الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




رسائل المرتضى - الشريف المرتضى ج 4

رسائل المرتضى

الشريف المرتضى ج 4


[ 3 ]

رسائل الشريف المرتضى (4)

[ 4 ]

منشورات دار القرآن الكريم قم - ايران

[ 5 ]

رسائل الشريف المرتضى المجموعة الرابعة إعداد: السيد أحمد الحسيني

[ 6 ]

دار القرآن الكريم للعناية بطبعه ونشر علومه ايران - قم المقدسة صندوق البريد 151 * الكتاب: رسائل الشريف المرتضى - 4 * التأليف: الشريف المرتضى إعداد: السيد أحمد الحسيني * الناشر: دار القرآن الكريم - قم * المطبعة: مطبعة الخيام - قم * التاريخ: جمادي الثانية 1410 - ه‍ * العدد: (2000) نسخة * الطبعة: الأولى ايران: قم - شارع ارم - دار القرآن الكريم - صندوق البريد 151 رقم الهاتف: 33078 كد 0251

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلوة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد المصطفى وعترته الطاهرين.

[ 11 ]

تقديم صدر بإشرافي في سنة 1405 ثلاثة مجاميع من رسائل الشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين بن موسى الموسوي البغدادي المتوفي سنة 436، تلقاها العلماء والمعنيون بتراث المرتضى بعين الرضا وأقبلوا عليها إقبالا كان مشجعا لنا للسعي في جمع بقيتها وطبعها كأخواتها في مجاميع أخرى. وتكرر الطلب منهم عامة ومن سماحة سيدنا المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد محمد رضا الكلبايكاني - مد الله تعالى ظله الوارف على رؤوس المسلمين - خاصة، فكانوا يلحون علي في كل فرصة كنت التقي بهم في إصدار ما بقي منها. وبالرغم من شعوري بضرورة إكمال العمل ونشر بقية الرسائل بين الملأ العلمي، كانت العوائق المتوالية والأعمال المتراكمة تمنعني من إنجاز هذه الأمنية العلمية وترجئها إلى فرص آتية. وقبل شهور عثرت على مصورة لمجموعة مخطوطة كانت في مكتبة صديقنا العلامة السيد محمد الموسوي الجزائري - حفظه الله وأبقاه - ضمت عددا من رسائل المرتضى مطبوعة ومخطوطة وبعض رسائل لعلماء آخرين. وعند الاطلاع

[ 12 ]

على هذه المصورة رأيت التأخير في إصدار المجموعة الرابعة غير وجيه والمبادرة إلى إخراجها فرض علمي لا يمكن التخلي عنه، فعزمت - بحول الله تعالى - على نسخ ما لم يطبع منها وإعدادها للنشر. وتم العمل بالشكل الذي يراه القارئ الكريم بين يديه. في هذه المجموعة الرابعة نجد الموضوعات التالية: 1 - جوابات المسائل المصريات. وهي المسائل الواردة من النيل، وجد منها من المسألة السادسة إلى السابعة والعشرين.
2 - جوابات المسائل الواسطيات. وجد منها المسألة الخامسة إلى المسألة الثانية عشر.
3 - المسائل الرملية. وهي مسائل مبعثرة وجد منها مسألتان فقط.
4 - شرح القصيدة المذهبة. وهي القصيدة البائية المعروفة في مدح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنشأها إسماعيل بن محمد الحميري الملقب بالسيد. وكان الشرح قد طبع في بيروت سنة 1970 بتحقيق محمد الخطيب.
5 - الشهاب في الشيب والشباب. وهو كتيب جمع شعر أبي تمام والبحتري والشريف الرضي والشريف المرتضى في الشيب والشباب وشرح ما يحتاج منه إلى شرح. طبع بمطبعة الجوائب سنة 1302.
6 - مسألة في معجزات الأنبياء عليهم السلام. ونظن أنها مستلة من بعض كتب المرتضى الكلامية.
7 - مسألة في نكاح المتعة. وهو جواب ممتاز مختصر على من منع المتعة من طريق القياس.

[ 13 ]

8 - نقد النيسابوري في تقسيمه للأعراض. تتميم للتقسيمات التي عملها أبو رشيد سعيد بن محمد النيسابوري المعتزلي للأعراض، وكان قد أخل ببعض ما ينبغي أن يذكره في تقسيماته.
9 - مسائل شتى. وهي مسائل مختلفة كلامية وفقهية وغيرها بعضها مؤرخ وبعضها غير مؤرخ، كتبت جوابا على أسئلة كانت ترد على الشريف المرتضى من مختلف البلدان الاسلامية. أما مجموعة السيد الجزائري المشار إليها، فهي مكتوبة على الأكثر في القرن الحادي عشر الهجري، وكان يشيع فيها التحريفات والأخطاء، شأن المخطوطات التي ينسخها أناس لا يمتون إلى العلم بصلة ولا يعرفون ماذا يكتبون من الألفاظ والجمل. وقد تداركنا الأخطاء بالقدر الممكن مع الإشارة إلى الأصل في الهوامش، وبقيت ألفاظ لم نهتد إلى صوابها يجدها القارئ مشارا إليها بلفظة (كذا). أما الأخطاء في التذكير والتأنيث وجعل التاء ياء وبالعكس، فلا تخلو صفحة من صحائف المجموعة من عدد غير قليل منها، رأينا تلافيها من دون الإشارة إليها لئلا نثقل على القارئ ونتلف وقته فيما لا يعنيه ولم نجد فيها فائدة كبيرة. هذا، ونحن نعتقد أن عملنا الذي قمنا به تجاه آثار المرتضى إنما هو خطوة تعبد للمحققين طريقهم وتيسر تحقيق تلك الآثار إذا شاؤا العمل فيها، وهو ليس إلا نسخ فني يوفر لهم الوقت والجهد. ويجب أن نشكر في هذه الفرصة القصيرة سماحة السيد الكلبايكاني الذي أولى هذه المجاميع عنايته الخاصة وكرر علي الأمر - كما قلت - في التسرع إلى

[ 14 ]

إخراجها، ولولا عنايته الخاصة واهتمامه الأكيد لكان هذا الأثر العلمي مطمورا في زوايا الخمول والنسيان يعلوه التراب، كآلاف من تراثنا الذي لا نعرف عنه إلا الأقل من القليل. والله تعالى هو المسؤول أن يهدينا إلى طريق الحق والصراط المستقيم ويرشدنا إلى ما فيه الخير والصواب، فإنه خير مسؤول وهاد. قم: ربيع المولود 1410 ه‍ السيد أحمد الحسيني

[ 15 ]

(جوابات المسائل المصريات)

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ما وجد من المسائل الواردة من النيل وجوابها سوى ما شذ منها: المسألة السادسة [ الحوادث لا يمكن حدوثها إلا بمحدث ] قوله [ زيد ] بهاؤه: إن حشرات الأرض والبراغيث حوادث لا محدث لها، من أي طريقة قال (1 وإلى أي شئ ذهب وما يقبل منهما، والعمل (2 والصبيان أيضا بغير ذنب له عوض أم لا، وإن كان ليس له عوض فما بال غيره؟ (الجواب) وبالله التوفيق: إنه رأى استحالة حدوثها هنا (لتعذر) فعل الأجسام (ويليه) (3 الحياة علينا وخفي عليه

1) في الأصل " قالوا " وصححناه بقرينة ما سيأتي.
2) كذا في الأصل.
3) كذا في الأصل.

[ 18 ]

وجه الحكمة والمصلحة في وقوعها من القديم تعالى فقال: لا يصح وقوعها منه، فلما رأى تعذر وقوعها من الفاعل المحدث وقد ثبت حدوثها قال: إنها حوادث لا محدث لها. ولو علم وجه الحكمة لأضافها إلى القديم تعالى. فأما العوض فهو ثابت فيما يدخل عليها من الآلام كما يستحقه غيرها من المؤلمات، والدليل على ثبوت العوض في الموضعين واحد. المسألة السابعة (في الرعد والبرق والغيم) ما هو قوله تعالى (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) (1 وهل هنا برد أم لا؟ (الجواب) وبالله التوفيق: إن الغيم جسم كثيف، وهو مشاهد لا يمكن الشك فيه. وأما الرعد والبرق فقد روي أنهما ملكان (2. والذي نقوله هو: إن الرعد صوت من اصطكاك أجرام السحاب، والبرق يبعد (3 أيضا من تصادمهما (4. وقوله (من جبال فيها من برد) لا شبهة فيه أنه كلام الله تعالى، وأنه لا يمتنع أن يكون جبال البرد مخلوقة حال ما ينزل البرد.

1) سورة النور: 43.
2) انظر: بحار الأنوار 59 / 378.
3) كذا في النسخة، ولعل الصحيح: يحدث.
4) في الأصل " من تصادقهما ".

[ 19 ]

المسألة الثامنة [ الدليل على حياة الفاعل ] إذا كان الفاعل لا يكون إلا حيا فما ينكر ألا يكون إلا جسما. (الجواب) وبالله التوفيق: إن الفاعل 0 إلا قادرا، وكون الحي حيا يصح أن يكون قادرا، فمن هذا الوجه [ يصح ] (1 أن يكون الفاعل حيا. وليس كونه جسما مصححا لكونه فاعلا ولا قادرا، فلا يجب ذلك فيه. والفاعل منا إنما احتاج إلى كونه جسما لأنه قادر بقدرة وحي بحياة، وللقدرة والحياة تأثير في محلهما، فيصير محلهما آلة في فعله. فمن هو قادر لا بقدرة وحي لا بحياة ولا يحتاج إلى ذلك معارف (2 كونه جسما لكونه حيا. المسألة التاسعة [ تعقل من لا مثل له ولا ضد ] فإن قيل: كيف يعقل من لا مثل له ولا ضد. (الجواب) وبالله التوفيق: إن إثبات المثل والضد والخلاف تابع للدليل، وإن كان إثبات مخالف

1) زيادة منا لاستقامة الكلام.
2) كذا في النسخة.

[ 20 ]

للذات لا بد منه، لأن تميزها من غيرها نفسها [ 0 0 0 ] (1، إلا أنه يكفي أن يعلم أن لها مخالفا (2 على جهة الجملة، فأما إثبات ضد ومثل فمنه بدأ ويجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون بحسب الدليل. والقدر التي يتقدر بها لا مثل لواحدها، لأنه لا يصح أن تتعلق قدرتان بمقدور واحد. وإذا كان الدليل قد دل على أن القديم تعالى لا مثل له ولا ضد له - بما بيناه في موضعه - وجب أن نقول به وعجب (3 فيما دل الدليل عليه. المسألة العاشرة [ تعقل فاعل من دون لمس ] فإن قيل: كيف يعقل فاعل (4 من غير ملامسة ولا اتصال. (الجواب) وبالله التوفيق: إن الفاعل إنما يحتاج فيما كونه فاعلا إلى ما يصح الفعل من كونه قادرا وما يجري مجراه، وليس الملامسة والاتصال من ذلك في شئ. وقد بيناه أنه إنما يحتاج إلى الجسمية فبينا (5 لأجل القدرة والحياة فصار محلهما آلة في استعمالهما، فاحتيج إلى الاتصال في الملامسة لأجل استعمال القدرة والحياة، فمن هو حي لا بحياة لا يحتاج إلى ذلك.

1) بياض في الأصل.
2) في الأصل " مخالف ".
3) كذا في النسخة.
4) في الأصل " فاعلا ".
5) كذا في النسخة.

[ 21 ]

المسألة الحادية عشر [ القدرة على خلق الأجسام ] فإن قيل: فمن أين هذا أن تكون الأجسام خلق غيره، فمن أقدره عليها من جسم آخر. (الجواب) وبالله التوفيق: إنه إذا ثبت أن القدر لا يصلح لها فعل الأجسام وكان وقوع الأجسام بها محالا لم يصح ما ذكر في السؤال، وقد ذكرت في الذخيرة والشيوخ (1 وغيرهما من كتب الشيوخ. وبهذا توصلنا إلى إبطال قول المفوضة الذين قالوا: إن الله تعالى فوض إلى محمد (2 وعلي عليهما السلام الخلق والرزق وغير ذلك. المسألة الثانية عشر [ القدرة على الاختراع من غير مباشرة ] فإن قيل: ما تنكرون أن يعطيه قدرة على الاختراع من غير مباشرة ولا تولية (3. (الجواب) وبالله التوفيق: إنه إذا كان مستحيلا بالقدرة فعل الجسم، لأن القدرة لا يصح الفعل بها إلا باستعمال محلها في الفعل إن كان مباشرا أو في سبب الفعل إلى اثنين من حيث كان

1) كذا في النسخة.
2) في الأصل " آل محمد ".
3) في الأصل " ولا متولدة ".

[ 22 ]

في العالم خير وشر، ولا يجوز أن يكون الخير والشر من فاعل واحد (1. المسألة الثالثة عشر [ وقوع الخير والشر من فاعل واحد ] (الجواب) وبالله التوفيق: إن الخير والشر لا يستحيل وقوعهما من فاعل واحد، ولهذا يفعل الواحد منا (2 الخير والشر. وإذا كان كذلك فما الملزم (3 لنا أن يكونا فاعلين، وإنما كان يجب ذلك لو كان الخير يقع من فاعل واحد مستحيل أن يقع الشر منه، والشر يقع عن فاعل يستحيل أن يقع عنه [. ] (4، فلا وجه لاثبات الاثنين. المسألة الرابعة عشر [ تعقل الشئ من دون أن يكون جسما ] [. ] هو لا ظلمة ولا ضياء ولا زمان ولا مكان ولا شئ [. ] (5. (الجواب) وبالله التوفيق:

1) اختلط هنا بقية جواب المسألة الثانية عشر وصدر السؤال من المسألة الثالثة عشر، كما يظهر عند إمعان النظر في العبارة.
2) في الأصل " منها ".
3) في الأصل " فما الملزوم ".
4) بياض في النسخة.
5) بياض في النسخة.

[ 23 ]

إذا كانت الظلمة اسما لجسم [ فيه سواد والضياء اسما لما ] (1 فيه بياض والزمان اسما لحركات الفلك والمكان اسما لما اعتمد عليه جسم آخر، وكان جميع ذلك معلقا بالأجسام والأعراض التي قد ثبت أنها محدثة، فالمحدث لا بد أن يكون وجوده لم يكن ولا يتصور، وقد عقل يعني الظلمة والضوء والزمان والمكان، لأنه تعلق بوجود الأجسام والأعراض، وقبل وجودها لا يجب أن يكون شيئا. المسألة الخامسة عشر [ حدوث شئ ولا من شئ ] فإن قيل: كيف يعقل حدوث شئ ولا من شئ. (الجواب) وبالله التوفيق: إن أراد كيف يعقل حدوث شئ ولا من شئ موجود، فإنه يعقل ذلك، لأن الشئ إذا كان موجودا أو محدثا فقد صح وجوده وإحداثه واستغنى بوجوده عن وجود ثان. وإن أراد من شئ معدوم فما حدثت الأشياء إلا من أشياء معدومة، لأن الأجسام والأعراض كانت معدومة قبل وجودها ثم وجدت، وقد عقل حدوث شئ لا من شئ موجود. المسألة السادسة عشر [ الاضافة إلى الطبع مضاف إلى العرض ] فإن قيل: لم لا يكون قديم العالم [. ] (2.

1) الزيادة منا لاستقامة الكلام.
2) بياض في النسخة.

[ 24 ]

(الجواب) وبالله التوفيق: [. ] (1 أولا معقولة حتى يقال أوجبته الطبائع [. ] (1 الطبائع إلا بأنها لا تعقل، لأن كل ما تضيفونه إلى الطبع مضاف عندنا إلى عرض من الأعراض أو إلى غيره مما دل الدليل عليه، فمن ادعى أنه يرجع إلى طبع فعليه الدلالة. وإذا ثبت أن الطباع معقولة صح إثبات إضافة ما يريد اضافته إليه، وإذا لم تكن معقولة فقد بطل ما قاله من أصله واستغنينا عن الكلام معه. المسألة السابعة عشر [ استغناء الطبائع أو عدمه ] فإن قيل: فما تنكر أن تكون الطبائع حية قادرة عالمة قديمة مستغنية عن محل أو غيره. (الجواب) وبالله التوفيق: إن هذه المسألة تجري مجرى التي قبلها، وإنما يصح الكلام في أن الطبائع حية وقادرة أو عالمة أو قديمة أو غير ذلك إذا ثبتت الطبائع، فأما إذا لم تثبت فلا معنى للكلام في صفاتها، لأن الصفات فرع، فإذا بطل الأصل بطل الفرع.

1) بياضات في النسخة.

[ 25 ]

المسألة الثامنة عشر [ تمثل جبرئيل في صورة دحية الكلبي ] نزول جبرئيل عليه السلام بالوحي في صورة الكلبي (1 كيف كان يتصور بغير صورته، ثم هو القادر عليها أو القديم تعالى يشكل وليست صورة جبرئيل، فإن كان الذي من القرآن من صورة غير جبرئيل ففيه ما فيه، وإن كان من جبرئيل فكيف يتصور بصورة البشر. وهذه القدرة قد رويت أن إبليس يتصور وكذلك الجن. أريد توضيح أمر الفلك وما كان يسمعها جبرئيل من الوحي أمن الباري تعالى أم من [ وراء ] (2 حجاب، وكيف كان يبلغه وهو جبرئيل يعلم من صفات الباري أكثر مما نعلمه أو مثله، وأين محله من السماء، وهل القديم إذا خطر ببال جبرئيل يكون متحيرا فيه مثلنا ويكون سبحانه لا تدركه الأوهام، أو منزه علينا وجميع الملائكة أيضا. (الجواب) وبالله التوفيق: إن نزول جبرئيل عليه السلام بصورة دحية كان لمسألة من النبي صلى الله عليه وآله لله تعالى في ذلك، فأما تصوره فليس بقدرته بل الله تعالى يصوره كذلك حقيقة لا شكلا (3.

1) لقد تمثل جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في صورة دحية بن خليفة الكلبي في مواقع عديدة. انظر: سفينة البحار 1 / 441، الاصابة 2 / 161، أسد الغابة 2 / 130.
2) في الأصل: إن الباري تعالى أمن حجاب.
3) في الأصل " لا شكيك ".

[ 26 ]

والذي كان يسمعه (1 النبي صلى الله عليه وآله من القرآن من جبرئيل في الحقيقة كان، فأما إبليس والجن فليس يقدران (2 على التصور. وكل قادر بقدرة فحكمهم (3 سواء في أنهم لا يصح أن يصوروا (4 نفوسهم، بل اقتضت المصلحة أن يتصور بعضهم بصورة يصوره الله تعالى للمصلحة. فأما جبرئيل عليه السلام وسماعه الوحي فيجوز أن يتكلم الله تعالى بكلام يسمعه فيعلمه، ويجوز أن يقرأه من اللوح المحفوظ. فأما ما يعلم جبرئيل من صفات الله تعالى، وطريقه الدليل، وهو والعلماء فيه واحد. فأما محله من السماء، فقد روي أنه في السماء السابعة (5. فأما ما يخطر بباله، فلا يجوز أن يتجوز فيه، لأن جبرئيل عليه السلام معصوم لا يصح (6 أن يفعل قبيحا. المسألة التاسعة عشر [ معنى الصفة في القديم تعالى ] قول أبي علي الجبائي أن القديم تعالى بكونه سميعا بصيرا صفة زائدة، أريد

1) في الأصل " يسميه ".
2) في الأصل " يقدر ".
3) في الأصل: فحمك هم.
4) في الأصل: أن يصور.
5) انظر حول جبرئيل: بحار الأنوار 59 / 248 - 265. ولم نجد الحديث المزمع إليه في الكتاب.
6) في الأصل " لا يفتح "

[ 27 ]

أن توضح الصفة هل تجعلونها مثل القدرة والعلم أو غير ذلك؟ (الجواب): إن الصفة في الأصل هي قول الواصف، فأما الصفة التي [ يوصف ] تعالى بكونه [ قادرا ] (1 وعالما وغير ذلك، فالمراد بها فاعلة الذات من الحال التي يختص بها، سواء كانت للنفس أو للمعنى أو لفاعل. فأما القدرة والعلم فليست عندنا صفة، إنما يسميها الصفاتية أصحاب الأشعري وأما نحن فنسمي الصفة والحال ما أوجبته القدرة والعلم من كونه قادرا أو عالما أو [ ما ] يجري (2 مجرى ذلك. المسألة العشرون [ كلام الله تعالى كيف يكون ] كلام الله تعالى هل يكلم به أو أحدثه مثل غيره من المحدثات، وكلامه لموسى عليه السلام من الشجرة كيف كان وقد كان تعالى وما كان أن يكلمه الله إلا وحيا. (الجواب) وبالله التوفيق: إنه إذا أحدثه فقد تكلم به، لأن المتكلم هو فاعل الكلام، فإذا فعل الكلام فقد تكلم به وقد أحدثه، والمعنى فيهما واحد. وأما كلام موسى عليه السلام من الشجرة، فالله تعالى كلمه، ولذلك قال (وكلم

1) الزيادتان منا لاستقامة الكلام.
2) في الأصل " أو يجرى ".

[ 28 ]

الله موسى تكليما) (1. وأما قوله (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) (2، فقد قال أيضا (أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا) فمن بعضها [ يفسر ] (3 بعض. المسألة الحادية والعشرون [ حول الكعبة والميثاق والعقل والروح ] الكعبة كانت قبلة من تقدمنا أولنا لإبراهيم عليه السلام (4. وقول الحجاج للحجر (وفيت بعهدي وتعهدت ميثاقي) (5، أيسمع الحجر ذلك أو يحدث فيه يوم القيامة العلم بذلك، وهل الميثاق له (6 أصل، فإن كان هناك ميثاق فيجب أن نذكره إن كنا عقلاء في ذلك الوقت، وإن كنا غير ذلك فحوشي أن يؤخذ الميثاق على غير عاقل. فأيضا فهذا مما يقوى به أصحاب التناسخ، لأنهم يحتجون علينا بأن الأرواح مخلوقة قبل الأبدان بألفي عام. وأريد أيضا أن تشرح صورة الأرواح هل خلقت قبل الأبدان أم لا، وأكثر تعلقهم بهذا الخبر وكون الأرواح قديمة قبل الأجسام. وهذه الأرواح إذا فارقت الأبدان هل تحس أم لا، وهل الحسيات عليها وعلى

1) سورة النساء: 164.
2) سورة الشورى: 51.
3) الزيادة منا.
4) كذا في النسخة.
5) انظر وسائل الشيعة 5 / 402 407، ففي أحاديث وردت هذه الجملة " أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة ".
6) في الأصل " وهو الميثاق ".

[ 29 ]

الأبدان أو عليها وحدها. وإذا نام الانسان ما يعدم من البدن منها وما الذي يبقى فيه. والعقل أين مستقره من البدن، وهل هو في العالم سواء أو يتفاضل الناس فيه وهل الأنبياء والأئمة عليهم السلام لهم علينا مزية فيه أو نحن وهم فيه سواء، بأن اكتساب علوم فلا بد (من أصل الماء أعني) (1 بذلك الأصل، وهل يكبر مع الصبي كلما كبر أو الذي يكسبه علوم. والروح في الانسان لم روح، وأين مستقر العقل، وهل هو داخل فيها أو خارج عنها، والانسان من هو؟ (الجواب) وبالله التوفيق: إن الكعبة معلوم أنها قبلتنا، وأما كونها قبلة من تقدمنا فغير معلوم، وهو مجوز. وأما قول الحجاج للحجر، فإنا تعبدنا بذلك أن نقول هذا اللفظ عند الحجر وكيف يجوز أن يسمع الحجر والسمع يفتقر إلى كونه حيا ومعلوم أنه جماد. وأما قوله (هذا الميثاق) الأصل ميثاق الذر، وهو قوله (ألست بربكم قالوا بلى) (3. وليس الأمر كذلك، لأن الميثاق الذي يعنيه هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى علينا بالحج على لسان نبيه صلى الله عليه وآله، وإذا كان كذلك ولا مالة (كذا) (4 علينا إلا في خطابه للحجر، وقد قلنا إنه عبادة من الله تعالى لنا بذلك. وأما قوله إن هذا [. ] (5 أهل التناسخ.

1) كذا والعبارة غير مستقيمة.
2) كذا.
3) سورة الأعراف: 172.
4) كذا في النسخة.
5) بياض في الأصل.

[ 30 ]

فقد بينا في مواضع من كلامنا وكلام شيوخنا بطلان التناسخ بأدلة لا يمكن دخول الشبهة عليها، فكيف يرجع عليها بمثل ذلك. فأما قوله: إنهم قالوا إن الأرواح مخلوقة قبل الأبدان بألفي عام. فمن جملة الدعاوي الباطلة التي يفتقرون في تصحيحها إلى الأدلة الظاهرة، ولا دليل. ونحن فقد دللنا على حدوث الأجسام جميعها روحا كانت أو غير روح، ودللنا على حاجتها إلى محدث في مواضع. وعمدة كلامهم على أن الروح نفسها حية، والحي عندنا هو الجسم الذي الروح له. وهذه المسألة مبنية على معرفة الانسان الحي الفعال من هو، فإذا عرف سقط كلامهم وثبت ما نقوله. ومن الذي يسلم لهم أن الأرواح قديمة، والأرواح عندنا جملة من الأجسام، وقد دللنا على حدوثها. وقوله: وهذه الأرواح إذا فارقت الأبدان هل تحس. فقد قلنا: إن الذي يحس هو الحي، والحي هو الذي تحله الحياة، وهو الجملة التي تدرك المدركات. وإذا كانت الأرواح إذا انفردت لا يكون لها هذا الحكم لم يجز أن تحس (1، لأن الحس عبارة عن إدراك. وقوله: وهل الحساب عليها أو على الأبدان. والحساب على الحي المكلف المأمور المنهي، وإذا كانت الأرواح لا تقوم بنفسها - أعني عن كونها حية - وإنما هي تابعة فالحساب على من هي تابعة له لا عليها. وأما قوله: إذا نام الانسان ما الذي يعدم من البدن وما الذي يبقى. فالروح عندنا عبارة عن الهواء المتردد في مخارق الحي، وهذا الهواء الحال

1) في الأصل " أن يحسن ".

[ 31 ]

في حالتي النوم والانتباه (1. وقوله: والعقل أين مستقره. فمستقره القلب، وقد ذكرنا ذلك في مسألة أخرى، وقد قلنا: إن الناس فيه سواء لا يتفاضلون. ولا مزية للانبياء عليهم السلام علينا فيه، وإنما المزية (2 في علوم أخرى. وقوله: وهل يكبر مع الصبي. فإنه من فعل الله تعالى، وهو مجموع علوم بين الناس فيه خلاف هل يكون في من ليس بعاقل يعضد أم لا. والظاهر أن الله تعالى يفعله (3 متى شاء بأن يفعله صغيرا كان من يفعله فيه أو كبيرا، لأنه يتعلق به باختياره تعالى متى [ شاء ] (4 أن يفعله فعله، وقد فعله لعيسى عليه السلام وهم أطفال. وقوله: والروح في الانسان ثم روح. والروح روح واحدة، وقد قلنا إنها عبارة عن الهواء المتردد في مخارق الحي، وإذا لم يكن في مخارق حي فهو هواء وروح. وقوله: وأين مستقرها. فقد قلنا: مخارق الحي. وقوله: أين مستقر العقل منها. فليس الروح هي العاقلة، وتكون الروح داخلة في العقل ولا العقل فيها.

1) في الأصل " في الانتباه ".
2) في الأصل " وإنما المزيلة ".
3) في الأصل " لفعله ".
4) الزيادة منا.

[ 32 ]

وقوله: والانسان من هو. فهذه المسألة أصل لجميع (1 هذه المسائل، وهي مسألة طويلة لا يحتملها هذا الموضع، وقد أشرنا إلى تفصيلها. المسألة الثانية والعشرون [ أول ما خلق الله تعالى ] إذا كان القديم تعالى قديما فيما لم يزل فكيف يقطع عليه أن [. ] (2 السماوات والأرض وما فيهما أول ابتداء خلقه، فهل الشريعة تقطع بذلك أو غيره. توضح ذلك وهو قديم فيما لم يقطع بذلك. (الجواب) وبالله التوفيق: أنا لا نقطع على أن السماوات والأرض أول ما خلق، وذلك فجوز (3 الله تعالى هو العالم بذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يقطع به عن ذلك. المسألة الثالثة والعشرون [ حقيقة الفراغ وهل له نهاية ] الفراغ له نهاية، والقديم تعالى يعلم منتهى نهايته، وهذا الفراغ أي شئ هو. وكذلك الطبقة الثانية من الأرض والثامنة من السماء نقطع أن هناك فراغا

1) في الأصل " لجميعهم ".
2) بياض في النسخة.
3) كذا.

[ 33 ]

أم لا، فإن قلت لا طالبناك بما وراء الملاء، وهل القديم تعالى يعلم أن هناك نهاية، فإن قلت نعم طالبناك أي شئ وراء النهاية؟ (الجواب) وبالله التوفيق: إن الفراغ لا يوصف بأنه منتهاه ولا أنه غير منتهاه على وجه الحقيقة، وإنما يوصف بذلك مجازا واتساعا. وأما قوله: وهذا الفراغ أي شئ هو. فقد قلنا إنه لا جوهر ولا عرض ولا قديم ولا محدث ولا هو ذات ولا معلوم كالمعلومات. فأما الطبقة الثانية من الأرض فما نعرفها، والذي نطق به القرآن ((سبع سماوات طباقا) (1 (ومن الأرض مثلهن) (2. فأما غير ذلك فلا طريق يقطع به من عقل ولا شرع. المسألة الرابعة والعشرون [ تكليف أهل جابرقا وجابرسا ] قول الحسن والحسين عليهما السلام: ما بين جابرقا وجابرسا حجة لله غيرنا. هل هذه جابرقا وجابرسا لهما تحقيق وما تكليفهم. (الجواب) وبالله التوفيق: إن الخبر قد ورد بذلك، ولا يقطع عليه بصحة ولا بطلان، لأنه من أخبار

1) سورة نوح: 15.
2) سورة الطلاق: 12. والآية " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ". ولعله قصد هذه الآية فجاءت كلمة " طباقا " عفوا.

[ 34 ]

الآحاد، فلن نقطع (1 على صحته، فإن قد اتصل بهم خبر نبينا عليه السلام فهم متعبدون بما في العقل وشريعته ويجرون مجرانا، وإن لم يكن قد اتصل بهم خبر نبينا عليه السلام فهم متعبدون بما في العقل فقط. المسألة الخامسة والعشرون [ تكليف الأطفال يوم القيامة ] الأطفال ما حكمهم يوم القيامة، أطفال المؤمنين والكافرين، يعني من له أربعون يوما وما زاد عليه. (الجواب) وبالله التوفيق: المروي أن [ أولاد ] (2 المؤمنين يدخلون الجنة تفضلا عليهم، أو يرون بذلك سرور آبائهم، فيكون من جملة ثواب الآباء. فأما أولاد الكفار فحكمهم حكم غيرهم ممن ليس بعاقل في أنه يعاد للعرض ثم يصير ترابا. المسألة السادسة والعشرون [ عقاب من قاتل إماما ] من قاتل إماما عادلا وهو مؤمن بجميع الشريعة إلا خروجه على الإمام وقتل ولم يصح منه توبة، هل يجوز أن يقتص منه بقدر ظلمه للإمام ويدخل الجنة. (الجواب) وبالله التوفيق:

1) في الأصل " فإن قطع ".
2) زيادة منا لاستقامة الكلام.

[ 35 ]

مقاتلة الإمام العادل كفر [. ] (1 عقاب فاعله عقاب الكفار على وجه الدوام، ولا يصح العفو عنه والشفاعة فيه، ولا يسقط عقابه إلا بالتوبة. المسألة السابعة والعشرون [ الملائكة والجن بعد انتهاء التكليف ] إذا حصل أهل الجنة في الجنة ما حكم الملائكة، هل يكونوا في جنة بني آدم أو غيرها، وهل يراهم البشر، وهم يأكلون ويشربون مثل البشر أو تسبيح وتقديس، وهل يسقط عنهم التكليف. وكذلك الجن. (الجواب) وبالله التوفيق: إنه يجوز أن يكونوا في الجنة مع بني آدم، ويجوز أن يكونوا في جنة، سواها، فإن الجنان كثيرة: جنة الخلد، وجنة عدن، وجنة المأوى، وغير ذلك مما لم يذكره الله تعالى. وأما في رؤية البشر لهم فلا تصلح إلا على أحد الوجهين: إما أن يقوي الله تعالى (2، أو يكيف الملائكة. وأما الأكل والشرب فمجوز، والله تعالى ينبئهم بما فيه لذتهم، فإن جعل لذتهم في الأكل والشرب جاز، وإن جعلها في غيره جاز. وأما التكليف فإنه يسقط عنهم، لأنه لا يصح أن يكونوا مكلفين مثابين في حالة واحدة. والكلام في الجن يجري هذا المجرى.

1) بياض في النسخة.
2) كذا، ولعل الصحيح: أما أن يقوي الله تعالى رؤية البشر.

[ 37 ]

(جوابات المسائل الواسطيات)

[ 39 ]

بسم الله الرحمن الرحيم المسألة الخامسة من المسائل الواسطيات [ إنكاح النواصب والغلات ] هل يجوز للمؤمن أن يزوج ابنته الناصب أو الغالي أو فيها (1 ما يخرج من حد النكاح إلى السفاح، وما الفرق بينهما في هذه الحالة، وما حقيقة بعدهما جمعا من حقائق الاسلام على مقتضى الاعتقاد وأصول الدين؟ (الجواب) وبالله التوفيق: الناصب كالغالي في الكفر والخروج عن الإيمان، ولا يجوز مناكحة كل واحد منهما مع الاختيار. ولا فرق بينهما في أنهما كافران لا يتعلق عليهما أحكام أهل الاسلام. فأما مقادير عقاب كل واحد منهما وزيادة بعضه على بعض أو نقصانه فمما يعلمه الله تعالى ولا طريق لنا إلى تحقيقه وتفصيله.

1) كذا.

[ 40 ]

المسألة السادسة من الواسطيات [ ميراث أهل الذمة ] هل يرث المسلم ممن مات من أهل بيته ممن هو من أهل الذمة على مقتضى الشريعة أو الاسلام يمنعه من ميراث أهل المخالفين لملته، لقول النبي صلى الله عليه وآله: أهل ملتين لا يتوارثون. بحسب ما ذكره ابن محبوب (ره) في كتاب المشيخة (1. (الجواب) وبالله التوفيق: إنه لا يختلف أصحابنا في أن المؤمن يرث الكافر وإن كان الكافر لا يرث المؤمن وما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله ((إن أهل ملتين لا يتوارثون)) إن كان صحيحا فإنه خبر واحد غير مقطوع به، فمعناه أن كل واحد منهما لا يرث صاحبه وذلك لا يمنع من أن يورث المسلم الكافر، لأن التوارث تفاعل ولا يكون إلا بين اثنين على كل واحد واحد، وإذا كان من جهة واحدة لم يكن تفاعلا ولا توارثا. المسألة السابعة من الواسطيات [ الصلاة في ثوب ابريسم ممزوج ] مع ثبوت الخبر أنه لا يجوز الصلاة في ثوب ابريسم إلا أن يكون ممزوجا بقطن أو كتان، فهل تجب الصلاة في ثوبين أحدهما ابريسم والآخر كتان وجوبهما جميعا مجرى الثوب الممزوج إذا كان المعتمد في ذلك نقض الصلاة في الحرير

1) وسائل الشيعة 17 / 377.

[ 41 ]

إذا لم يكن معه غيره. (الجواب) وبالله التوفيق: إن الثوب إذا كان حريرا محضا لا يخالطه قطن أو كتان فلبسه حرام والصلاة فيه أيضا غير جائزة، ولا يجري الثوبان اللذان أحدهما حرير محض والآخر قطن مجرى ثوب واحد ممزوج، لأن لابس الثوبين واحدهما حرير محض لابس لما حرم من الحرير، وليس كذلك الثوب الممزوج. المسألة الثامنة من الواسطيات [ عدة وفاة الذمي ] إذا مات الذمي عن زوجته فكم أقل ما يجب أن تعتد بعده فتحل للمستمتع بها من المسلمين؟ (الجواب) وبالله التوفيق: لا يجوز التمتع ولا أن ينكح الدوام والتأبيد امرأة الذمي إذا مات عنها زوجها (1 الذمي إلا بعد أن تعتد العدة المفروضة في ذلك على الزوجة الحرة المسلمة. مسألة التاسعة من الواسطيات [ المرأة المتسامحة في نفسها عن مراعاة الطلاق ] إذا ثبت على المرأة المتسمحة في صيانة نفسها أنها تتزوج كثيرا ولا تراعي طلاقها إلا بالخروج من بيت زوجها لا ينضبط لها استقرارهم وطلب الخلاص من

1) في الأصل " عن زوجها ".

[ 42 ]

حالهم وتزوجهم، فكيف يكون السبيل للراغب فيها إلى التزوج بها؟ (الجواب) وبالله التوفيق: إن نكاح (1 المرأة المتزوجة في دينها المتسمحة فيما يلزمها من عدة أو غيرها مكروه وإن لم يكن محرما، وكل امرأة لم يعلم أنها في حبال زوج أو عدة منه جاز نكاحها على ظاهر الأمر فيه وليس يلزمه ما في الباطن، فمن أراد الاحتياط مع من خاف أن تكون فرطت في عدتها جاز له أن يلزمها أن تعتد عدة كاملة قبل العقد عليها وإن لم يكن ذلك واجبا. المسألة العاشرة من الواسطيات [ لأحد للمستمتعات في العدد ] هل تجري المستمتعات بهن مجرى الزوجات في التحصين، فيحرم على المستمتع الزيادة على الأربع أو تجري مجرى الإماء في كثرة العدد وترك الالتفات إلى هذا الباب. (الجواب) وبالله التوفيق: لا خلاف بين أصحابنا في أن للمتمتع أن يجمع بين النساء أكثر من أربع حرائر وأنهن يجرين مجرى الإماء اللواتي يستباح بملك اليمين وطؤهن، وقوله تعالى (مثنى وثلاث ورباع) (2 وكل ظاهر من قرآن أو سنة يقتضي ذلك الزائد على أربع، نحمله على أن المراد نكاح الدوام دون المتعة.

1) في الأصل " إن النكاح ".
2) سورة النساء: 3.

[ 43 ]

المسألة الحادية عشر من الواسطيات [ طلاق المضطر ثلاثا كم يعد ] إذا اضطر الرجل المؤمن إلى التزوج في أسفاره أو حسب اختياره وهو مقارب لمن يتقيه ولا يتمكن أن يجعل طلاقه لهن بحسب اعتقاده فيطلقهن إذا اضطر إلى ذلك تطليق الثلاث مع مكان واحد، فهل يجزيه ذلك مع التقية أوهن في حباله حين لم يطلقهن على مقتضى المذهب الذي يعتقده فيحرم عليه حينئذ التزويج بعد الأربع اللواتي طلقهن على ما شرح أولا. (الجواب) وبالله التوفيق: لا تقية على أحد في أن يطلق امرأته الطلاق الذي تذهب إليه الإمامية، فإنه إذا طلقها تطليقة واحدة في طهر لإجماع فيه بمشهد من عدلين فقد فعل السنة وخلاف ذلك هو البدعة وإن وقع الطلاق معه عند المخالف. إلا أنه يمكن أن يسأل عمن طلق نساء له أربعا بلفظ واحد. والجواب: إنه إذا طلق جميعهن وهن في طهر لا جماع فيه بلفظ واحد بمشهد من عدلين فقد وقعت بهن تطليقة واحدة، ولا يحل له أن يتزوج بأخرى إلا بعد أن يخرجن من العدة ويبن منه بالخروج منها. المسألة الثانية عشر من الواسطيات [ جواز التمتع للمستمتع بها قبل انقضاء العدة ] هل يجوز للمستمتع بالامرأة إذا بانت عنه بخروج الأجل المسمى بينها وبينه أن يستمتع بها قبل انقضاء عدتها أو بعد ذلك، أو تحرم عليه بالمتعة الأولى من

[ 44 ]

إعادتها ومراجعة الاستمتاع بها، وما الحكم والرخصة في ذلك؟ (الجواب) وبالله التوفيق: يجوز للمستمتع بالمرأة بعد انقضاء عدتها منه أن يعاود الاستمتاع بها، ويجوز له بعد انقضاء الأجل المضروب وقبل أن تعتد منه أن يعاود المتمتع. وإنما العدة شرط في إباحة نكاح غيره لها وليست شرطا في نكاحه هو إياها.

[ 45 ]

(المسائل الرملية)

[ 47 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (1) [ حكم الطلاق بعد ارتفاع الدم وإيلاء المرأة ] مسألة من المسائل الرملية، قال: إذا كان الطلاق لا يقع بالمرأة إلا وهي طاهر في طهر لا ملامسة فيه، فما الحكم في رجل قصد إلى امرأة وهي طاهر فلامسها ثم آلى منها عقيب ملامستها وارتفع الدم عنها فتربصت به أربعة أشهر لم يقربها وجب عليه فيها مرافعته إلى الحاكم بعد الأجل فأمره بالكفارة فامتنع منها، أيلزمه الطلاق وهي في طهر قد وقعت فيه الملامسة فيكون قد أفتى بضد ما يقتضيه المذهب، أم يتركه على حاله لا يكفر ولا يطلق فيخالف الإجماع في ذلك؟ (الجواب) وبالله التوفيق: إن الطلاق إنما لا يقع في طهر تخللته الملامسة إذا كانت المرأة ممن تحيض وتطهر، فأما إذا ارتفع الدم عنها ويئست من الحيض ودام ارتفاع الدم (1 فإن

1) في الأصل " وليس ارتفاع الدم ".

[ 48 ]

الطلاق يقع بها على كل حال. وإذا كان الأمر على ما أوضحنا وصادف انقضاء الأربعة أشهر مرافعة المرأة لزوجها إلى الحاكم اليائس من الحيض فالحاكم يأمره بالكفارة، فإذا امتنع ألزمه الطلاق، فإن طلق وقع طلاقه، لأن طلاقه طلاق يائسة. اللهم إلا أن يسأل عمن صادف مرافعة من زوجته إلى الحاكم بعد انقضاء الأجل حيضا وامتنع الزوج من الكفارة، وقيل لنا: كيف تقولون ههنا أيلزمه الطلاق وهو لا يقع منه أو تمسك عن إلزامه فيكون غير مكفر ولا مطلق؟ والجواب عن ذلك: أنا نقول: إنه ألزمه الطلاق بشرط طهارة زوجته، فكأنه يقول له: قد ألزمتك وحكمت عليك بأن تطلق زوجتك إذا طهرت فقد صار الطلاق لازما لما امتنع من الكفارة لكن على الوجه المطلوب. وهذا بين بحمد الله وتوفيقه.
(2) [ حكم الخلاف في رؤية الهلال ] مسألة من المسائل الرملية: ما القول في من طلب هلال شهر رمضان فلم يره، أو رآه وجوز رؤية غيره له من قبل في بلد آخر وكانت رؤيته لا تعطي معرفة له، أي شئ يعتقد وعلى أي شئ يقول؟ وكذلك إذا ظهر آخر الشهر لقوم واستتر عن قوم حتى وجب الصيام على من استتر عنهم والافطار على من ظهر لهم، أليس يؤدي هذا إلى نقصانه عند بعض

[ 49 ]

المكلفين وتمامه عند آخرين فتبطل حقيقة شهر رمضان في نفسه، أو يكون له حقيقة عند الله تعالى لم ينصب لخلقه دليلا يتفقون به عليها ويعتقدونها على وجهها، ويؤدي أيضا إلى اختلاف الأعياد وفساد التواريخ ومماثلة أهل الاجتهاد في الخلاف؟ (الجواب) وبالله التوفيق: إن تكليف كل مكلف يختص به ولا يتعلق بغيره، فليس بمنكر أن يختلف تكليف الشخصين في الوقت الواحد، كما لا يمتنع اختلاف تكليف الشخص الواحد في الوقتين والوجهين وفي الوقت الواحد والوجه الواحد إذا كان التكليف على التخيير. وإذا صحت هذه الجملة فما المانع من أن يكون تكليف من رأى هلال شهر رمضان الصوم وتكليف من لم يره ولا قامت حجة برؤيته الفطر، وكذلك حكمها في رؤية الفطر. وأي فساد في اختلاف التكليف إذا اختلفت وجوهه أو طرقه؟ أو ليس الله تعالى قد كلف واجد الماء الطهارة به دون غيره وأسقط من فاقد الماء تكليف الطهارة به وكلفه التيمم بالتراب وجعل تكليفهما في صلاة واحدة مختلفا كما ترى، ولم يقتض ذلك فسادا. وكذلك تكليف المريض الصلاة من قعود والصحيح الصلاة من قيام، فاختلف التكليف فيهما لاختلاف أسبابهما به. ومن طلب جهة القبلة وغلب في ظنه بأمارة لاحت له أنها في بعض الجهات وجب عليه أن يصلي إليها بعينها، ومن طلبها في تلك الحال وغلب في ظنه بأمارة أخرى أنها في جهة سواها وجب عليه أن يصلي إلى خلاف الجهة الأولى. وكل واحد منهما مؤد فرضه وإن اختلف التكليف.

[ 50 ]

ولو ذهبنا إلى ما ذكر مما يختلف فيه التكليف من ضروب الشرائع لطال القول واتسع. ولسنا نعيب أصحاب الاجتهاد بالاختلاف في التكليف على ظن المسائل، لأن الاختلاف إذا كان عن دليل موجب للعلم وحجة صحيحة لم يكن معيبا. وإنما عبناهم بالاجتهاد والقياس في الشريعة، لأنه لا دليل عليهما ولا طريق إليهما.

[ 51 ]

(شرح القصيدة المذهبة)

[ 53 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلاته على سيدنا محمد نبيه وآله الطاهرين. سأل الأستاذ الفاضل أبو الحسن علي بن شهفيروز أدام الله عزه تفسير قصيدة أبي هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الملقب بالسيد رضي الله عنه البائية التي أولها (هلا وقفت على المكان المعشب) وإيضاح معانيها ومشكل ألفاظها. وأنا أجيب إلى ذلك على ضيق وقتي وتقسيم فكري وكثرة قواطعي. ومن الله أستمد المعونة والتوفيق في كل قرب وطلب. (1) هلا وقفت على المكان المعشب * بين الطويلع (1 فاللوى من كبكب المعشب: هو المكان الكثير العشب، والعشب معروف، ومنه مكان معشب

1) في بعض النسخ " ظويلع " وهو لهجة بعض المناطق العربية.

[ 54 ]

وعشيب وعاشب. وجمع العشب أعشاب. والطويلع: ماء لبني تميم في ناحية الضمان. ويكون مصغرا من أحد شيئين: أما أن يكون من (طلع على القوم) أي أشرف عليهم، وأما من قولهم (اطلع الرجل) إذا قاء، والطلعاء القئ. فإن كان الأول فهو تصغير (طالع) لأشراف موضعه من الوادي الذي هو فيه وعلوه، وإن كان من الثاني فهو تصغير على الأصل كأنه قال اطلع الرجل أي قاء، فطلع القئ، كما أنهم قالوا: أتاع الرجل إذا قاء أيضا، كما قال القطامي: وظلت تعبط الأيدي كلوما * تمج عروقها العلق المتاعا قالوا: أتاع القيء، نفسه. وإذا كان الاسم على ما قلنا طالعا، فإن تصغيره (طويلع) إلا أن التصغير دخله بعد أن صار اسما، لأن الصفة لا تصغر. واللوى مقصورا: انحناء بعد منقطع الرملة، وأما اللواء بالمد فهو الذي يعقد للوالي. وأما (كبكب) فهو جبل معروف، وهو المطل على عرفات، وهو فعلل من الكبة وهي معظم الحرب. وكذلك كبة النار معظمها وجاحمها، ومنه قوله تعالى (وكبكبوا فيها هم والغاوون) (1، ومعناه فكببوا، كقولك فتحت الأبواب إذا أردت تكثير الفعل. ويجوز أن يكون المعنى: ألقوا على وجوههم فيها. ويمكن أيضا أن يكون اشتقاق (كبكب) من المتكبب، وهو المجتمع المتلون. فإن قيل: كيف يقول (بين الطويلع فاللوى من كبكب) والكلام يدل على تقارب الموضعين، لأنه قال: هلا وقفت على المكان المعشب، بين كذا وكذا، وقد قلتم إن الطويلع بناحية الضمان، وكبكب جبل مطل على عرفات وبينهما بون

1) سورة الشعراء: 94.

[ 55 ]

بعيد؟ قلنا: ليس يمتنع أن يأمره بالوقوف على كل مكان معشب بين هذين الموضعين وأن تباعدا. ويجوز أيضا أن يكون أمره بالوقوف على مكان بعينه معشب بين الطويلع فكبكب وأن تباعد ما بينهما، وهذا أحسن.
(2) فنجاد توضح فالنضايد فالشظا * فرياض سخة فالنقا من جونب النجاد: جمع نجد، وهو الطريق المرتفع. والنجد أيضا: الأرض المستوية وجمعها نجود. ونجاد السيف حمائله. والنجاد أيضا اللجام. وتوضح: موضع مشهور، قال النابغة: الواهب الماية الابكار زينها * كالعين ترعى في مسالك أهضب وتوضح بالحمى حمى. كانت إبل الملوك ترعاه، فلذلك ذكره النابغة وهو من (وضح الأمر) إذا بان وانكشف، ومنه وضح الصبح: إذا بان وظهر. وأما (النضائد) فمشتقة من نضدت الشئ: إذا عبأت بعضه إلى بعض. والنضد ما نضدت من متاع البيت بعضه على بعض. والنضد أيضا الشريف من الرجال وجمعه النضاد. والنضائد أعمام الرجل وأخواله. والشظا: موضع يشبه أن يكون سمي بذلك لبروزه وظهوره، من قولهم شظي الفرس وتشظى شظا: إذا تحرك شظاه، وهو عصبة بين الوظيف والابجر. ويجوز أن يكون مشتقا من المشقة والشدة، من قولهم: شظي الأمر شظا وشظوظا إذا شق واشتد.

[ 56 ]

وأما (سنحة) فمشتقة من السنح بمعنى الاعتراض، يقال سنح سنوحا إذا عرض سنح الطريق متنه. والسانح ما أولاك ميامنه، والبارح ما أولاك مياسره من الوحش والطير (1. وأما (النقا) فهو قطعة من الرمل تنقاد محدودبة به، والتثنية نقوان ونقيان لغتان. وأما (جونب) فهو اسم موضع بلا شك، إلا أنني لست أعرف جهته وناحيته إلى الآن، وقد تصفحت ما يجب أن يكون ذكره فيه فلم أجد، وإن وجدت مستقبلا ما يدل على هذا الموضع بعينه وجهته استأنف ذكره بمشيئة الله تعالى.
(3) طال الثواء على منازل أقفرت من بعد هند والرباب وزينب أما (الثواء) فهو الإقامة، يقال ثويت بالمكان وأثويت. والثوية: المنزل الذي يثوى إليه، والثوي الضيف. والثوية أيضا: عين تنبعث من حجارة للراعي يرجع إليها ليلا. وأقفرت: بمعنى خلت من أهلها، يقال أرض قفر وقفرة للتي لا شئ بها.

1) هذا على نسخة " سنحة " بالنون والحاء المهملة، وأما على نسخة " سخة " بالسين المفتوحة وتشديد الخاء المعجمة فهو ماءة في رمال عبد الله بن كلاب، أو " سخنة " بضم السين وسكون الخاء المعجمة ونون فهو بلدة في برية الشام يسكنها قوم من العرب. انظر: معجم البلدان 3 / 196.

[ 57 ]

أدم حللن بها وهن أوانس كالعين ترعى من مسالك أهضب الأدم من الرجال والنساء: البيض إلى السمرة، ومن الإبل والضباع: البيض إلى الحمرة. وقوله (أوانس) يعني النساء، وقد مضى ذكرهن في البيت الأول. والعين: بقر الوحش، الواحدة عيناء، سميت بذلك لكبر عينها. وأهضب: جمع هضبة، وهو ما ارتفع من الأرض.
(5) يضحكن من طرب بهن تبسما عن كل أبيض ذي غروب أشنب الطرب: ما يستخف الانسان من فرح أو حزن، قال الشاعر: وأدالوا طربا في أمرهم * طرب الواله أو كالمختبل وقوله (يضحكن تبسما) مناقض، لأن الضحك الاستغراب والمبالغة إلى غاية لا يدركها التبسم، إلا أنه أقامه مقامه فأجرى عليه اسمه (1.

1) في الهامش: قوله " أقامه مقامه فأجرى عليه اسمه " لعل الشاعر البليغ المجمع على بلاغته، أراد أن هؤلاء الغواني المشبب بهن موصوفات بغاية وقوة الحياء، مصونات عن كل خصلة مبتذلة، فإذا غلبهن عجب من شئ لم يدرك منهن ما يدرك من غيرهن من الاعلان بالضحك الذي يسمع للعجب، وإنما يدرك منهن التبسم. وهذا غاية المدح فيهن، مفيد معنى الكناية المطلوب. والله أعلم.

[ 58 ]

(والغروب) جمع غرب، وهو من كل شئ حده، وإنما أراد تحديد الأسنان وذلك من علامة حداثة السن والشنب: برد الأسنان وعذوبتها، يقال: رجل أشنب وامرأة شنباء.
(6) حور مدامعها كأن ثغورها وهنا صوافي لؤلؤ لم يثقب حور: جمع حوراء، من الحور الذي هو شدة بياض العين وشدة سواد سوادها. وقيل بل هو أن يكون البياض محدقا بالسواد. وإنما يكون ذلك في البقر والظباء، ويستعار للناس. ووهن الليل: قريب من نصفه، وأراد أن ثغورهن وصف من النساء (كذا) يعني يضئ في هذا الوقت من الليل كما يضئ الصافي من اللؤلؤ. وخص ما لم يثقب منه لأنه قبل الثقب لا يلبس ولا يستعمل ولا يستبذل فيتدنس بذلك.
(7) أنس حللن بها نواعم كالدمى من بين محصنة وبكر خرعب الأنس: جمع آنسة. والدمى: جمع دمية، وهي الصورة. والمحصنة: العفيفة، وهي أيضا ذات الزوج، والمراد بها ههنا ذات زوج حتى يقابل قوله (بكر خرعب). وأما (الخرعب) مق النساء والخرعبة: فهي الطويلة اللينة العصب.

[ 59 ]

(8) لعساء واضحة الجبين أسيلة وعث المؤزر جثلة المتنقب اللعس: أن تشتد حمرة الشفة حتى تضرب إلى السواد، امرأة لعساء ونساء لعس. ووضح الجبين: بياضه وإشراقه. والأسيلة: السهلة الخلد. وقوله (وعث المؤزر) أي هي ثقيلة الردف مع لين و.. كالواعث من الرمل: وهو ما اجتمع منه في سهولة ولين. فأما قوله (جثلة المتنقب) فالجثل: الكثيف والكثافة في الوجه ليس فيها جمال توصف الحسناء به، وإنما توصف بالسهولة في الخد والوجه. وما أعلم إلى أي شئ ذهب في هذا المعنى (1.
(9) كنا وهن بنضرة وغضارة في خفض عيش راغد مستعذب النضرة: الحسن، يقال نضر الشئ فهو ناضر أي حسن. والغضارة: البهجة.

1) في الهامش: قوله " وما أعلم إلى أي شئ ذهب " إذا كان المتنقب يصح اطلاقه على هن المرأة، عمل بالاستعارة: شبه تستره وإخفاءه بالوجه المتنقب بالنقاب، فأطلق عليه فالأمر ظاهر، والكثافة في الهن والعظم مما تحمد به المرأة، بل تمدح به حتى قالت الأعرابية:

[ 60 ]

والخفض: لين العيش. والراغد: الواسع.
(10) أيام لي في بطن طيبة منزل عن ريب دهر حاير متقلب طيبة: مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أسمائها: طيبة ويثرب والمدينة والدار والمسكينة وجابرة والمجبورة والمحبة والمحبوبة والعذراء والرعبوبة والقاصمة ويندد (1، فذلك ثلاثة عشر اسما. ريب الدهر: خطوبه وطوارقه، وأصل الريب والريبة الشك، يقال رابني الدهر إذا خفت منه وشككت فيه، في توجه الشر منه. ومعنى (عن ريب دهر) أي بدلا وعوضا عن ريب دهر، يقولون أعطيتك كذا من كذا أي بدلا عنه.
(11) فعفا وصار إلى البلا بعد البنا وأزال ذلك صرف دهر قلب عفا: بمعنى درس، يقولون: عفا الموضع يعفو عفوا، وعفا فهو عاف إذا درس. وعفا القوم يعفون: إذا كثروا، وعفا الشعر وغيره إذا كثر.

إن هنى لهن.. إن جلست فوق.. كالأرنب الراني... فلعل السيد الحميري يزيد هذا مع إنه ذكر إنها أسيلة الوجه أي الخد وإنها ثقيلة الردف. أو يقال إنه أراد به جثلة الشعر من الرأس. 1) انظر: " عمدة الأخبار في مدينة المختار " 551 للشيخ أحمد بن عبد الحميد العباسي.

[ 61 ]

والبنا: جمع بنية. وصرف الدهر: تقلبه وتصرفه. والقلب: المتقلب المتردد في الأمور، ومن أوصاف الذئب: القلوب والقلب.
(12) ولقد حلفت وقلت قولا صادقا تالله لم آثم ولم أتريب الإثم: الذنب والفعل القبيح، والإثم أيضا عند قوم الخمر، والأثم بالفتح مصدر قولهم (إن الناقة لتأثم المشي أثما) إذا أبطأت. ومعنى لم أتريب: لم أجئ بريبة وبما يشك فيه.
(13) لمعاشر غلب الشقاء عليهم وهوى أمالهم لأمر متعب أي حلفت لهؤلاء القوم الذين وصفتهم أن الشقاء غلب عليهم وأمالهم بهواهم إلى الأمر المتعب.
(14) من حمير أهل السماحة والندى وقريش الغر الكرام وتغلب يشبه أن يكون إنما خص بخطابه ووعظه حمير التي هي قبيلته لأن الانحراف عن أمير المؤمنين كان فيهم فاشيا شائعا، وقد روي في الأخبار أن داخلا دخل على السيد في غرفة له، فقال له السيد: لقد لعن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه

[ 62 ]

الغرفة كذا وكذا سنة، وكان والداي يلعنانه في كل يوم كذا وكذا مرة، ثم قال: ولكن الرحمة غاصت علي غوصا فاستنقذتني. ولقد صدق في قوله، لأن من شأن الولد أن ينشأ في الأغلب والأكثر على مذهب والديه لألفه لهما وتمرنه باستماع ما يقولانه، ولكن الله تعالى اسمه يوفق من يشاء.
(15) أين التطرب بالولاء وبالهوى ء إلى الكواذب من بروق الخلب البرق الخلب: الذي لا مطر فيه، وهو مأخوذ من الخلب والخلاب الذي هو الغدر والخداع، يقال رجل خلاب وخلبوت بالتاء أي غادر. والخلب أيضا: الطير. والخلب: قلب النخلة. والخلب: الليف واحده خلبة. والخلب: القطع، وقد خلبت الشئ أخلبه خلبا، وبه سمي المنجل: المخلب، ومنه سمي مخلب الطائر. والخلب: حجاب القلب. ويقال إنه يخلب النساء: أي تحبه النساء. فكأنه قال: إلى أين تذهبون بأهوائكم وولائكم؟ أتذهبون إلى ما لا محصول له ولا ثمرة فيه ولا نفع يعود منه. وجعل الاعتقاد الذي لا يعود بنفع كالبرق الخلب الذي لا يتعقبه المطر.
(16) ء إلى أمية أم إلى شيع التي جاءت على الجمل الخدب الشوقب ذكر القبيلة نفسها وأراد أبناءها ومن نسلت، وهذا في الكلام المنظوم والمنثور كثير.

[ 63 ]

وأما (الخدب) فهو الضخم، يقولون رجل خدب إذا كان عظيما، ورجل في خدب أي هوج، وهو رجل أخدب. وخدب جمع خدب. ودرع خدباء أي واسعة. والشوقب: الطويل، يقولون حافر شوقب إذا كان واسعا. وإنما أراد بالتي جاءت على الجمل الذي وصفه: عائشة بنت أبي بكر الصديق فإنها جاءت في يوم الجمل راكبة على جمل هذه صفته. وقيل إن اسم هذا الجمل (عسكر)، وشوهد من هذا الجمل في ذلك اليوم كل عجب، كلما انبتت منه قائمة من قوائمه ثبت على أخرى، حتى روي أن أمير المؤمنين نادى: اقتلوا الجمل فإنه شيطان. وإن محمد بن أبي بكر وعمارا رحمة الله عليهما توليا عقره بعد طول زمانه. وروي أن هذا الجمل بقي باركا ضاربا بجرانه سنة لا يأكل منه سبع ولا طائر.
(17) تهوى من البلد الحرام فنبحت بعد الهد وكلاب أهل الحوأب إنما قال (تهوى من البلد الحرام) لأنها أقبلت من مكة تريد البصرة. وتقول العرب: أتانا بعد هدو من الليل، وبعد هدء من الليل، وهدي من الليل - على مثال فعل - أي حين سكنوا، والجمع هدوء على مثال فعول. والحوأب: ماء في الطريق ما بين البصرة ومكة من مياه بني كلاب. والحوأب: الوادي الكثير الماء، قال الراجز: هل لك من شربة بالحوأب * فصعدي من بعدها وصوبي

[ 64 ]

ويجوز أن يكون هذا الماء إنما سمي بالحوأب للسعة والكثرة، وقد قيل إنما سمي بالحوأب نسبة إلى بنت كلب بن وبرة. وروي أنه لما جاءت عائشة إلى هذا الموضوع نبحتها كلاب الحوأب، فقالت عائشة: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب. فقالت: ردوني ردوني فإني سمعت رسول الله يقول (أبصري لا تكوني التي تنبحها كلاب الحوأب). فقالوا: ليس هذا ماء حوأب، فأبت أن تصدقهم، فجاؤا بخمسين شاهدا من العرب، فشهدوا أنه ليس بماء حوأب، وحلفوا لها، فكسوهم أكسية وأعطوهم دراهم، وكانت هذه أول شهادة زور حدثت في الاسلام (1.
(18) يحدو الزبير بها وطلحة عسكرا يا للرجال لرأي أم مشجب معنى (يحدو) يسوق، يقال: حدوته أي سقته، وحداني إليه أي ساقني، والاسم الحداء. وإنما قال (يا للرجال) بفتح اللام لأنه استغاث بهم، وكسر اللام في قوله (لرأي أم) لأنه المستغاث له. والشجب: الهلاك، يقال شجب يشجب شجبا فهو شاجب، وأشجبت زيدا إذا أهلكته. والأم ههنا عائشة، لقول الله عز وجل (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم

1) انظر تفصيل القصة في تاريخ الطبري 4 / 456 فما بعد، مروج الذهب 2 / 353.

[ 65 ]

وأزواجه أمهاتهم) (1 وفسر ذلك بتفسيرين: أحدهما أنه تعالى أراد أنهن يحرمن علينا كتحريم الأمهات، والآخر أنه يجب علينا من تعظيمهن وتوقيرهن مثلما يجب علينا في أمهاتنا. ويجوز أن يراد الأمران معا فلا تنافي بينهما. ومن ذهب لأجل تسميته بأنهن أمهات المؤمنين إلى أن معاوية خال المؤمنين فقد ذهب مذهبا بعيدا، وحاد عن رأي الصواب السديد، لأن أخا الأم إنما يكون خالا إذا كانت الأمومة من طريق النسب، وأما إذا كانت على سبيل التشبيه والاستعارة فالقياس غير مطرد فيها، ولهذا لا يسمى آباء أزواج النبي أجداد لنا ولا أخواتهن لنا خالات، ولا يجري القياس في هذا الموضع مجراه في النسب. وكيف اختص بالخؤولة معاوية دون كل إخوة أزواج النبي؟ وهلا وصف محمد بن أبي بكر وعبد الله بن عمر بالخؤولة إن كان القياس مطردا؟ ولكن العصبية تعمي وتصم.
(19) يا للرجال لرأي أم قادها ذئبان يكتنفانها في أذؤب إنما أراد بالذئبين ههنا طلحة والزبير، وقد سماهما بهذا الاسم للمكر والخديعة والمؤاربة والمخاتلة، فإنهما كانا من أشد الناس على عثمان وأبسطهم لسانا فيه واجلابا له، وكان طلحة ممن حاصر الدار وقاتل أهلها و باشر القتل وتولاه وتحدد فيه، ثم بايعا أمير المؤمنين مسابقين إلى بيعته، مغتبطين على ولايته. ثم مالا عن ذلك حسدا ونفاسة، واستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة، فأذن لهما على ريبة

1) سورة الاحزاب: 6.

[ 66 ]

بهما وشك فيهما. فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت جالسا عند علي عليه السلام حين دخل طلحة والزبير فاستأذناه في العمرة، فأبى أن يأذن لهما وقال: قد اعتمرتما، فأعادا عليه الكلام فأذن لهما، ثم التفت إلي فقال: والله ما يريدان العمرة. فقلت له: لا تأذن لهما، فردهما ثم قال لهما: والله ما تريدان العمرة، وما تريدان إلا نكثا لبيعتكما وفرقة لأمتكما، فحلفا فأذن لهما، ثم التفت إلي فقال: والله ما يريدان العمرة ولكن يريدان الغدرة. فقلت: فلم أذنت لهما؟ فقال: حلفا بالله. قال: فخرجا إلى مكة، فدخلا على عائشة فلم يزالا بها حتى أخرجاها. والأخبار من الطرق المختلفة متظافرة أن طلحة والزبير حملا عائشة على المسير إلى البصرة بعد أن كان أشار عليها جماعة من الصحابة بالمقام، وجرى في ذلك من الجدال والحجاج ما هو مشهور مشروح (1. ومن أراد تفحصه والنظر فيه فلينظر في الكتب المصنفة لا سيما في نصر بن مزاحم المنقري الذي أفرده لأخبار يوم الجمل، فإنه يقف من بواطن هذا الأمر على ما يكثر فيه عجبه، ويطول له ذكره. ومن الأخبار الطريفة ما رواه نصر بن مزاحم هذا عن أبي عبد الرحمن المسعودي عن السري بن إسماعيل بن الشعبي عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي قال: كنت بمكة مع عبد الله بن الزبير وبها طلحة والزبير. قال: فأرسلا إلى عبد الله بن الزبير، فأتاهما وأنا معه، فقالا له: إن عثمان قتل مظلوما وإنا نخاف

1) انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 78، العقد الفريد 3 / 96. وانظر روايات أخرى لما دار بين السيدتين في البدء والتاريخ 2 / 109، وفي الفائق للزمخشري 1 / 190.

[ 67 ]

الانتشار من أمة محمد صلى الله عليه وآله، فإن رأت عائشة أن تخرج معنا لعل الله يرتق بها فتقا ويشعب بها صدعا. قال: فخرجنا نمشي حتى انتهينا إليها، فدخل عبد الله بن الزبير في سمرها وجلست على الباب، فأبلغها ما أرسلا به إليها، فقالت: سبحان الله، ما أمرت بالخروج، وما تحضرني امرأة من أمهات المؤمنين إلا أم سلمة، فإن خرجت خرجت معها فرجع إليهما فأبلغهما ذلك، فقالا: أرجع إليها فلتأتها فإنها أثقل عليها منا، فرجع إليها فبلغها، فأقبلت حتى دخلت على أم سلمة، فقالت أم سلمة: مرحبا بعائشة، والله ما كنت لي بزائرة فما بدا لك؟ قالت: قدم طلحة والزبير فخبرا أن أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوما. قال: فصرخت أم سلمة صرخة أسمعت من في الدار، فقالت: يا عائشة أنت بالأمس تشهدين عليه بالكفر وهو اليوم أمير المؤمنين قتل مظلوما، فما تريدين؟ قالت: تخرجين معي فلعل الله أن يصلح بخروجنا أمر أمة محمد صلى الله عليه وآله. فقالت: يا عائشة أخرج وقد سمعت من رسول الله ما سمعت، نشدتك بالله يا عائشة الذي يعلم صدقك أن صدقت، أتذكرين يومك من رسول الله فصنعت حريرة في بيتي فأتيته بها وهو عليه السلام يقول: والله لا تذهب الليالي والأيام حتى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له الحوأب امرأة من نسائي في فتية باغية، فسقط الاناء من يدي، فرفع رأسه إلي فقال: ما بالك يا أم سلمة؟ قلت: يا رسول الله ألا يسقط الاناء من يدي وأنت تقول ما تقول؟ ما يؤمنني أن أكون أنا هي، فضحكت أنت، فالتفت إليك فقال صلى الله عليه وآله: ما يضحكك يا حمراء الساقين، إني لأحسبك هي. ونشدتك بالله يا عائشة أتذكرين ليلة أسرى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله من مكان كذا وكذا، وهو بيني وبين علي بن أبي طالب يحدثنا، فأدخلت جملك فحال بينه وبين علي، فرفع مرفقة كانت معه فضرب بها وجه جملك وقال: أما والله ما يومك منه بواحد، ولا بليته منك بواحدة، أما إنه لا يبغضه إلا منافق أو كذاب.

[ 68 ]

وأنشدك الله يا عائشة أتذكرين مرض رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قبض فيه، فأتاك أبوك يعوده ومعه عمر، وقد كان علي بن أبي طالب يتعاهد ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله ونعله وخفه، ويصلح ما وهي منها. فدخل قبل ذلك، فأخذ نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وهي حضرمية وهو يخصفها خلف البيت، فاستأذنا عليه فأذن لهما، فقالا: يا رسول الله كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحمد الله تعالى. قالا: ما بد من الموت؟ قال صلى الله عليه وآله: لا بد منه. قالا: يا رسول الله فهل استخلفت أحدا؟ فقال: ما خليفتي (فيكم) إلا خاصف النعل، فخرجا فمرا على علي (ع) وهو يخصف النعل. كل ذلك تعرفينه يا عائشة وتشهدين عليه لأنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قالت أم سلمة: يا عائشة أنا أخرج على علي بعد هذا الذي سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فرجعت عائشة إلى منزلها فقالت: يا بن الزبير أبلغهما أني لست بخارجة بعد الذي سمعته من أم سلمة، فرجع فبلغهما. قال: فما انتصف الليل حتى سمعنا رغاء إبلها ترتحل، فارتحلت معهما. ومن العجائب أن يكون مثل هذا الخبر الذي يتضمن النص بالخلافة، وكل فضيلة غريبة موجودة في الكتب للمخالفين وفيما يصححونه من روايتهم ويصنفونه من سيرتهم ولا يتبعونه، لكن القوم رووا ما سمعوا، وأودعوا كتبهم ما حفظوا ونقلوا ولم يتخيروا ويتبينوا ما وافق مذهبهم دون ما خالفهم، وهكذا يفعل المسترسل المستسلم للحق. وروى نصر بن مزاحم المنقري: إن القوم لما خرجوا من مكة يريدون البصرة فبلغوا (ذات عرق) قام سعيد بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر عثمان فترحم عليه ودعا له، (ثم) قال: وقد زعمتم أيها الناس أنكم تخرجون لتطالبوا بدم عثمان، فإن كنتم ذلك تريدون فإن قتلة عثمان على صدور هذه المطي وأعجازها، فميلوا عليهم بأسيافكم، وإلا فانصرفوا إلى منازلكم ولا تقتلوا في طاعة المخلوقين أنفسكم،

[ 69 ]

ولا يغني من الله الناس عنكم يوم القيامة. فقال مروان: يضرب بعضهم ببعض فمن قتل كان الظفر فيه ويبقى الباقي وهو واهن ضعيف.
(20) ذئبان قادهما الشقاء وقادها للحين فاقتحما بها في منشب الحين: الهلاك. واقتحما: أي دخلا، يقال اقتحمت على الأمر وهجمت عليه، واقتحمته عيني إذا ازدرته. المنشب: يقال (نشب في الأمر بنشب) إذا دخل فيه وعلق به، ومثله نشق الصيد في الحبالة ينشق إذا دخل فيها ما نشب.
(21) في ورطة لحجا بها فتحملت منها على قتب باثم محقب الورطة: الهلكة، وكذلك الوردة. والورطة والوراط: الخديعة. ومعنى لحجا: نشبا، يقال لحج لحجا ولخص يلخص لخصا إذا نشب. والقتب: قتب الرحل، والقتب أيضا واحد الأمعاء ويقال لواحدتها قتبة. فأما (محقب) فمن قولهم احنقب الذنب، مأخوذ من الحقيبة والحقاب.

[ 70 ]

(22 - 23) أم تدب إلى ابنها ووليها بالمؤذيات له دبيب العقرب [ لو شد والدها بقوة قلبها لاقى اليهود بخيبر لم يهرب ] (1 لم يرد بقوله (ابنها ووليها) الإشارة إلى واحد، وإنما أراد جنس الأبناء والأولياء. وقد يعبر عن الجنس بلفظ الواحد، يقولون (أهلك الناس الدينار والدرهم) وإنما يراد الجنس لا الواحد. وقال الله تعالى (وحملها الانسان) (2 والمراد الجنس لا تعيين واحد بعينه. ولما كانت مضرة خروج الامرأة في يوم الجمل، وحربها للإمام العادل، لاحقة بالدين، عادت تلك المضرة على جميع المسلمين، فلهذا جعل ذلك الدبيب مشبها بدبيب العقرب من حيث اشتركا في المضرة والأذية.
(24) أما الزبير فحاص حين بدت له جأواء تبرق في الحديد الأشهب ويروى (حاض) أيضا، ومعنى حاص وحاض واحد، لأنه مأخوذ من العدول عن الشئ والانحياز عنه، ويقولون في القلب (ضاح) مكان حاض. والجأواء: الكتيبة التي يضرب لونها إلى السواد من صدأ الحديد، يقولون

1) هذا البيت يوجد في بعض نسخ الشرح.
2) سورة الاحزاب: 72.

[ 71 ]

في لون البعير جؤوة إذا خالطه مثل لون الحديد، وإنما أراد بهذا القول انصراف الزبير عن الوقعة قبل إنجاز الأمر بالحرب وانقصاله. أما انصراف الزبير فقد اختلف الناس فيه وفي أسبابه والداعي إليه: ادعى قومه أنه انصرف للندم على الحرب والتوبة منها، فإنه لما ذكره أمير المؤمنين علي بما ذكره به عاد إلى الحق وانصرف عن الحرب. وقد تكلمنا على ذلك في كتابنا المعروف (بالشافي في الإمامة) وحررناه و وفرعناه إلى غايته، وأبطلنا أن يكون الرجوع للتوبة والندم لوجوه كثيرة، من أوضحها: أنه لو كان للتوبة لوجب أن ينحاز إلى جهة أمير المؤمنين علي معتذرا إليه ومتنصلا من بغيه عليه ونكثه لبيعته بعد أن كان قد عقدها وأكدها وتولى أيضا نصرته مع العود إلى الاقرار بإمامته، وقتال من أقام الحرب من البغاة، فلا حال هو فيها أحوج إلى النصرة والمعونة من حاله هذه. ومن جملتها أن قلنا: إن الانحياز عن الحرب والرجوع عن مباشرتها، يحتمل وجوها كثيرة، فليس لنا أن نحمله على أحد محتملاتها بغير دليل قاطع. هذا إذا سلمنا أن الرجوع على ذلك الوجه محتملا للتوبة كاحتماله لغيرها، وقد بينا أنه لا يحتملها، لإنه لم يصر إلى جهة الإمام المفترض الطاعة متنصلا غاسلا لدرن ما أقدم عليه. وبينا أيضا في ذلك الكتاب أن الرجل عصى بأفعال كثيرة: منها الحرب، ومنها نكث البيعة، والخروج عن الطاعة، والمطالبة بدم عثمان لمن لا يستحق أن يطالب به. فهب عوده عن الحرب توبة منها - وقد بينا أنه ليس كذلك - أليس باقي الذنوب قتلا، وهو عليها مصر غير نادم ولا مقلع. وفي ما لم يثبت منه كفاية في الغرض المقصود. وقد روى نصر بن مزاحم في كتابه الذي أشرنا إليه أن أمير المؤمنين عليا حين

[ 72 ]

وقع القتال تقدم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء بين الصفين، فدعا الزبير، فدنا منه حتى اختلفت أعناق دابتيهما، فقال: يا زبير أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنك ستقاتله وأنت ظالم له؟ قال: اللهم نعم. قال: فلم جئت؟ قال: جئت لأصلح بين الناس. فأدبر الزبير وهو يقول: أتى علي بأمر كنت أعرفه * قد كان عمر أبيك الخير مذحين فقلت حسبك من عذل أبا حسن * بعض الذي قلت منه اليوم يكفيني فاخترت عارا على نار مؤججة * أنى يقوم لها خلق من الطين نبئت طلحة وسط القوم منجدلا * ركن الضعيف ومأوى كل مسكين قد كنت انصره حينا وينصرني * في النائبات ويرمي من يراميني حتى ابتلينا بأمر ضاق مصدره * فأصبح اليوم ما يعنيه يعنيني قال: أقبل الزبير إلى عائشة فقال: يا أمة الله، مالي في هذا الأمر بصيرة وأنا منصرف. فقالت عايشة. أبا عبد الله أفررت من سيوف ابن أبي طالب؟ فقال: إنها والله طوال جدا وتحملها فئة أجلاء. ثم أتى عبد الله ابنه فقال: يا بني إني منصرف. فقال: أتفضحنا في قريش؟ أتتركنا حتى إذا التقت حلقتا البطان، فضحتنا في العرب؟ لا والله لا تغسل رؤوسنا منها أبدا، أجبنا كل ما أرى يا أبتاه؟ فقال: يا ميسرة أسرج لي الفرس، ثم هيأ فرسه فرمى بها إلى القوم ثلاث مرات فحطمهم ثم انصرف إلى ابنه فقال: يا بني أيفعل هذا الجبان؟ قال: لا فما ردك يا أبتاه؟ قال: إن علمته كسرك، قم بأمر الناس. فخرج الزبير راجعا فمر بوادي السباع وفيه الأحنف بن قيس قد اعتزل في بني تميم فأخبر الأحنف بانصرافه فقال: ما أصنع به إن كان الزبير لف بين الغازيين

[ 73 ]

من المسلمين، وقتل أحدهما الآخر، ثم هو يريد اللحاق بأهله (كذا)، فسمعه ابن جرموز، فخرج هو ورجلان معه، وقد كان لحق بالزبير رجل من كلب ومعه غلامه فلما أشرف ابن جرموز وصاحباه على الزبير حرك الرجلان رواحلهما فخلفا الزبير وحده، فقال لهما الزبير: ما لكما؟ هم ثلاثة ونحن ثلاثة. فلما أقبل ابن جرموز قال له الزبير: إليك عني. فقال ابن جرموز: يا أبا عبد الله، إنني جئت أسألك عن أمور الناس. فقال: تركت الناس على الركب يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف. فقال ابن جرموز: أخبرني عن أشياء أسألك عنها قال: أخبرني عن خذلك لعثمان وعن بيعتك عليا وعن نقضك بيعته وإخراجك أم المؤمنين، وعن صلاتك خلف ابنك، وعن هذه الحرب التي جنيتها، وعن لحوقك بأهلك؟ فقال: أما خذلي لعثمان فأمر قدم فيه الذنب وأخر فيه التوبة. وأما بيعتي عليا فلم أجد منها بدا، إذ بايعه المهاجرون والأنصار. وأما نقضي بيعته فإنما بايعته بيدي دون قلبي. وأما إخراجي أم المؤمنين فأردنا أمرا وأراد الله غيره، وأما صلاتي خلف ابني فإن خالته قدمته. فتنحى ابن جرموز وقال: قتلني الله إن لم أقتلك [ ثم جرى في قتله ما قد سطر ]. وذكر في هذا الحديث مواضع تدل على أن انصرافه لم يكن للتوبة، منها قوله (مالي في هذا الأمر بصيرة)، وهذا قول شاك غير مستبصر، والتوبة لا تكون مع عدم الاستبصار واليقين بالمعصية. ومنها أنه قال لابنه (قم بأمر الناس)، فكيف يتوب من المعصية من يستخلف عليها؟ ومنها تصريحه بأنه بايع أمير المؤمنين بلسانه وأنه كان مبطنا للبغي عليه والغدر به، وأنه أراد أمرا وأراد الله غيره. فأي توبة تكون بالانصراف؟ وهذا كلام كله دال على خلاف التوبة، وإنما كان بعد الانصراف وقد كان ينبغي لما اعترف في محاورة ابن جرموز. التوبة أن يعترف

[ 74 ]

أمير المؤمنين (أيضا) خطيئة موبقة وأنه قد تاب منها وأقلع عنها بعوده عن الحرب ولحوقه بأهله. واستقصاء هذا الكلام تجده في الكتاب الشافي متى طلبته. (25) حتى إذا أمن الحتوف وتحته عاري النواهق ذو نجاء ملهب الناهقان من الفرس: العظمان الشاخصان في وجهه، أسفل من عينيه، والجمع النواهق. ويقال: الناهقان من الفرس والحمار حيث يخرج النهاق من حلقه. والنجاء: الإسراع، فسمي ما يكون النجاء به نجاء، والنجاء: السحاب الذي قد أهرق ماؤه، ويقولون: ناقة ناجية ونجاة تقطع الأرض بسيرها. والملهب: الفرس المسرع المضطرم، ويقولون: ألهب الفرس إلهابا فهو ملهب. (26) أثوى ابن جرموز عمير شلوه بالقاع منعفرا كشلو التولب معنى أثواه: تركه بالقاع، من الثواء الذي هو المقام. وابن جرموز هو عمرو فصغره فقال: عمير، ويحتمل أن يكون تكبيرا، فإن كان صغره للتكبير فلأنه جرى على يده أمر عظيم، وقتل رجل شجاع كبير. ووجه التحقير أنه كان خاملا غير نبيه النسب ولا معروف بفضيلته. والشلو: كعضو من أعضاء اللحم، وجمعه أشلاء. ومنعفر: من العفر وهو التراب، ومنه قولهم (ظبي أعفر) إذا كان على لون

[ 75 ]

التراب. والعفر: يقال أيضا لمخاط الشيطان. والتولب: ولد الحمار الحولي، وجمعه توالب. (27) واغتر طلحة عند مختلف القنا عبل الذراع شديد أصل المنكب العبل: الضخم من كل شئ يقال: قد عبل يعبل عبالا، ويقال: عبل يعبل عبلا إذا أبيض وغلظ، فهو عبل. وجبل أعبل وصخرة عبلاء: أي بيضاء. (28) فاختل حبة قلبه بمذلق ريان من دم جوفه المتصبب معنى اختل: دخل في خلل قلبه. والمذلق: المتحدد من كل شئ. وقد روي أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة بسهم رماه به. وروي أنه تعمده، لإنه كان أشد الناس على عثمان، وهو ممن باشر الأمر وحضر يوم الدار. وروي أن مروان في يوم الجمل، كان يرمي بسهامه في العسكرين معا ويقول: من أصبت منهما فهو فتح، لقلة دينه وتهمته للجميع.

[ 76 ]

(29) في مارقين من الجماعة فارقوا باب الهدى وحيا الربيع المخصب المارقون: هم الذين خرجوا عن الجماعة، والعادلون من عدل إلى جور، ومن قصد إلى خبط. وأصله من قولهم: مرق السهم من الرمية يمرق مروقا: إذا نفذ من الشق الآخر. والحيا المقصور: هو الغيث، والحيا أيضا هو الاستحياء. والمخصب: مأخوذ من الخصب، وهو سعة العيش. (30) خير البرية بعد أحمد من له مني الهوى وإلى بنيه تطربي إنما عني أمير المؤمنين عليه السلام وإن لم يسمه، لكنه وصفه بصفة ليست إلا له بقوله (إنه خير البرية بعد أحمد). وقد دلت الأدلة الواضحة على أن أمير المؤمنين عليه السلام خير البشر بعد النبي صلى الله عليه وآله وأفضلهم وأكملهم (1، ولو لم يدل على ذلك إلا أنه استخلفه ونص عليه بالامامة فقد دلت العقول على أن إمامة المفضول للفاضل لا تحسن. ويدل أيضا على ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وآله (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (2، ولا شبهة ولا خلاف في أن من جملة منازل

1) انظر الأحاديث في ذلك فضائل الخمسة 2 / 100 و 103.
2) انظر مصادر حديث المنزلة في فضائل الخمسة 1 / 347.

[ 77 ]

هارون من موسى أنه كان أفضل قومه عنده وأعلاهم منزلة لديه، وجب أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الصفة لأنها من جملة المنازل، ولم يخرجها الاستثناء. وقد استقصينا الكلام في التفضيل وما يتصل به في مواضع من كتبنا، وخاصة في الكتاب المعروف (بالشافي) وليس هذا موضوع تقصيه. ومعنى (وإلى بنيه تطربي) أي إلى ولائهم ومحبتهم خفوفي واسراعي، لأنا قد بينا فيما تقدم معنى الطرب. (31) أمسي وأصبح معصما مني له بهوى وحبل ولاية لم يقضب معنى أمسي وأصبح معصما: أي متمسكا لازما، لأنهم يقولون: أعصم الرجل بصاحبه إعصاما إذا لزمه وتمسك به، وأعصمت القربة بالعصام: إذا شددتها به ومعنى لم يقضب: لم يقطع، يقولون قضبت الشئ قضبا أي قطعته، ومنه قولهم: سيف قضاب: والقضب: الرطبة، وهي علف أهل العراق، ويقال لموضعها: المقضبة، ولعلهم إنما سموها بذلك لأجل القطع. (32) ونصيحة خلص الصفاء له بها مني وشاهد نصرة لم يعزب النصيحة معروفة، وهي المشورة بما فيه الحظ والصلاح ونصح الشئ مثل نصع: إذا خلص، ومنه سميت النصيحة، ويقولون أيضا نصحت الثوب أنصحه نصحا إذا خطته. والناصح: الخياط. والنصاح: الخيط. ويقال نصحت الإبل

[ 78 ]

نصوحا: إذا رويت، وانصحتها أنا إنصاحا. والنصاحات: الجلود، واحدها نصاح. ومعنى (لم يعزب) لم يفارقني. يقال: عزب عنه حلمه إذا فارقه، فهو عازب. وعزب عني الشئ عزوبا: إذا ذهب. (33) ردت عليه الشمس لما فاته وقت الصلاة وقد دنت للمغرب هذا خبر عن رد الشمس له عليه السلام في حياة النبي صلى الله عليه وآله، لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان نائما ورأسه في حجر أمير المؤمنين، فلما حان وقت صلاة العصر كره أن ينهض لأدائها فيزعج النبي صلى الله عليه وآله من نومه، فلما مضى وقتها وانتبه النبي دعا الله بردها عليه، فردها وصلى الصلاة في وقتها (1. فإن قيل: يقتضي أن يكون عليه السلام عاصيا بترك الصلاة. قلنا: عن هذا جوابان: (أحدهما): أنه إنما يكون عاصيا إذا ترك الصلاة بغير عذر، وإزعاج النبي لا ينكر أن يكون عذرا في ترك الصلاة. فإن قيل: الأعذار في ترك جميع أفعال الصلاة لا تكون إلا بفقد العقل والتميز كالنوم والاغماء وما شاكلهما، ولم يكن في تلك الحال بهذه الصفة، وأما الأعذار التي يكون معها العقل والتميز ثابتين كالزمانة والرباط والقيد والمرض الشديد واشتباك القتال، فإنما يكون عذرا في استيفاء افعال الصلاة وليس بعذر في تركها أصلا، فإن كل معذور ممن ذكرنا يصليها على حسب طاقته ولو بالايماء.

1) انظر أحاديث رد الشمس في فضائل الخمسة 2 / 135.

[ 79 ]

قلنا: غير منكر أن يكون صلى موميا وهو جالس لما تعذر عليه القيام إشفاقا من انزعاج النبي (صلى الله عليه وآله). وعلى هذا تكون فائدة رد الشمس ليصلي مستوفيا لأفعال الصلاة، وليكون أيضا فضيلة له ولآله على عظم شأنه. (والجواب الآخر): إن الصلاة لم تنته بمعنى جميع وقتها، وإنما فاته ما فيها من الفضيلة والمزية من أول وقتها ويقوي هذا شيئان: أحدهما: الرواية الأخرى في الشعر (حين تفوته)، لأن قوله (حين تفوت) صريح في أن الفوت لم يقع وإنما قارب وكاد. والشئ الآخر قوله (وقد دنت للمغرب) وهذا أيضا يقتضي أنها لم تغرب وإنما دنت وقاربت الغروب. فإن قيل: إذا كانت لم تنته فأي معنى للدعاء بردها حتى يصلي في الوقت وهو قد صلى فيه؟ قلنا: الفائدة في ردها ليدرك فضيلة الصلاة في أول وقتها، ثم ليكون ذلك دلالة على سمو محله وجلالة قدره في خرق العادة من أجله. فإن قيل: إذا كان النبي صلى الله عليه وآله هو الداعي بردها له، فالعادة إنما خرقت للنبي صلى الله عليه وآله لا لغيره. قلنا: إذا كان النبي إنما دعا بردها لأجل أمير المؤمنين عليه السلام ليدرك ما فاته من فضل الصلاة، فشرف انخراق العادة والفضيلة به منقسم بينهما. فإن قيل: كيف يصح رد الشمس وأصحاب الهيئة والفلك يقولون إن ذلك محال لا تناله قدرة؟ وهبه كان جائزا في مذهب أهل الاسلام، أليس لوردت الشمس من وقت الغروب إلى وقت الزوال، لكان يجب أن يعلم أهل المشرق والمغرب بذلك؟ لأنها تبطئ بالطلوع على أهل البلاد، فيطول ليلهم على وجه

[ 80 ]

خارق للعادة، ويمتد من نهار قوم آخرين ما لم يكن ممتدا. ولا يجوز أن يخفى على أهل البلاد غروبها ثم عودها طالعة بعد الغروب، وكانت الأخبار تنتشر بذلك، ويؤرخ هذا الحادث العظيم في التواريخ، ويكون أهم وأعظم من الطوفان. قلنا: قد دلت الأدلة الصحيحة الواضحة على أن الفلك وما فيه من شمس وقمر ونجوم غير متحرك بنفسه، ولا بطبيعته على ما يهذي به القوم، وإن الله تعالى هو المحرك له والمصرف باختياره. ولقد استقصينا الحجج على ذلك في كثير من كتبنا، وليس هذا موضع ذكره. وأما علم المشرق والمغرب والسهل والجبل بذلك - على ما مضى في السؤال - فغير واجب، لأنا لا نحتاج إلى القول بأنها ردت من وقت الغروب إلى وقت الزوال، أو ما يقاربه على ما مضى في السؤال، بل نقول: إن وقت الفضل في صلاة العصر هو ما يلي بلا فصل، زمان أداء المصلي لفرض الظهر أربع ركعات عقيب الزوال، وكل زمان - وإن قصر وقل - يجاوز هذا الوقت، فذلك الوقت فائت. وإذا ردت الشمس هذا القدر اليسير، الذي يفرض أنه مقدار ما يؤدي فيه ركعة واحدة، خفي على أهل الشرق والغرب ولم يشعر به، بل هو مما يجوز أن يخفى على من حضر الحال، وشاهدها إن لم يمعن النظر فيها والتنقير عنها، فبطل السؤال على جواب الثاني المبني على فوت الفضيلة. وأما الجواب الآخر المبني على أنها فاتت بغروبها للعذر الذي ذكرناه، فالسؤال أيضا باطل عنه، لأنه ليس بين مغيب قرص الشمس في الزمان وبين مغيب بعضها وظهور بعض، إلا زمان يسير قليل يخفى فيه رجوع الشمس، بعد مغيب جميع قرصها، إلى ظهور بعضه على كل قريب وبعيد. ولا يفطن إذا لم يعرف سبب ذلك بأنه على وجه خارق للعادة. ومن فطن بأن ضوء الشمس غاب

[ 81 ]

ثم غاب بعضه يجوز أن يكون ذلك لغيم أو حائل. (34) حتى تبلج نورها في وقتها للعصر ثم هوت هوى الكوكب التبليج: مأخوذ من قولهم: بلج الصبح يبلج بلوجا إذا أضاء والبلجة: آخر الليل، وجمعها بلج. والبلجة بالفتح: الحاجبان غير مقرونين، يقال منه: رجل أبلج وامرأة بلجاء. وأما (هوي الكوكب) فأراد به سقوط الكوكب وغيبوبته، يقولون أهويت أهوي هويا إذا سقطت إلى أسفل، وكذلك الهوي في السير وهو المضي فيه. ويقال: هوى من السقوط فهو هاو، وهوى من العشق فهو هو، وهوت الظبية تهوي: إذا فتحت فاها. ويقال: مضى هوي من الليل: أي ساعة. (35) وعليه قد حبست ببابل مرة أخرى وما حبست لخلق معرب هذا البيت يتضمن الإخبار عن رد الشمس ببابل على أمير المؤمنين عليه السلام، والرواية بذلك مشهورة، وأنه (ع) لما فاته وقت صلاة العصر ردت الشمس له حتى صلاها في وقتها. وخرق العادة هيهنا لا يمكن أن يقال إن نسبته إلى غيره، كما أمكن في أيام النبي صلى الله عليه وآله. والصحيح في فوت الصلاة هيهنا أحد الوجهين اللذين

[ 82 ]

تقدم ذكرهما في رد الشمس على عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو أن فضيلة أول الوقت فاتته بضرب من الشغل، فردت الشمس ليدرك الفضيلة بالصلاة في أول الوقت، وقد بينا هذا الوجه في البيت الذي أوله (ردت عليه الشمس)، وأبطلنا قول من يدعي أن ذلك يجب أن يقيم الخلق في الآفاق معرفته حتى يدونوه ويؤرخوه. وأما من ادعى أن الصلاة فاتته - بأن انقضى جميع وقتها، إما لتشاغله بتعبيته عسكره، أو لأن بابل أرض خسف لا تجوز الصلاة عليها - فقد أبطل، لأن الشغل بتعبية العسكر لا يكون عذرا في فوت صلاة فريضة. وأما أرض الخسف فإنها تكره الصلاة فيها مع الاختيار. فأما إذا لم يتمكن المصلي من الصلاة في غيرها وخاف فوت الوقت وجب أن يصلي فيها وتزول الكراهة. وأما قوله (وعليه قد حبست ببابل) فالمراد بحبست: ردت، وإنما كره أن يعيد لفظة الرد لأنها قد تقدمت. فإن قيل: حبست بمعنى وقفت، ومعناه يخالف معنى ردت. قلنا: المعنيان ههنا واحد، لأن الشمس إذا ردت إلى الموضع الذي تجاوزته فقد حبست عن المسير المعهود وقطع الأماكن المألوفة. وأما المعرب: فهو الناطق المفصح بحجته، يقال: أعرب فلان عن كذا: إذا أبان عنه. (36) إلا لأحمد أوله ولردها ولحبسها تأويل أمر معجب الذي أعرفه وهو المشهور في رواية (إلا ليوشع أوله)، فقد روي أن يوشع

[ 83 ]

عليه السلام ردت عليه الشمس. وعلى الروايتين معا سؤال، وهو أن يقال: سواء قال (لأحمد) أم قال (ليوشع أوله) فإن الرد عليهما جميعا، وإذا ردت الشمس لكل واحد منهما لم يجز إدخال لفظة (أو)، والواو أحق بالدخول ههنا، لأنه يوجب الاشتراك والاجتماع ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول قائل (جاءني زيد أو عمرو) وقد جاءا جميعا، فإنما يقال ذلك إذا جاء أحدهما. والجواب عن السؤال: إن الرواية إذا كانت (إلا لأحمد أوله) فإن دخول لفظة (أو) ههنا صحيح، لأن رد الشمس في أيام النبي صلى الله عليه وآله يضيفه قوم إليه دون أمير المؤمنين عليه السلام، وقد رأينا قوما من المعتزلة الذين يذهبون إلى أن العادات لا تنخرق ألا للأنبياء (ع) دون غيرهم، ينصرون ويصححون رد الشمس في أيام النبي صلى الله عليه وآله ويضيفونه إلى النبوة، فكأنه قال: إن الشمس قد حبست عليه ببابل، وما حبست إلا لأحمد (صلى الله عليه وآله)، على ما قاله قوم، أو له على ما قاله آخرون، لأن رد الشمس في أيام النبي صلى الله عليه وآله مختلف في جهة اضافته، فأدخل لفظة (أو) للشك لهذا السبب. وأما الرواية إذا كانت بذكر يوشع فمعنى (أو) ههنا معنى الواو، فكأنه قال: ليوشع وله، كما قال الله تعالى: (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) (1 على أحد التأويلات في الآية، وكما قال الشاعر: وقد زعمت ليلى بأني فاجر * لنفسي تقاها أو علي فجورها

1) سورة البقرة: 74.

[ 84 ]

(37) ولقد سرى في ما يسير بليلة بعد العشاء بكربلا في موكب أما السري: فهو سير الليل كله، وهي مؤنثة، لأنها جمع سرية وسروة، يقولون: سريت الثوب عن الرجل وسروته: إذا كشفته، أسريه سريا، وأسرو سروا. والسرو: ما ارتفع من عن موضع السيل وانحدر عن غلظ الجبل، ومنه قيل سرو حمير. ويقال: سرأت المرأة: كثر ولدها، وسرأت الجرادة والضبة تسرا سرءا: إذا باضت، وأسرأت: إذا حان ذلك منها. وأول ما تكون الجرادة فهي سروة، وإذا تحرك فهو دبي قبل أن تنبت أجنحته، ثم يكون غوغاء وبه سمي غوغاء الناس. وكربلا: الموضع المعروف بنواحي الطفوف، وهو الذي قتل فيه سيدنا أبو عبد الله الحسين بن علي عليه السلام. ويشبه أن يكون اشتقاق هذا الاسم من الكراب الذي هو الحرث، والكراب الحراث. ومن أمثال العرب (الكراب على البقر)، ويقولون ما بها كراب: أي أحد. (38) حتى أتى متبتلا في قائم ألقى قواعده بقاع مجدب أراد بالمتبتل الراهب، من البتل وهو القطع، ومثله البت والبلت. وإنما

[ 85 ]

سمي الراهب متبتلا لقطعه نفسه عن الناس وعن اللذات، ومنه امرأة متبتلة: كل جزء منها يقوم بنفسه في الحسن، والعذراء البتول: التي انقطعت عن الأزواج، وصدقة بتلة على هذا المعنى. وإذا انفردت الفيلة واستغنت عن أمهاتها فهي البتول وأمها مبتل. وتبرت الشئ مثل بتلته وبتكته أيضا: قطعته. وأما (القائم) فهو صومعة الراهب. والقاع: الأرض الحرة الطين التي لا حزونة فيها ولا انهباط، والجمع: القيعان، وقاعة الدار: ساحتها. والقواعد: جمع قاعدة، وهي أساس الجدار وكل ما يبنى. ويجدب: مأخوذ من الجدب الذي هو ضد الخصب. والجدب: العيب، يقال جدبه يجدبه فهو جادب إذا عابه، قال ذو الرمة: فيا لك من خد أسيل ومنطق * رخيم ومن خلق تعلل جادبه وهذه قصة مشهورة قد جاءت الرواية بها، فإن أبا عبد الله البرقي روى عن شيوخه عمن خبرهم قال: خرجنا مع أمير المؤمنين نريد صفين، فمررنا بكربلا فقال عليه السلام: أتدرون أين نحن؟ ههنا مصرع الحسين وأصحابه. ثم سرنا يسيرا فانتهينا إلى راهب في صومعة، وقد انقطع الناس من العطش، فشكوا ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وذلك لأنه أخذ بنا على طريق البر وترك الفرات عيانا. فدنا من الراهب فهتف به فأشرف من صومعته، فقال: يا راهب هل قرب صومعتك من ماء؟ قال: لا فسار قليلا حتى نزل بموضع فيه رمل، فأمر الناس فنزلوا، فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك الرمل، فأصابوا تحت ذلك الرمل صخرة بيضاء، فاقتلعها أمير المؤمنين عليه السلام بيده ونحاها فإذا تحتها ماء أرق من الزلال وأعذب من كل ماء، فشرب الناس وارتووا وحملوا منه، ورد الصخرة والرمل كما كان.

[ 86 ]

قال: فسرنا قليلا وقد علم كل واحد من الناس مكان العين، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: بحقي عليكم ألا رجعتم إلى موضع العين فنظرتم هل تقفون عليها؟ فرجع الناس يقفون الأثر إلى موضع الرمل، فبحثوا ذلك الرمل فلم يصيبوا العين فقالوا: يا أمير المؤمنين لا والله ما أصبناها، ولا ندري أين هي. قال: فأقبل الراهب فقال: أشهد يا أمير المؤمنين إن أبي أخبرني عن جدي - وكان من حواريي عيسى عليه السلام - أنه قال: إن تحت هذا الرمل عينا من ماء أبرد من الثلج وأعذب من كل ماء عذب، وإنه لا يقع عليها إلا نبي أو وصي نبي، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنك وصي رسول الله وخليفته والمؤدي عنه، وقد رأيت أن أصحبك في سفرك فيصيبني ما أصابك من خير وشر فقال له خيرا ودعا له بالخير، وقال عليه السلام: يا راهب الزمني وكن قريبا مني ففعل. فلما كانت ليلة الهرير والتقى الجمعان واضطرب الناس فيما بينهم قتل الراهب فلما أصبح أمير المؤمنين عليه السلام قال لأصحابه: انهضوا بنا فادفنوا قتلاكم. وأقبل أمير المؤمنين يطلب الراهب حتى وجده فصلى عليه ودفنه بيده في لحده، ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: والله لكأني أنظر إليه وإلى زوجته وإلى منزلته ودرجته التي أكرمه الله بها (1. وليس لأحد أن ينكر هذا الخبر من حيث كان خارقا للعادة ولاحقا بالمعجزات ولأنا قد بينا في مواضع من كتبنا وفي كتاب (الشافي في الإمامة) خاصة، أن المعجزات يجب ظهورها على أيدي الأئمة عليهم السلام، وتكلمنا على شبه من امتنع من ذلك، وليس هذا موضع الكلام فيه.

1) انظر هذه القصة مع تغيير يسير في بعض الخصوصيات بحار الأنوار 41 / 260.

[ 87 ]

(39) يأتيه ليس بحيث يلقى عامرا غير الوحوش وغير أصلع أشيب. معنى يأتيه (1: أي يأتي إلى الراهب، وهو في الكلام الذي ذكر صفته. ومعنى عامر: إنه لا يقيم فيه سوى الوحوش، فإن من أقام بمكان فكأنه قد عمره. ويمكن أن يكون أيضا مأخوذا من العمرة التي هي الزيارة. والأصلع الأشيب: هو الراهب. (40) في مدمج زلق أشم كأنه حلقوم أبيض ضيق مستصعب المدمج: هو الشئ المستور، يقال أدمج الرجل ودمج بتشديد الميم: إذا دخل في الشئ فاستتر، ومثله أدمقت الباب إدماقا: إذا دخلته، واندمق هو: إذا دخل. وصومعة الراهب تستر من دخل فيها لا محالة. والزلق: معروف، وهو الذي لا يثبت على قدم. والأشم: الطويل المشرف. الأبيض ههنا هو الطائر الكبير من طيور الماء، والعرب تسمي الكبير من طيور الماء أبيض. وتشبيه الصومعة الطويلة بحلقوم طائر الماء من واقع التشبيه، وإنما جر لفظتي (ضيق) و (مستصعب) لأنه جعلها من وصف المدمج الزلق والأشم.

1) في بعض النسخ " بانيه ليس بحيث يلقى عامرا ".

[ 88 ]

(41) فدنا فصاح به فأشرف ماثلا كالنسر فوق شظية من مرقب الماثل: المنتصب ومثل أيضا: لطا بالأرض، وهو من الأضدد. ومثل: غاب عنك، ومثل الرجل من مرضه مثالة: إذا حسنت حاله، ومثل به يمثل مثولا من المثلة. والمثال: الفراش، وجمعه مثل. والنسر: الجارح المشهور وإنما شبه الراهب بالنسر لعلو سنه وطول عمره ومما يدل على أنه أراد به ما ذكرناه قول الشاعر: يا نسر لقمان كم تعيش وكم * تسحب ذيل الحياة يا لبد والشظية: قطعة من الجبل منفردة. والمرقب والمرقبة: المكان العالي. (42) هل قرب قائمك الذي بوئته ماء يصاب فقال ما من مشرب معنى (بوئته) أسكنته، يقال بوأته المنزل تبويئا وإباءة وإباوة: اجتمعت وإياه، والمباءة: المنزل. وباء الرجل بصاحبه بواء: إذا قتل به، وباء بذنبه يبوء بواءا: إذا اعترف به. ونفيه أن يكون هنا ماء يشرب نفي للماء، لأنه إذا لم يكن مشرب فلا ماء يشرب.

[ 89 ]

(43) إلا بغاية فرسخين ومن لنا بالماء بين نقا وقى سبسب وقوله (إلا بغاية فرسخين) من فصيح الكلام ووجيزه. وقد مضى تفسير النقا. والقي: الصحراء الواسعة. والسبسب: الأرض القفر، والبسبس والجمع سباسب وبسابس، والسباسب: كل عيد للعرب سمي بهذا الاسم، ومنه قول النابغة الذبياني: يحيون بالريحان يوم السباسب (4 4) فثنى الأعنة نحو وعث فاجتلى ملساء تبرق كاللجين المذهب الوعث: المكان اللين الذي لا يسلك، لأن الأخفاف تغيب فيه. الوعث من الرمل: كل لين سهل. وامرأة وعثة الأرداف: لينتها. ويقولون: نعوذ بالله من وعثاء السفر، يعنون ألمه وتعبه. ومعنى ((اجتلى ملساء) أي نظر إلى صخرة ملساء وانجلت لعينه. ومعنى تبرق: تلمع، ولم يرض بأن جعل لمعانها مثل لمعان اللجين، الذي هو الفضة حتى جعله لجينا مذهبا، فهو أقوى لبريقه ولمعانه.

[ 90 ]

(45) قال أقلبوها إنكم أن تقلبوا ترووا ولا تروون إن لم تقلب (ش 1) يقال: إنه عليه السلام أمرهم بقلبها وأخبرهم أن الماء تحتها، فاجتمعوا وحاولوا قلبها فلم يقدروا عليه، فدنا منها فاقتلعها وحده، فلما ارتووا أعادها. (ش 2) الهاء في (أقلبوها) راجعة إلى الصخرة الملساء التي تقدم ذكرها. ومعنى (أن تقلبوا ترووا) إنكم تجدون من الماء ما يرويكم إذا شربتم منه، فحذف هذا كله واختصره بلاغة وفصاحة. (46) فاعصوصبوا في قلبها فتمنعت منهم تمنع صعبه لم تركب معنى (اعصوصبوا) اجتمعوا على قلعها وصاروا عصبة واحدة، ويقولون: أعصوصبت الإبل وعصبت: إذا اجتمعت. والصعبة: أراد بها ما لم يذلله الركوب والرياضة من فرس أو بكر، فأقام الصفة مقام الموصوف. وأحسن كل الاحسان في تشبيه تمنع الصخرة على تحركها وقلبها بتمنع الصعبة على راكبها.

[ 91 ]

(47) حتى إذا أعيتهم أهدى لها كفا متى ترم المغالب تغلب معنى أعيتهم: أي عجزوا عن قلعها، وهو الكلال. ويجوز أن يكون من قولهم (عي بالأمر) إذا ضاق به ولم يجد عنه مخرجا. ومعنى (أهوى لها كفا) مدلها كفا، من قولهم: أهويت إليه بالسيف وغيره أهواء، وأهويت بالشئ إذا أوميت به، وأهويت به: إذا ألقيته في أهوية، وأهويته: ألقيته من الهواء. وأراد بالمغالب: الرجل الغالب. (48) فكأنها كرة بكف حزور عبل الذراع دحا بها في ملعب الهاء في قوله (كأنها) ترجع إلى الصخرة. والكرة معروفة. والحزور: الغلام المترعرع، وجمعه حزاور وحزاورة. والعبل: (الغليظ) الممتلئ. (ودحا) هاهنا بمعنى رمى، يقولون: دحا الفرس يدحو دحوا: إذا رمى بيده رميا، لا يرفع سنبكه عن الأرض ودحا أيضا: بسط، ومنه قوله تعالى (والأرض بعد ذلك دحاها) (1 أي بسطها.

1) سورة النازعات: 30.

[ 92 ]

ولقد أحسن في هذه المبالغة والارتقاء منها إلى غاية بعد أخرى، لأنه إنما أراد خفة حمل الصخرة عليه، وتسهيل تصريفها، وتيسير تقليبها، قال: فكأنها كرة وهذا كاف في سرعة تحريكها وتصريفها، ولم يرض بذلك حتى قال: بكف حزور، ولم يقنع حتى قال أيضا: عبل الذراع، ولم يرضه كل ذلك حتى قال: دحا بها في ملعب. (49) فسقاهم من تحتها متسلسلا عذبا يزيد على الزلال الأعذب إنما أراد ماء متسلسلا، فأقام الصفة مقام الماء. ويقال: ماء سلسل وسلاسل أي سلس في الحلق، وهو البارد. وكذلك السلسل والسلسبيل. والزلال: الصافي، ويقال هو البارد. (50) حتى إذا شربوا جميعا ردها ومضى فخلت مكانها لم يقرب ومعنى قوله (فخلت مكانها لم يقرب) أنه أعادها على حالها الأولى ومكانها بعينه، من غير تأثير يدل على أنها قلعت ثم أعيدت. (51) أعني ابن فاطمة الوصي ومن يقل في فضله وفعاله لم يكذب إنما عني ابن فاطمة أمير المؤمنين عليه السلام، لأن أمه فاطمة بنت أسد بن

[ 93 ]

هاشم بن عبد مناف، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وروي أنها ولدته عليه السلام في الكعبة، ولا نظير له في هذه الفضيلة (1. ولفاطمة بنت أسد فضائل وخصائص معروفة يطول ذكرها وشرحها. وأمير المؤمنين (ع) وصي رسول الله، وقد أجمع الناس على إطلاق هذا الاسم له، ووصفه بهذا الوصف حتى صار علما مشهورا ووصفا مميزا، وإن اختلف في معناه: فذهب قوم إلى أنه وصيه في أهله خاصة وهم مخالفوا الشيعة. وذهبت الشيعة إلى أنه وصيه بالإطلاق في أهله وأمنه. والأمر في تسميته بالوصي أشهر من أن يحتج فيه بخبر منقول، وإن كانت الأخبار في ذلك متظاهرة متواترة (2 وروى الثقفي، عن مجول بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأسود اليشكري، عن محمد ابن أبي بكر، عن عبادة بن عبد الله، عن سلمان الفارسي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله: من وصيك من أمتك؟ فإنه لم يبعث نبي إلا وكان له وصي من أمته؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لم يتبين لي بعد. فمكثت ما شاء الله لي أن أمكث ودخلت المسجد، فناداني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا سلمان سألتني عن وصيي من أمتي؟ فهل تدري من كان وصي موسى من أمته؟ فقلت: كان وصيه يوشع بن نون فتاه. فقال (صلى الله عليه وآله): فهل تدري لم كان أوصى إليه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أوصى إليه لأنه كان أعلم أمته بعده، ووصيي هو أعلم أمتي بعدي علي بن أبي طالب. وخبر يوم الدار مشهور، فإن النبي جمع بني عبد المطلب فخطبهم وقال: أيكم يؤازرني على هذا الأمر يكن أخي ووصيي وخليفتي في أهلي ومنجز وعدي وقاضي ديني؟ فأحجم القوم جميعا إلا عليا عليه السلام، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أنت

1) انظر حديث مولد علي عليه السلام بالكعبة فضائل الخمسة 1 / 214.
2) انظر في ذلك فضائل الخمسة 2 / 113 فما بعد.

[ 94 ]

أخي ووزيري وخليفتي في أهلي؟ تنجز عدتي وتقضي ديني. وما روي في هذا المعنى أكثر من أن يحصى (1. وأما قوله (في فضله وفعاله لم يكذب)، فإنما أراد المبالغة في وصف فضله بالكثرة والوفور، فالقائل فيه والمعدد له صادق على كل حال، لأنه بين تقصير وإطالة هو في كليهما صادق من زيادة الفضل على كل حد ينتهي إليه. (52) ليست ببالغة عشير عشير ما قد كان أعطيه مقالة مطنب روى الثقفي، عن مجول بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن الأسود اليشكري عن محمد بن أبي بكر، عن عبادة بن عبد الله، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله: من وصيك من أمتك، فإنه لم يبعث نبي إلا وكان له وصي من أمته؟ فقال: لم يتبين لي بعد. فمكثت ما شاء الله أن أمكث ودخلت المسجد، فناداني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا سلمان، سألتني عن وصيي من أمتي، فهل تدري لما [ ذا ] أوصي إليه؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال: أوصى إليه لأنه كان أعلم أمته، وأعلم أمتي من بعدي علي وهو وصيي. فأي فضلة أعظم من هذه؟ وخبر يوم الدار مشهور: إن النبي صلى الله عليه وآله جمع بني عبد المطلب ثم خطبهم وقال: أيكم يؤازرني على هذا الأمر، ويكون أخي ووصيي وخليفتي في أهلي، ينجز وعدي، ويقضي ديني، فأحجم القوم إلا عليا عليه السلام

1) تاريخ الطبري 2 / 319 فما بعد.

[ 95 ]

فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي تنجز وعدي وتقضي ديني. وقد روي في هذا المعني من هذه الروايات ما هو أكثر من أن يحصى، وذلك معنى قوله (ومن يقل في فضله وفعاله لم يكذب). أي فضله كثير يستغني به من يريد الاطالة في عد مناقبه وفضائله عن كذب فيها، واستعارة لما ليس بصحيح ليكثر به القول، فإنه - وإن أطال - عاجز أن يأتي على جميع فضائله ومناقبه عليه السلام. فأما (المطنب) فهو المكثر من القول، والاطناب: الاكثار من القول. والأطنابة: السير الذي على رأس الوتر. والأطنابة: أيضا المظلة. (53 - 54) صهر الرسول وجاره في مسجد طهر يطهره الرسول مطيب سيان فيه عليه غير مذمم ممشاه أن جنبا وإن لم يجنب أما مصاهرة أمير المؤمنين عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله فإنها من المناقب العظام والفضائل الجسام، لأن الروايات وردت متظاهرة أن أبا بكر خطب فاطمة عليها السلام إلى أبيها فرده عنها وقال له: لم أؤمر بذلك، ثم خطبها عمر فكان له من الجواب مثل ذلك، فلما خطبها أمير المؤمنين قال (صلى الله عليه وآله): هي لك. وروي في أخبار كثيرة مختلفة الألفاظ والطرق أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأمير المؤمنين: ما زوجتكها، إنما زوجكها الله من السماء. وفي خبر آخر: إن فاطمة قالت: يا رسول الله زوجتني خفيف الشئ لا مال له. فقال (صلى الله عليه وآله): أما ترضين يا بنيتي أن يكون زوجك أول المسلمين سلما، وأفضلهم

[ 96 ]

حلما وأكثرهم علما؟ فقالت عليها السلام: بلى رضيت بما رضي الله لي ورسوله. وفي هذه المصاهرة أكبر دليل على طهارة باطن أمير المؤمنين عليه السلام، وإن ظاهره في الخير والفضل كباطنه، فإن من اختاره الله صهرا لنبيه صلى الله عليه وآله وتخطى إليه الخلق أجمعين، لا يجوز أن يكون إليه على الصفة التي ذكرناها، لأن من يعلم الغيوب لا يختار لأن على الباطن دون الظاهر لعلمه بالباطن. وإنما كان اختيارنا مقصورا على الظاهر لأنا لا نعلم الباطن ولا طريق لنا إلى علمه، ولو علمنا البواطن ما اخترنا لأنا عليها. وفي هذا الذي ذكرنا دليل واضح على عصمة أمير المؤمنين عليه السلام وطهارة باطنه، وموافقة باطنه لظاهره. وأما ذكر المسجد فإنما عني به مسجد النبي صلى الله عليه وآله، فإن الله أحل لأمير المؤمنين عليه السلام ما خصه به وصرفه عمن سواه، فروت أم سلمة قالت: خرج النبي إلى المسجد فنادى بأعلى صوته ثلاثا: ألا أن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض أن لرسول الله صلى الله عليه وآله وأزواجه وعلي وفاطمة بنت محمد. وبرواية أخرى عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأعلى صوته: إنه لا يحل لأحد من هذه الأمة أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك. وهذا معنى الاختصاص، فإن النبي صلى الله عليه وآله أمر بسد جميع أبواب أهله، ومجانبة النافذة إلى المسجد سوى باب أمير المؤمنين عليه السلام، فشق هذا التمييز والتخصيص على من كان بابه مفتوحا إلى المسجد. الأخبار بذلك متظاهرة (1. وقد روي عن علي بن الحسين عن أبيه عليه السلام قال: سألت عليا عليه السلام فقلت: كيف يا أبتاه كان أمرك حيث سد رسول الله صلى الله عليه وآله أبواب المسلمين وترك بابك

1) انظر مسند الإمام أحمد 1 / 331.

[ 97 ]

مفتوحا تمر في المسجد وأنت جنب؟ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن موسى سأل ربه أن يطهر مسجده لهارون وذريته من بعده ففعل، وإني سألت ربي ذلك ففعل. أما الطيبة فقد تقدم أنها أحد أسماء المدينة، وذكرنا ما روي من أسمائها. فأما قوله (مطيب) فيحتمل أن يريد به الطهارة دون الذي يتطيب به، ولهذا يقولون تراب طيب، إذا كان طاهرا يصلح للوضوء. ويحتمل أيضا أنه يريد بمطيب أي مضمخ بالطيب عبق بأرجه، فأما الكعبة وموضع الصلاة من المسجد فيختص بالتطيب. وأراد بالبيت الذي أوله (وسيان فيه) إنه أباح له أن يمشي في هذا المسجد مع الجنابة وفقدها. ومعنى سيان: أي مثلان. والجنب: من الجنابة، يقال: أجنب فلان: أي أصابته جنابة. وجنب فلان في بني فلان: أي نزل فيهم غريبا. وجمع جنب أجناب. والجنيبة: هي الناقة يعطيها الرجل لقوم يمتارون عليها له، والجمع جنائب. والجناب: هو الرحل أو الفناء، والجمع أجنبة. وجنب بنو فلان فهم مجنبون: إذا لم يكن في إبلهم لبن. وجنبت الإبل بالتخفيف: إذا عطشت. (55 - 58) وسرى بمكة حين بات مبيته ومضى بروعة خائف مترقب خير البرية هاربا من شرها بالليل مكتتما ولم يستصحب [ فلأن سوى رجلا مخافة إنه خشي الاذاعة منه عند المهرب ]

[ 98 ]

باتوا وبات على الفراش ملفعا فيرون أن محمدا لم يذهب إنما أراد بما أشار إليه مبيت أمير المؤمنين عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله، حين أراد الهجرة إلى المدينة، وإن المشركين هموا به وتواعدوا على قصد مبيته والايقاع به، فكره صلى الله عليه وآله أن يخلي فراشه على مراعاة القوم له، فيعلمون بخروجه فيتبعون أثره. فثبت علي عليه السلام في فراشه، فلما راعاه المشركون رأوا فيه شخصا ثانيا، فلم يفطنوا بمسيره عليه السلام. وصفته ليست بأقل من استسلام إسماعيل عليه السلام لأبيه حين رأى أن يذبحه. وهو أعظم، لأن إسماعيل استسلم إلى أب حدب مشفق مأمون، وما جرت العادة بإتلاف الآباء للأبناء. وأمير المؤمنين استسلم بمبيته على فراش النبي إلى أعداء حنقين مبغضين غير مأمونين، لا سيما وقد فوتهم بمبيته في الفراش غرضهم وحرمهم مقصودهم، وهم على من فعل ذلك أحنق، كل ذلك في طاعة الله ورسوله. والروعة: الخوف والترقب: الانتظار. ويقول: ومضى خير البرية هاربا من شرها بروعة خائف مترقب. والتلفع: التلفف. واللفاع: ما تغطيت به من ثوب واستترت به. (59) حتى إذا طلع الشميط كأنه في الليل صفحة خد أدهم مغرب الشميط: الصبح. وسمي بذلك لاختلاط الضوء بالظلمة، وكذلك الذئب

[ 99 ]

الشميط الذي فيه سواد وبياض. ورجل أشمط: بين الشمط، وامرأة شمطاء. وشماطيط الخيل: جماعات في تفرقة. وصفحة الخد: جانبه. وإنما أراد صفحة من خد فرس أدهم، فاقتصر على ذكر الصفة عن الموصوف. والفرس المغرب. وهو الذي ابيضت أشفار عينيه. (60) ثاروا لأخذ أخي الفراش فصادفت غير الذي طلبت أكف الخيب قوله (ثاروا لأخذ أخي الفراش) لأنهم أرادوا أخذ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهم يظنونه نائما في الفراش، فصادفوا عليا عليه السلام، فهموا بقتله، فثار إليهم فضاربهم بالسيف ونجا منهم ولم يقدروا عليه. وقوله (أخو الفراش) كناية عن صاحب الفراش. وهذه قصة مشهورة وقد ذكرتها الرواة. (61 - 62) [ وتراجعوا لما رأوه وعاينوا أسد الإله مجالدا في منهب ] فوقاه بادرة الحتوف بنفسه حذرا عليه من العدو المجلب البادرة: ما بدر من الشئ وبرز وجاء في أوله وظهر. والبادرة: اللحمة

[ 100 ]

التي تكون بين الكتف والعنق، وجمعها بوادر (1، ويقال لها: البأدلة، وجمعها بآدل ويقال بأدل بغير هاء. قال الشاعر: * ولا رهل لباته وبآدله * والمجلب، من قولهم أجلب الرجل: إذا سمعت له صياحا وجلبة واستعانة، يستصرخ بقوم ويستعين بهم على حرب. قال الله تعالى: (وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) (2. (63) حتى تغيب عنهم في مدخل صلى الإله عليه من متغيب قوله (حتى تغيب) يعني النبي صلى الله عليه وآله. وقوله في مدخل: حين دخل الغار واستتر به. والقصة مشهورة.

1) وفي الهامش: بادره مبادرة وبدارا وابتدره وبادر غيره إليه: عاجله. وبدره الأمر وإليه: عجل إليه. واستبق واستبقنا البدرى، كجمزى: أي مبادرين. والبادرة: ما يبدر من حدتك في الغضب من قول أو فعل. والبديهة. قاموس.
2) سورة الاسراء: 64.

[ 101 ]

(64) وجزاه خير جزاء مرسل أمة أدى رسالته ولم يتهيب جزاه: دعا له، لما كان منه عليه السلام من الصبر على تجرع الغصص، والصبر على مدافعة الأعداء، والذب عن نبيه عليه السلام. ويقال: إن المشركين لما فاتهم الظفر بالنبي صلى الله عليه وآله على الفراش، وعرفوا أنه قد فارق مكة، طلبوه على سائر الطرق وقفوا أثره. (65) قالوا اطلبوه فوجهوا من راكب في مبتغاه وطالب لم يركب معنى قوله (قالوا اطلبوه) أن المشركين لما فاتهم الظفر به على الفراش، واخفق قصدهم، وأكدى سعيهم، وعلموا أنه قد فارقهم وفاتهم، أمروا بطلبه. وضاق الشعر عن أن يقول: فوجهوا من طالب راكب وطالب لم يركب، فاقتصد على نفي الركوب عن الطالب الثاني، إشعارا بإنه أراد بالطالب الأول الراكب. (66) حتى إذا قصدوا لباب مغارة ألفوا عليه نسيج غزل العنكب يقال: إنهم لما قفوا أثر النبي صلى الله عليه وآله، دلهم الأثر إلى الغار،

[ 102 ]

وهي المغارة التي ذكرها في الشعر، فأرسل الله العناكب فنسجت على باب الغار. فلما هموا أن يلجوا الغار، قال بعضهم لبعض: لو كان دخل هاهنا أحد لأفسد نسج العنكبوت. فذلك قوله في البيت الذي يأتي (ما في المغار لطالب من مطلب)، فرجعوا وكان ذلك من معجزاته صلى الله عليه وآله. يقال للذكر من العناكب: العنكبوت. وذلك في لغة أهل اليمن. (67 - 68) صنع الإله له فقال فريقهم ما في المغار لطالب من مطلب ميلوا فصدهم المليك ومن يرد عنه الدفاع مليكه لم يعطب إنما أراد أن القوم لما رأوا نسيج العنكبوت على باب الغار أشعرهم ذلك بأنه لم يلجه والج، ولا دخل إليه داخل، فيئسوا من تفتيشه والدخول إليه. وهذه إحدى معجزاته صلى الله عليه وآله التي تفوق الاحصاء. (69) حتى إذا أمن العيون رمت به خوص الركاب إلى مدينة يثرب معنى (أمن العيون) انقطع عنه التتبع والطلب. وخوص الركاب: من الخوص في العين، والعين الخوصاء عندهم: التي ضاق مشقها. ويقال بل هي الغائرة. ويقال: قد خوصت تخوص خوصا. وبئر خوصاء: إذا غار ماؤها ونعجة خوصاء: وهي التي اسودت إحدى عينيها وابيضت

[ 103 ]

الأخرى. ويقال: خوص رأسه أي وقع فيه الشيب، وقيل إذا استوى بياض الشعر وسواده. الركاب: الإبل. يثرب: من أسماء المدينة على ساكنها السلام، وقد تقدم ذلك. (70) فاحتل دار كرامة في معشر آووه في سعة المحل الأرحب آووه: أنزلوه وأحلوه. يقولون أويت إلى الموضع آوى أويا. وأويت في الرحمة تأوية وأواية، فأنا آوي له. المحل الأرحب: هو الواسع. (71 - 73) وله بخيبر إذ دعاه لراية ردت عليه هناك أكرم منقب إذ جاء حاملها فأقبل متعبا يهوى بها العدوى أو كالمتعب يهودي بها وفتى اليهود يشله كالثور ولى من لواحق أكلب (ش 1) هذه قصة يوم خيبر، مشهورة. وروى أبو سعيد الخدري رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وآله أرسل عمر إلى خيبر فانهزم هو ومن معه، حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يجبن أصحابه ويجبنونه، فبلغ

[ 104 ]

ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله كل مبلغ، فبات ليلته مهموما، فلما أصبح خرج إلى الناس ومعه الراية، فقال: لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار، فتعرض لها المهاجرون والأنصار، ثم قال: أين علي؟ فقالوا: يا رسول الله هو أرمد، فبعث إليه سلمان وأبا ذر، فجاءا به وهو يقاد لا يقدر على فتح عينيه، وقال: اللهم أذهب عنه الرمد والحر والبرد وانصره على عدوه فإنه عبدك يحبك ويحب رسولك، ثم دفع إليه الراية، فقال حسان بن ثابت: يا رسول الله أتأذن لي أن أقول فيه شعرا؟ فأذن له، فقال: وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يحس مداويا شفاه رسول الله منه بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال سأعطي الراية اليوم ماضيا * كميا محبا للرسول مواليا يحب إلهي والرسول يحبه * به يفتح الله الحصون الأوابيا فأصفى بها دون البرية كلها * عليا وسماه الوزير المؤاخيا فقال: إن عليا عليه السلام لم يجد بعد ذلك أذى في عينيه، ولا أذى حر ولا برد. وفي رواية أخرى: إن الراية أعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر فعاد منهزما يجبن أصحابه ويجبنونه في ذلك اليوم، ثم أعطاها في اليوم الثاني عمر فرجع بها منهزما يجبن أصحابه ويجبنونه وقد جرح في رجله، فلما كان في اليوم الثالث دفعها إلى علي عليه السلام وقال ما حكيناه في الرواية الأولى. والذي قاله النبي صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام حين سلم الراية إليه يقتضي ظاهره التقديم والتعظيم في الصفات التي وصفه بها على من تقدمه ممن سلمت الراية إليهم أولا.

[ 105 ]

والمنقب: جمع منقبة ومناقب أيضا. والمنقبة: طريق الخير والفضل. والمنقب والنقب أيضا: الطريق الضيق. والعدوي: عمر بن الخطاب، لأنه من ولد عدي بن كعب بن لؤي بن غالب. والهوي في السير: المضي بسرعة. وأخو اليهود: مرحب لعنه الله. والشل: الطرد، ورجل شلول ومشل: سواق وسريع. واللواحق: التوابع المدركات، ويقال للفرس: لاحق الأقراب إذا لحق بطنه بظهره فهو من الضمر. واللأقراب: الخواصر. (ش 2) أما قصة غزو خيبر فمشهورة مذكورة، وكان فيها لأمير المؤمنين عليه السلام البلاء العظيم، والعناء الجسيم. وروى أبو سعيد الخدري إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل عمر إلى خيبر فانهزم ومن معه، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله يجبن أصحابه، فبلغ ذلك من رسول الله كل مبلغ، فبات ليلته مهموما، فلما أصبح خرج إلى الناس ومعه الراية، فقال (صلى الله عليه وآله): لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار. فتعرض لها جميع المهاجرين والأنصار، فقال: أين علي؟ فقالوا: هو يا رسول الله أرمد، فبعث إليه أبا ذر وسلمان، فجاءا به يقاد ولا يقدر على فتح عينيه من الرمد، فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وآله تفل في عينيه وقال اللهم أذهب عنه الحر والبرد وانصره على عدوه، فإنه عبدك يحبك ويحب رسولك غير مراء. ثم دفع إليه الراية، فاستأذنه حسان بن ثابت أن يقول فيه شعرا فأذن له، فقال: وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلم يحسن هناك مداويا

[ 106 ]

شفاه رسول الله منه بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال سأعطي الراية اليوم صارما * كميا محبا للرسول مواليا يحب النبي والرسول يحبه * به يفتح الله الحصون الأوابيا فأصفى بها دون البرية كلها * عليا وسماه الوزير المؤاخيا فيقال: إن أمير المؤمنين عليه السلام لم يجد بعد ذلك أذى حر ولا برد. وفي رواية أخرى غير هذه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى الراية أولا أبا بكر، فانهزم وانهزم الناس معه. ثم بعث من غد عمر، فرجع منهزما وقد جرح في رجليه، فحينئذ دفعها إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال ما كتبناه في الرواية الأولى. وهذه حالة تقتضي غاية التعظيم ونهاية التقديم. وفي الشيعة من جعل مخرج هذا الكلام دالا بظاهره على نفي الصفات المذكورة في أمير المؤمنين عليه السلام عمن تقدمه، ويقولون: إن بعض الملوك لو أرسل إلى غيره رسولا ففرط الرسول في رسالته وحرفها، فغضب المرسل وأنكر فعله، ثم قال: لأرسلن رسولا حقيقا بحسن القيام بأداء رسالتي غير محرف لها ولا مفرط فيها، لكان ظاهر كلامه يقتضي انتفاء هذه الصفات عن الرسول الأول. أما المنقب: فجمع منقبة، وهي الفضيلة، وهو الطريقة الجميلة. ويقولون: فيه مناقب حسان، الواحدة منقبة، أي طريق من طرق الخير. والمنقبة أيضا: الطريق الضيق يكون بين الدارين لا يمكن أن يسلك. ويقال: منقب ومنقبة للطريق: إذا كان في موضع غليظ. ومنقبة الفرس: حيث ينقب البيطار. وقوله (يهوي بها العدوي) أراد عمر بن الخطاب، لأن عمر من ولد عدي

[ 107 ]

ابن كعب بن لؤي بن غالب. والهوي في السير: المضي فيه. وفتى اليهود: يعني مرحبا. الشل: الطرد هاهنا، ورجل شلول: مثل سواق سريع. اللواحق من الكلاب (1: يحتمل هاهنا الضوامر، لأن الفرس يوصف بأنه لاحق إذا لحق بطنه بظهره من شدة الضمر. والوجه الآخر. أن يريد باللواحق: البوالغ المدركات لأوطارها. (74) غضب النبي لها فأنبه بها ودعا أخا ثقة لكهل منجب معنى أنبه: وبخه وبكته. والهاء في (أنبه) راجعة إلى عمر. وعنى بقوله (أخا ثقة) أمير المؤمنين عليه السلام. والكهل المنجب: هو أبوه، تقول العرب: أنجب الرجل إنجابا فهو منجب: إذا ولد ولدا نجيبا فاضلا. (75) رجل كلا طرفيه من سام وما حام له بأب ولا بأبى أب ويروى أجلى، والأجلي الذي انحسر الشعر عن رأسه. يقولون: أجلح لمن

1) كذا، ولعل الصحيح أن يقول: اللواحق من الفرس.

[ 108 ]

انحسر الشعر عن مقدم رأسه، فإذا زاد على ثلث الرأس فهو أجله، فإذا بلغ النصف فهو أجلى. ومنه قيل: أجلى عن المكان، إذا انكشف عنه فهو مجل. فإن عم الرأس فهو أصلع (1. فأما قوله (كلا طرفيه من سام) إلى آخره: فإنما يريد أن أمير المؤمنين عليه السلام ما ولده من كلا طرفيه حام، لأن حاما والد السودان وساما والد البيضان. وأم أمير المؤمنين عليه السلام فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهو أول هاشمي ولد في الاسلام بين هاشميين، وليس في أمهاته وإن بعدن وعلون من هو من ولد حام. وعرض السيد في قوله هذا بعمر بن الخطاب، لأن صهاك أمه حبشية، وطئها عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، فجاءت بنفيل ابن عبد العزى. هذا في رواية الهيثم بن عدي الطائي وأبي عبيدة معمر بن المثنى وغيره. وقال قوم آخرون: إن صهاك أم الخطاب بن نفيل، وخالف آخرون في أم الخطاب وذكروا أنها من فهم بن عيلان. وأراد السيد فضل [ نسب ] أمير المؤمنين عليه السلام على نسب من ذكره. فإن قيل: في ولادة حام معرة ومنقصة، فكيف تطرق هذا على كثير من أئمتكم عليهم السلام فقد ولدتهم الإماء، من أبي الحسن موسى إلى صاحب الزمان (ع)؟ قلنا: ما عير السيد بولادة الإماء، وإنما عير بولادة حام، وليس كل أمة من ولد حام. وأمهات من ذكر من أئمتنا عليه السلام وإن كن إماء، فلسن من أولاد

1) لم نعرف مناسبة التعليقة هذه مع البيت المشروح.

[ 109 ]

حام. فأم أبي الحسن موسى (ع) بربرية، وقيل إنها أندلسية اسمها حميدة. وأم علي بن موسى (ع) مرسية تسمى الخيزران. وأم أبي جعفر عليه السلام قيل إنها مرسية تسمى سكينة، وقيل بربرية. وأمهات العسكريين (ع) والقائم عجل الله فرجه، مولدات لسن من ولد حام. على أنه لو كان على أصعب الوجوه في أمهات بعض أئمتنا من ولد حام لما كان في ذلك نقص ولا عيب، لأن السيد فضل أمير المؤمنين عليه السلام على من لم يلده حام، وما ألحق نقصا في الذين من ولد حام، وليس كل فضيلة تنعلق بالدين يكون فقدها نقصانا فيه. ونحن نعلم أن للحسن والحسين عليهما السلام الفضيلة العظمى، لأن أمهما فاطمة (ع) بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وليس هذا لغيرهما من الأئمة. فإن كان لا نقص يلحق بفقد هذه الفضيلة [. ] (1. (76) من لا يقر ولا يرى في نجدة فإن وصارمه خضيب المضرب النجدة: هي شدة البأس، يقال: رجل نجد ونجد، ورجال أنجاد. وقد نجد الرجل من هذا المعنى. واستنجد بي فلان وأنجدته: استغاثني فأغثته. وقد نجد الرجل ينجد: إذا عرق من عمل أو كرب. ونجدت الرجل: إذا غلبته. والنجدة: القتال. وقول السيد (ولا يرى في نجدة) يليق بالوجوه الثلاثة المذكورة في النجدة، وأليقها بكلامه النجدة التي هي القتال.

1) كذا، العبارة غير تامة والموضوع ناقص.

[ 110 ]

والصارم: السيف القاطع. وإنما يكون صارمه خضيب المضرب لكثرة الضرب واسالة النجيع عليه. (77) فمشى بها قبل اليهود مصمما يرجو الشهادة لا كمشي الأنكب الشهادة: خروج النفس في طاعة الله تعالى أو قربته إليه، لأنه لا يسمى من في معصيته ولا في طاعة معصيته شهيدا. ووجدت بعض ثقات أهل اللغة يحكي في كتابه أن الشهيد هو الحي، وأظنه ذهب إلى قوله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) (1. ومعنى يرجو الشهادة: أي الفوز برضوانها وثوابها، والجزاء على تصبره وحسن احتسابه. الأنكب: هو المايل المنحرف، والنكب: هو أن يصيب البعير خلع فيمشي منحرفا. وقد نكب نكبا فهو انكب. ويقولون نكب الرجل: إذا تحرك. ونكب عن الطريق تنكيبا: عدل عنه. ونكب نكوبا: مثله. ورجل ناكب ورجال ناكبون. ونكب الرجل: أصابته نكبة، أي نازلة. نكب: إذا أصيب منكبه. والنكب والنقب: واحد. وريح نكباء: تقع بين ريحين، وقد نكبت تنكب نكوبا، وهي التي بين الصبا والدبور.

1) سورة آل عمران: 169.

[ 111 ]

(78) تهتز في يمنى يدي متعرض للموت أروع في الكريهة محرب يريد: يمشي بها وهي تهتز، يعني الراية. الأروع: مأخوذ من الروع، وهو الفزع. ويقال: ناقة روعاء: حديدة القلب ورجل أروع: إذا راعك بشجاعته وحسن منظره. وامرأة روعاء: تروع الناس بجمالها. الكريهة: اسم الحرب. المحرب: الحسن البلاء في الحرب. المحرب بفتح الميم: المنزل. المحراب بكسر الميم: الغرفة. (79) في فيلق فيه السوابغ والقنا والبيض تلمع كالحريق الملهب الفيلق: الداهية، ومنه قيل للكتيبة (فيلق). السوابغ: الدروع، وإنما سميت بذلك لتمامها وطولها. وإنما أراد بذلك الدروع السوابغ، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. (80) والمشرفية في الأكف كأنها لمع البروق بعارض متحلب المشرفية: السيوف. ويقال إنها نسبت إلى مشرف اسم رجل، ويقال إنها

[ 112 ]

منسوبة إلى قرى من أرض العرب تدنو إلى الريف، وإنما أراد: كأن لمعانها لمعان البروق. العارض: السحاب، وكل شئ بدا لك فهو عارض. المتحلب: صفة السحاب الماطر. (81) وذوو البصاير فوق كل مقلص نهد المراكل ذي سبيب سلهب البصاير: جمع بصيرة، وهي الاستبصار واليقين. والبصيرة في غير هذا الدفعة من الدم. ويقال هو ما كان منه على الأرض دون الجسد. والبصيرة: الترس، وجمعه بصاير. والقلص: مأخوذ من التميز في الثياب وغيرها. ووصف الفرس بذلك لتميز لحمه وارتفاعه عن قوائمه. ونهد المراكل: غليظها، ويريد بالمراكل القوائم. ويقال: نهد الرجل ينهد نهدا: إذا شخص. وأنهدته: أنهضته. ويقال للفرس: نهد، لأنه ينهد في العدو وينهض. ويقال النهد: الحسن الخلق التام الجسم. وسمي نهد الجارية نهدا لبروزه وشخوصه عن صدرها. ويقال: طرح فلان نهده مع القوم إذا أعانهم. والسبيب والسبيبة: خصل الشعر، وإنما أراد هنا شعر الذنب. وسلهب: أي طويل.

[ 113 ]

(82) حتى إذا دنت الأسنة منهم ورموا قبالتهم سهام المقنب المقنب: جماعة الخيل ليست بالقليلة ولا الكثيرة. (83) شدوا عليه ليرجلوه فردهم عنه بأسمر مستقيم الثعلب ويروى: شدوا عليه ليزحلوه. الشد: هو القصد والاعتماد، ويقولون شددت عليه لأضربه أي قصدته واعتمدته. ومعنى يرجلوه: يحطونه عن فرسه، ويجعلونه راجلا. ومعنى ليزحلوه: أي ينحونه، من قولهم زحل إذا تنحى، ورجل زحل وامرأة زحلة: من التنحي عن الأمر قبيحا كان أو حسنا. ومعنى هوى: سقط. والأسمر هاهنا: الرمح. وثعلب الريح: ما دخل منه في السنان. والثعلب أيضا: مخرج الماء من الدار والحوض. والثعلب والثعلبان: الذكر من الثعالب. والثعلبية: من عدو الخيل أشد من الخبب. والثعلبية: موضع معروف.

[ 114 ]

(84 - 86) ومضى فأقبل مرحب متذمرا بالسيف يخطر كالهزبر المغضب فتخالسا مهج النفوس فاقلعا عن جري أحمر سائل من مرحب فهوى بمختلف القنا متجدلا ودم الجبين بخده المتترب قوله (متذمرا) يحتمل أمرين: أحدهما: من معنى الشجاعة، ويقولون رجل ذمر وقوم أذمار، وذمر وذمير وهو الشجاع المفكر، كأنه أقبل متشجعا مقدما متهجما. والأمر الآخر: مأخوذ من الحث، يقولون: ذمرته ذمرا إذا حثثته. فكأنه قال: أقبل حاثا لنفسه. وقوله (يخطر) مأخوذ من قولهم خطر البعير يخطر: إذا مشى فضرب بذنبه يمينا وشمالا. والخطر: السبق. ورجل له خطر: أي قدر، والجمع أخطار. الهزبر: الأسد. المهجة: النفس. وفي استدراك قوله (عن جري أحمر سائل من مرحب) بلاغة، لأنه لو أطلق لاحتمل أن يكون الدم السائل من كل واحد منهما. ومعنى هوى: سقط. ومختلف القنا: المواضع التي تختلف فيها جهات الطعن. والمتجدل: الواقع على الأرض، مأخوذ من الجدالة، وهي الأرض السهلة. وإنما وصف الخد بأنه متترب بما علاه ولصق به من تراب.

[ 115 ]

(87) أجلى فوارسه وأجلي رجله عن مقعص بدمائه متخضب معنى أجلى فوارسه وأجلى رجله: أي انكشف الفرسان والرجالة عن مقعص. والمقعص: المقتول. والقعص. القتل. يقال ضربه فأقعصه، ومات قعصا: إذا أصابته ضربة أو رمية فمات مكانه. (88 - 89) فكأن زوره العواكف حوله من بين خامعة ونسر أهدب شعث لغامظة دعوا لوليمة أو ياسرون تخالسوا في منهب (ش 1) زوره: الذين يزورونه، يريد النسور وما يجري مجراها من الجوارح التي تقع على القتلى. الخوامع: الضباع لأنها تخمع أي تعرج، الواحدة خامعة. وصفهم بأنهم عواكف لطول مقامهم عليه يأكلون لحمه. ووصف النسر بأنه أهدب لتكاثف ريشه وشيوعه. والأصل في الشعث: النقصان، ويقال رجل أشعث الرأس إذا كان بعيد [ العهد ] بالدهن. اللغامظة: جمع لغموظ، وهو الشره الحريص على الأكل، ويقال للطفيلي لغموظ.

[ 116 ]

والياسرون: المقامرون، مأخوذ من الميسر. والميسر: المقامرة، والجمع إيسار. والمنهب: موضع [ النهب ]. (ش 2) أراد بزوره النسور وما سواها من الجوارح التي تقع على القتلى وتتبع مطارحهم وتأكل لحومهم، ووصفها بأنها عواكف لطول مقامها على اعتراق عظامهم وانتهاك جلودهم، لأن العكوف هو طول المقام. والخامعة: الضبع لأنها تخمع، والخمع والخماع: العرج. والخمع: الذئب وجمعه أخماع. وإنما سمي اللص خمعا تشبيها بالذئب في مكره ودهائه. والنسر: جارح معروف، وإنما وصفه بأنه أهدب لسبوغ ريشه ولحوقه بالأرض. والأصل في الشعث: النقصان، ورجل أشعث الرأس: إذا كان بعيد العهد بالدهن. اللغامصة: جمع لغموص، وهو الشهوان الحريص على الأكل، ويقال فيه لغموط ولغموظ. وهو أيضا الطفيلي. وامرأة لغموظة كذلك. والعلوس بالعين والغين: الأكول الحريص، ورجل معلس: شديد الأكل. والياسرون: مأخوذ من (الميسر) وهو القمار، وجمعه: أيسار. وكانوا ييسرون في الجاهلية على الجزور. والياسر: الجزار الذي يلي قمة الجزور. والياسر أيضا: الذي يرمي القداح. المنهب: موضع النهب.

[ 117 ]

(90 - 91) فاسأل فإنك سوف تخبر عنهم وعن ابن فاطمة الأغر الأغلب وعن ابن عبد الله عمرو قبله وعن الوليد وعن أبيه الصقعب (ش 1): يعني فاطمة بنت أسد. الأغر: الأبيض الوجه، والغرة: الوجه، معروفة. يوصف بذلك الكريم النجيب. الأغلب: الغليظ العنق، يوصف به الأسد. ووصف الرجل استعارة، فإن الأغلب: الغليظ العنق مع قصر فيها. وأراد بابن عبد الله: عمرو بن عبد ود بن مضر بن مالك بن حنبل بن عامر ابن لؤي بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن الياس بن مضر، ويقال له (فارس يليل)، لأنه أقبل في ركب حتى إذا كانوا في يليل، وهو واد قريب من بدر يدفع إليهم، خرجت عليهم بنو بكر بن عبد مناف، فعرضت لهم تريد أخذهم، فقال لأصحابه: النجاة فإني سوف أشغلهم عن لحاقكم، فمضوا ووقف في وجوه بني بكر يحاربهم حتى فات أصحابه، ودفع القوم عنهم، فعرف بذلك وسمي (فارس يليل) باسم ذلك المكان (1. فلما حضر الاحزاب المدينة أمر النبي صلى الله عليه وآله بحفر الخندق وكان قد أشار بحفره سلمان الفارسي رضي الله عنه، فلما رأته العرب قالوا: هذه مكيدة فارسية. واسم الموضع الذي حفر فيه الخندق (المذاد)، فامتنعت العرب أن تعبره، فلم يجزعه أحد منهم غير عمرو بن عبد ود، وضرار بن الخطاب الفهري

1) انظر تاج العروس 8 / 178، معجم البلدان 5 / 441.

[ 118 ]

وعكرمة بن أبي جهل، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، وفي ذلك يقول الشاعر: عمرو بن ود كان أول فارس * جزع المذاد وكان فارس يليل ولما جزع عمرو الخندق (1 دعا إلى البراز وقال: ولقد بححت من النداء * بجمعهم هل من مبارز؟ ووقفت إذ جبن الشجاع * بموقف البطل المناجز إني كذلك لم أزل * متسرعا نحو الهزاهز إن الشجاعة والسماحة * في الفتي خير الغرائز فأحجم المسلمون عنه ولم يخرج إليه أحد، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام وأمره بالخروج إليه ودفع إليه ذا الفقار. ويقال: إن جبرائيل عليه السلام هبط به، ويقال: بل هبط بجريدة من الجنة فهزها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتحولت في يده سيفا، فناوله عليا عليه السلام وأمر بالمبارزة، فلما توجه إليه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: خرج الإيمان سائره إلى الكفر سائره. فدعاه علي عليه السلام إلى المنازلة وقال: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لقريش ألا يدعوك رجل منهم إلى خلتين إنك أجبت إلى إحداهما. قال عمرو: أجل. قال: فإني أدعوك إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وإلى الاسلام. فقال: لا حاجة لي فيما دعوت إليه. قال: فإني أدعوك إلى المبارزة والنزال، وكان عمرو نديما لأبي طالب، فقال عمرو: يا ابن أخي ما أحب أن أقتلك. فقال علي عليه السلام: فأنا أحب أن أقتلك. فجاء عمرو ونزل عن فرسه وعرقبه، ثم أقبل إلى علي عليه السلام فتجاولا، ثم ثارت بينهما غبرة سترتهما عن أعين الناس، فجزع النبي صلى الله عليه وآله

1) الارشاد للمفيد ص 46، المناقب لابن شهر أشوب 1 / 196.

[ 119 ]

والمسلمون لذلك جزعا شديدا، فلم يشعروا فإني بالتكبير، فعرفوا أن عليا عليه السلام قتله. ثم انجلت الغبرة، فإذا علي على صدره يجتز رأسه، فكبر المسلمون وهزم الاحزاب بذلك فعرج جبريل وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. وروى عمرو بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسين: إن عليا عليه السلام أقبل وفي يده رأس عمرو حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعا له المسلمون، وقام إليه أبو بكر وعمر فقبلا رأسه. وروي عن أبي بكر بن عياش أنه قال: ضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أعز منها. يعني ضربته لعمرو بن عبد ود، وضربة عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله. قال الشاعر: جبريل نادى في الوغى * والنقع ليس بمنجلي والمسلمون بأسرهم * حول النبي المرسل والخيل تعثر بالجماجم * والوشيج الذبل لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي وقالت أم كلثوم بنت عمرو بن عبدود ترثي أباها: لو كان قاتل عمرو غير قاتله * لكنت أبكي عليه آخر الأبد لكن قاتله من لا يعاب به * وكان يدعى قديما بيضة البلد وأما الوليد - الذي ذكره في البيت - فهو الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وكان من قصته أنه خرج يوم بدر عتبه بن ربيعة بن عبد شمس، وشيبة بن ربيعة أخوه، والوليد بن عتبة بن ربيعة يطلبون البراز، فخرج إليهم عدتهم من الأنصار، فناسبوهم فلما عرفوهم قالوا: لا حاجة لنا فيكم، إنما نريد أكفاءنا من قريش.

[ 120 ]

فأمر النبي صلى الله عليه وآله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أن يخرج إلى عتبة، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب أن يخرج إلى شيبة بن ربيعة وعلي بن أبي طالب إلى الوليد بن عتبة، فناسبوهم لما خرجوا إليهم فعرفوهم وقالوا: أكفاء كرام. وكان الثلاثة من رؤساء قريش وسادات المشركين: فأما حمزة وعلي فقتلا مبارزيهما، وأما عبيدة وشيبة فاختلفا ضربتين، ضرب كل منهما صاحبه، وأدرك علي شيبة فقتله، واحتمل عبيدة وقد انقطعت رجله، فجاؤا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فمات بعد انصرافهم من بدر بالصفراء، ودفن بها رضي الله عنه. وقال أسيد بن أبي أياس بن زنيم بن صحبة بن عبيد بن عدي من الديل يحرض المشركين من قريش على قتل علي عليه السلام ويغريهم به شعرا: في كل مجمع غاية أخزاكم * جذع أبر على المذاكي القرح لله دركم ولما تنكروا * قد ينكر الحر الكريم ويستحي هذا ابن فاطمة الذي أفناكم * ذبحا وقتلة قعصة لم يذبح أعطوه خرجا واتقوا بضريبة * فعل الذليل وبيعة لم تريح أين الكهول وأين كل دعامة * في المعضلات وأين زين الأبطح أفناكم ضربا وطعنا يفتري * بالسيف يعمل حده لم يصفح وكان لواء قريش في أحد مع طلحة بن أبي طلحة فقتله علي عليه السلام، فقال الحجاج بن علاط السلمي في ذلك: لله أي مذبب عن حرمة * أعني ابن فاطمة المعم المخولا جادت يداك له بعاجل طعنة * تركت طليحة للجبين مجدلا وشددت شدة باسل فكشفتهم * بالحرب إذ يهوون أخول أخولا

[ 121 ]

وعللت سيفك بالدماء ولم تكن * لترده ظمآن حتى ينهلا وقالت هند بنت عتبة ترثي أباها: أيا عين جودي بدمع سرب * على خير خندف لم ينقلب تداعى له غدوة رهطه * بنو هاشم وبنو المطلب يذيقونه حد أسيافهم * ويعلونه بعد ما قد شجب وكان قتل هؤلاء النفر قبل أن يلتقي الجمعان، ولما برز هؤلاء الثلاثة عليهم السلام إلى الثلاثة المذكورين رفع النبي صلى الله عليه وآله يده إلى الله تعالى يتضرع إليه ويسأله ما وعده من النصر ويقول: اللهم إن يظهروا على هذه العصابة يظهر الشرك ولا يتم لك دين. فلما قتلوا الثلاثة (1 نذرت هند لتأكل كبد حمزة عليه السلام. شارك حمزة أيضا في قتل عتبة بن ربيعة، فلذلك ذكره السيد الحميري. والصقعب: الطويل، وصفه بذلك وليس هو هاهنا اسم رجل. (ش 2) يعني بابن فاطمة أمير المؤمنين عليه السلام، لأن أمه فاطمة بنت أسد (رض)، وقد تقدم ذلك. والأغر: ذو الغرة البيضاء، ويوصف بذلك الكريم النجيب. والأغلب: الأول من الغلبة، وهو أشبه هاهنا من أن يريد به القصير العنق، لأن الغلباء من الأعناق القصيرة الغليظة.

1) في الهامش: الثلاثة الذين قتلوا هم: عتبة، وولده الوليد، وأخوه شيبة. وأما حمزة فهو قتل في يوم أحد، ولعل الشارح أراد أنه حصل من هند ما ذكر في يوم أحد. والله أعلم.

[ 122 ]

وأراد بابن عبد الله: عمرو بن عبدود، وهو عمرو بن عبد أبي قيس بن عبد ود ابن نضر بن مالك بن حنبل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، ويقال له ذو الندى، وهو فارس يليل، وكان فارس قريش، وكان يعد بألف فارس، حتى إذا كانوا بيليل عرضت لهم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة في عدد، فقال لأصحابه: امضوا فمضوا، وقام في وجوه أصحابه حتى منعهم من أن يصلوا إليهم فعرف بذلك. ويليل واد قريب من بدر، يدفع إلى بدر. فلما حضر الاحزاب الخندق، أمر النبي بحفر الخندق، وكان أشار بذلك سلمان الفارسي. فلما رأته العرب قالت: مكيدة فارسية، وامتنعت العرب من أن تعبره، فكان ممن طفره عمرو بن عبد ود، وضرار بن الخطاب الفهري، وعكرمة ابن أبي جهل، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة. وفي ذلك يقول الشعراء: عمرو بن ود كان أول فارس * جزع المذاد وكان فارس يليل ولما عبر عمرو الخندق، دعا إلى البراز وقال: ولقد بححت من النداء * بجمعهم هل من مبارز؟ ووقفت إذ جبن الشجاع * بموقف البطل المناجز إني كذلك لم أزل * متسرعا نحو الهزاهز إن السماحة والشجاعة * في الفتى خير الغرائز فأحجم المسلمون عنه فلم يخرج إليه أحد، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أين علي؟ فجاء إليه، فأمره بالخروج إليه، ودفع إليه ذا الفقار سيفه، ويقال إنه هبط به جبريل عليه السلام، ويقال إن جبريل هبط بجريدة من الجنة فهزها النبي صلى الله عليه وآله فتحولت سيفا، فسلمه إلى علي عليه السلام وأمره بالبروز إلى عمرو بن ود، فلما توجه إليه قال النبي (صلى الله عليه وآله): خرج الاسلام سائره إلى الكفر سائره، فدعاه علي إلى

[ 123 ]

أن ينازله وقال: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لقريش أن لا يدعوك رجل إلى خلتين ألا أخذت بإحداهما. قال عمرو: أجل. قال عليه السلام: إني أدعوك إلى الله ورسوله والاسلام. فقال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى المبارزة، وكان عمرو نديما لأبي طالب، فقال: يا بن أخي ما أحب أن أقتلك، فقال له علي عليه السلام: ولكني والله أحب أن أقتلك. فحمي عمرو فاقتحم عن فرسه وعرقبه، ثم أقبل إلى علي، فتبارزا وتجاولا، وثارت عليهما غبرة سترتهما عن العيون، فجزع النبي صلى الله عليه وآله والمسلمون لذلك، فلم يرع المسلمين إلا تكبيرة علي، فعرف المسلمون أن عليا قتله، وانجلت الغبرة فإذا علي على صدره يذبحه، فكبر المسلمون وهزم الله المشركين، وقال جبرائيل للنبي (صلى الله عليه وآله): يا محمد هذا المؤاساة، وعرج إلى السماء وهو يقول بصوت يسمع لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. وروى عمرو بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسن أن أمير المؤمنين عليه السلام لما قتل عمرا وحمل رأسه وألقاه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله، قام أبو بكر وعمر فقبلا رأس أمير المؤمنين عليه السلام. وروى أبو بكر بن عياش أنه قال: لقد ضرب علي عليه السلام ضربة ما كان في الاسلام أعز منها، يعني ضربة عمرو بن عبد ود. ولقد ضرب علي ضربة ما كان في الاسلام ضربة أشد منها على الاسلام، يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله. وقال الشاعر في ذكر هذه القتلة: جبريل نادى في الوغى * والنقع ليس بمنجلي والمسلمون بأسرهم * حول النبي المرسل والخيل تعثر بالجما * جم والوشيج الذبل

[ 124 ]

لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي وقالت كلثوم بنت عمرو بن عبد ود ترثي أباها: لو كان قاتل عمرو غير قاتله * لكنت أبكي عليه آخر الأبد لكن قاتله من لا يعاب به * وكان يدعى قديما بيضة البلد وأما الوليد الذي ذكره في البيت، فهو الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وكان من قصته أنه خرج في يوم بدر عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وشيبة بن ربيعة أخوه، والوليد بن عتبة بن ربيعة يطلبون البراز، فخرج إليهم عدتهم من الأنصار فناسبوهم، فلما عرفوهم قالوا: لا حاجة بنا إليكم، إنما نريد أكفاءنا من قريش. فأمر النبي صلى الله عليه وآله حمزة بن عبد المطلب فخرج إلى عتبة بن ربيعة، وعبيدة بن الحارث ابن عبد مناف فخرج إلى شيبة، وعليا إلى الوليد، فناسبوهم فانتسبوا فقالوا: أكفاء كرام، وكان هؤلاء من سادات قريش ومن رؤساء المشركين. فأما حمزة وعلي فما لبثا عتبة والوليد حتى قتلاهما. وأما عبيدة وشيبة فاختلفا ضربتين، فضرب عبيدة شيبة، وضرب شيبة عبيدة فقطع رجله، وأدرك علي شيبة فأجهز عليه وحملا عبيدة إلى النبي صلى الله عليه وآله فمات بعد انصرافهم من بدر. وتوفي عبيدة بن الحارث ودفن بالصفراء. وقال أسيد بن أبي أياس بن زنيم بن صحبة بن عدي الدئلي يحرض المشركين من قريش على قتل علي عليه السلام ويغريهم به: في كل مجمع غاية أخزاكم * جذع أبر على المذاكي القرح لله دركم ولما تنكروا * قد ينكر الحر الكريم فيستحي هذا ابن فاطمة الذي أوداكم * قتلا وقتلة قعصة لم يذبح اعطوه خرجا وأذنوا بضريبة * فعل الذليل وبيعة لم تربح

[ 125 ]

أين الكهول وأين كل دعامة * في المعضلات وأين زين الأبطح أفناكم ضربا وطعنا يفتري * بالسيف يعمل حده لم يصفح وكان لواء المشركين في يوم أحد مع طلحة بن أبي طلحة، فقتله علي بن أبي طالب (ع)، فقال الحجاج بن علاط السلمي في ذلك: لله أي مذبب عن حرمة * أعني ابن فاطمة المعم المخولا جادت يداك له بعاجل طعنة * تركت طليحة للجبين مجدلا وشددت شدة باسل فكشفتهم * بالحرب إذ يهوون أخول أخولا وعللت سيفك بالدماء ولم يكن * لترده ظمآن حتى ينهلا وقالت هند بنت عتبة ترثي أباها: أيا عين جودي بدمع سرب * على خير خندف لم ينقلب تداعى له رهطه غدوة * بنو هاشم وبنو المطلب يذيقونه حد أسيافهم * تعل به بعد ما قد شجب وكان هؤلاء النفر قبل التقاء الجمعين لما برزوا ثلاثتهم وبرز إليهم حمزة وعلي وعبيدة، رفع النبي صلى الله عليه وآله يده إلى الله تعالى يتضرع إليه ويسأله ما وعده من النصر ويقول: اللهم إن تظهر علي هذه العصابة ظهر الشرك ولم يقم لك دين. ولما قتلوا نذرت هند لتأكل كبد حمزة إن قدرت عليه. فإن قيل: فلم ذكر السيد عتبة بن ربيعة أبا الوليد وإنما قتله حمزة؟ قلنا: (الفخر) لمن قتله حمزة لأمير المؤمنين (ع)، لأن الجر والسنخ واحدة (كذا) والرافدة ومساعدة كل واحد منهما لصاحبه تسوغ هذه الاضافة. فأما الصقعب: فهو الطويل من الرجال.

[ 126 ]

(92 - 93) وبني قريظة يوم فرق جمعهم من هاربين وما لهم من مهرب وموائلين إلى أزل ممنع راسي القواعد مشمخر حوشب الموائلون: اللاحقون، يقال: وألت إليه إذا لجأت إليه، واسم الموضع: الموئل، ووأل يئل. والأزل: هاهنا الذي تزل عنه الأقدام لطوله وكونه أملس وعرا. والممنع: المتصعب. والراسي: الثابت القواعد. والمشمخر: العالي. والحوشب: العظيم الجنبين، وهو أيضا العظيم البطن. والحوشب أيضا: عظم الرسغ من الفرس، [ و ] الحوشب: حشو الحافر، والجمع من الكل: حواشب. وإنما عني أن بني قريظة لما حاربهم، هزمهم وهربوا منه ولجأوا إلى حصن كان لهم، وصفه هذه الصفات. (94) رد الخيول عليهم فتحصنوا من بعد أرعن جحفل متحزب يقول: إن الله تعالى لما أخزاهم به وفل حدهم، تحصنوا من بعد أن كانوا

[ 127 ]

مصحرين في كنيف. والأرعن: الجيش الكثيف، شبهه برعن الجبل، وهو أنف يتقدم الجبل، والجمع رعان ورعون. والجحفل: الجيش الكبير العظيم. والمتحزب: المتجمع، والحزب: الجماعة، والجمع أحزاب. (95) إن الضباع متى تحس بنبأة من صوت أشوس تقشعر وتهرب شبههم بالضباع. والنبأة: الصوت، والنبأ الخبر. والأشوس: الرافع رأسه تكبرا، والجمع شوس. وإنما أراد به الأسد، وقد استعاره. (96) فدعوا ليمضي حكم أحمد فيهم حكم العزيز على الذليل المذنب لما حضرهم علي عليه السلام، حين تحصنوا منه، قال لهم: لا أمان لكم إلا أن تنزلوا على حكم محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ما ننزل على حكمه.

[ 128 ]

(97) فرضوا بآخر كان أقرب منهم دارا فمتوا بالجوار الأقرب (ش 1) قوله (فرضوا بآخر) لأنهم قالوا لما اشتد بهم الأمر وتطاول حصارهم نحن نرضى بحكم سعد بن معاذ، لأنه كان جارا لهم، وظنوا أنه يحكم بما يوافقهم فحكموه، فحكم فيهم أن يقتل مقاتليهم، وأن يسبي ذراريهم، وأن يقسم أموالهم فقال له رسول الله: لقد حكمت بحكم الله ورسوله فيهم. والقصة مشهورة وشرحها يطول. (ش 2) المت في النسب: أن تصل نفسك بغيرك، تقول: متت إليه أمت متا. والمت والمطل واحد، إلا أن المت يختص بالنسب. والمد: في الحبل وشبهه. والمط: في الخط. والمطل: في المواعيد. (98 - 101) قالوا الجوار من الكريم بمنزل يجري لديه كنسبة المتنسب فقضى بما رضي الإله لهم به بالحرب والقتل الملح المخرب قتل الكهول وكل أمرد منهم وسبى عقايل بدنا كالربرب وقضى عقارهم لكل مهاجر دون الأولى نصروا ولم يتهيب الملح: من الالحاح، بمعنى المداومة للشئ والاستمرار عليه. والالحاح

[ 129 ]

والالحاف: واحد. والمعنى أنه لما استمر عليهم القتل وعمهم جميعهم، أخلى ديارهم وأجلاهم منها، فبقيت بعدهم عاطلة دارسة. والعقايل: جمع عقيلة، وهي الكريمة من النساء. وعقائل المال: كرائمه. والبدن: جمع بادنة، وهي الوافر لحم الجسم. ويقال أيضا: بدنت المرأة وبدن الرجل تبدينا: أسن وهرم، ورجل بدن: أي كبير السن. والبدن: العظم، وجمعه أبدان. والبدن أيضا: الدرع القصيرة، وجمعها أبدان أيضا. والربرب: جماعة البقر ما كان دون العشرة. والصوار ما جاز. وآخر في قوله (ورضوا بآخر كان أقرب) سعد بن معاذ الأنصاري، لأن بني قريظة لما حاصرهم النبي صلى الله عليه وآله في حصنهم المدة المذكورة في الكتب وضاق ذرعهم وعرض عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله أن ينزلوا على حكمه فيهم فأبوا ذلك ورضوا على حكم سعد بن معاذ لأنه كان جارا لهم لأنهم ظنوا أنه يحكم بما يوافقهم فحكموه، فحكم عليهم أن يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم وأن يقسم أموالهم. فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. والقصة مشهورة يطول ذكرها. (102 - 105) وبخم إذ قال الإله بعزمة قم يا محمد بالولاية فاخطب وانصب أبا حسن لقومك إنه هاد وما بلغت إن لم تنصب

[ 130 ]

فدعاه ثم دعاهم فأقامه لهم فبين مصدق ومكذب جعل الولاية بعده لمهذب ما كان يجعلها لغير مهذب أما ((خم) فهو الموضع الذي يضاف إليه الغدير في قولهم غدير خم، وهو الذي عناه الكميت مرة بقوله: ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا ويجب أن يكون مشتقا من الخم وهو الكنس، يقولون خممت أخمه خما إذا كنسته. والخمامة الكناسة، والمخمة: المكنسة، ورجل مخموم النفس والقلب: نقيه من الدنس. وكان هذا الوضع لاشية فيه ولا أذى ولا قذى. يروى أن النبي صلى الله عليه وآله لما عاد من حجة الوداع نزل بغدير خم، وأن قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) (1 نزل في هذا الموضع. ويروى أن في هذا الموضع نزل قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) (2. وأن النبي صلى الله عليه وآله نزل، واليوم شديد متوهج القيظ، فأمر صلى الله عليه وآله بما تحت الشجر من الشوك فضم، ثم قام وقال للناس مقبلا عليهم: (ألست أولى بكم من أنفسكم)؟ فلما أجابوه بالاعتراف والاقرار، أخذ بضبعي أمير المؤمنين عليه السلام

1) سورة المائدة: 67.
2) سورة المائدة: 3.

[ 131 ]

فرفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) (1. واستأذن حسان رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقول في ذكر الحال شعرا، فأذن له، فقال حسان: يا معشر مشيخة قريش اسمعوا قولي بشهادة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا يقول فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا إلهك مولانا وأنت ولينا * ولا تجدن منا لأمرك عاصيا فقال له قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا وروي أن عمر بن الخطاب قال لأمير المؤمنين عليه السلام في الحال: بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وقد بينا في الكتاب (الشافي) خاصة وفي غيره من كتبنا عامة أن هذا الكلام نص عليه بالامامة وإيجاب لفرض طاعته، لأن النبي صلى الله عليه وآله قرر أمته بفرض طاعته بما أوجبه له قوله عز وجل (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (2، ولا خلاف بين أهل اللغة بأن الأولى هو الأخص الأحق بالشئ الذي قيل وهو أولى به، فإذا قال صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، فقد أتى من لفظة مولى بما يحتمل معنى أولى، وإن كان محتملا لغيره من الناصر والحليف والمعتق

1) أو في مصدر يراجع للاطلاع على أسانيد حديث الغدير ومداليل ألفاظه كتاب الغدير في الجزء الأول منه.
2) سورة الأحزاب: 6.

[ 132 ]

وابن العم وغير ذلك مما قد سطر وذكر، فلا بد أن يكون إنما أراد من اللفظة المحتملة - وهي لفظة مولى - معنى الأولى الذي تقدم التصريح به، لأن من شأن أهل اللسان إذا عطفوا محتملا على صريح لم يجز أن يريدوا بالمحتمل إلا معنى الصريح. ألا ترى أن من له عبيد كثيرون إذا أقبل على جماعة قال: ألستم عارفين بعبدي زيد؟ ثم قال عاطفا على الكلام: فاشهدوا أن عبدي حر لوجه الله تعالى، لم يجز أن يريد بلفظة عبدي الثانية، وهي مشتركة بين جماعة عبيده إلا العبد الأول الذي تقدم التصريح باسمه، من أراد غيره كان سفيها ملغزا معميا. وبينا بحيث أشرنا إليه ما يرد على هذا الكلام من الأسئلة المختلفة، واستقصينا الجواب عنها وأزلنا كل شبهة معترضة فيها، وليس هذا موضع استيفاء ذلك، ومن أراد تناوله فمن مواضعه. وأما قول السيد (إذ قال الإله بعزمة) والعزم لا يجوز على الله تعالى، لأنه اسم لإرادة متقدمة على الفعل، فإرادة التقديم لفعله لا تتقدمه، لأن تقدمها عيب، فالوجه فيه أن السيد إنما أراد ههنا القطع بالأمر والثبات له والايجاب، لأنهم يقولون: عزمت عليك أن تفعل كذا وكذا أي ألزمتك وأوجبت عليك. والإرادة إذا تناولت فعل الغير لا تسمى عزمة، وتسمى الواجبات عزائم، ولا يسمون المندوبات بذلك ولهذا قالوا: عزائم السجود في القرآن، وهي السور التي فيها سجود واجب، فما أخطأ السيد في ذكر العزمة ولا وضعها في غير موضعها. فإن قيل: فإن السيد ذكر في شعره الولاية، وهي الولاء والمحبة والنصرة، ولم يذكر الإمامة، وقد كان قادرا على أن يقول: قم يا محمد بالامامة واخطب. فكيف عدل عن لفظ الإمامة إلى لفظ الولاية؟ قلنا: لا فرق هنا بين اللفظتين، وإنما أراد بالولاية، الخلافة وتولي الأمر

[ 133 ]

الموجب لفرض الطاعة. ألا ترون أن الخليفة إذا أمر أميرا وفوض إليه تدبير أمره قيل: إنه قد ولاه ولاية، من حيث جعل له طاعة على أهل ولايته، وكل رتبة تقتضي طاعة فهي تسمى ولاية. وإنما اشتق السيد الاسم الذي ذكره من لفظ النبي صلى الله عليه وآله وهو (المولى) ولم يعتمد الاشتقاق من المعنى، والمعنى في كلا اللفظتين ثابت. وقد صرح بمعنى الإمامة دون الموالاة التي هي النصرة في قوله: وانصب أبا حسن لقومك إلى آخره، وهذا اللفظ لا يليق إلا بالامامة والخلافة دون المحبة والنصرة. وقوله (جعل الولاية لمهذب) صريح في الإمامة، لأن الإمامة هي التي جعلت له بعده، والمحبة والنصرة حاصلتان في الحال وغير مختصتين بعد الوفاة. فإن قيل: فأي معنى لقوله (فبين مصدق ومكذب)؟ قلنا: إنما أراد أن النبي لما تأهب للكلام ودعا أمير المؤمنين وأخذ بيده، تصرفت الظنون واختلفت الأفكار فيما يريد أن يظهره، فبين تصديق وتكذيب وتصعيد وتصويب. وإنما أراد أنهم كانوا كذلك قبل استماع الكلام ووقوع التصريح المزيل لكل شبهة الدافع لكل ريبة، ولله دره وإجادته في هذا. (106 - 110) [ والله أهبط جبرائيل قائلا (كذا) لرسوله فانظر لذلك وأعجب ] (1 ما أن يبغلها سواك أو امرئ هو منك أصلا وهو غير مجنب

1) هذا البيت ورد في بعض النسخ.

[ 134 ]

هذى مناقب لا ترام متى يرد ساع تناول بعضها يتذبذب إني أدين بحب آل محمد دينا ومن يحببهم يستوجب لهم المودة والولاء ومن يرد بدلا بآل محمد لا يحبب فقد مضى تفسير المناقب. فأما التذبذب: فهو الاضطراب والتردد والتحيز، وذبذب الرجل لسانه وذكره. وإنما أراد أن من رام تناول بعض هذه المناقب قصر عنها ولم ينلها. فأما قوله (أنا ندين بحب آل محمد) فمعناه: أنا نطيع الله بحبهم، ونتقرب إليه بذلك. والدين: العادة، والديدن: العادة، والدين: الحساب، والدين: الذل، والدين: الطاعة، والدين: الجزاء، ويقولون: دين الرجل إذا ملك وقلد. وإنما أراد من تولى آل محمد صلى الله عليه وآله يستحق منا الولاء والمودة، ومن يتدين بغيرهم لا نحبه. (111 - 112) ومتى يمت يرد الجحيم ولا يرد حوض الرسول وإن يرده يضرب ضرب المحاذر إن تعر ركابه بالسوط سالفة البعير الأجرب الجحيم: اسم من أسماء النار، وجحمت النار: أوقدتها، وجحمت النار عظمت.

[ 135 ]

الجحام: داء يصيب الكلب يكون منه بين عينيه، والجحمتان عند أهل اليمن: العينان. العر: الجرب، وقد عرت الإبل تعر فهي عارة. السالفة: صفحة العنق إلى الخد، والسالف: الذي يتقدم القوم فيستقي الماء وجمعه سلاف، والسالف: الماضي. وإنما أراد السيد رحمه الله أن عدو آل محمد صلى الله عليه وآله ومن لم يتولهم ويتحقق بهم يرد الجحيم لأنها منزله ودار مقامه، وإذا ورد حوض رسول الله صلى الله عليه وآله الذي يشرب منه يوم القيامة، إمارة السلامة والكرامة ودخول الجنة، صد عنه وضرب كما يضرب المشفق، من أن تجرب مطيته وركابه، سالفة البعير الأجرب، منعا له عن الاختلاط بها والورود معها فيجربها ويعديها. (113 - 115) وكأن قلبي حين يذكر أحمدا ووصي أحمد نيط من ذي مخلب بذرى القوادم من جناح مصعد في الجو أو بذرى جناح مصوب حتى يكاد من النزاع إليهما يفرى الحجاب عن الضلوع الصلب (ش 1) قوله نيط أي علق، ونياط القلب: معلقه، وكذلك نياط القوس. والذرى: جمع ذروة، وذروة كل شئ: أعلاه، وذرى الرجل: ناحيته. والقوادم: جمع قادمة. وقوادم الجناح أربع ريشات مقدمة، ويليهن المناكب وهن أربع ريشات، ويليهن الأباهر وهن أربع ريشات، ثم الخوافي وهن أربع

[ 136 ]

فإذا جمعت كن عشرين ريشة نسقا من أول الجناح إلى آخره. والمصعد: الذي يعلو إلى جهة السماء. والمصوب: الذي يهوى سفلا إلى جهة الأرض. والحجاب: حجاب القلب. الصلب: الحجارة، والصلب: الموضع الغليظ، ويقال للظهر صلب وصلب. (ش 2) وإنما أراد بوصي أحمد صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين ((ع)، لأنه وصيه على أمته وعلى أهله. وقد دللنا على ذلك من قبل. ومعنى نيط: أي علق، ونياط القلب: معلقه، وكذلك نياط القوس، والنياط حبل مستبطن الصلب، ونياط الأرض: اتصال بعضها ببعض. وأراد بذي مخلب: جارحا ذا مخلب. والذرى: جمع ذروة، وذروته: أعلاه. وذرى الرجل. ناحيته. والقوادم: جمع قادمة، وقوادم الجناح: أربع ريشات في مقدمته، وتليهن المناكب وهي أربع، وتليهن الأباهر وهي أربع أيضا، ثم الخوافي وهي أربع ثم الكلاء وهي أربع، فإذا جمعن كن عشرين ريشة من أول الجناح إلى آخره. والمصعد: هو الذي يصعد علوا إلى جهة السماء. والمصوب: هو الذي يهوي إلى جهة الأرض سفلا. ومعنى هذا الكلام أن قلبي عند ذكرهما، مسرة بهما واشتياقا إليهما، ينزو ويعلم، ويجئ ويذهب، ارتياحا ونزاعا. والفري: هو القطع. والحجاب: يعني به حجاب القلب. والصلب والصلبة: حجارة المسن، الواحدة صلبة. والصلب: الظهر.

[ 137 ]

والصلب: الحسب، والصلب: الموضع الغليظ المنقاد، ويقال للظهر: صلب. والصلب مثل النحل والنحل والهدب والهدب. (116 - 117) هبة وما يهب الإله لعبده يزدد ومهما لا يهب لا يوهب يمحوا ويثبت ما يشاء وعنده علم الكتاب وعلم ما لم يكتب الهبة: معروفة، وهي العطية على سبيل التفضل، والقبض شرط في وقوع التمليك فيها. ومعنى (ما يهب الإله لعبده يزدد) أنه يتضاعف وينمو لبركته وطهارته. فإن قيل: فأي معنى لقوله (ومهما لا يهب)، ومعلوم أن غيره تعالى قد يهب ويسمى ما يهب موهوبا؟ قلنا: معنى هذا الكلام أن هبة غيره لا تتم ولا يحصل الانتفاع بها إلا بعد تقدير هبة الله تعالى، لأن الواهب منا لا يتم كونه واهبا إلا بما وهبه الله تعالى له من الأحياء والأقدار والتمكن، والموهوب له لا ينتفع بالهبة إلا بما وهبه الله تعالى من الحياة والشهرة والقدرة، والموهوب نفسه لا يتم الانتفاع به إلا بما خلقه الله فيه من أجناس المدركات كالطعوم والأراييج وغيرهما، فهبته تعالى أصل لكل هبة كما أن نعمة الله أصل لكل نعمة. ووجه آخر: إن الهبة إنما يقع التملك بها إما عقلا أو شرعا بحسب ما حكم الله تعالى به ودل عليه، وما خرج عن تلك الشروط والأحكام لا يكون هبة ولا يوصف بأنه واهب، وما لم يتفضل علينا بإعلامنا إنه هبة لا يسمى بذلك، ولا يكون له تأثير ولا حكم.

[ 138 ]

ومعنى (يمحو ويثبت ما يشاء) أنه يغير أحكام الشريعة بحسب ما يعلمه من المصالح لعباده، فيبيحه ما لم يكن مفسدة، ويحظره إذا تغيرت حاله وصار مفسدة ويوجبه إذا كان مصلحة، ويسقط وجوبه إذا خرج عن كونه مصلحة. وسمي بذلك محوا وإثباتا من حيث التبديل والتغيير والتطبب والتشبيه بمن كتب شيئا ثم محاه وأزال رسمه. ويجوز أيضا أن يراد بالمحو والاثبات الحقيقة لا التسمية، لما وردت به الرواية من إثبات ما يكون في اللوح المحفوظ، فإذا تعبد تعالى بشرع كتبه وإذا نسخه محاه. وأما قوله (وعنده علم الكتاب وعلم ما لم يكتب)، فيحتمل أمرين: أحدهما أن يريد بالكتاب ما كتبه في اللوح المحفوظ، والوجه الآخر أن يريد بالكتاب القرآن. ولا شبهة في أنه تعالى يعلم ما زاد على ذلك كله وما لا يتناهى من المعلومات. وجدت في نسخة السيد رضي الله عنه ملحقا ملخصه: وإذا كنا قد قضينا من تفسير هذه القصيدة الوطر، وبلغنا الغرض، فالواجب القطع ههنا، وإنما لم نفرع التفسير ونتتبعه، ونفصل وجوه الكلام كلها ونقسمها، لأن هذا الخبر غير متناه، ويحوجنا إن قصدناه واستوفيناه إلى ذكر وجميع أحكام العربية، وجميع اللغة المروية في الكلام وفروعه، وخاصة في الإمامة وما يرجع إليها ويتعلق بها، وهذا غرض لا تتسع له الطوامير، ولا تنحصر فيه الأساطير. وفي الجمل التي ذكرناها كفاية في معرفة مراد الشاعر، وما لا بد من معرفته من معاني كلامه، وما تعدى ذلك فهي إطالة تمل وتضجر. غير أنا آثرنا أن نختم هذه القصيدة بشئ من أخبار السيد رحمه الله تعالى، ومحاسنه وفضائله، لتكمل

[ 139 ]

الفائدة وتوفر، ونحن لذلك فاعلون: اسم السيد إسماعيل، وكنيته أبو هاشم بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري وأمه من حمير، تزوج بها أبوه لإنه كان نازلا فيهم، وأم هذه المرأة أو جدته بنت يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري الشاعر المعروف، وليس لابن مفرغ هذا عقب من ولد ذكر، وقد غلط الأصمعي في نسبة السيد إلى يزيد بن مفرغ من جهة أبيه بنسبه. قال الصولي: والسيد لقب به لذكاء كان فيه، فقيل سيكون سيدا، فعلق هذا اللقب به. بذلك أخبرنا على سبيل الإجازة أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني عن أشياخه، وأخبرنا المرزباني قال: أخبرنا محمد بن يزيد النحوي قال: حدثني من سأل العباسة بنت السيد بن محمد عن مولد أبيها، قالت: في سنة خمس ومائة، ومات في سنة ثلاث وسبعين ومائة. وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال: حدثني أبو عبد الله الحكمي قال: حدثني يموت بن المزرع قال: حدثني محمد بن حميد الشكري قال: سئل أبو عمرو: من اشعر المولدين؟ قال: السيد وبشار. وأخبرنا المرزباني قال: أخبرني محمد بن يحيى قال: أخبرنا المغيرة بن بحر قال: أخبرنا الحسين بن الضحاك قال: ذاكرني مروان بن أبي حفصة أمر السيد بعد موت السيد وأن أحفظ لشعر بشار والسيد، فأنشدته قصيدته المذهبة التي منها: أين التطرب بالولاء وبالهوى * ء إلى الكواذب من بروق الخلب أإلى أمية أم إلى شيع التي * جاءت على الجمل الخدب الشوقب حتى أتيت على آخرها، فقال مروان: ما سمعت قط شعرا أفصح وأغزر معاني وأبعد ما يرجع في الظن وفي اللفظ (كذا) ولا أحسن من هذا الشعر.

[ 141 ]

(الشهاب) (في الشيب والشباب)

[ 143 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على جزيل عطائه وجميل آلائه، وله الشكر على ما منح من هدايه ونفح من كفايه، وصلى الله على سيد البشر محمد وآله الغرر وكرم وسلم. سألت وفقك الله أن أجمع لك من مختار الشعر في الشيب ما تناله القدرة، وتنتهي إليه الخبرة، إذ كان الناس قد جمعوا في ذلك الكثير من غث وسمين وكريم وهجين، فأنا أجيب مسألتك وأنجح طلبتك. واعلم أن الاغراق في وصف الشيب والاكثار في معانيه واستيفاء القول فيه لا يكاد يوجد في الشعر القديم، وربما ورد لهم فيه الفقرة فكانت مما لا نظير له، وإنما أطنب في أوصافه واستخراج دفائنه والولوج إلى شعابه الشعراء المحدثون، وإن كان الاحسان المطبق للمفصل قليلا والجيد من كل شئ قدرا معدودا، وللفحلين المبرزين (الطائيين) أبي تمام وأبي عبادة البحتري في هذا المعنى ما يغبر في الوجوه سبقا، لا سيما البحتري فإنه مولع بالقول في الشيب لهج به معيد مبدئ لأوصافه، ولا تكاد أكثر قصائده تخلو من إلمام به وتعرض له، فقد زاد فيه على كل متقدم لزمانه إكثارا وتجويدا وتحقيقا وتدقيقا، فأنى أخرجت له في الشيب مائة وأربعين

[ 144 ]

بيتا لكنها مملوءة إحسانا وتجويدا. ووجدت في شعر أخي رضي الله عنه وأرضاه وكرم مثواه في الشيب شيئا كثيرا في غاية الجودة والبراعة، ورأيت أيضا بعد ذكر ما للطائيين ما ذكره كله لكثرة الاحسان فيه والغوص إلى لطيف المعاني، وقد أخرجت من ديوانه مائتين ونيفا وسبعين بيتا، من تأملها وجد الحسن فيه غزيرا والتجويد كثيرا. وأنا أضم إلى ذلك وأختمه به ما أخرجه من ديوان شعري في هذا المعنى، فإنه ينيف على الثلاثمائة بيت إلى وقتنا هذا، وهو ذو الحجة من سنة تسع عشرة وأربعمائة، وربما امتد العمر ووقع نشاط مستقبل لنظم الشعر، فأنفق فيه من ذكر الشيب ما يزيد في عدد هذا المذكور المسطور. فأما الاحسان والتجويد مع هذا الاكثار الذي قد زاد على المكثرين في أوصاف الشيب فمما يخرجه الاختبار ويبرزه الاعتبار، ويشهد بتقدم فيه أو تأخر ضم قول إلى نظيره ومعنى إلى عديله، واطراح التقليد والعصبية وتفضيل ما فضله السبك والنقد من غير احتشام لحق يصدع به وباطل يكشف عنه، ولا محاباة لمتقدم بالزمان على متأخر، فما المتقدم إلا من قدمه إحسانه لا زمانه وفضله لا أصله، وقد قلت في بعض ما نظمته: * والسبق للاحسان لا الأزمان * وبانضمام ما أخرجته من هذه الدواوين الأربعة يجتمع لك محاسن القول في الشيب والتصرف في فنون أوصافه وضروب معانيه، حتى لا يشذ عنها في هذا الباب شئ يعبأ به. هذا حكم المعاني، فأما بلاغة العبارة عنها وجلاؤها في المعاريض الواصلة إلى القلوب بلا حجاب والانتقال في المعنى الواحد من عبارة إلى غيرها مما يزيد عليها براعة وبلاغة أو يساويها أو يقاربها حتى يصير المعنى باختلاف العبارة عنه وتغير

[ 145 ]

الهيئات عليه وإن كان واحدا كأنه مختلف في نفسه، فهو وقف على هذه الدواوين مسلم لها مفوض إليها مع الأنصاف الذي هو العمدة والعقدة في كل دين ودنيا وأخرى وأولى. وإن شئت أن تختصر لنفسك وتقتصر على أحد هذه الدواوين استغناء به في هذا المعنى عما سواه ولاحتوائه على ما في غيره، فأنت عند سبرك لها وأنسك بكل واحد منها وعملك بالاشتراك بينها والانفراد والاجتماع والافتراق تعرف على أيها تقتصر وبأيها تستغني عما سواه. واعلم أن الشيب قد يمدح ويذم على الجملة، ثم يتنوع مدحه إلى فنون، فيمدح بأن فيه الجلالة والوقار والتجارب والحنكة، وأنه يصرف عن الفواحش ويصد عن القبائح ويعظ من نزل به فيقلل إلى الهوى طماحه وفي الغي جماحه، وإن العمر فيه أطول والمهل معه أفسح، وإن لونه أنصع الألوان وأشرقها، وما جرى مجرى ما ذكرناه، فالتركب منه كثير. ومن يذمه بأنه رائد الموت ونذيره، وأنه يوهن القوة ويضعف المنة ويطمع في صاحبه، وأن النساء يصددن عنه ويعبن به وينفرن عن جهته. وربما شكي منه لنزوله في غير زمانه ووفوده قبل إبانه، وإنه بذلك ظالم جائر. وما أشبه ذلك. ومما يدخل في هذا الشباب وإطراء السواد وذكر منافعهما وفوائدهما ومرافقهما ويتعلق بأوصاف الشيب ذكر الخضاب إما بمدح أو بذم، وفنون مدحه أو ذمه كثيرة، وذكر ما يقوم مقام الخضاب في إزالة شخص الشيب عن المنظرة من مقراض أو غيره. وسيجئ من هذه المعاني في ما نورده من الدواوين الأربعة ما ستقف عليه في مواضعه وتعلم حسن مواقعه.

[ 146 ]

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي وهو ابتداء قصيدة نسج المشيب له لفاعا مغدفا * يققا فقنع مذرويه ونصفا نظر الزمان إليه قطع دونه * نظر الشفيق تحسرا وتلهفا ما اسود حتى أبيض كالكرم الذي * لم يأن حتى جئ كيما يقطفا لما تفوقت الخطوب سوادها * ببياضها عبثت به فتفوفا ما كاد يخطر قبل ذا في فكره * في البدر قبل تمامه أن يكسفا ووجدت أبا القاسم الآمدي يذكر في كتابه المعروف (بالموازنة بين الطائيين) في البيت الأول من هذه الأبيات شيئا أنا أذكره وأبين ما فيه، قال: معنى قوله (نصفا) أي قنع جانبي رأسه حتى يبلغ النصف منه. قال: وقد قيل: إنما أراد بقوله (نصف النصيف) وهو قناع لطيف يكون مثل نصف القناع الكبير، وقد ذكره النابغة، فقال: * سقط النصيف ولم ترد إسقاطه * ثم قال: وذلك لا وجه له بعد ذكر القناع، وإنما أراد أبو تمام ما أراده الآخر بقوله: أصبح الشيب في المفارق شاعا * واكتسى الرأس من مشيب قناعا قال: فالمعنى مكتف بقوله (قنع مذرويه) وقوله (نصفا) أي بلغ نصف رأسه. وهذا الذي ذكره الآمدي غير صحيح، لأنه لا يجوز أن يريد بقوله (نصفا) أي بلغ نصف رأسه، لأنه قد سماه لفاعا، واللفاع ما اشتمل به المتلفع فغطى جميعه

[ 147 ]

لأنه جعله أيضا مغدفا، والمغدف المسبل السابغ التام، فهو يصفه بالسبوغ على ما ترى، فكيف يصفه مع ذلك بأنه بلغ نصف رأسه. والكلام بغير ما ذكره الآمدي أشبه. ويحتمل وجهين: أحدهما - أن يريد بقوله (نصفا) النصف الذي هو الخمار، والخمار ما ستر الوجه، فكأنه لما ذكر أنه قنع مذرويه - وهما جانبا رأسه - أراد أن يصفه بالتعدي إلى شعر وجهه فقال (نصفا) من النصيف الذي هو الخمار المختص بهذا الموضع، وليس النصيف على ما ظنه الآمدي القناع اللطيف، بل هو الخمار وقد نص أهل اللغة، على ذلك في كتبهم. وبيت النابغة الذي أنشد بعضه شاهد عليه، لأنه قال: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه * (فتناولته) واتقتنا باليد وإنما اتقت بيدها بأن سترت وجهها عن النظر إليه، فأقامت الخمار بهذا الموضع. والوجه الآخر - أن يكون معنى نصفا أنه بلغ الخمسين وما قاربها، فقد يقال في من أسن ولم يبلغ الهرم أنه نصف. فإن قيل: النصف إنما يستعمل في النساء دون الرجال. قلنا: لا مانع يمنع من استعماله فيهما ولو على سبيل الاستعارة في الرجال، فقد يستعير الشعراء ما هو أبعد من ذلك. وعلى هذا الوجه يكون قوله (نصفا) راجعا إلى ذي الشيب وإلى من كنى عنه بالهاء في قوله (له)، ولا يكون راجعا إلى الشيب نفسه.

[ 148 ]

ورأيت الآمدي يسرف في استرذال قوله: * لم يأن حتى جئ كيما يقطفا * ولعمري إنه لفظ غير مطبوع وفيه أدنى ثقل، ومثل ذلك يغفر لما لا يزال يتوالى من إحسانه ويترادف من تجويده. ووجدته أيضا يذمه غاية الذم على البيت الأخير الذي أوله: * ما كان يخطر قبل ذا في فكره * ويصفه بغاية الاضطراب والاختلال. وليس الأمر على ما ظنه، إذ البيت جيد، وإنما ليس رونق الطبع فيه ظاهرا، وليس ذلك بعيب. وله وهو ابتداء قصيدة: يضحكن من أسف الشباب المدبر * يبكين من ضحكات شيب مقمر ووجدت أبا القاسم الآمدي يغلو في ذم هذا البيت، وقال: هذا بيت ردئ ما سمعت يضحك من الأسف إلا في هذا البيت. قال: وكأنه أراد قول الآخر: * وشر الشدائد ما يضحك * فلم يهتد لمثل هذا الصواب. قال: وقوله: * من ضحكات شيب مقمر * ليس بالجيد أيضا، ولو كان ذكر الليل على الاستعارة لحسن أن يقول (مقمر) لإنه كان يجعل سواد الشعر ليلا وبياضه بالمشيب أقماره، لأن قائلا لو قال (قد أقمر ليل رأسي) كان من أصح الكلام وأحسنه وإن لم يذكر الليل أيضا حتى يقول

[ 149 ]

(قد أقمر عارضاك) أو ((فوداك) لكان حسنا مستقيما، وهو دون الأول في الحسن وذاك أنه قد علم أنهما كانا مظلمين فاستنارا. والذي نقوله: إن قول أبي تمام: * يضحكن من أسف الشباب المدبر * يحتمل أن يكون المراد به النساء اللواتي يرين بكاء عشاقهن وأسفهن على الشباب المدبر يهزأن بهم ويضحكن منهم، ومثل ذلك يرد في الشعر كثيرا. فأما قوله: * يبكين من ضحكات شيب مقمر * فالأولى أن يحمل على أن المراد به أنهن يبكين من طلوع الشيب في مفارقهن وضحكه في رؤوسهن، لأنا لو حملناه على شيب عشاقهن لكان الذي يبكين منه هو الذي يهزأن به، وهذا يتنافى. فكأنه وصفهن بأنهن يضحكن ويهزأن من شئ في غيرهن ويبكين منه بعينه إذا خصهن. فأما حمل الضحك هاهنا على معنى البكاء وغاية الحزن، فهو مستبعد وإن كان جائزا. ويكون على هذا التأويل يضحكن ويبكين بمعنى واحد. فأما عيبه لقوله (شيب مقمر) ففي غير موضعه، وليس يحتاج إلى أن يذكر الليل على ما ظنه. وكما يقال (أقمر ليل رأسك وأقمر عارضاك) على ما استشهد به كذلك يقال (أقمر شيبك) ولا يحتاج إلى ذكر الليل، وإنما المعنى أنه أضاء بعد الظلام وانتشر فيه البياض بعد السواد. وليس هذا تتبع من يعرف الشعر حق معرفته، ولعمري أن هذا البيت خال من طبع وحلاوة، لكن ليس إلى الحد الذي ذكره الآمدي.

[ 150 ]

وله من جملة قصيدة: غدا الهم مختطا بفودي خطة * طريق الردى منها إلى الموت مهيع هو الزور سجفا والمعاشر يجتوى * وذو الألف يقلى والجديد يرقع له منظر في العين أبيض ناصع * ولكنه في القلب اسود اسفع وكنا نرجيه على الكره والرضا * وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع والاحسان في هذه الأبيات غير مجحود ولا مدفوع. ومعنى أن الشيب في القلب أسود وإن كان في العين ناصعا ما يورثه من الهم والحزن الذي تظلم به القلوب وتكسف أنوارها. وله من جملة قصيدة: شعلة في المفارق استودعتني * في صميم الفؤاد ثكلا حميما تستثير الهموم ما اكتن منها * صعدا وهي تستثير الهموما عرة مرة ألا إنما كنت * أعزي أيام كنت بهيما دقة في الحياة تدعى جلالا * مثل ما سمي اللديغ سليما (حلمتتى) زعمتم وأراني * قبل هذا التحليم كنت حليما قال الآمدي: وأخذ البحتري قوله (ألا إنما كنت أعزي أيام كنت بهيما) فقال: عجبت لتفويف القذال وإنما * تفوفه لو كان غير مفوف وقد كنا قلنا في مواضع تكلمنا فيها على معاني الشعر والتشبيه بين نظائره أنه ليس ينبغي لأحد أن يقدم على أن يقول: أخذ فلان الشاعر هذا المعنى من فلان

[ 151 ]

وإن كان أحدهما متقدما والآخر متأخرا، لأنهما ربما تواردا من غير قصد ولا وقوف من أحدهما على ما تقدمه الآخر إليه، وإنما الأنصاف أن يقال: هذا المعنى نظير هذا المعنى ويشبهه ويوافقه، فأما أخذه وسرقه فمما لا سبيل إلى العلم به، لأنهما قد يتواردان على ما ذكرناه ولم يسمع أحدهما بكلام الآخر، وربما سمعه فنسيه وذهب عنه ثم اتفق له مثله من غير قصد، ولا يقال أيضا: أخذه وسرقه إذا لم يقصد إلى ذلك. وكم بين بيت أبي تمام وبيت البحتري مأخوذا منه أو غير مأخوذ في الطبع وصحة النسج وطلاوة اللفظ، فلبيت أبي تمام الفضل الظاهر الباهر، ويشبه قوله (وأراني قبل هذا التحليم كنت حليما) من شعري في الشيب قولي: وقالوا اتاه الشيب بالحلم والحجى * فقلت بما يبرى ويعرق من لحمي وما سرني حلم يفئ إلى الردى كفاني ما قبل المشيب من الحلم وستجئ هذه الأبيات في موضعها بمشيئة الله. وله من جملة قصيدة: ألم تر ارآم الظباء كأنما * رأت بي سيد الرمل والصبح أدرع لئن جزع الوحشي منها لرؤيتي * لا نسيها من شيب رأسي أجزع ووجدت أبا القاسم الآمدي يفسر ذلك ويقول: أراد بسيد الرمل الذئب، وقوله (والصبح أدرع) أي أوله مختلط بسواد الليل، يريد وقت طلوع الفجر، وكل ما اسود أوله وأبيض آخره فهو أدرع، وشاة درعاء للتي أسود رأسها وعنقها وسائرها أبيض، وإنما قال ذلك لأن الظباء تخاف الذئب في ذلك الوقت، لأن لونه يخفى فيه لغبشته فلا تكاد تراه حتى يخالطها، وهو الوقت الذي تنتشر فيه الظباء وتخرج

[ 152 ]

من كنسها لطلب المرعى. ونقول: إن الذي ذكره الآمدي مما يحتمله البيت، وأجود منه أن يكون قوله (والصبح أدرع) عبارة عن شيبه وخبرا عن بياض بعض شعره وسواد بعض، وأراد أن النساء اللواتي يشبهن الظباء ينفرن مني إذا رأين شيب رأسي كما ينفرن من ذئب الرمل. ثم قال: ولئن كان الوحشي يجزع من رؤيتي فالإنسي منها من شيب رأسي أجزع. وإن لم يكن المعنى على ما ذكرناه فلا معنى لقوله: إن الظباء التي هي البهائم تنفر منه كما تنفر من الذئب، لإنه لا وجه لذلك ولا فائدة فيه ولا سبب، فالكلام بالمعنى الذي ذكرناه أليق. فإن قال من ينصر تأويل الآمدي: أي معنى لقوله (كأنما رأت بي سيد الرمل) لولا أنه أراد بالظباء البهائم دون النساء المشهبات بهن، وكيف تنفر النساء من الذئب وإنما تنفر منه الظباء على الحقيقة. قلنا: النساء تنفر من الذئب لا محالة كما تنفر منه الظباء اللواتي هن الغزلان، وما يهابه الرجال وينفرون منه أجدر أن ينفر منه النساء الغرائر. فإن قيل: كيف قال في البيت الثاني: لئن جزع الوحشي منها لرؤيتي * لإنسيها من شيب رأسي أجزع لولا أن الوحشية قد نفرت منه ووقع ذلك وخبر عنه في البيت الأول؟ قلنا: ليس يقتضي هذا الكلام الثاني أن يكون المراد بذكر الظباء في البيت الأول والظباء على الحقيقة، لأن من المعلوم أن الظباء الوحشية وكل وحش ينفر من الإنس، وهذا أمر ممهد معلوم لا يحتاج إلى وقوعه حتى يعلم، فلما قال: إن النساء اللواتي يشبهن الظباء ينفرن من شيبي جاز أن يقول بعد ذلك ولئن كانت الظباء

[ 153 ]

الوحشية تنفر مني فالظباء الأنسية لأجل إنكارهن شيبي منهن أنفر. وبعد، فلم نفسد تأويل الآمدي وننكره، بل أجزناه وقلنا: إن البيت يحتمل سواه. وله من جملة قصيدة: لعب الشيب بالمفارق بل جد فأبكي تماضرا ولغوبا خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد دما إذ رأت شواتي خضيبا كل داء يرجى الدواء له * إلا القطيعين ميتة ومشيبا يا نسيب الثغام ذنبك أبقى * حسناتي عند الحسان ذنوبا ولئن عبن ما رأين لقد أنكرن مستنكرا وعبن معيبا أو تصدعن عن قلى لكفي بالشيب بيني وبينهن حسيبا لو رأى الله إن في الشيب فضلا * جاورته الأبرار في الخلد شيبا قال الآمدي: ومن يتعصب على أبي تمام يقول: إنه ناقض في هذه الأبيات لقوله (فأبكي تماضرا ولغوبا) وقوله (خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد دما) ثم قوله: يا نسيب الثغام ذنبك أبقى * حسناتي عند الحسان ذنوبا وقوله (ولئن عبن ما رأين)، وقالوا: كيف يبكين دما على مشيبه ثم يعيبه. قال الآمدي: وليس ههنا تناقض، لأن الشيب إنما أبكى أسفا على شبابه غير الحسان اللواتي عبنه، وإذا تميز من أشفق عليه ممن عابه فلا تناقض. وأقول: لا حاجة بنا إلى تمحله، والمناقضة زائلة عن أبي تمام على كل حال،

[ 154 ]

لأنه لا تناقض بين البكى على شبابه ممن بكاه من النساء وتلهف عليه وبين العيب منهن للشيب والانكار له، بل هذه مطابقة وموافقة، ولا يبكي على شبابه من النساء إلا من رأين الشيب عيبا وذنبا. وقد ذكرنا هذا في كتاب الغرر. وهذا الذي ذكره - وإن كان لا يحتاج إلى ما تكلفه - قد كان ينبغي أن يفطن لمثله ونظيره في التغاير والتميز لما عابه بقوله (يضحكن من أسف الشباب المدبر) فجعل الضحك من شئ والبكى من غيره على ما بيناه، ولا يحمله بعد الفطنة على أن يجعل الضحك بكاء وفي معناه. وله من جملة قصيدة: راحت غواني الحي عنك غوانيا * يلبسن نأيا تارة وصدودا من كل سابغة الشباب إذا بدت * تركت عميد القربتين عميدا أربين بالبرد المطارف بدنا * غيدا ألفتهم لدانا غيدا أحلى الرجال من النساء مواقعا * من كان أشبههم بهن خدودا ووجدت أبا القاسم الآمدي يختار في قوله (أربين) الباء دون الياء، من أرب المكان إذا لزمه وأقام فيه. وأربين بالياء معناه الزيادة، فكأنه يقول على الرواية بالياء أنهن أزددن علينا بالمرد واخترنهم علينا كما يقبل الرجل الزيادة في الشئ الذي يعطاه فاضلا عن حقه. ولعمري أن الرواية بالباء أقرب منها بالياء إلى الحق، وإن كان فيها بعض الهجنة على ما أشار إليه الآمدي. وقال الآمدي: إنه أخذ قوله (أحلى الرجال من النساء مواقعا) من قول الأعشى:

[ 155 ]

وأرى الغواني لا يواصلن امرءا * فقد الشباب وقد يصلن الأمردا ولعمري أن بين البيتين تشابها، إلا أن أبا تمام زاد على الأعشى بقوله: (من كان أشبههم بهن خدودا) فعلل ميل النساء إلى المرد والأعشى أطلق من غير تعليل. وله وهو ابتداء قصيدة: أبدت أسى إذ رأتني مخلس القصب * وآل ما كان من عجب إلى عجب ست وعشرون تدعوني فأتبعها * إلى المشيب ولم تظلم ولم تحب فلا يروقك إيماض القتير به * فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب أما قوله (من عجب إلى عجب) فمن البلاغة الحسنة والاختصار السديد البارع، وقوله (فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب) يريد به أن الرأي والأدب والحلم إنما يجتمع ويتكامل في أوان الكبر والشيب دون زمان الشباب. وقد تصف الشعراء أبدا الشيب بأنه تبسم في الشعر لبياضه وضيائه، إلا أن هذه من أبي تمام تسلية عن الشيب وتنبيه على منفعته. وله من جملة قصيدة: شاب رأسي وما رأيت مشيب الرأس إلا من فضل شيب الفؤاد وكذاك القلوب في كل بؤس * ونعيم طلائع الأجساد طال إنكاري البياض فإن عمرت شيئا انكرت لون السواد زارني شخصه بطلعة ضيم * عمرت مجلسي من العواد نال راسي من ثغرة الهم لما * لم ينله من ثغرة الميلاد

[ 156 ]

ورأيت الآمدي يقول: إن قوما عابوا أبا تمام بقوله (شيب الفؤاد) قال: وليس عندي بمعيب، لأنه لما كان الجالب للشيب القلب المهموم نسب الشيب إليه على الاستعارة. قال الآمدي: وقد أحسن عندي ولم يسئ. فيقال له: قد أحسن الرجل بلا شك ولم يسئ وما المعيب إلا من عابه، وأما أنت أيها الآمدي فقد نفيت عنه الخطأ واعتذرت له باعتذار غير صحيح، لأن القلب إذا كان جالبا للشيب كيف يصح أن يقال: قد شاب هو نفسه؟ وإنما يقال: إنه أشاب ولا يقال شاب. والعذر الصحيح لأبي تمام: أن الفؤاد لما كان عليه مدار الجسد في قوة وضعف وزيادة ونقص ثم شاب رأسه، لم يخل ذلك الشيب من أن يكون من أجل تقادم السن وطول العمر أو من زيادة المهموم والشدائد، وفي كلا الحالين لا بد من تغير حال الفؤاد وتبدد صفاته، فسمى تغير أحواله شيبا استعارة ومجازا كما كان تغير لون الشعر شيبا. والبيت الثاني يشهد بما قلناه، لأنه جعل القلوب طلائع الأجساد في كل بؤس ونعيم. وقال الآمدي: قوله (عمرت مجلسي من العواد) لا حقيقة له، لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحدا جاءه عواد يعودونه من الشيب، ولا أن أحدا أمرضه الشيب ولا عزاه المعزون عن الشباب، وقد قال ابن حازم الباهلي أو غيره: أليس عجيبا بأن الفتى * يصاب ببعض الذي في يديه فمن بين باك له موجع * وبين معز مغذ إليه ويسلبه الشيب شرخ الشباب * فليس يعزيه خلق عليه

[ 157 ]

قال: فأحب أبو تمام أن يخرج عن عادات بني آدم ويكون أمة وحده. فيقال له: لم لم تفطن لمعنى أبي تمام فذممته، وقد تكلمنا على هذه الوهلة منك في كتابنا المعروف بغرر الفرائد وقلنا: إنه لم يرد العيادة الحقيقة التي يغشى فيها العواد مجالس المرضى، وإنما تلطف في الاستعارة والتشبيه وأشار إلى الغرض إشارة مليحة. والمعنى: أن الشيب لما طرقني كثر عندي المتوجعون لي منه والمتأسفون على شبابي، إما بقول يظهر منهم أو بما هو معلوم من قصدهم واعتقادهم، فسماهم عوادا تشبيها بعائد المريض الذي من شأنه أن يتوجع له من مرضه. ولما كثر المتفجعون له من الشيب حسن أن يقول (عمرت مجلسي من العواد)، لأن هذه العبارة تدل على الكثرة والزيادة. وهذا الذي ذكرناه في كتاب الغرر وهو كاف شاف، ويمكن فيه وجه آخر، وهو: أن يريد بقوله (عمرت مجلسي من العواد) الإخبار عن وجوب عيادته واستحقاقه لذلك بما نزل به، فجعل ما يجب أن يكون كائنا واقعا. وهذا له نظائر كثيرة في القرآن وفي كلام العرب وأشعارهم، قال الله عز وجل (ومن دخله كان آمنا) 1) وإنما المعنى أنه يجب أن يأمن، فجعل قوة الوجوب واللزوم كأنه حصول ووقوع. وما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله (العارية مردودة والأمانة مؤداة والزعيم غارم) من هذا أيضا، لأنه جعل الوجوب في هذه المواضع كأنه وقوع ووجوب. وقد يقول القائل: فعل فلان كذا من الجميل فكثر مادحوه، وإن لم يمدحه أحد، وفعل كذا من القبيح فكثر ذاموه، وإن لم يذمه بشر. وإنما المعنى ما أشرنا إليه.

1) سورة آل عمران: 97.

[ 158 ]

فأما ثغرة الهم فإنما أراد به ناحية الهم، وكذلك ثغرة الميلاد، والثغرة في كلامهم هي الفرجة والثلمة، وهي الثغر، وهو البلد المجاور لبلد الأعداء البادئ لهم، فكأن أبا تمام أراد أن الهموم هي الجالبة لشيبه والتي دخل من قبلها على رأسه الشيب دون جهة الميلاد، لإنه لم يبلغ من السن ما يقتضي نزول الشيب. وقال الآمدي: كان وجه الكلام أن يقول: من ثغرة الكبر أو من ثغرة السن لا من ثغرة الميلاد. وهذا منه ليس بصحيح، لأن العبارات الثلاث بمعنى واحد ويقوم بعضها مقام بعض، لأن الميلاد عبارة عن السن، فمن تقادمت سنه تقادم ميلاده ومن قربت سنه وقصرت قصر وقرب زمن ميلاده. وأنكر أيضا الآمدي قوله (نال رأسي)، قال: وكان يجب أن يقول: حل برأسي أو نزل برأسي. والأمر بخلاف ما ظنه، لأن الجميع واحد وما نال رأسه فقد حل به ونزل. ونظير قوله (نال رأسي من ثغرة الهم) قولي من أبيات في الشيب سيجئ ذكرها بإذن الله تعالى: ولو أنصفتني الأربعون لنهنهت * من الشيب زورا جاء من جانب الهم ونظير قوله (طال إنكاري البياض) قول البحتري: وكان جديدها فيها غريبا * فصار قديمها حق الغريب وله - وقيل إنه منحول - في ذكر الخضاب: فإن يكن المشيب طرا علينا * وأودى بالبشاشة والشباب فإني لست أدفعه بشئ * يكون عليه أثقل من خضاب

[ 159 ]

أردت بأن ذاك وفا عذاب * فينتقم العذاب من العذاب (مضى ما لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي في الشيب) وقال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري في الشيب من جملة قصيدة: وكنت أرجي في الشباب شفاعة * وكيف لباغي حاجة بشفيعه مشيب كبث السرعي بحمله * محدثه أو ضاق صدر مذيعه تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه * لحث الليالي قبل آتي سريعه وهذا والله أبلغ كلام وأحسنه وأحلاه وأسلمه وأجمعه لحسن اللفظ وجودة المعنى، وما أحسن ما شبه تكاثر الشيب وتلاحقه ببث السر عن ضيق صدر صاحبه وإعيائه بحمله وعجزه عن طيه، ويشبه بعض الشبه قوله (تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه) قولي من أبيات يجئ ذكرها بمشيئة الله تعالى: سبق احتراسي من أذاه بطيئه * حتى تجللني فكيف عجوله وفي البيت لمحة بعيدة من بيت البحتري وليس بنظير له على التحقيق. ومعنى البيت الذي يخصني أدخل في الصحة والتحقيق، لأنني خبرت بأن بطئ الشيب سبق وغلب احتراسي وحذري منه فكيف عجوله، ومن سبقه البطئ كيف لا يسبقه السريع. والبحتري قال: إن البطئ كاد أن يسبق السريع، وهذا على ظاهره لا يصح، لأنه يجعل البطئ هو السريع بل أسرع منه، لكن المعنى أنه متدارك متواتر فيكاد البطئ له يسبق السريع. وهذا في غاية الملاحة.

[ 160 ]

وله أيضا من جملة قصيدة: ردي على الصبي إن كنت فاعله * إن الصبي ليس من شاني ولا أربي جاوزت حد الشباب النضر ملتفتا * إلى بنات الصبي يركضن في طلبي والشيب يهرب من جاري منيته * ولا نجاء له في ذلك الهرب والمرء لو كانت الشعرى له وطنا * صبت عليه صروف الدهر من صبب وهذا كلام مصقول مقبول عليه طلاوة غير مدفوعة ولا مجهولة. والشيب يهرب من جاري منيته له نظائر سيجئ التنبيه عليها بمشيئة الله وعونه. وله من ابتداء قصيدة: لابس من شبيبة أم ناض * ومليح من شيبة أم راض وإذا ما امتعضت من ولع الشيب برأسي لم يغن ذاك امتعاضي ليس يرضي عن الزمان مرو * فيه إلا عن غفلة أو تغاضى والتوقي من الليالي وإن خالفن شيئا شبيهات المواضي ناكرت لمتي وناكرت منها * سوء هذي الأبدال والأعواض شعرات أقصهن ويرجعن رجوع السهام في الأغراض وأبت تركي الغديات والآصال حتى خضبت بالمقراض غير نفع إلا التعلل من شخص عدو لم يعده أبغاضي ورواء المشيب كالنحض في عيني فقل فيه في العيون المراض طبت نفسا عن الشباب وما سود من صبغ برده الفضفاض فهل الحادثات يا ابن عويف * تاركاتي ولبس هذا البياض قوله (خضبت بالمقراض) في غاية الملاحة والرشاقة.

[ 161 ]

ومعنى قوله (رجوع السهام في الأغراض) إنه لا يملك ردا لطلوع الشيب في شعره ولا تلافيا لحلوله، فيجري في ذلك مجرى رجوع السهام إلى الغرض في أنه لا يملك مرسل السهم صده عنه ولا رده عن أصابته. ويمكن في ذلك وجه آخر وإن كان الأول أشف، وهو أن يريد بالأغراض المقاتل والمواضع الشريفة من الأعضاء، فكأنه يشبه رجوع الشيب بعد قصه له وطلوعه في شدة إيلامه وإيجاعه بإصابة السهام للمقاتل والفرائص. ويحتمل وجها آخر، وهو أن السهام تنزع من الأغراض ثم ترجع بالرمي إليها أبدا. فأشبهت في ذلك الشيب في قصه ثم طلوعه ورجوعه إلى مواضعه. ونظير قوله (فهل الحادثات يا ابن عويف) البيت قوله من قصيدة أخرى: يعيب الغانيات علي شيبي * ومن لي أن أمتع بالمعيب وله من قصيدة: وما أنس لا أنس عهد الشباب وعلوة إذ عيرتني الكبر كواكب شيب علقن الصبي * فقللن من حسنه ما كثر وإني وجدت فلا تكذبن * سواد الهوى في بياض الشعر ولا بد من ترك إحدى اثنتين * إما الشباب وأما العمر ووجدنا لأبي القاسم الآمدي زلة في البيت الأخير من هذه الأبيات قد نبهنا عليها في كتاب الغرر، ونحن نذكرها هاهنا فإن الموضع يليق بذكرها، قال الآمدي: على البحتري في قوله (ولا بد من ترك إحدى اثنتين) معارضة، وهو أن يقال: إن من مات شابا وقد فارق الشباب وقد فاته العمر أيضا فهو تارك لهما، ومن شاب

[ 162 ]

فقد فارق الشباب وهو مفارق للعمر لا محالة، فهو أيضا تارك لهما جميعا. وقوله (إما وأما) لا يوجب إلا أحدهما. ثم قال: والعذر للبحتري أن من مات شابا فقد فارق الشباب وحده لأنه لم يعمر فيكون مفارقا للعمر. ألا ترى أنهم يقولون (عمر فلان) إذا أسن، وفلان لم يعمر إذا مات شابا، ومن شاب وعمر لم يكن مفارقا للشباب في حال موته، لأنه قد قطع أيام الشباب وتقدمت مفارقته له، وإنما يكون في حال موته مفارقا للعمر وحده. فإلى هذا ذهب البحتري، وهو صحيح، ولم يرد بالعمر المدة القصيرة التي يعمرها الانسان، وإنما أراد بالعمر هاهنا الكبر كما قال زهير: رأيت المنايا خبط عشواء من نصب * تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم ولم يرد البحتري ما توهمه الآمدي، وإنما أراد أن الانسان بين حالين: أما أن يفارق الشباب بالشيب والعمر بالموت، فمن مات شابا فإنما فارق العمر وفارق بفراقه سائر أحوال الحياة من شباب وشيب وغيرهما، فلم يفارق الشباب وحده بلا واسطة، وإنما فارق العمر الذي فارق بمفارقته الشباب وغيره. وقسمة البحتري تناولت أحد أمرين: إما مفارقة الشباب وحده بلا واسطة ولن يكون إلا بالشيب أو مفارقة العمر بالموت. وتقدير كلامه: لا بد للحي منا من مشيب أو موت، لأن الشيب والموت يتعاقبان عليه. وإنما أقام البحتري قوله (العمر) مقام قوله (الحياة والبقاء)، وعدل إلى لفظة العمر لأجل القافية، ولو قال: لا بد من ترك الشباب أو ترك الحياة لقام مقام قوله العمر. فأما اعتراضه بمن مات شيخا وإنه قد فارق العمر والشباب جميعا. فليس بشئ، لأن هذا ما فارق إلا العمر دون الشباب، لأن الشباب قد تقدمت مفارقته له

[ 163 ]

وقد خرج بالشيب عن حال الشباب فلم يفارق إلا العمر وحده. والبحتري إنما وجهت قسمته إلى من كانت له الحالتان جميعا من شباب وحياة، فقال: لا بد أن يفارق الشباب بالشيب أو العمر بالموت. فأي اعتراض بمن هو على إحدى الحالتين دون الأخرى؟ فأما اعتذار الآمدي للبحتري بأن من مات شابا ما فارق العمر وإنما فارق الشباب وحده من حيث لم يطل عمره ولم يقل فيه معمر. فغلط فاحش، لأن اسم العمر يتناول أيام الشباب كما يتناول ما زاد عليها، ولهذا يقولون في الشاب والصبي لم يطل عمره أو كان عمره قصيرا، فاسم العمر يتناول الطويل والقصير من الزمان حياة أحدنا. وإنما لا يقال في من عاش طرفة عين أن له عمرا، لأن المتعارف من استعمال هذه اللفظة فيما تستمر الحياة له ضربا من الاستمرار قصر أو طال. وليس يجري قولهم عمر ومعمر مجرى قولهم له عمر، لأن لفظة عمر وما أشبهها تفيد التطاول ولا تكاد تستعمل إلا في السن، لأنها تفيد من حيث التشديد التأكيد والزيادة في العمر، ولفظة عمر بخلاف ذلك لأنها تستعمل في الطويل والقصير. ونظائر هذا البيت في معناه يجئ ذكرها عند الانتهاء إلى ما خرجته من شعري في الشيب. وله من قصيدة: يعيب الغانيات علي شيبي * ومن لي أن أمتع بالمعيب ووجدي بالشباب وإن تقضي * حميدا دون وجدي بالمشيب إنما جعل وجده بالشباب أقل من وجده بالمشيب، لأنه يفارق الشباب بالشيب وصاحب الشيب في قيد الحياة على كل ولا يفارق الشيب إلا بالموت، فالإيثار لمقامه أقوى.

[ 164 ]

وله من قصيدة: أعداوة كانت ومن عجب الهوى * إن يصطفي فيه العدو حبيبا أم وصلة صرفت فعادت هجرة * إن عاد ريعان الشباب مشيبا أرأيته من بعد حفل فاحم * جون المفارق بالنهار خضيبا فعجبت من حالين خالف منهما * ريب الزمان وما رأيت عجيبا إن الزمان إذا تتابع خطوه * سبق الطلوب وأدرك المطلوبا أراد بقوله (جون المفارق) أي هو أبيض المفارق، ولهذا قال: بالنهار خضيبا. وله من قصيدة: رأت فلنأت الشيب فابتسمت لها * وقالت نجوم لو طلعن بأسعد أعاتك ما كان الشباب مقربي * إليك فألحي الشيب إذ كان مسعدي تزيدين هجرا كلما ازددت لوعة * طلابا لأن أردى فها أنا ذا رد متى أدرك العيش الذي فات آنفا * إذا كان يومي فيك أحسن من غدي ووجدت الآمدي يقول هاهنا بعد استحسانه هذه الأبيات: وهي لعمري في غاية الحلاوة والطلاوة، وإن معنى تبسمت أنها استهزأت. قال: وبهذا جرت عادة النساء أن يضحكن من الشيب ويستهزئن لا أن يبكين كما قال أبو تمام ولم يقنع إلا ببكاء الدم. وهذه عصبية شديدة من الآمدي على أبي تمام وغمط لمحاسنه، والنساء قد يستهزئن تارة بالشيب ويبكين أخرى لحوله على حسب أحوالهن مع ذي الشيب،

[ 165 ]

فإن كن عنه معرضات وله غير محبات استهزأن بشيبه، وإن كن له وامقات وعليه مشفقات يبكين لحلول شيبه، لفوت تمتعهن بشبابه وتلهفا على ما مضى من زمانه. فأما قوله (لو طلعن بأسعد) فإنما تمنى ذلك وتلهف عليه، كما قال في موضع آخر: وتعجبت من لوعتي فتبسمت * عن واضحات لو لثمن عذاب ولم يجعل ذلك شرطا في أنهن عذاب واضحات كما لم يجعل تشبيه الشيب بالنجوم مشروطا بطلوع السعود، وإنما تمنى ذلك وتلهف عليه، أو لأنه حكى عن محبوبته أنها شبهت الشيب بالنجوم على سبيل التهجين له والازراء عليه إرادة أن تسلب الشيب فضيلة النجوم وإنه أشبهها منظرا فما أشبهها فضلا ومنفعة فقالت لو طلعن بأسعد أي طلوع الشيب بضد السعادة، وإن كان طلوع النجوم قد يكون بالسعد وهذا تدقيق مليح وتصرف قوي. وله من قصيدة: عنت كبدي قسوة منك ما أن * تزال تجدد فيها ندوبا وحملت عندك ذنب المشيب حتى كأني ابتدعت المشيبا ومن يطلع شرف الأربعين * يلاق من الشيب زورا غريبا وله من قصيدة: وقد دعا ناهيا فأسمعني * وخط على الرأس مخلص شعره شيب أرتني الأسى أوائله * فليت شعري ماذا ترى آخره

[ 166 ]

صغر قدري في الغانيات وما * صغر صبا تصغيره كبره وله من قصيدة: أيثني الشباب أما تولى * منه في الدهر دولة ما تعود لا أرى العيش والمفارق بيض * أسوة العيش والمفارق سود وأعد الشقى حدا ولو أعطيت غنما حتى يقال سعيد من عدته العيون فانصرفت عنه الفتاتا إلى سواه الخدود وله أيضا: راعني ما يروع من وافد الشيب طروقا ورابني ما يريب شعرات سود إذا حلن بيضا * حال عن وصله المحب الحبيب مر بعد الشباب ما كان يحلو * مجتناه من عيشنا ويطيب وله أيضا: أجدك ما وصل الغواني بمطمع * ولا القلب من رق الغواني بمعتق وددت بياض السيف يوم لقيتني * مكان بياض الشيب كان بمفرق وله أيضا: عمر الغواني لقد بين من كثب * هضيمة في محب غير محبوب

[ 167 ]

إذا مددن إلى أعراضه سببا * وقين من كرهه الشبان بالشيب وله أيضا: خلياه وجدة اللهو ما دام رداء الشباب غضا جديدا إن أيامه من البيض بيض * ما رأين المفارق السود سودا وله أيضا: فدك مني فما جوى السقم إلا * في ضلوع على جوى الحب تحنى لو رأت حادث الخضاب لانت * وأرنت من احمرار اليرنا كلف البيض بالمعمر قدرا * حين يكلفن والمصغر سنا يتشاغفن بالغرير المسمى * عن تصاب دون الخليل المكنى وله أيضا: ترك السواد للابسيه وبيضا * ونضا من السنين عنه ما نضا وشآه اغيد في تصرف لحظه * مرض أعل به القلوب وأمرضا وكأنه وجد الصبي وجديده * دينا دنا ميقاته أن يقتضى أسيان أثرى من جوى وصبابة * واساف من وصل الحسان وانقضا الأسيان والأسوان الحزين، ومعنى أساف ذهب ماله، وكذلك انفض. وجعلهما البحتري هاهنا في من ذهب من يده وصل الحسان وميلهن إليه.

[ 168 ]

وله أيضا: أخي إن الصبي استمر به * سير الليالي فانهجت برده تصد عني الحسان مبعدة * إذ أنا لا تربه ولا صدده شيب على المفرقين بأرضه * يكثرني أن أبينه عدده تطلب عندي الشباب ظالمة * بعيد خمسين حين لا تجده لا عجب أن نقلت خلتنا * فافتقد الوصل منك مفتقده من يتطاول على مطاولة العيش تقعقع من ملة عمده وقد نبهنا في كتاب الغرر على هفوة الآمدي في قول البحتري (تقعقع من ملة عمده)، لأنه ظن أن معناه أن عظام الكبير المسن يجئ لها صوت إذا قام وقعد وتسمع لها قعقعة. وما سمعنا بهذا الذي ظنه في وصف ذوي الأسنان والكبر. والمعنى أظهر من أن يخفى على أحد، لأنه أراد من عمر وأسن وطاول العيش تعجل رحيله وانتقاله عن الدنيا. وكنى عن ذلك بتقعقع العمد، لأن ذوي الاطناب والخيام إذا انتقلوا من محل إلى غيره وقوضوا عمد خيامهم وسارت بها الإبل سمعت لها قعقعة. ومن أمثال العرب المعروفة (من يتجمع تتقعقع عمده)، يريدون أن التجمع يعقب التفرق والرحيل الذي تتقعقع معه العمد. ومعنى قوله (من ملة) يريد من السأم والملال، دون ما ظنه الآمدي من أنه تملي العيش. وله أيضا:

[ 169 ]

أقول للمتى إذ أسرعت بي * إلى الشيب أخسري فيه وخيبي مخالفة بضرب بعد ضرب * وما أنا واختلافات الضروب وكان جديدها فيها غريبا * فصار قديمها حق الغريب وله أيضا: هل أنت صارف شبة إن غلست * في الوقت أو عجلت عن الميعاد جاءت مقدمة إمام طوالع * هذى تراوحني وتلك تغادي وأخو الغبينة تاجر في لمة * يشري جديد بياضها بسواد لا تكذبن فما الصبي بمخلف * لهوا ولا زمن الصبي بمعاد وأرى الشباب على غضارة حسنه * وجماله عددا من الأعداد ووجدت الآمدي قد نزل في معنى قوله (يشري جديد بياضها بسواد)، لأنه قال معنى يشري يبيع، وأراد أن الغبين من باع جديد بياضه بالسواد، وأراد بالسواد الخضاب، فكأنه ذم الخضاب. والأمر بخلاف ما ذكره، وما جرى للخضاب ذكر ولا هاهنا موضع للكناية عنه. ومعنى يشري هاهنا يبتاع، لأن قولهم (شريت) يستعمل في البائع والمبتاع جميعا. وهذا من الأضداد، نص أهل اللغة على هذا في كتبهم. فكأنه شهد بالغين لمن يبتاع الشيب بالشباب ويتعوض عنه به. وإنما ذهب على الآمدي أن لفظة (يشري) تقع على الأمرين المضادين، فتمحل ذكر الخضاب الذي لا معنى له ههنا. وقال الآمدي في قوله (عددا من الأعداد) أنه أراد عددا قليلا. وقد أصاب في ذلك، إلا أنه ما ذكر شاهده ووجهه، والعرب تقول في الشئ القليل أنه معدود

[ 170 ]

إذا أرادوا الإخبار عن قلته، قال الله تعالى (وشروه بثمن بخمس دراهم معدودة) 1) وقال جل اسمه في موضع آخر (واذكروا الله في أيام معدودات) 2). وأظنهم ذهبوا في وصف القليل بأنه معدود من حيث كان العد والحصر لا يقع إلا على القليل والكثير لكثرته لا ينضبط ولا ينحصر. وله أيضا: ما كان شوقي ببدع يوم ذاك ولا * دمعي بأول دمع في الهوى سفحا ولمة كنت مشغوفا بجدتها * فما عفا الشيب لي عنها ولا صفحا هذا والله هو الكلام الحلو المذاق السليم من كل كلفة البرئ من كل غفلة وخلسة وله أيضا: قالت الشيب أتى قلت أجل * سبق الوقت ضرارا وعجل ومع الشيب على علاته * مهلة للهو حينا والغزل خيلت أن التصابي خرق * بعد خمسين ومن يسمع يخل وله أيضا: تزيدني الأيام مغبوط عيشة * فينقصني نقص الليالي مرورها وألحقني بالشيب في عقر داره * منافل في عرض الشباب أسيرها

1) سورة يوسف: 20.
2) سورة البقرة: 203.

[ 171 ]

مضت في سواد الشعر أولى بطالتي * فدعني يصاحب وخط شيبي أخيرها المناقل المراحل، ووجدت الآمدي يفسر البيت الأول من هذه القطعة فيقول: أراد أن الأيام زادتني شيئا من غبطة العيش اجتمعت مع الليالي على انتقاصه وارتجاعه. وغير هذا التأويل الذي ذكره أولى منه، وهو أن يكون المراد أن الأيام إذا زادتني غبطة في العيش نقصني ذلك مرورها، ويريد بقوله (نقص الليالي) كما تنقص الأيام من الليالي، لأن الأيام تأخذ الليالي وتنقصها. وهذا التأويل أشبه بالصواب من تأويله. فإن قيل: كما تأخذ الأيام من الليالي كذلك الليالي تأخذ من الأيام وتنقصها. قلنا: هذا صحيح، ولو قال قائل في غير هذا الموضع في من نقص وثلم إنه منقوص النقص في هذا نقص الليالي من الأيام لجاز، وإنما أضاف النقص في هذا الموضع إلى مرور الأيام، لأنه أضاف الزيادة إليها وشبه نقصها له بنقصها لليالي. وله أيضا: كلف يكفكف عبرة مهراقة * أسفا على عهد الشباب وما انقضى عدد تكامل للذهاب مجيئه * وإذا مجئ الشيب حان فقد مضى خفض عليك من الهموم فإنما * يحظى براحة دهره من خفضا قال الآمدي في قوله (وما انقضى) إنه أراد وانقضائه، لأن ما والفعل بمنزلة المصدر، مثل قولك (سرني ما عمل زيد) أي سرني عمله. ثم قال: ويجوز أن يكون أراد بقوله (وما انقضى) أي لم ينقض بعد.

[ 172 ]

قال: وهذا أجود، لأنه قال (وإذا مضى الشئ حان فقد مضى) فدل على أنه في بقية من الشباب. والوجه الأول الذي ذكره بعيد من الصواب لا يجوز أن يكون الشاعر عناه ولا أراده، وإنما خبر أنه متلهف متأسف على عهد الشباب قبل مفارقته وخوفا من فوته، فالكلام كله دال على ذلك. وله أيضا: خلق العيش في المشيب وإن كان نضيرا في الشباب جديده ليت أن الأيام قام عليها * من إذا ما انقضى زمان يعيده ولو أن البقاء يختار فينا * كان ما تهدم الليالي تشيده شيبتني الخطوب إلا بقايا * من شباب لم يبق إلا شريده لا تنقب عن الصبي فخليق * إن طلبناه أن يعز وجوده وله أيضا: أواخر العيش أخبار مكدرة * وأقرب العيش من لهو أوائله يحرى الشباب إذا ما تم تكملة * والشئ ينفده نقصا تكامله ويعقب المرء برءا من صبابته * تجرم العام يمضي ثم قابله إن فر (من) عنت الأيام حازمها * فالحزم فرك ممن لا تقاتله وإن أراب صديق في الوداد فلم * أمسيت أحذر ما أصبحت آمله وهذه الأبيات تصلح أن تكون لأبي تمام، لقربها من طريقته وظهور الصنعة

[ 173 ]

فيها والتكلف، وإن كانت في حيز الجودة والرصافة والوثاقة. وقوله (يحرى الشباب) معناه ينقص، يقال حرى الشئ يحرى حريا إذا نقص واحراه الزمان، ويقال للأفعى حارية، وهي التي كبرت ونقص جسمها، وذلك أخبث لها. وقال أيضا: أما الشباب فقد سبقت بقضه * وحططت رحلك مسرعا عن نقضه وأفاق مشتاق وأقصر عاذل * أرضاه فيك الشيب إذ لم ترضه شعر صحبت الدهر حتى جازني * مسوده الأقصى إلى مبيضه فعلى الصبي الآن السلام ولوعة * تثني عليه الدمع في مرفضه وليفن تفاح الخدود فلست من * تقبيله غزلا ولا من عضه وله أيضا: وصال سقاني الخبل صرفا ولم يكن * ليبلغ ما أدت عقابيله الهجر وباقي شباب في مشيب مغلب * عليه اختناء اليوم يكثره الشهر وليس طليقا من تروح أو غدا * يسوم التصابي والمشيب له أسر تطاوحني العصران في رجويهما * يسيبني عصر ويعلقني عصر متاع من الدنيا استبد بجدتي * وأعظم جرم الدهر أن يمنع الدهر أما قوله (اختناء اليوم) فالاختناء عندهم هو الاستحياء والانخزال، واليوم ينخزل من مكاثرة الشهر لقصوره عنه.

[ 174 ]

وهذه الأبيات أيضا فيها أدنى تكلف، وإن كانت جيدة المعاني وثيقة المباني. وله أيضا: تقضي الصبي أن لا ملام لراحل * وأغنى المشيب عن كلام العواذل وتأبى صروف الدهر سودا شخوصها * على البيض أن يحظين منه بطائل تحاولن عندي صبوة وأخالني * على شغل مما يحاولن شاغل رمي رزايا صائبات كأنني * لما اشتكى منها رمي جنادل وهذه الأبيات لها ما شاءت من جزالة وفصاحة وملاحة. وله أيضا: في الشيب زجر له لو كان ينزجر * وبالغ منه لولا أنه حجر أبيض ما اسود من فوديه وارتجعت * جلية الصبح ما قد أغفل السحر وللفتى مهلة في العيش واسعة * ما لم يمت في نواحي رأسه الشعر قال الآمدي: قوله (ارتجعت جلية الصبح ما قد أغفل السحر) قريب من قوله: تزيدني الأيام مغبوط عيشة * فنيقصني نقص الليالي مرورها ونقول: إن الأمر بخلاف ما ظنه، ولا نسبة بين الموضعين، لأن أحد البيتين تضمن أن الذي يزيده هو الذي ينقصه، والبيت الآخر تضمن أن الصبح ارتجع بوضوحه وجليته ما أغفله السحر وتركه من السواد الرقيق اليسير، فالمرتجع غير المعطى هاهنا.

[ 175 ]

وله أيضا: رب عيش لنا برامة رطب * وليال فيها طوال قصار قبل أن يقبل المشيب وتبدو * هفوات الشباب في الادبار كل عذر من كل ذنب ولكن * أعوز العذر من بياض العذار كان حلوا هذا الهوى فأراه * صار مرا والسكر قبل الخمار معنى قوله (طوال قصار) إنهن طوال في أنفسهن وإن كن قصارا ببلوغ الأماني فيهن والظفر بالمحبوبات ونيل المطلوبات. وقوله (كل عذر من كل ذنب) يريد به أن العذر معتاد في الذنوب كلها إلا من الشيب. فإن قيل: فقد سمي الشيب ذنبا وجعله من جملة الذنوب، وليس بذنب على التحقيق. قلنا: إنما سماه ذنبا تجوزا واستعارة، لأن النساء يستذنبن به ويؤاخذن بحلوله ونزوله وإن لم يكن على الحقيقة ذنبا، ومن حيث لم يك ذنبا لم يكن عنه اعتذار ولا تنصل. وله أيضا: عيرتني المشيب وهي برته * في عذاري بالصد والاجتناب لا تريه عارا فما هو بالشيب ولكنه جلاء الشباب وبياض البازي أصدق حسنا * لو تأملت من سواد الغراب

[ 176 ]

وله أيضا: ها هو الشيب لائما فأفيقي * واتركيه إن كان غير مفيق فلقد كف من عناء المعنى * وتلافي من اشتياق المشوق عذلتنا في عشقها أم عمرو * هل سمعتم بالعاذل المعشوق ورأت لمة ألم بها الشيب فريعت من ظلمة في شروق ولعمري لولا الأقاحي لأبصرت أنيق الرياض غير أنيق وسواد العيون لو لم يكمل * ببياض ما كان بالموموق ومزاج الصهباء بالماء أملا * بصبوح مستحسن وغبوق أي ليل يبهى بغير نجوم * أو سماء تندى بغير بروق قال الآمدي: أخذ قوله (أي ليل يبهى بغير نجوم) من قول الشاعر: أشيب ولم أقض الشباب حقوقه * ولم يمض من عهد الشباب قديم تفاريق شيب في السواد لوامع * وما خير ليل ليس فيه نجوم وقد قلنا: إنه لا ينبغي أن يقال أخذ فلان كذا من فلان، وإنما يقال في البيتين إنهما يتشابهان ويتشاكلان وإن هذا نظير ذاك ويزاد على ذلك. ويشبه قول البحتري: ولعمري لولا الأفاحي لأبصرت أنيق الرياض غير أنيق قول الشاعر: لا يرعك المشيب يا ابنة عبد الله فالشيب حلية ووقار إنما تحسن الرياض إذا ما * ضحكت في خلالها الأنوار

[ 177 ]

وقد شبهت الشعراء الشيب بالنجوم وبالنور، وهو طريق مسلوك معهود، فمن محسن في العبارة ومسئ ومستوف ومقصر، وسأنبه على ذلك وعلى ما يحضرني فيه عند الانتهاء إلى ما أذكره من شعري بمشيئة الله وعونه. وله أيضا: فإن ست وستون استقلت * فقد كرت بطلعتها الخطوب لقد سر الأعادي في أني * برأس العين محزون كئيب وإني اليوم عن وطني شريد * بلا جرم ومن مالي حريب تعاظمت الحوادث حول حظي * وشبت دون بغيتي الحروب على حين استتم الوهن عظمي * وأعطى في ما احتكم المشيب وله أيضا: قنعت على كره وطأطأت ناظري * إلى رنق مطروق من العيش حشرج وجلجلت في قولي وكنت متى أقل * بمسمعة في مجمع لا الجلج يظن العدى أني فنيت وإنما * هي السن في برد من العيش منهج نضوت الصبي نضو الرداء وساءني * مضي أخي أمس متى يمض لا يجي وله أيضا: ومعيري بالدهر يعلم في غد * إن الحصاد وراء كل نبات أبني إني قد نضوت بطالتي * فتحسرت وصحوت من سكراتي

[ 178 ]

نظرت إلى الأربعون فأضرجت * شيبي وهزت للحنو قناتي وأرى لدات تتابع كثرهم * فمضوا وكر الدهر نحو لداتي ومن الأقارب من يسر بميتتي * سفها وعز حياتهم بحياتي وأحسن كل الاحسان في هذا الكلام العذب الرطب مع متانة وجزالة، ولقوله (فأضرجت شيب وهزت للحنو قناتي) الحظ الجزيل من فصاحة وملاحة. (مضى ما للبحتري) وهذا ما أخرجته لأخي الرضي رضي الله عنه في الشيب قال رضي الله عنه وهو ابتداء قصيدة: دوام الهوى في ضمان الشباب * وما الحب إلا زمان التصابي أحين فشا الشيب في شعره * وكتم أوضاحه بالخضاب تروعين أوقاته بالصدود * وترمين أيامه بالسباب تخطى المشيب إلى رأسه * وقد كان أعلى قباب الشباب كذاك الرياح إذا استلامت * تقصف أعلى الغصون الرطاب مشيب كما استل صدر الحسام لم يرو من لبثه في القراب نضى فاستباح حمى الملهيات * وراع الغواني بظفر وناب وألوى بجدة أيامه * فأصبح مقذى لعين الكعاب تستر منه مجال السوار إذا ما بدا ومناط النقاب قوله (لم يرو من لبثه في القراب) استعارة مليحة، وإنما أشار إلى أن الشيب عجل على سواده في غير حينه وأبانه، لأنه لما شبه طلوع الشيب بسله السيف أراد أن يبين مع هذا التشبيه سرعة وفوده في غير وقته، فقال (لم يرو من لبثه في

[ 179 ]

القراب) تحقيقا للمعنى الذي ذكرناه: وله هو ابتداء قصيدة: مسيري في ليل الشباب ضلال * وشيبي ضياء في الورى وجمال سواد ولكن البياض سيادة * وليل ولكن النهار جلال وما المرء قبل الشيب إلا مهند * صدي وشيب العارضين صقال وليس خضاب الرأس إلا تعلة * لمن شاب منه عارض وقذال وله من جملة قصيدة: ضاع الشباب فقل لي أين أطلبه * وأزور عن نظري البيض الرعاديد وجرد الشيب في فودي أبيضه * يا ليته في سواد الشعر مغمود بيض وسود برأسي لا يسلطها * على الذوائب إلا البيض والسود وله وهو ابتداء قصيدة: لون الشبيبة أنصل الألوان * والشيب جل عمائم الفتيان نبت بأعلى الرأس يرعاه الردى * رعي المطي منابت الغيطان الشيب أحسن غير أن غضارة * للمرء في ورق الشباب الأني وكذا بياض الناظرين وإنما * بسوادها تتأمل العينان

[ 180 ]

وله من قصيدة: تنفس في رأسي بياض كأنه * صقال ترامى في النصول الذوالق وما جزعي إن حال لون وإنما * أرى الشيب عضبا قاطعا حبل عاتقي فما لي أذم الغادرين وإنما * شبابي أوفى غادر بي وماذق تعيرني شيبي كأني ابتدعته * ومن لي إن يبقى بياض المفارق وإن وراء الشيب ما لا أجوزه * بعائقة تنسى جميع العوائق وليس نهار الشيب عندي بمزمع * رجوعا إلى ليل الشباب الغرانق نظير قوله (ومن لي أن يبقى بياض المقارق) قول البحتري (ومن لي أن أمتع بالمعيب) وأحسن مسلم بن الوليد في قوله: الشيب كره وكره أن يفارقني * أعجب بشئ على الغضاء مردود يمضي الشباب ويأتي بعده خلف * والشيب يذهب مفقودا بمفقود ومعنى قوله " مفقودا بمفقود " أي إنه يمضي صاحبه معه ويفقد بفقده، وليس كذلك الشباب. ومعنى قوله " وما جزعي إن حال لون " أي ليس في التغير ما أجزع له لكنني أرى الشيب كالسيف الذي يقطع حبل عاتقي. وهذا مع إنه تشبيه للون الشيب بلون السيف، يفيد أن حلول الشيب به في قطع آماله وحسم لذاته وتغيير أحواله يجري مجرى قطع السيف لحبل عاتقه، وقد أحسن كل الاحسان في هذه الأبيات، فما أجود سبكها وأسلم لفظها وأصح معانيها. وله من جملة قصيدة: ولى الشباب وهذا الشيب طارده * يفدي الطريدة ذاك الطارد العجل

[ 181 ]

ما نازل الشيب في رأسي بمرتحل * عني وأعلم أني عنه مرتحل من لم يعظه بياض الشعر أدركه * في غرة حتفه المقدور والأجل من اخطأته سهام الموت قيده * طول السنين فلا لهو ولا جذل وله وهو أول قصيدة: أراعي بلوغ الشيب والشيب دائبا * وأفنى الليالي والليالي فنائيا تلون رأسي والرجاء بحاله * وفي كل حال لا يغب الأمانيا ومنها: وعارية الأيام عندي شبيبة * أساءت لها قبل الأوان التقاضيا أرى الدهر غصابا لما ليس حقه * فلا عجب أن يسترد العواريا وما شبت من طول السنين وإنما * غبار حروب الدهر غطى سواديا وما انحط أولى الشعر حتى نعيته * فبيض هم القلب باقي عذاريا ويشبه تشبيهه الشيب وإضافته ذلك إلى حروب الدهر قول ابن المعتز: صدت شرير وأزمعت هجري * وصغت ضمائرها إلى الغدر قالت كبرت وشبت قلت لها * هذا غبار وقائع الدهر وقال ابن الرومي: أطار غبار الشيب فوق مفارقي * تلوى سني الراكضات أماميا ولأبي الجنوب: قالت أرى شيبا برأسك قلت لا * هذا غبار من غبار العسكر وقصر غاية التقصير عن ابن المعتز وابن الرومي، لأنهما مع التشبيه للشيب

[ 182 ]

بالغبار في اللون أضافاه من وقائع الدهر وركض السنين إلى سبب لهذا الغبار وموجب، فعماده على كل حال سبب، وأبو الجنوب حصل على تشبيه اللون المحض الصرف، فزيادتهما عليه غير مجهولة. ولي ما فيه بعض الشبه بما ذكرناه لكنه في وصف الإبل، وهو: ويهززن عن داعي المراح مفارقا * بلا شمط إلا بياض غبار فهذا البيت تضمن تشبيه بياض الغبار بالشمط، ولهذا حسن استثناؤه من الشمط من حيث أشبهه وإن لم يكن من جنسه. وما تقدم لأخي رضي الله عنه ولابن المعتز فيه تشبيه الشيب وبياضه بالغبار، والمعنى يتقارب، لأن الشئ إذا أشبه غيره فذلك الغير مشبه له. وأقسم قسما برة إني لما نظمت هذا البيت في وصف الإبل ما كنت سمعت قبله من أحد في نظم ولا نثر تشبيه الشيب بالغبار، وإنما اتفق على سبيل التوارد لأن تشبيه هذا بذلك أمر مشاهد يجوز أن يقع لمن فكر من غير اتباع منه لغيره، ولهذا أنكر أبدا على من تقدم من العلماء فيقول أخذ فلان من فلان إذا وقفوا على متشابه بين معانيه. وله من جملة قصيدة: عقيب شباب المرء شيب يخصه * إذا طال عمرا أو فناء يعمه طليعة شيب خلفها فيلق الردى * برأسي له نقع وبالقلب كلمه قوله " برأسي له نقع " مثل قوله " غبار حروب الدهر " وما ذكرناه من نظائره.

[ 183 ]

ومعنى " شيب يخصه " أي يخص الشباب، فالهاء كناية عن الشباب. وقوله " أو فناء يعمه " يعني يعلم المرء، فالهاء في يعمه كناية عن المرء نفسه. وله وهو ابتداء قصيدة: أشوقا وما زالت لهن قباب * وذكر تصاب والمشيب نقاب وغير التصابي للكبير تعلة * وغير الغواني للبياض صحاب وما كل أيام المشيب مريرة * ولا كل أيام الشباب عذاب أؤمل ما لا يبلغ العمر بعضه * كأن الذي بعد المشيب شباب وطعم لبازي الشيب لا شك مهجتي * أسف على رأسي وطار غراب لداتك إما شبت واتبعوا الردى * جميعا وإما أن رديت وشابوا هذه الأبيات قوية مستوية مطبوعة الألفاظ بعيدة من التكلف، والبيت الأخير يتضمن قسمة عليها بعض الطعن، لأنه قد يشيب ولا تموت لداته بأن يشيبوا أيضا معه أو بعضهم، وكذلك قد يموت هو ويموت بعض لداته، فليس الواجب أنه متى شاب مات جميع لداته ولا أنه متى مات شاب جميعهم، والقسمة تقتضي تعاقب كل واحد من الأمرين ووجوب أحدهما، وقد بينا أن الأمر بخلاف ذلك، والقسمة الصحيحة هي قولي: والشيب إن فكرت فيه مورد * لا بد يورده الفتى إن عمرا وقولي: من عاش لم تجن عليه نوب * شابت نواحي رأسه أو هرما وقولي:

[ 184 ]

ومن ضل عن أيدي الردى شاب مفرقا وله من أثناء قصيدة: ألا أين ذاك الشباب الرطيب أم أين لي بيض أياميه مشى الدهر بيني وبين النعيم ظلما وغير من حاليه نظرت وويل أمها نظرة * لبيضاء في عارضي باديه يقولون راعية للشباب * فقلت ولكنها ناعية وله وهو ابتداء قصيدة: ما أبيض من لون العوارص أفضل * وهوى الفتى ذاك البياض الأول مثلان ذا حرب الملام وذا له * سبب يعاون من يلوم ويعذل أونو إلى يقق المشيب فلا أرى * إلا قواضب للرقاب تسلل واللمة البيضاء أهون حادث * في الدهر لو أن الردى لا يعجل ولقد حملت شبابها ومشيبها * فإذا المشيب على الذوائب أثقل تشبيه بياض الشيب ببياض السيوف يمضي كثيرا في الشعر ويتردد، فأما (الاستقثال) بحمل الشيب من أحسن ما قيل فيه قول علي بن جبلة وربما رويت لدعبل بن علي الخزاعي: ألقى عصاه وأرخى من عمامته * وقال ضيف فقلت الشيب قال أجل فقلت أخطأت دار الحي قال ولم * مضت لك الأربعون الوفر ثم نزل فما شجيت بشئ ما شجيت به * كأنما اعتم منه مفرقي بحبل

[ 185 ]

وله من جملة قصيدة: أرى شيبة في العارضين فيلتوي * بقلبي حراها جوى وغليل ومن عجب غضى من الشيب جازعا * وكرى إذا لف الرعيل رعيل وله من أثناء قصيدة: إذا ما الفتى لم يكسه الشيب عفة * فما الشيب إلا سبة للأشايب وله وهو ابتداء قصيدة: أرابك من مشيب ما أرابا * وما هذا البياض علي عابا لئن أبغضت مني شيبت رأسي * فإني مبغض منك الشبابا يذم البيض من جزع مشيبي * ودل البيض أول ما أشابا وكانت سكرة فصحوت عنها * وانجب من أبى ذاك الشرابا يريد بقوله " فإني مبغض منك الشبابا " إنني قد عرفت وانصرفت عن الشغف بالنساء وهواهن فما أبالي بشبابهن ولا كبرهن وهما عندي سيان في الاعراض عنه، يدلك على ذلك البيت الأخير. وله من جملة قصيدة: وقالوا الشيب زار فقلت أهلا * بنور ذوائب الغصن الرطيب

[ 186 ]

ولم أك قبل وسمك لي محبا * فيبعدني بياضك عن حبيبي ولا ستر الشباب علي عيبا * فأجزع إن تنم على عيوبي ولم أذمم طلوعك بي لشئ * سوى قرب الطلوع إلى شعوب أما تشبيهه الشيب في بياضه بالنور فهو طريق مهيع ويجئ في الشعر كثيرا، وقد نبهنا في ما مضى من شعر البحتري على شئ منه، وإن كان هذا المعنى أكثر من أن يحصى. فأما البيت الذي أوله " ولم أك قبل وسمك لي محبا " فيشبهه قول البحتري: أعاتك ما كان الشباب مقربي * إليك فألحي الشيب إذ كان مسعدي من وجه وإن خالفه من آخر، والوجه الذي كأنهما يشتبهان منه أن المشيب لم يزده بعدا من الغواني وإنه على ما كان عليه في حال الشباب. ويختلفان من حيث صرح أخي رحمه الله بأنه ما كان محبا تنزها وتصاونا، فاستوت فيه حال الشيب والشباب، والبحتري ذكر أنه كان مبعدا مقصى في الحالين فلم يزده الشيب شيئا. وقوله " ولا ستر الشباب علي عيبا " البيت، في غاية حسن المعنى واللفظ، وكأنه غريب، لأني لا أعرف إلى الآن نظيره. وله من جمله قصيدة: فكيف بالعيش الرطيب بعد ما * حط المشيب رحله في شعري سواد رأس أم سواد ناظر * فإنه مذ زار اقذي بصري ما كان أضوأ ذلك الليل على * سواد عطفيه ولما يقمر عمر الفتى شبابه وإنما * آونة الشيب انقضاء العمر

[ 187 ]

نظير قوله رحمه الله " ما كان أضوأ ذلك الليل من شعري " قولي: صدت وما صدها إلا على ياس * من أن ترى صبغ فوديها على رأسي أحبب إليها بليل لا يضئ لها * إلا إذا لم تسر فيه بمقباس والمعنى في بيتي مشبه للمعنى في بيته رحمه الله، وإن كان بينهما من الفرق ما إذا تؤمل عرف، ولا بد من الإشارة إلى بعض ما افترقا فيه: قوله رحمه الله " ما كان أضوأ ذلك الليل علي " البيت، إنما يفيد الإخبار عن ضوئه وإن لم يكن مقمرا، ولا يفيد أنه إذا كان مقمرا لا يكون مضيئا، لأنه غير ممتنع أن يكون مضيئا على الحالين. والبيت الذي لي يفيد أنه لا يضئ لهذه المرأة إلا إذا لم يكن فيه مقباس، فأفاد نعي أصابته لها إلا مع الظلام وفقد الأنوار كلها. وهذا هو المعنى المقصود الذي يخالف العادة ويقتضي العجب. وأيضا فإن البيت الذي تضمن أنه لا يضئ لهذه الغانية إلا إذا لم يكن فيه مقباس، قد تضمن تحقيقا شديدا، لأن هذه الحال تختص بالغانيات اللواتي يكرهن الشيب وينفرن منه. والبيت الأخير يتضمن الإطلاق للخبر عن إضاءة الليل من غير أقمار، والاطلاق على ظاهره لا يصح، لأن سواد الشعر المشبه بسواد الليل يضئ في أعين كل الناس إذا كان فيه الشيب بلون القمر، وإنما لا يضئ في أعين النساء خاصة لنفورهن من الشيب، فلا بد من أن يريد بقوله " ما كان أضوأ ذلك الليل " عند النساء، وإن حذف لضيق الكلام وضرورة الشعر، فما لا حذف فيه ولفظه مطابق للمعنى المقصود أولى. وله من جمله قصيدة: لا تأخذيني بالمشيب فإنه * تفويف ذي الأيام لا تفويفي

[ 188 ]

لو أستطيع نضوت عني برده * ورميت شمس نهاره بكسوف كان الشباب دجنة فتمزقت * عن ضوء لا حسن ولا مألوف ولئن تعجل بالنصول فخلفه * روحات سوق للمنون عفيف وله وهو ابتداء قصيدة: أغدرا يا زمان ويا شباب * أصاب بذا لقد عظم المصاب وما جزعي لأن غرب التصابي * وحلق عن مفارقي الغراب فقبل الشيب أسلفت الغواني * قلي وأمالني عنها اجتناب عففت عن الحسان فلم يرعني المشيب ولم ينزقني الشباب معنى هذه الأبيات يوافق معنى البيت الذي ذكرناه له رحمه الله، وهو: ولم أك قبل وسمك لي محبا * فيبعدني بياضك عن حبيبي يخالف معنى قول البحتري: أعاتك ما كان الشباب مقربي * إليك فألحى الشيب إذ كان مبعدي لأن بيت البحتري إنما تضمن إنه كان في أيام الشباب مقصي بين الغواني محروما وصالهن، فلم يزده الشيب شيئا ولا نقصه. وهذه الأبيات تنطق بأنه عف في شبابه وتنزه عن الغواني أنفة وصيانة، فلا ظلامة له في الشيب وهذه عادته وسجيته. وله من جملة قصيدة:

[ 189 ]

فليت عشرين بت أحسبها * باعدن بين الورود والقرب إني أظمأ إلى المشيب ومن * ينج قليلا من الردى يشب وإن يزر طالع البياض أقل * يا ليت ليل الشباب لم يغب وله وهي قطعة مفردة: عجلت يا شيب على مفرقي * وأي عذر لك إن تعجلا وكيف أقدمت على عارض * ما استغرق الشعر ولا استكملا كنت أرى العشرين لي جنة * من طارق الشيب إذا اقبلا فالآن سيان ابن أم الصبي * ومن تسدى العمر الأطولا يا زائرا ما جاء حتى مضى * وعارضا ما غام حتى انجلى وما رأى الراؤون من قبلها * زرعا ذوي من قبل أن ينقلا ليت بياضا جاءني آخر * فدى بياض كان لي أولا وليت صبحا ساءني ضوءه * زال وأبقى ليله إلا ليلا يا ذابلا صوح فينانه * قد آن للذابل أن يختلى حط برأسي يققا أبيضا * كأنما حط به منصلا هذا ولم أعد مجال الصبي * فكيف من جاوز أو أو غلا من خوفه كنت أهاب السري * شحا على وجهي أن يبذلا فليتني كنت تسر بلته * في طلب العز ونيل العلى فالوادع القاعد يزرى به * من قطع الليل وجاب الفلا قد كان شعري ربما يدعي * نزوله بي قبل أن ينزلا فالآن يحميني ببيضائه * إن أكذب القول وإن أبطلا قل لعذولي اليوم عد صامتا * فقد كفاني الشيب أن أعذلا

[ 190 ]

طبت به نفسا ومن لم يجد * إلا الردى أذعن واستقتلا لم يلق من دوني لها مصرفا * ولم أجد من دونه موئلا قوله " يا زائرا " والبيت الذي بعده والبيتان اللذان قبلهما من أحسن ما وصف به عجل الشيب ونزوله قبل أوانه. وأما قوله " ليت بياضا جاءني آخرا " البيت، فإنما يريد بالبياض الآخر الشيب والبياض الأول حال المردودة وابيضاض العارضين بفقد الشعر منهما. وقوله " وليت صبحا ساءني ضوءه " في غاية الطبع والحلاوة. ومعنى " يختلى " أي يقطع، وأصله قطع الخلاء الذي هو الحشيش. وقوله " حط برأسي يققا أبيضا " تشبيه للشيب بالسيف في لونه وقطعه. وله من جمله قصيدة: الآن لما اعتم بالشيب مفرقي * وجلى الدجى عن لمتي لمعانها ونجذني صرف الزمان ووقرت * عن الحلم نفسي وانقضى نزوانها يروم العدى أن تستلان حميتي * وقبلهم أعيا علي حرانها وهذه أبيات لها جزالة وقوة وبلاغة. وله من أثناء قصيدة: إلى كم ذا التردد في التصابي * وفجر الشيب عندي قد أضاء فيا مبدي العيوب سقى سواد * يكون على مقانحها غطاء

[ 191 ]

شبابي إن تكن أحسنت يوما * فقد ظلم البياض وقد أساء قد ملح بقوله وفجر الشيب عندي قد أضاء " والبيت الثاني جيد المعنى وله من أثناء قصيدة: وهذا وما أبيض السواد فكيف بي * إذا الشيب مشى ليلة من عماثمي وكنت أرى أن الشباب وسيلة * لمثلي إلى بيض الخدود النواعم وله من أثناء قصيدة: فالآن إذ نبذ المشيب شبيبتي * نبذ القذى وأقام من تأويدي وفررت عن سن القروح تجاريا * وعا على قعس السنين عمودي ولبست في الصغر العلى مستبدلا * أطواقها بتمائم المولود وصفقت في أيدي الخلائف راهنا * لهم يدي بوثائق وعقود وحللت عندهم محل المحتبى * ونزلت منهم منزل المودود فغر العدو يريد ذم فضائلي * هيهات ألجم فوك بالجلمود ولهذه الأبيات من الاطراد والاتساق وجودة السبك وصحة النسج ما تستغني به عن شهادة لها وتنبيه عليها. وله من جملة قصيدة: إن أشك فعلك في فراق أحبتي * فلسوء فعلك في عذاري أقبح ضوء تشعشع في سواد ذوائبي * لا استضئ به ولا استصبح

[ 192 ]

بعت الشباب به على مقة له * بيع العليم بأنه لا يربح هذه أبيات محكمة في القلوب تحكيمها في الطبع وسلامة اللفظ وصحة النسج. وله من أثناء قصيدة: قل للعواذل مهلا فالمشيب غدا * يغدو عقالا لذي القلب الذي طمحا هيهات أحوج مع شيبي إلى عذل * والشيب أعذل ممن لامني ولحى وله من أثناء قصيدة: قالوا المشيب فعم صبحا بالنهي * واعقر مراحك للطروق الزائر لو دام لي ود الأوانس لم أبل * بطلوع شيب وابيضاض غدائر لكن شيب الرأس إن يك طالعا * عندي فوصل البيض أول غائر واها على عهد الشباب وطيبه * والغض من ورق الشباب الناضر واها له لو كان غير دجنة * قلصت صبابتها كظل الطائر خمس وعشرون اهتصرن شبيبتي * وألن عودي للزمان الكاسر كان الشباب وراء ظل قالص * لأخي الصبي وأمام عمر قاصر وأرى المنايا إن رأت بك شيبة * جعلتك مرمى نبلها المتواتر تعشو إلى ضوء المشيب وتهتدي * وتضل في ليل الشباب الغائر لو يفتدى ذاك السواد فديته * بسواد عيني بل سواد ضمائري أبياض رأس واسوداد مطالب * صبرا على حكم الزمان الجائر

[ 193 ]

إن أصفحت عنه الخدود فطالما * عطفت له بلواحظ ونواظر ولقد يكون وما له من عاذل * فاليوم عاد وما له من عاذر كان السواد سواد عين حبيبه * فغدا البياض بياض طرف الناظر لو لم يكن في الشيب إلا أنه * عذر الملول وحجة للغادر أما قوله " واعقر مراحك للطروق الزائر " فمن مليح اللفظ ورشيقه، لأن الضيف الزائر إنما يعقر له الأنعام والشيب إذا زار فإنما يعقر له الطراب والمراح والأرن والنشاط. وأما البيت الثالث من هذه الأبيات الذي أوله " لكن شيب الرأس إن يك طالعا " والثاني الذي أوله " إن أصفحت عنه الخدود " فمعناها يكثر ويتكرر في الشعر، لأن الطريق المسلوك في ذم الشيب هو من حيث ينفر النساء منه ويعرضن عنه ويقطعن حبل وصل صاحبه، وفي هذا من الشعر ما لا يحصى، والعبارات عنه مختلفة في اختصار وإطالة وضعف وجزالة وطبع وتكلف، ويمضي فيما أخرجته من شعري هذا المعنى كثيرا بألفاظ مختلفة ومواقع متباينة، وأنت ترى ذلك إذا انتهينا إليه. وقد أحسن صخر بن حنباء التميمي في قوله: فإن أك بدلت البياض وأنكرت * معالمه مني العيون اللوامح فقد يستجد المرء حالا بحالة * وقد يستشن الجفن والنصل جارح وما شان عرضي من فراق علمته * ولا أثرت في الخطوب الفوادح ولجرير: بان الشباب وقال الغانيات لقد * ولى الشباب وأودى عصرك الخالي قد كن يفزعن من صرمي ومقليتي * فاليوم يهزأن من وصلي وإدلالي

[ 194 ]

ولبعض العرب: يا جمل إن سل سربال الشباب فما * يبقى جديد من الدنيا ولا خلق صدت أمامة لما جئت زائرها * عني بمطروفة انسانها غرق وراعها الشيب في رأسي فقلت لها * كذلك يصفر بعد الخضرة الورق وقال ابن الرومي وجود: كبرت وفي خمس وستين مكبر * وشبت فأجمال المها منك نفر إذا ما رأتك البيض صدت وربما * غدوت وطرف البيض نحوك أصور وما ظلمتك الغانيات بصدها * إن كان من أحكامها ما يحور أعر طرفك المرآة وانظر فإن نبا * بعينك عنك الشيب فالبيض أعذر إذا شنئت عين الفتى وجه نفسه * فعين سواه بالشناءة أجدر فأما قوله في الأبيات التي نحن في الكلام على معناها " قلصت صبابتها كظل الطائر " فإنما يريد به سرعة انتقاله وزواله، لأن ظل الطائر وشيك الزوال متدارك الانتقال. وأما قوله " وأرى المنايا إن رأت بك شيبة " والبيت الذي بعده وأوله " تعشو إلى ضوء المشيب فتهتدي " فإنني رأيت هذا المعنى لابن الرومي في قطعة له وما رأيته لأحد قبله ويقوى في الظن أنه سبق إليه، والأبيات. كفى بسراج الشيب في الرأس هاديا * إلى من أضلته المنايا لياليا أمن بعد إبداء المشيب مقاتلي * لرامي المنايا تحسبيني ناجيا غدا الدهر يرميني فتدنو سهامه * لشخصي أخلق أن يصبن سواديا وكان كرامي الليل يرمي ولا يرى * فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا

[ 195 ]

ولقد أحسن في البيت الأخير كل الاحسان، لأن المعنى الذي قصده تكامل فيه وانتهى إلى الغاية عنده وساعده اللفظ وحسن العبارة، فلم يبق عذر في قبول القلوب له وعلوقها به. ومن شأن ابن الرومي أن يورد المعنى ثم يأخذ في شرحه في بيت آخر وإيضاحه تشعيبه وتفريعه، فربما أخفق وأكدى وربما أصاب فأصمى، لأن الشعر إنما تحمد فيه الإشارة والاختصار والايماء إلى الأغراض وحذف فضول القول. وفي هذه الأبيات قد اتفق له لما كرر المعنى وأعاده وأبداه خلص في البيت الأخير وصفا وعذب مذاقة، لأنه في أول البيت قد أشار إلى هذا المعنى الموجود في آخرها، وفي البيت الثاني أيضا قد أعاد ذلك، وفي البيت الثالث قد ألم بالمعنى بعض الإلمام، لإنه ذكر أن سهام الدهر تقرب منه وأخلق أن تصيب سواده يعني شخصه، ولم يذكر العلة في إصابتها له، وهي إضاءة الشيب لمقاتله وهدايتها إلى مراميه كما ذكره في البيتين الأولين، وطبق المفصل في البيت الرابع، لأنه جعل الدهر في زمان الشباب يرميه بسهامه وهو لا يراه لأن سواد شبابه ساتر له. ومعنى " كرامي الليل " الرامي في الليل، فالليل ظرف للرامي وليس بمفعول صحيح. ثم قال " فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا " ومعنى رمانيا أصابني، كما قال الشاعر: ولما رمى شخصي رميت سواده * ولا بد أن يرمى سواد الذي يرمي وفي شعري ما يشبه هذا المعنى، وهو: ولاح بمفرقي قبس منير * يدل على مقاتلي المنونا فأما قوله رحمه الله في الأبيات " ولقد يكون وما له من عاذل " فمعناه متكرر في الشعر متردد، والشباب أبدا يوصف بأن صاحبه معذور مغتفر الجرم وذو الشيب

[ 196 ]

مؤاخذ بما لم يجنه متجرم عليه. وقوله في آخر الأبيات " عذر الملول وحجة للغادر " من لطيف القول وسليم النسج. وله من أثناء قصيدة: لهفي لأيام الشباب على ندى * أطرافهن وظلهن الأبرد أيام انفض للمراح ذوائبي * وأروح بين معذل ومفند ومنها: وبياض ما بيني وبين أحبتي * يوم اللقاء من العذار الأسود. وله من أثناء قصيدة: ولم يبق لي في الأعين النجل بطربة * ولا أرب عند الشباب الذي يمضي صحا اليوم في ظل الشبيبة مفرقي * وأبدل مسود العذار بمبيض وله من جمله قصيدة: ليالي من لي برد الشباب مني غصن رطيب المجاني وقد رحل البيض من لمتي * بطفل الأماني بض البنان أفالان لما أضاء المشيب * وأمسى الصبي ثانيا من عناني وقد صقل السيف بعد الصدا * وبان لظى النار بعد الدخان

[ 197 ]

يرد الزمان علي الهوى * ويطمع في هفوة من جناني أما تشبيه السواد في الشعر بالصدأ وبياض الشيب بالصقال والجلاء فمذهب معروف متداول، لكن الغريب المليح تشبيه سواد الشباب بالدخان وبياض الشيب ببياض النار. وله في ذم المشيب وهي قطعة مفردة: خذا اليوم كفي للبياع على النهى * فلم يبق للاطراب عين ولا أثر وقد كنت لا أعطي العواذل طاعة * وأعذر نفسي في التصابي ولا عذر نقضت لبانات الصبي وتصرمت * فلا نهي للاحي علي ولا أمر ولا تحسبا إني نضوت بطالتي * نزوعا ولكن صغر اللذة الكبر ولا أمتري أن الشباب هو الغنى * وإن قال مال والمشيب هو الفقر وله أيضا في ذم المشيب وهي قطعة مفردة: يا عذولي قد غضضت جماحي * فاذهبا أين شئتما بزمامي بعد لوثي عمامة الشيب أختال ببردي بطالة وعرام خفضت نزوة الشباب وحال الهم بين الحشا وبين الغرام أيها الصبح زل ذميما فما أظلم يومي من بعد ذاك الظلام أرمضت شمسك المنيرة فودي فمن لي بظل ذاك الغمام غالطوني عن المشيب وقالوا * لا ترع أنه جلاء الحسام قلت ما آمن من على الرأس منه * صارم الحد في يد الأيام

[ 198 ]

إن ذنبي إلى الغواني بشيبي * ذنب ذئب الغضا إلى الأرام كن يبكين قبله من وداعي * فبكاهن بعده من سلامي ما أحسن هذه الأبيات وأرطب أطرافها وأعذب إئتلافها. وله وهي قطعة مفردة: لجام للمشيب ثنى جماحي * وذللني لأيامي وراضا أقر بلبسه ولقد أراني * أجاحده إباء وامتعاضا تعوضت الوقار من التصابي * أشد على المعوض ما استعاضا لوى عني الخدود من الغواني * وقطع دوني الحدق المراضا فصار بياضه عندي سوادا * وكان سواده عندي بياضا أراد بالبيت الأخير أن بياض الشيب صار سوادا لقلبه أي هما وحزنا، أو أنه سود ما بينه وبين حبائبه وأظلم ما كان مشرقا من ودهن وكان سواده بياضا بمعنى الضد من هذه الأحوال. وله من قصيدة: شيب وما جزت الثلاثين نزل * نزول ضيف ببخيل ذي علل يصرف عنه السمع إن أرغى الجمل * ولا يقول إن أناخ حي هل كأنه لما طرا على عجل * سواد نبت عمه بياض طل يجئ بالهم ويمضي بالأجل * فأوه إن حل وواها إن رحل أبدل من الشباب لا بدل * سرعان ما رق الأديم ونغل

[ 199 ]

لهذه الأبيات حظ جزيل من قوة وفصاحة، وقد قالت الشعراء في تعجيل الشيب قبل أوانه فأكثرت والمراعى في المعاني المتداولة المتناولة التجويد، وقد قال ابن الرومي: أرى بقر الأنس مني تراع أطيش ما كنت عنها سهاما وأنى تفرع رأسي المشيب * ولم أتفرع ثلاثين عاما قوله " أطيش ما كنت عنها سهاما " قد كرره شغفا به في قوله أيضا: أقول ومرت ظبيتان فصدتا * وراعتهما مني مفارق شيب أطيش ما كانت سهامي عنكما * تصدان عني إن ذا لعجيب ومن جيد القول في التلهف على الشباب و التأسف على فراقه قول ابن الرومي: لا تلح من يبكي شبيبته * إلا إذا لم يبكها بدم عيب الشبيبة غول سكرتها * مقدار ما فيها من النعم لسنا نراها حق رؤيتها * إلا زمان الشيب والهرم كالشمس لا تبدو فضيلتها * حتى تغشى الأرض بالظلم ولرب شئ لا يبينه * وجدانه إلا مع العدم وله من قصيدة: دع للمشيب ذمه * إن له عندي بدا أعتق من رق الهوى * مذللا معبدا لكن هوى لي أن أرى * لون عذاري أسودا مر البياضان عليه شائبا وأمردا

[ 200 ]

ما اخلق البرد فلم * بدل لي وجددا معنى البيت الأخير مليح جدا، لأن الاستبدال على العادة إنما يكون مع الأخلاق والرثاثة، ولا معنى لإبدال ما لم يخلق وتجديده. وله وهو ابتداء قصيدة: ترى نوب الأيام يرجى صعابها * ويسأل عن ذي لمة ما أشابها وهل سبب للمرء من بعد هذه * فدأبك يا لون الشباب ودأبها شربنا من الأيام كأسا مريرة * تدار بأيد لا يرد شرابها ومنها: خطوب يعن الشيب في كل لمة * وينسين أيام الصبى ولعابها. وله وهي قطعة مفردة: صدت وما كان لها الصدود * وأزور عني طرفها والجيد تقول لما اخلق الجديد * إذا البجال ذلل الوليد البجال: الشيخ الكبير. فأين ذاك الخضل الأملود * ريان من ماء الصبى يميد تصحبه اللحظ العذارى الغيد * غدا الغزال اليوم وهو سيد قلت نعم ذاك الذي أريد * مضى حبيب قلما يعود أشد ما أوجعني الفقيد * أيامنا بعد البياض سود

[ 201 ]

وله وهي قطعة مفردة: قال لي عند ملتقى الركب عمرو * قوم العود بعدنا فانصاتا أين ذاك الصبى وذاك التصابي * سبقا الطالب المجد وفاتا من قضى عقبة الثلاثين يغدو * راجعا يطلب الصبى هيهاتا لم تزل والمشيب غير قريب * ناعيا للشباب حتى ماتا كنت تبكي الأحياء فاستكثر اليوم من الدمع واندب الأمواتا وله وهي قطعة مفردة: تشاهقن لما أن رأين بمفرقي * بياضا كأن الشيب عندي من البدع وقلن عهدنا فوق عاتق ذا الفتى * رداء من الحوك الرقيق فما صنع ولم أر عضبا عيب منه صقاله * وكان حبيبا للقلوب على الطبع وقالوا غلام زين الشيب رأسه * فبعدا لرأس زانه الشيب والترع تسلى الغواني عنه من بعد صبوة * وما أبعد النبت الهشيم من النجع وكن يخرقن السجوف إذا بدا * فصرن يرقعن الخروق إذا طلع وله وهو ابتداء قصيدة: ألهاك عنا ربة البرقع * مر الثلاثين إلى الأربع أنت أعنت الشيب في مفرقي * مع الليالي فصلي أو دعي

[ 202 ]

وله وهي قطعة مفردة: أأميم إن أخاك غض جماحه * بيض طردن عن الذوائب سودا عقب الجديد إذا مررن على الفتى * مر القوادح لم يدعن جديدا قد كان قبلك للحسان طريدة * فاليوم راح عن الحسان طريدا حولن عنه نواظرا مزورة * نظر القلى ولوين عنه خدودا نشد التصابي بعد ما ضاع الصبى * عرضا لعمرك يا أميم بعيدا وله وهي قطعة مفردة: تمل من التصابي قبل تمسي * ولا أمم صباك ولا قريب سواد الرأس سلم للتصابي * وبين البيض والبيض الحروب وولاك الشباب على الغواني * فبادر قبل يعذلك المشيب هذا المصراع من البيت الأخير مليح اللفظ. وله من جملة قصيدة: راحت تعجب من شيب ألم به * وعاذرا شيبه التهمام والأسف ولا تزال هموم النفس واردة * رسل البياض إلى الفودين تختلف إن الثلاثين والسبع التوين به * عن الصبى فهو مزور ومنعطف قوله " وعاذرا شيبه التهمام والأسف " من أخصر عبارة وأبلغها من هذا المعنى.

[ 203 ]

وله من أثناء قصيدة: فيا حادي السنين قف المطايا * فهن على طريق الأربعينا وأب الرأس بعدك صوحته * بوارح شيبة فغدا حنينا وكان سواده عند الغواني * يعدن إلى مطالعه العيونا أتاجرها فأربح في التصابي * وبعض القوم يحسبني غبينا أهان الشيب ما أعززن منه * وعز على العقائل أن يهونا جنون شبيبة ووقار شيب * خذا عني الصبى ودعا الجنونا وله من قصيدة: وطارق للشيب حييته * سلام لا الراضي ولا الجاذل أجرى على عودي ثقاف النهى * جري الثقافين على الذابل وأعرني عقر مراحي له * لأدر در الشيب من نازل فاليوم لا زور ولا طربة * نام رقيبي وصحا عاذلي وله من قصيدة: ورأت وخط مشيب طارق * وخط التهمام قلبي فوخط ما لها تنكر مع هذا الشجى * وقعات الشيب بالجعد القطط

[ 204 ]

وله وهو ابتداء قصيدة: من شافعي وذنوبي عندها الكبر * إن البياض لذنب ليس يغتفر رأت بياضك مسودا مطالعه * ما فيه للحب لا عين ولا أثر وأي ذنب للون راق منظره * إذا أراك خلاف الصبغة النظر وما عليك ونفسي فيك واحدة * إذا تلون في ألوانه الشعر أنساك طول نهار الشيب آخره * وكل ليل شباب عيبه القصر إن السواد على لذاته لعمى * كما البياض على علاته بصر البيض أوفى وأبقى لي مصاحبة * والسود مستوفزات للنوى غدر كنت البهيم وأعلاق والهوى جدد * فأخلقتك حجول الشيب والغرر وليس كل ظلام رام غيهبه * يسر خابطه أن يطلع القمر تسلية الغواني النافرات من الشيب الحائدات عن صاحبه بأن حلوله ما أحال عهدا ولا غير ودا طريق مسلوكة وجدد مألوفة، وسيأتي في شعري من هذا المعنى ما يوقف عليه في موضعه، ومن جملة قولي: وما ضرني والعهد غير مبدل * تبدل شرخي ظالما بمشيبي وقولي: إن كنت بدلت لونا * فما تبدلت حبا وقولي: ولا لوم يوما من تغير صبغتي * إذا لم يكن ذاك التغير في عهدي وأما قوله رحمه الله " أنساك طول نهار الشيب آخره " فمعناه أن الشيب لامتداد أيامه ينسى ذكر عواقبه ومصائره التي هي الموت والفناء.

[ 205 ]

ومن مليح اللفظ قوله: " وكل ليل شباب عيبه القصر ". وأما قوله " البيض أوفى وأبقى لي مصاحبة " فنظيره قول الشاعر: والشيب أن يظهر فإن وراءه * عمرا يكون خلاله متنفس ومن شعري قولي. عمر الشباب قصير لا بقاء له * والعمر في الشيب يا أسماء ممدود وله من قصيدة: شيع بالقطر الروا * ذاك الشباب الراحل ما سرني من بعده الأعواض والبدائل ماضر ذي الأيام لو * أن البياض الناصل كل حبيب أبدا * أيامه قلائل ظل وكم يبقى على * فوديك ظل زائل لقد رأى بعارضيك * ما أحب العاذل واسترجعت منك اللحاظ الخرد العقائل وأغمدت عنك نصول الأعين القواتل فلا الدماليج يقعقعن ولا الخلاخل فإن وعدن فاعلمن * إن الغريم ماطل ووعد ذي الشيبة بالوصل غرور باطل وله من قصيدة:

[ 206 ]

ما لقائي من عدوي * كلقائي من مشيبي موقد نارا أضاءت * فوق فودي عيوبي وبياض وهو عند البيض من شر ذنوبي يمكن أن يكون معنى قوله رضي الله عنه " أضاءت فوق فودي عيوبي " إنها كانت مستورة بالشباب معرض عن ذكرها والتقريع بها لوسيلة الشباب وفضيلته، فلما مضى ظهر منها ما كان مستورا حاله. ويمكن غير هذا الوجه، وهو: أنه لم يرد إن عيبا له كان كامنا مستورا فظهر بل يريد أنه بالمشيب تمحلت له عيوب وتكذبت عليه وأشيعت عنه، وإن ضوء المشيب هو الذي كان السبب فيها. ويمكن وجه ثالث، وهو: أن يريد بالعيوب نفس الشيب لا شيئا سواه، وإنه لما أضاء برأسه وعيب به كان مظهره وناشره في رأسه كأنه مظهر لعيوبه ومعلن لها. وله من ابتداء قصيدة: ما للبياض والشعر * ما كل بيض بغرر صفقة غبن في الهوى * بيع بهيم بأغر صغره في أعين البيض بياض وكبر لولا الشباب ما نهي * على المها ولا أمر ما كان أغنى ذلك المفرق عن ضوء القر قد كان صبح ليله * أمر صبح ينتظر

[ 207 ]

واها وهل يغني الفتى * بكاء عين لا أثر يا حبذا ضيفك من * مفارق وإن غدر أين غزال داجن * رأى البياض فنفر هيهات رثم الرمل لا * يدنو إلى ذنب الخمر من بارع القول ومليحه قوله رحمه الله " ما كل بيض بغرر " ومثل ذلك قولهم ما كل بيضة شحمة، لأن بياض اللون قد يشترك فيه الممدوح والمذموم والمراد والمكروه. والبيت الثاني معناه أن من باع الشباب وهو البهيم بالمشيب - وهو الأغر - فقد غبن. وموضع العجب أن الأغر أفضل وأنفس من البهيم، فكيف انعكس ذلك في الشيب والشباب. ونظير هذا المعنى من شعري قولي: إن البهيم من الشباب ألذ لي * فلتغذني أوضاحه وحجوله فأما قوله رحمه الله " صغره في أعين البيض بياض وكبر " فمن العجب أن يصغر الكبر، ونظير هذا البيت قول البحتري: صغر قدري في الغانيات وما * صغر صبا تصغيره كبره وأما قوله " ما كان أغنى ذلك المفرق " فالليل لا يستغني عن القمر بل يفتقر إليه أشد فقر، إلا أن المشبه بالليل من الشباب مستغن عن المشبه بالقمر من ضوء المشيب. وهذا المعنى يمضي كثيرا في الشعر، وسيجئ منه في شعري ما أذكره في مواضعه بمشيئة الله. وقوله رحمه الله " بكاء عين لا أثر " من مطبوع القول ومقبوله.

[ 208 ]

ولقائل أن يقول في البيت الذي هو: يا حبذا ضيفك من * مفارق وإن غدر أي غدر يليق بالشباب وهو لم يفارق مختارا بل مضطرا؟ فالجواب عنه: أن الغدر بالفراق إنما يكون متى كان عن غير سبب أوجب المفارقة ومع الايثار للمواصلة والمقام، فكأن الشباب لما تعجل قبل حينه وأوان فراقه من غير سبب من ذي الشباب أوجب ذلك نسب إليه الغدر توسعا واستعارة وتشبيها. وله من قصيدة: يا قاتل الله ريعان الشباب وما * خلى علي من الأشجان والغلل وروضة من سواد الرأس حالبة * كان المشيب إليها رائد الأجل قالوا الخضاب لود البيض مطمعة * قد ضل طالب ود البيض بالحيل فلقوله رحمه الله " كان المشيب إليها رائد الأجل " من الاحسان والعذوبة ما شاء. وله من قصيدة: إليك فقد قلصت شرتي * بعيد البياض قلوص الظلال وبدلت مما يروق الحسان من منظر ما يروع الغوالي سواد تعذر زور البياض * علوق الضرام برأس الذبال

[ 209 ]

ومر على الرأس مر الغمام * قليل المقام سريع الزيال وله من قصيدة: قل لزور المشيب أهلا إنه * أخذ الغي وأعطاني الرشد طارق قوم عودي بالنهي * بعد ما استغمز من طول الأود وقر اليوم جموحا رأسه * جار ما جار طويلا وقصد ظل لماع حلاه عارض * بعد ما أبرق حيا ورعد وله في ذم الشيب وهي قطعة مفردة: ليس على الشيب للغواني * وإن تحملن من قرار كأنما البيض من لداتي * ضرائر البيض من عذاري إن خيمت هذه بأرضي * تحملت تلك عن دياري أرين في رأسي الليالي * شر ضياء لشر نار تبدى الخفيات من عيوبي * وتظهر السر من عواري أعدو بها اليوم للغواني * أعدى من الذئب للضواري وكن طربي إلى طروقي * إذ ليل رأسي بلا دراري فمذ أضاء المشيب فودي * تورع الزور عن مزاري مثل الخيالات زرن ليلا * وزلن مع طالع النهار أما تشبيه النساء اللواتي يزرن مع سواد الشباب ويهجرن مع بياض المشيب بالخيال الذي يزور ليلا ويهجر نهارا فمن مليح التشبيه وغريبه.

[ 210 ]

وله من قصيدة: ولم يلبثن غربان الليالي * نعيقا إن أطرن غراب رأسي وما زال الزمان يحيف حتى * نزعت له على مضض لباسي نضا عني السواد بلا مرادي * وأعطاني البياض بلا التماسي أروع به الظباء وقد أراني * رميلا للغزال إلى الكناس وبغضني المشيب إلى لداتي * وهونني البقاء على أناسي خذوا بأزمتي فلقد أراني * قليلا ما يلين لكم شماسي أليس إلى الثلاثين انتسابي * ولم أبلغ إلى القلل الرواسي فمن دل المشيب على عذاري * وما جر الذيول إلى غراسي وله من جملة قصيدة: وتلفعت ريطة من بياض * أنا راض منها بما لا يرضى أبرمت لي من صبغة الدهر لا يسرع فيها إلا المنايا نقضا مخبر فاحم ولون مضئ * من رأى اليوم فاحما مبيضا قوله رحمه الله " لا يسرع فيها إلا المنايا نقضا " يريد به أن بياض المشيب لا يحول ولا يزول إلا بالموت، وليس كسواد الشباب الذي يزول ببياض المشيب. وله من قصيدة: يا قاتل الله الغواني لقد * سقينني الطرق بعيد الحمام

[ 211 ]

أعرضن عني حين ولى الصبى * واختلج الهم بقايا العرام وشاعت البيضاء في مفرقل * شعشعة الصبح وراء الظلام سيان عندي أبدت شيبة * في الفود أو طبق عضب حسام ألقى بذل الشيب من بعدها * من كنت ألقاه بدل الغلام ترى جميم الشعر لما ذوي * يراجع العظم بعد الثغام كم جدن بالأجياد لي والطلى * فاليوم يبخلن برد السلام عدل رحمه الله في البيت الذي أوله " ألقى بذل الشيب " عن أن يقابل الذل بالعز إلى مقابلته بالدل، لأن الدل بصورة الذل في الخط والوزن، وفيه أيضا معنى العز، فهو أليق بالمقابلة وأجمع لشروطها. فأما العظلم فهو نبت أسود العصارة، وقيل إنه الوسمة، والعرب تقول ليل عظلم أي مظلم. وله وقد حلق وفرته بمنى ورأى فيها شيئا من البياض، وهي قطعة مفردة: لا يبعدن الله برد شبيبة * ألقيته بمنى ورحت سليبا شعر صحبت به الشباب غرانقا * والعيش مخضر الجناب رطيبا بعد الثلاثين انقراض شبيبة * عجبا أميم لقد رأيت عجيبا قد كان لي قطط يزين لمتي * ثروى السنان يزين الأنبوبا فاليوم أطلب للهوى متكلفا * حصرا وألقى الغانيات مريبا أما بكيت على الشباب فإنه * قد كان عهدي بالشباب قريبا أو كان يرجع ذاهب بتفجع * وجوى شققت على الشباب جبوبا ولئن حننت إلي مني من بعدها * فلقد دفنت بها الغداة حبيبا

[ 212 ]

وله من جملة قصيدة: ولقد أكون من الغواني مرة * بأعز منزلة الحبيب الأقرب أقتادهن بفاحم متخايل * فيريبني ويرين لي ويرين بي وإذا دعوت أجبن غير شوامس * زفف النياق إلى رغاء المصعب فاليوم يلوين الوجوه صوادفا * صد الصحاح عن الطلي الأجرب وإذا لطفت لهن قال عواذلي * ذئب الرداه يريغ ود الربرب فلثن فجعت بلمة فينانة * مات الشباب بها ولما يعقب فلقد فجعت بكل فرع باذخ * من عيص مدركه الأعز الأطيب ولهذه الأبيات ما شئت من معنى ولفظ. وقوله " يرين لي " أي يوجبن حقي، فأما " يرين بي " فمعناه أنهن يوجبن لغيري الحق من أجلي. والزفف: ضرب من المشي. والمصعب: الفحل من الإبل. والرداه: جمع ردهة وهي النقرة في الجبل يستنقع فيها الماء. و " مات الشباب ولما يعقب " من مليح اللفظ. وكنا ذكرنا في صدر الكتاب أنا أخرجنا من ديوان أخي رحمه الله مبلغا عيناه ووقع إلينا بعد ذلك من شعره ما زاد على ما ذكرناه من العدد، والمخرج كله يزيد على الثلاثمائة بيت. (انقضى ما أخرجته لأخي رضي الله عنه) وهذا ابتداء ما انتزعته من ديوان شعري في الشيب لي من قصيدة أولها " لو لم تعاجله النوى لتحيرا ": جزعت لو خطات المشيب وإنما * بلغ الشباب مدى الكمال فنورا

[ 213 ]

والشيب إن فكرت فيه مورد * لا بد يورده الفتى إن عمرا يبيض بعد سواده الشعر الذي * إن لم يزره الشيب واراه الثرى زمن الشبيبة لا عدتك تحية * وسقاك منهمر الحيا ما استغزرا فلطالما أضحى ردائي ساحبا * في ظلك الوافي وعودي اخضرا أيام يرمقني الغزال إذا رنا * شغفا ويطرقني الخيال إذا سرى معنى " بلغ الشباب مدى الكمال فنورا " إنه تكامل وانتهى إلى غايته، والزرع إذا تكامل وبلغ غايته نور. وفي هذا الموضع زيادة على ما يمضي كثيرا في الشعر من تشبيه الشيب بالنور، لأن ذاك إنما يفيد تشبيهه به في لونه، وهذا البيت الذي يختص به يريد مع أنه يشبهه في النور إن معنى الشيب مع النور في الظهور والطلوع عند بلوغ الغاية، وإنما أردت تسلية من جزعت من شيبي من النساء بأن الشيب لا بد منه عند الانتهاء إلى غايته كما لا بد من النور في هذه الحال. ولي من أبيات قد ذكرتها فيما خرجته من شعري مثل هذا بعينه، وهو: ورأت بياضا في نواحي لمة * ما كان فيها في الزمان السالف مثل الثغام تلاحقت أنواره * عمدا لتأخذه بنان القاطف والثغام نور أبيض تشبه العرب به الشيب، فأما البيتان التاليان للبيت الأول فمعناهما واحد، لأن من عمر شاب والشعر الأسود رهن يشيب مع البقاء أو بالتراب عند الفناء. وقد تكررت هذه القسمة في كثير من شعري، وأنت ترى ذلك في مواضعه، من جملة ما يشبه ذلك لي:

[ 214 ]

من عاش لم تجن عليه نوب * شابت نواحي رأسه أو هرما وقولي: * ومن ضل عن أيدي الردى شاب مفرقا * وهذه القسمة أصح من قسمة البحتري في قولي: ولا بد من ترك إحدى اثنتين إما الشباب وأما العمر لأن تلك القسمة اشتبهت على الآمدي حتى تكلم فيها فيما بينا الزلل منه. فإن قيل: كيف تصح قسمتكم بأنه لا بد من الشيب مع طول العمر وفي الناس من لا يشيب على وجه ولا سبب؟ والجواب عن ذلك: إن في الناس من يتأخر شيبه ولا بد مع استمرار بقائه من بياض سواد شعره ولو كان فيهم من لا يشيب مع البقاء الأطول، وليس الأمر كذلك لكانت القسمة صحيحة ومحمولة على أنه لا بد مع طول العمر من الشيب أو من ورود زمانه، فإن زمانه إذا وفد وورد فهو كالوارد الوافد وإن عاق عنه في بعض الناس عائق. وهذا السؤال لا يتأتى في قولي (شابت نواحي رأسه أو هرما) لأنني جعلت من عاش بين موت أو هرم. فإن قيل: جزع النساء إنما هو من الشيب وإنما يسلين عنه بأنه لا بد مع العمر من حلوله، وإذا كان منه بد فلا تعزية. قلنا: إنما تجزع النساء من الشيب لما فيه من أضعاف القوة واكلال الجوارح وإطفاء السورة، والكبر والهرم يكون معه ذلك كله، وإن لم يظهر شيب الشعر فقد بان أنه لا بد مما يجزع النساء منه.

[ 215 ]

ولي من قصيدة أولها " أظنك من جدوى الأحبة قانطا ": وغر الثنايا رقتهن بلمتي * فواعدنها زورا من الشيب واخطا سواد يبريني وإن كنت مذنبا * ويبسط من عذري وإن كنت غالطا ويسكنني حب القلوب وطالما * ألف على ضمي أكفا سبائطا معنى البيت الأول: إن الحسان اللواتي يوصفن بوضوح الثنايا لما رأين اللمة السوداء فغبطن بها واغتبطن منها تعللن بأن واعدنها زمان الشيب الذي يمحو حسنها ويذهب بهجتها، ومعنى البيت الثاني يجئ كثيرا في الشعر وإن الشباب معذور الجناية مغتفر الذنب والشيب بالضد من ذلك، وسيجئ من شعري مترددا. ولي من قصيدة أولها " حييت يا ربع اللوى من مربعي ": شعر شفيعي في الحسان سواده * حتى إذا ما أبيض بي لم يشفع عوضت قسرا من غداف مفارقي * وهي الغبينة بالغراب الأبقع لون تراه ناصعا حتى إذا * خلف الشباب فليس بالمستنصع من العجب أن تتغير قبول الشفاعة ونجح الوسيلة بتغير الصبغة، وهذا معنى يختص بالسبب. فأما البيت الأخير فغريب المعنى، لأن لون البياض أنصع الألوان وأشرفها وأحسنها، هذا في الجملة، وإذا كان البياض بدلا من الشباب كان مستقبحا مستهجنا منفورا عنه متباعدا منه. وهذا من عجائب لون الشيب ومن لطيف ما نبه عليه وأشير إليه. وتشبيه الشعر الذي أبيض بعضه وباقيه أسود بالغراب الأبقع من غريب التشبيه،

[ 216 ]

لأن الشعراء قد شبهت الشباب بالغراب والغداف وأكثرت من ذلك، وما ورد تشبيه الشيب الممتزج بالغراب الأبقع. فإن قيل: إذا شبهوا الشباب بالغراب والغداف قبح هذا التشبيه تشبيه المختلط بالغراب الأبقع. قلنا: هو كذلك، إلا أن هذا لا يدفع استغراب هذا التشبيه وإنه غير متداول مبتذل. وممن سبق إلى هذا المعنى أبو حية النميري في قوله: زمان علي غراب غداف * فطيره الشيب عني فطارا ووجدت لبعض الأعراب ممن لا أعلم تقدمه لزمان أبي حية أو تأخره: وكأنما الشيب الملم بلمتي * باز أطار من الشباب غرابا ونظير بيت الأعرابي قول أبي دلف: أرى بازي المشيب أطار عني * غرابا حب ذلك من غراب ومثله لابن المعتز: وأرسل الشيب في رأسي ومفرقه * بزاته البيض في غرباني السود ونظير قول أبي حية ليزيد بن الطثرية: وأصيح رأسي كالصخيرة أشرفت * عليها عقاب ثم طار غرابها ولي أيضا: صدت وما صدها إلا على ياس * من أن ترى صبغ فوديها على رأسي

[ 217 ]

أحب إليها بليل لا يضئ لها * إلا إذا لم تسر فيه بمقباس والشيب داء لربات الحجال إذا * رأينه وهو داء ما له آسي يا قربهن ورأسي فاحم رجل * وبعدهن وشيبي ناصع عاسي ماذا يريبك من بيضاء طالعة * جاءت بحملي وزانت بين جلاسي وما تبدلت الأخير ما بدل * عوضت بالشيب أنوارا بأنقاس معنى البيت الأول إنها لم تصد عنه إلا بعد يأسها من شبابه ويقينها بفوته. والبيت الثاني من غريب الصنعة لطيف اللفظ، لأن الليل من شأنه أن يضئ بالأنوار والمصابيح والنجوم، إلا الشباب المشبه للبل فإنه يضئ لمبصره ويحسن في عينه إذا كان خاليا من ضوء المشيب ونوره ويظلم إذا طلعت أنوار المشيب وأضواؤه فيه، وهذا عكس المعهود. والعبارة عن فقد معاينة الشيب فيه بأنها لم تسر فيه بمقباس، لا تجهل بلاغتها وحلاوتها، والنقس المداد وعلى الظاهر والمعهود، والأنوار أفضل وأفخر من الأنقاس. ولي من قصيدة أولها " عل البخيلة أن تجود لعاشق ": صدت وقد نظرت سواد قرونها * عني وقد نظرت بياض مفارقي وتعجبت من جنح ليل مظلم * أنى رمى فيه الزمان بشارق وسواد رأس كان ربع أحبة * رجع المشيب به طلول معاشق يا هند إن أنكرت لون ذوائبي * فكما عهدت خلائقي وطرائقي ووراء ما شنئته عينك خلة * ما شئت من خلق يسرك رائق أوميض شيب أم وميض بواتر * قطعن عند الغانيات علائقي

[ 218 ]

وكأن طلعة شيبة في مفرق * عند الغواني ضربة من فالق ومعيري شيب العذار وما درى * إن الشباب مطية للفاسق ويقول لو غيرت منه لونه * هيهات أبدل مؤمنا بمنافق والشيب أملا للصدور وإن نبت * عن لونه في الوجه عين الرامق وإذا ليالي الأربعين تكاملت * للمرء فهو إلى الردى من حالق أردت إنها لما رأت سواد شعرها وبياض شعري ظهر لها تضاد ما بيننا وتباعده فصدت وأعرضت. وتشبيه الشعر الأسود بالليل والشيب بالنجوم والشهب قد ذكرنا أنه يتردد في الشعر. ومعنى البيت الثالث: إن الشباب كان للأنس به كالربع المسكون الذي تحله الأحبة، ولما علاه الشيب صار كالطلول، وهي الرسوم التي لا تسكن ولا تحل. وفي البيتين الرابع والخامس تسلية لمن صد من النساء عن الشيب، لأن الحلائق معه والطرائق كما عهدت وألفت وإنه لم ينقصن جلدا ولا غير ودا ولا حل عقدا، وليس يعزى عنه بأبلغ من هذا القول. ولما كان الشيب قاطعا علائق الغواني وبانا لحبالهن حسن التشكل في بياضه وومضه هل هو لشيب أم لسيوف بواتر قطعت علائق الحب ووصائله؟ وإنما أضفت في البيت السابع إلى الغواني إنزال حلول الشيب في الرأس منزلة حلول الضربة الفالقة له، لأن هذا حكم موقوف على الغواني والنساء لأنهن الجازعات من الشيب دون الرجال. وإنما عادل النساء بين شيب الرأس والضربة الفالقة له، لأنه عندهن بعد الشيب لا منفعة فيه ولا متعة به كما لا منفعة بالرأس الفيلق. ووصفت الشباب في البيت الثامن بأنه مطية الفاسق من حيث الاستعانة به على بلوغ الأغراض ونيل الأوطار، فجرى مجرى المطية التي توصل إلى بعيد

[ 219 ]

الوطر. وهذا أحسن من قول أبي نواس " كأن الشباب مطية الجهل "، وفي الناس من يرويه " مظنة " بالظاء المعجمة والنون. وإنما تقدم عليه لأن الجهل يرجع إلى الاعتقاد بالقلب وليس للشباب معونة على ذلك، اللهم إلا أن يريد بالجهل الأفعال القبيحة التي يدعو إليها الجهل، فقد يسمى ما يدعو إليه الجهل الذي هو الاعتقاد من الأفعال جهلا على سبيل المجاز والاستعارة. وهذا ما أراد أبو نواس لا محالة، والترجيح باق، لأنه استعمل لفظة " الجهل " في غير موضعها، ولأن ليس كل من فعل قبيحا فعن جهل يقبحه، بل أكثر من يرتكب القبيح يرتكبه مع العلم بقبحه، فوصف الشباب بأنه مطية للفاسق أصح معنى وأبلغ لفظا. فأما وصف الخضاب بأنه منافق والشباب بأنه مؤمن، فمن غريب الوصف وبديعه، ولا أعرف نظيره. لأن المؤمن ظاهره وباطنه سواء، والشيب إذا لم يخضب كذلك، والمنافق يخالف ظاهره باطنه، والشعر المخضوب كذلك. وأحسن ابن الرومي في قوله يصف الخضاب بأنه لا طائل فيه: إذا كنت تمحو صبغة الله قادرا * فأنت على ما يصنع الناس أقدر ولي من قصيدة أولها " ألا أرقت لضوء برق أو مضا ": ولقد أتاني الشيب في عصر الصبى * حتى لبست به شبابا أبيضا لم ينتقص مني آوان نزوله * بأسا أطال على العداة وأعرضا فكأنما كنت امرءا مستبدلا * أثوابه كره السواد فبيضا أردت أن الشيب لما طرق قبل كبر السن والهرم كان ما يرى من بياض شعره

[ 220 ]

كأنه شباب، لأنه في زمان الشباب وأن صير مظلما لونه، وهذا عكس قول البحتري: وشبيبة فيها النهى فإذا بدت * لذوي التوسم فهي شيب أسود فشباب أبيض عكس شيب أسود. ومعنى البيتين الأخيرين تردد كثيرا في الشعر، لأن عذر كل من اعتذر للشيب إنما هو بأنه ما فل حده ولا أوهن قوته ولا غير حزمه، وقد قال الشاعر: لم ينتقص مني المشيب قلامة * الآن حين بدا أكب وأكيس وما تعوض عنه من لون الشباب بلون المشيب بمن استبدل ثوبا أسود بأبيض، من بارع التشبيه ونادره، لأن تبديل الثياب المختلفة الألوان لا تغير جلدا ولا توهن عضدا، وإذا وصف بمثل ذلك من تغير لون شعره فهو الغاية في المعنى المقصود. ونظير هذا المعنى بعينه من شعري مما سيجئ ذكره: فلا تنكري لونا تبدلت غيره * كمستبدل بعد الرداء رداء ولي أيضا: أما الشباب فقد مضت أيامه * واستل من كفي الغداة زمامه وتنكرت آياته وتغيرت * جاراته وتقوضت آطامه ولقد درى من في الشباب حياته * إن المشيب إذا علاه حمامه ولي أيضا: ألا حبذا زمن الحاجري * وإذا أنا في الورق الناضر

[ 221 ]

أجرر ذيل الصبى جامحا * بلا آمر وبلا زاجر إلى أن بدا الشيب في مفرقي * فكانت أوائله آخرى المراد بالورق الناضر هاهنا الشباب، وإنما يوصف بذلك لغضاضته وبهجته ورونقه. ومعنى " بلا آمر وبلا زاجر " إنه لفرط جماحه وشدة تتابعه لا يؤمر ولا ينهى، لليأس من إقلاعه وانصرافه. ويحتمل وجها آخر، وهو: أن يكون من حيث عصى العذال وخالف النصحاء كأنه غير مأمور ولا منهي ولا مزجور، وإن كان ممن أمر لفظا ونهي. وأما " فكانت أوائله آخري " فمن الاختصارات البليغة. ومعنى أخري: نهاية عمري وغاية مدتي. ويقال أيضا: أن يريد إنه آخر سروري ولذتي وانتفاعي بالعيش ومتعتي، ويجوز أن يكونا جميعا مرادين، فاللفظ يسير والمعنى كثير كما تراه. ولي من قصيدة أولها " رضينا من عداتك بالمطال ": وبيض راعهن البيض مني * فقطعن العلائق من حبالي جعلن الذنب لي حتى كأني * جنيت أنا المشيب على جمالي وليس الشيب من جهتي فألحى * ولا رد الشبيبة في احتيالي معنى البيت الثاني والثالث يتردد كثيرا في الشعر وفي شعري خاصة، وهو حجة لمن عيب بالشيب واضحة، لأن المؤاخذة لا تكون إلا بالذنوب ولا صنع لذي الشيب في حلوله به، وقد يتبرأ من الذم به تارة بأنه من غير فعله ولا اختياره

[ 222 ]

وأنه من الدهر ومن الأيام، أو من الهموم والأحزان، أو من صد الحبائب وهجر الصواحب. وستري ذلك في مواضعه فهو كثير. ولي من قصيدة أولها " بقاء ولكن لو أتى لا أذمه ": خطوت مدى العشرين أهزأ بالصبى * فلما نأى عني تضاعف همه فيا ليت ما أبقى الشباب وجازه * سريعا على علاته لا يؤمه وليت ثرائي من شباب تعجلت * بشاشته عني تأبد عدمه مشيب أطار النوم عني أقله * فكيف به إن شاع في الرأس عظمه أردت أنني كنت محتقرا لزمان الصبى مستهينا به حتى عدمته فحزنت له، والشئ لا يظهر فضله إلا مع الفقد والبعد. وأردت بما أبقى الشباب من بقاياه وعقابيله. ويحتمل أن يراد بما أبقاه وخلفه عندي من الشيب، فكأنني أشفقت من لحوق الباقي بالماضي في الذهاب مني والتقضي عني. فأما التألم من قليل الشيب فأحسن ما قيل فيه قول ابن الرومي: طرقت عيون الغانيات وربما * أمالت إلي الطرف كل مميل وما شبت إلا شيبة غير أنه * قليل قذاة العين غير قليل وهذا من بارع المعنى واللفظ، ولو لم يكن لابن الرومي في الشيب إلا هذا البيت الواحد لكفاه. وقد أعاد ابن الرومي هذا المعنى بعينه في قوله: أصبحت أعين الغواني عدتني * ولعهدي بها إلي تميل

[ 223 ]

طرقتهن شيبة وقذاة العين * لا يستقل منه القليل وبين هذا وبين قوله " قليل قذاة العين غير قليل " في الفصاحة والبلاغة كما بين سماء وأرض وكل وبعض. ولي من قصيدة أولها " ما الحب إلا موئل المتعلل ": أما وقد صبغ المشيب ذوائبي * للناظرين فلات حين تغزلي وأزال من خطر المشيب توجعي * علمي بأن ليس الشباب بمعقل فلئن جزعت فكل شئ مجزعي * ولئن أمنت فشيمة المسترسل معنى البيت الثاني أن الشباب لا يؤمن من خطر الموت ولا يحصن من هجومه فقد لحق بالشيب في تطرق الأخطار إليه، فما معنى التوجع منه والتألم من خطره. وقد نطق البيت الثالث بأنني إن كنت جازعا فيجب أن أجزع من كل حال لتطرق الأخطار عليها، وإن أطرحت الجزع ولزمت الاستسلام فهي شيمة المسترسل الذي يطيب عيشه وتستمر لذته. ولي أبيات مفردة في الشيب، وهي: أشيب ولما تمض خمسون حجة * ولا قاربتني إن هذا من الظلم ولو أنصفتني الأربعون لنهنهت * من الشيب زورا جاء من جانب الهم قرعت له سنى ولو أستطيعه * قرعت له ما لم تر العين من عظمي يقولون لا تجزع من الشيب ضلة * وأسهمه إياي دونهم تصمي وقالوا اتاه الشيب بالحلم والحجى * فقلت بما يبرى ويعرق من لحمي

[ 224 ]

وما سرني حلم يفئ إلى الردى * كفاني ما قبل المشيب من الحلم إذا كان ما يعطيني الحلم سالبا * حياتي فقل لي كيف ينفعني حزمي وقد جربت نفسي القداة وقاره * فما شد من وهني ولا سد من ثلمي وإني مذ اضحى عذاري قراره * فعاد بلا سقم واجفي بلا جرم وسيان بعد الشيب عند حبائبي * وقفن عليه أو وقفن على رسم وقد كنت ممن يشهد الحرب مرة * ويرمي بأطراف الرماح كما يرمي إلى أن علا هذا المشيب مفارقي * فلم يدعني الأقوام إلا إلى السلم هذه الأبيات كثيرة المعاني في وصف الشيب جيدة النسج. ومعنى " من جانب الهم " أي من ناحيته لا من ناحية علو السن. وقد ذكرنا هذا البيت مع نظيره من شعر أبي تمام، ويجئ مثله في الشعر وشعري خاصة كثيرا. ومعنى البيت الثالث: إنني قرعت سنى هما وحزنا، ولو استطعت لقرعت من عظمي ما هو خاف غير ظاهر للعين. وهذا تأكيد لصولة الهم وسورة الحزن. ومعنى البيت الرابع: أن المعزي لي عن الشيب بنجوة عن سهامه وبعد من إيلامه، فلا نسبة بيننا. ومعنى البيت الخامس: أن الشيب وإن أعطى حلما فقد عرق لحما، فهذا بذاك. والبيت السادس: تضمن أنه لا منفعة بحلم يفضي إلى الموت، لأن الحلم وغيره من أدوات الفضل إنما يراد للحياة زينة لها وفخرا فيها، ولا خير فيما أفضى إلى إبطال الحياة، وهي الأصل في المنافع. وقد ذكرنا هذين البيتين مع نظيرهما من شعر أبي تمام. وأما قولي " أعاد بلا سقم " فمعناه أن من توجع لي من الشيب وتألم من حلوله

[ 225 ]

بي كأنه عائد لي، لأنه يظهر من الجزع والتألم ما يظهره العائد. ولا شبهة في أن الشيب ليس بسقم على الحقيقة فيعاد صاحبه. وأما قولي " وأجفى بلا جرم " فيتردد في الشعر كثيرا، وإنما يفضل موضع فيه على آخر لحلاوة العبارة وطلاوتها واختصارها وحسن موقعها. وتشبيه وقوف النساء على الشيب بوقوفهن على الرسم الدارس المحيل واقع، لأن الرسم لا منفعة في التعريج إليه والوقوف عليه ولا فائدة فيه ولا متعة به، وكذلك الشيب عند النساء ولا شبهة في أن ذا الشيب يستضعف جلده فلا يدعى إلى الحرب وإنما يدعى للسلم والموادعة. وهذا من جهات ذم الشيب. ولي في الشيب، وهي قطعة مفردة: شعر ناصع ووجه كئيب * إن هذا من الزمان عجيب يا بياض المشيب لونك لو أنصفت رائيك حالك غربيب صد من غير أن يمل وما أنكر شيئا سواك عني الحبيب يا مضيئا في العين تسود منه * كل يوم جوانح وقلوب ليس لي مذ حللت يا شيب في رأسي كرها عند الغواني نصيب ولخير من لونك اليقق المشرق عندي وعندهن الشحوب رحن يدعونني معيبا وينبذن عهودي وأنت تلك العيوب أردت أن نصوع الشعر وإشراقه يضاد اكتئاب الوجه وقطوبه فكيف اتفقا، وهذا يحقق أن النصوع والأشراق محمود في كل شئ إلا في لون الشيب. ومعنى " إن لونك حالك غريب لو أنصفت " لأنه جالب للهم والحزن،

[ 226 ]

والسواد بذلك أحق من البياض. ويحقق ذلك البيت الرابع. وإنما جعلت الشيب رقيبا على الغانيات، لأنه يحشمهن من وصلي ويبعدهن عن قربي. وهذا معنى الرقيب. ولي من قصيدة أولها " ريعت لتنعاب الغراب الهاتف ": ورأت بياضا في نواحي لمة * ما كان فيها في الزمان السالف مثل الثغام تلاحقت أنواره * عمدا لتأخذه بنان القاطف ولقد تقول ومن أساها قولها * ما كان هذا في حساب العائف أين الشباب وأين ما يمشى به * في البيض بين مساعد ومساعف ما فيك يا شمط العذار لرامق * عبق الجوانح بالهوى من شاعف فليخل قلبك من أحاديث الهوى * وليخل غمضك من مطيف الطائف أردت بقولي " عمدا لتأخذه بنان القاطف " أنه قد انتهى بطلوع النور فيه إلى غايته واستقطف للبنان. وهذه إشارة إلى أن الشيب يكون آخر العمر وانقطاع أمده. ولي من قصيدة أولها " أأغفل والدهر لا يغفل ": ولما بدا شمط العارضين * لمن كان من قبله يعذل تتاهوا وقالوا لسان المشيب * لحسن جوارحنا اعزل فقلت لهم إنما يعذل المشيب على الغي من يقبل أمن بعد أن مضت الأربعون * سراعا كسرب القطا يجفل ولم يبق فيك لشرخ الشباب * مآب يرجى ولا موئل

[ 227 ]

تطامح نحو طويل الحياة * ويوشك أن ما مضى أطول معنى " إنما يعذل المشيب من يقبل " أي ينتفع بعذله من يقبل، وجعلت من لم ينتفع بالعذل كأنه غير معذول، كما قال الله تعالى إنما أنت منذر من يخشاها 1) " وقوله عز وجل " إنما تنذر من اتبع الذكر 2) " ولي من قصيدة أولها " أمنك سرى طيف وقد كاد لا يسري ": وبيض لواهن المشيب عن الهوى * فأنزرن من وصلي وأوسعن من هجري وألزمنني ذنب المشيب كأنما * جنته يداي عامدا لا يد الدهر أمن شعرات حلن بيضا بمفرقي * ظننتن ضعفي أو أسيتن من عمري لحاكن ربي إنما الشيب فسحة * لما فات في شرخ الشبيبة من أمر سقى الله أيام الشبيبة ريها * ورعيا لعصر بان عني من عصر ليالي لا يعدو جمالي منيتي * ولم تردد الحسناء نهيي ولا أمري وليل شبابي غارب النجم فاحم * ترى العين تسرى فيه دهرا بلا فجر وإذ أنا في حب القلوب محكم * وأفئدة البيض الكواعب في أسري الاعتذار من الشيب بأنه من جناية الدهر ولا عذر لذي الشيب فيه، يجئ كثيرا في الشعر، وستراه من شعري في عدة مواضع بعبارات تختلف في ضيق وسعة واختصار وإطالة وتنفق في عذوبة ورطوبة. ومعنى الشيب فسحة أن المرء يستدرك في زمان الشيب ما فاته في زمان الشباب من صيانة وديانة، ويتلافي ما لعله فرط فيه وضيع.

(1) سورة النازعات: 45.
(2) سورة يس: 11.

[ 228 ]

وأردت بقولي " لا يعدو جمالي منيتي " أنني إذا تمنيت لم يتجاوز مناي ما أنا عليه من الجمال والكمال. وهذا يدل على كمال الجمال وبلوغه الغاية. ومعنى " ليل شبابي غارب النجم " أي لا شيب فيه ومثله ترى العين تسري فيه دهرا بلا فجر. وحظ هذا البيت من اختصار وبلاغة غير مجهول. ولي من قصيدة أولها " قد هويناه ناقضا للعهود ": قلن لما رأين وخطا من الشيب برأسي أعيا على مجهودي كسنا بارق تعرض وهنا * في حواشى بعد الليالي السود أبياض مجدد من سواد * كان قدما لا مرحبا بالجديد يالحاكن من رماكن بالحسن لتنهرننا بغير جنود ليس بيضي مني فأجزي عليهن صدودا وليس منكن سودي قل ما ضركن من شعرات * كن يوما على الوقار شهودي معنى " أعيا على مجهودي " أي ضقت ذرعا بدفعه. والبيت الثاني في الغاية من وصف الشيب بالجفاء وعدم الشمول والظهور، ويجري في التوقي من غاية إلى أخرى مجرى قول الراعي: كدخان مرتحل بأعلى تلعة * غرثان ضرم عرفجا مبلولا ومعنى " لا مرحبا بالجديد " استثقال المشيب وإن كان جديدا، ومن شأن كل جديد أن تسر النفوس به في الغالب إلا للشيب. ومعنى " ليس بيضي مني " ما يتكرر من أنه لا صنع لي في الشيب فأؤاخذ به. ومعنى " وليس منكن سودي " أي ليس شبابي من جهتكن فتسرفن في التلهف

[ 229 ]

على فوته والتأسف على فراقه. فأما " كن يوما على الوقار شهودي " فيشهد لنفسه بالبراعة. ولي وقد سئلت نقض قول جرير: تقول العاذلات علاك شيب * أهذا الشيب يمنعني مراحي وما مرح الفتى تزور عنه * خدود البيض بالحدق الملاح ويصبح بين إعراض مبين * بلا سبب وهجران صراح وقالوا لا جناح فقلت كلا * مشيبي وحده فيكم جناحي أليس الشيب يدني من مماتي * ويطمع من قلاتي في رواحي مشيب شن في شعر سليم * كشن العر في الإبل الصحاح كأني بعد زورته مهيض * أدف على الوطيف بلا جناح أو العاني تورط في الأعادي * من عليه مطلع السراح سقى الله الشباب الغض راحا * عتيقا أو زلالا مثل راحي ليالي ليس لي خلق معيب * فلا جسدي يذم ولا مزاحي وإذ أنا من بطالات التصابي * ونشوات الغواني غير صاح وإذ أسماعهن إلي ميل * يصخن إلى اختياري واقتراحي إنما أردت كيف يمرح من يعرض عنه من النساء حسانهن وجفونه وقطعنه، وأي متعة في العيش لمن كان بهذه الصفة. وقولي في البيت الثاني " بلا سبب " هو في موضع الحشو، لكنه حقق المعنى المقصود وتممه، ولا يكادون يسمون من كان بهذا الموقع حشوا. ومعنى " ويطمع من قلاتي في رواحي " أي في مماتي وانصرافي عن الدنيا،

[ 230 ]

يقال راح الرجل إذا مات. والعر: الجرب. ومن حسن التشبيه إجراء الشيب في حلوله بالشعر الأسود مجرى الجرب في وقوعه بالإبل الصحاح، بأنه وإن لم يماثله من جهة اللون فهو في معناه يشاكله، لأن العر إذا أصاب الإبل بوعدت من الصحاح منها وهجرت خوف العدوى، ومن شاب شعره مجفو بين النساء مقاطع مباعد. والأبيات كما ترى مبصورة الأغراض سليمة الألفاظ. ولي من قصيدة أولها " هل أنت من وصب الصبابة ناصري ": مالي وللبيض الكواعب هجن لي * بلوى الثوية ذكرة من ذاكر شيبنني وذممن شيب مفارقي * خذها إليك قضية من جائر لا مرحبا بالشيب أظلم باطني * لما تجللني وأشرق ظاهري شعر أبي لي في الحسان أصاخة * يوم العتاب إلى قبول معاذري مثل الشجاة ملظة في مبلع * أو كالقذاة مقيمة في الناظر لا ذنب لي قبل المشيب وأنني * لمؤاخذ من بعده بجراثر لا شبهة في أن أجور الناس من فعل شيئا ثم ذمه وعابه. ومعنى " أشرق ظاهري وأظلم باطني " قد مر تفسير مثله. والبيت الأخير معناه: إن ذنوب الشباب مغفورة وإن وقعت وذو الشيب يؤاخذ بما جناه وما لم يجنه تجرما عليه. ولي من قصيدة أولها " يا طيف ألا زرتنا بسواد ":

[ 231 ]

ومخضب الأطراف صد بوجهه * لما رأى شيبي مكان سوادي والغانيات لذي الشباب حبائب * وإذا المشيب دنا فهن أعادي شعر تبدل لونه فتبدلت * فيه القلوب شناءة بوداد لم تجنه إلا الهموم بمفرقي * ويخال جاء به مدى ميلادي ما تحتاج هذه الأبيات إلى منبه على سباطتها وعذوبة ألفاظها وإن ماء القبول فيها مندفق مترقرق. ولي من قصيدة أولها " يا راكبا وصل الوجيف زميله ": من مانع عني وقد شحط الصبى * ضيبا على الفودين آن نزوله وافى هوي السلك خر نظامه * والشعب سال على الديار مسيله سبق احتراسي من أذاه بضيئه * لما تجللني فكيف عجوله ما ضره لما أراد زيارة * لو كان بالايذان جاء رسوله لا مرحبا ببياض رأسي زائرا * أعيا علي حلوله ورحيله من كان يرقب صحة من مدنف * فالشيب داء لا يبل عليله نصل الشباب إلى المشيب وإنما * صيغ المشيب إلى الفناء نصوله إن البهيم من الشباب ألذ لي * فلتعدني أوضاحه وحجوله اعجب به صبحا يرد ظلامة * وشهاب داجية يحب أفوله قالوا المشيب نباهة وأود أن * يبقى علي من الشباب خموله والفضل في الشعر البياض وليته * لم يشجني بفراقه مفضوله الفودان جانبا الرأس. والبيت الثاني الذي أوله " وافى هوي السلك " أبلغ

[ 232 ]

من قول البحتري مشيب كبت السوعى بحمله محدثه، لأن البحتري لم يخرج نزول الشيب من أن يكون مستندا إلى إيثار مؤثره وإن توفرت دواعيه، والبيت الذي لي يزيد على ذلك بالاضافة على ما يقع وجوبا، إما بالطبع على قول من اثبته أو على جهة الوجوب، فهو أشد استيفاء للمعنى. ولا بد من تقدير ما يضاف إلى الشعب مما يليق به لأنه معطوف على السلك والسلك يليق بالهوى ولا يليق ذلك بالشعب، فيجب أن يقدر فعل يليق به مثل سيل الشعب أوما أشبهه. وقد ذكرت ما يشبه بعض الشبه في البيت الثالث من هذه الأبيات عند ذكر ما أخرجته للبحتري. فأما البيت الرابع فمعناه: أن الشيب هجم بغتة وفجأة، فما ضره أو قدم له نذيرا يشعر بوفوده وقرب وروده، فيكون حمله أخف و خطبه أهون. ومعنى " أعيا علي حلوله ورحيله " إنني لا أطيق دفع نزوله إذا نزل كما لا أطيق دفع رحيله إذا رحل وفارق بالموت والفناء وكأنني مقهور عليه في جميع أحواله. وجعلت نصول الشيب إلى الفناء كما كان نصول الشباب إلى الشيب، وكما كان الفناء عاقبة الشيب كان الشيب عاقبة الشباب وغايته. وما عدا هذا من الأبيات واضح المعنى، يسبق الفهم إليه من غير تأمل. ولي من قصيدة أولها " أما لك من مشيب ما أمالا ": وكان الدهر ألبسني سوادا * أروق به الغزالة والغزالا نعمت بصبغه زمنا قصيرا * فلما حالت الأعوام حالا

[ 233 ]

ولي من قصيدة أولها " أرقت للبرق بالعلياء يضطرم ": وعيرتني مشيب الرأس خرعبة * ورب شيب بدا لم يجنه الهرم لا تتشكى كلوما لم تصبك فما * يشكو أذى الشيب إلا القدر واللهم شيب كما شب في جنح الدجى قبس * أو انجلت عن تباشير الضحى ظلم ما كنت قبل مشيب بات يظلمني * لظالم أبد الأيام أنظلم الخرعبة من النساء: الناعمة، ويقاربه في المعنى الخرعوبة، لأن الخراعيب الأغصان الرطبة السبطة. ومعنى " ورب شيب بدا لم يجنه الهرم " لا تعيري بما لا تعلمين أنه عن هرم وضعف ونفاد عمر، فإن الشيب ربما كان عن غير كبر ولا هرم، وهذه محاسبة صحيحة. ومعنى البيت الثاني: أن الشيب إن كان عيبا أوداء فهو بغيرك لا بك، فلا تتشكى منه. والبيت الثالث قوي في حسن العبارة عن وضوح الشيب وظهوره. والبيت الرابع يتضمن غاية التمدح، لإنه كان يظلم من يظلمه ويقهره إلا الشيب فإنه عريز منيع الجانب. وله نظائر في شعري منها وسيجئ: ولو جنته يد ما كنت طائعها * لكن جناه على فودي غير يد ولي من قصيدة أولها " أترى يؤوب لنا الأبيرق والمنى للمرة شغل ". وتعجبت جمل لشيب مفارقي وتشيب جمل

[ 234 ]

ورأت بياضا ما رأته بدا هناك سواه قبل كذبالة رفعت على الهضبات للسارين ضلوا لا تنكريه وبت غيرك فهو للجهلات غل أي المفارق لا يزار بذا البياض ولا يحل معنى البيت الأول: لا تعيبي ما أنت شريكة فيه وصائرة إليه، وورد بأخصر لفظ. وعليه سؤال، وهو أن يقال: قد لا تشيب جمل بأن تموت، فالشيب ليس بواجب لها. قلنا: المراد إنك إذا عمرت عمري وبلغت سني فلا بد من شيبك، لأنها عيرت وتعجبت من الشيب مع السن وهي شريكة في ذلك لا محالة. والبيت الثاني في اشتهار الشيب ووضوحه بديع بليغ. والعبارة بأنه " للجهلات غل " من حيث إنه قبض عن الشهوات وصرف عن المنكرات، من أبلغ عبارة: والبيت الثالث تفسير الأول وتأكيد له، ومثل وتشيب جمل قولي: وعيرتني شيبا ستكسين مثله * ومن ضل عن أيدي الردى شاب مفرقا ولي من قصيدة أولها " نولينا منت الغداة قليلا ": جزعت للمشيب جانبة الشيب وقالت بئس النزيل نزيلا ورأت لمة كان عليها * صارما من مشيبها مسلولا راعها لونه ولم تر لولا * عنت الغانيات منه مهولا

[ 235 ]

عاينت لونه والحوادث ينكرن طلوعا لم ترج منه أفولا لا تذميه فالمشيب على طول بقاء الفتى يكون دليلا إن لون الشباب حال إذا امتد زمان إني لها أن تحولا لو تخيرت والسواد ردائي * ما أردت البياض منه بديلا وحسام الشباب غير صقيل * هو أشهى إلي منه صقيلا قد طلبنا فما وجدنا عن الشيب محيصا يجيرنا أو مميلا لمعنى البيت الأول نظائر كثيرة في الشعر وفي شعري خاصة سترى في مواضعها، ولتشبيه الشيب في لونه بالسيف نظائر كثيرة في شعري خاصة وغيره عامه. وهذا البيت يفيد تشبيه الشيب بالسيف لونا وقطعا لحبال المودة وإرهابا لمن حل به وجرد في ذوائبه. ومعنى " طلوعا لم ترج منه أفولا " أن لون الشيب كما لا يحول ولا يزول كلون الشباب فهو ملازم لانقضاء العمر. ومعنى البيت الخامس: إن المشيب لا يظهر في الأغلب الأكثر إلا مع امتداد العمر وطول البقاء فكيف يعاب ويذم، وهو شاهد بطول البقاء وهذا تمحل وتعلل في الاعتذار للشيب، لأن قائلا لو قال: كما شهد بطول بقاء متقدم، فهو شاهد ودليل على قصر ما بقي من العمر، ولأن صاحبه أقرب إلى الفناء من صاحب الشباب لما كان جوابه، إلا أن هذا القول ألطف ما تمحل واستخرج في التسلية عن الشيب والتجلد على مصاحبته. ولي من قصيدة: عرفت الديار كسحق البرود * كأن لم تكن لأنيس ديارا

[ 236 ]

وقالوا وقد بدلت حادثات * زماني ليل شبابي نهارا اتاه المشيب بذاك الوقار * فقلت لهم ما أردت الوقارا فيا ليت دهرا أعار السواد * إذا كان يرجعه ما أعارا وليت بياضا أراد الرحيل * عقيب الزيارة ما كان زارا إنما أردت: لا خير في وقار يؤيس من الحياة ويدني إلى المنية ويسلب القوة ويورث الضعف، وطالما استعفى الشعراء من وقار الشيب وأبهته وتجاوزوا ذلك إلى كراهية المخاطبة بما يقتضي علو السن وتصرم زمان الحدائة، قال مضرس ابن ربعي الأسدي: لحى الله وصل الغانيات فإننا * نراهن لمحا لا ينال وخلبا إذا ما دعين بالكنى لا يريننا * صديقا ولم يقربن من كان أشيبا ومثله للأخطل: وإذا دعوتك يا أخي فإنه * أدنى إليك مودة ووصالا وإذا دعوتك عمهن عن * نشب يزيدك عندهن خبالا وللبحتري ما له بهذا بعض الشبه: يتبرجن للغرير المسمى * من تصاب دون الخليل المكنى ونظير ذلك كله قول ابن الرومي: أصبحت شيخا له سمت وأبهة * يدعونني البيض عما تارة وأبا وتلك حالة إجلال وتكرمة * وددت إني معتاض بها لقبا وله أيضا:

[ 237 ]

راع المها شيبي وفيه أمانها * من أن تصيد رميهن سهامي وعففني لما أدعين عمومتي * ومن النساء معقة الأعمام ولبعضهم وهو ضعيف اللفظ: قالت وقد راعها مشيبي * كنت ابن عم فصرت عما فقلت هذا وأنت أيضا * قد كنت بنتا فصرت أما ولابن المعتز ما له بعض النظر بهذا المعنى يصف دليل قوم في مفازة وإنهم عند خوف العطش يكنونه إجلالا له وطلبا لمرضاته وإذا بلغوا الماء دعوه باسمه استغناء عنه، وهو قوله: ثم استنارهم دليل فارط * يسمو لبغيته بعيني أجدل يدعى بكنيته لأول ظمئها * يوما ويدعى باسمه في المنهل ولي من قصيدة أولها " تلك الديار برامتين همود ": وغرائر أنكرن شيب ذوائبي * والبيض مني عندهن السود أنكرن داء ليس فيه حيلة * وذممن مفضي ليس عنه محيد يهوى الشباب وإن تقادم عهده * ويمل هذا الشيب وهو جديد لا يبعدن عهد الشباب ومن جوى * أدعو له بالقرب وهو بعيد أيام أرمي باللحاظ وارتمى * وأصاد في شرك الهوى وأصيد معنى " والبيض مني عندهن السود " إن الذي أبيض من شعري مسود في فؤادي. والبيت الثالث قوي اللفظ والعبارة، لأن من شأن من تتطاول صحبته أن يمل والشباب تستمر محبته مع استمرار صحبته، ومن شأن الجديد أن لا يكون مملولا

[ 238 ]

والشيب يمل جديدا، فقد انتقضت العادة المألوفة في غير الشباب والشيب بهما وفيهما. ولي من قصيدة أولها " لو كنت في مثل حالي لم ترد عذلي ": صدت أسيماء والحراس قد هجعوا * والصد إن لم يكن خوفا فعن ملل ورابها من بياض الشيب منظرة * كانت أذى وقذى في الأعين النجل ياضرة الشمس إلا أنها فضلت * بأن شمس الضحى زالت ولم تزل قومي انظري ثم لومي فيه أو فذري * إلى عذار بضوء الشيب مشتعل حنيته وجعلت الذنب ظالمة * لما تصرم من أيامي الأول تقول لي ودموع العين واكفة * خريدة كرهت فقد الشبيبة لي برد الشباب ببرد الشيب تجعله * مستبدلا بئسما عوضت من بدل شمر ثيابك من لهو من اشر * وعد دارك عن وجد وعن غزل لما قلت " ياضرة الشمس " و كان في هذا تشبيه لها بالشمس ونظير لها بها، لم أرض بذلك حتى فضلتها على الشمس، بأن الشمس تزول وتحول وهذه لا تزول. وأما البيت الخامس فقد مضت له نظائر في شعري وسيمضي مثلها، وقد استوفى هذا البيت المعنى ولم يترك منه بقية تستدرك في غيره. والخريدة من النساء: الخفرة المصونة، وجمعها خرائد، يقولون خرد من الشمس إذا استتر عنها. والخريدة أيضا: اللؤلؤة التي لم تثقب، والمعنى في كل ذلك يتقارب. ولي من قصيدة أولها " أعلى العهد منزل بالجناب ":

[ 239 ]

إن نعما وكان قلبي في ما * ألفته موكلا بالتصابي سألتني عن الهوى في ليال * ضاع فيهن من يدي شبابي فمتى ما أجبتها بسوى ذكر مشيبي فذاك غير جوابي صار مني مثل الثغامة ما كان زمانا محلولكا كالغراب ليس يبقى شئ على عهده الأول في كر هذه الأحقاب من عذيري من المشيب وقد صار بعيد الشباب من أثوابي معنى قولي " فمتى ما أجبتها " البيت: إنني أن أجبتها وقد سألتني عما عهدته مني من الهوى والتصابي بأن المشيب في ذهاب ذلك عني ونفاده مني غير معيب، فما أجبت بالجواب الصحيح الصادق. وهذا تحقيق كما تراه، لأن الشيب أثر في هواه الذي كان معهودا منه. فأما الثغام فهو نور شديد البياض تشبه العرب به الشيب. وأما البيت الأخير فمعناه: إنه لا دواء لو صب المشيب ولا شفاء منه، لأنه لا دواء إلا ما يذوقه الساقي، فإذا لم يكن فيه شفاء ولا دواء للشيب فلا دواء له ولا علاج. ولي من قصيدة أولها " هل هاج شوقك صوت الطائر الغرد ": من عاذري في الغواني غب منتشر * من المشيب كنوار الضحى بدد وافى ولم يبغ مني أن أهيب به * وحل مني كرها حيث لم أرد ولو جنته يد ما كنت طائعها * لكن جناه على فودي غير يد لم أرض بأن جعلته نورا حتى أضفته إلى الضحى ليكون أظهر له وأشهر. وللبيت الثاني حظ من البلاغة، ولا أعرف له على جهته نظيرا، فكأنني قلت:

[ 240 ]

إنه لو جناه علي - أعني الشيب - غير الله تعالى الذي لا يغالب ولا يمانع لما أطعته ولا أنقدت له. وهذه غاية التعزز والافتخار. فإن قيل: كيف سمى ما يفعله الله تعالى بأنه جناية، وهذه اللفظة لا تستعمل في المتعارف إلا في ما كان قبيحا. قلنا: سميناه بهذا الاسم استعارة وتجوزا ليطابق ويجانس قولي " ولو جنته يد ما كنت طائعها "، وله نظائر كثيرة في القرآن والشعر، قال الله تعالى " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (1) و " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (2). ولي في التسلية عن الشيب والاعتذار بحلوله، وهي قطعة مفردة: أماوي إن كان الشباب الذي انقضت * لياليه عني شاب منك صفاء فما الذنب لي في فاحم حال لونه * بياضا وقد حال الظلام ضياء وما إن عهدنا زائلا حان فقده * وإن كان موقوفا أزال أخاء ولو كان في ما يحدث الدهر حيلة * أبيت على هذا المشيب إباء فلا تنكري لونا تبدلت غيره * كمستبدل بعد الرداء رداء فإني على العهد الذي تعهدينه * حفاظا لما استحفظتني ووفاء مشيب كفتق الليل في مدلهمة * أتاك يقينا أو أزال مراء كأن الليالي عنه لما رمينني * جلون صداء أو كشفن غطاء فلا تجعلي ما كان منك من الأذى * عقابا لما لم آته وجزاء وعدي بياض الرأس بعد سواده * صباحا أتى لم أجنه ومساء

(1) سورة الشورى: 40.
(2) سورة البقرة: 194.

[ 241 ]

ولا تطلبي شيئا يكون طلابه * وقد ضل عنه رائدوه عناء فإنك إن ناديت غب تلهف * شبابا وقد ولى أضعت نداء قد تضمنت هذه الأبيات من الاعتذار بحلول الشيب والتسلية عنه والتنزيه لمن حل به من تبعته وتمثيله بكل ما لا حيلة في حؤوله عن صبغته وتغيره عن صفته ما لا يكاد يجتمع في مكان واحد. فأما الطلاوة والحلاوة فمحكم فيها العدو والحاسد فضلا عن المنصف والناقد، ولا حاجة بها إلى تفسير لمعانيها وإيضاح لفوائدها، فليس يفسر إلا بما عبارتها عنه أوضح وأصح. ولك أيها الناقد الخبير في البيت الذي عجزه " أتاك يقينا أو أزال مراء " والبيت الذي يليه مسرح طويل في الاستحسان إن كنت منصفا فبلسانك وإن كنت ظالما غامطا فبقلبك. ومعنى " أبيت على هذا المشيب إباء " أي كنت آبى عليه إلا بالذي يمنع جانبي منه ويؤمنني ريبه وشره، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى " فإنه يتوب إلى الله متابا " (1) أي عظيما مقبولا. ومعنى " كمستبدل بعد الرداء رداء " أي إنه لم يغير مني جلدا ولا أوهن قوة ولا أكسبني ضعفا وعجزا، فجرى مجرى من تبدل رداء بغيره في أن أحواله في نفسه ما تبدلت ولا تغيرت. ولي وهي قطعة مفردة:

(1) سورة الفرقان: 71.

[ 242 ]

عجبت لشيب في عذاري طالعا * عليك وما شيب امرئ بعجيب ورابك سود حلن بيضا وربما * يكون حؤول الأمر غير مريب وما ضرني والعهد غير مبدل * تبدل شرخي ظالما بمشيبي وما كنت أخشى أن تكون جناية المشيب برأسي في حساب ذنوبي ولا عيب لي إلا المشيب وحبذا * إذا لم يكن شيئا سواه عيوبي معنى " ولا عيب لي إلا المشيب " ليس بمعنى أن المشيب عيب، لكن المراد لا عيب لي عند من عابني بالمشيب إلا هو، ثم صرحت بأنني راض بأن لا يكون لي عيب سواه، لأنه في نفسه أولا ليس بعيب، فكأنني قلت إنني راض بأنه لا عيب لي. وأيضا فإذا كان لا عيب لي عند من أعنتني وعابني ما ليس بعيب سوى المشيب، فقد رضيت بذلك، وأن يكون غاية ما يعتني به المعنتون إنما هو الشيب من غير ثان له ولا مضموم إليه. ولي وهي قطعة مفردة محيطة بأوصاف المشيب المختلفة وقلما تجتمع هذه الأوصاف في موضع واحد: هل الشيب إلا غصة في الحيازم * وداء لربات الخدور النواعم يحدن إذا أبصرنه عن سبيله * صدود النشاوى عن خبيث المطاعم تعممته بعد الشبيبة ساخطا * فكان بياض الشيب شر عمائمي وقنعت منه بالمخوف كأنني * تقنعت من طاقاته بالأراقم وهيبني منه كما هاب عائج * على الغاب هبات الليوث الضراغم وهددني في كل يوم وليلة * سنا ومضه بالقارعات الحواطم كفاني عذالي على طربة الصبى * وقام بلوم عفته من لوائمي

[ 243 ]

وقلص عني باع كل لذاذة * وقصر دوني خطو كل مخالم فوالله ما أدري أصكت مفارقي * بفهر مشيب أم بفهر مراجم ولما سقانيه الزمان شربته * كما أوجر المأسور مر العلاقم حنتني منه الحانيات كأنني * إذا ظلت يوما قائما غير قائم وأصبحت تستبطا منوني ويدعى * وما صدقوها في اختلال العزائم فلا أنا مدعو ليوم تفاكه * ولا أنا مرجو ليوم تخاصم فلا تطلبا مني لقاء محارب * فما أنا إلا في ثياب مسالم ولا يدفعني عنكما غشم غاشم * فأني في أيدي المشيب الغواشم فلو كنت آسو منكما الكلم ما رأت * عيونكما عندي كلوم الكوالم وإني أميم بالشيب فخليا * ولا تبغيا عندي علاج الأمائم مشيب كخرق الصبح عال بياضه * مجروء الليالي الحالكات العواتم وتطلع في ليل الشباب نجومه * طلوع الدراري من خلال الغمائم كأني منه كلما رمت نهضة * إلى اللهو مقبوض الخطى بالأداهم تساندني الأيدي وقد كنت برهة * غنيا بنفسي عن دعام الدعائم وقد كنت إباء على كل جاذب * فلما علاني الشيب لانت شكائمي واخشع في الخطب الحقير ضراعة * وقد كنت دفاعا صدور العظائم وكانت تغير الأغبياء نضارتي * فأصبحت ندمان الغيور المعارم ولما عراني ظلمه فحملته * أنست على عمد بحمل المظالم فلا ينغضن رأس إلى العز بعد ما * تجلله منه مذل الجماجم فيا صبغة حملتها غير راغب * ويا صبغة بدلتها غير سائم ويا زائري من غير أن أستزيره * كما زير حيزوم الفتى باللهاذم أقم لا ترم عني وإن لم تكن هوى * فكم ذا سخطنا فقد غير ملائم

[ 244 ]

فمن مبدلي من صبحه بظلامه * ومن عائضي من بيضه بالسواهم ومن حامل عني الغداة غرامه * وقد كنت نهاضا بثقل المغارم فيا بيض بيض الرأس هل لي عودة * إلى السود من أغياركن الفواحم تنازحن بالبيض الطوالع شردا * كما شرد الأصباح أحلام نائم ويا فجر رأسي هل إلى ليل لمتي * سبيل وكرات المواضي القدائم ليالي أفدي بالنفوس وارتدي * من البيض إسعافا ببيض المعاصم فإن كان فقداني الشبيبة لازما * فحزني عليها الدهر ضربة لازم وإن لم يكن نوحي بشاف وادمعي * فدمع الحيا كاف ونوح الحمائم الحيازم جمع حيزوم وهو الصدر، وإنما خصصت النشاوى لأن النشوان نافر النفس شديد العزوف عن كل شئ، وإذا كان عن خبيث المطاعم فهو أنفر وأشد صدودا. وشبهت طاقات الشيب بالأراقم، لا في اللون لكن في الخوف منها والرهبة، لها والحذار من بطشها. والحواطم: الكواسر، جمع حاطمة، وأنما سمي حطيم مكة بذلك لانحطام الناس عليه، والمخالم المحبوب المخلص. وخلم الرجل مخلصه، ومنه قول أبي نواس: * فإن كنت لا خلما ولا أنت زوجه * وإنما كان الشيب ثياب مسالم لأنه يؤذن بالضعف والنكول والخور، ومن كان كذلك طلب الموادعة والمسالمة. والأميم الشجيج في أم رأسه، ومثله المأموم، والأمة الشجة التي تبلغ أم الرأس. والأدهم: القيود.

[ 245 ]

ومعنى البيت الذي أوله " وكانت تغير الأغبياء نضارتي " أي إنني كنت لحسن شبابي أغير الغبي الذي لا فطنة عنده ولا تيقظ منه، فلما شبت وأخلق رونقي وغاضت نضارتي صار ينادمني الغيور، لأمنه مني وثقته بأنه لا طماح من النساء إلي ولا تعريج منهن علي. ولم أرض بالغيور حتى قلت " المعارم " من العرام، والعرامة التي هي النزق وسرعة البطش. والمراد بالبيت الذي أوله " فيا صبغة حملتها غير راغب " أنني حملت صبغة الشيب غير راغب فيها ولا طالب لها وسلبت صبغة الشباب وبدلت منها من غير ملل مني لها. وهذه غاية في التألم والشكوى، وأي شئ أثقل من إنزال ما لا يطلب ولا فيه مرغب وسلب ما هو موافق غير مملول ولا مكروه. ومعنى البيت الذي أوله " أقم لا ترم عني وإن لم تكن هوى " وإن كنت غير موافق ولا محبوب مكروه الفراق مرغوب في مطاولتك ومصاحبتك، وهذا على ظاهر الأمر كأنه عجيب، والسبب فيه أن الشيب وإن كان مكروه الحلول مشكو النزول فإن فراقه لا يكون إلا بالموت والفناء، فمطاولته على هذا محبوبة مأمولة وفراقه مكروه مذموم. ولا مناقضة في ذلك، لأن المكروه غير المحبوب والممدوح غير المذموم، وأما المكروه والمذموم فهو تجدد الشيب وحدوثه وطرده الشباب وتبعيده وأما المحبوب الممدوح فهو مطاولة الشيب واستمرار مصاحبته ودوام أيامه، فهو وإن لم يكن نزوله هوى فمقامه ودوامه هوى. فإن قيل: ما في حدوث الشيب وتجدده من الضرر إلا ما في استمراره ومطاولته، بل المطاولة أشد ضررا، لأن المذموم من الشيب أنه يضعف القوة ويوهي المنة ويؤذن بتصرم العمر وهذا يتأكد باستمراره ومطاولته، وإن النساء ينفرن منه ويصددن عنه وهذا هو في حدوثه وبقائه معا. قلنا: لا شك في أن ضرر ابتداء الشيب هو قائم في استمراره ودوامه، إلا أنا

[ 246 ]

نؤثر على ما فيه من ضرره مقامه ونهوى دوامه ونكره فراقه لما في فراقه من الضرر الأعظم وقطع كل المنافع. وقد نختار بعض الأمور المضرة المؤلمة دفعا لما هو أضر منها، كمن يمشي على الشوك دافعا بذلك على شدة ضرره ما هو أعظم منه من المضار وكشاب الدواء المر دافعا بذلك العلل العظيمة عن جسمه، وكقاطع بعض أعضائه فاديا بذلك السراية إلى نفسه. ولي من قصيدة أولها " ما زرت إلا خداعا أيها الساري ": لا تنكري نزوات الشيب آونة * في فاحم صيغ للأبصار من قار قد كنت أعذر نفسي قبل زورته * فالآن ضاقت على اللذات أعذاري من منصفي من بديدات كما ابتدأت * في عرفج الدو نار أيما نار لوامع لم تكن للغيث جاذبة * أو أنجم لم تنر للمدلج الساري يغضضن عنهن أبصار الحسان كما * يغضضن عن ناخس فيها وعواري لا مرحبا ببياض لم يكن وضحا * لغرة الصبح أو لمعا لنوار أما تشبيه ابتداء الشيب وتبدده في الشعر بابتداء النار في العرفج قبل انتشارها فيه فهي تضئ منه مواضع دون أخرى، فمن واقع التشبيه وغريبه. وأنما قلنا نار، استكبارا لها واستعظاما واختصارا شديدا لشكوى تلك الحال وتعديد ما فيها من المضار. فأما البيت الذي أوله " لوامع لم تكن للغيث جاذبة " فإن تشبيه لمع بياض المشيب في خلال الشباب بلمع البروق في الغمام، لما اعتمد في البيت ووجب في صنعة الشعر، وتحقيق معناه: أن ينفي على هذا الشبه بالبروق فيقال إنها لم تكن للغيث جاذبة، وكذلك لما شبه الشيب في هذا البيت بالنجوم وجب أن ينفي عنه

[ 247 ]

منافع النجوم ومرافقها، فيقال: إنها لم تنر للمدلج الساري. والبيت الأخير الذي أوله " لا مرحبا ببياض " في معنى هذا البيت الذي تكلمنا عليه، لأنه ذم لبياض الشيب لما لم يكن بياضا لذي منفعة كغرة الصبح ولمع النور. وهذا تصرف في المعاني وتحكم فيها. ولي من قصيدة أولها " عتاب لدهر لا يمل عتابي ": وإذ لم أرغ عند الغواني تغزلا * فمثل مشيبي بينهن شبابي ولو كنت يوما بالخضاب موكلا * خضبت لمن يخفى عليه خضابي فإن تعطني أولى الخضاب شبيبة * فأن له أخرى بغير شباب وأين من الأصباح صبغه * وأين من البازي لون غراب وأي انتفاع لي بلون شبيبة * ولون أهاب الشيب لون أهابي وقد قلصت خطوى الليالي وثمرت * بروحاتها من جيئتي وذهابي وكم ظفر الأقوام في البيض كالدمى * بفوق المنى منهن لا بشباب فها الشيب مني عاريا غير مكتس * ونصلا على رأسي بغير قراب معنى البيت الأول إنني إذا كنت لا أطلب الغزل عند الغواني ولا الحظوة منهن فلا فرق بيني وبين مشيبي وشبابي، لأن الشيب إنما يحزن ويكرب من سلبه مودة الغواني وحطه عن رتبته بينهن وزوى عنه خدودهن. ومعنى البيت الثاني النهي عن الخضاب من حيث كان غير خاف، لأنه إذا كان لا ينبغي أن يخضب إلا لمن يخفى عليه خضابه ولم يك خافيا فلا معنى لتكلف الخضاب الذي لا يخفى. ومعنى البيت الثالث معروف، وقد قيل:

[ 248 ]

وقالوا الخضاب شباب جديد * فقلت النصول مشيب جديد وقال محمود الوراق: إن النصول إذا بدا * فكأنه شيب جديد وفي البيت الرابع تفضيل لون الشيب على لون الخضاب. فأما البيت الذي أوله " وأي انتفاع لي بلون شبيبة " فمعناه كيف أدلس بياض شعري بتسويده ولون جلدي بتشنجه وتغضنه لا يليق بالشباب وإنما يليق بالشيب، فإنما دلست ما هو منفضح ولبست ما هو منكشف. وكان عندي إني منفرد بهذا المعنى حتى وجدت لابن الرومي: رأيت خضاب المرء عند مشيبه * حدادا على شرخ الشبيبة يلبس وإلا فما يغزو امرؤ بخضابه * أيطمع أن يخفى شباب مدلس وكيف بأن يخفى المشيب لخاضب * وكل ثلاث صبحه يتنفس وهبه يواري شيبه أين ماؤه * وأين أديم للشبيبة أملس ووجدت ابن الرومي يتصرف في هذا المعنى ويعكسه حتى جعل من لا غضارة لجلده من ذوي السواد يظن به الكبر وإن سواده خضاب لا شباب، فقال: إذا دام للمرء السواد ولم تدