: 173 (باب بول الصبي).
(5) الاستبصار 1: 173 حديث 602، والتهذيب 1: 249 حديث 715.

[ 185 ]

وقال الشافعي: الثوب طاهر، والماء نجس. وقال ابن سريج: الماء طاهر، والثوب قد طهر (1). دليلنا: هو أنه ماء قليل، وقد حصل فيه أجزاء من النجاسة، فوجب أن ينجس لأن الماء إذا كان أقل من كر ينجس بما يحصل فيه من النجاسات بإجماع الفرقة. مسألة 141: إذا أصاب الثوب نجاسة، فغسل نصفه وبقي نصفه، فإن المغسول يكون طاهرا، ولا يتعدى نجاسة النصف الآخر إليه. وهو مذهب أكثر أصحاب الشافعي (2) وقال ابن القاص (3) لا يطهر النصف المغسول، لأنه مجاور لأجزاء نجسة، فتسري إليه النجاسة فينجس (4) وهذا باطل لأن ما يجاوره أجزاء جافة لا يتعدى نجاستها إليه ولو تعدى لكان يجب أن يكون إذا نجس جسم أن ينجس العالم كله، لأن الأجسام كلها متجاورة، وهذا تجاهل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله (5) وعن أئمتنا عليهم السلام: أنه إذا وقع الفأر في سمن جامد أو زيت، القي ما حوله، واستعمل الباقي (6) فلو كانت

(1) المجموع 2: 593.
(2) المجموع 2: 601.
(3) أبو العباس، أحمد بن أحمد الطبري، المعروف ب‍ " ابن القاص " أخذ الفقه عن أبي العباس ابن سريج، وحدث عن أبي خليفة، ومحمد بن عبد الله الحضرمي وغيرهما، مات بطرسوس سنة (335 ه‍). طبقات الشافعية: 19، وطبقات الشافعية الكبرى 2: 104.
(4) قال أبو العباس ابن القاص: إذا كان ثوبه كله نجس، فغسل بعضه في جفنة، ثم عاد فغسل ما بقي، لم يطهر حتى يغسل الثوب كله دفعة واحدة. حكاه النووي في المجموع 2: 594.
(5) صحيح البخاري 1: 65 باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء، و 7: 126 باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب. وموطأ مالك 2: 971 باب الفأرة تقع في السمن، حديث 20. وسنن الدارمي 2: 109 باب الفأرة تقع في السمن فماتت.
(6) الكافي 6: 261 حديث 1 و 2 و 4. والتهذيب 9: 85، حديث 359 - 362.

[ 186 ]

النجاسة تسري لوجب أن ينجس الجميع، وهذا خلاف النص. مسألة 142: ما مس الكلب والخنزير بسائر أبدانهما ينجس ويجب غسله، ولا يراعى فيه العدد، وإنما يراعى العدد في الولوغ خاصة. وقال الشافعي: حكمه حكم الولوغ، يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب (1) وقال داود مثل قولنا (2) وهو قياس مذهب مالك (3). دليلنا: إن العدد يحتاج إلى دليل، وحمله على الولوغ قياس، ولا نقول به. وأيضا روى حريز، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل؟ قال: يغسل المكان الذي أصابه (4). وروى علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الكلب يصيب الثوب؟ قال: انضحه، وإن كان رطبا فاغسله (5) ولم يذكر العدد. مسألة 143: إذا ولغ الخنزير في الإناء، كان حكمه حكم الكلب. وهو مذهب جميع الفقهاء (6) وقال ابن القاص عن الشافعي: إن العدد

(1) الأم 1: 6، والمجموع 2: 580، وشرح النووي لصحيح مسلم 1: 310، والمنهاج للنووي: 23.
(2) المحلى 1: 109.
(3) مقدمات ابن رشد 1: 62، والخرشي 1: 119.
(4) الكافي 3: 60 حديث 2، والتهذيب 1: 23 حديث 61، و 1: 260 حديث 758، والاستبصار 1: 90 حديث 287.
(5) التهذيب 1: 260 حديث 757. ورواه الشيخ الكليني في الكافي بسند آخر ولفظ قريب منه نصه: " قال: إذا مس ثوبك الكلب، فإن كان يابسا فانضحه ".
(6) شرح معاني الآثار 1: 21، والأم 1: 6، ومختصر المزني: 8، والمحلى 1: 152، ومقدمات ابن رشد 1: 62، والتفسير الكبير 5: 21، ومغني المحتاج 1: 83، وشرح النووي بهامش الارشاد 1: 311، وفتح القريب: 12، والمنهل العذب 1: 253.

[ 187 ]

يختص بولوغ الكلب، وخطأه جميع أصحابه (1). دليلنا: أمران: أحدهما، أن الخنزير يسمى كلبا في اللغة (2) فينبغي أن تتناوله الأخبار الواردة في ولوغ الكلب. والثاني إنا قد بينا أن سائر النجاسات يغسل منها الإناء ثلاث مرات (3) والخنزير نجس بلا خلاف. مسألة 144: يجوز الوضوء بفضل السباع، وسائر البهائم، والوحش، والحشرات، وما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه، إلا الكلب والخنزير. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: الحيوان على أربعة أضرب: حيوان نجس، كالكلب، والخنزير، والسباع، لا يجوز استعمال شئ من أسئارها، ووجب إراقته، وغسل الإناء حتى يغلب على الظن طهارته. وحيوان طاهر، وسؤره طاهر، وهو ما يؤكل لحمه، إلا الدجاجة المطلقة فإنه يكره سؤرها. وحيوان يكره سؤره والتوضوء به، وهو مثل حشرات الأرض، وجوارح الطير، والهر من جملة ذلك. قال: والقياس أنها نجسة، لكن يجوز التوضؤ به استحسانا، لتعذر الاحتراز منه. الرابع: حيوان مشكوك فيه، كالبغال، والحمار، فهو مشكوك في طهارة سؤره (5).

(1) حكاه النووي في المجموع 2: 585، وشرح النووي لصحيح مسلم 1: 311.
(2) قال الجوهري في الصحاح (مادة كلب): الكلب كل سبع عقور، وغلب على هذا النابح.
(3) تقدم بيانه في المسألة 138.
(4) المحلى 1: 134، وشرح فتح القدير 1: 76، وبداية المجتهد 1: 27، ونيل الأوطار 1: 44، وبدائع الصنائع 1: 64.
(5) المحلى 1: 133، والمبسوط للسرخسي 1: 47 - 50، ومراقي الفلاح: 4، وكنز الدقائق: 5، والنتف في الفتاوى 1: 11، وبداية المجتهد 1: 27.

[ 188 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل في الماء الطهارة والحكم بنجاسته يحتاج إلى دليل. وروى الفضل بن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهر، والشاة، والبقر، والإبل، والحمار. والخيل، والبغال، والوحش، والسباع، فلم أترك شيئا إلا سألته عنه، فقال: لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس، لا تتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء (1). مسألة 145: ما لا نفس له سائلة، كالذباب، والخنفساء، والزنابير وغير ذلك، لا ينجس بالموت، ولا ينجس الماء، ولا المائع الذي يموت فيه. وبه قال أبو حنيفة ومالك (2) وقال الشافعي: ينجس بالموت (3) قولا واحدا. وهل ينجس الماء؟ فيه قولان: أحدهما، لا ينجس، وهو اختيار المزني (4) والثاني: ينجسه (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل طهارة الماء، والحكم بنجاسة هذه الأشياء يحتاج إلى دليل. وروى عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الخنفساء، والذباب، والجراد، والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر، والزيت والسمن وشبهه؟ قال: كل ما ليس له دم فلا بأس به (6).

(1) التهذيب 1: 225 حديث 646، والاستبصار 1: 19 حديث 40.
(2) المبسوط 1: 51، ومراقي الفلاح: 6، وتفسير القرطبي 13: 46، والخرشي 1: 81، وحاشية الدسوقي 1: 48، وبدائع الصنائع 1: 62.
(3) المبسوط 1: 51، والأم 1: 5، والهداية للمرغيناني 1: 19.
(4) الأم 1: 5، وفتح القريب المجيب: 12، ومغني المحتاج 1: 23.
(5) المبسوط 1: 51، والأم 1: 5، والأم (مختصر المزني): 8، ومغني المحتاج 1: 23.
(6) التهذيب 1: 230 حديث 665، والاستبصار 1: 26 حديث 66.

[ 189 ]

وروى حفص بن غياث (1) عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة (2). مسألة 146: إذا مات في الماء القليل ضفدع، أو غيره مما لا يؤكل لحمه، مما يعيش في الماء، لا ينجس الماء. وبه قال أبو حنيفة (3). وقال الشافعي: إذا قلنا إنه لا يؤكل لحمه، فإنه ينجسه (4). دليلنا: إن الماء على أصل الطهارة، والحكم بنجاسته يحتاج إلى دليل. وروي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: إذا مات فيما فيه حياته لا ينجسه (5). وهو يتناول هذا الموضوع أيضا. مسألة 147: إذا بلغ الماء كرا فصاعدا، لا ينجس بما يقع فيه من النجاسات إلا ما يغير لونه، أو طعمه، أو رائحته. ومتى نقص عن الكر ينجس بما يحصل فيه من النجاسة، تغير أو لم يتغير.

(1) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية، أبو عمر النخعي، الكوفي، القاضي. عده الشيخ في أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام تارة، وأخرى في من لم يرو عنهم عليهم السلام. وقال: كان عاميا، ولي القضاء ببغداد الشرقية ثم الكوفة، ومات سنة (194 ه‍). رجال الطوسي: 118، 175، 471: ورجال النجاشي: 103، وتهذيب التهذيب 2: 145.
(2) التهذيب 1: 231 حديث 669، والاستبصار 1: 26 حديث 67، ورواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 5، حديث 4 بسند آخر.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 57، ومراقي الفلاح: 6، وبدائع الصنائع 1: 79، والهداية للمرغيناني 1: 19. (4) فتح المعين: 5، ومغني المحتاج 1: 23، والهداية للمرغيناني 1: 19.
(5) لعل الشيخ انفرد بروايتها في هذا الكتاب، لأننا لم نقف على نص لهذه الرواية في كتب الأخبار المتوفرة، لدينا. وقد وردت بلفظ قريب منه في كتاب الصيد في كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 206 حديث 945، والتهذيب 9: 11 حديث 40، عند السؤال عن السمك يموت في الماء، فقال عليه السلام: لأنه مات في الذي فيه حياته. وهذه الرواية تدل على حرمة أكل السمك لا نجاسة الماء وقد نقل المحقق الحلي في المعتبر: 25 المسألة عن الخلاف من دون ذكر الرواية.

[ 190 ]

وحكي اعتبار الكر عن الحسن بن صالح بن حي (1) ولأصحابنا في مقدار الكر ثلاثة مذاهب: أحدها: إن مقداره، ألف ومائتا رطل بالعراقي، وهو مذهب شيخنا أبي عبد الله (2) (3). والثاني: إنه ألف ومائتا رطل بالمدني، وهو اختيار المرتضى (4). وقال الباقون: الاعتبار بالأشبار، ثلاثة أشبار ونصف طولا في عرض وفي عمق، وهو مذهب جميع القميين، وأصحاب الحديث (5).

(1) حكى الجصاص في أحكام القرآن 3: 340 عن مسروق والنخعي وابن سيرين القول: " إذا كان الماء كرا لم ينجسه شئ " وقال في ص: 341 ما لفظه: وكره الحسن بن صالح الوضوء بالماء بالفلاة إذا كان أقل من قدر الكر، وروى نحوه عن علقمة وابن سيرين، والكر عندهم ثلاثة آلاف رطل ومائتا رطل.
(2) أبو عبد الله، محمد بن محمد بن النعمان، المعروف ب‍ " ابن المعلم " والملقب ب‍ " المفيد ". اجتمعت فيه خلال الفضل، وانتهت إليه رئاسة الكل، اتفق الجميع على فضله وفقهه وعدالته وثقته وجلالته، قال الشيخ النجاشي في رجاله: 311 بعد ذكر نسبه إلى يعرب بن قحطان: شيخنا وأستاذنا رضي الله عنه، فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والعلم. مات سنة (413 ه‍). رجال الشيخ الطوسي: 514، والفهرست 157.
(3) ذهب إليه في المقنعة: 8.
(4) اختاره في الانتصار: 5، وجمل العلم والعمل: 51.
(5) المحكي عن القميين في المصادر المتوفرة لدينا اعتبار الكر ثلاثة أشبار طولا في عرض في عمق، ولم يعتبروا النصف. وهو اختيار الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 6، والمقنع: 10، والهداية: 14، ورواه في أماليه: 383. وحكى عدم اعتبار النصف عن القميين أيضا ابن إدريس في السرائر: 7، والعلامة الحلي في المختلف: 3، والتذكرة 1: 3، والمجلسي الأولى في روضة المتقين 1: 39، والمجلسي الثاني في البحار 80: 19، والسيد الطباطبائي في المدارك: 8. نعم حكى العاملي في مفتاح الكرامة 1: 71 عن نسخة من الهداية اعتبار النصف، وعن نسخة أخرى والفقيه عدم الاعتبار، وحكى عن الخلاف نسبة اعتبار النصف إلى القميين أيضا. ولم نقف =

[ 191 ]

وقد تكلمت على هذه الروايات، في الكتابين المقدم ذكرهما (1). وقال الشافعي: إذا بلغ الماء قلتين فصاعدا، لا ينجس بما يقع فيه من النجاسة إلا ما يغير أحد أوصافه (2) وحدهما بخمسمائة رطل (3). واختلف أصحابه، فمنهم من قال: إن ذلك الحد لو نقص منه رطل أو رطلان نجس (4) ومنهم من قال ذلك على التقريب، ولا يؤثر نقص رطل أو رطلين فيه (5). ثم اختلفوا في هذا الماء إذا وقعت فيه نجاسة مايعة، هل يجوز استعمال جميعه أم لا؟ فقال الأكثر منهم: يجوز استعمال جميعه (6) وقال قوم منهم: إنه يجوز استعماله إلى أن يبقى منه مقدار النجاسة الواقعة فيه (7). واعتبار القلتين مذهب عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وسعيد بن جبير (8) ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد القاسم بن سلام،

= على مصدر لهذا القول أو القائل به. (1) التهذيب 1: 38 - 43، والاستبصار 1: 6 - 12.
(2) المحلى 1: 153، ومغني المحتاج 1: 21، والتفسير الكبير 24: 94، وسنن الترمذي 1: 98، واختلاف الحديث للشافعي: 500، وأحكام القرآن للجصاص 3: 341، وبداية المجتهد 1: 23، وتفسير القرطبي 13: 42، والنتف في الفتاوى 1: 6، وسبل السلام 1: 20.
(3) المجموع 1: 119، ومغني المحتاج 1: 25، وبلوغ الأماني بهامش الفتح الرباني 1: 217، والمقدمة الحضرمية: 26.
(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 341، والمجموع 1: 119.
(5) المجموع 1: 119، ومغني المحتاج 1: 25، والمقدمة الحضرمية 26.
(6) مغني المحتاج 1: 22.
(7) مغني المحتاج 1: 22.
(8) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، مولى بني والبة، تابعي أصله الكوفة، نزل مكة، عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، وكان يسمى جهبذ العلماء، وله محاورة طويلة مع الحجاج قبيل استشهاده سنة (95 ه‍). رجال الطوسي 90، والخلاصة: 79، وتاريخ الطبري 5: 260، وتهذيب التهذيب 4: 11، وتذكرة الحفاظ 1: 71.

[ 192 ]

وأبي ثور (1). وقال الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، ومالك، وداود: إنه لا ينجس الماء سواء كان قليلا أو كثيرا، إلا إذا تغير أحد أوصافه (2) وقال أبو حنيفة: إن كان الماء يصل بعضه إلى بعض تنجس بحصول النجاسة فيه، وإن كان لا يصل بعضه إلى بعض لم ينجس (3). وفسر أبو يوسف، والطحاوي مذهبه فقالا: إن كان الماء في موضع مجتمع بحيث إذا حرك أحد جانبيه تحرك الجانب الآخر، فإنه ينجس، وإن كان لا يتحرك الجانب الآخر، فإذا وقعت فيه النجاسة، فإن الموضع الذي لا يبلغ التحريك إليه لا ينجس (4). وقال المتأخرون من أصحابه إن الاعتبار بحصول النجاسة في الماء، إما علما وإما ظنا، وإنما يعتبر تحرك الماء، ليغلب في الظن بلوغ النجاسة إليه، فإن غلب في الظن خلافه، حكم بطهارته (5). دليلنا: على اعتبار الكر: إجماع الطائفة فإنه لا خلاف بينهم في ذلك، وإن اختلفوا في مقداره. وروى حماد، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ (6).

(1) مسائل الإمام أحمد: 4، وأحكام القرآن للجصاص 3: 340، وسنن الترمذي 1: 98، والمجموع 1: 112.
(2) تفسير القرطبي 13: 42، وبداية المجتهد 1: 23، وأحكام القرآن للجصاص 3: 340 والتفسير الكبير 24: 94، وسبل السلام 1: 19.
(3) بداية المجتهد 1: 13، وسبل السلام 1: 20.
(4) تفسير القرطبي 13: 42.
(5) أحكام القرآن للجصاص 3: 340، والتفسير الكبير 24: 94.
(6) التهذيب 1: 40 حديث 108، والاستبصار 1: 6 حديث 2، والكافي 3: 2 حديث 1.

[ 193 ]

وروى محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه سئل عن الماء تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب؟ قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ (1). مسألة 148: الماء الكثير، إما الكر على مذهبنا، أو ما يبلغ القلتين على مذهب الشافعي، إذا تغير أحد أوصافه بما يقع فيه من النجاسة، تنجس بلا خلاف والطريق إلى تطهيره، أن يرد عليه من الماء الطاهر كر فصاعدا، ويزول عند ذلك تغيره، فحينئذ يطهر ولا يطهر شئ سواه. وقال الشافعي: يزول حكم النجاسة بأربعة أشياء: أحدها: أن يرد عليه من الماء الطاهر ما يزول به عنه التغير، ولم يعتبر المقدار. والثاني أن يزول عنه تغيره من قبل نفسه فيطهر. والثالث: أن ينبع من الأرض ما يزول معه تغيره. والرابع: أن يستقى منه ما يزول معه تغيره (2). وفي أصحابه من ذكر وجها خامسا: وهو أن يحصل فيه من التراب ما يزول معه تغيره (3). دليلنا: إن الماء معلوم نجاسته، وليس لنا أن نحكم بطهارته إلا بدليل، وليس على الأشياء التي اعتبرها دليل على أنها تطهر الماء، ولا يلزمنا مثل ذلك إذا ورد عليه كر من الماء، لأن ذلك معلوم أنه يطهر به، ولأنه إذا بلغ كرا فلو وقع فيه عين النجاسة لم ينجس إلا أن يتغير أحد أوصاف الماء، والماء النجس

(1) الكافي 3: 2 حديث 2، والفقيه 1: 8 حديث 12، والتهذيب 1: 40 حديث 107، والاستبصار 1: 6 حديث 1.
(2) المجموع 1: 132، ومغني المحتاج 1: 22.
(3) المصدر السابق.

[ 194 ]

ليس بأكثر من عين النجاسة، وأما نبعه من الأرض فإن ذلك يعتبر في الآبار، ولها حكم يخصها نبينه فيما بعد. مسألة 149: إذا نقض الماء عن الكر على مذهبنا، أو القلتين على مذهب الشافعي، وحصلت فيه نجاسة، فإنه ينجس وإن لم يتغير أحد أوصافه. ولا يحكم بطهارته إلا إذا ورد عليه كر من الماء فصاعدا. وقال الشافعي: يطهر بشيئين: أحدهما أن يرد عليه من الماء الطاهر ما يتم به قلتين (1) أو ينبع فيه ما يتم به قلتين. دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء (2) مسألة 150: إذا كان الماء مقدار كر في موضعين، وحصل فيهما نجاسة، أو في أحدهما، لم يطهر إذا جمع بينهما. وقال الشافعي: يطهر (3). واختاره المرتضى (4). دليلنا: إنهما (ماءان) محكوم بنجاستهما على الانفراد، فمن ادعى أنه إذا جمع بينهما زال حكم النجاسة، فعليه الدليل، وليس عليه دليل، فوجب أن يبقى على الأصل. مسألة 151: إذا بال ظبي في ماء، لم ينجس بذلك، قليلا كان الماء أو كثيرا، تغير بذلك أو لم يتغير بذلك. وقال الشافعي ينجس إذا كان قليلا، وإن لم يتغير، وإن كان كثيرا إذا

(1) الأم (مختصر المزني): 9، ومغني المحتاج 1: 25.
(2) تقدم في المسألة: 148.
(3) الأم 1: 5، والمغني لابن قدامة 1: 35.
(4) قال العلامة قدس سره في المختلف: 3 ما لفظه: وقال السيد المرتضى رحمه الله أنه يطهر، وهو قول سلار وابن البراج وابن إدريس (إنتهى). أقول: ومال إليه الشيخ المصنف قدس سره في المبسوط 1: 7 حيث قال: وفي أصحابنا من قال: يزول ذلك للخبر، وهو قوي على ما قلناه.

[ 195 ]

تغير (1). دليلنا: إن التنجيس حكم شرعي يحتاج إلى دليل، لأن الأصل في الماء الطهارة، وأيضا فلا خلاف بين الطائفة أن بول ما يؤكل لحمه، وروثه طاهران، وعلى هذا يجب أن يحكم بطهارته. وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل شئ يؤكل لحمه فلا بأس ببوله (3). مسألة 152: الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة، لا ينجس بذلك إلا إذا تغير أحد أوصافه، سواء كان الماء فوق النجاسة أو تحتها أو مجاورا لها، وسواء كانت النجاسة مائعة أو جامدة. وقال الشافعي: الماء الذي قبل النجاسة طاهر، وما بعدها إن كانت النجاسة لم تصل إليه فهو طاهر، وأما ما يجاوره ويختلط به، فإن كان أكثر من قلتين فهو أيضا طاهر، وإن كان أقل منهما فإنه ينجس (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الماء كله طاهر لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته " (5). وذلك على عمومه، إلا ما أخرجه الدليل.

(1) الأم: 1: 11.
(2) عبد الرحمن بن أبي عبد الله ميمون البصري، مولى بني شيبان. وثقه النجاشي في رجاله عند ترجمة حفيده إسماعيل بن همام بقوله: ثقة هو وأبوه وجده. وعده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وقال العلامة في الخلاصة: ختن الفضيل بن يسار، ثقة رجال النجاشي: 24، ورجال الطوسي: 230، والخلاصة: 113.
(3) التهذيب 1: 422، ذيل الحديث 1337، ونقله في ص: 266 حديث 780 باختلاف في اللفظ. ورواه في الاستبصار 1: 179 حديث 624 موافقا للثاني.
(4) الأم 1: 4، والمحلى 1: 151، ومغني المحتاج 1: 24.
(5) سنن ابن ماجة 1: 174 حديث 521.

[ 196 ]

وروى عنبسة بن مصعب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبول في الماء الجاري قال: لا بأس به إذا كان الماء جاريا (1). وروى حريز، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بالبول في الماء الجاري (2). مسألة 153: إذا كان معه (إناءآن)، وقع في أحدهما نجاسة، واشتبها عليه، لم يستعملهما، وكذلك حكم ما زاد عليهما. ولا يجوز التحري بلا خلاف بين أصحابنا. أما الثوبان، فمن أصحابنا من قال: حكمهما حكم الإنائين، لا يصلي في واحد منهما (3). وقال بعضهم: يصلي في كل منهما على الانفراد، وهو الذي اخترناه (4) وهو مذهب المزني (5). وقال الماجشون (6): يتوضأ بكل واحد من المائين، ويصلي صلاة

(1) التهذيب 1: 43 حديث 120، والاستبصار 1: 13 حديث 22.
(2) التهذيب 1: 43 حديث 122، والاستبصار 1: 13 حديث 24.
(3) لم نقف على القائل من الأصحاب في المصادر المتوفرة.
(4) اختاره الشيخ قدس سره في النهاية: 55 والمبسوط 1: 39.
(5) المجموع 3: 146. ويستفاد مما حكاه ابن قدامة في المغني 1: 63 عن المزني وأبي ثور، القول بعدم جواز الصلاة في شئ منهما. وما نسبه الشيخ الطوسي في القول بالصلاة عريانا إلى المزني وأبي ثور كما حكاه العاملي عن الخلاف في مفتاح الكرامة 1: 182، إن للمزني قولين في هذه المسألة. كما يستفاد أيضا أن في بعض نسخ الخلاف، كنسخة صاحب المفتاح الكرامة، تقديم مذهب المزني إلى ما بعد كلمة " لا يصلي في واحد منهما " المتقدمة.
(6) أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون - بكسر الجيم وضم الشين - من أصحاب مالك، تفقه به وبأبيه، وابن أبي حازم وغيرهم. وحكى ابن حجر في تهذيب التهذيب 6: 408 أنه كان فقيها، فصيحا، دارت عليه الفتيا وعلى أبيه... وكان مولعا بسماع الغناء، وقال: قال أحمد ابن حنبل: قدم علينا ومعه من يغنيه، مات سنة (212 ه‍) وقيل: (214). طبقات الفقهاء: 125، =

[ 197 ]

منفردة (1) وقال محمد بن مسلمة (2): يتوضأ بأحدهما ويصلي ثم يتوضأ بالآخر، ويغسل ما أصابه من الأول من ثيابه وبدنه، ثم يصلي (3). وقال أبو حنيفة: يجوز التحري في الثياب على الإطلاق، وأما الأواني، فإن كان عدد الطاهر أكثر جاز التحري فيها. وإن كان عدد النجس أكثر من عدد الطاهر، أو تساويا لم يجز (4). وقال الشافعي: يجوز التحري في أواني الماء والطعام إذا كان بعضها نجسا وبعضها طاهرا، سواء كان عدد النجس أقل، أو أكثر، أو استويا (5). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون فيه، وأيضا فقد تيقنا النجاسة في واحد منهما، فلا بأس أن نقدم على ما هو نجس. وأيضا الصلاة في الذمة بيقين، ولا نعلم براءتها إذا استعلمنا هذا الماء. وروى عمار الساباطي (6) وسماعة بن مهران (7) عن أبي عبد الله

= والمجموع 1: 181، والعبر 1: 363، وترتيب المدارك 1: 360. (1) قال النووي في المجموع 1: 181: وقال عبد الملك بن الماجشون: يتوضأ بكل واحد ويصلي بعد الوضوئين ولا يعيد الصلاة.
(2) أبو هاشم، محمد بن مسلمة بن محمد بن هاشم بن إسماعيل المخزومي. روى عن مالك، وتفقه عنده، كان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك وأفقههم. ترتيب المدارك 1: 358، والديباج المذهب 2: 156، والجرح والتعديل 4 / 1: 71.
(3) المجموع 1: 181.
(4) المصدر السابق.
(5) المصدر السابق.
(6) التهذيب 1: 248 حديث 712، ولفظ الحديث: (... عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام، في حديث طويل قال سئل عن رجل - إلى قوله: على ماء غيره - قال: يهرقهما ويتيمم).
(7) التهذيب 1: 249 حديث 713، وفي الكافي 3: 10 حديث 6، والاستبصار 1: 21 حديث 48 ما لفظه: (... عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن جرة وجد فيها خنفساء قد مات قال: ألقه وتوضأ منه، وإن كان عقربا فأهرق الماء، وتوضأ من ماء غيره، وعن رجل معه إناءآن فيهما =

[ 198 ]

عليه السلام قالا: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل معه إناءآن فيهما ماء، وقع في أحدها قذر، لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره؟ قال: يهريق المائين ويتيمم. مسألة 154: إذا كان معه إناءآن أحدهما نجس، فقد قلنا إنه لا يستعملها في الوضوء، فإن خاف العطش، أمسك أيهما شاء. وقال الشافعي: يتحرى، فما أدى اجتهاده إليه أمسك للوضوء ويريق الآخر فإن خاف العطش أمسك للعطش النجس وتوضأ بالطاهر عنده (1). دليلنا: إنا بينا أنهما في حكم النجس في المنع من جواز استعمالهما. أو واحد منهما، وقد أبطلنا التحري. فأما الخوف من العطش فإنه يجوز له إمساك النجس بالاجماع. مسألة 155: إذا كان معه إناءآن، أحدهما ماء طاهر، والآخر بول واشتبها، فلا خلاف أنه لا يجوز التحري. وإنما يختلف أبو حنيفة والشافعي في تعليل ذلك (2). مسألة 156: إذا كان معه إناءآن فاشتبها، وكان معه إناء طاهر متيقن، وجب أن يستعمل الطاهر، ولا يجوز استعمال المشتبهين. وبه قال أبو إسحاق المروزي (3) وقال أبو العباس (4) وعامة أصحاب الشافعي: هو مخير بين أن يستعمل ذلك، وبين أن يتحرى في الانائين (5).

= ماء وقع في أحدهما قذر، لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره، قال: يهرقهما ويتيمم). (1) الأم 1: 10، ومختصر المزني: 9، والمجموع 1: 186 و 2: 245.
(2) المجموع 1: 181 و 183 و 195، وفتح العزيز (بهامش المجموع) 1: 283، ومغني المحتاج 1: 27.
(3) المجموع 1: 192.
(4) هو أحمد بن عمر بن سريج. والذي تقدمت ترجمته في المسألة 129.
(5) المجموع 1: 192، وفيه: واتفقوا على أنه إذا جوزنا التحرى، استحب تركه، واستعمال الطاهر بيقين احتياطا. وانظر أيضا مغني المحتاج 1: 26.

[ 199 ]

دليلنا: ما قدمناه من بطلان التحري، والمنع من استعمال الانائين المشتبهين (1). فإن ثبت ذلك، فلا يجب غير استعمال الماء الطاهر. مسألة 157: إذا كان معه إناءآن أحدهما طاهر والآخر ماء مستعمل في الوضوء، يجوز استعمال أيهما شاء عندنا. وقال الشافعي وأصحابه: فيها قولان، أحدهما: أنه يتحرى فيهما كما يتحرى في النجس والطاهر (2). والقول الآخر: لا يتحرى، بل يتطهر بكل واحد منهما (3). دليلنا: إنا قد بينا أن الماء المستعمل طاهر ومطهر (4) وإذا ثبت ذلك، جرى مجرى المائين الذين لم يستعملا بلا خلاف. مسألة 158: إذا كان معه إناءآن، أحدهما طاهر ومطهر، والآخر ماء ورد منقطع الرائحة، أو ماء شيح (5)، فاشتبها عليه، توضأ بكل واحد منهما. وقال الشافعي وأصحابه: إنه يجوز له التحري (6). دليلنا: هو أنه إذا استعملهما قطع على أنه قد تطهر بالاجماع، وإذا تطهر بأحدهما ليس على صحة طهارته دليل. مسألة 159: إذا كان معه إناءآن، أحدهما نجس فاشتبها عليه، ثم انقلب أحدهما، فإنه لا يجوز استعمال الآخر.

(1) تقدم بطلانه في المسألة 153.
(2) المجموع 1: 195، ومغني المحتاج 1: 26، والمغني لابن قدامة 1: 19.
(3) المجموع 1: 195.
(4) تقدم بيانه في المسألة 126.
(5) الشيح، بالكسر: نبت سهلي يتخذ من بعضه المكانس، وهو من الامرار، له رائحة طيبة، وطعم مر. وهو مرعى للخيل والنعم، ومنابته القيعان والرباض. قاله الزبيدي في تاج العروس 2: 173.
(6) فتح العزيز (بهامش المجموع) 1: 281، ومغني المحتاج 1: 27.

[ 200 ]

ولأصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما يتحرى فيه (1) وهو قول أبي العباس والآخر: إنه لا يجوز، وهو قول الأكثر (2). دليلنا: ما قدمناه من إنه لو كان الأول بحاله لما جاز التحري (3) فكيف إذا انقلب أحدهما على أن التحري لا يكون إلا في شيئين، ولا يتصور ذلك في شئ واحد. مسألة 160: إذا كان معه إناءآن، فولغ الكلب في أحدهما واشتبها عليه وأخبره عدل بعين ما ولغ الكلب فيه، لا يقبل منه. وقال أصحاب الشافعي: يقبل منه ولا يتحرى (4). دليلنا: ما قدمناه من خبر عمار وسماعة (5)، وأنه أمره بإراقة الانائين والتيمم، ولم يقل إلا أن يشهد عدل. وأيضا قد علمنا أنه يجوز استعمالهما بإجماع الفرقة، وإيجاب القبول من العدل يحتاج إلى دليل. مسألة 161: إذا ورد على ماء، فأخبره رجل بأنه نجس، لا يقبل منه. سواء أخبره بما به نجس، أو لم يخبره. وقال الشافعي: إن أخبره بالإطلاق، ولم يذكر ما به نجس، لا يقبل منه، وإن أخبره بما به نجس، وكان ذلك ينجس الماء، وجب القبول منه (6). دليلنا: إنا قد علمنا أن الأصل في الماء الطهارة، والحكم بنجاسته يحتاج

(1) المجموع 1: 184.
(2) المصدر السابق.
(3) تقدم في المسألة 153.
(4) المجموع 1: 177، ومغني المحتاج 1: 28، واختلاف الحديث للشافعي: 1.
(5) تقدم في المسألة 153.
(6) المجموع 1: 175، ومغني المحتاج 1: 26.

[ 201 ]

إلى دليل، ولم يقم دليل على وجوب العمل بقول الواحد في ذلك. وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، والأئمة عليهم السلام من أن الماء كله طاهر إلا أن يعلم أنه نجس (1) يؤكد ذلك. لأن بقول الواحد لا نعلم نجاسته، ووجوب القبول منه يحتاج إلى دليل. مسألة 162: إذا شهد شاهدان أنه قد ولغ الكلب في واحد من الإنائين، وشهد آخران أنه ولغ في الآخر، سقطت شهادتهما، وبقي الماء على أصل الطهارة. وقال الشافعي: يحكم بنجاستهما لجواز أن يكونا صادقين (2) اللهم إلا أن يشهد كل قوم منهم على وجه ينافي شهادة الآخر، فيكون القول فيه كالقول في تقابل البينتين، وفيه ثلاثة أقوال تذكر في باب البينات (3). دليلنا: إن الماء على أصل الطهارة، وليس على وجوب القبول من الفريقين، ولا من واحد منهما دليل، فوجب طرحهما، وبقي الماء على أصل الطهارة. مسألة 163: إذا كان مع غير البصير إناءآن، وقع في أحدهما نجاسة واشتبها، وجب عليه إراقتهما ويتيمم. ولأصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلنا (4) والآخر يتحرى، أو يرجع إلى قول بصير يخبره بذلك (5). دليلنا: ما قلناه من أن البصير لا يجوز له التحري (6) ولا الرجوع إلى غيره،

(1) روى الشيخ الكليني في الكافي 3: 1 حديث 1 و 2، والشيخ الطوسي في التهذيب 1: 215 حديث 619 عن الصادق عليه السلام أنه قال: الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر.
(2) المجموع 1: 178.
(3) قال النووي في المجموع 1: 178: وفي الاستعمال ثلاثة أقوال. أحدها: بالقرعة، والثاني: بالقسمة، والثالث: يوقف حتى يصطلح المتنازعان.
(4) المجموع 1: 175، ومغني المحتاج 1: 27.
(5) المجموع 1: 196، ومغني المحتاج 1: 27.
(6) تقدم بيانه في المسألة 153.

[ 202 ]

فحكم الأعمى حكمه سواء. مسألة 164: إذا حصلت النجاسة على الثوب، فإن تعين له الموضع، غسله بلا خلاف. وإن لم يتعين له غسل الثوب كله. وهو الظاهر من مذهب الشافعي وأصحابه (1). وحكي عن بعضهم أنه قال: إذا حصلت النجاسة في الكم الواحد، واشتبه بالكم الآخر حل له التحري (2). دليلنا: إن الثوب قد حكم بنجاسته، والمنع من الصلاة فيه، ولا يعلم طهارته إذا غسل أحد الكمين بالتحري، فوجب أن لا يعمل به. وأيضا طريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه إذا فعل ما قلناه، علم أن الصلاة صحيحة. وإذا فعل ما قالوه، لم يدل على صحتها دليل. وروى سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن بول الصبي يصيب الثوب؟ فقال: اغسله. قلت: فإن لم أجد مكانه؟ قال: اغسل الثوب كله (3). وروى ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المني يصيب الثوب؟ قال: إن عرفت مكانه، فاغسله، وإن خفي عليك مكانه فاغسله كله (4). مسألة 165: إذا توضأ وصلى الظهر، ثم أحدث، ثم أعاد الوضوء، ثم صلى العصر، ثم ذكر أنه ترك عضوا من أعضاء الطهارة، ولا يدري من أي الطهارتين كان، فإنه يعيد الطهارة، ويصلي الصلاتين معا بلا خلاف.

(1) المجموع 3: 145.
(2) المصدر السابق.
(3) التهذيب 1: 251 حديث 723، والاستبصار 1: 174 حديث 604.
(4) الكافي 3: 53 حديث 1، والتهذيب 1: 251 حديث 725.

[ 203 ]

وفي وجوب إعادة الوضوء للشافعي فيه قولان: إذا قال بالموالاة، قال أعاد الوضوء. وإن لم يقل به، بنى عليه (1). مسألة 166: متى صلى الظهر بطهارة ولم يحدث، وجدد الوضوء ثم صلى العصر، ثم ذكر أنه ترك عضوا من أعضاء الطهارة، فإنه يعيد الصلاة الظهر عندنا فحسب، ولا يعيد صلاة العصر (2). وقال الشافعي: يعيد الظهر، وفي إعادة العصر له قولان: أحدهما، لا يعيد، مثل قولنا، إذا قال إن تجديد الوضوء يرفع حكم الحدث، والآخر: إنه يعيد، إذا لم يقل بذلك (3). دليلنا: إنا إنما أوجبنا عليه إعادة الظهر دون العصر، لأن ترك العضو لا يخلو من أن يكون من الطهارة الأولى أو من الثانية، فإن كان من الأولى، فقد صحت له الثانية، فصح بصحتها صلاة العصر. وإن كان تركه ذلك من الثانية، فقد صحت الأولى، فصح بصحتها الأولى. والعصر صحيحة على كل حال، وإنما الشك في الظهر. فأوجبنا عليه إعادة المشكوك فيه دون المتيقن أداءه. مسألة 167: إذا أكلت الهرة فأرة، ثم شربت من الإناء فلا بأس بالوضوء من سؤرها. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك. فمنهم من قال بمذهبنا سواء (4). ومنهم من قال: إن شربت قبل أن تغيب عن العين، لا يجوز الوضوء به (5)

(1) المجموع 1: 452، ومغني المحتاج 1: 61.
(2) قاله أيضا في المبسوط 1: 24.
(3) المجموع 1: 200 - 201.
(4) المجموع 1: 170.
(5) المصدر السابق.

[ 204 ]

وإذا غابت ثم رجعت وشربت فيه قولان: أحدهما يجزي (1). والذي يدل على ما قلناه، إجماع الفرقة على أن سؤر الهر طاهر، ولم يفصلوا. وروي أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الهر ليس بنجس، لأنه من الطوافين عليكم أو الطوافات " (2) وذلك على عمومه. مسألة 168: عندنا إن المسح على الخفين لا يجوز مع الاختيار، لا في السفر، ولا في الحضر. وهو مذهب الخوارج (3) (4) وإليه ذهب مالك في رواية ابن أبي ذويب (5) عنه، فإنه قال: أبطل مالك المسح عن الخفين في آخر أيامه (6). وعن مالك روايات أربعة:

(1) التفسير الكبير 24: 95، والمجموع 1: 170.
(2) أخرجه أبو داود 1: 19، والدارمي في سننه 1: 187، والنسائي في سننه 1: 178، وابن ماجة 1: 131، وأحمد بن حنبل في مسنده 5: 303، والموطأ 1: 22، لفظه: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات).
(3) الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في وقعة صفين - سنة (36 ه‍) بعد رفع المصاحف والتحكيم - الشهيرة. ومن رؤوسائهم المشهورين: الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي التميمي، وزيد الطائي وغيرهم لعنهم الله، ويطلق عليهم أيضا المارقة من الدين، وينقسمون إلى فرق متعددة، أهمها الأزارقة، والنجدات والأباضية، ولهم بدع كثيرة في الدين. الملل والنحل 1: 114، والفصل 4: 188، ودائرة معارف القرن العشرين 3: 691، ودائرة المعارف الاسلامية 8: 469.
(4) كفاية الأخيار 1: 29، والمجموع 1: 476، وتفسير القرطبي 6: 100، وعمدة القاري 3: 97، وفتح الباري 1: 306.
(5) إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذويب الأسدي. روى عن ابن عمر، وعطاء بن يسار. وروى عنه سعيد بن خالد القارظي وغيره. التاريخ الكبير 1: 362، وتهذيب التهذيب 1: 312.
(6) المجموع 1: 476، وبداية المجتهد 1: 17، وتفسير القرطبي 6: 100، وعمدة القاري 3: 97، وفتح الباري 1: 305.

[ 205 ]

أحدها: أنه يمسح أبدا من غير توقيت (1) وهو قول الشافعي في القديم (2). والثاني: أنه يمسح في الحضر دون السفر (3). والثالث: أنه يمسح في السفر دون الحضر وهو الأظهر عنده (4). والرابع: أنه يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام (5) وبه قال الشافعي في الجديد وعليه أصحابه (6) وبه قال أبو حنيفة، وباقي الفقهاء (7). دليلنا: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم وأرجلكم " (8) فأوجب إيقاع الفرض على ما يسمى رجلا، والخف لا يسمى بذلك. كما إن العمامة لا تسمى رأسا. وأيضا طريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأن من مسح على خفيه وصلى لا تبرأ ذمته بيقين، ولا دليل على ذلك، فإذا نزعهما ومسح على رجليه، برءت ذمته بيقين، وعليه إجماع الفرقة، لا يختلفون فيه. وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، والصحابة، والتابعين في ذلك

(1) المدونة الكبرى 1: 41، وأحكام القرآن للجصاص 2: 348، والمجموع 1: 476، والمغني لابن قدامة 1: 286، وبداية المجتهد 1: 20، وكفاية الأخيار 1: 31، والنتف 1: 18، وعمدة القاري 3: 97.
(2) المجموع 1: 481، وكفاية الأخيار 1: 31.
(3) المجموع 1: 476، وعمدة القاري 3: 97.
(4) المدونة الكبرى 1: 41، وأحكام القرآن للجصاص 2: 348، والمجموع 1: 476، وبداية المجتهد 1: 17، وتفسير القرطبي 6: 100، وعمدة القاري 3: 97، وفتح الباري 1: 305.
(5) كفاية الأخيار 1: 31، وتفسير القرطبي 6: 101، وعمدة القاري 3: 97.
(6) المجموع 1: 482، والأم 1: 34، وأحكام القرآن للجصاص 2: 348، وتفسير القرطبي 6: 101، ومغني المحتاج 1: 64.
(7) الهداية 1: 28، وأحكام القرآن للجصاص 2: 348، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 10، والنتف 1: 18، والمجموع 1: 476، والمغني لابن قدامة 1: 281، وتفسير القرطبي 6: 101، وشرح فتح القدير 1: 102. (8) المائدة: 6.

[ 206 ]

أكثر من أن يحصى (1). وروى محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال: سئل عن المسح على الخفين، وعلى العمامة؟ فقال: لا تمسح عليهما (2). وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وفيهم علي عليه السلام، وقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟ فقام المغيرة بن شعبة (3) فقال: رأيت رسول الله يمسح على الخفين. فقال علي عليه السلام: قبل المائدة أو بعدها؟ فقال: لا أدري. فقال علي عليه السلام: سبق الكتاب الخفين، إنما أنزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة (4). وروى أبو الورد (5) قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام إن أبا ظبيان (6)

(1) انظر ذلك على سبيل المثال لا الحصر: التهذيب 1: 63، حديث 172 و 174 و 175 و 176، وصحيح البخاري 1: 60، وصحيح مسلم 1: 232، وسنن الدارمي 1: 181، وسنن أبي داود 1: 37، وسنن ابن ماجة 1: 156، وسنن النسائي 1: 81، وشرح معاني الآثار 1: 79، والمصنف لابن همام 1: 191.
(2) التهذيب 1: 361 حديث 1090.
(3) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن متعب الثقفي. أبو عيسى، وقبل أبو محمد. أسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها، روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وروى عنه أولاده. توفي في الكوفة سنة (49 ه‍) وهو أميرها من قبل معاوية بن أبي سفيان. التاريخ الكبير 7: 316، والإصابة 3: 432، وتهذيب التهذيب 10: 263.
(4) التهذيب 1: 361، حديث 1091، وروى ابن حجر في مجمع الزوائد 1: 256 عن ابن عباس أنه قال: ذكر المسح على الخفين عند عمر، وعنده سعد وعبد الله بن عمر، فقال عمر: سعد أفقه منك، فقال عبد الله بن عباس: يا سعد، إنا لا ننكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسح، ولكن هل مسح منذ نزلت المائدة، فإنها أحكمت كل شئ، وكانت آخر سورة نزلت من القرآن ألا تراه؟ قال: فلم يتكلم أحد. رواه الطبراني في الأوسط. (إنتهى).
(5) لم نقف على ترجمة له، وقد عده الشيخ الطوسي في رجاله: 141 من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام. جامع الرواء 2: 420، وتنقيح المقال (باب الكنى) 3: 37.
(6) أبو الظبيان: مشترك بين عدة من الرواة، ولعله الحصين بن قبيصة الفزاري، أو الحصين بن جندب =

[ 207 ]

حدثني أنه رأى عليا عليه السلام، أراق الماء، ثم مسح على الخفين. فقال كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي عليه السلام فيكم: سبق الكتاب الخفين؟ فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا، إلا من عدو تتقيه، أو ثلج تخاف على رجليك (1). مسألة 169: إذا ثبت بطلان المسح على الخفين مع الاختيار، فكل ما يتفرع على جوازه يسقط عنا، وإذا قلنا بجوازه عند الخوف والتقية، فما دام الخوف والتقية باقيين يجوز له المسح، ولا يتقدر ذلك بيوم وليلة ولا ثلاثة أيام، وسواء لبسهما على طهارة، أو غير طهارة وأما من أجاز مع الاختيار، فاختلفوا في مسائل أنا أذكرها، لئلا يشذ شئ من الخلاف في هذا الكتاب. منها: ما قاله الشافعي في الجديد: إنه يوقت للمقيم بيوم وليلة، وللمسافر بثلاثة أيام ولياليهن (2). ورووا ذلك عن علي عليه السلام، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعطاء، وشريح، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وإسحاق (3). وقال في القديم: يمسح أبدا من غير توقيت (4). وروي ذلك عن عمر، وابن

= ابن الحارث الجنبي، فإنهما سمعا علي بن أبي طالب عليه السلام ورويا عنه. التاريخ الكبير 3: 5، و 9: 47، وتهذيب التهذيب 2: 379. (1) التهذيب 1: 362 حديث 1092، والاستبصار 1: 76 حديث 236.
(3) الأم 1: 34، والمجموع 1: 482، والمغني لابن قدامة 1: 286، ومغني المحتاج 1: 64: وكفاية الأخيار 1: 31 (3) المجموع 1: 484، وشرح معاني الآثار 1: 81، والنتف 1: 18، ومسائل أحمد بن حنبل: 10، والمغني لابن قدامة 1: 286، وشرح فتح القدير 1: 102، والمصنف 1: 203.
(4) المجموع 1: 482، وكفاية الأخيار 1: 31.

[ 208 ]

عمر، وعائشة، والليث بن سعد (1) وهو إحدى الروايات عن مالك (2). وكلهم راعوا أن يكون قد لبس الخف على طهارة (3) ألا أبا حنيفة وأصحابه، والثوري، فإنهم أجازوا المسح عليهما وإن لبسهما على غير طهارة، وإذا طرأ الحدث على طهارة كاملة، بأن يغسل الأعضاء الأربعة، ويخوض بخفيه الماء، أو يصب فيهما الماء، فيغسل رجليه. فإذا طرأ بعد ذلك حدث جاز أن يتوضأ، ويمسح على خفيه (4). مسألة 170: ذهب الشافعي وأصحابه إلى أن ابتداء المدة يعتبر من وقت الحدث، فإذا مضى الوقت فقد انقطع حكم المسح، ولا يجوز له بعد ذلك أن يمسح، سواء كان قد مسح أو لم يمسح (5). وهو مذهب مالك، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه (6). وقال الأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور: ابتداء المدة محسوب من وقت المسح بعد الحدث (7). وهذا التفصيل يسقط عنا على ما قررنا (8) وإن أجزنا المسح عند الضرورة، لأن المراعى حصول الضرورة، فمتى زالت زال، ومتى بقيت جاز

(1) المجموع 1: 484، والمغني لابن قدامة 1: 286.
(2) المجموع 1: 481، والنتف 1: 18، والمغني لابن قدامة 1: 286، وكفاية الأخيار 1: 31، وعمدة القاري 3: 97.
(3) الأم 1: 33، وتفسير القرطبي 6: 101. وشرح فتح القدير 1: 102، ومغني المحتاج 1: 65، وعمدة القاري 3: 97، وكفاية الأخيار 1: 31.
(4) عمدة القاري 3: 102.
(5) الأم 1: 35، والمجموع 1: 486، وكفاية الأخيار 1: 31.
(6) المجموع 1: 487، وشرح فتح القدير 1: 101، والبحر الرائق 1: 180.
(7) المجموع 1: 487، وشرح العناية على الهداية بهامش فتح القدير 1: 102. والانصاف 1: 177.
(8) تقدم تقريره في المسألتين المتقدمتين.

[ 209 ]

المسح على ما بيناه. مسألة 171: إذا انقضت مدة جواز المسح عندهم، فالذي يلزمه الشافعي قولان، أحدهما: استئناف الطهارة (1) والثاني: غسل الرجلين (2) وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، والمزني، وكافة الفقهاء (3). وقال الحسن بن صالح بن حي، يصلي بالمسح إلى أن يحدث (4). وذهب داود إلى أنه إن نزع خفية جاز أن يصلي، وإن لم ينزعهما لم يجز (5). وهذه المسألة أيضا تسقط عنا، غير إنا إذا قلنا بالمسح عند الضرورة، فمتى زالت الضرورة، ينبغي أن نقول: يجب عليه أن يستأنف الوضوء، ولا يجوز له أن يبني لعدم الموالاة التي هي شرط عندنا في صحة الوضوء، ولا يجوز له أن يدخل في الصلاة إن لم يستأنف الوضوء، لأن هذا محدث، وأوجب الله تعالى عليه أن يتوضأ في الأعضاء الأربعة، وهذا لم يفعل ذلك إلا في الثلاثة، وقد بطل حكمها، لأن الموالاة قد بطلت. مسألة 172: إذا مسح في الحضر، ثم سافر، قال الشافعي: يمسح مسح مقيم (6) وبه قال أحمد، وإسحاق (7). وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: يمسح مسح مسافر (8).

(1) المجموع 1: 526، ومغني المحتاج 1: 68.
(2) المجموع 1: 526، ومغني المحتاج 1: 68.
(3) المجموع 1: 526، والهداية: 29، وشرح فتح القدير 1: 105.
(4) المجموع 1: 526، والمغني لابن قدامة 1: 287.
(5) المغني لابن قدامة 1: 287.
(6) الأم 1: 35، والمجموع 1: 488، والمغني لابن قدامة 1: 291، ومغني المحتاج 1: 65، وكفاية الأخيار 1: 31.
(7) المغني لابن قدامة 1: 291.
(8) المجموع 1: 488، والمغني لابن قدامة 1: 291.

[ 210 ]

وهذا أيضا يسقط عنا على التقرير الذي قررناه في حال الضرورة والاختيار (1). مسألة 173: قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق: إذا غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف، ثم غسل الرجل الأخرى وأدخلها الخف، لم يجز له المسح بعد ذلك، لأن من شرط جواز المسح أن يلبس الخفين معا على طهر كامل (2). وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري: أنه يجوز ذلك، لأن الاعتبار عندهم أن يطرأ الحدث على طهارة كاملة، ولا يراعى أن يلبس الخفين على الطهارة، بل لو لبس الخفين أولا ثم غسل الأعضاء الثلاثة، ثم خاض الماء حتى يصل الماء إلى رجليه، جاز له بعد ذلك المسح (3). وهذا يسقط عنا على ما قررناه، لأن تجويزنا للمسح في حال الضرورة، فلا فرق بين أن يكون قد لبسهما على طهارة أو على غير طهارة، لأن الأخبار على عمومها في جواز ذلك عند الضرورة (4). مسألة 174: إذا تخرق شئ من مقدم الخف بمقدار ما يمسح عليه، لم يجز له المسح على الخف أصلا، لأن عند ذلك تزول الضرورة، سواء كان ذلك قليلا أو كثيرا لا يقدر بحد. وقال الشافعي: إن تخرق من مقدم الخف شئ بان منه بعض الرجل، لم يجز أن يمسح على خف غير ساتر لجميع القدم، هذا قوله في الجديد (5) وبه قال

(1) تقدم تقريره في المسائل 44 و 168 و 169.
(2) المغني لابن قدامة 1: 282، وبداية المجتهد 1: 21، ومغني المحتاج 655، وعمدة القاري 3: 97، وفتح الباري 1: 310، وكفاية الأخيار 1: 29.
(3) بداية المجتهد 1: 21، وعمدة القاري 3: 97، وفتح الباري 1: 310.
(4) تقدمت الإشارة إليه في المسألة 168.
(5) الأم 1: 33، والمجموع 1: 496، والمغني لابن قدامة 1: 296، وبداية المجتهد 1: 19، وشرح فتح القدير 1: 104، والنتف 1: 20، وكفاية الأخيار 1: 29.

[ 211 ]

أحمد بن حنبل (1). وقال في القديم: إن تفاحش وكثر، لم يجز له المسح، وإن كان قليلا جاز (2) وبه قال مالك بن أنس (3). وقال الأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور: إن كان الخف بحيث لا يقع عليه الاسم، لم يجز، وإن كان يقع عليه الاسم جاز (4). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان الخرق قدر ثلاث أصابع لم يجز المسح، وإن نقص عن ذلك جاز، واعتبر أن يكون ذلك في كل واحد من الخفين (5). دليلنا: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم وأرجلكم " (6) فأوجب المسح على ما يسمى رجلا، والخف ليس برجل، وإنما أخرجنا أوقات الضرورة والتقية بدليل، وليس على غير ذلك دليل. مسألة 175: المتيمم إذا لبس الخف، ثم وجد الماء، فلا يجوز له أن يتطهر ويمسح على الخفين عند جميع الفقهاء (7) لأن التيمم لا يرفع الحدث، ومن شرط صحة المسح أن يلبس الخف على طهارة. وعندنا أنه لا يمسح في حال الاختيار، فأما حال الضرورة، فلا فرق بين أن يلبسهما على طهارة، أو على غير طهارة في جواز المسح عليهما، لأن عموم

(1) المجموع 1: 496، والمغني لابن قدامة 1: 296.
(2) المجموع 1: 496، وبداية المجتهد 1: 19، وكفاية الأخيار 1: 30.
(3) المدونة الكبرى 1: 40، وتفسير القرطبي 6: 101، والمغني لابن قدامة 1: 296، وشرح العناية على الهداية 1: 104.
(4) المجموع 1: 496، والمغني لابن قدامة 1: 296.
(5) الهداية 1: 28، والمجموع 1: 496، والمغني لابن قدامة 1: 296، وبداية المجتهد 1: 19، والنتف 1: 20، وشرح فتح القدير 1: 104، وتفسير القرطبي 6: 101.
(6) المائدة: 6.
(7) المجموع 1: 514 - 515، وشرح فتح القدير 1: 101.

[ 212 ]

الأخبار في ذلك يحمل على ظاهرها (1). مسألة 176: إذا تخرق ظاهر الخف وبقي بطانته، فإن كان صفيقا يمكن المشي عليه، قال الشافعي: يجوز المسح عليه (2) وإن لم يمكن المشي عليه متتابعا لم يجز وعندنا أنه لا يجوز المسح على الخف مع الاختيار، ومع الضرورة، لا فرق بين الظهارة والبطانة، وبين صفيقه ورقيقه. مسألة 177: قال الشافعي: كل خف اتخذ من شئ يمكن متابعة المشي عليه، جاز المسح عليه، سواء كان من جلد، أو لبد ثخين، أو خرق قد طبق بعضها على بعض، أو غير ذلك. وما لا يكون كذلك مما يتخذ من خشب، أو حديد، أو خرق صفيقة، وما أشبه ذلك، لا يجوز المسح عليه (3). وعندنا لا يجوز ذلك مع الاختيار، وعند الضرورة لا فرق بين جميع ذلك لعموم الأخبار (4). مسألة 178: إذا كان في الخف شرح، قال الشافعي: إن كان فوق الكعب لا يضره، وجاز المسح عليه. وإن كان دونه، فإن كان يبين منه الرجل: لا يجوز المسح، وإن كان لا يبين إذا مشى، جاز المسح (5). وعندنا إن الشرح إن كان يمكنه أن يدخل يده فيه أو اصبعا منها فيمسح على العضو، فلا يجوز أن يمسح عليهما، لأن الضرورة قد زالت. وإن لم يكن كذلك، جاز المسح عند الضرورة، ولا يجوز عند الاختيار، لعموم الأخبار (6).

(1) تقدمت الإشارة إليه في المسألة 173.
(2) الأم 1: 33، والمجموع 1: 497، وكفاية الأخيار 1: 30.
(3) الأم 1: 34، والمجموع 1: 495، ومغني المحتاج 1: 66، وكفاية الأخيار 1: 30.
(4) المتقدمة في المسألة 173.
(5) الأم 1: 36، والمجموع 1: 496، ومغني المحتاج 1: 67.
(6) الدالة على عدم جواز المسح عند الاختيار، وجوازه عند الاضطرار المتقدمة في المسألة 168.

[ 213 ]

مسألة 179: قال الشافعي: لا يجوز المسح على الجوربين، إلا إذا كانا منعلين (1) وقال أبو حنيفة: لا يجوز المسح عليهما على كل حال (2) وبه قال الشافعي في القديم (3). وقال بعض الناس: لا يجوز المسح على الجوربين إذا لم يكن لهما ساق. وذهب أحمد، وإسحاق: إلى أنه يجوز المسح على الجوارب كلها (4). وعندنا أنه لا يجوز المسح على الجوارب على جميع أنواعها، فإن خاف على نفسه جاز ذلك، وكان بمنزلة الخف. دليلنا: على المنع: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم وأرجلكم " (5) والجورب ليس برجل، فأما حال الضرورة، فيدل عليه قوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (6) وإيجاب المسح على العضو مع الخوف على النفس فيه حرج. مسألة 180: الجرموق (7) الذي يلبس فوق الخف فيه ثلاث مسائل: احداها: أن يكون التحتاني صحيحا، والفوقاني صحيحا. وللشافعي فيه قولان، أحدهما قاله في القديم، يجوز المسح عليه (8) وهو قول أهل العراق

(1) الأم 1: 34، والمجموع 1: 499، والمغني لابن قدامة 1: 295، وتفسير القرطبي 6: 102.
(2) المحلى 2: 86، وبداية المجتهد 1: 19، وحكى السرخسي في المبسوط 1: 102 إن أبا حنيفة مسح في مرضه على جوربيه، ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه.
(3) تحفة الأحوذي 1: 335.
(4) المغني لابن قدامة 1: 295، والمنهل العذب 2: 135، و 139.
(5) المائدة: 6.
(6) الحج: 78.
(7) الجرموق: كعصفور، خف واسع قصير يلبس فوق الخف. مجمع البحرين (مادة جرمق).
(8) المجموع 1: 503، والمغني لابن قدامة 1: 284، ومغني المحتاج 1: 67.

[ 214 ]

بأجمعهم (1) واختاره المزني (2). وقال في الجديد وفي الأم: لا يجوز، وبه قال أصحابه (3)، وهو مذهب مالك (4). والمسألة الثانية: أن يكون الفوقاني صحيحا، والذي تحته مخرقا، يجوز المسح عليه عندهم بلا خلاف. والثالثة: أن يكون التحتاني صحيحا والفوقاني مخرقا لا يجوز المسح عليه بلا خلاف عندهم. وعندنا لا يجوز مع الاختيار على واحد منهما على كل حال، ومع الضرورة والخوف يجوز على كل حال، مخرقا كان أحدهما أو غير مخرق إذا لم يمكنه المسح على العضو. مسألة 181: إذا مسح على الخفين ثم نزعهما، قال الشافعي في القديم، والأم، والبويطي، والاملاء: إنه يستأنف الطهارة، وعليه أصحابه وصححوه (5) وبه قال الأوزاعي، وأحمد وإسحاق (6). وقال في كتاب حرملة (7) وكتاب ابن أبي ليلى: يجزيه غسل الرجلين (8).

(1) الهداية 1: 29، وشرح فتح القدير 1: 106، والمبسوط للسرخسي 1: 102، وبدائع الصنائع 1: 101.
(2) الأم (مختصر المزني): 10.
(3) الأم 1: 34، والمجموع 1: 503، والمغني لابن قدامة 1: 284، ومغني المحتاج 1: 66، وبدائع الصنائع 1: 10.
(4) المدونة الكبرى 1: 40، والمجموع 1: 508، والمبسوط للسرخسي 1: 102.
(5) الأم 1: 36، ومختصر المزني: 10، والمجموع 1: 523، والمغني لابن قدامة 1: 288، وتفسير القرطبي 6: 103.
(6) المجموع 1: 527، والمغني لابن قدامة 1: 88.
(7) أبو نجيب، حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة المصري. روى عن ابن وهب والشافعي ولازمه، وروى عنه مسلم وابن ماجة وغيرهما. له المبسوط والمختصر، مات سنة (244) وقيل: (243 ه‍). (8) المجموع 1: 524.

[ 215 ]

وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه (1) واختاره المزني (2). وذهب مالك، والليث بن سعد إلى أنه: إن تطاولت المدة لزمه استئناف الطهارة، وإن لم تتطاول أجزأه غسل الرجلين (3). وذهب الحسن البصري، والنخعي إلى أنه: يجوز أن يصلي بالمسح إلى أن يحدث (4). واختلف أصحاب الشافعي في هذه المسألة، على أي شئ بناها الشافعي؟ فمنهم من قال: بناها على القولين في تفريق الوضوء. ومنهم من قال: بناها على المسح على الخف هل يرفع الحدث، أم لا؟. فإذا قال: لا يرفع الحدث، أجزأه غسل الرجلين، وإذا قال: يرفع، لزمه استئنافه، لأن نزع الخف ينقض طهارة الرجلين، فإذا انتقض بعضه انتقض جميعه، لأنها لا تتبعض (5). وهذا المسألة إذا فرضناها في المسح حال الضرورة، فمتى نزعهما وجب عليه استئناف الوضوء، ولا يجوز له البناء، لوجوب الموالاة التي هي شرط في صحة الوضوء، ولأنه لا يمكنه أن يمسح على الرجلين إلا بماء جديد، ولا يجوز عندنا أن يمسحهما بماء جديد، ولا يجوز أن نقول يصلي إلى أن يحدث، لأن الله تعالى أوجب عليه إيقاع الطهارة في الأعضاء الأربعة، وهذا ما فعل ذلك، فوجب أن لا يجزيه الدخول في الصلاة. مسألة 182: إذا أخرج رجليه إلى ساقي الخفين، بطل حكم المسح عند أبي

(1) تفسير القرطبي 6: 103، وشرح فتح القدير 1: 106، والمصنف 1: 210.
(2) الأم (مختصر المزني): 10.
(3) بداية المجتهد 1: 22، والمجموع 1: 527، والمغني لابن قدامة 1: 288، وتفسير القرطبي 6: 103.
(4) المجموع 1: 527، والمغني لابن قدامة 1: 288.
(5) المغني لابن قدامة 1: 288.

[ 216 ]

حنيفة والأوزاعي (1) وهو الذي يصححه أصحاب الشافعي، وهو قوله في الجديد (2)، وقال في القديم لا يبطل (3). وهذه أيضا ساقطة عنا على ما مضى، فإن فرضنا حال الضرورة، احتجنا أن نراعي بقاء الضرورة، فإن استمرت على تلك الحال أعاد الوضوء، وأعاد المسح على الخف. وإن كان قد زالت، استأنف الوضوء والمسح على الرجلين دون الخفين، بدلالة ما قد مضى في المسألة الأولى سواء (4). مسألة 183: قال الشافعي: المسنون أن يمسح أعلى الخف وأسفله (5) وبه قال عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، والزهري، ومالك (6). وقال قوم: المسح على الظاهر دون الباطن، وروي ذلك عن أنس بن مالك، وجابر، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (7). وهذه أيضا تسقط عنا لما قدمناه، فأما حال الضرورة فينبغي أن نقول: إن ظاهر الخف يمسح عليه دون باطنه، بدلالة أن هذا الموضع مجمع عليه، وما عداه

(1) المجموع 1: 527، وتفسير القرطبي 6: 103.
(2) الأم 1: 36، والمجموع 1: 511 و 527، وتفسير القرطبي 6: 103.
(3) المجموع 1: 527.
(4) انظر المسألة المتقدمة برقم: 181.
(5) المحلى 2: 111، والمجموع 1: 516، والمغني لابن قدامة 1: 297، وبداية المجتهد 1: 18، وتفسير القرطبي 6: 103، ومغني المحتاج 1: 67، وكفاية الأخيار 1: 32، وتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير 1: 160.
(6) الموطأ 1: 38، والأم (مختصر المزني): 10، والمجموع 1: 521، وتفسير القرطبي 6: 103، والمغني لابن قدامة 1: 297.
(7) الموطأ 1: 38، والمحلى 2: 111، والمجموع 1: 521، والمغني لابن قدامة 1: 297، وبداية المجتهد 1: 18، وتفسير القرطبي 6: 103، وشرح فتح القدير 1: 102.

[ 217 ]

ليس على وجوبه دليل. وأيضا روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: لو كان الدين بالقياس، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره (1). فدل على أن المسنون مسح الظاهر. مسألة 184: قال الشافعي إذا مسح على الخف ما يقع عليه اسم المسح أجزأه، قل ذلك أم كثر، وسواء مسحه بيده أو بأي شئ كان (2). وقال أبو حنيفة: يجب أن يمسح قدر ثلاث أصابع بثلاث أصابع (3) فقدر الممسوح والممسوح به، حتى قال: إن مسح قدر ثلاث أصابع بأصبع واحدة، لم يجزه. وقال زفر: إذا مسح قدر ثلاث أصابع بإصبع واحدة أجزأه (4). وهذا أيضا يسقط عنا مع الاختيار، فأما حال الضرورة والتقية فإنه يمسح مقدار ما يقع عليه اسم المسح، لأن ذلك يتناوله الاسم، ولأن ذلك مجمع عليه، وما زاد عليه ليس عليه دليل. مسألة 185: إذا أصاب أسفل الخف نجاسة، فدلكه في الأرض حتى زالت، تجوز الصلاة فيه عندنا. وبه قال الشافعي قديما (5) وقال: عفي له عن

(1) سنن أبي داود 1: 42 حديث 162، وسنن الدار قطني 1: 205 حديث 4 وتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي 1: 160 وفيها ما لفظه: " عن علي رضي الله عنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح على ظاهر خفيه ".
(2) المجموع 1: 522، والمغني لابن قدامة 1: 298، وكفاية الأخيار 1: 31، ومغني المحتاج 1: 67.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 100، والهداية 1: 28، والمجموع 1: 522، والمغني لابن قدامة 1: 298، وشرح فتح القدير 1: 103.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 100.
(5) المنهل العذب 3: 266.

[ 218 ]

ذلك مع بقاء النجاسة (1). وبه قال أبو حنيفة، وعامة أصحاب الحديث (2). وقال الشافعي في الجديد، وهو الذي صححه أصحابه: إنه لا يجوز ذلك (3). دليلنا: إنا بينا فيما تقدم (4) إن ما لا تتم الصلاة فيه بانفراده، جازت الصلاة فيه وإن كانت فيه نجاسة، والخف لا تتم الصلاة فيه بانفراده، وعليه إجماع الفرقة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه بالأرض " (5). مسألة 186: الأرض إذا أصابتها نجاسة مثل البول وما أشبهه، وطلعت عليها الشمس وهبت عليها الريح حتى زالت عين النجاسة، فإنها تطهر، ويجوز السجود عليها، والتيمم بترابها وإن لم يطرح عليها الماء، وبه قال الشافعي في القديم. وقال أبو حنيفة تطهر ويجوز الصلاة عليها ولا يجوز التيمم بها (6). وقال الشافعي في الجديد، واختاره أصحابه: أنها لا تطهر، ولا بد من إكثار الماء عليها (7). (1) حاشية الجمل على شرح المنهج 1: 143.
(2) الهداية 1: 34، والمنهل العذب 3: 266.
(3) مغني المحتاج 1: 68، والمنهل العذب 3: 267.
(4) كذا في جميع النسخ، وصوابه: (سنبين فيما يأتي). انظر مسألة 223 من كتاب الصلاة، باب ما لا تتم فيه الصلاة.
(5) روى الحاكم في مستدركه 1: 166، ما لفظه: (إذا وطئ أحدكم بنعليه في الأذى فإن التراب له طهور).
(6) الهداية 1: 35، والنتف 1: 33، والمنهل العذب 3: 261.
(7) الأم 1: 52، والهداية 1: 35، والنتف 1: 33، والمنهل العذب 3: 262.

[ 219 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (1) والطيب ما لم يعلم فيه نجاسة، ومعلوم زوال النجاسة عن هذه الأرض، وإنما يدعى حكمها وذلك يحتاج إلى دليل. وروى عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الشمس هل تطهر الأرض؟ قال: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك، فأصابته الشمس، ثم يبس الموضع، فالصلاة على الموضع جائزة (2). وروى أبو بكر الحضرمي، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: يا أبا بكر، ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر (3). مسألة 187: غسل الجمعة والأعياد مستحب، وبه قال جميع الفقهاء (4). وذهب أهل الظاهر داود وغيره إلى أنه واجب (5)، وروي ذلك عن كعب الأحبار (6). دليلنا: على ذلك: إجماع الفرقة، وأما الوجوب فالأصل براءة الذمة،

(1) النساء: 43.
(2) التهذيب 1: 272 قطعة من الحديث 802، ورواه أيضا في المصدر السابق وبلفظ آخر 2: 372 حديث 1548، والاستبصار 1: 193 حديث 675.
(3) التهذيب 1: 273 حديث 804، والاستبصار 1: 193 حديث 677.
(4) شرح معاني الآثار 1: 120، ومقدمات ابن رشد 1: 43، والأم 1: 38، والمبسوط للسرخسي 1: 89، والمجموع 2: 201، والهداية 1: 17، والنتف 1: 32، وكفاية الأخيار 1: 26، وشرح فتح القدير 1: 44، وكنز الدقائق 1: 4، ونيل الأوطار 1: 290، والمنهل العذب 3: 200.
(5) المحلى 2: 8، وكفاية الأخيار 1: 26. وأوجبه مالك، والحسن البصري، كما حكاه عنهما السرخسي في المبسوط 1: 89، والمرغيناني في الهداية 1: 17، والمنهل العذب 3: 200.
(6) أبو إسحاق، كعب بن ماتع الحميري، المعروف بكعب الأحبار، من آل ذي رعين، وقيل: من ذي كلاع. يروي عن النبي صلي الله عليه وآله مرسلا، وعن عمر وعائشة وصهيب، وعنه معاوية وأبو هريرة وغيرهم، مات سنة (34 ه‍). التاريخ الكبير 7: 223، والكامل في التاريخ 3: 153، وتهذيب التهذيب 8: 438.

[ 220 ]

وشغلها بواجب يحتاج إلى دليل. وروى علي بن يقطين (1) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الغسل في الجمعة، والأضحى، والفطر؟ قال: سنة وليس بفريضة (2). وروى زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن غسل الجمعة؟ قال: سنة في السفر والحضر، إلا أن يخاف المسافر على نفسه القر (3) (4). وروى علي بن أبي حمزة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل العيدين، أواجب هو؟ قال: هو سنة، قلت: فالجمعة؟ فقال: هو سنة (5). مسألة 188: يجوز غسل الجمعة من عند طلوع الفجر إلى عند الزوال، وكلما قرب إلى الزوال كان أفضل. فإن اغتسل قبل طلوع الفجر لم يجزه، وبه قال الشافعي: إلا أنه قال: وقت الاستحباب وقت الرواح (6). وقال الأوزاعي: إذا اغتسل قبل طلوع الفجر، وراح عقيب الغسل أجزأه (7) وقال مالك: يحتاج إلى أن يغتسل ويروح، فإن اغتسل ولم يرح لم يجزه (8)

(1) علي بن يقطين بن موسى الكوفي البغدادي، مولى بني أسد. ثقة جليل القدر، له منزلة عظيمة عند الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، عظيم الشخصية لدى الطائفة، رويت في حقه مدائح كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام. عده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام. ولد سنة (124) بالكوفة، وتوفي ببغداد سنة (182 ه‍). رجال الكشي 431، ورجال الطوسي: 354.
(2) التهذيب 1: 112 حديث 295، والاستبصار 1: 102 حديث 333.
(3) القر: بالضم والتشديد، البرد القارص. وقيل: برد الشتاء خاصة. أقرب الموارد 2: 982 (مادة قرر).
(4) التهذيب 1: 112، حديث 296، والاستبصار 1: 102 حديث 334.
(5) التهذيب 1: 112 حديث 297، والاستبصار 1: 103 حديث 335.
(6) المجموع 2: 201، والمنهل العذب 3: 203.
(7) المحلى 2: 22، والمنهل العذب 3: 203.
(8) المحلى 2: 22، والمنهل العذب 3: 203.

[ 221 ]

دليلنا: على ذلك: إجماع الفرقة، وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " غسل يوم الجمعة واجب " (1) فأضافه إلى اليوم، وقبل طلوع الفجر ليس من يوم الجمعة. مسألة 189: إذا كان جنبا، فاغتسل ونوى به الجنابة، والجمعة أجزأ عنهما، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي (2). وقال مالك: لا يجزي حتى يفرد كل واحد منهما (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد روى زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة، والجمعة، وعرفة، والنحر، والذبح، والزيارة. فإذا اجتمعت لله تعالى عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد. قال: ثم قال: وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها، وإحرامها، وجمعتها، وغسلها من حيضها، وعيدها (4). مسألة 190: إذا اغتسل غسلا واحدا لم ينو به غسل الجنابة ولا غسل الجمعة، فإنه لا يجزيه عن واحد منهما. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة، يجزيه. دليلنا: ما دللنا به على أن الوضوء والغسل لا بد فيهما من نية (6) فإذا لم ينو فيجب أن لا يكون مجزيا، وفي ثبوت ذلك ثبوت هذا، لأن أحدا لا يفرق.

(1) صحيح البخاري 2: 3، وصحيح مسلم 2: 580، وسنن الدارمي 1: 361، وسنن ابن ماجة 1: 346 حديث 1089، وموطأ مالك 1: 102 حديث 5.
(2) المجموع 1: 326، ومغني المحتاج 1: 76، والمنهل العذب 3: 204.
(3) المحلى 2: 44.
(4) التهذيب 1: 107 حديث 279: وفي الكافي 3: 41 حديث 1 بألفاظ أخرى.
(5) المجموع 1: 325، والمنهل العذب 1: 204.
(6) تقدم بيانه في المسألة: 18.

[ 222 ]

مسألة 191: إذا اغتسل ونوى به غسل الجنابة دون غسل الجمعة، أجزأه عنهما. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: أن يجزيه عن الغسل من الجنابة والغسل من الجمعة. والآخر: إنه يجزيه عن غسل الجنابة لا غير (1)، وهذا يقوى عندي أيضا وقال أبو حنيفة: يجزي عنهما. دليلنا: على جوازه عنهما: عموم الخبر الذي قدمناه (2) وما جاء من الأخبار من أنه إذا اغتسل غسلا واحدا أجزأه عن الأغسال الكثيرة (3)، ولم يفصلوا. مسألة 192: إذا اغتسل بنية غسل الجمعة دون غسل الجنابة، لم يجزه عن واحد منهما. وقال الشافعي: لا يجزيه عن الجنابة، وفي إجزائه عن الجمعة قولان (4). وعند أبي حنيفة يجزيه عنهما بناءا منه على أن النية غير واجبة، وقد دللنا على وجوبها (5) وإذا ثبت وجوب النية، ولم ينو الغسل من الجنابة، فوجب أن لا يجزيه عنها. وإذا لم يجز عنه لا يصح إجزاؤه عن غسل الجمعة، لأن غسل الجمعة إنما يراد به التنظيف وزيادة التطهير، ومن هو جنب لا يصح منه ذلك. مسألة 193: الغسل من غسل الميت واجب عند أكثر أصحابنا، وعند بعضهم أنه مستحب وهو اختيار المرتضى (6).

(1) المجموع 1: 326.
(2) تقدم في المسألة: 189.
(3) نحو ما في الكافي 3: 41 حديث 1 و 2، و 3: 83 حديث 1 و 2. والتهذيب 1: 395، حديث 1223 و 1225 و 1229، والاستبصار 1: 146 - 147 حديث 502 - 506.
(4) المجموع 1: 325.
(5) تقدم ذلك في المسألة 18.
(6) قال السيد المرتضى قدس سره في جمل العلم والعمل: 54 بعد أن عد نواقض الطهارة وجعلها في =

[ 223 ]

وقال الشافعي: وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري، ومالك، وعامة الفقهاء: إنه مستحب وليس بواجب (1) وكذلك الوضوء. وقال أحمد الوضوء من مسه واجب، والغسل ليس بواجب (2). دليلنا: طريقة الاحتياط، فإن من اغتسل من مسه لا خلاف في كونه طاهرا، وإذا لم يغتسل فيه خلاف. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الغسل من غسل الميت، والوضوء من مسه " (3) وفي خبر آخر: " من غسل ميتا فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ " (4). وروى سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: غسل من غسل ميتا واجب (5). وروى يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الغسل في سبعة عشر موطنا منها الفرض ثلاثة: غسل الجنابة، وغسل من غسل ميتا،

= ضربين (الثاني: ما يوجب الغسل... وقد ألحق بعض أصحابنا بذلك مس الميت ". ويظهر من المراسم: 40 تردد سلار في ذلك. (1) الأم 1: 38، والمحلى 2: 24، والمجموع 2: 203، وكنز الدقائق 1: 4، وكفاية الأخيار 1: 27، والمنهل العذب 3: 213.
(2) قال السبكي في المنهل العذب 3: 213: وقال النخعي وأحمد وإسحاق يتوضأ غاسل الميت، وقال أحمد لا يثبت في الاغتسال من غسل الميت حديث.
(3) في الجامع الصغير (الغسل من الغسل والوضوء من الحمل) نقلا عن ضياء المقدسي في المختارة عن أبي سعيد.
(4) روى ابن ماجة في سننه 1: 470 عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من غسل ميتا فليغتسل)، ورواه أبو داود في سننه 3: 201 قال: (من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ).
(5) من لا يحضره الفقيه 1: 45 حديث 176، والتهذيب 1: 104 حديث 270.

[ 224 ]

والغسل للاحرام (1). وقد بينا الكلام على ما اختلف من أخبارنا في ذلك في الكتابين المقدم ذكرهما (2).

(1) التهذيب 1: 105 حديث 271، والاستبصار 1: 98 حديث 316. وفيه زيادة بعض الألفاظ.
(2) الاستبصار 1: 99، والتهذيب 1: 103.

[ 225 ]

كتاب الحيض و مسائل في الاستحاضة والنفاس مسألة 194: وطئ الحائض في الفرج محرم بلا خلاف (1) فإن وطأها جاهلا بأنها حائض، أو جاهلا بتحريم ذلك فلا شئ عليه (2) وإن كان عالما بهما أثم، واستحق العقاب، ويجب عليه التوبة بلا خلاف في جميع ذلك، وكان عليه عندنا الكفارة إن كان في أول الحيض دينار، وإن كان في وسطه نصف دينار، وإن كان في آخره ربع دينار. وبه قال الشافعي في القديم (3) وإليه ذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحق، إلا أنهم لم يقولوا: إن عليه في آخره شيئا (4). وقال في الجديد لا كفارة عليه وإنما عليه الاستغفار بالتوبة (5) وبه قال

(1) المحلى 2: 162، والمجموع 2: 358، وعمدة القاري 3: 266، والمغني لابن قدامة 1: 306. وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 334، والمنهل العذب 3: 37.
(2) المجموع 2: 359، وعمدة القاري 3: 266، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 334، والمنهل العذب 3: 53.
(3) المجموع 2: 359، وعمدة القاري 3: 266، والمغني لابن قدامة 1: 336، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 334، وتحفة الأحوذي 1: 423.
(4) المحلى 2: 187، وسنن الترمذي 1: 246، والمغني لابن قدامة 1: 336، وعمدة القاري 3: 266، والمنهل العذب 3: 46، وتحفة الأحوذي 1: 423.
(5) المجموع 2: 359، والمغني لابن قدامة 1: 333، وبداية المجتهد 1: 57، وعمدة القاري 3: 266، وكفاية =

[ 226 ]

أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والثوري (1). دليلنا: على وجوب الكفارة: طريقة الاحتياط، فإنه إذا كفر برءت ذمته بلا خلاف، واختلفوا إذا لم يكفر. وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال فيمن يأتي أهله وهي حائض: " يتصدق بدينار، أو نصف دينار " (2)، وعليه إجماع الفرقة. وروى داود بن فرقد (3) عن أبي عبد الله عليه السلام في كفارة الطمث، أنه يتصدق إذا كان في أوله بدينار، وفي وسطه نصف دينار، وفي آخره ربع دينار (4). وقد تكلمنا على اختلاف الأخبار في هذا المعنى في الكتابين المقدم ذكرهما (5). مسألة 195: مباشرة المرأة فيما فوق السرة وتحت الركبة إلى القدم مباح، بلا خلاف (6) وما بين السرة إلى الركبة غير الفرج فيه خلاف. فعندنا أنه لا بأس به واجتنابه أفضل، وبه قال محمد بن الحسن، ومالك

(1) الأخيار 1: 49، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 334، والمنهل العذب 3: 46، وتحفة الأحوذي 1: 423. (1) المجموع 2: 360، وبداية المجتهد 1: 57، والمغني لابن قدامة 1: 333، والنتف في الفتاوى 1: 136، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 334، والمنهل العذب 3: 46، وتحفة الأحوذي 1: 423.
(2) مسند أحمد بن حنبل 1: 230، 237، 286، 312، 339، وسنن أبي داود 1: 69 حديث 264 و 2: 251 حديث 2168، وسنن النسائي 1: 153 و 188، وسنن ابن ماجة 1: 210 حديث 640. (3) داود بن فرقد، مولى بني السمال الأسدي، النصري، كوفي، ثقة ثقة، له كتاب عده الشيخ من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. النجاشي: 121، ورجال الطوسي 189، 349، والفهرست للطوسي: 68.
(4) التهذيب 1: 164 حديث 471، والاستبصار 1: 134 حديث 459.
(5) الاستبصار 1: 133 باب 80، والتهذيب 1: 163 - 165.
(6) المجموع 2: 364، والمحلى 2: 176، ومقدمات ابن رشد 1: 87، والمغني لابن قدامة 1: 333، وعمدة القاري 3: 266، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 335، والمنهل العذب 3: 53.

[ 227 ]

واختاره أبو إسحق المروزي (1). وقال الشافعي وأصحابه، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف: إن ذلك محرم (2). دليلنا: عليه إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " (3) فأباح الوطء كيف نشاء، فوجب حملها على العموم إلا ما أخرجه الدليل. وأيضا قوله: " ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض " (4) والمحيض عند أهل اللغة موضع الحيض، فوجب أن يكون ما عداه مباحا، وأيضا الأصل الإباحة. وروى إسحق بن عمار (5) عن عبد الملك بن عمرو (6)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عما لصاحب المرأة الحائض منها؟ قال: كل شئ منها ما عدا القبل بعينه (7).

(1) المجموع 2: 363، وعمدة القاري 3: 266، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 335، والمنهل العذب 3: 53.
(2) المحلى 2: 176، والمجموع 2: 362، وعمدة القاري 3: 266، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 335، ومغني المحتاج 1: 110، والمنهل العذب 3: 53، وكفاية الأخيار 1: 49.
(3) البقرة: 223.
(4) البقرة: 222.
(5) إسحاق بن عمار، مشترك بين ابن حيان الكوفي الصيرفي، مولى تغلب، حيث عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، ووثقه النجاشي. وبين ابن موسى الساباطي الذي ذكره في الفهرست قائلا: له أصل، وكان فطحيا، إلا أنه ثقة، وأصله معتمد عليه. النجاشي: 55، ورجال الطوسي: 149، 342، والفهرست: 15.
(6) عبد الملك بن عمرو الأحول، العربي، الكوفي. روى عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وذكره العلامة في القسم الأول من الخلاصة. رجال الطوسي: 266، والخلاصة: 115، وجامع الرواة: 521.
(7) التهذيب 1: 154 حديث 437، والاستبصار 1: 128 حديث 438، والكافي 5: 538 حديث 1.

[ 228 ]

وروى هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يأتي المرأة فيما دون الفرج وهي حائض؟ قال لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع (2) وقد بينا الكلام في مختلف الأخبار من طريق أصحابنا (3). مسألة 196: إذا انقطع دم الحيض جاز لزوجها وطأها إذا غسلت فرجها، سواء كان ذلك في أقل الحيض، أو في أكثره، وإن لم تغتسل. وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لأكثر مدة الحيض، وهو عشرة أيام، حل وطؤها، ولم يراع غسل الفرج (4) وإن انقطع فيما دون العشرة أيام لم يحل ذلك، إلا بعد أو توجد ما ينافي الحيض، وهو أن تغتسل أو تتيمم وتصلي، فإن تيممت ولم تصل لم يجز وطؤها، فإن خرج عنها الوقت ولم تصل جاز وطؤها (5): وقال الشافعي: لا يحل وطؤها إلا بعد أن تستبيح فعل الصلاة، إما بالغسل مع وجود الماء، أو بالتيمم عند عدمه، فأما قبل استباحة الصلاة فلا يجوز وطؤها على حال (6)، وبه قال الحسن البصري، وسليمان بن يسار، والزهري، وربيعة ومالك، والليث بن سعد، والثوري (7).

(1) هشام بن سالم الجواليقي، الجعفي، العلاف، مولى بشر بن مروان، أبو محمد، أو أبو الحكيم. ثقة، له أصل وكان من سبي الجوزجان، روى الكشي في مدحه روايات، وعده الشيخ من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. رجال الكشي: 275، ورجال النجاشي: 338، والفهرست: 174، ورجال الطوسي: 329، 363.
(2) التهذيب 1: 154، حديث 438، والاستبصار 1: 129 حديث 439.
(3) التهذيب 1: 153 - 155، والاستبصار 1: 128 - 130.
(4) المحلى 2: 173، والمجموع 2: 370، والمغني لابن قدامة 1: 338، وبداية المجتهد 1: 55، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 336.
(5) المجموع للنووي 2: 370.
(6) الأم 1: 59، والمجموع 2: 370، وبداية المجتهد 1: 55، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 336، ومغني المحتاج 1: 110.
(7) المحلى 2: 173، والمجموع 2: 370، والمغني لابن قدامة 1: 338، وشرح النووي لصحيح =

[ 229 ]

دليلنا: قوله تعالى: " ولا تقربوهن حتى يطهرن " (1) فعلق حظر الوطء بزمان الحيض إلى زمان حصول الطهر، ولم يفصل، وهذه قد طهرت فيجب أن يستباح وطؤها إلا ما أخرجه الدليل من وجوب غسل الفرج. ولا ينافي ذلك قوله " فإذا تطهرن " (2) فإن المراد به الاغتسال من وجوه. أحدها: أن يكون هذا كلاما مستأنفا، ولا يكون شرطا، ولا غاية لزمان الحظر. والثاني: أن يكون " تطهرن " بمعنى طهرن لأن تفعل يجئ بمعنى فعل، يقال: تطعمت الطعام وطعمته بمعنى واحد. والثالث: أن يحمل ذلك على غسل الفرج، وأيضا عليه إجماع الفرقة. وروى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن المرأة (3) ينقطع عنها دم الحيض في آخر أيامها، فقال: إن أصاب زوجها شبق (4)، فلتغسل فرجها ثم يمسها زوجها إن شاء قبل أن تغتسل (5). وروى علي بن يقطين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا انقطع الدم ولم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء (6). مسألة 197: المستحاضة إن كان لها طريق تميز بين دم الحيض والاستحاضة رجعت إليه، فإن كان لها عادة مثل ذلك ترجع إليها، وإن

= مسلم 2: 336. (1) (2) البقرة: 222.
(3) كذا في الأصل. ولكن المنقول في المصادر الحديثية [ عن أبي جعفر عليه السلام في المرأة... ].
(4) الشبق: شدة الغلمة وطلب النكاح، يقال رجل شبق وامرأة شبقة. انظر لسان العرب 12: 37 مادة (شبق).
(5) الكافي 5: 39 حديث 1، والتهذيب 1: 166 حديث 475، و 7: 486 حديث 1952، والاستبصار 1: 135 حديث 463.
(6) التهذيب 1: 166 حديث 476، وفي الاستبصار 1: 135 حديث 464 بسند آخر.

[ 230 ]

كانت مبتدئة ميزت بصفة الدم، فإن لم يتميز لها رجعت إلى عادة نسائها، أو قعدت في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بالتمييز بل الاعتبار بالعادة (2)، فإن كانت لها عادة رجعت إليها، وإن لم تكن لها عادة، وكانت مبتدئة فإنها تتحيض أكثر الحيض عنده وهو عشرة أيام، فإن كان لها عادة نسيتها، فإنها تحيض أقل الحيض وهو ثلاثة أيام. وقال مالك: الاعتبار بالتمييز فقط (3) فإن كان لها تمييز رجعت إليه، وإن لم يكن لها تمييز فإنها تصلي أبدا لأنه ليس لأقل الحيض عنده حد (4)، وتعتبر هذا في الشهر الثاني والثالث، وأما في الشهر الأول ففيه روايتان إحداهما: إنها لا تعتبر أيضا فيه، فتصلي في جميعه. والثانية: إنها تعتبر بعادة أقرانها فتحيض ذلك العدد، فإن انقطع دمها وإلا استظهرت بثلاثة أيام، فإن انقطع الدم اغتسلت وصلت، وإن لم ينقطع دمها في الثالث جعلها في حكم الطاهرات، فاغتسلت وصلت جميع الصلوات. دليلنا: إجماع الفرقة. وروى ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري (5) قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام امرأة سألته عن المرأة يستمر بها دم، فلا تدري أحيض هو أو غيره؟ فقال لها: إن دم الحيض حار عبيط أسود له دفع

(1) الأم 1: 61، والمجموع 2: 396، والمغني لابن قدامة 1: 330.
(2) المغني لابن قدامة 1: 311.
(3) المغني لابن قدامة 1: 315.
(4) المدونة الكبرى 1: 52، وأحكام القرآن للجصاص 1: 339.
(5) حفص بن البختري البغدادي، الكوفي، مولى، ثقة، عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام تارة وأخرى من أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام، وذكر أن له أصلا يرويه عنه ابن أبي عمير. النجاشي: 103، ورجال الطوسي: 177، 347، والفهرست: 61.

[ 231 ]

وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة، قال: فخرجت وهي تقول: والله لو كان امرأة ما زاد على هذا (1) فهذا دليل على أبي حنيفة في منعه من اعتبار التمييز. وأما دليلنا على مالك في اعتبار العادة فيما رواه إسحق بن جرير (2) قال: سألتني امرأة منا أن أدخلها على أبي عبد الله عليه السلام، فاستأذنت لها فأذن لها، فدخلت ومعها مولاة لها، فقالت: يا أبا عبد الله، ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها؟ قال: إن كانت أيام حيضها دون عشرة أيام، استظهرت بيوم واحد، ثم هي مستحاضة. قالت: إن الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال: تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين. قالت: إن أيام حيضها تختلف عليها، وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة ويتأخر مثل ذلك فما علمها به. قال دم الحيض ليس له خفاء، هو دم حار تجد به حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد. قال فالتفتت إلى مولاتها فقالت: أتراه كان امرأة؟ (3) فهذا الخبر يتضمن ذكر التمييز والعادة معا. واستدل الشافعي على صحة ذلك أيضا بخبر أم سلمة (4) ونص النبي

(1) التهذيب 1: 151 حديث 429، والكافي 3: 91 حديث 1.
(2) إسحاق بن جرير بن يزيد بن عبد الله البجلي، الكوفي، أبو يعقوب، ثقة، له كتاب عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق والإمام الكاظم عليما السلام. النجاشي: 55. والفهرست: 15، ورجال الطوسي: 149، 343.
(3) الكافي 3: 91 حديث 3، والتهذيب 1: 151 حديث 431.
(4) أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة، وقيل سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية، زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأفضلهن بعد أم المؤمنين خديجة عليها السلام، ومن فضائلها تسليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياها تربة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام وإخباره لها بأنها متى فاضت دما فاعلمي أن الحسين قد قتل. وقد ورد في وثاقتها روايات كثيرة. عدها الشيخ الطوسي وجماعة من الصحابة. ماتت سنة =

[ 232 ]

صلى الله عليه وآله في الرجوع إلى العادة فإنه قال: " لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر " (1). واستدل على أبي حنيفة بحديث فاطمة بنت أبي حبيش (2). وقول النبي صلى الله عليه وآله لها: " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " (3). وقال في خبر آخر: " إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضأي وصلي " (4). مسألة 198: يستحب للمرأة الحائض أن تتوضأ وضوء الصلاة عند كل صلاة، وتقعد في مصلاها، وتذكر الله تعالى بمقدار زمان صلاتها كل يوم، ولم يوافقنا على هذا أحد من الفقهاء (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم.

= (61 ه‍). رجال الطوسي: 32، والكامل في التاريخ 4: 93، والمنهل العذب 2: 331، والدر المنثور في طبقات ربات الخدور: 531. (1) مسند أحمد بن حنبل 6: 320، وبلفظ قريب منه: 293، وسنن أبي داود 1: 71 حديث 274.
(2) فاطمة بنت أبي حبيش قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، القرشية، الأسدية، تعد من النساء المهاجرات، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث الاستحاضة، وروى عنها عروة بن الزبير. الاستيعاب بهامش الإصابة 4: 371، وتهذيب التهذيب 12: 442.
(3) الكافي 3: 83 حديث 1، والتهذيب 1: 381 حديث 1183، وصحيح البخاري 1: 80 و 84 و 86 و 64، وصحيح مسلم 1: 262 حديث 333، ومسند أحمد بن حنبل 6: 83 وبلفظ آخر في 129 و 141 و 187 من نفس الجزء، وسنن ابن ماجة 1: 203 و 204 حديث 621 و 624، وسنن النسائي 1: 122 و 181 و 185 و 186 وبلفظ آخر في 121 و 124، وسنن أبي داود 1: 74 حديث 282، وسنن الترمذي 1: 217 حديث 125، وموطأ مالك 1: 61 حديث 104.
(4) سنن النسائي 1: 123 و 185، وسنن أبي داود 1: 75 حديث 286.
(5) انظر المجموع للنووي 2: 353.

[ 233 ]

روى زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ينبغي للحائض أن تتوضأ عند وقت كل صلاة، ثم تستقبل القبلة فتذكر الله عز وجل مقدار ما كانت تصلي (1). وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا كانت المرأة طامثا، فلا تحل لها الصلاة، وعليها أن تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة، ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله عز وجل وتسبحه وتهلله وتحمده بمقدار صلاتها، ثم تفرغ لحاجتها (2). مسألة 199: المستحاضة إذا كثر دمها حتى ثقب الكرسف، وسال عليه كان عليها ثلاثة أغسال في اليوم والليلة، تجمع بين كل صلاتين، تصلي الظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء الآخرة بغسل، والغداة بغسل، ولم يقل أحد من الفقهاء بوجوب هذه الأغسال (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، لأنها إذا فعلت ما قلنا أدت صلاتها بيقين، وإذا لم تفعل لم تؤد بيقين. وروى سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين، وللفجر غسلا، فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة، والوضوء لكل صلاة (4). وروى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر فتصلي الظهر والعصر، ثم تغتسل عند المغرب فتصلي

(1) الكافي 3: 101 حديث 3، والتهذيب 1: 159 حديث 455.
(2) الكافي 3: 101 حديث 4، والتهذيب 1: 159 حديث 456. (3) انظر سنن الترمذي 1: 221، والأم 1: 61 - 62، ومعجم فقه ابن حزم 2: 323، والمغني لابن قدامة 1: 341، وتحفة الأحوذي 1: 393.
(4) الكافي 3: 89 حديث 4، والتهذيب 1: 170 حديث 485.

[ 234 ]

المغرب والعشاء ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر (1) مسألة 200: المبتدئة بالحيض إذا استمر بها الدم الشهر والشهرين، ولا يتميز لها دم الحيض من دم الاستحاضة، رجعت إلى عادة نسائها، وعملت عليها، فإن لم تكن لها نساء، أو كن مختلفات، تركت الصلاة في الشهر الأول ثلاثة أيام أقل الحيض، وفي الشهر الثاني عشرة أيام أكثر الحيض. وقد روي أنها تترك الصلاة في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام (2). وللشافعي فيه قولان، أحدهما: مثل قولنا في اعتبار سبعة أيام أو ستة (3)، والآخر: إنها تعمل على أقل الحيض في كل شهر وهو يوم وليلة (4). دليلنا: إجماع الفرقة على هاتين الروايتين. والوجه في الجمع بينهما التخيير. وروى سماعة قال: سألته عن جارية حاضت أول حيضها، فدام دمها ثلاثة أشهر، وهي لا تعرف أيام أقرائها، قال: أقراؤها مثل أقراء نسائها فإن كن نساؤها مختلفات، فأكثر جلوسها عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام (5). وروى عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها، فاستمر الدم، تركت الصلاة عشرة أيام، ثم تصلي عشرين يوما فإن استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيام وصلت سبعة وعشرين يوما (6).

(1) الكافي 3: 90 حديث 5، والتهذيب 1: 171 حديث 487.
(2) رواه أبو داود في سننه 1: 76، والترمذي في سننه أيضا 1: 221، عن عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة - إلى قوله صلى الله عليه وآله - فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام... إلى آخر الحديث.
(3) الأم 1: 61، والمجموع 2: 396، والمغني لابن قدامة 1: 330.
(4) الأم 1: 61، والمجموع 2: 396، والمغني لابن قدامة 1: 330، وأحكام القرآن للجصاص 1: 339 و 347.
(5) الكافي 3: 79 حديث 3، والتهذيب 1: 380 حديث 1181، والاستبصار 1: 138 حديث 471.
(6) التهذيب 1: 381 حديث 1182، والاستبصار 1: 137 حديث 469.

[ 235 ]

مسألة 201: الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر، سواء كانت أيام العادة، أو الأيام التي يمكن أن تكون حائضا فيها، وعلى هذا أكثر أصحاب الشافعي (1). وذهب الاصطخري (2) من أصحابه إلى أن ذلك إنما يكون حيضا إذا وجد في أيام العادة دون غيرها. وبه قال أبو إسحق المروزي، ثم رجع عنها إلى القول الأول، وقال: وجدت نص الشافعي على أن الكدرة والصفرة في أيام الحيض حيض (3)، والمعتادة والمبتدئة في ذلك سواء. وقال أبو يوسف، ومحمد: الصفرة والحمرة حيض، وأما الكدرة فليس بحيض، إلا أن يتقدمها دم أسود (4). دليلنا: على صحة ما ذهبنا إليه: إجماع الفرقة، وقد بينا أن إجماعها حجة. وأيضا روى محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن المرأة ترى الصفرة في أيامها؟ فقال: لا تصل حتى تنقضي أيامها، وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت (5). وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال في المرأة ترى الصفرة، قال إن كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض، وإن كان بعد الحيض بيومين فليس من الحيض (6).

(1) الأم (مختصر المزني): 11، والمحلى 2: 169، والمجموع 2: 384، وعمدة القاري 3: 309، والمنهل العذب 3: 129.
(2) لقب مشترك بين عدة. والظاهر أن المراد هو أحمد بن يزيد بن عيسى ابن الفضل، أبو سعيد الاصطخري، القاضي، من أئمة الشافعية، توفي سنة (328 ه‍). اللباب في تهذيب الأنساب 1: 69.
(3) المغني لابن قدامة 1: 332، وبداية المجتهد 1: 51، ومقدمات ابن رشد 1: 94.
(4) المحلى 2: 169، والمغني لابن قدامة 1: 332، والمنهل العذب 3: 130.
(5) الكافي 3: 78 حديث 1، والتهذيب 1: 396 حديث 1230.
(6) الكافي 3: 78 حديث 2، والتهذيب 1: 396، حديث 1231.

[ 236 ]

ومن وافقنا في المسألة احتج بحديث عائشة، أنها قالت: كنا نعد الصفرة والكدرة حيضا (1). مسألة 202: أقل الحيض عندنا ثلاثة أيام وبه قال أبو حنيفة والثوري (2). وقال أبو يوسف: يومان وأكثر اليوم الثالث (3). وقال الشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إنه يوم وليلة. والثاني: يوم بلا ليلة. والثالث: إنها على قولين، أحدهما: إنه يوم وليلة، والثاني: يوم بلا ليلة (4). وقال أحمد، وأبو ثور: يوم وليلة (5)، وقال داود: يوم بلا ليلة (6)، وقال مالك: ليس لأقل الحيض حد، ويجوز أن يكون ساعة (7). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك.

(1) وردت عدة أحاديث عن عائشة بهذا المضمون، رواها الدارمي في سننه 1: 213 (باب الطهر كيف هو)، والهندي في كنزه 9: 624 و 625 حديث 27712 و 27716، وابن همام في مصنفه: 1: 301 حديث 1158 و 1159، ومالك في موطأه 1: 59 حديث 97، والبخاري في صحيحه 1: 83 (الباب 19)، وتنوير الحوالك 1: 77.
(2) سنن الترمذي 1: 228، والمحلى 2: 193، والمجموع 2: 380، وعمدة القاري 3: 307 والمغني لابن قدامة 1: 308، وبداية المجتهد 1: 48، وبدائع الصنائع 1: 40.
(3) بدائع الصنائع 1: 40، والبحر الرائق 1: 216.
(4) الأم 1: 64، 67 والمحلى 2: 193، والمجموع 2: 375، وكفاية الأخيار 1: 47، والمغني لابن قدامة 1: 306، وبداية المجتهد 1: 48، ومغني المحتاج 1: 109، ومقدمات ابن رشد 1: 91، وبدائع الصنائع 1: 40.
(5) سنن الترمذي 1: 228، والمغني لابن قدامة 1: 308، وتحفة الأحوذي 1: 403.
(6) قال ابن حزم في المحلى 2: 193 ذهب داود إلى أن أقل الحيض دفعة واحدة. وهو قول الأوزاعي، وأحد قولي الشافعي.
(7) بداية المجتهد 1: 48، والمجموع 2: 380، والمغني لابن قدامة 1: 308.

[ 237 ]

وروى أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن أدنى ما يكون من الحيض؟ فقال: أدناه ثلاثة أيام، وأكثره عشرة (1). وروى صفوان بن يحيى (2) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن أدنى ما يكون من الحيض؟ فقال: أدناه ثلاثة أيام وأبعده عشرة (3). وروى يعقوب بن يقطين (4)، عن أبي الحسن عليه السلام قال: أدنى الحيض ثلاثة، وأقصاه عشرة (5). مسألة 203: أكثر الحيض عشرة أيام، وبه قال أبو حنيفة، وسفيان الثوري (6). وقال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، وداود: أكثره خمسة عشر يوما (7)

(1) الكافي 3: 75 حديث 1، والتهذيب 1: 156 حديث 445، والاستبصار 1: 130، حديث 446. (2) صفوان بن يحيى البجلي، مولاهم، أبو محمد، بياع السابري، عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الكاظم والإمام الرضا والإمام الجواد عليهم السلام، وكان أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث، وأعبدهم، روى عن أربعين رجلا من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وقال النجاشي في ترجمته: كوفي، ثقة ثقة، عين، وكانت له عند الإمام الرضا عليه السلام منزلة شريفة، له من التصانيف ما يقرب من الثلاثين، وهو من الستة الذين أجمعت العصابة على تصحيح من يصح عنهم، وقد وردت روايات كثيرة في مدحه. مات سنة (210 ه‍). رجال الكشي: 502، 503 و 556، ورجال النجاشي: 148، والفهرست: 83، ورجال الطوسي: 352 و 378 و 402.
(3) الكافي 3: 75 حديث 3، والتهذيب 1: 156 حديث 446، والاستبصار 1: 130 حديث 447.
(4) يعقوب بن يقطين، وثقه الشيخ الطوسي، وعده في أصحاب الإمام الرضا عليه السلام. وكذلك العلامة في الخلاصة في ضمن ترجمة يعقوب بن يزيد. رجال الطوسي: 395، والخلاصة: 186.
(5) الاستبصار 1: 130 حديث 448، والتهذيب 1: 156 حديث 447.
(6) سنن الترمذي 1: 228، والمحلى 2: 198، والمجموع 2: 380، وبدائع الصنائع 1: 40، والمغني لابن قدامة 1: 308، وبداية المجتهد 1: 48.
(7) الأم 1: 67، وسنن الترمذي 1: 228، والمجموع 2: 375، 376، 380، والمدونة الكبرى 1: 49، والأم (مختصر المزني): 11، والمحلى 2: 198، وكفاية الأخيار 1: 47، وبداية المجتهد 1: 48، والمغني لابن قدامة 1: 308، وبدائع الصنائع 1: 40، ومغني المحتاج 1: 109.

[ 238 ]

وحكي ذلك عن عطاء (1)، ورووه عن أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام (2). وقال سعيد بن جبير: ثلاثة عشر يوما (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وقد قدمنا من الأخبار ما يدل عليه في المسألة الأولى (4). وأيضا فقد ثبت أن الذمة مرتهنة بوجوب العبادات من الصلاة، والصيام وغيرها، فلا يجوز أن نسقطها إلا بأمر معلوم، والعشرة أيام لا خلاف أنها حيض، وما زاد عليها ليس عليه دليل فوجب نفيه. مسألة 204: أقل الطهر عشرة أيام، وأكثره لا حد له. وروي في بعض الروايات ذلك عن مالك (5). وقال جميع الفقهاء: إن أقل الطهر خمسة عشر يوما (6). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (7)، وأيضا فإن قولنا عشرة أيام مجمع على أنها طهر، وإذا رأت الدم فيما بعدها فليس على كونه طهرا دليل. والأصل براءة الذمة من العبادة.

(1) سنن الترمذي 1: 228، والمجموع 2: 375، 380، والمغني لابن قدامة 1: 309، وعمدة القاري 3: 307.
(2) كفاية الأخيار 1: 47.
(3) المحلى 2: 198، والمغني لابن قدامة 1: 308.
(4) أي المسألة التاسعة من كتاب الحيض.
(5) بداية المجتهد 1: 48، وبدائع الصنائع 1: 40.
(6) الأم 1: 64 و 67، والمجموع 2: 376، والمحلى 2: 200، والمغني لابن قدامة 1: 310، وكفاية الأخيار 1: 47، وبدائع الصنائع 1: 40، ومغني المحتاج 1: 109. وبداية المجتهد 1: 48.
(7) كما في الكافي 3: 76 حديث 4، 5 و: 77 حديث 1، والاستبصار 1: 131 حديث 452، والتهذيب 1: 156، 157، 159 حديث 448، 451، 452، 454.

[ 239 ]

مسألة 205: الحامل عندنا تحيض قبل أن يستبين حملها، فإذا استبان فلا حيض. وقال الشافعي في الجديد: إنها تحيض ولم يفصل (1). وقال في القديم: لا تحيض ولم يفصل، وبه قال أبو حنيفة (2). دليلنا: ما أوردناه من الأخبار التي ذكرناها في كتابينا المقدم ذكرهما (3) وبينا الوجه، فيما اختلف في ذلك من الأخبار التي ذكرناها، فلا وجه لذكرها هنا لأنه يطول به الكتاب. مسألة 206: لا تثبت عادة المرأة في الحيض إلا بمضي شهرين، أو حيضتين على حد واحد، وهو مذهب أبي حنيفة، وقوم من أصحاب الشافعي (4). وقال المروزي، وأبو العباس بن سريج، وغيرهما من أصحاب الشافعي: إن العادة تثبت بمرة واحدة (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا ما اعتبرناه مجمع على ثبوت العادة به وما قالوه ليس عليه دليل، والأصل شغل الذمة بالعبادات، فلا يجوز إسقاطها عنها إلا بأمر معلوم. وروى سماعة بن مهران قال: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض، تقعد في الشهر يومين، وفي الشهر ثلاثة أيام، تختلف عليها لا يكون طمثها في

(1) المجموع 2: 384، والمغني لابن قدامة 1: 361.
(2) المجموع 2: 384، والمغني لابن قدامة 1: 361، وبدائع الصنائع 1: 42، ومقدمات ابن رشد 1: 95، والبحر الرائق 1: 201.
(3) التهذيب 1: 386 - 388، والاستبصار 1: 138 - 141 باب الحبلى ترى الدم.
(4) المجموع 2: 418، والمغني لابن قدامة 1: 316.
(5) المجموع 2: 418، والمغني لابن قدامة 1: 316.

[ 240 ]

الشهر عدة أيام سواء. قال فلها أن تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة، فإذا اتفق شهران عدة أيام سواء فتلك أيامها (1). مسألة 207: إذا كانت عادتها خمسة أيام في كل شهر، فرأت الدم قبلها خمسة أيام ورأت فيها وانقطع، أو خمسة أيام بعدها ورأت فيها ثم انقطع، كان الكل حيضا. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إن رأت خمسة أيام قبلها ورأت فيها، كان حيضها الخمسة المعتادة، والتي قبلها استحاضة. وقال: إن رأت فيها ورأت بعدها خمسة وانقطع كان الكل حيضا (3). دليلنا: ما قدمناه من أن أقصى مدة الحيض عشرة أيام (4)، وهذه رأت عشرة أيام فوجب أن يكون كله حيضا، لأنه زمان يمكن أن يكون حيضا، وإنما ترد إلى عادتها إذا اختلط دم الحيض بدم الاستحاضة. مسألة 208: إذا كانت عادتها خمسة أيام، فرأت خمسة أيام قبلها ورأت فيها وفي خمسة أيام بعدها، كانت الخمسة المعتادة حيضا، والباقي استحاضة. وقال الشافعي: يكون الجميع حيضا بناءا منه على أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر يوما (5). وقال أبو حنيفة: تكون العشرة الأخيرة حيضا (6). دليلنا: على الشافعي: ما قدمناه من أن أكثر أيام الحيض عشرة (7) فسقط

(1) الكافي 3: 79 حديث 1، والتهذيب 1: 380 حديث 1178.
(2) المغني لابن قدامة 1: 353.
(3) المغني لابن قدامة 1: 353.
(4) راجع المسألتين 9 و 10 وفيهما الروايات الدالة على ذلك.
(5) سنن الترمذي 1: 228، والمجموع 2: 413، والمغني لابن قدامة 1: 353، وتحفة الأحوذي 1: 401.
(6) بدائع الصنائع 1: 41، والمغني لابن قدامة 1: 353.
(7) انظر المسألتين 9 و 10.

[ 241 ]

بذلك خلافه، لأنه مبني عليه. وأما قول أبي حنيفة، فإنه يبطل لأنه ليس أن يجعل الخمسة الأخيرة من تمام العشرة بأولى من الخمسة الأولة، فينبغي أن تسقط وترجع إلى العادة وهي خمسة أيام. مسألة 209: إذا رأت المبتدئة في الشهر الأول دما أحمر، ورأت في الشهر الثاني خمسة أيام دما أسود بصفة دم الحيض، والباقي دم أحمر، ورأت في الشهر الثالث دما مبهما فإنها في الشهر الأول والثالث تعمل ما تعمله من لا عادة لها ولا تمييز وقد بينا القول فيه. وفي الشهر الثاني تجعل الخمسة أيام حيضا، والباقي استحاضة. وقال الشافعي: في الشهر الأول مثل قولنا، وكذلك في الشهر الثاني، وقال في الشهر الثالث: إنها ترد إلى الشهر الثاني (1) وهو خمسة أيام بناءا منه على أن العادة تثبت بشهر واحد، وقد دللنا على خلاف ذلك، فسقط خلافه (2). مسألة 201: إذا اجتمع لامرأة واحدة عادة وتمييز، كان الاعتبار بالتمييز دون العادة لأنه مقدم على العادة. مثال ذلك أن تكون عادتها أن تحيض في أول كل شهر خمسة أيام دم الحيض، فرأت في تلك الأيام دم الاستحاضة، وفيما بعدها دم الحيض، وجاوز العشرة، اعتبرت الخمسة الثانية من الحيض، والأولة من الاستحاضة، اعتبارا بالتمييز. وكذلك إن كانت عادتها الخمسة الثانية فرأت أولا دم الحيض، ورأت في أيام العادة دم الاستحاضة واتصل، اعتبرت بالتميز. وكذلك إذا كانت عادتها ثلاثة أيام في أول كل شهر، فرأت فيها دم

(1) المجموع 2: 420.
(2) راجع المسألة 13.

[ 242 ]

الاستحاضة وبعدها ثلاثة أيام دم الحيض وأربعة أيام دما أحمر واتصل، كان الاعتبار بالتميز وهي الثلاثة الثانية، وبه قال جميع أصحاب الشافعي (1)، إلا ابن خيران فإنه قال في هذه المسائل: الاعتبار بالعادة دون التميز. وبه قال أبو حنيفة (2). دليلنا: إجماع الفرقة على أن اعتبار صفة الدم مقدم على العادة، وعموم الأخبار يقتضي ذلك، والأخبار التي وردت في اعتبار العادة متناولة لمن لا تميز لها بحال، وإن حملناها على عمومها، وقلنا بقول أبي حنيفة كان قويا. مسألة 211: الناسية لأيام حيضها أو لوقتها ولا تمييز لها، تترك الصوم والصلاة في كل شهر سبعة أيام، وتغتسل وتصلي وتصوم فيما بعد، ولا قضاء عليها في صوم ولا صلاة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: إنها تترك الصوم والصلاة يوما وليلة، وتصلي الباقي وتصوم (3). والثاني: مثل قولنا (4)، إلا أنه قال: تقضي الصوم، إلا أنهم قالوا: تصوم شهر رمضان ثم تقضي. ومنهم من قال: تقضي خمسة عشر يوما. ومنهم من قال سبعة عشر يوما، وهو الذي خرجه أبو الطيب الطبري. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن خبر يونس بن عبد الرحمن (5)، عن جماعة من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، عن أبي عبد الله عليه السلام يتضمن

(1) المغني لابن قدامة 1: 319.
(2) المجموع 2: 431.
(3) المجموع 2: 434.
(4) المجموع 2: 434، والمغني لابن قدامة 1: 321. (5) وهي رواية مفصلة طويلة رواها الكليني في الكافي 3: 83 حديث 1، ورواها الشيخ الطوسي في التهذيب 1: 381 حديث 1183.

[ 243 ]

تفصيل ذلك، وينبغي أن يكون محمولا عليه. وقول الشافعي إنها تترك الصوم والصلاة يوما وليلة، بناءا على أنه أقل الحيض، وقد بينا خلاف ذلك (1). فأما قضاء الصوم، فإنه يحتاج إلى شرع، لأنه فرض ثان، وليس في الشرع ما يدل عليه، فوجب نفيه. مسألة 212: إذا رأت دما ثلاثة أيام، وبعد ذلك يوما وليلة نقاء، ويوما وليلة دما إلى تمام العشرة أيام، أو انقطع دونها، كان الكل حيضا. وبه قال أبو حنيفة (2). وهو الأظهر من مذهب الشافعي، وله قول آخر وهو إنه تلفق الأيام التي ترى فيها الدم فيكون حيضا، وما ترى فيه نقاء تكون طهرا (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فقد بينا أن الصفرة في أيام الحيض حيض (4)، والعشرة أيام كلها أيام حيض، فينبغي أن يكون ما تراه كله حيضا. مسألة 213: أكثر النفاس عشرة أيام، وما زاد عليه حكمه حكم الاستحاضة، وفي أصحابنا من قال ثمانية عشر يوما (5).

(1) راجع المسألة التاسعة من كتاب الحيض.
(2) أحكام القرآن للجصاص 1: 346، والمجموع 2: 502.
(3) أحكام القرآن للجصاص 1: 346، والمجموع 2: 387.
(4) انظر المسألة الثامنة.
(5) قاله السيد المرتضى في الانتصار: 21، وسلار في المراسم: 44. وروى الشيخ الصدوق في الهداية: 5، عن الصادق عليه السلام قال: إن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر في حجة الوداع فأمرها النبي صلى الله عليه وآله أن تقعد ثمانية عشر يوما. وقال العلامة في المختلف: 41 ما لفظه: وقد اختلف علماؤنا في أكثر مدة النفاس، فالذي اختاره الشيخ وعلي بن بابويه أنه عشرة أيام، وبه أفتى أبو الصلاح وابن البراج وابن إدريس، وقال السيد المرتضى ثمانية عشر يوما وهو اختيار المفيد وابن بابويه وابن الجنيد وسلار، إلا أن المفيد قال: وقد جاءت أخبار معتمدة في إن أقصى مدة النفاس مدة الحيض عشرة أيام وعليه أعمل لوضوحه (إنتهى).

[ 244 ]

وقال الشافعي: أكثر النفاس ستون يوما (1)، وبه قال مالك، وأبو ثور وداود، وعطاء، والشعبي، وعبيد الله بن الحسن العنبري (2)، وحجاج بن أرطاة (3) (4) وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحق، وأبو عبيد: أربعون يوما (5). وحكى ابن المنذر (6) عن الحسن البصري أنه قال: خمسون يوما (7)، وذهب الليث بن سعد إلى أنه سبعون يوما (8). دليلنا: على صحة ذلك: إجماع الفرقة، وأيضا طريقة الاحتياط، فإن ما اعتبرناه مجمع على أنه من النفاس، وما زاد عليه ليس عليه دليل، والأصل

(1) الأم (مختصر المزني): 11، والمجموع 2: 522، وكفاية الأخيار 1: 47، والمحلى 2: 203، ومغني المحتاج 1: 119، والمغني لابن قدامة 1: 345، ومقدمات ابن رشد 1: 91، وبدائع الصنائع 1: 41.
(2) عبيد الله بن الحسن بن مالك بن الخشخاش العنبري، قاضي البصرة، ولد سنة 105، ومات سنة 168، وهو القائل إن كل مجتهد مصيب. التاريخ الكبير 5: 376، وتهذيب التهذيب 7: 7، والمجموع 2: 524.
(3) حجاج بن أرطاة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل النخعي، أبو أرطاة الكوفي القاضي، روى عن الشعبي وعطاء وجبلة وغيرهم. وعنه روى شعبة وهشيم وابن نمير والحمادان والثوري وحفص بن غياث وغيرهم. وكان أحد فقهاء الكوفة ومفتيها، ولي قضاء البصرة. التاريخ الكبير 2: 378. والمجموع 2: 524، وتهذيب التهذيب 2: 196.
(4) سنن الترمذي 1: 259، والمحلى 2: 203، والمجموع 2: 524، ومقدمات ابن رشد 1: 91، والمغني لابن قدامة 1: 345، وبدائع الصنائع 1: 41، وتحفة الأحوذي 1: 431.
(5) سنن الترمذي 1: 258، والمغني لابن قدامة 1: 345، وبدائع الصنائع 1: 41، والمحلى 2: 203، والمجموع 2: 524، ومغني المحتاج 1: 120، ومقدمات ابن رشد 1: 91، وتحفة الأحوذي 1: 431.
(6) جماعة منهم: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة الأسدي الحزامي، أبو إسحاق المدني روى عن مالك وابن عيينة وابن أبي فديك وغيرهم. وروى عنه البخاري وابن ماجة وروى له الترمذي والنسائي بواسطة وغيرهم مات سنة (235 ه‍) وقيل: (236 ه‍) تهذيب التهذيب 1: 166.
(7) سنن الترمذي 1: 258، والمجموع 2: 524، ومقدمات ابن رشد 1: 91، وتحفة الأحوذي 1: 431.
(8) المجموع 2: 524، وقال الشربيني في مغني المحتاج [ 1: 120 ]: وقال بعض العلماء أكثره سبعون.

[ 245 ]

وجوب العبادات، فلا يجوز إسقاطها إلا بدليل. مسألة 214: ليس لأقل النفاس حد، ويجوز أن يكون ساعة. وبه قال الشافعي وأصحابه وكافة الفقهاء (1). وقال أبو يوسف: أقله أحد عشر يوما، لأن أقل النفاس يجب أن يزيد على أكثر الحيض (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الذمة مشتغلة بالعبادات، وإيجاب مقدار لأقل النفاس يحتاج إلى دليل، وليس عليه دليل، فيجب أن يكون غير محدود. مسألة 215: إذا ولدت المرأة، ولم يخرج منها دم أصلا، ولم يخرج منها أكثر من الماء، لا يجب عليها الغسل. وهو أحد قولي الشافعي (3). وله قول آخر وهو: إنه يجب الغسل بخروج الولد (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، وإيجاب الغسل يحتاج إلى دليل، وإيجاب الغسل بخروج الدم مجمع عليه. وأيضا فالنفاس مأخوذ من النفس الذي هو الدم (5)، فإذا لم يحصل دم لم يحصل نفاس على حال. مسألة 216: إذا زاد على أكثر أيام الحيض (6) وهو عشرة أيام عندنا، وعند

(1) المحلى 2: 203، والمجموع 2: 522، والمغني لابن قدامة 1: 347، وكفاية الأخيار 1: 47، ومقدمات ابن رشد 1: 91، ومغني المحتاج 1: 119، وبدائع الصنائع 1: 41.
(2) المحلى 2: 207. وقال ابن رشد في مقدماته 1: 91، وذهب أبو يوسف إلى أن أقل النفاس خمسة عشر يوما فرقا بينه وبين أكثر الحيض.
(3) انظر المجموع 2: 150 و 521.
(4) انظر المجموع 2: 150 و 521، والمغني لابن قدامة 1: 347.
(5) قال ابن منظور في لسانه 6: 234، والنفس الدم، وقال الزبيدي في تاجه 4: 261، ولاد المرأة مأخوذ من النفس بمعنى الدم، وكذا في الصحاح مادة (نفس) فصل النون باب السين.
(6) كذا في جميع النسخ.

[ 246 ]

الشافعي ستون يوما، كان ما زاد على العشرة أيام استحاضة عندنا، وللشافعي فيما زاد على الستين قولان: أحدهما: أن ترد إلى ما دونها، فإن كانت مميزة رجعت إلى التمييز، وإن كانت معتادة لا تمييز لها ترد إلى العادة (1)، وإن كانت مبتدئة ففيها قولان: أحدهما: ترد إلى أقل النفاس وهو ساعة، وتقضي الصلاة. والثاني: ترد إلى غالب عادة النساء وتقضي ما زاد عليها (2). وقال المزني: لا ترد إلى ما دون الستين، ويكون الجميع نفاسا (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون إن ما زاد على أكثر النفاس يكون استحاضة وإن اختلفوا في مقدار الأكثر. مسألة 217: الدم الذي يخرج قبل خروج الولد، لا خلاف أنه ليس بنفاس، وما يخرج بعده لا خلاف في كونه نفاسا، وما يخرج معه عندنا يكون نفاسا. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فقال أبو إسحق المروزي: وأبو العباس ابن القاص مثل ما قلناه (4) ومنهم من قال: إنه ليس بنفاس (5). دليلنا: إن اسم النفاس يتناوله لأنه دم، وقد خرج بخروج الولد، وإذا تناوله اللفظ حمل على عموم ما ورد في هذه الباب. مسألة 218: الدم الذي يخرج قبل الولادة ليس بحيض عندنا. ولأصحاب الشافعي فيه قولان:

(1) المجموع 2: 530.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(4) المجموع 2: 518، وكفاية الأخيار 1: 46.
(5) المصدر السابق.

[ 247 ]

أحدهما: إنه حيض (1). والثاني: إنه استحاضة، لأنه لا يجوز أن يكون الحيض والنفاس متعاقبين من غير طهر بينهما (2). دليلنا: إجماع الفرقة على أن الحامل المستبين حملها لا تحتاض، وإنما اختلفوا في حيضها قبل أن يستبين الحمل، وهذا بعد الاستبانة. وأيضا الذمة مشغولة بالعبادات وإسقاطها عنها يحتاج إلى دليل. مسألة 219: إذا ولدت ولدين، ورأت الدم عقيبهما، اعتبرت النفاس من الأول، وآخره يكون من الثاني. وبه قال أبو إسحق المروزي من أصحاب الشافعي، واختاره أبو الطيب الطبري (3) (4) ومنهم من قال: يعتبر من الثاني، وهو الذي ذكره أبو علي الطبري (5) (6). وقال أبو العباس بن القاص: يكون أول النفاس من الولادة الأولى،

(1) المجموع 2: 519.
(2) المصدر السابق.
(3) القاضي طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، أبو الطيب الطبري، الفقيه الشافعي، سمع الغطريفي والماسرخسي، والدار قطني صاحب السنن، ولي القضاء بربع الكرخ من بغداد بعد موت الصيمري مات سنة (450 ه‍). طبقات الشافعية الكبرى 3: 176، وتاريخ بغداد 9: 358، وطبقات الفقهاء: 106.
(4) قال النووي في المجموع [ 2: 526 ]: وصحح ابن القاص وإمام الحرمين والغزالي كونه من الأول وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأبي يوسف، وأصح الروايتين عن أحمد، ورواية عن داود.
(5) الحسين بن قاسم، أبو علي الطبري، الفقيه الشافعي، درس على أبي علي ابن أبي هريرة، سكن بغداد، من مؤلفاته الافصاح والمحرر، مات في بغداد سنة (350 ه‍). طبقات الشافعية الكبرى 2: 217، وتاريخ بغداد 8: 87 رقم 4181.
(6) قال النووي في المجموع [ 2: 526 ] أصحها عند الشيخ أبي حامد، وأصحابنا العراقيين، والبغوي، والروياني، وصاحب العدة وغيرهم من الخراسانيين: ن النفاس معتبر من الولد الثاني، وهو مذهب محمد، وزفر، ورواية عن أحمد، وداود.

[ 248 ]

وآخره من الولادة الأخيرة. ثم قال: في المسألة ثلاثة أوجه (1) أحدها: هذا: والثاني: إنه من الأول، والثالث: إنه من الثاني. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يكون النفاس من الولد الأول (2) كما قلناه، إلا أنهما قالا: لو كان بين الولدين أربعون يوما لم يكن الدم الموجود عقيب الولد الثاني نفاسا. دليلنا: إن كل واحد من الدمين يستحق الاسم بأنه نفاس، فينبغي أن يتناوله اللفظ وإذا تناوله الاسم عددناه من الأول، واستوفينا أيام النفاس من الأخير لتناول الاسم لهما. مسألة 220: إذا رأت الدم ساعة ثم انقطع تسعة أيام، ثم رأت يوما وليلة، كان ذلك كله نفاسا. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، والثاني: إنه تلفق، إلا أنه اعتبر في ذلك خمسة عشر يوما لأنه أقل الطهر عنده (3). وإذا رأت ساعة دم نفاس، ثم انقطع عشرة أيام، ثم رأت ثلاثة أيام، فإنه يكون من الحيض. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل قولنا، والثاني: أن يكون الثاني والأول نفاسا، وفيما بينهما قولان: أحدهما: إنه طهر، والثاني: تلفق (4). وقال أبو حنيفة: يكون الدمان وما بينهما نفاسا (5).

(1) المجموع 2: 526، والمغني لابن قدامة 1: 350.
(2) المجموع 2: 526، والمغني لابن قدامة 1: 350، وبدائع الصنائع 1: 43.
(3) المجموع 2: 527.
(4) (5) المجموع 2: 528.

[ 249 ]

دليلنا: ما قدمناه من أن أكثر أيام النفاس عشرة أيام (1) فإذا ثبت ذلك فقد مضت العشرة، فينبغي أن يكون أيام النفاس قد مضت، وحكمنا بكونه حيضا لأنه قد مضى بعد النفاس أقل الطهر وهو عشرة أيام، ورأت الدم في زمان يمكن أن يكون حيضا فحكمنا بذلك. وأما اعتبار الطهر بين الحيض والنفاس فلا خلاف فيه. والأخبار التي وردت بأن أقل الطهر عشرة أيام (2) يتناول هذا الموضع لأنها عامة في الطهر عقيب الحيض وعقيب النفاس. وأيضا روى عبد الله بن المغيرة، عن أبي الحسن الأول عليه السلام، في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوما، ثم تطهرت، ثم رأت الدم بعد ذلك، فقال: تدع الصلاة لأن أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس (3). فأثبت كما ترى أيام الطهر بعد أيام النفاس وهذا نص. مسألة 221: المستحاضة، ومن به سلس البول، يجب عليه تجديد الوضوء عند كل صلاة فريضة، ولا يجوز لهما أن يجمعا بوضوء واحد بين صلاتي فرض، هذا إذا كان الدم لا يثقب الكرسف. فإن ثقب الدم الكرسف ولم يسل كان عليها غسل لصلاة الفجر، وتجديد الوضوء عند كل صلاة فيما بعد. وإن سال الدم على الكرسف كان عليها ثلاثة أغسال في اليوم والليلة، غسل لصلاة الظهر والعصر تجمع بينهما وغسل للمغرب والعشاء الآخرة تجمع بينهما، وغسل لصلاة الفجر وصلاة الليل تؤخر صلاة الليل إلى قرب طلوع الفجر، وتصلي الفجر به. وقال الشافعي: تجدد الوضوء عند كل صلاة، ولا تجمع بين فريضتين

(1) راجع المسألة رقم 213.
(2) راجع المسألة الحادية عشرة 204.
(3) الكافي 3: 100 حديث 1، والتهذيب 1: 402، حديث 1260.

[ 250 ]

بطهارة واحدة، ولم يوجب الغسل (1) وبه قال سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل (2). وقال أبو حنيفة: تتوضأ لوقت كل صلاة، ويجوز لها أن تجمع بين صلوات كثيرة فريضة في وقت واحد (3). وقال مالك، وداود، وربيعة: دم الاستحاضة ليس بحدث ولا يوجب الوضوء (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5)، وأيضا طريقة الاحتياط، فإنها إذا فعلت ما بيناه أدت العبادة بيقين، وإذا لم تفعل لم تؤد العبادة بيقين، فوجب استعمال ما بيناه. مسألة 222: إذا انقطع دم الاستحاضة وهي في الصلاة، وجب عليها أن تمضي في صلاتها. ولا يجب عليها استئنافها. وقال أبو العباس بن سريج: فيه وجهان. أحدهما: مثل قولنا. والآخر: يجب عليها استئناف الصلاة (6). وبه قال

(1) المجموع 2: 541، والمغني لابن قدامة 1: 341، ومغني المحتاج 1: 111، وفتح العزيز بهامش المجموع 2: 433.
(2) مسائل الإمام أحمد بن حنبل: 25، والمغني لابن قدامة 1: 340.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 17.
(4) المغني لابن قدامة 1: 340.
(5) انظر على سبيل المثال لا الحصر، التهذيب 1: 104، 168، 169، 170، 380، 381، 396، 402، حديث 270، 482، 483، 484، 845، 1183، 1230، 1258، والاستبصار 1: 97، 132، 140، حديث 315، 454، 482، والكافي 3: 40، 78، 83، 88، 89، 95 حديث 2، 1 و 1، 2، 4، و 1، والفقيه 1: 45 حديث 176، وقرب الاسناد: 101، وجامع أحاديث الشيعة 2: 542 حديث 3021 باب 26 حكاه عن دعائم الاسلام للقاضي نعمان: 154 طبعة 1370.
(6) المجموع 2: 539.

[ 251 ]

أبو حنيفة (1). دليلنا: إنها قد دخلت في الصلاة دخولا صحيحا بيقين، وإيجاب الخروج منها يحتاج إلى دليل، وليس هاهنا دليل. مسألة 223: إذا كان دمها متصلا، فتوضأت ثم انقطع الدم قبل أن تدخل في الصلاة، وجب عليها تجديد الوضوء، فإن لم تفعل وصلت، ثم عاد الدم لم تصح صلاتها، وكان عليها الإعادة سواء عاد الدم في الصلاة أو بعد الفراغ منها. وقال ابن سريج: إن عاد قبل الفراغ من الصلاة فيه وجهان: أحدهما: تبطل صلاتها، وهو الصحيح عندهم. والثاني: إنها لا تبطل (2). دليلنا: على ذلك: إن الدم إذا كان سائلا فهو حدث، وإنما رخص لها بأن تصلي مع الحدث إذا توضأت ومتى توضأت وانقطع دمها كان الحدث باقيا، فوجب عليها أن تجدد الوضوء. وأيضا إذا أعادت الوضوء كانت صلاتها ماضية بالاجماع وإذا لم تعده ليس على صحتها دليل. مسألة 224: إذا توضأت المستحاضة في أول الوقت، ثم صلت آخر الوقت لم تجزها تلك الصلاة. وقال ابن سريج فيه وجهان: أحدهما: تصح صلاتها على كل حال. والثاني: إنه إن كان تشاغلها بشئ من أسباب الصلاة، مثل انتظار جماعة، أو طلب ما يستر العورة، أو غير ذلك كانت صلاتها ماضية، وإن كان لغير ذلك لم تجز صلاتها (3).

(1) المغني لابن قدامة 1: 344 - 345. (2) المجموع 2: 593 - 540.
(3) المجموع 2: 537، والمغني لابن قدامة 1: 342، ومغني المحتاج 1: 111.

[ 252 ]

دليلنا: ما قدمناه من أنه يجب عليها تجديد الوضوء عند كل صلاة (1) وذلك يقتضي أن يتعقبه فعل الصلاة، وأيضا فإنها إذا توضأت وصلت عقيبه، كانت الصلاة ماضية بالاجماع، وإذا أخرت عنها لم يدل على صحة الصلاة دليل. مسألة 225: إذا كان به جرح لا يندمل، ولا ينقطع دمه، يجوز أن يصلي معه وإن كان الدم سائلا ولا ينتقض وضوؤه. وقال الشافعي وأصحابه: هو بمنزلة الاستحاضة، يجب شده لكل صلاة. غير أنهم قالوا: لا ينقض الوضوء لأنه غير خارج من السبيلين (2). دليلنا: إجماع الفرقة وإجماعها حجة، وأيضا قوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (3) يعني من ضيق، وفي إيجاب ذلك غاية الضيق، وحمله على الاستحاضة قياس لا نقوله. وروى محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام، قال: سألته عن الرجل تخرج به القروح، فلا تزال تدمي، كيف يصلي؟ فقال: يصلي وإن كانت الدماء تسيل (4). وروى ليث المرادي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوءة دما وقيحا، فقال: يصلي في ثيابه، ولا يغسلها ولا شئ عليه (5).

(1) انظر المسألة 28.
(2) المجموع 2: 541، والمغني لابن قدامة 1: 341.
(3) الحج: 78.
(4) التهذيب 1: 258 و 348 حديث 749 و 1025، والاستبصار 1: 177 حديث 615. التهذيب 1: 258 حديث 750، و 1: 349 حديث 1030 وفيه [ قال: يصلي في ثيابه، ولا شئ عليه، ولا يغسلهما ].

[ 253 ]

كتاب الصلاة

[ 255 ]

مسألة 1: لا يجوز افتتاح الصلاة قبل دخول وقتها، وبه قال جميع الفقهاء (1). وروي في بعض الروايات عن ابن عباس أنه قال: يجوز استفتاح الصلاة قبل الزوال بقليل (2). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع المسلمين، فإن خلاف ابن عباس إن صح عنه ذلك فقد انقرض، وأجمعوا على خلافه، وأيضا طريقة الاحتياط فإنه لا خلاف إذا استفتح بعد دخول الوقت إن صلاته ماضية، وليس على خلاف ذلك دليل. مسألة 2: الدلوك عندنا هو الزوال، وبه قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة والشافعي وأصحابه (3)، ورووا عن علي عليه السلام وابن مسعود أنهما

(1) مقدمات ابن رشد 1: 105، والمجموع 3: 21، والميزان للشعراني 1: 135.
(2) قال النووي في المصدر السابق: (ونقل الماوردي في الحاوي عن ابن عباس كقول أحمد - أي جواز الصلاة الجمعة قبل الزوال - ونقله ابن المنذر عن عطاء وإسحاق). وانظر أيضا بداية المجتهد 1: 89 والإقناع 1: 189. وقال ابن قدامة في المغني 1: 441: (وروي عن ابن عباس في مسافر صلى الظهر قبل الزوال يجزئه. ونحوه قال الحسن والشعبي).
(3) قال الرازي في تفسيره لقوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس... " [ الاسراء: 78 ]: اختلف أهل =

[ 256 ]

قالا: الدلوك هو الغروب (1). فالآية عندنا محمولة على صلاة الظهر، وعند من خالف على صلاة المغرب. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2). مسألة 3: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر، وبه قال جميع الفقهاء (3)، وفي الناس من قال: لا يجوز الصلاة حتى يصير الفئ مثل الشراك بعد الزوال (4) حكي ذلك عن مالك وأنه قال: أحب أن يؤخر الظهر

= اللغة والمفسرون في معنى دلوك الشمس على قولين: (أحدهما) إن دلوكها غروبها، وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة. فنقل الواحدي في البسيط عن علي عليه السلام أنه قال: دلوك الشمس غروبها، وروى زر بن حبيش إن عبد الله بن مسعود قال: دلوك الشمس غروبها، وروى سعيد بن جبير هذا القول عن ابن عباس، وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة من المتأخرين. والقول الثاني: إن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين (إنتهى). وأشار القرطبي في تفسيره 10: 303 إلى من قال بالقول الثاني: " عمر وابنه وأبو هريره وابن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم ". وانظر المجموع 3: 25، والأم للشافعي 1: 68، و أحكام القرآن للجصاص 2: 267 و 3: 206، والمبسوط للسرخسي 1: 141. (1) المجموع 3: 25، والتفسير الكبير 21: 25، وشرح معاني الآثار 1: 155، وأحكام القرآن للجصاص 2: 267 و 3: 206، وتفسير القرطبي 10: 303، والمبسوط 1: 141.
(2) انظر على سبيل المثال لا الحصر كلا من الكافي 3: 271 الحديث الأول، و 275 الحديث الأول، ومن لا يحضره الفقيه 1: 124 حديث 600، وتفسير علي بن إبراهيم القمي: 386، وتفسير العياشي 2: 308 حديث 137، و 309 حديث 141، وعلل الشرائع 2: 43، والسرائر: 465.
(3) الأم: 1: 72، والأم (مختصر المزني): 11، والأصل 1: 144، والهداية 1: 38، والنتف 1: 53، وأحكام القرآن للجصاص 2: 268، ومقدمات ابن رشد 1: 105، ومغني المحتاج 1: 121، وشرح فتح القدير 1: 152، ومختصر العلامة خليل: 23، والمنهج القويم 1: 106، والمجموع 3: 18 والمغني لابن قدامة 1: 371، والمبسوط 1: 142.
(4) المبسوط 1: 142، والمجموع 3: 24.

[ 257 ]

بعد الزوال مقدار ما يزيد الظل ذراعا (1). وهذا الذي ذكره مالك مذهبنا في استحباب تقديم النوافل إلى الحد الذي ذكره، وإذا صار كذلك بدأ بالفرض. دليلنا: على دخول الوقت عند الزوال: إجماع الفرقة، وأما الأخبار التي رويت في هذا المعنى فأكثر من أن تحصى، وقد ذكرناها في كتابينا المقدم ذكرهما (2). مسألة 4: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر، ويختص بها مقدار ما يصلى فيه أربع ركعات، ثم بعد ذلك مشترك بينه وبين العصر إلى أن يصير ظل كل شئ مثله، فإذا صار كذلك خرج وقت الظهر وبقي وقت العصر (3). وقال قوم: آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شئ مثله، ويعتبر الزيادة من موضع زيادة الظل لا من أصل الشخص بلا خلاف. فإذا زاد على ذلك زيادة يسيرة خرج وقت الظهر، وبه قال الشافعي، والأوزاعي، والليث بن سعد والثوري، والحسن بن صالح بن حي، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، و أحمد بن حنبل إلا أنهم قالوا: لا يدخل وقت العصر إلا بعد أن يخرج وقت الظهر الذي هو ظل كل شئ مثله (4).

(1) قال مالك في المدونة الكبرى 1: 55، " وأحب أن يصلي الناس الظهر في الشتاء والصيف والفئ ذراع ".
(2) الكافي 3: 275، باب وقت الظهر والعصر، ومن لا يحضره الفقيه 1: 139 حديث 646 و 647 و 648 و 649 و 650 و 653، والتهذيب 2: 18 باب أوقات الصلاة وعلامة كل وقت منها و 2: 243 باب المواقيت، والاستبصار 1: 245 باب 147 (أول وقت الظهر والعصر).
(3) في جميع النسخ زيادة عبارة نصها: " إلى أن يبقى من النهار مقدار أربع ركعات فيختص بالعصر " وليس لها معنى في هذا الموضع.
(4) الأم 1: 72، وبداية المجتهد 1: 89 و 91، والمنهج القويم 1: 107، ومغني المحتاج 1: 122. والمغني لابن قدامة 1: 374. المجموع 3: 21، وفي الاقناع " من خروج وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شئ مثليه ". أحكام القرآن للجصاص 2: 269

[ 258 ]

وقال قوم: وقت الظهر ممتد من حين الزوال إلى غروب الشمس. وبه قال عطاء وطاووس ومالك (1) واختاره المرتضى من أصحابنا رضي الله عنه (2) و ذهب إليه قوم من أصحاب الحديث من أصحابنا. وقال ابن جرير وأبو ثور والمزني: إذا صار ظل كل شئ مثله فقد دخل وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر إلى أن يمضي من الوقت مقدار ما يصلي أربع ركعات، ثم يخرج وقت الظهر ويكون باقي النهار إلى غروب الشمس وقت العصر (3). وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: احداها وهي المشهورة رواها أبو يوسف وغيره وعليها يناظرون: إن آخر وقتها إذا صار ظل كل شئ مثليه، ثم ما بعد ذلك وقت العصر (4). وروى أبو يوسف في رواية شاذة: آخر وقت الظهر دون أن يصير ظل كل شئ مثليه، ولم يحد ذلك المقدار (5). وروى الحسن بن زياد اللؤلؤي (6) رواية ثالثة: إن آخر وقت الظهر أن

(1) المجموع 3: 21. وقال في النتف 1: 53 ما لفظه: " وفي قول مالك والشافعي إلى غروب الشمس، و زعموا أن وقت الظهر والعصر واحد "، وفي مقدمات ابن رشد 1: 105 ما نصه: " وللضرورة إلى غروب الشمس "، وأحكام القرآن للجصاص 2: 269.
(2) اختاره في جمل العلم والعمل: 61، والناصريات في المسألة 72، وقال العلامة الحلي قدس سره في تذكرة الفقهاء 75: وهو اختيار المرتضى وابن الجنيد.
(3) المجموع 3: 21.
(4) الهداية: 1: 38، وشرح معاني الآثار 1: 159، والنتف 1: 53، وبداية المجتهد 1: 89، وشرح فتح القدير 1: 152.
(5) في أحكام القرآن للجصاص 2: 269: وقال أبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد والحسن بن صالح والثوري والشافعي هو أن يصير ظل كل شئ مثله.
(6) الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، أبو علي، من أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت، له كتاب أدب =

[ 259 ]

يصير ظل كل شئ مثله (1) كقولنا، إلا أنه لا يجعل ما بعد ذلك من وقت العصر بل يقول أن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شئ مثليه، وما يكون بينهما ليس بوقت لواحدة من الصلاتين. دليلنا: على صحة ما ذهبنا إليه: أن ما اعتبرناه لا خلاف أنه وقت للظهر وهو ما بين الزوال إلى أن يصير ظل كل شي مثله وما زاد عليه ليس على كونه وقتا دليل، فوجب الاحتياط والأخذ بما قلناه. وقد تكلمنا على ما اختلف من روايات أصحابنا في هذا الباب في الكتابين المقدم ذكرهما (2). مسألة 5: أول وقت العصر إذا مضى من الزوال مقدار ما يصلى الظهر أربع ركعات، وآخره إذا صار ظل كل شئ مثليه، وفي أصحابنا من قال: إنه ممتد إلى غروب الشمس، وهو اختيار المرتضى (قدس الله روحه) (3)، وبه قال مالك في إحدى الروايتين (4)، والرواية الأخرى إن أول وقت العصر إذا صار

= القاضي وغيره ولي القضاء في الكوفة سنة 194 هجرية، وأخذ عنه محمد بن سماعة ومحمد بن شجاع، واختلف في وثاقته. توفي سنة (204 ه‍) الفوائد البهيمة في تراجم الحنفية: 60، الفهرست لابن النديم: 258، والأنساب للسمعاني 497 / أ. (1) شرح معاني الآثار 1: 159، وشرح العناية بهامش شرح فتح القدير 1: 152، وحكى الشيباني في الأصل 1: 144 قول أبي حنيفة: " لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين " وحكى قول أبي يوسف ومحمد: " إلى أن يكون الظل قامة ". وحكاه السرخسي أيضا عن أبي يوسف ومحمد " إلى أن يكون ظل كل شئ مثله " ونحوه في النتف 1: 53. وفي أحكام القرآن للجصاص 2: 269 روي عن أبي حنيفة ثلاث روايات إحداهن أن يصير الظل أقل من قامتين والأخرى وهي رواية الحسن بن زياد أن يصير ظل كل شئ مثله.
(2) انظر التهذيب 2: 18 - 27، والاستبصار 1: 258 - 262، (148) باب آخر وقت الظهر والعصر.
(3) جمل العلم والعمل: 61، والناصريات: مسألة 72.
(4) قال ابن رشد في مقدماته 1: 105 " وآخر وقت العصر للضرورة إلى غروب الشمس "، والمجموع 3: 21 و 26.

[ 260 ]

ظل كل شئ مثله (1)، وقال الشافعي وأصحابه: إذا صار ظل كل شئ مثله، وزاد عليه أدنى زيادة خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر ثم لا يزال وقت العصر للمختار إلى أن يصير ظل كل شئ مثليه، فإذا جاوز ذلك خرج وقت المختار ويبقى وقت الجواز إلى أن تصفر الشمس (2)، وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد ومالك والحسن بن صالح وأبو يوسف ومحمد (3). وقال أبو حنيفة: أول وقت العصر إذا صار ظل كل شئ مثليه وآخره إذا اصفرت الشمس (4). دليلنا على ما قلناه من أول وقت العصر: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن الشمس إذا زالت فقد وجبت الصلاتان، إلا أن الظهر قبل العصر، وإنما الخلاف في آخر الوقت. وأما ما روي من أخبار القدم، والقدمين، والذراع، والقامة وغير ذلك فقد بينا الوجه فيها في الكتابين المقدم ذكرهما (5)، وبينا أن ذلك تقدير للنوافل لا للفريضة فكأنهم قالوا: يجوز النوافل ذلك القدر فإذا خرج وجبت البدأة بالفرض.

(1) مقدمات ابن رشد 1: 105، ومختصر العلامة خليل: 23، وبداية المجتهد 1: 91، والمجموع 3: 21 وعمدة القاري 5: 29 - 33.
(2) الأم 1: 72 - 73، والأم (مختصر المزني): 11، ومغني المحتاج 1: 122، والمجموع 3: 25، وعمدة القاري 5: 33، وبداية المجتهد 1: 91، والمنهج القويم 1: 107، والمغني لابن قدامة: 1: 376.
(3) الأصل 1: 145، وعمدة القاري 5: 29 و 33، ومراقي الفلاح: 29، ومقدمات ابن رشد 1: 105، وبداية المجتهد 1: 91، والمجموع 3: 21، وفتح الرحيم 1: 62، والمغني لابن قدامة 1: 376، ومختصر العلامة خليل: 23.
(4) الأصل: 1: 145، والهداية 1: 38، وأحكام القرآن للجصاص 2: 272، والنتف 1: 53، وشرح فتح القدير 1: 153، ومراقي الفلاح: 29، والمجموع 3: 28، وعمدة القاري 5: 29 و 33، وشرح العناية 1: 153، وبداية المجتهد 1: 91.
(5) التهذيب 2: 18 - 27، والاستبصار 1: 258 - 262.

[ 261 ]

دليلنا على أن آخر الوقت ما قلناه: هو أن ما قلناه مجمع على أنه من وقت العصر، وما ذكروه ليس على كونه وقتا للأداء دليل. وقد بينا الوجه في الأخبار المختلفة في ذلك فيما أو مأنا إليه من الكتابين (1). مسألة 6: أول وقت المغرب، إذا غابت الشمس، وآخره إذا غاب الشفق وهو الحمرة، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، و أبو بكر بن المنذر (2) في إختياره (3)، وحكى أبو ثور هذا المذهب عن الشافعي، ولم يصححه أصحابه (4)، إلا أن أبا حنيفة قال: الشفق هو البياض، لكنه كره تأخير المغرب (5). وقال الشافعي وأصحابه: إن وقت المغرب وقت واحد، وهو إذا غابت الشمس، وتطهر وستر العورة وأذن وأقام فإنه يبتدئ بالصلاة في هذا الوقت، فإن أخر الابتداء بها عن هذا الوقت فقد فاته (6). وقال أصحابه: لا

(1) المصدر السابق.
(2) تقدم ذكره في المسألة: 213 من دون تقييده بكنيته، فتعسر تحديده هناك. هو: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، من أصحاب الوجوه عند الشافعية، روى عن محمد بن ميمون ومحمد بن إسماعيل الصائغ وغيرهما، وروى عنه ابن المقري والدمياطي وغيرهم وله الاشراف على مذاهب الأشراف وغيره. توفي سنة (310 ه‍.) طبقات الشافعية 2: 126، ومرآة الجنان 2: 261، وطبقات الفقهاء الشافعية: 67، والمجموع 1: 72، و 3: 448.
(3) المجموع 3: 34، والهداية 1: 38، وشرح معاني الآثار 1: 155، وبداية المجتهد 1: 92، ومراقي الفلاح: 29، والمغني لابن قدامة 1: 381.
(4) قال الشوكاني في نيل الأوطار 1: 402 " ونقل عنه أبو ثور إن لها وقتين، الثاني منهما ينتهي إلى مغيب الشفق ". وانظر مغني المحتاج 1: 122، والمنهج القويم 1: 108، وبداية المجتهد 1: 92.
(5) الأصل 1: 145، وشرح معاني الآثار 1: 155، والهداية 1: 38، وأحكام القرآن للجصاص 2: 274، وشرح فتح القدير 1: 154.
(6) الأم: 1: 73، والمجموع 3: 28، ومغني المحتاج 1: 123، والسراج الوهاج 1: 34.

[ 262 ]

يجئ على مذهبه غير هذا. وبه قال الأوزاعي (1). وذهب مالك إلى أن وقت المغرب ممتد إلى طلوع الفجر الثاني، كما أن وقت الظهر ممتد إلى المغرب (2)، وفي أصحابنا من قال بذلك، ومنهم من قال: أن وقته ممتد إلى ربع الليل (3). دليلنا: إن ما اعتبرناه مجمع عليه بين الفرقة المحقة أنه من الوقت، وإنما اختلفوا في آخره، وقد بينا الوجه فيما اختلف من الأخبار في هذا المعنى في الكتابين المقدم ذكرهما (4)، وطريقة الاحتياط تقتضي ما قلناه، فإنه إذا صلى في هذا الوقت كان مؤديا بلا خلاف، واختلفوا إذا صلى بعد هذا الوقت. مسألة 7: الأظهر من مذهب أصحابنا، ومن رواياتهم أن أول وقت العشاء الآخرة إذا غاب الشفق الذي هو الحمرة (5)، وفي أصحابنا من قال: إذا

(1) المجموع 3: 34.
(2) مقدمات ابن رشد 1: 106، وفتح الرحيم 1: 62، ومختصر العلامة خليل: 23، وأحكام القرآن للجصاص 2: 274 والمجموع 3: 34، ونيل الأوطار 1: 403.
(3) ذهب إليه الشيخ المفيد في المقنعة: 14، مقيد إياه بالسفر حيث قال: (والمسافر إذا جد به السير عند المغرب فهو في سعة من تأخيرها إلى نصف الليل)، ومال إليه الصدوق في الفقيه 1: 141 مع التقييد حيث قال: (ووقت المغرب لمن كان في طلب المنزل في سفر إلى ربع الليل، والمفيض من عرفات إلى جمع كذلك). وقال علم الهدى السيد المرتضى في الناصريات مسألة 74 ما نصه: " وآخر وقتها مغيب الشفق... وروي ربع الليل ". ولعله إشارة إلى خبر عمر بن يزيد المروي في التهذيب 2: 31 حديث 94، والاستبصار 1: 267 حديث 964 وغيره. وذهب إليه أيضا أبو الصلاح الحلبي في الكافي: 137 حيث قال: " وآخر وقت المضطر ربع الليل " (4) التهذيب 2: 27 - 35، والاستبصار 1: 269 - 273.
(5) قال الحلبي في الكافي: 137 ما نصه: (وأول وقت العشاء الآخرة أن يمضي من غروب الشمس مقدار صلاة المغرب وتأخيرها إلى أن تغيب الحمرة من المغرب أفضل). وذهب الشيخ الصدوق في الهداية 30 إلى القول بأن " وقت العشاء من غيبوبة الشفق إلى ثلث الليل ". وقال سلار في مراسمه: 73 ما لفظه: (فإذا غاب الشفق الأحمر أذن وأقام ثم صلى العشاء الآخرة أربعا فرضه) ومثله =

[ 263 ]

غابت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين (1)، ولا خلاف بين الفقهاء إن أول وقت العشاء الآخرة غيبوبة الشفق، وإنما اختلفوا في ماهية الشفق، فذهب الشافعي إلى أنه الحمرة (2)، فإذا غابت بأجمعها فقد دخل وقت العشاء الآخرة، وروي ذلك عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر (3) وعبد الله بن مسعود، و أبي هريرة، وعبادة بن الصامت (4)، وشداد بن أوس (5)، وبه قال مالك والثوري ومحمد (6). وقال قوم: الشفق هو البياض لا تجوز الصلاة إلا بعد غيبوبته ذهب إليه

= في الناصريات المسألة 74 قال المرتضى: (الشفق الذي يدخل بغيبوبته وقت العشاء البياض في إحدى الروايتين والحمرة في الرواية الأخرى، والصحيح عندنا أن الشفق هو الحمرة دون البياض). والمفيد في المقنعة 14: (وأول وقت العشاء مغيب الشفق وهو الحمرة في المغرب). (1) قال السيد المرتضى في جمله 61 ما لفظه: (فإذا غربت الشمس دخل وقت صلاة المغرب... واشتركت الصلاتان في الوقت... إلى آخره).
(2) المجموع 3: 42، ومغني المحتاج 1: 122 - 123، وسنن البيهقي 1: 373، وأحكام القرآن للجصاص 2: 274 والهداية 1: 39، والمنهج القويم 1: 108، وشرح فتح القدير 1: 155، ونيل الأوطار 1: 411.
(3) سنن البيهقي 1: 373.
(4) عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم... بن الخزرج الأنصاري أبو الوليد، روى عن النبي (ص)، شهد بدرا، وروى عنه أبناؤه وإسحاق بن يحيى، ولم يدركه ومن أقرانه أبو أيوب الأنصاري و أنس بن مالك وجابر وغيرهم، وهو أول من ولي القضاء بفلسطين توفي سنة 34 بالرملة. تهذيب التهذيب 5: 112 والإصابة 2: 260، والتاريخ الكبير 5: 92.
(5) شداد بن أوس بن ثابت الخزرجي ابن أخ الشاعر حسان بن ثابت، روى عن النبي (ص) وعن كعب الأحبار، وروى عنه ابناه ومحمود بن الربيع. توفي سنة 58 وقيل 64 وقيل غير ذلك. وحكى ابن حجر في التهذيب عن أبي نعيم أنه توفي بفلسطين أيام معاوية وعقبه ببيت المقدس الإصابة 2: 138، وتهذيب التهذيب 4: 315، وصفوة الصفوة 1: 296، والكواكب الدرية 1: 61.
(6) الأصل 1: 145، وسنن البيهقي 1: 373، ومقدمات ابن رشد 1: 106، وأحكام القرآن للجصاص 2: 274، والمجموع 3: 42، والنتف: 1: 53، ونيل الأوطار 1: 411، واللباب في شرح الكتاب 1: 60.

[ 264 ]

الأوزاعي وأبو حنيفة وزفر، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز (1)، وهو اختيار المزني (2). وذهب أحمد إلى أن وقتها في البلدان والأبنية غيبوبة البياض، وفي الصحاري والفضاء غيبوبة الحمرة (3) فإن البنيان يستر، فاحتيط بتأخير الصلاة إلى غيبوبة البياض، ليتحقق معه غيبوبة الحمرة، وفي الصحراء لا حائل يمنع من ذلك فلم يعتبر ذلك، لا أنه جعل الوقت مختلفا في الصحاري والبنيان. دليلنا: إن ما اعتبرناه من ذلك لا خلاف بين الطائفة المحقة أنه من الوقت، وليس هاهنا إجماع على أن ما قبله وقت فوجب الاحتياط لئلا يصلي قبل دخول الوقت، وقد تكلمنا على الأخبار المختلفة في هذا المعنى في الكتابين المقدم ذكرهما (4). مسألة 8: الأظهر من مذاهب أصحابنا ومن روايتهم إن آخر

(1) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبو حفص الخليفة الأموي، مات سنة 101 بدير سمعان، خير بني أمية يعرف بأشح بني أمية، قال الإمام محمد بن علي بن الحسين في حقه: " لكل قوم نجيبة، ونجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز " وظاهر ذلك لأنه رفع السب عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. ولذا يقول الشريف الرضي في قصيدته العصماء. - يا بن عبد العزيز لو بكت العين * فتى من أمية لبكيتك - - أنت نزهتنا عن السب والشتم * فلو أمكن الجزاء جزيتك - تنقيح المقال 2: 345، وتاريخ الطبري 5: 306، وتهذيب التهذيب 7: 475. (3) المجموع 3: 43، ومغني المحتاج 1: 123، والأصل 1: 145، وأحكام القرآن للجصاص 2: 274، والهداية 1: 39، وشرح فتح القدير 1: 155، ونيل الأوطار 1: 411، واللباب في شرح الكتاب 1: 60.
(3) مسائل أحمد بن حنبل: 27، والبحر الزخار 2: 157، ونيل الأوطار 1: 411.
(4) التهذيب 2: 27 - 35، والاستبصار 1: 262 باب 149 وقت المغرب والعشاء الآخرة.

[ 265 ]

وقت العشاء الآخرة إذا ذهب ثلث الليل وقد روي نصف الليل (1)، وروي إلى طلوع الفجر (2). وقال الشافعي في الجديد: إن آخر وقتها المختار إلى ثلث الليل، وروى ذلك عن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز (3)، وقال في القديم والأملاء: آخر وقتها إلى نصف الليل (4)، وهذا وقت الاختيار، فأما وقت الضرورة والإجزاء فإنه باق إلى طلوع الفجر (5) كما قالوا في الظهر والعصر إلى غروب الشمس، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه (6). وقال قوم: وقتها ممتد إلى طلوع الفجر الثاني، وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاووس ومالك (7). وقال النخعي: آخر وقتها ربع الليل (8). دليلنا: إجماع الفرقة بل إجماع المسلمين على أن وقتها ممتد إلى ثلث الليل،

(1) الكافي 3: 281، حديث 13، ومن لا يحضره الفقيه 1: 142 حديث 662، و 141 حديث 657، والتهذيب 2: 25 حديث 72، و 28 حديث 82 و 30 حديث 88، و 27 حديث 78، و 261 حديث 1041، و 262 حديث 1042 و 1043، والاستبصار 1: 273 حديث 986 - 988، و 261 حديث 938، و 263 حديث 945، و 264 حديث 953. ومال إليه السيد المرتضى في جمل العلم والعمل: 61، وسلار في مراسمه: 62، وقيده الحلبي في الكافي: 136 بالاضطرار إلى نصف الليل.
(2) التهذيب 2: 256 حديث 1015، و 270 حديث 1076 و 1077، والاستبصار 1: 273 حديث 989 و 260 حديث 933، و 288 حديث 1053 و 1054. والأحاديث مقيدة بالنوم والنسيان.
(3) المجموع 3: 39، وعمدة القاري 5: 29 و 62، وبداية المجتهد 1: 93، ومغني المحتاج 1: 124، والمنهج القويم 1: 108، وشرح فتح القدير 1: 155.
(4) المجموع 3: 39، ومغني المحتاج 1: 124، وعمدة القاري 5: 62.
(5) المجموع 3: 39، والمنهج القويم 1: 108.
(6) الأصل 1: 146، والهداية 1: 39، وعمدة القاري 5: 69، وشرح فتح القدير 1: 155.
(7) مقدمات ابن رشد 1: 106، وعمدة القاري 5: 62، والمجموع 3: 40.
(8) عمدة القاري 5: 62.

[ 266 ]

وإنما الخلاف فيما زاد على ذلك، وقول النخعي قد تقدمه الإجماع وتأخر عنه، وما زاد على ثلث الليل ليس عليه دليل فوجب إطراحه والأخذ بالاحتياط. مسألة 9: الفجر الثاني هو أول النهار وآخر الليل فينفصل به الليل من النهار وتحل به الصلاة ويحرم به الطعام والشراب على الصائم وتكون الصلاة الصبح من صلاة النهار، وبه قال عامة أهل العلم (1). وذهبت طائفة إلى أن ما بين طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس ليس من الليل ولا من النهار، بل هو زمان منفصل بينهما (2). وذهبت طائفة إلى أن أول النهار هو طلوع الشمس وما قبل ذلك من الليل، فتكون صلاة الصبح من صلاة الليل، ولا يحرم الطعام والشراب على الصائم إلى طلوع الشمس ذهب إليه الأعمش (3) وغيره، وروي ذلك عن حذيفة (4). دليلنا: على فساد قول الفرقة الأولى: قوله تعالى " يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل " (5) وهذا ينفي أن يكون بينهما فاصل، ويدل على فساد

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 269.
(2) حكاه النووي في المجموع 3: 45 عن الشيخ أبي حامد في تعليقه عن قوم أنهم قالوا: (ما بين طلوع الشمس والفجر لا من الليل ولا من النهار بل زمن مستقل فاصل بينهما قالوا: وصلاة الصبح لا في الليل ولا في النهار). وانظر الهداية للمرغيناني 1: 38، والمبسوط 1: 141، وشرح فتح القدير 1: 152.
(3) الأعمش: أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي مولاهم الكوفي معروف بالفضل والثقة والجلالة والتشيع والاستقامة، عده الشيخ في الرجال من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وذكره السمعاني في أنسابه بعنوان الكاهلي وأثنى عليه علماء العامة وأقروا بفضله وثقته وجلالته مع اعترافهم بتشيعه. قال ابن حجر في تهذيبه: (قال العجلي: كان ثقة ثبتا... وكان فيه تشيع. توفي سنة 148 ه‍.) رجال الطوسي: 206، الكنى والألقاب 2: 45، وتنقيح المقال 2: 65، والأنساب للسمعاني: 473، وتهذيب التهذيب 4: 222.
(4) المجموع 3: 45.
(5) الحج: 61.

[ 267 ]

قول الأعمش قوله تعالى " أقم الصلاة طرفي النهار " (1) ولم يختلفوا أن المراد بذلك صلاة الصبح والعصر، فلما كانت صلاة الصبح تقام بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس دل ذلك على أن هذا الوقت طرف النهار وعنده أنه من الليل. وأيضا أجمعت الفرقة المحقة على تحريم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر الثاني، وقد بينا أن ذلك حجة على أن هذا الخلاف قد انقرض، وأجمع عليه المسلمون (2) فلو كان صحيحا لما انقرض. مسألة 10: أول وقت صلاة الفجر لا خلاف فيه أنه حين يطلع الفجر الثاني، فأما آخر الوقت فعندنا إن وقت المختار إلى أن يسفر الصبح ووقت المضطر إلى طلوع الشمس، وبه قال الشافعي وجميع أصحابه (3). وذهب الاصطخري من أصحابه إلى أنه إذا أسفر فات وقت الصبح (4). وقال أبو حنيفة وأصحابه: أن الوقت ممتد إلى طلوع الشمس من غير تفصيل (5). دليلنا: طريقة الاحتياط فإن ما اعتبرناه لا خلاف بين الأمة أنه من الوقت وما زاد عليه ليس عليه دليل أنه وقت الاختيار، وقد بينا الوجه فيما اختلف من أخبارنا في الكتابين المقدم ذكرهما (6).

(1) هود: 114.
(2) قال النووي في المجموع 6: 305: (هو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، قال ابن المنذر: وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعلماء الأمصار وبه نقول).
(3) الأم 1: 74، والمجموع 3: 43، ومغني المحتاج 1: 124.
(4) المجموع 3: 43، وبداية المجتهد 1: 94.
(5) الأصل 1: 144، وأحكام القرآن للجصاص 2: 268، والمبسوط 1: 141، والنتف 1: 52.
(6) التهذيب 2: 38، والاستبصار 1: 275 - 276.

[ 268 ]

مسألة 11: إذا صلى من الفجر ركعة ثم طلعت الشمس أو صلى من العصر ركعة وغابت الشمس، فقد أدرك الصلاة جميعها في الوقت، وهو ظاهر مذهب الشافعي وهو قول ابن خيران من أصحابه (1)، وبه قال أحمد وإسحاق وعامة الفقهاء (2). وذهبت طائفة من أصحاب الشافعي إلى أنه يكون مدركا للركعة الأولى في وقتها وقاضيا للأخرى في غير الوقت (3). وقال المرتضى رحمه الله من أصحابنا: أنه يكون قاضيا لجميع الصلاة (4). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، فإنهم لا يختلفون في أن من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس يكون مؤديا في الوقت، وإنما اختلفوا في أن هذا هل هو وقت اختيار، أو وقت اضطرار، فأما أنه وقت الأداء فلا خلاف بينهم فيه. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح وهذا نص (5).

(1) المجموع 3: 62.
(2) الاقناع 1: 84، وشرح معاني الآثار 1: 151، والمجموع 3: 62.
(3) قال النووي في المجموع 3: 62 (وهو قول أبي إسحاق المروزي).
(4) إن المتوفر لدينا من كتب الشريف المرتضى خلوها من هذا القول، إلا أن المحكي عنه في الجواهر 7: 258، والحدائق 6: 277، والمدارك في شرحه للمسألة الأولى من أحكام المواقيت عند قوله (ويكون مؤديا على الأظهر) فقد اختلف الأصحاب في ذلك على أقوال ثلاثة... ثانيها: أن يكون قاضيا لجميع الصلاة، واختاره السيد المرتضى...)، والعلامة في المختلف: 75 في مسألة (لو ضاق الوقت عن الفريضة) بقوله: إحتج السيد المرتضى القائل بكون الجميع قضاء أبان أجزاء العبادة مقابلة لأجزاء الوقت، والعاملي في مفتاح الكرامة 1: 385 حكى النسبة إلى السيد عن الشيخ وصاحب القواعد وولده وجماعة. هذا وقد نسب المصنف هذا القول في المبسوط 1: 72 إلى بعض الأصحاب من دون تعيين له.
(5) صحيح مسلم 1: 424 حديث 163، وانظر صحيح البخاري 1: 143 باب من أدرك من الفجر ركعة، والموطأ 1: 6 حديث 5، ومسند أحمد بن حنبل 2: 462، وسنن النسائي 1: 257، والمصنف 1: =

[ 269 ]

مسألة 12: يجوز الأذان قبل طلوع الفجر إلا أنه ينبغي أن يعاد بعد طلوع الفجر، وبه قال الشافعي إلا أنه قال: السنة أن يؤذن للفجر قبل طلوع الفجر، وأحب أن يعيد بعد طلوع الفجر فإن لم يفعل واقتصر على الأول أجزأه، وبه قال مالك وأهل الحجاز والأوزاعي وأهل الشام وأبو يوسف وداود وأحمد وإسحاق وأبو ثور (1). وقال قوم لا يجوز أن يؤذن لصلاة الصبح قبل دخول وقتها كسائر الصلوات، ذهب إليه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه (2). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن بلالا (3) يؤذن بليل،

= 585 حديث 2227، وسنن ابن ماجه 1: 229 حديث 699 و 700. هذا وللحديث تتمة لاحظها في المسألة 13 أضف إلى أن للحديث ألفاظ أخرى متحدة المعنى مع المتن. (1) الأصل 1: 131، والمبسوط 1: 134، والمجموع 3: 89، ونيل الأوطار 2: 32، وتفسير القرطبي 6: 229 وبداية المجتهد 1: 104، والمحلى 3: 119.
(2) الأصل 1: 131، والمبسوط 1: 134، وشرح معاني الآثار 1: 141، والمجموع 3: 89، والمحلى 3: 119 ونيل الأوطار 2: 32، وتفسير القرطبي 6: 229، وبداية المجتهد 1: 104.
(3) بلال بن رياح أبو عبد الله، أول مؤذن للنبي صلى الله عليه وآله، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله، ولم يؤذن لأحد من بعده إلا مرة واحدة وبطلب من الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام. وروي في حقه عن النبي صلى الله عليه وآله إن بلالا سابق الحبش كما في الخصال 1: 279 وعن أمير المؤمنين عليه السلام السباق خمسة أنا سابق العرب وسلمان سابق الفرس وبلال سابق الحبش... الخ). وروى ابن سعد في طبقاته بسنده إلى جابر بن سمرة قوله... وربما أخر الإقامة قليلا، ولكن لا يخرج في الأذان عن الوقت، عده الشيخ من أصحاب النبي توفي سنة 18 هجرية. تنقيح المقال 1: 182، ورجال الشيخ الطوسي: 8، والخلاصة 27، والطبقات الكبرى 3: 232.

[ 270 ]

فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (1) (2) فأخبر عليه السلام إن بلالا

(1) ابن أم مكتوم: اختلف في إسمه فقيل عبد الله، وقيل عمرو، واتفقوا على نسبه أنه: ابن قيس بن زائدة بن الأصم، وأمه عاتكة (أم كلثوم) بنت عبد الله، وهو الأعمى الذي عاتب الله نبيه صلى الله عليه وآله في شأنه.
(2) صحيح مسلم 2: 768 حديث 38، وصحيح البخاري 1: 152 باب الأذان قبل الفجر، وسنن الترمذي 1: 394 باب 149 حديث 203، وموطأ مالك 1: 74 حديث 14 و 15 باختلاف، وسنن النسائي 2: 10 باب (هل يؤذنان جميعا أو فرادى؟). وسنن الدارمي 1: 270. ووردت الرواية بطرق أخرى وبألفاظ متقاربة، بتقديم وتأخير في البعض منها. علما بأنه قد ورد عن طريق أهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم أجمعين ما ينفي ذلك، ويثبت أن المؤذن بليل هو (ابن أم مكتوم)، والمؤذن في الوقت الشرعي هو بلال. ولكن الأيدي الأثيمة تلاعبت بذلك فقدمت بعضا وأخرت أخرى. لأمر ما قد حز في قرارة أنفسهم. ويدل على ذلك من طرق الخاصة: - 1 - ما رواه الكليني في الكافي 4: 98 حديث 3 بسنده عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فقال: بياض النهار من سواد الليل. قال: وكان بلال يؤذن للنبي صلى الله عليه وآله وابن أم مكتوم - وكان أعمى - يؤذن بليل، ويؤذن بلال حين يطلع الفجر، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام والشراب فقد أصبحتم. ورواها الشيخ المصنف في التهذيب 4: 184 حديث 513 بسنده إلى الكليني بتفاوت. وروى الكليني في الكافي 4: 98 حديث 1 بسنده إلى زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أذن ابن أم مكتوم لصلاة الغداة، ومر رجل برسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتسحر فدعاه أن يأكل معه، فقال: يا رسول الله قد أذن المؤذن للفجر، فقال: إن هذا ابن أم مكتوم، وهو يؤذن بليل، فإذا أذن بلال فعند ذلك فأمسك. 2 وما رواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 189 حديث 905: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله مؤذنان... فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان بلال. فغيرت العامة هذا الحديث عن جهته، وقالوا إنه عليه السلام قال: إن بلالا يؤذن بليل...!؟!. وأما من طرق العامة: 1 ما رواه النسائي في سننه 2: 10 بسنده عن خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أنيسة قالت: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله " إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا " =

[ 271 ]

يؤذن بالليل، ولم ينكر ذلك. وروى ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في النداء قبل طلوع الفجر فقال: لا بأس، وأما السنة مع الفجر وإن ذلك لينفع الجيران يعني قبل الفجر (1). مسألة 13: الوقت الأول هو وقت من لا عذر له ولا ضرورة، والوقت الآخر وقت من له عذر وضرورة، وبه قال الشافعي. وذكر الشافعي في الضرورة (2) أربعة أشياء، الصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق، والحائض والنفساء إذا طهرتا، والكافر إذا أسلم (3). ولا خلاف بين أهل العلم في أن واحدا من هؤلاء الذين ذكرناهم إذا أدرك قبل غروب الشمس مقدار ما يصلي ركعة، أنه يلزمه العصر، وكذلك إذا أدرك قبل طلوع الفجر الثاني مقدار ركعة أنه يلزمه العشاء الآخرة، وقبل طلوع الشمس بركعة يلزمه الصبح، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (4).

= 2 - ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده 6: 433 بسنده عن حبيب قال: سمعت عمتي تقول إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال!. ونحوه في سنن البيهقي 1: 382.
3 - ورواه البيهقي في سننه 1: 382 بسنده عن زيد بن ثابت إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال.
4 - ورواها الزيلعي في نصب الراية 1: 289 عن ابن خزيمة في صحيحه بسنده عن عائشة: إن رسول الله قال: (إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال) وكان بلال لا يؤذن حتى يطلع الفجر، ونحوه في سنن البيهقي 1: 382. (إنتهى). (1) التهذيب 2: 53 حديث 178.
(2) في بعض النسخ زيادة (في الوقت).
(3) الأم 1: 70، والمجموع 3: 66.
(4) صحيح البخاري 1: 143 باب من أدرك من الفجر ركعة، وصحيح مسلم 1: 424 حديث 163 =

[ 272 ]

وكذلك روي عن أئمتنا عليهم السلام (1)، فأما إذا أدرك أقل من ركعة، فعندنا أنه لا يجب عليه الصلاة (2). واختلف قول الشافعي، فالذي عليه عامة أصحابه، ونص عليه في الأم، ونقله المزني إلى المختصر وحكى أنه سمعه من الشافعي لفظا أنه إذا أدرك دون الركعة بمقدار تكبيرة الاحرام يلزمه الصلاة، واختاره المزني (3)، وبه قال أبو حنيفة (4). وقال أبو حامد المروذي (5): هو أشهر القولين نصر عليه في كتاب استقبال القبلة. والقول الآخر: أنه يجب بمقدار ركعة، ولا يجب بما دونها (6). دليلنا: إجماع الأمة على أن من لحق ركعة تلزمه تلك الصلاة، وإذا لحق أقل من ذلك فليس على لزومها دليل. والأصل براءة الذمة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أدرك ركعة من العصر

= ومسند أحمد بن حنبل 2: 462، وسنن الترمذي 1: 353 حديث 186، وسنن ابن ماجة 1: 229 حديث 700، وموطأ مالك 1: 6 حديث 5، وسنن النسائي 1: 257، وسنن الدارمي 1: 278. (1) التهذيب 2: 38 حديث 119 و 120، و 2: 262 حديث 1044، والاستبصار 1: 275 حديث 999 و 1000.
(2) أي عند الشيعة الإمامية حيث يسقط عنه وجوب الأداء، هذا ولا يخفى أن للمسألة فروعا تختلف أحكامها فمن وجوب القضاء في بعض وعدمه في الآخر.
(3) الأم (مختصر المزني): 12، والأم 1: 70.
(4) فتح العزيز (بهامش المجموع) 3: 68.
(5) أبو حامد أحمد بن بشر بن عامر المروذي - وقيل أحمد بن عامر بن بشر المروروذي - العامري مؤلف الجامع الكبير والصغير في الفقه على مذهب الشافعي، والاشراف في أصول الفقه وهو صاحب أبي إسحاق المروزي. نزل البصرة وعنه أخذ فقهاؤها توفي سنة 362 هجرية طبقات فقهاء الشافعية: 27، والاكمال 7: 313، وطبقات الفقهاء: 94.
(6) المجموع 3: 65 - 66.

[ 273 ]

قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح (1). وروي أن (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها) (2)، وذلك يدل على أنه إذا أدرك أقل من ركعة لا يجب عليه. مسألة 14: إذا أدرك بمقدار ما يصلي فيه خمس ركعات قبل المغرب لزمته الصلاتان بلا خلاف، وإن لحق أقل من ذلك لم يلزمه الظهر عندنا (3)، وكذلك القول في المغرب والعشاء الآخرة قبل طلوع الفجر. وللشافعي فيه أربعة أقوال، أحدها: أنه يدرك الظهر بما يدرك به العصر، وفي العصر قولان أحدهما: مقدار ركعة (4)، والثاني: أقل من ركعة (5)، والثالث أنه يدرك الظهر بإدراك ما يصلي فيه ركعة ويتطهر (6)، والرابع: أنه يعتبر مقدار إدراك خمس ركعات كما قلناه (7)، قالوا والمنصوص للشافعي في القديم: أنه يدرك الظهر بإدراك أربع ركعات، والعصر بإدراك ركعة (8). وقال أبو إسحاق: يدرك العصر بإدراك أربع ركعات، والظهر بإدراك

(1) صحيح مسلم 1: 425 حديث 165، وسنن ابن ماجه 1: 229 حديث 699، وسنن أبي داود 1: 112 حديث 412، والمصنف 1: 584 حديث 2224.
(2) صحيح البخاري 1: 143 (باب من أدرك ركعة من الصلاة)، وصحيح مسلم 1: 423 حديث 161، وسنن النسائي 1: 274، وسنن ابن ماجه 1: 356 حديث 1122، والموطأ 1: 10 حديث 15، وسنن الدارمي 1: 277 (باب من أدرك ركعة).
(3) أي بعنوان الأداء، وإلا فوجب القضاء ثابت عليه بلا خلاف، وقد تقدمت الإشارة إليها في هامش رقم (2) من المسألة السابقة أنها ذات فروع تختلف حكما باختلافها.
(4) الأم 1: 73، والمجموع 3: 64 و 66.
(5) المجموع 3: 64 و 66.
(6) المصدر السابق.
(7) المصدر السابق 65 و 66.
(8) المجموع 3: 65 و 66. وإرشاد الساري 1: 498.

[ 274 ]

ركعة واحدة (1) وقد خرج أبو إسحاق وجها خامسا، وهو أن يكون مدركا للظهر والعصر بإدراك أربع ركعات، وتكبيرة (2). وقال أبو حنيفة ومالك: أنهم لا يدركون الظهر بإدراك وقت العصر ولا المغرب بإدراك وقت العشاء (3). دليلنا: ما روي من الأخبار التي ذكرناها في الكتابين المقدم ذكرهما من أن من أدرك ركعة من الصلاة قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الصلاة (4)، وكذلك قالوا قبل أن تغيب الشمس، ولم يقولوا في من أدرك أقل من ركعة واحدة أنه قد أدرك الصلاة، والأصل براءة الذمة، وإيراد هذه الأخبار يطول. مسألة 15: إذا أدرك من أول وقت الظهر دون أربع ركعات، ثم غلب على عقله بجنون أو إغماء أو حاضت المرأة، أو نفست لم يلزمهم الظهر، وإليه ذهب جميع أصحاب الشافعي (5)، إلا أبا يحيى البلخي (6) فإنه قال: يجب عليه صلاة الظهر قياسا على من لحق ركعة من آخر الوقت (7). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في أن من لم يدرك من أول الوقت

(1) المجموع 3: 65 و 66.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(4) الاستبصار 1: 275 حديث 999 و 1000، والتهذيب 2: 38 حديث 119 و 120، و 262 حديث 1044 باختلاف.
(5) الأم 1: 70، والمجموع 3: 67، ومغني المحتاج 1: 131 - 132.
(6) أبو يحيى زكريا بن يحيى البلخي قاضي الشام أيام المقتدر بالله، روى عن يحيى بن أبي طالب وأبي إسماعيل الترمذي وبشر بن موسى وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وروى عنه عبد الوهاب الكلابي وابن درستويه وغيرهما. توفي بدمشق (330 ه‍) طبقات الشافعية الكبرى 2: 225، وطبقات الشافعية: 18.
(7) المجموع 3: 67.

[ 275 ]

مقدار ما يؤدي الفرض فيه لم يلزمه قضاؤه، وما رووه من أن المغمى عليه يقضي ثلاثة أيام (1) أو يوما وليلة (2) محمول على الاستحباب (3). مسألة 16: إذا أدرك من أول الوقت ما يصلي فيه أربع ركعات، ثم جن لزمه قضاؤه، وكذلك الحائض والنفساء والمغمى عليه. وإذا لحق مقدار ما يصلي فيه ثمان ركعات لزمه الظهر والعصر معا، وبه قال أبو يحيى البلخي من أصحاب الشافعي (4)، ويقتضيه أيضا مذهب مالك، ولست أعرف نصه في ذلك (5). وقال باقي أصحاب الشافعي: لا يلزمه العصر (6). دليلنا: ما قدمناه من أن وقت العصر يلي وقت الظهر، وأنه إذا زالت الشمس فإنه يختص بالظهر مقدار أن يصلي أربع ركعات، وما بعد ذلك مشترك بينه وبين العصر، وإذا ثبت ذلك فهذا قد أدرك وقت العصر فإذا لم يصل فيه فينبغي أن يجب عليه القضاء بالاجماع، ومن خالف في ذلك إنما بناه على أن وقت العصر لم يدخل بعد. وقد دللنا على بطلان قوله (7).

(1) التهذيب 4: 243 حديث 715، و 244 حديث 720 و 723، والاستبصار 1: 458 حديث 1776.
(2) التهذيب 4: 244 حديث 717، والاستبصار 1: 458 حديث 1777.
(3) قال الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 237 بعد نقله الأحاديث الدالة على عدم وجوب القضاء على المغمى عليه: " فأما الأخبار التي رويت في المغمى عليه أنه يقضي جميع ما فاته، وما روي أنه يقضي صلاة شهر، وما روي أنه يقضي صلاة ثلاثة أيام فهي صحيحة ولكنها على الاستحباب لا على الايجاب، والأصل أنه لا قضاء عليه ". وإليه ذهب السيد المرتضى في جملة: 73 حديث علق شرط عدم القضاء بأن لا يكون الاغماء بفعل محرم أو معصية، والمصنف في النهاية: 127، والمبسوط 1: 129، وسلار في المراسم: 91، وللمسألة تفصيلات أخر راجع الموسوعات الفقهية.
(4) المجموع 3: 67.
(5) المجموع 3: 68.
(6) المجموع 3: 68.
(7) راجع المسألة الرابعة والخامسة.

[ 276 ]

مسألة 17: إذا أغمي عليه في جميع وقت الصلاة لم يلزمه قضاؤها، وإن أغمي عليه أياما استحب له قضاء يوم وليلة، وروي ثلاثة أيام (1). وقال الشافعي: لا يجب عليه القضاء، ولم يذكر الاستحباب (2). وقال أحمد: يجب عليه قضاؤها أجمع كائنا ما كانت، وبالغا ما بلغت (3). وقال أبو حنيفة: إن أغمي عليه في خمس صلوات وجب عليه قضاؤها، وإن أغمي عليه في ست صلوات لا يجب عليه قضاؤها (4). دليلنا: هو أن القضاء فرض ثان، والأصل براءة الذمة، وأما اختلاف أخبارنا فقد بينا الوجه فيه في الكتابين المقدم ذكرهما (5)، وقلنا أن ما ورد من أن عليه القضاء محمول على الاستحباب، وما ورد في نفي الوجوب محمول على ظاهره (6). مسألة 18: الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا والأفضل تقديمها في أول الوقت. ومن أصحابنا من قال: تجب بأول الوقت وجوبا مضيقا إلا أنه متى لم يفعلها لم يؤاخذ به عفوا من الله تعالى (7). وقال الشافعي وأصحابه مثل قولنا (8)، وإليه ذهب محمد بن شجاع

(1) انظر الهامش الأول والثاني من المسألة (15) المتقدمة.
(2) المجموع 3: 6.
(3) مسائل أحمد بن حنبل: 49، والاقناع 1: 85، والمجموع 3: 7.
(4) المبسوط 2: 101، والمحلى 2: 233، والمجموع 3: 6 و 7.
(5) التهذيب 4: 243 باب 59، والاستبصار 1: 457 باب 286.
(6) انظر الهامش الثالث من المسألة (15) المتقدمة.
(7) قاله الشيخ المفيد في المقنعة: 14، وحكاه العلامة في المختلف: 73، والمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 2: 25 عن الشيخين في المقنعة والتهذيب. (8) أحكام القرآن لابن العربي 3: 1209، والمجموع 3: 47.

[ 277 ]

البلخي (1) من أصحاب أبي حنيفة. وتستقر الصلاة في الذمة إذا مضى من الوقت مقدار ما يؤدي فيه الفريضة، فمتى جن أو منعه من فعلها مانع كان عليه القضاء على ما بيناه. وقال أبو حنيفة: تجب الصلاة بآخر الوقت (2)، واختلف أصحابه فمنهم من يقول: تجب الصلاة إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار تكبيرة الافتتاح (3)، ومنهم من قال تجب إذا أضاق الوقت ولم يبق إلا مقدار ما يصلي صلاة الوقت (4)، فإذا صلى في أول الوقت اختلف أصحابه، فقال الكرخي (5): تقع واجبة، والصلاة تجب بآخر الوقت أو بالدخول فيها من أول الوقت. ومنهم من قال: إذا صلاها في أول الوقت كانت مراعاة، فإن بقي على صفة التكليف إلى آخر الوقت أجزأت عنه فإن مات أو جن كانت نافلة كما يقولون في الزكاة قبل حلول الحول (6). دليلنا: قوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس " (7) وقد بينا أن الدلوك هو الزوال (8)، والأمر يقتضي الوجوب عندنا والفور أيضا، فإذا ثبت ذلك

(1) محمد بن شجاع البلخي ويقال له: الثلجي، نسبة إلى ثلج بن عمرو بن مالك، من أصحاب الحسن ابن زياد اللؤلؤي، وتفقه عليه، وروى عن محمد بن أحمد بن شيبه وغيره، وروى عنه يحيى بن أكثم ووكيع مات سنة 266 انظر الجواهر المضية 1: 60، الفوائد البهية: 171 والأنساب للسمعاني 116 / ب.
(2) المغني لابن قدامة 1: 373، والمجموع 3: 47، ومقدمات ابن رشد 1: 109. (3 و 4) المجموع 3: 47.
(5) عبيد الله بن الحسين، أبو الحسن الفقيه الحنفي، توفي سنة 340 ه‍. بالفالج. أخذ عنه أبو بكر الرازي الجصاص مؤلف كتاب أحكام القرآن، والدامغاني والشاشي. الجواهر المضية 1: 336، ومرآة الجنان 2: 333.
(6) المجموع 3: 47.
(7) الاسراء 78.
(8) تقدم في المسألة الثانية من هذا الكتاب.

[ 278 ]

كانت الصلاة واجبة في أول الوقت، وأيضا إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في وجوبها فيه، وإنما اختلفوا في أنها هل هي واجبة مضيقة أو موسعة، فأما الأخبار فهي مختلفة في التضييق والتوسعة، وقد بينا الوجه فيها في الكتابين المقدم ذكرهما، وليست مختلفة في كونها واجبة في أول الوقت. مسألة 19: الأذان عندنا ثمانية عشر كلمة، وفي أصحابنا من قال عشرون كلمة (1)، التكبير في أوله أربع مرات، والشهادتان مرتين مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، حي على خير العمل مرتين، الله أكبر مرتين، لا إله إلا الله مرتين. ومن قال عشرون كلمة قال: التكبير في آخره أربع مرات. وقال الشافعي: الأذان تسع عشرة كلمة في سائر الصلوات، وفي الفجر إحدى وعشرون كلمة، التكبير أربع مرات، والشهادتان ثمان مرات مع الترجيع والدعاء إلى الصلاة وإلى الفلاح مرتين مرتين، والتكبير مرتين والشهادة بالتوحيد مرة واحدة، وفي أذان الفجر التثويب مرتين (2). وقال أبو حنيفة: لا يستحب الترجيع، والباقي مثل قول الشافعي، إلا التثويب فيكون الأذان عنده خمس عشرة كلمة (3).

(1) قاله الشيخ الصدوق قدس سره في الهداية: 30، وحكى الشيخ الطوسي قدس سره في النهاية: 68 في الأذان والإقامة ما لفظه: " وقد روي سبعة وثلاثون فصلا في بعض الروايات، وفي بعضها ثمانية وثلاثون فصلا، وفي بعضها اثنان وأربعون فصلا ".
(2) الأم " مختصر المزني ": 12، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 463، وعمدة القاري 5: 104، ومغني المحتاج 1: 136، وتفسير القرطبي 6: 226، والهداية للمرغيناني 1: 41، وسنن الترمذي 1: 366، وبدائع الصنائع 1: 147، وشرح فتح القدير 1: 168، والمبسوط للسرخسي 1: 128، وبداية المجتهد 1: 102، ونيل الأوطار 2: 16.
(3) الهداية للمرغيناني 1: 41، والمبسوط للسرخسي 1: 129، وشرح فتح القدير 1: 168، واللباب في شرح الكتاب 1: 62، والمجموع 3: 93 - 94، وتفسير القرطبي 6: 227، وشرح النووي لصحيح مسلم =

[ 279 ]

وقال مالك: يستحب الترجيع والتكبير في أوله مرتان فيكون سبع عشرة كلمة (1). وقال أبو يوسف: التكبير مرتان، والترجيع لا يستحب فيه فيكون ثلاث عشرة كلمة (2). وقال أحمد بن حنبل: أن يرجع فلا بأس، وإن لم يرجع فلا بأس. وهذا حكاه أبو بكر بن المنذر (3). مسألة 20: الإقامة سبعة عشر فصلا على ترتيب فصول الأذان، وينقص منه من التكبيرات في أولها تكبيرتين، ويزاد فيها بدلها قد قامت الصلاة مرتين بعد قوله حي على خير العمل، وينقص من التهليل مرة واحدة. ومن أصحابنا من قال: أن عددها اثنان وعشرون فصلا، أثبت عدد فصول الأذان على ما حكيناه (4)، وزاد فيها قد قامت الصلاة مرتين (5). وقال الشافعي: الإقامة أحد عشر كلمة، التكبير مرتان، والشهادتان مرتان، والدعاء إلى الصلاة وإلى الفلاح مرة مرة، والإقامة مرتان، والتكبير والتهليل مرة مرة (6).

= بهامش إرشاد الساري 2: 464، وبداية المجتهد 1: 102. (1) المدونة الكبرى 1: 57، وتفسير القرطبي 6: 227، وبداية المجتهد 1: 102 وشرح الخرشي على مختصر سيدي خليل 1: 229، والمجموع 3: 93، والمبسوط للسرخسي 1: 129، وعمدة القاري 5: 104 و 107، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 463.
(2) شرح معاني الآثار 1: 131 - 132، والمبسوط للسرخسي 1: 129، وبدائع الصنائع 1: 147.
(3) مسائل أحمد بن حنبل: 27، والروض المربع 1: 40، والمجموع 3: 93، وعمدة القاري 5: 107.
(4) حكاه في المسألة التاسعة عشرة.
(5) قاله الشيخ الصدوق في الهداية: 30.
(6) الأم 1: 85، والمجموع 3: 94، ومغني المحتاج 1: 146، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 460، وعمدة القاري 5: 104، والمبسوط 1: 129، وبدائع الصنائع 1: 148، وتفسير القرطبي 6: 227، =

[ 280 ]

وقال في القديم: الإقامة مرة مرة (1) ذكره أبو حامد المروزي: والأول هو المشهور عندهم، وبه قال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وعروة بن الزبير والحسن البصري (2). وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان، ويزاد فيها قد قامت الصلاة مرتين فتكون الإقامة عنده أكثر فصولا من الأذان وهي سبع عشرة كلمة (3). وقال مالك وداود: الإقامة عشر كلمات، ولفظ الإقامة مرة واحدة (4). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن ما قلناه من الإقامة والأذان، وإن اختلفوا فيما زاد عليه، وقد بينا الوجه في اختلاف الأحاديث في هذا المعنى في الكتابين المقدم ذكرهما (5). مسألة 21: يستحب أن يكون المؤذن على طهارة فإن كان محدثا، أو جنبا كان الأذان مجزيا، وإن ترك الأفضل.

= وبداية المجتهد 1: 107، وشرح فتح القدير 1: 169، ونيل الأوطار 2: 21، والفتح الرباني 3: 24. (1) الأم (مختصر المزني): 12، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 460، وبداية المجتهد 1: 107، وعمدة القاري 5: 104، ونيل الأوطار 2: 21، والفتح الرباني 3: 26.
(2) مسائل أحمد بن حنبل: 27، والروض المربع 1: 40، والفتح الرباني 3: 26، والمجموع 3: 94، ونيل الأوطار 2: 22، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 460.
(3) الهداية 1: 41، والمبسوط 1: 128، وعمدة القاري 5: 104، وشرح فتح القدير 1: 169، والمجموع 3: 94، والمحلى 3: 153، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 461، وبدائع الصنائع 1: 147 - 148، ونيل الأوطار 2: 22، وتفسير القرطبي 6: 227، وبداية المجتهد 1: 107، والفتح الرباني 3: 26.
(4) المحلى 3: 153، وتفسير القرطبي 6: 227، وبداية المجتهد 1: 107، والمبسوط 1: 129، وبدائع الصنائع 1: 148 والمجموع 3: 94، وعمدة القاري 5: 104، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 460، والفتح الرباني 3: 26، ونيل الأوطار 2: 21.
(5) الاستبصار 1: 305 باب 167 (عدد فصول الأذان والإقامة)، والتهذيب 1: 59 باب 7 (عدد فصول الأذان والإقامة).

[ 281 ]

وإن أذن الجنب في المسجد أو في منارة في المسجد كان عاصيا بلبثه في المسجد، وإن كان الأذان مجزيا، وبه قال الشافعي (1). وقال إسحاق: لا يعتد به (2). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأيضا الأصل براءة الذمة وإيجاب الطهارة وجعلها شرطا في صحة الأذان يحتاج إلى دليل. مسألة 22: يكره الكلام في الإقامة، ويستحب لمن تكلم أن يستأنفها، وبه قال الشافعي (3). وقال الزهري: إذا تكلم أعادها من أولها (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأيضا إيجاب إعادة الإقامة على من قلناه يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 23: يجوز للصبي أن يؤذن للرجال، ويصح ذلك، وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: لا يعتد بأذانه للبالغين (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل، ولا دليل. وأيضا الأخبار التي وردت بالأذان تتناول البالغين وغيرهم، فهي على عمومها.

(1) الأم 1: 85، والأم (مختصر المزني): 12، والمجموع 3: 103، وعمدة القاري 5: 148، ومغني المحتاج 1: 138.
(2) المجموع 3: 105.
(3) الأم 1: 85 - 86، والمجموع 3: 115.
(4) المجموع 3: 115.
(5) الأم 1: 84، والمجموع 3: 100.
(6) المبسوط 1: 138، حاشية رد المحتار 1: 393، والمجموع 3: 100.

[ 282 ]

وروى الحسن بن عمار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه أن عليا كان يقول: لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم (2). مسألة 24: أواخر فصول الأذان، والإقامة موقوفة غير معربة. وقال جميع الفقهاء: يستحب بيان الإعراب فيها (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد بينا أن إجماعها حجة. مسألة 25: إذا أذن ثم ارتد جاز لغيره أن يبني على أذانه ويقيم. وقال الشافعي وأصحابه: لا يعتد بذلك، وينبغي أن يستأنف من أوله (4). دليلنا: إنه ثبت أنه حين أذن كان مسلما، فحكمنا بصحته، وإيجاب الإعادة أو استحبابها يحتاج إلى دليل. مسألة 26: من فاتته صلاة أو صلوات يستحب له أن يؤذن ويقيم لكل صلاة منها وإن اقتصر في الصلاة الأولة على الأذان والإقامة، وفي الباقي على الإقامة كان أيضا جائزا، وإن اقتصر على الإقامة في جميعها كان أيضا جائزا. وقال أبو حنيفة: يؤذن ويقيم لكل صلاة (5)، واختلف قول الشافعي،

(1) كذا في جميع النسخ، وقد عده الشيخ المصنف تارة من أصحاب الإمام الباقر وأخرى من أصحاب الإمام الصادق عليهما السلام. هذا وقد نقل الأردبيلي في جامعه رواية إبراهيم بن مهاجر عنه عن أبي عبد الله عليه السلام في ميراث ذوي الأرحام في الاستبصار، وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام في ميراث الأعمام في التهذيب. حيث لم نعثر له على رواية في باب الأذان - حسبما استقصيناه - إذا الموجود في المصادر الحديثية إن الرواية عن إسحاق بن عمار فلاحظ. ويحتمل اتحاده مع الدهان. رجال الشيخ: 114 و 183، وتنقيح المقال 1: 301، ومعجم رجال الحديث 5: 75.
(2) التهذيب 2: 53 حديث 181، و 3: 29 حديث 103، والاستبصار 1: 423 حديث 1632، وفي الجميع عن إسحاق بن عمار، وكذا للحديث ذيل.
(3) حاشية رد المحتار 1: 385 - 386.
(4) الأم 1: 86، والمجموع 3: 99.
(5) الهداية 1: 42، والمبسوط 1: 136، وحاشية رد المحتار 1: 390، وشرح فتح القدير 1: 172 واللباب في =

[ 283 ]

فقال في الأولى: يؤذن لها ويقيم لكل واحدة منها (1)، وإنما الأذان للصلاة المفعولة في وقتها، وبه قال مالك والأوزاعي وإسحاق (2). وقال في القديم: يؤذن ويقيم للأولى وحدها ثم يقيم للتي بعدها، وبه قال أحمد وأبو ثور (3). وقال أبو بكر بن المنذر: هذا هو الصحيح، وإليه ذهب كثير من أصحابنا (4). وقال في الاملاء: إن أمل اجتماع الناس أذن وأقام، وإن لم يؤمل الناس أقام ولم يؤذن (5). قال أبو إسحاق: ولا فرق بين الفائتة والحاضرة على قوله في الاملاء فإنه إذا كانت الصلاة في وقتها وكان في موضع لا يؤمل اجتماع الناس لها لم يستحب له الأذان لها، وإنما يستحب لها الإقامة (6). وأما إذا جمع بين الصلاتين فإن جمع بينهما في وقت الأولى أذن وأقام للأولى وأقام للثانية كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله بعرفة (7)، وإن جمع بينهما في وقت الثانية كان في الأذان الأقاويل الثلاثة التي تقدم ذكرها لأن الأولى مفعولة في غير وقتها (8).

= شرح الكتاب 1: 63، والمجموع 3: 85. (1) المجموع 3: 84، ومغني المحتاج 1: 135.
(2) المجموع 3: 85.
(3) الأم 1: 86 - 87، والمجموع 3، 84.
(4) المجموع 3: 84.
(5) المجموع 3: 85.
(6) المجموع 3: 83.
(7) سنن النسائي 2: 15 و 16 و 17.
(8) حكاه النووي في المجموع 3: 86 مثله، وفتح العزيز بهامش المجموع 3: 137.

[ 284 ]

دليلنا: إجماع الفرقة وأيضا فإذا أذن وأقام لا خلاف أن صلاته كاملة فاضلة، وإذا لم يفعل ليس على كمالها دليل، فالاحتياط يقتضي فعلهما. مسألة 27: من جمع بين صلاتين ينبغي أن يؤذن للأولى، ويقيم للثانية سواء كان ذلك في وقت الثانية أو الأولى، وفي أي موضع كان. وقال الشافعي: إذا جمع بينهما في وقت الثانية ففيه ثلاثة أقوال، أحدها مثل ما قلناه (1)، والثاني: لا يؤذن لها ولكن يقيم لها ولما بعدها (2). والثالث: إن أمل جماعة أذن لها (3)، والذي صححه أصحابه أن يؤذن للأولى ويقيم لكل واحدة منهما مثل قولنا (4). وقال أبو حنيفة: لا يؤذن ولا يقيم للعشاء بالمزدلفة (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد، وإقامتين (6) وهذا نص. مسألة 28: الأذان والإقامة سنتان مؤكدتان في صلاة الجماعة، وفي أصحابنا من قال: هما واجبان في صلاة الجماعة (7)، وقال الشافعي: هما سنتان مؤكدتان في صلاة الجماعة مثل قولنا (8). وقال أبو سعيد الاصطخري من أصحابه: أنهما فرض على الكفاية (9)،

(1) الأم 1: 86، والمجموع 3: 83 - 85، وعمدة القاري 5: 88.
(2) المجموع 3: 83 - 85، وعمدة القاري 5: 89.
(3) (4) المجموع 3: 83 - 85.
(5) المبسوط 4: 62، والهداية للمرغيناني 1: 143.
(6) السنن الكبرى 5: 121.
(7) جمل العلم والعمل: 63، والمقنعة: 15، وذهب الشيخ المصنف في النهاية: 64 إلى عدم جواز تركهما معا في الجماعة، والمبسوط 1: 95 إلى وجوبهما صريحا.
(8) المجموع 3: 82، وعمدة القاري 5: 105، وبداية المجتهد 1: 103، ونيل الأوطار 2: 10.
(9) المجموع 3: 80، وعمدة القاري 5: 104، ونيل الأوطار 2: 10.

[ 285 ]

ويجب أن يؤذن حتى يظهر الأذان لكل صلاة فإن كانت قرية فيجزي أذان واحد فيها، وإن كان مصر فيه محال كثيرة أذن في كل محلة حتى يظهر الأذان في البلد، وإن اتفق أهل القرية أو البلد على ترك الأذان قوتلوا حتى يؤذنوا. وقال باقي أصحابه: ليس ذلك مذهب الشافعي، ولا يعرف له ذلك (1). وقال داود: هما واجبان ولا يعيد الصلاة من تركهما (2). وقال الأوزاعي: يعيد الصلاة في الوقت، وإن فات الوقت فلا يعيدها (3). وقال عطاء: إن نسي الإقامة أعاد الصلاة (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة وإيجاب الشئ عليها يحتاج إلى دليل. وأيضا قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " (5) فأوجب على من يقيم الصلاة الوضوء. ولم يوجب عليه الأذان والإقامة. وقد بينا الوجه في اختلاف أخبارنا في الكتابين المقدم ذكرهما (6). مسألة 29: إذا سمع المؤذن يؤذن يستحب للسامع أن يقول مثل ما يقوله إلا أن يكون في حال الصلاة سواء كانت فريضة أو نافلة، وبه قال الشافعي، وقال مالك: إذا كنت في مكتوبة فلا تقل مثل ما يقول المؤذن، وإذا كنت في نافلة فقل مثل

(1) قال النووي في المجموع 3: 82 وقال الأصحاب: لا يقاتلون. وقال أبو إسحاق المروزي: يقاتلون وهو باطل لا أصل له.
(2) قال ابن حزم في المحلى 3: 140، الأذان والإقامة أمر بالمجئ إلى الصلاة، وليس يجب ذلك إلا في الفرائض المتعينة. وانظر عمدة القاري 5: 104، وتفسير القرطبي 6: 226، ونيل الأوطار 2: 10، وبداية المجتهد 1: 103.
(3) المجموع 3: 82، وعمدة القاري 5: 104، ونيل الأوطار 2: 10. (4) المجموع 3: 82، وعمدة القاري 5: 104، ونيل الأوطار 2: 10.
(5) المائدة: 6.
(6) التهذيب 2: 49 باب 6 الأذان والإقامة، والاستبصار 1: 299 - 310 أبواب الأذان.

[ 286 ]

قوله في التكبير والتشهد (1)، وبه قال الليث بن سعد إلا أنه قال: ويقول في موضع حي على الصلاة لا حول ولا قوة إلا بالله (2). دليلنا على جوازه واستحبابه خارج الصلاة: إجماع الفرقة واستحباب ذلك في حال الصلاة يحتاج إلى دليل إلا أنه متى قال ذلك في الصلاة لم يحكم ببطلانها لأن عندنا يجوز الدعاء في حال الصلاة. مسألة 30: لا يستحب التثويب في حال الأذان ولا بعد الفراغ منه، وهو قول القائل (الصلاة خير من النوم) في جميع الصلوات، وللشافعي في خلال الأذان قولان، أحدهما: أنه مسنون في صلاة الفجر دون غيرها من الصلوات (3)، والثاني: أنه مكروه مثل ما قلناه، كرهه في الأم (4)، واستحبه في مختصر البويطي. وقال أبو إسحاق: فيه قولان، والأصح الأخذ بالزيادة، ورووا ذلك عن علي عليه الصلاة والسلام، وبه قال مالك وسفيان وأحمد وإسحاق (5). وقال محمد بن الحسن في الجامع الصغير كان التثويب الأول بين الأذان والإقامة (الصلاة خير من النوم) ثم أحدث الناس بالكوفة (حي على الصلاة، حي على الفلاح) بينهما وهو حسن (6).

(1) المدونة الكبرى 1: 60، وروى النووي في المجموع 3: 120 عن مالك ثلاث روايات احداها: يتابعه والثانية: لا، والثالثة: يتابعه في النافلة دون الفرض.
(2) نسب العيني هذا القول في عمدة القاري 5: 120 إلى (الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد ومالك في رواية: يقول سامع الأذان مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فإنه يقول فيهما لا حول ولا قوة إلا بالله).
(3) الأم (مختصر المزني): 12، والمجموع 3: 92.
(4) الأم 1: 85، والأم (مختصر المزني): 12، والمجموع 3: 92، وبدائع الصنائع 1: 148.
(5) تفسير القرطبي 6: 228، والمجموع 3: 94.
(6) بدائع الصنائع 1: 148.

[ 287 ]

واختلف أصحاب أبو حنيفة، فقال الطحاوي في اختلاف الفقهاء مثل قول الشافعي. وقال أبو بكر الرازي: (1) التثويب ليس من الأذان، وأما بعد الأذان وقبل الإقامة فقد كرهه الشافعي وأصحابه، وسنذكر ذلك. ومنهم من قال: يقول حي على الصلاة، حي على الفلاح (2). دليلنا: على نفيه في الموضعين أن إثباته في خلال الأذان وبين الأذان والإقامة يحتاج إلى دليل وليس في الشرع ما يدل عليه. وأيضا عليه إجماع الفرقة. وأيضا قال الشافعي في الأم: أكرهه لأن أبا محذورة لم يذكره، ولو كان مسنونا لذكره أبو محذورة لأنه مؤذن النبي صلى الله عليه وآله مع ذكره لسائر فصول الأذان. وروي عن بلال أنه أذن ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يؤذنه بالصلاة، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نائم. فقال بلال: الصلاة خير من النوم مرتين (3).

(1) أبو بكر، أحمد بن علي الرازي الجصاص. كان إمام الحنفية في عصره، تفقه على أبي سهل الزجاج وأبي الحسن الكرخي، واستقل بالتدريس في بغداد، تخرج عليه جمع، روى عن الأصم النيسابوري والأصبهاني وابن قانع القاضي والطبراني وغيرهم، له مصنفات منها أحكام القرآن وغيره توفي سنة (370 ه‍). الفوائد البهية: 27 وتاريخ بغداد 4: 314 ومرآة الجنان 2: 394 وشذرات الذهب 3: 71.
(2) حكى الترمذي في سننه 1: 380 عن إسحاق قوله " التثويب المكروه هو شئ أحدثه الناس بعد النبي (ص) إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم، قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح "، وقال الزيلعي الحنفي في نصب الراية 1: 279، فقال أصحابنا هو أن يقول بين الأذان والإقامة " حي على الصلاة، حي على الفلاح مرتين ".
(3) سنن ابن ماجة 1: 237 حديث 716، والسنن الكبرى 1: 422، ومستدرك الحاكم 1: 422، والمصنف لعبد الرزاق 1: 472، وكنز العمال 8: 356 حديث 23246 - 23249.

[ 288 ]

مسألة 31: التثويب في أذان العشاء الآخرة بدعة، وبه قال جميع الفقهاء، إلا أنهم قالوا: ليس بمستحب، ولم يقولوا بدعة (1). وقال الحسن بن صالح بن حي: أنه مستحب فيه وفي الفجر على حد واحد (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء (3). مسألة 32: لا يستحب الترجيع في الأذان، وهو تكرار الشهادتين مرتين أخريين، وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: يستحب أن يقول " أشهد أن لا إله إلا الله " مرتين، و " أشهد أن محمدا رسول الله " مرتين يخفض بذلك صوته ثم يرجع فيرفع صوته فيقول ذلك مرتين مرتين في جميع الصلوات (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، واستحباب ذلك يحتاج إلى دليل. وأيضا روى محمد بن عبد الله بن زيد (6) الأذان (7)، ولم يذكر فيه

(1) المجموع 3: 97، والهداية 1: 41، والأصل 1: 129، وشرح فتح القدير 1: 171.
(2) المجموع 3: 98، ونيل الأوطار 2: 18، والمحلى 3: 161.
(3) انظر المسألة (30).
(4) الهداية 1: 41، والمبسوط 1: 128، واللباب في شرح الكتاب 1: 62 - 63، بدائع الصنائع 1: 147 و 148، وحاشية رد المحتار 1: 386، وشرح فتح القدير 1: 168، والمجموع 3: 93، وتفسير القرطبي 6: 227. ونيل الأوطار 2: 17.
(5) الأم 1: 84، والأم (مختصر المزني): 12، والمجموع 3: 91، والهداية 1: 41، والمبسوط 1: 128 وبدائع الصنائع 1: 147، وتفسير القرطبي 6: 227، وشرح فتح القدير 1: 168، ونيل الأوطار 2: 17.
(6) محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي، روى عن أبيه وأبي مسعود الأنصاري الأذان وروى عنه أبو سلمه ومحمد بن إبراهيم التميمي المدني، ذكره ابن حيان في ثقاة التابعين، وقال ابن الأثير: إنه ولد على عهد رسول الله (ص). التاريخ الكبير 1: 123، والإصابة 4: 452، وأسد الغابة 4: 324.
(7) سنن الترمذي 1: 358 حديث 189، وسنن ابن ماجه 1: 232 حديث 706، ومسند أحمد بن حنبل =

[ 289 ]

الترجيع وهو الأصل في الأذان. مسألة 33: يكره أن يقول بين الأذان والإقامة (حي على الصلاة، حي على الفلاح) وبه قال الشافعي (1)، وقال محمد بن الحسن: كان التثويب الأول (الصلاة خير من النوم) مرتين بين الأذان والإقامة، ثم أحدث الناس (حي على الصلاة، حي على الفلاح) مرتين بينهما وهو حسن (2). وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يقول بعد الأذان حي على الصلاة، حي على الفلاح بقدر ما يقرء عشر آيات (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة. وروي أن عمر أنكر ذلك على أبي محذورة (4) لما أذن بالصلاة، فقال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فقال ويحك أمجنون أنت؟ ما كان في دعائك الذي دعوتنا ما نأتيك حتى تأتنا بهذا (5). فدل على إنه مكروه لأنه لو لم يكره ذلك ما أنكره. مسألة 34: الأذان لا يختص بمن كان من نسل مخصوص، بل كل من كان على ظاهر الاسلام والعدالة يجوز أن يكون مؤذنا. وقال الشافعي: أحب أن يكون من ولد من جعل النبي صلى الله عليه وآله

= 4: 43 والسنن الكبرى 1: 390، وسنن أبي داود 1: 135 حديث 499، وسنن الدارمي 1: 268 (باب بدء الأذان)، وسيرة ابن هشام 2: 154. (1) الأم 1: 85.
(2) الأصل 1: 130، والمبسوط 1: 130، واللباب في شرح الكتاب 1: 63.
(3) نصب الراية 1: 279، والمبسوط 1: 130.
(4) أبو محذورة المؤذن القرشي الجمحي اختلف في اسمه، فقيل سمرة بن معير، وقيل أوس بن معير أسلم يوم فتح مكة، وأقام بها ولم يهاجر، أقره النبي (ص) على الأذان بمكة. توفي سنة 79 وقيل 59. الإصابة 2: 79، و 4: 175، والاستيعاب 2: 77، و 4: 176، ومرآة الجنان 1: 131.
(5) كنز العمال 8: 34 حديث 23168 وفيه من دون جملة (ويحك أمجنون أنت؟).

[ 290 ]

فيهم الأذان مثل أبي محذورة وسعد القرظ (1) فإن انقرضوا جعل في أولاد واحد من الصحابة، فإن انقرضوا نظر السلطان فيه وجعله فيمن يراه من خيار المسلمين (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا من خص ذلك في نسب معين يحتاج إلى دليل والأخبار الواردة في الحث على الأذان عامة في كل أحد. مسألة 35: لا بأس أن يؤذن اثنان واحد بعد الآخر، وإن أتيا بذلك موضعا واحدا كان أفضل، ولا ينبغي أن يزاد على ذلك. وقال الشافعي: المستحب أن يؤذن واحد بعد الآخر، ويجوز أن يكونوا أكثر من اثنين، فإن كثروا وخيف فوات أول الوقت قطع الإمام بينهم الأذان وصلى (3). دليلنا: إجماع الفرقة على ما رووه من أن الأذان الثالث بدعة فدل ذلك على جواز الاثنين، والمنع عما زاد على ذلك. مسألة 36: لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان، فإن أعطى الإمام المؤذن شيئا من أموال المصالح كان جائزا. وقال الشافعي: يجوز أخذ الأجرة على الأذان (4). وقال بعض المتأخرين من أصحابه حكاه ابن المنذر: أنه يجوز أخذ الرزق،

(1) سعد بن عائذ المؤذن المدني مولى عمار بن ياسر المعروف بسعد القرظ لإتجاره به - وهو أوراق وقشر شجرة ذات شوك يدبغ بورقها وقشرها، ولها زهرة صفراء فيها حبة خضراء طيبة الرائحة ويسمى أيضا بالسلم - روى عن النبي (ص) وأذن في حياته بمسجد قباء ثم المسجد النبوي بعد بلال. وروى عنه ابناه عمر وعمار وبقي إلى زمن الحجاج. الإصابة 2: 27، والاستيعاب 2: 51، والتاريخ الكبير 4: 46، ولسان العرب 15: 188.
(2) المجموع 3: 97، ومغني المحتاج 1: 138، وتفسير القرطبي 6: 227.
(3) الأم 1: 84، والمجموع 3: 124، ونيل الأوطار 2: 35.
(4) الأم 1: 84، والمجموع 3: 127، وبدائع الصنائع 1: 152، ونيل الأوطار 2: 44.

[ 291 ]

ولا يجوز أخذ الأجرة (1)، والمذهب الأول به قال مالك (2). وقال أبو حنيفة: لا يجوز أخذ الأجرة، ويجوز أخذ الرزق (3)، وبه قال الأوزاعي (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعثمان بن أبي العاص الثقفي (5) " إتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " (6)، فدل هذا على أن أخذ الأجرة عليه محرم. مسألة 37: ليس بمسنون أن يؤذن الانسان ويدور في الأذان في المأذنة، ولا في موضعة، وبه قال الشافعي (7). وقال أبو حنيفة: يستحب ذلك (8).

(1) الأم 1: 84، والمجموع 3: 127، وتفسير القرطبي 6: 232، ونيل الأوطار 2: 44.
(2) قال مالك في المدونة الكبرى 1: 62 (لا بأس بإجارة المؤذنين)، وتفسير القرطبي 6: 231، وفتح الرحيم 1: 59، والمحلى 3: 146، والمجموع 3: 127، ونيل الأوطار 2: 44.
(3) المبسوط 1: 140، وبدائع الصنائع 1: 152، والمحلى 3: 146، والمجموع 3: 127، ونيل الأوطار 2: 44.
(4) المجموع 3: 127، وتفسير القرطبي 6: 231، ونيل الأوطار 2: 44.
(5) عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد ربه بن دهمان الثقفي يكنى أبا عبد الله كان من جملة وفد ثقيف إلى النبي (ص) أسلم مع الوفد فأستعمله النبي (ص) على الطائف وولاه عمر بن الخطاب على عمان والبحرين، سكن البصرة، روى عن النبي (ص) وروى عنه يزيد بن الحكم بن أبي العاص والحسن البصري وغيره. مات سنة 50 وقيل 51 ه‍. أسد الغابة 3: 372، والاستيعاب 3: 91، والإصابة 2: 453.
(6) السنن الكبرى 1: 429 ذيل الحديث ولفظه (قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي. قال: أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم واتخذ...)، وسنن أبي داود 1: 146 حديث 531، وسنن النسائي 2: 23، ومسند أحمد بن حنبل 4: 217 - 218.
(7) قال النووي في المجموع 3: 107 (ولا يدور ولا يستدبر القبلة سواء كان على الأرض أو على منارة وبه قال النخعي والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأحمد في رواية). ونيل الأوطار 2: 30.
(8) الهداية 1: 41، والمبسوط 1: 130، وشرح فتح القدير 1: 170، ونيل الأوطار 2: 30 والمجموع 3: 107.

[ 292 ]

دليلنا: أن استحباب ذلك يحتاج إلى دليل، وأيضا أجمعت الفرقة على أن استقبال القبلة بالأذان مستحب، وذلك يمنع من الدوران. مسألة 38: يجوز أن يؤذن واحد، ويقيم آخر، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (1). وقال الشافعي: الأفضل أن يتولاهما واحد (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل جواز ذلك، والمنع من ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 39: تقديم الصلاة في أول وقتها أفضل في جميع الصلوات، وفي أصحابنا من قال: لا يجوز تأخيرها إلا لعذر (3)، ووافقنا الشافعي في أن تقديمها أفضل في جميع الصلوات إلا أن يبرد بها في صلاة الظهر بشرط أن يكون الوقت حارا في بلاد حارة وينتظر مجئ قوم إلى الجماعة في مسجد ينتابه الناس (4)، فإذا اجتمعت هذه الشروط فمنهم من قال: أن التأخير أفضل، ومنهم من قال: أن التأخير رخصة، ولا يجوز عندهم تأخيرها مع الايثار إلى آخر الوقت (5)، وكذلك قولهم في الجمعة أن تقديمها أفضل (6). فأما الصلاة الصبح فإن التغليس فيها أفضل عندنا، وعند الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وهو مذهب عمر وعثمان وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن

(1) نصب الراية 1: 279، والمبسوط 1: 132، والمجموع 3: 121، وتفسير القرطبي 6: 229، ونيل الأوطار 2: 42.
(2) الأم 1: 86، والمجموع 3: 121، ونيل الأوطار 2: 42، وتفسير القرطبي 6: 229، ونصب الراية 1: 279.
(3) قاله الشيخ المفيد في المقنعة: 14.
(4) المجموع 3: 59، وسنن الترمذي 1: 279.
(5) المجموع 3: 59. (6) المجموع 3: 60.

[ 293 ]

عمر (1). وقال أبو حنيفة والثوري: الاسفار أفضل (2)، وبه قال النخعي (3)، و رووا ذلك عن علي عليه السلام وعبد الله بن مسعود (4). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة فإنهم لا يختلفون في ذلك، وقد ثبت أنه حجة، وأيضا فقد ثبت أنه مأمور في هذا الوقت، والأمر عندنا يقتضي الفور، وأيضا الاحتياط يقتضي تقديمه فإنه لا يأمن الحوادث. وأيضا قوله تعالى " حافظوا على الصلوات " (5) ومن المحافظة أدائها في أول الوقت. وأما الظهر فكذلك تقديمها أفضل فإن كان الحر شديدا جاز تأخيرها قليلا رخصة، وقد بينا اختلاف أصحاب الشافعي في ذلك (6)، وفي الجمعة لهم فيها قولان في جواز الابراد (7). وكذلك العصر تقديمها أفضل، وبه قال الشافعي سواء كان ذلك في الشتاء أو الصيف (8)، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق (9). وقال أبو حنيفة: تأخيرها أفضل (10)، وقال سفيان الثوري مثل ذلك.

(1) الأم 1: 74، وشرح معاني الآثار 1: 180 - 182، والمجموع 3: 51، والمبسوط 1: 145.
(2) المبسوط 1: 145، وسنن الترمذي 1: 290، والمجموع 3: 51.
(3) المجموع 3: 51.
(4) شرح معاني الآثار 1: 182، والمجموع 3: 51.
(5) البقرة: 238.
(6) الأم 1: 72، والمجموع 3: 59.
(7) الأم 1: 72 - 73، والمجموع 3: 59 - 60.
(8) الأم 1: 73، والمجموع 3: 54.
(9) حكى الترمذي في السنن 1: 300 ذلك عن عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
(10) المبسوط 1: 147، والمجموع 3: 54.

[ 294 ]

دليلنا: ما قدمناه في الصلاة الأولى. وأما المغرب فتقديمها أفضل بلا خلاف (1). والعشاء الآخرة عندنا تقديمها أفضل، وبه أكثر الروايات، وقد وردت رواية في جواز تأخيرها إلى ثلث الليل (2). وقال الشافعي في القديم وفي الاملاء: تقديمها أفضل (3). وقال أبو إسحاق: اختيار الشافعي في الجديد أن تأخيرها أفضل، وهو المشهور (4). وقال غير أبي إسحاق: هذا القول لا يعرف للشافعي، والمشهور الأول (5). دليلنا: ما قدمنا ذكره فلا وجه لإعادته. مسألة 40: الصلاة الوسطى هي الصلاة الأولى، وبه قال زيد بن ثابت وعائشة (6). وقال الشافعي: هي صلاة الصبح (7)، وبه قال مالك (8). وحكى مالك في الموطأ أن ذلك مذهب علي عليه الصلاة والسلام وابن

(1) سنن الترمذي 1: 305، والمبسوط 1: 147، والمجموع 3: 55.
(2) الاستبصار 1: 267 ذيل حديث 965 ما لفظه (وقال: وقت العشاء حين يغيب الشفق إلى ثلث الليل)، و 1: 272 حديث 986 و 988، والتهذيب 2: 31، 261، 262 حديث 95، 1041، 1043.
(3) المجموع 3: 40 و 56، والمبسوط 1: 147. (4) المجموع 3: 56.
(5) المجموع 3: 57.
(6) سنن أبي داود 1: 112 (باب وقت العصر)، وسنن البيهقي 1: 458، والدر المنثور 1: 301، وأحكام القرآن للجصاص 1: 442، والمجموع 3: 61، وتفسير القرطبي 3: 209، ونيل الأوطار 1: 401.
(7) المجموع 3: 60، وسنن البيهقي 1: 461، ومقدمات ابن رشد 1: 97.
(8) مقدمات ابن رشد 1: 99، وتفسير القرطبي 3: 211، والمجموع 3: 60.

[ 295 ]

عباس (1). وقال أبو حنيفة: هي صلاة العصر (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وقوله تعالى: " وقوموا لله قانتين " (3) لا يدل على أنها الفجر لأن القنوت فيها. لأن عندنا أن القنوت في كل صلاة. مبحث مسائل القبلة مسألة 41: الكعبة قبلة لمن كان في المسجد الحرام، والمسجد قبلة لمن كان في الحرم، والحرم قبلة لمن كان خارجا عنه، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا القبلة الكعبة لا غير، ثم اختلفوا فمنهم من قال: كلف الانسان التوجه إلى عين الكعبة (4)، ومنهم من قال إلى الجهة التي فيها الكعبة (5)، وكلا القولين لأصحاب الشافعي. وقال أبو حنيفة: كلف الجهة التي فيها الكعبة (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلو كلف التوجه إلى عين الكعبة لوجب إذا كان صف طويل خلف الإمام أن تكون صلاتهم أو صلاة أكثرهم إلى غير القبلة، ويلزمهم أن يصلوا حول الإمام دورا كما يصلى في جوف المسجد وكل

(1) الموطأ 1: 139 (8) باب صلاة الوسطى، حديث 28، وتفسير القرطبي 3: 210، وسنن البيهقي 1: 461.
(2) قال النووي في المجموع 3: 61 وقال طائفة: هي العصر، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر، وتفسير القرطبي 3: 210، ومقدمات ابن رشد 1: 99.
(3) البقرة: 238.
(4) الأم 1: 94، والمجموع 3: 192، و 208، وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 313.
(5) الأم 1: 94، ونيل الأوطار 2: 180، وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 313.
(6) الهداية 1: 45، ومراقي الفلاح: 34، والمجموع 3: 208، وبداية المجتهد 1: 108، ونيل الأوطار 2: 180.

[ 296 ]

ذلك باطل بالاجماع وليس لهم أن يقولوا إنما كلف الجهة هربا من ذلك لأن جهات القبلة أيضا غير منحصرة بل جهة كل واحد من المصلين غير جهة صاحبه، ولا يمكن أن تكون الكعبة في الجهات كلها، فالسؤال لازم لهم ولا يلزمنا مثل ذلك لأنا نقول إن فرضهم التوجه إلى الحرم والحرم طويل يمكن أن يكون كل واحد من الجماعة متوجها إلى جزء منها فلا تبطل صلاتهم لذلك. وروى ابن عقده (1) بإسناده عن الجعفي أبي الوليد (2) قال: سمعت جعفر ابن محمد عليه السلام يقول: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة للناس جميعا (3). وروى مكحول (4) عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال رسول الله

(1) أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد السبيعي الهمداني الكوفي، جليل القدر عظيم المنزلة، أمره في الثقة والجلالة وعظم الحفظ أشهر من أن يذكر له مؤلفات كثيرة مات سنة 333 زيديا جاروديا، روى جميع كتب من سبقه من الشيعة وصنف لهم وذكر أصولهم، حكى الدار قطني: إنه أجمع أهل الكوفة إنه لم ير من زمن ابن مسعود أحفظ منه. رجال النجاشي: 73، وتنقيح المقال 1: 85، والفهرست: 28، ولسان الميزان 1: 263. (2) عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام روى عنه أحمد بن الحرث الأنماطي، وثعلبة ابن الضحاك وإسماعيل السراج وصفوان بن يحيى. رجال الطوسي: 107 وجامع الرواة 1: 122، وتنقيح المقال 1: 172.
(3) التهذيب 2: 44 حديث 140، وفي 139 بأدنى تفاوت في اللفظ واختلاف في السند وكذا في الفقيه 1: 177 حديث 841 وقريب منه ما في العلل 2: 8 حديث 2.
(4) مكحول: مشترك بين عدة من الرجال، وسر عدم تمييزه روايته عن عبد الله بن عبد الرحمن المجهول ذكره في كتب الرجال، ولكن الظاهر أنه مكحول الشامي لكثرة القرائن التي تؤيد ذلك، منها روايته مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكونه في طبقة التابعين، والشامي: هو أبو عبد الله أو أبو أيوب ابن أبي مسلم بن شاذل بن سعد الكابلي الهذلي، مولاهم الدمشقي، روى تدليسا عن أبي وعبادة بن الصامت وعائشة وأم أيمن وغيرهم. وروى عنه الأوزاعي وعبد الرحمن بن يزيد والحجاج بن أرطاة وغيرهم، وقد اختلف في وثاقته، مات سنة 113 وقيل 112. أسد الغابة 4: 412، تهذيب التهذيب 10: 289، وشذرات الذهب 1: 146، وطبقات الفقهاء: 53، ومرآة الجنان 1: 243.

[ 297 ]

صلى الله عليه وآله: الكعبة قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الآفاق (1). مسألة 42: على المصلي إلى قبلة أهل العراق أن يتياسر قليلا، ولم يعرف ذلك أحد من الفقهاء إلا ما حكاه أبو يوسف في كتاب الزوال، إن حماد بن زيد (2) كان يقول ينبغي أن يتياسر عندنا بالبصرة (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وروى المفضل بن عمر (4) قال: سألت أبا عبد الله عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة، وعن السبب فيه، فقال: إن الحجر الأسود لما أنزل من الجنة ووضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يحلقه النور نور الحجر فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال، وعن يسارها ثمانية أميال كلها اثنا عشر ميلا، فإذا انحرف الانسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة لقلة أنصاب الحرم، وإذا انحرف الانسان ذات اليسار لم يكن خارجا عن حد القبلة (5).

(1) الرواية كما في السنن الكبرى للبيهقي 2: 9 " عطاء عن ابن عباس أن رسول الله (ص) قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي ".
(2) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري مولى آل جرير، وكان ضريرا تلمذ على أبي حنيفة، وروى عن ثابت البناني وأنس بن سيرين وعبد العزيز بن صهيب وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك وابن مهدي وابن وهب وابن عيينة والثوري، مات سنة 197. تهذيب التهذيب 3: 9، والجواهر المضية: 225، ومرآة الجنان 1: 377.
(3) حكاه أيضا أبو الفتوح الرازي في تفسيره 1: 360.
(4) المفضل بن عمر الجعفي أبو عبد الله، عده الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (ع) تارة وأخرى في أصحاب الكاظم (ع) وقد وثقه الشيخ المفيد في إرشاده، وعده من شيوخ أصحاب الإمام الصادق وخاصته وبطانته. رجال الطوسي: 314 و 360، وتنقيح المقال 3: 238.
(5) من لا يحضره الفقيه 1: 178 حديث 842، والتهذيب 2: 142، وعلل الشرائع 2: 7 الباب 3 الحديث الأول.

[ 298 ]

مسألة 43: المتنفل في حال السفر يجوز له أن يصلي على الراحلة، وفي حال المشي، ويتوجه إلى القبلة في حال تكبيرة الاحرام لا يلزمه أكثر من ذلك. وقال الشافعي: يلزمه في حال تكبيرة الاحرام وحال الركوع والسجود، ولا يلزمه فيما عداه (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " أينما تولوا فثم وجه الله " (2). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أنهم قالوا هذا في النوافل خاصة (3) فينبغي حمله على عمومه. وأيضا روى إبراهيم الكرخي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إني أتحرى على أن أتوجه إلى القبلة في المحمل فقال: ما هذا الضيق أما لك برسول الله صلى الله عليه وآله أسوة؟ (5). وروى ابن أبي نجران (6) عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن

(1) الأم 1: 97، والمجموع 3: 337، والفتح الرباني 3: 126.
(2) البقرة: 115.
(3) الكافي 3: 440 حديث 5 و 8 و 9، ومن لا يحضره الفقيه 1: 285 حديث 1298، والتهذيب 3: 230 حديث 591، وتفسير علي بن إبراهيم: 50، وتفسير العياشي 1: 56 حديث 80 و 82، والنهاية 64، وكشف الغمة 2: 350، ومجمع البيان 1: 228.
(4) إبراهيم الكرخي: ترجمه أصحاب الرجال، وروت كتب الأخبار عنه تارة بهذا الاسم، وأخرى باسم إبراهيم بن زياد الكرخي، وأخرى إبراهيم بن أبي زياد الكرخي إلى غيره، عده الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (ع) بعنوان إبراهيم الكرخي البغدادي ووثق برواية ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى والحسن بن محبوب. رجال الشيخ: 154، وجامع الرواة 1: 30، وتنقيح المقال 1: 11.
(5) من لا يحضره الفقيه: 1: 285 حديث 1295، والتهذيب 3: 229 حديث 586.
(6) عبد الرحمن بن أبي نجران التميمي الكوفي مولى، عده الشيخ تارة في أصحاب الإمام الرضا (ع) وأخرى في أصحاب الإمام الجواد (ع)، وذكر النجاشي إن اسم أبي نجران عمر بن مسلم واستمر قائلا: إن عبد الرحمن ثقة ثقة معتمد على ما يرويه وله كتب. رجال الشيخ: 380 و 430، والفهرست للشيخ: 109، وتنقيح المقال 2: 139.

[ 299 ]

الصلاة بالليل في السفر في المحمل، قال: إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثم كبر وصل حيث ذهب بك بعيرك (1). مسألة 44: يجوز صلاة النافلة على الراحلة في السفر مع الاختيار سواء كان السفر طويلا أو قصيرا، وبه قال الشافعي (2). وقال مالك: لا يجوز ذلك إلا في السفر الطويل (3). دليلنا على ذلك: الآية التي قدمناها (4)، والاجماع من الطائفة المحقة، وعموم الأخبار (5) فمن خصصها فعليه الدليل. مسألة 45: يجوز صلاة النافلة على الراحلة في غير السفر، وهو مذهب أبي سعيد الاصطخري من أصحاب الشافعي.
(6). وقال باقي أصحابه: لا يجوز (7). دليلنا: إن المنع من ذلك يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى حماد بن عثمان عن أبي الحسن الأول عليه السلام (8) في الرجل

(1) التهذيب 3: 233 حديث 606 وذيل الحديث: قلت جعلت فداك في أول الليل؟ فقال: إذا خفت الفوت في آخر.
(2) الأم 1: 97، والمجموع 3: 234، ومغني المحتاج 1: 142، والأم (مختصر المزني) 1: 13، ونيل الأوطار 2: 150.
(3) مختصر العلامة خليل 1: 27، والخرشي 1: 257، وشرح الدردير على مختصر سيدي خليل بهامش حاشية الدسوقي 1: 225، والمجموع 3: 234، والفتح الرباني 3: 125، ونيل الأوطار 2: 150.
(4) تقدمت في المسألة " 43 ".
(5) راجع المسألة " 43 " الهامش الثالث والخامس.
(6) المجموع 3: 239، والفتح الرباني 3: 125، ونيل الأوطار 2: 149.
(7) المجموع 3: 239.
(8) هو الإمام السابع من أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهير الإمام موسى بن جعفر عليه السلام علما بأن أبا الحسن الثاني: هو الإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه الصلاة =

[ 300 ]

يصلي النافلة وهو على دابته في الأمصار، قال: " لا بأس به " (1). وروى عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي النوافل في الأمصار، وهو على ظهر دابته حيث توجهت به فقال: " نعم لا بأس " (2). مسألة 46: إذا صلى على الراحلة النافلة لا يلزمه أن يتوجه إلى جهة سيرها، بل يتوجه كيف شاء. وقال الشافعي: إذا لم يستقبل القبلة ولا جهة سيرها بطلت صلاته (3). دليلنا: عموم الآية (4)، والأخبار (5) تتناول ذلك لأنهم لم يفصلوا. مسألة 47: يجوز صلاة الفريضة على الراحلة عند الضرورة. وقال جميع الفقهاء: لا يجوز ذلك (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (7). وروى مندل بن علي (8) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:

= والسلام وأبو الحسن الثالث: هو الإمام العاشر علي بن محمد الهادي عليه السلام. (1) التهذيب 3: 229 حديث 589.
(2) الكافي 3: 440 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 285 حديث 1298، والتهذيب 3: 230 حديث 591.
(3) الأم 1: 97، والمجموع 3: 235، ونيل الأوطار 2: 183.
(4) البقرة: 115.
(5) انظر هامش الثالث والخامس من المسألة 43.
(6) الأم 1: 96، والأصل 1: 295، والمبسوط 1: 250.
(7) الحج: 78.
(8) مندل بن علي العتري - وقيل العنزي - أبو عبد الله الكوفي واسمه عمر وأخوه حبان ثقتان رويا عن الإمام الصادق عليه السلام، وروى عن أبي أسامة وأبي مسكان، وروى عنه محمد بن علي بن =

[ 301 ]

صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الفريضة على الراحلة في يوم مطير (1). وروى عبد الله بن جعفر الحميري (2) قال: كتبت إلى أبي الحسن يعني الثالث عليه السلام جعلني الله فداك روى مواليك عن آبائك إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى الفريضة على راحلته في يوم مطير، ويصيبنا المطر ونحن في محاملنا، والأرض مبتلة والمطر يؤذي فهل يجوز لنا يا سيدي أن نصلي في هذه الحال في محاملنا أو على دوابنا الفريضة فوقع عليه السلام يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة (3). وروى جميل بن دراج قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: صلى رسول الله الفريضة في المحمل في يوم وحل ومطر (4). وروى علي بن جعفر (5) عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل جعل لله عليه أن يصلي كذا وكذا هل يجزيه أن يصلي ذلك

= النعمان وعلي بن أبي حمزة ومصبح مات سنة 67 أو 68 هجرية. جامع الرواة 2: 263، وتنقيح المقال 3: 247، وتهذيب التهذيب 10: 298، ولسان الميزان 7: 398. (1) من لا يحضره الفقيه 1: 285 حديث 1294، والتهذيب 3: 231 حديث 599.
(2) عبد الله بن جعفر الحميري، عده الشيخ الطوسي تارة من أصحاب الإمام الهادي بعنوان علي بن عبد الله وأخرى من أصحاب الإمام العسكري عليه السلام موثقا إياه، وقال النجاشي: شيخ القميين ووجههم صنف كتبا كثيرة. رجال النجاشي: 162، ورجال الطوسي: 419 و 432، وتنقيح المقال 2: 174.
(3) التهذيب 3: 231 حديث 600.
(4) التهذيب 3: 232 حديث 602. (5) علي بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، جليل القدر ثقة، عده الشيخ تارة من أصحاب أبيه وأخرى من أصحاب أخيه الإمام موسى الكاظم وثالثة من أصحاب الإمام الرضا عليهم السلام، له كتاب المناسك. سكن العريض - بضم العين - في نواحي المدينة. والكوفة وقم ومات فيها (سنة 210) وقبره فيها مشهور. رجال الطوسي: 241، 353، 379 والفهرست: 87، وتنقيح المقال 2: 272.

[ 302 ]

على دابته، وهو مسافر قال: نعم (1). مسألة 48: إذا غلب في ظن نفسين أن القبلة في جهتين لم يجز لأحدهما الاقتداء بصاحبه، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو ثور: يجوز (3). دليلنا: إنهما إذا صليا على الانفراد كانت صلاتهما ماضية بالاجماع، وإذا اقتدى واحد منهما بالآخر فيه خلاف، فالاحتياط يقتضي ما قلناه، وأيضا فكيف يجوز لأحدهما أن يقتدي بالآخر مع اعتقاده أن صاحبه يصلي إلى غير القبلة وإن من صلى إلى غير القبلة لا تجوز صلاته بالإجماع. مسألة 49: الأعمى ومن لا يعرف أمارات القبلة يجب عليهما أن يصليا إلى أربع جهات مع الاختيار، ومع الضرورة كانا مخيرين في الصلاة إلى أي جهة شاءا. وقال داود: يصليا إلى أي جهة شاءا، ولم يفصل (4). وقال الشافعي: يرجعان إلى غيرهما ويقلدانه (5). دليلنا: إنهما إذا صليا إلى أربع جهات برأت ذمتهما بالاجماع، وليس على براءة ذمتها إذا صليا إلى واحدة من الجهات دليل. وأما إذا كان الحال حال ضرورة جاز لهما أن يرجعا إلى غيرهما لأنهما مخيران في ذلك، وفي غيره من الجهات، وإن خالفاه كان لهما ذلك لأنه لم يدل

(1) التهذيب 3: 231 حديث 596.
(2) الأم 1: 94، والأم (مختصر المزني) 1: 13، والمجموع 3: 214.
(3) قال النووي في المجموع 3: 214 (وحكى أصحابنا عن أبي ثور أنه قال: تصح صلاة أحدهما خلف الآخر).
(4) المحلى 3: 230.
(5) الأم 1: 94، والمجموع 3: 206.

[ 303 ]

دليل على وجوب القبول من الغير. مسألة 50: الأعمى إذا صلى إلى عين القبلة وأصاب في ذلك من غير أن يرجع إلى غيره أو يسمع من يخبره بذلك تمت صلاته. وقال الشافعي. صلاته باطلة (1). دليلنا: قوله تعالى " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " (2)، وهذا قد صلى إلى القبلة. وأيضا الحكم ببطلان صلاته يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 51: من اجتهد في القبلة، وصلى إلى واحدة من الجهات ثم بان له أنه صلى إلى غيرها، والوقت باق أعاد الصلاة على كل حال، وإن كان قد خرج الوقت، فإن كان استدبر القبلة أعاد الصلاة، وإن كان قد صلى يمينا أو شمالا، فلا إعادة عليه. وفي أصحابنا من يقول إذا صلى إلى استدبار القبلة وخرج الوقت لم يعد أيضا (3). وقال الشافعي: إن كان بان له بالاجتهاد الثاني لا يعيد (4)، وإن كان بان له بيقين مثل أن تطلع الشمس، ويعلم أنه صلى مستدبر القبلة فيه قولان،

(1) الأم 1: 94، وبدائع الصنائع 1: 119.
(2) البقرة: 144.
(3) قال السيد المرتضى في جمل العلم والعمل: 63 (ومن تحرى القبلة فأخطأها وظهر له ذلك بعد صلاته أعاد في الوقت، فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، وقد روي أنه إن كان استدبر القبلة أعاد على كل حال). وفي الناصريات في المسألة (80) بإضافة (والأول هو المعول عليه)، ورواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 179 حديث 844، وحكاه العلامة الحلي في المختلف: 780 عن ابن الجنيد.
(4) المجموع 3: 218، والمنهاج القويم: 187.

[ 304 ]

أحدهما: لا يعيد، وهو قوله في القديم ونص عليه في كتاب الصلاة والطهارة (1)، وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزني (2). والقول الثاني: يعيد نص عليه في الأم، وهو الصحيح عند أصحابه (3)، ولم يعتبر أحد بقاء الوقت ونقيضه. دليلنا على أن الوقت إذا كان باقيا عليه الإعادة: إجماع الفرقة، وأيضا فالذمة مشغولة بأداء الفرض بيقين، ولم يدل دليل على برائتها، والحال ما قلناه، والاحتياط يقتضي إعادة الصلاة. وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا صليت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنك صليت وأنت على غير القبلة، وأنت في وقت فأعد، وإن فاتك الوقت فلا تعد (5). وروى ذلك سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (6)، وروى مثله يعقوب

(1) المجموع 3: 222، والسراج الوهاج: 40، ومقدمات ابن رشد 1: 112.
(2) الهداية 1: 45، وبدائع الصنائع 1: 119، وبداية المجتهد 1: 108، وشرح فتح القدير 1: 191، واللباب في شرح الكتاب 1: 67، والخرشي على مختصر سيدي خليل 1: 260، وسبل السلام 1: 222، والروض المربع 1: 48.
(3) الأم 1: 94، والمجموع 3: 222، والهداية 1: 45، وبدائع الصنائع 1: 119، وشرح فتح القدير 1: 191، وسبل السلام 1: 223.
(4) عبد الرحمن بن أبي عبد الله ميمون البصري مولى شيبان كوفي الأصل، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وهو ختن الفضيل بن يسار، ووثفه العلامة والنجاشي في ترجمة حفيده إسماعيل بن همام بن عبد الرحمن. رجال النجاشي: 24، رجال الطوسي: 230، ورجال ابن داود: 222، والخلاصة: 113، وتنقيح المقال 2: 138.
(5) الكافي 3: 284 حديث 3، والتهذيب 2: 47 حديث 15 وفي 154 بأدنى تفاوت في اللفظ، والاستبصار 1: 296 حديث 1090.
(6) الكافي 3: 285 حديث 9، والتهذيب 2: 47 حديث 152 و 153، 2: 142 حديث 553 =

[ 305 ]

ابن يقطين عن أبي الحسن موسى عليه السلام (1)، وزرارة عن أبي جعفر عليه السلام (2) والاسم بن الوليد (3) ومحمد بن الحصين (4) عن أبي الحسن علي بن موسى عليه السلام (5) وغيرهم. ومن قال: لا إعادة عليه وإن صلى إلى استدبارها عول على عموم هذه الأخبار. ومن قال: يعيدها خصها بما رواه عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل صلى إلى غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أي يفرغ من صلاته قال: إن كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة حين يعلم وإن كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة (6). مسألة 52: على الأبوين أن يؤدبا الولد إذا بلغ سبع سنين أو ثمانيا، وعلى وليه أن يعلمه الصوم والصلاة، وإذا بلغ عشرا ضربه على ذلك، يجب ذلك على الولي دون الصبي، وبه قال الشافعي (7). وقال أحمد: يلزم الصبي ذلك (8).

= والاستبصار 1: 296 حديث 1091 و 1092. (1) التهذيب 2: 48 حديث 155، والاستبصار 1: 296 حديث 1093.
(2) التهذيب 2: 48 حديث 156، والاستبصار 1: 297 حديث 1094.
(3) التهذيب 2: 48 حديث 158، والاستبصار 1: 297 حديث 1096.
(4) محمد بن الحصين - من غير وصف - لم يترجم في كتب الرجال التي بأيدينا بأكثر من أنه روى عنه الحسين بن سعيد تنقيح المقال 3: 108، وجامع الرواة 2: 101.
(5) التهذيب 2: 49 حديث 160 وفيه: كتبت إلى عبد صالح، والاستبصار 1: 297 حديث 1097 وفيه كتب إلى العبد الصالح.
(6) الكافي 3: 285 حديث 8، والتهذيب 2: 48 حديث 159، والاستبصار 1: 298 حديث 1100.
(7) الأم 1: 69، والمجموع 3: 11، والمنهل العذب 4: 120.
(8) مسائل أحمد بن حنبل 2: 96، والاقناع 1: 73.

[ 306 ]

دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع " (1) وأيضا فالصبي ليس بعاقل فكيف يكون مكلفا. مسألة 53: الصبي إذا دخل في الصلاة أو الصوم ثم بلغ في خلال الصلاة أو خلال الصوم بالنهار بما لا يفسد الصلاة من كمال خمس عشرة سنة أو الإنبات دون الاحتلام الذي يفسد الصلاة ينظر فيه، فإن كان الوقت باقيا أعاد الصلاة من أولها، وإن كان ماضيا لم يكن عليه شئ. وأما الصوم فإنه يمسك فيه بقية النهار تأديبا، وليس عليه قضاء. وقال الشافعي: لا يجب عليه الإعادة سواء كان الوقت باقيا أو منقضيا، واستحب له إعادة الصلاة مع بقاء الوقت (2). وحكى أبو علي بن أبي هريرة (3) عن بعض أصحابه: أنه يجب عليه إعادة الصلاة مع بقاء الوقت، ولم يصححه (4) وقال: الصحيح غيره. وقال أبو حنيفة ومالك: عليه إعادة الصلاة والصوم جميعا (5). دليلنا على وجوب إعادة الصلاة مع بقاء الوقت: أنه مخاطب بها بعد البلوغ، وإذا كان الوقت باقيا وجب عليه فعلها وما فعله قبل البلوغ لم يكن

(1) مسند أحمد بن حنبل 2: 180 و 187، وسنن أبي داود 1: 133 حديث 494، والجامع الصغير 2: 535 حديث 8174، ومستدرك الحاكم 1: 258.
(2) الأم (مختصر المزني) 1: 14، والمجموع 3: 12.
(3) أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريره الفقيه الشافعي، أخذ العلم عن ابن سريج والمروزي، شرح مختصر المزني، وتخرج عليه خلق كثير، كان معظما عند السلاطين، مات سنة 345. طبقات الشافعية: 206، وطبقات الفقهاء: 92، ومرآة الجنان 2: 337.
(4) قال النووي في المجموع 3، 12 (قال الاصطخري: إن بقي من الوقت ما يسع تلك الصلاة بعد بلوغه وجبت الإعادة، وإلا فلا).
(5) المجموع 3: 12.

[ 307 ]

واجبا عليه، وإنما كان مندوبا إليه ولا يجزي المندوب عن الواجب وأما الصوم فلا يجب عليه إعادته لأن أول النهار لم يكن مكلفا به فيجب عليه الإعادة وبقية النهار لا يصح صومه، ووجوب الإعادة عليه يحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة. كتاب كيفية الصلاة في مسائل النية مسألة 54: من دخل في الصلاة بنية النفل، ثم نذر في خلالها إتمامها فإنه يجب عليه إتمامها. وقال أصحاب الشافعي: تبطل صلاته لأن النذر لا ينعقد إلا بالقول، والقول الذي ينعقد به النذر يبطل الصلاة، لأنه ليس بتسبيح ولا تكبير ولا تحميد لله تعالى، والذي قالوه صحيح في القول الذي هو نذر، إلا أن عندنا إن النذر ينعقد بالقلب كما ينعقد بالقول، ولو نوى بقلبه ذلك لزمه، وأن نذره بلسانه بطلت صلاته على ما قالوه. مسألة 55: إذا دخل في صلاته ثم نوى أنه خارج منها، أو نوى أنه سيخرج منها قبل إتمامها أو شك هل يخرج عنها أو يتمها فإن صلاته لا تبطل، وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي في الأم ونص عليه: إنه تبطل صلاته (2)، ويقتضيه مذهب مالك (3). دليلنا: أن صلاته قد انعقدت صحيحة بلا خلاف، وإبطالها يحتاج إلى

(1) المجموع 3: 286، والمغني 1: 466.
(2) المجموع 3: 282 - 285، والمغني لابن قدامة 1: 466، والأم 1: 100.
(3) المجموع 3: 285.

[ 308 ]

دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه وأيضا فقد روى نواقض الصلاة وقواطعها، ولم ينقل في جملة ذلك شئ مما حكيناه، ويقوى في نفسي أيضا أنها تبطل لأن من شرط الصلاة إستدامة حكم النية، وهذا ما استدامها. وأيضا قوله عليه السلام " الأعمال بالنيات " (1)، وقول الرضا عليه السلام لا عمل إلا بالنية (2) يدل عليه، وهذا عمل بغير نية، ولأنه يبعد أن تكون الصلاة صحيحة إذا نوى الدخول فيها ثم نوى فيما بعد في حال القيام والركوع والسجود إلى آخر التسليم أنه يفعل هذه الأفعال لا للصلاة فتكون صلاته صحيحه، فهذا المذهب أولى وأقوى وأحوط. مسألة 56: محل النية القلب دون اللسان، ولا يستحب الجمع بينهما. وقال أكثر أصحاب الشافعي: أن محلها القلب، ويستحب أن يضاف إلى ذلك اللفظ (3). وقال بعض أصحابه: يجب التلفظ بها (4) وخطأه أكثر أصحابه. دليلنا: هو أن النية هي الإرادة التي تؤثر في وقوع الفعل على وجه دون وجه، وبها يقع الفعل عبادة وواقعا موقع الوجوب أو الندب، وإنما سميت نية لمقارنتها للفعل وحلولها في القلب، ولأجل ذلك لا تسمى إرادة الله نية لأنها

(1) التهذيب 4: 186 حديث 518 و 519، و 1: 83 حديث 218، والهداية: 12، وأمالي الشيخ الطوسي 2: 231، ومصباح الشريعة: 4 باب 4، وصحيح البخاري 1: 4، وسنن ابن ماجه 2: 1413 حديث 4227، وسنن أبي داود 2: 262 حديث 2201. هذا وللحديث ألفاظ أخر متقاربة مثل (إنما الأعمال بالنية) وغيرها راجع الموسوعات الحديثية.
(2) فقه الرضا: 52 باب النيات، والكافي: 84 حديث 1 منسوب إلى الإمام علي بن الحسين (ع)، والتهذيب 4: 186 حديث 520، وأمالي الشيخ الطوسي 2: 203.
(3) المجموع 3: 277، ومغني المحتاج 1: 150، والمقدمة الحضرمية من المنهاج القويم: 147.
(4) المجموع 3: 277، ومغني المحتاج 1: 150.

[ 309 ]

لا تحل في القلب، وإذا ثبت ما قلناه فمن أوجب التلفظ بها، أو استحب ذلك فعليه الدليل، والشرع خال من ذلك. مسألة 57: يجب أن ينوي بصلاة الظهر مثلا كونها ظهرا فريضة مؤداة على طريق الابتداء أو القضاء. وقال أبو إسحاق المروزي: يجب أن ينوي بها ظهرا فريضة (1). وقال أبو علي بن أبي هريرة: يكفي أن ينوي صلاة الظهر، لأن صلاة الظهر لا تكون إلا فرضا (2). وقال بعض أصحاب الشافعي: يجب أن ينويها حاضرة مع ما تقدم من الأوصاف دون الفائتة مثل ما قلناه (3). دليلنا: على ما قلناه هو أنه إذا نوى جميع ما قلناه لا خلاف أن صلاته صحيحة وبرءت ذمته وإن أخل بشئ من ذلك لم يدل دليل على براءة ذمته، وأيضا فإنا اعتبرنا أن ينوي الصلاة ليتميز بذلك مما ليس بصلاة، واعتبرنا كونها ظهرا ليتميز مما ليس بظهر، واعتبرنا كونها فريضة لأن الظهر قد يكون نفلا. ألا ترى أن من صلى الظهر وحده ثم حضر جماعة استحب له أن يصليها معهم، ويكون ظهرا وهو مندوب إليه، وإنما اعتبرنا كونها حاضرة لأنه يجوز أن يكون عليه ظهر فائتة فلا تتميز الحاضرة من الفائتة إلا بالنية والقصد فعلم بذلك صحة جميع ما اعتبرناه. مسألة 58: من فاتته صلاة من الخمس، ولا تتميز له وجب عليه أن يصلي أربع ركعات بنية الظهر والعصر والعشاء الآخرة، وثلاث ركعات بنية المغرب،

(1) المجموع 3: 278.
(2) المجموع 3: 278.
(3) المجموع 3: 279 - 280.

[ 310 ]

وركعتين بنية الصبح. وقال المزني: يكفيه أن يصلي أربع ركعات، ويجلس في الثانية والثالثة والرابعة. وقال باقي أصحاب الشافعي والفقهاء: أنه يجب عليه أن يصلي خمس صلوات (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روى علي بن أسباط (2) عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من نسي صلاة من صلاة يومه واحدة، ولا يدري أي صلاة هي صلى ركعتين وثلاثا وأربعا (3). مسألة 59: من دخل في صلاة بنية الأداء ثم ذكر أن عليه صلاة فائتة وهو في أول الوقت أو قبل تضيق وقت الحاضرة عدل بنيته إلى الفائتة ثم استأنف الحاضرة، فإن تضيق وقت الحاضرة تمم الحاضرة ثم قضى الفائتة. وقال أصحاب الشافعي: من دخل في صلاة بنية ثم صرف نيته إلى صلاة غيرها، أو صرف بنيته إلى الخروج منها وإن لم يخرج فسدت صلاته (4). وقال أبو حنيفة: لا تبطل صلاته (5). دليلنا: على جواز نقل النية من الحاضرة إلى الفائتة. إجماع الفرقة، وقد

(1) الأم 1: 100، والاقناع 1: 86.
(2) علي بن أسباط بن سالم الكندي، أبو الحسن المقري كوفي ثقة، عده الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (ع) وأخرى من أصحاب الإمام الجواد (ع)، قال النجاشي: كان أوثق الناس وأصدقهم لهجة. رجال النجاشي: 190، ورجال الشيخ الطوسي: 382 و 403، والفهرست للشيخ الطوسي: 90، وتنقيح المقال 2: 268. (3) التهذيب 2: 197 حديث 774، وبسند آخر حديث 775.
(4) الأم 1: 100، والمجموع 3: 286، والمغني 1: 466.
(5) المجموع 3: 286، والمغني 1: 466.

[ 311 ]

بينا أن إجماعها حجة. وأيضا روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا ذكرت أنك لم تصل الأولى، وأنت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين، فصل الركعتين الباقيتين، وقم فصل العصر وإن كنت ذكرت أنك لم تصل العصر حتى دخل وقت صلاة المغرب، ولا تخاف فوتها فصل العصر ثم صل المغرب (1)، وذكر الحديث إلى آخره في سائر الصلوات. مسألة 60: إذا دخل في الظهر بنية الظهر، ثم نقل نيته إلى العصر، فإن كان إلى عصر فائت كان ذلك جائزا على ما قلناه في المسألة الأولى (2). وإن كان إلى العصر الذي بعده لم يصح، وإن صرف النية عن الفرض إلى التطوع لم يجزه عن واحد منهما. وقال الشافعي في صرف النية من الظهر إلى العصر: لا يصح على كل حال، فتبطل الصلاتان معا، الأولى تبطل لنقل النية عنها، والثانية تبطل لأنه لم يستفتحها بنية (3)، وفي نقلها عن الفريضة إلى التطوع قولان. أحدهما: أن التطوع لا يصح ولا الفرض. والثاني: يصح النفل دون الفرض (4). دليلنا: على صحة نقلها إلى الفائتة ما قلناه في المسألة الأولى (5)، وأما فساد نقلها إلى العصر الذي بعده فلأنه لم يحضر وقته فلا تصح نية أدائه، وإنما قلنا لم يحضر وقته لأنه مترتب على الظهر على كل حال سواء كان في أول

(1) الكافي 3: 291 حديث 1 في حديث طويل وباختلاف يسير، والتهذيب 3: 158 حديث 340.
(2) راجع المسألة 59.
(3) الأم 1: 100، والمجموع 3: 286.
(4) المجموع 3: 286.
(5) انظر المسألة 59.

[ 312 ]

الوقت أو في آخره إلى أن يتضيق وقت العصر، وإذا ثبت ذلك فلا يصح أداء العصر قبل دخول وقتها. فأما نقل النية إلى النافلة فإنما قلنا لا يجزي لأن الصلاة إنما تصح على ما استفتحت عليه أولا، وإنما يخرج من ذلك ما تقدم بدليل وإلا فالأصل ما قلناه. وروى ذلك يونس عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فظن أنها نافلة أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه (1). مسألة 61: وقت النية مع تكبيرة الافتتاح لا يجوز تأخيرها ولا تقديمها عليها، فإن قدمها ولم يستدمها لم يجزه، وإن قدمها واستدامها كان ذلك جائز، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إذا قدمها على الاحرام بزمان يسير، ولم يقطع بينهما بفعل أجزأته هكذا ذكر أبو بكر الرازي (3). وذكر الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة كمذهب الشافعي (4). وقال داود: يجب أن ينوي قبل التكبير ويحرم عقيبه (5). دليلنا: إن النية إنما يحتاج إليها ليقع الفعل بها على وجه دون وجه، والفعل في حال وقوعه يصح ذلك فيه فيجب أن يصاحبه ما يؤثر فيه حتى يصح تأثيره

(1) التهذيب 2: 197 حديث 776، و 2: 343 حديث 1419. (2) الأم 1: 100، والأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 277، ومغني المحتاج 1: 152، والمقدمة الحضرمية متن المنهاج القويم: 147، والمحلى 3: 232، والمغني لابن قدامه 1: 469.
(3) المبسوط 1: 10، وشرح فتح القدير 1: 186، والمجموع 3: 278، والمحلى 3: 232، ومغني المحتاج 1: 152، والمغني لابن قدامة 1: 469.
(4) مراقي الفلاح: 34 - 35.
(5) المحلى 3: 231.

[ 313 ]

فيه لأنها كالعلة في إيجاب معلولها، كما أن العلة لا تتقدم على المعلول فكذلك ما قلناه، وأيضا فإذا قارنت صحت الصلاة بلا خلاف، وإذا تقدمت لم يقم دليل على صحتها. مسألة 62: لا يجوز في تكبيرة الافتتاح إلا قول الله أكبر مع القدرة على ذلك، وبه قال مالك ومحمد بن الحسن (1). وقال الشافعي: يجوز ذلك، ويجوز بقوله الله الأكبر (2). واختلف أصحابه فمنهم من قال: يجوز أن يقول الله الأكبر، ويجوز أن يقول الأكبر الله (3). وقال آخرون: لا يجوز ذلك لأن الترتيب فيه مراعى (4). وقال سفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود مثل قول الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل اسم من أسماء الله تعالى على وجه التعظيم مثل قول الله العظيم، الله الجليل، وما أشبه ذلك (6).

(1) بداية المجتهد 1: 118، والهداية 1: 47، والمبسوط 1: 36، وعمدة القاري 5: 268، والمجموع 3: 292 والمحلى 3: 233، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 7، والاستذكار 2: 137، والمغني 1: 460.
(2) الأم 1: 100، والمجموع 3: 291، والأم (مختصر المزني): 14، ومغني المحتاج 1: 151، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 3: 7، والمبسوط 1: 36، وعمدة القاري 5: 268، والمغني 1: 460.
(3) المجموع 3: 292، والمحلى 3: 233، وبداية المجتهد 1: 118.
(4) المجموع 3: 292.
(5) المغني لابن قدامه 1: 460، والاقناع 1: 113، والمحلى 3: 233، والروض المربع 1: 50، والمجموع 2: 292، وعمدة القاري 5: 268.
(6) الأصل 1: 14، والمبسوط 1: 35، والهداية 1: 47، وعمدة القاري 5: 268، واللباب في شرح الكتاب 1: 70، وبداية المجتهد 1: 119، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 7، والاستذكار 2: 137، والمغني لابن قدامه 1: 460.

[ 314 ]

وقال أصحاب أبي حنيفة: لا تنعقد الصلاة إذا أتى باسمه على وجه النداء مثل قوله يا الله، واللهم واستغفر الله، وبه قال إبراهيم النخعي (1). وقال أبو يوسف: تنعقد بلفظ التكبير حتى لو قال الله الكبير إنعقدت به الصلاة، ولا تنعقد بما ليس بلفظ التكبير (2). دليلنا: هو أنه إذا أتى بما قلناه إنعقدت صلاته بلا خلاف، وإذا أتى بغيره فليس على انعقادها دليل، والاحتياط يقتضي ما قلناه. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (3) ونحن نعلم أنه لم يستفتح الصلاة إلا بما قلناه فوجب أن لا يجزي غيره. مسألة 63: من لحق الإمام وقد ركع وجب عليه أن يكبر تكبيرة الافتتاح ثم يكبر تكبيرة الركوع فإن لم يتمكن إقتصر على تكبيرة الافتتاح. وقال الشافعي: لا بد من التكبيرتين على كل حال في الفرائض (4)، وله في النافلة قولان، أحدهما: أنه يكفي واحدة، والآخر: أنه لا بد منهما. دليلنا: على وجوب الجمع: هو أنه إذا جمع بينهما صحت صلاته بلا خلاف، وإذا كبر واحدة فليس على صحتها دليل، وأما عند الضرورة وخوف الفوت فإجماع الفرقة دليل عليه. وروى معاوية بن شريح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا جاء الرجل مبادرا، والإمام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة

(1) الأصل 1: 14 وفيه: وهو قول أبي حنيفة ومحمد وإبراهيم والحكم بن عينية.
(2) الأصل 1: 14، والمبسوط 1: 35، والهداية 1: 47، واللباب في شرح الكتاب 1: 70، وعمدة القاري 5: 268 والمجموع 3: 303، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 7.
(3) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(4) الأم 1: 101، والاستذكار 1: 141، والمغني لابن قدامة 1: 505.

[ 315 ]

والركوع (1). مسألة 64: الترتيب واجب في الشهادتين في حال التشهد. وقال جميع الفقهاء: ليس بواجب (2). دليلنا: هو أنه إذا رتب صحت صلاته بلا خلاف، وإذا لم يرتب لم يدل على صحتها دليل، وأيضا قوله عليه السلام: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (3) ونحن نعلم أنه لم يقدم الشهادة الأخيرة على الأولى لأنه لو كان فعل لما جاز خلافه، وقد أجمعنا على بطلانه. مسألة 65: يستحب عندنا استفتاح الصلاة بسبع تكبيرات في مواضع مخصوصة من النوافل ولم يوافقنا على ذلك أحد من الفقهاء. دليلنا: على ذلك: إجماع الفرقة. وأيضا روى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة وإن شئت ثلاثا وإن شئت خمسا وإن شئت سبعا فكل ذلك مجز عنك غير أنك إذا كنت إماما لم تجهر إلا بتكبيرة (4) الافتتاح (5). مسألة 66: من عرف العربية، وغيرها من اللغات لم يجز له أن يستفتح الصلاة إلا بالعربية، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي (6).

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 265 حديث 1214، والتهذيب 3: 45 حديث 157، وعلل الشرائع حديث 75 بطريق آخر.
(2) المغني لابن قدامة 1: 545 - 546.
(3) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(4) التهذيب 2: 66 حديث 239.
(5) الموجود في النسخ بتكبيرة الافتتاح.
(6) الأم 1: 100، والأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 293 و 301، والأصل 1: 15، ومغني المحتاج 1: 152، والهداية 1: 47، والمبسوط 1: 36، والاستذكار 2: 137، والمغني لابن قدامه 1: 462.

[ 316 ]

وقال أبو حنيفة: يجوز التكبير بغير العربية، وإن كان يحسنها (1). دليلنا: أنه إذا كبر بالعربية صحت صلاته بالاجماع، وإذا كبر بغيرها فليس على صحتها دليل. وأيضا قوله عليه السلام: صلوا كما رأيتموني أصلي (2)، وأيضا قوله عليه السلام مفتاح الصلاة التكبير (3)، ومن قال بغير العربية لم يسم تكبيرا. مسألة 67: لا يكون داخلا في الصلاة إلا بإكمال التكبير، وهو أول الصلاة وآخرها التسليم، وبه قال مالك والشافعي (4). وقال أصحاب أبي حنيفة: قال أبو الحسن الكرخي: التكبير ليس من الصلاة، وأما الصلاة فما بعد تكبيرة الافتتاح (5). دليلنا: قوله عليه السلام تحريمها التكبير (6)، فجعلها من الصلاة، وأيضا قوله عليه السلام أن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هي التكبير والتسبيح وقراءة القرآن (7)، فجعل التكبير من الصلاة.

(1) الأصل 1: 15، والهداية 1: 47، والمبسوط 1: 36، والمجموع 3: 301، والمغني لابن قدامة 1: 462 والاستذكار 2: 137، ومغني المحتاج 1: 152.
(2) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(3) التهذيب 3: 270 حديث 775.
(4) الأم 1: 100، وسنن الترمذي 2: 4، والمجموع 3: 290، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 6، والمغني لابن قدامة 1: 460، وعمدة القاري 5: 268، وبدائع الصنائع 1: 194.
(5) عمدة القاري 5: 268، وبدائع الصنائع 1: 195، والمجموع 3: 290، والمغني لابن قدامه 1: 464.
(6) الكافي 3: 69 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 1: 23 حديث 68، والهداية: 31، وفقه الرضا: 7، وتفسير العسكري: 215.
(7) صحيح مسلم 1: 381 حديث 537 وفيه (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ... الخ)، وسنن النسائي 3: 14، باب الكلام في الصلاة، ومسند أحمد بن حنبل 5: 447، و 448 باختلاف يسير.

[ 317 ]

وأيضا فلا خلاف أن حكم التكبيرة حكم ما بعدها في جميع ما يشترط فيه وفي جميع ما يفسده لأن تكبيرة الاحرام تحتاج إلى الوقت والطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والامساك عن الكلام وتفسد بفقد كل واحد من ذلك كسائر أجزاء الصلاة فدل ذلك على أنها منها. مسألة 68: ليس من المسنون أن يقول الإمام بعد فراغ المقيم إستووا رحمكم الله، ولا أن يلتفت يمينا وشمالا، وينبغي أن يقوم الإمام والمأمومون إذا قال: قد قامت الصلاة. وقال الشافعي: أن ذلك مسنون، وينبغي أن يقوم الإمام والمأمومون إذا فرغ المقيم من الإقامة، وبه قال مالك وأبو يوسف وأحمد وإسحاق (1). وقال أبو بكر بن المنذر: وعلى هذا أهل الحرمين. قال: ودخل (2) عمر فأمر قوما بتسوية الصفوف فإذا رجعوا إليه كبر (3). وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: إذا قال المؤذن حي على الصلاة قاموا في الصف، فإذا قال قد قامت الصلاة كبر الإمام، وكبر القوم (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة من الوجوب والاستحباب فمن أثبت شيئا من ذلك فعليه الدلالة وأيضا عليه إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك. مسألة 69: لا ينبغي أن يكبر المأموم إلا بعد أن يكبر الإمام ويفرغ منه، وبه قال الشافعي ومالك وأبو يوسف (5).

(1) المغني لابن قدامة 1: 458، والاستذكار 1: 136، وعمدة القاري 5: 254، والمجموع 4: 225 الموطأ 1: 158 حديث 44.
(2) في النسخ " صلى ".
(3) الاستذكار 1: 136، والمحلى 4: 58، والمغني لابن قدامة 1: 458.
(4) المغني لابن قدامه 1: 458، والاستذكار 2: 136.
(5) المدونة الكبرى 1: 64، والاستذكار 1: 135.

[ 318 ]

وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري ومحمد: يجوز أن يكبروا مع تكبيرة الإمام ويجوز أن يكبروا بعد فراغه (1). دليلنا: أنه لا خلاف في أنه إذا كبر بعد فراغه أن صلاته ماضية كاملة، واختلفوا فيه إذا كبر مع الإمام فينبغي الأخذ بالاحتياط. وأيضا فالإمام إنما [ قيل إمام ] (2) ليقتدى به، ومن كبر معه لم يكن مقتديا به لأنه يحتاج أن يفعل الفعل على الوجه الذي فعله ولا يكون ذلك إلا بعد فراغ الإمام. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إنما الإمام مؤتم به فإذا كبر فكبروا (3) وهذا نص. مسألة 70: إذا صلى منفردا بعض الصلاة ركعة أو أقل منها أو أكثر ثم أقيمت الصلاة تممها ركعتين وسلم، واستأنف مع الإمام أو يقطعها ويستأنف مع الإمام. وللشافعي فيه قولان، في جواز البناء على ذلك، أحدهما: يستأنف (4)، والآخر. يبني على ما هو عليه (5). دليلنا: أنه إذا استأنف الصلاة، وصلى مع الإمام فلا خلاف أن صلاته

(1) المحلى 3: 240، والمغني لابن قدامه 1: 464، والاستذكار 1: 135.
(2) في بعض النسخ (جعل إماما).
(3) صحيح البخاري 1: 101، و 177، و 2: 56، وصحيح مسلم 1: 308 حديث 411، 311 حديث 417، وسنن ابن ماجه 1: 276 حديث 846 وفيه (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا " الحديث ")، وسنن أبي داود 1: 164 حديث 603، وسنن النسائي 2: 97، وفي سنن الدارمي 1: 315 (فليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا)، ومسند أحمد بن حنبل 2: 230 و 314 و 341 و 376 و 411 و 420، و 3: 110 و 162، و 4: 401 و 405 بأدنى اختلاف لا يخل بوحدة المعنى.
(4) المجموع 3: 288.
(5) المجموع 3: 288.

[ 319 ]

ماضية، وإذا لم يستأنفها لم يقم على صحتها دليل. مسألة 71: يستحب رفع اليدين مع كل تكبيرة، وآكدها تكبيرة الافتتاح. وقال الشافعي. يرفع يديه عند ثلاث تكبيرات، ولا يرفعهما في غيرها، تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع (1)، وبه قال في الصحابة أبو بكر (2) وعبد الله بن الزبير (3) وابن عمر وابن عباس وأنس وأبو سعيد الخدري. وفي التابعين الحسن البصري وعطاء ومجاهد والقاسم بن محمد ابن أبي بكر، وفي الفقهاء عطاء وأهل مكة وأهل المدينة وأهل الشام ومصر والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور (4). وقال أبو حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى: يرفعهما عند تكبيرة الافتتاح، ولا يعود (5). وعن مالك روايتان، فروى عبد الله بن وهب (6) عنه مثل قوله

(1) الأم 1: 104، وسنن الترمذي 2: 37، والمجموع 3: 399 و 446، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 3: 3، والمبسوط 1: 14، والمغني لابن قدامه 1: 497، ونيل الأوطار 2: 193.
(2) عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمر القرشي التيمي، أبو بكر، كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة أول من ولي الخلافة بعد رسول الله (ص). وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وأيام. مات سنة ثلاث عشر من الهجرة. الاستيعاب 2: 234، وتذكرة الحفاظ 1: 2، وصفوة الصفوة 1: 88، الإصابة 2: 333.
(3) عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم النبي صلى الله عليه وآله. يعد من الطبقة الخامسة في الصحابة، قتل في معركة أجنادين مع الروم سنة ثلاث عشر. الإصابة 2: 300 والاستيعاب 2: 290 وأسد الغابة 3: 161.
(4) سنن الترمذي 2: 37، والمجموع 3: 399، والمبسوط 1: 14، والمغني لابن قدامه 1: 497، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 3: 3، ونيل الأوطار 2: 193.
(5) الأصل 1: 13، والآثار (مخطوط): 11، والهداية 1: 46، والمبسوط 1: 14، وسنن الترمذي 2: 43، والمجموع 3: 400، والمغني لابن قدامة 1: 497، ونيل الأوطار 2: 193.
(6) أبو محمد عبد الله بن وهب الفهري، روى عن مالك وصحبه 20 سنة، والليث ومحمد بن عبد الرحمن =

[ 320 ]

الشافعي (1) وروى عبد الرحمن بن القاسم (2) عنه مثل قول أبي حنيفة (3). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأنه أفضل. وروى زرارة بن أعين عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " رفعك يديك في الصلاة زين لها " (4). وروى معاوية بن عمار قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يرفع يديه إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا أراد أن يسجد الثانية (5). مسألة 72: ينبغي أن يرفع يديه إلى حذاء شحمتي أذنيه. وقال الشافعي: يرفعهما إلى حذاء المنكبين (6). وقال أبو حنيفة: إلى حذاء الأذنين (7)، وبه قال سفيان الثوري (8).

= وابن جريج له جامع ابن وهب (الجامع في الحديث) والمناسك والموطأ الكبير والصغير، وغيرهما مات سنة 197 ه‍. شذرات الذهب 1: 347، وهداية العارفين 1: 438، ومرآة الجنان 1: 458. (1) سنن الترمذي 2: 37، والمجموع 3: 399، والمغني لابن قدامة 1: 497، ونيل الأوطار 2: 193.
(2) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي (بضم العين وفتح التاء) المصري، أبو عبد الله، روى عن مالك وتفقه عليه، ولازمه نحو من عشرين سنة، وأول من دون عن مالك الفقه، وروى كذلك عن بكر بن مضر ونافع بن أبي نعيم القاري والنوفلي، وروى عنه ابنه موسى وابن فرج وسحنون بن سعيد التنوخي وابن عيينة وغيرهم مات سنة 191 ه‍، تهذيب التهذيب 6: 252، والجرح والتعديل 5: 279 (3) المدونة الكبرى 1: 68، والمجموع 3: 400، ونيل الأوطار 2: 193.
(4) التهذيب 2: 76، حديث 481.
(5) التهذيب 2: 75 حديث 279.
(6) الأم 1: 103، والأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 304 و 307، ومغني المحتاج 1: 152، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 4، وعمدة القاري 5: 275، والهداية 1: 46، والمبسوط 1: 11، وبداية المجتهد 1: 130، والمغني لابن قدامة 1: 470.
(7) الهداية 1: 46، والمبسوط 1: 11، وشرح معاني الآثار 1: 197، وعمدة القاري 5: 275، واللباب في شرح كتاب 1: 70، ومراقي الفلاح: 41، والمجموع 3: 306، و 307، وبداية المجتهد 1: 130.
(8) شرح معاني الآثار 1: 196.

[ 321 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن ذلك أفضل. وروى أبو بصير قال قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا افتتحت الصلاة فكبرت، فلا تجاوز أذنيك ولا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة تجاوز بهما رأسك " (1). وروى صفوان بن مهران الجمال (2) قال: رأيت أبا عبد الله إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى تكاد تبلغ أذنيه (3). مسألة 73: يستحب أن يكون مضموم الأصابع إذا رفع يديه بالتكبير. وقال الشافعي: يستحب أن ينشرها (4). دليلنا: الإجماع الذي تكرر. وقد روي ذلك في خبر حماد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام في الخبر الذي علمه فيه كيفية الصلاة (5). مسألة 74: لا يجوز أن يضع اليمين على الشمال، ولا الشمال على اليمين في الصلاة لا فوق السرة، ولا تحتها. وقال الشافعي وأبو حنيفة وسفيان وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود: إن

(1) التهذيب 2: 65 حديث 233.
(2) صفوان بن مهران بن المغيرة الجمال الأسدي الكاهلي، مولاهم الكوفي، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، له كتاب، وثقه النجاشي والعلامة، وعده الكشي من أصحاب الإمام الكاظم (ع)، وروى قصة كراءه الجمال لهارون الرشيد وبيعها، الكشي 440 / 828، ورجال النجاشي: 149، ورجال الطوسي: 220، والخلاصة: 89.
(4) التهذيب 2: 65 حديث 235.
(3) الأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 307، والمقدمة الحضرمية متن المنهاج القويم: 147، والمغني لابن قدامة 1: 470.
(5) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 238 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301.

[ 322 ]

وضع اليمين على الشمال مسنون مستحب (1)، إلا أن الشافعي قال: وضع اليمين على الشمال فوق السرة (2). وقال أبو حنيفة: تحت السرة (3)، وهو مذهب أبي هريرة (4). وعن مالك روايتان، إحداهما مثل قول الشافعي (5)، ومن وافقه. وروى عنه ابن القاسم: إنه ينبغي أن يرسل يديه (6)، وروي عنه أنه قال: يفعل ذلك في صلاة النافلة إذا طالت، وإن لم تطل لم يفعل فيها ولا في الفرض. وقال الليث بن سعد: إن أعيى فعل ذلك، وإن لم يع لم يفعل، وهو مثل قول مالك (7). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن ذلك يقطع الصلاة. وأيضا أفعال الصلاة يحتاج ثبوتها إلى الشرع، وليس في الشرع ما يدل على كون ذلك مشروعا، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك لأنه لا خلاف أن من أرسل يده فإن صلاته ماضية.

(1) الهداية 1: 47، والمجموع 3: 311، وعمدة القاري 5: 279، ونيل الأوطار 2: 201.
(2) الأم (مختصر المزني): 14: والمجموع 3: 310 و 313، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 5، والمغني لابن قدامه 1: 473، وعمدة القاري 5: 279، والهداية 1: 47، ونيل الأوطار 2: 203، وشرح فتح القدير 1: 201.
(3) الهداية 1: 47، وعمدة القاري 5: 279، واللباب في شرح الكتاب 1: 71، وشرح فتح القدير 1: 201 ومراقي الفلاح: 41، والمجموع 3: 313، والمغني لابن قدامة 1: 473، ونيل الأوطار 2: 203، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 5.
(4) المجموع 3: 313، وعمدة القاري 5: 279.
(5) المجموع 3: 312، وعمدة القاري 5: 279، ونيل الأوطار 2: 201 و 204.
(6) المجموع 3: 312، والهداية 1: 47، والمغني لابن قدامة 1: 472، وعمدة القاري 5: 279، وشرح فتح القدير 1: 201، ونيل الأوطار 2: 201 و 204.
(7) المجموع 3: 311، وعمدة القاري 5: 279، ونيل الأوطار 2: 201.

[ 323 ]

واختلفوا إذا وضع إحداهما على الأخرى، فقالت الإمامية: إن صلاته باطلة، فوجب بذلك الأخذ بالجزم. وروى حريز عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له " فصل لربك وانحر "، وقال: " النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه، وقال: لا تكفر إنما يصنع ذلك المجوس " (1). وروى محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال: قلت له الرجل يضع يده في الصلاة اليمنى على اليسرى، فقال: " ذلك التكفير لا تفعله " (2). مسألة 75: المستحب عندنا عند أداء كل فريضة أن يكبر سبع تكبيرات يكبر ثلاثا ويقول: " أللهم أنت الملك الحق إلى آخر الدعاء "، ويكبر تكبيرتين، ويقول: " لبيك وسعديك " إلى آخره، ويكبر تكبيرتين ويقول " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض - إلى قوله تعالى - وأنا من المسلمين " (3). وقال أبو حنيفة: يقول بعد تكبيرة الافتتاح سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك (4): وبه قال الثوري والأوزاعي وأحمد (5). وقال مالك بن أنس: ليس التوجه في الصلاة بواجب على الناس،

(1) الكافي 3: 336 حديث 9 وذيله (ولا تلثم ولا تحتفز ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك) وكذا في التهذيب 2: 84 حديث 309. وفيهما (أن يقيم صلبه ونحره).
(2) التهذيب 2: 84 حديث 310.
(3) الأنعام: 79.
(4) شرح معاني الآثار 1: 198، والمبسوط 1: 12، والآثار (مخطوط): 11، واللباب في شرح الكتاب 1: 71، ومراقي الفلاح: 41، والمجموع 3: 321.
(5) المغني لابن قدامة 1: 473، والمجموع 3: 321.

[ 324 ]

والواجب عليهم التكبير والقراءة (1)، وكان ابن القصار (2) يقول ولا هو أيضا مسنون بعد التكبير عنده. ووافقنا الشافعي في استحباب هذه الأدعية، ولم يعرف الفصل بينهما بالتكبيرات (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد بينا أن إجماعها حجة، وأيضا روى عبيد الله بن أبي رافع (4) عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا افتتح كبر، ثم قال: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض إلى آخره " (5). وروى أبو هريره مثل هذا. مسألة 76: يستحب أن يتعوذ قبل القراءة، وبه قال أبو حنيفة وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق (6). وقال مالك: لا يتعوذ في المكتوبة، ويتعوذ في قيام شهر رمضان إذا

(1) بداية المجتهد 1: 119.
(2) علي بن أحمد البغدادي، أبو الحسن، المعروف بابن القصار، فقيه مالكي أصولي، ولي القضاء ببغداد، له عيون الأدلة وإيضاح الملة، مات سنة 398 هجرية. إيضاح المكنون 2: 133، ومعجم المؤلفين 7: 12.
(3) الأم 1: 106، والأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 321، والمبسوط 1: 12، والمغني لابن قدامة 1: 473 - 474.
(4) عبيد الله بن أبي رافع، عده الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين، وكان كاتبا له، ومن خواص أصحابه، وله كتاب في قضايا أمير المؤمنين وكتاب في من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان من الصحابة. رجال النجاشي: 3، ورجال البرقي: 4، ورجال الطوسي: 47، والفهرست: 107.
(5) سنن النسائي 2: 129، وسنن أبي داود 1: 201 حديث 760 وفيه إذا قام إلى الصلاة كبر.
(6) الأم 1: 107، والأصل 1: 3، والهداية 1: 48، والمجموع 3: 325، والمبسوط 1: 13، والمغني لابن قدامه 1: 475 و 546، والمحلى 3: 247، ومغني المحتاج 1: 156، واللباب في شرح الكتاب 1: 71، ومراقي الفلاح: 41.

[ 325 ]

قرء (1). وحكى أبو بكر بن أبي داود (2) في شريعة القاري عن إبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين: أنهما كانا يتعوذان بعد القراءة (3). دليلنا: قوله تعالى " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " (4)، وهذا عام في جميع المواضع. وأيضا إجماع الفرقة. وروى أبو سعيد الخدري: إن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول: قبل القراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (5). مسألة 77: كيفية التعوذ أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قبل القراءة وبه قال الشافعي في الأم (6)، وهو مذهب أبي حنيفة (7). وقال سفيان الثوري في جامعه: يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم (8). وقال الحسن بن صالح بن حي: يقول أعوذ بالله السميع العليم من

(1) المجموع 3: 325، والمحلى 3: 247، والمغني لابن قدامة 1: 475.
(2) أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان الأشعث السجستاني الأزدي الفقيه، قال الدار قطني على ما حكاه عنه في لسان الميزان ما نصه: ثقة إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث، توفي سنة 316، له مؤلفات منها شريعة التفسير، وشريعة القاري، ونظم القرآن وغيرها. لسان الميزان 3: 293، ومرآة الجنان 2: 269، وهدية العارفين 1: 444.
(3) المجموع 3: 325، والمحلى 3: 250.
(4) النحل: 98.
(5) حكاه ابن قدامة في المغني 1: 475 عن ابن المنذر.
(6) الأم 1: 107، والأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 323 - 325، ومغني المحتاج 1: 156، والسراج الوهاج 1: 43، والمحلى 3: 247.
(7) الأصل 1: 3، والمبسوط 1: 13، ومراقي الفلاح: 41، والمحلى 3: 247.
(8) المجموع 3: 325.

[ 326 ]

الشيطان الرجيم (1). وروي ذلك عن محمد بن سيرين (2). وقال مالك: لا يتعوذ إلا في قيام شهر رمضان، ويتعوذ بعد القراءة، وبه قال أبو هريرة (3). دليلنا: إن ما اعتبرناه لفظ القرآن، لأن الله تعالى قال: " فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " (4)، فمن أثبت غير ذلك من الألفاظ يحتاج إلى دليل. مسألة 78: التعوذ مستحب في أول ركعة دون ما عداها. وقال الشافعي فيه قولان، أحدهما مثل ما قلناه (5). والثاني: إنه في كل ركعة إذا أراد القراءة (6)، وعلى الأول أكثر أصحابه، وبه قال ابن سيرين (7). دليلنا: إن ما اعتبرناه مجمع عليه وتكراره في كل ركعة يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 79: التعوذ يسر به في جميع الصلوات. وللشافعي فيه قولان، أحدهما مثل ما قلناه (8).

(1) المصدر السابق.
(2) المحلى 3: 249.
(3) المدونة الكبرى 1: 64، والمحلى 3: 247، والمجموع 3: 325.
(4) النحل: 98.
(5) الأم 1: 107، والمجموع 3: 322، ومغني المحتاج 1: 156، والسراج الوهاج 1: 43.
(6) الأم 1: 107، والمجموع 3: 322، ومغني المحتاج 1: 156، والسراج الوهاج 1: 43، والمغني لابن قدامة 1: 532.
(7) قال ابن حزم في المحلى 3: 249 " وكان ابن سيرين يستعيذ في كل ركعة "، والمغني لابن قدامه 1: 532.
(8) الأم 1: 107، والمجموع 3: 324، ومغني المحتاج 1: 156، والسراج الوهاج 1: 43، والمقدمة الحضرمية متن المنهاج القويم: 146، وأحكام القرآن للجصاص 1: 16.

[ 327 ]

والثاني: إنه يجهر به فيما يجهر فيه بالقراءة (1). دليلنا: إجماع الفرقة. مسائل القراءة مسألة 80: القراءة شرط في صحة الصلاة، وبه قال جميع الفقهاء (2)، إلا ما حكي عن الحسن بن صالح بن حي من أنه قال: ليست القراءة شرطا فيها (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " فاقرأوا ما تيسر من القرآن " (4)، وقوله تعالى " فاقرأوا ما تيسر منه " (5)، وقوله عليه السلام " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (6)، وطريقة الاحتياط. مسألة 81: قراءة فاتحة الكتاب واجبة في الصلاة، وبه قال الشافعي وسفيان ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود (7)

(1) الأم 1: 107، والمجموع 3: 324، ومغني المحتاج 1: 156.
(2) الأم 1: 107، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 2، والمغني لابن قدامة 1: 485، والمجموع 3: 327 ومغني المحتاج 1: 155، والتفسير الكبير 1: 217.
(3) المجموع 3: 330.
(4) المزمل: 20.
(5) المزمل: 20.
(6) في صحيح مسلم 1: 295 حديث 34 (394) وسنن الترمذي 2: 25 حديث 247، و 2: 117 حديث 311، وسنن ابن ماجة 1: 273 حديث 837، وسنن النسائي 2: 137، وسنن أبي داود 1: 217 حديث 822، والدر المنثور 1: 6 (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " وباختلاف يسير في بعضها. وفي مسند أحمد بن حنبل 2: 428 (لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب)، وفي سنن الدارمي 1: 283 (من لم يقرأ بأم الكتاب فلا صلاة له)، وتفسير الفخر الرازي 1: 190.
(7) المدونة الكبرى 1: 65 و 68، وسنن الترمذي 2: 26، والمجموع 3: 327 و 330، والمغني لابن قدامة 1: 485، والمحلى 3: 236 و 238، وتفسير القرطبي 1: 117 و 124، ومقدمات ابن رشد 1: 129، =

[ 328 ]

وحكي عن الأصم والحسن بن صالح بن حي إنها مستحبة في الصلاة (1). وقال أبو حنيفة: يجب مقدار آية (2). وقال أبو يوسف ومحمد: مقدار ثلاث آيات (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأيضا طريقة الاحتياط تقتضي ذلك لأنه إذا يقرأ الحمد صحت صلاته بيقين، وإذا لم يقرأها ليس على صحتها دليل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (4)، وقوله " لا صلاة لمن لا يقرء بفاتحة الكتاب " (5). وروى محمد بن مسلم قال: سألته عن الذي لا يقرء فاتحة الكتاب في صلاته، قال: لا صلاة له إلا أن يقرأها في جهر أو إخفات (6). مسألة 82: " بسم الله الرحمن الرحيم " آية من كل سورة من جميع القرآن، وهي آية من أول سورة الحمد. وقال الشافعي: إنها آية من أول الحمد بلا خلاف بينهم (7)، وفي كونها آية من كل سورة قولان:

= والتفسير الكبير 1: 189، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 2، وأحكام القرآن للجصاص 1: 18، ونيل الأوطار 2: 229. (1) عمدة القاري 6: 9، والمجموع 3: 330.
(2) المجموع 3: 327، والمغني لابن قدامة 1: 476، والمحلى 3: 238، والتفسير الكبير 1: 194، والاستذكار 2: 145، ونيل الأوطار 2: 230.
(3) المجموع 3: 327، والاستذكار 2: 145، والتفسير الكبير 1: 194، وتفسير القرطبي 1: 118.
(4) راجع الهامش السادس من المسألة رقم (80).
(5) راجع الهامش السادس من المسألة السابقة.
(6) الكافي 3: 317، حديث 28، والتهذيب 2: 146 حديث 573، والاستبصار 1: 310 حديث 1152.
(7) الأم 1: 107، والمجموع 3: 332، والتفسير الكبير 1: 194، والمحلى 3: 252، والمبسوط 1: 15، =

[ 329 ]

أحدهما: إنها آية من أول كل سورة، والآخر: إنها بعض آية من كل سورة، وإنما تتم مع ما بعدها فتصير آية (1). وقال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيدة، وعطاء، والزهري، وعبد الله بن المبارك (2): إنها آية من أول كل سورة حتى أنه قال: من ترك " بسم الله الرحمن الرحيم " ترك مائة وثلاث عشرة آية (3). وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وداود: ليست آية من فاتحة الكتاب، ولا من سائر السور (4). وقال مالك والأوزاعي وداود: يكره أن يقرأها في الصلاة بل يكبر، ويبتدي بالحمد، إلا في شهر رمضان. والمستحب أن يأتي بها بين كل سورتين تبركا للفصل، ولا يأتي بها في أول الفاتحة (5).

= وبداية المجتهد 1: 120، والمغني لابن قدامه 1: 480، ونيل الأوطار 2: 218، وعمدة القاري 5: 291، والاستذكار 2: 175، وأحكام القرآن للجصاص 1: 9، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 2، وتفسير القرطبي 1: 93 و 96. (1) المجموع 3: 333، والتفسير الكبير 1: 203، وعمدة القاري 5: 291، والاستذكار 2: 175، وتفسير القرطبي 1: 93.
(2) أبو عبد الرحمن المروزي، عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، مولاهم الفقيه، تفقه بسفيان ومالك وغيره، روى عن هشام بن عروة وحميد الطويل وأحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم توفي سنة 181، له الدقائق في الرقائق والسنن في الفقه ورقاع الفتاوى. هدية العارفين 1: 438، وشذرات الذهب 1: 295، ومرآة الجنان 1: 378.
(3) المغني لابن قدامه 1: 480، والمجموع 3: 334، والمبسوط 1: 15، وبداية المجتهد 1: 120، والاستذكار 2: 176، وتفسير القرطبي 1: 96، والتفسير الكبير 1: 203، ونيل الأوطار 2: 218.
(4) المبسوط 1: 15، وتفسير القرطبي 1: 93 و 96، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 2، والاستذكار 2: 175، والمجموع 3: 334، والمغني لابن قدامه 1: 480، وعمدة القاري 5: 284 و 291، والتفسير الكبير 1: 194، ونيل الأوطار 2: 218.
(5) المحلى 3: 252، والمغني لابن قدامة 1: 478 و 492، وأحكام القرآن للجصاص 1: 13، والتفسير =

[ 330 ]

وقال أبو الحسن الكرخي: ليس عن أصحابنا رواية في ذلك، ومذهبهم الإخفاء في قرائتها، فاستدللنا بذلك على أنها ليست من فاتحة الكتاب عندهم، إذ لو كانت منها لجهر بها كما يجهر بسائر السور (1). وكان أبو الحسن الكرخي يقول: ليست من هذه السورة ولا من سائر السور، سوى سورة النمل. هكذا روى عنه أبو بكر الرازي (2)، وقال أبو بكر: ثم سمعناه بعد ذلك يقول إنها آية تامة مفردة في كل موضع أثبتت فيه إلا في سورة النمل، فإنها بعض آية في قوله تعالى: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " (3) (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد بينا أن إجماعها حجة. وأيضا روت أم سلمة إن رسول الله صلى الله عليه وآله قرأ في الصلاة " بسم الله الرحمن الرحيم " فعدها آية " الحمد لله رب العالمين " اثنتين، " الرحمن الرحيم " ثلاث آيات " مالك يوم الدين " أربع آيات. وقال: هكذا " إياك نعبد وإياك نستعين " وجمع خمس أصابعه هكذا، ذكره أبو بكر بن المنذر في كتابه. وروى معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إذا قمت إلى الصلاة أقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " في فاتحة الكتاب؟ قال: " نعم "، قلت: فإذا قرأت ما عدا فاتحة الكتاب أقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " مع السورة؟

= الكبير 1: 194. (1) التفسير الكبير 1: 194.
(2) المبسوط 1: 16.
(3) النمل: 30.
(4) المجموع 3: 334، وقال الشوكاني في نيل الأوطار 2: 218 (وذهبت طائفة إلى أنها آية في الفاتحة ومن كل سورة غير براءة).

[ 331 ]

قال: " نعم " (1). وروى علي بن مهزيار (2) عن يحيى بن أبي عمران الهمداني (3) قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدء ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " في صلاته وحده في أم الكتاب، فلما صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها. فقال العباسي: (4) ليس بذلك بأس، فكتب بخطه يعيدها مرتين على رغم أنفه، يعني العباسي (5). مسألة 83: يجب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الحمد، وفي كل سورة بعدها، كما يجب بالقراءة هذا فيما يجب الجهر فيه، فإن كانت الصلاة لا يجهر فيها استحب أن يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن جمع في النوافل بين سور كثيرة وجب أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة، وهو مذهب الشافعي (6)، إلا أنه لم يذكر استحباب الجهر فيما يسر فيه بالقراءة ذكر ذلك في

(1) الكافي 3: 312 حديث 1، والتهذيب 2: 69 حديث 251، والاستبصار 1: 311 حديث 1155.
(2) علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، أبو الحسن من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي عليهم السلام، ثقة جليل القدر واسع الرواية، له كتاب حروف القرآن والأنبياء والبشارات وغيرها نحو ثلاثة وثلاثون. وقد وثقه كل من ترجمه حيث يعدونه من وكلاء الإمام الجواد والهادي عليهم السلام. رجال النجاشي: 191، والفهرست: 88، ورجال الطوسي: 381، و 403 و 417، وتنقيح المقال 2: 311.
(3) يحيى بن أبي عمران الهمداني، من أصحاب الإمام الرضا (ع)، يروي كثيرا عن يونس بن عبد الرحمن، وتلمذ عليه، ويظهر مما حكاه في التنقيح عن بصائر الدرجات أنه من وكلاء الإمام الجواد عليه السلام. رجال الطوسي: 395، وتنقيح المقال 3: 308، وروضة المتقين 14: 298.
(4) الظاهر أنه هشام بن إبراهيم العباسي، نسبة إلى كتاب ألفه في إمامة العباس عم النبي (ص)، وأنفذه إلى هارون الرشيد فسماه بالعباسي، وقد وردت في ذمه روايات كثيرة، ويعد من مناوئي الإمام الرضا والجواد عليهما السلام. جامع الرواة 2: 312، وتنقيح المقال 3: 291.
(5) الكافي 3: 313 حديث 2، والتهذيب 2: 69 حديث 252، والاستبصار 1: 311 حديث 1156.
(6) المجموع 3: 341، وسنن الترمذي 2: 15، والمحلى 3: 252، ونصب الراية 1: 328 و 361، =

[ 332 ]

البويطي، وفي اختلاف العراقيين. وذكر ابن المنذر عن عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير أنهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم (1)، وروي مثل ذلك عن ابن عمر أنه كان لا يدع الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن والسورة التي بعدها (2). وذهب أبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي وأبو عبيدة وأحمد إلى أنه يسر بها (3). وقال مالك: المستحب أن لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين (4). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك. روى صفوان قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام أياما فكان يقرأ في فاتحة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخفى ما سوى ذلك (5). مسألة 84: قول آمين يقطع الصلاة سواء كان ذلك سرا أو جهرا في آخر الحمد أو قبلها للأمام والمأموم على كل حال.

= والاستذكار 2: 177، ونيل الأوطار 2: 218. (1) نصب الراية 1: 361، والمجموع 3: 341، والمغني لابن قدامه 1: 479، والاستذكار 2: 177، ونيل الأوطار 2: 217.
(2) شرح معاني الآثار 1: 200، ونصب الراية 1: 361، والمجموع 3: 341، والاستذكار 2: 177.
(3) الأصل 1: 3، ونصب الراية 1: 361، والمبسوط 1: 15، والمغني لابن قدامه 1: 478، وأحكام القرآن للجصاص 1: 15، وسنن الترمذي 2: 14، والمجموع 3: 342، وبداية المجتهد 1: 120، ونيل الأوطار 2: 216، والاستذكار 2: 176، والتفسير الكبير 1: 194، و 203، وتفسير القرطبي 1: 96.
(4) المدونة الكبرى 1: 64، و 67، وبداية المجتهد 1: 120، ونصب الراية 1: 328 و 361، والمبسوط 1: 15 والمحلى 3: 252، وعمدة القاري 5: 284.
(5) التهذيب 2: 68 حديث 246، والاستبصار 1: 310 حديث 1154.

[ 333 ]

وقال أبو حامد الأسفرايني: (1) إن سبق الإمام المأمومين بقراءة الحمد لم يجز (2) لهم أن يقولوا آمين، فإن قالوا ذلك، استأنفوا قراءة الحمد، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال الطبري وغيره من أصحاب الشافعي: لا يبطل ذلك قراءة الحمد، ويبني على قراءته، فأما قوله عقيب الحمد، فقال الشافعي وأصحابه يستحب للإمام إذا فرغ من فاتحة الكتاب أن يقول آمين ويجهر به، وإليه ذهب عطاء، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (3)، وأبو بكر بن المنذر وداود (4). وقال أبو حنيفة وسفيان: يقوله الإمام ويخفيه (5) وعن مالك روايتان إحداهما مثل قول أبي حنيفة (6)، والثانية: لا يقول آمين أصلا (7)، وأما المأموم فإن الشافعي قال في الجديد: يسمع نفسه (8)، وقال في القديم: يجهر به (9).

(1) أبو حامد، أحمد بن محمد بن أحمد الأسفرائيني - بكسر الهمزة نسبة إلى إسفراين بلدة بخراسان - درس على ابن المرزبان والداركي، له التعليقة الكبرى على مختصر المزني على مذهب الشافعية، والبستان. روى عن أبي أحمد بن عدي والدار قطني وأبي بكر الاسماعيلي، مات سنة 406. طبقات الفقهاء: 103، وشذرات الذهب 3: 178، ومرآة الجنان 3: 15.
(2) في بعض النسخ " لم يجب ".
(3) أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمي النيسابوري، روى عن علي بن حجر وابن راهويه ومحمود بن غيدان، وروى عنه البخاري ومسلم ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وأبو علي النيسابوري، تفقه على المزني مات سنة 311. شذرات الذهب 2: 262، ومرآة الجنان 2: 264، معجم المؤلفين 9: 39.
(4) المغني لابن قدامه 1: 489، والمجموع 3: 370، ومغني المحتاج 1: 161، وسنن الترمذي 2: 28، والمحلى 3: 264.
(5) المجموع 3: 373، والمغني لابن قدامه 1: 490.
(6) المجموع 3: 373، والمحلى 3: 264، والمغني لابن قدامه 1: 490.
(7) المجموع 3: 373، والمغني لابن قدامه 1: 489. (8 و 9) المجموع 3: 368.

[ 334 ]

واختلف أصحابه فمنهم من قال المسألة على قولين، ومنهم من قال: إذا كانت الصفوف قليلة متقاربة يسمعون قول الإمام يستحب الإخفاء، وإذا كانت الصفوف كثيرة، ويخفى على كثير منهم قول الإمام يستحب لهم الجهر ليسمعوا من خلفهم (1). وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وعطاء يستحب لهم الجهر (2). وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: لا يستحب لهم الجهر بذلك (3). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في أن ذلك يبطل الصلاة، وأيضا فلا خلاف أنه إذا لم يقل ذلك أن صلاته صحيحة ماضية. واختلفوا إذا قال ذلك، فينبغي العمل على الاحتياط بتركه. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين " (4)، وقول آمين من كلام الآدميين. وروى محمد الحلبي (5) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب آمين قال: لا (6). مسألة 85: من نسي قراءة فاتحة الكتاب حتى ركع مضى في صلاته، ولا شئ عليه، وبه قال أبو حنيفة (7).

(1) المجموع 3: 368.
(2) (3) المجموع 3: 373، والمحلى 3: 264.
(4) صحيح مسلم 1: 381 حديث 537 وفيه (... من كلام الناس)، والنسائي 3: 14 باب الكلام في الصلاة، ومسند أحمد بن حنبل 5: 447 و 448 باختلاف.
(5) محمد بن علي بن أبي شعبة الحلبي، أبو جعفر، من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام، ثقة له كتب، وجه أصحابنا وفقيههم الذي لا يطعن عليه بشئ مات زمن الإمام الصادق عليه السلام. رجال النجاشي: 248، ورجال الطوسي: 136، والفهرست: 130، وتنقيح المقال 3: 152.
(6) التهذيب 2: 74 حديث 276، والاستبصار 1: 318 حديث 1186.
(7) المبسوط 1: 19، والاستذكار 1: 145.

[ 335 ]

وللشافعي فيه قولان: أحدهما، قاله في القديم: أنه تجوز صلاته (1)، والثاني: تبطل صلاته، وهو قول أكثر أصحابه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وروى محمد بن مسلم عن أحدهما قال: إن الله عز وجل فرض الركوع والسجود والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة، ومن نسي القراءة فقد تمت صلاته، ولا شئ عليه (3). وروى معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأولتين فيذكر في الركعتين الأخيرتين أنه لم يقرء قال: أتم الركوع والسجود؟، قلت: نعم، قال: إني أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها (4). وروى منصور بن حازم (5) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها، فقال: أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ قلت: بلى، فقال: فقد تمت صلاتك إذا كنت ناسيا (6). مسألة 86: الظاهر من روايات أصحابنا ومذهبهم أن قراءة سورة أخرى مع الحمد واجبة في الفرائض، ولا يجزي الاقتصار على أقل منها، وبه قال

(1) المجموع 3: 332، والاستذكار 1: 143.
(2) المجموع 3: 332، والمبسوط 1: 19، والاستذكار 1: 143.
(3) الكافي 3: 347 حديث 1، والتهذيب 2: 146 حديث 569.
(4) التهذيب 2: 146 حديث 571.
(5) منصور بن حازم، أبو أيوب البجلي، كوفي ثقة عين صدوق من أجلة أصحابنا وفقهائهم، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق (ع)، له أصول الشرايع والحج، وروى عن الإمام الكاظم، وعده الشيخ المفيد من فقهاء أصحاب الصادقين، والأعلام المأخوذ عنهم الحلال والحرام والذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذمهم. رجال النجاشي: 323، والفهرست: 164، ورجال الطوسي: 313.
(6) الكافي 3: 348 حديث 3 وفيه (قال: قد تمت صلاتك إذا كان نسيانا)، والتهذيب 2: 146 حديث 570، والاستبصار 1: 353 حديث 1336 وفيه (إذا كان نسيانا).

[ 336 ]

بعض أصحاب الشافعي (1)، إلا أنه جوز بدل ذلك ما يكون قدر آياتها من القرآن. وقال بعض أصحابنا: إن ذلك مستحب، وليس بواجب (2)، وبه قال الشافعي، وأكثر أصحابه (3). وحكى أبو بكر بن المنذر عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات بعدها، وهذا قدر أقصر سورة (4). دليلنا: على المذهب الأول: طريقة الاحتياط، لأنه إذا قرأ سورة مع الحمد كانت صلاته صحيحة لا خلاف، وإذا إقتصر على بعضها فليس على صحتها دليل. وروى منصور بن حازم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة، ولا بأكثر (5). مسألة 87: الأظهر من مذهب أصحابنا أن لا يزيد مع الحمد على سورة واحدة في الفريضة، ويجوز في النافلة ما شاء من السور. ومن أصحابنا من قال: إنه مستحب وليس بواجب، ولم يوافق على ذلك أحد من الفقهاء (6).

(1) الأم 1: 102.
(2) مال إليه سلار في مراسمه: 69 حيث قال (في مقام تعداد واجبات الصلاة): (وقراءة الفاتحة في الأوليين من كل صلاة)، ولم يتعرض إلى السورة أصلا. ونسب العلامة في المختلف: 91 ذلك إلى ابن الجنيد وإلى الشيخ المصنف في النهاية.
(3) المجموع 3: 388.
(4) قال النووي في المجموع 3: 388 - 389 - قال القاضي أبو الطيب عن عثمان بن أبي العاص الصحابي وطائفة أنه تجب مع الفاتحة سورة أقلها ثلاث آيات، وحكاه صاحب البيان عن عمر بن الخطاب.
(5) الكافي 3: 314 حديث 12، والتهذيب 2: 69 حديث 253، والاستبصار 1: 314 حديث 1167.
(6) انظر المجموع 3: 382، والمغني لابن قدامه 1: 491.

[ 337 ]

دليلنا: على ذلك: طريقة الاحتياط، فإنه إذا اقتصر على سورة واحدة كانت صلاته ماضية بلا خلاف، وإذا زاد على ذلك فيه خلاف. وروى محمد بن مسلم عن أحدهما قال: سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة؟ فقال: لا، لكل سورة ركعة (1)، وخبر منصور بن حازم يدل أيضا على ذلك، وقد بينا الوجه في اختلاف الحديث في هذا المعنى في الكتابين المقدم ذكرهما (2). مسألة 88: يجوز في الركعتين الأخيرتين أن يسبح بدلا من القراءة، فإن قرأ فليقتصر على الحمد وحدها، ولا يزيد عليه شيئا. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فقال في القديم: لا يستحب الزيادة على الحمد، وهو رواية المزني، والبويطي في مختصره (3)، وبه قال أبو حنيفة (4). وقال في الأم في كتاب استقبال القبلة: وأحب أن يكون أقل ما يقرأ مع أم القرآن في الركعتين الأوليين قدر أقصر سورة [ من القرآن ] مثل إنا أعطيناك الكوثر، وما أشبهها، وفي الأخيريين أم القرآن وآية، وما زاد كان أحب إلي ما لم يكن إماما فيثقل (5). وقال أبو حنيفة: تجب القراءة في الأولتين، ولا تجب في الأخيرتين (6).

(1) التهذيب 2: 70 حديث 254، والاستبصار 1: 314 حديث 1168 وفيه (فقال له: لكل).
(2) التهذيب 2: 69 - 70، والاستبصار 1: 314 باب 173 (أنه لا يقرأ في الفريضة بأقل من سورة ولا بأكثر منها).
(3) المجموع 3: 386.
(4) التفسير الكبير 1: 216.
(5) الأم 1: 109 باب (القراءة بعد أم القرآن)، والمجموع 3: 386.
(6) المبسوط 1: 18، والتفسير الكبير 1: 216، والاستذكار 2: 170.

[ 338 ]

دليلنا: طريقة الاحتياط، فإنه لا خلاف إذا أقتصر لي الحمد أن صلاته ماضية، وإذا زاد عليها اختلفوا في صحتها. وأما جواز التسبيح بدلا من القراءة، فلم أجد به قولا لأحد من الفقهاء. ودليلنا: عليه: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن ذلك جائز، وإنما اختلفوا في المفاضلة بين التسبيح والقراءة، وقد بينا الأخبار في ذلك في الكتابين المقدم ذكرهما، وبينا الوجه فيها (1). مسألة 89: يجوز أن يسوى بين الركعتين في مقدار السورتين اللتين تقرآن فيهما بعد الحمد، وليس لأحدهما ترجيح على الآخر، وبه قال الشافعي في الأم (2). وحكى الطبري (3) عن أبي الحسن الماسرجسي (4) إنه قال: يستحب للإمام أن تكون قراءته في الركعة الأولى في كل صلاة أطول من قرائته في الثانية، ويستحب ذلك في الفجر أكثر (5). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ذلك يستحب في الفجر دون غيرها (6). وقال محمد وسفيان الثوري: يستحب أن يطيل الركعة الأولى على

(1) التهذيب 2: 98 - 99 الأحاديث 367 - 372، والاستبصار 1: 321 باب 180 باب التخيير بين القراءة والتسبيح في الركعتين الأخيرتين.
(2) المجموع 3: 387.
(3) هو أبو الطيب الطبري (طاهر بن عبد الله القاضي)، تقدمت ترجمته في المسألة 219.
(4) أبو الحسن، محمد بن علي بن سهل الماسرجسي، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وسمع الحديث من المؤمل بن الحسن بن عيسى، وأصحاب المزني، وأصحاب يونس بن عبد الأعلى، وسمع منه الحاكم والقاضي أبو الطيب الطبري وغيرهم توفي 384، طبقات الشافعية: 32، وطبقات الفقهاء: 96، ومرآة الجنان 2: 421، واللباب 3: 147.
(5) المجموع 3: 387، وعمدة القاري 6: 9.
(6) عمدة القاري 6: 9، والمجموع 3: 387.

[ 339 ]

الثانية في كل صلاة (1). دليلنا: إن ما قلناه لا خلاف في جوازه، والفرق بينهما والمفاضلة فيهما يحتاج إلى دليل. وأيضا الأخبار التي وردت في الأمر بقراءة الحمد، وسورة معها عامة، ولم يفرق فيها بين الأولى والثانية، ولا بين صلاة دون صلاة فوجب حملها على عمومها. مسألة 90: الظاهر في الروايات أنه لا يقرأ المأموم خلف الإمام أصلا، سواء جهر أو لم يجهر، لا فاتحة الكتاب ولا غيرها، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأبي بن كعب، وإحدى الروايتين عن علي بن أبي طالب عليه السلام (2)، وبه قال أبو حنيفة والثوري (3). وروي في بعض الروايات: إنه يقرأ فيما لم يجهر به ولا يقرأ فيما يجهر، وبه قالت عائشة وأبو هريرة والزهري وابن المبارك ومالك وأحمد وإسحاق والشافعي في القديم (4)، وفي بعض كتبه الجديدة، والذي عليه عامة أصحابه، وصححه أبو إسحاق: أنه يقرأ الحمد سواء جهر الإمام أو لم يجهر، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا قوله تعالى " وإذا قرئ القرآن

(1) المصدر السابق.
(2) المجموع 3: 365، والاستذكار 2: 186.
(3) الآثار (مخطوط): 13، وعمدة القاري 6: 11، والمجموع 3: 365، والتفسير الكبير 1: 214، والمحلى 3: 238.
(4) المجموع 3: 365، وتفسير القرطبي 1: 119، والاستذكار 2: 186، والتفسير الكبير 1: 214، والمحلى 3: 238.
(5) المجموع 3: 365، والتفسير الكبير 1: 214، والمحلى 3: 239، وعمدة القاري 6: 10، والاستذكار 2: 169، وتفسير القرطبي 1: 119.

[ 340 ]

فاستمعوا له وأنصتوا " (1) والأمر بالانصات ينافي الأمر بالقراءة، وهذا يدل على أنه إذا جهر الإمام وجب الاصغاء إليه، فأما إذا خافت فالرجوع في ذلك إلى الروايات، وقد أوردناها في الكتابين، وبينا الوجه فيها (2)، منها: ما رواه يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة خلف من أرتضي به أقرأ خلفه؟ قال: من رضيت به فلا تقرأ خلفه (3). وروى سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيقرأ الرجل في الأولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنه يقرأ؟ فقال: لا ينبغي له أن يقرأ، يكله إلى الإمام (4). وروى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا صليت خلف إمام تأتم به، فلا تقرأ خلفه. سمعت قراءته، أو لم تسمع (5). مسألة 91: إذا كبر تكبيرة واحدة للاستفتاح، والركوع عند الخوف من فوت الركوع أجزأه. وقال الشافعي: ذلك يبطل صلاته لأنه يكبر بنية مشتركة (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد مضت هذه المسألة (7). مسألة 92: ينبغي إذا كبر للاستفتاح، والركوع أن يكبر قائما، فإن أتى

(1) الأعراف: 204.
(2) التهذيب 3: 32 - 38، والاستبصار 1: 427 باب 262 باب القراءة خلف من يقتدى به.
(3) التهذيب 3: 33 حديث 118، والاستبصار 1: 428 حديث 1653.
(4) التهذيب 3: 33 حديث 119، والاستبصار 1: 428 حديث 1654.
(5) الاستبصار 1: 428 حديث 1655، والتهذيب 3: 34 حديث 121، ورواه أيضا في: 32 حديث 115 مذيلا بما نصه (إلا أن تكون صلاة يجهر بها ولم تسمع فاقرأ) وكذا في الكافي 3: 377 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 1: 255 حديث 1156.
(6) الأم 1: 101، والاستذكار 1: 141.
(7) راجع المسألة رقم 63.

[ 341 ]

ببعض التكبير منحنيا لم تبطل صلاته. قال الشافعي: إن كان ذلك في المكتوبة بطلت صلاته، وانعقدت نافلة (1). دليلنا: إنا قد بينا صحة هذه التكبيرة، وانعقاد الصلاة بها، ولم يفصلوا بين أن يأتي بها قائما، وبين أن يأتي ببعضها منحنيا، فمن ادعى أنه إذا أتى بها منحنيا بطلت صلاته يحتاج إلى دليل. مسألة 93: تجب القراءة في الركعتين الأولتين إذا كانت رباعية أو ثلاثية أو كانت ركعتين مثل الصبح، وفي الأخيرتين أو الثالثة مخير بين القراءة والتسبيح، ولا بد من واحد منهما فإن نسي القراءة في الأولتين قرأ في الأخيرتين. وروى محمد أن التخيير قائم. وقال الشافعي: تجب قراءة الحمد في كل ركعة (2)، وهو مذهب الأوزاعي وأحمد و إسحاق (3). وقال مالك: تجب قراءة الحمد في معظم الصلاة، فإن كانت أربعا ففي ثلاث، وإن كانت ثلاثا ففي ركعتين، وإن كانت فجرا قرأ فيهما لأنه لا معظم لها (4). وقال أبو حنيفة: القراءة تجب في الأولتين فقط فإن كان عدد الصلاة أربع قرأ في الركعتين، وهو في الأخيرتين بالخيار بين أشياء، بين أن يقرأ ويدعو أو يسكت، وإن كانت ثلاثا قرأ في الأولتين وفي الثالثة على ما قلناه، فإن ترك

(1) الأم 1: 101 والمجموع 3: 296.
(2) الأم 1: 107، والمجموع 3: 361، والتفسير الكبير 3: 361، وبداية المجتهد 1: 122، والمبسوط 1: 18، والاستذكار 1: 168.
(3) المجموع 3: 361، والاستذكار 1: 168.
(4) المجموع 3: 361، والتفسير الكبير 1: 216، والمبسوط 1: 18.

[ 342 ]

القراءة في الأولتين قرأ في الأخيرتين، وإن كانت الصلاة ركعتين مثل الفجر قرأ فيهما (1). وقال داود وأهل الظاهر: إنما تجب القراءة في ركعة واحدة (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " فاقرأوا ما تيسر منه " (3)، وهذا قد قرأ وتكراره يحتاج إلى دليل، وقول النبي صلى الله عليه وآله " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (4) يدل على ذلك أيضا، لأنه لم يذكر التكرار. وروى علي بن حنظلة (5) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيها، فقال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، وإن شئت فأذكر الله فهو سواء قال: قلت فأي ذلك أفضل؟ قال: هما والله سواء إن شئت سبحت وإن شئت قرأت (6)، ومن قال: لا يبطل التخيير مع النسيان إستدل بما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأولتين، فيذكر في الركعتين الأخيرتين أنه لم يقرأ، قال: أتم الركوع والسجود، قلت: نعم، قال: إني أكره أن أجعل

(1) المبسوط 1: 18 وبداية المجتهد 1: 122، والاستذكار 1: 170، والمجموع 3: 361، وعمدة القاري 6: 8، والتفسير الكبير 1: 216.
(2) قال النووي في المجموع 3: 361: عن داود بوجوب القراءة في كل ركعة، وعن بعض أصحاب داود والحسن البصري بأنه لا تجب القراءة إلا في ركعة من كل الصلاة.
(3) المزمل: 20.
(4) سنن الترمذي 2: 25 حديث 247. وانظر الهامش الرابع من المسألة 80 للتعرف على بقية المصادر.
(5) أبو الحسن علي بن حنظلة العجلي الكوفي، عده الشيخ من أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام روى عنه عبد الله بن بكير وعلي بن رئاب وموسى بن بكير وغيرهم. رجال الشيخ الطوسي: 131 و 241، وتنقيح المقال 2: 287.
(6) التهذيب 2: 98 حديث 369، والاستبصار 1: 321 حديث 1200.

[ 343 ]

آخر صلاتي أولها (1) وإنما قلنا الأحوط القراءة في هذا الحال لما رواه الحسين ابن حماد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أسهو عن القراءة في الركعة الأولى، قال: إقرأ في الثانية، قلت: أسهو في الثانية، قال: إقرأ في الثالثة، قلت: أسهو في صلاتي كلها، قال: إذا حفظت الركوع والسجود فقد تمت صلاتك (3). مسألة 94: من يحسن الفاتحة لا يجوز أن يقرأ غيرها، وإن لم يحسن الحمد وجب عليه أن يتعلمها، فإن ضاق عليه الوقت وأحسن غيرها قرأ ما يحسن، فإن لم يحسن شيئا أصلا ذكر الله تعالى وكبره، ولا يقرأ معنى القرآن بغير العربية بأي لغة كان، فإن فعل ذلك لم يكن ذلك قرآنا وكانت صلاته باطلة، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: القراءة شرط لكنها غير معينة بالفاتحة فمن أي موضع قرأ أجزأه، وله في مقدار القراءة روايتان، المشهور عنه: أنه يجزي ما يقع عليه اسم القرآن، وإن كان بعض آية (5). والثاني: أنه يجزي آية قصيرة، وإن أتى بالعربية فهو قرآن، وإن أتى بمعناه بأي لغة كان فهو تفسير القرآن وتجزيه الصلاة (6).

(1) التهذيب 2: 146 حديث 571.
(2) الحسين بن حماد بن ميمون العبدي الكوفي مولاهم عده الشيخ من أصحاب الإمام الباقر والصادق عليهما السلام، روى عنه القاسم بن إسماعيل وداود بن حصين وإبراهيم بن مهزم وغيرهم. رجال النجاشي: 43، ورجال الشيخ: 115 و 169، وتنقيح المقال 1: 326.
(3) من لا يحضره الفقيه 1: 227 حديث 1004، والتهذيب 2: 148 حديث 579، والاستبصار 1: 355 حديث 1342.
(4) المجموع 3: 374، والتفسير الكبير 1: 189، والمغني لابن قدامة 1: 486.
(5) المغني لابن قدامه 1: 486، والتفسير الكبير 1: 189.
(6) المحلى 3: 254، وتفسير القرطبي 1: 126، والتفسير الكبير 1: 209.

[ 344 ]

وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية لم يجز أن يقرأ بالفارسية، فإن كان لا يحسنها جاز أن يقرأ بلغته فصال الخلاف في ثلاث مسائل (1)، إحديها: هل يتعين الحمد أم لا، وقد مضت هذه المسألة (2). والثانية: إذا قرأ بالفارسية هل يكون قرآنا، أم لا، فعندنا لا يكون قرآنا، وعنده يكون قرآنا. والثالثة: إذا فعل هل تجزيه صلاته أم لا، فعندنا لا تجزيه وعنده تجزي (3). دليلنا على المسألة الثانية: قوله تعالى " وإنه لتنزيل من رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين " (4) فأخبر إنه أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن قال إذا كان بغير العربية فهو قرآن فقد ترك الآية. وقال تعالى " إنا أنزلناه قرأناه عربيا لعلكم تعقلون " (5) فأخبر إنه أنزله عربيا. وقال تعالى " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " (6). وعند أبي حنيفة أرسل الله رسوله بكل لسان، وإذا ثبت أنه بغير العربية لا يكون قرآنا سقط قولهم وثبت أنها لا تجزي، وهي المسألة الثالثة لقوله عليه السلام: لا تجزي صلاة من لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب (7).

(1) المجموع 3: 380، والمغني لابن قدامه 1: 486 والتفسير الكبير 1: 209.
(2) راجع المسألة (81).
(3) المحلى 3: 254.
(4) الشعراء: 195.
(5) يوسف: 2.
(6) إبراهيم: 4. (7) راجع الهامش السادس من المسألة (80).

[ 345 ]

وروى عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني لا أستطيع أن أحفظ شيئا من القرآن فماذا أصنع؟ فقال له: " قل: سبحان الله والحمد لله " (1)، فلو كان معناه قرآنا لقال له: إحفظه بأي لغة سهل عليك فلما عدل به إلى التسبيح والتحميد دل على أنه لا يكون قرآنا بغير هذه العبارات. وأيضا فإن القرآن لا يثبت قرآنا إلا بالنقل المتواتر المستفيض، ولم ينقل لا متواترا ولا آحادا، إن معناه يكون قرآنا. وأيضا أجمعت الأمة على أن القرآن معجز، وإن اختلفوا في جهة إعجازه فمن بين من جعل وجه الاعجاز الفصاحة دون النظم، وبين من اعتبرهما وبين من قال بالصرفة. فمن قال: إن معنى القرآن قرآن أبطل الإجماع، وأيضا من أتى بمعنى شعر امرؤ القيس (2) والأعشى (3) وزهير (4)، لا يقال أنشد شعرهم، ومن ارتكب ذلك خرج عن المعقول. وأيضا قوله تعالى " ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي

(1) سنن أبي داود 1: 220 حديث 832، ومسند أحمد بن حنبل 4: 352 و 356 و 382.
(2) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، من أشهر شعراء العرب يعرف بالملك الضليل، أحد شعراء المعلقات العشر المشهورات الأغاني 9: 77، والأعلام للزركلي 1: 351، والشعر والشعراء: 37.
(3) ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير المعروف بأعشى قيس من شعراء الجاهلية الأول، أحد أصحاب المعلقات، أدرك الاسلام ولم يسلم الأغاني 9: 108، والأعلام للزركلي 8: 300.
(4) زهير بن أبي سلمى، ربيعة بن رباح المزني وهو من شعراء الجاهلية، لم يدرك الاسلام، وإنما أدرك ولداه الاسلام وهما كعب وبجير وأسلما. الأغاني 10: 288، والأعلام للزركلي 3: 87، والشعر والشعراء: 57.

[ 346 ]

يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين " (1). فالنبي صلى الله عليه وآله أتاهم بالقرآن بلغة العرب، فادعوا عليه أن رجلا من العجم يعلمه فأكذبهم الله تعالى، فقال: هذا الذي تضيفون إليه التعليم أعجمي، والذي أتاكم به لسان عربي مبين، فلو كان الكل قرآنا بأي لغة كان لم ينكر عليهم ما أدعوه. وأيضا فالصلاة في الذمة بيقين، وإذا قرأ القرآن بلفظه برءت ذمته بيقين، وإذا قرأ بمعناه لم تبرأ ذمته بيقين فأوجب الاحتياط ما قلناه. مسألة 95: إذا انتقل من ركن إلى ركن، من رفع إلى خفض، أو خفض إلى رفع، ينتقل بالتكبير إلا إذا رفع رأسه من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده، وبه قال جميع الفقهاء (2). وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وجابر (3). وقال عمر بن عبد العزيز: لا يكبر إلا تكبيرة الافتتاح (4)، وبه قال سعيد بن جبير (5). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأيضا فلا خلاف إن من فعل ما قلناه كانت صلاته ماضية، ولم يقم دليل على صحة صلاته إذا لم يفعل ما قلناه. وروى الزهري عن علي بن الحسين عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبر كلما خفض ورفع فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله

(1) النحل: 103. (2) الأم 1: 110، والمغني لابن قدامه 1: 502، والمبسوط 1: 20.
(3) المغني لابن قدامه 1: 497.
(4) المغني لابن قدامة 1: 496.
(5) المصدر السابق.

[ 347 ]

تعالى (1)، وقد بينا تفصيل ذلك في كتاب تهذيب الأحكام، وبينا أن عدد التكبيرات في الخمس صلوات خمس وتسعون تكبيرة (2). مسألة 96: إذا كبر للركوع يجوز أن يكبر ثم يركع، وبه قال أبو حنيفة (3) و يجوز أيضا أن يهوي بالتكبير إلى الركوع فيكون انتهاء التكبير مع انتهاء الركوع، وهو مذهب الشافعي (4). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وقد روي ذلك في خبر حماد بن عيسى وزرارة في صفة الصلاة عن أبي عبد الله عليه السلام (5). مسألة 97: لا يجوز التطبيق في الصلاة، وهو أن يطبق إحدى يديه على الأخرى ويضعهما بين ركبتيه، وبه قال جميع الفقهاء (6). وقال ابن مسعود: ذلك واجب (7). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع المسلمين، فإن هذا الخلاف قد انقرض. وروى حماد بن عيسى وزرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر كيفية الصلاة (8).

(1) سنن أبي داود: 1: 221 حديث 836، وموطأ مالك 1: 76 حديث 17 عن ابن شهاب، وروى مسلم في صحيحه 1: 292 في هذا الباب عن الزهري عدة أحاديث فراجع للاطلاع.
(2) التهذيب 2: 87.
(3) عمدة القاري 6: 59.
(4) الأم 1: 110، والمجموع 3: 396، وعمدة القاري 6: 59.
(5) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301.
(6) المجموع 3: 411، والمبسوط 1: 19، والمحلى 2: 274.
(7) المجموع 3: 411، والمحلى 3: 274، والمبسوط 1: 19 - 20.
(8) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 1 حديث 916، وأمالي الصدوق 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301.

[ 348 ]

مسائل الركوع مسألة 98: الطمأنينة في الركوع ركن من أركان الصلاة، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: إنها غير واجبة، ولا يجب عنده أن ينحني بقدر ما يضع يديه على ركبتيه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا طريقة الاحتياط فإنه لا خلاف إذا اطمأن أن صلاته ماضية واختلفوا إذا لم يطمئن. وأيضا روي عنه عليه السلام أنه قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3). فلا يخلو إما أن يكون اطمأن، أو لم يطمأن، فإن كان اطمأن وجب مثله وإن لم يكن اطمأن وجب أن لا تصح صلاة من اطمأن، وأجمعنا على صحة صلاته. وروى أبو مسعود البدري (4) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تجزي صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود) (5). مسألة 99: التسبيح في الركوع والسجود واجب، وبه قال أهل الظاهر داود

(1) المجموع 3: 410، ومغني المحتاج 1: 164، والمغني لابن قدامه 1: 500، وبداية المجتهد 1: 130.
(2) المحلى 3: 257، والمغني لابن قدامه 1: 500، والمجموع 3: 410، وبداية المجتهد 1: 130. (3) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(4) أبو مسعود البدري: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة... بن الخزرج الأنصاري، مشهور بكنيته، نزل الكوفة، استخلفه الإمام أمير المؤمنين (ع) عليها عند ما سار إلى صفين، روى عنه الخطمي وأبو وائل، شهد العقبة، عده الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين (ع)، وعده العلامة في خلاصته وابن داود في القسم الأول من رجاله مات سنة 40 وقيل قبلها وبعدها. الإصابة 2: 483 رقم 5608، وتنقيح المقال 2: 255. ورجال الشيخ الطوسي: 53، الاستيعاب 4: 171.
(5) سنن أبي داود 1: 226 حديث 855، ومسند أحمد بن حنبل 4: 119 و 4: 122 وفيه (صلاة لأحد).

[ 349 ]

وغيره (1)، وبه قال أحمد (2). وقال عامة الفقهاء: إن ذلك غير واجب (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط لأنه إذا سبح جازت صلاته بغير خلاف، وإذا لم يسبح فليس على صحتها دليل. وقوله صلى الله عليه وآله (صلوا كما رأيتموني أصلي) (4)، يدل عليه لأنه سبح بغير خلاف. وروى عقبة بن عامر (5) قال: لما نزلت " فسبح باسم ربك العظيم "، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إجعلوها في ركوعكم) فلما نزلت " سبح اسم ربك الأعلى " قال: (اجعلوها في سجودكم) (6). وهذا أمر يقتضي الوجوب. مسألة 100: أقل ما يجزي من التسبيح فيهما تسبيحة واحدة وثلاث أفضل من الواحدة إلى السبع فإنها أفضل. وقال داود وأهل الظاهر: الثلاث فرض (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وروى علي بن يقطين عن أبي الحسن الأول

(1) المحلى 3: 255، والمجموع 3: 414، والمغني 1: 502.
(2) المغني لابن قدامة 1: 502، والمجموع 3: 414.
(3) الأم 1: 111، والمجموع 3: 414، والمغني لابن قدامه 1: 501.
(4) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(5) عقبة - بضم العين وسكون القاف - بن عامر بن عبس بن عمر الجهني، روى عن النبي (ص)، وروى عنه ابن عباس وأبو أمامة وجبير بن نفير وبعجة وغيرهم، وهو أحد من جمع القرآن، توفي في خلافة معاوية. الإصابة 2: 482، وأسد الغابة 3: 417.
(6) من لا يحضره الفقيه 1: 206، وعلل الشرائع 2: 22 حديث 6 من الباب 30 (العلة التي من أجلها يقال في الركوع سبحان ربي العظيم...)، والتهذيب 2: 313 حديث 1273، وسنن البيهقي 2: 86، وسنن ابن ماجة 1: 287 حديث 887.
(7) المحلى 3: 255.

[ 350 ]

عليه السلام قال: سألته عن الركوع والسجود كم يجزي فيه من التسبيح، قال: ثلاث، ويجزيك واحدة إذا أمكنت جبهتك من الأرض (1). مسألة 101: إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، الحمد لله رب العالمين، أهل الكبرياء والعظمة، إماما كان أو مأموما. وقال الشافعي: يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، إماما كان أو مأموما (2)، وإليه من الصحابة أبو بردة بن نيار (3)، وفي التابعين عطاء وابن سيرين، وبه قال إسحاق (4). وذهب مالك والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد إلى أن الإمام يقول كما قال الشافعي، والمأموم لا يزيد على قول ربنا ولك الحمد (5). وقال أبو حنيفة: لا يزيد الإمام على قول سمع الله لمن حمده، ولا يزيد المأموم على قول ربنا ولك الحمد (6). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون فيه والزيادة التي اعتبروها تحتاج

(1) التهذيب 2: 76 حديث 284، والاستبصار 1: 323 حديث 1206.
(2) المجموع 3: 414 و 419، وسنن الترمذي 2: 54، والمغني لابن قدامه 1: 508، والمبسوط 1: 21.
(3) في بعض النسخ " ابن يسار " وفي بعضها " ابن دينار " وصوابه ما أثبتناه. وهو هاني بن نيار بن عمرو أبو بردة حليف الأنصار وخال البراء بن عازب، شهد بدرا وما بعدها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حروبه كلها. روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وروى عنه البراء وجابر وسعيد ابن عمير وعبد الرحمن بن جابر وغيرهم. مات سنة (41 ه‍). وقيل غير ذلك. أسد الغابة 5: 52 و 146، والاستيعاب 4: 18 والإصابة 3: 565 و 4: 19، وتهذيب التهذيب 12: 19.
(4) سنن الترمذي 2: 56، والمجموع 3: 419.
(5) الأصل: 1: 4 - 5، وشرح معاني الآثار 1: 241، والمبسوط 1: 20، والمغني لابن قدامه 1: 510، والمجموع 3: 419.
(6) الأصل 1: 4 - 5، وشرح معاني الآثار 1: 238، والمبسوط 1: 20، والمحلى 3: 262، والمجموع 3: 419.

[ 351 ]

إلى شرع، وليس فيه ما يدل عليه، وحماد بن عيسى روى ما قلناه (1)، ولم يذكر ربنا ولك الحمد. ورووا عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا افتتح الصلاة كبر وإذا رفع رأسه من الركوع، يقول سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد أهل الثناء والمجد (2)، وهذا في معنى ما قلناه. مسألة 102: رفع الرأس من الركوع والطمأنينة واجب وركن، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس الرفع من الركوع واجبا أصلا (4). وروي عن أبي يوسف أن الرفع واجب (5). دليلنا: إجماع الفرقة عليه، وخبر حماد وزرارة (6) تضمن ذلك، وطريقة

(1) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64 والتهذيب 2: 81 حديث 301.
(2) صحيح البخاري 1: 179 باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى وباب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع، وصحيح مسلم 1: 292 باب 9 حديث 25، وموطأ مالك 1: 75 باب 4 (افتتاح الصلاة) حديث 16 وفيه من دون جملة (أهل الثناء والمجد) باختلاف في السند، وسنن ابن ماجة 1: 284 الباب 18 (ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع) الأحاديث 875 - 878، وسنن النسائي 1: 121 كتاب الافتتاح (باب العمل في افتتاح الصلاة) و (باب رفع اليدين قبل التكبير). وسنن الدارمي 1: 300 باب القول بعد رفع الرأس من الركوع وفي 301 متحد مسندا بزيادة ونقصان في اللفظ، وسنن الدار قطني 1: 296 باب دعاء الاستفتاح بعد التكبير الأحاديث، و 342 حديث 3 وفي الموضوعين عن علي ولكن باختلاف في اللفظ، وسنن الترمذي 2: 53 باب 197 حديث 266 باختلاف في اللفظ، ونيل الأوطار 2: 207 حديث 2.
(3) المجموع 3: 410 و 416، ومغني المحتاج 1: 165، وبداية المجتهد 1: 130. والمحلى 3: 255.
(4) النتف 1: 63 و 70، بداية المجتهد 1: 130، والمجموع 3: 410، بدائع الصنائع 1: 105.
(5) بدائع الصنائع 1: 105.
(6) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 =

[ 352 ]

الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه إذا رفع رأسه واطمأن صحت صلاته بلا خلاف، وإذا لم يفعل فليس على صحتها دليل. وأيضا الخبر الذي تضمن تعليم النبي صلى الله عليه وآله الرجل الداخل في المسجد الصلاة يتضمن ذلك (1) لأنه قال له: (ثم أرفع حتى تعتدل قائما)، وهذا أمر. مسألة 103: إذا رفع المأموم رأسه من الركوع قبل الإمام عاد إلى ركوعه، ويرفع مع الإمام، وبه قال الشافعي: إلا أنه قال: فرضه قد سقط بالأول (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وروى علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يركع مع الإمام يقتدي به، ثم يرفع رأسه قبل الإمام، قال: يعيد ركوعه معه (3). فأما القول بإسقاط الفرض بالركوع الأول فيحتاج إلى دليل. مسألة 104: إذا خر ساجدا، ثم شك هل رفع رأسه من الركوع أم لا؟ مضى في صلاته. وقال الشافعي: عليه أن ينتصب قائما ثم يسجد عن قيام (4).

= مجلس: 64، والتهذيب 2: 81 و 83 حديث 301 و 308. (1) صحيح البخاري 1: 190 باب 113 باب استواء الظهر في الركوع، وصحيح مسلم 1: 298 حديث 45 باب 11، وسنن أبي داود 1: 226 حديث 856، وسنن الترمذي 2: 100 باب 226 حديث 302 و 303، وسنن النسائي 2: 124 باب فرض التكبيرة الأولى من كتاب الافتتاح و 2: 193 باب الرخصة في ترك الذكر في الركوع، وسنن ابن ماجه 1: 336 باب 72 حديث 1060، ومسند أحمد بن حنبل 2: 437 و 4: 340، وسنن الدارمي 1: 305 باب (في الذي لا يتم الركوع والسجود).
(2) الأم 1: 112.
(3) من لا يحضره الفقيه 1: 258 حديث 1172، والتهذيب 3: 47 حديث 163، والاستبصار 1: 438 حديث 1688.
(4) الأم 1: 113، والمجموع 3: 416.

[ 353 ]

دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في أن من شك في شئ، وقد انتقل إلى حالة أخرى فإنه لا حكم لشكه، وأيضا فإن إيجاب الانتصاب على من قلناه يحتاج إلى دليل. مسألة 105: إذا عرضت له علت تمنعه من الرفع أهوى إلى السجود عن الركوع فإن زالت العلة بعد هوية مضى في صلاته كان ذلك قبل السجود أو بعده. وقال الشافعي: إن زالت قبل السجود انتصب قائما، ثم يخر عن قيام، وإن زالت بعد السجود مضى في صلاته (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء (2). مسألة 106: إذا رفع رأسه من الركوع فقرأ شيئا من القرآن ساهيا سجد، وليس عليه سجدتا السهو. وقال الشافعي: عليه سجدتا السهو (3). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 107: إذا كبر للسجود جاز أن يكبر وهو قائم، ثم يهوي إلى السجود، ويجوز أن يهوي بالتكبير إلى السجود فيكون انتهائه حين السجود، والثاني: مذهب الشافعي (4). والأول رواه حماد بن عيسى في وصفه للصلاة (5). والثاني رواه غيره (6)

(1) الأم 1: 113، والمجموع 3: 416.
(2) أي المسألة السابقة.
(3) قال النووي في المجموع 4: 126 (إذا سلم في غير موضعه ناسيا أو قرأ في غير موضعه ناسيا... سجد للسهو). وقال في الأم 1: 113 (إن فعل فعليه سجود السهو لأنه زاد في صلاته ما ليس عليه).
(4) الأم 1: 113.
(5) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301.
(6) الكافي 3: 336 حديث 5، وروى نحوه أيضا عبد الرزاق في المصنف 2: 176 حديث 2954.

[ 354 ]

فجعلناه مخيرا. مسألة 108: إذا أراد السجود تلقى الأرض بيديه أولا ثم ركبتيه، وهو مذهب عبد الله بن عمر، والأوزاعي، ومالك (1). وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري: يتلقى الأرض بركبتيه ثم بيديه ثم بجبهته وأنفه، وحكوا ذلك عن عمر بن الخطاب (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا رواه حماد بن عيسى وزرارة في خبريهما (3)، وأيضا لا خلاف أن من فعل ما قلناه صلاته ماضية صحيحة، وإذا خالف ليس على كمالها دليل. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه، ولا يبرك بروك البعير (4). وروي عن ابن عمر أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه. وروى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رأيته يضع يديه قبل ركبتيه (5).

(1) المجموع 3: 421، والمغني لابن قدامة 1: 514.
(2) الأم 1: 113، والمجموع 3: 421، اللباب 1: 73، النتف 1: 65، والمغني لابن قدامة 1: 514.
(3) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64 والتهذيب 2: 81 و 83 حديث 301 و 308.
(4) سنن الدار قطني 1: 344 باب ذكر الركوع والسجود وما يجزي فيهما وفيه بدل ركبتيه (رجليه)، والحديث 4 مطابق لفظا مختلف سندا وقريب منه ما في السنن الكبرى 2: 99 و 100. والمجموع 3: 421، المغني لابن قدامه 1: 514. وسنن الدارمي 1: 303 فيه هكذا (أبو هريرة أن رسول الله (ص) قال: إذا صلى أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه...)، وسنن النسائي 2: 207 باب أول ما يصل إلى الأرض من الانسان.
(5) التهذيب 2: 78 صدر حديث 291 وفيه بعد قوله (ركبتيه) (إذا سجد وإذا أراد أن يقوم رفع ركبتيه =

[ 355 ]

وروى الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يضع يديه قبل ركبتيه في الصلاة، قال: نعم [ وإذا أراد أن يقوم يرفع ركبتيه قبل يديه ] (1). مسألة 109: وضع الجبهة على الأرض في حال السجود فرض ووضع الأنف سنة، وبه قال الشافعي والحسن البصري وابن سيرين وعطاء وطاووس والثوري وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور (2). وقال قوم: إن وضعهما فرض، ذهب إليه سعيد بن جبير والنخعي وعكرمة وإسحاق (3). وقال أبو حنيفة: هو بالخيار بين أن يقتصر على أنفه أو على جبهته فأيهما فعل أجزأه (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وحديث حماد وزرارة (5) في وصف الصلاة تضمن ذلك. وروي عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يسجد على سبع، يديه وركبتيه وأطراف أصابعه وجبهته (6).

= قبل يديه) والاستبصار 1: 325 حديث 1215 بزيادة إذا سجد في آخره. (1) التهذيب 2: 78 حديث 292، والاستبصار 1: 325 حديث 1216 وفيه إلى قوله (ع): نعم. وما بين المعقوفتين غير موجود في المصادر المذكورة في ذيل هذا الحديث. وإنما هذا الذيل في التهذيب وللحديث السابق فقط. علما بأن نسخ الخلاف التي بأيدينا كما في المتن.
(2) الأم 1: 114، والمبسوط 1: 34، والمجموع 3: 425، والمغني لابن قدامة 1: 515، وتفسير القرطبي 1: 346.
(3) المجموع 3: 425، وتفسير القرطبي 1: 346، والمغني لابن قدامه 1: 516. (4) المبسوط 1: 34، والمجموع 3: 424، والمغني لابن قدامه 1: 515.
(5) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301 و 83 حديث 308.
(6) في صحيح مسلم 1: 354 حديث 230 و 231 نحوه ولفظ الحديث عن ابن عباس أن رسول الله (ص) قال: =

[ 356 ]

مسألة 110: وضع اليدين والركبتين والقدمين في حال السجود فرض، وللشافعي فيه قولان، أحدهما. نص عليه في الأم، وهو الأظهر وعليه أصحابه مثل قولنا (1)، والآخر. نص عليه في الاملاء: إن ذلك مستحب (2)، وبه قال أبو حنيفة (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وخبر حماد وزرارة (4) يدل على ذلك وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك فإن من فعل ما قلناه كانت صلاته مجزية بلا خلاف، وليس على إجزائها إذا ترك ذلك دليل. وخبر ابن عباس الذي قدمناه (5) يدل عليه. وروى العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا سجد العبد سجد معه سبعة، وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه (6). مسألة 111: إن كشف يديه في حال السجود كان أفضل، وإن لم يفعل أجزأه، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه يجب عليه (7)، والآخر: أنه

= أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، الجبهة وأشار بيده على أنفه واليدين والرجلين وأطراف القدمين ". وسنن ابن ماجه 1: 286 حديث 885، والسنن الكبرى 2: 101، وسنن النسائي 2: 209 بألفاظ قريبة جدا وسنن الدارمي 2: 208 و 210. (1) الأم 1: 114، والمجموع 3: 427، ومغني المحتاج 1: 169.
(2) الأم 1: 114، والمجموع 3: 427، ومغني المحتاج 1: 169، والمغني لابن قدامة 1: 515.
(3) المغني لابن قدامة 1: 515.
(4) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301، و: 83 حديث 308.
(5) المتقدم في المسألة السابقة.
(6) صحيح مسلم 1: 254 حديث 231 باب 44، وسنن الدارمي 2: 208 وفيه بدل أطراف (آراب و 2: 210 باب السجود على القدمين، وسنن ابن ماجه 1: 286 حديث 885، والسنن الكبرى 2: 101.
(7) المغني لابن قدامه 1: 518.

[ 357 ]

مسنون (1). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن الأصل براءة الذمة، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 112: لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتته الأرض مما لا يؤكل ولا يلبس من قطن أو كتان مع الاختيار، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وأجازوا السجود على القطن والكتان والشعر والصوف وغير ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأيضا طريقة الاحتياط فإنه لا خلاف أنه إذا سجد على ما قلناه أن صلاته ماضية وذمته بريئة، وليس على براءة ذمته دليل إذا سجد على ما قالوه. وروى الفضل بن عبد الملك قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لا تسجد إلا على الأرض، أو ما أنبتته الأرض إلا القطن والكتان (2). وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: أسجد على الزفت - يعني القير -؟ قال: لا، ولا على الثوب الكرسف (3)، ولا على الصوف ولا على شئ من ثمار الأرض ولا على شئ من الحيوان ولا على شئ من الرياش (4). مسألة 113: لا يجوز السجود على شئ هو حامل له ككور العمامة (5) وطرف الرداء وكم القميص، وبه قال الشافعي (6)، وروي ذلك عن علي

(1) المصدر السابق.
(2) الفروع 3: 330 حديث 1، والتهذيب 2: 303 حديث 1225، والاستبصار 1: 331 حديث 1242.
(3) قال ابن الأثير في النهاية 4: 163 مادة (كرسف): الكرسف: القطن.
(4) الفروع 3: 330 حديث 2، والتهذيب 2: 303 حديث 1226، والاستبصار 1: 331 حديث 1242 وفيه (الثوب من الكرسف).
(5) كور العمامة: لفها وجمعها النهاية 4: 208 مادة (كور).
(6) الأم 1: 114، والمجموع 3: 423 و 425، والمغني لابن قدامه 1: 517.

[ 358 ]

عليه الصلاة والسلام، وابن عمر، وعبادة بن الصامت، ومالك وأحمد بن حنبل (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا سجد على ما هو حامل له كالثياب التي عليه أجزأه، وإن سجد على ما لا ينفصل منه مثل أن يفرش يده ويسجد عليها أجزأه لكنه مكروه (2)، وروي ذلك عن الحسن البصري (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، وأيضا إذا ثبتت المسألة الأولى ثبتت هذه لأن جميع ذلك ملبوس لا يجوز السجود عليه. وروى رافع بن أبي رافع (4) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمر الله تعالى)، وذكر الحديث (5) إلى أن قال: (ثم يسجد ممكنا جبهته من الأرض حتى يرجع مفاصله)، فعلق التمام بوضع الجبهة على الأرض، فمن تركه ترك الخبر. مسألة 114: التسبيح في السجود فرض، وبه قال أهل الظاهر (6). وقال باقي الفقهاء: إنه مستحب (7)، وحكى عن مالك أنه قال: لا

(1) المغني لابن قدامه 1: 517، والمجموع 3: 425.
(2) الهداية 1: 50، والمغني لابن قدامه 1: 517.
(3) المغني لابن قدامه 1: 517.
(4) رافع بن أبي رافع - واسم أبي رافع عمرو - بن جابر بن حارثة أبو الحسن الطائي السنبسي، قاله الجزري في أسد الغابة 2: 155، وابن حجر في الإصابة 1: 485. بيد أن الذي عثرنا عليه في المصادر الحديثية المتوفرة لدنيا كون الراوية المشار إليها عن رفاعة بن رافع: وهو ابن مالك الزرقي أبي معاذ، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر، وروى عنه ابناه عبيد ومعاذ وغيرهما، شهد بدرا، وشهد مع الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام الجمل وصفين توفي سنة 41 وقيل 42. والله العالم. أسد الغابة 2: 155، والمنهل العذب 5: 180.
(5) سنن أبي داود 1: 227 حديث 858، وسنن الدارمي 1: 205 باب في الذي لا يتم الركوع والسجود.
(6) المحلي 3: 255، والمغني لابن قدامه 1: 502.
(7) المجموع 3: 432، والمغني لابن قدامه 1: 502.

[ 359 ]

أعرف التسبيح في السجود (1). دليلنا: ما قدمناه (2) في وجوب التسبيح في الركوع، وهو يجمع الموضعين فلا معنى لإعادته، ولأن أحدا لم يفصل بينهما. مسألة 115: كمال التسبيح في السجود أن يسبح سبع مرات. وقال الشافعي: أدناه ثلاث وأعلاه خمس (3)، وقال بعض أصحابه: الكمال في ثلاث (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5). مسألة 116: الطمأنينة في السجود ركن، وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: ليس بركن (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وخبر حماد وزرارة (8) يتضمن ذلك، وطريقة الاحتياط تقتضيه لأنه إذا اطمأن جازت صلاته بلا خلاف، وإذا لم يطمأن فيه خلاف، وقول النبي للذي علمه الصلاة " ثم اسجد حتى تطمأن ساجدا " (9)

(1) المغني لابن قدامه 1: 501.
(2) انظر المسألة 99 و 100.
(3) الأم 1: 14، والمجموع 3: 432، وبداية المجتهد 1: 124، والمبسوط 1: 22.
(4) المجموع 3: 432.
(5) راجع على سبيل المثال التهذيب 2: 76 حديث 282، والاستبصار 1: 322 حديث 1204 وغيرها.
(6) المجموع 3: 432، والهداية 1: 49.
(7) الهداية 1: 49، والمجموع 3: 432.
(8) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301 و: 83 حديث 308.
(9) صحيح البخاري 1: 190 باب 113 (استواء الظهر في الركوع)، وصحيح مسلم 1: 298 حديث 45 باب 11، وسنن أبي داود 1: 226 حديث 856، وسنن الترمذي 2: 100 باب 226 حديث 302 و 303، وسنن النسائي 2: 124 باب فرض التكبيرة الأولى من كتاب الافتتاح، و 3: 59 باب أقل ما يجزي من عمل الصلاة من كتاب السهو، و 2: 193 باب الرخصة في ترك الذكر في الركوع، وسنن =

[ 360 ]

يدل عليه لأنه أمر يقتضي الوجوب. مسألة 117: رفع الرأس من السجود ركن، والاعتدال جالسا مثل ذلك لا تتم الصلاة إلا بهما، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: القدر الذي يجب أن يرفع ما يقع عليه إسم الرفع، ولو رفع رأسه بمقدار ما يدخل السيف بين وجهه وبين الأرض أجزأه، وربما قالوا: الرفع لا يجب أصلا، فلو سجد ولم يرفع حتى حفر تحت جبهته حفيرة فحبط جبهته إليها أجزأه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وخبر حماد وزرارة (3) تضمن ذلك، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك لأنه إذا فعل ما قلناه كانت صلاته ماضية بلا خلاف، وليس على إجزائها إذا لم يفعل دليل، وقول النبي صلى الله عليه وآله لمن علمه الصلاة " ثم ارفع حتى تطمأن جالسا " يدل عليه أيضا (4). مسألة 118: الإقعاء (6) مكروه، وبه قال جميع الفقهاء (6).

= ابن ماجه 1: 336 باب 72 حديث 1060، ومسند أحمد بن حنبل 2: 437 و 4: 340. (1) المجموع 3: 440، والمغني لابن قدامه 1: 523.
(2) المجموع 3: 440، والمغني لابن قدامه 1: 523، وبدائع الصنائع 1: 105.
(3) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81، و 83 حديث 301 و 308.
(4) صحيح البخاري 1: 190 باب 113 باب استواء الظهر في الركوع، وصحيح مسلم 1: 298 حديث 45 باب 11، وسنن أبي داود 1: 226 حديث 856، وسنن الترمذي 2: 100 باب 226 حديث 302 و 303، وسنن النسائي 2: 124 باب فرض التكبيرة الأولى من كتاب الافتتاح، و 2: 193 باب الرخصة في ترك الذكر في الركوع، وسنن ابن ماجة 1: 336 باب 72 حديث 1060، ومسند أحمد بن حنبل 2: 437 و 4: 340.
(5) الاقعاء: أن يلصق الرجل إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب. النهاية 4: 89 (مادة قعا).
(6) سنن الترمذي 2: 73، والمدونة الكبرى 1: 73، والمبسوط 1: 26، والمجموع 3: 436 و 439. وبداية =

[ 361 ]

وروي ذلك عن علي عليه السلام وابن عمر وأبي هريرة (1)، وحكي عن ابن عباس أنه قال: هو السنة (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا إثبات أن ذلك سنة يحتاج إلى دليل، وخبر حماد وزرارة (3) يدلان عليه. وروى معاوية بن عمار وابن مسلم والحلبي عنه عليه السلام أنه قال: لا تقع بين السجدتين كإقعاء الكلب (4). مسألة 119: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية يستحب له أن يجلس ثم يقوم عن جلوس، وبه قال في الصحابة مالك بن الحويرث (5) وعمرو بن سلمة (6)

= المجتهد 1: 135، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 143، والاستذكار 1: 203. (1) المصنف لعبد الرزاق 2: 191 سنن الترمذي 2: 73، والمجموع 3: 436، والاستذكار 1: 203، وبداية المجتهد 1: 135.
(2) المصنف لعبد الرزاق 2: 191 حديث 3032 و 3035 بداية المجتهد 1: 135، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 143، والاستذكار 1: 204.
(3) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301 و: 83 حديث 308.
(4) التهذيب 2: 83 حديث 306 وفيه هكذا (لا تقع في الصلاة)، و 2: 301 حديث 1213 وفيه (لا تقع بين السجدتين إقعاء، والاستبصار 1: 328 حديث 1227، وسنن ابن ماجة 1: 289 حديث 894 ينقصه ذيل الحديث و 895 وفيه (يا علي لا تقع إقعاء الكلب) و 896.
(5) مالك بن الحويرث - ويقال ابن الحارث - بن أشيم الليثي، أبو سليمان، ويقال له ابن الحويرثة، سكن البصرة، روى عن النبي (ص)، وروى عنه نصر بن عاصم وعبد الله بن زيد الجرمي وأبو عطية وابنه عبد الله وغيرهم، توفي سنة 74 وقيل 94 هجرية. الإصابة 3: 322، والاستيعاب 4: 354، والمجموع 3: 441، والمنهل العذب 4: 307.
(6) عمرو بن سلمه - بكسر اللام - بن نفيع، وقيل ابن قيس بن لأي الجرمي أبو بريد، أدرك النبي (ص)، وكان يؤم قومه لأنه أحفظهم للقرآن، قاله في أسد الغابة 4: 110، والأنساب للسمعاني 165 / ب.

[ 362 ]

والحرمي (1)، والزهري ومكحول وإسحاق وأبو ثور والشافعي (2)، ويجوز أيضا أن يعتمد على يديه فيقوم من غير جلسة، وبه قال عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد (3). وقال قوم ينهض على صدور قدميه ولا يجلس ولا يعتمد، رووا ذلك عن علي عليه السلام وابن مسعود، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه (4)، وقد ذكرنا الأخبار التي ذكرناها في تهذيب الأحكام (5) والاستبصار (6) فإنها مختلفة على وجه لا ترجيح فيها، فجعلنا الخيار في ذلك، وبينا ما يدل على أن الجلسة أفضل لأن خبر حماد (7) تضمن ذلك. وروى أبو قلابة (8) قال: جاءنا مالك بن الحويرث فصلى في مسجدنا، فقال: والله إني لأصلي وما أريد الصلاة، ولكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي، قال: فكان مالك إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأولى استوى قاعدا ثم فأم واعتمد على

(1) كذا في جميع النسخ ولعله هو عمرو بن سلمة الجرمي المتقدم، وما اثبت من سهو النساخ، وقد ذكره بهذا اللقب السمعاني في النساب 165 / ب، وعد في التابعين وتابعي التابعين غير واحد. وأيضا ذكر في مادة " الحرمي " غير واحد من التابعين ومن يليهم، ومن خلال هذه الأسماء لا يمكن تحديده.
(2) الأم 1: 117، والمجموع 3: 440، والمغني لابن قدامه 1: 529، والهداية 1: 51.
(3) المدونة الكبرى 1: 73، والمغني ابن قدامه 1: 529، والمجموع 3: 444.
(4) الهداية 1: 51، والمجموع 3: 444، والغني لابن قدامه 1: 529.
(5) التهذيب 2: 81 - 83 الأحاديث 301 و 302 و 303 و 304 و 305 وغيرها.
(6) الاستبصار 1: 328 باب 185 من يقوم من السجدة الثانية إلى الركعة الثانية. (7) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301.
(8) عبد الله بن زيد الجرمي أبو قلابة البصري، نزل الشام هربا من توليه القضاء، سمع من سمرة وغيره، توفي سنة أربع ومائه وقيل سبع ومائة. شذور الذهب 1: 126، ومرآة الجنان 1: 219.

[ 363 ]

الأرض (1). وروى عبد الحميد بن عواض (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رأيته إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى جلس حتى يطمأن ثم يقول (3). وروى سماعة بن مهران عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا رفعت رأسك من السجدة الثانية من الركعة الأولى حين تريد أن تقوم فاستو جالسا، ثم قم (4). والوجه الآخر رواه زرارة قال: رأيت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام إذا رفعا رؤوسهما من السجدة الثانية نهضا ولم يجلسا (5). مسألة 120: يجلس عندنا في التشهدين متوركا، وصفته أن يخرج رجليه من تحته، ويقعد على مقعدته ويضع رجله اليسرى على الأرض، ويضع ظاهر قدمه اليمنى على بطن قدمه اليسرى. وأما في الجلسة بين السجدتين، وفي جلسة الاستراحة فإن جلس على ما وصفناه كان أفضل، وإن جلس على غير ذلك الوصف حسب ما يسهل عليه كان أيضا جائزا. وقال الشافعي: يجلس في التشهد الأول، وفي جميع جلساته إلا في الأخير

(1) صحيح البخاري 1: 198، وسنن النسائي 2: 234 (باب الاستواء للجلوس عند الرفع من السجدتين وباب الاعتماد على الأرض عند النهوض).
(2) عبد الحميد بن عواض - وقيل غواض وقيل غير ذلك - الطائي الكسائي، عده الشيخ من أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم عليهم السلام وموثقا إياه ووثقه العلامة وابن داود وغيرهم رجال الطوسي: 128 و 235 و 353، والخلاصة: 116، ورحال ابن داود: 127 وتنقيح المقال 2: 136.
(3) التهذيب 2: 82 حديث 302، والاستبصار 1: 328 حديث 1128.
(4) التهذيب 2: 82 حديث 303، والاستبصار 1: 328 حديث 1229.
(5) التهذيب 2: 83 حديث 305، والاستبصار 1: 328 حديث 1231.

[ 364 ]

مفترشا، وفي الأخير متوركا (1)، وصفة الافتراش أن يثني قدمه اليسرى فيفترشها ويجعل ظهرها على الأرض، ويجلس عليها وينصب قدمه اليمنى، ويجعل بطون أصابعها على الأرض يستقبل بأطراف أصابعه القبلة - وصفة التورك، أن يميط (2) برجليه فيخرجهما من تحت وركه الأيمن ويقعد بمقعدته إلى الأرض مثل ما قلناه - وقال: ينصب قدمه اليمنى ويجعل بطن أصابعها على الأرض يستقبل بأطرافها القبلة، وبه قال أحمد وإسحق وأبو ثور (3). وقال مالك: يجلس في التشهدين متوركا (4). وقال أبو حنيفة: يجلس فيهما مفترشا (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وخبر حماد بن عيسى وزرارة (6) في صفة الصلاة يقتضي ذلك، ولأن ما قلناه لا خلاف أنه جائز والصلاة معه ماضية، وليس على ما اعتبروه دليل. وروى ابن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجلس وسط الصلاة، وآخرها على وركه الأيمن (7). مسألة 121: التشهد الأول واجب، وبه قال الليث وأحمد (8).

(1) المجموع 3: 450، والاستذكار 1: 202، والمغني لابن قدامة 1: 607.
(2) يميط. ينحي ويبعد. الصحاح 3: 1162 (ميط)، ولسان العرب 7: 409 (ميط).
(3) المغني لابن قدامه 1: 599، والاستذكار 1: 202، وسنن الترمذي 2: 87.
(4) الاستذكار 1: 202، والمحلى 3: 269، والمجموع 3: 450، والمغني لابن قدامة 1: 607 و 612.
(5) المحلى 3: 269، والاستذكار 1: 202، والمجموع 3: 450، والمغني لابن قدامة 1: 607 و 612.
(6) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 و 83 حديث 301 و 308.
(7) أشار إليها ابن قدامة في المغني 1: 607.
(8) المغني لابن قدامة 1: 606، والمجموع 3: 450.

[ 365 ]

وقال أهل العراق والشافعي والأوزاعي: هو سنة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، لأن من فعل ذلك كانت صلاته ماضية بلا خلاف، وليس إذا لم يفعل ذلك على جواز صلاته دليل، وأخبارنا قد ذكرناها في الكتاب الكبير (2). وروى مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (3) ومعلوم أنه كان يتشهد التشهد الأول. مسألة 122: الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله واجبة في التشهد الأول. وقال الشافعي: ليس بواجب، وفي كونه سنة قولان، أحدهما: أنه مسنون (4)، والآخر: أنه ليس بمسنون (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، وأخبارنا المروية في ذلك من خبر حماد وزرارة (6) وغيرهما ذكرناها. مسألة 123: يجوز الدعاء بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد الأول، وبه قال مالك (7). وقال الشافعي: لا يدعو (8).

(1) المغني لابن قدامه 1: 533، والمجموع 3: 450، ومغني المحتاج 1: 174.
(2) التهذيب 2: 92 و 93 و 99 و 316.
(3) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(4) الأم 1: 117، والمجموع 3: 460، والمغني لابن قدامة 1: 542.
(5) المجموع 3: 460.
(6) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 و 83 حديث 301 و 308.
(7) فتح الرحيم 1: 69.
(8) المجموع 3: 461.

[ 366 ]

دليلنا: إجماع الفرقة لأن ما رووه من التشهد الأول (1) يتضمن ذلك. مسألة 124: إذا قام من السجدة الثانية في الركعة الثانية، ولم يجلس للتشهد فإنه يرجع ويجلس ويتشهد ما لم يركع، وليس عليه سجدتا السهو، وإن ركع مضى ثم قضى بعد التسليم، وسجد سجدتي السهو. وقال الشافعي: إن ذكر قبل أن ينتصب جلس وتشهد وكان عليه سجدتا السهو (2) [ وإن استوى قائما لم يرجع ومضى في صلاته، وكان عليه سجدتا السهو ]. دليلنا: إجماع الفرقة، وروى سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأولتين، فقال: إن ذكر قبل أن يركع فليجلس وإن لم يذكر حتى يركع فليتم الصلاة حتى إذا فرغ فليسلم وليسجد سجدتي السهو (3). مسألة 125: إذا قام من التشهد الأول إلى الثالثة، فمن أصحابنا من يقول: يقوم بتكبيرة ويرفع يديه بها (4)، ومنهم من قال: يقول بحول الله وقوته أقوم وأقعد، ولا يكبر (5)، والأول مذهب جميع الفقهاء (6)، وخالفوا في رفع اليدين، وقد بينا فيما تقدم رفع اليدين، وإنه مستحب مع كل تكبيرة، رواه

انظر على سبيل المثال، من لا يحضره الفقيه 2: 119 حديث 515، والتهذيب 2: 99 حديث 373 و 2: 92 حديث 344، والاستبصار 1: 343 حديث 1292. والمستدرك للحاكم 1: 268.
(2) الأم 1: 120.
(3) التهذيب 2: 158 حديث 618، والاستبصار 1: 362 حديث 1374.
(4) حكاه العلامة في المختلف 1: 96 وقال: (أوجب السيد المرتضى رحمه الله رفع اليدين في كل تكبيرات الصلاة من الاستفتاح وغيره وهو يشعر بوجوب التكبير في الركوع والسجود).
(5) وهو اختيار المصنف في التهذيب 2: 88، والاستبصار 1: 337.
(6) المجموع 3: 461، والمغني لابن قدامة 1: 496، وسنن الترمذي 2: 37.

[ 367 ]

أبو حميد الساعدي (1) في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله أنه رفع يديه حذو منكبيه في هذا المكان (2)، وقد بينا الوجه في اختلاف الأخبار في كتابينا المقدم ذكرهما (3). مسألة 126: التشهد الأخير والجلوس فيه واجبان، وبه قال الشافعي (4)، وفي الصحابة عمر وابن عمر، وأبو مسعود البدري، وابن مسعود، وهو الصحيح عن علي عليه السلام، وفي التابعين الحسن البصري وعطاء وطاووس ومجاهد وأحمد وإسحاق (5). وذهب قوم إلى أنهما غير واجبين، ورووا ذلك عن علي عليه السلام وسعيد ابن المسيب والنخعي والزهري، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري (6). وقال أبو حنيفة وأصحابه الجلوس واجب بقدر التشهد، والتشهد غير واجب (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، والأخبار المروية في هذا المعنى عنهم عليهم السلام أكثر من أن تحصى، وقوله صلى الله عليه وآله (صلوا كما

(1) اختلف في اسمه فقيل تارة عبد الرحمن بن عمر بن سعد، وقيل المنذر بن سعد بن مالك... بن الخزرج ويقال إنه عم العباس بن سهيل بن سعد، روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وروى عنه جابر بن عبد الله، ومن التابعين عروة بن الزبير وعباس بن سهل ومحمد بن عمر بن عطاء وخارجة بن زيد بن ثابت توفي سنة 60 وقيل 59 هجرية، أسد الغابة 5: 174، والإصابة 4: 47، والاستيعاب 4: 42، وشذرات الذهب 1: 65.
(2) سنن الترمذي 2: 36 وأسد الغابة 5: 174.
(3) التهذيب 2: 88 - 89، والاستبصار 1: 337 - 338.
(4) الأم 1: 117، والمجموع 3: 462، والنتف في الفتاوى 1: 64، والاستذكار 1: 253.
(5) المجموع 3: 462، والاستذكار 1: 253.
(6) الاستذكار 1: 254، والمحلى 3: 270، والمجموع 3: 462.
(7) شرح معاني الآثار 1: 277، والنتف في الفتاوى 1: 64، والمحلى 3: 270، ومقدمات ابن رشد 1: 114، والاستذكار 1: 211، والمجموع 3: 462.

[ 368 ]

رأيتموني أصلي) (1)، وأمره على الوجوب، ومعلوم أنه كان يجلس. وروى ابن مسعود قال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وعلمني التشهد، وقال: (إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك) (2). مسألة 127: أكمل التشهد ما ذكرناه في النهاية (3) وتهذيب الأحكام (4)، ويقول في الأخير: التحيات لله، الصلوات الطيبات الطاهرات الزاكيات الرائحات الناعمات والغاديات المباركات لله ما طاب وطهر وزكى وخلص ونمى، وما خبث فلغيره، ثم الشهادتان والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله. والدعاء للمؤمنين، ثم التسليم. وقال مالك: الأفضل ما روي عن عمر بن الخطاب أنه علم الناس على المنبر التشهد فقال: قولوا التحيات لله، الزاكيات لله، الصلوات لله، الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (5). وقال أبو حنيفة، أفضل التشهد ما رواه عبد الله بن مسعود قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على فلان وفلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا تقولوا السلام على الله، فأن الله هو السلام، ولكن إذا جلس أحدكم فليقل التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده

(1) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(2) مسند أحمد بن حنبل 1: 422.
(3) النهاية: 83 و 84.
(4) التهذيب 2: 99 حديث 373.
(5) موطأ مالك 1: 90 حديث 53، ونصب الراية 1: 422، والمحلى 3: 270.

[ 369 ]

ورسوله) (1). وقال الشافعي: أفضل التشهد ما رواه ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن، وكان يقول (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأيضا طريقة الاحتياط، وأيضا ما رويناه فيه زيادة والأخذ بالزيادة أولى، وأيضا فهو زيادة في الثناء على الله تعالى، وذكر صفاته فينبغي أن يكون أفضل. مسألة 128: الصلاة على النبي فرض في التشهدين، وركن من أركان الصلاة، وبه قال الشافعي في التشهد الأخير (3)، وبه قال ابن مسعود وأبو مسعود البدري الأنصاري واسمه عقبة بن عمر، وابن عمر وجابر وأحمد وإسحاق (4). وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه: أنه غير واجب (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط لأنه لا خلاف إذا فعل ذلك أن صلاته ماضية ولم يدل دليل على صحتها إذا لم يفعل ذلك، وأيضا قوله تعالى

(1) صحيح مسلم 1: 301، وسنن الترمذي 2: 81، وسنن النسائي 2: 240، والهداية 1: 51، والمبسوط 1: 27، والمجموع 3: 456، والمحلى 3: 270.
(2) سنن ابن ماجه 1: 291 حديث 900، وسنن الترمذي 2: 83، وصحيح مسلم 1: 302، والأم 1: 117، والمجموع 3: 455، ومغني المحتاج 1: 174، والمحلى 3: 270، والمبسوط 1: 27.
(3) الأم 1: 117، والمجموع 3: 463، والمغني لابن قدامة 1: 542، والمبسوط 1: 29، والهداية 1: 52، ومغني المحتاج 1: 173، والفتح الرباني 4: 28.
(4) المغني لابن قدامة 1: 541، والفتح الرباني 4: 28، والمجموع 3: 467.
(5) الهداية 1: 52، والمبسوط 1: 29، والمجموع 3: 467، والمغني لابن قدامه 1: 541، والفتح الرباني 4: 28.

[ 370 ]

يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (1) وهذا أمر من الله بالصلاة عليه يقتضي الوجوب ولا موضع أولى من هذا الموضع. فإن قيل: هذا أمر يقتضي وجوب الصلاة عليه دفعة واحدة، وكذلك نقول لأنه يجب على كل أحد مسلم الصلاة على النبي عليه وآله السلام في عمره مرة واحدة، وهذا مذهب الكرخي. قلنا: كلامنا مع أبي حنيفة ومن وافقه في أن ذلك غير واجب أصلا، ولن يضر ما قلناه أن نقول قد سبقه الإجماع، فإن الأمة بين القائلين قائل يقول بوجوب الصلاة عليه، ولا موضع يجب ذلك إلا في التشهد. وقائل يقول: لا تجب أصلا. فإحداث قول ثالث خروج عن الإجماع. وروى كعب بن عجرة (2) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في صلاته: اللهم صلى على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد (3). وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (4).

(1) الأحزاب: 56.
(2) كعب بن عجرة بن أمية بن عدي البلوي - حليف الأنصار - أبو محمد شهد المشاهد كلها، روى عنه ابن عمر وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس وغيرهم مات سنة 51 وقيل 52 وقيل غير ذلك. أسد الغابة 3: 243، والإصابة 3: 281، والاستيعاب 4: 275.
(3) صحيح مسلم 1: 305 حديث 66، وبسند آخر عنه حديث 67، وعن ابن مسعود حديث 65 مثله، وسنن ابن ماجة 1: 293 حديث 904 وبسند آخر عن ابن مسعود حديث 906، وسنن الترمذي 2: 352 حديث 483، وسنن الدارمي 1: 309 و 310، وسنن أبي داود 1: 257 حديث 976 و 977 و 978 و 980 باختلاف في الجميع، وسنن الدار قطني 1: 354 حديث 1 و 2 باختلاف في المتن والسند، والمصنف 2: 212 حديث 3105 و 3106 و 3107 و 3108 وغيرها باختلاف، والتاج الجامع للأصول 1: 179.
(4) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.

[ 371 ]

وروت عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " لا يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة علي " (1). وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من صلى، ولم يصل على النبي وتركه متعمدا فلا صلاة له (2) مسألة 129: من ترك التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله ناسيا قضى ذلك بعد التسليم، وسجد سجدتي السهو. وقال الشافعي: يجب عليه قضاء الصلاة (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فالقضاء فرض ثان يحتاج إلى دليل، ولا دلالة تدل على ذلك. وروى محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام في الرجل يفرغ من صلاته، وقد نسي التشهد حتى ينصرف فقال إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد، وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه (4). وروى محمد بن علي الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسهو في الصلاة، فنسي التشهد حتى ينصرف، فقال يرجع فيتشهد (5). مسألة 130: من جهر في صلاة الاخفات أو خافت في صلاة الجهر متعمدا

(1) سنن الدار قطني 1: 355 حديث 4 وفيه " لا تقبل صلاة إلا بطهور، وبالصلاة علي ".
(2) التهذيب 2: 759 حديث 625 و 4: 108 حديث 314، والاستبصار 1: 343 حديث 1292، ومن لا يحضره الفقيه 2: 119 حديث 515، وفي الجميع قطعة من الحديث.
(3) الأم 1: 118.
(4) التهذيب 2: 157 حديث 617. (5) التهذيب 2: 158 حديث 622، والاستبصار 1: 363 حديث 1376 وفيهما من دون جملة " حتى ينصرف ".

[ 372 ]

بطلت صلاته وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروى حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه، فقال إن فعل ذلك متعمدا فقد نقض صلاته، وعليه الإعادة وإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا، أو لا يدري فلا شئ عليه، وقد تمت صلاته (1). مسألة 131: أدنى التشهد الشهادتان، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله. وقال الشافعي: أقل ما يجزيه أن يقول خمس كلمات التحيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله (2). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى سورة بن كليب (3) قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أدنى ما يجزي من التشهد، قال: الشهادتان (4). وروى محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام التشهد في الصلاة قال مرتين قال: قلت فكيف مرتين، قال: " إذا استويت جالسا فقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم

(1) التهذيب 2: 162 حديث 635، والاستبصار 1: 313 حديث 1163، ومن لا يحضره الفقيه 1: 227 حديث 1003 وفيه صدر الحديث.
(2) المجموع 3: 459، ومغني المحتاج 1: 174.
(3) سورة - بفتح السين وسكون الواو وفتح الراء - بن كليب بن معاوية الأسدي الكوفي، من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، وذكره العلامة في القسم الأول من الخلاصة ووثق برواية جميل ابن دراج عنه حيث أنه من أصحاب الإجماع. رجال الطوسي: 125 و 216، والخلاصة: 85. وتنقيح المقال 2: 71.
(4) الكافي 3: 337 حديث 3، والتهذيب 2: 101 حديث 375، والاستبصار 1: 341 حديث 1285.

[ 373 ]

تنصرف " قال: قلت قول العبد التحيات لله والصلوات الطيبات لله، قال: " هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد ربه " (1) وأما الصلاة على النبي أوجبناها لخبر أبي بصير (2) المقدم ذكره. مسألة 132: الصلاة على آل النبي في التشهد واجبة. وقال أكثر أصحاب الشافعي: إنه سنة (3)، وقال التربجي (4) من أصحابه: هي واجبة (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروى جابر الجعفي (6) عن أبي جعفر عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه (7). مسألة 133: يجوز أن يدعو لدينه ودنياه، ولإخوانه، ويذكر من يدعو له من

(1) التهذيب 2: 101 حديث 379، والاستبصار 1: 342 حديث 1289 وفيه (هذا اللفظ) بدل (هذا اللطف).
(2) المذكورة في المسألة 128.
(3) المجموع 3: 465.
(4) التربجي: بتاء ثم راء ثم باء ثم جيم، انظر المجموع 3: 465.
(5) المجموع 3: 465. (6) جابر بن يزيد الجعفي أبو عبد الله من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، عده الشيخ المفيد رحمه الله في رسالة الرد على أصحاب العدد من فقهاء أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام، والأعلام المأخوذ عنهم الحلال والحرام... الخ. وقد وثقه جمع من علماء العامة منهم الذهبي في ميزانه وغيرهم، وحكى ابن حجر في تهذيبه عن سفيان في حقه: ما رأيت أورع في الحديث منه، وقال وكيع: مهما شككتم في شئ فلا تشكوا في أن جابرا ثقة، وقال سفيان أيضا لشعبة: لأن تكلمت في جابر الجعفي لأتكلمن فيك إلى غير ذلك، مات سنة 128 وقيل غير ذلك. رجال الشيخ الطوسي 111 و 163، وميزان الاعتدال 1: 379، وتهذيب التهذيب 2: 46، وتنقيح المقال 1: 201.
(7) سنن الدار قطني 1: 355.

[ 374 ]

شاء من النساء والرجال والصبيان في الصلاة، وهو مذهب الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يدعو إلا بما ورد به القرآن (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن " (3)، وقال تعالى " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " (4)، ولم يستثن حال الصلاة. وروى فضالة بن عبيد (5) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا صلى أحدكم فليبدء بحمد الله والثناء عليه ثم يصلي علي، ثم يدعو بعد ذلك بما يشاء ". وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا تشهد أحدكم فليستعذ من أربع: من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، ثم يدعو لنفسه بما بدا له ". وروى الزهري عن أبي سلمة (6) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رفع رأسه من الركعة الأخيرة من الفجر قال: " ربنا ولك

(1) المجموع 3: 469.
(2) الهداية 1: 52، واللباب في شرح الكتاب 1: 76.
(3) الاسراء: 110.
(4) الأعراف: 180.
(5) فضالة بن عبيد بن ناقد بن صهيب بن الأصرم... الأنصاري الأوسي العمري، أبو محمد، شهد أحدا وبقية المشاهد، وهكذا بيعة الشجرة انتقل إلى الشام وسكنها، وشهد فتح مصر، ولي القضاء لمعاوية بعد أبي الدرداء عند خروجه إلى صفين لحربه مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مات سنة 69 وقيل 53 بدمشق. أسد الغابة 4: 182، والإصابة 3: 201.
(6) أبو سلمة - قيل اسمه عبد الله وقيل إسماعيل وقيل اسمه كنيته - بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، روى عن أبيه وعثمان بن عفان وطلحة وعبادة بن الصامت وعبد الله بن سلام وأبو هريرة وابن عباس وابن عمر والخدري وأنس وغيرهم، وروى عنه جمع منهم ابنه عمر وأولاد أخويه والأعرج وعروة بن الزبير والزهري، مات سنة 94 وقيل 104 هجرية، مرآة الجنان 1: 192، وتهذيب التهذيب 12: 115، وشذرات الذهب 1: 105.

[ 375 ]

الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد (1)، وسلمة بن هشام (2) وعياش بن أبي ربيعة (3) والمستضعفين من المؤمنين وفي بعضها والمستضعفين بمكة - وأشدد وطأتك على مضر ورعل وذكوان، واجعل عليهم سنين كسني يوسف " (4)، وعليه إجماع الصحابة، لأنه روي عن علي عليه الصلاة والسلام أنه دعا في قنوته على قوم بأعيانهم وأسمائهم (5).

(1) الوليد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، أخو خالد شهد بدرا مع المشركين فأسر ثم فدي ثم أسلم وحبس بمكة ثم فر منها إلى المدينة، وشهد مع النبي عمرة القضية. أسد الغابة 5: 92.
(2) سلمة بن هشام بن المغيرة المخزومي، أبو هاشم من السابقين، ولما مات النبي (ص) خرج إلى الشام، واستشهد بمرج الصفر وقيل بأجنادين سنة 14 هجرية. أسد الغابة 2: 341، والإصابة 2: 67، والاستيعاب 2: 83. (3) عياش بن أبي ربيعة واسمه عمرو ويلقب ذو الرمحين بن المغيرة... بن مخزوم القرشي، هاجر الهجرتين، روى عن النبي، وروى عنه ابنه عبد الله وأنس وابن سليط وعمر بن عبد العزيز. توفي سنة 15 هجرية. تهذيب التهذيب 8: 197، والإصابة 3: 47، وأسد الغابة 4: 161.
(4) لدى تتبع الرواية في مظانها بقدر الوسع وجدنا أنها منقولة بألفاظ مختلفة من حيث الزيادة والنقصان والتقديم والتأخير واختلاف السند، ومن مجموعها يستفاد ذلك انظر كلا من صحيح البخاري 1: 192، 2: 32، 4: 53، 6: 61 و 182، 8: 104، 9: 25، وصحيح مسلم 1: 466 و 467 حديث 495، وسنن ابن ماجة 1: 394 حديث 1244، وسنن أبي داود 2: 68 حديث 1442، وسنن النسائي 2: 201، وسنن الدارمي 1: 374، ومسند أحمد بن حنبل 2: 239 و 255 و 271 و 396 و 418 و 470 و 502، 521، والسنن الكبرى 2: 244، 245، وكنز العمال 8: 82 حديث 21990 و 21991 و 83: 21996 و 21997.
(5) السنن الكبرى 2: 245، وفيه عبد الرحمن بن معقل يقول: شهدت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقنت في صلاة العتمة أو قال المغرب بعد الركوع ويدعو في قنوته على خمسة وسماهم، وفي لفظ آخر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قنت في المغرب، فدعا على ناس وعلى أشياعهم وقنت بعد الركعة، وكنز العمال 8: 79 وفيه " سمعت أشياخنا يحدثون أن علي بن أبي طالب قنت في صلاة الوتر فدعا على ناس وعلى أشياعهم، وقنت في الركوع " وهكذا في صحيفة 82 حديث 21989 وفيه ذكر أسماء من دعا عليهم الإمام عليه السلام، وأمالي الشيخ الطوسي 2: 335.

[ 376 ]

وروي عن أبي الدرداء أنه قال: إني لأدعو في صلاتي لسبعين أخا من إخواني بأسمائهم وأنسابهم (1)، ولا مخالف لهما في الصحابة. مسألة 134: الأظهر من مذاهب أصحابنا أن التسليم في الصلاة مسنون، وليس بركن ولا واجب، ومنهم من قال: هو واجب (2). وقال الشافعي: لا يخرج من الصلاة إلا بشئ معين وهو التسليم لا غير، وهو ركن منها (3)، وبه قال الثوري (4). وقال أبو حنيفة: الذي يخرج به منها غير معين، بل يخرج بأمر يحدثه وهو ما ينافيها من كلام أو سلام أو حدث من ريح أو بول. ولكن السنة أن يسلم لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم به كان يخرج منها، وإن طرقه في هذا المكان ما ينافيها لا من فعله مثل طلوع الشمس أو رؤية الماء إذا كان متيمما بطلت صلاته لأنه أمر ينافيها لا من جهته. قال: والذي يخرج به منها ليس منها (5). دليلنا على المذهب الأول: ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كنت إماما فإنما التسليم أن تسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة، ثم تؤذن القوم فتقول: وأنت مستقبل القبلة، السلام عليكم (6). ومن نصر الأخير إستدل بما رواه أمير المؤمنين عليه السلام " إن النبي

(1) السنن الكبرى 2: 245، وفيه " إني لأدعو لثلاثين من إخواني وأنا ساجد أسميهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ".
(2) ممن ذهب إلى وجوب التسليم السيد المرتضى في الناصريات في المسألة 82.
(3) المجموع 3: 481، ومغني المحتاج 1: 177، والمحلى 3: 277، والمغني لابن قدامة 1: 551، وبدائع الصنائع 1: 194.
(4) المحلى 3: 277.
(5) بدائع الصنائع 1: 194، والمجموع 3: 481، والمغني 1: 551.
(6) التهذيب 2: 93 حديث 349 صدر الحديث، والاستبصار 1: 347 حديث 1307 كذلك.

[ 377 ]

صلى الله عليه وآله وسلم قال: " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " (1). مسألة 135: الإمام والمنفرد يسلمان تسليمة واحدة، والمأموم إن كان على يساره إنسان سلم يمينا وشمالا، وإن لم يكن على يساره أحد سلم تسليمة واحدة. وقال الشافعي: إذا كان المسجد ضيقا، واللفظ مرتفعا، وكان الناس سكوتا فتسليمة واحدة. وإن كثروا، أو كان المسجد واسعا فتسليمتان هذا قوله في القديم (2). وروي ذلك عن علي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وعمر وابن مسعود وعمار بن ياسر من الصحابة، والنخعي (3). وقال الشافعي في الجديد: إن الأفضل تسليمتان، وبه قال أهل الكوفة والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق (4). وقال قوم: الأفضل أن يقتصر على تسليمة واحدة، ذهب إليه ابن عمر وأنس بن مالك وسلمة ابن الأكوع (5) وعائشة، وفي التابعين عمر بن

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 23 وفيه عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: افتتاح... وهكذا في الكافي 3: 69 حديث 2، إلا أن سندها عن القداح عن أبي عبد الله عليه السلام. وسنن أبي داود 1: 16 حديث 62، وسنن الترمذي 1: 8 حديث 3، وبسند آخر 2: 3 حديث 238، وسنن ابن ماجة 1: 101 حديث 275، وبسند آخر حديث 276، وسنن الدارمي 1: 175 باب مفتاح الصلاة الطهور، ومسند أحمد 1: 123 و 129، وسنن الدار قطني 1: 359 باب مفتاح الصلاة حديث 1 وبسند آخر 360 حديث 4 و 361 حديث 5 وفيهما بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام.
(2) المجموع 3: 473، والمغني لابن قدامة 1: 552.
(3) المجموع 3: 482، والمحلى 4: 131، والمغني لابن قدامه 1: 552.
(4) الأم 1: 122، والمجموع 3: 473، والأصل 1: 10، والمبسوط 1: 30، والمغني لابن قدامه 1: 552.
(5) سلمة بن عمرو، وقيل بن وهب بن الأكوع، واسمه سنان بن عبد الله الأسلمي مشهور بنسبه إلى =

[ 378 ]

عبد العزيز والحسن البصري وابن سيرين، وفي الفقهاء مالك والأوزاعي (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسلم في صلاته تسليمة واحدة يميل إلى الشق الأيمن قليلا (2). وروى سهل بن سعد الساعدي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسلم تسليمة واحدة ولا يزيد عليها، ذكرهما الدار قطني (3). وروى عبد الحميد بن عواض (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن كنت تؤم قوما أجزأك تسليمة واحدة عن يمينك، وإن كنت مع إمام فتسليمتين، وإن كنت وحدك فواحدة مستقبل القبلة (5). وروى منصور بن حازم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " الإمام يسلم تسليمة واحده، ومن ورائه يسلم اثنتين، فإن لم يكن عن شماله أحد سلم واحدة " (6). مسألة 136: إذا سلم الإمام يستحب له أن يعقب بعد الصلاة، فإن كان

= جده، أول مشاهده الحديبية وكان من الشجعان، روى عن النبي وعن أبي بكر وعمر وغيرهم، وروى عنه زيد بن أسلم ومولاه يزيد وغيرهم مات في المدينة سنة 74 هجرية. الإصابة 2: 65، وأسد الغابة 2: 333، وشذرات الذهب 1: 81. (1) المحلى 3: 278 و 4: 131، والمجموع 3: 482، والمغني لابن قدامة 1: 552.
(2) سنن الدار قطني 1: 357 وفيه " يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه... الخ ".
(3) سنن الدار قطني 1: 359 حديث 10.
(4) عبد الحميد بن عواض - وقيل غواض وقيل عياض - الطائي الكسائي الكوفي، ذكره الشيخ في أصحاب كل من الإمام الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام موثقا إياه في الأخير، وقد وثقه أيضا أغلب من ترجم له. رجال الشيخ الطوسي: 128 و 235 و 353، وجامع الرواة 1: 440، وتنقيح المقال 2: 136.
(5) التهذيب 2: 92 حديث 345، والاستبصار 1: 346 حديث 1303. (6) التهذيب 2: 93 حديث 346 وفيه " الإمام يسلم واحدة "، والاستبصار 1: 346 حديث 1304 وفيه " الإمام يسلم بتسليمة ".

[ 379 ]

المأموم يقعد لقعوده " بقعوده " كان أفضل، وإن لم يقعد جاز له الانصراف. وقال الشافعي: يستحب له إذا سلم أن يثبت ويتحول من مكانه (1). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار التي ذكرناها (2). مسألة 137: القنوت مستحب في كل ركعتين في جميع الصلوات بعد القراءة فرائضها وسننها قبل الركوع، فإن كانت الفريضة رباعية كان فيها قنوت واحد في الثانية من الأولتين، وإن كانت جمعة كان فيها قنوتان على الإمام في الأولى قبل الركوع، وفي الثانية بعد الركوع وهو مسنون في ركعة الوتر في جميع السنة. وقال الشافعي: القنوت مستحب في صلاة الصبح خاصة بعد الركوع، فإن نسيه كان عليه سجدتا السهو (3)، وقال يجري ذلك مجرى التشهد الأول في كونه سنة (4)، وقال في سائر الصلوات: إذا نزلت نازلة قولا واحدا يجوز (5)، وإذا لم تنزل كان على قولين، ذكر في الأم: إن له ذلك، وقال في الاملاء: إن شاء قنت، وإن شاء ترك. وقال الطحاوي: القنوت في سائر الصلوات لم يقل به غير الشافعي، وذكر الشافعي إن بمذهبه قال في الصحابة الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام، وبه قال أنس بن مالك، وإليه ذهب الحسن البصري، وبه قال مالك والأوزاعي (6)، وابن أبي ليلى قال: وهكذا القنوت في الوتر في النصف

(1) الأم 1: 126، والمجموع 3: 489.
(2) انظر التهذيب 2: 103، والكافي 3: 341.
(3) الأم 1: 130، والمجموع 3: 495، والمبسوط 1: 165.
(4) المجموع 3: 494، وبداية المجتهد 1: 127، وعمدة القاري 6: 73.
(5) المجموع 3: 494، وبدائع الصنائع 1: 273.
(6) بداية المجتهد 1: 127، والمحلى 4: 146، وبدائع الصنائع 1: 273، وعمدة القاري 6: 73.

[ 380 ]

الأخير من شهر رمضان لا غير (1). وحكي عن قوم: أن القنوت في الصبح مكروه وبدعة، حكي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأبي الدرداء (2) وبه قال أبو حنيفة والثوري وأصحاب أبي حنيفة (3). وقال أبو حنيفة: مسنون في الوتر لا غير طول السنة (4). وقال أحمد: إن قنت في الصبح فلا بأس، وقال: يقنت أمراء الجيوش (5). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وروى ذلك زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " القنوت في كل صلاة من الركعة الثانية قبل الركوع " (6). وروى صفوان الجمال قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام أياما فكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها أو لا يجهر فيها (7). وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " القنوت في كل

(1) بداية المجتهد 1: 127، وبدائع الصنائع 1: 273.
(2) أبو الدرداء: عويمر - وقيل عامر وعويمر لقب - بن مالك بن يزيد بن قيس الخزرجي الأنصاري. شهد الخندق واختلف في شهوده أحدا، ولي القضاء بدمشق أيام عثمان، روى عنه أنس وفضالة وأبو أمامة وابن عباس وغيرهم، واختلف في وفاته فقيل 32 و 33 في دمشق وقيل 38 و 39 والأصح الأشهر أنه توفي قبل مقتل عثمان بسنتين أسد الغابة 4: 159، 5: 185، والاستيعاب 4: 59، شذرات الذهب 1: 39. (3) المجموع 3: 504.
(4) الآثار (مخطوط): 33 المبسوط 1: 165، والمحلى 4: 145، وبداية المجتهد 1: 127.
(5) المجموع 3: 540 (6) الكافي 3: 340 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 208 حديث 935 وفيه صدر الحديث فقط، والتهذيب 2: 89 حديث 330، والاستبصار 1: 338 حديث 1271.
(7) الكافي 3: 339 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 1: 209 حديث 943، والتهذيب 2: 89 حديث 329، والاستبصار 1: 338 حديث 1270.

[ 381 ]

ركعتين في التطوع والفريضة " (1). وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " كل قنوت قبل الركوع إلا الجمعة، فإن الركعة الأولى فيها قبل الركوع والأخيرة بعد الركوع " (2). وروى الشافعي عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: لما رفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه من الركعة الثانية من الصبح قال: " اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وابن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، واشدد وطأتك على مضر ورعل وذكوان واجعل عليهم سنين كسني يوسف " وهذا خبر صحيح ذكره البخاري في الصحيح (3). وروى الدار قطني بإسناده رفعه إلى أنس بن مالك قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وآله يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا (4). وروى البراء بن عازب (5) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها (6).

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 207 حديث 934، والتهذيب 2: 90 حديث 336.
(2) التهذيب 2: 90 حديث 334 و 3: 17 حديث 62، والاستبصار 1: 339 و 418 حديث 1275 و 1606.
(3) راجع المسألة 133 الهامش الرابع.
(4) سنن الدار قطني 2: 39 حديث 9 المجموع 3: 504.
(5) البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم الأنصاري الأوسي الحارثي، أبو عمر، رده النبي يوم بدر لصغره، شهد أحدا - وقيل الخندق - وما بعدها، وشهد مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الجمل وصفين والنهروان مع أخيه عبيد بن عازب مات 72، هذا وقد عده الشيخ الطوسي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ناسبا إياه إلى الخزرج وهو ينافي ما تقدم. أسد الغابة 1: 171، ورجال الشيخ الطوسي: 8، وشذرات الذهب 1: 77، وتنقيح المقال 1: 161.
(6) سنن الدار قطني 2: 37 حديث 4.

[ 382 ]

وروي عن علي عليه السلام أنه قنت في صلاة المغرب (1)، ودعا على أناس وأشياعهم (2). مسألة 138: محل القنوت قبل الركوع، وهو مذهب مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى، وأبي حنيفة (3)، وبه قال في الصحابة ابن مسعود وأبو موسى الأشعري (4). وقال ابن عمر: كان بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقنت قبل الركوع، وبعضهم بعده، وانفرد بأن قال يكبر إذا أراد أن يقنت، ويقنت ثم يكبر للركوع (5). وقال الشافعي: القنوت بعد الركوع (6)، وبه قال أبو عثمان النهدي (7)، وحكى النهدي أنه أخذ ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وذكر رابعا نسبة الراوي (8). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار التي قدمناها في المسألة الأولى (9). مسألة 139: من فاتته صلوات حتى خرجت أوقاتها فعليه أن يقضيها على

(1) المصنف لابن أبي شيبه 2: 318.
(2) المصدر السابق 2: 317.
(3) شرح معاني الآثار 1: 245، والمبسوط 1: 164، وبدائع الصنائع 1: 273، وعمدة القاري 6: 73، والمحلى 4: 145.
(4) عمدة القاري 6: 73، وبدائع الصنائع 1: 273.
(5) قال النووي في المجموع 3: 498 أنه - ابن عمر - قنت قبل الركوع في صلاة الفجر قال البيهقي ومن روى عن عمر قنوته بعد الركوع أكثر.
(6) المجموع 3: 506، والمحلى 4: 145، والمبسوط 1: 165، وبدائع الصنائع 1: 273.
(7) المجموع 3: 498، والمحلى 4: 141.
(8) المحلى 4: 141، وحكى النووي في المجموع 3: 506 عن ابن المنذر عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام.
(9) راجع المسألة رقم 137.

[ 383 ]

الترتيب الذي فاتته، الأولى فالأولى، قليلا كان ما فاته أو كثيرا، دخل في التكرار أو لم يدخل، فإذا ذكر في غير وقت صلاة حاضرة قضاها ولا مسألة. وإن ذكرها وقد دخل وقت صلاة أخرى فإنه يبدء بالفائدة ما لم يتضيق وقت الحاضرة، وهو ألا يبقى من الوقت إلا مقدار ما يصلي فيه الحاضرة، فإذا كان كذلك، بدأ بالحاضرة، ثم بالفائتة. وإن دخل في أول الوقت في الحاضرة، ثم ذكر أن عليه صلاة أخرى، وقد صلى منها ركعة أو ركعتين أو أكثر، فلينقل نيته إلى الفائتة ثم يصلي بعدها الحاضرة، وإن ذكر أنه فاتته صلاة في صغره وقد كبر قضاها، ولا يجب عليه إعادة ما صلى بعد تلك الصلاة. وقال الشافعي: إذا فاتته صلوات كثيرة حتى خرجت أوقاتها سقط الترتيب فيها كثيرة كانت أو قليلة، ضيقا كان الوقت أو واسعا، ذاكرا كان أو ناسيا (1)، قال: وإن كان ذكرها قبل التلبس بغيرها نظر، فإن كان الوقت ضيقا يخاف فوات صلاة الوقت إن تشاغل بغيرها، فينبغي أن يقدم صلاة الوقت لئلا يقتضيهما معا، فإن كان الوقت واسعا قدم الفائتة على صلاة الوقت ليأتي بهما على الترتيب ويخرج عن الخلاف (2)، وبه قال الحسن البصري، وشريح، وطاووس (3). وقال قوم: إن الترتيب شرط بكل حال، كان الوقت ضيقا أو واسعا، ناسيا كان أو ذاكرا، قليلا كان ما فاته أو كثيرا. وفي الجملة لا تنعقد له صلاة فريضة وعليه صلاة، ذهب إليه الزهري، والنخعي، وربيعة (4).

(1) المجموع 3: 70، والمغني لابن قدامة 1: 607، والهداية 1: 72.
(2) المجموع 3: 70.
(3) المغني لابن قدامة 1: 608، والمجموع 3: 70.
(4) قال النووي في المجموع 3: 70 ما لفظه " وقال زفر وأحمد الترتيب واجب قلت الفوائت أم كثرت " =

[ 384 ]

وذهب مالك، والليث بن سعد، إلى أنه ينظر فيه، فإن ذكرها وهو في أخرى أتمهما استحبابا، وأتى بالفائتة ثم قضى التي أتمها، وإن ذكرها قبل الدخول في غيرها فعليه أن يأتي بالفائتة ثم بصلاة الوقت، قالا: ما لم يدخل في التكرار، فإن دخل في التكرار سقط الترتيب (1). وقال أحمد: إن ذكرها وهو في أخرى أتمها واجبا، ثم قضى الفائتة ثم أعاد التي أتمها واجبا (2)، فأوجب ظهرين في يوم واحد. قال: وإن ذكرها قبل الدخول في أخرى فعليه أن يأتي بالفائتة. قال: ولو ذكر الرجل في كبره صلاة فائتة في صغره فعليه أن يأتي بالفائتة وبكل صلاة صلاها بعدها (3)، وبه قال الزهري، والنخعي، وربيعة (4). وقال أبو حنيفة: إن دخلت الفوائت في التكرار، وهو إن صارت ستا سقط الترتيب، وإن كانت خمسا ففيه روايتان، وإن كانت أربعا نظرت، فإن كان الوقت ضيقا حتى تشاغل بغير صلاة الوقت فاتته فعليه أن يأتي بصلاة الوقت ثم يقضي ما فاته، وإن كان الوقت واسعا نظر، فإن ذكرها وهو في أخرى بطلت، فيأتي بالفائتة ثم بصلاة الوقت، وإن لم يذكر حتى فرغ من الصلاة قضى الفائتة وأجزاه فالترتيب شرط مع الذكر دون النسيان وسعة الوقت، وأن لا يدخل في التكرار، هذه جملة الخلاف (5).

= وانظر المغني لابن قدامة 1: 607. (1) مختصر سيدي خليل: 32، وحاشية الخرشي 1: 301.
(2) المغني لابن قدامة 1: 607، والمجموع 3: 70.
(3) المغني لابن قدامه 1: 607.
(4) المغني لابن قدامة 1: 607.
(5) الهداية 1: 73، ومراقي الفلاح 75 و 76، واللباب في شرح الكتاب 1: 89، والمغني لابن قدامة 1: 607، والمجموع 3: 70.

[ 385 ]

دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك، وروى حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء، وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولهن فأذن لها، وأقم، ثم صلها ثم صل ما بعدها بإقامة إقامة لكل صلاة. قال: وقال أبو جعفر: وإن كنت قد صليت الظهر وقد فاتتك الغداة فذكرتها فصل أي ساعة ذكرتها ولو بعد العصر ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صليتها. وقال: إن نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى ثم صلي العصر فإنهما هي أربع مكان أربع، وإذا ذكرت أنك لم تصل الأولى وأنت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين فصل الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر، وإن كنت ذكرت إنك لم تصل العصر حتى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصل العصر ثم صلي المغرب وإن كنت قد صليت المغرب فقم فصل العصر. وإن كنت قد صليت من المغرب ركعتين، ثم ذكرت العصر فانوها العصر ثم سلم ثم صل المغرب. وإن كنت قد صليت العشاء الآخرة، ونسيت المغرب فقم فصل المغرب، وإن كنت ذكرتها وقد صليت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت إلى الثالثة فانوها المغرب، ثم سلم، ثم قم فصل العشاء الآخرة. وإن كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صليت الفجر فصل العشاء الآخرة. وإن كنت ذكرتها وأنت في ركعة أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء، ثم قم فصل الغداة، وأذن، وأقم. وإن كانت المغرب والعشاء الآخرة قد فاتتاك جميعا. فابدأ بهما قبل أن تصلي الغداة، إبدأ بالمغرب ثم بالعشاء.

[ 386 ]

وإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بهما، فابدأ بالمغرب، ثم بالغداة، ثم صل العشاء. وإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب، فصل الغداة، ثم صل المغرب والعشاء، إبدأ بأوليهما لأنهما جميعا قضاء، أيهما ذكرت فلا تصلها إلا بعد شعاع الشمس. قال: قلت لم ذلك؟ قال: لأنك لست تخاف فوته (1). قال محمد بن الحسن: جاء هذا الخبر مفسرا للمذهب كله، فأما ما تضمنه من أنه إذا فرغ من العصر وذكر أن عليه ظهرا فليجعلها ظهرا فإنما هي أربع مكان أربع محمول على أنه إذا قارب الفراغ منها، لأنه لو كان انصرف عنها بالتسليم لما صح نقل النية فيها. ويمكن أن يستدل على من أجاز الصلاة الحاضرة في أول الوقت، والعدول عن الفائتة بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا صلاة لمن عليه صلاة " (2) ولم يفرق. وروي عنه أنه قال: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وذلك وقتها " (3) وروي عنه عليه السلام أنه أخر أربع صلوات يوم الخندق حتى مضى هوى من الليل فقضاها على الترتيب، فثبت أن الترتيب واجب.

(1) التهذيب 3: 158 حديث 340 والكافي 3: 291 حديث 1 مع اختلاف يسير باللفظ.
(2) رواها الشيخ قدس سره في المبسوط مرسلا أيضا فلاحظ 1: 127.
(3) صحيح البخاري 1: 146، وعمدة القاري 5: 92 - 93 وسنن الترمذي 1: 334 - 335 حديث 177 و 178 وسنن الدارمي 1: 280 ومسند أحمد بن حنبل 3: 100 و 243 و 267 و 269 و 288، و 5: 22 وصحيح مسلم 1: 471 حديث 309 - 316 وسنن أبي داود 1: 188 الأحاديث 435 إلى آخر الباب. وموطأ مالك 1: 168 حديث 77. علما بأن هناك تفاوت جزئي في الألفاظ، وللحديث قصة طويله ذكرها بعض أهل الصحاح، والبعض الآخر اقتصر على موضع الشاهد.

[ 387 ]

فأما من أوجب الحاضرة ثم الفائتة ثم أعاد الحاضرة فقول يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 140: من فاتته صلاة من صلاة الليل، وأراد قضاءها جهر فيها بالقراءة، ليلا كان وقت القضاء أو نهارا. ومن فاتته صلاة من صلاة النهار وأراد قضاؤها أسر فيها بالقراءة، ليلا كان أو نهارا، إماما كان أو منفردا. وحكى أبو ثور عن الشافعي أنه قال: إذا فاتته صلاة العشاء الآخرة فذكرها بعد طلوع الشمس قضاها، وخافت بها. وبه قال الأوزاعي (1). وقال أبو حنيفة: إن قضاها إماما جهر بها، وإن قضاها منفردا خافت بها، بناه على أصله أن المنفرد يخافت بصلاة الليل، والإمام يجهر بها، فذهب إلى أن القضاء كالأداء (2). وقال أبو ثور: يجهر بها ليكون القضاء كالأداء (3). وقال الشافعي: إن ذكرها ليلا جهر فيها (4). وقال الأوزاعي: إن شاء جهر وإن شاء خافت. قال: وإن نسي صلاة نهار فذكرها ليلا أسر فيها بالقراءة ولا يجهر (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روى حريز عن زرارة قال: قلت له رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر. فقال: " يقضي ما فاته كما فاته " (6). وهذا عام في جميع هيئات الصلاة.

(1) المغني لابن قدامة 1: 569 - 570.
(2) الهداية: 53، وشرح فتح القدير 1: 230 والمغني لابن قدامه 1: 570.
(3) المغني لابن قدامة 1: 570.
(4) المغني لابن قدامة 1: 570.
(5) المغني لابن قدامة 1: 569 - 570.
(6) الكافي 3: 435 حديث 7، والتهذيب 3: 162 صدر الحديث رقم 350.

[ 388 ]

مسألة 141: إذا سلم عليه وهو في الصلاة رد عليه مثله قولا، يقول سلام عليكم، ولا يقول وعليكم السلام. وقال الحسن البصري: يرد عليه قولا كما قلناه، ولم يعتبر أن يقول مثل قوله (1). وقال الشافعي في القديم: يرد بالإشارة برأسه (2)، وقال في موضع آخر يشير بيديه، وبه قال ابن عمر، وابن عباس، ومالك، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور (3). وقال أبو ذر الغفاري، وعطاء، والثوري: يرد قولا لكن إذا فرغ من الصلاة (4). قال الثوري: إن كان باقيا رد عليه، وإن كان منصرفا اتبعه بالسلام. وقال النخعي: يرد بقلبه (5). وقال أبو حنيفة: لا يرد بشئ أصلا فيضيع سلامه (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روى عثمان بن عيسى (7) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يسلم عليه، وهو في الصلاة؟ فقال: يرد،

(1) المجموع 4: 104 - 105.
(2) المجموع 4: 103.
(3) المدونة الكبرى 1: 99، والمجموع 4: 104.
(4) المجموع 4: 105.
(5) المجموع 4: 105.
(6) الهداية 1: 64، وشرح فتح القدير 1: 291، والمجموع 4: 105.
(7) عثمان بن عيسى، أبو عمر الرواسي العامري الكلابي من أصحاب الإمام الكاظم والرضا، ونقل الكشي عن جمع عده ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه. إضافة إلى أنه كان من وكلاء الإمام الرضا عليه السلام. رجال الكشي: 556 رقم 1050 و 597 رقم 1117، ورجال الشيخ الطوسي: 355 و 380، والتنقيح 2: 47.

[ 389 ]

يقول سلام عليكم، ولا يقول وعليكم السلام، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قائما يصلي فمر به عمار بن ياسر فسلم عليه فرد عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هكذا (1). وروى محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وهو في الصلاة، فقلت السلام عليك. فقال: السلام عليك، قلت: كيف أصبحت فسكت، فلما انصرف، قلت له: أيرد السلام وهو في الصلاة، فقال: نعم مثل ما قيل له (2). مسألة 142: إذا لم يجد المصلي شيئا ينصبه بين يديه إذا صلى في الصحراء جاز أن يخط بين يديه خطا، وإن لم يفعل أيضا فلا بأس. وقال الشافعي: يخط خطا ذكره في القديم، وعليه أصحابه (3). وقال في الأم: يستحب أن لا يخط إلا أن يكون فيه خبر ثابت (4)، ووافقه على القول القديم الأوزاعي وأحمد (5). وقال مالك والليث بن سعد وأبو حنيفة: يكره ذلك (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل الإباحة، فمن ادعى كراهية ذلك فعليه الدليل. وروى أبو هريرة قال: قال أبو القاسم عليه السلام: " إذا صلى أحدكم

(1) الكافي 3: 366 حديث 1، والتهذيب 2: 328 حديث 1348.
(2) التهذيب 2: 329 حديث 1349.
(3) المجموع 3: 246.
(4) المجموع 3: 246. (5) مسائل أحمد بن حنبل: 44.
(6) جاء في المدونة الكبرى 1: 113 ما لفظه: " وقال مالك الخط باطل. وقال مالك من كان في سفر فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة ".

[ 390 ]

فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد شيئا فلينصب عصا، وإن لم يكن معه عصا فليخط خطا لا يضره ما مر بين يديه " (1). وروى محمد بن إسماعيل عن الرضا عليه السلام في الرجل يصلي قال: " يكون بين يديه كومة من تراب أو يخط بين يديه بخط " (2). وروى السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا صلى أحدكم بأرض فلاة فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرجل، [ فإن لم يجد فحجرا ] (3)، فإن لم يجد فسهما، فإن لم يجد فليخط في الأرض بين يديه " (4). مسألة 143: إذا عرض للرجل أو المرأة حاجة في صلاته جاز أن يومئ بيده، أو يضرب إحدى يديه على الأخرى، أو يضرب الحائط، أو يسبح، أو يكبر، سواء أومئ إلى إمامه، أو إلى غيره إذا أراد التنبيه على سهو لحقه، أو تحذير أعمى من ترديه في بئر، أو يطرق عليه الباب فيسبح يقصد به الإذن له، أو يبلغه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويقصد به قراءة القرآن، أو يقرأ آية يقصد بها أن يفتح على غيره إذا غلط إمامه كان أو غير إمامه. وهو مذهب الشافعي إلا أنه فرق بين الرجل والمرأة، فقال: يكره للمرأة أن تسبح، وينبغي لها أن تصفق، وهو أن تضرب إحدى الراحتين على ظهر كفها الأخرى، أو تضرب اصبعين على ظهر كفها (5)، وروى ذلك أصحابنا

(1) سنن ابن ماجة 1: 303 حديث 943 وسنن أبي داود 1: 183 حديث 689، ومسند أحمد بن حنبل 2: 249.
(2) التهذيب 2: 378 حديث 1574، والاستبصار 1: 407 حديث 1555.
(3) الزيادة من التهذيب والاستبصار.
(4) التهذيب 2: 378 حديث 1577، والاستبصار 1: 407 حديث 1556.
(5) المجموع 4: 82 و 88.

[ 391 ]

أيضا (1). وقال مالك: من نابه شئ في صلاته يسبح، رجلا كان أو امرأة (2). وقال أبو حنيفة: إذا سبح الرجل، فإن قصد به إعلام إمامه شيئا قد نسيه أو تركه لم تبطل صلاته، وإن قصد بذلك غير الإمام بطلت صلاته في جميع ما قلناه (3). دليلنا: إجماع الفرقة لأن الأصل الإباحة في جميع ذلك، والمنع يحتاج إلى دليل. وروى حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الرجل يريد الحاجة وهو في الصلاة، فقال: يومئ برأسه، ويشير بيده، والمرأة إذا أرادت الحاجة تصفق بيديها (4). وروى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الوليد (5) قال: كنت جالسا عند أبي عبد الله عليه السلام فسأله ناجية (بن) أبو حبيب فقال: له جعلت فداك إن لي رحى أطحن فيها فربما قمت في ساعة من الليل، فأعرف من الرحى إن الغلام قد نام، فأضرب الحائط لأقضه، فقال: نعم، أنت في طاعة الله

(1) رواها الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، وقد أشار إليها المصنف في دليله.
(2) المجموع 4: 82 و 88.
(3) المجموع 4: 82. (4) الكافي 3: 365 حديث 7، ومن لا يحضره الفقيه 1: 242 حديث 1075، والتهذيب 2: 324 صدر الحديث 1328.
(5) اختلفت المصادر الحديثية والنسخ المعتمدة في ضبط كنيته ففي البعض منها (ابن الوليد) وفي أخرى (أبو الوليد) ولعله ذريح بن محمد بن يزيد، أبو الوليد المحاربي، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق، وقال في الفهرست: ثقة له أصل. ووثقه أيضا جمع منهم المجلسي، والبحراني، والجزائري، وغيرهم. رجال الشيخ الطوسي: 191، والفهرست: 69، وتنقيح المقال 1: 420، وجامع الرواة 2: 421، ومعجم رجال الحديث 23: 49.

[ 392 ]

عز وجل تطلب رزقه (1). وروى علي بن الحسن بن رباط عن محمد بن بجيل (2) أخي علي بن بجيل (3) قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام، يصلي فمر به رجل وهو بين السجدتين فرماه أبو عبد الله بحصاة، فأقبل إليه الرجل (4). وروى سهل بن سعد الساعدي (5) إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للناس: " إذا نابكم شئ في صلاتكم فليسبح الرجال ولتصفق النساء " (6)، وهذا عام في جميع ما ينوبه. مسائل ستر العورة مسألة 144: لا يجوز للمرأة الحرة أن تصلي مكشوفة الرأس، وأقل ما تصلي فيه ثوبان تتقنع بأحدهما، وتتجلل بالآخر.

(1) الكافي 3: 301 حديث 8، والتهذيب 2: 325 حديث 1329، وفي من لا يحضره الفقيه 1: 243 حديث 1080 باختلاف.
(2) محمد بن بجيل بن عقيل، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، ويقرن اسمه بأخيه كما في الرواية. رجال الشيخ الطوسي: 283، وتنقيح المقال 2: حرف الميم 85.
(3) علي بن بجيل بن عقيل، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، والظاهر أنه أشهر من أخيه محمد المتقدم حيث يعرف به. رجال الشيخ الطوسي: 283، وتنقيح المقال 2: 271.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 243 حديث 1078، والتهذيب 2: 327 حديث 1342.
(5) سهل بن سعد بن مالك... بن الخزرج الأنصاري الساعدي، عاش حتى أدرك الحجاج، وختمه في عنقه فيمن ختم إذلالا له لعدم نصرته عثمان. روى عنه أبو هريرة وسعيد بن المسيب والزهري وأبو حازم وغيرهم. هذا وكان اسمه حزن فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله سهلا، أسد الغابة 2: 366 والإصابة 1: 324 و 2: 131.
(6) سنن الدارمي 1: 317، وموطأ مالك 1: 163 حديث 61، وسنن النسائي 2: 83 وفيه وليصفح وهو ذيل حديث طويل وهكذا 3: 3. ومسند أحمد بن حنبل 5: 333 باختلاف، وصحيح البخاري 1: 165 باختلاف لفظي ومثله في 2: 84.

[ 393 ]

وأما الرجل فالذي يجب عليه ستر العورتين، والفضل في ستر ما بين السرة إلى الركبتين، وأن يطرح على كتفه شيئا. وقال الشافعي: يجب على المصلي ستر عورته، وعورة الرجل ما بين سرته وركبته (1). وأما المرأة فكلها عورة إلا الوجه والكفين، فإن انكشف شئ من عورة المصلي قليلا كان أو كثيرا، عامدا كان أو ساهيا بطلت صلاته، وبه قال الأوزاعي (2). وقال مالك: إذا صلت الحرة بغير خمار أعادت في الوقت (3). قال أصحاب مالك: كل موضع - قال مالك يعيد في الوقت - يريد استحبابا، فتحقيق قوله أن ستر العورة غير واجب، وإنما هو استحباب (4). وعن أبي حنيفة روايتان في قدر العورة. إحداهما: مثل قول الشافعي إلا في الركبة. فخالفه في الركبة (5)، والثانية: عورة الرجل كما قال الشافعي (6)، والمرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين وظهور القدمين (7). وقال أبو حنيفة: فإن انكشف شئ من العورة في الصلاة، فالعورة عورتان مغلظة ومخففة، فالمغلظة نفس القبل والدبر، والمخففة ما عداهما، فإن انكشف

(1) الأم 1: 89، والمجموع 3: 167، ومغني المحتاج 1: 185، وفتح العزيز 4: 83 وبداية المجتهد 1: 111.
(2) المغني لابن قدامة 1: 601.
(3) مقدمات ابن رشد 1: 133.
(4) المجموع 3: 167 وبداية المجتهد 1: 110.
(5) المحلى 3: 223.
(6) بداية المجتهد 1: 111.
(7) شرح فتح القدير 1: 181 وبداية المجتهد 1: 111.

[ 394 ]

من المخففة شئ من العضو الواحد كالفخذ من الرجل والمرأة والذراع والبطن من المرأة نظرت فإن كان ربع العضو فما زاد لم تجزه الصلاة، وإن كان أقل من ذلك أجزأه (1)، وبه قال محمد (2). وقال أبو يوسف: إن انكشف من المخففة من العضو الواحد نصف العضو فما زاد لم يجزه، وإن كان دون ذلك أجزأه (3). وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام (4): المرأة كلها عورة فعليها أن تستر جميع بدنها في الصلاة (5) وبه قال أحمد بن حنبل (6). وقال داود: العورة نفس السوئتين، وما عدا هذا فليس بعورة (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روى عمر بن أذينة عن زرارة قال سألت أبا جعفر عليه السلام (8) عن أدنى ما تصلي فيه المرأة قال: درع وملحفة تنشرها على رأسها وتتجلل بها (9). وروى محمد بن مسلم قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام صلى في إزار

(1) شرح فتح القدير 1: 181، والمجموع 3: 167، والمحلى 3: 224.
(2) شرح فتح القدير 1: 181، والمحلى 3: 224.
(3) المجموع 3: 167، وشرح فتح القدير 1: 182.
(4) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة المخزومي، قيل إن اسمه محمد والأصح أن اسمه كنيته، روى عن أبيه وعمار بن ياسر والبدري وابن مطيع، وروى عنه الحكم بن عتيبة والزهري وعمر بن دينار، وكان أعمى استصغر يوم الجمل فرد من جيش البصرة مات سنة 94 بالمدينة. شذرات الذهب 1: 104، وتذكرة الحفاظ 1: 59، ومرآة الجنان 1: 189.
(5) المجموع 3: 169.
(6) الاقناع 1: 88، والمجموع 3: 169.
(7) المجموع 3: 169.
(8) كذا في نسختي الفيضية، وأما في نسخة مكتبة آية... العظمى السيد النجفي المرعشي فالرواية عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام.
(9) التهذيب 2: 217 حديث 853، والاستبصار 1: 388 حديث 1478.

[ 395 ]

واحد، ليس بواسع، قد عقده على عنقه، فقلت له: ما ترى للرجل يصلي في قميص واحد، فقال: " إذا كان كثيفا فلا بأس به والمرأة تصلي في الدرع والمقنعة إذا كان الدرع كثيفا " (1). وروى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي في قميص واحد أو قباء محشو (2) وليس عليه إزار، فقال: " إذا كان القميص صفيقا أو القباء ليس بطويل الفرج، والثوب الواجد إذا كان يتوشح به، والسراويل بتلك المنزلة كل ذلك لا بأس به، ولكن إذا لبس السروايل جعل على عاتقه شيئا ولو حبلا " (3). وروى علي بن إسماعيل الميثمي (4) عن محمد بن حكيم (5) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " إن الفخذ ليست من العورة " (6).

(1) الكافي 3: 394 حديث 2، والتهذيب 2: 217 صدر الحديث 855.
(2) وفي التهذيب زيادة: (أو قباء طاق، أو قباء محشو).
(3) الكافي 3: 393 حديث 1، وفيه رواها بسنده عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، وفي التهذيب 2: 216 حديث 852 رواها بسنده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي الوسائل 3: 283 الحديث الأول رواها عن الكافي عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام.
(4) علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم بن يحيى التمار، أبو الحسن الميثمي مولى بني أسد كوفي، سكن البصرة من وجوه المتكلمين من أصحابنا، له مناظرات مع أبا الهذيل والعلاف والنظام وله كتب ومجالس منها الكامل في الإمامة والاستحقاق وغيرها. يعد من أصحاب الإمام الرضا، النجاشي: 189، والفهرست لابن النديم: 23، ورجال الشيخ: 383، وتنقيح المقال 2: 270.
(5) محمد بن حكيم الخثعمي، أبو جعفر، من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم، كان يجالس أهل المدينة ويناظرهم بأمر الإمام الكاظم (ع)، له كتاب. وقد ذكر تارة مع اللقب وأخرى بدونه في كتب الرجال فتوهم التعدد. رجال النجاشي: 276، ورجال الشيخ: 285 و 358، وتنقيح المقال 3: 109 ومعجم رجال الحديث 16: 31 - 35.
(6) التهذيب 1: 374 حديث 1150، ومن لا يحضره الفقيه 1: 67 حديث 253 وفيه مرسلا عن الصادق عليه السلام، الفخذ ليس من العورة.

[ 396 ]

وروى عن أبي الحسن الماضي عليه السلام أنه قال: " العورة عورتان، القبل والدبر، والدبر مستور بالأليتين فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة " (1). مسألة 145: يجوز للأمة أن تصلي مكشوفة الرأس، وبه قال جميع الفقهاء، مزوجة كانت أو غير مزوجة (2). وحكي عن الحسن البصري في إحدى الروايتين: أنها إن كانت مزوجة وقد رآها زوجها وهي معه فعليها أن تغطي رأسها (3). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع الأمة، لأن خلافة قد انقرض. وروي عن أنس أن عمر بن الخطاب رأى أمة لآل أنس مقنعة فقال لها: يا لكعاء اكشفي رأسك تشبهت بالحرائر (4)، ولا مخالف له، وروايات أصحابنا أكثر من أن تحصى (5). مسألة 146: الأمة إذا صلت مكشوفة الرأس، واعتقت في أثنائها فتممت صلاتها لم تبطل صلاتها. وقال الشافعي: إن كان بقربها ثوب أخذت وسترت رأسها، وكذلك إن كان بالبعد وهناك من يناولها ناولها، وتممت صلاتها، وإن تطاولت المدة ففيه

(1) الكافي 6: 501 حديث 26، والتهذيب 1: 374 حديث 1151.
(2) المغني لابن قدامة 1: 604، وشرح فتح القدير 1: 183 وبداية المجتهد 1: 112.
(3) المجموع 3: 169، والمغني لابن قدامة 1: 604 وبداية المجتهد 1: 112.
(4) في شرح فتح القدير 1: 183 " قريب منه عن عمر ".
(5) انظر على سبيل المثال. الكافي 3: 394 حديث 2 و 5: 525 حديث 2، والمقنع: 62، ومن لا يحضره الفقيه 1: 244 حديث 1085 و 1086، وعلل الشرائع 2: 34 باب 54 حديث 1 و 2 و 3، وقرب الاسناد: 101، والمحاسن للبرقي: 318 كتاب العلل حديث 45، والتهذيب 2: 217 حديث 854 و 855، 218 حديث 859، 4: 281 حديث 851، 336 حديث 1015، والاستبصار 1: 389 حديث 1479، 390 حديث 1483.

[ 397 ]

وجهان، أحدهما: تبطل صلاتها، والآخر، لا تبطل، وإن احتاجت أن تمشي إليه ومشت بطلت صلاتها (1). وقال أبو حنيفة: تبطل صلاتها (2). دليلنا: إن إبطال صلاتها يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 147: عورة الأمة أن تستر سائر جسدها غير كشف رأسها، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. والذي عليه أكثر أصحابه أن يجب عليها ستر ما بين السرة والركبة مثل الرجل، ولا يجب ما زاد على ذلك (3). دليلنا: إنه لا خلاف أنه إذا غطت جميع جسدها سوى الرأس فإن صلاتها ماضية، ولا دليل على جواز صلاتها إذا كشفت ظهرها وبطنها، فالاحتياط يقتضي ما قلناه. وأيضا الأخبار التي وردت بجواز كشف رأسها (4) خصصنا بها الأخبار العامة في أن المرأة كلها عورة، ولم يرد ما يخصص الصدر والظهر (5). وروى محمد بن مسلم قال: قلت له الأمة تغطي رأسها، قال: " لا، ولا على أم الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد " (6). مسألة 148: أم الولد مثل الأمة في جواز كشف رأسها في الصلاة، وبه

(1) المجموع 3: 183 و 184.
(2) تبيين الحقائق 1: 99. وفي المحلي لابن حزم 3: 224 قال أبو حنيفة: فإن أعتقت أمة في الصلاة فإنها تأخذ قناعها وتستتر، وتبني على ما مضى من صلاتها.
(3) المجموع 3: 169، ومغني المحتاج 1: 185، والمغني لابن قدامة 1: 604.
(4) تقدمت الإشارة إليها في المسألة (145) الهامش الخامس.
(5) في بعض النسخ زيادة (والصلب والبطن).
(6) التهذيب 2: 218 حديث 859، والاستبصار 1: 390 حديث 1483.

[ 398 ]

قال الشافعي (1). وقال مالك وأحمد: أم الولد كالحرة (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن أم الولد أمة يجوز بيعها عندنا، وإذا ثبت ذلك ثبت ما قلناه، لأن أحدا لا يفرق، وخبر محمد بن مسلم الذي قدمناه تضمن ذكر أم الولد (3). مسألة 149: العورة التي يجب سترها على الرجل، حرا كان أو عبدا السوءتان، وما بين السرة والركبة مستحب لا فرق بينهما. وقال الشافعي: هو ما بين السرة والركبة، وليست السرة والركبة منها، نص عليه في الاملاء والأم (4) والقديم، وفي أصحابه من قال: إنهما من العورة (5). وقال أبو حنيفة: الركبة من العورة، وليست السرة منها (6). دليلنا: إن ما قلناه مجمع عليه، وما قالوه ليس عليه دليل، وأيضا عليه إجماع الفرقة. وقد قدمنا من الأخبار ما يدل على ذلك (7). مسألة 150: إذا لم يجد إلا ثوبا نجسا لم يصل فيه، وصلى عريانا، ولا إعادة عليه، وبه قال الشافعي وعليه أكثر أصحابه (8). ومن أصحابه من قال: يصلي فيه ثم يعيد (9).

(1) المغني لابن قدامة 1: 606.
(2) المدونة الكبرى 1: 94، والمغني لابن قدامه 1: 606.
(3) تقدم في المسألة 145 و 147 الهامش الخامس والسادس.
(4) الأم 1: 89، والمجموع 3: 168، ومغني المحتاج 1: 185.
(5) المجموع 3: 168، والهداية 1: 43، وشرح فتح القدير 1: 180.
(6) الهداية 1: 43، وشرح فتح القدير 1: 180، وحاشية ابن عابدين 1: 404، والمحلى 3: 223.
(7) تقدم في المسألة 144. (8) الأم 1: 91، والمجموع 3: 188، والمغني لابن قدامة 1: 594.
(9) روى المصنف هذا القول عن البويطي في المسألة 218.

[ 399 ]

وقال أبو حنيفة: إن كان الثوب كله نجسا فهو بالخيار بين أن يصلي فيه، وبين أن يصلي عريانا، وإن كان ربعه طاهرا فعليه أن يصلي فيه (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وروى سماعة بن مهران قال: سألته عن الرجل يكون في فلاة من الأرض ليس عليه إلا ثوب واحد وأجنب فيه، وليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلي قاعدا عريانا ويومئ (2). وروى منصور بن حازم قال: حدثني محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة، وليس عليه إلا ثوب واحد، وأصاب ثوبه مني، قال: " يتيمم، ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا فيصلي ويومئ إيماء " (3). وقد روي أنه يصلي مطلقا (4). وروي أنه يصلي فيه، ويعيد. روى ذلك عمار الساباطي (5). وقد بينا الوجه فيها في الكتابين المقدم ذكرهما (6). مسألة 151: العريان إذا كان بحيث لا يراه أحد صلى قائما، وإن كان بحيث لا يأمن أن يراه أحد صلى جالسا.

(1) الأصل 1: 194، والمبسوط 1: 187، وشرح فتح القدير 1: 184، والمغني لابن قدامه 1: 594.
(2) الكافي 3: 396 حديث 15، والتهذيب 2: 223 حديث 881، علما بأن الشيخ المصنف رواها في الاستبصار 1: 168 حديث 582 والتهذيب 1: 405 حديث 1271 هكذا " قال: يتيمم ويصلي عريانا قائما ويومئ إيماء ".
(3) التهذيب 2: 223 حديث 882 و 1: 406 حديث 1278، والاستبصار 1: 168 حديث 583.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 160 حديث 754، والتهذيب 2: 224 حديث 885، والاستبصار 1: 169 حديث 586.
(5) التهذيب 2: 224 حديث 886 و 1: 407 حديث 1279، والاستبصار 1: 169 حديث 587.
(6) التهذيب 2: 223 الحديث 881 وما بعده و 1: 406 الحديث 1278 وما يتلوه، والاستبصار 1: 168 باب 101 الرجل تصيب ثوبه الجنابة ولا يجد الماء لغسله وليس معه غيره.

[ 400 ]

وقال الشافعي: العريان كالمكتسي يصلي قائما ولم يفصل (1)، وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك ومجاهد (2). وقال الأوزاعي: يصلي جالسا (3)، وروى ذلك عن ابن عمر (4). وقال أبو حنيفة: هو بالخيار بين الصلاة قائما أو قاعدا (5). دليلنا على وجوب الصلاة قائما: طريقة الاحتياط فإنه إذا صلى كذلك برءت ذمته بيقين، وإذا صلى من جلوس لم تبرء ذمته بيقين. وأما إسقاط القيام حيث ما قلناه فلإجماع الفرقة، وأيضا ستر العورة واجب، فإذا لم يمكن ذلك إلا بالقعود وجب عليه ذلك. وروى حريز عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل خرج من سفينة عريانا أو سلب ثيابه ولم يجد شيئا يصلي فيه، فقال: " يصلي إيماء، وإن كان امرأة جعلت يدها على فرجها، وإن كان رجلا وضع يده على سوئته ثم يجلسان ويؤميان إيماء ولا يركعان ولا يسجدان فيبدو ما خلفهما تكون صلاتهما إيماء برؤوسهما " (6). وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " العاري إذا لم يكن له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها فسجد فيها وركع " (7). وروى علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته

(1) الأم 1: 91، والمجموع 3: 183، المبسوط 1: 186، والمغني لابن قدامة 1: 592. (2) المدونة الكبرى 1: 95، والمغني لابن قدامه 1: 592.
(3) المغني لابن قدامة 1: 592.
(4) المبسوط 1: 186، والمغني لابن قدامة 1: 592.
(5) الهداية 1: 44، والمبسوط 1: 186، وشرح فتح القدير 1: 184، و 185، والمغني لابن قدامه 1: 592.
(6) الكافي 3: 396 حديث 16، والتهذيب 2: 364 حديث 1512 و 3: 178 حديث 403.
(7) التهذيب 2: 365 حديث 1517، و 3: 179 حديث 405.

[ 401 ]

عن الرجل إذا قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عريانا وحضرت الصلاة كيف يصلي، قال: " إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتم صلاته بالركوع والسجود، وإن لم يصب شيئا يستر عورته أومئ وهو قائم " (1). مسألة 152: يجوز للمصلي أن يصلي في قميص واحد وإن لم يزره ولا أن يشد وسطه بل شد الوسط مكروه سواء كان واسع الجيب أو ضيقه. وقال الشافعي: لا يجوز أن يصلي فيه إلا أن يزره أو يخلله (2)، وقال بعض أصحابه: إنما أراد بذلك إذا كان واسع الجيب دقيق الرقبة فإنه يرى عورته إذا ركع أو يراها غيره، قال: فإن كان ضيق الجيب، أو كان غليظ الرقبة، أو شد وسطه، أو كان تحته ميزر لم يكن به بأس. دليلنا: على ذلك: إجماع الفرقة، وما قدمناه من الأخبار التي تدل على جواز صلاة الرجل في قميص واحد ولم يفصلوا. وروى زياد بن سوقة (3) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لا بأس أن يصلي أحدكم في الثوب الواحد وأزراره محلولة، إن دين محمد صلى الله عليه وآله حنيف " (4). وروى الحسن بن علي بن فضال (5) عن رجل قال: سألت أبا عبد الله، إن

(1) التهذيب 2: 365 حديث 1515 و 3: 296 ذيل حديث 900.
(2) الأم 1: 90.
(3) زياد بن سوقة الجريري البجلي، عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد والإمام الباقر والإمام الصادق عليهم السلام، ووثقه النجاشي عند ذكر أخيه حفص حيث قال " أخواه زياد ومحمد ابنا سوقة أكثر منه رواية عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام ثقاة " ووثقه أكثر من تعرض له. رجال النجاشي: 104، ورجال الطوسي: 89 و 122 و 197، والاختصاص: 83، والخلاصة: 74.
(4) الكافي 3: 395 حديث 8، والتهذيب 2: 216 حديث 850 و 2: 357 حديث 1477، والاستبصار 1: 392 حديث 1492، وفي من لا يحضره الفقيه 1: 174 حديث 823 " إن دين محمد (ص) دين حنيف " (5) أبو محمد الحسن بن علي بن فضال التيملي بن ربيعة بن بكر مولى تيم الرباب، كوفي جليل القدر =

[ 402 ]

الناس يقولون: إن الرجل إذا صلى وأزراره محلولة، ويداه داخلة في القميص إنما يصلي عريانا. قال: لا بأس به " (1). مسألة 153: من عجز عن القراءة ثم قدر عليها في أثناء الصلاة بأن يلقن، أو عجز عن الكسوة فتلبس بها عريانا ثم قدر عليها بنى على صلاته، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة وأصحابه: تبطل صلاته (3). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وإبطال الصلاة يحتاج إلى دليل. مسألة 154: من تكلم في الصلاة عامدا بطلت صلاته، سواء كان كلامه متعلقا بمصلحة الصلاة أو لم يتعلق. وإن كان ناسيا لم تبطل صلاته، وكان عليه سجدتا السهو، وكذلك إن سلم في الركعتين الأولتين حكمه حكم الكلام سواء، واختلفوا في ذلك على خمسة مذاهب: فذهب سعيد بن المسيب، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان (4)، إلى أن جنس الكلام يبطل الصلاة ناسيا كان أو عامدا للمصلحة كان أو لغير

= عظيم المنزلة زاهد ورع، ثقة في الحديث، عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام وكان خصيصا به. له كتب مات سنة 224. رجال النجاشي: 26، ورجال الطوسي: 371، والخلاصة: 37. (1) التهذيب 2: 326 حديث 1335، والاستبصار 1: 392 حديث 1493.
(2) المجموع 3: 183، والمبسوط 1: 182.
(3) المبسوط 1: 182 - 183.
(4) أبو إسماعيل الكوفي حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري، روى عن أنس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعكرمة وإبراهيم النخعي، وروى عنه ابنه إسماعيل وعاصم الأحول وشعبة والثوري وحماد بن سلمه وأبو حنيفة والأعمش مات سنة 120 هجرية. شذرات الذهب 1: 157، وتهذيب التهذيب 3: 16، وطبقات الفقهاء: 63.

[ 403 ]

المصلحة، وكذلك إذا سلم ناسيا (1). وذهب قوم إلى أن سهو الكلام يبطلها على كل حال، وأما السلام على وجه السهو فلا يبطلها، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه (2). وحكي عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، والحسن البصري، عطاء، وعروة بن الزبير، وقتادة مثل ما قلناه، وبه قال ابن أبي ليلى والشافعي (3). وذهب قوم إلى أن سهو الكلام لا يبطلها كما قلناه، وعمده فإن كان لمصلحة الصلاة لا يبطلها، وإن كان لغير مصلحتها أبطلها، ومصلحة الصلاة مثل أن يسهو إمامه فيقول سهوت، ذهب إليه مالك بن أنس (4). وقال قوم: إن سهو الكلام لا يبطلها، وعمده إن كان لمصلحة الصلاة لا يبطلها كما قال مالك، وإن كان للمصلحة التي لا تتعلق بالصلاة لم يبطلها أيضا. مثل أن يكون أعمى يكاد يقع في بئر فيقول: البئر أمامك، أو يرى من يحترق ماله فيعرفه ذلك، ذهب إليه الأوزاعي (5). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، وأيضا فقد أجمعت الأمة على أن من لم يتكلم فإن صلاته ماضية، وإذا تكلم عامدا اختلفوا فيه، ولا يلزمنا مثل ذلك في الكلام ناسيا لأنا قلنا ذلك بدليل، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (6)، فأخبر أن

(1) المجموع 4: 85 نيل الأوطار 2: 360.
(2) الاستذكار 2: 226 و 235، والمجموع 4: 85.
(3) الاستذكار 2: 225، ونيل الأوطار 2: 360، وتبيين الحقائق 1: 154.
(4) المجموع 4: 85.
(5) الاستذكار 2: 220.
(6) سنن ابن ماجه 1: 659 باب 16 رواه بألفاظ مختلفة أخرى.

[ 404 ]

الخطاء مرفوع عنهم، ومعلوم أنه لم يرد به رفع فعل الخطاء لأن الفعل إذا وقع لم يمكن رفعه، فثبت أن المراد به رفع حكم الخطاء، فإذا كان كذلك ثبت أن صلاته لا تبطل. وأيضا روى أبو هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فأقبل على القوم، فقال: " أصدق ذو اليدين " فقالوا: نعم، فأتم ما بقي من صلاته، وسجد وهو جالس سجدتين بعد التسليم (1). وقد طعن في هذا الخبر بأن قيل: لا أصل له، لأن أبا هريرة أسلم بعد أن مات ذو اليدين بسنين، فإن ذا اليدين قتل يوم بدر، وذلك بعد الهجرة بسنتين،

(1) اختلفت ألفاظ الحديث كما اختلفت النسبة فتارة لذي اليدين وأخرى لذي الشمالين وثالثة ذكرا معا في رواية واحدة ورابعة للخرباق وخامسة لرجل من سليم وأخرى للسلمي، فذهب جمع من أصحاب الحديث والفقهاء إلى الاتحاد وآخرون إلى الاختلاف وقسم ذهب إلى رد الحديث أصلا لكثرة ألفاظه إضافة إلى اضطراب متنه فتارة القصة وقعت في صلاة العصر وأخرى العشاء وثالثة في إحدى صلاتي العشي، وهكذا القول في سجدتي السهو إلى آخره، ومنهم من رد الحديث أصلا وقال إنه مختلق لا أصل له لما يؤول القول به إلى لزوم سهو النبي (ص) وهو بحث كلامي طويل (ودون إثبات السهو عليه خرط القتاد) ولأجل التوسع في ذلك راجع. صحيح البخاري 1: 122 باب 88، و 1: 173 باب 68، و 2: 82 باب 4، 5، و 8: 20 باب 45، و 8: 170 باب 15، وصحيح مسلم 1: 403، 404، 405 الأحاديث 97 و 99 و 100 و 101 و 102، ومسند أحمد 2: 234، 423، 459، وسنن الدارمي 1: 351، 352، وموطأ مالك 1: 93، 94 حديث 58 و 59 و 60، وسنن ابن ماجة 1: 383، 384 حديث 1213 - 1215، وسنن النسائي 3: 20، 22، 23، 24، 25، 26، والأم 1: 123 - 126، والسنن الكبرى 2: 335 باب سجود السهو في الزيادة في الصلاة بعد التسليم وإرشاد الساري 2: 365 - 368، والبخاري بشرح الكرماني 4: 142، وعمدة القاري 4: 262 حديث 139، والفتح الرباني 3: 140 باب 3 من أبواب سجود السهو حديث 891، 892 و 148 باب 4 من سجود السهو حديث 893، وشرح صحيح مسلم للنووي 3: 240 - 247، والاستذكار 2: 220 باب ما يفعل من سلم من ركعتين حديث 174، والمنهل العذب 6: 126 - 135 باب السهو بين السجدتين.

[ 405 ]

وأسلم أبو هريرة بعد الهجرة بسبع سنين. فقال: من احتج بهذا الحديث إن هذا غلط، لأن الذي قتل يوم بدر هو ذو الشمالين، واسمه عبد بن عمرو بن فضله الخزاعي (1)، وذو اليدين عاش بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، ومات في أيام معاوية. قال: وقبره بذي خشب (2)، واسمه الخرباق. قالوا: والدليل عليه أن عمران بن الحصين (3) روى هذا الحديث وقال فيه: فقام الخرباق، فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ وقد قيل في الجواب عن هذا الاعتراض أنه روى الأوزاعي فقال: فقام ذو الشمالين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت، وذو الشمالين قتل يوم بدر لا محالة.

(1) في بعض النسخ عبد الله بن عمرو وفي البعض الآخر عبد بن عمرو، وقد عرفه أصحاب التراجم ب‍ عمير بن عمرو بن فضله بن عمرو بن غبشان بن سليم بن... بن خزاعة الخزاعي، أبو محمد (ذو اليدين)، وكان أبوه حليف بني زهره وتزوج ابنة عبد بن الحارث بن زهرة وولد له عمير وريطه وهاجر عمير إلى المدينة ونزل على سعد بن ختينه وآخا النبي (ص) بينه وبين يزيد بن الحارث بن فسحم وقتلا معا ببدر، قتل ذو الشمالين أبو أسامة الجشعمي وقتل يزيد بن الحارث نوفل الديلي، وكانت معركة بدر صبيحة الجمعة السابع عشر من رمضان الخير بعد ثمانية عشر شهرا من الهجرة النبوية وقيل إنه الخرباق السلمي. الإصابة 1: 422 و 3: 33، والسيرة النبوية 2: 337 و 364، والطبقات الكبرى 3: 167 و 534، ونهاية الإرب 17: 44، والروض الأنف 5: 298، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 240 - 247.
(2) خشب: كجنب بضم أوله وثانيه، جمع أخشب وهو الخشن الغليظ من الحبال، واد على مسيرة ليلة من المدينة إلى تبوك، فيه مسجد للنبي (ص) وقيل اسم جبل، وقيل اسم واد من أودية اليمامة، انظر معجم البلدان 3: 440، والسيرة النبوية 4: 175، وتاج العروس 1: 235.
(3) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن سالم بن غاضرة الخزاعي الكعبي، أبو نجيد - مصغرا - أسلم عام خيبر، روى عنه ابنه وأبو الأسود الدؤلي والعطاردي وغيرهم، اعتزل حرب الجمل ومات في البصرة سنة 52، وقيل 53، الإصابة 3: 27، والاستيعاب 3: 22، وأسد الغابة 4: 137، وتنقيح المقال 2: 350.

[ 406 ]

وروي في هذا الخبر أن ذا اليدين قال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: " كل ذلك لم يكن " (1). وروي أنه قال: " إنما سهوت لأبين لكم " وروي أنه قال: " لم أنس، ولم تقصر الصلاة " (2). وأما أصحابنا فقد رووا أن ذا اليدين كان يقال له ذو الشمالين، روي ذلك عن سعيد الأعرج (3). عن أبي عبد الله عليه السلام في هذه القصة (4). ومعتمدنا في المسألة على إجماع الفرقة على ما مضى. وروى عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم فقال: " يتم صلاته، ثم يسجد سجدتين " فقلت: سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعد التسليم؟ قال: " بعد " (5). وروى علي بن النعمان الرازي (6) قال: كنت مع أصحاب لي في سفر

(1) صحيح مسلم 1: 404 الحديث 99.
(2) مسند أحمد بن حنبل 2: 234، وصحيح البخاري 1: 123 و 2: 82 و 8: 20.
(3) سعيد بن عبد الرحمن - أو عبد الله - الأعرج السمان، أبو عبد الله التميمي من أصحاب الإمام الصادق (ع) كوفي له كتاب، وثقه أغلب من ترجم له. النجاشي. 137، ورجال الطوسي: 204، والفهرست: 77 وتنقيح المقال 2: 28.
(4) الكافي 3: 355 حديث 1 و 6، ومن لا يحضره الفقيه 1: 233، والتهذيب 2: 352 حديث 1461، 345 حديث 1433.
(5) الكافي 3: 356 حديث 4، والتهذيب 2 ; 191 حديث 755، والاستبصار 1: 378 حديث 1433.
(6) لم يترجمه أصحاب الرجال بأكثر من وقوعه في طريق الصدوق في هذه الرواية، واستظهر بعض الأعلام أنه الأعلم النخعي أبو الحسن مولاهم كوفي من أصحاب الإمام الرضا (ع) ثقة ثبت واضح الطريقة، له كتاب، رجال الطوسي: 383، الفهرست: 96، وروضة المتقين 14: 202، وتنقيح المقال 2: 313.

[ 407 ]

وأنا إمامهم فصليت بهم المغرب فسلمت في الركعتين الأولتين، فقال أصحابي إنما صليت بنا ركعتين فكلمتهم وكلموني، فقالوا: أما نحن فنعيد فقلت: ولكني لا أعيد وآتي بركعة، فأتممت بركعة، ثم سرنا، فأتيت أبا عبد الله عليه السلام، فذكرت له الذي كان من أمرنا فقال لي: " أنت كنت أصوب منهم، إنما يعيد من لا يدري ما صلى " (1). مسألة 155: النفخ في الصلاة إن كان بحرف واحد لا يبطل الصلاة، وكذلك التأوه والأنين. وإن كان بحرفين يبطلها، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: النفخ يبطلها وإن كان بحرف واحد، وأما التأوه فإنه يقول: (آه)، فيأتي بحرفين، نظرت فإن كان خوفا من الله تعالى مثل أن ذكر النار والعقاب لم يبطلها، وإن كان ذلك لألم يجده في نفسه بطلت (3). دليلنا على أن الحرف الواحد لا يبطل الصلاة: أنه لا دليل على ذلك فمن نقض الصلاة به فعليه الدليل. وأما القطع بحرفين فلأنه كلام لا يتعلق بالصلاة على جهة العمد، وقد قدمنا أن ذلك يفسد الصلاة (4). وأيضا فقد روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له الرجل ينفخ في الصلاة موضع جبهته، فقال: (لا) (5).

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 228 حديث 1011، والتهذيب 2: 181 حديث 726، والاستبصار 1: 371 حديث 1411.
(2) المجموع 4: 79 و 89، ومغني المحتاج 1: 195، وتبيين الحقائق 1: 156. (3) تبيين الحقائق للزيلعي 1: 155، والمجموع 4: 89.
(4) راجع المسألتين 84 و 154.
(5) الكافي 3: 334 حديث 8، والتهذيب 2: 302 حديث 1222، والاستبصار 1: 329 حديث 1235.

[ 408 ]

وما رواه إسحاق بن عمار عن رجل من بني عجلان (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المكان يكون عليه الغبار فأنفخه إذا أردت السجود، قال: " لا بأس " (2). فمحمول على أنه إذا كان بحرف واحد. وأما الأنين فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " من أن في صلاته فقد بطلت صلاته ". وروى (3) طلحة بن زيد (4) عن جعفر عن أبيه عن علي عليه الصلاة والسلام أنه قال: " من أن في صلاته فقد تكلم " (5). مسألة 156: من ترك القراءة ناسيا حتى ركع مضى في صلاته، ولم يكن عليه شئ، وبه قال الشافعي في القديم (6). وقال في الجديد: لا تسقط بالنسيان، فإن ذكر قبل الركوع قرأ، وإن لم يذكر إلا بعد الركوع أعاد الصلاة (7).

(1) كذا في النسخ المعتمدة وفي التهذيب والاستبصار (من بني عجل) وهم: بطن من بكر بن وائل، من العدنانية، وهم بنو عجل بن لخم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ومنازلهم من اليمامة إلى البصرة، وقيل إنها الجزيرة بالقرب من آل ربيعة. انظر نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب: 324 / 1268.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 177 حديث 838، والتهذيب 2: 302 حديث 1220، والاستبصار 1: 329 حديث 1234.
(3) في بعض النسخ زيادة كلمة " ذلك) ولعله من سهو القلم لأن الرواية الثانية نقلت في الكتب الحديثية عن طلحة بن زيد وليس له بالرواية السابقة أي ارتباط.
(4) طلحة بن زيد النهدي الشامي الجزري القرشي، أبو الخزرج، من أصحاب الإمام الباقر والصادق عليهما السلام له كتاب معتمد رجال النجاشي: 155، ورجال الطوسي: 126 و 221، والفهرست: 86.
(5) التهذيب 2: 330 حديث 1356، ورواها الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 232 ذيل الحديث 1029 مرسلا.
(6) المجموع 3: 332.
(7) المجموع 3: 332.

[ 409 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وروى منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها، قال: أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ قلت: بلى، قال: فقد تمت صلاتك إذا كان نسيانا (1). وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا نسي أن يقرأ في الأولى والثانية أجزأه تسبيح الركوع والسجود، وإن كانت الغداة فنسي أن يقرأ فيها فليمض في صلاته (2). ورووا عن عمر بن الخطاب أنه صلى المغرب فلم يقرأ، فلما فرغ قيل له في ذلك، فقال كيف كان الركوع والسجود قالوا حسنا، فقال: لا بأس إذن (3). قال الشافعي: وكان هذا منتشرا بينهم فلم ينكر عليه منكر، فثبت أنه إجماع. مسألة 157: من سبقه الحدث من بول، أو ريح، أو غير ذلك. لأصحابنا فيه روايتان: إحداهما وهي الأحوط: أنه تبطل صلاته، وبه قال الشافعي في الجديد، قال: ويتوضأ ويستأنف الصلاة (4)، وبه قال المسور بن مخرمة (5) وابن

(1) الكافي 3: 348 حديث 3، والتهذيب 2: 146 حديث 570، والاستبصار 1: 353 حديث 1336.
(2) التهذيب 2: 146 حديث 572، والاستبصار 1: 354 حديث 1338.
(3) المجموع 3: 332.
(4) المجموع 4: 75، ونيل الأوطار 2: 255.
(5) المسور - بكسر الميم وسكون السين - بن مخرمة الزهري أبو عبد الرحمن، عده الشيخ من أصحاب رسول الله وأصحاب أمير المؤمنين، ووصف بأنه رسوله إلى معاوية، وكان فقيها من أهل العلم ولم يزل مع خاله عبد الرحمن بن عوف في أمر الشورى وهواه مع علي بن أبي طالب مات سنة 64، أسد الغابة 4: 365. وتنقيح المقال 3: 217.

[ 410 ]

سيرين، والنخعي، والحسن بن صالح بن حي (1). والرواية الأخرى أنه يعيد الوضوء ويبني، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في القديم (2). وقال أبو حنيفة: إن كان الحدث الذي سبقه منيا بطلت صلاته، وإن كان دما فإن كان بغير فعله مثل أن شجه إنسان أو فصده بطلت صلاته، وإن كان بغير فعل إنسان كالرعاف لم تبطل صلاته (3). دليلنا: على الرواية الأولى: ما رواه أبو بكر الحضرمي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: " لا يقطع الصلاة إلا أربع: الخلاء، والبول، والريح، والصوت " (4). وروى الحسن بن الجهم (5) قال: سألته عن رجل صلى الظهر أو العصر، فأحدث حين جلس في الرابعة فقال: " إن كان قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فلا يعيد، وإن كان لم يتشهد قبل أن يحدث فليعد " (6). وروى عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حب القرع قال: " فليس عليه شئ ولم ينقض وضوؤه، وإن كان متلطخا بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء، وإن كان في صلاة قطع

(1) المجموع 4: 76.
(2) المجموع 4: 75، وكنز الدقائق: 17.
(3) المبسوط 1: 195.
(4) الكافي 3: 364 حديث 4، والتهذيب 2: 331 حديث 1362، والاستبصار 1: 400 حديث 1030.
(5) الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين الشيباني، جد أبو غالب الزراري، من أصحاب الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام، له كتاب وثقه أغلب من ترجم له. النجاشي: 40، ورجال الطوسي: 347، 373 وتنقيح المقال 1: 171.
(6) التهذيب 1: 205 حديث 596 و 2: 354 حديث 1467، والاستبصار 1: 401 حديث 1531.

[ 411 ]

الصلاة وأعاد الوضوء والصلاة " (1). وأما الرواية الأخرى فرواها الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام أكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا، فقال: " انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا فإن تكلمت ناسيا فلا بأس عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا " (2). وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام " في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه من السجدة الأخيرة، وقبل أن يتشهد قال: ينصرف ويتوضأ فإن شاء رجع إلى المسجد، وإن شاء ففي بيته، وإن شاء حيث شاء قعد فتشهد ثم يسلم وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته " (3). وقد رووا ما يطابق هذه الرواية عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا قاء أو رعف في صلاته أو أمذى فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى في صلاته ما لم يتكلم " (4). ومثل الرواية الأولى رووه عن النبي صلى الله عليه وآله رواه علي بن طلق (5) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا فسا أحدكم وهو في الصلاة

(1) التهذيب 1: 11 حديث 20، والاستبصار 1: 401 حديث 1532 و 1: 82 حديث 258 باختلاف يسير في اللفظ.
(2) التهذيب 2: 332 حديث 1370، والاستبصار 1: 401 حديث 1533، وفي من لا يحضره الفقيه 1: 240 حديث 1060 وللرواية في المصادر المشار إليها ذيل وهو قوله: " قلت وإن قلب وجهه عن القبلة، قال: نعم وإن قلب وجهه عن القبلة ".
(3) الكافي 3: 347 حديث 2، والتهذيب 2: 318 حديث 1300، والاستبصار 1: 402 حديث 1535.
(4) سنن ابن ماجة 1: 385 حديث 1221 وفيه عن عائشة قالت: قال رسول الله (ص): من أصابه قئ أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف، فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم. وقريب منه في السنن الكبرى للبيهقي 2: 255 باب من قال يبني من سبقه الحدث على ما مضى من صلاته.
(5) علي بن طلق بن المنذر بن قيس الحنفي، روى عن رسول الله حديثا واحدا، وروى عنه مسلم بن =

[ 412 ]

فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة " (1). ورووا عنه عليه السلام أنه قال: " إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة فيقول أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " (2). قالوا: وهذا قد وجد ريحا. والذي أعمل عليه وأفتي به الرواية الأولى فإن الصلاة ثابتة في ذمته بيقين ولا تبرء ذمته بيقين إلا إذا أعاد الصلاة من أولها لأنه إذا بنى فليس على صحة ذلك دليل لأن فيه خلافا. مسألة 158: إذا سبقه الحدث، فخرج ليعيد الوضوء، فبال أو أحدث متعمدا لا يبني إذا قلنا بالبناء على الرواية الأخرى (3)، وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي على قوله القديم الذي قال بالبناء: إنه يبني، قال: لأن هذا الحدث طرأ على حدث فلم يكن له حكم (5). دليلنا: طريقة الاحتياط، وما قدمناه من الأخبار من أنه إذا أحدث أعاد الصلاة عامة، وإنما أخرجنا الرواية الأخرى بدليل (6).

= سلام، أسد الغابة 4: 40، وتهذيب التهذيب 7: 341. (1) سنن أبي داود 1: 53 حديث 205 باب من يحدث في الصلاة، وقريب منه ما في سنن الترمذي 3: 468 و 469 حديث 1164 و 1166.
(2) انظر صحيح البخاري 1: 45 و 54 و 3: 67، وصحيح مسلم 1: 276 حديث 98 و 99، وسنن الترمذي 1: 109 حديث 75، وسنن أبي داود 1: 45 حديث 176 و 177، وسنن النسائي 1: 98 ومجمع الزوائد 1: 242 و 243، ومسند أحمد 2: 330 و 414، و 3: 12 و 37 و 51 و 53 و 4: 40 و 54 و 96. وفي الجميع ذيل الحديث من دون صدره.
(3) القائلة بالبناء على مورد القطع.
(4) المبسوط 1: 187، وبدائع الصنائع 1: 220، واللباب 1: 86.
(5) المجموع 4: 74.
(6) في المسألة المتقدمة " 157 ".

[ 413 ]

مسألة 159: روي أن شرب الماء في النافلة لا بأس به، فأما الفريضة فلا يجوز أن يأكل فيها ولا أن يشرب، وبهذا التفصيل قال سعيد بن جبير، وطاووس (1). وقال الشافعي: لا يجوز ذلك لا في نافلة، ولا في فريضة (2). دليلنا: إن الأصل الإباحة فمن منع فعليه الدليل، وإنما منعنا في الفريضة بدلالة الإجماع. وأيضا روى سعيد الأعرج قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إني أبيت وأريد الصوم فأكون في الوتر فأعطش فأكره أن أقطع الدعاء فأشرب وأكره أن أصبح وأنا عطشان وأمامي قلة بيني وبينها خطوتان أو ثلاثة، قال: " تسعى إليها وتشرب منها حاجتك وتعود في الدعاء " (3). مسألة 160: إذا أدرك مع الإمام ركعتين أو ركعة في الظهر أو العصر أو العشاء الآخرة، كان ما أدركه معه أول صلاته يقرأ فيها بالحمد وسورة، ويقضي آخر صلاته يقرأ الحمد أو يسبح على ما بيناه في التخيير، وبه قال في الصحابة علي عليه الصلاة والسلام، وعمر، وأبو قتادة (4)، وفي التابعين ابن المسيب، والحسن البصري، والزهري، وفي الفقهاء الشافعي، والأوزاعي،

(1) المجموع 4: 90.
(2) المجموع 4: 90.
(3) التهذيب 2: 329 حديث 1354، وفي من لا يحضره الفقيه 1: 313 حديث 1424 باختلاف يسير.
(4) أبو قتادة بن ربعي بن بلدهة - وقيل بلدمة - بن خناس الأنصاري الخزرجي، واختلف في اسمه فقيل النعمان وعمرو، والمشهور أنه الحارث، شهد أحدا وما بعدها، روى عن النبي ومعاذ، وروى عنه أنس وجابر وعبد الله بن رباح وعطاء بن يسار وغيرهم، ولي مكة المكرمة لأمير المؤمنين قبل قثم بن العباس وشهد مع أمير المؤمنين حروبه، عده الشيخ الطوسي من أصحاب رسول الله وأمير المؤمنين عليه السلام. رجال الطوسي 16 و 63، وتنقيح المقال 1: 244، والإصابة 4: 157، وأسد الغابة 5: 274.

[ 414 ]

ومحمد، وإسحاق (1). وذهب قوم إلى أن ما أدركه آخر صلاة المأموم، فإذا فرغ إمامه قام فقضى أول صلاته نفسه، ذهب إليه في الصحابة ابن عمر، وإليه ذهب مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف (2). وقال أبو حنيفة تفصيلا لا يعرف للباقين: وهو أنه قال: هو أول صلاته فعلا، وآخرها حكما، فإنه يبتدئ بأول الصلاة فعلا (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا أدرك الرجل بعض الصلاة وفاته بعض خلف إمام يحتسب بالصلاة خلفه، جعل أول ما أدركه أول صلاته، وإن أدرك من الظهر أو العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان قرأ في كل ركعة مما أدرك خلف الإمام في نفسه بأم الكتاب وسورة، فإن لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب، فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين لا يقرأ فيهما لأن الصلاة إنما يقرأ فيها في الأولتين في كل ركعة بأم الكتاب وسورة وفي الأخيرتين لا يقرأ فيهما، إنما هو تسبيح وتكبير وتهليل ودعاء ليس فيهما قراءة، وإذا أدرك ركعة قرأ فيها خلف الإمام، فإذا سلم الإمام قام فقرأ أم الكتاب وسورة ثم قعد فتشهد ثم قام فصلى ركعتين ليس فيهما قراءة " (4). وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، إئتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة فما أدركتم

(1) سنن أبي داود 1: 402، والمجموع 4: 220، والمنهل العذب 4: 273.
(2) المجموع 4: 220، والمنهل العذب 4: 273، وممن قال به أحمد بن حنبل انظر الروض المربع 1: 71.
(3) رحمة الأمة في اختلاف الأئمة المطبوع مع الميزان 1: 67.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 256 حديث 1162، والتهذيب 3: 45 حديث 158، والاستبصار 1: 436 حديث 1683.

[ 415 ]

فصلوا، وما فاتكم فأتموا " (1). وحقيقة الإتمام إكمال ما تلبس به، وإنما يحمل على الابتداء مجازا. ويدل على ذلك أنه إذا أخذ أحد في كتابة كتاب يقال له تمم، وكذلك من تلبس بقراءة سورة وغير ذلك فمن قال عليه أن يقضي ما فاته فقد ترك الخبر. مسألة 161: إذا صلى لنفسه منفردا، أو في جماعة، جاز أن يصليها معهم دفعة ثانية وتكون الأولى فرضا، والثانية تكون نفلا، ويجوز أن ينوي بها قضاء ما فاته، وأية صلاة كانت ظهرا أو عصرا أو مغربا أو عشاء آخرة، أو صبحا لا يختلف الحكم فيه، وبه قال في الصحابة علي عليه الصلاة السلام، وحذيفة، وأنس، وفي التابعين سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والزهري، وفي الفقهاء الشافعي، وأحمد بن حنبل (2)، إلا أن الصحابة وأحمد قالوا: إن لم يكن مغربا أعادها على الوجه وإن كانت مغربا يشفعها فيصليها أربعا " (3). وفي أصحاب الشافعي من قال: إن كان صلاها فرادى أعادها أية صلاة كانت، وإن كان صلاها جماعة أعادها إلا العصر والصبح (4). ومن أصحابه من قال: إن كان صلاها جماعة لا يعيدها أصلا وإعادتها ليدرك فضيلة الجماعة، وقد أدرك فلا معنى للإعادة (5).

(1) صحيح البخاري 1: 163، 164، و 2: 9، وصحيح مسلم 1: 420 حديث 151 و 421 حديث 152 و 153 و 154 و 155، وسنن الترمذي 2: 148 حديث 327، وسنن النسائي 2: 114 باب السعي إلى الصلاة، وسنن ابن ماجة 1: 255 حديث 775، وموطأ مالك 1: 68 حديث 4 وسنن أبي داود 1: 156 حديث 572 وبلفظ آخر يؤيده حديث 573، ومسند أحمد بن حنبل 2: 237 و 238 و 239 و 270 و 282 و 318 و 382 و 386 و 387 و 427 و 452 و 460 و 472 و 489 و 529 و 532، و 5: 306، هذا وفي البعض زيادة ونقيصة غير مخلة بالمطلوب.
(2) المجموع 4: 225، وبداية المجتهد 1: 137.
(3) المجموع 4: 225.
(4) المجموع 4: 222.
(5) المجموع 4: 223.

[ 416 ]

وذهبت طائفة إلى أنه يصليها بكل حال إلا المغرب، ذهب إليه في الصحابة، ابن مسعود، وفي الفقهاء مالك والأوزاعي والثوري (1). وقال الحكم: يعيدها كلها إلا الصبح. وقال النخعي: يعيدها كلها إلا العصر والصبح (2)، مثل ما قال بعض أصحاب الشافعي. وقال أبو حنيفة: يعيدها كلها إلا العصر والمغرب والصبح (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأخبار التي وردت بفضل الجماعة والحث عليها عامة في جميع الصلوات. وأيضا روى يزيد بن الأسود (4) قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما سلم، فإذا هو برجلين في ناحية المسجد لم يصليا، فأرسل إليهما فجئ بهما وهما ترتعد فرائصهما، فقال لهما " ما منعكما أن تصليا معنا " فقالا: كنا صلينا في رحالنا، فكرهنا أن نعيدها، فقال: " لا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الناس يصلون فليصل معهم، تكون صلاته الأولى فرضا، وصلاته معهم تطوعا " (5).

(1) المجموع 4: 225، وبداية المجتهد 1: 137، والمحلى 2: 258.
(2) قال النووي في المجموع 4: 225 وقال النخعي: يعيدها كلها إلا الصبح والمغرب.
(3) المحلى 2: 264، وبداية المجتهد 1: 137 وفيه: " إلا العصر والمغرب " المجموع 4: 225.
(4) يزيد بن الأسود - ويقال: ابن أبي الأسود - السواءي العامري، من بني سواة بن عامر، أبو حاجزة، حليف قريش، شهد حنينا مع المشركين، ثم أسلم، روى عن النبي، وروى عنه ابنه جابر الإصابة 4: 614، وأسد الغابة 5: 103، والاستيعاب 4: 618، وطبقات ابن سعد 5: 387.
(5) سنن النسائي 2: 112، سنن الترمذي 1: 424، مسند أحمد بن حنبل 4: 160 و 161، المستدرك للحاكم 1: 244، طبقات ابن سعد 5: 378، سنن أبي داود 1: 157 حديث 575، والاستيعاب 4: 618.

[ 417 ]

وفية دليلان أحدهما: إنه أمرهما بإعادة صلاة الصبح فإنهما كانا صليا الصبح، وهذا نص في موضع الخلاف. والثاني، أنه قال: " إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الناس يصلون فليصل معهم " فعم ولم يخص. وروى عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي الفريضة ثم يجد قوما يصلون جماعة أيجوز أن يعيد الصلاة معهم قال: " نعم وهو أفضل " (1). مسائل العاجز في بعض أفعال الصلاة مسألة 162: من لم يقدر أن يركع في الصلاة لعلة بظهره، وقدر على القيام وجب عليه أن يصلي قائما، وهو مذهب الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إذا قدر على القيام وعجز عن الركوع كان بالخيار بين أن يصلي جالسا أو قائما (3). دليلنا: إنه لا خلاف إذا صلى من هذه صفته قائما في أن صلاته ماضية، وليس على قول من قال إذا صلى جالسا أنه تصح صلاته دليل. وروى عمران بن الحصين قال: كان بي بواسير (وفي بعضها نواصير) فسألت النبي صلى الله عليه وآله فقال: صل قائما فإن لم تستطع فجالسا، فإن لم

(1) التهذيب 3: 50 الحديث 175. وللحديث تتمة لفظها: (قلت: فإن لم يفعل؟ قال: ليس به بأس). وبهذا المعنى روايات عديدة رواها الشيخ الكليني في الكافي 3: 379 والصدوق في الفقيه 1: 251، والمصنف في التهذيب 3: 279 فلاحظ.
(2) الأم 1: 81، والمجموع 4: 313.
(3) الهداية 1: 77، والمبسوط 1: 213 وشرح فتح القدير 1: 277، والمجموع 4: 313.

[ 418 ]

تستطع فعلى جنب (1) - وفي بعضها فعلى جنبك - وهذا مستطيع للقيام فلا يجوز له الجلوس. وقوله تعالى " وقوموا لله قانتين " (2) يدل على ذلك فأمره بالقيام، وأمره يدل على الوجوب، وروايات أصحابنا أكثر من أن تحصى في هذا المعنى (3). مسألة 163: إذا صلى جالسا لعلة لا يقدر معها على القيام، الأفضل أن يصلي متربعا، وإن افترش جاز. وقال الشافعي: في موضع يجلس متربعا، ويجلس للتشهد على العادة (4)، وبه قال ابن عمر وابن عباس وأنس والثوري وأحمد (5). وقال في موضع آخر: يجلس مفترشا، وبه قال ابن مسعود (6). دليلنا: إجماع الفرقة، فإن أخبارهم في هذا المعني متكافئة فلا ترجيح لبعضها على بعض، وقد أوردناها في الكتابين المقدم ذكرهما (7). مسألة 164: العاجز من السجود إذا رفع إليه شئ يسجد عليه كان ذلك جائزا، وقال الشافعي: لا يجوز (8).

(1) صحيح البخاري 2: 57، وسنن الترمذي 2: 208 حديث 372، ومسند أحمد بن حنبل 4: 426، وسنن أبي داود 1: 250 حديث 952، وسنن ابن ماجة 1: 386 حديث 1223 باختلاف يسير في اللفظ.
(2) البقرة: 238.
(3) انظر على سبيل المثال لا الحصر الكافي 3: 411 حديث 11 و 12، والتهذيب 2: 169 حديث 671 و 672 وغيرها.
(4) الأم 1: 80، والمجموع 4: 309.
(5) المجموع 4: 311.
(6) قال النووي في المجموع 4: 309 وهي رواية المزني وغيره وبه قال أبو حنيفة وزفر.
(7) انظر على سبيل المثال الكافي 3: 410 (باب صلاه الشيخ الكبير والمريض) ومن لا يحضره الفقيه 1: 238 حديث 1049 و 1050، والتهذيب 2: 170 حديث 678، و 171 حديث 679، وغيرها.
(8) الأم 1: 81.

[ 419 ]

دليلنا: قوله تعالى " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (1). وروى أبو بصير قال: سألته عن المريض هل تمسك له المرأة شيئا يسجد عليه، فقال: لا إلا أن يكون مضطرا ليس عنده غيرها، وليس شئ مما حرم الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه (2). وروى زرارة (3) قال: سألته عن المريض (4)، قال: يسجد على الأرض أو على مروحة، أو على سواك يرفعه هو أفضل من الإيماء، إنما كره من كره السجود على المروحة من أجل الأوثان التي كانت تعبد من دون الله، وإنا لم نعبد غير الله قط، فاسجد على المروحة أو على سواك أو على عود (5). مسألة 165: إذا لم يقدر على السجود على جبهته، وقدر على السجود على أحد قرنيه (6) أو على ذقنه سجد عليه. وقال الشافعي: لا يسجد عليه بل يقرب وجهه من الأرض بقدر ما يمكنه (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا هو مأمور بالسجود، ولا يتيقن أدائه بمقاربة الأرض. وأيضا سئل أبو عبد الله عليه السلام عمن بجبهته علة لا يقدر على السجود عليها؟ قال: يضع ذقنه على الأرض، إن الله عز وجل يقول " يخرون للأذقان

(1) الحج: 78.
(2) التهذيب 3: 177 حديث 397.
(3) زاد في التهذيب والفقيه عن أبي جعفر عليه السلام.
(4) في الفقيه زيادة لفظها: " كيف يسجد؟ ".
(5) من لا يحضره الفقيه 1: 236 حديث 1039 والتهذيب 3: 177 حديث 398 (6) القرن: جانبي الرأس وحده. (لسان العرب 17: 209) مادة قرن.
(7) الأم 1: 81، والمجموع 4: 312.

[ 420 ]

سجدا " (1) (2). مسألة 166: إذا صلى جالسا فقدر على القيام في أثناء الصلاة لم تبطل صلاته، وبه قال الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف (3). وقال محمد: تبطل صلاته بناه على أصل أبي حنيفة في العريان، إذا قدر على الستر في حال الصلاة، فإنه تبطل صلاته عنده (4). دليلنا: إنا بينا أنه يجوز له الصلاة من جلوس مع العجز، فإذا زال ذلك وجب عليه القيام، لأنه مأمور في الأصل، وأما استئناف الصلاة فيحتاج إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 167: من عجز عن القيام وعن الجلوس، صلى مضطجعا على جانبه الأيمن، وبه قال عمر بن الخطاب، وأبو حنيفة، والشافعي (5). ومن أصحاب الشافعي من قال: يستلقي على ظهره وتكون رجلاه تجاه القبلة (6). وعن ابن عمر، والثوري روايتان (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " (8) قال المفسرون: أراد به الصلاة في حال المرض (9)، وخبر

(1) الاسراء. 107.
(2) الكافي 3: 334 حديث 6، والتهذيب 2: 86 حديث 318.
(3) الأم 1: 81، والأصل 1: 223، والهداية 1: 77، والمجموع 4: 318، وعمدة القاري 7: 162، وشرح فتح القدير 1: 377.
(4) الأصل 1: 223، والمجموع 4: 321.
(5) الأم 1: 81، والأصل 1: 224، والمجموع 4: 316.
(6) المجموع 4: 317.
(7) قال النووي في المجموع 4: 317 وحكى جماعة الوجهين الأولين.
(8) آل عمران: 191.
(9) التبيان 3: 81، والتفسير الكبير 9: 136، وتفسير القرطبي 4: 311.

[ 421 ]

عمران بن الحصين المتقدم (1) يدل عليه، لأنه قال: " إن لم تستطع جالسا فعلى جنبك " وروايات أصحابنا لا يختلف فيه (2). مسألة 168: إذا تلبس بالصلاة مضطجعا ثم قدر على الجلوس أو على القيام انتقل إلى ما يقدر عليه وبنى صلاته، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة وصاحباه: أنه إذا قدر على القيام أو على الجلوس بطلت صلاته (4)، ووافقنا أبو حنيفة في الجالس إذا قدر على القيام (5). دليلنا: ما قدمناه في المسألة التي تقدمت (6) من أن استئناف الصلاة يحتاج إلى دليل شرعي وليس في الشرع ما يدل على ذلك. والأخبار التي تقدمت (7) في جواز صلاة من ذكرناه ليس في شئ منها أنه يجب عليه الاستئناف. مسألة 169: من كان به رمد، فقال أهل المعرفة بالطب: إن صليت قائما زاد في مرضك وإن صليت مستلقيا رجونا أن تبرء، جاز أن يصلي مستلقيا، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي (8). وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز ذلك (9).

(1) انظر المسألة " 162 " الهامش الثاني.
(2) انظر على سبيل المثال الكافي 3: 410 باب صلاة الشيخ الكبير والمريض، ومن لا يحضره الفقيه 1: 235 باب 50 " صلاة المريض والمغمى عليه والضعيف والمبطون والشيخ الكبير وغير ذلك "، والتهذيب 2: 169 حديث 672 و 3: 175 و 176 و 306 الأحاديث 392 و 396 و 944.
(3) الأم 1: 81، والمجموع 4: 321.
(4) المجموع 4: 321.
(5) المجموع 4: 321.
(6) انظر المسألة 166.
(7) انظر الهامش الثاني من المسألة 167.
(8) الأصل 1: 219، والمجموع 4: 314.
(9) مختصر العلامة خليل: 32، والمجموع 4: 314.

[ 422 ]

دليلنا: قوله تعالى " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (1). وأيضا روى سماعة بن مهران قال: سألته عن الرجل يكون في عينيه الماء، فينزع الماء منها، فيستلقي على ظهره الأيام الكثيرة، أربعين يوما أقل أو أكثر فيمتنع من الصلاة إلا إيماء وهو على حال فقال: " لا بأس بذلك، وليس شئ مما حرم الله تعالى إلا وقد أحله لمن اضطر إليه " (2). مسألة 170: إذا قرأ المصلي آية رحمة، يستحب له أن يسأل الله تعالى، أو آية عذاب أن يستعيذ به، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: يكره ذلك لأنه موضع قراءة (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وقوله تعالى " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن " (5) وقوله: " ادعوني استجب لكم " (6) ولم يستثن حالا دون حال. ورواياتنا في ذلك أكثر من أن تحصى. وروى حذيفة بن اليمان قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله فقرأ سورة البقرة، فما مر بآية رحمة إلا سألها الله، ولا بآية عذاب إلا استعاذ منها، ثم قرأ سورة آل عمران، وسورة النساء، وفعل مثل ذلك. فهممت بأمر سوء فقيل له: ما هو؟ قال: أردت أن أقطع الصلاة (7)، وهذا نص.

(1) الحج: 78.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 235 حديث 1035، والتهذيب 3: 306 حديث 945.
(3) المجموع 4: 66، وفتح العزيز 3: 360.
(4) المجموع 4: 67، وشرح فتح القدير 1: 241، وشرح العناية 1: 241.
(5) الاسراء: 110.
(6) غافر: 60.
(7) روى الحديث كل من مسلم في صحيحه 1: 536 الحديث 203 والبيهقي في سننه 2: 309 وأحمد بن حنبل في مسنده 5: 384 و 397 والنووي في المجموع 4: 66 والشوكاني في نيل الأوطار مع اختلاف بسيط باللفظ والسند فلا حظ.

[ 423 ]

مسألة 171: لا يجوز للرجل أن يصلي وامرأة تصلي إلى جانبه أو قدامه، فإن صلت خلفه جاز، وإن كانت قاعدة بين يديه أو بجنبه لا تصلي جازت صلاته أيضا، ومتى صلى وصلت إلى جانبه أو قدامه بطلت صلاتهما معا، اشتركا في الصلاة أو اختلفا. وقال الشافعي: ذلك مكروه ولا تبطل الصلاة (1). واختاره المرتضى من أصحابنا (2). وقال أبو حنيفة: ينظر، فإن وقفت إلى جانبه أو أمامه ولم تكن المرأة في الصلاة، أو كانا في الصلاة لكن لم يشتركا فيها لا تبطل صلاة واحد منهما، واشتراكهما في الصلاة عنده أن ينوي الإمام إمامتهما (3). وإن كانا في صلاة يشتركان فيها نظرت، فإن وقفت بين رجلين بطلت صلاة من إلى جانبيها ولم تبطل صلاة من إلى جانبيهما لأنهما حجزا بينهما وبينه. وإن وقفت إلى جانب الإمام بطلت صلاة الإمام، فإذا بطلت صلاته بطلت صلاتها وصلاة كل الجماعة، لأن عنده أن صلاة الجماعة تبطل ببطلان صلاة الإمام. قال: فإن صلت أمام الرجال بطلت صلاة من يحاذيها من ورائها ولم تبطل صلاة من يحاذي من يحاذيها (4) وهذه المسألة يسمونها مسألة المحاذاة. أللهم إلا أن يكون الصف الأول نساء كله، فإنه يبطل صلاة أهل الصف الأول، والقياس أن لا تبطل صلاة أهل الصف الثاني والثالث لكن صلاة أهل الصفوف كلها تبطل استحسانا.

(1) الأم 1: 170، والوجيز 1: 56، والهداية 1: 57، والمبسوط 1: 183.
(2) نسب العلامة الحلي في المختلف: 85 ذلك إلى السيد المرتضى في كتابه المصباح.
(3) المبسوط 1: 185، واللباب 1: 83.
(4) انظر المبسوط 1: 184.

[ 424 ]

وتحقيق الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي، أنه إذا خالف سنة الموقف فعند الشافعي لا تبطل الصلاة (1) وعند أبي حنيفة تبطلها (2)، وعند الشافعي أن المخالفة منهما (3) وعند أبي حنيفة من الرجل دونها (4) فلهذا بطلت صلاته دونها. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الذمة مشغولة بالصلاة، فلا تبرأ إلا بيقين، وإذا صليا على هذا الوجه فلا تبرأ بيقين. وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل والمرأة يصليان جميعا في بيت المرأة عن يمين الرجل بحذاه؟ قال: " لا، حتى يكون بينهما شبر أو ذراع أو نحوه " (5). وروى عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال إنه سئل عن الرجل له أن يصلي وبين يديه امرأة تصلي؟ قال: " لا يصلي حتى يجعل بينه وبينها أكثر من عشرة أذرع، وإن كانت عن يمينه أو عن يساره جعل بينه وبينها مثل ذلك، فإن كانت تصلي خلفه فلا بأس وإن كانت تصيب ثوبه، وإن كانت المرأة قاعدة أو نائمة أو قائمة في غير الصلاة فلا بأس حيث كانت " (6). وروى مثل ذلك جماعة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (7).

(1) المبسوط 1: 183.
(2) المبسوط 1: 183، وعمدة القاري 5: 261، واللباب 1: 83.
(3) المبسوط 1: 183.
(4) اللباب 1: 83، والمبسوط 1: 183.
(5) الكافي 3: 298 حديث 3، والتهذيب 2: 231 حديث 908، والاستبصار 1: 399 حديث 1523.
(6) التهذيب 2: 231 حديث 911، والاستبصار 1: 399 حديث 1526 وفيه (إمراته) بدل " امرأة ".
(7) الكافي 3: 298، والتهذيب 2: 230 عند قول الشيخ (قدس) قال الشيخ رحمه الله " ولا يجوز للرجل أن يصلي وامرأة تصلي إلى جانبه... "، والاستبصار 1: 398 باب 240 " الرجل يصلي والمرأة تصلي بحذاه ".

[ 425 ]

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " أخروهن من حيث أخرهن الله " (1). فأمر بتأخيرهن، فمن خالف ذلك وجب أن تبطل صلاته. مسألة 172: إذا أحرمت المرأة خلف الرجل صح إحرامها وإن لم ينو الإمام إمامتها وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: لا يصح اقتداؤها بالإمام إلا أن ينوي الإمام إمامتها (3). دليلنا: قوله عليه السلام: " إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به " (4) ولم يشترط نية الإمام فيه. وأيضا الأصل جوازه، وشرط ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 173: سجود التلاوة في جميع القرآن مسنون مستحب إلا أربع مواضع فإنها فرض وهي: سجدة لقمان، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك، وما عداه فمندوب للقارئ والمستمع. وقال الشافعي: الكل مسنون (5) وبه قال عمر، وابن عباس، ومالك، والأوزاعي (6). وقال أبو حنيفة: الكل واجب على القاري والمستمع (7).

(1) عمدة القاري 5: 261، وعبد الرزاق في مصنفه 149، وشرح فتح القدير 1: 253 و 255 عن ابن مسعود ومثله في نيل الأوطار 3: 220، والهداية 1: 56.
(2) الهداية 1: 57، وشرح فتح القدير 1: 255.
(3) المبسوط 1: 185.
(4) سنن ابن ماجة 1: 276 الحديث 846، وصحيح البخاري 1: 101 و 177 و 2: 56، وصحيح مسلم 1: 308 الحديث 411 و 311 الحديث 417، وسنن أبي داود 1: 164 الحديث 603، وسنن النسائي 2: 97 ومسند أحمد بن حنبل 2: 314 و 420. ولفظ الحديث في المصادر أعلاه " إنما جعل الإمام ليؤتم به " فلاحظ.
(5) الأم 1: 136، والمجموع 4: 61، والمغني لابن قدامة 1: 624، وإرشاد الساري 2: 281.
(6) المجموع 4: 61، ومقدمات ابن رشد 1: 140، والمغني لابن قدامة 1: 624. (7) إرشاد الساري 2: 281، والمجموع 4: 61، ومقدمات ابن رشد 1: 140 والمغني لابن قدامة 1: 624

[ 426 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأيضا فالأربعة مواضع التي ذكرناها تتضمن الأمر بالسجود، وذلك يقتضي الوجوب، وما عداها ليس في ظاهرها أمر به، والأصل براءة الذمة. وروي عن علي عليه السلام أنه قال: " عزائم السجود أربع " (1) وقوله: " عزائم " عبارة عن الواجب. وروى أبو بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا قرئ شئ من العزائم الأربع فسمعتها فاسجد وإن كنت على غير وضوء، وإن كنت جنبا، وإن كانت المرأة لا تصلي، وسائر القرآن أنت فيه بالخيار إن شئت سجدت وإن شئت لم تسجد " (2). مسألة 174: لا يجوز قراءة العزائم الأربع في الفرائض، وخالف جميع الفقهاء في ذلك (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا، الذمة مشغولة بالصلاة بيقين، ولا تبرأ إلا بيقين مثله، وهو أن يقرأ غير العزائم. وروى زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: " لا يقرأ في المكتوبة شئ من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة " (4). وروى سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تقرأ اقرأ باسم ربك في الفريضة واقرأ في التطوع " (5).

(1) كنز العمال 8: 146 حديث 22317، ورواه عبد الرزاق في مصنفه 3: 336 حديث 5863 بلفظ " العزائم أربع " وابن رشد في مقدماته 1: 139 بقوله روي عن علي بن أبي طالب (ع) أنه قال عزائم السجود أربع.
(2) الكافي 3: 318 حديث 2، والتهذيب 2: 291 حديث 1171.
(3) عمدة القاري 7: 112.
(4) الكافي 3: 318 الحديث 6، والتهذيب 2: 96 الحديث 361.
(5) التهذيب 2: 292 الحديث 1174، والاستبصار 1: 320 الحديث 1191 باختلاف يسير.

[ 427 ]

مسألة 175: من لا يحسن القرآن ظاهرا، جاز له أن يقرأ في المصحف، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: ذلك يبطل الصلاة (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا قوله تعالى: " فاقرؤا ما تيسر من القرآن (3) وقوله: " فاقرؤا ما تيسر منه " (4) ولم يفرق. مسألة 176: سجدات القرآن خمسة عشر موضعا أربعة منها فرض على ما قلناه: تفصيلها: أولها في آخر الأعراف، وفي الرعد، وفي النحل، وفي بني إسرائيل، وفي مريم وفي الحج سجدتان، وفي الفرقان " وزادهم نفورا "، وفي النمل، وفي ألم تنزيل، وفي ص، وفي حم السجدة، وفي النجم، وفي انشقت، وفي آخر اقرأ باسم ربك، وقد بينا الفرض منها، وبه قال أبو إسحاق وأبو العباس بن سريح (5). وقال الشافعي في الجديد: سجود القرآن أربعة عشر كلها مسنونة وخالف في " ص " وقال إنه سجود شكر لا يجوز فعله في الصلاة (6). وقال في القديم: أحد عشر سجدة فأسقط سجدات المفصل وهي: سجدة النجم، وانشت، واقرأ باسم ربك، وبه قال ابن عباس وأبي بن كعب وزيد ابن ثابت وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري ومجاهد ومالك (7).

(1) شرح فتح القدير 1: 286. (2) الهداية: 62، وشرح فتح القدير 1: 285. (3 و 4) المزمل: 20.
(5) المجموع 4: 62، وإرشاد الساري 2: 281، وعمدة القاري 7: 96.
(6) المجموع 4: 62، وإرشاد الساري 2: 281، ومقدمات ابن رشد 1: 119، وعمدة القاري 7: 96، والمغني لابن قدامة 1: 617.
(7) المدونة الكبرى 1: 109، ومقدمات ابن رشد 1: 139، والمغني لابن قدامه 1: 617 والمجموع 4: 62 =

[ 428 ]

وقال أبو حنيفة: أربعة عشر سجدة فاسقط الثانية في الحج وأثبت سجدة " ص " (1). وروي عن علي عليه السلام أنه قال: عزائم السجود أربع (2) في المواضع التي ذكرناها وهذا لا ينافي ما قدمنا ذكره عن أصحابنا لأن العزائم أراد بها الفرائض. دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك وأيضا فإنه إجماع الأمة إلا في الموضعين في " ص " وفي الثانية من الحج ونحن ندل على ذلك. ويدل على المواضع كلها قوله: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا (3) فأمر بالسجود فينبغي أن يكون محمولا على عمومه وعلى الوجوب إلا ما أخرجه الديل. وروى عقبة بن عامر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله في الحج سجدتان فقال: نعم من لم يسجدهما فلا يقرأهما وهذا نص (4). وروي عن عمرو بن العاص قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله خمس عشرة سجدة ثلاث في المفصل وسجدتان في الحج (5).

وعمدة القاري 7: 96، وإرشاد الساري 2: 281. (1) عمدة القاري 7: 96، وإرشاد الساري 2: 281، والمجموع 4: 62، ومقدمات ابن رشد 1: 139، والمغني لابن قدامة 1: 616.
(2) المصنف لعبد الرزاق 3: 336 حديث 5863 بلفظ (العزائم أربع)، وكنز العمال 8: 146 حديث 22317، صدر الحديث، ومقدمات ابن رشد 1: 139.
(3) الحج: 77.
(4) سنن الترمذي 2: 470 حديث 578، وسنن أبي داود 2: 58 حديث 1402، وسنن الدار قطني 1: 48 حديث 9، ومسند أحمد 4: 151، والسنن الكبرى 2: 317، والمستدرك 1: 221 وبلوغ الأماني 4: 180 حديث 915.
(5) سنن ابن ماجة 1: 355 حديث 1057، وسنن أبي داود 2: 58 حديث 1401. وسنن الدار قطني =

[ 429 ]

فأما سجدة " ص " فقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله سجد في ص (1) وقرأ أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده (2)، (3) يعني هدى الله داود وأمر النبي صلى الله عليه وآله أن يقتدي به. وروي عن أبي سعيد الخدري قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله على المنبر " ص " فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان في الجمعة الثانية قرأها فتشرف الناس للسجود فنزل وسجد وسجد الناس معه وقال: " لم أرد أن أسجدها فإنها توبة نبي وإنما سجدت لأني رأيتكم تشرفتم للسجود " (4). وتشرفتم أي تهيأتم، وقوله: لم أرد أن أسجد يدل على أنه ليس بواجب على ما قدمنا القول فيه. مسألة 177: موضع السجود في حم السجدة عند قوله: " واسجدوا الله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون " (5) وبه قال عمر (6)، ومالك، والليث بن

1: 408 حديث 8، والسنن الكبرى 2: 314، 316، والمستدرك 1: 223. (1) صحيح البخاري 2: 49، وسنن النسائي 2: 159، وسنن أبي داود 2: 59 حديث 1409، وسنن الترمذي 2: 469 حديث 577، ومسند أحمد 1: 279، 360، والمصنف لعبد الرزاق 3: 337 حديث 5865، 5866، وسنن الدارمي 1: 342 ذيل الحديث، وبلوغ الأماني 4: 180 حديث 916، 917 والسنن الكبرى 2: 318.
(2) الأنعام: 90.
(3) إن الظاهر من السياق نسبة ذلك إلى النبي (ص)، ولكن عبد الرزاق روى في مصنفه 3: 337 حديث 5868 أنه سمع ابن عباس سئل في ص سجدة؟ قال: نعم وتلي الآية. والسنن الكبرى 2: 319.
(4) السنن الكبرى 2: 318، وسنن الدار قطني 1: 408 الحديث السابع، وسنن أبي داود 2: 59 حديث 1410، وحكاها السيوطي في الدر المنثور 5: 305 عن الدارمي 1: 342 باتحاد في المعنى.
(5) فصلت: 37.
(6) في نسخة ابن عمر.

[ 430 ]

سعد (1)، وإليه ذهب أبو عمرو بن العلاء (2) من القراء. وقال الشافعي عند قوله: " وهم لا يسئمون " (3) (4) وبه قال ابن عباس، والثوري، وأهل الكوفة (5). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون فيه، ورواياتهم لا تختلف. وأيضا قوله تعالى: " فاسجدوا لله الذي خلقهن " (6) وهذا أمر، والأمر يقتضي الفور عندنا، وذلك يوجب السجود عقيب الآية. مسألة 178: قد بينا أن العزائم لا تقرأ في الفرائض، ويجوز قراءتها في النوافل، ويسجد، وما عدا العزائم يجوز أن يقرأ في الفرائض غير أنه لا يسجد فيها، فإن قرأها في النوافل جاز أن يسجد، وإن لم يسجد جاز. وقال الشافعي: لا يكره السجود في التلاوة في الصلاة في شئ من الصلوات جهر بالقراءة أو لم يجهر (7). وقال مالك يكره ذلك على كل حال (8).

(1) المدونة الكبرى 1: 110، والمجموع 4: 60، أحكام القرآن لابن العربي 4: 1664.
(2) أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله البصري قيل: اسمه زبان وقيل: يحيى وقيل: اسمه كنيته وهو الصحيح، قرأ على أبي العالية الرياحي وغيره، روى عن أنس وإياس له تضلع في العربية، ولد بمكة ومات بالكوفة سنة 154. شذرات الذهب 1: 237، ومرآة الجنان 1: 325، والبرهان في علوم القرآن 1: 328.
(3) فصلت: 38.
(4) المجموع 4: 60، وعمدة القاري 7: 97: أحكام القرآن لابن العربي 4: 1664، وتفسير القرطبي 15: 264، ونيل الأوطار 3: 117.
(5) المجموع 4: 60 وأحكام القرآن للجصاص 3: 385، وتفسير القرطبي 15: 364 وأحكام القرآن لابن العربي 4: 1664.
(6) فصلت: 37.
(7) عمدة القاري 7: 112.
(8) عمدة القاري 7: 112.

[ 431 ]

وقال أبو حنيفة يكره فيما يسر فيه بالقراءة، ولا يكره فيما يجهر بها ولم يفصل واحد منهم (1). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك وقد قدمنا خبر زرارة وسماعة (2) في ذلك. مسألة 179: سجود العزائم واجب على القارئ والمستمع، ومستحب للسامع، وما عداها مستحب للجميع. وقال الشافعي: سجود التلاوة مسنون في حق التالي والمستمع دون السامع، بناء على أصله أنه مسنون (3). وقال أبو حنيفة: إنه واجب على التالي والمستمع والسامع، فإذا طرق سمعه قراءة قارئ موضعها، وجب عليه أن يسجدها (4). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون فيه. وروى عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسمع السجدة تقرأ؟ قال: " لا يسجد إلا أن يكون منصتا مستمعا لها أو يصلي بصلاته، وإما أن يكون يصلي في ناحية وأنت في ناحية فلا تسجد لما سمعت " (5). مسألة 180: سجود التلاوة يجوز فعلها في جميع الأوقات وإن كانت مكروهة الصلاة فيها، وبه قال الشافعي (6)، وهي خمسة أوقات سيجئ بيانها فيما بعد.

(1) عمدة القاري 7: 106 و 112.
(2) تقدم في المسألة: 174.
(3) الأم 1: 136، والمجموع 4: 61، ومغني المحتاج 1: 215، والمغني لابن قدامة 1: 624.
(4) عمدة القاري 7: 104، والمجموع 4: 61، والمغني لابن قدامه 1: 624.
(5) الكافي 3: 318 حديث 3 باختلاف، والتهذيب 2: 291 حديث 1169 باختلاف في صدر الحديث.
(6) المجموع 4: 72 و 168، وبداية المجتهد 1: 217، والمغني لابن قدامة 1: 623 وأحكام القرآن لابن =

[ 432 ]

وقال مالك: منهي في هذه الأوقات، فلا تصلى فيها صلاة بحال، وكذلك سجود التلاوة (1). وقال أبو حنيفة: ما نهي عن الصلاة فيه لأجل الوقت فلا صلاة فيها بحال، وهو حين طلوع الشمس، وحين الزوال، وحين الغروب، وما نهي عنها فيه لأجل الفعل، فلا صلاة فيها بحال إلا عصر يومه، وهو بعد الصبح، وبعد العصر وكذلك السجود (2). دليلنا: إجماع الفرقة وعموم الأخبار، والأمر بالسجود ولم يفصلوا بين الأوقات، ولأن الأصل السجود في الأوقات كلها لإطلاق الأمر، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 181: سجدة التلاوة ليست بصلاة، فإن سجدها في غير الصلاة سجد من غير تكبير، وإذا رفع رأسه كبر، وليس عليه تشهد ولا تسليم ولا تكبيرة إحرام، وإن كان في صلاة يجوز له أن يقرأ فيها سجد مثل ذلك، وقام وكبر وبنى على قراءته، ويستقبل القبلة مع الامكان فإن صلى ولم يسجد وجب عليه قضاء الفرض منه، ويستحب قضاء النوافل. وقال الشافعي: إن كان في الصلاة كبر وسجد وقام فكبر وبنى على القراءة، قاله في الأم (3). وقال ابن أبي هريرة: يسجد من غير تكبير ويرفع بغير تكبير (4).

= العربي 2: 820. (1) بداية المجتهد 1: 217، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 820، والمجموع 4: 72. والمغني لابن قدامة 1: 623.
(2) بداية المجتهد 1: 217، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 820.
(3) المجموع 4: 64، والمغني لابن قدامة 1: 621 - 622.
(4) المجموع 4: 63، وفتح العزيز 4: 195.

[ 433 ]

وإن كان في غير الصلاة قال أبو إسحاق يكبر تكبيرة للاحرام وأخرى للسجود. وقال الترمذي يكبر للسجود لا غير (1). وقال أبو حامد بقول أبي إسحاق (2) وقال: إن كبر تكبيرة واحدة لهما لم يجزه ويعيد السجود، فإذا رفع رأسه رفعه بتكبيرة. وأما التشهد قال في البويطي: لا تشهد فيها ولا تسليم (3)، واختلف أصحابه على ثلاثة أوجه: منهم من نفى التشهد والتسليم (4)، ومنهم من قال: يفتقر إلى تشهد وسلام (5)، وقال أبو العباس، وأبو إسحاق وغيرهما: يفتقر إلى سلام ولا يفتقر إلى تشهد. قال أبو حامد: وهو أصح الأقوال (6). وأما استقبال القبلة، قالوا: فالحكم فيه كالحكم في صلاة النافلة حرفا بحرف (7)، ومتى لم يسجد وفاته لم يستحب له إعادة (8). دليلنا: الأصل براءة الذمة ومن أوجب التشهد والتسليم مع السجود يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه، وليس الأمر بالسجود أمرا بالتكبير، فمن جمع بينهما كان قائسا، والقياس لا يجوز عندنا. وأما القضاء فإن ذمته قد تعلقت بفرض أو سنة ولا تبرأ إلا بقضائه فعليه

(1) المجموع 4: 65، وفتح العزيز 4: 193.
(2) قال النووي في المجموع 4: 64: قال أصحابنا: " إذا سجد للتلاوة في غير الصلاة نوى وكبر للاحرام ويرفع يديه في هذه التكبيرة حذو منكبيه... الخ " من دون ذكر أبي إسحاق أو أبي حامد.
(3) الأم (الهامش) 1: 139، والمجموع 4: 64، ومغني المحتاج 1: 216 وفتح العزيز 4: 194.
(4) المجموع 4: 66.
(5) المجموع 4: 66، وفتح العزيز 4: 194، ونيل الأوطار 3: 126.
(6) الأم (الهامش) 1: 139، وفتح العزيز 4: 194، ونيل الأوطار 3: 126.
(7) المجموع 4: 63.
(8) فتح العزيز 4: 199.

[ 434 ]

القضاء. وروى محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: سألت عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتى يركع ويسجد؟ قال: " يسجد إذا ذكر، إذا كانت من العزائم " (1). مسألة 182: سجدة الشكر مستحبة عند تجديد نعم الله تعالى، أو دفع البلايا، وأعقاب الصلوات، وبه قال الشافعي، والليث بن سعد، وأحمد ومحمد بن الحسن (2)، غير أن محمدا كان يقول: لا بأس، وكلهم قالوا في جميع المواضع ولم يخصوا عقيب الصلوات بالذكر. وقال مالك مكروه (3). وعن أبي حنيفة روايتان إحداهما: مكروه مثل قول مالك (4)، والثانية: ليست بشئ يعني ليست مشروعة (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله " اركعوا واسجدوا " (6) وهذا عام في جميع المواضع، وأيضا عموم أخبارنا بسجدة الشكر يدل على ذلك (7).

(1) التهذيب 2: 292 حديث 1176.
(2) الأم 1: 134، والمجموع 4: 680، والمغني 1: 628، ومغني المحتاج 1: 218 والمنهاج القويم: 210، ونيل الأوطار 3: 129.
(3) المجموع 4: 70، والمغني 1: 628، ونيل الأوطار 3: 129 وفتح العزيز 4: 203.
(4) المجموع 4: 70، والمغني 1: 628، ونيل الأوطار 3: 129 وفتح العزيز 4: 203.
(5) نيل الأوطار 3: 129، وفتح العزيز 4: 204.
(6) الحج: 77.
(7) الكافي 3: 321 باب السجود والتسبيح والدعاء فيه في الفرائض والنوافل، ومن لا يحضره الفقيه 1: 217 الباب 47، والتهذيب 2: 109 حديث 414 وما بعده، والاستبصار 1: 347 باب 200 سجدتي الشكر بين فريضة المغرب ونوافلها. وقد كفانا الشيخ المحدث الحر العاملي مؤنة جمعها في وسائله 4: 1070 - 1083 الأبواب 1 - 7 من =

[ 435 ]

وروى أبو بكرة (1) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا جاء شئ يسره خر ساجدا (2) وهذا عام. وروى عبد الرحمن بن عوف قال: سجد رسول الله صلى الله عليه وآله فأطال السجود، فقلنا له: لم سجدت فأطلت السجود؟ قال: " نعم، أتاني جبرائيل فقال: من صلى عليك مرة صلى الله عليه عشرا فخررت ساجدا، شكرا لله تعالى " (3). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما أتي برأس أبي جهل سجد شكر الله تعالى (4). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه رأى نغاشا فسجد (5). والنغاشي القصير الردئ من الرجال. وروي عن علي عليه السلام أنه لما كان يوم النهروان (6) قال: اطلبوا ذا

= سجدتي الشكر. (1) أبو بكرة، نقيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو الثقفي، مولى رسول الله (ص)، أسلم يوم الطائف حيث تدلى إلى النبي (ص) بواسطة بكرة فكني بها. كان من فضلاء الصحابة وصالحيهم، وكان كثير الصلاة والعبادة. روى عن النبي (ص)، وروى عنه أبو عثمان النهدي والأحنف والحسن البصري. مات سنة 52 هجرية أسد الغابة 5: 38 و 151، والإصابة 3: 542.
(2) سنن الترمذي 4: 141 حديث 1578، وسنن ابن ماجة 1: 446 حديث 1394، وسنن أبي داود 3: 89 حديث 2774، وسنن الدار قطني 1: 410 الحديث 2 - 3، وسنن البيهقي 2: 370، ومسند أحمد 5: 45، والمستدرك 1: 276، والفتح الرباني 4: 185.
(3) مسند أحمد بن حنبل 1: 191، باختصار، والفتح الرباني 4: 184 الباب 8 حديث 921.
(4) سنن ابن ماجة 1: 445 حديث 1391 وفيه " عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله (ص) صلى يوم بشر برأس أبي جهل بركعتين.
(5) المستدرك 1: 276، والنهاية 5: 86 مادة نغش، والتلخيص 1: 276، وتاج العروس 4: 358.
(6) النهروان - بفتح النون والكسر شائع - كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي وفيها كانت معركة الخوارج مع أمير المؤمنين سنة 37 ه‍ معجم البلدان 8: 347، ومراصد الاطلاع 3: 1407.

[ 436 ]

الثدية (1) فطلبوه فلم يجدوه فجعل يعرق جبينه وهو يقول والله ما كذبت والله كذبت اطلبوه، فطلبوه فوجدوه في جدول تحت القتلى فأتي به، فسجد لله تعالى شكرا (2) ولا مخالف له. وروي عن أبي بكر أنه لما بلغه فتح اليمامة وقتل مسيلمة سجد شكرا لله (3). وروى إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا ذكرت نعمة الله عليك وكنت في موضع لا يراك أحد، فالصق خدك بالأرض، وإذا كنت في ملأ من الناس، فضع يدك على أسفل بطنك، وليكن تواضعا لله تعالى، فإن ذلك أحب، وترى أن ذلك غمز وجدته في أسفل بطنك (4) وروي عن العالم عليه السلام أن أول من عفر خده في الأرض موسى بن عمران عليه السلام فأوحى له عز وجل يا موسى ليس على وجه الأرض إلى اليوم عبد أذل نفسا منك لي (5).

(1) المستفاد من المصادر أنه حرقوص بن زهير السعدي التميمي ذو الخويصرة من بني تميم صحابي شهد صفين مع الإمام علي عليه السلام ثم خرج عليه وكان من رؤوس الخوارج وقتل بالنهروان سنة 37 هجرية. ويروى عن النبي (ص) أنه قال: لا يدخل النار أحد شهد الحديبية إلا واحد فكان هو. وهو الذي اعترض على قسمة النبي (ص) قائلا له: إنك لم تعدل اليوم، وإنه الذي أمر النبي بقتله عند دخوله المسجد في قصة معروفة. الإصابة 1: 319، 375، 472، 473 ترجمة رقم 1661، 1969، 2446، 2450 والفصل 1: 157، والأعلام 2: 173.
(2) مسند أحمد 1: 107، والفتح الرباني 4: 186، والبداية والنهاية 7: 294، 295، وسنن البيهقي 2، 371 باختلاف يسير. والكامل في التاريخ 3: 347، ومروج الذهب 3: 47.
(3) سنن البيهقي 2: 371، ومختصر المزني: 17.
(4) التهذيب 2: 112 حديث 421.
(5) الكافي 2: 123 الحديث 7 باختلاف يسير.

[ 437 ]

مسألة 183: التعفير في سجدة الشكر مستحب، وخالفنا من وافق في سجدة الشكر. دليلنا: إجماع الفرقة، وخبر إسحاق بن عمار الذي قدمناه (1) تضمنه. وروى مرازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن العبد إذا صلى ثم سجد سجدة الشكر فتح الرب تعالى الحجاب بين العبد وبين الملائكة " (2)... تمام الخبر. وروى إسحاق بن عمار قال: سمعته يقول: " كان موسى بن عمران إذا صلى لم ينفتل حتى يلصق خده الأيمن بالأرض، وخده الأيسر بالأرض ". قال: وقال إسحاق رأيت من يصنع ذلك، قال ابن سنان: يعني موسى ابن جعفر عليهما السلام في الحجر، في جوف الليل (3) وأخبارهم في ذلك أكثر من أن تحصى (4). مسألة 184: ليس في سجدة الشكر تكبيرة الافتتاح، ولا تكبيرة السجود، ولا فيه تشهد، ولا تسليم. وقال الشافعي وأصحابه: إن حكم سجدة الشكر حكم سجدة التلاوة سواء (5)، وقد بينا مذهبنا في ذلك (6)، فالكلام في المسألتين واحد. مسألة 185: إذا مر بين يديه وهو يصلي إنسان، رجلا كان أو امرأة أو حمارا

(1) تقدم في المسألة 182.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 220 الحديث 13، والتهذيب 2: 110 الحديث 183.
(3) من لا يحضره الفقيه 1: 219 الحديث الثامن، والتهذيب 2: 109 - 110 حديث 182. باختلاف، والمعتبر: 200 في مسألة استحباب سجدة الشكر، والمنتهى 1: 303، والمدارك: 175.
(4) الكافي 2: 100 باب التواضع الحديث 7، ومن لا يحضره الفقيه 1: 219 الحديث 9 والوسائل 4: 1975 الباب الثالث من أبواب سجدتي الشكر.
(5) الأم 1: 139، والمجموع 4: 64، والمغني لابن قدامة 1: 621. ونيل الأوطار 3: 126.
(6) قد بين ذلك في المسألة (181) المتقدمة.

[ 438 ]

أو بهيمة أو كلبا أو أي شئ كان، فلا يقطع صلاته وإن لم يكن قد نصب بين يديه شيئا، سواء كان بالقرب منه أو بالبعد منه، وإن كان ذلك مكروها. وبه قال جميع الفقهاء (1)، إلا ما حكي عن الحسن البصري أنه قال: إذا كان المار بين يديه كلبا أو امرأة أو حمارا قطع الصلاة (2)، وبه قال جماعة من أصحاب الحديث (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قواطع الصلاة تحتاج إلى أدلة شرعية، وليس في الشرع ما يدل على أن هذه الأشياء تقطع الصلاة. وروى أبو الوداك (4)، عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا يقطع الصلاة شئ، فادرؤا ما استطعتم، فإنما هو شيطان " (5). وروى الفضل بن العباس (6) قال: كنا ببادية فأتانا رسول الله صلى الله

(1) المبسوط 1: 191، وبداية المجتهد 1: 175، والمجموع 3: 250، وشرح فتح القدير 1: 287 والمصنف لابن أبي شيبة 1: 282 - 284.
(2) المجموع 3: 250، والمصنف لابن أبي شيبة 1: 281.
(3) المجموع 3: 250، وبداية المجتهد 1: 174، والمبسوط 1: 191.
(4) جبر بن نوف الهمداني البكالي وقيل البكيلي الكوفي، أبو الوداك، كان قليل الحديث روى عن الخدري وشريح، وعنه جمع منهم إسماعيل بن أبي خالد وأبو النياح. الطبقات الكبرى 6: 299، ولسان الميزان 7: 488، والجرح والتعديل 2: 532، والتاريخ الكبير 2: 243.
(5) سنن أبي داود 1: 191 حديث 719، 720.
(6) الفضل بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، ابن عم النبي (ص) أكبر أولاد العباس، حضر مع النبي (ص) الفتح وحنين وشهد حجة الوداع، عده الشيخ من أصحاب النبي وأعان أمير المؤمنين على غسله. كان مواليا لأمير المؤمنين في السر والعلانية، روى عنه عبد الله وقثم أخواه وربيعة بن الحرث وأبو هريرة مات في خلافة أبي بكر، وقيل سنة 13 و 15 و 18. الإصابة 3: 203، والاستيعاب 3: 202 =

[ 439 ]

عليه وآله ومعه العباس، فصلى في الصحراء، وليس بين يديه سترة، وكلب وحمار لنا يعبثان بين يديه فما بالى ذلك (1). وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يقطع الصلاة شئ من كلب ولا حمار ولا امرأة ولكن استتروا بشئ، فإن كان بين يديك قدر ذراع رافعا من الأرض فقد استترت " (2). مسألة 186: لا يجوز أن يصلي الفريضة جوف الكعبة مع اختيار، وأما النافلة فلا بأس بها جوف الكعبة، بل هو مرغب فيه، وبه قال مالك (3). وقال أبو حنيفة، وأهل العراق، والشافعي: يجوز أن يصلي الفريضة جوف الكعبة (4). وقال محمد بن جرير الطبري لا يجوز الفريضة ولا النافلة جوف الكعبة (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " (6) أي نحوه، وإنما يولي وجهه نحوه إذا كان خارجا منه، فإذا لم يكن خارجا منه لا يمكنه ذلك، وإذا لم يمكنه لم تجز صلاته، لأنه ما ولى وجهه نحوه. وروى أسامة بن زيد (7) أن النبي صلى الله عليه وآله دخل البيت ودعا

= وأسد الغابة 4: 183، وشذرات الذهب 1: 28، ورجال الشيخ: 26، وتنقيح المقال 2: 11 حرف الفاء. (1) سنن أبي داود 1: 191 حديث 718.
(2) الكافي 3: 297 حديث 3، والتهذيب 2: 323 حديث 1319، والاستبصار 1: 406 حديث 1551.
(3) المجموع 3: 195، وشرح فتح القدير 1: 479.
(4) شرح فتح القدير 1: 479، والمجموع 3: 194.
(5) المجموع 3: 194.
(6) البقرة: 144 و 150.
(7) أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي أبو محمد، مولى رسول الله (ص)، أمه أم أيمن حاضنة النبي، وهو =

[ 440 ]

وخرج، فوقف على باب البيت وصلى ركعتين وقال: " هذه القبلة " وأشار إليها (1)، فثبت أنها هي القبلة، فإذا صلى في جوفها فما صلى إلى ما أشار إليه بأنه هو القبلة. وروى محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " لا تصل المكتوبة في الكعبة " (2). مسألة 187: إذا استهدم البيت جاز للمصلي أن يصلي إلى موضع البيت. وإن صلى في جوف العرصة، فإن وقف على طرفها حتى لا يبقى بين يديه شئ منها فلا يجوز بلا خلاف، وإن وقف في وسطها وبين يديه شي من عرصة البيت جازت صلاته فيما نجوزه من النافلة والفريضة في حال الضرورة، وبه قال أبو العباس بن سريج (3). وقال أكثر أصحاب الشافعي أبو إسحاق المروزي والأصطخري وغيرهما: أنه لا يجوز (4). وهكذا الخلاف إذا صلى جوف الكعبة إلى ناحية الباب وكان الباب مفتوحا ولا عتبة له سواء (5). دليلنا: الأخبار التي وردت في جواز الصلاة جوف الكعبة في النوافل (6) عامة

= الذي أمره النبي على الجش العظيم الذي لعن من تخلف عنه وكان ذلك قبيل وفاته (ص) بأيام، روى عن النبي (ص)، وروى عنه جمع منهم ابن عباس والنهدي وأبو وائل. عده الشيخ من أصحاب النبي وأمير المؤمنين مات سنة 58 أو 59 هجرية. الإصابة 1: 46، وأسد الغابة 1: 64، ورجال الشيخ: 3 و 34، وتنقيح المقال 1: 108. (1) صحيح البخاري 1: 104 باب التوجه إلى القبلة، ومسند أحمد 5: 201 و 208 وفيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي 3: 391 حديث 18، والتهذيب 2: 376 حديث 1564، والمقنعة: 71 وفيه (جوف الكعبة).
(3) المجموع 3: 199، والتفسير الكبير 4: 122.
(4) المجموع 3: 198.
(5) الأم 1: 98.
(6) الكافي 4: 528 الحديث الثالث والرابع والخامس والسادس والثامن والتاسع، والتهذيب 5: 276 حديث 945 و 278 حديث 949، 952، و 279 حديث 935، 954، والمقنعة: 71.

[ 441 ]

إذا كان هناك بنيان أو لم يكن بنيان، فوجب حملها على عمومها. مسألة 188: إذا صلى فوق الكعبة، صلى مستلقيا على قفاه، متوجها إلى البيت المعمور، ويصلي إيماء. وقال الشافعي: إن كان للسطح سترة من نفس البناء جاز أن يصلي. إليها، وإن لم يكن له سترة أو كانت من غير البناء مثل أن يكون آجرا معبأ أو قصبا مغروزا فيه أو حبلا ممدودا عليه أزار لم يجز صلاته (1). وقال أبو حنيفة يجوز ذلك إذا كان بين يديه قطعة يستقبله، فريضة كانت أو نافلة (2). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى علي بن محمد (3)، عن إسحاق بن محمد (4)، عن عبد السلام (5)، عن الرضا عليه السلام قال في الذي تدركه الصلاة وهو فوق الكعبة فقال: " إن قام لم تكن له قبلة، ولكن يستلقي علي قفاه، ويفتح عينيه إلى السماء، ويقصد بقلبه القبلة في السماء، البيت المعمور ويقرأ، فإذا أراد أن يركع غمض عينيه، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه والسجود على نحو ذلك " (6). مسألة 189: إذا قرأ في صلاته من المصحف، فجعل يقرأ ورقة فإذا فرغ

(1) المجموع 3: 198. والأم 1: 99، ومغني المحتاج 1: 144 - 145، والوجيز 1: 38.
(2) الهداية 1: 95، وشرح فتح القدير 1: 480. وشرح العناية 1: 480.
(3) علي بن محمد. مشترك بين عدة من الأصحاب لا يمكن تمييزهم. معجم رجال الحديث 12: 128.
(4) إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان النخعي، أبو يعقوب الأحمر، جامع الرواة 1: 87 و 88 ومعجم رجال الحديث 2: 66 و 69.
(5) أبو الصلت، عبد السلام بن صالح الهروي، من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام، وثقه جمع منهم النجاشي والعلامة وأغلب الذين ترجموه من العامة. رجال الشيخ: 383، والنجاشي: 184 والخلاصة: 117 / 2، وتنقيح المقال 2: 151.
(6) الكافي 3: 392 الحديث 21، والتهذيب 2: 376 حديث 1566.

[ 442 ]

صفح أخرى وقرأ لم تبطل صلاته، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته، لأنه تشبه بأهل الكتاب، وهذا ممنوع منه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل. وأيضا نواقض الصلاة تعلم شرعا، وليس في الشرع ما يدل على أن ذلك يبطل الصلاة. وروى الحسن بن زياد الصيقل (3) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما تقول في الرجل يصلي وهو ينظر في المصحف ويقرأ فيه، يضع السراج قريبا منه؟ فقال " لا بأس بذلك " (4). مسألة 190: المرتد الذي يستتاب يجب عليه قضاء ما فاته في حال الردة من العبادات، صلاة كانت أو صوما أو زكاة، وإن كان قد حج حجة الاسلام قبل الارتداد لم يجب عليه إعادتها بعد رجوعه إلى الاسلام، وكذلك إن كان قد فاته شي من هذه العبادات قبل الارتداد ثم ارتد ثم عاد إلى الاسلام وجب عليه قضاء ذلك أجمع. وبه قال الشافعي (5)، إلا أنه قال في الزكاة إنه لا يجب عليه قضاؤها على القول الذي يقول إن ملكه زال بالردة وحال عليه الحول في حال الردة (6).

(1) المبسوط 1: 201 وشرح فتح القدير 1: 286.
(2) المبسوط 1: 201 والهداية 1: 62، وشرح فتح القدير 1: 286.
(3) أبو محمد أو أبو الوليد، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الباقر (ع) تارة وأخرى من أصحاب الإمام الصادق (ع)، روى عنه عبد الله بن مسكان وحماد بن عثمان وعبد الكريم بن عمرو ومحمد بن سنان وغيرهم. رجال الشيخ: 115، 119، 166، 183، وتنقيح المقال 1: 279.
(4) التهذيب 2: 294 حديث 1184.
(5) المجموع 3: 4.
(6) المجموع 3: 5، وأحكام القران لابن العربي 1: 148.

[ 443 ]

وقال مالك وأبو حنيفة: لا يقضي من ذلك شيئا، ولا ما كان تركه في حال إسلامه قبل ردته. قال: وإن كان قد حج حجة الاسلام سقطت عنه ولم تجزه، وعليه الحج متى وجد الزاد والراحلة (1). فعندنا يقضي العبادات كلها إلا الحج، وعندهما لا يقضي شيئا منها وعليه قضاء الحج. وظاهر هذا كالمناقضة من كل واحد من الفريقين، فإذا حقق انكشف أنه لا مناقضة من واحد منهما. دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، وأيضا عندنا أن الكفار مخاطبون بالعبادات، ومن جملة العبادات قضاء ما يفوت من وجب عليه، وإذا فاتهم وجب عليهم قضاؤه، ولا يلزمنا ذلك في الكافر الأصلي، لأنا لو خلينا والظواهر لأوجبناه ولكن تركنا ذلك لدليل الإجماع على أنه لا قضاء عليهم. وروى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وذلك وقتها " (2) وهذا عام. ولنا أن نفرض إذا كان قد نام عنها أو نسيها قبل ردته، ثم ارتد وأقام على الردة، ثم عاد إلى الاسلام، ثم ذكرها فإن عليه أن يصليها بظاهر هذا الخبر، وإذا ثبت هاهنا ثبت ما يفوته في حال الردة بالاجماع لأن أحدا لم يفرق بين المسألتين.

(1) أحكام القرآن لابن العربي 1: 148، والمجموع 3: 4.
(2) صحيح البخاري 1: 146، وصحيح مسلم 1: 471 باب 55 قضاء الصلاة الفائتة الأحاديث 309 - 316، من دون ذيل الحديث، وسنن الترمذي 1: 334 حديث 177 و 335 حديث 178 باختلاف في السند واللفظ، وسنن الدارمي 1: 280، ومسند أحمد 3: 100، 243، 267، 269، 282، و 5: 22، وسنن أبي داود 1: 118 باب من نام عن الصلاة أو نسيها الأحاديث 435 إلى آخره.

[ 444 ]

وأما أخبارنا فكل خبر يرد بوجوب القضاء على من فاته شئ من العبادات يتناول هؤلاء لعموم اللفظ، لأنه يدخل فيه المؤمن والكافر. وأما الحج فلا يجب عليه، لأنه قد فعل الحج والنبي صلى الله عليه وآله لما قيل له: ألعامنا هذا أم للأبد قال: " للأبد " (1) ولم يفصل، ومن ادعى أن عليه إعادة الحج فعليه الدلالة. مسألة 191: من شك في الركعتين الأولتين من كل فريضة فلا يدري كم صلى ركعة أو ركعتين وجب عليه الاستئناف. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (2)، إلا ما حكي عن الأوزاعي فإنه قال تبطل صلاته ويستأنف تأديبا له ليحتاط فيما بعد (3)، وبه قال في الصحابة ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الصلاة في الذمة بيقين، وإذا استأنف برءت ذمته بيقين وإذا بنى ومضى فيها فليس على براءة ذمته دليل، فالاحتياط يقتضي ما قلناه. وروى محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل شك في الركعة الأولى؟ قال: يستأنف (5). وروى عنبسة بن مصعب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا شككت

(1) صحيح مسلم 2: 883 حديث 141، وسنن النسائي 5: 178، 179، وسنن ابن ماجة 2: 992، 1022 حديث 2980، 3074، ومسند أحمد بن حنبل 4: 175.
(2) الأم 1: 131، والمحلى 4: 171، وبلغة السالك لأقرب المسالك 1: 137، وشرح فتح القدير 1: 371.
(3) المجموع 4: 111.
(4) المجموع 4: 111.
(5) التهذيب 2: 176 حديث 700، والاستبصار 1: 363 حديث 1377.

[ 445 ]

في الركعتين الأولتين فأعد (1). وروى إسماعيل الجعفي (2) وابن أبي يعفور عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: إذا لم تدر واحدة صليت أو اثنتين فاستقبل (3). وأخبارنا أكثر من أن تحصى. مسألة 192: إذا شك فلا يدري كم صلى اثنتين أو ثلاثا أو أربعا أو ثنتين أو أربعا وغلب في ظنه أحدهما بنى عليه وليس عليه شئ وإن تساوت ظنونه بنى على الأكثر وتمم فإذا سلم قام فصلى ما ظن أنه فاته إن كانت ركعتين فركعتين وإن كانت واحدة فواحدة أو ركعتين من جلوس. وقال الشافعي: إذا شك في أعداد الركعات أسقط الشك وبنى على اليقين (4)، وبيانه إن شك هل صلى ركعة أو ركعتين جعلها واحدة وأضاف إليها أخرى وإن شك في اثنتين أو ثلاث أو أربع فكمثل، ورووا ذلك عن علي عليه السلام وابن مسعود ورواه في القديم عن أبي بكر وعمر وعلي عليه السلام، وفي التابعين سعيد بن المسيب وعطاء وشريح، وفي الفقهاء ربيعة ومالك والثوري (5). وقال الأوزاعي: تبطل صلاته ويستأنف تأديبا ليحتاط فيما بعد وبه قال

(1) الكافي 3: 350 حديث 1، والتهذيب 2: 176 حديث 701، والاستبصار 1: 363 حديث 1378.
(2) إسماعيل بن جابر الجعفي، راوي حديث الأذان من أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم عليهم السلام، وثقه أغلب من ترجم له، ومن أصحاب الأصول والكتب وقد رواها صفوان وغيره عنه. رجال الشيخ: 105 و 147 و 243، ورجال النجاشي: 26، والفهرست: 15 و 48، والخلاصة: 8 و 2، وجامع الرواة 1: 93، وتنقيح المقال 1: 130.
(3) التهذيب 2: 176 حديث 702، والاستبصار 1: 363 حديث 1379.
(4) الأم 1: 130، والأم (مختصر المزني): 17، والمجموع 4: 107، وبداية المجتهد 1: 191.
(5) بداية المجتهد 1: 191، والمجموع 4: 111.

[ 446 ]

في الصحابة ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص (1). وقال الحسن البصري: يمضي في سهوه يعني يأخذ بالزيادة وبه قال أبو هريرة وأنس (2). وقال أبو حنيفة: إن كان أصابه مرة واحدة بطلت صلاته وإن تكرر ذلك تحرى في الصلاة واجتهد (3) فإن غلب على ظنه الزيادة أو النقصان بنى عليه وإن تساوت ظنونه بنى على الأقل كما قال الشافعي. دليلنا: إجماع الفرقة. وروى عبد الله بن سنان وأبو العباس البقباق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث وإن وقع رأيك على الأربع فابن على الأربع فسلم وانصرف وإن اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وأنت جالس (4). وروى الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن استوى وهمه في الثلاث والأربع سلم وصلى ركعتين وأربع سجدات بفاتحة الكتاب وهو جالس يقصر في التشهد (5). وأخبارنا أكثر من أن تحصى. واستدلوا بما رواه أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين فإذا استقر التمام سجد

(1) المجموع 4: 111.
(2) المجموع 4: 111.
(3) اللباب 1: 99، وشرح فتح القدير 1: 370، والمجموع 4: 111، وبداية المجتهد 1: 191.
(4) الكافي 3: 353 حديث 7، والتهذيب 2: 184 حديث 733 وفيه عن عبد الرحمن بن سيابة وأبي العباس.
(5) الكافي 2: 351 حديث 2 وفيه (يقصد)، والتهذيب 2: 185 حديث 736.

[ 447 ]

سجدتين فإن كانت الصلاة تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان وإن كانت ناقضة كانت الركعة تماما وكانت السجدتان ترغم الشيطان (1). وهذا الخبر لا دلالة فيه لأنا نقول به وهو يوافق ما نقوله لأنه عليه السلام لم يقل إنه يبني على اليقين من غير أن يسلم ونحن نقول إنه يبني على اليقين بمعنى إنه يسلم ثم يصلي ما يتيقن معه إنه تمام صلاته ولولا ذلك لما كان ما يصلي بعد الشك يحتسب من النافلة إذا كان قد صلى تاما لأنها صارت زيادة في الصلاة وهي صلاة واحدة فلا يمكن ذلك إلا على ما فصلناه. مسألة 193: من شك في صلاة الغداة أو المغرب فلا يدري كم صلى أعاد الصلاة من أولها وقال جميع الفقهاء مثل ما قالوا في المسألة الأولى. دليلنا: إجماع الفرقة. وروى حفص بن البختري وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " إذا شككت في المغرب فأعد وإذا شككت في الفجر فأعد " (2). وروى عنبسة بن مصعب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا شككت في المغرب فأعد وإذا شككت في الفجر فأعد " (3). وروى محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما عن السهو في المغرب، قال: " يعيد حتى يحفظ أنها ليست مثل الشفع " (4). مسألة 194: من شك في صلاة السفر، أو في صلاة الجمعة وجب عليه

(1) صحيح مسلم 1: 400 حديث 88، وسنن ابن ماجه 1: 382 حديث 1210، وسنن أبي داود 1: 269 حديث 1024، ومسند أحمد بن حنبل 3: 72.
(2) الكافي 3: 350 الحديث 1، والتهذيب 2: 178 حديث 714 والاستبصار 1: 365 - 366 الحديث 1395 و 1396.
(3) التهذيب 2: 179 الحديث 718، والاستبصار 1: 366 الحديث 1393.
(4) التهذيب 2: 179 الحديث 717 والاستبصار 1: 370.

[ 448 ]

الإعادة، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في التي قدمناها. دليلنا: ما قدمناه في المسائل الأولة من إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط. وروى سماعة بن مهران قال: سألته عن السهو في صلاة الغداة؟ قال: " إذا لم تدر واحدة صليت أو ثنتين فأعد الصلاة من أولها والجمعة أيضا إذا سهى فيها الإمام [ ولم يدر كم ركعة صلى ] (1) فعليه أن يعيد الصلاة [ لأنها ركعتان ] (2) والمغرب إذا سهى فيها فلم يدر كم صلى فعليه أن يعيد الصلاة " (3). وروى العلا بن رزين عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يشك في الفجر؟ قال: " يعيد " قال قلت: والمغرب؟ قال: " نعم، والوتر والجمعة " من غير أن أسأله (4). مسألة 195: سجدتا السهو بعد التسليم سواء كان للنقصان أو للزيادة، وبه قال علي عليه السلام، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، وفي التابعين النخعي، وفي الفقهاء أهل الكوفة ابن أبي ليلى، والثوري وأبو حنيفة وأصحابه (5). وقال الشافعي: إنهما قبل التسليم على كل حال (6)، وعليه أكثر أصحابه. وحكى الشافعي في خلافه مع مالك قال: قلنا في سجود السهو: إن كان عن

(1) زيادة لم تك في التهذيب والاستبصار.
(2) زيادة من التهذيب والاستبصار.
(3) التهذيب 2: 179 الحديث 720، والاستبصار 1: 366 الحديث 1394.
(4) التهذيب 2: 180 الحديث 722 والاستبصار 1: 366 الحديث 1395.
(5) الهداية 1: 74، والمبسوط 1: 218، والمجموع 4: 155، وبداية المجتهد 1: 185، وشرح فتح القدير 1: 355، وبدائع الصنائع 1: 172، واللباب 1: 95، ونيل الأوطار 3: 135.
(6) الأم 1: 130، والمجموع 4: 153، وبداية المجتهد 1: 185، والهداية 1: 74، والمبسوط 1: 219 وبدائع الصنائع 1: 172، وشرح فتح القدير 1: 356، ونيل الأوطار 3: 135.

[ 449 ]

نقصان كان قبل التسليم، وإن كان عن زيادة كان بعد التسليم. وذكر بعض أصحابه أن هذا قوله القديم. وذكر أبو حامد أنه ليس الأمر على ما توهمه هذا القائل. وعلى الأول أصحاب الشافعي وهو الذي نقله المزني والربيع في الجديد (1). ونقل الزعفراني في القديم أن السجود السهو قبل التسليم، سواء كان عن زيادة أو نقصان أو زيادة متوهمة أو نقصان (2)، وإليه ذهب أبو هريرة وأبو سعيد الخدري، وفي التابعين سعيد بن المسيب والزهري، وفي الفقهاء ربيعة والأوزاعي والليث بن سعد (3). وقال مالك: إن كان عن نقصان فالسجود قبل التسليم، وإن كان عن زيادة، أو عن زيادة ونقصان، أو زيادة متوهمة فالسجود بعد التسليم (4). وقد ذهب إلى هذا قوم من أصحابنا ورووا فيه روايات والمعول على الأول. دليلنا: إجماع الفرقة الذين يعول عليهم، وقد بينا الوجه في الأخبار المختلفة في ذلك في الكتابين المقدم ذكرهما (5). وأيضا طريقة الاحتياط تقتضي ذلك، فإنه لا خلاف لأنه إذا سجدهما بعد الصلاة كان مجزية، لأن الشافعي وإن قال إنهما قبل التسليم فإنما هو على

(1) (2) المجموع 4: 154، ونيل الأوطار 3: 135.
(3) المجموع 4: 155، نيل الأوطار 3: 135.
(4) بداية المجتهد 1: 185، والمجموع 4: 155، والمبسوط 1: 220، وبدائع الصنائع 1: 172 ونيل الأوطار 3: 135.
(5) الاستبصار 1: 380 باب 221 (إن سجدة السهو بعد التسليم وقبل الكلام)، والتهذيب 2: 195 عند قوله (قد) قال الشيخ رحمه الله (وسجدتا السهو بعد التسليم يقول الانسان في سجوده...).

[ 450 ]

وجه الاستحباب، ومن خالف في ذلك يقول متى فعلهما قبل التسليم بطلت صلاته، وهم نحن، فالاحتياط يقتضي ما قلناه. وروى عبد الله بن ميمون القداح (1)، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: " سجدتا السهو بعد التسليم وقبل الكلام " (2). وروى عبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أن نقصت أم زدت، فتشهد واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة، وتشهد فيهما تشهدا خفيفا " (3). وروى إبراهيم، عن علقمة (4)، عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من شك في صلاته فليتحر الصواب، وليتم عليه، ثم يسلم ويسجد سجدتين " (5) وهذا نص. وروى ثوبان (6) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لكل سهو سجدتان

(1) عبد الله بن ميمون الأسود المكي القداح، وثقه أغلب من ترجم له، من أصحاب الإمام الصادق مولى بني مخزوم له كتاب، من فقهائنا. رجال الشيخ: 225، والفهرست: 103، وتنقيح المقال 2: 220.
(2) التهذيب 2: 195 حديث 768، والاستبصار 1: 380 حديث 1438.
(3) التهذيب 2: 196 حديث 772، والاستبصار 1: 380 حديث 1441، ومن لا يحضره الفقيه 1: 230 حديث 35.
(4) علقمة بن قيس بن عبد الله بن علقمة النخعي - أبو شبل - عم الأسود وعبد الرحمن ابنا يزيد، وخال إبراهيم من أجلاء أصحاب أمير المؤمنين ومن التابعين الكبار ورؤسائهم وزهادهم، اشترك مع أمير المؤمنين في صفين وخضب سيفه وأصيب برجله مات سنة 62 هجرية. تهذيب التهذيب 7: 276، وطبقات الفقهاء: 58، ورجال الشيخ: 72، وتنقيح المقال 2: 258.
(5) سنن ابن ماجة 1: 382 حديث 1211 و 1212 باختلاف لا يضر في اللفظ والسند.
(6) ثوبان بن يجدد، أبو عبد الله، من أهل السراة - موضع بين مكة والمدينة - كان من أهل اليمن ابتاعه النبي وأعتقه بالمدينة شهد بدرا وروى عن النبي، وروى عنه أبو أسماء الرحبي وجبير بن نفير وابن أبي الجعد، نزل الشام وتوفي بها سنة 54 هجرية. الإصابة 1: 205، والاستيعاب 1: 210، والتاريخ الكبير 2: 181، والجرح والتعديل 2: 469.

[ 451 ]

بعد أن يسلم " (1). وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله صلى الظهر أو العصر فسلم في اثنتين فقال ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على القوم فقال: " أحق ما يقول ذو اليدين؟ " فقالوا: نعم، فقام فأتم ما بقي من صلاته، ثم سلم، ثم سجد سجدتين وسلم (2). مسألة 196: إذا قام في صلاة رباعية إلى الخامسة سهوا، فإن ذكر قبل الركوع عاد فجلس وتمم تشهده وسلم، وإن لم يذكر إلا بعد الركوع بطلت صلاته. وفي أصحابنا من قال إن كان قد جلس في الرابعة فقد تمت صلاته ثم تمم تلك الركعة ركعتين وإن لم يكن جلس بطلت صلاته (3). وقال أبو حنيفة: إذا ذكر بعد أن سجد في الخامسة ينظر، فإن كان قعد في الرابعة بقدر التشهد ثم قام في الخامسة تمت صلاة الفريضة بهذا القيام وانعقدت صلاته نافلة وصارت ركعة نافلة صحيحة يقوم ويضيف إليها أخرى وقد صحت فريضته وصحت له ركعتان نافلة، وإن لم يكن قعد في الرابعة بطلت فريضته بهذا القيام وانعقدت له نافلة هذه الركعة فيقوم ويضيف إليها ركعة أخرى فيصح له من النفل ركعتان وتبطل الفريضة (4). وقال الشافعي: إذا قام إلى الخامسة فذكر وهو فيها فإن كان قبل أن يسجد في الخامسة عاد إلى الرابعة فأتمها ويسجد سجدتي السهو ويسلم وإن ذكر بعد أن سجد فيها فإنه يعود أيضا إلى الرابعة ويتمها ويسجد للسهو قبل

(1) سنن ابن ماجة 1: 385 حديث 1219، ومسند أحمد بن حنبل 5: 280.
(2) راجع المسألة 154.
(3) نسب العلامة الحلي في المختلف: 135 القول إلى ابن الجنيد.
(4) اللباب 1: 99، وشرح فتح القدير 1: 364، ونيل الأوطار 3: 148.

[ 452 ]

السلام سواء قعد في الرابعة أو لم يقعد (1)، وبه قال الحسن البصري وعطاء، والزهري، وفي الفقهاء مالك والليث بن سعد والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (2). دليلنا على ما اخترناه: ما رواه زيد الشحام أبو أسامة قال: سألته عن الرجل يصلي العصر ست ركعات أو خمس ركعات؟ قال: " إن استيقن أنه صلى خمسا أو ستا فليعد " (3). وروى زرارة وبكير ابنا أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا إذا كان قد استيقن يقينا " (4). وروى أبو بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " من زاد في صلاته فعليه الإعادة " (5). وأما التفصيل الذي ذكرناه عن بعض أصحابنا (6) فرواه محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عمن صلى فاستيقن بعد ما صلى الظهر أنه صلاها خمسا؟ قال: " فكيف استيقن؟ " قلت: علم، قال: " إن كان علم أنه كان جلس في الرابعة فصلاة الظهر تامة فليقم وليضف إلى الركعة الخامسة ركعة وسجدتين فتكونان ركعتين نافلة ولا شئ عليه " (7).

(1) الأم 1: 131، والأم (مختصر المزني): 17، والمجموع 4: 139، وشرح فتح القدير 1: 364. وفتح العزيز 4: 162.
(2) الموطأ 1: 97 والمدونة الكبرى 1: 134، والروض المربع: 60 ونيل الأوطار 3: 148.
(3) التهذيب 2: 352 حديث 1461 صدر الحديث.
(4) الكافي 3: 354 حديث 2، والتهذيب 2: 194 حديث 763، والاستبصار 1: 376 حديث 1428.
(5) الكافي 3: 355 حديث 5، والتهذيب 2: 194 حديث 764، والاستبصار 1: 376 حديث 1429.
(6) تقدمت الإشارة إليه في الهامش رقم " 3 ".
(7) التهذيب 2: 194 حديث 765، والاستبصار 1: 377 حديث 1430 باختلاف فيها.

[ 453 ]

وروى زرارة قال سألته عن رجل صلى خمسا؟ فقال: " إن كان جلس في الرابعة بقدر التشهد فقد تمت صلاته " (1). وقد تكلمنا على الجمع بين هذه الأخبار في الكتابين المقدم ذكرهما (2)، وإنما قوينا الطريقة الأولى لأنه قد ثبت أن الصلاة في ذمته بيقين، ولا تبرأ ذمته إلا بيقين، وإذا زاد في الصلاة لا تبرأ ذمته إلا بإعادتها. وأيضا فإن هذه الأخبار تضمنت الجلوس مقدار التشهد من غير ذكر التشهد، وعندنا أنه لا بد من التشهد، ولا يكفي الجلوس بمقداره، وإنما يعتبر ذلك أبو حنيفة فلأجل ذلك تركناها. مسألة 197: إذا نسي التشهد الأول من صلاة رباعية أو ثلاثية وذكر قبل الركوع من الثالثة عاد فجلس وتشهد وبنى وليس عليه شي، وإن ذكر بعد الركوع مضى في صلاته، فإذا سلم قضى التشهد ثم سجد سجدتي السهو. وقال الشافعي: إذا ترك التشهد الأول وذكر في حال ارتفاعه قبل اعتداله رجع إلى الجلوس وبنى عليه صلاته، وإن ذكر بعد اعتداله فإنه يمضي في صلاته ولم يرجع (3)، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن الزبير، وابن عباس، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وسعد بن أبي وقاص، وعمران بن الحصين وفي التابعين عمر بن عبد العزيز، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة (4). وقال مالك إن ذكر بعد رفع اليدين عن الأرض لم يرجع وإن كان أقل من ذلك رجع (5).

(1) التهذيب 1: 194 حديث 766، والاستبصار 1: 377 حديث 1431.
(2) التهذيب 2: 194، والاستبصار 1: 376 الباب 219.
(3) الأم 1: 128، ومغني المحتاج 1: 207 و 208، والاستذكار 2: 248 والمجموع 4: 140، والوجيز 1: 50.
(4) الاستذكار 2: 248. والمجموع 4: 140، والهداية 1: 75، وشرح فتح القدير 1: 363.
(5) المجموع 4: 140.

[ 454 ]

وقال النخعي: إن ذكر قبل أن تلبس بالقراءة رجع، وإن ذكر بعد أن تلبس بها لم يرجع (1). وقال الحسن إن ذكر قبل الركوع رجع وإن كان قد قرأ مائة آية، وإن كان بعد الركوع لم يرجع (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد بينا أن إجماعهم حجة. وروى سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأولتين؟ فقال: إن ذكر قبل أن يركع فليجلس وإن لم يذكر فليتم الصلاة حتى إذا فرغ فليسلم وليسجد سجدتي السهو (3). وروى الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي الركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما حتى يركع في الثالثة؟ قال: يتم صلاته ويسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يتكلم (4). وروى ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام مثل ذلك سواء (5). مسألة 198: من ترك سجدة من الركعة الأولى ناسيا حتى قام إلى الثانية، فإن ذكر قبل الركوع عاد فسجد وليس عليه أن يجلس ثم يسجد، سواء جلس في الأولى جلسة الفصل أو جلسة الاستراحة أو لم يجلس، وإن لم يذكر حتى يركع مضى في صلاته فإذا سلم قضى تلك السجدة، وسجد سجدتي السهو. وفي أصحابنا من قال إن ترك سجدة من الركعتين الأولتين حتى يركع

(1) المجموع 4: 140.
(2) الاستذكار 2: 248، والمجموع 4: 140.
(3) التهذيب 2: 158 حديث 618، والاستبصار 1: 362 حديث 1374.
(4) التهذيب 2: 158 حديث 619 و 159 حديث 623 باختلاف يسير، والاستبصار 1: 362 حديث 1373. (5) التهذيب 2: 159 حديث 624، والاستبصار 1: 363 حديث 1375.

[ 455 ]

استأنف، وإن تركها من الأخيرتين عمل على ما ذكرناه (1). وقال أبو حنيفة: إن ذكر قبل أن يسجد في الثانية رجع فسجد، وإن لم يذكره حتى يفرغ من السجدة مضى في صلاته وقضاها فيما بعد وعليه سجدتا السهو (2). وقال الشافعي: إن ذكر قبل الركوع عاد فسجد (3). فمنهم من يقول يعود فيسجد عن جلسة (4). ومنهم من قال يسجد عن قيام وإن لم يذكر إلا بعد الركوع (5) فكمثل ذلك وأبطل حكم الركوع. وإن ذكر بعد أن يسجد فقد تمت الركعة الأولى بسجدة واحدة من الثانية. فمنهم من قال تمت بالسجدة الأولى من الثانية (6)، ومنهم من قال تمت الأولى بالسجدة الثانية، وبطل حكم ما تخلل ذلك (7). وقال مالك: إذا ذكر في الثانية قبل أن يطمئن راكعا عاد إلى الأولى فأكملها، وإن ذكر بعد أن اطمئن راكعا بطلت الأولى واعتد بالثانية، وإن ذكر بعد أن سجد فيها تمت الثانية واعتد بها

[ 456 ]

والخلاف في الركعة الثانية والثالثة والرابعة مثل ذلك سواء. دليلنا: على القول الأول ما رواه أبو بصير قال: سألته عمن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها وهو قائم؟ قال: " يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فإن كان قد ركع فليمض على صلاته، فإذا انصرف قضاها وليس عليه سهو " (1). وروى إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم أنه لم يسجد قال: " فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فإنها قضاء " (2). والذي يدل على القول الثاني من قول أصحابنا ما رواه أحمد بن محمد ابن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل يصلي ركعتين ثم ذكر في الثانية وهو راكع أنه ترك سجدة من الأولى؟ فقال: كان أبو الحسن عليه السلام يقول: " إذا تركت السجدة في الركعة الأولى فلم تدر واحدة أو اثنتين استقبلت الصلاة حتى تصح لك ثنتان وإذا كان في الثالثة والرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون حفظت الركوع أعدت السجود " (3). وهذا الخبر لا ينافي الأول لأن هذا الحكم يختص بمن شك فلم يذكر فلزمه الإعادة وإنما يجوز له المضي في الصلاة وإعادة السجدة بعد التسليم إذا كان ذلك مع العلم ولا تنافي بين هذه الأخبار. مسألة 199: من صلى أربع ركعات فذكر أنه ترك فيها أربع سجدات فليس لأصحابنا فيه نص معين، والذي يقتضيه المذهب أن عليه أن يعيد أربع

(1) التهذيب 2: 152 حديث 598، والاستبصار 1: 358 حديث 1360.
(2) التهذيب 2: 153 حديث 602، والاستبصار 1: 359 حديث 1361.
(3) التهذيب 2: 154 حديث 605، والاستبصار 1: 360 حديث 1364، والكافي 3: 349 حديث 2 باختلاف يسير.

[ 457 ]

سجدات وأربع مرات سجدتي السهو، إن قلنا أن ترك سجدة في الركعة الأولى لا تبطل الصلاة، وإن قلنا يبطلها بطلت الصلاة وعليه استئنافها. وقال الشافعي: إذا ترك أربع سجدات تمت له ركعتان وعليه أن يأتي بركعتين (1). وقال بعض أصحابه: هذا على قول من قال: إن جلسة الاستراحة أو جلسة الفصل قد حصلت له أو القيام يقوم مقام الجلسة، فأما من لم يقل ذلك فإنه صحت له ركعة إلا سجدة، فعليه أن يأتي بما بقي من الصلاة، هذا مذهب أبي العباس، والأول مذهب أبي إسحاق. وقال الليث وأحمد: يبطل جميع ما فعله في الصلاة، ولم يصح له منها شئ بحال إلا تكبيرة الاحرام (2). وقال الثوري وأبو حنيفة صحت صلاته إلا أربع سجدات فيأتي بأربع سجدات على الولاء وتجزيه وقد تمت صلاته (3). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى، لأن الأخبار التي قدمناها عمومها تقتضي أن عليه أربع سجدات، عقيب كل سجدة سجدتا السهو، والمذهب الآخر يقتضيه أيضا الخبر الذي أوردناه، فهذه المسألة مبنية على الأول (4). مسألة 200: من جلس في الأولى ناسيا أو في الثالثة ثم ذكر، قام وتمم صلاته، سواء كان تشهد أو لم يتشهد. فمن قال من أصحابنا: يجب عليه سجدتا السهو في كل زيادة ونقصان

(1) المجموع 4: 121، والوجيز 1: 50، وفتح العزيز 4: 154.
(2) المجموع 4: 121.
(3) المجموع 4: 121، وفتح العزيز 4: 154.
(4) أي المسألة المتقدمة برقم: 198.

[ 458 ]

اعتبر (1)، فإن كانت الجلسة بقدر الاستراحة ولم يتشهد لم يكن عليه سجدتا السهو، وإن كان تشهد أو جلس بمقدار التشهد كان عليه سجدتا السهو، وبه قال الشافعي (2). ومن قال من أصحابنا: إنه لا يجب سجدتا السهو إلا في مواضع مخصوصة يقول: يتم صلاته وليس عليه شي (3)، وبه قال علقمة والأسود (4). دليلنا: على الأول ما روي من الأخبار أن كل زيادة ونقصان فيه سجدتا السهو (5)، ويدل على الثاني ما يعارضه من الأخبار المقتضية لنفي سجدتي السهو إلا في المواضع المخصوصة (6). مسألة 201: إذا سهى ما يوجب سجدتي السهو بأنواع مختلفة أو متجانسة في صلاة واحدة فالأحوط أن نقول عليه لكل واحد سجدتا السهو. وقال الأوزاعي: مثل ذلك (7). وقال باقي الفقهاء لا يلزمه إلا سجدتا السهو دفعة واحدة (8). دليلنا: عموم الأخبار التي وردت بالأمر بسجدتي السهو عند هذه الأشياء، فمن قال بتداخلها ترك ظاهرها.

ذهب إليه الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 225، والأمالي: 382 المجلس 93.
(2) الأم 1: 130، والمجموع 4: 124 و 138، والوجيز 1: 51.
(3) المقنعة: 24، والكافي في الفقه: 148، والجمل: 66، والمهذب 1: 156 والمراسم: 90، والمختلف: 140، وتذكرة الفقهاء 1: 140.
(4) المجموع 4: 127.
(5) التهذيب 2: 155 حديث 608، والاستبصار 1: 361 حديث 1377.
(6) التهذيب 2: 157 حديث 616، و 158 حديث 618 - 621، والاستبصار 1: 360 حديث 1366 و 362 حديث 1373 و 1374 و 363 حديث 1375.
(7) المجموع 4: 143، المحلى 4: 166.
(8) الأم 1: 131، ومختصر المزني: 17، والمجموع 4: 143.

[ 459 ]

وروى ثوبان عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لكل سهو سجدتان " (1) وهذا عام. وطريقة الاحتياط أيضا تقتضي ذلك، لأنه إذا فعل ما قلناه برأت ذمته بيقين، وإذا لم يفعل ذلك فليس على براءة ذمته دليل. مسألة 202: سجدتا السهو لا تجبان في الصلاة إلا في أربعة مواضع: أحدها: إذا تكلم في الصلاة ناسيا. والثاني: إذا سلم في غير موضع التسليم ناسيا. والثالث: إذا نسي سجدة واحدة ولا يذكر حتى يركع في الركعة التي بعدها. والرابع: إذا نسي التشهد الأول ولا يذكر حتى يركع في الثالثة. فإن هذه المواضع يجب عليه المضي في الصلاة، ثم سجدتا السهو بعد التسليم وقد مضى ما يدل عليه، وأما ما عدا ذلك فهو كل سهو يلحق الانسان ولا يجب عليه سجدتا السهو فعلا كان أو قولا، زيادة كانت أو نقصانا، متحققة كانت أو متوهمة وعلى كل حال. وفي أصحابنا من قال: عليه سجدتا السهو في كل زيادة ونقصان (2). وقال الشافعي: سجود السهو يجب لأحد الأمرين لزيادة فيها أو نقصان. فالزيادة ضربان: قول وفعل. فالقول أن يسلم ساهيا في غير موضعه أو يتكلم ساهيا وإن يقرأ في ركوعه وسجوده وفي غير موضع القراءة. والفعل على ضربين: زيادة متحققة ومتوهمة، فالمتحققة أن يقعد في موضع

(1) سنن ابن ماجه 1: 385 الحديث 1219، ومسند أحمد بن حنبل 5: 280.
(2) قاله الشيخ الصدوق في أماليه: 382 المجلس 93، وانظر مفتاح الكرامة 3: 315.

[ 460 ]

قيامه عقيب الأولى والثالثة أكثر من جلسة الاستراحة، أو يقوم في موضع قعوده وهو أن يقوم عن الثانية ثم يعود للقعود، أو يقوم بعد الرابعة إلى الخامسة يعتقدها رابعة. وأما الزيادة المتوهمة: وهو البناء على اليقين، لا يدري هل صلى ثلاثا أو أربعا فإنه يضيف إليها أخرى. وعقد هذا الباب كلما إذا فعله الانسان عامدا بطلت صلاته، فإذا فعله ساهيا جبره بسجود السهو. وأما النقصان فإن يترك التشهد الأول أو الجلوس له، وكذلك القنوت في الفجر وفي النصف الأخير من شهر رمضان من صلاة الوتر، وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله في التشهد الأول فذكره في الجديد على قولين: أحدهما أنه سنة، فإذا قال ذلك جبره بالسجود، والثاني أنه ليس بسنة، فعلى هذا لا يجبره. قال: وأما ما لا يجبره فأركان الصلاة وهيئاتها، فإن ترك ركنا لم يجبره بسهو لكن إن ذكره قريبا أتى به وسجد للسهو لأجل ما زاد من الفعل بتركه، وإن ذكره بعيدا بطلت صلاته. وأما الهيئات فإن يترك دعاء الافتتاح، والتعوذ، والجهر فيما يسر به، والإسرار فيما يجهر به، ويترك القراءة بعد الفاتحة، والتكبيرات بعد الاحرام، والتسبيحات في الركوع والسجود. وأما الأفعال فترك رفع اليدين مع الافتتاح. وعند الركوع والرفع منه، ووضع اليمين على الشمال في حال القيام، وترك وضعهما على الركبتين في حال الركوع، وعلى الفخذين في حال الجلوس، وترك جلسة الاستراحة عقيب الأولى والثالثة، وترك هيئة ركن من الأفعال كالافتراش في موضع التورك، والتورك في موضع الافتراش، وكذلك إذا خطا خطوة أو خطوتين، أو التفت أو لف

[ 461 ]

عمامته لفة أو لفتين، كل هذا ترك هيئات الأركان فلا يجبره بسجود السهو. وجملته أن الصلاة تشتمل على أركان، ومسنونات، وهيئات. فالأركان لا تجبر بسجدتي السهو، وكذلك الهيئات. والمسنونات تجبر بسجدتي السهو (1). ووافق أبو حنيفة الشافعي في هذه المسائل كلها وزاد عليه في خمس مسائل فقال: إن جهر فيما يسر به أو أسر فيما يجهر به - يعني الإمام - فإن المأموم عنده لا يجهر أو ترك فاتحة الكتاب أو قرأ سورة قبل الفاتحة، أو أخر القراءة عن الأولتين إلى الأخيرتين، أو ترك التكبيرات المتوالية في العيدين، أو تورك في موضع الافتراش فالكل يسجد له (2). وقال مالك: من ترك الهيئات سجد، ودعاء الافتتاح والتعوذ عنده لا تفعل في الصلاة، لكن تكبيرات الصلاة غير الافتتاح، وترك التسبيح في الركوع والسجود، وترك الاسرار أو الجهر فمذهبه أنه يجبر كل سهو يقع في الصلاة (3). وقال ابن أبي ليلى: إن أسر فيما يجهر به، أو جهر فيما يسر به بطلت صلاته (4)، وهذا مذهبنا. دليلنا: على ما ذهبنا إليه أن المواضع الذي قلناه مما هو مجمع عليه وما فيه خلاف، فقد دللنا عليه فيما مضى، وما عدا ذلك يحتاج إلى دليل في وجوب سجدتي السهو فيها. ومذهبنا في هذه المسائل كلها بيناه في كتاب " النهاية " (5) وفصلناه في

(1) الأم 1: 130، والمجموع 4: 124، والوجيز 1: 50، والمحلى 4: 160.
(2) الهداية 1: 74، وشرح فتح القدير 1: 358 - 359، والنتف 1: 97، والمجموع 4: 128، والمحلى 4: 160.
(3) المدونة الكبرى 1: 135، ومختصر العلامة خليل: 33، وفتح الرحيم 1: 76 والمجموع 4: 128.
(4) المجموع 4: 128.
(5) النهاية: 90.

[ 462 ]

" الجمل والعقود " (1) وجملته أن هذه المسائل تشتمل على مفروض ومسنون، فالمفروض من ذلك من سهى عن شئ وذكره تلافاه ولا شئ عليه، وإن فاته حتى انتقل إلى ركن آخر فمنه ما يبطل الصلاة، ومنه ما يوجب المضي وقضاءه بعد التسليم وسجدتي السهو، ومنه ما لا سجدتا السهو فيه. مسألة 203: سجود السهو واجب وشرط في صحة الصلاة، وهو مذهب مالك (2)، وبه قال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة إلا أنه قال: ليس شرطا في صحة الصلاة (3). وقال الشافعي هو مسنون غير واجب (4)، وبه قال أكثر أصحاب أبي حنيفة (5). دليلنا: إنه مأمور بالسجود في المواضع التي قدمناها، والأمر يقتضي الوجوب، فمن حمله على الندب فعليه الدلالة. وأيضا لا خلاف إن من أتى به في صلاته أن صلاته ماضية وذمته برأت، وإذا لم يأت به فيه خلاف، فالاحتياط يقتضي ما قلناه. مسألة 204: من نسي سجدتي السهو ثم ذكر فعليه إعادتهما، تطاولت المدة أو لم تطل، وبه قال الأوزاعي، وهو أحد قولي الشافعي (6). وقال الشافعي: إن تطاولت المدة لم يأت به، وإن لم تطل أتى به قولا واحدا هذا قوله في الجديد (7).

(1) الجمل والعقود: 32.
(2) المبسوط 1: 218، والهداية 1: 74 والمجموع 4: 152 وبداية المجتهد 1: 184 وشرح فتح القدير 1: 358.
(3) المجموع 4: 152. (4) الأم 1: 128، وبداية المجتهد 1: 184 والمجموع 4: 151 ومغني المحتاج 1: 204.
(5) المجموع 4: 152. (1) الأم 1: 132.
(2) الأم (مختصر المزني): 17.

[ 463 ]

وقال في القديم على قولين: أحدهما مثل ما قلناه، والآخر أنه لا يأتي به، وبه قال مالك وأبو حنيفة (1). دليلنا: إنه مأمور به، فمتى لم يفعله وجب عليه فعله إلى أن تبرأ ذمته، وطريقة الاحتياط تقتضيه، والأخبار التي وردت بسجود السهو عامة في الحال والمستقبل لأنها غير مقيدة بوقت، فمتى لم يفعل وجب عليه الاتيان بهما. مسألة 205: إذا نسي سجدتي السهو، وقلنا أنه يجب عليه الاتيان بهما طالت المدة أو لم تطل، فلا نحتاج إلى حد الطول، وإنما يحتاج إليه من يقول: إذا طالت لا يجب عليه إعادته. وللشافعي فيه قولان قال في الجديد: المرجع فيه إلى العرف (2)، وقال في القديم: ما لم يقم عن مجلسه (3). وقال الحسن وابن سيرين ما لم ينحرف عن القبلة (4)، وقال أبو حنيفة ما لم يخرج من المسجد أو يتكلم (5). وقد بينا أن هذا الفرع ساقط عنا، ولا نحتاج إلى حده. مسألة 206: إذا سهى خلف من يقتدى به تحمل الإمام عنه سهوه، وكان وجوده كعدمه، وبه قال جميع الفقهاء (6)، وروي ذلك عن ابن عباس. وقال إسحاق: هو إجماع إلا ما حكي عن مكحول الشامي أنه قال: إن

(1) المجموع 3: 161 والأم 1: 132.
(2) الأم 1: 132، والمجموع 4: 158، كفاية الأخيار 1: 78.
(3) الأم 1: 132، والمجموع 4: 158.
(4) المجموع 4: 161.
(5) المبسوط 1: 226، والمجموع 4: 161.
(6) الأم 1: 131، بداية المجتهد 1: 190، والهداية 1: 75، وفتح الرحيم 1: 77 والمجموع 4: 142، والمبسوط 1: 222، وشرح فتح القدير 1: 362.

[ 464 ]

قام مع قعود إمامه سجد للسهو (1). دليلنا: الإجماع، وقول مكحول لا يعتد به لأنه محجوج به، ثم إنه مع ذلك قد انقرض. مسألة 207: إذا ترك الإمام سجود السهو عامدا أو ساهيا وجب على المأموم أن يأتي به، وبه قال مالك، والشافعي، والأوزاعي، والليث بن سعد (2). وقال أبو حنيفة: لا يأتي به، وبه قال الثوري، والمزني، وأبو حفص بن الوكيل (3) من أصحاب الشافعي (4). دليلنا: إن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، فإذا وجب على الإمام ولم يسجد وجب على المأموم ذلك لأن به تتم صلاته، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك. وأيضا روى عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سهى الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو، وإن سهى من خلف الإمام فليس عليه سهو والإمام كافيه " (5). مسألة 208: إذا لحق المأموم مع الإمام ركعة أو ما زاد عليها ثم سهى الإمام

(1) قال القرطبي في بداية المجتهد 1: 190 ذهب الجمهور إلى أن الإمام يحمل عنه السهو وشذ مكحول فألزمه السجود في خاصة نفسه.
(2) الأم 1: 131، والأم (مختصر المزني): 17، وبداية المجتهد 1: 190، ومغني المحتاج 1: 212.
(3) أبو حفص عمر بن عبد الله المعروف بابن الوكيل أو الباب شامي، من فقهاء الشافعية وأصحاب الوجوه وكبار محدثيهم، تفقه على الأنماطي. طبقات الشافعية للسبكي 2: 314، وطبقات الشافعية: 16.
(4) الأم (مختصر المزني): 17، الهداية 1: 75، وشرح فتح القدير 1: 362، واللباب 1: 98، وطبقات الشافعية للعبادي: 71.
(5) السنن الكبرى 2: 352، وسنن الدار قطني 1: 377 الحديث الأول وسبل السلام 1: 352.

[ 465 ]

فيما بقي عليه، فإذا سلم الإمام وسجد سجدتي السهو لا يلزمه أن يتبعه، وكذلك إن تركه متعمدا أو ساهيا لا يلزمه ذلك، وبه قال ابن سيرين (1). وقال باقي الفقهاء إنه يتبعه في ذلك (2). دليلنا: إنه قد ثبت أن سجدتي السهو لا تكونان إلا بعد التسليم، فإذا سلم الإمام خرج المأموم فيما بقي من أن يكون مقتديا به فلا يلزمه أن يسجد بسجوده. مسألة 209: كلما إذا تركه ناسيا لزمه سجدتا السهو إذا تركه متعمدا، فإن كان فرضا بطلت صلاته مثل التشهد الأول والتسبيح في الركوع والسجود سجدة واحدة، وإن كان فضلا ونفلا لا يلزمه سجدتا السهو مثل القنوت وما أشبه ذلك. وقال الشافعي: عليه سجدتا السهو فيما هو سنة (3). وقال أبو حنيفة: لا يسجد للسهو في العمد، وبه قال أبو إسحاق (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، فمن أوجب عليها شيئا فعليه الدلالة. وأيضا الأخبار المتضمنة لوجوب سجدتي السهو إنما تضمنت حال السهو، فمن حمل حال العمد عليه كان قائسا وذلك لا يجوز. مسألة 210: لا سهو في النافلة، وبه قال ابن سيرين (5). وقال باقي الفقهاء حكم النافلة حكم الفريضة فيما يوجب السهو (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن أوجب عليها حكما

(1) المجموع 4: 146.
(2) الأم 1: 133، الأم (مختصر المزني): 17، المجموع 4: 146.
(3) المحلى 4: 160، وبداية المجتهد 1: 188.
(4) المجموع 4: 125، والمحلى 4: 160.
(5) نيل الأوطار 3: 145، والمجموع 4: 161.
(6) نيل الأوطار 3: 145، والمجموع 4: 161، وبداية المجتهد 1: 188.

[ 466 ]

فعليه الدلالة، وأخبارنا في هذا الباب أكثر من أن تحصى (1) مسألة 211: إذا صلى المغرب أربعا أعاد. وقال جميع الفقهاء يسجد سجدتي السهو وقد مضت صلاته (2)، وقال الأوزاعي يضيف إليها خامسة ثم يسجد للسهو (3)، وبه قال قتادة قال: لأن المغرب وتر فإذا صلاها أربعا شفعها فأمرناه بأن يضيف إليها أخرى ليوترها (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فالصلاة في ذمته بيقين ولا تبرأ بيقين إلا بإعادتها. مسألة 212: إذا أدرك مع الإمام آخر الصلاة صلى ما أدركه وتمم ما فاته ولم يسجد سجدتي السهو، وبه قال أنس بن مالك وجميع الفقهاء (5). وقال ابن عمر، وابن الزبير، وأبو سعيد الخدري: يقضي ما فاته ويسجد للسهو ثم يسلم قالوا: لأنه زاد في الصلاة ما ليس من صلاته مع إمامه (6). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع الأمة لأن هذا الخلاف قد انقرض وأيضا الأصل براءة الذمة وشغلها بفرض أو نفل يحتاج إلى دليل. مسألة 213: من لا يحسن القرآن أصلا لا أم القرآن ولا غيرها وجب عليه أن يحمد الله ويكبره مكان القرآن لا يجزيه غيره، وبه قال الشافعي (7).

(1) الكافي 3: 359 الحديث السادس وغيرها، والتهذيب 2: 343 حديث 14222 و 189 حديث 750.
(2) المجموع 4: 163.
(3) المجموع 4: 163.
(4) المجموع 4: 163.
(5) المجموع 4 / 163، والمغني لابن قدامة 1: 733، الشرح الكبير على المقنع بذيل المغني 1 / 732.
(6) سنن أبي داود 1 / 39، والمغني لابن قدامة 1 / 733 والمجموع 4 / 163 والشرح الكبير على المقنع بذيل المغني 1 / 732.
(7) الأم 1: 102، والمجموع 3: 378.

[ 467 ]

وقال أبو حنيفة: إذا لم يحسن القرآن لم ينب منابه غيره، فيقوم ساكتا بغير ذكر (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط فإنه إذا فعل ما قلناه برأت ذمته بيقين وإذا لم يفعل لم تبرأ ذمته بيقين. وروى رفاعة بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمر الله تعالى، ثم ليكبر، فإن كان معه شئ من القرآن قرأه، وإن لم يكن معه فليحمد الله وليكبر (2)، وهذا أمر يقتضي الوجوب. وروى إبراهيم السكسكي (3) عن عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزي عني فقال له: " قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فقال الرجل: هذا لله تعالى فما لي؟ فقال: قل اللهم ارحمني وعافني وارزقني، فانصرف الرجل وقال بيديه هكذا قبض عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما هذا فقد ملأ يديه خيرا " (4). مسألة 214: إذا صلى الرجل بقوم على غير طهارة عالما كان بحاله أو جاهلا وجب عليه الإعادة بلا خلاف، وأما المأموم فإن كان عالما بحال الإمام واقتدى به وجب أيضا الإعادة بلا خلاف، وإن لم يكن المأموم عالما بحاله

(1) فتح العزيز المطبوع مع المجموع 3: 339، المجموع 3: 379.
(2) السنن الكبرى 2: 371، ونيل الأوطار 2: 247، والمغني 1: 488، وأسد الغابة 2: 178.
(3) أبو إسماعيل إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسماعيل السكسكي - بفتح السينين وسكون الكاف الأولى - نسبة إلى السكاسك من بطون كندة، ذكره ابن حبان في الثقاة، روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي بردة، وروى عنه مسعر ويزيد بن عبد الرحمن الدلاني والعوام بن حوشب وغيرهم. تهذيب التهذيب 1: 138 والجرح والتعديل 2: 111، والتاريخ الكبير 1: 295، واللباب 2: 123.
(4) سنن أبي داود 1: 220 حديث 832، وسنن النسائي 2: 143 صدر الحديث، والمغني 1: 488، وسنن الدار قطني 1: 313 الحديث الأول باختلاف يسير.

[ 468 ]

فالمعول عليه عند أصحابنا والأظهر في رواياتهم أنه لا إعادة على المأموم، سواء كان حدث الإمام جنابة أو غيرها، وسواء كان الإمام عالما بحدثه أو جاهلا، وسواء علم المأموم بذلك في الوقت أو بعد خروج الوقت (1)، وبه قال الشافعي (2)، وفي الصحابة علي عليه السلام، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص (3)، وفي التابعين الحسن البصري، والنخعي، وسعيد بن جبير (4)، وفي الفقهاء الأوزاعي، والثوري، وأحمد بن حنبل وأبو ثور (5). وقال قوم من أصحابنا برواية ضعيفة أن عليه الإعادة على كل حال (6)، وبه قال ابن سيرين، والشعبي، وفي الفقهاء حماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة وأصحابه (7). وقال عبد الرحمن بن مهدي (8): قلت لسفيان بن عيينة: تعلم أحدا قال

(1) انظر التهذيب 3: 39 الأحاديث 136 - 139، والاستبصار 1: 432 الأحاديث 1667 - 1670.
(2) الأم 1: 167، والمجموع 4: 256، والوجيز 1: 55، والهداية 1: 58، وبداية المجتهد 1: 151، وشرح العناية 1: 265، وفتح العزيز 4: 324.
(3) المجموع 4: 260. والمغني لابن قدامه 1: 777.
(4) المجموع 4: 260. والمغني لابن قدامة 1: 777.
(5) الاقناع 1: 168، والروض المربع: 73، والمجموع 4: 260، والمغني لابن قدامه 1: 777.
(6) الظاهر أنه رواية العرزمي عن أبيه، انظر التهذيب 3: 40 حديث: 140، والاستبصار 1: 433 حديث 1671.
(7) الهداية 1: 58، وشرح فتح القدير 1: 265، والمبسوط 1: 180، وشرح العناية 1: 265، وفتح العزيز 4: 324، وبداية المجتهد 1: 151، والمجموع 4: 260، والوجيز 1: 55. والمغني لابن قدامه 1: 777.
(8) أبو سعيد البصري، عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري الأزدي، مولاهم الحافظ الفقيه، روى عن جمع منهم عكرمة بن عمار وخالد بن دينار ومهدي بن ميمون وشعبة والسفيانيين وإبراهيم بن نافع المكي وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك وابن وهب ويحيى بن معين وغيرهم. مات سنة 198. تهذيب التهذيب 6: 279، وشذرات الذهب 1: 355، ومرآة الجنان 1: 460.

[ 469 ]

عليه الإعادة؟ قال: نعم حماد بن أبي سليمان (1). ولأبي حنيفة تفصيل يعرف به مذهبه، فقال: صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، فإن كان محدثا فأحرم بهم لم ينعقد لهم صلاة، وإن كانوا كلهم متطهرين وأحدث الإمام بطلت صلاتهم بغير حدث لبطلان صلاة الإمام (2). وقال مالك: إن كان الإمام عالما بالحدث بطلت صلاتهم لأنه مفرط، وإن كان جاهلا بحدثه لم تبطل صلاتهم لأنه معذور (3). وقال عطاء: إن كان حدثه جنابة بطلت صلاتهم، وإن كان غير الجنابة فإن علموا بذلك في الوقت أعادوا، وإن علموا بعد الوقت فلا إعادة عليهم (4). والكلام مع أبي حنيفة في فصلين: أحدهما: هل تنعقد صلاتهم خلف محدث أم لا؟ فعندنا تنعقد، وعنده لا تنعقد (5). والثاني: إذا دخلوا على طهر ثم أحدث الإمام فهل تبطل صلاتهم أم لا؟ فعندنا لا تبطل، وعنده تبطل (6). دليلنا: إجماع الفرقة الذين يعول عليهم وعلى قولهم ورواياتهم المعتمدة وأيضا الإعادة فرض ثان تحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليها. وروى عبد الله بن بكير قال: سأل حمزة بن حمران (7) أبا عبد الله

(1) المجموع 4: 260.
(2) الهداية 1: 59، والمبسوط 1: 169، وشرح فتح القدير 1: 267 - 268.
(3) بداية المجتهد 1: 151، وفتح الرحيم 1: 84، وفتح العزيز 4: 324. والمجموع 4: 260.
(4) المجموع 4: 260.
(5) راجع الهامش السابع من هذه المسألة.
(6) راجع الهامش الثاني من هذه الصفحة.
(7) حمزة بن حمران بن أعين الشيباني الكوفي، من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام له =

[ 470 ]

عليه السلام عن رجل أمنا في السفر وهو جنب وقد علم ونحن لا نعلم؟ قال: لا بأس (1). وروى محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل يؤم القوم وهو على غير طهر فلا يعلم حتى ينقضي صلاته؟ قال: يعيد ولا يعيد من صلى خلفه وإن أعلمهم أنه كان على غير طهر (2). وروى عبد الله بن أبي يعفور قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل أم قوما وهو على غير وضوء؟ فقال: ليس عليهم إعادة وعليه هو أن يعيد (3). وروى مثل ذلك زرارة (4). وروى البراء بن عازب (5) عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أيما إمام سهى فصلى بالقوم وهو جنب فقد تمت (6) صلاتهم، ثم ليغتسل هو، ثم ليعد صلاته، فإن كان بغير وضوء فمثل ذلك.

= كتاب، وثق برواية ثلة من أصحاب الإجماع وغيرهم ممن روايته عنه مشعرة بتوثيقه. رجال النجاشي: 108 والفهرست: 64، ورجال الطوسي: 118 و 177، وجامع الرواة 1: 280، وتنقيح المقال 1: 374. (1) التهذيب 3: 39 حديث 136، والاستبصار 1: 432 حديث 1667.
(2) التهذيب 3: 39 حديث 137، والاستبصار 1: 432 حديث 1668.
(3) التهذيب 3: 39 حديث 138، والاستبصار 1: 432 حديث 1669.
(4) حكما لا لفظا، ولفظها: عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قوم صلى بهم إمامهم وهو غير طاهر أتجوز صلاتهم أم يعيدونها؟ فقال: لا إعادة عليهم تمت صلاتهم وعليه هو الإعادة وليس عليه أنه يعلمهم هذا موضوع عنهم. التهذيب 3: 39 حديث 139، والاستبصار 1: 432 حديث 1670.
(5) البراء بن عازب الأنصاري. رده النبي عن غزوة بدر استصغارا إياه. شهد أحدا وما بعدها، فتح الري سنة 24 من الهجرة، شمله دعاء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لكتمانه الشهادة في حديث الغدير. أسد الغابة 1: 171، وتنقيح المقال 1: 161.
(6) في نسخة مضت.

[ 471 ]

وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي عليه السلام أنه قال: إذا أم رجل قوما وهو جنب ولم يذكر فليعد صلاته، ولم يأمرهم أن يعيدوها (1). مسألة 215: إذا صلى خلف كافر مستتر بكفره، ولا أمارة على كفره مثل الزنادقة والمنافقين، ثم علم بعد ذلك، لم يجب عليه الإعادة. وقال أصحاب الشافعي تجب عليه الإعادة (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن صلاته خلفه مأمور بها، مرغب فيها مع فقد العلم بحاله، فإذا انكشف حاله فمن أوجب الإعادة احتاج إلى دليل. وأيضا روى ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام في قوم خرجوا من خراسان أو من بعض الجبال ولهم إمام يؤم بهم، فلما وصلوا إلى الكوفة إذا هو يهودي قال: " لا إعادة عليهم " (3). مسألة 216: لا تجوز الصلاة خلف من يشرب شيئا من المسكرات سواء كان سكران في الحال أو سكر في خلال الصلاة أو لم يسكر. وقال الشافعي: إن دخل في الصلاة وهو مفيق جازت الصلاة خلفه، فإن سكر في خلال الصلاة وجبت مفارقته، فإن لم يفارقه بطلت صلاته (4). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن الصلاة خلف الفاسق لا تجوز،

(1) الظاهر انفراد المصنف قدس سره بهذا الحديث، ولتعدد الحارث من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وعدم معرفة من قبله في السند لا يمكن التمييز بينهم... وقال ابن قدامة في كتابه المغني 1: 777 وعن علي أنه قال: إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة آمره أن يغتسل ويعيد ولا آمرهم أن يعيدوا.
(2) الأم 1: 168، وفي المجموع 4: 251.
(3) الكافي 3: 378 الحديث 4 والتهذيب 3: 40 الحديث 141 ولفظ الحديث فيهما: "... في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمهم رجل فلما صاروا إلى الكوفة علموا أنه يهودي؟ قال: لا يعيدون ". (4) الأم 1: 168، والمجموع 4: 262.

[ 472 ]

وهذا فاسق، فلا تجوز الصلاة خلفه. فإن فرضنا أنه تاب عقيب الشرب قبلت توبته وجازت الصلاة خلفه، وإن لحقه السكر في خلال الصلاة وجبت مفارقته كما قال الشافعي، لأن الصلاة خلف السكران ومن لا يعقل لا تصح. مسألة 217: طهارة البدن والثياب وموضع السجود شرط في صحة الصلاة، وبه قال جميع الفقهاء (1)، وزاد الشافعي: موضع الصلاة أجمع (2)، وأبو حنيفة موضع السجود والقدمين (3). وقال مالك يعيد في الوقت، كأنه يذهب إلى أن اجتناب النجاسة ليس شرطا في صحة الصلاة (4). وذهبت طائفة إلى أن الصلاة لا تفتقر إلى الطهارة من النجاسة، روي ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وأبي مجلز، أما ابن عباس فقال: ليس على الثوب جنابة، وابن مسعود نحر جزورا فأصحابه من فرثه ودمه فصلى ولم يغسله، وابن جبير سئل عن رجل صلى وفي ثوبه أذى؟ فقال: اقرأ علي الآية التي فيها غسل الثياب (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وأيضا قوله تعالى: " وثيابك فطهر " (6) معناه من النجاسة (7) لأن هذا

(1) المغني لابن قدامة 1 / 750 و 759 والمجموع 3: 131 - 132 و 242 و 152، وكفاية الأخيار 1: 55، وأحكام القرآن للجصاص 3: 470، وحاشية إعانة الطالبين 1: 80، والمحلى 3: 202، واللباب 1: 54، والوجيز 1: 46 - 47، والمبسوط 1: 204، وحكى القرطبي ذلك عن بعض في تفسيره 19: 66.
(2) المجموع 4: 151، وفتح العزيز 4: 34.
(3) المبسوط 1: 204، وشرح فتح القدير 1: 168، والعناية 1: 169، وفتح العزيز 4: 34.
(4) تفسير القرطبي 19: 66، والمجموع 3: 132، وفتح العزيز 4: 14.
(5) المجموع 3: 132، والمغني لابن قدامة 1 / 750.
(6) المدثر: 4.
(7) تفسير الطبري 29: 91، وتفسير القرطبي 19: 63، والتفسير الكبير 30: 91.

[ 473 ]

حقيقته، وروي ذلك عن ابن سيرين. وقال ابن عباس معناه: فطهر من الغدر وقال: أما سمعت قول حسان ابن ثابت (1): - وإني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدرة أتقنع (2) - وقال ابن جبير: كان الغدار يسمى في الجاهلية دنس الثياب. وقال النخعي وعطاء: " وثيابك فطهر " معناه من الإثم. وقال مجاهد وأبو رزين العقيلي (3): وعملك فأصلح.

(1) حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، أبو عبد الرحمن، صحابي معروف اشتهر بكونه شاعر النبي (ص)، أول من نظم حادثة غدير خم من الشعراء بعد ما استجاز النبي بذلك فأجازه فقام منشدا غديرته العصماء التي مطلعها - يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم واسمع بالرسول مناديا - - فقال فمن مولاكم ونبيكم؟ * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا - - إلهك مولانا وأنت نبينا * ولم تلق منا في الولاية عاصيا - - فقال له: قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا - - فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له اتباع صدق مواليا - - هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا - إلى آخر قصيدته العصماء. فقال النبي (ص) في حقه: " لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ". وكأنه (ع) أشار إلى ما سيؤول إليه حاله. فقد عاد عليه دعاؤه حيث أصبح مناوئا لأمير المؤمنين (ع) وله مواقف مشهورة معه ومع أصحابه (ع) تدل على ذلك، ومات سنة 55 هجرية - وقيل غير ذلك، وله 120 سنة، الإصابة 1: 325، أسد الغابة 2: 4، الأغاني 4: 134، والغدير 2: 34، وطبقات فحول الشعراء: 179، وتنقيح المقال 1: 264.
(2) نسب الطبري والقرطبي وغيرهما من المفسرين ذلك إلى الشاعر غيلان بن سلمة الثقفي.
(3) لقيط بن عامر ويقال لقيط بن صبره، أبو رزين العقيلي، اختلفت أرباب المعاجم في الاتحاد والتعدد بينهما، روى عن النبي (ص) وعنه عاصم ابنه وابن أخيه وكيع بن عدس وغيرهم، عده ابن سعد من جملة وفد عقيل بن كعب على النبي (ص) وأعطاه ماء يقال له النظيم وبايعه على قومه، التاريخ الكبير 7: 248، والجرح والتعديل 7: 177، وتهذيب التهذيب 8: 456، والطبقات الكبرى 1: 302، و 5: 518، وأسد الغابة 4: 366.

[ 474 ]

وقال الحسن البصري معناه: وخلقك فحسن. وقال ابن سيرين: " وثيابك فطهر " أي فشمر (1). وهذه التأويلات كلها خلاف الظاهر، والحقيقة ما قلناه، فإذا حمل على شئ مما قالوه كان مجازيا ويحتاج ذلك إلى دليل. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " أكثر عذاب القبر من البول " (2) فلو كان معفوا عنه ما عوقب عليه. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لأسماء في دم الحيض: " حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " (3) وأمره عليه السلام يحمل على الوجوب، ولو كان معفوا عنه لما أمر بذلك. مسألة 218: من لا يجد إلا ثوبا نجسا نزعه وصلى عريانا ولا إعادة عليه، وبه قال الشافعي (4). وقال في البويطي: وقد قيل: يصلي فيه ويعيد (5)، قال أصحابه: وليس هذا مذهبه وإنما حكى مذهب غيره. وقال مالك: يصلي فيه ولا إعادة عليه (6)، وبه قال محمد بن الحسن والمزني (7).

(1) تفسير الطبري 29: 91 - 92، وتفسير القرطبي 19: 63، والتفسير الكبير 30: 192، والدر المنثور 6: 281.
(2) سنن ابن ماجة 1: 125 حديث 348، ومسند أحمد 2: 326 و 388 و 389.
(3) نصب الراية 1: 207، وشرح فتح القدير 1: 833، وفي سنن ابن ماجة 1: 206 " اقرصيه واغسليه وصلي فيه ".
(4) الأم 1: 91، والمجموع 3: 142، والمغني لابن قدامة 1: 594.
(5) المجموع 3: 142.
(6) فتح الرحيم 1: 65 والمغني لابن قدامه 1: 594، والمجموع 3: 143.
(7) المبسوط 1: 187، والمغني لابن قدامة 1: 594، والمجموع 3: 143.

[ 475 ]

وقال أبو حنيفة: إن كان أكثره طاهرا لزمه أن يصلي فيه ولا إعادة عليه وإن كان أكثره نجسا فهو بالخيار بين أن يصلي فيه وبين أن يصلي عريانا كيفما صلى فلا إعادة (1). دليلنا: إنا قد علمنا أن النجاسة ممنوع من الصلاة فيها، فمن أجاز الصلاة فيها فعليه الدلالة، وأيضا إجماع الفرقة على ذلك. وروى زرعة عن سماعة قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض، وليس عليه إلا ثوب واحد وأجنب فيه وليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال: " يتيمم ويصلي عريانا قاعدا يومئ " (2). وروى محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلا ثوب واحد وأصاب ثوبه مني قال: " يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا ويصلي ويومي إيماء " (3). وروى أصحابنا أنه يصلي فيه، روى ذلك محمد بن علي الحلبي (4)، وعلي ابن جعفر (5). وقد رووا أنه يصلي فيه ثم يعيد الصلاة فيما بعد، روى ذلك عمار

(1) الأصل 1: 194، والمبسوط 1: 187، وشرح فتح القدير 1: 184، والمغني لابن قدامة 1: 594، والمجموع 3: 143.
(2) الكافي 3: 396 الحديث 15، والتهذيب 1: 405 حديث 1271 و 2: 223 حديث 881، والاستبصار 1: 168 حديث 582 باختلاف يسير.
(3) التهذيب 1: 406 حديث 1287 و 2: 223 حديث 882، والاستبصار 1: 168 حديث 583.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 40 حديث 155، والتهذيب 1: 271 حديث 799، والاستبصار 1: 187 حديث 655.
(5) قرب الاسناد: 89، ومن لا يحضره الفقيه 1: 160 حديث 756، والتهذيب 2: 224 حديث 884، والاستبصار 1: 169 حديث 585.

[ 476 ]

الساباطي (1)، وقد بينا الوجه في هذه الأخبار (2)، وقلنا: إنما يجوز له أن يصلي فيه إذا خاف على نفسه من البرد، فإنه يصلي فيه ويعيد، ونكون قد جمعنا بين الأخبار. مسألة 219: دم ما ليس له نفس سائلة طاهر ولا ينجس بالموت، وكذلك دم السمك، ودم البق، والبراغيث، والقمل، وبه قال أبو حنيفة (3). وقال الشافعي: هو نجس (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن النجاسة حكم شرعي ولا دلالة في الشرع على نجاسة هذه الدماء. وروى الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة؟ قال: " لا وإن كثر " (5). مسألة 220: جميع النجاسات يجب إزالتها عن الثياب والبدن، قليلا كان أو كثيرا، إلا الدم فإن له ثلاثة أحوال: دم البق ودم البراغيث ودم السمك وما لا نفس له سائلا ودم الجراح اللازمة لا بأس بقليله وكثيره. ودم الحيض والاستحاضة والنفاس لا تجوز الصلاة في قليله ولا كثيره. ودم الفصاد (6) والرعاف وما يجري مجراه من دماء الحيوان الذي له نفس

(1) التهذيب 1: 407 حديث 1279 و 2: 224 حديث 886، والاستبصار 1: 169 حديث 587.
(2) التهذيب 1: 407 و 2: 224، والاستبصار 1: 187.
(3) المحلى 1: 105، والهداية 1: 37، وشرح فتح القدير 1: 145.
(4) مغني المحتاج 1: 78، وحكى ابن حزم في المحلى 1: 105 قول الشافعي: إزالته فرض ولا يزال إلا بالماء.
(5) الكافي 3: 59 الحديث 8، والتهذيب 1: 259 الحديث 753.
(6) الفصد بالفتح فالسكون، قطع العرق، والفصاد اسم أي الحجامة. مجمع البحرين 3: 121 مادة فصد.

[ 477 ]

سائلة، نظر فإن بلغ مقدار الدرهم، وهو المضروب من درهم وثلث فصاعدا وجب إزالته، وإن كان أقل من ذلك لم يجب ذلك فيه. وقال الشافعي: النجاسات كلها حكمها حكم واحد، فإنها تجب إزالتها قليلة وكثيرة إلا ما هو معفو عنه من دم البق والبراغيث، فإن تفاحش وجب إزالته (1). وقال أبو حنيفة: النجاسات كلها يراعى فيها مقدار الدرهم فإذا زاد وجب إزالتها، والدرهم هو البغلي الواسع، وإن لم يزد عليه فهو معفو عنه (2). وقال مالك وأحمد إن كان متفاحشا فغير معفو عنه، وإن لم يكن متفاحشا فهو معفو عنه (3)، وقال أحمد: التفاحش شبر في شبر (4)، وقال مالك: التفاحش نصف الثوب (5). وقال النخعي والأوزاعي: قدر الدرهم غير معفو عنه، وإن كان دونه فمعفو عنه (6)، فهما جعلا قدر الدرهم في حد الكثرة، وأبو حنيفة جعله في حد القلة (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا طريقة الاحتياط، فإن من أزال القليل والكثير كانت صلاته ماضية بلا خلاف، وإذا لم يزل ففيه خلاف، ولا يلزمنا مثل ذلك في مقدار الدرهم في الدم لأنا أخرجنا ذلك بدليل.

(1) المجموع 3: 133 - 135، وبداية المجتهد 1: 78، وشرح فتح القدير 1: 140، والاستذكار 2: 41.
(2) الهداية 1: 35، والمبسوط 1: 61، والنتف 1: 36، واللباب في شرح الكتاب 1: 55، وشرح فتح القدير 1: 140.
(3) المدونة الكبرى 1: 21 - 22، والاستذكار 2: 41 - 42.
(4) المجموع 3: 136.
(5) المصدر السابق.
(6) المصدر السابق.
(7) اللباب 1: 55، والنتف 1: 36، وبداية المجتهد 1: 78، والمجموع 3: 136.

[ 478 ]

وأيضا فقد علمنا حصول النجاسة ووجوب إزالتها، ومن راعى مقدارا فعليه الدلالة، ونحن لما راعينا مقدار الدرهم فلأجل إجماع الفرقة، وأخبار أصحابنا أكثر من أن تحصى، وقد أوردناها في الكتابين المقدم ذكرهما (1). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لأسماء في دم الحيض: " حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " (2) وهذا أمر يقتضي الوجوب ولم يعين مقدارا. مسألة 221: إذا صلى ثم رأى على ثوبه أو بدنه نجاسة تحقق أنها كانت عليه حين الصلاة ولم يكن علم بها قبل ذلك، اختلف أصحابنا في ذلك واختلفت رواياتهم. فمنهم من قال: يجب عليه الإعادة على كل حال (3) وبه قال الشافعي: في الأم وأبو قلابة (4)، وأحمد بن حنبل (5). ومنهم من قال: إن علم في الوقت أعاد وإن لم يعلم إلا بعد خروج الوقت لم يعد (6)، وبه قال ربيعة ومالك. وقال أصحاب مالك: كل موضع قال مالك: إن علم في الوقت أعاد وإن علم بعد الوقت لم يعد، فإنما يريد استحبابا (7).

(1) التهذيب 1: 254، والاستبصار 1: 175 باب 106.
(2) راجع هامش المسألة الثامنة من كتاب الطهارة ومسألة 217 من كتاب الصلاة.
(3) من لا يحضره الفقيه 1: 42، والمقنع: 5، ومفتاح الكرامة 1: 125 نقلا عن المقنعة.
(4) أبو قلابة، عبد الله بن زيد بن عمر البصري الجرمي، طلب للقضاء فهرب إلى الشام ومات فيها سنة 104 وقيل غير ذلك، روى عن ثابت الأنصاري وسمرة بن جندب وعمر بن سلمة الجرمي وأنس بن مالك وعنه أيوب وخالد الحذاء وعاصم الأحول وطائفة، تهذيب التهذيب 5: 224، مرآة الجنان 1: 219، والأعلام 4: 88.
(5) الأم (مختصر المزني): 18، والمجموع 3: 157، والاستذكار 2: 39.
(6) المقنع: 5.
(7) الاستذكار 2: 39، وبلغة السالك 1: 26، والشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 26.

[ 479 ]

ومنهم من قال: إن كان سبقه العلم بذلك قبل تشاغله بالصلاة أعاد على كل حال، وإن لم يكن سبقه العلم بذلك أعاد في الوقت، فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، وهذا الذي اخترناه في كتاب النهاية (1) وبه تشهد الروايات. وقال قوم: لا تجب عليه الإعادة على كل حال، ذهب إليه الأوزاعي (2)، وروي ذلك عن ابن عمر (3)، وبه قال الشافعي في القديم (4)، وبه قال أبو حنيفة على ما حكاه عنه أبو حامد في تعليقته، وقد بينا الكلام على اختلاف أخبارنا في الكتابين المقدم ذكرهما، فلا وجه لإعادته. مسألة 222: الجسم الصقيل مثل السيف والمرآة والقوارير (5) إذا أصابته نجاسة، فالظاهر أنه لا يطهر إلا بأن يغسل بالماء، وبه قال الشافعي (6). وفي أصحابنا من قال يطهر بأن يمسح ذلك منه أو يغسل بالماء، اختاره المرتضى ولست أعرف به أثرا، وبه قال أبو حنيفة (7). دليلنا: إنا قد علمنا حصول النجاسة في هذا الجسم، والحكم بزوالها يحتاج إلى شرع، وليس في الشرع ما يدل على زوال هذا الحكم بما قالوه، وطريقة الاحتياط تقتضي ما قلناه، لأنا إذا غسلناه بالماء علمنا طهارته يقينا، وإن لم نغسله بالماء فليس على طهارته دليل. مسألة 223: كلما لا تتم به الصلاة منفردا لا بأس بالصلاة فيه وإن كان فيه

(1) النهاية: 52، والمبسوط 1: 90.
(2) المجموع 3: 157.
(3) المصدر السابق.
(4) المجموع 3: 155 - 156.
(5) القوارير: جمع قارورة وهي الزجاجة. مجمع البحرين 3: 455 مادة قرر.
(6) المجموع 2: 599، وبداية المجتهد 1: 80.
(7) الهداية 1: 35، وبدائع الصنائع 1: 85، وشرح فتح القدير 1: 137، وشرح العناية 1: 137، والمجموع 2: 599.

[ 480 ]

نجاسة، وذلك مثل النعل، والخف، والقلنسوة، والتكة، والجورب. وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا في الخف: إذا أصاب أسفله نجاسة فدلكها بالأرض قبل أن تجف لا يزول حكمها (1)، وإن دلكها بالأرض بعد أن جفت للشافعي فيه قولان: قال في الجديد: لا يزول حتى يغسلها بالماء (2). وقال في أماليه القديمة والحديثة معا يزول حكمها (3)، وبه قال أبو حنيفة (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا فإن النجاسة حكم شرعي فينبغي أن لا يحكم بثبوت حكمها إلا بدليل، ولا دليل في الموضع الذي قالوه على نجاسة ما تحصل فيه، والأصل براءة الذمة. وروى عبد الله بن سنان عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " كلما كان على الانسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلي فيه وإن كان فيه قذر مثل القلنسوة (5)، والنعل، والخفين، وما أشبه ذلك " (6). وروى حفص بن أبي عيسى (7) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إني وطأت عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئا، ما تقول في الصلاة فيه؟ فقال: " لا بأس " (8).

(1) المجموع 2: 598.
(2) المصدر السابق.
(3) المجموع 2: 598، والهداية 1: 35.
(4) الهداية 1: 35، وشرح فتح القدير 1: 135، واللباب 1: 54، والمجموع 2: 598.
(5) زاد في التهذيب " والتكة والكمرة ".
(6) التهذيب 1: 275 حديث 810.
(7) حفص بن أبي عيسى، من أصحاب الإمام الصادق، روى عنه عبد الله بن بكير رجال الشيخ: 176، وتنقيح المقال 1: 351، ومعجم رجال الحديث 6: 131.
(8) التهذيب 1: 274 حديث 808.

[ 481 ]

وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا وطأ أحدكم بخفه قذرا فطهوره التراب " (1). مسألة 224: إذا كان معه ثوبان طاهر ونجس، صلى في كل واحد منهما فرضه، فيؤدي فرضه بيقين، وأما الإناءان إذا كان أحدهما طاهرا فإنه يتيم ولا يستعمل شيئا منهما ولا يجوز التحري في هذه المواضع، ووافقنا في الثوبين الماجشون من أصحاب مالك (2). وقال الشافعي في الانائين والثوبين: يتحرى فيهما فما غلب على ظنه أنه طاهر صلى فيه وليس عليه شئ (3). وقال أبو حنيفة في الثوبين مثل قول الشافعي ولم يجوز التحري في الانائين وأجازه في الثلاثة إذا كان الطاهر أكثر، وإن تساويا فلا يجوز (4). وقال المزني، وأبو ثور: لا يتحرى في شئ من هذا أصلا ويصلي عريانا إن كان معه ثوبان، وإن كان معه إناءان يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه (5)، فوافقنا في الانائين وخالف في الثوبين وذهب إليه قوم من أصحابنا. دليلنا: على الثوبين أنه إذا صلى في كل واحد منهما قطع على أنه صلى في ثوب طاهر فوجب عليه ذلك لأن الذمة لا تبرأ إلا بيقين، ولا يجوز أن يعدل إلى الصلاة عريانا مع قدرته على ستر العورة، فأما الإناءان فعليه إجماع الفرقة. وروى صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام قال: كتبت إليه

(1) الرواية في سنن أبي داود 1: 105 باختلاف في اللفظ والسند واتحاد في المعنى انظر الأحاديث 385، 386، 387.
(2) المجموع 1: 181.
(3) الأم (مختصر المزني): 18، والمجموع 1: 180 و 3: 144، وفتح العزيز 1: 274، والوجيز 1: 9 - 10.
(4) المجموع 1: 181، وفتح العزيز 1: 274.
(5) المجموع 1: 181، والمغني لابن قدامة 1: 63، وفتح العزيز 1: 274، والوجيز 1: 9 - 10.

[ 482 ]

أسأله عن رجل كان معه ثوبان أصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال: " يصلي فيهما جميعا " (1). مسألة 225: من كان معه قميص، فنجس أحد كميه، لا يجوز له التحري فيه، فإن قطع واحدا منهما فمثل ذلك، وكذلك إن أصاب الثوب نجاسة لا يعرف موضعها ثم قطعه بنصفين لا يجوز له التحري ويصلي عريانا. ولأصحاب الشافعي في الكمين وجهان: قال أبو العباس: يجوز التحري لأنهما كالثوبين (2). وقال أبو إسحاق: لا يجوز التحري لأنه ثوب واحد (3). فإن قطع أحد الكمين جاز التحري عند الجميع من أصحابه قولا واحدا (4)، فأما إذا كان لم يعرف موضع النجاسة فقطعه بنصفين لم تجز الصلاة في واحد منهما ولا التحري عندهم (5). دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار العامة في من معه ثوب واحد أصابته نجاسة أنه لا يصلي فيه، ويجب غسله كله، فمن أجاز التحري فعليه الدلالة. وأيضا الصلاة واجبة في ذمته بيقين، ولا تبرأ ذمته إلا بأن يسقطها بيقين، ومن تحرى وصلى فليس تبرأ ذمته بيقين، فوجب أن لا يجوز ذلك. مسألة 226: إذا أصاب ثوب المرأة دم الحيض، يستحب لها حته ثم قرصه، ثم غسله بالماء، فإن اقتصرت على الغسل بالماء أجزأها ذلك، وبه قال جميع الفقهاء (6).

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 161 حديث 757، والتهذيب 2: 225 حديث 887.
(2) المجموع 3: 144.
(3) المصدر السابق 3: 144.
(4) المجموع 3: 144 و 145، وفتح العزيز 4: 18.
(5) المجموع 3: 143، وفتح العزيز 4: 16 و 17.
(6) الأم 1: 67، والمحلى 1: 102 - 105، ونيل الأوطار 1: 48.

[ 483 ]

وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أن الحت والقرص شرط في صحة الغسل (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة ووجوب الغسل مجمع عليه، فمن أوجب الحت والقرص فعليه الدلالة. وأيضا روت خولة بنت يسار (2) قالت قلت: يا رسول الله أرأيت لو بقي أثره؟ فقال: " الماء يكفيك ولا يضرك أثره " (3)، فأخبر عليه السلام أن الماء يكفي، فدل على أن ما زاد عليه ليس بواجب. مسألة 227: عرق الجنب إذا كانت الجنابة من حرام يحرم الصلاة فيه، وإن كانت من حلال فلا بأس بالصلاة فيه، وأجاز الفقهاء كلهم ذلك ولم يفصلوا (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، والأخبار التي ذكرناها في الكتابين المقدم ذكرهما (5). مسألة 228: المذي والوذي طاهران، لا بأس بالصلاة في ثوب أصاباه، وكذلك البدن، وحكم نداوة فرج المرأة مثل ذلك.

(1) سبل السلام 1: 56.
(2) خوله بنت يسار، لم تترجم بأكثر من إنها روت هذا الحديث، ويحتمل كونها خولة بنت اليمان. الإصابة 4: 286، والاستيعاب 4: 286 - 287، وأسد الغابة 5: 447.
(3) سنن أبي داود 1: 100 (باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها): حديث 365، وسنن البيهقي 2: 408، ومسند أحمد 2: 364 و 380. باختلاف يسير في الكل. وأسد الغابة 5: 447، والاستيعاب 4: 285، والإصابة 4: 286.
(4) الأصل 1: 49، والمجموع 2: 150 - 151، والمبسوط 1: 70.
(5) التهذيب 1: 268 عند قول الشيخ المفيد (رحمه الله) " ولا بأس بعرق الحائض والجنب " الأحاديث 786 و 787، والاستبصار 1: 184 الباب 110 " عرق الجنب والحائض يصيب الثوب " الأحاديث 644 و 645.

[ 484 ]

وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا بنجاسته (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل الطهارة، فمن حكم في ذلك بالنجاسة فعليه الدلالة. ولأصحاب الشافعي في نداوة فرج المرأة وجهان: أحدهما مثل ما قلناه وقالوا: يجري مجرى العرق (2)، والآخر يجري مجرى الوذي والمذي (3). دليلنا: ما ذكرناه في طهارة المذي (4). مسألة 229: بول الصبي قبل أن يأكل الطعام يكفي أن يصب عليه الماء بمقدار ما يغمره ولا يجب غسله، ومن عدا الصبي من الصبية والكبار الذين أكلوا الطعام يجب غسل أبوالهم، وحده أن يصب عليه الماء حتى ينزل (5) عنه. ووافقنا الشافعي في بول الصبي (6)، وروي ذلك عن علي عليه السلام (7) وبه قال أحمد وإسحاق (8). وقال الأوزاعي والنخعي: يرش بول الآدميين كلهم قياسا على بول الصبي الذي لم يطعم (9). وقال أبو حنيفة: يجب غسل جميعه، والصبي والصبية سواء (10).

(1) الأم 1: 55، والمجموع 2: 552.
(2) المجموع 2: 570.
(3) المصدر السابق.
(4) تقدم في المسألة 60 من كتاب الطهارة فراجع.
(5) في نسخة يزول.
(6) المجموع 2: 589 و 590، والوجيز 1: 9، وكفاية الأخيار 1: 41 و 42، والمحلى 1: 102، ونيل الأوطار 1: 58.
(7) المحلى 1: 102، ونيل الأوطار، 1: 58، والمجموع 2: 590.
(8) المجموع 2: 590، والمحلى 1: 102، ونيل الأوطار 1: 58.
(9) المجموع 2: 590.
(10) المحلى 1: 102، ونيل الأوطار 1: 58، والوجيز 1: 9، والمجموع 2: 590.

[ 485 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وروي عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " يغسل الثوب من بول الجارية، وينضح بالماء من بول الغلام ما لم يطعم " (1). وروى الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الصبي؟ قال: " يصب عليه الماء، فإن كان قد أكل فاغسله غسلا " (2). وروى السكوني عن جعفر عن أبيه أنه قال: " إن عليا عليه السلام قال: لبن الجارية وبولها يغسل منهما الثوب قبل أن يطعم، لأن لبنها يخرج من مثانة أمها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا بوله قبل أن يطعم، لأن لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين " (3). مسألة 230: كلما يؤكل لحمه من الطيور والبهائم بوله، وذرقه، وروثه، طاهر لا ينجس منه الثوب ولا البدن، إلا ذرق الدجاج خاصة فإنه نجس. وما لا يؤكل لحمه فبوله وروثه وذرقه نجس لا يجوز الصلاة في قليله ولا كثيره. وما يكره لحمه كالحمر الأهلية والبغال والدواب فإنه يكره بوله وروثه وإن لم يكن نجسا. وقال الزهري ومالك وأحمد بن حنبل: بول ما يؤكل لحمه طاهر كله،

(1) سنن أبي داود 1: 103، حديث 377 و 378 وأيضا الأحاديث 374 و 375 و 376 و 379، والمنهل العذب 3: 246 - 255 باب بول الصبي يصيب الثوب، وعمدة القاري 3: 13.
(2) الكافي 3: 56 الحديث السادس، ومن لا يحضره الفقيه 1: 40 حديث 157، والتهذيب 1: 249 حديث 715، والاستبصار 1: 173 حديث 602. وفي الكل تتمة " والغلام والجارية في ذلك شرع سواء ". من لا يحضره الفقيه 1: 40 ذيل حديث 156، والتهذيب 1: 250 حديث 718، والاستبصار 1: 173 حديث 601، وعلل الشرائع: 294، والمقنع: 5.

[ 486 ]

وبول ما لا يؤكل لحمه نجس (1). وقال النخعي: بول ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه وروثه كله نجس. وقال الشافعي: بول جميع ذلك نجس وكذلك روثه أمكن الاحتراز منه أو لم يمكن، أكل لحمه أو لم يؤكل (2)، وبه قال ابن عمر، وحماد بن أبي سليمان. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: غير الآدميين من الحيوان أما الطائر فذرق جميعه طاهر ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل إلا الدجاج فإن ذرقه نجس (3). وقال محمد: ما يؤكل لحمه روثه طاهر إلا الدجاج فإن ذرقه نجس، وما لا يؤكل لحمه فذرقه نجس إلا الخشاف، فليس يختلفون في ذرق الخشاف والدجاج (4). وأما غير الطائر فروثه كله نجس عندهم جميعا إلا زفر فإنه قال: ما يؤكل لحمه فروثه طاهر، وما لا يؤكل لحمه روثه نجس (5). وأما أبوالها فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: بول كله نجس (6) وقال محمد: بول ما يؤكل لحمه طاهر، وما لا يؤكل لحمه بوله نجس كله (7). فأما الازالة فقال: أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كان ما لا يؤكل لحمه فهو

(1) بداية المجتهد 1: 80، ونيل الأوطار 1: 60 والمجموع 2: 549 وكفاية الأخيار 1: 60، وفتح العزيز 1: 178. والمحلى 1: 169.
(2) المجموع 2: 548، والوجيز 1: 7، وفتح العزيز 1: 177، وكفاية الأخيار 1: 40، وبداية المجتهد 1: 80، ونيل الأوطار 1: 61. والمحلى 1: 169.
(3) الهداية 1: 36، والمبسوط 1: 56، والمجموع 2: 549 - 550، ونيل الأوطار 1: 61.
(4) الهداية 1: 36.
(5) الهداية 1: 36، والمبسوط 1: 61، والمجموع 1: 61.
(6) شرح العناية 1: 142، والمجموع 2: 549، وفتح العزيز 1: 184.
(7) الهداية 1: 36، ونيل الأوطار 1: 60.

[ 487 ]

كبول الآدميين إن كان قدر الدرهم عفي عنه، وإن زاد عليه فغير معفو عنه (1)، وأما ما يؤكل لحمه فمعفو عنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف ما لم يتفاحش (2)، قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن حد التفاحش فلم يحده. قال أبو يوسف: التفاحش: شبر في شبر (3)، وقال محمد: ربع الثوب (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم (5) وهي أكثر من أن تحصى. وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " (6). وروى أنس أن العرنيين (7) أسلموا وقدموا المدينة فاجتووها (8) فانتفخت بطونهم، فأمرهم أن يخرجوا إلى لقاح الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها (9)، فلو

(1) الهداية 1: 36، والمبسوط 1: 60، وبداية المجتهد 1: 78.
(2) الهداية 1: 36، والمبسوط 1: 55.
(3) الهداية 1: 36، والمبسوط 1: 55. والمحلى 1: 168.
(4) المبسوط 1: 55، وبداية المجتهد 1: 78.
(5) الكافي 3: 57 باب أبوال الدواب وأرواثها، والتهذيب 1: 264 الحديث 56 و 57 والاستبصار 1: 178 الباب 108 أبوال الدواب والبغال والحمير.
(6) روى الدار قطني 1: 128 بسنده عن البراء قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله " " لا بأس ببول ما أكل لحمه " وحكاه البيهقي عن الدار قطني أيضا في سننه 1: 252. حي من بجيلة من قحطان، بطن من أثمار بن ارات من كهلان من الفحطانية، وقيل حي من قضاعة، وقد ذكر أغلب من تعرض لتعريفهم قصة ارتدادهم وسوقهم إبل الصدقة وقتل النبي لهم. تاج العروس 9: 277، والأنساب: 389، ونهاية الأرب 334، ومعجم القبائل 2: 776.
(8) في بعض الروايات اجتووا وهو مشتق من الجوى داء في الجوف يحصل لعدم موافقة جو البلد للوافد إليه وقيل هو السل. تاج العروس 10: 79. وفي البعض الآخر استوخموا وهو من وخم أي إن الأرض لا توافق ساكنها تاج العروس 9: 90 مادة وخم.
(9) صحيح مسلم 3: 1296 الأحاديث 9 - 12، ومسند أحمد 3: 107، 161، 163، 177، 186، 198، 205، 233، 287، 290، وسنن ابن ماجة 2: 861 حديث 2578، وسنن الترمذي 1: 106 =

[ 488 ]

كانت الأبوال نجسة ما أمرهم بشربها. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وآله طاف على راحلته راكبا (1) فلو كان بولها نجسا لما عرض المسجد للنجاسة مع قوله عليه السلام: " جنبوا مساجدكم الأطفال والمجانين " (2). ولأن ذرق الطيور والعصافير في المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله من عهد النبي صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا لم ينكره منكر ولا رده أحد، فثبت أنها طاهرة. فإن قيل قوله تعالى " وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين " (3) فامتن علينا بأن سقانا من بين نجسين فثبت أن الفرث نجس قيل: أراد إنه أخرج اللبن الأبيض من بن دم أحمر وفرث أصفر. وروى زرارة أنهما قالا: " لا يغسل الثوب من بول كل شئ يؤكل لحمه " (4). وروى عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (5) فدل على أن ما يؤكل لحمه بخلافه.

(1) الحديث 72، 4: 281 حديث 1845 و 285 حديث 2042، وسنن أبي داود 4: 130 حديث 3464. (1) صحيح البخاري 2: 181، وصحيح مسلم 2: 926 الأحاديث 253 - 256، وسنن أبي داود 2: 176 الأحاديث 1877 - 1881، وسنن ابن ماجة 2: 982 الأحاديث 2947 - 2949، وسنن الدارمي 2: 43، ومسند أحمد 1: 214، 237، 264.
(2) سنن ابن ماجة 1: 247 حديث 750.
(3) النحل: 66.
(4) الكافي 3: 57 الحديث الأول، والتهذيب 1: 264 حديث 769.
(5) الكافي 3: 57 الحديث الثالث و 406 الحديث الثاني عشر، والتهذيب 1: 64 حديث 770.

[ 489 ]

مسألة 231: المني كله نجس، لا يجزي فيه الفرك، ويحتاج إلى غسله رطبه ويابسه من الانسان وغير الانسان والرجل والمرأة لا يختلف الحكم فيه. وقال الشافعي: مني الآدمي طاهر من الرجل والمرأة، وروي ذلك عن ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وبه قال في التابعين سعيد بن المسيب وعطاء (1). ووافقنا في نجاسته مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه (2)، إلا أنهم اختلفوا فيما يزول به حكمه. فقال مالك: يغسل رطبا أو يابسا (3) كما قلناه. وقال أبو حنيفة: يغسل رطبا ويفرك يابسا (4). وللشافعي في مني غير الآدميين ثلاثة أقوال: أحدها إنه طاهر إلا ما كان من مني شئ يكون نجسا في حال الحياة من الكلب والخنزير وما توالد منهما أو من أحدهما (5). والثاني نجس كله إلا مني الانسان (6). دليلنا: إجماع الفرقة، ودليل الاحتياط لأن من أزال ذلك بالغسل صحت صلاته بلا خلاف، وإذا فركه وأزاله بغير الماء فيه خلاف.

(1) الأم 1: 55، والمجموع 2: 553 و 554، ومغني المحتاج 1: 80، والهداية 1: 35، وشرح فتح القدير 1: 137، وبدائع الصنائع 1: 60، والمحلى 1: 126، وبداية المجتهد 1: 79.
(2) الهداية 1: 35، وشرح فتح القدير 1: 136، وبدائع الصنائع 1: 84، والمجموع 2: 554، والمحلى 1: 126، وبداية المجتهد 1: 79، وفتح الرحيم 1: 38.
(3) المدونة الكبرى 1: 21، وبداية المجتهد 1: 79، والمحلى 1: 126، والمجموع 2: 554.
(4) الهداية 1: 35، وشرح فتح القدير 1: 136، وبدائع الصنائع 1: 84، والمجموع 2: 554 والمحلى 1: 126، وبداية المجتهد 1: 79. (5) المجموع 2: 555، ومغني المحتاج 1: 80.
(6) المجموع 2: 555، ومغني المحتاج 1: 80. ولم يذكر الثالث في جميع النسخ المعتمدة. وقال النووي في المجموع 2: 555، " والثالث ما أكل لحمه فمنيه طاهر كلبنه، وما لا يؤكل لحمه فمنيه =

[ 490 ]

وأيضا قوله تعالى " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان " (1) وقال المفسرون إنما أراد به أثر الاحتلام (2). وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " سبعة يغسل الثوب منها: منها البول والمني ". وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " اغسليه رطبا وافركيه يابسا " (3). وروى عمار بن ياسر قال مر بي رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أسقي راحلتي، وتنخمت فأصابتني نخامتي، فجعلت أغسل ثوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما نخامتك ودموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني والدم والقئ " (4). وروى ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المني يصيب الثوب؟ قال: " إن عرفت مكانه فاغسله، وإن خفي مكانه فغسله كله " (5). وروى سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام مثل ذلك سواء (6). مسألة 232: العلقة نجسة، وبه قال أبو حنيفة وأبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي، وهو المذهب عندهم (7).

= نجس كلبنه " وانظر مغني المحتاج 1: 80. (1) الأنفال: 11.
(2) أحكام القران للجصاص 3: 46، والتفسير الكبير 15: 133.
(3) سنن الدار قطني 1: 125 الحديث الثالث.
(4) سنن الدار قطني 1: 127 الحديث الأول، والسنن الكبرى 1: 14.
(5) الكافي 3: 53 الحديث الأول، والتهذيب 1: 251 حديث 725.
(6) الكافي 3: 54 الحديث الثالث، والتهذيب 1: 252 حديث 727 و 1: 223 حديث 789.
(7) المجموع 2: 559، ومغني المحتاج 1: 81.

[ 491 ]

وقال الصيرفي (1) من أصحابه وغيره أنها طاهرة. دليلنا: إجماع الفرقة (2)، وأيضا ما دل على نجاسة الدم يدل على نجاسة العلقة لأنه دم، ودليل الاحتياط أيضا يدل على ذلك. مسألة 233: من انكسر عظم من عظامه فجبر بعظم حيوان طاهر فلا خلاف في أن ذلك جائز، فإن جبره بعظم ميت مما ليس بنجس العين فعندنا أنه طاهر، لأن العظم عندنا لا ينجس بالموت. وكذلك السن إذا انقلعت جاز له أن يعيده إلى مكانه أو غيره، ومتى كان من حيوان نجس العين مثل الكلب والخنزير فلا يجوز له فعله، فإن فعل وأمكنه نقله وجب عليه نقله وإن لم يمكنه إما لمشقة عظيمة تلحقه أو خوف التلف فلا يجب عليه نقله. وقال الشافعي: إن جبره بعظم طاهر وهو عظم ما يؤكل لحمه إذا ذكي كالغنم جاز، وكذلك إذا سقطت سنه كان له أن يعيد مكانها سنا طاهرا وهو سن ما يؤكل لحمه إذا ذكي. وأما إن أراد أن يجبره بعظم نجس وهو عظم الكلب أو الخنزير أو عظم ما لا يؤكل لحكه أو يؤكل لحمه بعد وفاته قال في الأم: أو بعظم الانسان لم يكن له ذلك. وكذلك إذا سقطت سنه وأراد إعادتها بعينها لم يكن له، فإن خالف ففيه ثلاث مسائل: ما لم ينبت عليه اللحم أو نبت عليه، ويستضر بقلعه ولا يخاف

(1) أبو بكر الصيرفي، محمد بن عبد الله البغدادي، الشافعي، من أصحاب الوجوه، تفقه على ابن سريج، له شرح الرسالة، وكتاب في الشروط، وفي أصول الفقه، سمع الحديث من أحمد بن منصور الرمادي، وروى عنه علي بن محمد الحلبي توفي سنة 330. طبقات الشافعية الكبرى 2: 170، وشذرات الذهب 2: 325، ومرآة الجنان 2: 297، وطبقات الشافعية: 18.
(2) المجموع 2: 559، ومغني المحتاج 1: 81.

[ 492 ]

التلف أو يستضر ويخاف التلف، فإن لم يستضر أصلا فعليه إزالته، وإن استضر بقلعه لنبات اللحم عليه ولا يخاف التلف لا تلفه ولا تلف عضو من أعضائه فعليه قلعه، فإن لم يفعل أجبره السلطان على قلعه. وإن مات قبل قلعه قال الشافعي: لم يقلع بعد موته لأنه صار ميتا كله والله تعالى حسيبه (1). وقال أصحابه المذهب أن لا يقلع. وقال الصيرفي: الأولى قلعه. فإن خاف التلف من قلعه أو تلف عضو من أعضائه، قال الشافعي: المذهب أنه يجب قلعه، وهو ظاهر قوله لأنه قال: أجبره السلطان على قلعه ولم يفصل. وفي أصحابه من قال: لا يجب قلعه، وذهب إليه أبو إسحاق وهو المذهب (2). وقال أبو حنيفة في المسألتين الأخيرتين لا يجب قلعه مثل قولنا (3). دليلنا: قوله تعالى " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (4) وقلع شئ من العضو قد نبت عليه اللحم أو يخاف التلف من قلعه من أضيق الحرج. وأيضا الأصل براءة الذمة، وإيجاب القلع يحتاج إلى دليل. مسألة 234: يكره للمرأة أن تصل شعرها بشعر غيرها، رجلا كان أو امرأة، ولا بأس بأن تصل شعرها بشعر حيوان آخر طاهر. فإن خالفت تركت الأولى ولا تبطل صلاتها.

(1) الأم 1: 54، والمجموع 3: 138، والوجيز 1: 46، وفتح العزيز 4: 27.
(2) المجموع 3: 138، والوجيز 1: 46 - 47، وفتح العزيز 4: 27.
(3) المجموع 3: 138، والوجيز 1: 46، وفتح العزيز 4: 27.
(4) الحج: 78.

[ 493 ]

وقال الشافعي: متى وصلت شعرها بشعر غيرها، وكذلك الرجل، إلا أن يصل بشعر ما يؤكل لحمه قبل موته، فإن خالف بطلت صلاته (1). دليلنا: على كراهية ذلك إجماع الفرقة. وروى القاسم بن محمد عن علي عليه السلام قال: سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس، ليس لها معيشة غير ذلك، وقد دخلها ضيق؟ قال: " لا بأس ولكن لا تصل الشعر بالشعر " (2). وروى ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخلت ماشطة على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها: " لا تصل الشعر بالشعر " (3) بعد كلام طويل. والذي يدل على أن ذلك مكروه، وليس بمحظور، ما رواه سعد الاسكاف قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عن القرامل (4) التي تضعها النساء في رؤوسهن يصلنه بشعورهن؟ فقال: " لا بأس به على المرأة ما تزينت به لزوجها " قال: قلت: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن الواصلة والموصولة؟ (5) فقال: " ليس هناك، إنما لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الواصلة التي تزني في شبابها، فلما كبرت قادت النساء إلى الرجال، فتلك الواصلة والموصولة " (6).

(1) الأم 1: 54، والمجموع 3: 139، والوجيز 1: 47، وفتح العزيز 4: 30 - 31.
(2) التهذيب 6: 359 حديث 1030.
(3) الكافي 5: 119 الحديث الثاني، والتهذيب 6: 359 حديث 1031.
(4) القرامل: ما تشده المرأة في شعرها من ضفائر الشعر أو الصوف أو الإبريسم للزينة النهاية 4: 51، ومجمع البحرين: 512 مادة (قرمل).
(5) صحيح البخاري 7: 213 - 214 باب الموصولة، ومسند أحمد 2: 21 و 339، وسنن النسائي 8: 145، وسنن أبي داود 4: 77 حديث 4168.
(6) الكافي 5: 119 الحديث الثالث، والتهذيب 6: 360 حديث 1032.

[ 494 ]

مسألة 235: إذا بال على موضع من الأرض، فتطهيرها أن يصب الماء عليه حتى يكاثره ويغمره ويقهره، فيزيل طعمه ولونه وريحه، فإذا زال حكمنا بطهارة الموضع وطهارة الماء الوارد عليه، ولا يحتاج إلى نقل التراب ولا قلع المكان، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: إن كانت الأرض رخوة، فصب عليها الماء، فنزل الماء عن وجهها إلى باطنها طهرت الجلدة العليا دون السفلى التي وصل الماء والبول إليها، وإن كانت الأرض صلبة فصب الماء على المكان فجرى عليه إلى مكان آخر طهر مكان البول ولكن نجس المكان الذي انتهى إليه الماء، فلا يطهر حتى يحفر التراب ويلقى عن المكان (2). دليلنا: قوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (3) ونقل التراب من الأرض إلى موضع آخر يشق. وروى أبو هريرة قال: دخل أعرابي المسجد فقال: أللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لقد تحجرت واسعا " قال: فما لبث أن بال في ناحية المسجد، فكأنهم عجلوا إليه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وآله، ثم أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه، ثم قال: " علموا ويسروا ولا تعصروا " (4). وفيه دليلان: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وآله قصد تطهير المكان عن النجاسة،

(1) الأم 1: 52، والمجموع 2: 592، والوجيز 1: 9.
(2) بدائع الصنائع 1: 89، والمنهل العذب 3: 257، والمجموع 2: 592، والوجيز 1: 9.
(3) الحج: 78.
(4) سنن ابن ماجة 1: 176 حديث 529 و 530، وسنن الترمذي 1: 275 حديث 147 و 148، وسنن أبي داود 1: 103 حديث 380 و 381، ومسند أحمد 2: 239 و 503، والمنهل العذب 3: 255.

[ 495 ]

فأمرهم بما يطهر به، فالظاهر أنه كل الحكم، ولم ينقل أنه أمرهم بنقل التراب. والثاني: أنه لو لم يطهر المكان بصب الماء عليه لكان في صب الماء عليه تكثير للنجاسة، فإن قدر البول دون الماء، والبول الذي يجتمع في المسجد والنبي صلى الله عليه وآله لا يأمر بطهارة المسجد بما يزيده تنجيسا. مسألة 236: إذا بال على موضع من الأرض وجففته الشمس طهر الموضع، وإن جفف بغير الشمس لم يطهر، وكذلك الحكم في البواري والحصر سواء. وقال الشافعي: إذا زالت أوصافها بغير الماء بأن تجففها الشمس أو بأن تهب عليها الريح ولم يبق لون ولا ريح ولا أثر فيه قولان: قال في الأم: لا يطهر بغير الماء، وبه قال مالك (1). وقال في القديم: يطهر ولم يفرق بين الشمس والظل (2). وذكر في الاملاء فقال: إن كان صاحبا للشمس فيجف ويهب عليه الريح فلم يبق له أثر فقد طهر المكان، فأما إن كان في البيت أو في الظل فلا يطهر بغير الماء، فخرج من الماء أنه إن جف بغير الشمس لم يطهر قولا واحدا، وإن كان في الشمس فعلى قولين: أحدهما لا يطهر، والثاني: يطهر، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد. والظاهر من مذهبهم أنه لا فرق بين الشمس والظل، وإنما الاعتبار بأن يجف (3). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن

(1) الأم 1: 52 والمجموع 2: 596، وشرح فتح القدير 1: 138 والهداية 1: 35.
(2) المجموع 2: 596.
(3) الهداية 1: 35، والمبسوط 1: 205، وشرح فتح القدير 1: 138، والمجموع 2: 596.

[ 496 ]

الشمس هل تطهر الأرض؟ قال: " إذا كان الموضع قدرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع، فإن الصلاة على الموضع جائزة، وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطبا لم تجز الصلاة عليه حتى ييبس " (1). وروى علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن البواري يصيبها البول هل تصح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن تغسل - قال: " نعم لا بأس " (2). ويمكن أن يستدل على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وآله: " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا، فحيثما أدركتني الصلاة صليت " (3) وهذا عام لأنه لم يستثن. مسألة 237: إذا صلى في مقبرة جديدة دفن فيها كان ذلك مكروها، غير أنه لا يجب عليه إعادتها، وبه قال الشافعي (4). وقال مالك لا تكره الصلاة فيها (5). وقال بعض أهل الظاهر لا تجزى فيها الصلاة (6)، وإليه ذهب قوم من

(1) التهذيب 1: 273 صدر حديث 802، والاستبصار 1: 193 حديث 675.
(2) التهذيب 1: 273 حديث 803 و 2: 373 صدر حديث 1551، والاستبصار 1: 193 حديث 676.
(3) صحيح البخاري 1: 87، وصحيح مسلم 1: 370 الحديث 3 و 4 و 5، وسنن أبي داود 1: 132. حديث 489، وسنن ابن ماجه 1: 187 صدر حديث 567، وسنن النسائي 1: 209، وسنن الدارمي 1: 322 و 2: 224. ومسند أحمد بن حنبل 1: 250، 301 و 3: 222، 240، 412، 442، 501 و 3: 304 و 4: 416 و 5: 145، 148، 161، 248، 256 باختلاف يسير في الكل مع تقديم وتأخير في البعض منها.
(4) الأم 1: 92، والمجموع 3: 157، ومغني المحتاج 1: 203، ونيل الأوطار 2: 137.
(5) المدونة الكبرى 1: 90، وبداية المجتهد 1: 113، ونيل الأوطار 2: 137، والمجموع 3: 158.
(6) المحلى 4: 27، ونيل الأوطار 2: 136.

[ 497 ]

أصحابنا (1)، واستدلوا على ذلك بما رواه عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي بين القبور؟ قال: " لا يجوز ذلك إلا أن يجعل بينه وبين القبور إذا صلى عشرة أذرع من بين يديه، وعشرة أذرع من خلفه، وعشرة أذرع عن يمينه. ويساره، ثم يصلي إن شاء (2). وروى معمر بن خلاد عن الرضا عليه السلام قال: " لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتخذ القبر قبلة " (3). وإنما قلنا إن ذلك مكروه لما رواه علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عن الصلاة بين القبور هل تصلح؟ قال: " لا بأس " (4). وقد روت العامة النهي عن ذلك، فروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يصلى بين القبور (5). وروى علي عليه السلام قال: " نهاني حبيبي أن أصلي في مقبرة أو في أرض بابل، فإنها أرض ملعونة " (6). وروت عائشة وعبد الله بن عباس قالا: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة كشف وجهه وقال: " لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم

(1) ذهب إليه سلار في المراسم: 65.
(2) الكافي 3: 390 الحديث 13 ذيل الحديث، والتهذيب 2: 228 حديث 897، والاستبصار 1: 397 حديث 1514.
(3) التهذيب 2: 228 حديث 897، والاستبصار 1: 397 حديث 1514.
(4) التهذيب 2: 374 حديث 1555، والاستبصار 1: 397 حديث 1515.
(5) أجمعت المصادر الروائية روايتها عن أبي مرثد الغنوي. انظر صحيح مسلم 2: 668 حديث 97 و 98 وسنن الترمذي 3: 367 حديث 1050 و 1051، وسنن النسائي 2: 67، وسنن أبي داود 3: 217 حديث 3229 ومسند أحمد 4: 135.
(6) السنن الكبرى 2: 451، والدر المنثور 1: 96 ذيل الحديث، وفي صحيح البخاري 1: 112 ما لفظه " وذكر أن عليا رضي الله عنه كره الصلاة بخسف بابل ".

[ 498 ]

مساجد " (1). وروى عمرو بن عمران (2) أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة ومحجة الطريق، والحمام، وأعطان الإبل، وظهر بيت الله العتيق (3). ويقوي ما قلناه من أن ذلك وإن كان مكروها، فإن الصلاة ماضية ما رواه أبو ذر قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: " المسجد الحرام " قلت: ثم أي؟ قال: " المسجد الأقصى "، قلت: كم بينهما؟ قال: " أربعون سنة - وقال -: حيثما أدركت فصل " (4). وروى حذيفة بن اليمان (5) إن النبي صلى الله عليه وآله قال: " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا " (6) ولم يستثن. مسألة 238: تكره الصلاة في بيوت الحمام، فإن كانت نجسة فلا يجوز

(1) صحيح البخاري 1: 112، والمصنف لعبد الرزاق 1: 406 حديث 1588، ومسند الطيالسي: 88 حديث 634، ومسند أحمد 1: 218 و 2: 366 و 396 و 459 و 518.
(2) عمرو بن عمران، أبو السوداء النهدي الكوفي، عده ابن سعد في طبقاته من الطبقة الثالثة روى عن المسيب بن عبد الخير وأبي مجلز والضحاك بن مزاحم، وروى عنه حفص بن عبد الرحمن وسفيان الثوري وغيرهم. تهذيب التهذيب 8: 84، والجرح والتعديل 6: 251، والتاريخ الكبير 6: 359، والطبقات الكبرى 6: 324.
(3) سنن ابن ماجه 1: 246 حديث 746 و 747 باختلاف في السند.
(4) صحيح مسلم 1: 370 الحديث الأول والثاني، وسنن النسائي 2: 32، وسنن ابن ماجة 1: 248 حديث 753، ومسند أحمد 5: 150 و 156 و 157 و 160.
(5) حذيفة بن حسل - حسيل - اليمان بن جابر بن عمرو، أبو عبد الله العبسي، شهد أحدا وحروب العراق، روى عن النبي (ص) وروى عنه ابنه أبو عبيده وعمر بن الخطاب وقيس بن أبي حازم وأبو وائل وزيد بن وهب وغيرهم. مات سنة 36 في المدائن وقيل سنة 35، الإصابة 1: 316، والاستيعاب 1: 276 وأسد الغابة 1: 390، وشذرات الذهب 1: 44، ومرآة الجنان 1: 100.
(6) تقدمت الإشارة إليه في الهامش الأخير من المسألة 236 فراجع.

[ 499 ]

السجود عليها، وإن كانت طاهرة كانت مكروهة وهي تجزي. وقال أصحاب الشافعي فيه وجهان: أحدهما: إنه لا يجزي لأنه موضع نجاسة، فإن علم طهارته كان جائزا، وإن علم نجاسته لم يجز، وإن جهل فعلى قولين مثل المقبرة المجهولة، فإن فيها قولين (1). والقول الآخر: إن الصلاة فيه مكروهة، لأنه مأوى الشيطان (2). دليلنا: على كراهته إجماع الفرقة، وما رويناه من الخبار يؤكد ذلك. ويزيده بيانا ما رواه عبد الله بن الفضل عمن حدثه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " عشرة مواضع لا يصلى فيها: الطين، والماء، والحمام، والقبور، ومسان الطريق، وقرى النمل، ومعاطن الإبل، ومجرى الماء، والسبخ، والثلج " (3). والذي يدل على أن ذلك مكروه دون أن يكون محظورا ما رواه عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في بيت الحمام؟ قال: " إن كان موضعا نظيفا فلا بأس " (4) مسألة 239: اللبن المضروب من طين نجس إذا طبخ آجرا أو عمل خزفا طهرته النار، وبه قال أبو حنيفة (5). وكذلك العين النجسة إذا أحرقت بالنار حتى صارت رمادا، حكم للرماد

(1) المجموع 3: 159.
(2) المصدر السابق.
(3) الكافي 3: 390 الحديث الثاني عشر، ومن لا يحضره الفقيه 1: 156 حديث 725، والتهذيب 2: 219 حديث 863، والاستبصار 1: 394 حديث 1054.
(4) التهذيب 2: 374 حديث 1554، والاستبصار 1: 395 حديث 1505. (شرح فتح القدير 1: 138، وبدائع الصنائع 1: 85.

[ 500 ]

بالطهارة. وقال أبو حنيفة كلها يطهر بالاستحالة إذا صارت ترابا أو رمادا، وحكي عنه أنه قال: إن وقع خنزير في ملاحة فاستحال ملحا طهر (1). وقال الشافعي: الأعيان النجسة كالكلب، والخنزير، والعذرة، والسرجين، وعظام الموتى ولحومها، والدماء لا تطهر بالاستحالة، سواء استحالت بالنار فصارت رمادا أو بالأرض والتراب فصارت ترابا (2). وكان ابن المرزبان (3) يقول: إذا ضرب اللبن من تراب فيه سرجين ثم طبخ ذلك بالنار فأكل ذلك السرجين لأنه كرقاق التبن ويكون على ظاهر الآجر كالزئبر (4) فإذا غسل ظاهرها زال الزئبر فزالت النجاسة ويكون ظاهره طاهرا، فيجوز الصلاة عليه، ولا يجوز فيه (5). قال أبو حامد: الذي قاله ابن المرزبان قريب، والأمر على ما قال. دليلنا: إجماع الفرقة. وروى الحسن بن محبوب قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى، ويجصص به المسجد، ويسجد عليه؟ فكتب إلي بخطه " إن الماء والنار قد طهراه " (6).

(1) بدائع الصنائع 1: 85، وشرح فتح القدير 1: 139.
(2) المجموع 2: 597، وفتح العزيز 1: 249.
(3) ابن المرزبان، أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي، صاحب ابن القطان وتلميذه، تفقه عليه الشيخ أبو حامد، توفي سنة 366 هجرية. طبقات الشافعية: 28، وشذرات الذهب 3: 56 وتاريخ بغداد 11: 325، والمجموع 2: 598.
(4) الزئبر: بزاي مكسورة ثم همزة ثم باء موحدة مكسورة على المشهور عند أهل اللغة، قال الجوهري: ويقال بضم الباء، وهو ما يعلو الثوب الجديد كالزغب. الصحاح 2: 668 (مادة زبر). (5) المجموع 2: 597، وفتح العزيز 1: 250.
(6) الكافي 3: 23 الحديث الثالث، ومن لا يحضره الفقيه 1: 175 حديث 829، والتهذيب 2: 235 =

[ 501 ]

مسألة 240: إذا صلى على بساط وكان على طرفه نجاسة لا يسجد عليها صحت صلاته، تحرك موضع النجاسة بحركته أو لم يتحرك، وبه قال الشافعي، غير أنه اعتبر أن لا يقع عليها شئ من ثيابه (1). وقال أبو حنيفة: إن كان البساط على سرير فكلما تحرك المصلي تحرك البساط لم تصح صلاته (2). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك، لأن عندهم المراعى موضع السجود، فإن كان موضع سجوده طاهرا جازت صلاته وإن كان ما عداه نجسا. وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الشاذكونة (3) تكون عليها الجنابة أيصلى عليها في المحمل؟ قال: " لا بأس " (4). وروى محمد بن أبي عمير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أصلي على الشاذكونة وقد أصابتها الجنابة؟ فقال: " لا بأس " (5). مسألة 241: إذا ترك على رأسه طرف عمامة وهو طاهر وطرفه الآخر على الأرض وعليه نجاسة لم تبطل صلاته. وقال أبو حنيفة: إن كان الطرف الآخر يتحرك بطلت صلاته، وإن لم يتحرك صحت صلاته (6).

= حديث 928.
(2) الأم (مختصر المزني): 19، والمجموع 3: 152، ومغني المحتاج 1: 190.
(2) شرح فتح القدير 1: 133، والمجموع 3: 152.
(3) الشاذكونة: ثياب غلاظ كبار مضربة تعمل في اليمن، وقيل حصير صغير، تاج العروس 7: 148 مادة شذك، ومجمع البحرين مادة شذك.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 158 حديث 739، والتهذيب 2: 369 حديث 1537، والاستبصار 1: 393 حديث 1499.
(5) التهذيب 2: 370 حديث 1538، والاستبصار 1: 393 حديث 1500.
(6) المجموع 3: 148.

[ 502 ]

وقال الشافعي: تبطل صلاته على كل حال (1). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، فمن حكم ببطلان هذه الصلاة فعليه الدلالة. مسألة 242: إذا كان موضع سجوده طاهرا صحت صلاته وإن كان موضع قدميه وجميع مصلاه نجسا إذا كانت النجاسة يابسة لا تتعدى إلى ثيابه وبدنه. وقال الشافعي: يجب أن يكون جميع مصلاه طاهرا حتى أنه إذا صلى لم يقع ثوبه على شئ منها رطبة كانت أو يابسة، فإن وقعت ثيابه على شئ منها بطلت صلاته، وإن كانت مقابلة له صحت صلاته بلا خلاف (2). وقال أبو حنيفة: الاعتبار بموضع قدميه، فإن كان موضعهما طاهرا أجزأه ولا يضره ما وراء ذلك، وإن كان موضعهما نجسا لم تصح صلاته وإن كان ما عداه طاهرا (3)، وأما موضع السجود ففيه روايتان: فروى محمد أنه يجب أن يكون موضع السجود طاهرا (4). وروى أبو يوسف أنه لا يحتاج إليه لأنه إنما يسجد على قدر الدرهم، وقدر الدرهم من النجاسة لا يمنع صحة الصلاة (5). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون فيه، والخبران اللذان قدمناهما في المسألة الأولى يدلان عليه (6).

(1) المجموع 3: 148 ومغني المحتاج 1: 190.
(2) المجموع 3: 151 - 152، ومغني المحتاج 1: 190، وكفاية الأخيار 1: 55 - 56 والوجيز 1: 190.
(3) الأصل: 207، شرح فتح القدير 1: 133، وشرح العناية 1: 133.
(4) شرح فتح القدير 1: 133، وشرح العناية 1: 133.
(5) شرح فتح القدير 1: 133، وشرح العناية 1: 133.
(6) انظر المسألة 240.

[ 503 ]

مسألة 243: إذا شد كلبا بحبل وطرف الحبل معه صحت صلاته، سواء كان حاملا لطرف الحبل أو واقفا عليه، وكذلك إذا شد الحبل في سفينة فيها نجاسة سواء كان الحبل مشدودا في النجاسة أو في طرف السفينة وهو طاهر. وقال أصحاب الشافعي في الكلب: إن كان واقفا على الحبل صحت صلاته، وإن كان حاملا لطرفه بطلت صلاته (1)، وفيهم من فرق بين أن يكون الكلب صغيرا أو كبيرا فقالوا: إذا كان كبيرا لا تبطل صلاته، وإن كان صغيرا تبطل صلاته (2). وأما السفينة فقالوا كلهم: إن كان الحبل مشدودا في موضع نجس فصلاته باطلة، وإن كان مشدودا في موضع طاهر من السفينة صحت صلاته (3). دليلنا: إن نواقض الصلاة أمور شرعية فإثباتها يحتاج إلى دلالة شرعية، وليس في الشرع ما يدل على أن ذلك يقطع الصلاة. وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام من أن قواطع الصلاة معروفة، ولم يذكروا في جملتها شيئا من ذلك (4)، فينبغي أن لا يكون قاطعا. مسألة 244: إذا حمل قارورة مشدودة الرأس بالرصاص وفيها بول أو نجاسة، ليس لأصحابنا فيه نص. والذي يقتضيه المذهب أنه لا ينقض الصلاة، وبه قال ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي، غير أنه قاسه على حيوان طاهر في

(1) المجموع 3: 149، والوجيز 1: 46، وفتح العزيز 4: 25.
(2) المجموع 3: 148، وفتح العزيز 4: 25.
(3) المجموع 3: 148.
(4) الكافي 3: 364 باب ما يقطع الصلاة، والاستبصار 1: 400 أبواب ما يقطع الصلاة، والوسائل 4: 1240 أبواب قواطع الصلاة.

[ 504 ]

جوفه نجاسة (1). وغلطه أصحابه والتزم القوم على ذلك حمل آجرة داخلها نجس وظاهرها طاهر (2). وقال جميع الفقهاء إن ذلك يبطل صلاته (3). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى من أن قواطع الصلاة طريقها الشرع، ولا دليل في الشرع على أن ذلك يبطل الصلاة (4). وإن قلنا أنه يبطل الصلاة لدليل الاحتياط كان قويا، ولأن على المسألة الإجماع، فإن خلاف ابن أبي هريرة لا يعتد به. مسألة 245: من صلى في حرير محض من الرجال من غير ضرورة كانت صلاته باطلة، ووجب عليه إعادتها. وخالف جميع الفقهاء في ذلك مع قولهم: إن الصلاة فيه ولبسه محرم، غير أنه لا يجب فيه الإعادة (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف في أنه منهي عن الصلاة فيه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فوجب أن تكون الصلاة فاسدة. وأيضا فالصلاة في ذمته بيقين، ولا يبرأ بيقين إذا صلى في الحرير المحض. وأيضا روى محمد بن عبد الجبار (6) قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله: هل يصلي في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج؟ فكتب: " لا تحل

(1) المجموع 3: 150.
(2) المصدر السابق.
(3) المجموع 3: 151، والاقناع 1: 95، والروض المربع 1: 46.
(4) راجع المسألة 243 الهامش الرابع.
(5) الأم 1: 91، والمجموع 3: 180، وبداية المجتهد 1: 112.
(6) محمد بن عبد الجبار، أبي الصهبان القمي، ثقة، عد من أصحاب الإمام الجواد والإمام الهادي والإمام العسكري عليهم السلام وخادمه، رجال الطوسي: 407 و 423 و 435، والفهرست 147 و 619، وتنقيح المقال 3: 135. ومعجم رجال الحديث 16: 200.

[ 505 ]

الصلاة في حرير محض " (1). وروى إسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألته عن الثوب الإبريسم هل يصلي فيه الرجال؟ قال: " لا " (2). وروى علي بن أسباط عن أبي الحرث (3) قال: سألت الرضا علي بن موسى عليهما السلام هل يصلي الرجل في ثوب ابريسم؟ قال: " لا " (4). مسألة 246: إذا اختلط القطن أو الكتان بالابريسم وكان سداه أو لحمته (5) قطنا أو كتانا زال تحريم لبسه. وقال الشافعي: لا يزول التحريم إلا إذا تساويا أو يكون القطن أكثر (6). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى صفوان بن يحيى عن يوسف بن إبراهيم (7) عن أبي عبد الله

(1) الكافي 3: 399 حديث 10، والتهذيب 2: 207 حديث 812، والاستبصار 1: 385 حديث 1462.
(2) التهذيب 2: 207 حديث 813، والاستبصار 1: 385 حديث 1463. وفي الكافي 3: 400 ذيل الحديث 12 "... وقال وسألته هل يصلي الرجل في ثوب ابريسم؟ فقال: لا " والظاهر أنها لفظ رواية أبي الحرث الآتية.
(3) مشترك بين اثنين، كثير بن كلثم (كلثمة) ومحمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، وهما من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، واحتمل في معجم رجال الحديث أن يكون المراد به يونس بن عبد الرحمن رجال الطوسي: 277 و 293، وتنقيح المقال 3: 10 و 139، و 2: 36 حرف الكاف، ومعجم رجال الحديث 21: 104 (4) التهذيب 2: 208 حديث 814، والاستبصار 1: 386 حديث 1464.
(5) لحمته: ورد بفتح اللام وضمها وسكون الحاء، وهو ما سدي بين السديين، وقيل هو أعلى الثوب، والسدي - بفتح السين - الأسفل منه، تاج العروس 9: 56، ولسان العرب 16: 11 والنهاية 5: 240.
(6) المجموع 4: 436.
(7) ورد تارة بعنوان يوسف بن إبراهيم وأخرى بعنوان يوسف بن محمد بن إبراهيم كما في الفقيه، ولكنه أورده في مشيخة الفقيه بعنوان يوسف بن إبراهيم الطاطري، واستظهر البعض زيادة كلمة (محمد). وثق برواية صفوان عنه وعمل الأصحاب بما رواه الطاطريون. عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، من لا يحضره الفقيه 4: 118، ورجال الشيخ: 336، وتنقيح المقال 3: 333 =

[ 506 ]

عليه السلام قال: " لا بأس بالثوب أن يكون سداه وزره وعلمه ولحمته حريرا، وإنما كره الحرير المبهم للرجال " (1). مسألة 247: تكره الصلاة في الثياب السود. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " يكره السواد إلا في ثلاثة: الخف، والعمامة، والكساء " (2). وروي عنه أيضا أنه سئل عن الصلاة في القلنسوة السوداء فقال: " لا تصل فيها فإنها لباس أهل النار " (3). مسألة 248: يكره السجود على الأرض السبخة، ولم يكره ذلك أحد من الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في السبخة، فكرهه (4). مسألة 249: يكره أن يصلي المصلي وفي قبلته نار أو سلاح، مجرد أو فيها صورة، ولم يكره ذلك أحد من الفقهاء (5).

= و 336، ومعجم رجال الحديث 20: 160 و 161 و 175، وقاموس الرجال 9: 473 و 479. (1) التهذيب 2: 208 حديث 817، والاستبصار 1: 386، ومن لا يحضره الفقيه 1: 171 حديث 808 وفيه عن يوسف بن محمد بن إبراهيم.
(2) الكافي 3: 403 الحديث 29، ومن لا يحضره الفقيه 1: 163 الحديث 767 والتهذيب 2: 213 الحديث 835.
(3) الكافي 3: 403 الحديث 30، ومن لا يحضره الفقيه 1: 162 الحديث 765، والتهذيب 2: 213 الحديث 836.
(4) علل الشرائع 2: 16 صدر الحديث 2.
(5) المحلى 4: 81.

[ 507 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروى عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يصلي الرجل وفي قبلته نار أو حديد فقلت: أله أن يصلي وبين يديه مجمرة شبه؟ (1) قال: " نعم، فإن كان فيها نار فلا يصلي حتى ينحيها عن قبلته ". وعن الرجل يصلي وبين يديه قنديل معلق فيه نار إلا أنه بحياله قال: إذا ارتفع كان شرا لا يصلي بحياله " (2). وروى علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يصلي والسراج موضوع بين يديه في القبلة؟ فقال: " لا يصلح له أن يستقبل النار " (3). وروى محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام أصلي والتماثيل قدامي وأنا أنظر إليها؟ قال: " لا، إطرح عليها ثوبا. ولا بأس بها إذا كانت عن يمينك، أو شمالك، أو خلفك، أو تحت رجليك، أو فوق رأسك. وإن كانت في القبلة فالق عليها ثوبا " (4). مسألة 250: يكره التختم بالحديد خصوصا في حال الصلاة، فأما التختم بالذهب فلا خلاف أنه لا يجوز للرجال (5). والحديد لم يكرهه أحد من

(1) الشبه: بفتحتين ما يشبه الذهب بلونه من المعادن، وهو أرفع من الصفر، مجمع البحرين: 523 مادة (شبه).
(2) الكافي 3: 390 حديث 15، ومن لا يحضره الفقيه 1: 165 حديث 776 باختلاف يسير والاستبصار 1: 396 حديث 1510 قطعة منه، والتهذيب 2: 225 حديث 888 ذيل الحديث.
(3) التهذيب 2: 225 حديث 889، والاستبصار 1: 369 حديث 1511، ومن لا يحضره الفقيه 1: 162 حديث 763 باختلاف يسير، والكافي 3: 391 حديث 16 وفي ذيله " وروي أيضا أنه لا بأس به لأن الذي يصلي له أقرب إليه من ذلك ".
(4) التهذيب 2: 326 حديث 891، والاستبصار 1: 394 حديث 1503، والمحاسن: 617 كتاب المرافق الحديث 50.
(5) المجموع 4: 441.

[ 508 ]

الفقهاء (1). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى موسى بن أكيل النميري (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في الحديد " إنه حلية أهل النار، والذهب حلية أهل الجنة، وجعل الله الذهب في الدنيا زينة للنساء، فحرم على الرجال لبسه، والصلاة فيه، وجعل الله الحديد في الدنيا زينة الجن والشياطين فحرم على الرجل المسلم أن يلبسه في حال الصلاة، إلا أن يكون في قبال عدو فلا بأس به ". قال: قلت: فالرجل في السفر يكون معه السكين في خفه لا يستغني عنه أو في سراويله مشدودا أو المفتاح يخشى إن وضعه ضاع أو يكون في وسطه المنطقة من حديد؟ قال: " لا بأس بالسكين والمنطقة للمسافر في [ حال الضرورة ] (3) وكذلك المفتاح إذا خاف الضيعة والنسيان ولا بأس بالسيف وكل آلة السلاح في الحرب وفي غير ذلك لا يجوز الصلاة في شئ من الحديد فإنه نجس ممسوخ (4). وروى السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا يصلي الرجل وفي يده خاتم حديد " (5). مسألة 251: يكره للرجل أن يصلي وعليه لثام، بل ينبغي أن يكشف من جبهته موضع السجود لا يجوز غيره، ويكشف فاه لقراءة القرآن، وقد مضى

(1) المصدر السابق 4: 465.
(2) موسى بن أكيل النميري، كوفي، ثقة، له كتاب، من أصحاب الإمام الصادق. رجال النجاشي: 320، ورجال الطوسي: 323، والفهرست: 162.
(3) في التهذيب والكافي (وقت ضرورة).
(4) الكافي 3: 400 الحديث 13 ذيل الحديث، والتهذيب 2: 227 حديث 894.
(5) الكافي 3: 404 صدر الحديث 35، ومن لا يحضره الفقيه 1: 163 حديث 771، والتهذيب 2: 227 حديث 895.

[ 509 ]

الخلاف في موضع السجود (1). ولم يكره أخذ اللثام على الفم أحد من الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة. وروى سماعة بن مهران قال: سألته عن الرجل يصلي فيتلو القرآن وهو متلثم؟ فقال: " لا بأس به وإن كشف عن فيه فهو أفضل " وقال: سألته عن المرأة تصلي متنقبة قال: " إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس به، وإن أسفرت فهو أفضل " (2). مسألة 252: يكره أن يصلي وهو مشدود الوسط، ولم يكره ذلك أحد من الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 253: لا تجوز الصلاة في الدار المغصوبة ولا في الثوب المغصوب مع الاختيار. وأجاز الفقهاء بأجمعهم ذلك (3)، ولم يوجبوا إعادتها مع قولهم: أن ذلك منهي عنه. ووافقنا كثير من المتكلمين في ذلك مثل أبي علي الجبائي (4) وأبي هاشم (5)

(1) تقدم في المسألة 112 و 113.
(2) التهذيب 2: 230 الحديث 904.
(3) المجموع 3: 180 و 164.
(4) محمد بن عبد الوهاب المعروف بأبي على الجبائي - بضم الجيم وتشديد الباء نسبة إلى قرية في البصرة - شيخ المعتزلة في زمانه، له تفسير في القرآن رده تلميذه الأشعري بعد ما رجع عنه لما فيه من الغرائب، مات سنة 303 هجرية. البداية والنهاية 11: 135، واللباب 1: 253.
(5) عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي المكنى بأبي هاشم، من أبناء أبان مولى عثمان، كان شيخ المعتزلة في عصره وبعد أبيه، صنف كتبا كثيرة على مذهبهم، سكن بغداد، وإليه تنسب الفرقة البهشمية أو الهاشمية، دخل يوما على الصاحب بن عباد (رحمه الله) فأكرمه واحترمه =

[ 510 ]

وكثير من أصحابهما (1). دليلنا: إن الصلاة تحتاج إلى نية بلا خلاف، ولا خلاف إن التصرف في الدار المغصوبة والثوب المغصوب قبيح، ولا يصح نية القربة فيما هو قبيح. وأيضا طريقة براءة الذمة تقتضي وجوب إعادتها، لأن الصلاة في ذمته واجبة بيقين، ولا يجوز أن يبرأها إلا بيقين، ولا دليل على براءتها إذا صلى في الدار والثوب المغصوبين. مسألة 254: الوضوء بالماء المغصوب لا يصح، ولا تصح الصلاة به. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى من وجوب اعتبار النية (2) وإن التصرف في الماء المغصوب قبيح لا يصح التقرب به. وأيضا لا خلاف أنه منهي عن ذلك، والنهي يدل على فساد المنهي عنه وطريقة اعتبار براءة الذمة تقتضي ذلك لأنه إذا صلى بماء مملوك أو مباح صحت صلاته، وإذا صلى بماء مغصوب فيه الخلاف. مسألة 255: لا يجوز للرجل أن يصلي معقوص (3) الشعر إلا أن يحله. ولم يعتبر أحد من الفقهاء ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة. وروى الحسن بن محبوب عن مصادف (4) عن أبي عبد الله عليه السلام في

= وسأله عن شئ من المسائل فقال: لا أعرف نصف العلم فقال الصاحب: صدقت وسبقك أبوك إلى الجهل بالنصف الآخر. البداية والنهاية 11: 176، وتاريخ بغداد 11: 55، والملل والنحل 1: 78. (1) المجموع 3: 164.
(2) انظر المسألة (18) من كتاب الطهارة.
(3) العقص: إدخال أطراف الشعر في أصوله أي جمعه. النهاية 3: 275 (مادة عقص).
(4) مصادف مشترك بين ثلاثة أبو إسماعيل المدني وابن عقبة الجزري ومولى أبي عبد الله، وهم من =

[ 511 ]

رجل صلى صلاة فريضة وهو معقوص الشعر قال: " يعيد صلاته " (1) مسألة 256: كلما لا يؤكل لحمه لا يجوز الصلاة في جلده، ولا وبره، ولا شعره، ذكي أو لم يذك، دبغ أو لم يدبغ، وما لا يؤكل لحمه إذا مات لا يطهر جلده بالدباغ، ولا يجوز الصلاة فيه وقد بينا فيما مضى (2). ورويت رخصة في جواز الصلاة في الفنك والسمور والسنجاب (3) والأحوط ما قلناه. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: إذا ذكي دبغ جازت الصلاة فيما لا يؤكل لحمه إلا الكلب والخنزير على ما مضى من الخلاف فيهما، وما يؤكل لحمه إذا مات ودبغ فقد ذكرنا الخلاف فيه (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، واعتبار براءة الذمة بيقين ولا يقين لمن صلى فيما ذكرناه. وروى علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لباس الفراء والصلاة فيها فقال: " لا تصل فيها، إلا فيما كان منه ذكيا قال: قلت أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ فقال: بلى إذا كان مما يؤكل لحمه. قلت: وما لا يؤكل لحمه من غير الغنم؟ فقال: لا بأس بالسنجاب (5).

= أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، إلا الأخير فإنه من أصحاب الإمام الكاظم (ع) أيضا. رجال الشيخ: 320 و 319 و 359، وتنقيح المقال 3: 217. (1) الكافي 3: 409 الحديث الخامس وفيه (معقص)، والتهذيب 2: 232 حديث 914.
(2) تقدم في المسألة الحادية عشر من كتاب الطهارة. (3) انظر الكافي 3: 397 الحديث الثالث، ومن لا يحضره الفقيه 1: 170 حديث 804، والتهذيب 2: 210 - 211 حديث 825 - 826، والاستبصار 1: 384 حديث 1459 - 1460.
(4) بداية المجتهد 1: 76، واللباب 1: 30، والروض المربع 1: 15، والاقناع 1: 13.
(5) الكافي 3: 397 الحديث الثالث، والتهذيب 2: 203 حديث 797 وللحديث ذيل فيهما، وفي الكافي روى الحديث عن علي بن أبي حمزه عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام.

[ 512 ]

وروى إسماعيل بن سعد بن الأحوص (1) قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الصلاة في جلود السباع؟ فقال: " لا تصل فيها " (2). وروى محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن جلود الثعالب أيصلى فيها؟ فقال: " ما أحب أن أصلي فيها " (3). وروى جعفر بن محمد بن أبي زيد (4) قال: سئل الرضا علي بن موسى عليهما السلام عن جلود الثعالب الذكية؟ فقال: " لا تصل فيها " (5). مسألة 257: لا تجوز الصلاة في الخز المغشوش بوبر الأرانب. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط تقتضيه. وروى أحمد بن محمد رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام في الخز الخالص أنه

(1) إسماعيل بن سعد الأحوص الأشعري القمي، ثقة، من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام وروى عنه (ع)، وروى عن إسماعيل الأحوص أحمد بن محمد بن عيسى ومحمد بن خالد، رجال الشيخ: 267، ورجال العلامة: 8، وتنقيح المقال 1: 134.
(2) الكافي 3: 400 الحديث الثاني عشر، والتهذيب 2: 205 حديث 801.
(3) التهذيب 2: 205 حديث 803، والاستبصار 1: 381 حديث 1443.
(4) الرجل محكوم عليه بالاهمال تارة وبالجهالة أخرى، وكيف كان فالرواية وردت مكررة. فتارة وردت عن جعفر بن محمد بن أبي زيد عن الرضا عليه السلام، وأخرى عن جعفر بن محمد عن ابن أبي زيد، وثالثة عن جعفر بن محمد عن أبي زيد. واستظهر السيد الخوئي في معجمه اتحاده مع جعفر بن محمد بن أبي زيد الرازي مصححا ما ورد في نسخ التهذيب 2: 260 و 210 الحديث 807، 824. علما بأنه أحمد بن محمد بن عيسى يروي عنه في جميع هذه الموارد. وأما أبو زيد المكي فهو من أصحاب الإمام الرضا والإمام الكاظم عليهما السلام. رجال الشيخ: 396، وجامع الرواة 1: 156 و 2: 286، ومعجم الرجال 4: 102 و 21: 160.
(5) التهذيب 2: 206 حديث 807 و 210 حديث 824، والاستبصار 1: 381 حديث 1445، باختلاف في السند. والمذكور تفصيله في الهامش السابق.

[ 513 ]

لا بأس به فأما الذي يخلط بوبر الأرانب أو غير ذلك مما يشبه هذا فلا تصل فيه (1). وروى أيوب بن نوح (2) رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام الصلاة في الخز الخالص لا بأس به فأما الذي يخلط فيه وبر الأرانب أو غير ذلك مما يشبه هذا فلا تصل فيه (3). وقد روى رواية بخلاف ما قلناه (4) وقد بينا الوجه فيها في الكتابين المقدم ذكرهما (5). مسألة 258: لا يجوز للجنب المقام في المسجد ولا اللبث فيه بحال، فإن أراد الجواز فيه لغرض، مثل أن يقرب عليه الطريق أو يستدعي منه انسانا جاز ذلك، وإن كان لغير غرض كره ذلك وبه قال الشافعي: وفي التابعين سعيد ابن المسيب، والحسن البصري وعطاء ومالك (6). وقال أبو حنيفة لا يجوز له أن يعبر فيه بحال لغرض ولا لغيره إلا في موضع

(1) الكافي 3: 403 الحديث 26، والتهذيب 2: 212 حديث 830، والاستبصار 1: 387 حديث 1469. (2) أيوب بن نوح بن دراج النخعي، أبو الحسين، كوفي ثقة، أدرك الإمام الرضا والإمام الجواد والإمام الهادي والعسكري عليهم السلام. وكان وكيلا للإمامين الهادي والعسكري مدحه النجاشي، له كتب رجال النجاشي: 80، ورجال الشيخ: 268 و 398 و 410، وتنقيح المقال 1: 159، ومعجم رجال الحديث 3: 260.
(3) التهذيب 2: 209 حديث 820 و 212 حديث 831، والاستبصار 1: 387 حديث 1470.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 170 حديث 805، والتهذيب 2: 212 حديث 833، والاستبصار 1: 387 حديث 1471.
(5) التهذيب 2: 212 ذيل حديث 833، والاستبصار 1: 387 باب الصلاة في الخز المغشوش.
(6) الأم 1: 54، والمجموع 2: 156 و 160، وبداية المجتهد 1: 46، وكفاية الأخيار 1: 50، وشرح الغاية 1: 115، وأحكام القرآن للجصاص 2: 203، ونيل الأوطار 1: 287، والهداية 1: 31، وشرح فتح القدير 1: 115. وانظر المدونة الكبرى 1: 32.

[ 514 ]

الضرورة وهو إذا نام في المسجد فاحتلم فيه فإنه يخرج منه (1). وقال الثوري مثل ذلك (2) إلا أنه قال إذا أجنب في المسجد تيمم في مكانه وخرج متيمما. وقال أحمد وإسحاق: إذا توضأ الجنب فهو كالمحدث يقيم فيه ويلبث حيث شاء، وبه قال زيد بن أسلم (3)، غير أنه لا يعرف الوضوء عن زيد بن أسلم وأحمد يروي مثل مذهبه عن بعض الصحابة (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " (5) وموضع الدلالة هو أنه نهى الجنب عن قربان الصلاة، وحقيقة الصلاة أفعالها، وحملها على موضعها مجاز، فإنه قد يعبر بها عن موضعها قال الله تعالى " وبيع وصلوات " (6) يعني مواضع الصلوات، لأن أفعال الصلاة لا تهدم، فإذا ثبت أنه يعبر بها عن موضعها مجازا فالمراد بالآية موضع الصلاة بدلالة قوله تعالى: " ولا جنبا إلا عابري سبيل " (7) يعني عابري طريق، والعبور في أفعال الصلاة محال، ثبت أنه مكان الصلاة وموضعها.

(1) الهداية 1: 31، وشرح فتح القدير 1: 115، وشرح الغاية 1: 115، وأحكام القرآن للجصاص 2: 203، والمجموع 2: 172، ونيل الأوطار 1: 287.
(2) المجموع 2: 160.
(3) زيد بن أسلم العدوي، مولاهم، الفقيه، أبو أسامة، وقيل أبو عبد الله. لقي ابن عمر وروى عنه وعن سلمة بن الأكوع، وعنه أبو السختياني، وجرير بن حازم، وهشام السفياني، وغيرهم مات سنة 136 هجرية. شذرات الذهب 1: 194، وتهذيب التهذيب 3: 395، وتذكرة الحفاظ 1: 132.
(4) الاقناع: 46، والروض المربع 1: 27، وتفسير القرطبي 5: 206، ونيل الأوطار 1: 288، والمجموع 2: 260.
(5) النساء: 43.
(6) الحج: 40.
(7) النساء: 43.

[ 515 ]

وهذا التأويل مروي عن عمر، وابن مسعود، فكان تقدير الآية لا يقرب المسجد سكران ولا جنب إلا عابري سبيل (1)، فدل على جواز عبور الجنب فيه. فإن قالوا: معنى الآية غير هذا وهو أن قوله تعالى: " لا تقربوا الصلاة " حقيقة هذه الصلاة، فنحملها على حقيقتها، ولا يقربها سكران ولا جنب إلا عابري سبيل، وهو إذا كان مسافرا عابر سبيل، فإن له أن يتيمم وهو جنب ويصلي. فتساوينا في الآية، لأنكم حملتم آخرها على الحقيقة وأولها على المجاز، ونحن حملنا أولها على الحقيقة وأضمرنا في آخرها، ومن أضمر في الخطاب كمن ترك حقيقة إلى المجاز. قالوا: وهذا تأويل ابن عباس وعلي عليه السلام (2). قيل: إذا اختلفت الصحابة في تأويل آية وجب أو يرجح قول بعضهم وتأويلنا أولى من وجوه: أولها: إن جواز التيمم للجنب المسافر مستفاد من آخر الآية وهو قوله تعالى: " وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " (3) وإذا كان هذا الحكم مستفادا من آخرها فكيف يحمل أولها عليه لأنه لا فائدة له، فكان حمل الخطاب على فائدة أولى من حمله على التكرار. والثاني: هو أن الاضمار في الكلام بمنزلة ترك الحقيقة فيه، لأنه إذا أمكن حمله على الحقيقة فلا وجه لحمله على المجاز، وإذا أمكن حمله على ظاهره فلا معنى للاضمار فيه، فصار الاضمار وترك الحقيقة سواء. وإذا كانا سواء فقد تركنا حقيقة كلمة واحدة، وأنتم أضمرتم في آخر الآية

(1) الدر المنثور 2: 166، وأحكام القرآن للجصاص 2: 203.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 204، وتفسير القرطبي 5: 206.
(3) النساء: 43.

[ 516 ]

إضمارين فقلتم: " ولا جنبا " إلا لمسافر عادم للماء وتيمم، فقد أضمرتم عدم الماء والتيمم بعد عدمه، فمن أضمر في الخطاب إضمارا واحدا كان أولى ممن أضمر إضمارين كما أن من حمله على ظاهره أولى ممن أضمر فيه إضمارا واحدا. والثالث: إذا حملنا الصلاة على المسجد حملنا اللفظ على العموم لأنه يقتضي أن لا يقرب الجنب المسجد أبدا إلا عابر سبيل. وهم إذا حملوا الصلاة على حقيقتها حملوا قوله إلا عابري سبيل على الخصوص فإنه يقتضي أن لا يجوز للجنب أن يصلي بالتيمم أبدا إلا للمسافر عند عدم الماء وهذا مخصوص لأنه يجوز لغيره وهو الجريح والمريض في الحضر إذا خافا التلف من استعمال الماء فكان حملها على العموم أولى من حملها على الخصوص. والرابع: إن حقيقة الاستثناء ما كان من جنس المستثني منه وإذا كان من غير جنسه كان مجازا. ونحن إذا حملنا الصلاة على المسجد، جعلنا الاستثناء من جنسه، لأن الجنب الذي منع من العبور في المسجد غير عابر سبيل، هو الجنب الذي جوز له العبور فيه وهو جنب في الموضعين معا. وعلى ما قالوا جعلوا الاستثناء من غير جنسه، لأن الجنب الذي منع من قربان الصلاة في غير السفر غير الذي أباحوه له في السفر، لأنه منع منها غير المسافر قبل التيمم، وأبيحت للمسافر بعد التيمم فليس من استباح الصلاة من جنس من لا يستبيحها، فكان هذا مجازا، فكان حمله على حقيقته أولى من حمله على المجاز. والخامس: قوله: " لا تقربوا الصلاة " حقيقة فيما كان من قرب المكان، يقال: لا تقرب داري، ولا تقرب المسجد الحرام. وحمله على قرب الأفعال مجاز، لأنه لا يقال في الحقيقة: لا تقرب أفعالك، ولا تقرب الأكل والشرب إلا

[ 517 ]

مجازا، وإذا كان كذلك فقد تركوا الحقيقة إلى هذا المجاز، فكان ما قلناه أولى. فإن قالوا: ففي الآية ما يدل على أن المراد بالصلاة حقيقة الصلاة، لأنه قال: " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " فلما شرط العلم بالقول، علم أن المراد بالصلاة ما يفتقر إلى قول. قلنا: هذا غلط، بل المراد بقوله: " حتى تعلموا ما تقولون " معناه حتى تفيقوا، لأن السكران إنما يفيق إذا علم ما يقول، فكان المنع من المسجد وهو سكران لأن لا يقذر المسجد بالقئ ونحوه، فبطل أن يدل على حقيقة الصلاة. وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ناوليني الخمرة (1) من المسجد " قالت: فقلت: إني حائض فقال: " إن حيضتك ليست في يدك " (2) واحد لم يفرق بين الحيض والجنابة. وأما أخبارنا فأكثر من أن تحصى. من ذلك ما رواه جميل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: " لا ولكن يمر فيها إلا المسجد الحرام ومسجد الرسول " (3). مسألة 259: يكره للحائض العبور في المساجد. وقال الشافعي: أكره للحائض المرور في المسجد (4)، واختلف أصحابه على وجهين، فقال: أبو العباس وأبو إسحاق: ينظر فيه، فإن كانت آمنة من

(1) الخمرة: هي ما يضع عليه الرجل جزء وجهه في سجوده مجمع البحرين: 272 مادة خمر.
(2) صحيح مسلم 1: 244 الأحاديث 11 - 13، وسنن أبي داود 1: 68 حديث 261 وسنن الترمذي 1: 241 حديث 134، وسنن ابن ماجة 1: 207 حديث 632، ومسند أحمد بن حنبل 2: 70 و 6: 101، 106، 110، 112، 114، 173، 179، 214.
(3) الكافي 3: 50 الحديث الرابع، والتهذيب 1: 125 حديث 337.
(4) المجموع 2: 358.

[ 518 ]

تلويث المسجد، وهو أن تكون استوثقت من نفسها، وأمنت من أن يتقطر منها الدم، فحكمها حكم الجنب، وإن لم تأمن كره لها العبور في المساجد (1). ومنهم من قال: يكره عبورها فيه على كل حال (2). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب والحائض يتناولان من المسجد المتاع تكون فيه؟ قال: " نعم، ولكن لا يضعان في المسجد شيئا " (3). مسألة 260: لا يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام، ولا شئ من المساجد لا بإذن ولا بغير إذن، وبه قال مالك (4). وقال الشافعي: لا يجوز لهم أن يدخلوا المسجد الحرام بحال، لا بإذن الإمام ولا بغير إذنه، وما عداه من المساجد لا بأس أن يدخلوها بالإذن (5). وقال أبو حنيفة: يدخل الحرم والمسجد الحرام وكل المساجد بإذن (6). دليلنا: قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " (7) فحكم عليهم بالنجاسة. وإذا ثبتت نجاستهم فلا يجوز أن يدخلوا شيئا من المساجد، لأنه لا خلاف في أن المساجد يجب أن تجنب النجاسات.

(1) المصدر السابق.
(2) المجموع 2: 358 عن إمام الحرمين.
(3) الكافي 3: 51 الحديث الثامن، والتهذيب 1: 125 حديث 338.
(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 88، والمجموع 19: 437 وفيها إلا لحاجة.
(5) مختصر المزني: 19، والمجموع 2: 174 و 19: 433 - 434، وأحكام القرآن للجصاص 3: 88، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 901.
(6) أحكام القرآن لابن العربي 2: 902.
(7) التوبة: 28.

[ 519 ]

مسألة 261: يكره الصلاة في أعطان (1) الإبل، ولا تكره في مراح الغنم، لا لأن روث الإبل نجس، بل لما روي من أنه مأوى الشيطان (2). وقال الشافعي: إن كانا نجسين بأرواثهما فالصلاة فيهما باطلة، وإن كانا طاهرين فالصلاة فيهما جائزة غير أنها تكره في أعطان الإبل ولا تكره في مراح الغنم (3) مثل ما قلنا. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فقد بينا أن روث ما يؤكل لحمه طاهر، وإذا كان طاهرا فالصلاة فيها جائزة على كل حال. وأما الفرق بين أعطان الإبل ومراح الغنم وكراهية أحدهما دون الآخر، فليس لأجل النجاسة، لأن هذه الكراهية مجمع عليها مع الخلاف في نجاسة روثهما، لما روى عبد الله بن معقل (4) عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إذا أدركتم الصلاة وأنتم في أعطان الإبل فاخرجوا وصلوا فإنها حي من جن خلقت ألا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها " (5). مسألة 262: إذا ماتت شاة وفي ضرعها لبن لا ينجس اللبن، ويجوز أن يحلب ويشرب، وبه قال أبو حنيفة (6).

(1) الأعطان جمع العطن: وهو مبرك الإبل حول الماء. النهاية 3: 258 مادة عطن.
(2) سنن ابن ماجة 1: 253 حديث 769، وكنز العمال 7: 340 حديث 19169 وفيه " فإنها خلقت من الشياطين " و 341 حديث 19174.
(3) الأم 1: 93، والمجموع 3: 161.
(4) عبد الله بن معقل بن عتيك بن أساف بن عدي الأنصاري، ابن أخ عباد بن نهيك ممن شهد أحدا مع أبيه، شاعر معقل من شعراء الأمويين، مات حدود السبعين من الهجرة، الإصابة 1: 364 وأسد الغابة 3: 264، والأغاني 24: 10.
(5) سنن الترمذي 2: 180 باب 259، وسنن ابن ماجة 1: 253 حديث 768 - 770 ومسند أحمد 4: 85 و 86 و 150، وكنز العمال 7: 240 حديث 19167، والأم 1: 92 بتقديم وتأخير.
(6) بدائع الصنائع 1: 63.

[ 520 ]

وقال الشافعي: ينجس ولا يجوز شربه (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم وقد ذكرناها (2). مسألة 263: الأوقات التي تكره فيها الصلاة خمسة: وقتان تكره الصلاة لأجل الفعل، وثلاثة لأجل الوقت. فما كره لأجل الفعل، بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد العصر إلى غروبها. وما كره لأجل الوقت ثلاثة: عند طلوع الشمس، وعند قيامها، وعند غروبها. والأول إنما يكره ابتداء الصلاة فيه نافلة، وأما كل صلاة لها سبب من قضاء فريضة أو نافلة، أو تحية مسجد، أو صلاة زيارة، أو صلاة إحرام، أو صلاة طواف، أو نذر، أو صلاة كسوف، أو جنازة فإنه لا بأس به ولا يكره. وأما ما نهى فيه لأجل الوقت، فالأيام، والبلاد، والصلوات فيه سواء إلا يوم الجمعة فإن له أن يصلي عند قيامها النوافل. ووافقنا الشافعي في جميع ذلك، واستثنى من البلدان مكة، فإنه أجاز الصلاة فيها أي وقت شاء. ومن صلوات ما لها سبب (3) وفي أصحابنا من قال في الصلوات التي لها سبب مثل ذلك (4). وقال أبو حنيفة: الأزمان والصلوات والبلدان عامة، فلا يجوز شئ من الصلوات فيها بحال إلا عصر يومه، فإنه يبتدي بها وإن كان مع الغروب، ولا يبتدي بالصبح مع طلوع الشمس، فإن خالف فعليه قضاء ما فعله إلا عصر

(1) المجموع 2: 570، مغني المحتاج 1: 80.
(2) تقدم ذكرها في المسألة 13 من كتاب الطهارة فلاحظ.
(3) الأم 1: 149، ومختصر المزني: 19 - 20، والمغني لابن قدامة 1: 783. (4) قاله الشيخ المفيد قدس سره في المقنعة: 35.

[ 521 ]

يومه، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة. وأما الوقتان اللذان نهي عنهما لأجل الفعل فله أن يصلي فيهما الفوائت والجنائز وسجود التلاوة، ولا يصلي ركعتي الطواف ولا صلاة منذورة (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، فإنهم لا يختلفون في جواز هذه الصلوات التي ذكرناها في هذه الأوقات، وإنما منهم من يزيد على ذلك، ويجوز الصلاة التي لا سبب لها فيها. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة (2). وروى جبير بن مطعم (3) إن النبي صلى الله عليه وآله قال: " يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمر الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي وقت شاء من ليل أو نهار " (4). وروت أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله ذات يوم بعد العصر فصلى عندي ركعتين لم أكن أراه يصليهما فقلت: يا رسول الله لقد صليت صلاة لم أكن أراك تصليها؟ فقال: " إني كنت أصلي بعد الظهر ركعتين، وإنه قدم علي وفد من تميم فشغلوني عنهما فهما هاتان الركعتان " (5).

(1) الهداية 1: 40، واللباب في شرح الكتاب 1: 89 - 90.
(2) رواه الشافعي في الأم 1: 147، وحكاه السيوطي في الجامع الصغير 2: 692 عن الشافعي فلاحظ.
(3) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد المناف القرشي النوفلي، قدم إلى النبي (ص) ومعه فداء أسارى بدر من المشركين، فسمعه يقرأ سورة الطور، أسلم بين الحديبية والفتح، اختلف في سنة وفاته بين 57 - 59 هجرية، روى عن النبي (ص) وعنه سليمان بن صرد وعبد الرحمن بن أزهر. الإصابة 1: 227، والاستيعاب 1: 232، وأسد الغابة 1: 271، وشذرات الذهب 1: 59 و 64.
(4) سنن الدار قطني 1: 424 الأحاديث 2 - 5 وقريب منه الحديث الثامن، وفي مسند أحمد 4: 80 من دون " من ولي منكم من أمر الناس شيئا " ونحوه في 82 و 83 و 84.
(5) سنن الدارمي 1: 334 باب في الركعتين بعد العصر، وفي صحيح مسلم 1: 571 حديث 297 و 298، =

[ 522 ]

وروت عائشة قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله في بيتي في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين " (1). وروى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها " وفي بعضها " أي حين ما كانت " (2). وأما روايات أصحابنا فأكثر من أن تحصى، من ذلك ما رواه الأصبغ بن نباتة (3) قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامة " (4). وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خمس صلوات تصليهن في كل وقت: صلاة الكسوف، والصلاة على الميت، وصلاة الاحرام، والصلاة

= وسنن النسائي 1: 280 باب الرخصة في الصلاة بعد العصر. باختلاف يسير. (1) سنن الدارمي: 1: 334 باب في الركعتين بعد العصر، ومسند أحمد 5: 272، وفي صحيح مسلم 1: 572 حديث 300 و 301، وسنن النسائي 1: 280 باب الرخصة في الصلاة بعد العصر باختلاف يسير.
(2) تقدمت الإشارة إليها في الهامش الأخير من المسألة 139 من كتاب الصلاة. ثم إنه بحسب التتبع لم نعثر لعمران بن الحصين رواية بهذا اللفظ. نعم قال الترمذي 1: 334 في ذيل حديث 177 ما لفظه: وفي الباب عن... وعمران بن الحصين. وروى ابن ماجة 1: 228 ذيل حديث 698 ما لفظه: قال عبد الله بن رباح فسمعني عمران بن الحصين وأنا أحدث بالحديث فقال يا فتى انظر كيف تحدث فإني شاهد للحديث مع رسول الله (ص) قال: فما أنكر من حديثه شيئا.
(3) أصبغ بن نباتة التميمي الحنظلي المجاشعي، فاضل مشكور، من أصحاب الأمام أمير المؤمنين وخاصته وثقاته، روى عنه عهده إلى الأشتر ووصيته إلى محمد بن الحنفية، من شرطة الخميس وهو الذي أعانه على غسل سلمان ومن أصحاب الإمام الحسن عليه السلام. رجال النجاشي: 7، ورجال الطوسي: 34 و 66، وتنقيح المقال 1: 150.
(4) التهذيب 2: 38 حديث 119، والاستبصار 1: 275 حديث 999.

[ 523 ]

التي تفوت، وصلاة الطواف، من الفجر إلى طلوع الشمس وبعد العصر إلى الليل " (1). وروى عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام في قضاء صلاة الليل والوتر تفوت الرجل أيقضيها بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وبعد العصر إلى الليل؟ فقال: " لا بأس بذلك " (2). وروى جميل بن دراج قال: سألت أبا الحسن الأول عليه السلام عن قضاء صلاة الليل بعد الفجر إلى طلوع الشمس؟ قال: " نعم، وبعد العصر إلى الليل وهو من سر آل محمد المخزون " (3). وأخبارنا أكثر من أن تحصى وقد ذكرناها (4). مسألة 264: ركعتا الفجر من النوافل أفضل من الوتر وبه قال مالك. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه قاله في القديم (5)، وقال في الجديد: الوتر أولى (6). وأبو حنيفة خارج عن هذا الخلاف، لأن عنده أن الوتر واجب (7)، وسيجئ الكلام عليه. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (8).

(1) الكافي 3: 287 الحديث الأول، والتهذيب 2: 171 حديث 682.
(2) التهذيب 2: 173 حديث 687، والاستبصار 1: 289 حديث 1058.
(3) التهذيب 2: 173 حديث 689، والاستبصار 1: 290 حديث 1060، وفي من لا يحضره الفقيه 1: 315 حديث 1429 باختلاف يسير.
(4) التهذيب 2: 171 عند قول الشيخ الطوسي قدس سره " قال الشيخ رحمه الله ومن نسي فريضة فليقضها أي وقت ذكرها... ". والاستبصار 1: 289 باب 158 وقت قضاء ما فات من النوافل.
(5) المجموع 4: 26.
(6) المصدر السابق.
(7) شرح فتح القدير 1: 300.
(8) منها ما في التهذيب 2: 242 حديث 960

[ 524 ]

وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " (1). مسألة 265: النوافل المرتبة في اليوم والليلة إذا فاتت أوقاتها استحب قضاؤها. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا تقضى، وبه قال مالك (2)، وقال في القديم: تقضى. قال أصحابه: وهو أصح القولين، واختيار المزني (3). وقال أبو حنيفة: لا تقضى إلا ركعتا الفجر، فإنه إن تركهما دون الفرض لم يقضهما، وإن تركهما مع الفرض قضاهما مع الفرض (4). وقال محمد: تقضيان على كل حال. دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا فقد روى إسماعيل الجعفي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: " أفضل قضاء النوافل قضاء صلاة الليل بالليل، وصلاة النهار بالنهار " (5). وروى أبو بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " إن فاتك شئ من تطوع النهار والليل فاقضه عند زوال الشمس، وبعد الظهر، وعند العصر، وبعد المغرب، وبعد العتمة، ومن آخر السحر " (6). وروى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن علي بن

(1) صحيح مسلم 1: 501 حديث 96، وسنن الترمذي 2: 275 حديث 416، ومسند أحمد بن حنبل 6: 50 و 265، وفي 149 باختلاف يسير.
(2) المجموع 4: 40، والفتح الرباني 4: 677.
(3) المجموع 4: 40.
(4) المجموع 4: 42.
(5) الكافي 3: 452 صدر الحديث الخامس، وفي موردين من التهذيب 2: 163 صدر حديث 638 و 2: 163 حديث 643.
(6) التهذيب 2: 163 حديث 642، بسقوط الواو في (وعند العصر).

[ 525 ]

الحسين كان إذا فاته شئ من الليل قضاه بالنهار، وإن فاته شئ من اليوم قضاه عن الغد أو في الجمعة أو في الشهر " (1). وخبر أم سلمة الذي قدمناه يدل عليه (2). مسألة 266: النوافل في اليوم والليلة التابعة للفرائض أربع وثلاثون ركعة: ثمان ركعات قبل فريضة الظهر بعد الزوال، وثمان ركعات بعدها قبل فريضة العصر، وأربع ركعات بعد المغرب، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعدان بركعة، وثمان صلاة الليل بعد انتصاف الليل، وثلاث ركعات الشفع والوتر يفصل بينهما بتسليمة، وركعتا الفجر قبل فريضة الغداة، ويفصل في جميع النوافل بين كل ركعتين بتسليمة. وللشافعي فيه وجهان: أحدهما: إحدى عشرة ركعة، ركعتان قبل الفجر وأربع مع الظهر قبلها ركعتان وبعدها ركعتان، وبعد المغرب ركعتان، وبعد العشاء ركعتان، والوتر ركعة (3). ومنهم من قال: ثلاث عشرة ركعة هذه وزاد ركعتين فقال: أربع قبل فريضة الظهر (4). وقال أبو حامد: نص في الأم على القولين كالوجهين (5) ومن الناس من قال: سبع عشرة ركعة زاد أربعا العصر.
(6)

(1) التهذيب 2: 164 حديث 644، وذيل الحديث: " وكان إذا اجتمعت عليه الأشياء قضاها في شعبان حتى يكمل له عمل السنة كلها كاملة ".
(2) تقدم في المسألة 263.
(3) المجموع 4: 7، والوجيز 1: 53، وفتح العزيز 4: 210.
(4) المجموع 4: 7، والمغني لابن قدامة 1: 798.
(5) فتح العزيز 4: 220.
(6) انظر المغني لابن قدامة 1: 798، والوجيز 1: 54 ونسب فيهما القول إلى أبي الخطاب.

[ 526 ]

وقال الثوري وابن المبارك وإسحاق يصلي هذه قبل الظهر أربعا وبعدها ركعتين (1). وقال أبو حنيفة: ركعتان قبل الفجر وأربع قبل الظهر. وقبل العصر روايتان إحديهما أربع (2) وروى الحسن عنه ركعتين، وركعتان بعد المغرب، وأما العشاء الآخرة فأربع قبلها إن أحب وأربع بعدها، وكل أربع ذكرها فهي بتسليمة واحدة. دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم لأن ذلك معلوم من مذهبنا للمخالف والمؤالف، ولا يختلفون في العمل بها وإن اختلفت رواياتهم في ذلك، وقد بينا الوجه فيما اختلف فيه من الأخبار في ذلك (3). وروى إسماعيل بن سعد الأحوص الأشعري القمي قال: قلت للرضا علي بن موسى عليه السلام كم الصلاة من ركعة؟ فقال: إحدى وخمسون ركعة (4). وروى الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة، النافلة أربع وثلاثون ركعة (5). وروى الفضيل بن يسار والفضل بن عبد الملك وبكير بن أعين قالوا:

(1) المجموع 4: 7.
(2) الهداية 1: 66، وشرح فتح القدير 1: 314، وإرشاد الساري 2: 228.
(3) التهذيب 2: 2 باب المسنون من الصلوات، والاستبصار 1: 218 باب المسنون من الصلاة في اليوم والليلة.
(4) الكافي 3: 446 حديث 16، والتهذيب 2: 3 الحديث الأول، والاستبصار 1: 218 حديث 771.
(5) روى الحديث الشيخ الكليني في الكافي 3: 443 الحديث الثاني، والمصنف في كتابيه التهذيب 2: 4 الحديث الثاني، والاستبصار 1: 218 حديث 772، ما لفظه عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعدان بركعة وهو قائم الفريضة منها سبع عشرة ركعة والنافلة أربع وثلاثون ركعة.

[ 527 ]

سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي من التطوع مثلي الفريضة، ويصوم من التطوع مثلي الفريضة (1) مسألة 267: ينبغي لمن يصلي النافلة أن يتشهد في كل ركعتين ويسلم بعده، ولا يصلي ثلاثا ولا أربعا ولا ما زاد على ذلك بتشهد واحد، ولا بتسليم واحد. وأن يتشهد في كل ركعتين ويسلم، سواء كان ليلا أو نهارا، فإن خالف ذلك خالف السنة. وقال الشافعي: الأفضل أن يصلي مثنى مثنى ليلا كان أو نهارا (2)، فأما الجواز فإنه يصلي أي عدد شاء أربعا أو ستا أو ثمانيا أو عشرا شفعا أو وترا، وإذا زاد على مثنى فالأولى أن يتشهد عقيب كل ركعتين، فإن لم يفعل وتشهد في آخرهن مرة واحدة أجزأه. وقال في الاملاء وإن صلى بغير إحصاء جاز. قال: وبه قال مالك (3). وقال أبو حنيفة: الأفضل أربعا أربعا ليلا كان أو نهارا (4). وقال أبو يوسف ومحمد بقوله نهارا وبقول الشافعي: ليلا (5) قال: والجائز في النهار عددان مثنى أو أربعا، فإن زاد على أربع لم يصلح، والجائز ليلا مثنى مثنى، وأربعا أربعا، وستا ستا، وثمانيا ثمانيا، فإن زاد على ثمان لم يصح. دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط لأن ما قلناه مجمع على جوازه، وما

(1) الكافي 3: 443 الحديث الثالث، والتهذيب 2: 4 الحديث الثالث، والاستبصار 1: 218 حديث 773.
(2) المجموع 4: 56، ومغني المحتاج 1: 228، وإرشاد الساري 2: 228، وعمدة القاري 7: 3، والهداية 1: 66، وشرح فتح القدير 1: 319.
(3) قال القرطبي في بداية المجتهد 1: 200 فقال مالك والشافعي صلاة التطوع بالليل والنهار مثنى مثنى يسلم من كل ركعتين.
(4) الهداية 1: 66، وشرح فتح القدير 1: 319، وعمدة القاري 7: 3، وإرشاد الساري 2: 228.
(5) عمدة القاري 7: 3، وشرح فتح القدير 1: 319.

[ 528 ]

قالوه ليس عليه دليل بل فيه خلاف. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر، إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن صلاة الليل؟ فقال عليه السلام: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى " (1). وروي عن ابن عمر من غير طريق مالك إن النبي صلى الله عليه وآله قال: " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى " (2). وظاهر هذين الخبرين يدل على أن ما زاد على مثنى مثنى لا يجوز. وروت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء الآخرة إلى أن ينصدع الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم في كل ثنتين ويوتر بواحدة (3). مسألة 268: نوافل شهر رمضان تصلى منفردا، والجماعة فيها بدعة. وقال الشافعي: صلاة المنفرد أحب إلي منه (4). وشنع ابن داود (5) على الشافعي في هذه المسألة فقال: خالف فيها السنة والاجماع. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك على قولين:

(1) صحيح البخاري 2: 29، وصحيح مسلم 1: 516 حديث 145، وموطأ مالك 1: 123 الحديث 13، والسنن الكبرى 2: 486، ومسند أحمد 2: 5 و 9 و 10 باختلاف يسير.
(2) موطأ مالك 1: 119 الحديث 7، وسنن الترمذي 2: 491 حديث 597، والسنن الكبرى 2: 487، ومسند أحمد 2: 26.
(3) السنن الكبرى للبيهقي 2: 486 من حديث طويل.
(4) المجموع 4: 5.
(5) مشترك بين عدة لا يمكن تمييزهم والظاهر أنه سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو أيوب البغدادي، روى عن الشافعي وسمع إسماعيل بن جعفر وعنه أحمد بن حنبل توفي سنة 219 وقيل 220. طبقات الشافعية الكبرى 1: 263، وشذرات الذهب 2: 45.

[ 529 ]

فقال أبو العباس وأبو إسحاق وعامة أصحابه: صلاة التراويح في الجماعة أفضل بكل حال (1) وتأولوا قول الشافعي فقالوا: إنما قال: النافلة ضربان: نافلة سن لها الجماعة وهي العيدان، والخسوف، والاستسقاء. ونافلة لم تسن لها الجماعة مثل ركعتي الفجر، والوتر. وما سن له الجماعة أوكد مما لم تسن له الجماعة. ثم قال: وأما قيام شهر رمضان فصلاة المنفرد أحب إلي منه (2) يعني ركعات الفجر والوتر التي تفعل على الانفراد أوكد من قيام شهر رمضان. والقول الثاني: منهم من قال بظاهر كلامه فقال: صلاة التراويح على الانفراد أفضل منها في الجماعة بشرطين: أحدهما: أن لا تختل الجماعة بتأخره عن المسجد. والثاني أن يطيل القيام والقراءة، فيصلي منفردا ويقرأ أكثر مما يقرأ إمامه، وقد نص في القديم على أنه إن صلى في بيته في شهر رمضان فهو أحب إلي، وإن صلاها في جماعة فحسن. واختار أصحابه مذهب أبي العباس وأبي إسحاق. دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن ذلك بدعة. وأيضا روى زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة " (3). وروت عائشة: إن النبي صلى الله عليه وآله صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى في القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أصبح قال: " رأيت الذي صنعتم فلم

(1) المجموع 4: 5.
(2) المصدر السابق.
(3) سنن أبي داود 2: 69 باختلاف..

[ 530 ]

يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم " (1). وروي عن عمر أنه أمر أن تصلى التراويح جماعة، وأمر بإخراج القناديل، ثم قال: هي بدعة ونعمت البدعة هي (2). فصرح عمر بأنها بدعة والنبي صلى الله عليه وآله قال: " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار " (3). مسألة 269: يصلي طول شهر رمضان ألف ركعة زائدا على النوافل المرتبة في سائر الشهور. عشرين ليلة في كل ليلة عشرين ركعة، ثمان بين العشاءين، واثنتا عشرة بعد العشاء الآخرة. وفي العشر الأواخر كل ليلة ثلاثين ركعة. وفي ثلاث ليال وهي ليلة تسع عشرة، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين كل ليلة مائة ركعة. ومن أصحابنا من قال: تسقط في هذه الثلاث ليال النوافل المرتبة فيها من عشرين ركعة وثلاثين ركعة، ويصليها في الجمعات في أربع جمع، في كل جمعة أربع ركعات صلاة أمير المؤمنين عليه السلام، كل ركعة بخمسين مرة قل هو الله أحد بعد الحمد. وركعتين صلاة فاطمة عليها السلام، يقرأ في الأولى مائة مرة إنا أنزلناه بعد الحمد، وفي الثانية مائة مرة قل هو الله أحد. وأربع ركعات صلاة جعفر بن أبي طالب على الترتيب المعروف في ذلك. وفي آخر جمعة عشرين ركعة صلاة أمير المؤمنين عليه السلام.

(1) صحيح البخاري 3: 58، وصحيح مسلم 1: 524 الأحاديث 177 و 178.
(2) صحيح البخاري 3: 58، وموطأ مالك 1: 114 الحديث الثالث.
(3) سنن ابن ماجة 1: 15، 18 حديث 42، 46، وفي سنن أبي داود 4: 200 الحديث 4607 " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "، ونحوه سنن الدارمي 1: 44 و 69، والكافي 1: 56 باب البدع والرأي والمقاييس الحديث الثاني عشر.

[ 531 ]

وفي آخر سبت من الشهر عشرين ركعة صلاة فاطمة عليها السلام الجميع ألف ركعة. وفي ليلة النصف مائة ركعة كل ركعة بالحمد مرة وبعشر مرات قل هو الله أحد. وفي ليلة الفطر ركعتين في الأولى الحمد مرة وقل هو الله أحد ألف مرة، وفي الثانية الحمد مرة وقل هو الله أحد مرة واحدة (1). وذهب قوم من أصحابنا إلى أن حكم شهر رمضان حكم سائر الشهور، لا يزاد فيها على النوافل المرتبة شئ (2). وقال الشافعي: المستحب كل ليلة عشرون ركعة، بعد العشاء خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات في تسليمتين (3). وقال الشافعي: ورأيتهم بالمدينة يقومون بتسع وثلاثين ركعة ويقومون بمكة بعشرين ركعة. قال أصحابه معناه أن أهل مكة يصلون خمس تراويح ويطوفون بالبيت بين كل ترويحتين سبعا، فيحصل لهم خمس تراويح وأربعة أسباع من الطواف، فأراد أهل المدينة أن يساووا أهل مكة، فزادوا في عدد الركعات، فجعلوا مكان كل سبع من الطواف ترويحا، فزادوا أربع تراويح، يكون ست عشرة ركعة، وعشرين ركعة الراتبة، ويوترون بثلاث ركعات تصير تسعا وثلاثين ركعة (4).

(1) ذهب إليه الشيخ المفيد في المقنعة: 27 - 28، والسيد المرتضى في الانتصار: 55، وجمل العلم: 87 والشيخ المصنف في المبسوط 1: 133، والنهاية: 139.
(2) نسب ذلك إلى الشيخ الصدوق لما رواه في الفقيه 2: 88 حديث 397، والأمالي: 385 المجلس 39، وانظر المختلف: 126. (3) المجموع 4: 32، وفتح المعين: 33، وبداية المجتهد 1: 202، والاستذكار 2: 335.
(4) المجموع 4: 33.

[ 532 ]

قال الشافعي: والسنة عشرون ركعة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد أوردنا من الأخبار في هذا المعنى وما اختلف منها في الكتابين المقدم ذكرهما ما فيه كفاية، وبينا وجه الخلاف فيها (2). مسألة 270: القنوت في كل ركعتين من النوافل والفرائض في جميع أوقات السنة والقنوت في الوتر في جميع أوقات السنة. وقال الشافعي: لا يقنت في نوافل شهر رمضان إلا في النصف الأخير في الوتر خاصة (3)، وقد مضى ذكر ما يقول في قنوت صلاة الغداة وإن محله بعد الركوع. وقال أبو حنيفة يقنت في الوتر في جميع السنة، ولا يقنت فيما عداه (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأيضا قد دللنا في مسألة قنوت صلاة الغداة على أنه في جميع الصلوات وذلك يتناول هذا الموضع. وروى أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يوتر بثلاث ركعات يقرأ فيها " سبح اسم ربك الأعلى " و " قل يا أيها الكافرون " و " قل هو الله أحد " وكان يقنت قبل الركوع (5). مسألة 271: قنوت الوتر قبل الركوع، وبه قال أبو حنيفة (6).

(1) المجموع 4: 32، وفتح المعين: 33، وبداية المجتهد 1: 202، والاستذكار 2: 335.
(2) التهذيب 3: 62 الأحاديث 213 و 214 و 217 و 218 باب فضل شهر رمضان والصلاة فيه زيادة على النوافل المذكورة في سائر الشهور، والاستبصار 1: 462 باب الزيادات في شهر رمضان.
(3) المجموع 4: 24، ومغني المحتاج 1: 222، وشرح فتح القدير 1: 304، وبداية المجتهد 1: 197، والفتح الرباني 3: 313.
(4) بدائع الصنائع 1: 273، وشرح فتح القدير 1: 304، وبداية المجتهد 1: 197، والمجموع 4: 24، والفتح الرباني 3: 312.
(5) سنن الدار قطني 2: 31 الحديث الأول.
(6) عمدة القاري 7: 17، وبدائع الصنائع 1: 273، وشرح فتح القدير 1: 304، والفتح الرباني 3: 313

[ 533 ]

ولأصحاب الشافعي فيها وجهان: أحدهما قبل الركوع (1)، والآخر بعد الركوع، وعليه نص الشافعي في حرملة وعليه أصحابه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وحديث أبي بن كعب الذي قدمته (3). وروى عبد الله بن مسعود قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله لأنظر كيف يقنت في وتره، فقنت قبل الركوع، ثم لقنت أمي أم عبد الله فقلت: بيتي مع نسائه فانظري كيف يقنت في وتره، فأتتني فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع (4). مسألة 272: وقت صلاة الليل بعد انتصاف الليل، وكلما قرب إلى الفجر كان أفضل. وقال مالك: الثلث الأخير أفضل (5). وقال الشافعي: إن جزى الليل نصفين كان النصف الأخير أفضل، وإن جزاه ثلاثة أثلاث كان الثلث الأوسط أفضل (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " والمستغفرين بالأسحار " (7) فمدح المستغفرين أوقات السحر يدل على أن الدعاء فيه أفضل، والصلاة فيها الدعاء والاستغفار.

(1) المجموع 4: 15، وإرشاد الساري 2: 235.
(2) المجموع 4: 15، وإرشاد الساري 2: 235، وبدائع الصنائع 1: 273، وعمدة القاري 7: 17، وشرح فتح القدير 1: 304. (3) تقدمت في المسألة السابقة.
(4) سنن الدار قطني 2: 32 الحديث الرابع وفيه (ثم يقنت)، وسنن أبي داود 2: 64 ذيل الحديث 1427 وفي سنن ابن ماجة 1: 374 حديث 1182 عن أبي بن كعب.
(5) إرشاد الساري 2: 23.
(6) الأم 1: 143، والمجموع 4: 44، ومغني المحتاج 1: 227 - 228.
(7) آل عمران: 17.

[ 534 ]

مسألة 273: الوتر سنة مؤكدة وليس بواجب، وبه قال جميع الفقهاء (1) إلا أبا حنيفة. وبمذهبنا قال علي عليه السلام، وعبادة بن الصامت، وهو اختيار أبي يوسف ومحمد (2). وقال أبو حنيفة: هو فرض، وأصحابه يقولون: هو واجب عنده (3). وقال ابن المبارك: ما علمت أحدا قال الوتر واجب إلا أبا حنيفة (4). قال حماد بن زيد: قلت لأبي حنيفة: كم الصلاة؟ قال: خمس. قلت: فالوتر؟ قال: فرض. قلت: فكم الصلاة قال: خمس قلت: فالوتر قال فرض. قلت لا أدري تغلط في الجملة أو في التفصيل (5). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك وإن كان قد ورد في أخبارهم إن صلاة الليل واجبة (6)، ويريدون بذلك شدة تأكدها. وأيضا الأصل براءة الذمة، والايجاب يحتاج إلى دليل. وأيضا قوله تعالى: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " (7) يدل

(1) المجموع 4: 19، والفتح الرباني 4: 278، وعمدة القاري 7: 11، وشرح فتح القدير 1: 300.
(2) الهداية 1: 65، وشرح فتح القدير 1: 300، وعمدة القاري 7: 11، والمجموع 4: 19، وبدائع الصنائع 1: 270.
(3) الهداية 1: 65، وعمدة القاري 7: 11، وبدائع الصنائع 1: 270، والمجموع 4: 19، وإرشاد الساري 2: 228، والفتح الرباني 4: 278.
(4) في المجموع 4: 19، والفتح الرباني 4: 278، عن ابن المنذر قوله: لا أعلم أحدا وافق أبا حنيفة في هذا، وناقش العيني في عمدة القاري 7: 11 أبا الطيب وأبا حامد القائلان بأن أبا حنيفة هو القائل الوحيد لهذا القول، واستدل أخيرا بأن أبا حنيفة لم ينفرد بهذا الرأي.
(5) قال الكاساني في بدائع الصنائع 1: 270 عند أبي حنيفة فيه ثلاث روايات أحدها روى حماد بن زيد عنه أنه فرض. وانظر الفتح الرباني 4: 278.
(6) التهذيب 2: 14 و 15 و 243 الأحاديث 36 و 39 و 42 و 962.
(7) البقرة: 238.

[ 535 ]

على ذلك، لأنه ثبت به أن الصلوات خمس، لأن لها وسطى، فلو كان الوتر واجبا لكانت ستا، فلا تكون لها وسطى. وروي عن علي عليه السلام أنه قال: " الوتر ليس بحتم إنما هو سنة سنها نبيكم " (1). وروى طلحة بن عبيد الله قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله عن الاسلام؟ فقال: " خمس صلوات في اليوم والليلة فقال: هل علي غيرها؟ فقال: لا إلا أن تتطوع، ثم سأله عن الصدقة؟ فقال: الزكاة فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، ثم سأله عن الصوم؟ فقال: شهر رمضان في كل سنة فقال: هل علي غيره؟ فقال: لا إلا أن تتطوع، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال النبي صلى الله عليه وآله. أفلح إن صدق (2). وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ثلاث علي فرض ولكم تطوع: الوتر، والنحر، وركعتا الفجر " (3). وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله كان يوتر على راحلته ويصلي التطوع عليها حيث ما توجهت به، يؤمي برأسه إيماء (4). وعندهم لا يجوز الوتر على الراحلة، وهذا حديث في الصحيح (5). مسألة 274: صلاة الليل عندنا إحدى عشرة ركعة، كل ركعتين بتشهد

(1) سنن الترمذي 2: 316 حديث 454.
(2) صحيح البخاري 1: 19، وصحيح مسلم 1: 40 الحديث الثامن والتاسع. وموطأ مالك 1: 175 حديث 94.
(3) سنن الدار قطني 2: 21 الحديث الأول.
(4) سنن الدار قطني 2: 21 الحديث الرابع، وانظر سنن أبي داود 2: 9 حديث 1224. وصحيح البخاري 2: 55 باب صلاة التطوع على الدواب.
(5) المجموع 4: 21.

[ 536 ]

وتسليم بعده، والوتر ركعة مفردة بتشهد وتسليم. وقال الشافعي: أفضل الوتر إحدى عشرة ركعة يسلم في كل ركعتين، وأقل الأفضل ثلاث بتسليمتين، فالثلاث أفضل من الواحدة، والخمس أفضل من ثلاث، وكلما زاد على إحدى عشرة ركعة كان أفضل. والوتر بالواحدة جائز، والركعة الواحدة صلاة صحيحة (1). وبه قال في الصحابة أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص. وفي الفقهاء مالك، وأحمد، وإسحاق (2). وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، فإن زاد عليها أو نقص منها لم يكن وترا. وقال: الركعة الواحدة لا تكون صلاة صحيحة (3). وقال الثوري: لا يوتر بواحدة (4). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك. وأما كون الركعة الواحدة صلاة صحيحة فالأولى أن نقول أنه لا يجوز لأنه لا دليل في الشرع على ذلك، والركعتان مجمع على كونهما صلاة شرعية. وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن البتيراء يعني الركعة الواحدة (5).

(1) المجموع 4: 22، وإرشاد الساري 2: 230، وعمدة القاري 7: 4، وبدائع الصنائع 1: 271، والفتح الرباني 4: 302.
(2) بداية المجتهد 1: 194، والفتح الرباني 4: 30، والمجموع 4: 22، وإرشاد الساري 2: 229.
(3) الهداية 1: 66، وعمدة القاري 7: 4، وبدائع الصنائع 1: 271، والمجموع 4: 22 وبداية المجتهد 1: 193، والفتح الرباني 4: 302.
(4) المجموع 4: 22، وعمدة القاري 7: 4.
(5) لم نعثر على هذه الرواية في مضانها المتوفرة المعتبرة، ولكن المحكي عن نصب الراية 1: 277 و 278، وفي لسان الميزان 4: 152 تحت رقم 357 في ذيل ترجمة عثمان بن محمد بن ربيعة: عن أبي سعيد أن =

[ 537 ]

وأما ما يدل على أنه ينبغي التسليم في كل ركعتين، فما رواه الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت فأوتر بركعة " (1). مسألة 275: لا يجوز أن يوتر أول الليل مع الاختيار، ويجوز ذلك مع الاضطرار، وفي السفر، وخوف الفوات، وترك القضاء. وقال الشافعي: هو بالخيار إن شاء أوتر أول الليل وإن شاء آخره. فإن كان ممن يريد القيام بالليل لصلاة الليل فالوتر آخر الليل أفضل (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف أنه إذا أوتر آخر الليل كان جائزا، وليس على قول من أجازه أول الليل دليل. وروى مسروق (3) قال: قلت لعائشة: متى كان رسول الله صلى الله عليه وآله يوتر؟ قالت: كل ذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وآله أوتر أول الليل، ونام وسطه وآخره، ولكن انتهى وتره حين مات إلى السحر (4). مسألة 276: من أوتر أول الليل وقام آخره لا يعتد بما فعله أولا بل يوتر،

= رسول الله نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها، ونقله عنه الدار قطني في غرائب مالك. وعن الخطيب في الرواة عن ملك في ترجمة عثمان بن محمد. (1) صحيح مسلم 1: 516 الأحاديث 145 و 146 و 147، ومسند أحمد 2: 30، و 40 و 44 و 49 و 54 و 58 و 66 و 71 و 77 و 102 و 113 و 119 و 133 و 134 و 148 و 155، وموطأ مالك 1: 123 حديث 23 باختلاف في السند ومثله سنن الدارمي 1: 340، وسنن النسائي 3: 227 و 233، وسنن ابن ماجه 1: 418 باب ما جاء في صلاة الليل ركعتين - 171 - حديث 1320 باختلاف يسير.
(3) الأم 1: 141 ولم يفصل، والمجموع 4: 12 - 13، وإرشاد الساري 2: 231.
(3) مسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي، أبو عائشة، ابن أخت عمرو بن معديكرب، أخذ العلم عن علي ومعاذ وابن مسعود وعائشة، وروى عنه إبراهيم والشعبي وغيرهم، مات سنة 63 مرآة الجنان 1: 139، وتذكرة الحفاظ 1: 46، وشذرات الذهب 1: 70.
(4) سنن الترمذي 2: 318 حديث 456، وسنن ابن ماجة 1: 374 حدث 1185 و 1186، وسنن أبي داود 2: 66 حديث 1435، والمنهل العذب المورود 8: 74.

[ 538 ]

وبه قال علي عليه السلام وابن عباس (1). وقال الشافعي: إذا أوتر أول الليل ثم نام وقام للصلاة صلى ما أحب ولم ينقض وتره التي صلاها (2) وبه قال طلق بن علي في الصحابة، وهو قول مالك، والثوري، وابن المبارك (3). وقال علي عليه السلام وابن عباس: إذا قام نقض وتره، بأن يصلي ركعة يشفع بها ما كان صلى، ثم يصلي، ثم يوتر بعد ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فقد بينا أن وقت الوتر آخر الليل (4)، فإذا ثبت ذلك فمن أوتر أول الليل فقد صلى قبل دخول وقته، وذلك لا يعتد به. مسألة 277: يستحب أن يقرأ في المفردة من الوتر " قل هو الله أحد " والمعوذتين، وفي الشفع يقرأ ما شاء. وقال الشافعي: يقرأ في الأولة " سبح اسم ربك الأعلى " وفي الثانية قل " يا أيها الكافرون " وفي الثالثة " قل هو الله أحد " والمعوذتين (5). وقال أبو حنيفة: يقرأ ما قال الشافعي إلا المعوذتين (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " فاقرؤا ما تيسر من القرآن " (7) وقوله " فاقرؤا ما تيسر منه " (8) يدل على جواز قراءة المعوذتين، لأنه لم يفرق.

(1) ذكر ابن الهمام في مصنفه 3: 29 بابا مستقلا " في الرجل يوتر ثم يستيقظ فيريد أن يصلي " وفيه عدة أحاديث تتعلق بهذه المسألة.
(2) الأم 1: 143، والمجموع 4: 15، والفتح الرباني 4: 309.
(3) موطأ مالك 1: 125، والمجموع 4: 15، والفتح الرباني 4: 309.
(4) انظر المسألة 272 و 275.
(5) المجموع 4: 23، والفتح الرباني 4: 307.
(6) بدائع الصنائع 1: 273، والمجموع 4: 23.
(7) المزمل 73 الآية 20.
(8) المزمل 73 الآية 20.

[ 539 ]

وروت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يوتر بثلاث: يقرأ في الركعة الأولى " سبح اسم ربك الأعلى " وفي الثانية " قل يا أيها الكافرون " وفي الثالثة " قل هو الله أحد " والمعوذتين (1). مسألة 278: دعاء قنوت الوتر ليس بمعين بل يدعو بما يشاء، وقد رويت في ذلك أدعية معينة لا تحصى أوردنا طرفا منها في الكتاب الكبير (2). وقال الشافعي: يدعو بما رواه الحسن بن علي عليهما السلام (3) قال: " علمني رسول الله صلى الله عليه وآله كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت هذا هو المنقول (4)، وزاد أصحابه -: ولا يعز من عاديت، ولك الحمد على ما قضيت " (5)

(1) سنن الدار قطني 2: 35 الحديث 18.
(2) التهذيب 2: 92 حديث 342.
(3) المجموع 3: 493، وفي مختصر المزني: 15 لم ينسب الدعاء إلى الإمام الحسن (ع).
(4) سنن الترمذي 2: 328 الباب 341 حديث 464، وفي سنن أبي داود 2: 63 باب القنوت في الوتر حديث 1425، وسنن ابن ماجة 1: 372 باب 117 حديث 1178، ومصباح المتهجد: 134 في قنوت الوتر، وفقه الرضا: 55 باختلاف يسير.
(5) وقال النووي في المجموع 3: 496 " ولو زاد عليهن ولا يعز من عاديت قبل تباركت ربنا وتعاليت وبعده فلك الحمد على ما قضيت أستغفرك وأتوب إليك فلا بأس به ".

[ 541 ]

كتاب الجماعة مسألة 279: الجماعة في خمس صلوات سنة مؤكدة، وليست واجبة، ولا فرضا، لا من فروض الأعيان، ولا من فروض الكفايات، وهو المختار من مذهب الشافعي عند أصحابه (1)، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي ومالك (2). وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق: هي من فرائض الكفايات كصلاة الجنازة (3). وقال داود وأهل الظاهر وقوم من أصحاب الحديث: إنها من فروض الأعيان (4). ثم اختلفوا فقال داود: واجبة، ولكن ليست بشرط (5)، وقال قوم من أصحاب الحديث: شرط، فإن صلى فرادى لم تصح صلاته (6).

(1) المجموع 4: 189، ونيل الأوطار 3: 151.
(2) الهداية 1: 55، واللباب 1: 80، ومقدمات ابن رشد 1: 117، ومغني المحتاج 1: 229 ونيل الأوطار 3: 151، وحاشية رد المحتار 1: 552، وفتح العزيز 4: 285، وفي بدائع الصنائع 1: 155 عند أبي حنيفة الجماعة واجبة من غير حرج.
(3) فتح العزيز 4: 285، وسبل السلام 2: 409.
(4) المجموع 4: 189، ونيل الأوطار 3: 151.
(5) المحلى 4: 188، وبداية المجتهد 1: 136، ونيل الأوطار 3: 151.
(6) نيل الأوطار 3: 151.

[ 542 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، وإيجاب الجماعة وفرضها في هذه الصلوات يحتاج إلى دليل. وأيضا روى نافع عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ (1) بسبع وعشرين درجة " (2). وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا " (3) وابن مسعود " بتسع وعشرين درجة " (4). فوجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وآله فاضل بين صلاة الجماعة و صلاة الفذ، ولفظ أفضل في كلام العرب موضوع للاشتراك في الشئ وإن أحدهما يفضل فيه، فلو كانت صلاة الفذ غير مجزية لما وقعت المفاضلة فيها. مسألة 280: إذا صلي في مسجد جماعة وجاء قوم آخرون ينبغي أن يصلوا فرادى، وهو مذهب الشافعي (5) إلا أنه قال: هذا إذا كان المسجد له إمام راتب يصلي بالناس، فأما إذا لم يكن له إمام راتب، أو يكون مسجدا على قارعة الطريق، أو في محلة لا يمكن أن يجتمع أهله دفعة واحدة، فإنه يجوز أن يصلوا جماعة بعد جماعة (6).

(1) الفذ: الفرد مجمع البحرين مادة (فذذ).
(2) صحيح البخاري 1: 156، وموطأ مالك 1: 129 الحديث الأول الباب الثامن، وفي صحيح مسلم 1: 450 حديث 250، وسنن ابن ماجة 1: 259 حديث 789 الباب 16، وسنن الترمذي 1: 420 حديث 215 باختلاف يسير.
(3) صحيح مسلم 1: 449 حديث 649، وموطأ مالك 1: 129 الحديث الثاني الباب الثامن، وفي صحيح البخاري 1: 157، وسنن ابن ماجة 1: 258 حديث 787، وسنن النسائي 1: 241، وسنن الترمذي 1: 421 حديث 216 باختلاف يسير.
(4) في مسند أحمد 1: 376 " فضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بضع وعشرون درجة ".
(5) نيل الأوطار 3: 185، وحكاه الترمذي في سننه 1: 430 عن الشافعي وجماعة من أهل العلم.
(6) الأم 1: 136، والمجموع 4: 221.

[ 543 ]

وقد روى أصحابنا أنهم إذا صلوا جماعة وجاء قوم جاز لهم أن يصلوا دفعة أخرى غير أنهم لا يؤذنون ولا يقيمون ويجتزون بالأذان الأول (1). دليلنا: الأخبار التي ذكرناها في الكتاب الكبير (2). وروى أبو علي الحراني (3) قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فأتاه رجل فقال له: جعلت فداك صلينا في المسجد الفجر فانصرف بعضنا وجلس بعض في التسبيح فدخل رجل المسجد فأذن فمنعناه ودفعناه عن ذلك؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: " أحسنت ادفعه عن ذلك وامنعه أشد المنع " قلت: فإن دخلوا فأرادوا أن يصلوا جماعة فيه؟ قال: " يقومون في ناحية المسجد ولا يبدو لهم إمام " (4). وروى زيد بن علي عن أبيه عن آبائه قال: دخل رجلان المسجد وقد صلى علي بالناس فقال لهما إن شئتما فليؤم أحدكما صاحبه ولا يؤذن ولا يقيم (5). مسألة 281: صلاة الضحى بدعة لا يجوز فعلها (6).

(1) الكافي 3: 304 الحديث 12، والتهذيب 2: 277 حديث 1100 و 281 حديث 1119 و 1120، و 3: 56 حديث 191 و 195.
(2) التهذيب 3: 55 حديث 190.
(3) في النسخ الخطية وغيرها الجبائي والصحيح ما أثبتناه، وقد عنونه النجاشي في باب من اشتهر بكنيته والشيخ الطوسي في فهرسته وقالا له كتاب، روى عن الإمام الصادق عليه السلام وروى عنه محمد ابن أبي عمير وهارون بن مسلم. وأما الجبائي فلم نعثر عليه في رواة الإمام الصادق، علما بأن الجبائي المعروف من كبار المعتزلة مات سنة 303 هجرية. رجال النجاشي: 354، والفهرست 187، وتنقيح المقال 3: 27 من فصل الكنى، ومعجم رجال الحديث 21: 251.
(4) التهذيب 3: 55 حديث 190، وفي من لا يحضره الفقيه 1: 266 حديث 1215 بسند آخر واختلاف في الألفاظ.
(5) التهذيب 3: 56 حديث 191.
(6) قال النووي في المجموع 4: 40 وثبت عن ابن عمر أنه يراها بدعة وعن ابن مسعود نحوه.

[ 544 ]

وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا إنها سنة (1). وقال الشافعي: أقل ما يكون فيها ركعتان، وأفضله اثنتا عشرة ركعة، والمختار ثمان ركعات (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، وكون ذلك مسنونا يحتاج إلى دليل. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " صلاة الضحى بدعة " (3). وما رووه في هذا الباب من الأخبار فغير معروفة ولا معلومة (4)، ويجوز أن تكون نسخت فلا يجوز العمل بها. مسألة 282: لا يجوز للجالس أن يؤم بالقيام، وبه قال مالك (5). وقال الشافعي: الأفضل أن لا يصلي خلفه، فإن فعل أجزأه وصحت صلاته، غير أنهم يصلون من قيام (6)، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (7). وقال أحمد: إذا صلى الإمام قاعدا صلوا خلفه قعودا مع القدرة على القيام، ولا يجوز أن يصلوا قياما خلف قاعد، فإن صلوا خلفه قياما لم تصح صلاتهم (8). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (9).

(1) المجموع 4: 36، وكفاية الأخيار 1: 54، وسبل السلام 2: 405، وحاشية إعانة الطالبين 1: 253.
(2) المجموع 4: 36، وكفاية الأخيار 1: 54، وحاشية إعانة الطالبين 1: 254.
(3) من لا يحضره الفقيه 2: 87 حديث 394، والتهذيب 3: 69، حديث 226، والاستبصار 1: 467 حديث 1807. وصحيح مسلم 2: 917 حديث 220 كتاب الحج، ومسند أحمد 2: 129 و 155.
(4) صحيح البخاري 2: 70، وسنن الدارمي 1: 338 و 339.
(5) بداية المجتهد 1: 147، والمجموع 4: 265، وسبل السلام 2: 417.
(6) الأم 1: 171، وبداية المجتهد 1: 147، وسبل السلام 2: 417.
(7) المبسوط 1: 213، واللباب 1: 84، وبداية المجتهد 1: 147.
(8) المجموع 4: 265، وبداية المجتهد 1: 147.
(9) من لا يحضره الفقيه 1: 249 حديث 1119.

[ 545 ]

وأيضا روى جابر الجعفي عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا يؤمن أحد بعدي قاعدا بقيام " (1). مسألة 283: يجوز للقاعد أن يأتم بالمؤمي، ويجز للمكتسي أن يأتم بالعريان، ويكره للمتطهر أن يأتم بالمتيمم، وليس يفسد ذلك الصلاة، ولا تنعقد صلاة القارئ خلف الأمي، ويجوز صلاة الطاهر خلف المستحاضة. وقال الشافعي في هذه المسائل: إنه يجوز (2)، إلا أنه قال في القارئ خلف الأمي، والطاهر خلف المستحاضة وجهان (3). وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز للقائم أن يأتم بالمؤمي، ولا المتكسي بالعريان، ولا القارئ بالأمي، ولا الطاهر بالمستحاضة (4)، ولا خلاف بينهم في هذه المسائل. وأما القائم بالقاعد فقال محمد أيضا لا يجوز (5)، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز استحسانا (6). والمتطهر خلف المتيمم قال محمد: لا يجوز استحسانا (7). وأجمعوا على أنه يجوز للغاسل رجليه أن يأتم بمن مسح على خفيه (8). دليلنا: على جواز ما اخترناه في هذه المسائل، ما ورد من الأخبار في فضل الجماعة ولم تفرق بين اختلاف أحوال الأئمة والمأمومين (9)، فوجب حملها على

(1) السنن الكبرى 3: 80، وسنن الدار قطني 1: 398.
(2) المجموع 4: 263، ومغني المحتاج 1: 240 - 241، والهداية 1: 57.
(3) المجموع 4: 264، 266، ومغني المحتاج 1: 240 - 241، والنتف 1: 96.
(4) الهداية 1: 57، والنتف 1: 96، واللباب 1: 84، ورد المحتار 1: 578.
(5) المبسوط 1: 214، والنتف 1: 96، واللباب 1: 84، وشرح فتح القدير 1: 261. (6) المبسوط 1: 213، واللباب 1: 84.
(7) المبسوط 1، 111.
(8) الهداية: 57، والمبسوط 1: 214.
(9) الكافي 3: 371 باب فضل الصلاة في الجماعة، ومن لا يحضره الفقيه 1: 245 باب الجماعة =

[ 546 ]

العموم. فأما صلاة القارئ خلف الأمي فإنما منعناه لقوله عليه السلام: " يؤمكم أقرؤكم " (1) ومن خالف ذلك خالف النص، فلا تصح صلاته. وأما كراهية ما ذكرناه فللأخبار التي رواها أصحابنا أوردناها في الكتابين المقدم ذكرهما (2). مسألة 284: يجوز للمفترض أن يأتم بالمتنفل، وللمتنفل أن يقتدي بالمفترض، مع اختلاف نيتهما، وبه قال الحسن، وطاووس، وعطاء، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (3). وذهب قوم إلى أن اختلاف النية يمنع الائتمام على كل حال، ذهب إليه الزهري، وربيعة، ومالك، وأبو حنيفة وقالوا: يجوز أن يأتم المتنفل بالمفترض، ولا يجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل ولا المفترض بالمفترض مع اختلاف فرضيهما (4). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك. وأيضا روى جابر قال: كان معاذ بن جبل (5) يصلي مع رسول الله

= وفضلها، والتهذيب 3: 24 باب فضل الجماعة، وسائل الشيعة 5: 370 أبواب صلاة الجماعة الباب الأول. (1) من لا يحضره الفقيه 1: 185 حديث 880.
(2) التهذيب 3: 166 الأحاديث 361 و 362، والاستبصار 1: 424 باب إن المتيمم لا يصلي بالمتوضئين الأحاديث 1634 و 1635.
(3) المجموع 4: 269 و 271، والوجيز 1: 57، وشرح فتح القدير 1: 263.
(4) الهداية 1: 58، واللباب 1: 84، والنتف 1: 96، وشرح فتح القدير 1: 263 وفتح المعين: 34، والمجموع: 4: 271 (5) أبو عبد الرحمن، معاذ بن جبل بن عمر بن أوس بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أحد من شهد العقبة والمشاهد كلها، وقد آخى النبي بينه وبين عبد الله بن مسعود، روى عن النبي وعنه عمر وابنه وأبو قتادة وأنس وأبو أمامة وعبد الرحمن بن غنم وغيرهم، مات في طاعون عمواس بالشام سنة =

[ 547 ]

صلى الله عليه وآله العشاء ثم ينصرف إلى موضعه في بني سلمة فيصليها بهم هي له تطوع ولهم مكتوبة (1). مسألة 285: إذا أحس الإمام بداخل وقد قارب ركوعه أو هو راكع يستحب له أن يطيل حتى يلحق الداخل الركوع. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: إن ذلك مكروه، وبه قال أهل العراق. والمزني (2). والثاني: لا يكره، وهو اختيار أبي إسحاق، وعلى ذلك أصحاب الشافعي (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم ذكرناها في الكتاب الكبير (4). مسألة 286: يجوز إمامة العبد إذا كان من أهلها، وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: هي مكروهة (6). وروي في بعض رواياتنا إن العبد لا يؤم إلا مولاه (7). دليلنا: عموم الأخبار الواردة في فضل الجماعة في ذلك ذكرناها في

= 18 هجرية. أسد الغابة 4: 377، وتهذيب التهذيب 10: 186، وصفوة 1: 195، ومرآة الجنان 1: 73. (1) الأم 1: 173، وفي صحيح البخاري 1: 182، وصحيح مسلم 1: 340 حديث 180 الباب 36، وسنن أبي داود 1: 163 حديث 599 الباب 63، وسنن الترمذي 1: 48 من دون ذكر " هي له تطوع ولهم مكتوبة ". ولكن النووي قال في المجموع 4: 271 نقلا عن البيهقي قوله " والظاهر أن قوله هي له تطوع ولهم مكتوبة من قول جابر ".
(2) الأم (مختصر المزني) 1: 22، والمجموع 4: 229، وفتح العزيز 4: 293، ونيل الأوطار 3: 170.
(3) الأم (مختصر المزني) 1: 22، والمجموع 4: 229، ونيل الأوطار 3: 170.
(4) التهذيب 3: 48 حديث 167.
(5) الأم 1: 165، والمجموع 4: 273 و 290، ومغني المحتاج 1: 240، والمغني لابن قدامة 2: 30.
(6) الهداية 1: 56، واللباب 1: 81، وبدائع الصنائع 1: 156، وحاشية رد المحتار 1: 559، والمجموع 4: 290، وفي النتف 1: 95 قوله " تجوز إمامة العبد للحر ".
(7) التهذيب 3: 29 حديث 102، والاستبصار 1: 423 حديث 1631 وفيهما " لا يؤم العبد ألا أهله ".

[ 548 ]

الكتابين (1) وقوله عليه السلام: " يؤمكم أقرؤكم " ولم يفصل (2). مسألة 287: لا يجوز إمامة ولد الزنا. وقال الشافعي: إمامته مكروهة (3). وقال أبو حنيفة: لا بأس بها (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. مسألة 288: لا يجوز أن يأتم الرجل بامرأة ولا خنثى، وبه قال جميع الفقهاء (5) إلا أبا ثور فإنه قال: يجوز ذلك (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فالصلاة في الذمة بيقين ولا يجوز إبراؤها إلا بيقين، ولا يقين لمن صلى خلف امرأة. وأيضا روى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا تؤمن امرأة رجلا، ولا يؤم أعرابي مهاجرا " (7). مسألة 289: لا بأس أن يؤم الرجل جماعة من النساء ليس فيهن رجال. وقال الشافعي: ذلك مكروه (8).

(1) التهذيب 2: 24 باب فضل الجماعة.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 185 حديث 880.
(3) الأم 1: 166، والمجموع 4: 290.
(4) بدائع الصنائع 1: 156، والنتف 1: 95، والآثار: 14، وحاشية رد المحتار 1: 562 وفي اللباب 1: 81 أنه مكروه.
(5) الأم 1: 164، والمحلى 4: 219، والهداية 1: 56، والمجموع 4: 255، وبداية المجتهد 1: 140، وحاشية رد المحتار 1: 576، والنتف 1: 97، ومغني المحتاج 1: 240، وحاشية العدوي 1: 263، والشرح الكبير على متن المقنع 2: 52، وفتح العزيز 4: 319.
(6) بداية المجتهد 1: 141، والمجموع 4: 255، وسبل السلام 2: 426، والشرح الكبير على متن المقنع 2: 52.
(7) سنن ابن ماجة 1: 343 حديث 1081.
(8) المجموع 4: 277 - 278.

[ 549 ]

دليلنا: إن كراهة ذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 290: لا يجوز الصلاة خلف من خالف الحق من الاعتقادات، ولا خلف الفاسق وإن وافق فيها. وقال الشافعي: أكره إمامة الفاسق والمظهر للبدع، وإن صلى خلفه جاز (1). وقال أصحابه: المختلفون في المذاهب على ثلاثة أضرب: ضرب لا نكفرهم ولا نفسقهم، وضرب نكفره، وضرب نفسقه. فأما الذين لا نكفرهم ولا نفسقهم فهم المختلفون في الفروع، مثل أصحاب أبي حنيفة، ومالك فهؤلاء لا يكره الائتمام بهم لأنهم لا يفسقون فيها ولكن إن كان فيهم من يعلم أنه يعتقد ترك بعض الأركان يكره الائتمام به، فإن تحقق أنه ترك بعض الأركان لا يجوز الائتمام به. والذين نكفرهم هم المعتزلة وغيرهم، فلا يجوز الائتمام بهم، لأنهم محكوم بكفرهم، وليس لهم صلاة، فلا يصح الائتمام بهم. وأما الذين نفسقهم ولا نكفرهم فهم الذين يسبون السلف والخطابية، فحكم هؤلاء وحكم من يفسق بالزنا وشرب الخمر وغير ذلك واحد فهؤلاء الائتمام بهم يكره ولكنه يجوز، وبهذا قال جماعة أهل العلم (2). وحكي عن مالك أنه قال: لا يؤتم ببدعي (3). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأيضا الصلاة في ذمته بيقين، ولا دليل على براءتها إذا صلى خلف من ذكرناه.

(1) الأم 1: 166، والأم (مختصر المزني): 22، والمجموع 4: 253، وكفاية الأخيار 1: 82، والمحلى 4: 214، ونيل الأوطار 3: 201، وسبل السلام 2: 426.
(2) المحلى 4: 213 - 214، والمجموع 4: 253، وكفاية الأخيار 1: 82، وسبل السلام 2: 426.
(3) المجموع 4: 253، وفتح العزيز 4: 330.

[ 550 ]

مسألة 291: لا يجوز أن يؤم أمي بقارئ، فإن فعل أعاد القارئ الصلاة، وحد الأمي الذي لا يحسن فاتحة الكتاب أو لا يحسن بعضها، فهذا يجوز أن يؤم بمثله. فأما أن يؤم بقارئ فلا يجوز سواء كان فيما جهر بالقراءة أو خافت. وقال أبو العباس وأبو إسحاق: يخرج على قول الشافعي في الجديد ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجوز على كل حال، لأنه على قوله يلزم المأموم القراءة فيصح صلاته، وبه قال المزني (1). والثاني: إنه لا يجوز بكل حال، وبه قال أبو حنيفة (2). والثالث: إن كانت الصلاة مما يجهر فيها لا يجوز، وإن كانت مما يسر فيها جاز، وبه قال الثوري وأبو ثور، لأن ما لا يجهر فيها يلزم المأموم القراءة (3). وقال أبو حنيفة: إذا ائتم قارئ بأمي بطلت صلاة الكل (4)، وعند الشافعي يبطل صلاة القارئ، وبه نقول (5). دليلنا: إنه قد وجبت الصلاة في الذمة بيقين، فلا يجوز إسقاطها إلا بدليل. وأيضا قوله عليه السلام: " يؤمكم أقرؤكم " (6) وهذا خالف المأمور به، فلا تصح صلاته. مسألة 292: إذا ائتم بكافر على ظاهر الاسلام، ثم تبين أنه كان كافرا،

(1) الأم (مختصر المزني): 22، والمجموع 4: 267، وفتح العزيز 4: 318.
(2) الهداية 1: 58، واللباب 1: 84، وشرح فتح القدير 1: 266، والنتف 1: 97، والمجموع 4: 267، ومغني المحتاج 1: 238 - 239، وكفاية الأخيار 1: 83، والشرح الكبير على متن المقنع 2: 57.
(3) المجموع 4: 267، وفتح العزيز 4: 318، والشرح الكبير على متن المقنع 2: 57.
(4) الهداية 1: 58، وشرح فتح القدير 1: 226، والمجموع 4: 267، والشرح الكبير على متن المقنع 2: 57.
(5) الأم 1: 167، والمجموع 4: 268.
(6) من لا يحضره الفقيه 1: 185 حديث 880.

[ 551 ]

لا يجب عليه الإعادة، ولا يحكم على الكافر بالاسلام بمجرد الصلاة، سواء كان صلى في جماعة أو فرادى، وإنما يحكم بإسلامه إذا سمع منه الشهادتين. وقال الشافع: تجب عليه الإعادة (1)، وقال: يحكم عليه في الظاهر بالاسلام لكن لا يلزمه حكم الاسلام، فإن قال بعد ذلك ما كنت أسلمت لم يحكم بردته، ولا فرق بين أن يصلي في جماعة أو منفردا. وقال أبو حنيفة: إذا صلى في جماعة لزمه بذلك حكم الاسلام، فإن رجع بعد ذلك حكم بردته، وإذا صلى منفردا فإنه لا يحكم بإسلامه (2). وقال محمد: إذا صلى في المسجد منفردا أو في جماعة حكم بإسلامه، وإن صلى منفردا في بيته لم يحكم بإسلامه. دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار بذلك قد ذكرناها في الكتاب الكبير (3)، وقد قدمنا أيضا فيما تقدم بعضها. وأيضا وجوب الإعادة يحتاج إلى دليل والأصل براءة الذمة. فأما الحكم بإسلامه فإنه يحتاج إلى دليل. وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله " (4) وهذا لم يقل ذلك. مسألة 293: فيها ثلاث مسائل: أولها: من صلى بقوم بعض الصلاة ثم سبقه الحدث فاستخلف إماما فأتم

(1) الأم (مختصر المزني): 23، والمجموع 4: 251 و 252، وفتح العزيز 4: 326 وقال في الأم 1: 168 لم تكن عليهم الإعادة.
(2) المجموع 4: 252، وفتح العزيز 4: 312.
(3) التهذيب 3: 40 حديث 141.
(4) في صحيح البخاري 1: 13، " كتاب الأيمان "، وصحيح مسلم 1: 51 - 52 الأحاديث 32 - 36، وسنن الدارمي 2: 218، وسنن ابن ماجة 2: 1295 حديث 3927، بطريق آخر.

[ 552 ]

الصلاة جاز ذلك، وبه قال الشافعي في الجديد (1). وكذلك إن صلى بقوم وهو محدث أو جنب ولا يعلم حال نفسه ولا يعلمه المأموم ثم علم في أثناء الصلاة حال نفسه، خرج، واغتسل، واستأنف الصلاة. وقال الشافعي: إذا عاد أتم الصلاة، فانعقدت الصلاة في الابتداء جماعة بغير إمام، ثم صارت جماعة بإمام. الثانية: نقل نية الجماعة إلى حال الانفراد قبل أن يتمم المأموم يجوز ذلك، وتنتقل الصلاة من حال الجماعة إلى حال الانفراد، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة تبطل صلاته (3). الثالثة: أن ينقل صلاة انفراد إلى صلاة جماعة، فعندنا إنه يجوز ذلك، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (4). والثاني: يجوز، وهو الأصح عندهم، وهو اختيار المزني (5) مثل ما قلناه. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم وقد ذكرناها في الكتاب الكبير (6)، ولأنه لا مانع يمنع منه، فمن ادعى المنع فعليه الدلالة. مسألة 294: إذا أحرم خلف الإمام ثم أخرج نفسه من صلاته وأتمها منفردا صح ذلك.

(1) المجموع 4: 242 و 245، والمبسوط 1: 169 و 180، ونيل الأوطار 3: 216 والمغني لابن قدامة 1: 779.
(2) الوجيز 1: 58، والمجموع 4: 245 - 246.
(3) شرح فتح القدير 1: 260، والمجموع 4: 247.
(4) المجموع 4: 208 والوجيز 1: 58.
(5) الأم (مختصر المزني): 23، والمجموع 4: 208 - 209، والوجيز 1: 58.
(6) التهذيب 3: 283 الأحاديث 842 و 843.

[ 553 ]

وقال الشافعي: إن كان لعذر صحت صلاته (1) وإن كان لغير عذر فعلى قولين: أحدهما: يصح، كما قلناه وهو الأصح (2). والثاني: لا يصح (3). وقال أبو حنيفة: بطلت صلاته، سواء كان لعذر أو لغير عذر (4). مسألة 295: يجوز للمراهق المميز العاقل أن يكون إماما في الفرائض والنوافل التي يجوز فيها صلاة الجماعة، مثل الاستسقاء. وبه قال الشافعي (5). وعن أبي حنيفة روايتان: إحديهما: إنه لا صلاة له ولا يجوز الائتمام به لا في فرض ولا في نفل (6). والثانية: إن له صلاة لكنها نفل، ويجوز الائتمام به في النفل دون الفرض (7). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن من هذه صفته تلزمه الصلاة. وأيضا قوله عليه السلام: " مروهم بالصلاة لسبع " (8) يدل على أن

(1) الأم 1: 174، والأم (مختصر المزني): 23، والمجموع 4: 245، والوجيز 1: 58، ومغني المحتاج 1: 259.
(2) الأم 1: 174، والمجموع 4: 245، والوجيز 1: 58، ومغني المحتاج 1: 259.
(3) المجموع 4: 245، والوجيز 1: 58.
(4) شرح فتح القدير 1: 260، والمجموع 4: 247.
(5) المجموع 4: 249، وفتح العزيز 4: 327، ومغني المحتاج 1: 240، وكفاية الأخيار 1: 83، والمبسوط 1: 180، ونيل الأوطار 3: 203، والمحلى 4: 217.
(6) الهداية 1: 56، والمبسوط 1: 180، واللباب 1: 82، والنتف 1: 97، ونيل الأوطار 3: 203، وفتح العزيز 3: 327، والمجموع 4: 250.
(7) الهداية 1: 56، والنتف 1: 96، وبدائع الصنائع 1: 157، والمبسوط 1: 180، واللباب 1: 82، والمجموع 4: 249 - 250، ونيل الأوطار 3: 203، وفتح العزيز 4: 327.
(8) سنن الترمذي 1: 253 باب 295 حديث 405، وسنن أبي داود 1: 133 باب 23 حديث 494 و 495، ومسند أحمد بن حنبل 2: 180 و 187، و 3: 404، وسنن الدارمي 1: 33، ومستدرك الصحيحين 1: 258، وتلخيص المستدرك للذهبي 1: 258 باختلاف في الألفاظ.

[ 554 ]

صلاتهم شرعية. مسألة 296: إذا أم رجل رجلا، قام المأموم على يمين الإمام، وبه قال جميع الفقهاء (1)، وذهب سعيد بن المسيب إلى أنه يقف على يساره (2). وقال النخعي: يقف ورائه إلى أن يجئ مأموم فيصلي معه، فإن ركع الإمام قبل أن يجئ مأموم آخر تقدم ووقف على يمينه (3). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى عبد الله بن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة (4)، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى، فوقفت على يساره، فأخذني بيمينه وأدارني من ورائه حتى صيرني على يمينه (5). مسألة 297: إذا وقف اثنان عن يمين الإمام ويساره، فالسنة أن يتأخرا عنه حتى يحصلا خلفه، وبه قال الشافعي (6). وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يتقدم الإمام (7).

(1) الهداية 1: 56، والأم 1: 169، والمجموع 4: 292، وبداية المجتهد 1: 143، والآثار: 14، ونيل الأوطار 3: 219، وفتح الباري 2: 152، وحاشية رد المحتار 1: 566، وسبل السلام 2: 430، وشرح فتح القدير 1: 251.
(2) المجموع 4: 294، وفتح الباري 2: 152.
(3) فتح الباري 2: 152، والمجموع 4: 294، ونيل الأوطار 3: 219، وسبل السلام 2: 430.
(4) ميمونة بنت الحارث العامرية الهلالية، زوجة النبي (ص) تزوجها سنة سبع كان اسمها برة، روت عن النبي وعنها بني أخواتها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وعبد الرحمن بن السائب، ويزيد بن الأصم ومولاها عطاء بن يسار وسليمان بن يسار وغيرهم، توفيت بسرف سنة 63 هجرية. الإصابة 4: 397، والاستيعاب 4: 391، وتهذيب التهذيب 2: 453.
(5) صحيح البخاري 1: 179، وسنن ابن ماجة 1: 312 حديث 973، وسنن النسائي 2: 87، وسنن أبي داود 1: 166 حديث 610. باختلاف باللفظ في الكل.
(6) الأم 1: 169، والأم (مختصر المزني): 23، والمجموع 4: 292، وبداية المجتهد 1: 143.
(7) الهداية 1: 56، وشرح فتح القدير 1: 251، والمبسوط 1: 42، واللباب 1: 82.

[ 555 ]

دليلنا: إجماع الفرقة. وروى جابر بن عبد الله قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي فوقفت عن يمينه، فجاء ابن صخر (1) فوقف على يساره، فأخذنا بيده حتى صيرنا خلفه (2) مسألة 298: إذا دخل المسجد وقد ركع الإمام وخاف أن تفوته تلك الركعة جاز أن يحرم ويركع ويمشي في ركوعه حتى يلحق بالصف إن لم يجئ مأموم آخر، فإن جاء مأموم آخر وقت موضعه، وبه قال أحمد وإسحاق (3). وقال الشافعي: إن وجد فرجة في الصف دخل فيه وإلا جذب واحدا إلى خلفه ووقف معه، وإن لم يفعل وأحرم وحده كره له ذلك وانعقدت صلاته (4)، وبه قال مالك، وأبو حنيفة وأصحابه (5). وقال النخعي وداود وابن أبي ليلى إن صلاته لا تنعقد (6). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم وقد ذكرناها (7). مسألة 299: إذا وقف المأموم قدام الإمام لم تصح صلاته، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد، وهو الصحيح عند أصحابه (8).

(1) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة تارة بعنوان جابر بن صخر، وأخرى تحت عنوان جبار بن صخر بن صخر بن أمية بن خنساء الأنصاري، أبو عبد الله، كان يكلف من قبل النبي (ص) بالخرص لأهل خيبر - في الزكاة - توفي سنة 30 هجرية، أسد الغابة 1: 254 و 265، والإصابة 1: 221.
(2) روى أبو داود في سننه 1: 171 الحديث برقم 634، والبيهقي في السنن الكبرى 2: 239 في حديث طويل عن جابر بن عبد الله، ولعل المصنف قدس سره أشار إلى مورد الدليل من هذا الحديث بالمعنى دون اللفظ والله أعلم بالصواب.
(3) نيل الأوطار 3: 229، وحاشية رد المحتار 1: 570، والمجموع 4: 298.
(4) المجموع 4: 298 - 299.
(5) المجموع 4: 299.
(6) المجموع 4: 298.
(7) الكافي 3: 385 الحديث الخامس، ومن لا يحضره الفقيه 1: 257 حديث 1166، والاستبصار 1: 436 حديث 1681 و 1682، والتهذيب 3: 44 حديث 154 و 155.
(8) الأم 1: 169، والمبسوط 1: 43، وكفاية الأخيار 1: 84، والمجموع 4: 299، وفتح العزيز 4: 338.

[ 556 ]

وقال في القديم: تصح صلاته (1). دليلنا: إنه لا خلاف أنه إذا صلى خلفه أو عن يمينه وشماله أن صلاته صحيحة، ولا دليل على صحتها إذا صلى قدامه. مسألة 300: إذا صلى في مسجد جماعة وحال بينه وبين الإمام والصفوف حائل لا تصح صلاته. وقال الشافعي: إن كان في مسجد واحد صح وإن كان حائل (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وما رووه من أن من صلى وراء المقاصير (3) لا صلاة له (4). مسألة 301: يكره أن يكون الإمام أعلى من المأموم، على مثل سطح، ودكان وما أشبه ذلك. وبه قال أبو حنيفة (5). والذي نص عليه الشافعي أنه لا بأس به (6)، وحكى الطبري أنه الأفضل. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم وقد ذكرناها (7). مسألة 302: من صلى خارج المسجد وليس بينه وبين الإمام حائل، وهو

(1) المجموع 4: 299، وفتح العزيز 4: 338.
(2) الأم (مختصر المزني): 23، والمجموع 4: 308 وكفاية الأخيار 1: 84.
(3) المقاصير: الدار الواسعة المحصنة أو هي أصغر من الدار كالقصارة بالضم فلا يدخلها إلا صاحبها والجمع مقاصير. مجمع البحرين: 312 مادة قصر، ولسان العرب 6: 411.
(4) الكافي 3: 385 الحديث الرابع، والتهذيب 3: 52 حديث 182، ومن لا يحضره الفقيه 1: 253 حديث 1144.
(5) المبسوط 1: 39، والمجموع 4: 295، والمحلى 4: 84، وفتح المعين: 37.
(6) الأم 1: 172، والمجموع 4: 295، وكفاية الأخيار 1: 84، والمحلى 4: 84.
(7) الكافي 3: 386 الحديث التاسع، ومن لا يحضره الفقيه 1: 253 حديث 1146، والتهذيب 3: 53 حديث 185.

[ 557 ]

قريب من الإمام أو الصفوف المتصلة به صحت صلاته، وإن كان على بعد لم تصح صلاته وإن علم بصلاة الإمام. وبه قال جميع الفقهاء (1) إلا عطاء فإنه قال: إن كان عالما بصلاته صحت صلاته وإن كان على بعد من المسجد (2). دليلنا: إن ما اعتبرناه مجمع عليه، وما ادعاه ليس عليه دليل. وأيضا قوله تعالى: " فاسعوا إلى ذكر الله " (3) فأمرنا بالسعي، وعلى قول عطاء: يسقط وجوب السعي ويقتصر الناس على الصلاة في بيوتهم ومنازلهم. مسألة 303: الطريق ليس بحائل، فإن صلى وبينه وبين الصف طريق مقتديا بالامام صحت صلاته، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: الطريق حائل، فإن صلى وبينهما طريق لم تصح إلا أن تكون الصفوف متصلة (5). دليلنا: إن المنع من ذلك يحتاج إلى دليل، والأصل جوازه، وعليه إجماع الفرقة. مسألة 304، إذا كان بين المأموم والصفوف حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم تصح صلاته، سواء كان الحائل حائط المسجد، أو حائط دار، أو مشتركا بين الدار والمسجد، وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: كل هذا ليس بحائل، فإن صلى في داره بصلاة الإمام في المسجد صحت صلاته إذا علم صلاة الإمام (7).

(1) الأم (مختصر المزني): 23، والمجموع 4: 309، وكفاية الأخيار 1: 84.
(2) الأم (مختصر المزني): 23، والمجموع 4: 309.
(3) الجمعة: 9.
(4) المجموع 4: 309، وكفاية الأخيار 1: 85.
(5) المبسوط 1: 193، والمجموع 4: 309.
(6) المجموع 4: 308 و 309، وكفاية الأخيار 1: 85.
(7) المبسوط 1: 193، والآثار: 17، والمجموع 4: 308 - 309.

[ 558 ]

دليلنا: إجماع الفرقة. وروى حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إن صلى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة، فإن كان بينهم سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلا من كان بحيال الباب - قال: وقال: - هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس، وإنما أحدثها الجبارون ليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة " (1). مسألة 305: من صلى وراء الشبابيك لا تصح صلاته مقتديا بصلاة الإمام الذي يصلي داخلها. وللشافعي فيه قولان: أحدهما وهو الأظهر عندهم مثل قولنا (2)، والآخر إنه يجوز (3). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء (4)، والخبر صريح في المنع منه (5). مسألة 306: كون الماء بين الإمام والمأموم ليس بحائل إذا لم يكن بينهما ساتر من حائط وما أشبه ذلك، وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: الماء حائل (7)، وبه قال أبو سعيد الاصطخري من

(1) الكافي 3: 385 الحديث الرابع، ومن لا يحضره الفقيه 1: 253 حديث 1144.
(2) المجموع 4: 302، ومغني المحتاج 1: 251، وكفاية الأخيار 1: 85.
(3) مغني المحتاج 1: 250، والمجموع 4: 302.
(4) انظر المسألة السابقة.
(5) الكافي 3: 385 الحديث الرابع، ومن لا يحضره الفقيه 1: 253 حديث 1144.
(6) المجموع 4: 302 و 305، ومغني المحتاج 1: 249، وكفاية الأخيار 1: 85.
(7) المبسوط 1: 193.

[ 559 ]

أصحاب الشافعي (1). دليلنا: إن كون ذلك مانعا يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه، وأخبار الجماعة والفضل فيها عامة في جميع الأحوال (2). مسألة 307: لا يجوز أن يكون سفينة المأموم قدام سفينة الإمام، فإن تقدمت في حال الصلاة لم تبطل الصلاة. وللشافعي فيه قولان: قال في القديم يصح (3)، وقال في الجديد لا يصح (4). دليلنا: إن كون تقدم سفينة المأموم على سفينة الإمام مبطلا للصلاة يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 308: إذا قلنا إن الماء ليس بحائل، فلا حد في ذلك إذا انتهى إليه يمنع من الائتمام به إلا ما يمنع من مشاهدته والاقتداء بأفعاله. وقال الشافعي: يجوز ذلك إلى ثلاث مائة ذراع، فإن زاد على ذلك لا يجوز (5). دليلنا: إن تحديد ذلك يحتاج إلى شرع، وليس فيه ما يدل عليه. مسألة 309: من سبق الإمام في ركوعه أو سجوده وتمم صلاته ونوى مفارقته صحت صلاته، سواء كان لعذر أو لغير عذر. وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته على كل حال (6). وقال الشافعي: إن خرج لعذر لم تبطل صلاته (7)، وإن خرج لغير عذر

(1) المجموع 4: 302.
(2) الكافي 3: 371 باب فضل الصلاة جماعة، ومن لا يحضره الفقيه 1: 245 باب فضل الجماعة.
(3) المجموع 4: 299.
(4) المصدر السابق.
(5) الأم (مختصر المزني): 23، ومغني المحتاج 1: 249، والمجموع 4: 302، وكفاية الأخيار 1: 85.
(6) شرح فتح القدير 1: 260، والمجموع 4: 247.
(7) المجموع 4: 245، والأم (مختصر المزني) 1: 23، ومغني المحتاج 1: 256.

[ 560 ]

على قولين: قال أبو سعيد الاصطخري لا تبطل صلاته قولا واحدا كما قلناه ومنهم من قال: على قولين: أحدهما هذا، والثاني تبطل صلاته (1). ونص الشافعي أنه قال: كرهته، ولم يبين أن عليه الإعادة (2). دليلنا: إن إبطال صلاته بذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه، والأصل الإباحة. مسألة 310: لا يجوز الصلاة خلف الفاسق المرتكب للكبائر، من شرب الخمر، والزنا، واللواط وغير ذلك. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (3) إلا مالكا فإنه وافقنا في ذلك (4). وحكى المرتضى عن أبي عبد الله البصري إنه كان يذهب إليه، ويحتج في ذلك بإجماع أهل البيت، وكان يقول: إن إجماعهم حجة. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الصلاة في الذمة بيقين، ولا تبرأ بيقين إذا صلى خلف الفاسق. وروى أحمد بن محمد عن سعد بن إسماعيل عن أبيه قال: قلت للرضا عليه السلام: رجل يقارف الذنوب وهو عارف بهذا الأمر أصلي خلفه؟ قال: " لا " (5). مسألة 311: يكره أن يؤم المسافر المقيم، والمقيم المسافر، وليس بمفسد

(1) المجموع 4: 245.
(2) الأم 1: 174.
(3) المجموع 4: 253، والمحلى 4: 214، وبدائع الصنائع 1: 156، وفتح العزيز 4: 330.
(4) بدائع الصنائع 1: 156، والمجموع 4: 253، وفتح العزيز 4: 330.
(5) التهذيب 3: 31 حديث 110 و 277 حديث 808، وفي من لا يحضره الفقيه 1: 249 حديث 1116 من دون عبارة " وهو عارف بهذا الأمر ".

[ 561 ]

للصلاة، وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: يجوز للمسافر أن يقتدي بالمقيم لأنه يلزمه التمام إذا صلى خلفه، ويكره أن يصلي المقيم خلف المسافر (2) كما قلناه. دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يؤم الحضري المسافر، ولا المسافر الحضري، فإن ابتلى بشئ من ذلك فأم قوما حاضرين فإذا أتم الركعتين سلم ثم أخذ بيد بعضهم فقدمه فأمهم، وإذا صلى المسافر خلف المقيم فليتم صلاته ركعتين ويسلم، وإن صلى معهم الظهر فليجعل الأولتين الظهر، والأخيرتين العصر (3). مسألة 312: سبعة لا يأمون الناس على كل حال: المجذوم، والأبرص، والمجنون، وولد الزنا، والأعرابي بالمهاجرين، والمقيد بالمطلقين، وصاحب الفالج بالأصحاء. وقد ذكرنا الخلاف في ولد الزنا والمجنون لا خلاف أنه لا يؤم، والباقون لم أجد لأحد من الفقهاء كراهية ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة. وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خمسة لا يأمون الناس على كل حال: المجذوم، والأبرص، والمجنون، وولد الزنا، والأعرابي " (4). وروى السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يؤم المقيد المطلقين، ولا يؤم صاحب الفالج

(1) المبسوط 2: 105، واللباب 1: 109.
(2) الأم 1: 163، ونيل الأوطار 3: 204.
(3) التهذيب 3: 164 حديث 355، والاستبصار 1: 426 حديث 1643.
(4) الكافي 3: 375 الحديث الأول، والتهذيب 3: 26 حديث 93، والاستبصار 1: 422 حديث 1626.

[ 562 ]

الأصحاء " (1). مسألة 313: يستحب للمرأة أن تؤم النساء فيصلين جماعة في الفرائض والنوافل. وروي أيضا أنها تصلي بهن في النافلة خاصة (2). وبالأول قال الشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (3). وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة (4). وقال مالك: يكره ذلك لهن نفلا كان أو فرضا (5). وقال النخعي: يكره في الفريضة دون النافلة (6). وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة أنه جائز غير أنه مكروه (7). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تؤم النساء؟ قال: لا بأس (8). وروى عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يؤم المرأة قال: " نعم، تكون خلفه - وعن المرأة تؤم النساء قال -: نعم، تقوم وسطا بينهن ولا تتقدمهن " (9).

(1) الكافي 3: 375 الحديث الثاني، ومن لا يحضره الفقيه 1: 248 حديث 1108 (مرسل) والتهذيب 3: 27 حديث 94.
(2) الكافي 3: 376 الحديث الثاني، ومن لا يحضره الفقيه 1: 259 حديث 1176، والتهذيب 3: 269 الأحاديث 765 و 768، والاستبصار 1: 426 الأحاديث 1646 و 1647.
(3) الأم 1: 164، ومختصر المزني: 24، والمجموع 4: 199، والمحلى 4: 220.
(4) الأم 1: 164، والمحلى 4: 220.
(5) حاشية العدوي 1: 263، والمجموع 4: 199، والمحلى 4: 219.
(6) المجموع 4: 199.
(7) بدائع الصنائع 1: 157، واللباب 1: 82، والمحلى 4: 219.
(8) التهذيب 3: 31 حديث 111، والاستبصار 1: 426 حديث 1644.
(9) التهذيب 3: 31 حديث 112، والاستبصار 1: 426 حديث 1645.

[ 563 ]

مسألة 314: لا ينبغي أن يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأموم إلا بما لا يعتد به، فأما المأموم فيجوز أن يكون أعلى منه. وقال الشافعي في الأم: له إذا أراد تعليم الصلاة أن يصلي على الموضع المرتفع ليراه من ورائه، فيقتدي بركوعه وسجوده. وإن لم يكن بهم حاجة فالمستحب أن يكونوا على مستو من الأرض (1). وقال الأوزاعي: متى فعل هذا بطلت صلاته (2). وقال أبو حنيفة: إن كان الإمام في موضع منخفض والمأموم أعلى منه جاز، وإن كان الإمام على الموضع العالي فإن كان أعلى من القامة منع، وإن كان قامة فما دون لم يمنع (3). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي بقوم وهم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلي فيه؟ فقال: إن كان الإمام على شبة الدكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، وإن كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقل إذا كان الارتفاع بقدر مثله. فإن كانت أرضا مبسوطة وكان في موضع منها ارتفاع فقام الإمام في الموضع المرتفع وقام من خلفه أسفل منه والأرض مبسوطة إلا أنهم في موضع منحدر؟ قال: " لا بأس ". قال: وسئل: فإن قام الإمام في أسفل من موضع من يصلي خلفه؟ قال:

(1) الأم 1: 172، والمجموع 4: 295، والمحلى 4: 84.
(2) المجموع 4: 295.
(3) المحلى 4: 84، والمجموع 4: 295.

[ 564 ]

" لا بأس " وقال: فإن كان رجل فوق بيت أو دكان أو غير ذلك وكان الإمام يصلي على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلي خلفه ويقتدي بصلاته وإن كان أرفع بشئ كثير (1). مسألة 315: وقت القيام إلى الصلاة عند فراغ المؤذن من كمال الأذان، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: يجوز إذا قال المؤذن: " حي على الصلاة " إن كان حاضرا، وإن كان غائبا مثل قولنا (3). دليلنا: ما اعتبرناه مجمع على جوازه وما اعتبروه ليس عليه دليل. مسألة 316: وقت الاحرام بالصلاة حين يفرغ المؤذن من كمال الإقامة، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: إذا بلغ المؤذن قد قامت الصلاة أحرم الإمام حينئذ (5) دليلنا: إن ما ذكرناه لا خلاف أنه جائز، وما ذكروه ليس على جوازه دليل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول " (6) فالظاهر أنه يتابع المؤذن في كل كلام الأذان حتى يفرغ منه.

(1) الكافي 3: 386 الحديث التاسع، ومن لا يحضره الفقيه 1: 253 الحديث 1146 والتهذيب 3: 53 الحديث 185 باختلاف في الألفاظ.
(2) مغني المحتاج 1: 252، والمغني لابن قدامة 1: 538، والشرح الكبير على متن المقنع 1: 538.
(3) المغني لابن قدامة 1: 538، والشرح الكبير على متن المقنع 1: 538، والمجموع 3: 253.
(4) مغني المحتاج 1: 252، والمغني لابن قدامة 1: 538، والشرح الكبير على متن المقنع 1: 538.
(5) المغني لابن قدامة 1: 538، والشرح الكبير على متن المقنع 1: 538، والمجموع 3: 253.
(6) صحيح البخاري 1: 150، وسنن النسائي 2: 23، وسنن ابن ماجة 1: 238 حديث 720، وسنن أبي داود 1: 144 حديث 522 باختلاف في الألفاظ.

[ 565 ]

مسألة 317: ليس من شرط صلاة المأموم أن ينوي الإمام إمامته، رجلا كان المأموم أو امرأة، وبه قال الشافعي (1). وقال الأوزاعي: عليه أن ينوي إمامة من يأتم به رجلا كان المأموم أو امرأة (2). وقال أبو حنيفة: ينوي إمامة النساء ولا يحتاج أن ينوي إمامة الرجال (3). دليلنا: الأصل براءة الذمة، وكون هذه النية واجبة يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل على ذلك، فوجب نفيه. وروي عن ابن عباس أنه قال: بت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فتوضأ، فوقف يصلي، فقمت فتوضأت، ثم جئت فوقفت على يساره، فأخذ بيدي فأدارني من ورائه إلى يمينه (4) ومعلوم من النبي صلى الله عليه وآله أنه ما كان نوى إمامته. مسألة 318: إذا ابتدى الانسان بصلاة نافلة ثم أحرم الإمام بالفرض، نظر فإن علم أنه لا يفوته الفرض معه أتم نافلته، وإن علم أنه تفوته الجماعة قطعها ودخل في الفرض معه، وإن أحرم الإمام بالفريضة قبل أن يحرم بالنافلة فإنه يتبعه بكل حال ويصلي النافلة بعد الفريضة، سواء كان الإمام في المسجد أو خارجا منه، وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: إن كان في المسجد مثل قولنا، وإن كان خارجا منه فإن

(1) المجموع 4: 204، ومغني المحتاج 1: 253.
(2) المجموع 4: 203.
(3) المجموع 4: 203.
(4) صحيح البخاري 1: 47 و 85 و 179 و 217، وسنن الترمذي 1: 147 باب 171 حديث 232، وسنن ابن ماجة 1: 312 حديث 973، ومسند أحمد بن حنبل 1: 341 و 343 و 347.
(5) المجموع 4: 208.

[ 566 ]

خاف فوت الثانية دخل معه كما قلناه، وإن لم يخف فواتها تمم الركعتين نافلة ثم دخل المسجد فصلى معه (1). دليلنا: إنه لا خلاف أن ما قلناه جائز، وليس على ما أجازوه دليل. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " (2). وروى سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل كان يصلي، فخرج الإمام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: " إن كان إماما عدلا فليصل أخرى ولينصرف ويجعلها تطوعا، وليدخل مع الإمام في صلاته وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلي ركعة أخرى يجلس فيها يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع، فإن التقية واسعة وليس شئ من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها " (3). ووجه الدلالة من الخبر أنه أوجب إتمام الفرض ركعتين وأن يجعلها نافلة ثم يقتدي بالامام والنوافل بذلك أولى بالترك واللحاق، وقد ذكرنا الروايات في هذا الباب في الكتاب الكبير (4).

(1) المجموع 4: 212 و 57.
(2) سنن أبي داود 2: 22 حديث 1266، ومسند أحمد بن حنبل 2: 513.
(3) الكافي 3: 380 الحديث السابع، والتهذيب 3: 51 حديث 177 باختلاف يسير فيهما.
(4) التهذيب 3: 274 حديث 792.

[ 567 ]

كتاب صلاة المسافر مسألة 319: سفر الطاعة واجبة كانت أو مندوبا إليها مثل الحج والعمرة والزيارات وما أشبه ذلك فيه التقصير بلا خلاف، والمباح عندنا يجري مجراه في جواز التقصير، وأما اللهو فلا تقصير فيه عندنا. وقال الشافعي: يقصر في هذين السفرين (1). وقال ابن مسعود: لا يجوز التقصير في هذين السفرين (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " (3) فهذا عام في السفر المباح، والواجب، والطاعة. ولا يلزمنا على ذلك سفر المعصية واللهو، لأنا أخرجنا ذلك بدليل إجماع الفرقة المحقة. وأيضا الأخبار التي رويت في وجوب التقصير عامة في جميع الأسفار (4)، إلا ما أخرجه الدليل. مسألة 320: حد السفر الذي يكون فيه التقصير مرحلة، وهي ثمانية

(1) المجموع 4: 346، وبداية المجتهد 1: 163.
(2) المجموع 4: 346.
(3) النساء: 101.
(4) الكافي 3: 431 أبواب السفر، ومن لا يحضره الفقيه 1: 290 حديث 1320، والتهذيب 3: 207 الباب 23، والاستبصار 1: 222 الباب 133، وعلل الشرائع: 266، وعيون أخبار الرضا 2: 113.

[ 568 ]

فراسخ، بريدان، وهي أربعة وعشرون ميلا، وبه قال الأوزاعي (1). وقال الشافعي: مرحلتان، ستة عشر فرسخا، ثمانية وأربعون ميلان، نص عليه في البويطي (2). ومنهم من قال: ستة وأربعون ميلا (3). ومنهم من قال: زيادة على الأربعين ذكره في القديم (4). وقال أصحابه: بين كل ميلين اثنا عشر ألف قدم، وبمذهبه قال ابن عمر، وابن عباس، ومالك، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق (5). وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: السفر الذي يقصر فيه ثلاث مراحل، أربعة وعشرون فرسخا اثنان وسبعون ميلان، وروي ذلك عن ابن مسعود (6). وقال داود: أحكام السفر يتعلق بالسفر الطويل والقصير (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " (8) فالظاهر جواز التقصير في كل ما يسمى سفرا إلا ما أخرجه الدليل وهو ما اعتبرناه، وما نقص عن الثمانية فراسخ. فإنا أخرجناه بإجماع الفرقة. وأيضا قوله تعالى: " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (9)

(1) المجموع 4: 325.
(2) المجموع 4: 323، ومغني المحتاج 1: 266، وبداية المجتهد 1: 162.
(3) الأم 1: 182، ومغني المحتاج 1: 266، والمجموع 4: 323.
(4) المجموع 4: 323.
(5) المبسوط 1: 235، والمجموع 4: 325، وبداية المجتهد 1: 162.
(6) المبسوط 1: 236، وبداية المجتهد 1: 162.
(7) المجموع 4: 325.
(8) سورة النساء: 101.
(9) سورة البقرة: 185.

[ 569 ]

ولم يفرق، فوجب حمله على العموم، إلا ما أخرجه الدليل. وأيضا روى العيص بن القاسم عن أبي عبد الله عليه السلام قال في التقصير: حده أربعة وعشرون ميلا يكون ثمانية فراسخ (1). مسألة 321: التقصير في السفر فرض وعزيمة، والواجب من هذه الصلوات الثلاث: الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتان، فإن صلى أربعا مع العلم وجب عليه الإعادة. وقال أبو حنيفة مثل قولنا إلا أنه قال: إن زاد على ركعتين فإن كان تشهد في الثانية صحت صلاته، وما زاد على الثنتين يكون نافلة إلا أن يأتم بمقيم فيصلي أربعا فيكون الكل فريضة أسقط بها الفرض (2). والقول بأن التقصير عزيمة مذهب علي عليه السلام وعمر، وفي الفقهاء مالك وأبي حنيفة وأصحابه (3). وقال الشافعي: هو بالخيار بين أن يصلي صلاة السفر ركعتين وبين أن يصلي صلاة الحضر أربعا فيسقط بذلك الفرض عنه (4). وقال الشافعي: التقصير أفضل (5). وقال المزني: والاتمام أفضل، وبمذهبه قال في الصحابة عثمان، وعبد الله ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وفي الفقهاء الأوزاعي، وأبو ثور (6).

(1) التهذيب 4: 221 الحديث 647، والاستبصار 1: 223 الحديث 788. (2) المبسوط 1: 239، والهداية 1: 80 واللباب 1: 107 والمجموع 4: 337.
(3) المجموع 4: 337، وبداية المجتهد 1: 161.
(4) الأم 1: 179، والمجموع 4: 337، وبداية المجتهد 1: 161.
(5) المجموع 4: 337 وبداية المجتهد 1: 161.
(6) حكى النووي في المجموع 4: 337 أقوال الفقهاء المذكورين وفيه أفضلية التقصير دون الإتمام.

[ 570 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (1) فأوجب القضاء بنفس السفر والمرض. وكل من قال بأن الفطر واجب لا يجوز غيره، قال في الصلاة مثله، فالفرق بين المسألتين مخالف للاجماع. وروى عمران بن الحصين قال: حججت مع النبي صلى الله عليه وآله فكان يصلي ركعتين حتى ذهب، وكذلك مع أبي بكر، وكذلك مع عمر حتى ذهبا (2). وقد ثبت أن أفعال النبي صلى الله عليه وآله على الوجوب، وأيضا فلو كان التقصير رخصة لما عدل النبي صلى الله عليه وآله عن الفضل في الإتمام إلى التقصير الذي هو الرخصة. وروي عن عمر أنه قال: صلاة الصبح ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم (3). وروى ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في السفر ركعتين وفي الخوف ركعتين (4). وروي عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة المسافر وزيد في صلاة الحضر (5).

(1) البقرة 184.
(2) سنن الترمذي 2: 430 الحديث 545.
(3) سنن ابن ماجة 1: 338 الحديث 1063 و 1064 مع اختلاف يسير في اللفظ.
(4) صحيح مسلم 1: 479 الحديث 5 / 687 وفيه: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة.
(5) سنن أبي داود 2: 3 الحديث 1198، وصحيح مسلم 1: 478 الحديث 1 / 685، وصحيح البخاري 2: 55، والموطأ 1: 146 الحديث 8.

[ 571 ]

وروى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ إلا المغرب ثلاث " (1). وروى حذيفة بن منصور عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام أنهما قالا: " الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ (2). وروى الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام صليت الظهر أربع ركعات وأنا في السفر؟ قال: " أعدها " (3). مسألة 322: صلاة السفر لا تسمى قصرا، لأن فرض السفر مخالف لفرض الحضر، وبه قال أبو حنيفة وكل من وافقنا في وجوب القصر (4). وقال الشافعي: إنها تسمى قصرا (5). دليلنا: إذا ثبت بما قدمناه أن الإتمام لا يجوز، فكل من قال بذلك قال إنه فرض قائم بنفسه، فالقول بذلك مع تسميته قصرا خلاف الإجماع، والأخبار التي قدمناها صريحة بذلك، وإنه فرض السفر (6). مسألة 323: من صام في السفر الذي يجب فيه التقصير لم يجزه، وعليه الإعادة، وبه قال في الصحابة ستة: منهم عمر، وأبو هريرة (7). وقال داود: يصح صيامه، ولكن عليه القضاء (8). وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وإن

(1) التهذيب 2: 13 الحديث 31 والاستبصار 1: 220 الحديث 778.
(2) التهذيب 2: 14 الحديث 34 والمحاسن 371 الحديث 128.
(3) التهذيب 2: 14 الحديث 33.
(4) الهداية 1: 80، والمجموع 4: 353.
(5) المجموع 4: 353.
(6) انظر ما تقدم من مسائل صلاة مسافر.
(7) المجموع 6: 264، وأحكام القرآن للجصاص 1: 214، وتفسير القرطبي 2: 279 - 280.
(8) نيل الأوطار 4: 305.

[ 572 ]

صام أجزأه (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وإن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (2). فأوجب صوم عدة الأيام بنفس السفر والمرض. وإن قالوا: معناه فأفطر. قلنا: ليس ذلك في الآية، فمن زاد ذلك فعليه الدلالة. وأيضا إذا ثبت أن الإتمام لا يجوز في الصلاة على كل حال، ووجب منه الإعادة، ولم يسمع فيه اجتهاد ثبت في الصوم لأن أحدا لم يفرق. وأيضا روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " ليس من البر الصيام في السفر " (3). وفي خبر آخر قال: " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " (4). وتستوفي هذه المسألة في كتاب الصيام. مسألة 324: إذا نوى السفر لا يجوز أن يقصر حتى يغيب عنه البنيان ويخفى عنه أذان مصره أو جدران بلده، وبه قال جميع الفقهاء (5). وقال عطاء: إذا نوى السفر جاز له القصر وإن لم يفارق موضعه (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الصلاة في الذمة بيقين، ولا يجوز قصرها إلا بيقين، وما ادعوه ليس عليه دليل، وما اعتبرناه مجمع عليه.

(1) الهداية 1: 126، فتح المعين: 57، واللباب 1 / 170، والأم 1: 182، والآثار (مخطوط): 43، والمجموع 6: 264.
(2) البقرة: 185.
(3) صحيح البخاري 3: 44، وسنن ابن ماجة 1: 532 الحديث 1664 - 1665، وسنن أبي داود 2: 317 الحديث 2407، وسنن النسائي 4: 175 - 177، وصحيح مسلم 2: 786 الحديث 92.
(4) سنن النسائي 4: 183.
(5) الأم 1: 180، واللباب 1: 107، والمجموع 4: 349 وبداية المجتهد 1: 163.
(6) المجموع 4: 349.

[ 573 ]

وأيضا قوله تعالى: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " (1) وهذا ما ضرب، فلا يجوز له القصر. مسألة 325: إذا فارق بنيان البلد جاز له القصر، وبه قال جميع الفقهاء (2). وقال مجاهد: إن سافر نهارا لم يقصر حتى يمسي، وإن سافر ليلا لم يقصر حتى يصبح (3). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء (4). مسألة 326: المسافر إذا نوى المقام في بلد عشرة أيام وجب عليه التمام، وإن نوى أقل من ذلك وجب عليه التقصير، وبه قال علي عليه السلام وابن عباس، وإليه ذهب الحسن بن صالح بن حي (5). وقال سعيد بن جبير: إن نوى مقام أكثر من خمسة عشر يوما أتم (6). وعن ابن عمر ثلاث روايات: إحديها: إن نوى مقام خمسة عشر يوما أتم، فجعل الحد خمسة عشر يوما، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه (7). والثانية: قال: إن نوى مقام ثلاثة عشر يوما أتم، ولم يقل بهذا أحد. والثالثة: إن نوى مقام اثني عشر يوما أتم، وعليه استقر مذهبه، وبه قال

(1) النساء: 101.
(2) اللباب 1: 107، والأم 1: 180، والهداية 1: 81، والمجموع 4: 349.
(3) المجموع 4: 349.
(4) انظر المسألة المتقدمة برقم " 324 ".
(5) المجموع 4: 365.
(6) المصدر السابق.
(7) اللباب 1: 107، والهداية 1: 81، والمجموع 4: 364 وبداية المجتهد 1: 163.

[ 574 ]

والأوزاعي (1). وقال الشافعي: إن نوى مقام أربعة سوى يوم دخوله وخروجه أتم، وإن كان أقل قصر، وبه قال عثمان، وسعيد بن المسيب، وفي الفقهاء مالك، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (2). وقال ربيعة، إن نوى مقام يوم أتم (3). وقال الحسن البصري: إن دخل بلدا فوضع رحله أتم (4). وقالت عائشة: متى وضع رحله أتم أي موضع كان (5)، فكأنها تذهب إلى التقصير ما دام لم يحط الرحل، فمتى حط رحله أي موضع كان أتم، وإذا كانت القافلة سائرة أو واقفة والرحل عليها لم يحط كان له التقصير، وإن حط لم يقصر. دليلنا: إجماع الطائفة، وقد بينا أن إجماعها حجة. وأيضا روى أبو بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا عزم الرجل أن يقيم عشرا فعليه إتمام الصلاة، وإن كان في شك لا يدري ما يقيم فيقول اليوم أو غدا فليقصر ما بينه وبين شهر، فإن أقام بذلك البلد أكثر من شهر فليتم الصلاة " (6). مسألة 327: إذا أقام في بلد ولا يدري كم يقيم، له أن يقصر ما بينه وبين شهر، فإن زاد عليه وجب عليه التمام. وقال الشافعي: له أن يقصر إذا لم يعزم على مقام شئ بعينه ما بينه وبين

(1) المجموع 4: 364.
(2) المجموع 4: 364، وبداية المجتهد 1: 164.
(3) المجموع 4: 365، وبداية المجتهد 1: 165.
(4) المجموع 4: 365، وبداية المجتهد 1: 165.
(5) المجموع 4: 365.
(6) التهذيب 4: 227 الحديث 666.

[ 575 ]

سبعة عشر يوما، فإن زاد على ذلك كان على قولين: أحدهما أنه يقصر أبدا (1)، والثاني أنه يتم (2). وقال أبو إسحاق: يقصر ما بينه وبين أربعة أيام، فإن زاد على ذلك كان على قولين: أحدهما يتم (3)، والثاني: يقصر أبدا إلى أن يعزم أربعة أيام (4). وقال أبو حنيفة: له أن يقصر أبدا إلى أن يعزم ما يجب معه التمام (5). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون فيه، وحديث أبي بصير في المسألة الأولى (6) تضمن ذلك صريحا، فلا وجه لإعادته. مسألة 328: إذا حاصر الإمام بلدا وعزم على أن يقيم عشرا وجب عليه وعلى من علق عزمه بعزمه التمام. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل قولنا (7)، والآخر إن عليه التقصير أبدا، وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني (8). دليلنا: إجماع الفرقة، لأن الأخبار التي وردت في أن من عزم على المقام عشرة أيام وجب عليه التمام عامة في المحارب وغيره (9)، فوجب حملها على العموم. وأيضا قوله تعالى: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا " (10).

(1) (2) المجموع 4: 362.
(3) (4) المصدر السابق.
(5) اللباب 1: 108، والمجموع 4: 362.
(6) انظر المسألة المتقدمة برقم " 326 ".
(7) المجموع 4: 364.
(8) اللباب 1: 108، والمجموع 4: 360 - 365.
(9) انظر على سبيل المثال: الكافي 4: 133، والتهذيب 3: 220 - 221 والاستبصار 1: 237.
(10) النساء: 101.

[ 576 ]

وهذا ليس بضارب، فوجب أن لا يجوز له التقصير، ولا يلزمنا فيمن لم يعزم، لأنا لو خلينا والظاهر لقلنا بذلك، لكن خصصناه بدليل. مسألة 329: البدوي الذي ليس له دار مقام وإنما هو سيار ينتقل من موضع إلى موضع طلبا للمرعى والخصب، ويتبع مواضع القطر يجب عليه التمام. وقال الشافعي: إذا سار سفرا يقصر في مثله قصر (1). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى إسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام عن علي عليه السلام قال: " سبعة لا يقصرون الصلاة: الأمير الذي يدور في إمارته، والجابي الذي يدور في جبايته، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر، والراعي، والمحارب الذي يخرج لقطع السبل، والذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا " (2). مسألة 330: يستحب الإتمام في أربعة مواضع: مكة، والمدينة، ومسجد الكوفة، والحائر على ساكنه السلام. ولم يخص أحد من الفقهاء موضعا باستحباب الإتمام فيه. دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، وقد أوردنا من الأخبار ما فيه كفاية في كتاب " تهذيب الأحكام " (3). وروى حماد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن: حرم الله، وحرم رسوله، وحرم أمير المؤمنين،

(1) المجموع 4: 361.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 282 الحديث 1282، والتهذيب 3: 214 الحديث 524، والاستبصار 1: 232 الحديث 826.
(3) التهذيب 5: 425، والاستبصار 2: 334.

[ 577 ]

وحرم الحسين بن علي عليه السلام " (1). وروى زياد القندي (2) قال: قال أبو الحسن عليه السلام: " يا زياد أحب لك ما أحبه لنفسي وأكره لك ما أكرهه لنفسي، أتم الصلاة بالحرمين، وبالكوفة، وعند قبر الحسين عليه السلام " (3). مسألة 331: الوالي الذي يدور في ولايته يجب عليه التمام. وقال الشافعي: إذا اجتاز بموضع ولايته وجب عليه التقصير، وإذا دخل بلد ولايته بنية الاستيطان بها والمقام أتم (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا خبر السكوني الذي قدمناه صريح في ذلك (5). والأخبار في هذا المعنى أوردناها في الكتاب الكبير (6). مسألة 332: إذا خرج إلى السفر وقد دخل الوقت، إلا أنه مضى مقدار ما يصلي فيه الفرض أربع ركعات جاز له التقصير، ويستحب له الإتمام. وقال الشافعي: إن سافر بعد دخول الوقت، فإن كان مضى مقدار ما يمكنه أن يصلي فيه أربعا كان له التقصير (7). قال: وهذا قولنا وقول الجماعة إلا المزني فإنه قال: عليه الإتمام ولا يجوز له التقصير (8).

(1) التهذيب 5: 430 الحديث 1494، والاستبصار 2: 334 الحديث 1191.
(2) أبو الفضل، زياد بن مروان القندي الأنباري، مولى بن هاشم من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم. له كتاب ووقف على الإمام الرضا عليه السلام. تنقيح المقال 1: 457، رجال الشيخ الطوسي 198، ورجال النجاشي: 129.
(3) التهذيب 5: 430 الحديث 1495، والاستبصار 2: 335 الحديث 1192.
(4) المجموع 4: 351.
(5) تقدم في المسألة (329) من هذا الكتاب.
(6) انظر التهذيب 3: 214 و 4: 218.
(7) المجموع 4: 368.
(8) المصدر السابق.

[ 578 ]

دليلنا: قوله تعالى " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " (1) ولم يخص، وهذا ضارب فيجب أن يجوز له التقصير. وأيضا فقد ثبت أن الوقت ممتد، وإذا لم يفت الوقت جاز له التقصير. وروى إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام يدخل على وقت الصلاة وأنا في السفر فلا أصلي حتى أدخل أهلي؟ قال: " صل وأتم الصلاة " قلت: يدخل علي وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر فلا أصلي حتى أخرج؟ قال: " صل وقصر فإن تفعل فقد والله خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله " (2). وأما الاستحباب الذي قلناه فلما رواه بشير النبال (3) قال خرجت مع أبي عبد الله عليه السلام حتى أتينا الشجرة فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: " يا نبال قلت: لبيك قال: إنه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلي أربعا غيري وغيرك وذلك أنه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج " (4). فلما اختلفت الأخبار حملنا الأول على الإجزاء، وهذا على الاستحباب. مسألة 333: إذا سافر وقد بقي من الوقت مقدار ما يمكنه أن يصلي فيه أربع ركعات، فالحكم فيه مثل الحكم في المسألة الأولى، وبه قال الجميع (5).

(1) النساء: 101.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 283 الحديث 1288، والتهذيب 2: 13 الحديث 29، والاستبصار 1: 240 الحديث 856.
(3) اختلفت المعاجم الرجالية في ضبط اسمه فذكر تارة بعنوان " بشر " وأخرى " بشير " بن ميمون الوابشي الهمداني، الكوفي، النبال، عده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام وروى عنهما، وروى عنه داود بن فرقد ومحمد بن سنان وعلي بن شجرة. تنقيح المقال 1: 176، ورجال الشيخ الطوسي: 108 و 156. معجم رجال الحديث 3: 322.
(4) الكافي 3: 434 الحديث 3، والتهذيب 3: 161 الحديث 349 والاستبصار 1: 240 الحديث 855. (5) المجموع 4: 368.

[ 579 ]

وقال المزني: ليس له التقصير، وتابعه أبو الطيب بن سلمة (1). دليلنا: على ذلك ما قدمناه في المسألة الأولى (2) مسألة 334: إذا بقي من الوقت ما يمكن أن يصلي فيه ركعة أو ركعتين فيه خلاف بين أصحابنا، منهم من يقول: إن الصلاة تكون أداء، ومنهم من يقول: إن بعضها أداء وبعضها قضاء. والأول أظهر. فعلى هذا إذا سافر في هذا الوقت وجب عليه التقصير، لأنه لحق الوقت وهو مسافر، وعلى الوجه الآخر لا يجوز له التقصير لأنه غير مؤد لجميع الصلاة في الوقت. واختلف أصحاب الشافعي مثل ما قلناه فقال ابن خيران: إن الكل أداء، فعلى هذا قالوا له التقصير (3)، وقال أبو إسحاق وغيره: بعضها قضاء وبعضها أداء، فعلى هذا لا يجوز له التقصير (4). دليلنا: على ما اخترناه قوله تعالى: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " (5) وهذا ضارب في الأرض فيجب عليه التقصير. وأيضا قد بينا فيما مضى أن من لحق ركعة في الوقت فقد لحق الوقت، وإذا ثبت ذلك جاز له التقصير على ما بيناه. مسألة 335: القصر لا يحتاج إلى نية القصر، بل يكفي فيه فرض الوقت، وبه قال أبو حنيفة (6).

(1) المجموع 4: 368.
(2) تقدمت في المسألة " 332 ".
(3) المجموع 4: 368.
(4) المجموع 4: 368.
(5) النساء: 101.
(6) المجموع: 4: 352.

[ 580 ]

وقال الشافعي: لا يجوز القصر إلا بثلاثة شروط: أن يكون سفرا يقصر فيه الصلاة، وأن ينوي القصر مع الاحرام، وأن تكون الصلاة أداء لا قضاء. فإن لم ينو القصر مع الاحرام لم يجز له القصر (1). وقال المزني: إن نوى القصر قبل السلام جاز له القصر (2). دليلنا: إنه قد ثبت بما دللنا عليه أن فرضه التقصير، وإذا ثبت ذلك لم يحتج إلى نية القصر، ويكفي أن ينوي فرض الوقت، فإن فرض الوقت لا يكون إلا مقصورا. وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن أوجب عليها هذه النية فعليه الدلالة. مسألة 336: إذا أحرم المسافر بالظهر بنية مطلقة أو بنية التمام من غير أن ينوي المقام عشرا لم يلزمه، ووجب عليه التقصير. وقال جميع أصحاب الشافعي أنه يلزمه التمام (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا بينا أن فرض المسافر التقصير، فإذا نوى التمام من غير مقام عشرة أيام فقد نوى غير ما هو فرضه فلم يجزه. وأيضا فقد اتفقنا على أن له التقصير قبل هذه النية، فمن ادعى وجوب التمام عند حدوثها فعليه الدلالة. مسألة 337: إذا صلى بنية التمام، أو بنية مطلقة من غير أن يعزم المقام عشرة أيام، ثم أفسد صلاته، لم يجب عليه إعادتها على التمام. وقال جميع أصحاب الشافعي: يلزمه إعادتها على التمام (4).

(1) المجموع 4: 353. (2) المصدر السابق.
(3) مغني المحتاج 1: 270.
(4) المجموع 4: 352 - 353، ومغني المحتاج 1: 269.

[ 581 ]

وقال المزني: هو بالخيار بين التقصير والتمام. دليلنا: إن هذه المسألة فرع على المسألة التي قبلها، فإذا ثبت تلك ثبت هذه، لأن أحدا لا يفرق بينهما. مسألة 338: إذا أحرم المسافر خلف المقيم لا يلزمه التمام، بل عليه التقصير، فإذا صلى لنفسه فرضه سلم، سواء أدركه في أول صلاته أو في آخرها. وقال كل من جعل المسافر بالخيار بين التقصير والتمام (1) ومن أوجب عليه التقصير (2) إنه يلزمه التمام سواء أدركه في أول الصلاة أو في آخرها (3)، إلا الشعبي وطاووس فإنهما قالا: له القصر وإن كان إمامه متما (4). وقال مالك: إن أدرك معه ركعة أتم، وإن كان أقل منها كان له القصر (5). دليلنا: قوله تعالى " إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " (6) وهذا ضارب في الأرض. وأيضا فقد بينا أن فرض المسافر القصر، ولا يلزمه التمام إلا مع نية المقام عشرا، وهذا لم ينو المقام عشرا، فلا يلزمه التمام. مسألة 339: من ترك صلاة في السفر ثم ذكرها في الحضر قضاها صلاة المسافر.

(1) وهو قول الشافعي في الأم 1: 179، والمجموع 4: 337، وبداية المجتهد 1: 161.
(2) وهو قول أبو حنيفة وأصحابه ومالك. انظر المجموع 4: 337 وبداية المجتهد 1: 161.
(3) اللباب 1: 109، والمجموع 4: 375، ومغني المحتاج 1: 269.
(4) المجموع 4: 357 - 358.
(5) المجموع 4: 357.
(6) النساء: 101.

[ 582 ]

وللشافعي فيه قولان: قال في الأم: عليه الإتمام، وبه قال الأوزاعي (1). وقال في الاملاء: له القصر، وبه قال مالك وأبو حنيفة، غير أنهما قالا: التقصير حتم وعزيمة مثل قولنا (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن القضاء تابع للمقضي ويجب مثله في صورته وكيفيته، وإذا بينا أن فرض المسافر القصر فالقضاء مثله. وأيضا فإن أحدا لم يفرق بين المسألتين. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (3). فذلك وقتها وقوله: " فليصلها " فالهاء كناية عن التي تركها، والتي تركها ركعتان. وروى زرارة قال: قلت له عليه السلام: رجل فاتته صلاة في السفر فذكرها في الحضر؟ قال: " يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أداها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر فليقضها في السفر صلاة الحضر " (4). مسألة 340: إذا ترك صلاة في السفر فذكرها في سفر قضاها صلاة السفر سواء كان ذلك السفر أو غيره. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل قولنا (5)، والآخر أنه يقضيها صلاة

(1) المجموع 4: 370، ومغني المحتاج 1: 263.
(2) اللباب 1: 110، والمجموع 4: 370.
(3) صحيح مسلم 1: 477 الحديث 315 وفيه: من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها.
(4) التهذيب 3: 162 الحديث 350، والكافي 3: 435 الحديث 7.
(5) المجموع 4: 366، ومغني المحتاج 1: 263.

[ 583 ]

المقيم (1) فالمسألة مشهورة بالقولين. دليلنا: ما ذكرناه في المسألة الأولى سواء، وأيضا فإذا ثبت أنه يلزمه القصر في الحضر فكذلك في السفر، لأن أحدا لم يفرق. مسألة 341: إذا دخل المسافر في الصلاة بنية القصر، ثم عن له نية المقام وقد صلى ركعة تمم صلاة المقيم ولا يبطل ما صلى بل يبني عليه، وبه قال الشافعي (2). وقال مالك: إن كان صلى ركعة أضاف إليها أخرى وصارت الصلاة نافلة (3). دليلنا: ما رويناه من أن من نوى المقام عشرا كان عليه التمام، ولم يفرقوا بين من يكون صلى بعض الصلاة وبين من لم يصل شيئا أصلا (4)، فوجب حملها على عمومها. مسألة 342: إذا نوى في خلال الصلاة التمام لزمه التمام على ما قلناه، فإن كان إماما تمم صلاته، والمأمومون إن كانوا مسافرين كان عليهم التقصير ولا يلزمهم التمام، وبه قال مالك (5). وقال الشافعي: يلزمهم التمام (6). دليلنا: ما قدمناه من أنه يجوز للمسافر أن يصلي خلف المقيم ولا يلزمه التمام، والشافعي إنما بناه على أصله في أن المسافر إذا صلى خلف المقيم لزمه التمام،

(1) المجموع 4: 366.
(2) الأم 1: 181.
(3) المجموع 4: 355، والمدونة الكبري 1: 120.
(4) التهذيب 3: 211 الحديث 513 - 514.
(5) المجموع 4: 355.
(6) المصدر السابق.

[ 584 ]

وقد بينا فساده، فالكلام على المسألتين واحد (1). مسألة 343: إذا أحرم مسافر بمسافرين ومقيمين فأحدث الإمام فاستخلف مقيما أتم ولا يلزم من خلفه من المسافرين الإتمام، وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: يلزمهم التمام (3). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى، فإن هذه فرع عليها (4). مسألة 344: من صلى في السفينة وأمكنه أن يصلي قائما وجب عليه القيام، واقفة كانت السفينة أو سائرة، وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد (5). وقال أبو حنيفة: هو بالخيار بين أن يصلي قائما أو قاعدا (6). دليلنا: إنه لا خلاف أن فرض الصلاة قائما، فمن ادعى سقوط القيام في هذه الحال فعليه الدلالة. وأيضا روى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " صل قائما فإن لم تستطع فجالسا، فإن لم تستطع فعلى جنب " (7) ولم يفرق. مسألة 345: إن أحرم المسافر خلف مقيم عالما به أو ظانا له أو لا يعلم حاله نوى لنفسه التقصير، وكذلك إن نوى خلف مسافر عالما بحاله أو ظانا لسفره لزمه التقصير في الأحوال كلها.

(1) تقدم في المسألة " 338 ".
(2) المجموع 4: 358.
(3) المصدر السابق.
(4) تقدم في المسألة " 338 ".
(5) مراقي الفلاح: 68.
(6) مراقي الفلاح: 68.
(7) صحيح البخاري 2: 60، ومستند أحمد بن حنبل 4: 426 سنن الترمذي 2: 208 الحديث 372.

[ 585 ]

وقال الشافعي في المسائل كلها: يلزمه التمام، وإن بان له أنه كان مسافرا وقصر الإمام لزم المأموم التمام، وإن علمه مسافرا أو غلب على ظنه ذلك نوى القصر، فإن سلم في الركعتين تبعه، وإن صلى أربعا تماما فعليه الإتمام، وإن أحدث الإمام وانصرف فإن أخبر أنه نوى القصر أو التمام عمل على ما أخبر، وإن لم يخبر غير أنه عاد فصلى ركعتين أو أربعا عمل على ما شاهد، فإن قصر قصر، وإن أتم فعليه التمام (1). واختلف أصحابه فقال أبو إسحاق: عليه الإتمام (2)، وقال أبو العباس: له القصر غير أنه قال: إن أحدث المأموم فخرج فتوضأ لزمه التمام لأنه خفي عليه حال الإمام (3). دليلنا: ما قدمناه من أن المسافر إذا صلى خلف مقيم لم يلزمه التمام، وهذه المسائل فرعها الشافعي وأصحابه على أصلهم، إن المسافر إذا صلى خلف مقيم كان عليه التمام، وقد أبطلناه. مسألة 346: إذا سافر إلى بلد له طريقان أحدهما يجب فيه التقصير، والآخر لا يجب فيه التقصير، فقصد الأبعد لغرض أو لغير غرض كان عليه التقصير. وقال الشافعي: إن سلك الأبعد لغرض صحيح ديني أو دنيوي كان له التقصير، وإن كان لغير غرض فيه قولان: أحدهما: ليس له التقصير (4)، وقال في الأم والقديم له القصر (5)، وبه قال أبو حنيفة (6)، وهو اختيار المزني مثل ما

(1) المجموع 4: 356.
(2) المصدر السابق 4: 357.
(3) المصدر السابق.
(4) المجموع 4: 330.
(5) المجموع 4: 331.
(6) المصدر السابق.

[ 586 ]

قلناه (1). دليلنا: كل ما دل على وجوب القصر في السفر إذا كان مباحا أو طاعة يتناول هذا الموضع لأنه على عمومه مثل قوله تعالى: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " (2) وهذا ضارب ولم يفصل، وكذلك عموم الأخبار (3). مسألة 347: إذا صلى المسافر بنية القصر، فسهى، فصلى أربعا، فإن كان الوقت باقيا كان عليه الإعادة، وإن خرج الوقت لا إعادة عليه. وقال الشافعي: هو كمن صلى الفجر أربعا ساهيا إن ذكر قبل التسليم سجد للسهو، وإن لم يذكر إلا بعد السلام، فإن تطاول فعلى قولين، وإن لم يتطاول سجد للسهو (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى عيص بن القاسم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل صلى وهو مسافر فأتم؟ قال: " إن كان في الوقت فليعد، وإن كان الوقت قد مضى فلا " (5). وأيضا الذمة مشغولة بيقين، فلا تبرأ إلا بيقين، وليس هاهنا يقين إذا سجد سجدتي السهو ولم يعد. مسألة 348: المسافر تسقط عنه نوافل النهار، ولا تسقط عنه نوافل الليل.

(1) المصدر السابق.
(2) النساء: 101.
(3) منها ما رواه في من لا يحضره الفقيه 1: 278 (الباب 59) ونحوه في الكافي 3: 431، والتهذيب 3: 207 (الباب 23).
(4) انظر ما ذكره النووي في المجموع 4: 354 حول هذه المسألة.
(5) التهذيب 3: 225 الحديث 569، والاستبصار 1: 241 الحديث 860، والكافي 3: 435 الحديث 6 باختلاف يسير في اللفظ.

[ 587 ]

وقال الشافعي: يجوز ألا يتنفل ولم يميز (1). وفي الناس من قال: ليس له أن يتنفل أصلا (2). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يوتر على الراحلة في السفر (3)، وإنه كان يتنفل على الراحلة في السفر حيثما توجهت به راحلته (4) مسألة 349: المسافر في معصية لا يجوز له أن يقصر، مثل أن يخرج لقطع طريق، أو لسعاية بمسلم، أو معاهد، أو قاصدا لفجور، أو عبد آبق من مولاه، أو زوجة هربت من زوجها، أو رجل هرب من غريمه مع القدرة على أداء حقه ولا يجوز له أن يفطر ولا أن يأكل ميتة، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وزادوا المنع من الصلاة على الراحلة، والمسح على الخفين ثلاثا، والجمع بين الصلاتين (5). وقال قوم: سفر المعصية كسفر الطاعة في جواز التقصير سواء، ذهب إليه الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه (6). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك. وأيضا العبادة ثابتة في الذمة ولا يجوز إسقاطها إلا بدليل، وليس هنا ما يقطع على ما قالوه. وأيضا قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة - إلى قوله - فمن اضطر في مخمصة

(1) انظر الأم 1: 186، والمجموع 4: 400.
(2) المجموع 4: 401، وفيه: وهو مذهب ابن عمر.
(3) صحيح مسلم 1: 486، وسنن الدار قطني 2: 28 الحديث 2.
(4) انظر صحيح مسلم 1: 486.
(5) المجموع 4: 344 - 346.
(6) المجموع 4: 346.

[ 588 ]

غير متجانف لإثم " (1) فحرم أكل الميتة على كل حال إلا ما استثنى بشرط أن لا يكون متجانفا لإثم، وهذا متجانف لإثم. ومثله قوله تعالى: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " (2) وهذا عاد، فيجب أن لا يجوز له أكله. وروى الحسن بن محبوب عن أبي أيوب عن عمار بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: " من سافر قصر وأفطر إلا أن يكون رجلا سفره في الصيد، أو في المعصية الله، أو رسولا لمن يعصي الله، أو في طلب شحناء، أو سعاية ضرر على قوم من المسلمين " (3). مسألة 350: إذا سافر للصيد بطرا أو لهوا لا يجوز له التقصير. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عمن يخرج من أهله بالصقور والكلاب يتنزه الليلة والليلتين والثلاث هل يقصر من صلاته أم لا؟ فقال: " لا يقصر إنما خرج في لهو " (5). مسألة 351: يجوز الجمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء الآخرة، في السفر والحضر وعلى كل حال. ولا فرق بين أن يجمع بينهما

(1) المائدة: 3.
(2) البقرة: 173.
(3) الكافي 4: 129 الحديث 3، التهذيب 4: 219 الحديث 640 ومن لا يحضره الفقيه 2: 92 الحديث 409 وفيه اختلاف يسير في اللفظ.
(4) المجموع 4: 346، والجامع لأحكام القرآن 5: 355 - 356.
(5) الظاهر انفراد الشيخ قدس سره رواية هذا الحديث في الخلاف، وما رواه في التهذيب والاستبصار ما يقاربه في اللفظ انظر التهذيب 3: 218 الحديث 540، والاستبصار 1: 236 الحديث 842.

[ 589 ]

في وقت الأولة منهما أو في وقت الثانية، لأن الوقت مشترك بعد الزوال وبعد المغرب على ما بيناه. وقال الشافعي: كل من جاز له القصر جاز له الجمع بين الصلاتين، وهو بالخيار بين أن يصلي الظهر والعصر في وقت الظهر، أو يصليهما في وقت العصر، وكذلك في المغرب والعشاء الآخرة، ويمتزج الوقتان معا فيصيران وقتا لهما، فأي وقت أحب جمع بينهما من حين تزول الشمس إلى خروج وقت العصر، وهكذا يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة أي وقت شاء من حين تغيب الشمس إلى خروج وقت العشاء. هذا هو الجائز، والأفضل إن سافر قبل الزوال أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر يجمع بينهما في وقت العصر، وإن زالت الشمس وهو في المنزل جمع بينها وبين العصر في وقت الظهر، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق (1). وقال أبو حنيفة لا يجوز الجمع بينهما بحال لأجل السفر، لكن يجب الجمع بينهما بحق النسك، فكل من أحرم بالحج قبل الزوال من يوم عرفة، فإذا زالت الشمس جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، ولا يجوز أن يجمع بينهما في وقت العصر، وجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء، فإن صلى المغرب في وقتها المعتاد أعاد، سواء كان الحاج مقيما من أهل مكة أو مسافرا من غيرها من تلك النواحي، فلا جمع إلا بحق النسك (2). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قال: ألا أخبركم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله في السفر؟ كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر

(1) الأم (مختصر المزني): 25، المجموع 4: 371، الوجيز 1 / 60 وسنن الترمذي 2: 441، كفاية الأخيار 1: 88، مغني المحتاج 1: 271، فتح العزيز 4: 469.
(2) المجموع 4: 371، الوجيز 1: 60، فتح العزيز 4: 471 وبداية المجتهد 1: 165.

[ 590 ]

والعصر في الزوال، وإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر (1). وروى ابن شهاب عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، وإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب (2). وقد روي الجمع بين الصلاتين عن علي عليه السلام، وابن عمر، وابن عباس وأبي موسى الأشعري، وجابر، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة وغيرهم (3). وروى الفضيل، وزرارة، وغيرهما عن أبي جعفر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وبين المغرب والعشاء بأذان وإقامتين (4). مسألة 352: إذا أراد أن يجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر فلا يبدأ إلا بالظهر أولا ثم بالعصر. وقال الشافعي: يجوز له أن يبدأ بالعصر ثم بالظهر (5). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأنه لا خلاف إذا بدأ بالظهر أن تبرأ ذمته، وليس على براءتها دليل إذا قدم العصر، فوجب البداءة بالظهر.

(1) رواه باختلاف في اللفظ كل من البيهقي في سننه 3: 163، والنسائي في سننه 1: 284، والبخاري في صحيحه 2: 58 وأبو داود في سننه 2: 7 وغيرهم.
(2) صحيح البخاري 2: 58، وسنن النسائي 1: 284، وصحيح مسلم 1: 489 الحديث 704، وسنن أبي داود 2: 7 الحديث 1218.
(3) سنن الترمذي 2: 439، والمجموع 4: 371.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 186 الحديث 886، والتهذيب 3: 18 الحديث 66.
(5) المجموع 4: 374.

[ 591 ]

مسألة 353: يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر أيضا. وقال الشافعي: يجمع بينهما في المطر فحسب (1)، وبه قال مالك إلا أنه قال: يجمع بين المغرب والعشاء ولا يجمع بين الظهر والعصر، وأجاز ذلك الشافعي (2)، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك على حال (3). دليلنا: ما قدمناه من إجماع الفرقة، والأخبار المذكورة في هذا الباب (4). وما قدمناه أيضا من أن وقتهما واحد إلا أن الظهر قبل العصر والمغرب قبل العشاء الآخرة يدل عليه أيضا. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله جمع بين المغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر (5). وروى سعيد بن جبير أيضا عن ابن عباس من غير طريق أبي الزبير أن النبي صلى الله عليه وآله جمع بين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر (6). مسألة 354: يجوز الجمع بين الصلاتين على ما قلناه، سواء كان في مسجد الجماعات أو في البيت. وقال الشافعي في الموضع الذي أجاز فيه الجمع في المساجد: يجوز قولا واحدا، وفي البيت على قولين: قال في الاملاء: يجوز، وقال في الجديد: لا يجوز (7).

(1) سنن الترمذي 1: 357.
(2) المجموع 4: 384.
(3) المصدر السابق.
(4) الكافي 3: 286، والفقيه 1: 186، والتهذيب 3: 18 والاستبصار 1: 271.
(5) صحيح مسلم 1: 489 - 490 الحديث 49 - 51.
(6) صحيح مسلم 1: 490 الحديث 54. وسنن الترمذي 1: 354 وسنن النسائي 1: 290 ومسند أحمد بن حنبل 1: 223 و 346 و 354، وموارد أخرى يطول ذكرها.
(7) المجموع 4: 378، ومغني المحتاج 1: 375.

[ 592 ]

وهكذا القولان إذا كان الطريق إلى المسجد تحت ساباط لا يناله المطر إذا خرج إلى المسجد فهو على قولين أيضا (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وعموم الأخبار الواردة في هذا المعنى، وليس فيها تخصيص.

(1) المصدر السابق.

[ 593 ]

كتاب الجمعة مسألة 355: من كان مقيما في بلد من تاجر، أو طالب علم، وغير ذلك وفي عزمه متى انقضت حاجته الخروج، فإنه تجب عليه الجمعة بلا خلاف، وعندنا أنه تنعقد به الجمعة. واختلف أصحاب الشافعي في صحة انعقادها به، فذهب ابن أبي هريرة إلى أنه تنعقد به مثل قولنا (1)، وقال أبو إسحاق: لا تنعقد لأنه غير مستوطن (2). وحكي عنه أنه قال: لا تنعقد بي الجمعة لأني ما استوطنت بغداد، فإني على الخروج متى اتفق لي الخروج إلى مصر والشام دليلنا: إجماع الفرقة، وعموم الأخبار الواردة بوجوب الجمعة، فإنها متناولة لهم (3). وأيضا فلا خلاف بين الأمة في وجوب الجمعة على كل أحد، وإنما يخرج بعضهم بدليل، مثل العليل، والمسافر، والمرأة ومن أشبههم. وكذلك من تجب عليه تنعقد به إلا من أخرجه الدليل. وأيضا روى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من كان يؤمن بالله

(1) المجموع 4: 502، والفتح العزيز 4: 607.
(2) المصدر السابق.
(3) انظر الفقيه 1: 266 باب (57) الحديث 1217 - 1219 والكافي 3: 418، والتهذيب 3: 19 و 21.

[ 594 ]

واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك (1). والأخبار الواردة في عدد من ينعقد بهم الجمعة يتناول هؤلاء. مسألة 356: إذا كان قوم في قرية العدد الذين ينعقد بهم الجمعة وهم سبعة أحدهم الإمام (2)، أو الخمسة على الاختلاف بين أصحابنا (3)، وجب عليهم الجمعة، وانعقدت بهم. وقال الشافعي: إذا كانوا أربعين انعقدت بهم ووجب عليهم اقامتها في موضعهم (4). وقال أبو حنيفة: لا جمعة على أهل السواد (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأخبار الواردة في عدد من يتعلق بهم الجمعة عامة في أهل السواد والبلد (6)، فوجب حملها على العموم. مسألة 357: من كان على رأس فرسخين فما دون، يجب عليه حضور الجمعة إذا لم يكن فيهم العدد الذي ينعقد بهم الجمعة، فإن كان على أكثر من ذلك لا يجب عليه الحضور. وقال أبو حنيفة: إذا كان خارج البلد لم يجب عليه الحضور وإن كان على قرب (7).

(1) سنن الدار قطني 2: 3 الحديث 1، والسنن الكبرى 3: 184.
(2) ذهب إليه ابن حمزة في الوسيلة: 711، وابن زهرة في الغنية: 498.
(3) قاله الشيخ المفيد في المقنعة: 27، والسيد المرتضى كما في الانتصار: 53 وجمل العلم والعمل: 71.
(4) المجموع 4: 487، والوجيز 1: 61، والأم 1: 190، والمبسوط 2: 23، الاستذكار: 2: 324، وكفاية الأخيار 1: 91.
(5) الأصل 1: 345، والمبسوط 2: 23، والمجموع 4: 487. (6) الكافي 3: 149 الحديث 4 - 5، والتهذيب 3: 2 و 21 الحديث 75 و 76 و 239 الحديث 636 و 737. والاستبصار 1: 418 باب 252 ومن لا يحضره الفقيه 1: 267 الحديث 1218 و 1222.

[ 595 ]

قال محمد: قلت لأبي حنيفة: تجب الجمعة على أهل زبارا بالكوفة؟ فقال: لا وبين زبارا وبين الكوفة الخندق، وهي قرية بقرب الكوفة (1). وقال الشافعي: إذا كانوا بحيث يبلغهم النداء من طرف البلد الذي يليهم، وكان المؤذن صيتا، وكانت الأصوات صامتة، والريح ساكنة، وليسوا بأصم المستمعين، وجب عليهم الحضور، وإلا لم يجب الحضور، لكن لو تكلفوها وحضورها في المصر جاز ذلك (2)، وبه قال عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وأحمد بن حنبل (3). وقال الأوزاعي: إن كانوا على مسافة يحضرون البلد ويرجعون إلى وطنهم بالليل لزمهم الحضور، وإن كانوا أبعد لم يجب عليهم الحضور (4)، وبه قال في الصحابة ابن عمر، وأنس، وأبو هريرة (5). وقال عطاء: إن كانوا على عشرة أميال وجب عليهم الحضور، وإن كانوا على أكثر من ذلك لم يجب عليهم (6). وقال الزهري: إن كانوا على ستة أميال حضروا، وإن كانوا على أكثر لم يجب عليهم (7)، وهذا مثل مذهبنا. وقال ربيعة: إن كانوا على أربعة أميال حضروا، وإن كانوا على أكثر لم يجب عليهم (8).

(1) المصدر السابق.
(2) الأم 1: 192، والمجموع 4: 488، والاستذكار 2: 324 والوجيز 1: 65، وفتح العزيز 4: 608، ونيل الأوطار 3: 277.
(3) المجموع 4: 488، ونيل الأوطار 3: 277.
(4) المبسوط 2: 24، والمجموع 4: 488.
(5) سنن الترمذي 2: 375، والمجموع 4: 488.
(6) و (7) و (8) المجموع 4: 488.

[ 596 ]

وقال الليث ومالك إن كانوا على ثلاثة أميال حضروا وإن كانوا على أكثر لم يحضروا (1). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " فرض الله عز وجل على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها الله تعالى في جماعة وهي الجمعة ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والأعمى ومن كان على رأس فرسخين " (2). وروى محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجمعة؟ فقال: " تجب على من كان منها على رأس فرسخين، فإن زاد على ذلك فليس عليه شئ " (3). مسألة 358: الجمعة واجبة على أهل القرى والسواد كما تجب على أهل الأمصار إذا حصل العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وبه قال الشافعي وإن خالفنا في العدد (4)، وبه قال في الصحابة ابن عمر، وابن عباس، وفي الفقهاء مالك، وأحمد، وإسحاق (5). وقال مالك: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يصلون الجمعة في

(1) المدونة 1: 153، الاستذكار 2: 323، المجموع 4: 288 المبسوط 2: 23، بداية المجتهد 1: 159، فتح العزيز 4: 609. (2) الكافي 3: 419، الحديث 6، والفقيه 1: 266 الحديث 1217 والتهذيب 3: 21 الحديث 77.
(3) الكافي 3: 419 الحديث 3، والتهذيب 3: 240 الحديث 641 والاستبصار 1: 421 الحديث 1619.
(4) الأم 1: 188، والمبسوط 2: 23، والوجيز 1: 65، والمجموع 4: 505، وفتح العزيز بهامش المجموع 4: 608.
(5) المدونة الكبرى 1: 153، ومسائل أحمد بن حنبل: 57، والاقناع 1: 189، والمجموع 4: 505، فتح الباري 2: 303.

[ 597 ]

هذه القرى التي بين مكة والمدينة. وقال أبو حنيفة: لا تجب على أهل السواد، وإنما تجب على أهل الأمصار (1). وقال أبو يوسف: المصر ما كان فيه سوق وقاض يستوفي الحقوق ووال يستوفي الحدود، قال: فإن سافر الإمام، فدخل قرية، فإن كان أهلها يقيمون الجمعة صلى الجمعة وإلا لم يصلها (2). وتحقيق الخلاف معهم هل تصح الجمعة من أهل السواد أم لا؟ فإن تحقيق مذهبهم في الوجوب أنها لا تجب على أهل المصر لأنهم قالوا: إن صلى الإمام يوم الجمعة بعد الزوال ظهرا أربعا أساء وأجزأه، فلا معنى للكلام معهم في الوجوب في أهل القرى والسواد. دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم أجمعوا على أن سبعة نفر تجب عليهم الجمعة، ومنهم من يقول بالخمسة، ولم يفرقوا بين أهل المصر وبين أهل السواد، وأخبارهم عامة، فوجب حملها على عمومها. وروى محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن أناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال: " نعم، ويصلون أربعا إذا لم يكن من يخطب " (3) فدل على أنه إذا كان لهم من يخطب صلوا الجمعة. وروى الفضل بن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:

(1) المبسوط 2: 23، الهداية 1: 82، الأصل 1: 345، وفتح العزيز 4: 608، ونيل الأوطار 3: 287، والمجموع 4: 505، وبداية المجتهد 1: 154.
(2) الهداية 1: 82.
(3) التهذيب 3: 238 الحديث 633، والاستبصار 1: 419 الحديث 1613.

[ 598 ]

" إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب بهم جمعوا إذا كانوا خمسة نفر، وإنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين " (1). وأيضا قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله " (2) وهذا عام في كل موضع. وروي عن ابن عباس أنه قال: أول جمعة جمعت في الاسلام بعد جمعة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة جمعة جمعت بجؤاثا قرية من قرى البحرين " (3) وهذا نص. مسألة 359: تنعقد الجمعة بخمسة نفر جوازا، وبسبعة تجب عليهم. وقال الشافعي: لا تنعقد بأقل من أربعين من أهل الجمعة (4) وبه قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (5)، وعمر بن عبد العزيز من التابعين، وفي الفقهاء أحمد وإسحاق (6). وقال ربيعة تنعقد بإثني عشر نفسا، ولا تنعقد بأقل منهم (7). وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد: تنعقد بأربعة: إمام وثلاثة معه، ولا

(1) التهذيب 3: 238، الحديث 634، والاستبصار 1: 420 الحديث 1614.
(2) الجمعة: 9.
(3) صحيح البخاري 2: 5، وسنن أبي داود 1: 280 الحديث 1068 ومعجم البلدان 2: 155. (4) الأم 1: 190، والمجموع 4: 502، والاستذكار 2: 324، والنتف 1: 92، وبداية المجتهد 1: 153، والمبسوط 2: 25.
(5) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، روى عن أبيه، وعن عبد الله بن مسعود عم أبيه وعمار بن ياسر وغيرهم مرسلا، وروى عنه جمع منهم عون بن عبد الله أخوه، والزهري وخصيف الجزري، اختلف في وفاته فقيل 90 و 94 و 95 و 98 و 99، تهذيب التهذيب 7: 23 وشذرات الذهب 1: 114.
(6) مسائل أحمد بن حنبل: 57، والاقناع 1: 192، والمجموع 4: 503، وبداية المجتهد 1: 153، والاستذكار 2: 324.
(7) المجموع 4: 504، وقال القرطبي في الاستذكار 2: 324 وقالت طائفة: اثنا عشر رجلا.

[ 599 ]

تنعقد بأقل منهم (1). وقال الليث بن سعد وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة، ثالثهم الإمام، ولا تنعقد بأقل منهم، لأنه أقل الجمع (2). وقال الحسن بن صالح بن حي: تنعقد باثنين (3)، قال الساجي (4): ولم يقدر مالك في هذا شيئا (5). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ولا تجب على أقل منهم: الإمام، وقاضيه، والمدعي حقا، والمدعى عليه، والشاهدان، والذي يضرب الحدود بين يدي الإمام (6). وأما الجواز فقد روى أبو العباس الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أدنى ما يجزي في الجمعة سبعة أو خمسة أدناه (7). وروى منصور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يجمع القوم يوم الجمعة

(1) الأصل 1: 361، والهداية 1: 83، والمبسوط 2: 24، والنتف 1: 92، وبداية المجتهد 1: 153، والمجموع 4: 504، والاستذكار 2: 324.
(2) الهداية 1: 83، والمبسوط 2: 24، والنتف 1: 93، والمجموع 4: 504، والاستذكار 2: 324.
(3) المجموع 4: 504، والاستذكار 2: 324.
(4) أبو يحيى، زكريا بن يحيى الساجي البصري، محدث البصرة، أخذ الفقه عن الربيع والمزني وروى عن هدبة بن خالد والعنبري ومحمد بن بشار، له اختلاف الفقهاء واختلاف الحديث أو العلل مات سنة 307 هجرية. طبقات الشافعية الكبرى 2: 226، وتذكرة الحفاظ 2: 250، ولسان الميزان 2: 488، وطبقات الفقهاء الشافعية: 61، وشذرات الذهب 2: 250.
(5) المجموع 4: 504، والاستذكار 2: 324.
(6) من لا يحضره الفقيه 1: 267 حديث 1222، والتهذيب 3: 20 حديث 75، والاستبصار 1: 418 حديث 1608.
(7) الكافي 3: 419 الحديث الخامس، والتهذيب 3: 21 حديث 76، والاستبصار 1: 419 حديث 1609.

[ 600 ]

إذا كانوا خمسة فما زادوا فإن كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم " (1). وروى ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يكون الجمعة ما لم يكن القوم خمسة " (2). وروى زرارة قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: " لا تكون الخطبة والجمعة وصلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط الإمام وأربعة " (3). مسألة 360: إذا انعقدت الجمعة بالعدد المراعى في ذلك وكبر الإمام تكبيرة الاحرام ثم انفضوا لا نص لأصحابنا فيه، والذي يقتضيه مذهبهم أنه لا تبطل الجمعة سواء انفض بعضهم أو جميعهم حتى لا يبقى إلا الإمام فإنه يتم الجمعة ركعتين. وللشافعي خمسة أقوال: أحدها: العدد شرط في الابتداء والاستدامة، فمتى انفض منهم شئ أتمها ظهرا، وهو أصح الأقوال عندهم، وبه قال زفر (4). والثاني: إن بقي وحده أتمها جمعة كما قلناه (5)، وأومى الجرجاني (6) إلى

(1) التهذيب 3: 239 حديث 636، والاستبصار 1: 419 حديث 1610.
(2) التهذيب 3: 239 حديث 637، والاستبصار 1: 419 حديث 1611.
(3) الكافي 3: 419 الحديث الرابع، والتهذيب 3: 240 حديث 640، والاستبصار 1: 419 حديث 1612.
(4) الأم 1: 191، والأم (مختصر المزني): 26، والوجيز 1: 62، والمجموع 4: 505، وفتح العزيز 4: 533، والمبسوط 2: 34، والهداية 1: 83، وإرشاد الساري 2: 192.
(5) المجموع 4: 506، ومغني المحتاج 1: 284، وفتح العزيز 4: 534.
(6) أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، قاضي جرجان - مسقط رأسه - والري، شاعر كثير الرحلات، له من الشعر: - يقولون فيك انقباض وإنما * رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما - - أرى الناس من داناهم هان عندهم * ومن أكرمته عزة النفس أكرما - ومن مؤلفاته الوساطة بين المتنبي وخصومه، وتهذيب التاريخ وغيرها مات بنيسابور، ودفن =

[ 601 ]

أنه مذهب أبي يوسف ومحمد. والثالث: إن بقي معه وأحد أتمها جمعة (1). والرابع: إن بقي معه اثنان أتمها جمعة (2). والخامس: ينظر، فإن انفضوا بعد أن صلى ركعة أتمها جمعة، وإن كان قبل أن يصلي ركعة أتمها ظهرا أربعا، وبه قال أبو حنيفة والمزني (3). دليلنا: إجماع الفرقة (4)، وإنه قد دخل في صلاة الجمعة وانعقدت بطريقة معلومة، فلا يجوز إبطالها إلا بيقين، ولا دليل على شئ من هذه الأقوال، فيجب العمل على ما قلناه. مسألة 361: إذا دخل في الجمعة وخرج الوقت قبل الفراغ منها لا يلزمه الظهر، وبه قال مالك (5). وقال أبو حنيفة والشافعي: بقاء الوقت شرط في صحة الجمعة، فإذا خرج الوقت أتم الظهر أربعا عند الشافعي (6)، وتبطل الصلاة عند أبي حنيفة (7).

= بجرجان، سنة 392 وقيل 366 هجرية. البداية والنهاية 11: 331، وطبقات الشافعية 2: 308، ومرآة الجنان 2: 386، وشذرات الذهب 3: 56، وطبقات الفقهاء: 101. (1) المجموع 4: 505، والوجيز 1: 62، ومغني المحتاج 1: 284، وفتح العزيز 4: 533.
(2) الأم 1: 191، والأصل 1: 361، والأم (مختصر المزني): 26، والمجموع 4: 505 والوجيز 1: 62، ومغني المحتاج 1: 284، وفتح العزيز 4: 533.
(3) الأم 1: 191، والأم (مختصر المزني): 26، والأصل 1: 361، والمجموع 4: 506 والوجيز 1: 62، والمبسوط 2: 34، ومغني المحتاج 1: 284، وفتح العزيز 4: 534، وإرشاد الساري 2: 192.
(4) خلو بعض النسخ من الإجماع المذكور.
(5) المدونة الكبرى 1: 159.
(6) المجموع 4: 513، والأم 1: 194.
(7) الأصل 1: 359، والهداية 1: 83، والمبسوط 2: 33، والنتف 1: 92 والمجموع 4: 513.

[ 602 ]

دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى (1). مسألة 362: إذا صلى المأموم خلف الإمام يوم الجمعة فقرأ الإمام وركع المأموم فلما رفع الإمام رأسه وسجد زوحم المأموم فلم يقدر على السجود على الأرض وأمكنه أن يسجد على ظهر غيره فلا يسجد على ظهره ويصبر حتى يتمكن من السجود على الأرض، وبه قال عطاء، والزهري، ومالك (2). وقال الشافعي في الأم: عليه أن يسجد على ظهر غيره (3)، وقال في القديم إن سجد على ظهر غيره أجزأه (4). وأصحابه على إن عليه أن يسجد على ظهر غيره، وبه قال عمر بن الخطاب من الصحابة، وفي الفقهاء الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق (5). وقال الحسن البصري: هو بالخيار بين أن يسجد على ظهر غيره وبين أن يصبر حتى إذا قدر على السجود على الأرض سجد عليها، وبه قال بعض أصحاب الشافعي وغلطوه فيه (6). دليلنا: إن المأخوذ عليه أن يسجد على الأرض، فمن أجاز له أو أوجب عليه السجود على ظهر غيره فعليه الدلالة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " مكن جبهتك من الأرض " (7) والأمر يقتضي الوجوب.

(1) راجع دليل المسألة السابقة.
(2) المدونة الكبرى 1: 146، والمجموع 4: 575، والمحلى 4: 84.
(3) الأم 1: 206، والمجموع 4: 558 و 575، والمحلى 4: 83.
(4) المجموع 4: 559.
(5) الأصل 1: 362، والاقناع 1: 192، والمحلى 4: 83، والمجموع 4: 575.
(6) المجموع 4: 575.
(7) مسند أحمد بن حنبل 1: 287.

[ 603 ]

مسألة 363: إذا تخلص المأموم (1) بعد أن ركع الإمام من الركعة الثانية، فليسجد معه في الثانية ولا يركع، وينوي أنهما للركعة الأولى، فإن نوى أنهما للركعة الثانية لم يجزه عن واحدة منهما ويبتدئ فيسجد سجدتين وينوي بهما للركعة الأولى، ثم يقتضي بعد ذلك ركعة أخرى، وقد تمت جمعته. وقال الشافعي: عليه أن يتابع الإمام في سجوده ولم يفصل، ويحصل له ركعة ملفقة ركوع في الأولى وسجود في الثانية (2)، فإذا سلم الإمام فهل يتمها جمعة على وجهين: قال أبو إسحاق: يتمها جمعة (3). وقال غيره: يتمها ظهرا، لأنه إنما يلحق الجمعة بلحاق ركعة كاملة، وهذه ملفقة فلا يتم بها جمعة (4). وقال أبو حنيفة: يتشاغل بقضاء ما عليه. دليلنا: إجماع الفرقة. وروى حفص بن غياث قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في رجل أدرك الجمعة وقد ازدحم الناس كبر مع الإمام وركع ولم يقدر على السجود وقام الإمام والناس في الركعة الثانية وقام هذا معهم فركع الإمام ولم يقدر على الركوع في الركعة الثانية من الزحام وقدر على السجود كيف يصنع؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام أما الركعة الأولى فهي إلى عند الركوع تامة، فلما لم يسجد لها حتى دخل في الركعة الثانية لم يكن له ذلك فلما سجد للثانية فإن كان نوى أن هذه السجدة هي للركعة الأولى تمت له الركعة الأولى، فإذا سلم

(1) تخلص: خلص فلان إلى كذا وتخلص، وصل إليه، وهنا بمعنى وصول المأموم إلى الجماعة وادراكه الإمام بعد أن ركع، مجمع البحرين: 360 مادة خلص.
(2) المجموع 4: 559، ومغني المحتاج 1: 299، والوجيز 1: 63.
(3) المجموع 4: 559، والوجيز 1: 63.
(4) ذهب إليه أبو علي بن أبي هريرة كما في المجموع 4: 559 وفي الوجيز 1: 63 من دون ذكر القائل.

[ 604 ]

الإمام قام فصلى ركعة يسجد فيها ثم يتشهد ويسلم، وإن كان لم ينو أن تكون تلك السجدة للركعة الأولى لم تجز عنه الأولى ولا الثانية، وعليه أن يسجد سجدتين وينوي أنهما للركعة الأولى، وعليه بعد ذلك ركعة تامة ثانية يسجد فيها (1). مسألة 364: إذا تخلص الرجل والإمام راكع في الثانية، إن أمكنه أن يتشاغل بالقضاء ويلحق الإمام فعل، وإلا صبر حتى يسجد مع الإمام. وقال أبو حنيفة: يتشاغل بقضاء ما عليه (2). وللشافعي قولان: أحدهما يتشاغل بالقضاء والثاني يتابع الإمام (3). دليلنا: إنه إذا أمكنه قضاء ما عليه ولحاق الإمام في الركوع الثاني وجب ذلك لأنه يلحق الجمعة كاملة، وإذا خاف الفوت ينبغي أن يسجد مع الإمام وينوي أنها للأولى ليحصل له المتابعة وتمام الركعة الأولى. وأيضا روى عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون في المسجد إما في يوم الجمعة وإما في غير ذلك من الأيام، فيزدحمه الناس إما إلى حائط وإما إلى اسطوانة فلا يقدر على أن يركع ولا يسجد حتى يرفع الناس رؤسهم، فهل يجوز له أن يركع ويسجد وحده ثم يقوم مع الناس في الصف؟ قال: " نعم لا بأس بذلك " (4). مسألة 365: إذا سبق الإمام حدث في الصلاة جاز له أن يستنيب من يتم

(1) التهذيب 3: 21 الحديث 78، وفي الكافي 3: 429 الحديث التاسع، ومن لا يحضره الفقيه 1: 270 حديث 1235 باختلاف يسير في اللفظ.
(2) المجموع 4: 575.
(3) المجموع 4: 559 - 560، ومغني المحتاج 1: 299، والوجيز 1: 63.
(4) التهذيب 3: 248 حديث 680، ومن لا يحضره الفقيه 1: 270 حديث 1234 باختلاف في اللفظ واتحاد في المعنى.

[ 605 ]

بهم الصلاة، وبه قال أبو حنيفة (1). وللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه يجوز، ذكره في الأم (2)، وقال في القديم والاملاء: لا يجوز بحال (3). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يؤم القوم فيحدث ويقدم رجلا قد سبقه بركعة كيف يصنع؟ فقال: " لا يقدم رجلا قد سبقه بركعة، ولكن يأخذ بيد غيره فيقدمه " (4) مسألة 366: إذا سبق الإمام الحدث أو تعمد الحدث في الجمعة جاز له أن يستخلف من لم يحرم معه بها، سواء كان حاضرا للخطبة أو غير حاضر لها (5). دليلنا: عموم الأخبار الواردة في هذا المعنى. وأيضا روى معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يأتي المسجد وهم في الصلاة وقد سبقه الإمام بركعة أو أكثر، فيعتل الإمام، فيأخذ بيده ويكون أدنى القوم إليه فيقدمه؟ فقال: " يتم القوم الصلاة ثم يجلس حتى إذا فرغوا من التشهد أومى بيده إليهم عن اليمين والشمال فكان الذي أومى بيده إليهم التسليم وانقضاء صلاتهم وأتم هو ما كان فاته إن بقي عليه " (6).

(1) المبسوط 2: 27 و 122، وفتح العزيز 4: 555.
(2) الأم 1: 207، والمجموع 4: 576، وفتح العزيز 4: 555.
(3) المجموع 4: 576، وفتح العزيز 4: 554.
(4) الاستبصار 1: 434 حديث 1675، وفي التهذيب 3: 42 حديث 147 باختلاف يسير في اللفظ.
(5) الأم 1: 207، والمجموع 4: 577، ومغني المحتاج 1: 297.
(6) الكافي 3: 382 الحديث السابع " باب الرجل يدرك مع الإمام بعض صلاته ويحدث الإمام فيقدمه "، والاستبصار 1: 433 حديث 1672، والتهذيب 3: 41 حديث 144 باختلاف يسير في اللفظ.

[ 606 ]

مسألة 367: إن أحدث الإمام في الصلاة واستخلف من لم يحرم معه في أول صلاته فإن لحقه في الركعة الثانية قبل أن يركع فيها اعتبر الثانية أولة لنفسه وأتم بهم وبنفسه الجمعة. وقال الشافعي: إذا لم يلحق معه التحريم واستخلف، صلى لنفسه الظهر وكان للمأمومين جمعة، يتم بهم الجمعة ولنفسه الظهر (1). دليلنا: ما قلناه من أن من لحق ركعة من الجمعة فقد لحق الجمعة. وروينا أن للإمام أن يستخلف من سبقه بركعة (2)، وإذا ثبت ذلك فلا يجب عليه في الاستخلاف إلا ما كان يجب عليه قبل ذلك وهو تمام الجمعة، فمن أوجب عليه الظهر فعليه الدلالة. مسألة 368: إذا سبقه الحدث فاستخلف غيره ممن سبقه بركعة أو أقل أو أكثر في غير يوم الجمعة صح ذلك، سواء وافق ترتيب صلاة المأمومين أو خالف مثل أن يحدث في الركعة الأولة قبل الركوع صح الترتيب، وإن أحدث في الركعة الثانية واستخلف من دخل فيها وهي أولة فإنه يختلف الترتيب، لأنها أولة لهذا الإمام وهي ثانية للمأمومين، ويحتاج أن يقوم في التي بعدها والمأمومون يتشهدون، فهذه مخالفة في الترتيب. وقال الشافعي: إن استخلف فيما يوافق الترتيب صح، وإذا استخلف فيما يخالف لم يصح (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا خبر معاوية بن عمار الذي قدمناه. وروى أيضا طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه قال: سألته عن رجل أم

(1) الأم 1: 208، والمجموع 4: 580.
(2) الكافي 3: 382 الحديث السابع والثامن، ومن لا يحضره الفقيه 1: 261 - 262 حديث 1192 و 1193، والتهذيب 3: 41 حديث 144 و 145، والاستبصار 1: 433 حديث 1672 و 1673.
(3) الأم 1: 207، ومغني المحتاج 1: 297، والمجموع 4: 577.

[ 607 ]

قوما وأصابه رعاف بعد ما صلى ركعة أو ركعتين، فقدم رجلا ممن قد فاته ركعة أو ركعتان؟ قال: " يتم بهم الصلاة، ثم يقدم رجلا يسلم بهم، ويقوم هو فيتم صلاته " (1). مسألة 369: من سقط عنه فرض الجمعة لعذر، من العليل، والمسافر، والعبد، والمرأة وغير ذلك، جاز له أن يصلي في أول الوقت، وجاز له أن يصليها جماعة، وبه قال الشافعي إلا أنه يستحب تأخيره إلى آخر الوقت (2). وقال أبو حنيفة: يكره لهم أن يصلوها جماعة (3). دليلنا: الأخبار الواردة في فضل الجماعة وهي عامة في جميع الناس (4)، فمن خصها فعليه الدلالة. مسألة 370: الواجب يوم الجمعة عند الزوال الجمعة، فإن صلى الظهر لم يجزه عن الجمعة ووجب عليه السعي، فإن سعى وصلى الجمعة برأت ذمته، وإن لم يفعل حتى فاتته الجمعة وجب عليه إقامة الظهر (5). وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، وبه قال زفر، وقال في القديم الواجب هو الظهر ولكن كلف إسقاطها بفعل الجمعة، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف (6). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا صلى الظهر في داره يوم الجمعة قبل أن

(1) التهذيب 3: 41 حديث 145، والاستبصار 1: 433 باب 265.
(2) المجموع 4: 493 - 494، ومغني المحتاج 1: 279. (3) الأصل 1: 365، والهداية 1: 84، والمبسوط 2: 35، واللباب 1: 114 وشرح فتح القدير 1: 419، والمجموع 4: 494.
(4) الكافي 3: 419 الحديث السادس، ومن لا يحضره الفقيه 1: 266 باب 57 حديث 1217، والتهذيب 3: 21 حديث 77.
(5) المجموع 4: 496، وكفاية الأخيار 1: 90، والهداية 1: 84، والمبسوط 2: 32 وشرح فتح القدير 1: 418.
(6) المبسوط 2: 22 و 32، واللباب 1: 114، وشرح فتح القدير 1: 418، والمجموع 4: 496.

[ 608 ]

تقام الجمعة صحت صلاته، ثم ينظر فيه، فإن سعى إلى الجمعة قال أبو حنيفة: يبطل ما فعله من الظهر بالسعي إلى الجمعة، لأنه يتشاغل بعدها بما يختص بالجمعة (1). وقال أبو يوسف: لا تبطل بالسعي إلى الجمعة، ولكنه إذا وافى الجامع، فأحرم خلف الإمام، بطلت الآن ظهره وكانت الجمعة فرضه (2). وقال محمد: إذا صلى الظهر كان مراعى، فإن لم يحضر الجمعة صحت ظهره، وإن حضرها فصلى الجمعة بطلت الآن ظهره (3). دليلنا: قوله تعالى: " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله " (4). وأيضا فلا خلاف أن الجمعة فرض، فمن قال: إن الفرض الظهر، فعليه الدلالة. وكذلك من قال: إن صلى الظهر في أول الوقت، ثم فاتته الجمعة، سقط فرضه، فعليه الدلالة. وأيضا فلا خلاف أنه إذا صلى الجمعة وسعى إليها فإن ذمته قد برأت، ولم يقم دليل على براءتها إذا لم يفعل، وإذا فاتته الجمعة وأعاد الظهر فلا خلاف إن ذمته قد برأت، وإذا لم يقض الظهر لم يقم دليل على براءة ذمته. وأيضا حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة " (5) وهذا نص.

(1) الهداية 1: 84، والأصل 1: 355، واللباب 1: 114، والمبسوط 2: 122، وشرح فتح القدير 1: 418، والمجموع 4: 497.
(2) الأصل 1: 355 و 357، وشرح فتح القدير 1: 418، واللباب 1: 114، والمجموع 4: 497.
(3) الأصل 1: 355، واللباب 1: 114.
(4) سورة الجمعة: 9.
(5) سنن الدار قطني 2: 3 الحديث الأول.

[ 609 ]

مسألة 371: المقيم إذا زالت الشمس لا يجوز له أن ينشئ سفرا إلا بعد أن يصلي الجمعة، وبه قال الشافعي (1). وقال محمد بن الحسن: يجوز له ذلك، وبه قال باقي أصحاب أبي حنيفة (2). دليلنا: إنه قد ثبت أن بزوال الشمس تجب عليه الجمعة، فلا يجوز له أن يشرع فيما يسقط فرض الجمعة معه، فمن أجاز ذلك فعليه الدلالة. مسألة 372: من طلع الفجر عليه يوم الجمعة وهو مقيم يكره له أن يسافر إلا بعد أن يصلي الجمعة، وليس ذلك بمحضور. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: إنه لا يجوز، وبه قال ابن عمر، وعائشة (3). والآخر: إنه يجوز، وبه قال عمر، والزبير بن العوام (4)، وأبو عبيدة بن الجراح (5)، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (6). وروي أن عمر أبصر رجلا عليه هيأة السفر وهو يقول: لولا أن اليوم

(1) الأم 1: 189، والمجموع 4: 499، ومغني المحتاج 1: 278. (2) النتف: 94، وفتح المعين: 41، والمجموع 4: 499.
(3) الأم 1: 189، والمجموع 4: 499، ومغني المحتاج 1: 278.
(4) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد الأسدي، أبو عبد الله، شهد بدرا وما بعدها، روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنه ابنه عبد الله وعروة والأحنف بن قيس ومالك بن أوس، قتل في معركة الجمل سنة 36، الإصابة 1: 526، وتهذيب التهذيب 3: 318، وأسد الغابة 2: 196 ومرآة الجنان 1: 97، وصفوة الصفوة 1: 132.
(5) عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري القرشي، شهد بدرا والمشاهد، روى عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وعنه جابر وسمرة وأبو أمامة وعبد الرحمن الأشعري والعرباض وأسلم، آخى النبي بينه وبين سعد بن معاذ، أحد ولاة عمر على الشام، مات في طاعون عمواس سنة 18 هجرية. الإصابة 2: 243، وأسد الغابة 3: 84، ومرآة الجنان 1: 73، وتهذيب التهذيب 5: 73 و 12: 159.
(6) الأم 1: 189، والمجموع 4: 499، ومغني المحتاج 1: 278.

[ 610 ]

الجمعة لخرجت، فقال عمر: أخرج فإن الجمعة لا تحبس مسافرا (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2). مسألة 373: العدد شرط في الخطبة كما هو شرط في نفس الصلاة، فإن خطب وحده ثم حضر العدد فأحرم بالجمعة لم تصح، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: العدد ليس بشرط في صحة الخطبة، فإن خطب وحده فأحرم بهم أجزأه (4). دليلنا: طريقة الاحتياط، فإنه لا خلاف إذا خطب مع حضور العدد في أن الجمعة منعقدة، وليس هاهنا دليل على أنها تنعقد إذا لم يحضروا الخطبة، فاقتضى الاحتياط ما قلناه. مسألة 374: المعذور من المريض والمسافر والعبد إذا صلوا في دورهم ظهرا وراحوا إلى الجمعة لم يبطل ظهرهم وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: يبطل ظهرهم بالسعي إلى الجمعة (6). دليلنا: إنه قد ثبت أنهم قد صلوا فرضهم بلا خلاف، فمن ادعى بطلان ما فعلوه فعليه الدلالة. مسألة 375: لا تجب على العبد والمسافر الجمعة بلا خلاف، وهل تنعقد بهم دون غيرهم أم لا؟ فإن عندنا أنهم إذا حضروا انعقدت بهم الجمعة إذا تم العدد، وبه قال أبو حنيفة (7).

(1) الأم 1: 189.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 273 حديث 1251 وغيرها.
(3) الأم 1: 191، والمجموع 4: 514، وفتح العزيز 4: 516، وبداية المجتهد 1: 153، والنتف: 92.
(4) اللباب 1: 113، والنتف: 92، وبداية المجتهد 1: 153، والمجموع 4: 514 وفتح العزيز 4: 517.
(5) الأم 1: 190 والمجموع 4: 493.
(6) النتف 1: 94 والمبسوط 2: 32، والمجموع 4: 494، واللباب 1: 114.
(7) المبسوط 2: 34، واللباب 1: 113، والمجموع 4: 505، وبداية المجتهد 1: 152 والمحلى 5: 49.

[ 611 ]

وقال الشافعي: لا تنعقد بهم الجمعة انفردوا أو تم بهم العدد (1). دليلنا: إن ما دل على اعتبار العدد عام وليس فيه تخصيص بمن لم يكن عبدا ولا مسافرا وإنما قالوا: لا تجب على العبد ولا المسافر الجمعة، وليس إذا لم تجب عليهم لا تنعقد بهم كما أن المريض لا تجب عليه بلا خلاف، ولو حضر انعقدت به بلا خلاف. مسألة 376: غسل يوم الجمعة سنة مؤكدة وليس بواجب، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه (2). وقال الحسن البصري وداود: واجب (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل. وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: " غسل يوم الجمعة مسنون " (4). وروى زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن غسل يوم الجمعة قال: " سنة في السفر والحضر إلا أن يخاف المسافر على نفسه القر " (5) (6) مسألة 377: من اغتسل يوم الجمعة قبل الفجر لم يجزه عن غسل الجمعة،

(1) الأم 1: 189، والمجموع 4: 505، وكفاية الأخيار 1: 90، والمحلى 5: 49.
(2) المجموع 4: 535، وكفاية الأخيار 1: 92، ومغني المحتاج 1: 290، وبداية المجتهد 1: 159، والاستذكار 2: 274.
(3) المحلى 2: 8، والمجموع 4: 535، والاستذكار 2: 270، وبداية المجتهد 1: 159.
(4) سنن أبي داود 1: 97 حديث 353، ومستدرك الصحيحين 1: 280، والمجموع 4: 536، والمحلى 2: 11.
(5) التهذيب 1: 112 حديث 296، والاستبصار 1 ; 102 حديث 334.
(6) القر: بضم القاف - وقيل بالتثليث - البرد، وقيل برد الشتاء خاصة، والقرة بالكسر ما أصابك من - القر - البرد. تاج العروس 3: 486، ومجمع البحرين 312 مادة " قرر ".

[ 612 ]

إلا إذا كان آيسا من وجود الماء، فحينئذ يجوز تقديمه، ولو كان يوم الخميس. وإن اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأه، وبه قال الفقهاء (1). وقال الأوزاعي: يجوز قبل الفجر (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا لا خلاف أنه إذا اغتسل بعد الفجر أن غسله جائز عن يوم الجمعة، وليس هاهنا دليل على أنه إذا قدم كان جائزا. وأما عند الضرورة فقد روى أحمد بن محمد عن الحسين بن موسى بن جعفر عن أمه وأم أحمد بن موسى بن جعفر قالتا: كنا مع أبي الحسن عليه السلام بالبادية ونحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس: " اغتسلا اليوم لغد يوم الجمعة فإن الماء غدا بها قليل " (3) مسألة 378: وقت غسل يوم الجمعة ما بين طلوع الفجر الثاني إلى أن يصلي الجمعة، وبه قال أكثر الفقهاء (4). وقال مالك: إن راح عقيب الاغتسال أجزأه، وإلا لم يجزه (5) دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا قد روى عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من اغتسل من طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل في كل موضع فيه الغسل، ومن اغتسل ليله كفاه غسله إلى طلوع الفجر " (6). مسألة 379: من دخل المسجد والإمام يخطب، فلا ينبغي أن يصلي

(1) المجموع 4: 532 و 536، ومغني المحتاج 1: 291، والاستذكار 2: 277، والمحلى 2: 22.
(2) المجموع 4: 536، والاستذكار 2: 277، والمحلى 2: 22.
(3) الكافي 3: 42 الحديث السادس، ومن لا يحضره الفقيه 1: 61 الحديث الثالث والتهذيب 1: 365 الباب السابع عشر حديث 1110، وفي الكل تقديم وتأخير.
(4) المجموع 4: 532، و 536، ومغني المحتاج 1: 391.
(5) المدونة الكبرى 1: 145، والاستذكار 2: 277، والمجموع 4: 536.
(6) رواه الشيخ في التهذيب 5: 64 حديث 204 عن عثمان بن يزيد، وفيه بدل " ليله ليلا.

[ 613 ]

نافلة، لا تحية المسجد ولا غيرها، بل يستمع الخطبة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والليث بن سعد (1). وقال الشافعي: صلى ركعتين تحية المسجد ثم يجلس يستمع الخطبة (2)، وبه قال الحسن البصري، والثوري، وأحمد، وإسحاق (3). وقال الأوزاعي: ينظر فيه، فإن كان قد صلى تحية المسجد في داره لم يصل وإلا صلاها (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا قوله تعالى: " وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وانصتوا " (5) وقال المفسرون أراد بالقرآن هنا الخطبة (6). وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا خطب الإمام فلا صلاة ولا كلام " (7) ولم يفرق. وروى محمد بن مسلم قال: سألته عن الجمعة؟ فقال: " إذا صعد الإمام المنبر يخطب فلا يصلي الناس ما دام الإمام على المنبر " (8).

(1) الأصل 1: 352، والمبسوط 2: 29، وشرح فتح القدير 1: 420، والاستذكار 2: 284 والمجموع 4: 552، والمحلى 5: 70.
(2) الأم 1: 198، والمجموع 4: 55، والاستذكار 2: 285، والمحلى 5: 70، وسنن الترمذي 2: 386.
(3) الاقناع 1: 198، والمجموع 4: 552، والاستذكار 2: 285، وسنن الترمذي 2: 386، والمحلى 5: 70.
(4) المحلى 5: 70.
(5) الأعراف 204.
(6) نسب ذلك الرازي في تفسيره الكبير 15: 102 والطبري في تفسيره 9: 112 إلى سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وزاد القرطبي في تفسيره 7: 353 عمر بن دينار وزيد بن أسلم والقاسم بن محمد بن مخيمرة ومسلم بن يسار وشهر بن حوشب وعبد الله بن المبارك.
(7) سبل السلام 2: 467 نقلا عن الطبراني في الكبير.
(8) التهذيب 3: 241 حديث 648، وفي الكافي 3: 424 الحديث السابع تتمة للحديث.

[ 614 ]

مسألة: 380: يكره لمن أتى الجمعة أن يتخطى رقاب الناس، سواء الظهر الإمام أو لم يظهر وسواء كانت له عادة بالصلاة في موضع أو لم يكن، وبه قال عطاء، وسعيد بن المسيب، والشافعي، وأحمد بن حنبل (1). وقال مالك: إن لم يكن الإمام ظهر لم يكره، وإن كان قد ظهر الإمام كره، وإن كان له مجلس عادته أن يصلي فيه لم يكره (2). دليلنا: إن هذا الفعل فيه أذى على المسلمين، فيجب تجنبه. وروى عبد الله بن بسر (3) قال: جاء الرجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وآله يخطب فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " اجلس فقد آذيت " (4). مسألة 381: الخطبة شرط في صحة الجمعة، وبه قال سعيد بن جبير، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي (5). وقال الحسن البصري: يجوز بغير خطبة (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا لا خلاف أن مع الخطبة تنعقد الجمعة، وليس على انعقادها مع فقد الخطبة دليل.

(1) الأم 1: 198، والمجموع 4: 546، والاستذكار 2: 314.
(2) المدونة الكبرى 1: 159، والاقناع 1: 197، والاستذكار 2: 314، والمجموع 4: 546 - 547.
(3) عبد الله بن بسر المازني، أبو بسر الحمصي، وقيل أبو صفوان، روى عن النبي وعن أبيه وأخيه، وعنه أبو الزهرية وخالد بن معدان وصفوان وحريز بن عثمان وغيرهم، قيل إنه آخر من مات من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الشام سنة 88 هجرية، الإصابة 2: 273، والاستيعاب 2: 258 وأسد الغابة 3: 125.
(4) في سنن النسائي 3: 103، ومسند أحمد بن حنبل 4: 188 باختلاف في اللفظ، وفي سنن ابن ماجة 1: 354 حديث 1115 باختلاف في السند واللفظ عن جابر بن عبد الله.
(5) الأم 1: 199، والهداية 1: 83، والمبسوط 2: 24، والنتف 1: 93، والمجموع 4: 514، واللباب 1: 112، وبداية المجتهد 1: 155، وشرح فتح القدير 1: 413، وكفاية الأخيار 1: 91، والمحلى 5: 58. (6) المجموع 4: 514، والمحلى 5: 59.

[ 615 ]

وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: " ليس تكون جمعة إلا بخطبة " (1). مسألة 382: على الإمام أن يخطب قائما إلا من عذر، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: المستحب أن يخطب قائما، فإن خطب جالسا من غير عذر جاز (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف أنه إذا خطب قائما إن صلاته وخطبته صحيحتان، وليس على جواز الخطبة جالسا دليل. وروى معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " أن أول من خطب وهو جالس معاوية، واستأذن الناس في ذلك من وجع كان بركبتيه، - ثم قال -: الخطبة وهو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصل ما بين الخطبتين " (4). مسألة 383: إذا أخذ الإمام في الخطبة حرم الكلام على المستمعين حتى يفرغ من الخطبتين، وبه قال أبو يوسف، والشافعي وأصحابه (5). وقال أبو حنيفة ومحمد: الكلام مباح ما لم يظهر الإمام، فإذا ظهر حرم حتى يفرغ من الخطبتين والصلاة (6).

(1) الكافي 3: 419 الحديث السابع، والتهذيب 3: 23 حديث 79.
(2) الأم 1: 199، والمجموع 4: 515، وكفاية الأخيار 1: 92، ومغني المحتاج 1: 287، وفتح العزيز 4: 580، والمحلى 5: 58.
(3) الهداية 1: 83، واللباب 1: 112، والمجموع 4: 515، وفتح العزيز 4: 580 والمحلى 5: 58.
(4) التهذيب 3: 20 حديث 74.
(5) الأم 1: 203، والأصل 1: 352، والمجموع 4: 552، وكفاية الأخيار 1: 93، وفتح العزيز 4: 587، والاستذكار 2: 281، وبداية المجتهد 1: 156.
(6) الهداية 1: 85، والمبسوط 2: 29، واللباب 1: 115، وكفاية الأخيار 1: 93 والاستذكار 2: 281، =

[ 616 ]

دليلنا: إجماع الفرقة. وروى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا خطب الإمام يوم الجمعة فلا ينبغي لأحد أن يتكلم حتى يفرغ الإمام من خطبته، فإذا فرغ من خطبته تكلم ما بينه وبين أن تقام الصلاة، فإن سمع القراءة أو لم يسمع أجزأه " (1). وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت " (2). وفي بعضها " فقد لغت ". قال سفيان: لغت لغة أبي هريرة، فخص حال الخطبة بالمنع، فمن قال غير حال الخطبة فقد ترك الخبر. مسألة 384: أقل ما تكون الخطبة أن يحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله، ويقرأ شيئا من القرآن، ويعظ الناس، فهذه أربعة أشياء لا بد منها، فإن أخل بشئ منها لم يجزه، وما زاد عليه مستحب. وبه قال الشافعي: (3). وقال أبو حنيفة: يجزي من الخطبة كلمة واحدة: الحمد لله، أو الله أكبر، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، ونحو هذا (4).

= وفتح العزيز 4: 587. (1) كذا في الكافي 3: 421 الحديث الثاني، والتهذيب 3: 20 حديث 71 و 73، وفي بعض النسخ الخطية من كتاب الخلاف " ولم يسمع الخطبة أجزأه "، وفي من لا يحضره الفقيه 1: 269 حديث 1229 بلفظ آخر.
(2) موطأ مالك 1: 103 الحديث السادس، وسنن الترمذي 2: 12 حديث 511، وسنن ابن ماجة 1: 352 حديث 1110، وسنن النسائي 3: 104.
(3) الأم 1: 202، والمجموع 4: 516، وسنن الترمذي 2: 382، وبداية المجتهد 1: 155.
(4) الأصل 1: 351، والمبسوط 2: 30، والنتف 1: 93، والهداية 1: 83، والاستذكار 2: 326، والمجموع 4: 522.

[ 617 ]

وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزيه حتى يأتي بما يقع عليه اسم الخطبة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف أنه إذا أتى بما قلناه فإنه يجزيه، وليس على قول من قال يجزيه أقل من ذلك دليل. وروى سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " ينبغي للإمام الذي يخطب الناس أن يخطب وهو قائم، يحمد الله ويثني عليه، ثم يوصي بتقوى الله تعالى، ثم يقرأ سورة من القرآن سورة قصيرة، ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه ويصلي على محمد وآله وعلى أئمة المسلمين، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإذا فعل هذا أقام المؤذن فصلى بالناس ركعتين " (2). مسألة 385: الوقت الذي يرجى استجابة الدعوة فيه ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن يستوي الناس في الصفوف. وقال الشافعي: هو آخر النهار عند غروب الشمس (3). دليلنا: ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الساعة التي يستحب فيها الدعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن يستوي الناس في الصفوف (4). وروى معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام الساعة التي في يوم الجمعة التي لا يدعو فيها أحد إلا استجيب له؟ قال: " نعم إذا خرج الإمام - قلت: إن الإمام يعجل ويؤخر قال: - إذا زاغت الشمس " (5).

(1) الأصل 1: 351، والمبسوط 2: 30، والاستذكار 2: 326، والمجموع 4: 522.
(2) الكافي 3: 421، الحديث الأول، والتهذيب 3: 243 حديث 655.
(3) قال النووي في المجموع 4: 549، واختلف العلماء في تعيين هذه الساعة على أحد عشر قولا... العاشر: آخر ساعة من النهار حكاه القاضيان أبو الطيب وعياض وابن الصباغ وخلائق وبه قال جماعة من الصحابة.
(4) الكافي 3: 414 الحديث الرابع، والتهذيب 3: 235 حديث 619.
(5) الكافي 3: 416 الحديث الثاني عشر، والتهذيب 3: 4 الحديث الثامن.

[ 618 ]

مسألة 386: من شرط الخطبة الطهارة، وهو قول الشافعي في الجديد (1). وقال في القديم تجوز بغير طهارة، وبه قال أبو حنيفة (2). دليلنا: إنه لا خلاف إذا خطب مع الطهارة إنه جائز وماض، والذمة تبرأ وتصح الصلاة، وكل ذلك مفقود إذا خطب بغير طهارة، فوجب فعلها لتبرأ الذمة بيقين. مسألة 387: يستحب أن يقرأ في الأولى من ركعتي الجمعة الحمد وسورة الجمعة، وفي الثانية الحمد والمنافقين، وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: يقرأ في الأولى الجمعة وفي الثانية ب‍ " هل أتيك حديث الغاشية " (4). وقال أبو حنيفة: ليس في القرآن شئ معين يقرأ ما شاء (5). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: القراءة في الصلاة فيها شئ مؤقت؟ فقال: " لا إلا في الجمعة يقرأ فيها بالجمعة والمنافقين " (6). وروى جميل عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إن الله

(1) المجموع 4: 515، وكفاية الأخيار 1: 92، ومغني المحتاج 1: 288، وفتح العزيز 4: 584، وشرح فتح القدير 2: 29.
(2) الهداية 1: 83، والمبسوط 2: 26 - 27، واللباب 1: 112، وشرح فتح القدير 1: 414، والمجموع 4: 515، وفتح العزيز 4: 585.
(3) الأم 1: 205، ومغني المحتاج 1: 290، وفتح العزيز 4: 622، والاستذكار 2: 318 وبداية المجتهد 1: 158.
(4) بداية المجتهد 1: 158، والاستذكار 2: 317، وفتح العزيز 4: 622.
(5) المبسوط 2: 36، واللباب 1: 113، والاستذكار 2: 318، وبداية المجتهد 1: 158.
(6) التهذيب 3: 6 الحديث الخامس عشر، والاستبصار 1: 413 حديث 1581.

[ 619 ]

تعالى أكرم بالجمعة المؤمنين فسنها رسول الله صلى الله عليه وآله بشارة للمؤمنين وتوبيخا للمنافقين ولا ينبغي تركها متعمدا، فمن تركها متعمدا فلا صلاة له " (1). وروى عبيد الله بن أبي رافع عن أبي هريرة إنه قرأ في الجمعة سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون قال عبيد الله فقلت له: قرأت سورتين كان علي يقرأ بهما في الجمعة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقرأ بهما في الجمعة (2). مسألة 388: يستحب قراءة الجمعة في صلاة المغرب والعشاء الآخرة وصلاة الغداة والعصر زائدا على ما قدمناه، ولم يخص أحد من الفقهاء هذه الصلوات بهذه السورة. دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى أبو الصباح الكناني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا كان ليلة الجمعة فاقرأ في المغرب سورة الجمعة [ وقل هو الله أحد وإذا كان في العشاء الآخرة فاقرأ سورة الجمعة ] (3) وسبح اسم ربك الأعلى، فإذا كان صلاة الغداة يوم الجمعة فاقرأ سورة الجمعة وقل هو الله أحد، فإذا كان صلاة الجمعة فاقرأ سورة الجمعة والمنافقين، وإذا كانت صلاة العصر يوم الجمعة فاقرأ سورة الجمعة وقل هو الله أحد " (4). مسألة 389: يستحب أن يقرأ يوم الجمعة في صلاة الفجر الجمعة وقل هو الله أحد على ما قلناه، ولا يقرأ في الأولى سجدة لقمان (5).

(1) الكافي 3: 425 الحديث الرابع، والتهذيب 3: 6 الحديث السادس عشر، والاستبصار 1: 414 حديث 1583، وفي الكل زيادة لفظ المنافقين بعد قوله (ص) بشارة للمؤمنين و.
(2) صحيح مسلم 2: 597 حديث 877 الباب السادس عشر من كتاب الجمعة، وسنن الترمذي 2: 16 حديث 518 باب 369، ومسند أحمد بن حنبل 2: 429 بزيادة ونقيصة في الألفاظ.
(3) ما بين المعقوفتين زيادة من التهذيب وبه يتم الدليل على المسألة المذكورة.
(4) التهذيب 3: 5 الحديث الثالث عشر.
(5) أي السجدة التي تلي سورة لقمان (سوره رقم 32)، وإنما قال سجدة لقمان لتمييزها عن باقي السجدات.

[ 620 ]

وقال الشافعي: يستحب أن يقرأ في الأولى الحمد وألم تنزيل، وفي الثانية الحمد وهل أتى على الانسان (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف أنه إذا قرأ ما قلناه إن صلاته ماضية صحيحة وإذا قرأ ما قالوا في صحة صلاته خلاف. وخبر أبي الصباح المقدم ذكره (2) يؤكد ذلك. وروى أبو بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اقرأ في ليلة الجمعة الجمعة وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الفجر سورة الجمعة وقل هو الله أحد، وفي الجمعة سورة الجمعة والمنافقين (3). مسألة 390: يجوز للإمام أن يخطب عند وقوف الشمس، فإذا زالت صلى الفرض، وفي أصحابنا من قال: إنه يجوز أن يصلي الفرض عند قيام الشمس يوم الجمعة خاصة، وهو اختيار المرتضى (4). وقال أحمد: إن أذن وخطب وصلى قبل الزوال أجزأه (5)، وأول وقتها عند أحمد حين يرتفع النهار (6). وقال الشافعي: لا يجوز الأذان والخطبة إلا بعد الزوال فإن قدمها أو قدم الخطبة لم يجزه، فإن أذن قبل الزوال وخطب وصلى بعد الزوال أجزأه الجمعة، ولم يجزه الأذان، وكان كمن صلى الجمعة بغير أذان (7)، وبه قال أبو حنيفة

(1) المجموع 3: 381، ومغني المحتاج 1: 163.
(2) انظر المسألة السابقة.
(3) الكافي 3: 425 الحديث الثاني، والاستبصار 1: 413 حديث 1582، والتهذيب 3: 6 الحديث الرابع عشر.
(4) قال ابن إدريس في سرائره: 64 " ولم أجد للسيد المرتضى تصنيفا ولا مسطورا بما حكاه شيخنا عنه... ولعل شيخنا أبا جعفر سمعه من المرتضى في الدرس وعرفه منه مشافهة دون المسطور ".
(5) المغني لابن قدامة 2: 144، والمجموع 4: 511، وفتح العزيز 4: 486.
(6) المغني لابن قدامة 2: 209، وبداية المجتهد 1: 152، والمجموع 4: 511، وفتح العزيز 4: 486.
(7) الأم 1: 194، والمجموع 4: 511، وفتح العزيز 4: 486.

[ 621 ]

وأصحابه (1). وقال مالك: إن خطب قبل الزوال وصلى بعده أجزأه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وروى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك، ويخطب في الظل الأول فيقول جبرئيل يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد زالت فأنزل فصل (3)، فإنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين فهي صلاة حتى ينزل الإمام. وروى عبد الله بن سنان أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا صلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة (4)، وروى إسماعيل بن عبد الخالق قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن وقت الظهر فقال: بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في يوم الجمعة أو في السفر فإن وقتها حين تزول (5). وروى سلمة بن الأكوع قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الجمعة ثم ينصرف وليس للحيطان فئ (6). مسألة 391: إذا دخل في الجمعة وهو فيها فدخل وقت العصر قبل فراغه منها تممها جمعة، وهو مذهب عطاء، ومالك، وأحمد (7). وقال الشافعي: يتممها ظهرا إذا دخل عليه وقت العصر قبل الفراغ (8).

(1) اللباب 1: 112، والمجموع 4: 511.
(2) المجموع 4: 511.
(3) التهذيب 3: 12 الحديث 42.
(4) التهذيب 3: 13 الحديث 44، والاستبصار 1: 412 حديث 1576.
(5) التهذيب 3: 13 الحديث 45، والاستبصار 1: 412 حديث 1577.
(6) صحيح مسلم 2: 589 الحديث 32.
(7) المدونة الكبرى 1: 160، والاقناع 1: 193، والمجموع 4: 513، وفتح العزيز 4: 488.
(8) الأم 1: 194، والمجموع 4: 513، والمبسوط 2: 33، والنتف 1: 92.

[ 622 ]

وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته (1). دليلنا: إنه قد ثبت أنه قد دخل في صلاة الجمعة وانعقدت جمعة بلا خلاف، فمن أوجبها ظهرا أو أبطلها فعليه الدلالة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا " (2) ولم يفرق. مسألة 392: من أدرك مع الإمام ركعة من طريق المشاهدة أو الحكم فقد أدراك الجمعة، فالمشاهدة أن يدركها معه من أولها أعني أول الثانية، والحكم أن يدركه راكعا في الثانية فيركع معه، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع صلى الظهر أربعا، وبه قال الشافعي، وفي الصحابة ابن مسعود وابن عمر، وأنس بن مالك، وفي التابعين سعيد بن المسيب، والزهري، وفي الفقهاء مالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن (3). وقال قوم: إن أدرك الخطبتين والركعتين صلى الجمعة، وإن أدرك دون هذا صلى ظهرا أربعا ذهب إليه عمر بن الخطاب، وعطاء، وطاووس، ومجاهد (4). وذهبت طائفة إلى أن من أدرك معه اليسير منها فقد أدرك الجمعة. ذهب إليه أبو حنيفة، وأبو يوسف، وبه قال النخعي، وداود (5). وقال أبو حنيفة: إن أدركه في سجود السهو بعد السلام كان مدركا لها،

(1) المبسوط 2: 33، والمجموع 4: 513.
(2) مسند أحمد بن حنبل 2: 238.
(3) الأم 1: 206، والمدونة الكبرى 1: 147، والاقناع 1: 193، وسنن الترمذي 2: 403، والاستذكار 2: 291، والمجموع 4: 558.
(4) الاستذكار 2: 291، والمجموع 4: 558.
(5) الهداية 1: 84، والمبسوط 2: 35، وشرح فتح القدير 1: 419، والمجموع 4: 558.

[ 623 ]

لأنه إذا سجد لسهو عاد إلى حكم الصلاة (1). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (2) هذا رواية سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وروى جماعة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى " (3) وفي بعضها " فليضف إليها أخرى " (4). وروى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن من لم يدرك الخطبة يوم الجمعة؟ قال: " يصلي ركعتين فإن فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل أربعا وقال: إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة فإن أنت أدركته بعد ما ركع فهي الظهر أربع " (5). وروى الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا أدرك الرجل ركعة فقد أدرك الجمعة وإن فاتته فليصل أربعا " (6).

(1) الهداية 1: 84، والمبسوط 2: 35، والأصل 1: 362، والمجموع 4: 558، وشرح فتح القدير 1: 420.
(2) صحيح مسلم 1: 423 الباب 30 حديث 161، وصحيح البخاري 1: 151، وسنن الترمذي 2: 403 باب 377 حديث 524، وسنن ابن ماجة 1: 356 حديث 1122، وسنن النسائي 3: 112، باختلاف يسير في الكل.
(3) سنن ابن ماجة 1: 356 حديث 1121، ومستدرك الحاكم 1: 291، وسنن الدار قطني 2: 10 الحديث الثاني، وتلخيص المستدرك للذهبي 1: 291.
(4) سنن الدار قطني 2: 10 الحديث الأول.
(5) الكافي 3: 427 الحديث الأول، ومن لا يحضره الفقيه 1: 270 حديث 1233، والاستبصار 1: 421 حديث 1622، والتهذيب 3: 243 حديث 656.
(6) من لا يحضره الفقيه 1: 270 حديث 1232، والتهذيب 3: 243 حديث 657، والاستبصار 1: 422 حديث 1623.

[ 624 ]

مسألة 393: إذا أدرك مع الإمام ركعة فصلاها معه ثم سلم الإمام وقام وصلى ركعة أخرى ثم ذكر أنه ترك سجدة فلم يدر هل هي من التي صلاها مع الإمام أو من الأخرى؟ فليسجد تلك السجدة، ويسجد سجدتي السهو، وتمت جمعة. وقال الشافعي: يحسبها ركعة واحدة وأكملها الظهر أربعا (1). دليلنا: ما قدمناه فيما مضى (2) من أن من لحق مع الإمام ركعة فقد أدرك الجمعة، وهذا قد لحقه ومن فاتته سجدة فليس عليه استيناف الصلاة ولا إسقاط الركعة التي ترك فيها السجود بل يقضي تلك السجدة ويسجد سجدتي السهو على ما مضى القول فيه ومن أوجب عليه الاستقبال أو إكمالها ظهرا فعليه الدلالة. مسألة 394: إذا جلس الإمام على المنبر لا يلزمه أن يسلم على الناس، وبه قال: مالك وأبو حنيفة (3). وقال الشافعي: يستحب له أن يجلس ويسلم على الناس (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وشغلها بواجب أو ندب يحتاج إلى دليل. مسألة 395: ليس على الإمام أن يلتفت يمينا وشمالا في خطبته وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة يلتفت يمينا وشمالا كالمؤذن (6).

(1) الأم 1: 206، والمجموع 4: 556.
(2) راجع المسألة السابقة.
(3) المدونة الكبرى 1: 150، والمبسوط 2: 28، والوجيز 1: 64، والمجموع 4: 526.
(4) الأم 1: 200، والوجيز 1: 64، والمجموع 4: 527.
(6) الأم 1: 200، ومغني المحتاج 1: 289، والمجموع 4: 528.
(6) المجموع 4: 528.

[ 625 ]

دليلنا: إن الأصل براءة الذمة وشغلها يحتاج إلى دليل. وروى البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل علينا بوجهه ونقبل عليه بوجوهنا (1). مسألة 396: يكره الكلام للخطيب والسامع، وليس بمحظور، ولا يفسد الصلاة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يحرم الكلام على الخطيب والسامع معا، قاله في القديم، وبه قال في الاملاء، وإليه ذهب مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد (2). وحكى الشافعي في القديم عن أبي حنيفة أنه قال: إذا تكلم حال الخطبة وصلى أعادها وهكذا حكى عنه الساجي. وقال محمد: لا يعيد، وقال أصحابه المذهب ما قال محمد. والقول الثاني: قال في الأم الانصات مستحب غير واجب (3)، وبه قال النخعي والحكم، وحماد، والثوري (4). دليلنا على نفي تحريمه: إن الأصل براءة الذمة، فمن ادعى التحريم فعليه الدلالة. فأما كونه مكروها فلا خلاف فيه. وروى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا خطب

(1) رواه أحمد بن حنبل في مسنده 4: 282 عن البراء بن عازب قوله "... ثم استقبل الناس بوجهه "، وذكره الترمذي 2: 10 الباب 361 حديث 507 عن ابن مسعود، والقرطبي في تفسيره 18: 117 عن ابن ماجة 1: 360 باب 98 حديث 1136، وسبل السلام 2: 480 حديث 439 بألفاظ أخر. (2) المدونة الكبرى 1: 149، والمجموع 4: 523 - 525، والمبسوط 2: 27 - 28 وبداية المجتهد 1: 156، ومراقي الفلاح: 88، وفتح المعين: 43، وفتح الرحيم 1: 93، وسبل السلام 3: 465 ومسائل أحمد بن حنبل: 58، واللباب 1: 115، وشرح فتح القدير 1: 421، والهداية 1: 84.
(3) الأم 1: 203، والمجموع 4: 523.
(4) المجموع 4: 525، وبداية المجتهد 1: 156.

[ 626 ]

الإمام يوم الجمعة فلا ينبغي لأحد أن يتكلم حتى يفرغ الإمام من خطبته، فإذا فرغ الإمام من خطبته تكلم ما بينه وبين أن تقام الصلاة (1). مسألة 397: من شرط انعقاد الجمعة الإمام، أو من يأمره الإمام بذلك، من قاض أو أمير ونحو ذلك، ومتى أقيمت بغير أمره لم تصح، وبه قال الأوزاعي، وأبو حنيفة (2). وقال محمد: إن مرض الإمام أو سافر فقدمت الرعية من يصلي بهم الجمعة صحت، لأنه موضع ضرورة. وصلاة العيدين عندهم مثل صلاة الجمعة (3). وقال الشافعي: ليس من شرط الجمعة الإمام، ولا أمر الإمام، ومتى اجتمع جماعة من غير أمر الإمام فأقاموها بغير إذنه جاز، وبه قال مالك وأحمد (4). دليلنا: إنه لا خلاف أنها تنعقد بالامام أو بأمره، وليس على انعقادها إذا لم يكن إمام ولا أمره دليل. فإن قيل: أليس قد رويتم فيما مضى وفي كتبكم أنه يجوز لأهل القرايا والسواد والمؤمنين إذا اجتمع العدد الذي تنعقد بهم أن يصلوا الجمعة؟ قلنا: ذلك مأذون فيه مرغوب فيه، فجرى ذلك مجرى أن ينصب الإمام من يصلي بهم. وأيضا عليه إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون أن من شرط الجمعة الإمام أو أمره

(1) الكافي 3: 421 الحديث الثاني، والتهذيب 3: 20 حديث 71 و 73 بزيادة في آخره " فإن سمع القراءة أو لم يسمع أجزأه ".
(2) الهداية 1: 82، والمبسوط 2: 34 و 119، واللباب 1: 112، ومراقي الفلاح: 86، والمجموع 4: 583.
(3) المبسوط 2: 34.
(4) الأم 1: 192، والمجموع 4: 583.

[ 627 ]

وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ولا تجب على أقل منهم: الإمام، وقاضيه، والمدعي حقا، والمدعى عليه، والشاهدان، والذي يضرب الحدود بين يدي الإمام (1). وأيضا فإنه إجماع، فإن من عهد النبي صلى الله عليه وآله إلى وقتنا هذا ما أقام الجمعة إلا الخلفاء والأمراء، ومن ولي الصلاة، فعلم أن ذلك إجماع أهل الأعصار، ولو انعقدت بالرعية لصلاها كذلك. مسألة 398: يجوز أن يكون العبد إماما في صلاة الجمعة وإن كان فرضها ساقطا عنه إلا أنه إذا تكلفها جاز أن يكون إماما فيها، وبه قال أبو حنيفة والشافعي (2). وقال مالك: لا تصح (3). دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " يؤمكم أقرؤكم " (4) فالعبد إذا كان أقرأ الجماعة تناوله الخبر. وروى محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به وكان أكثرهم قرآنا؟ قال: " لا بأس " (5).

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 267 حديث 1222، والتهذيب 3: 20 حديث 75 والاستبصار 1: 418 حديث 1608.
(2) الأم 1: 192، والهداية 1: 84، والمبسوط 2: 36، ومغني المحتاج 1: 284، وشرح فتح القدير 1: 417.
(3) فتح الرحيم 1: 92.
(4) صحيح البخاري 1: 168، وصحيح مسلم 1: 464 حديث 289 - 291، وسنن الترمذي 1: 458 حديث 235، وسنن النسائي 2: 76 و 77 و 103، ومسند أحمد 3: 24 و 34 و 36 و 48 و 51 و 84 و 163 و 475، و 4: 118 و 121 و 409، و 5: 272، وسنن أبي داود 1: 159 الأحاديث 582 - 585، وسنن ابن ماجة 1: 313 حديث 980، وسنن الدارمي 1: 286، ومسند الطيالسي 2: 70 حديث 517 و 86 حديث 618 و 9: 286 حديث 2152.
(5) التهذيب 3: 29 الأحاديث 99 - 100، والاستبصار 1: 423 الأحاديث 1628 و 1629.

[ 628 ]

وروى سماعة قال: سألته عن المملوك يؤم الناس؟ قال: " لا إلا أن يكون هو أفقههم وأعلمهم " (1). مسألة 399: لا يجوز أن يكون إمام الجمعة فاسقا (2). وقال الشافعي: يجوز ذلك، وحكي عن المزني أنه قال في المنثور، وفي الناس من يقول: لا يصح (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فقد بينا أنه لا يجوز إمامة الفاسق في الجماعة، وكل من قال ذلك في الجماعة قال مثله في الجمعة، وليس في الأمة من فرق بينهما. مسألة 400: الصبي إذا لم يبلغ، لا تنعقد به الجمعة وإن كان تصح منه صلاة التطوع. وللشافعي فيه قولان: قال في الاملاء: يجوز ذلك (4)، وقال في الأم: لا يجوز ذلك (5). دليلنا: إن انعقاد الجمعة به يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 401: لا يجمع في مصر واحد وإن عظم وكثرت مساجده إلا في مسجد واحد، إلا أن يكون البلد أكثر من ثلاثة أميال فيكون بين الجمعتين ثلاثة أميال فتصح الجمعتان، وبه قال الشافعي: ومالك وهو الظاهر من قول أبي حنيفة (6).

(1) التهذيب 3: 29 حديث 101، والاستبصار 1: 423 حديث 1630.
(2) الأم 1: 192، والمجموع 4: 584.
(3) المجموع 4: 584.
(4) المجموع 4: 248.
(5) الأم 1: 192، والمجموع 4: 248.
(6) الأم 1: 192، وبداية المجتهد 1: 159، والمبسوط 2: 23 و 120، والمجموع 4: 584 و 591.

[ 629 ]

وقال أبو يوسف: إن كان البلد ذا جانب واحد مثل ذلك، وإن كان ذا جانبين نظرت، فإن كان بينهما جسر فمثل ذلك، وإن لم يكن بينهما جسر فكل جانب منه بلد مفرد (1). وقال محمد بن الحسن: القياس أنه لا يقام فيه إلا جمعة واحدة، فإن أقيمت في موضعين جاز استحسانا (2)، وعنه رواية أخرى: إن أقيمت في ثلاثة مواضع جاز استحسانا (3). وحكى الساجي عن أبي حنيفة مثل قول محمد في أنه يجوز في موضعين استحسانا إلا أنه لم يعتبر أحدهم ثلاثة أميال على ما قلناه (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأيضا فلا خلاف أنه إذا صلى في موضع واحد صحت الجمعة، وإذا أقيمت في موضعين فيه خلاف. وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: تكون بين الجمعتين ثلاثة أميال، وليس تكون جمعة إلا بخطبة وإذا كان بين الجماعتين في الجمعة ثلاثة أميال فلا بأس بأن يجمع بهؤلاء، ويجمع بهؤلاء (5). وأيضا فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يصلي إلا في موضع واحد وقد قال صلى الله عليه وآله: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (6) والاقتداء به واجب. مسألة 402: الوقت الذي يحرم فيه البيع يوم الجمعة إذا جلس الإمام على

(1) المبسوط 2: 120، والمجموع 4: 591.
(2) المبسوط 2: 120، والمجموع 4: 591.
(3) المجموع 4: 591.
(4) المبسوط 2: 120، والمجموع 4: 591.
(5) التهذيب 3: 23 حديث 79، وفي الكافي 3: 419 الحديث السابع بزيادة واختلاف في الألفاظ.
(6) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدارمي 1: 286، وسنن الدار قطني 1: 346.

[ 630 ]

المنبر بعد الأذان، ويكره بعد الزوال قبل الأذان على كل حال، وبه قال الشافعي، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والزهري وغيرهم (1). قال ميمون بن مهران (2): كان إذا جلس الإمام على المنبر وأخذ المؤذن في الأذان نودي في أسواق المدينة حرم البيع حرم البيع. وقال ربيعة ومالك وأحمد: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حرم البيع، جلس الإمام على المنبر أو لم يجلس (3). دليلنا: قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " (4) فنهى عن البيع إذا نودي لها، فدل على أنه غير منهي عنه قبل النداء. وأيضا ما قلناه مجمع عليه وقبل ذلك يحتاج إلى دليل. وأما كراهته قبل النداء فلأنا قد بينا أن وقت الزوال وقت الصلاة فإنه ينبغي أن يخطب في الفئ فإذا زالت نزل فصلى الفرض، فإذا أخر فقد ترك الأفضل. مسألة 403: لا يحرم البيع على من لم يجب عليه الجمعة من العبيد وأمثالهم، وبه قال الشافعي (5). وقال مالك: يمنع العبيد من ذلك كالأحرار (6).

(1) الأم 1: 195، والمجموع 4: 500، ومغني المحتاج 1: 295، والاستذكار 2: 288.
(2) ميمون بن مهران الرقي أبو أيوب، من أهل الكوفة وعالم أهل الحجاز وقاضي الجزيرة، وكان لامرأة فأعتقته، روى عن عائشة، وأبي هريرة، وروى عنه أبو بشر وخصيف وجعفر بن برقان وحجاج بن أرطاة، مات سنة 117 هجرية، تذكرة الحفاظ 1: 93، والكامل لابن الأثير 5: 195 وشذرات الذهب 1: 154، ومرآة الجنان 1: 251.
(3) المغني لابن قدامة 2: 145.
(4) الجمعة: 9.
(5) الأم 1: 195، والمجموع 4: 500.
(6) قال مالك في المدونة الكبرى 1: 154 " كره البيع للعبد ولم يوجب الفسخ ".

[ 631 ]

دليلنا: قوله تعالى: " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " (1) فحرم البيع على من أوجب عليه السعي والعبد إذا لم يجب عليه السعي لا يحرم عليه البيع. مسألة 404: إذا باع في الوقت المنهي عنه لا يصح بيعه، وبه قال: ربيعة ومالك وأحمد (2). وقال أبو حنيفة، والشافعي، وعبيد الله بن الحسن العنبري يصح بيعه (3). دليلنا: إنه قد ثبت أنه منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه عندنا على ما بيناه في كتاب أصول الفقه (4). مسألة 405: صلاة الجمعة فيها قنوتان، أحدهما في الركعة الأولى قبل الركوع، وفي الثانية بعد الركوع (5). وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة. وروى إسماعيل الجعفي عن عمر بن حنظلة (6) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: القنوت يوم الجمعة؟ فقال: " أنت رسولي إليهم في هذا، إذا صليتم في جماعة ففي الركعة الأولى، وإذا صليتم وحدانا ففي الركعة الثانية " (7).

(1) الجمعة: 9.
(2) المدونة الكبرى 1: 154، والمجموع 4: 501.
(3) الأم 1: 195، والمجموع 4: 500 - 501، ومغني المحتاج 1: 295.
(4) عدة الأصول 1: 99 الطبعة الحجرية.
(5) الأم 1: 205.
(6) عمر بن حنظلة العجلي، أبو صخر، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادق، وقد استظهر البعض توثيقه من رواية الكافي في قوله عليه السلام " إذا لا يكذب علينا " ومن التهذيب في قوله عليه السلام " أنت رسولي إليهم في هذا إذا صليت " وغيره، رجال الشيخ الطوسي 131 و 268، وتنقيح المقال 2: 342.
(7) الاستبصار 1: 417 حديث 1601، والتهذيب 3: 16 حديث 57، وفي الكافي 3: 427 الحديث =

[ 632 ]

وروى معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في قنوت الجمعة " إذا كان إماما قنت في الركعة الأولى، فإن كان يصلي أربعا ففي الركعة الثانية قبل الركوع " (1). وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " كل القنوت قبل الركوع إلا الجمعة، فإن الركعة الأولى القنوت فيها قبل الركوع والأخيرة بعد الركوع " (2). مسألة 406: يستحب يوم الجمعة تقديم النوافل قبل الزوال ولم أعرف لأحد من الفقهاء وفاقا في ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم بين فرقتين: فرقة تستحب تقديم جميع النوافل (3)، وفرقة تستحب تقديم أكثرها (4)، ورويت رواية شاذة في جواز تأخير النوافل إلى بعد العصر، وقد بينا الوجه فيها في الكتابين المقدم ذكرهما (5). وروى علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن النافلة التي تصلى يوم الجمعة قبل الجمعة أفضل أو بعدها؟ قال: " قبل الصلاة " (6). مسألة 407: من صلى الظهر منفردا يوم الجمعة أو المسافر، يستحب له الجهر بالقراءة.

= الثالث زيادة " قبل الركوع " في آخره. (1) الكافي 3: 427 الحديث الثاني، والتهذيب 3: 16 حديث 59، والاستبصار 1: 417 حديث 1603.
(2) التهذيب 2: 90 ذيل حديث 334 و 3: 17 ذيل الحديث 62، والاستبصار 1: 339 ذيل حديث 1275 و 418 ذيل حديث 1606.
(3) ذهب إلى ذلك الشيخ المصنف في النهاية: 104، والمبسوط 1: 146، والشيخ المفيد في المقنعة: 26 " ضمن الجوامع الفقهية ".
(4) ذهب إليه ابن البراج في المهذب 1: 101، وابنا عقيل والجنيد كما في المختلف: 110.
(5) التهذيب 3: 14 ذيل الحديث 48: والاستبصار 1: 409 باب تقديم النوافل يوم الجمعة قبل الزوال.
(6) التهذيب 3: 12 الحديث 38، والاستبصار 1: 411 حديث 1570.

[ 633 ]

ولا أعرف لأحد من الفقهاء وفاقا في ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة. وروى الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القراءة في الجمعة إذا صليت وحدي أربعا أجهر بالقراءة؟ قال: " نعم - وقال -: اقرأ سورة الجمعة والمنافقين يوم الجمعة " (1). وروى محمد بن مسلم قال: قال لنا: " صلوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة واجهروا بالقراءة فقلت له: إنه ينكر علينا الجهر بها في السفر فقال: اجهروا بها " (2). وروى محمد بن مروان (3) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة الظهر يوم الجمعة كيف نصليها في السفر؟ قال: " تصليها في السفر ركعتين والقراءة فيها جهرا " (4).

(1) الكافي 3: 425 الحديث الخامس، والتهذيب 3: 14 حديث 49، وفي الاستبصار 1: 416 حديث 1593 صدر الحديث.
(2) التهذيب 3: 15 حديث 51، والاستبصار 1: 416 حديث 1595.
(3) مشترك بين عدة، وله من الروايات بهذا العنوان حدود 80 رواية، ولا يمكن تحديده من بينهم، تنقيح المقال 3: 182، ومعجم رجال الحديث 17: 216.
(4) التهذيب 1: 416 حديث 1596، والتهذيب 3: 15 حديث 52.

[ 635 ]

كتاب صلاة الخوف مسألة 408: صلاة الخوف جائزة غير منسوخة، وبه قال جميع الفقهاء إلا أبا يوسف والمزني (1)، فإنهما قالا إنها منسوخة، ثم رجع أبو يوسف إلى قول الفقهاء (2). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع الأمة، فإن خلاف المزني وحده لا يعتد به، ومع ذلك فقد انقرض. وأيضا قوله تعالى: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك " (3) الآية ومن ادعى النسخ فعليه الدلالة. وروى صالح بن خوات بن جبير (4) عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وآله صلاة الخوف بذات الرقاع (5).

(1) الهداية 1: 89، والمبسوط 2: 45، والمغني لابن قدامة 2: 251، والمحلى 5: 41، والمجموع 4: 405.
(2) الميزان 1: 184، والقوانين الفقهية: 82، وبدائع الصنائع 1: 242، والمجموع 4: 404 - 405، والمبسوط 2: 45، والمغني لابن قدامة 2: 250 - 251.
(3) النساء: 102.
(4) صالح بن خوات بن جبير بن النعمان الأنصاري، المدني، روى عن أبيه وخاله وسهل بن أبي حثمة، وعنه ابنه خوات ويزيد بن رومان والقاسم بن محمد، قليل الحديث. انظر التاريخ الكبير للبخاري 4: 276، وتهذيب التهذيب 4: 387، والجرح والتعديل 4: 399.
(5) كانت للنبي صلى الله عليه وآله غزوة على رأس سبعة وأربعين شهرا من قدومه المدينة اشتهرت بهذا =

[ 636 ]

وروى الحسن عن أبي بكرة (1) أن النبي صلى الله عليه وآله صلى صلاة الخوف ببطن النخل (2). وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله صلى صلاة الخوف بعسفان (3). وروي عن علي عليه السلام أنه صلى صلاة الخوف ليلة الهرير. وروي عن أبي موسى أنه صلى بأصحابه صلاة الخوف. وروي عن أبي هريرة أنه صلى صلاة الخوف (4). وروي عن الحسين عليه السلام أنه صلى عند مصابه صلاة الخوف بأصحابه.

= الاسم، وقد اختلف في سبب تسميتها على أقوال منها: لأنهم رقعوا رواياتهم، وقيل: لاسم شجرة كانت هناك، وفيها صلى صلاة الخوف. انظر المغازي للواقدي 1: 395، ومراصد الاطلاع 2: 625، وقد روى كيفية الصلاة أصحاب الصحاح منهم: البخاري في صحيحه 5: 145 ومسلم في صحيحه 1: 575، ومالك في موطأه 1: 183، وأبو داود في سننه 2: 13، والنسائي 3: 171، وأحمد بن حنبل في مسنده 5: 370 وغيرهم. (1) أبو بكرة، نفيع بن الحارث، وقيل: ابن مسرح بن كلدة الثقفي، أخو زياد بن أبيه لأمه، نزل إلى النبي صلى الله عليه وآله يوم حصار الطائف في بكرة وأسلم فكني بذلك، جلده عمر بن الخطاب حد القذف فيمن جلد في قصة الشهادة على زنا المغيرة بن شعبة، نزل البصرة وتوفي بها سنة 51 وقيل: 52 ه‍. انظر أسد الغابة 5: 38 و 151. الإصابة 3: 542، والجرح والتعديل 8: 489.
(2) روي في مسند الطيالسي: 240 الحديث 1738، ومسند أحمد 3: 374 و 390، الحديث عن جابر بن عبد الله فلاحظ.
(3) سن الترمذي 5: 423، ومسند الطيالسي: 191 الحديث 1347 ومسند أحمد بن حنبل 4: 59 و 60. وعسفان: بضم أوله وسكون ثانيه، قيل: إنها مناهل الطريق بين مكة والجحفة، وقيل: إنها قرية جامعة بها نخيل ومزارع على 36 ميلا من مكة سكن بها بني لحيان وغزاهم النبي بعد الهجرة بخمس سنين وشهران وأحد عشر يوما. انظر معجم البلدان 6: 174.
(4) حكاها ابن قدامة في المغني 2: 267.

[ 637 ]

وكان سعيد بن العاص (1) واليا على الجيس بطبرستان (2) فأمر حذيفة فصلى بالناس صلاة الخوف (3). فمن ادعى نسخ القرآن، والاجماع، والسنة فعليه الدلالة. مسألة 409: من أصحابنا من يقول: إن صلاة الخوف مقصورة ركعتين ركعتين إلا المغرب، سواء كان الخوف في سفر أو في حضر (4)، وبه قال ابن عباس. وقال الإمام: يصلي بكل طائفة ركعة، وبه قال طاووس، والحسن البصري، إلا أنهم قالوا: فرض المأموم ركعة (5). ومن أصحابنا من يقول: لا يقصر أعدادها إلا في السفر، وإنما يقصر هيأتها، فإن كان مسافرا صلى ركعتين، وإن كان حاضرا صلى أربعا، وبه قال جميع الفقهاء (6)، وفي الصحابة ابن عمر، وجابر (7).

(2) سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، ولي الكوفة لعثمان بن عفان، وفتح طبرستان وجرجان سنة 29 أو 30 هجرية، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعمر وعائشة وروى عنه ابناه عمر ويحيى وسالم بن عبد الله بن عمر وغيرهم مات سنة 59. انظر أسد الغابة 2: 309، وشذرات الذهب 1: 65، والإصابة 2: 44.
(2) طبرستان: بفتح أوله وثانيه وكسر الراء، بلاد واسعة ومدن كثيرة يشملها هذا الاسم يغلب عليها الجبل وهي تسمى بمازندران وهي مجاورة لجيلان وديلمان، معجم البلدان 6: 17، ومراصد الاطلاع 2: 878.
(3) انظر سنن أبي داود 2: 17 الحديث 1246، وسنن النسائي 3: 168، ومسند أحمد بن حنبل 5: 395 و 399 و 404 و 406، والمغني لابن قدامة 2: 251.
(4) ذهب إليه السيد المرتضى في جمل العلم والعمل: 84، ونسب العلامة في المختلف: 150 هذا القول لابن الجنيد أيضا.
(5) المجموع 4: 404.
(6) الهداية 1: 89، والأم 1: 226، والمبسوط 2: 46، والمجموع 4: 404.
(7) المجموع 4: 404.

[ 638 ]

والمذهب الأول أظهر، والدليل عليه قوله تعالى: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك " (1) الآية، وفيها دليلان. أحدهما: قال فلتقم طائفة منهم معك فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم - يعني تجاه العدو - فقد أخبر أنهم يفعلون قياما وسجودا، فقد ثبت أنهم أنما يصلون ركعة واحدة. والثاني: قال: ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك - يعني يصلون صلاتهم معك - والذي بقي عليه ركعة واحدة ثبت أن الذي يصلون معه الركعة الباقية. وأيضا إجماع الفرقة على ذلك، وأخبارهم تشهد بذلك، لأنها تتضمن صفة صلاة الخوف ركعتين ولم يفصلوا بين حال السفر والحضر، فيجب حملها على جميع الأحوال، وقد ذكرناها في الكتابين المقدم ذكرهما (2). وروى حريز عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن صلاة الخوف وصلاة السفر تقصران؟ قال: نعم، وصلاة الخوف أحق أن تقصر من صلاة السفر الذي ليس فيه خوف (3). وإذا نصرنا القول الآخر، فدليله أن الصلاة أربع ركعات في الذمة وأسقطنا حال السفر ركعتين بدليل، ولم يقم دليل على إسقاط شئ منها في غير السفر. ويقوي الطريقة الأولة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه صلى صلاة الخوف في المواضع التي صلاها ركعتين، ولم يرو أنه صلى أربعا في موضع من المواضع.

(1) النساء: 102.
(2) التهذيب 3: 171، والاستبصار 1: 455.
(3) التهذيب 3: 302 الحديث 921، ومن لا يحضره الفقيه 1: 294 الحديث 1342 بتفاوت في اللفظ.

[ 639 ]

مسألة 410: كيفية صلاة الخوف أن يفرق الناس فرقتين، يحرم الإمام بطائفة والطائفة الأخرى تقف تجاه العدو، فيصلي بالذين معه ركعة، ثم يثبت قائما ويتمون الركعة الثانية لأنفسهم، وينصرفون إلى تجاه العدو، وتجئ الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم الركعة الثانية له، وهي أولة لهم، ثم يثبت جالسا فتقوم هذا الطائفة فتصلي الركعة الباقية عليها، ثم تجلس معه، ثم يسلم بهم الإمام. وبه قال الشافعي، وأحمد بن حنبل (1). وكان مالك يقول به ثم رجع، فخالف في فصل، فقال: إذا صلت الطائفة الأخرى معه ركعة سلم الإمام بهم، وقاموا بغير سلام، فصلوا لأنفسهم الركعة الباقية (2). وقال ابن أبي ليلى مثل قولنا، وخالفنا في فصل فقال: إذا أحرم بالصلاة أحرم بالطائفتين معا ثم صلى بإحديهما على ما قلناه (3). وقال أبو حنيفة: يفرقهم فرقتين على ما قلناه، فيحرم بطائفة فيصلي بهم ركعة ثم يثبت قائما، وتنصرف هذه الطائفة وهي في الصلاة، فتقف تجاه العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الإمام الركعة التي بقيت من صلاته، ويسلم الإمام ولا يسلمون بل تنصرف هذه الطائفة وهي في الصلاة إلى تجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى إلى الموضع فتصلي الركعة الباقية عليها، ثم تنصرف إلى تجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فتصلي الركعة الباقية، وقد تمت صلاتهم (4).

(1) الأم 1: 210، ومختصر المزني: 28، والاقناع 1: 187، والمجموع 4: 408، والمغني لابن قدامة 2: 254.
(2) المبسوط 2: 47، المغني لابن قدامة 2: 254، وفتح العزيز 4: 633.
(3) المبسوط 2: 46.
(4) الأصل 1: 390، والهداية 1: 89، والمبسوط 2: 46 والمغني لابن قدامة 2: 254، وفتح العزيز 4: 633.

[ 640 ]

وكان أصحاب الشافعي يحكون مذهب أبي حنيفة كمذهب ابن أبي ليلى وأصحاب أبي حنيفة يحكون عن أصحاب الشافعي كمذهب ابن أبي ليلى. دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن صلاة الخوف على الترتيب الذي قدمناه. وروى مالك عن يزيد بن رومان (1) عن صالح بن خوات بن جبير عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة تجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا تجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم (2). وروى عبيد الله بن عمر (3)، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات ابن جبير، عن سهل بن أبي حثمة (4) عن النبي صلى الله عليه وآله مثله (5).

(1) أبو روح، يزيد بن رومان الأسدي، المدني، روى عن ابن الزبير وأنس وصالح بن خوات، وعنه هشام بن عروة وسلمة بن دينار، ويعد من شيوخ نافع في القراءة، مات سنة 130 ه‍. مرآة الجنان 1: 273، وتهذيب التهذيب 1: 325، وشذرات الذهب 1: 178.
(2) موطأ مالك 1: 183 الحديث الأول، صحيح البخاري 5: 145، وصحيح مسلم 1: 575 الحديث 310، سنن النسائي 3: 171، سنن أبي داود 2: 13 الحديث 1238، مسند أحمد بن حنبل 5: 370.
(3) أبو عثمان، عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب روى عن سالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد وعبد الرحمن بن القاسم وغيرهم مات سنة 147 ه‍. تهذيب التهذيب 7: 39، وشذرات الذهب 1: 219، تذكرة الحفاظ 1: 151، مرآة الجنان 1: 304.
(4) سهل بن عبد الله بن أبي حثمة عامر بن ساعدة بن عامر الأنصاري أبو عبد الرحمن، وقيل في نسبه غير ذلك. روى عن النبي صلى الله عليه وآله وزيد بن ثابت، ومحمد بن مسلمة، وعنه ابنه محمد، وبشير ابن يسار، وصالح بن خوات وغيرهم. أسد الغابة 2: 363، الإصابة 2: 85، وتهذيب التهذيب 4: 248.
(5) الموطأ 1: 183 الحديث الثاني، وصحيح مسلم 1: 575 الحديث 309 وسنن النسائي 3: 170، وسنن أبي داود 2: 13 الحديث 1239.

[ 641 ]

وروى شعبة (1)، عن عبد الرحمن بن القاسم (2)، عن أبيه، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله (3). وروى الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة الخوف قال: يقوم الإمام وتجئ طائفة من أصحابه فيقومون خلفه وطائفة بإزاء العدو، فيصلي بهم الإمام ركعة، ثم يقوم ويقومون معه فيمثل قائما، ويصلون هم الركعة الثانية، ثم يسلم بعضهم على بعض، ثم ينصرفون فيقومون في مقام أصحابهم ويجئ الآخرون فيقومون خلف الإمام، فيصلي بهم الركعة الثانية، ثم يجلس الإمام ويقومون هم فيصلون ركعة أخرى ثم يسلم عليهم فينصرفون بتسليمه. قال: وفي المغرب مثل ذلك، يقوم الإمام وتجئ الطائفة فيقومون خلفه فيصلي بهم ركعة ثم يقوم ويقومون فيمثل الإمام قائما ويصلون الركعتين ويتشهدون ويسلم بعضهم على بعض، ثم ينصرفون فيقومون في موقف أصحابهم ويجئ الآخرون فيقومون في موقف أصحابهم خلف الإمام فيصلي بهم ركعة يقرأ فيها ثم يجلس ويتشهد ويقوم ويقومون معه يصلي ركعة أخرى ثم يجلس ويقومون هم فيصلون ركعة أخرى ثم يسلم عليهم (4).

(1) أبو بسطام، شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي، مولاهم الواسطي ثم البصري روى عن جمع كثير منهم: أبان بن تغلب وإبراهيم بن عامر بن مسعود وجابر الجعفي، وكان حجة في الحديث، وثقه أكثر من ترجم له، مات سنة 160 ه‍. تهذيب التهذيب 4: 338، شذرات الذهب 1: 247 ومرآة الجنان 1: 340.
(2) أبو محمد عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي، المدني، روى عن أبيه وابن المسيب وسالم ونافع مولى ابن عمر وغيرهم وروى عنه شعبة ومالك وحميد الطويل وغيرهم مات سنة 126 وقيل: 131 ه‍. تهذيب التهذيب 6: 254، شذرات الذهب 1: 171، مرآة الجنان 1: 265.
(3) صحيح مسلم 1: 575 الحديث 309، وسنن النسائي 1: 170.
(4) الكافي 3: 455 الحديث 1، والتهذيب 3: 171 الحديث 379، والاستبصار 1: 455 الحديث 1766.

[ 642 ]

وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام مثل ذلك سواء (1). مسألة 411: صلاة المغرب، الأفضل أن يصلي بالفرقة الأولى ركعة، وبالفرقة الأخرى ركعتين، فإن صلى بالأولى ثنتين وبالأخرى ركعة كان أيضا جائزا، فالأول رواية الحلبي (2)، والثاني رواية زرارة (3)، وبه قال الشافعي سواء. إلا أن أصحابه اختاروا وقالوا أصح القولين أن يصلي بالأولى ركعتين. وبالثانية واحدة (4). دليلنا: الروايات التي ذكرناها في الكتاب الكبير من رواية الحلبي وغيره مع رواية زرارة (5)، وإذا كانا جميعا مرويين، ولا ترجيح كنا مخيرين في العمل بأيهما شئنا على حد واحد. مسألة 412: صلاة الخوف جائزة في الحضر كما هي جائزة في السفر، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (6). وقال مالك: لا يجوز في الحضر (7). دليلنا: قوله تعالى: " وإذا كنت فيهم " (8) الآية، ولم يخص حال السفر دون حال الحضر، وقال " وإن خفتم فرجالا أو ركبانا " (9) ولم يخص، والأخبار

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 293 الحديث 1337، والكافي 3: 456 الحديث 2، والتهذيب 3: 172 الحديث 380.
(2) الكافي 3: 455 الحديث 1، والتهذيب 3: 171 الحديث 379، والاستبصار 1: 455 الحديث 1766.
(3) التهذيب 3: 301 الحديث 917، والاستبصار 1: 456 الحديث 1767.
(4) الأم 1: 213، والمجموع 4: 415، ومغني المحتاج 1: 303، والمغني لابن قدامة 2: 262.
(5) انظر التهذيب 3: 171 و 299 الباب 12 و 29.
(6) الأم 1: 212، والمبسوط 2: 46، والمجموع 4: 419 والمغني لابن قدامة 2: 258.
(7) المدونة الكبرى 1: 161، والمغني لابن قدامة 2: 258، والمجموع 4: 419.
(8) النساء: 102.
(9) البقرة: 239.

[ 643 ]

المروية أيضا عامة، وتخصيصها بحال السفر دون الحضر يحتاج إلى دليل. فإن قالوا الآية تدل على أن الصلاة ركعتان، وكذلك الأخبار، وذلك لا يكون إلا في السفر. قلنا: قد بينا أن صلاة الخوف يقصر في السفر والحضر على كل حال، وقد قدمنا في رواية حريز عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام ذلك (1). مسألة 413: إذا فرقهم في الحضر أربع فرق وصلى بكل فريق منهم ركعة بطلت صلاة الجميع الإمام والمأموم. وقال أبو حنيفة: تصح صلاة الإمام، وتبطل صلاة الطوائف. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: تصح صلاة الإمام والمأموم. والثاني: بطلت صلاته وصحت صلاة الطائفة الأولى والثانية، وبطلت صلاة الثالثة والرابعة لأنهما دخلا في صلاة بعد فسادها وفسادها يكون عند الفراغ من الركعتين (2). دليلنا: ما قدمناه من أن صلاة الخوف مقصورة ركعتان، فإذا صلى أربعا لا يجزيه. وإذا قلنا بالشاذ من قول أصحابنا، ينبغي أن نقول أيضا ببطلان صلاتهم، لأنه لم يثبت لنا في الشرع هذا الترتيب، وإذا كان ذلك غير مشروع وجب أن يكون باطلا. مسألة 414: أخذ السلاح واجب على الطائفة المصلية، وبه قال داود، وهو أحد قولي الشافعي (3). والقول الثاني أن أخذه مستحب، وبه قال أبو

(1) انظر المسألة المتقدمة تحت رقم 409.
(2) الأم 1: 213، والمجموع 4: 418، والمغني لابن قدامة 2: 262، ومغني المحتاج 1: 303، وفتح العزيز 4: 639 (3) الأم 1: 216، والمجموع 4: 423، والمغني لابن قدامة 2: 263، وفتح العزيز 4: 642.

[ 644 ]

حنيفة (1). دليلنا: قوله تعالى: " فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم " (2). فأمرهم بأخذ السلاح، والأمر يقتضي الوجوب. مسألة 415: إذا أصاب السيف الصقيل نجاسة، فمسح بخرقة، فمن أصحابنا من قال إنه يطهر (3)، وبه قال أبو حنيفة (4). ومنهم من قال لا يطهر إلا بالماء (5)، وبه قال الشافعي (6)، وهو الأحوط، وقد مضت هذه المسألة (7). دليلنا: إنه قد ثبت نجاسته، ولا يتحقق طهارته إلا بأن يغسل بالماء، ومسحه ليس عليه دليل. مسألة 416: صلاة شدة الخوف وهي حالة المسائفة والتحام القتال يصلي بحسب الامكان إيماء وغير ذلك من الأنحاء قائما أو قاعدا أو ماشيا مستقبل القبلة أو غير مستقبل القبلة، ولا تجب عليه الإعادة، وبه قال الشافعي إلا أنه قال: إن ضارب فيها أو طاعن بطلت صلاته، ويمضي فيها ويعيدها هذا منصوص قوله (8). وقال أبو العباس: يمضي فيها ولا يعيد كما قلناه (9).

(1) المبسوط 2: 48، والمجموع 4: 424، والمغني لابن قدامة 2: 263، وفتح العزيز 4: 643.
(2) النساء: 102.
(3) نسبه المصنف قدس سره للسيد المرتضى رضوان الله تعالى عليه كما تقدم في المسألة 222 فلاحظ.
(4) الهداية 1: 35، وشرح فتح القدير 1: 137، واللباب 1: 55، والمجموع 2: 599.
(5) وبه قال المصنف في المسألة المتقدمة 222.
(6) الأم 1: 216، والمجموع 2: 599.
(7) مضت هذه المسألة برقم 222 من هذا الكتاب فلاحظ.
(8) الأم 1: 222، والمجموع 4: 425، وكفاية الأخيار 1: 99 والمغني لابن قدامة 2: 268، والوجيز 1: 68، ومغني المحتاج 1: 304.
(9) المجموع 4: 425.

[ 645 ]

وقال أبو حنيفة: يصلي كما قلنا إيماء وسائر أحواله إلا أنه لم يجز الصلاة ماشيا. وقال أيضا: إذا لم يتمكن إلا بالضرب والطعن فلا تصح صلاته، وينبغي أن يؤخرها حتى يزول القتال ثم يقضيها (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " حافظوا على الصلوات - إلى قوله - فإن خفتم فرجالا أو ركبانا " (2). فأمر أن يصلي على حسب ما يتمكن على أي صفة كان راكبا أو راجلا. وروى زرارة وفضيل ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال في صلاة الخوف عند المطاردة والمناوشة وتلاحم القتال، فإنه يصلي كل إنسان منهم بالايماء حيث كان وجهه إذا كانت المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال، فإن أمير المؤمنين عليه السلام في (3) ليلة الهرير لم يكن صلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء عند وقت كل صلاة إلا بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد (4) والدعاء، وكانت تلك صلاتهم، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة (5). وروى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صلاة الزحف على الظهر إيماء برأسك وتكبير، والمسايفة تكبير مع الإيماء، والمطاردة إيماء يصلي كل رجل على حياله (6). وأما الكلام على أبي حنيفة في وجوب التأخير، فهو إنه قد ثبت وجوب الصلاة في أوقاتها بالاجماع، فمن أوجب تأخيرها فعليه الدلالة.

(1) المبسوط 2: 48، اللباب 1: 126، والمجموع 4: 433، والمغني لابن قدامة 2: 268.
(2) البقرة 238 - 239.
(3) في الكافي والتهذيب: ليلة صفين وهي...
(4) في التهذيب: التمجيد.
(5) التهذيب 3: 173 الحديث 384، والكافي 3: 457 الحديث 2.
(6) الفقيه 1: 296 الحديث 1349، والتهذيب 3: 174 الحديث 386.

[ 646 ]

وروى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ليس التفريط في النوم، وإنما التفريط أن يؤخر صلاته حتى يدخل وقت أخرى " (1). مسألة 417: إذا رأى سوادا فظن أنه عدو، فصلى صلاة شدة الخوف إيماء، ثم تبين أنه لم يكن عدوا وإنما كان وحشا، أو إبلا، أو بقرا، أو قوما مارة لم يجب عليه الإعادة (2). وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه لا إعادة عليه، والثاني: عليه الإعادة (3)، وبه قال أبو حنيفة (4). دليلنا: قوله تعالى: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا " (5) وهذا خائف فيجب أن تجوز صلاته، لأنه امتثل المأمور به. وأيضا عموم الأخبار الواردة بالأمر بالصلاة في حال شدة الخوف، والأمر يقتضي الإجزاء، وإيجاب الإعادة يحتاج إلى دليل. وروى أبو بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إن كنت في أرض مخافة فخشيت لصا أو سبعا فصل الفريضة وأنت على دابتك " (6). وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخاف من سبع أو لص كيف يصنع؟ قال: " يكبر ويؤمي برأسه " (7).

(1) روى الحديث مسلم في صحيحه 1: 472 وابن حنبل في مسنده 5: 298 وابن ماجة في سننه 1: 228، وأبو داود في سننه 1: 119، والترمذي في سننه 1: 334 والنسائي في سننه 1: 293 باختلاف يسير في اللفظ.
(2) الأم 1: 218، والمجموع 4: 431.
(3) المجموع 4: 432.
(4) الأصل 1: 403، والمبسوط 2: 49.
(5) البقرة: 239.
(6) الكافي 3: 456 الحديث 3، والفقيه 1: 295 الحديث 1345، والتهذيب 3: 172 الحديث 381.
(7) التهذيب 3: 173 الحديث 382.

[ 647 ]

وروى زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام " الذي يخاف اللصوص والسبع يصلي صلاة المواقفة إيماء على دابته - قلت: أرأيت إن لم يكن المواقف على وضوء كيف يصنع ولا يقدر على النزول؟ قال: يتيمم من لبد سرجه أو دابته ومن معرفة دابته فإن فيها غبارا ويصلي ويجعل السجود أخفض من الركوع ولا يدور إلى القبلة ولكن أينما دارت دابته غير أنه يستقبل القبلة بأول تكبيرة حين يتوجه " (1). مسألة 418: إذا رأى العدو وصلى صلاة شدة الخوف ثم تبين له أن بينهم خندقا أو نهرا كبيرا لا يصلون إليهم لا يجب عليه الإعادة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه (2)، والآخر: إنه تجب عليه الإعادة (3)، ومن أصحابه من قال: تجب الإعادة قولا واحدا (4). دليلنا: كلما قلناه في المسألة الأولى (5). مسألة 419: تجوز صلاة الجمعة على هيئة صلاة الخوف في مصر كان أو في الصحراء إذا تم العدد والشرط. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن تقام إلا في مصر، أو المصلى الذي يصلى فيه العيد (6). وقال الشافعي: لا يقام الجمعة إلا في جوف المصر، وأما في الصحراء فلا تقام على حال (7).

(1) الكافي 3: 459 الحديث 6، والفقيه 1: 295 الحديث 1348، والتهذيب 3: 173 الحديث 383.
(2) الأم 1: 218 والمجموع 4: 432، وفتح العزيز 4: 651.
(3) المجموع 4: 432، فتح العزيز 4: 651.
(4) فتح العزيز 4: 652.
(5) أي المسألة المتقدمة تحت رقم " 417 ".
(6) فتح العزيز 4: 493.
(7) الأم 1: 227، والوجيز 1: 61، وفتح العزيز 4: 493 والمجموع 4: 501.

[ 648 ]

قال أبو حامد: كنا نحكي هذا عن أبي إسحاق وصاحبنا قد نص عليه. دليلنا: ما قدمناه من أن العدد متى اجتمع وجبت صلاة الجمعة، وذلك عام في الصحارى والبنيان (1). مسألة 420: إذا صلى صلاة الخوف في غير الخوف، فإن صلاة الإمام صحيحة بلا خلاف، وصلاة المؤتمين عندنا أيضا صحيحة، سواء كان على الوجه الذي صلاه النبي صلى الله عليه وآله بعسفان، أو ببطن النخل، أو ذات الرقاع. وقال الشافعي: إن صلى بهم صلاة النبي صلى الله عليه وآله ببطن النخل فصلاة الجميع صحيحة، وإن صلى بهم صلاته بذات الرقاع فصلاة المأمومين على قولين: أحدهما تبطل، والآخر لا تبطل، والمختار أنها تبطل (2). وإن صلى صلاة النبي بعسفان، فصلاة الإمام وصلاة الذين لم يحرسوه صحيحة، وأما صلاة من حرسه على قولين، والمختار عندهم أنها لا تبطل. دليلنا: إنه ليس على بطلان شئ من هذه الصلوات دليل، فيجب أن تكون كلها صحيحة، ومن ادعى أنه من حيث فارق الإمام بطلت صلاته، فعليه الدليل (3). مسألة 421: لبس الحرير المحض محرم على الرجال، وكذلك التدثر به، وفرشه، والقعود عليه، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: فرشه والجلوس عليه غير محرم (5).

(1) انظر المسألة المتقدمة تحت رقم " 359 ".
(2) الأم 1: 218، والمجموع 4: 433.
(3) انظر ما تقدم في المسألة " 408 ".
(4) المجموع 4: 435، كفاية الأخيار 1: 99، ومغني المحتاج 1: 306.
(5) المجموع 4: 435.

[ 649 ]

دليلنا: عموم الأخبار الواردة في تحريم الحرير المحض للرجال. وأيضا روى علي بن أبي طالب عليه السلام قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله يوما وبيمينه قطعة من ذهب وبشماله قطعة من حرير فقال: " إن هذين حرام على ذكور أمتي وحل لإناثها " (1). وروى مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه رأى حلة عند المسجد تباع، فقال يا رسول الله ألا نشتريها لك تلبسها يوم الجمعة إذا قدم عليك الوفد؟ فقال صلى الله عليه وآله: " هذا لباس من لا خلاق له في الآخرة " (2). مسألة 422: الثياب المنسوجة من الإبريسم إذا خالطها شئ من كتان أو قطن أو خز سداه أو لحمته أو شئ منسوج فيه زال عنه التحريم، سواء كان مثله أو غالبا عليه أو أقل منه. وقال الشافعي: إن كان الغالب الإبريسم فهو حرام، وإن كان الغالب غيره لم يحرم، وإن كانا نصفين فيه وجهان: أحدهما حرام، والآخر مباح (3). وقال أبو حنيفة: إذا خالطه غيره لم يحرم مثل ما قلناه. دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إنما حرم الديباج إذا كان مصمتا سداه ولحمته، فأما أحدهما فلا " (4).

(1) سنن الترمذي 4: 217 الحديث 1720 باتحاد في المعنى ونحوه في سنن أبي داود 4: 50 الحديث 4057 وسنن النسائي 8: 160.
(2) صحيح البخاري 3: 201 و 203 و 4: 84، وموطأ مالك 2: 917 الحديث 18، وسنن ابن ماجه 2: 1187 الحديث 3591 باتحاد في المعنى.
(3) المجموع 4: 436، وقال الشافعي في الأم: فكان القطن الغالب لم أكره لمصل خائف ولا غيره لبسه، فإن كان القز ظاهرا كرهت لكل مصل محارب وغيره لبسه.
(4) روى أبو داود سننه 4: 49 عن ابن عباس أنه قال: إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الثوب المصمت من الحرير، فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به.

[ 650 ]

وروى يوسف بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس بالثوب أن يكون سداه وزره وعلمه حريرا، وإنما كره الحرير المبهم للرجال " (1).

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 171 الحديث 808، والتهذيب 2: 208 الحديث 817، والاستبصار 1: 386 الحديث 1467.

[ 651 ]

كتاب صلاة العيدين مسألة 423: صلاة العيدين فرض على الأعيان، ولا تسقط إلا عمن تسقط عنه الجمعة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: إنها سنة مؤكدة (1)، إلا أبا سعيد الاصطخري من أصحاب الشافعي فإنه قال: هي من فروض الكفايات (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلا خلاف أن من صلاها برأت ذمته، ومن لم يصلها ففيه خلاف، فالاحتياط يقتضي فعلها. وروى أبو أسامة زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: " صلاة العيدين فريضة، وصلاة الكسوف فريضة " (3). وروى جميل بن دراج قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " صلاة العيدين فريضة " (4). مسألة 424: يستحب التكبير ليلة الفطر، وبه قال جميع الفقهاء (5)،

(1) المجموع 5: 2 - 3، والنتف 1: 98، والمبسوط 2: 37، والمغني لابن قدامة 2: 223، وفتح العزيز بهامش المجموع 5: 4، وكفاية الأخيار 1: 95 ومغني المحتاج 1: 310.
(2) المجموع 5: 3، ومغني المحتاج 1 / 310، وفتح العزيز 5: 4.
(3) التهذيب 3: 127 الحديث 269 والاستبصار 1: 443 الحديث 1710.
(4) التهذيب 3: 127 الحديث 270 والاستبصار 1: 443 الحديث 1711.
(5) الأم 1: 231، والمغني لابن قدامة 2: 225، والمجموع 5: 40 - 41، وبداية المجتهد 1: 213

[ 652 ]

وروي ذلك عن ابن عمر (1). وروي عن ابن عباس، أنه سئل عن رجل كبر يوم الفطر فقال: كبر إمامه؟ فقالوا: لا قال: ذاك رجل أحمق، وكان يذهب إلى أن الاعتبار بالامام إن كبر كبر معه الناس، وإلا لم يكبروا (2). وقال النخعي: ذلك عمل الحواكين - يعني كبر حين يغدو إلى الصلاة -. وقال أبو حنيفة: يكبر في ذهابه إلى الأضحى، ولا يكبر يوم الفطر (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن التكبير تعظيم لله تعالى، فينبغي أن لا يكون مكروها. مسألة 425: أول وقت التكبير عقيب صلاة المغرب، وآخره عقيب صلاة العيدين. فيكون التكبير عقيب أربع صلوات: المغرب، والعشاء الآخرة، والصبح، وصلاة العيد. وقال الشافعي: له وقتان: أول، وآخر. فالأول: حين تغيب الشمس من ليلة الفطر (4)، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (5)، هؤلاء من الفقهاء السبعة، وهو قول أبي سلمة بن عبد الرحمن، وزيد بن أسلم (6). وقالت طائفة: أول وقت التكبير عقيب صلاة الفجر، ذهب إليه مالك،

(1) المجموع 5: 41، وسنن البيهقي 3: 279.
(2) بداية المجتهد 1: 213، والمجموع 5: 41.
(3) اللباب 1: 117، والمجموع 5: 41، وفتح العزيز 5: 13.
(4) الأم 1: 231، والمجموع 5: 30 و 41، وكفاية الأخيار 1: 97، وفتح العزيز 5: 11.
(5) المجموع 5: 41.
(6) الأم 1: 231، والمجموع 5: 41.

[ 653 ]

والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه (1)، ورووه عن علي عليه السلام، وابن عمر (2). وأما آخر وقته، فاختلف أصحاب الشافعي فيه، فقال أبو العباس وأبو إسحاق: المسألة على قول واحد، وهو أن لا ينقطع التكبير حتى يفتتح صلاة العيد. وقال: المسألة على ثلاثة أقوال: أحدها: إذا خرج الإمام، والثاني: حتى يفتتح الصلاة، والثالث: حتى يفرغ من الخطبتين (3). فالخلاف بينهم إن من سنة الإمام التكبير حتى تنقضي الخطبتان. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا ما ذكرناه وافقنا عليه أكثرهم وزادوا عليه والزيادة تحتاج إلى دليل. وروى خلف بن حماد (4) عن النقاش (5) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أما إن في الفطر تكبيرا ولكنه مسنون قال: قلت: وأين هو؟ قال: في ليلة الفطر في المغرب والعشاء الآخرة وفي صلاة الفجر وصلاة العيد ثم يقطع قال: قلت كيف أقول؟ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا، وهو قول الله تعالى: " ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم " (6).

(1) المدونة الكبرى 1: 167، والهداية 1: 87، واللباب 1: 119، وشرح فتح القدير 1: 430 والمغني لابن قدامة 2: 227، والمجموع 5: 41، وفتح العزيز 5: 14.
(2) مستدرك الحاكم 1: 297.
(3) المجموع 5: 30، وفتح العزيز 5: 14 - 15.
(4) خلف بن حماد بن ياسر، وقيل: ناشر، بن المسيب، كوفي ثقة سمع الإمام الكاظم عليه السلام، له كتاب، تنقيح المقال 1: 401، وجامع الرواة 1: 297، ومعجم رجال الحديث 7: 63.
(5) سعيد النقاشي، عده البرقي في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وقد أشار أصحاب كتب الرجال وقوع طريق للشيخ الصدوق إليه. رجال البرقي: 38، وجامع الرواة، وتنقيح المقال 2: 34، ومعجم رجال الحديث 8: 147.
(6) الكافي 4: 166 الحديث الأول، ومن لا يحضره الفقيه 2: 108 حديث 464، والتهذيب 3: 138 =

[ 654 ]

مسألة 426: كيفية التكبير، أن يكبر عقيب الصلوات الأربع التي ذكرناها. وقال الشافعي: التكبير مطلق، ومقيد: فالمطلق: أن يكبر على كل حال ماشيا وراكبا وجالسا في الأسواق والطرقات. والمقيد: عقيب الصلوات التي ذكرناها وفيه وجهان: أحدهما إنه مسنون وهو الأظهر (1)، والآخر إنه ليس بمسنون (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد بينا الخبر في ذلك مفصلا (3)، وأما مطلقه فيحتاج إلى دليل شرعي. مسألة 427: صلاة العيدين في المصلى أفضل منه في المساجد إلا بمكة، فإن الصلاة في المسجد الحرام أفضل. وقال الشافعي: إن كان المسجد ضيقا كره له الصلاة فيه وكان المصلى أفضل، وإن كان واسعا كان الصلاة فيه أفضل، ويجوز أيضا في المصلى وليس بمكروه (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى يونس عن معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: على الإمام أن يخرج في العيدين إلى البر حيث ينظر إلى آفاق السماء، ولا يصلي علي

= حديث 311. (1) الأم 1: 231، والمجموع 5: 32، وفتح العزيز 5: 11، والمغني لابن قدامة 2: 227.
(2) المجموع 5: 32، وفتح العزيز 5: 11.
(3) تقدم بيان ذلك في دليل المسألة السابقة.
(4) الأم 1: 234، والمجموع 5: 4، ومغني المحتاج 1: 312، وكفاية الأخيار 1: 96، وفتح العزيز 5: 38، والمغني لابن قدامة 2: 229، والفتح الرباني 6: 139.

[ 655 ]

حصير ولا يسجد عليه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج إلى البقيع فيصلي بالناس (1). وروى محمد بن يعقوب (2) عن محمد بن يحيى رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السنة على أهل الأمصار أن يبرزوا من أمصارهم في العيدين إلا أهل مكة فإنهم يصلون في المسجد الحرام (3). مسألة 428: تقدم صلاة الأضحى وتؤخر قليلا صلاة الفطر، لأن من السنة أن يأكل الانسان في الفطر قبل الصلاة وفي الأضحى بعد الصلاة. وقال الشافعي: يقدم الفطر ويؤخر الأضحى (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى جراح المدائني (5) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليطعم يوم الفطر قبل أن يصلي، ولا يطعم يوم الأضحى حتى ينصرف الإمام (6).

(1) الكافي 3: 460 الحديث الثالث، والتهذيب 3: 129 حديث 278.
(2) أبو جعفر، محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي، ثقة الاسلام مجدد المذهب على رأس المائة الثالثة. حاله في العلم والفقه والحديث والجلالة وعلو المنزلة أشهر من أن يحيط به قلم. له من الكتب كتاب الكافي في الأخبار، انظر رجال الشيخ الطوسي: 495، ورجال السيد بحر العلوم 3: 325، وتنقيح المقال 3: 201، وروضات الجنات 6: 108، ولسان الميزان 5: 433، والكامل في التاريخ 8: 364.
(3) الكافي 3: 461 الحديث العاشر، والتهذيب 2: 138 حديث 307.
(4) يستفاد من المصادر الشافعية المتوفرة أن قول الشافعي هو نفس قول الشيخ المصنف قدس سره. ولعل الشيخ اعتمد كتابا حكى هذا القول منه ولم نعثر عليه والله أعلم.
(5) عده الشيخ الطوسي تارة في أصحاب الباقر وأخرى في أصحاب الصادق عليهما السلام له كتاب، واختلف في توثيقه، روى عنه القاسم بن سليمان. رجال النجاشي: 101، ورجال الشيخ الطوسي: 112 و 165، وتنقيح المقال 1: 209.
(6) الكافي 4: 168 الحديث 2، والفقيه 2: 113 الحديث 483، والتهذيب 3: 138 الحديث 310. والذي =

[ 656 ]

وروى حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أطعم يوم الفطر قبل أن تصلي، ولا تطعم يوم الأضحى حتى ينصرف الإمام (1). وروى عبد الله بن بريدة (2) عن أبيه (3) أن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، وكان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع ويأكل من أضحيته (4). وروى أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرتين أو ثلاثا أو خمسا أقل من ذلك أو أكثر (5). مسألة 429: الأذان في صلاة العيدين بدعة، وبه قال جميع الفقهاء (6). وقال سعيد بن المسيب: أول من أحدث الأذان لصلاة العيدين معاوية (7) (8).

= عليه النسخ الخطية والمطبوعة من كتاب مسائل الخلاف نسبة هذا الحديث لحماد عن الحلبي والتالي لجراح المدائني، أي بعكس ما هو مثبت في الأصول والله أعلم بالصواب. (1) في الكافي 4: 168 الحديث الأول والتهذيب 3: 138 الحديث 309: " أطعم يوم الفطر قبل أن تخرج إلى المصلى ".
(2) أبو سهل، عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، المروزي، قاضي مرو، روى عن أبيه وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وروى عنه جمع منهم عطاء المكي وقتادة وكهمس، مات بقرية من قرى مرو سنة 115 هجرية. مرآة الجنان 1: 250، وتهذيب التهذيب 5: 157، وشذرات الذهب 1: 151.
(3) أبو عبد الله، بريدة بن الحصيب الأسلمي، أسلم قبل بدر ولم يشهدها وشهد خيبرا، استعمله النبي على صدقات قومه، وسكن المدينة ثم البصرة ومرو ومات فيها سنة 63 ه‍. روى عن النبي وعنه ابناه عبد الله وسليمان والشعبي وغيرهم. أسد الغابة 1: 175، وشذرات الذهب 1: 70، وتهذيب التهذيب 1: 432.
(4) سنن الترمذي 2: 426 الحديث 542، باب 390، وسنن الدار قطني 2: 45 الحديث 7.
(5) روى البخاري في صحيحه 2: 21، والدار قطني في سننه 2: 45، الحديث 9 و 10 عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا.
(6) الأم 1: 235 و 248، والأصل 1: 372، ومختصر المزني: 31، والمجموع 5: 13، والمبسوط 2: 38.
(7) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن الأموي، أسلم يوم الفتح، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر، ولاه عمر بن الخطاب الشام وبقي حتى =

[ 657 ]

وقال محمد بن سيرين: أول من أحدثه بنو أمية، وأخذه الحجاج (1) منهم (2). وقال أبو قلابة: أول من أحدثه لصلاة العيدين ابن الزبير (3). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع المسلمين، لأن هذا الخلاف قد انقرض. وروى طاووس عن ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله العيد ثم خطب، وصلاها أبو بكر ثم خطب، وصلاها عمر ثم خطب، وصلاها عثمان ثم خطب بغير أذان ولا إقامة (4). وروى جابر بن سمرة (5) قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله

= مات، حارب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في صفين حيث قتل من أصحاب أمير المؤمنين جمع منهم عمار بن ياسر، فكان معاوية مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار: " تقتلك الفئة الباغية " مات سنة 60 هجرية. انظر مرآة الجنان 1: 131، وشذرات الذهب 1: 65، وتهذيب التهذيب 10: 207.
(8) الأم 1: 235، وفي المجموع 5: 14، عن الزهري، وهو من أصحاب سعيد بن المسيب والراوين عنه. (1) الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل الثقفي، أشهر من أن يعرف، كان من شيعة بني أمية، رمى الكعبة المعظمة بالمنجنيق وقتل ابن الزبير، وتبع شيعة أمير المؤمنين عليه السلام تحت كل حجر ومدر قتلا وتشريدا حتى بلغ من قتل صبرا على يده (120) ألف، حتى وصفه عمر بن عبد العزيز الأموي بقوله: " لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم " وله موبقات لا تحصى، كفره جماعة منهم سعيد بن جبير والنخعي ومجاهد والشعبي وغيرهم وقال طاووس: عجبت لمن يسميه مؤمنا. هلك وأراح البلاد منه سنة 95 ه‍. انظر شذرات الذهب 1: 106، وتهذيب التهذيب 2: 210 مرآة الجنان 1: 192.
(2) المحلى 5: 85.
(3) قال النووي في المجموع 5: 14، قال ابن المنذر: وروينا عن الزبير أنه أذن لها وأقام (4) صحيح مسلم 2: 602 الحديث 884.
(5) أبو عبد الله جابر بن سمرة بن جنادة - بضم الجيم - السوائي، نزل الكوفة ومات بها سنة 74 وقيل: 75 هجرية وقيل غير ذلك. روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أبيه وخاله سعد بن أبي وقاص وعلي بن أبي طالب عليه السلام، وعنه سماك بن حرب وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم. تهذيب =

[ 658 ]

غير مرة ولا مرتين العيد بغير أذان ولا إقامة (1). وروى عطاء عن جابر بن عبد الله قال: شهدت الصلاة مع النبي صلى الله عليه وآله يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة (2). مسألة 430: التكبير في صلاة العيد اثنتا عشرة تكبيرة، في الأولى سبع، منها تكبيرة الاحرام وتكبيرة الركوع، وفي الثانية خمس منها تكبيرة الركوع. ومن أصحابنا من قال: فيها تكبيرة القيام، وموضع التكبير في الركعتين بعد القراءة. وقال الشافعي الزائد اثنتا عشرة تكبيرة، منها في الأولى سبع، وفي الثانية خمس ليس منها تكبيرة الاحرام ولا تكبيرة الركوع، وموضعها قبل القراءة في الركعتين معا (3)، وبه قال أبو بكر، وعمر، وحكوه عن علي عليه السلام وعن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعائشة، وبه قال في الفقهاء الأوزاعي وأحمد وإسحاق ومالك (4)، إلا أنه خالفهم في موضعه فقال: يكبر في الأولى سبعا مع تكبيرة الاحرام فيكون الزائد على الراتب على مذهبنا تسعة، وعلى مذهب الشافعي اثنتا عشرة (5)، وعلى مذهب مالك إحدى عشرة (6). وقال أبو حنيفة: يكبر في الأولى ثلاثا بعد تكبيرة الاحرام، وفي الثانية

= التهذيب 2: 39، وأسد الغابة 1: 254، وشذرات الذهب 1: 74، والإصابة 1: 213. (1) سنن الترمذي 2: 412 حديث 532 باب (384).
(2) سنن النسائي 3: 182، وسنن الدار قطني 2: 47 الحديث السادس عشر.
(3) الأم 1: 236، والمجموع 5: 15، وفتح العزيز 5: 46، وسنن الترمذي 2: 416، وبداية المجتهد 1: 213.
(4) المدونة الكبرى 1: 169، وبداية المجتهد 1: 213، والاقناع 1: 201، وسنن الترمذي 2: 416 - 417، والأم 1: 236، والمحلى 5: 83، والمجموع 5: 19.
(5) الأم 1: 236، وفتح العزيز 5: 46، والمحلى 5: 83.
(6) المحلى 5: 83، والمجموع 5: 20.

[ 659 ]

ثلاثة سوى تكبيرة القيام (1)، فالزائد على مذهبه ست تكبيرات. دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله عليه السلام في صلاة العيدين قال: يكبر ثم يقرأ ثم يكبر خمسا ويقنت بين كل تكبيرتين ثم يكبر السابعة فيركع بها ثم يسجد ثم يقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر أربعا ويركع الخامسة (2). وروى أبو الصباح الكناني (3) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التكبير في العيدين؟ قال: اثنتا عشرة تكبيرة، سبع في الأولى وخمس في الأخيرة (4). وروى سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام في صلاة العيدين قال: كبر ست تكبيرات وأركع بالسابعة، ثم قم في الثانية فاقرأ، ثم كبر أربعا واركع بالخامسة، والخطبة بعد الصلاة (5). وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي صلى الله عليه وآله

(1) الهداية 1: 86، واللباب 1: 117، وشرح فتح القدير 1: 425، والمجموع 5: 20، وفتح العزيز 5: 46.
(2) الكافي 3: 460 الحديث الخامس، والتهذيب 3: 130 حديث 279، والاستبصار 1: 448 حديث 1734.
(3) أبو الصباح، إبراهيم بن نعيم العبدي الكناني - يعد من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام وروى عنهما. قال الصادق عليه السلام: " أنت ميزان لا عين فيه " ولهذا سمي الميزان، روى عنه جمع من ثقات الإمامية توفي رضوان الله تعالى عليه بعد سنة 170 هجرية. وله من العمر (72) سنة. انظر رجال الشيخ الطوسي: 102 و 144، الفهرست: 185، جامع الرواة 1: 36، و 2: 394، وتنقيح المقال 1: 38.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 324 حديث 1485، والتهذيب 3: 130 حديث 280، والاستبصار 1: 447 حديث 1728.
(5) التهذيب 3: 130 حديث 281، والاستبصار 1: 448 حديث 1735.

[ 660 ]

وسلم التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخيرة (1). وروى عمرو بن عوف (2) قال: كبر رسول الله صلى الله عليه وآله في الفطر والأضحى في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا (3). مسألة 431: قد بينا أن موضع التكبيرات بعد القراءة في الركعتين (4). وقال الشافعي يكبر تكبيرة الافتتاح، ويدعو بدعاء الاستفتاح، ثم يكبر سبعا، ثم يأتي بالتعوذ بعدها، ثم يقرأ (5)، وبه قال محمد بن الحسن (6). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يأتي بدعاء الاستفتاح وبالتعوذ عقيبه ثم يكبر ثلاثا ثم يقرأ (7) دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء، فلا معني لإعادته. مسألة 432: يستحب أن يرفع يديه مع كل تكبيرة، وبه قال الشافعي (8). وقال أبو حنيفة: خلاف ما قال في سائر الصلوات (9).

(1) سنن أبي داود 1: 299 حديث 1151.
(2) عمر بن عوف بن يزيد المزني، وقيل عمرو، أحد البكائين، كان قديم الاسلام، شهد الإبواء وما بعدها، وقيل: الخندق، ومات في ولاية معاوية بن أبي سفيان. التاريخ الكبير 6: 140، والإصابة 3: 9، وأسد الغابة 4: 80. (3) سنن الترمذي 2: 24 حديث 534، وسنن ابن ماجة 1: 407 حديث 1279.
(4) انظر المسألة السابقة.
(5) الأم 1: 236، والمجموع 5: 17 و 21، وفتح العزيز 5: 46.
(6) المبسوط 2: 42، والمجموع 5: 21.
(7) المبسوط 2: 42، واللباب 1: 118، والنتف 1: 100، والمحلى 5: 83، والمجموع 5: 21، وفتح العزيز 5: 50.
(8) الأم 1: 237، والمجموع 5: 21، وفتح العزيز 5: 51.
(9) الأصل 1: 374، والنتف 1: 100، والمبسوط 2: 39، والمحلى 5: 83. والمجموع 5: 21، وفتح العزيز 5: 51.

[ 661 ]

وقال مالك: يرفع يديه مع أول تكبيرة لا غير (1). دليلنا: إجماع الفرقة. وروي عن عمر بن الخطاب أنه صلى صلاة العيد، فكبر في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا يرفع يديه مع كل تكبيرة، ولا مخالف له (2). وروى علي بن أشيم (3) عن يونس قال: سألته عن تكبير العيدين أيرفع يده مع كل تكبيرة اثنتي عشر مرة، أو يرفع في أول تكبيرة؟ فقال: يرفع مع كل تكبيرة (4). مسألة 433: يستحب أن يدعو بين التكبيرات بما يسنح له. وقال الشافعي: يقف بين كل تكبيرتين بقدر قراءة آية لا طويلة ولا قصيرة فيقول: لا إله إلا الله والحمد لله (5). وقال مالك: يقف بقدر ذلك ساكتا ولا يقول شيئا (6). وقال أبو حنيفة: يوالي بين التكبيرات ولا يفصل بينها ولا يقول شيئا (7). دليلنا: إجماع الفرقة. وروي عن ابن مسعود أنه صلى صلاة العيد فكان يهلل ويكبر ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله بين كل تكبيرتين، ولا مخالف له.

(1) المدونة الكبرى 1: 169، والمجموع 5: 21، وفتح العزيز 5: 51.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 3: 293.
(3) علي بن أحمد بن أشيم، عده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الرضا عليه السلام وحكم بعض من ترجمه بحسنه لوجود طريق للشيخ الصدوق إليه. رجال الشيخ الطوسي: 382، وجامع الرواة 1: 553، وتنقيح المقال 1: 265.
(4) التهذيب 3: 288 حديث 866 بزيادة ونقصان.
(5) الأم 1: 236، والمجموع 5: 17، وفتح العزيز 5: 49.
(6) بلغة السالك 1: 187، والمجموع 5: 21.
(7) اللباب 1: 118، والمبسوط 2: 39، والمجموع 5: 20.

[ 662 ]

وروى علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله عليه السلام في صلاة العيدين قال: يكبر، ثم يقرأ، ثم يكبر خمسا، ويقنت بين كل تكبيرتين، ثم يكبر السابعة ويركع بها، ثم يسجد، ثم يقوم في الثانية فيقرأ، ثم يكبر أربعا ويركع بالخامسة (1) مسألة 434: يستحب أن يقرأ في الركعة الأولى الحمد مرة والشمس ضحاها، وفي الثانية الحمد وهل أتاك حديث الغاشية. وقال الشافعي: يقرأ في الأولى سورة قاف وفي الثانية سورة القمر (2). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة العيدين قال: تقرأ في الأولى الحمد مرة والشمس وضحاها وفي الثانية الحمد مرة وهل أتاك حديث الغاشية (3). مسألة 435: إذا نسي التكبيرات حتى ركع مضى في صلاته ولا شئ عليه، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: إذا ذكرها في حال الركوع كبر وهو راكع (5). دليلنا: إنه لا دلالة على إعادة ذلك في الركوع. وأيضا فقد روينا فيما تقدم عنهم عليهم السلام إن كل من شك في شئ

(1) الكافي 3: 460 الحديث الخامس، والتهذيب 3: 130 حديث 279، والاستبصار 1: 448 حدث 1734. في الكل بدل " ويركع بالخامسة " جملة " فيقنت بين كل تكبيرتين ثم يكبر ويركع بها ".
(2) الأم 1: 237، والأم (مختصر المزني): 31، والمجموع 5: 18، وفتح العزيز 5: 46 والمحلى 5: 82، وسنن الترمذي 2: 414.
(3) الكافي 3: 460 الحديث الثالث، والتهذيب 3: 129 حديث 278، والاستبصار 1: 448 حديث 1733 وفي الكل ضمن حديث طويل مفصل.
(4) الأم 1: 236، والمجموع 5: 18 و 21، وفتح العزيز 5: 61.
(5) المبسوط 2: 40، والمجموع 5: 21، وفتح العزيز 5: 61.

[ 663 ]

من الصلاة وانتقل إلى حالة أخرى أنه يمضي في صلاته، وذلك عام في جميع الصلوات (1). مسألة 436: الخطبة في العيدين بعد الصلاة وبه قال جميع الفقهاء (2). وروي أن مروان بن الحكم (3) كان يخطب قبل الصلاة (4). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع الأمة، فإن خلاف مروان قد انقرض، مع أنه لو كان لما اعتد به على أنه أنكر على مروان فعله. وروى طارق بن شهاب (5) عن أبي سعيد الخدري قال: أخرج مروان بن الحكم المنبر في يوم العيد وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنة، أخرجت المنبر في يوم عيد ولم يكن يخرج فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، فقال أبو سعيد الخدري: من هذا؟ قالوا: فلانا، فقال: أما هذا

(1) التهذيب 2: 153 حديث 602، والاستبصار 1: 358 حديث 1359.
(2) الأم 1: 235، والأصل 1: 371، واللباب 1: 118، والمجموع 5: 21، والمبسوط 2: 37، والأم (مختصر المزني): 31، وفتح العزيز 5: 54.
(3) مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو الحكم، ولد بعد الهجرة بسنتين وعليه لا يصح له سماع عن النبي صلى الله عليه وآله روى عن عثمان وزيد بن ثابت وغيرهم وعنه عبد الملك ابنه وسهل بن سعد الساعدي وغيرهما، ولي المدينة وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وقد عيب على البخاري تخريج أحاديثه، مات سنة 65 هجرية. الاستيعاب 3: 405، والإصابة 3: 455، وشذرات الذهب 1: 73، وتهذيب التهذيب 10: 91.
(4) المبسوط 2: 37. وقال ابن حزم في المحلى 5: 85 ومما أحدث بنو أمية من تأخير الصلاة وإحداث الأذان والإقامة، وتقديم الخطبة قبل الصلاة.
(5) أبو عبد الله، طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي، الكوفي رأى النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه مرسلا وعن بلال وحذيفة وخالد بن الوليد وغيرهم وعنه قيس بن مسلم ومخارق الأحمسي وعلقمة بن مرشد، مات سنة 82 وقيل: 83 هجرية. انظر تهذيب التهذيب 5: 3، وأسد الغابة 3: 48، والإصابة 2: 211.

[ 664 ]

فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " من رأى منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليفعل، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " (1). مسألة 437: العدد شرط في وجوب صلاة العيد، وكذلك جميع شرائط الجمعة، وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: لا يراعي فيه شرائط الجمعة، ويجوز للمنفرد والمسافر والعبد اقامتها (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا إذا ثبت أنها فرض وجب اعتبار العدد فيها، لأن كل من قال بذلك يعتبر العدد، وليس في الأمة من فرق بينهما. وروى معمر بن يحيى عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لا صلاة يوم الفطر والأضحى إلا مع إمام " (4). وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: من لم يصل مع إمام جماعة يوم العيد فلا صلاة له ولا قضاء عليه (5). فهذه الأخبار تدل على أن فرضها متعلق بوجود الإمام، فأما مع الانفراد فإنها مستحبة. ويدل على ذلك ما رواه سماعة بن مهران عنه عليه السلام قال: " لا

(1) صحيح مسلم 1: 69 الحديث 78، وسنن ابن ماجة 2: 1330 حديث 4013، وسنن أبي داود 1: 296 الحديث 1140، ومسند أحمد بن حنبل 3: 20.
(2) المبسوط 2: 37، وشرح فتح القدير 2: 39، وبداية المجتهد 1: 210.
(3) الأم 1: 240، والمجموع 5: 26، وبداية المجتهد 1: 210.
(4) الكافي 3: 459 الحديث الثاني، وثواب الأعمال: 103 الحديث الثالث.
(5) الكافي 3: 459 ذيل الحديث الأول، والتهذيب 3: 128 حديث 273، والاستبصار 1: 444 حديث 1714، وثواب الأعمال: 103 الحديث الأول.

[ 665 ]

صلاة في العيدين إلا مع إمام، فإن صليت وحدك فلا بأس " (1). وروى ربعي بن عبد الله والفضيل بن يسار قال: " ليس في السفر جمعة ولا فطر ولا اضحى " (2). مسألة 438: يكره التنفل يوم العيد قبل صلاة العيد وبعدها إلى بعد الزوال، للإمام والمأموم، وهو المروي عن علي عليه السلام (3). وقال الشافعي: يكره مثل ذلك للإمام، وأما المأموم فلا يكره له ذلك إذا لم يقصد التنفل لصلاة العيد (4)، وبه قال سهل بن سعد الساعدي، ورافع بن خديج (5). وقال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة: يكره قبلها ولا يكره بعدها (6). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله يوم فطر صلى ركعتين ولم يتنفل قبلها ولا بعدها (7). وروى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صلاة العيدين ركعتان بلا أذان ولا إقامة، ليس قبلهما ولا بعدهما شئ (8).

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 320 حديث 1459، والتهذيب 3: 128 حديث 274 و 135 حديث 293، والاستبصار 1: 445 حديث 1719، وثواب الأعمال: 103 الحديث الثاني.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 271 حديث 1236، والمحاسن: 372 حديث 136.
(3) المجموع 5: 13، والمغني لابن قدامة 2: 242.
(4) الأم 1: 234، والمجموع 5: 13، والمغني لابن قدامة 2: 242، والشرح الكبير 2: 259.
(5) الأم 1: 235، والأم (مختصر المزني): 31، والمجموع 5: 13.
(6) الهداية 1: 85، وشرح فتح القدير 1: 424، وبداية المجتهد 1: 212، والمغني لابن قدامة 2: 242، والمجموع 5: 13، والشرح الكبير 2: 258.
(7) صحيح البخاري 1: 23، وصحيح مسلم 2: 606 حديث 884، وسنن الترمذي 2: 24 حديث 535 باختلاف في الألفاظ.
(8) التهذيب 3: 128 حديث 271، والاستبصار 1: 446 حديث 1722، وثواب الأعمال: 103 الحديث السادس

[ 666 ]

وروى زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام ليس في يوم الفطر والأضحى أذان ولا إقامة، أذانهما طلوع الشمس إذا طلعت خرجوا، وليس قبلهما ولا بعدهما صلاة (1). مسألة 439: المسافر، والمرأة، والعبد لا تجب عليهم صلاة العيد، لكن إذا أقاموها سنة جاز لهم ذلك. وقال أبو حنيفة: لا تصح منهم اقامتها (2)، وللشافعي فيه قولان: أحدهما يصح (3) والآخر لا يصح (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا عموم الأخبار الواردة في الحث على صلاة العيدين منفردا (5) وذلك عام في جميعهم. مسألة 440: روت العامة عن علي عليه السلام أنه خلف من صلى بضعفة الناس في المصر (6) وبه قال الشافعي (7). وقال: إنه يجوز ذلك إذا كان المصلى بعيدا من البلد والمسجد يضيق عن الصلاة بجميعهم (8). والذي أعرفه من روايات أصحابنا أنه لا يجوز ذلك.

(1) الكافي 3: 459 الحديث الأول، والتهذيب 3: 129 حديث 276، وثواب الأعمال: 103 الحديث السابع.
(2) الهداية 1: 84، وشرح فتح القدير 1: 422.
(3) الأم 1: 240، والمجموع 5: 25، وكفاية الأخيار 1: 95.
(4) المجموع 5: 25.
(5) التهذيب 3: 288 حديث 685 و 866، والاستبصار 1: 446 باب من صلى وحده كم يصلي.
(6) سنن النسائي 3: 181، وذكر الحديث أيضا السرخسي في المبسوط 2: 37، وابن قدامة في المغني 2: 230.
(7) المجموع 5: 5، وفتح العزيز 5: 41.
(8) المجموع 5: 5 وفتح العزيز 5: 39.

[ 667 ]

وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الناس لأمير المؤمنين عليه السلام: ألا تخلف رجلا يصلي في العيدين بالناس؟ فقال: لا أخالف السنة (1). مسألة 441: إذا دخل الانسان والإمام يخطب، فقد فاتته الصلاة، ولا إعادة عليه. وقال الشافعي: يسمع الخطبة ثم يقوم فيقضي صلاة العيد (2). دليلنا: إن القضاء عبادة ثانية تحتاج إلى دلالة، وليس في الشرع ما يدل على ذلك. وأيضا فقد قدمنا من الأخبار ما يدل على أن من فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه. وأيضا روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: من لم يصل مع الإمام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له ولا قضاء عليه (3). مسألة 442: التكبير عقيب خمس عشرة صلاة في الأضحى لمن كان بمنى أولها بعد الظهر يوم النحر وآخرها صلاة الصبح آخر يوم التشريق، ومن كان بغيرها من أهل الأمصار عقيب عشر صلوات أولها الظهر يوم النحر وآخرها الصبح يوم النفر الأول، وهو الثاني من أيام التشريق. واختلف الناس في هذه المسألة على أربعة مذاهب. فذهبت طائفة إلى أنه يكبر بعد الصبح من يوم عرفة، ويقطع بعد العصر من آخر التشريق، ذهب إليه في الصحابة عمر، وحكي عن علي عليه السلام (4)

(1) التهذيب 3: 137 الحديث 302.
(2) الأم 1: 240، والمجموع 5: 29.
(3) التهذيب 3: 128 حديث 273، والاستبصار 1: 444 حديث 1714، وثواب الأعمال: 103 الحديث الثالث.
(4) المجموع 5: 31، والمغني لابن قدامة 2: 246، والهداية 1: 87، وشرح فتح القدير 1: 430، والمبسوط =

[ 668 ]

وفي الفقهاء أبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني وأبو العباس (1). وذهبت طائفة إلى أنه يكبر بعد الصبح من يوم عرفة، ويقطع بعد العصر من يوم النحر خلف ثماني صلوات، ذهب إليه أبو حنيفة (2) وروي عن ابن مسعود (3) وهي إحدى الروايتين عن علي عليه السلام على ما حكوه (4). وذهبت طائفة إلى أنه يكبر خلف الظهر من يوم النحر، ويقطع بعد الصبح من آخر التشريق، وهو المعروف من مذهب الشافعي (5) وبه قال عثمان وابن عمر وابن عباس (6). وقال الأوزاعي: يكبر خلف الظهر من يوم النحر ويقطع بعد العصر من آخر التشريق خلف سبع عشرة صلوات. ولست أعرف أحدا من الفقهاء فرق بين أهل منى وأهل الأمصار، بل نحن منفردون به. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " واذكروا الله في أيام معدودات " (7) وهي عندنا أيام التشريق، وليس فيها ذكر مأمور به غير التكبير الذي ذكرناه. وروى محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى:

= 2: 42، وعمدة القاري 6: 293. (1) المغني لابن قدامة 2: 246، وعمدة القاري 6: 293، واللباب 1: 119، والمجموع 5: 31.
(2) الهداية 1: 87، والمبسوط 2: 43، وعمدة القاري 6: 293، واللباب 1: 119، وشرح فتح القدير 1: 430، والمغني لابن قدامة 2: 246.
(3) الهداية 1: 87، والمبسوط 2: 43، وعمدة القاري 6: 43، وشرح فتح القدير 1: 430.
(4) سنن الدار قطني 2: 49 الأحاديث 25 و 26، وسنن البيهقي 3: 379.
(5) الأم 1: 241، والمجموع 5: 33، وكفاية الأخيار 1: 96، والمغني لابن قدامة 2: 246.
(6) عمدة القاري 6: 293، والمبسوط 2: 43، والمغني لابن قدامة 2: 246.
(7) البقرة: 203.

[ 669 ]

" واذكروا الله في أيام معدودات ". قال: التكبير في أيام التشريق، صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث، وفي الأمصار عقيب عشر صلوات، فإذا نفر النفر الأول أمسك أهل الأمصار، ومن أقام بمنى وصلى بها الظهر والعصر فليكبر (1). وروى زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: التكبير في أيام التشريق في دبر الصلوات؟ فقال: التكبير في منى في دبر خمس عشرة صلاة، وفي سائر الأمصار دبر عشر صلوات وأول التكبير من دبر صلاة الظهر يوم النحر يقول فيه الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام. وإنما جعل في سائر الأمصار في دبر عشر صلوات التكبير لأنه إذا نفر الناس في النفر الأول أمسك أهل الأمصار عن التكبير وكبر أهل منى ما داموا بمنى إلى النفر الأخير (2). مسألة 443: صفة التكبير أن يقول: " الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد " وهو إحدى الروايتين عن علي عليه السلام، وبه قال ابن مسعود والثوري وأبو حنيفة وأحمد (3). وقال الشافعي: المسنون أن يكبر ثلاثا نسقا، فإن زاد على ذلك كان حسنا، وبه قال ابن عمر وابن عباس ومالك بن أنس (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد ذكرناه في رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام

(1) الكافي 4: 516 الحديث الأول بزيادة ونقصان.
(2) الخصال 2: 502 الحديث الرابع، وعلل الشرائع: 447 الحديث الأول، وفي الكافي 4: 516 الحديث الثاني، والتهذيب 3: 139 حديث 313 باختلاف يسير.
(3) المغني لابن قدامة 2: 247، والمبسوط 2: 43، واللباب 1: 120، والمحلى 5: 91، والمجموع 5: 40، وفتح العزيز 5: 11.
(4) الأم 1: 241، والوجيز 1: 69، والمجموع 5: 31 و 39، وفتح العزيز 5: 11 و 12، وبداية المجتهد 1: 209، وبلغة السالك 1: 189، والمبسوط 2: 43، والمغني لابن قدامة 2: 247.

[ 670 ]

في المسألة الأولى. وروى جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه فيقول على مكانكم ويقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد (1). مسألة 444: التكبير عقيب الصلوات التي ذكرناها خمس عشرة صلاة لمن كان بمنى، وعشر صلوات لمن كان بالامصار، ولا فرق بين أن يصلي هذه الصلوات في جماعة أو فرادى، في بلد كان أو في قرية، في سفر كان أو في حضر، صغيرا كان المصلى أو كبيرا، رجلا كان أو امرأة. ورويت رواية أنه يكبر أيضا عقيب النوافل، والأظهر الأول، وبه قال الشافعي، إلا أنه قطع على التكبير عقيب النوافل (2). وقال أبو حنيفة: لا يكبر إلا عقيب الفرائض في جماعة في مصر، فأما من عدا هؤلاء فلا يكبر في قرية، ولا على سفر، ولا خلف نافلة، ولا فريضة منفردا (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأخبار (4) التي أوردناها عامة في الجميع على جميع الأحوال. وأما النوافل، فإنما قلنا: لا يكبر خلفها، لأنهم حصروا التكبير عقيب خمس عشرة صلاة بمنى، وخلف عشر صلوات بغير منى، فلو كان عقيب النوافل لزاد على ذلك في العدد.

(1) سنن الدار قطني 2: 50 الحديث التاسع والعشرون.
(2) الأم 1: 241، والأم (مختصر المزني): 32، والمجموع 5: 36 و 39، وكفاية الأخيار 1: 96، والوجيز 1: 70، والمغني لابن قدامة 2: 246 و 248.
(3) المبسوط 2: 44، واللباب 1: 120، والمجموع 5: 38 و 39، والمغني لابن قدامة 2: 247.
(4) الكافي 4: 516 باب التكبير أيام التشريق الحديث الثاني، والتهذيب 3: 139 حديث 313.

[ 671 ]

وأما الرواية التي قلناها، فرواها حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام قال: على الرجال والنساء أن يكبروا أيام التشريق في دبر الصلوات، وعلى من صلى وحده، ومن صلى تطوعا (1). مسألة 445: إذا صلى وحده كبر، وإن صلى خلف الإمام وكبر إمامه كبر معه، فإن ترك الإمام التكبير كبر هو، فإن نسي التكبير في مجلسه كبر حيث ذكره، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إذا سلم من الصلاة نظرت، فإن تحدث قبل التكبير لم يكبر، وإن لم يتحدث فقام نظرت، فإن لم يذكر حتى خرج من المسجد لم يكبر وإن ذكر قبل أن يخرج منه عاد إلى مكانه وجلس فيه كما يجلس للتشهد وكبر فيه. قال: وإن لم يكبر حتى أحدث نظرت، فإن كان عامدا لم يكبر، وأن سبقه الحدث كبر، فإن العامد يقطع الصلاة ولا يقطعها إذا سبقه الحدث (3). دليلنا: طريقة الاحتياط، لأنه إذا فعلها على كل حال لا خلاف في براءة ذمته، وإذا عمل بقول أبي حنيفة لم تبرأ ذمته بيقين. مسألة 446: من نسي صلاة من الصلوات التي يكبر عقيبها ثم ذكرها بعد انقضاء الأيام قضاها وكبر بعدها. وقال الشافعي: ليس عليه إعادة التكبير، لأن محله قد فات (4). دليلنا: طريقة الاحتياط في براءة الذمة.

(1) التهذيب 3: 289 حديث 865.
(2) الأم 1: 241، والمجموع 5: 38، والأم (مختصر المزني): 30، والوجيز 1: 70، والمغني لابن قدامة 2: 248.
(3) المبسوط 2: 45، والمغني لابن قدامة 2: 249، والمجموع 5: 38.
(4) الأم 1: 241، والوجيز 1: 70، والمجموع 5: 31.

[ 672 ]

وأيضا روينا عنهم عليهم السلام فيما تقدم أنهم قالوا: " من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته " (1) وإذا كان هذا قد فاته صلاة مع تكبيرة عقيبها يجب أن يقضيها مثل ذلك. مسألة 447: أربع مسائل: الأولى: إذا أصبح الناس صياما يوم الثلاثين، فشهد شاهدان أن الهلال كان بالأمس، وأن اليوم يوم عيد، فعدلا قبل الزوال، أو شهدا ليلة الثلاثين وعدلا يوم الثلاثين قبل الزوال، فإن الإمام يخرج بهم ويصلي بهم العيد، صغيرا كان البلد أو كبيرا بلا خلاف في هذه المسألة. الثانية: أن يشهدا يوم الحادي والثلاثين أن الهلال كان ليلة الثلاثين، أو شهدا بعد غروب الشمس ليلة الحادي والثلاثين أن الهلال كان ليلة الثلاثين وعدلا فقد فات العيد وفات وقت صلاة العيد ولا قضاء في ذلك. وقال الشافعي في هذه المسألة: يخرج الإمام ويصلي بهم ويكون أداء لا قضاء (2). الثالثة: أن يشهدا قبل الزوال يوم الثلاثين أن الهلال كان البارحة وعدلا بعد الزوال أو شهدا بعد الزوال وعدلا بعد الزوال لا قضاء في ذلك وقد فات الوقت. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل قولنا لا يقضي، وبه قال أبو حنيفة واختاره المزني، وقال في الصيام يقضون (3).

(1) تقدمت الإشارة إلى الحديث في المسألة " 140 " ونصه كما في التهذيب 3 / 162 الحديث 350 والكافي 3: 453 الحديث 7 بسندهما عن زرارة قال: قلت له رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر قال: يقضي ما فاته كما فاته... إلى آخر الحديث.
(2) الأم 1: 230، والمجموع 5: 27 و 28، والوجيز 1: 70.
(3) الأم 1: 229، والأم (مختصر المزني): 32، والمجموع 5: 29، والوجيز 1: 70، والمغني لابن قدامة 2: 244.

[ 673 ]

وقال أصحابه: ثم ينظر فإن كان البلد صغيرا ويمكن اجتماع الناس خرج وصلى بهم في الحال، وإن لم يمكن ذلك أخر إلى الغد وقضاه (1). الرابعة: إن شهدا يوم الثلاثين قبل الزوال أو بعده أن الهلال كان البارحة، وعدلا يوم الحادي والثلاثين أو ليلة الحادي والثلاثين، لا يقضي الصلاة، وبه قال الشافعي في الأم (2). وقال أصحابه: المسألة على قولين، لأن الاعتبار بالشهادة إذا عدلا بحال اقامتها لا بحال التعديل، فإذا عدلا يوم الحادي والثلاثين وكانت الشهادة يوم الثلاثين حكمنا بأن الفطر كان حين الشهادة، فيكون فطرهم بالأمس. دليلنا: على هذه المسائل: إجماع الفرقة على أنه إذا فاتت صلاة العيد لا تقضى. وأيضا القضاء فرض ثان، وإثباته يحتاج إلى دليل آخر، وليس في الشرع ما يدل عليه، والأصل براءة الذمة من فرض ومن نفل، وقد قدمنا من الأخبار ما يدل على إنها إذا فات وقتها لا تقضى (3). مسألة 448: إذا اجتمع عيد وجمعة في يوم واحد سقط فرض الجمعة، فمن صلى العيد كان مخيرا في حضور الجمعة وأن لا يحضرها، وبه قال ابن عباس وابن الزبير (4). وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يسقط فرض الجمعة بحال (5). دليلنا: إجماع الفرقة.

(1) المجموع 5: 27 و 28.
(2) الأم 1: 230، والمجموع 5: 28.
(3) انظر هامش المسألة " 437 " والمسألة " 441 ".
(4) المجموع 4: 492، وبداية المجتهد 1: 211، والمغني لابن قدامة 2: 212.
(5) الأم 1: 239، وبداية المجتهد 1: 211، والمجموع 4: 492، والمغني لابن قدامة 2: 212.

[ 674 ]

وأيضا روى أبو هريرة قال: اجتمع عيدان في يوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى صلاة العيد وقال: يا أيها الناس إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن يشهد الجمعة معنا فليفعل، ومن أحب أن ينصرف فلينصرف (1). وروى ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله من أحب أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن أحب أن يتخلف فليتخلف (2). وروى وهب بن كيسان (3) قال وافق يوم الجمعة يوم عيد على عهد ابن الزبير، فأخر الصلاة ثم خرج فصلى العيد، ثم خطب، فنزل، فصلى ركعتين، ودخل ولم يخرج إلى الجمعة، فعابه قوم من بني أمية، وكان ابن عباس باليمن، فلما قدم ذكر ذلك له فقال: أصاب السنة (4). وفي بعض الأخبار: ذكر ذلك لابن الزبير فقال: كان مثل هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ففعل مثل ذلك. وروى غياث بن كلوب (5) عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يقول: إذا اجتمع عيدان في يوم واحد فإنه ينبغي للإمام أن يقول للناس في خطبته الأولى أنه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أصليهما جميعا، فمن كان مكانه قاصيا فأحب أن

(1) سنن أبي داود 1: 281 حديث 1073 باختلاف في الألفاظ.
(2) سنن ابن ماجة 1: 416 حديث 1312.
(3) وهب بن كيسان القرشي، مولى آل الزبير، أبو نعيم المدني، روى عن أسماء بنت أبي بكر وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم وروى عنه هشام بن عروة وأيوب وابن الماجشون توفي سنة 127 وقيل: 129 هجرية. تهذيب التهذيب 11: 66 ومرآة الجنان 1: 269، وشذرات الذهب 1: 173.
(4) سنن النسائي 3: 194.
(5) غياث بن كلوب بن فهيس البجلي ممن لم يرو عنهم له كتاب روى عنه الصفار والخشاب. رجال النجاشي: 234، ورجال الشيخ الطوسي: 489، والفهرست: 123، وتنقيح المقال 2: 367.

[ 675 ]

ينصرف عن الآخر فقد أذنت له (1). وروى أبان بن عثمان عن سلمة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اجتمع عيدان على عهد أمير المؤمنين عليه السلام فخطب الناس فقال: هذا يوم اجتمع فيه عيدان فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل، ومن لم يفعل فإن له رخصة (2). وروي أن معاوية سأل زيد بن أرقم (3): هل شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله عيدين في يوم واحد؟ فقال: نعم وخرج النبي صلى الله عليه وآله فصلى العيد ورخص في ترك الجمعة (4). مسألة 449: وقت الخروج إلى صلاة العيد بعد طلوع الشمس. وقال الشافعي: يستحب له أن يبكر ليأخذ الموضع (5). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى سماعة قال: سألته عن الغدو إلى المصلى في الفطر والأضحى فقال: بعد طلوع الشمس (6).

(1) التهذيب 3: 137 حديث 304.
(2) الكافي 3: 461 الحديث الثامن، والتهذيب 3: 137 حديث 306.
(3) زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن الخزرج الأنصاري، أبو عمرو، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله والإمام أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام وهو من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، كانت له مع النبي صلى الله عليه وآله سبعة عشر غزوة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام وروى عنه أنس بن مالك وأبو الطفيل والنهدي وغيرهم، مات سنة 65 وقيل غير ذلك. رجال الشيخ الطوسي 20، 41، 68، 73، ومرآة الجنان 1: 141، وشذرات الذهب 1: 74، تهذيب التهذيب 3: 394، تنقيح المقال 1: 461.
(4) سنن أبي داود 1: 281 حديث 1070، وسنن النسائي 3: 194، وسنن الدارمي 1: 378، ومسند أحمد 4: 372، وفي سنن ابن ماجة 1: 415 حديث 1310 سمعت رجلا سأل زيد بن أرقم.
(5) الأم 1: 232، والأم (مختصر المزني): 30، والمجموع 5: 10.
(6) التهذيب 3: 287 حديث 859.

[ 677 ]

كتاب صلاة الكسوف مسألة 450: صلاة الكسوف فريضة. وقال جميع الفقهاء إنها سنة (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا طريقة الاحتياط، لأن من صلى الكسوف برأت ذمته بلا خلاف، ومن لم يصلها ففي براءة ذمته خلاف. وروى محمد بن حمران عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: صلاة الكسوف فريضة (2). وروى أبو أسامة زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صلاة الكسوف فريضة (3). وروى جميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صلاة الكسوف فريضة (4). وروت عائشة قالت: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله

(1) المغني لابن قدامة 2: 280، والمبسوط للسرخسي 2: 75، والمجموع 5: 43 - 44، فتح العزيز 5: 69، كفاية الأخيار 1: 96، الوجيز 1: 71، وشرح فتح القدير 1: 432، وبداية المجتهد 1: 203.
(2) التهذيب 3: 155 الحديث 331.
(3) التهذيب 3: 127 الحديث 269.
(4) الكافي 3: 464 الحديث 4، ومن لا يحضره الفقيه 1: 320 الحديث 1457، والتهذيب 3: 290 الحديث 875، والاستبصار 1: 443 الحديث 1711.

[ 678 ]

عليه وآله فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى، يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فصلوا (1). وفي حديث جابر، فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى ينجلي (2). وروى أبو مسعود البدري قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة (3). وهذان الخبران تضمنا الأمر بالصلاة، والأمر يقتضي الوجوب. مسألة 451: صلاة الكسوف تصلى إذا وجد سببها، أية ساعة كانت من ليل أو نهار، وفي الأوقات المكروهة لصلاة النافلة فيها، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة ومالك: لا تفعل في الأوقات المنهي عنها (5). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى محمد بن حمران قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: وقت صلاة الكسوف في الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس وعند غروبها (6). مسألة 452: من ترك صلاة الكسوف كان عليه قضاؤها، وإن كان قد

(1) صحيح مسلم 2: 618 - 620 الحديث 1 و 3 و 6، وسنن النسائي 3: 130 - 132، وسنن ابن ماجة 1: 401 الحديث 1263، باختلاف يسير في ألفاظها.
(2) صحيح مسلم 623 2 الحديث 10 وفيه: " فإذا رأيتم شيئا من ذلك... ".
(3) روى هذا الحديث مرسلا ابن أبي جمهور الاحسائي في عوالي اللآلي 1: 206 الحديث 36، ورواه أيضا مسلم في صحيحه 2: 628 الحديث 21، باختلاف في اللفظ.
(4) الأم 1: 243، وفتح العزيز 5: 69، وبداية المجتهد 1: 205.
(5) فتح العزيز 5: 69، وبداية المجتهد 1: 205.
(6) التهذيب 3: 155 الحديث 331.

[ 679 ]

احترق القرص كله وتركها متعمدا كان عليه الغسل وقضاء الصلاة. ولم يوافق على ذلك أحد من الفقهاء (1). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا انكسف القمر، فاستيقظ الرجل، فكسل أن يصلي، فليغتسل من غد، وليقض الصلاة. وإن لم يستيقظ ولم يعلم [ بذلك وانكسف ] (2) القمر، فليس عليه إلا القضاء بغير غسل (3). مسألة 453: صلاة الكسوف عشر ركعات وأربع سجدات، يفتتح الصلاة ويقرأ دعاء الاستفتاح ويتعوذ، ويقرأ الحمد ويقرأ بعدها سورة طويلة مثل الكهف والأنبياء وما أشبههما، ثم يركع ويسبح في ركوعه بمقدار قراءته، ثم يرفع رأسه ويقول: الله أكبر، فإن كان قد ختم السورة وأراد استيناف أخرى أعاد الحمد وقرأ بعدها سورة أخرى، ثم يركع هكذا خمس مرات، فإذا رفع رأسه في الخامسة قال سمع الله لمن حمده، ويسجد سجدتين، ثم يصلي بعدهما خمس ركعات وبعدها سجدتين على الترتيب الذي قدمناه. وقال الشافعي: يصلي على ما وصفناه أربع ركعات بأربع سجدات، كل ركوعين بعدهما سجدتان، وعين في القراءة سورة البقرة أو عدد آياتها، وفي الثانية أقل من ذلك، وفي الثالثة أقل، وفي الرابعة أقل. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق (4). وروي ذلك عن عثمان بن عفان (5)

(1) الأم 1: 244، والمغني لابن قدامة 2: 280.
(2) في التهذيب والاستبصار " بانكشاف ".
(3) التهذيب 3: 157 الحديث 337، والاستبصار 1: 453 الحديث 1758.
(4) الأم 1: 245، والمجموع 5: 45، و 62، وفتح العزيز 5: 69 و 73، والمبسوط 2: 74 وسنن الترمذي 2: 448، و 450، والمغني لابن قدامة 5: 275، وبداية المجتهد 1: 203.
(5) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس، ولد بعد عام الفيل بست سنوات ثالث من تولى =

[ 680 ]

وعبد الله بن عباس (1). وقال قوم: إنه يصلي ركعتين كصلاة الفجر، فإن صلى في كل ركعة ركوعين بطلت صلاته، ذهب إليه النخعي والثوري وأبو حنيفة (2) ورواه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي. دليلنا: إجماع الفرقة وروى حريز عن زرارة ومحمد بن مسلم قالا: سألنا أبا جعفر عليه السلام عن صلاة الكسوف كم هي ركعة؟ وكيف نصليها؟ قال: هي عشر ركعات بأربع سجدات تفتتح الصلاة بتكبيرة وتركع بتكبيرة وترفع رأسك بتكبيرة إلا في الخامسة التي تسجد فيها وتقول: سمع الله لمن حمده وتقنت في كل ركعتين قبل الركوع وتطيل القنوت والركوع على قدر القراءة، والركوع والسجود ويستحب أن يقرأ فيها بالكهف والحجر إلا أن يكون إماما يشق على من خلفه وإن استطعت أن تكون صلاتك بارزا لا يجنك بيت فافعل وصلاة كسوف الشمس أطول من صلاة كسوف القمر وهما سواء في القراءة والركوع والسجود (3). وروي عن علي عليه السلام أنه صلى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بخمس ركعات في كل ركعة (4).

= الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله سنة 23 هجرية وقتل سنة 35 هجرية ودفن في حش كوكب. انظر أسد الغابة 3: 376، والإصابة 2: 455، وشذرات الذهب 1: 40. (1) المجموع 5: 62، وفتح العزيز 5: 69.
(2) المبسوط 2: 74، والهداية 1: 88، والمجموع 5: 62، وبداية المجتهد 1: 203، والمغني لابن قدامة 2: 276.
(3) التهذيب 3: 156 الحديث 335، والكافي 3: 463 الحديث الثاني باختلاف يسير في اللفظ.
(4) سنن البيهقي 3: 329، والمحلى 5: 100، والمجموع 5: 62.

[ 681 ]

وروى مثل ذلك أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وآله (1). مسألة 454: يستحب أن تكون صلاة الكسوف تحت السماء. وقال الشافعي: يستحب أن تكون في المساجد (2). دليلنا: ما قدمناه في الرواية المتقدمة (3). مسألة 455: السنة في صلاة كسوف الشمس أن يجهر فيها بالقراءة وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق (4). وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجهر (5). دليلنا: ما روي عن علي عليه السلام أنه صلى لكسوف الشمس فجهر فيها بالقراءة (6)، وعليه إجماع الفرقة. مسألة 456: ليس بعد صلاة الكسوف خطبة، وبه قال أبو حنيفة ومالك (7). وقال الشافعي: يصعد بعدها المنبر ويخطب كما يخطب في العيدين والاستسقاء (8).

(1) سنن البيهقي 3: 329، والمحلى 5: 100.
(2) المجموع 5: 44، وفتح العزيز 5: 75.
(3) الرواية التي استدل بها المصنف في المسألة " 453 " فلاحظ.
(4) سنن الترمذي 2: 448 و 453، والمبسوط 2: 76، واللباب 1: 121، والهداية 1: 88، والمغني لابن قدامة 2: 276 والمجموع 5: 52، وبداية المجتهد 1: 204، وفتح العزيز 5: 76.
(5) المبسوط 2: 76، الهداية 1: 88، واللباب 1: 121 والأم 1: 244، والمجموع 5: 46 و 52، والوجيز 1: 71 وفتح العزيز 5: 76، وبداية المجتهد 1: 204، والمغني لابن قدامة 2: 275 والمحلى 5: 101، وسنن الترمذي 2: 448 و 452. (6) المبسوط 2: 76 والمجموع 5: 52، والمغني لابن قدامة 2: 276.
(7) اللباب 1: 121، المجموع 5: 53، والمغني لابن قدامة 2: 278، وفتح العزيز 5: 75.
(8) الأم 1: 245، والمغني لابن قدامة 2: 278، والمجموع 5: 52، وفتح العزيز 5: 75، وبداية المجتهد 1: 205، والوجيز 1: 71.

[ 682 ]

دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وشغلها بوجوب أو ندب يحتاج إلى دلالة. مسألة 457: صلاة خسوف القمر مثل صلاة كسوف الشمس سواء، وبه قال الشافعي (1) وإن خالف في كيفية أعداد الركعات. وقال مالك: لا يصلى لكسوف القمر (2). وقال أبو حنيفة: يصلى، ولكن فرادى لا جماعة (3). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى أبو مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة (4). وروى أبو بصير قال: انكسف القمر وأنا عند أبي عبد الله عليه السلام في شهر رمضان فوثب وقال: أنه كان يقال: إذا انكسف القمر والشمس فافزعوا إلى مساجدكم (5). مسألة 458: صلاة الكسوف واجبة عند الزلازل، والرياح العظيمة، والظلمة العارضة، والحمرة الشديدة وغير ذلك من الآيات التي تظهر في السماء. ولم يقل بذلك أحد من الفقهاء، وروي مثل قولنا عن ابن عباس (6). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى محمد بن مسلم وزرارة قالا: قلنا لأبي جعفر عليه السلام: هذه الرياح والظلم التي تكون هل يصلى لها؟ فقال: كل أخاويف السماء من ظلمة

(1) الأم 1: 242 و 246، والمجموع 5: 44، والمغني لابن قدامة 2: 274، وبداية المجتهد 1: 206.
(2) المغني لابن قدامة 2: 273، وفتح العزيز 5: 75.
(3) اللباب 1: 121، والهداية 1: 88، والمجموع 5: 44، وفتح العزيز 5: 75، والمغني لابن قدامة 2: 273.
(4) تقدمت الإشارة إلى مصادر الحديث المسألة " 450 " فلاحظ.
(5) التهذيب 3: 293 الحديث 887.
(6) سنن البيهقي 3: 343، وسبل السلام 2: 512.

[ 683 ]

أو ريح أو فزع فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن (1). وروى عمر بن أذينة عن رهط عن كليهما عليهما السلام ومنهم من رواه عن أحدهما أن صلاة كسوف الشمس والقمر والرجفة والزلزلة عشر ركعات وأربع سجدات (2). مسألة 459: صلاة الكسوف تصلى فرادى وجماعة، وفي السفر والحضر على كل حال، وبه قال الشافعي (3). وقال الثوري ومحمد: إن صلى الإمام صلوا معه وإلا لم يصلوا (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأيضا خبر أبي مسعود البدري إن النبي صلى الله عليه وآله أمر بهذه الصلاة يتوجه على كل أحد على جميع الأحوال (5). وروى روح بن عبد الرحيم (6) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة الكسوف تصلى جماعة؟ قال: جماعة وغير جماعة (7). وروى محمد بن يحيى الساباطي (8) عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن صلاة الكسوف تصلى جماعة أو فرادى؟ قال: أي ذلك شئت (9).

(1) الكافي 3: 464 الحديث 3، والفقيه 1: 346 و 529، والتهذيب 3: 155 الحديث 330.
(2) التهذيب 3: 155 قطعة من الحديث 333.
(3) المجموع 5: 45، وفتح العزيز 5: 74، والمغني لابن قدامة 2: 274. (4) المغني لابن قدامة 2: 274، والمجموع 5: 45.
(5) روى الخبر مسلم في صحيحه 2: 628، وابن ماجة في سننه 1: 400، والنسائي في سننه 3: 126.
(6) روح بن عبد الرحيم بن روح الكوفي من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، شريك معلى بن خنيس وثقه جمع من أرباب كتب الرجال، له كتاب. رجال النجاشي: 128، ورجال الشيخ الطوسي: 193، ورجال ابن داود: 95، والخلاصة: 73، وتنقيح المقال 1: 435.
(7) التهذيب 3: 292 الحديث 882.
(8) عده أصحاب كتب الرجال ممن روى عن الرضا عليه السلام وروى عنه صفوان. انظر جامع الرواة 2: 217، وتنقيح المقال 3: 200، ومعجم رجال الحديث 18: 38.
(9) التهذيب 3: 294 الحديث 889.

[ 685 ]

صلاة الاستسقاء مسألة 460: صلاة الاستسقاء ركعتان كصلاة العيدين على حد واحد، وبه قال الشافعي وإن خالفنا في زيادة تكبيرتين على ما مضى القول فيه، وفي موضع التكبيرات، وبه قال محمد (1). وقال الزهري، ومالك، والأوزاعي، وأبو يوسف: تصلى ركعتين كصلاة الفجر (2). والمشهور عن أبي حنيفة أنه لا صلاة للاستسقاء، ولكن السنة الدعاء (3). وروى عنه محمد بن شجاع البلخي أنه تصلى ركعتين فرادى (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روى أبو هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يوما

(1) المبسوط 2: 76، واللباب 1: 122، والأم 1: 250، ومختصر المزني 33، والمجموع 5: 73، والمغني لابن قدامة 2: 284، وسبل السلام، 2: 514، وعمدة القاري 7: 25 و 34، ومغني المحتاج 1: 323، وكفاية الأخيار 1: 97، وبداية المجتهد 1: 208.
(2) المدونة الكبرى 1: 166، والمغني لابن قدامة 2: 284، والهداية 1: 88 والمجموع 5: 103، وعمدة القاري 7: 25 و 34، واللباب 1: 122، وسبل السلام 2: 514، وفتح الرحيم 1: 105، وبداية المجتهد 1: 208.
(3) المبسوط 2: 76، والنتف 1: 105، والهداية 1: 88، والمجموع 5: 100، والمغني لابن قدامة 2: 285، وعمدة القاري 7: 25، وفتح العزيز 5: 88، وشرح فتح القدير 1: 437، وسبل السلام 2: 514 وبداية المجتهد 1: 207.
(4) اللباب 1: 122، والهداية 1: 88.

[ 686 ]

يستسقي، فصلى بنا ركعتين (1) وهذا نص ذكره محمد بن إسحاق (2) في المختصر الصغير. وابن عباس روى أنه صلى ركعتين كما صلى في العيدين (3)، وروى مثل ذلك عن أبي بكر وعمر. وروى طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى للاستسقاء ركعتين، وبدء بالصلاة قبل الخطبة، وكبر سبعا وخمسا، وجهر بالقراءة (4) مسألة 461: يستحب أن يصام قبل الاستسقاء ثلاثة أيام، ويخرج يوم الثالث والناس صيام. وقال الشافعي يصوم ثلاثة أيام ويخرج الرابع (5). دليلنا: ما رواه حماد السراج (6) قال: أرسلني محمد بن خالد (7) إلى أبي

(1) سنن ابن ماجة 1: 403 الحديث 1268، وسنن الترمذي 2: 442.
(2) لعله هو محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر، إمام النيسابور المتقدمة ترجمته في المسألة 84 من هذا الكتاب، ذكر له كتب منها كتاب التوحيد، ومختصر المختصر، والظاهر هو الذي أشار إليه المصنف وعرفه بالصغير، ويسمى بصحيح ابن خزيمة. انظر طبقات الشافعية الكبرى 2: 130، وتذكرة الحفاظ 2: 259، وشذرات الذهب 2: 262، والأعلام 6: 29.
(3) سنن أبي داود 1: 302 الحديث 1165، وسنن البيهقي 3: 344 و 347. وسنن الترمذي 2: 445 الحديث 558، وسنن النسائي 3: 163 و 165، وسنن ابن ماجه 1: 403 الحديث 1266، وسنن الدار قطني 2: 68 الحديث 11.
(4) التهذيب 3: 150 الحديث 326، والاستبصار 1: 451 الحديث 1748.
(5) الأم 1: 248 والمجموع 5: 65، والوجيز 1: 72، والمجموع 5: 65، وفتح العزيز 5: 91، ومغني المحتاج 1: 321.
(6) حماد السراج الكوفي من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، روى عنه عثمان بن عيسى، رجال الشيخ الطوسي: 175، وتنقيح المقال 1: 363، وجامع الرواة 1: 269.
(7) محمد بن خالد بن عبد الله البجلي القسري الكوفي أمير العراق، صحب الإمام الصادق عليه السلام =

[ 687 ]

عبد الله عليه السلام أقول له: إن الناس قد أكثروا علي في الاستسقاء فما رأيك في الخروج غدا؟ فقلت ذلك لأبي عبد الله عليه السلام، فقال لي: قل له: ليس الاستسقاء هكذا قل له: يخرج فيخطب الناس ويأمرهم بالصيام اليوم وغدا ويخرج بهم يوم الثالث وهم صيام. قال: فأتيت محمدا فأخبرته بمقالة أبي عبد الله عليه السلام، فخرج، وخطب الناس، وأمرهم بالصيام كما قال أبو عبد الله عليه السلام، فلما كان في اليوم الثالث أرسل إليه: ما رأيك في الخروج؟ (1). وفي غير هذا الخبر أنه أمره أن يخرج يوم الاثنتين (2). مسألة 462: الخطبة في صلاة الاستسقاء بعد الصلاة وبه قال الشافعي، وبه قال أبو بكر وعمر (3). وقال ابن الزبير: الخطبة قبل الصلاة، وبه قال الليث بن سعد (4). وقال الساجي: كتب الليث بن سعد إلى مالك ينكر عليه الخطبة بعد الصلاة. دليلنا: إجماع الفرقة، وقد قدمناه في رواية طلحة بن زيد (5)، والروايات الواردة بأن صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد تقتضي أيضا ذلك (6).

= وروى عنه، وروى عنه حفصة وحماد بن عثمان وحماد السراج. انظر رجال الشيخ الطوسي: 286، والأنساب للسمعاني ورقة 452 / ب وتنقيح المقال 3: 114، ومعجم رجال الحديث 16: 68. (1) التهذيب 3: 148 الحديث 320 باختلاف في اللفظ.
(2) المصدر السابق.
(3) الأم 1: 249، والمجموع 5: 77، والمغني لابن قدامة 2: 286، وكفاية الأخيار 1: 98، وبداية المجتهد 1: 208، وسبل السلام 2: 515.
(4) المجموع 5: 93، والمغني لابن قدامة 2: 287، بداية المجتهد 1: 208.
(5) تقدم في المسألة " 460 ".
(6) انظر ما ورد في الكافي 3: 462، والتهذيب 3: 149، الاستبصار 1: 452.

[ 688 ]

مسألة 463: تحويل الرداء يستحب للإمام، سواء كان مقورا (1) أو مربعا، وبه قال مالك، وأحمد (2). وقال الشافعي: إن كان مقورا حوله، وإن كان مربعا فيه قولان: أحدهما يحوله، والآخر يقلبه. ويفعل مثل ذلك المأموم (3). وقال محمد: يقلبه وحده دون المأموم (4)، وقال أبو حنيفة: لا أعرف تحويل الرداء (5). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى عبد الله بن بكير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في الاستسقاء قال: يصلي ركعتين ويقلب الرداء الذي على يمينه فيجعله على يساره، والذي على يساره على يمينه، ويدعو الله فيستسقي (6). وروى عبد الله بن زيد الأنصاري (7) إن النبي صلى الله عليه وآله خرج يستسقي، فصلى ركعتين، وجهر بالقراءة، وحول رداءة، ورفع يده رفعا، واستسقى، واستقبل القبلة (8).

(1) قوره واقتوره واقتاره، كله بمعنى قطعه مدورا. قاله الجوهري في الصحاح 2: 799 (مادة قور).
(2) المدونة الكبرى 1: 166 والمجموع 5: 103، والمغني لابن قدامة 2: 289، وفتح الرحيم 1: 105.
(3) الأم 1: 251، والمجموع 5: 78 و 85 و 86، ومغني المحتاج 1: 325.
(4) النتف 1: 105، والهداية 1: 89، والمجموع 5: 103، والمغني لابن قدامة 2: 289، وبداية المجتهد 1: 209.
(5) الهداية 1: 89، والمجموع 5: 103، والمغني لابن قدامة 2: 289 وفتح العزيز 5: 102.
(6) التهذيب 3: 148 الحديث 321.
(7) أبو محمد، عبد الله زيد بن عاصم بن كعب بن مازن الأنصاري المعروف بابن أم عمارة، شارك وحشي بن حرب في قتل مسيلمة الذي قتل أخاه حبيب بن زيد، مات يوم الحرة سنة 63 ه‍. روى عنه عباد بن تميم ويحيى بن عمارة وواسع بن حبان وغيرهم. انظر الإصابة 2: 305، وأسد الغابة 3: 167 وتهذيب التهذيب 5: 223، شذرات الذهب 1: 71.
(8) سنن الترمذي 2: 442 الحديث 556، وصحيح مسلم 2: 611 باختلاف.

[ 689 ]

مسألة 464: من نذر أن يصلي صلاة الاستسقاء في المسجد أو يخطب على المنبر انعقد نذره ووجب عليه الوفاء به بلا خلاف، ومتى صلى في غير المسجد أو خطب على غير المنبر لم تبرأ ذمته. وقال الشافعي: ينعقد نذره، غير أنه قال: إن صلى في غير المسجد أو خطب على غير المنبر أجزأه (1). دليلنا: إنه قد ثبت أن ذمته اشتغلت، وقد أجمعنا أنه إذا صلى حيث ذكر وخطب حيث سمى برئت ذمته، وإذا خالف فلا دليل على براءة ذمته. مسألة 465: تارك الصلاة متعمدا من غير عذر مع علمه بوجوبها حتى يخرج وقتها لغير عذر يعزر ويؤمر بالصلاة، فإن استمر على ذلك وترك صلاة أخرى فعل به مثل ذلك، وإن ترك ثالثة وجب عليه القتل. وقال الشافعي: إن ترك مرة واحدة لا يقتل (2)، ولم يذكر التعزير، وإن ترك ثانية قال أبو إسحاق (3): إذا ضاق وقت الثانية وجب عليه القتل (4). وقال الاصطخري: لا يجب عليه القتل حتى يضيق وقت الرابعة، وبه قال مالك، وهو قول بعض الصحابة (5). وقال قوم إنه لا يجب قتله بتركها، ذهب إليه الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وتابعهم المزني على هذا (6)، لكن أهل العراق منهم من قال: يضرب حتى يفعلها، ومنهم من قال: يحبس حتى يفعلها (7).

(1) الأم 1: 249، والمجموع 5: 95.
(2) الأم 1: 255، ومختصر المزني: 34، والوجيز 1: 79.
(3) هو: إبراهيم بن أحمد المروزي المتقدمة ترجمته.
(4) المجموع 3: 13، وفتح العزيز 5: 297.
(5) المجموع 3: 13، وفتح العزيز 5: 298.
(6) المجموع 3: 16، وفتح العزيز 5: 290، وبداية المجتهد 1: 87. والمغني لابن قدامة 2: 297.
(7) الأم 1: 255.

[ 690 ]

وقال أحمد وإسحاق: يكفر بترك فعلها كما يكفر بترك اعتقادها، وروى هذا عن علي عليه السلام وعن عمر (1). دليلنا: إجماع الفرقة على ما رووه من أنه ما بين الاسلام وبين الكفر إلا ترك الصلاة (2)، وإذا كان الكافر يجب قتله وجب مثله في تارك الصلاة. وروي عنهم أنهم قالوا: أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة: ولا خلاف أن هذا صاحب كبيرة. وروى ذلك يونس عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: أصحاب الكبائر كلها إذا أقيم عليهم الحد قتلوا في الثالثة (3). ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - إلى قوله - فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم " (4) فموضع الدلالة أن الله تعالى أمر بقتل المشركين حتى يفعل شيئين: توبة هي الإيمان، وفعل الصلاة. فالظاهر أن القتل باق عليه حتى يفعلهما، فمن قال: إذا فعل أحدهما سقط القتل فقد ترك الظاهر.

(1) المجموع 3: 16، وفتح العزيز 5: 287، وبداية المجتهد 1: 87. والمغني لابن قدامة 2: 297.
(2) روى بهذا المعنى البرقي في المحاسن 1: 80، والشيخ الصدوق في عقاب الأعمال: 274 الحديث 1 - 2.
(3) الكافي 7: 191 الحديث 2، والفقيه 4: 51 الحديث 182، والتهذيب 10: 95 الحديث 369، والاستبصار 4: 212، الحديث 791.
(4) التوبة: 5.

[ 691 ]

كتاب الجنائز مسألة 466: إذا حضر الانسان الوفاة، يستحب أن يستقبل به القبلة، فيجعل وجهه إلى القبلة وباطن رجليه إليها، وكذلك يفعل به حال الغسل. وقال الشافعي: إن كان الموضع واسعا أضجع على جنبه الأيمن وجعل وجهه إلى القبلة كما يجعل عند الصلاة وعند الدفن، وإن كان الموضع ضيقا فعل به كما قلناه (1). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم عليه، فإنهم لا يختلفون فيه. مسألة 467: يكره أن يوضع على بطن الميت حديدة، مثل السيف، أو صفيحة وما أشبه ذلك. وقال الشافعي: ذلك مستحب (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 468: إذا ترك الميت على المغتسل يستحب للغاسل أن يلين أصابع الميت، وبه قال المزني (3). وقال أصحابه غلط المزني في هذا، وقالوا: ينبغي أن يكون تليين الأصابع

(1) المجموع 5: 116، فتح العزيز بهامش المجموع 5: 106، مغني المحتاج 1: 330.
(2) الأم 1: 274، ومختصر المزني 1: 35، والمجموع 5: 123، ومغني المحتاج 1: 331.
(3) مختصر المزني 1: 35، المجموع 5: 176.

[ 692 ]

حالة موته فقط (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 469: يستحب أن يغسل الميت عريانا، مستور العورة، إما بأن يترك قميصه على عورته أن ينزع القميص ويترك على عورته خرقة. وقال الشافعي: يغسل في قميصه (2)، وقال أبو حنيفة: ينزع قميصه ويترك على عورته خرقة (3). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم على أنه مخير بين الأمرين. مسألة 470: يكره أن يسخن الماء لغسل الميت إلا في حال برد لا يتمكن الغاسل من استعمال الماء البارد، أو يكون على بدن الميت نجاسة لا يقلعها إلا الماء الحار، فأما مع عدم ذلك فلا يسخن الماء، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إسخانه أولى (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (6). مسألة 471: يستحب للغاسل أن يلف على يده خرقة ينجيه بها، وباقي جسده يغسله بلا خرقة. وقال الشافعي: يستعمل خرقتين في الغسلتين في سائر جسده (7).

(1) المجموع 5: 176.
(2) الأم 1: 265، مختصر المزني 1: 35، والمجموع 5: 155 و 161 و 167 والوجيز 1: 73 وفتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع 5: 116، ومغني المحتاج 1: 332، وبدائع الصنائع 1: 300.
(3) بدائع الصنائع 1: 300، والمجموع 5: 161 و 167، وفتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع 5: 116، والأصل 1: 417، واللباب 1: 128.
(4) الأم 1: 280، مختصر المزني 1: 35، المجموع 5: 155 و 161، وفتح العزيز بهامش المجموع 5: 118 وعمدة القاري 8: 36.
(5) بدائع الصنائع 1: 301، المجموع 5: 618، عمدة القاري 8: 36، فتح العزيز بهامش المجموع 5: 118.
(6) من لا يحضره الفقيه 1: 86 الحديث 397 - 398، والتهذيب 1: 322 الحديث 938.
(7) الأم 1: 280، والمجموع 5: 171، ومغني المحتاج 1: 333، وفتح العزيز 5: 118 - 119.

[ 693 ]

وقال أبو إسحاق: يغسل بأحديهما فرجه، وبالأخرى جميع بدنه (1). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم به. مسألة 472: غسل الميت كغسل الجنب ليس فيه وضوء، وفي أصحابنا من قال: يستحب فيه الوضوء قبله (2) غير أنه لا خلاف بينهم أنه لا تجوز المضمضة والاستنشاق فيه. وقال الشافعي: يستحب أن يوضأ ويمضمض وينشق (3). وقال أبو حنيفة: يوضأ ولا يمضمض ولا ينشق (4). دليلنا: عمل الفرقة على ما قلناه، ومن قال من أصحابنا بالوضوء فيه، عول على أخبار مروية في هذا اللباب، ذكرناها في الكتابين (5). مسألة 473: لا يجلس الميت في حال غسله، وهو مكروه. وقال جميع الفقهاء يستحب ذلك (6). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم. مسألة 474: يبدأ الغاسل بغسل رأسه، ثم بجانبه الأيمن، ثم الأيسر. ووافق جميع الفقهاء في البداية بغسل الرأس، وإن خالفوا في الترتيب (7).

(1) المجموع 5: 171 - 172.
(2) ذهب إليه الشيخ المفيد في المقنعة: 11.
(3) الأم 1: 265، والمجموع 5: 172، وفتح العزيز 5: 119، والأم (مختصر المزني): 35 وبداية المجتهد 1: 222، وعمدة القاري 8: 36، والمغني لابن قدامة 2: 319.
(4) الأصل 1: 417، والمبسوط 2: 59، واللباب 1: 128، وبدائع الصنائع 1: 300 - 301 وشرح فتح القدير 1: 449، وفتح العزيز 5: 119، والمجموع 5: 172، والمغني لابن قدامة 2: 319.
(5) التهذيب 1: 302 الأحاديث 878 - 883.
(6) الأم 1: 281، والأم (مختصر المزني): 35، والأصل 1: 419، والمغني لابن قدامة 2: 318، والاقناع 1: 215، والمجموع 5: 171، والروض المربع 1: 97، واللباب 1: 129، وشرح فتح القدير 1: 45.
(7) الأم 1: 265، والمبسوط 2: 59، والمجموع 5: 172، ومغني المحتاج 1: 333 واللباب 1: 129، وشرح فتح القدير 2: 73.

[ 694 ]

وقال النخعي: يبدأ بغسل لحيته (1). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم، فإنهم لا يختلفون فيه. مسألة 475: لا يجوز تسريح لحيته، كثيفة كانت أو خفيفة، وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: إن كانت كثيفة يستحب تسريحها (3). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 476: يغسل الميت ثلاث غسلات: الأولى بماء السدر، والثانية بماء جلال الكافور، والثالثة بالماء القراح، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو إسحاق: الأولى يعتد بها، والأخيرتان سنة (5). وقال باقي أصحابه: الأخيرة هي المعتد بها لأنها بالماء القراح، والأولى والثانية بالماء المضاف فلا يعتد بهما (6). وقال أبو حنيفة ماء الكافور لا أعرفه (7). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا روت أم عطية (8) إن النبي صلى الله عليه وآله قال في ابنته: ثم

(1) المجموع 5: 172.
(2) الأصل 1: 418، والمبسوط 2: 59، واللباب 1: 129، وشرح فتح القدير 2: 75، والمجموع 5: 188.
(3) الأم 1: 265، والوجيز 1: 73، والمجموع 5: 172، وكفاية الأخيار 1: 102.
(4) الأم 1: 265 و 281، والمجموع 5: 172 و 174، وعمدة القارئ 8: 36، ومغني المحتاج 1: 334.
(5) المجموع 5: 169 و 172 - 174.
(6) المجموع 5: 169 و 173 - 174.
(7) فتح العزيز 5: 123، وعمدة القارئ 8: 40.
(8) أم عطية، نسيبة الأنصارية - بضم النون وفتح السين وسكون الياء وفتح الباء - مشهورة ومعروفة، صحابية روت عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنها أنس ومحمد بن سيرين وحفصة أخت محمد بن سيرين. انظر الإصابة 4: 455، والاستيعاب 4: 451، وتهذيب التهذيب 12: 455، وسير أعلام النبلاء 2: 318.

[ 695 ]

اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من الكافور (1). مسألة 477: لا يزاد في غسله على ثلاث غسلات على ما بيناه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي إلا أنهما قالا: الفرض واحدة، والثنتان سنة (2) ولا يفصل أصحابنا ذلك. وقال الشافعي: إن لم ينق بالثلاث فخمسا (3)، وقال مالك ليس لذلك حد، يغسل حتى ينقى (4). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم، والخبر الذي قدمناه (5) عن أم عطية الأنصارية تبطل قول مالك، ويمكن أن يستدل به على أن الثلاث واجب لأنه تضمن الأمر بها، وهو يقتضي الايجاب. مسألة 478: لا يجوز تقليم أظافير الميت، ولا تنظيفها من الوسخ بالخلال. وللشافعي في تقليمها قولان: أحدهما، إنه مباح (6)، والآخر إنه مكروه. وإذا قال مكروه استحب تخليل الأظافير بأخلة تنظف ما تحتها (7). دليلنا: الإجماع المتردد، ولأن الأصل براءة الذمة، وإثبات ما قالوه مستحبا يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 479: يستحب أن يمر يده على بطنه قبل الغسلتين الأولتين، ويكره

(1) صحيح البخاري 2: 93، وصحيح مسلم 2: 646 الحديث 36 و 38، وسنن ابن ماجة 1: 468 الحديث 1458، وسنن النسائي 4: 28.
(2) الأم 1: 264، والمجموع 5: 169 و 174، وبداية المجتهد 1: 223.
(3) الأم 1: 264، والمجموع 5: 169، والوجيز 1: 73.
(4) الأم 1: 264، والمجموع 5: 188، وفتح العزيز 5: 123، وبداية المجتهد 1: 223. (5) تقدم الحديث في المسألة رقم " 476 ".
(6) الأم 1: 265، والمجموع 5: 178، ومغني المحتاج 1: 336.
(7) الأم 1: 265، ومختصر المزني: 36، والمجموع 5: 178، ومغني المحتاج 1: 336.

[ 696 ]

ذلك في الثالثة، وإن خرج منه شئ بعد الثالثة غسل الموضع ولا يجب إعادة الغسل. وقال الشافعي: يستحب ذلك في الثلاث غسلات، ويجلس فإن خرج منه شئ بعد ذلك فيه ثلاثة أقوال: أحدها: قاله المزني يعيد غسل الموضع فقط، ولا يجب وضوء ولا إعادة غسل، وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة (1). وقال أبو علي بن أبي هريرة: الواجب أن يوضئه وضوء الصلاة، ولا يجب إعادة الغسل (2). والثالث: منهم من قال: يجب إعادة غسله (3). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن إعادة غسله أو وضوئه يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 480: لا يستحب تليين أصابعه بعد الغسل. وقال الشافعي: يستحب ذلك (4). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم. مسألة 481: حلق شعر العانة، والإبط، وحف الشارب، وتقليم الأظفار للميت مكروه، وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني (5)، وهو أحد قولي

(1) الأم 1: 281، ومختصر المزني: 36، والمجموع 5: 175 - 177 وبداية المجتهد 1: 223، وفتح القدير 1: 450، والوجيز 1: 73.
(2) المجموع 5: 176 - 177.
(3) المجموع 5: 171 و 176، وبداية المجتهد 1: 223.
(4) الأم 1: 280 - 281، والمجموع 5: 176.
(5) مختصر المزني: 36، والمجموع 5: 178 - 180، والمبسوط للسرخسي 2: 59، والمغني لابن قدامة 2: 324 - 325، وشرح فتح القدير 1: 451 وبداية المجتهد 1: 223.

[ 697 ]

الشافعي قاله في القديم (1)، وقال في الاملاء: إنه مباح (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (3) لا يختلفون في ذلك. وأيضا تركه ليس بمكروه بلا خلاف، وإنما الخلاف في أنه مباح، وفعله وكراهته خلاف، فالأحوط تركه. مسألة 482: حلق رأس الميت مكروه وبدعة، وبه قال جميع الفقهاء (4) إلا الشافعي، فإن له فيه قولين: أحدهما وهو الأشهر مثل ما قلناه (5)، والآخر إنه يجوز (6). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط التي قدمناها. مسألة 483: إذا مات محرم فعل به جميع ما يفعل بالحلال، إلا أنه لا يقرب شيئا من الكافور، ويغطى رأسه وغير ذلك، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه وهو المروي عن ابن عباس إلا أنهم لم يستثنوا الكافور (7). وقال الشافعي: يجنب بعد وفاته ما كان يجتنبه في حال حياته، ولا يقرب طيبا ولا يلبس المخيط، ولا يخمر رأسه، ولا يشد عليه كفنه، وبه قال في الصحابة عثمان، وحكوه عن علي عليه السلام وابن عباس (8).

(1) الأم 1: 265، والمجموع 5: 179.
(2) المجموع 5: 178 - 179، والوجيز 1: 74.
(3) انظر الكافي 3: 155 (باب كراهية أن يقص من الميت ظفر أو شعر) والتهذيب 1: 323 الحديث 940 - 943.
(4) المجموع 5: 179 - 182، وفتح القدير 1: 451.
(5) مختصر المزني: 36، والمجموع 5: 182، والوجيز 1: 74.
(6) مختصر المزني: 36، المجموع 5: 182، والوجيز 1: 74.
(7) المجموع 5: 210، والمغني لابن قدامة 2: 327 وعمدة القارئ 8: 51.
(8) الأم 1: 269، والمجموع 5: 210، وعمدة القارئ 8: 51، وبداية المجتهد 1: 225، والمغني لابن قدامة 2: 327.

[ 698 ]

دليلنا: إجماع الفرقة. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " خمروا وجوه موتاكم ولا تشبهوا باليهود " (1). مسألة 484: يكره أن يكون عند غسل الميت مجمرة يبخر فيها. واستحب ذلك الفقهاء كلهم (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا كون ذلك مستحبا يحتاج إلى دليل. مسألة 485: إذا ماتت امرأة بين رجال لا نساء معهم ولا زوجها ولا أحد من ذوي أرحامها دفنت بغير غسل ولا تيمم، وبه قال الأوزاعي (3). وقد روي أنه يغسل منها ما يحل النظر إليه في حال الحياة من الوجه واليدين. وقال مالك وأبو حنيفة: تيمم ولا تغسل، وتدفن، وبه قال أصحاب الشافعي (4). وقال النخعي: تغسل في ثيابها، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (5). دليلنا: الأخبار المروية عن الأئمة عليهم السلام في هذا المعنى (6) وإجماعهم عليها، وقد بينا القول في الرواية الشاذة في الكتابين المقدم ذكرهما (7). مسألة 486: يجوز عندنا أن يغسل الرجل امرأته، والمرأة زوجها.

(1) سنن البيهقي 3: 394.
(2) الأصل 1: 419، والأم 1: 265، المبسوط للسرخسي 2: 59 - 60، المجموع 5: 155، مختصر المزني: 36، المغني لابن قدامة 2: 318، واللباب 1: 129، وشرح فتح القدير 1: 449.
(3) المجموع 5: 152.
(4) موطأ مالك 1: 223 والمجموع 5: 141 - 151، الوجيز 1: 73، وبداية المجتهد 1: 220.
(5) المجموع 5: 141 و 151 - 152، والوجيز 1: 73.
(6) التهذيب 1: 440 ذيل الحديث 1423، والاستبصار 1: 200 ذيل الحديث 706.
(7) التهذيب 1: 443 الحديث 1434، والاستبصار 1: 203 الحديث 719.

[ 699 ]

أما غسل المرأة زوجها فيه إجماع إذا لم يكن رجال قرابات أو نساء قرابات. وعند وجود واحد منهم للشافعي فيه وجهان: أحدهما الزوجة أولى (1)، والثاني رجال القرابات أولى (2) قالوا: والمذهب الأول. وأما غسل الرجل زوجته، فإنه يجوز عندنا، وبه قال الشافعي (3) وبه قال حماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وزفر (4). وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس له ذلك (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل. وأيضا روت عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال وارأساه فقلت: أنا بل وارأساه فقال: ما عليك لو مت قبلي لغسلتك وحنطتك وكفنتك (6). وروت أسماء بنت عميس إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أوصتها أن تغسلها إذا ماتت هي وعلي (عليه السلام) فغسلتها هي وعلي (7).

(1) المجموع 5: 129 - 130، وفتح العزيز 5: 128 - 129، ومغني المحتاج 1: 335.
(2) المجموع 5: 129 - 130، وفتح العزيز 5: 128، ومغني المحتاج 1: 335.
(3) مختصر المزني: 36، والمجموع 5: 132 و 149، والوجيز 1: 73، وفتح العزيز 5: 124، ومغني المحتاج 1: 335، وشرح فتح القدير 1: 452، والمبسوط 2: 71.
(4) المحلى 5: 174، والمجموع 5: 149 - 150، والمغني لابن قدامة 2: 311.
(5) المبسوط 2: 71، والمغني لابن قدامة 2: 311، والمجموع 5: 150، والمحلى 5: 174، وفتح العزيز 5: 124، وشرح فتح القدير 1: 452، وبداية المجتهد 1: 220 - 221.
(6) ورد الحديث في سنن ابن ماجة 1: 470 الحديث 1465، وسنن البيهقي 3: 396 وسنن الدارمي 1: 38، ومسند أحمد بن حنبل 6: 228 باختلاف نصه: "... وأنا أقول وارأساه، قال: بل أنا يا عائشة وارأساه ثم قال:... " والله أعلم بالصواب.
(7) سنن الدار قطني 2: 79 الحديث 12، وسنن البيهقي 3: 396، وحلية الأولياء 2: 43، والمناقب لابن شهر آشوب 3: 364 باختلاف يسير.

[ 700 ]

مسألة 487: لا يجوز للمسلم أن يغسل المشرك، قريبا كان أو بعيدا منه، مع وجود المشرك أو مع عدمه على كل حال، وكذلك إن كان زوجا أو زوجة لا يغسل أحدهما صاحبه، وبه قال مالك، وقال: إن خاف ضياعه واراه (1). وقال الشافعي: إذا كان له قرابة مسلمون وقرابة مشركون وتشاحوا في غسله، كان المشركون أولى. وإن لم يكن له قرابة مشركون أو لم يتشاحوا جاز للمسلم أن يغسله (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " إنما المشركون نجس " (3) فحكم عليهم بالنجاسة في حال الحياء والموت يزيدهم نجاسة، فغسلهم لا فائدة فيه، لأنه لا يطهر به. مسألة 488: الميت نجس. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، وبه قال الأوزاعي وأبو العباس من أصحابه، وهو مذهب أبي حنيفة (4). والثاني: إنه طاهر، وبه قال أبو إسحاق وأبو بكر الصيرفي من أصحابه (5). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 489: يجب الغسل على من غسل ميتا، وبه قال الشافعي في

(1) المجموع 5: 153، والمغني لابن قدامة 2: 397، وبداية المجتهد 1: 219، وعمدة القاري 8: 55.
(2) المجموع 5: 142 - 144، والمغني لابن قدامة 2: 397، وبداية المجتهد 1: 219.
(3) التوبة: 28.
(4) المجموع 5: 187، وعمدة القاري 3: 239 و 8: 37، وشرح فتح القدير 1: 447 - 448، ومغني المحتاج 1: 78.
(5) الأم 1: 266، والمجموع 5: 185 - 187، وعمدة القاري 3: 239 و 8: 37، وبداية المجتهد 1: 221، ومغني المحتاج 1: 78، وفتح الباري 3: 98 والمحلى 2: 24.

[ 701 ]

البويطي، وهو قول علي عليه السلام وأبي هريرة (1). وذهب ابن عمر وابن عباس وعائشة والفقهاء أجمع، مالك، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي قاله في عامة كتبه إن ذلك مستحب (2). دليلنا: إجماع الفرقة، ومن شذ منهم لا يعتد بقوله (3)، ولأنه إذا اغتسل أدى الصلاة بيقين، وإذا لم يغتسل لا يؤديها بيقين، فالاحتياط يقتضي فعله. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ " (4). مسألة 490: من مس ميتا بعد برده بالموت، وقبل تطهيره بالغسل، وجب عليه الغسل. وكذلك إن مس قطعة من ميت، أو قطعة قطعت من حي وكان فيها عظم، وجب عليه الغسل. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى من إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط (5). مسألة 491: الكفن المفروض ثلاثة أثواب مع الامكان، أزار، وقميص، ومئزر. والمسنون خمسة: إزاران أحدهما حبرة، وقميص، ومئزر، وخرقة، ويضاف إلى ذلك العمامة. وتزاد المرأة إزارين آخرين، وصفتها أن تكون من قطن

(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 103 و 129، والمحلى 2: 23، المجموع 2: 203 - 204، و 5: 185، وكفاية الأخيار 1: 27، وفتح العزيز 2: 130.
(2) الأم 1: 38، والمحلى 2: 24، المجموع 2: 202 - 203 و 5: 185 - 186، كفاية الأخيار 1: 27، وفتح العزيز 2: 131، وسنن الترمذي 3: 319، وبداية المجتهد 1: 229.
(3) جمل العلم والعمل: 54، ويظهر من المراسم: 40 تردد سلار في ذلك.
(4) سنن ابن ماجة 1: 470 الحديث 1463، وسنن أبي داود 3: 201 الحديث 3161، ومسند أحمد بن حنبل 2: 454 و 280، و 433، و 472، و 4: 246.
(5) انظر المسألة (489) المتقدمة.

[ 702 ]

محض أبيض، لا من كتان، ولا ابريسم، ولا أسود. وقال الشافعي في الأم: الواجب ما يواري عورته، وبه قال باقي الفقهاء (1). قال الشافعي: والمستحب ثلاثة أثواب بلا زيادة ولا نقصان، وبه قال باقي الفقهاء (2). قال الشافعي: والمباح خمسة أثواب، والمكروه ما زاد على خمسة (3). وأما صفتها ثلاثة أزر، يدرج فيها إدراجا، ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال أبو حنيفة: قميص، وأزار، ولفافة (4). وقال الشافعي: إن قمص تحت الثياب أو عمم لم يضر هذا لكنه ترك السنة (5). وأما الألوان، فالمستحب البياض بلا خلاف (6). دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن الذي اعتبرناه من العدد، واللون، والصفة لا خلاف أنه يجوز، وإن اختلفوا في كونه أفضل، فالاحتياط فعل ذلك، لأن ما عداه فيه خلاف. مسألة 492: غسل الميت يحتاج إلى نية. ومن أوجب النية في الغسل من الجنابة من الشافعي وأصحابه ومن وافقهم لهم في هذه المسألة قولان: أحدهما مثل ما قلناه (7)، والآخر لا يحتاج

(1) الأم 1: 266، والمحلى 5: 117 - 118 و 120، وكفاية الأخيار 1: 101، والمجموع 5: 191 - 192، وفتح العزيز 5: 133، والوجيز 1: 74، ومغني المحتاج 1: 337.
(2) الأم 1: 281، والمجموع 5: 193، والمحلى 5: 120، وكفاية الأخيار 1: 102.
(3) الأم 1: 266، والمجموع 5: 193، وفتح العزيز 5: 134، والوجيز 1: 74.
(4) اللباب 1: 130، وشرح فتح القدير 1: 453، وفتح العزيز 5: 135.
(5) الأم 1: 266، والمجموع 5: 194.
(6) المجموع 5: 195، وفتح العزيز 5: 131، والوجيز 1: 74، ومغني المحتاج 1: 338 وكفاية الأخيار 1: 102.
(7) المجموع 5: 156، وفتح العزيز 5: 114، والوجيز 1: 72، وكفاية الأخيار 1: 101.

[ 703 ]

إلى نية (1). دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، لأنه لا خلاف أنه إذا نوى أن الغسل مجز، وإذا لم ينو فيه خلاف. وأيضا قوله عليه السلام: " الأعمال بالنيات " (2) يدل على ذلك أيضا على ما بيناه في كتاب الطهارة (3). مسألة 493: يكره أن تجمر الأكفان بالعود. وقال الشافعي: إن ذلك مستحب (4). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم به. مسألة 494: يستحب أن يدخل في سفل الميت شئ من القطن لئلا يخرج منه شئ، وبه قال المزني (5). وقال أصحاب الشافعي: ذلك غلط، وإنما يجعل بين أليتيه (6). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم به. مسألة 495: يوضع الكافور على مساجد الميت بلا قطن، ولا يترك على أنفه، ولا أذنيه، ولا عينيه، ولا في فيه شئ من ذلك. وقال الشافعي: يوضع على هذه المواضع كلها شئ من القطن مع الحنوط والكافور (7).

(1) المجموع 5: 156، وفتح العزيز 5: 114، الوجيز 1: 72، وكفاية الأخيار 1: 101.
(2) صحيح البخاري 1: 3، ومسند أحمد بن حنبل 1: 25، وسنن البيهقي 7: 341، وسنن ابن ماجة 2: 1413 الحديث 4227.
(3) تقدم في المسألة 18 من كتاب الطهارة.
(4) الأم 1: 266، ومختصر المزني 1: 36، والمجموع 5: 196 - 197، الوجيز 1: 74، وفتح العزيز 5: 138 ومغني المحتاج 1: 339.
(5) مختصر المزني 1: 36، والمجموع 5: 200.
(6) المجموع 5: 200، ومغني المحتاج 1: 339، والوجيز 1: 74، وفتح العزيز 5: 138.
(7) الأم 1: 282، ومختصر المزني 1: 36، والمجموع 5: 198، وفتح العزيز 5: 138 - 139، ومغني =

[ 704 ]

دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم. مسألة 496: ما يفضل من الكافور عن مساجده يترك على صدره. وقال الشافعي: يستحب أن يسمح على جميع بدنه (1). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم. مسألة 497: يكره أن يكون مع الكافور شئ من المسك والعنبر، وبه قال مجاهد، وعطاء والشافعي في الأم. وقال أصحاب الشافعي: ذلك مستحب، ورووا ذلك عن علي عليه السلام، وابن عمر (2)، وبه قال جميع الفقهاء (3). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم. مسألة 498: المسنون السنة الكاملة من الكافور ثلاثة عشر درهما وثلث، والوسط أربعة دراهم، وأقله وزن مثقال. ولم أجد لأحد من الفقهاء تحديدا في ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4). مسألة 499: يستحب أن يوضع مع الميت جريدتان خضراوان من النخل أو غيرها من الأشجار. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه اجتاز بقبرين فقال: " إنهما

= المحتاج 1: 339. (1) الأم 1: 282، والمجموع 5: 202، ومغني المحتاج 1: 339.
(2) سنن البيهقي 3: 405 - 406. (3) المجموع 5: 202.
(4) انظر الكافي 3: 151 الحديث 4 و 5، والتهذيب 1: 290 الحديث 845 - 848.

[ 705 ]

ليعذبان، وما يعذبان بكبيرة، لأن أحدهما كان نماما، والآخر ما كان يستبرء من البول، ثم استدعى بجريد، فشقها بنصفين، وغرس في كل قبر واحدا وقال: إنهما لتدفعان عنه العذاب ما دامتا رطبتين " (1). مسألة 500: ينبغي أن يبدء بشق الثوب الأيسر على جانب الميت الأيمن، ثم يقلب بجانب الأيمن ويطرح على جانب الميت الأيسر، وبه قال أصحاب الشافعي (2). وقال المزني بالعكس من ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم. مسألة 501: إذا مات الميت في مركب، فعل به ما يفعل به إذا كان في البر من الغسل والتكفين، ثم يجعل في خابية إن وجدت، فإن لم توجد يثقل بشئ ثم يطرح في البحر، وبالتثقيل قال عطاء وأحمد بن حنبل (3). وقال الشافعي: يجعل بين لوحين ويطرح في البحر (4)، قال المزني: هذا إذا كان بالقرب من المسلمين فإنه ربما وقع عليهم فأخذوه ودفنوه، وأما إذا كان في بلاد الشرك ثقل كما قلناه (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (6). مسألة 502: يستحب أن يحفر القبر قدر قامة، وأقله إلى الترقوة. وقال الشافعي: قدر قامة، وبسطه ثلاثة أذرع ونصف (7).

(1) صحيح البخاري 2: 119 و 124، وسنن النسائي 4: 106 باختلاف في ألفاظه.
(2) الأم 1: 366، والمجموع 5: 203 - 204.
(3) المغني لابن قدامة 2: 377.
(4) الأم 1: 266 والمجموع 5: 285 - 286، والمغني لابن قدامة 2: 377، وفتح العزيز 5: 251.
(5) المجموع 5: 286.
(6) الكافي 3: 213، والفقيه 1: 96، والتهذيب 1: 339، والاستبصار 1: 215.
(7) المجموع 5: 287 - 288، وكفاية الأخيار 1: 104، ومغني المحتاج 1: 352، وفتح العزيز 5: 201، وفي =

[ 706 ]

وقال مالك: لا حد فيه، بل يحفر حتى يغيب عن الناس (1). وقال عمر بن عبد العزيز، يحفر إلى السرة (2). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم. مسألة 503: اللحد أفضل من الشق إذا كانت الأرض صلبة، وقدر اللحد ما يقعد فيه الرجل، وبه قال الشافعي (3)، وليس فيه خلاف إلا أنه حده بمقدار ما يوضع فيه الرجل. دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم. مسألة 504: الكتابة بالشهادتين، والاقرار بالنبي والأئمة عليهم السلام، ووضع التربة في حال الدفن والجريدة انفراد محض لا يوافقنا عليه أحد من الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم عليه. مسألة 505: تسطيح القبر هو السنة، وتسنيمه غير مسنون، وبه قال الشافعي وأصحابه، وقالوا هو المذهب (4) إلا ابن أبي هريرة فإنه قال: التسنيم أحب إلي، وكذلك ترك الجهر " ببسم الله الرحمن الرحيم " لأنه صار شعار أهل البدع (5). وقال أبو حنيفة والثوري: التسنيم هو السنة (6).

= المغني لابن قدامة 2: 375 والوجيز 1: 77 قدر قامة فقط. (1) قال النووي في المجموع 5: 288، واستحب مالك أنه لا يعمق جدا ولا يقرب من أعلاه. (2) المجموع 5: 288، وحكى ابن قدامة في المغني 2: 375 أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه أمرهم أن يحفروا قبره إلى السرة ولا يعمقوا.
(3) المجموع 5: 287، وكفاية الأخيار 1: 104، ومغني المحتاج 1: 352، وفتح العزيز 5: 202.
(4) الأم 1: 273، ومختصر المزني: 37، والمجموع 5: 297، والمغني لابن قدامة 2: 380 - 381، وكفاية الأخيار 1: 104.
(5) المجموع 5: 297.
(6) الهداية 1: 94، والمبسوط 2: 62، واللباب: 135 وشرح فتح القدير 1: 472، والمجموع 5: 297، =

[ 707 ]

دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم. ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سطح قبر إبراهيم ولده (1). وروى أبو الهياج الأسدي (2) قال: قال لي علي عليه السلام: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله لا ترى قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته (3). مسألة 506: غسل المرأة كغسل الرجل إجماعا، ولا يسرح شعرها، وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: يسرح شعرها ثلاث قرون (5) ويلقى ورائها (6). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 507: يكره أن يجلس على قبر، أو يتكئ عليه، أو يمشى عليه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي (7).

= والمغني لابن قدامة 2: 380. (1) الأم 1: 273، ومختصر المزني: 37.
(2) أبو الهياج، حيان بن حصين الأسدي الكوفي، روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وعمار، وكان كاتبا له، وروى عنه جرير ومنصور ابناه وأبو وائل والشعبي، وثقه ابن حبان والعجلي، قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 3: 67.
(3) سنن الترمذي 3: 366 الحديث 1049، وصحيح مسلم 2: 666 الحديث 969، وسنن النسائي 4: 88 باختلاف يسير في الألفاظ.
(4) المبسوط 2: 59، والهداية 1: 90، وشرح فتح القدير 1: 451، والمجموع 5: 184.
(5) القرون: جمع قرن، الذؤابة، وهي ضفيرة المرأة انظر النهاية لابن الأثير 4: 51، ولسان العرب 13: 331 مادة " قرن ".
(6) الأم 1: 265، ومختصر المزني: 37، والمجموع 5: 184، وعمدة القاري 8: 47، والمغني لابن قدامة 2: 351.
(7) الأم 1: 277، والمجموع 5: 312، وكفاية الأخيار 1: 104، وفتح العزيز 5: 246، والوجيز 1: 87، وبداية المجتهد 1: 236.

[ 708 ]

وقال مالك: إن فعل ذلك للغائط والبول كان مكروها، وإن فعل لغير ذلك لم يكن به بأس (1). دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لإن يجلس أحدكم على جمر فيحرق ثيابه وتصل النار إلى بدنه أحب إلي من أن يجلس على قبر " (2). مسألة 508: يؤخذ الكفن ومؤنة الميت من أصل تركته دون ثلثه، وبه قال عامة الفقهاء (3). وقال بعض الناس: إن كان موسرا فمن رأس ماله، وإن كان معسرا فمن ثلثه. وهو قول طاوس (4)، وقال بعضهم: من الثلث على كل حال (5). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون فيه. مسألة 509: الحنوط فرض مع القدرة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه (6)، والآخر إنه مستحب (7). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 510: كفن المرأة على زوجها في ماله دون مالها.

(1) الموطأ 1: 233 ذيل الحديث 34، وفي المجموع 5: 312، وفتح العزيز 5: 246، وعمدة القارئ 8: 184، وبداية المجتهد 1: 236 " قال مالك: لا يكره " ولم يفصل.
(2) صحيح مسلم 2: 667 الحديث 971، سنن النسائي 4: 95، سنن أبي داود 3: 217 الحديث 3228، ومسند أحمد بن حنبل 2: 311 و 444 وسنن ابن ماجة 1: 499 الحديث 1566 باختلاف بالألفاظ.
(3) الأم 1: 267، ومختصر المزني: 37، والمجموع 5: 189، وعمدة القارئ 8: 57، ومغني المحتاج 1: 338، وفتح العزيز 5: 134.
(4) المجموع 5: 189، وعمدة القارئ 8: 57.
(5) المجموع 5: 189، وعمدة القارئ 8: 57.
(6) المجموع 5: 198 و 202.
(7) المصدر السابق.

[ 709 ]

وللشافعي فيه قولان: قال ابن أبي هريرة: في مالها (1)، وقال أبو إسحاق: على زوجها. قالوا: وهو الأصح (2). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 511: من غصب ثوبا وكفن به ميتا جاز لصاحبه نزعه منه، قرب العهد أم بعد، والأفضل تركه وأخذ قيمته. وقال أصحاب الشافعي: له قيمته وليس له نزعه منه (3). وقال أبو حامد الأسفرايني: الذي يجئ عليه القياس أنه إن كان قريب العهد يجوز له أن يأخذه، وإن بعد لم يجز له أن ينزعه (4). دليلنا: كل ما دل على أن المغصوب لصاحبه أن يأخذه حيث وجده، فإنه يتناول هذا الموضع، فيجب أن يحمل الأخبار على عمومها. مسألة 512: يجب غسل السقط إذا ولد وفيه حياة، فأما الصلاة عليه فعندنا لا تجب الصلاة عليه إلا بعد أن يصير له ست سنين بحيث يعقل الصلاة. وقال سعيد بن جبير: لا يصلى عليه حتى يبلغ (5)، وقال باقي الفقهاء تجب الصلاة عليه (6). دليلنا: إجماع الفرقة.

(1) المجموع 5: 188 - 189، وفتح العزيز 5: 134، والوجيز 1: 74.
(2) المجموع 5: 188 - 189 وأشار إلى هذا القول الغزالي في الوجيز 1: 74 والرافعي في فتح العزيز 5: 134 من دون ذكر القائل فلاحظ.
(3) المجموع 5: 299، وفتح العزيز 5: 250.
(4) المجموع 5: 300.
(5) المجموع 5: 257، وعمدة القارئ 8: 176.
(6) الهداية 1: 92، واللباب 1: 135، والمجموع 5: 255 و 257، وعمدة القارئ 8: 176، ومغني المحتاج 1: 349، وبداية المجتهد 1: 232، والوجيز 1: 75، وفتح العزيز 5: 146، وكفاية الأخيار 1: 101، وفتح القدير 1: 465.

[ 710 ]

مسألة 513: إذا ولد لدون أربعة أشهر، لا يجب غسله، ويدفن بدمه، وإن كان لأربعة فصاعدا غسل، ولا تجب الصلاة عليه. وقال الشافعي في الأم مثل ما قلناه. وقال في البويطي: يغسل ولا يصلى عليه (1)، وبه قال أبو حنيفة (2). وقال في القديم: يغسل ويصلى عليه (3). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 514: الشهيد الذي يقتل في المعركة يدفن بثيابه ولا ينزع منه إلا الجلود، ولا يغسل، ويصلى عليه، وبه قال أبو حنيفة والثوري (4). وقال الشافعي: لا يغسل، ولا يصلى عليه، وينزع منه الجلود والحديد. فأما الثياب فالأولياء مخيرون بين أن ينزعوه ويدفنوه في غيرها، وبين أن يدفنوه فيها، وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد (5). وقال ابن المسيب والحسن البصري: يغسل ويصلى عليه (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روي أن النبي صلى الله عليه وآله صلى على حمزة وشهداء أحد (7).

(1) المجموع 5: 255، والمغني لابن قدامة 2: 393، وفتح العزيز 5: 147، وذكر الترمذي هذا القول في سننه 3: 351 ذيل الحديث 1032.
(2) المجموع 5: 255، وبداية المجتهد 1: 232، وفتح العزيز 5: 147.
(3) المجموع 5: 255، والمغني لابن قدامة 2: 393، وفتح العزيز 5: 147.
(4) المبسوط 2: 49، والهداية 1: 94، واللباب 1: 136، والمحلى 5: 116، وشرح فتح القدير 1: 474 - 475، والمجموع 5: 264، وعمدة القارئ 8: 152، وبداية المجتهد 1: 232، وفتح العزيز 5: 151.
(5) الأم 1: 267، والمبسوط 2: 49، ومغني المحتاج 1: 349، وعمدة القارئ 8: 152، والهداية 1: 94، وبداية المجتهد 1: 232 والمجموع 5: 263، وفتح العزيز 5: 151.
(6) المبسوط 2: 49، والمجموع 5: 264، وعمدة القارئ 8: 152.
(7) سنن ابن ماجه 1: 485 الحديث 1513، وسنن الترمذي 3: 355 ذيل الحديث 1036.

[ 711 ]

مسألة 515: حكم الصغير والكبير والذكر والأنثى إذا استشهدوا في المعركة سواء، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يجب غسلهم والصلاة عليهم (2). دليلنا: إن كل خبر روي أن الشهيد يدفن بدمه ولا يغسل يتناول هؤلاء بعمومه (3). مسألة 516: الجنب إذا استشهد في المعركة دفن كما هو، ولا يغسل، ولكن يصلى عليه. وقال الشافعي: لا يغسل ولا يصلى عليه بناء على أصله (4)، وقال أبو العباس من أصحابه: يغسل ولا يصلى عليه (5). دليلنا: الأخبار العامة في وجوب دفن الشهيد بدمه من غير غسل (6)، وهي على عمومها. مسألة 517: إذا وجد ميت في المعركة وليس به أثر قتل فحكمه حكم الشهيد، وبه قال الشافعي (7). وقال أبو حنيفة: إن لم يكن به أثر غسل وصلي عليه، وإن كان به أثر فإن

(1) الأم 1: 268، والمجموع 5: 266، وفتح العزيز 5: 151.
(2) اللباب 1: 136، والمجموع 5: 266، وفتح العزيز 5: 151.
(3) انظر الكافي 3: 210، والتهذيب 1: 330 - 331، والاستبصار 1: 213، وصحيح البخاري 2: 114 - 115، وسنن النسائي 4: 78 وسنن ابن ماجة 1: 485 الحديث 1514 و 1515، سنن أبي داود 3: 195 الحديث 3134 - 3135 و 3138. (1) المجموع 5: 260 و 263، فتح العزيز 5: 157، والوجيز 1: 76 ومغني المحتاج 1: 351، وكفاية الأخيار 1: 101.
(5) المجموع 5: 260 و 263، وفتح العزيز 5: 157.
(6) الأخبار المتقدمة في هذا الباب فلاحظ.
(7) الأم 1: 268، والمجموع 5: 267، وكفاية الأخيار 1: 101 وفتح العزيز 5: 152.

[ 712 ]

خرج الدم من عينيه أو أذنيه لم يغسل ويصلى عليه، وإن خرج الدم من أنفه أو قبله أو دبره غسل وصلي عليه (1). دليلنا: إن ظاهر الحال أنه شهيد، لأن القتل يحصل بما له أثر وبما ليس له أثر فالحكم لظاهر الحال. مسألة 518: إذا خرج من المعركة ثم مات بعد ساعة أو ساعتين قبل تقضي الحرب، حكمه حكم الشهيد. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إن أكل في الحرب أو شرب أو تكلم غسل وصلي عليه (3). دليلنا: الأخبار العامة فيمن قتل بين الصفين (4)، وهي متناولة له. مسألة 519: إذا مات بعد تقضي الحرب، غسل وكفن وصلي عليه. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: إن لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم فهو كالشهيد لا يغسل ويصلى عليه (6). دليلنا: إجماع الفرقة على أنه إذا مات بعد تقضي الحرب يجب غسله. مسألة 520: كل من قتل في غير المعركة يجب غسله والصلاة عليه، سواء قتل بسلاح أو غير سلاح، شوهد أو لم يشاهد، عمدا كان أو خطأ، وبه قال

(1) المبسوط 2: 51 - 52، والهداية 1: 94، وفتح القدير 1: 474، واللباب 1: 136، والمجموع 5: 267، وفتح العزيز 5: 152.
(2) المجموع 5: 261، والوجيز 1: 75.
(3) الهداية 1: 94 - 95، اللباب 1: 136، فتح العزيز 5: 155.
(4) انظر التهذيب 1: 330 الحديث 967، والاستبصار 1: 213 الحديث 753.
(5) الأم 1: 267، والمجموع 5: 260، وكفاية الأخيار 1: 101، ومغني المحتاج 1: 350، وفتح العزيز 5: 154.
(6) الهداية 1: 94 - 95، واللباب 1: 136، وفتح العزيز 5: 155.

[ 713 ]

الشافعي (1). وقال أبو حنيفة إن شوهد وقتل عمدا لم يغسل ويصلى عليه كالشهيد، وإن لم يشاهد أو قتل خطأ أو عمدا بمثقل فإنه يغسل ويصلى عليه (2). دليلنا: إن الأصل في الأموات وجوب غسلهم، والصلاة عليهم، وليس على سقوط غسل هذا دليل، لأن الأخبار التي وردت فيمن قتل في المعركة (3) لم تتناول هذا. مسألة 521: المرجوم والمرجومة يؤمران بالاغتسال، ثم يقام عليهما الحد، ولا يغسلان بعد ذلك. ويصلي عليهما الإمام وغيره [ وكذلك حكم المقتول قودا. وقال الشافعي: يغسلان بعد الموت ويصلي عليهما الإمام وغيره ] (4). وقال الزهري: لا يصلى على المرجومة (5). وقال مالك لا يصلي الإمام عليهما ويصلي غيره، وكذلك عنده كل من مات في حد (6). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون فيه. وروى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وآله صلى على مرجومة (7). مسألة 522: ولد الزنا يغسل ويصلى عليه، وبه قال جميع الفقهاء (8).

(1) الأم 1: 268، وفتح العزيز 5: 155، والوجيز 1: 75، والمجموع 5: 267 والمبسوط 2: 52.
(2) الهداية 1: 95، وشرح فتح القدير 1: 478.
(3) راجع الهامش الرابع من المسألة 518.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من بعض النسخ. أما قول الشافعي فقد ذكر في الأم 1: 268، والمجموع 5: 267، والوجيز 1: 75، وفتح العزيز 5: 156. (5) (6) المجموع 5: 267.
(7) سنن النسائي 4: 63، وسنن أبي داود 4: 151 الحديث 4440.
(8) الموطأ 1: 230، والمحلى 5: 171، المغني لابن قدامة 2: 419 - 420، المجموع 5: 267.

[ 714 ]

وقال قتادة: لا يغسل ولا يصلى عليه (1). دليلنا: إجماع الفرقة وعموم الأخبار (2) التي وردت بالأمر بالصلاة على الأموات. وأيضا قوله عليه السلام: " صلوا على من قال: لا إله إلا الله " (3). مسألة 523: النفساء تغسل ويصلى عليها، وبه قال جميع الفقهاء (4). وقال الحسن البصري: لا تغسل ولا يصلى عليها (5). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى. مسألة 524: إذا قتل رجل من أهل العدل رجلا من أهل البغي، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وبه قال أبو حنيفة (6). وقال الشافعي: يغسل ويصلى عليه (7). دليلنا: على ذلك أنه قد ثبت أنه كافر بأدلة ليس هذا موضع ذكرها، ولا يصلى على كافر بلا خلاف. مسألة 525: إذا قتل رجل من أهل البغي رجلا من أهل العدل، لا يغسل

(1) المجموع 5: 267، وعمدة القارئ 8: 136، إرشاد الساري 4: 317.
(2) انظر من لا يحضره الفقيه 1: 103 الحديث 480، والتهذيب 3: 328 الحديث 1025 - 1026، والاستبصار 1: 468 الحديث 1809 - 1810.
(3) سنن الدار قطني 2: 56 الحديث 3 - 4 باب صفة من تجوز الصلاة معه والصلاة عليه.
(4) المغني لابن قدامة 2: 403، وعمدة القارئ 8: 136.
(5) المغني لابن قدامة 2: 203، وفي عمدة القاري 8: 136 عن الحسن أنه لا يصلى عليها بموت من زنا ولا ولدها.
(6) الهداية 1: 95، واللباب 1: 137، وحكاه السرخسي في المبسوط 2: 53 عن أبي يوسف ومحمد وانظر أيضا المجموع 5: 267، وفتح العزيز 5: 154، شرح العناية المطبوع بهامش شرح فتح القدير 1: 479.
(7) المجموع 5: 261 و 267، والوجيز 1: 75، وفتح العزيز 5: 154 وشرح العناية 1: 479، والمبسوط 2: 53.

[ 715 ]

ويصلى عليه، وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي في القديم والجديد أنه يغسل ويصلى عليه (2)، وله قول آخر أنه لا يغسل ولا يصلى عليه (3). دليلنا: أنه أجمعت الفرقة على أنه شهيد، وإذا ثبت ذلك كان حكمه حكم قتيل المعركة. وروت الطائفة إن أمير المؤمنين عليه السلام صلى على قتلى أصحابه بصفين والجمل، مثل هاشم المرقال (4)، وعمار بن ياسر وغيرهما، ولم يغسلهم.
(5) مسألة 526: من قتله قطاع الطريق يغسل ويصلى عليه. وللشافعي فيه قولان، مثل من قتله أهل البغي (6). دليلنا: قوله عليه السلام: " صلوا على من قال: لا إله إلا الله " (7) فهو على عمومه إلا من أخرجه الدليل. مسألة 527: إذا وجد قطعة من ميت فيه عظم وجب غسله، وإن كان

(1) المبسوط 2: 53، وشرح فتح القدير 1: 476، والهداية 1: 94، وفتح العزيز 5: 152.
(2) الأم 1: 268، والمجموع 5: 261 و 267، والوجيز 1: 75، وفتح العزيز 5: 154.
(3) المجموع 5: 561، والوجيز 1: 75، وفتح العزيز 5: 152.
(4) هاشم بن عتبة بن مالك بن أهيب بن عبد مناف يعرف بالمرقال - لأنه كان يرقل في الحرب أي يسرع وهو ضرب من العدو - أسلم يوم الفتح من الشجعان الفضلاء الأخيار فاتح جلولاء، شهد صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام وحامل رايته فيها وقتل فيها سنة 37 هجرية، الإصابة 3: 561، وأسد الغابة 5: 49، وشذرات الذهب 1: 46.
(5) رواه الحميري في قرب الاسناد: 65، ولكن المصادر الروائية الأخرى تحمله على التقية أو على وهم النساخ أو تأويلات أخر انظر من لا يحضره الفقيه 1: 96 حديث 445، والتهذيب 1: 331 حديث 968 و 3: 332 حديث 1041 و 6: 168 حديث 322، والاستبصار 1: 214 حديث 754 و 469 حديث 1811.
(6) الأم 1: 268، والمجموع 5: 261، وبداية المجتهد 1: 219 وفتح العزيز 5: 154.
(7) سنن الدار قطني 2: 56 الحديث 3 - 4 باب صفة من تجوز الصلاة معه والصلاة عليه.

[ 716 ]

صدره وما فيه قلبه وجب الصلاة عليه، وإذا لم يكن فيه عظم لا يجب غسله. وقال الشافعي: يغسل ويصلى عليه سواء كان الأقل أو الأكثر (1). وقال أبو حنيفة ومالك: إن وجد الأكثر صلي عليه، وإن وجد الأقل لم يصل عليه. وقال: فإن وجد نصفه نظر، فإن كان قطع عرضا فوجد النصف الذي فيه الرأس غسل وصلي عليه، وإن وجد النصف الأخير لم يغسل ولم يصل عليه. وانشق بالطول لم يغسل واحد منهما، ولم يصل عليه (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم. وأيضا روي أن طائرا ألقت يدا بمكة من وقعة الجمل، فعرفت بالخاتم، فكانت يد عبد الرحمن عتاب بن أسيد (3)، فغسلها أهل مكة وصلوا عليها (4). مسألة 528: إذا اختلط قتلى المسلمين بقتلى المشركين، فروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه أمر بدفن من كان منهم صغير الذكر (5)، فعلى هذه الرواية هذه أمارة لكونه مؤمنا يميز به ويصلى عليه ويدفن. وإن قلنا يصلى على كل واحد منهم فينوي بشرط أن يكون مؤمنا كان احتياطا، وبه قال الشافعي (6). ولا فرق بين أن يكون المسلمين أقل أو أكثر.

(1) الأم 1: 268، والمجموع 5: 53 - 55، ومغني المحتاج 1: 348، وفتح العزيز 5: 144.
(2) المبسوط 2: 54، وفتح العزيز 5: 144، والمحلى 5: 138، والمجموع 5: 54، و 255.
(3) عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية بن عبد الشمس القرشي الأموي، وأمه جويرية بنت أبي جهل، كان يوم الجمل مع عائشة وقتل فيها وحملت الطير يده... إلى آخره. أسد الغابة 3: 308، وانظر كذلك الأم 1: 268، والتلخيص الحبير المطبوع مع المجموع 5: 274.
(4) الكافي 3: 212 الأحاديث 1 و 2 و 3 و 5 باب أكيل السبع، ومن لا يحضره الفقيه 1: 104 حديث 484 و 485، والتهذيب 1: 336 الأحاديث 983 - 985.
(5) تفرد الشيخ المصنف بنقل هذا الحديث عن علي (ع) هنا وفي المبسوط 1: 182، ورواه في التهذيب 6: 172 حديث 336 بسنده إلى أبي عبد الله.
(6) الأم 1: 269، والمجموع 5: 258 و 259، والوجيز 1: 75، وفتح العزيز 5: 150 والمغني لابن =

[ 717 ]

وقال أبو حنيفة: إن كان المسلمون أكثر مثل هذا وأن كانوا أقل لم يصل على أحد منهم (1). ولو قلنا إنه يصلى عليهم صلاة واحدة وينوي بها الصلاة على المؤمنين منهم كان أيضا جائزا قويا، لأن بالنية توجهت الصلاة إلى المؤمنين دون الكافرين. مسألة 529: إذا احترق الانسان ولا يمكن غسله يمم بالتراب مثل الحي، وبه قال جميع الفقهاء (2)، إلا ما حكاه الساجي عن الأوزاعي أنه قال: يدفن من غير غسل ولم يذكر التيمم. دليلنا: إجماع الفرقة، ولأن فعل التيمم لا يضر وهو الأحوط، فإن عند فعله يزول الخلاف. مسألة 530: حمل الجنازة على التربيع أفضل، وبه قال أبو حنيفة والثوري (3). وقال الشافعي: الأفضل أن يجمع بين التربيع والحمل بين العمودين، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالأفضل الحمل بين العمودين، وبه قال أحمد (4)، وقال مالك هما سواء (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (6).

= قدامة 2: 404. (1) المبسوط 2: 54، والمجموع 5: 259، وفتح العزيز 5: 150، والمغني لابن قدامة 2: 404.
(2) المجموع 5: 178، وفتح العزيز 5: 130، والمغني لابن قدامة 2: 406.
(3) الهداية 1: 93، والمبسوط 2: 56، واللباب 1: 133، وشرح فتح القدير 1: 467، والمجموع 5: 270، والمغني لابن قدامة 2: 361.
(4) المغني لابن قدامة 2: 361، والأم 1: 269 و 272، ومختصر المزني: 37، والهداية 1: 93، والمبسوط 2: 56، والمجموع 5: 270، والوجيز 1: 74، وشرح فتح القدير 1: 467.
(5) المغني لابن قدامة 2: 361، والمجموع 5: 270.
(6) الكافي 3: 168، والتهذيب 1: 452، والاستبصار 1: 216.

[ 718 ]

مسألة 531: صفة التربيع، أن يبدء بيسرة الجنازة، ويأخذها بيمينه ويتركها على عاتقه، ويرفع الجنازة ويمشي إلى رجلها، ويدور عليها دور الرحى إلى أن يرجع إلى يمنة الجنازة فيأخذ ميامن الجنازة بمياسره، وبه قال سعيد بن جبير والثوري وإسحاق (1). وقال الشافعي وأبو حنيفة: يبدء بمياسر مقدم السرير فيضعها على عاتقه الأيمن، ثم يتأخر فيأخذ بمياسره فيضعها على عاتقه الأيمن، ثم يعود إلى مقدمه فيأخذ بميامن مقدمه فيضعها على عاتقه الأيسر، ثم يتأخر فيأخذ بميامن مؤخره فيضعها على عاتقه الأيسر (2). وأما الحمل بين العمودين، فهو أن يضع جانبه على عاتقه ويكون طرفا السرير على كاهله. دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم. مسألة 532: يكره الاسراع بالجنازة. وقال الشافعي: يستحب ذلك ويكون ذلك فوق مشي العادة دون الحث (3). دليلنا: إجماع الفرقة وعملهم به، فإن خيف على الميت جاز الاسراع بلا خلاف. مسألة 533: المشي خلف الجنازة أفضل حال الاختيار، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (4).

(1) المغني لابن قدامة 2: 361.
(2) الأم 1: 272، ومختصر المزني: 37، والمجموع 5: 269، والمبسوط 2: 56، واللباب 1: 133، ومغني المحتاج 1: 340.
(3) الأم 1: 272، ومختصر المزني: 37، والمجموع 5: 271، والوجيز 1: 74، وعمدة القاري 8: 114.
(4) المبسوط 2: 56، وفتح القدير 1: 469، وبداية المجتهد 1: 225 والمجموع 5: 279.

[ 719 ]

وقال الشافعي: المشي قدام الجنازة أفضل، وبه قال الزهري ومالك وأحمد (1). وقال الثوري: إن كان راكبا فورائها، وإن كان ماشيا فكيف شاء (2). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (3). مسألة 534: يجوز أن يجلس الانسان إلى أن يفرغ من دفن الميت، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: لا يجلس حتى يوضع في اللحد (5). دليلنا: إنه لا مانع من ذلك والأصل الإباحة. وأيضا روى عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان في جنازة لم يجلس حتى يوضع في اللحد، فاعترض بعض اليهود وقال: إنا لنفعل ذلك فجلس وقال: خالفوهم (6). مسألة 535: أولى الناس بالصلاة على الميت أولاهم به أو من قدمه الولي، فإن حضر الإمام كان أولى بالصلاة عليه، ويجب عليه تقديمه. وقال الشافعي: الولي أولى على كل حال، وبه قال مالك بن أنس (7). وقال قوم: الوالي أحق من الولي، رووا ذلك عن علي عليه السلام وجماعة

(1) الأم 1: 272، والمجموع 5: 279، والوجيز 1: 74، والمبسوط 2: 56، وبداية المجتهد 1: 225.
(2) المجموع 5: 279، وفتح القدير 1: 469.
(3) الكافي 3: 169 الحديث 1 و 3 و 5 ومن لا يحضره الفقيه 1: 100 الحديث 464، والتهذيب 1: 311 الحديث 901 - 903.
(4) الأم 1: 277، والمجموع 5: 280، ومغني المحتاج 1: 367.
(5) الهداية 1: 93، وشرح فتح القدير 1: 469، والمبسوط 2: 57، والمجموع 5: 280.
(6) سنن أبي داود 3: 204 حديث 3176 باختلاف في الألفاظ.
(7) الأم 1: 275، والمجموع 5: 217، والوجيز 1: 76، والأم (مختصر المزني): 37 وعمدة القاري 8: 124، وفتح العزيز 5: 159.

[ 720 ]

من التابعين، وبه قال أحمد بن حنبل وأومى إليه الشافعي في القديم (1). وقال أبو حنيفة: الوالي العام أولى، وكذلك إمام الحي والمحلة (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " (3) وذلك عام في كل شئ. مسألة 536: أحق القرابة الأب ثم الولد، وجملته من كان أولى بميراثه كان أولى بالصلاة عليه، وبه قال الشافعي إلا أنه قدم العصبة كما قدمهم في الميراث، وقال: إذا اجتمع أخ لأب وأم مع أخ لأب فيه قولان (4)، وفي أصحابه من قال: يقدم الأخ من الأب والأم قولا واحدا وبه نقول (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وقوله تعالى: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " (6) وذلك عام. مسألة 537: إذا اجتمع جماعة أولياء في درج، يقدم الأقرء، ثم الأفقه، ثم الأسن. وقال الشافعي وأصحابه: فيه قولان: أحدهما يقدم الأسن في صلاة الجنازة (7)، وفي غيرها يقدم الأفقه والأقرء (8).

(1) الأم 1: 275، والمغني لابن قدامة 2: 363، والمجموع 5: 217، وفتح العزيز 5: 158 - 159، وعمدة القاري 8: 124.
(2) الهداية 1: 91، واللباب 1: 131، وعمدة القاري 8: 124، وشرح فتح القدير 1: 457، والمبسوط 2: 62، والمجموع 5: 217، وفتح العزيز 5: 159.
(3) الأنفال: آية 75.
(4) الأم 1: 275، ومختصر المزني: 37، والمجموع 5: 218 والوجيز 1: 76، والمحلى 5: 144.
(5) المجموع 5: 218.
(6) الأنفال: 75.
(7) مختصر المزني: 38، والمجموع 5: 218.
(8) الأم 1: 275، والمجموع 5: 218، والوجيز 1: 76.

[ 721 ]

دليلنا: قوله صلى الله عليه وآله: " يؤمكم أقرؤكم " (1) وذلك عام في جميع الصلوات. مسألة 538: يكره أن يصلى على الجنازة في المساجد إلا بمكة، وبه قال أبو حنيفة ومالك، ولم يستثنيا مكة (2). وقال الشافعي: ذلك جائز في كل موضع (3) دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا ما ذكرناه لا خلاف في جوازه وما قالوه في كراهته خلاف. مسألة 539: المستحب أن يدفن الميت نهارا مع الامكان وإن دفن ليلا لم يكن به بأس، وبه قال جميع الفقهاء (4). وقال الحسن: يكره الدفن ليلا (5). دليلنا: كل خبر يتناول الأمر بدفن الميت عام في جميع الأحوال، وليس فيه تخصيص بوقت. مسألة 540: الصلاة على الجنازة تجوز في الأوقات الخمسة المكروه ابتداء النوافل فيها، وبه قال الشافعي وأبو يوسف وأحمد (6). وقال الأوزاعي: لا يجوز فعلها في هذه الأوقات (7).

(1) سنن أبي داود 1: 159 حديث 585.
(2) المبسوط 2: 68، والهداية 1: 92، واللباب 1: 133، والمحلى 5: 162، والمجموع 5: 213، وبداية المجتهد 1: 234، وعمدة القاري 8: 20، شرح فتح القدير 1: 463، والمغني لابن قدامة 2: 372.
(3) المجموع 5: 213، والمبسوط 2: 68، وعمدة القارئ 8: 20، والمحلى 5: 162، والمغني لابن قدامة 2: 372.
(4) عمدة القارئ 8: 150.
(5) المصدر السابق.
(6) المجموع 4: 168 و 5: 213، والمغني لابن قدامة 2: 416 وبداية المجتهد 1: 234، وعمدة القاري 8: 124، شرح النووي المطبوع مع إرشاد الساري 4: 270.
(7) المجموع 4: 172، والمغني لابن قدامة 2: 417.

[ 722 ]

وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز أن يفعل في الثلاث أوقات التي نهى عنها للوقت (1). دليلنا: إجماع الفرقة. وما روي عنهم عليهم السلام من أن خمس صلوات تصلى في كل وقت منها صلاة الجنازة (2). مسألة 541: إذا اجتمع جنازة رجل وصبي وخنثى وامرأة، وكان الصبي ممن يصلى عليه، قدمت المرأة إلى القبلة، ثم الخنثى، ثم الصبي، ثم الرجل. ووقف الإمام عند الرجل، وإن كان الصبي لا يصلى عليه قدم أولا الصبي إلى القبلة ثم المرأة ثم الخنثى ثم الرجل، وبه قال الشافعي إلا أنه لم يقدم الصبي على حال من الأحوال، وبه قال جميع الفقهاء (3) إلا الحسن وابن المسيب، فإنهما قالا: يقدم الرجال إلى القبلة، ثم الصبيان، ثم الخناثى ثم النساء، ويقف الإمام عند النساء (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5). وروى عمار بن ياسر قال: أخرجت جنازة أم كلثوم بنت علي عليه السلام (6) وابنها زيد بن عمر، وفي الجنازة الحسن عليه السلام والحسين

(1) المبسوط 2: 68، وبداية المجتهد 1: 234، والمجموع 4: 172 والمغني لابن قدامة 2: 416، وشرح النووي 4: 270.
(2) الكافي 3: 180 الحديث 1 - 2، والتهذيب 3: 321 الحديث 997 - 999، والاستبصار 1: 469 الحديث 1813 - 1815.
(3) الأم 1: 275، والأم (مختصر المزني): 38، والمبسوط 2: 65، والمجموع 5: 228.
(4) المجموع 5: 228. (5) الكافي 3: 174 باب جنائز الرجال والنساء والصبيان، والتهذيب 3: 323 الأحاديث 1004 و 1005 و 1007، والاستبصار 1: 471 باب 291 باب ترتيب جنائز الرجال والنساء.
(6) أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عليه السلام، من فواضل نساء عصرها، ولدت قبل وفاة رسول الله =

[ 723 ]

عليه السلام وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة فوضعوا جنازة الغلام مما يلي الإمام والمرأة ورائه وقالوا: هذا هو السنة (1). مسألة 542: يكره القراءة في صلاة الجنازة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري ومالك والأوزاعي بل يحمد الله ويمجده، وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عمر (2). وقال الشافعي: لا بد فيها من القراءة " الحمد وهي شرط في صحتها، فإن أخل بها لم تجز، فإن صلى نهارا أسر بها، وإن صلى ليلا جهر بالقراءة، وبه قال عبد الله بن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير، وفي الفقهاء أحمد (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (4) لا يختلفون في ذلك.

= صلى الله عليه وآله، وقيل: خطبها عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب عليه السلام لقول رسول الله صلى الله عليه وآله سمعه منه عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: كل نسب وسبب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري، ودخل بها في ذي القعدة سنة 17 هجرية، وقد أمهرها أربعين ألفا وظلت عنده حتى قتل وولدت له زيد بن عمر الأكبر ورقية بنت عمر، ولم يثبت هذا الخبر عند الإمامية، والله أعلم بالثواب. الإصابة 4: 468 برقم 1481، وأسد الغابة 5: 614 - 615. (1) رواه أبو داود في سننه 3: 208 حديث 3193، والبيهقي 4: 33، وحكاه النووي في المجموع 5: 224 باختلاف في اللفظ والمعنى واحد.
(2) الهداية 1: 92، والمبسوط 2: 64، وعمدة القاري 8: 139، وبداية المجتهد 2: 227، وشرح فتح القدير 1: 459، والمغني لابن قدامة 2: 366، والمجموع 5: 242، وسبل السلام 2: 559، والوجيز 1: 76، وفتح العزيز 5: 167.
(3) الأم 1: 270 و 271 و 283، والأم (مختصر المزني): 38، والمجموع 5: 233 و 242، ومغني المحتاج 1: 341، وفتح العزيز 5: 165، وكفاية الأخيار 1: 103، والوجيز 1: 76، والمغني لابن قدامة 2: 366، وعمدة القاري 8: 139 - 140، وبلغة السالك 1: 197، وبداية المجتهد 1: 227، والمبسوط 2: 64، وسبل السلام 2: 559.
(4) التهذيب 3: 189 الأحاديث 429 و 431، والاستبصار 1: 476 الأحاديث 1842 و 1843.

[ 724 ]

مسألة 543: يكبر أولا ويشهد الشهادتين، ثم يكبر ثانيا ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله، ثم يكبر ثالثا ويدعو للمؤمنين، ويكبر رابعا ويدعو للميت، ويكبر خامسا وينصرف بها. وقال الشافعي: يكبر أولا ويقرأ، ويكبر ثانيا ويشهد الشهادتين ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله ويدعو للمؤمنين، ويكبر ثالثا ويدعو للميت، ويكبر الرابعة ويسلم بعدها (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2). مسألة 544: ليس في صلاة الجنازة تسليم. وخالف جميع الفقهاء في ذلك على اختلافهم في كونه فرضا أو سنة، وكيفيته عندهم مثل التسليم في الصلاة (3). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 545: تجوز الصلاة على الجنازة بغير طهارة مع وجود الماء، والطهارة أفضل وإن لم يتيمم، وبه قال بن جرير (4). وقال الشافعي: تفتقر إلى الطهارة مثل سائر الصلوات، ولا يجوز التيمم مع القدرة على الماء (5).

(1) الأم 1: 270 - 271 و 283، ومختصر المزني: 38، ومغني المحتاج 1: 341، وكفاية الأخيار 1: 103.
(2) الكافي 3: 181 حديث 3، ومن لا يحضره الفقيه 1: 100 الحديث 469، والتهذيب 3: 189، و 431، والاستبصار 1: 477 الحديث 1844.
(3) الأم 1: 270، والأم (مختصر المزني): 38، والهداية 1: 92، والمبسوط 2: 64، وبداية المجتهد 1: 228، والمجموع 5: 239، وفتح العزيز 5: 167، ومغني المحتاج 1: 341، وكفاية الأخيار 1: 103، وبلغة السالك 1: 197، واللباب 1: 133، وعمدة القاري 8: 122، وشرح فتح القدير 1: 460 والشرح الصغير 1: 197.
(4) المجموع 5: 223، وعمدة القاري 8: 123.
(5) الأم 1: 275، والمجموع 5: 223، وبداية المجتهد 1: 235، وعمدة القارئ 8: 123.

[ 725 ]

وقال أبو حنيفة: تفتقر إلى الطهارة ويجوز التيمم (1). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 546: يسقط الفرض بصلاة واحد. وقال الشافعي: إذا صلى جماعة على جنازة منهم متطهرون ومنهم محدثون فإن كان المتطهرون ثلاثة سقط فرض الصلاة، وإن كانوا أقل من ذلك لم يسقط، قال أصحابه: هذا من كلامه يدل على أن فرض الصلاة لا يسقط بأقل من الثلاث، وهو أقل الجمع (2). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 547: إذا أدرك الإمام في أثناء الصلاة على الجنازة فإنه يكبر ويدخل في الصلاة ولا ينتظر تكبيرة الإمام، فإذا فرغ الإمام قضى ما فاته، سواء رفعت الجنازة أو لم ترفع، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي (3). وقال الأوزاعي: يأتي بما أدرك مع الإمام، فإذا سلم سلم معه، ولا يقضي ما فاته (4). وقال أبو حنيفة: إذا أدرك بعض الصلاة فلا يدخل حتى يكبر الإمام ثم يدخل، فإذا فرغ الإمام من الصلاة نظر، فإن رفعت الجنازة بطلت صلاته ولا يقضي ما فاته، وإن لم ترفع قضى ما فاته (5).

(1) المبسوط 2: 66، والمجموع 5: 223، وبداية المجتهد 1: 235، وعمدة القاري 8: 123.
(2) الأم 1: 276، والمجموع 5: 212 - 213، ومغني المحتاج 1: 345، وفتح العزيز 5: 187 - 190.
(3) الأم 1: 275، والأم (مختصر المزني): 38، والهداية 1: 92، وعمدة القاري 8: 138، والمبسوط 2: 66، والمجموع 5: 240 و 243، وكفاية الأخيار 1: 103، وشرح العناية 1: 462، وبداية المجتهد 1: 230، وفتح العزيز 5: 183، والمغني لابن قدامة 2: 373.
(4) المغني لابن قدامة 2: 373، وعمدة القاري 8: 138.
(5) الهداية 1: 92، والمبسوط 2: 66، وشرح العناية 1: 462، وبداية المجتهد 1: 230 والمجموع 5: 243، وفتح العزيز 5: 183.

[ 726 ]

دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 548: من صلى على جنازة يكره له أن يصلي عليها ثانيا، ومن فاتته الصلاة جاز أن يصلي على القبر يوما وليلة، وقد روي: ثلاثة أيام (1). وقال الشافعي: يجوز أن يصلي عليها ثانيا وثالثا، وكذلك يجوز أن يصلي على القبر ولم يحد، إلا أنه قال إذا صلى دفعة يبادر بدفنه إلا أن يكون الولي لم يصل عليه فيحبس لأجله، إلا أن يخاف عليه الانفجار. وبه قال ابن سيرين، والأوزاعي، وأحمد، وادعى أنه إجماع الصحابة (2). وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز إعادة الصلاة بعد سقوط فرضها، قال أبو حنيفة: إلا أن تكون العامة صلت عليه من غير وال ولا إمام محلة (3)، وقال أبو يوسف: يجوز للولي الصلاة عليه إلى أيام، وقال محمد: أراد به إلى ثلاثة أيام (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم أوردناها في الكتابين المقدم ذكرهما (5). مسألة 549: قد حددنا الصلاة على القبر يوما وليلة وأكثره ثلاثة أيام. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: منهم من قال: تجوز الصلاة على القبر أبدا وهو أضعفها (6).

(1) الظاهر انفراد الشيخ برواية هذا الحديث هنا، حيث أن المحدث الحر العاملي روى في وسائله 2: 796 الحديث التاسع هذا الحديث عن الخلاف.
(2) الأم 1: 272، والأم (مختصر المزني): 38، والمجموع 5: 245 و 249، وفتح العزيز 5: 192، وعمدة القاري 8: 26، وبداية المجتهد 1: 230، والمبسوط 2: 67، وشرح العناية 1: 458.
(3) الهداية 1: 91، والمبسوط 2: 67، واللباب 1: 132، وشرح فتح القدير 1: 458، والمجموع 5: 245 و 249 - 250، وفتح العزيز 5: 192.
(4) عمدة القاري 8: 26، وفتح العزيز 5: 194، وشرح العناية 1: 456.
(5) التهذيب 3: 324 حديث 1010، والاستبصار 1: 484 - 485 حديث 1878 و 1879.
(6) المجموع 5: 247، وفتح العزيز 5: 198، وعمدة القاري 8: 26.

[ 727 ]

ومنهم من قال: تجوز الصلاة عليه ما دام يعلم أنه باق في القبر أو شئ منه ويختلف ذلك في البلاد (1). والثالث: يجوز أن يصلي عليه من كان من أهل الصلاة في وقته ولا يجوز إن حدث بعده (2) وكان هذا أشبه عندهم فقالوا: والصلاة على قبر النبي صلى الله عليه وآله مبنية على هذه الأوجه: فإذا قالوا: ما دام يعلم أنه بقي منه شئ لا تجوز الصلاة عليه لأنه روي أنه قال: " إنا لا نترك في القبر " (3). وإذا قالوا: تجوز لمن هو من أهل الصلاة في وقته كان ذلك جائزا للصحابة الذين كانوا من أهل الصلاة عليه، وعلى الوجه الثالث لا يجوز ذلك، لأنه يؤدي إلى الفتنة والفساد. وقد روي أنه قال: " لا تتخذوا قبري وثنا، لعن الله اليهود فإنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (4). مسألة 550: القيام شرط في الصلاة على الجنازة مع القدرة، وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: يجوز الصلاة قاعدا مع القدرة (6). دليلنا: إن ما ذكرناه لا خلاف في سقوط الفرض به، وما قالوه ليس عليه دليل.

(1) المجموع 5: 247 و 249، وفتح العزيز 5: 196، وعمدة القاري 8: 26.
(2) المجموع 5: 247، وفتح العزيز 5: 196، وعمدة القاري 8: 26.
(3) ورد مضمونه في التلخيص الحبير 5: 198 فراجع.
(4) صحيح البخاري 2: 111، وسنن النسائي 4: 95 - 96، ومسند أحمد بن حنبل 2: 246 باختلاف يسير في الكل.
(5) الأم 1: 271، والمجموع 5: 222، وفتح العزيز 5: 174، والمغني لابن قدامة 2: 371، ومغني المحتاج 1: 342.
(6) المبسوط 2: 69.

[ 728 ]

مسألة 551: يجوز أن تتولى إنزال المرأة القبر امرأة أخرى. وقال الشافعي: لا يتولى ذلك إلا الرجال (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2). مسألة 552: إذا أنزل الميت القبر يستحب أن يغطى القبر بثوب وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة إن كان امرأة غطي، وإن كان رجلا لا يغطى (4). دليلنا: إن ما اعتبرناه لا خلاف أنه جائز والاحتياط يقتضي استعماله. مسألة 553: لا بأس أن ينزل القبر الشفع أو الوتر وهما سواء. وقال الشافعي: الوتر أفضل (5). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 554: يؤخذ الرجل من ناحية رجلي القبر، فيؤخذ أولا رأسه ويسل سلا. وتنزل المرأة عرضا من قدام القبر. وقال الشافعي: يؤخذ من عند الرجلين ولم يفصل (6)، وقال أبو حنيفة

(1) الأم 1: 283، والأم (مختصر المزني): 38، ومغني المحتاج 1: 352، والمجموع 5: 288 والوجيز 1: 78، وفتح العزيز 5: 206.
(2) في الكافي 3: 193 الحديث الخامس، والتهذيب 1: 325 حديث 948 " إن المرأة لا يدخل قبرها إلا من كان يراها في حياتها ".
(3) الأم 1: 276، والمجموع 5: 291، وفتح العزيز 5: 208، وشرح العناية 1: 471.
(4) الهداية 1: 93، وشرح العناية 1: 471، والمبسوط 2: 62، والمجموع 5: 291.
(5) الأم 1: 283، ومختصر المزني: 38 - 39، والمجموع 5: 291، فتح العزيز 5: 208، ومغني المحتاج 1: 353.
(6) في الأم 1: 273 - 276 وسل الميت من قبل رأسه، ومثله في المجموع 5: 292 وفتح العزيز 5: 204 - 205، ولكن الصنعاني روى في سبل السلام 2: 570 عن الشافعي قولان قول: دخوله من قبل رجلي القبر أي من الموضع الذي يوضع فيه رجلا الميت، وقول: إنه يسل من قبل رأسه وقال السرخسي في المبسوط 2: 61 وقال الشافعي: السنة أن يسل إلى قبره وصفة ذلك أن الجنازة توضع على يمين القبلة

[ 729 ]

يؤخذ عرضا ولم يفصل (1). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2) مسألة 555: التكبيرات على الجنازة خمس. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: هي أربع (3). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير (4). مسألة 556: يجوز التعزية قبل الدفن وبعد الدفن، وبعده أفضل. وقال الشافعي: بعد الدفن (5)، وقال الثوري: قبل الدفن (6). دليلنا: إنه ثبت أن التعزية مأمور بها بلا خلاف، وتوقيتها يحتاج إلى شرع، وليس في الشرع تخصيص وقت بها، فيجب أن يكون الجميع جائزا. مسألة 557: إذا ماتت امرأة وفي بطنها ولد يتحرك، شق جوفها وأخرج الولد، وبه قال ابن سريج (7)، ولا أعرف فيه خلافا. فإن مات الجنين ولم

= ثم يؤخذ برجله فيحمل إلى القبر فيسل جسده سلا. (1) الهداية 1: 93، وشرح فتح القدير 1: 470، واللباب 1: 134، وسبل السلام 2: 570، والمبسوط 2: 61، والمجموع 5: 294، وفتح العزيز 5: 205 - 206.
(2) انظر الكافي 3: 194 باب سل الميت وما يقال عند دخول القبر، والتهذيب 1: 325، حديث 950 و 326 حديث 951.
(3) الأم 1: 270 و 283، والأم (مختصر المزني: 38، والمجموع 5: 231، وعمدة القاري 8: 116، وكفاية الأخيار 1: 103، وسبل السلام 2: 558، وشرح فتح القدير 1: 460، وبداية المجتهد 1: 226 والهداية 1: 92، واللباب 1: 133.
(4) التهذيب 3: 315 الباب 32 الصلاة على الميت، والاستبصار 1: الباب (293) عدد التكبيرات على الأموات.
(5) في الأم 1: 278، والمجموع 5: 306، ومغني المحتاج 1: 255، وفتح العزيز 5: 252، إن التعزية سنة قبل الدفن وبعده لكن بعد الدفن أفضل.
(6) المجموع 5: 307، والمغني لابن قدامة 2: 408. (7) المجموع 5: 301.

[ 730 ]

يخرج والأم حية جاز للقابلة ومن يقوم مقامها أن تدخل يدها فتقطع الجنين وتخرجه، ويغسل ويدفن ولا أعرف للفقهاء نصا في هذه المسألة. دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 558: إذا ماتت مشركة حامل من مسلم وولدها ميت معها، دفنت في مقابر المسلمين، وجعل ظهرها إلى القبلة ليكون الولد متوجها إلى القبلة، ولا أعرف للفقهاء نصا في هذه المسألة. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (1). مسألة 559: إذا بلع الحي جوهرا ومات، فإن كان ملكا لغيره قال الشافعي: يشق جوفه ويخرج (2)، وإن كان ملكا له: فيه قولان: أحدهما: يشق جوفه لأنه ملك للورثة (3)، والثاني: إنه لا يشق لأنه بمنزلة ما أكل من ماله (4). وليس لنا في هذه المسألة نص، والأولى أن نقول لا يشق جوفه على كل حال، لما روي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا (5). وإذا كان حيا لا يشق جوفه بلا خلاف، فينبغي أن يكون ذلك حكمه بعد موته. مسألة 560: إذا دفن الميت من غير غسل لا يجوز نبشه ولا يعاد عليه الغسل، قرب العهد أم بعد. وقال أبو حنيفة: إذا أهيل عليه التراب لا ينبش (6).

(1) التهذيب 1: 334 حديث 980.
(2) المجموع 5: 300، وفتح العزيز 5: 250.
(3) (4) المجموع 5: 300، وفتح العزيز 5: 250 - 251.
(5) التهذيب 1: 419 حديث 1324 و 1: 465 حديث 1522 باختلاف يسير.
(6) الهداية 1: 92، والمبسوط 2: 73، وفتح القدير 1: 459، والمجموع 5: 300 وفتح العزيز 5: 250.

[ 731 ]

وقال الشافعي إذا لم يخش عليه الفساد في نبشه نبش وغسل، وإن خيف ترك (1). دليلنا: كل خبر روي يتضمن النهي عن نبش القبور، عمومه يقتضي المنع عن ذلك، وكذلك الخلاف في ترك توجيهه إلى القبلة (2). مسألة 561: يستحب أن يعرف المؤمنون بموت الميت ليتوفروا على الصلاة عليه، وبه قال أحمد (3). وأما النداء فلا أعرف فيه نصا. وقال الشافعي: يكره النداء (4) وقال أبو حنيفة: لا بأس (5). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 562: السنة أن يقف الإمام عند رأس الرجل، وصدر المرأة. وقال الشافعي: عند رأس الرجل وعجيزة المرأة (6)، وقال أبو حنيفة: يقف في الوسط (7). دليلنا: إجماع الفرقة. مسألة 563: لا تجوز الصلاة على الغائب بالنية، وبه قال أبو حنيفة (8). وقال الشافعي: يجوز ذلك (9). دليلنا: إن ثبوت ذلك يحتاج إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل عليه،

(1) الأم 1: 271، والمجموع 5: 300، والمجموع 5: 250.
(2) انظر من لا يحضره الفقيه 1: 120 الحديث 579، والتهذيب 1: 459 الحديث 1497.
(3) المجموع 5: 216، وعمدة القارئ 8: 19.
(4) المجموع 5: 216، ومغني المحتاج 1: 357. (5) المجموع 5: 216، فتح القدير 1: 463، وعمدة القارئ 8: 19.
(6) المجموع 5: 225، وفتح العزيز 5: 162.
(7) المبسوط 2: 65، وبداية المجتهد 1: 228، والمجموع 5: 225، وفتح العزيز 5: 162.
(8) المبسوط 2: 67، والمجموع 5: 253، والوجيز 1: 77، وفتح العزيز 5: 191.
(9) الأم 1: 271، والمجموع 5: 253، والوجيز 1: 77، وفتح العزيز 5: 198، والمبسوط 2: 67.

[ 732 ]

وأما صلاة النبي صلى الله عليه وآله على النجاشي (1) فإنما دعا له، والدعاء يسمى صلاة (2).

(1) النجاشي علم لكل من ملك الحبشة كقيصر لملك الروم وكسرى للفرس والخاقان للترك وفرعون للقبط. والنجاشي الذي دعا له النبي (ص) هو أصحمة أو أصخمة بن أبحر، أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وآله وأحسن إلى المسلمين وإليه هاجر جمع كثير منهم، الإصابة 1: 117، وأسد الغابة 1: 99.
(2) صحيح البخاري 2: 111، وسنن النسائي 4: 72، وسنن الترمذي 3: 357 باب ما جاء في صلاة النبي، وسنن أبي داود 3: 212 حديث 3204، وسنن ابن ماجة 1: 490 باب ما جاء في الصلاة على النجاشي.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية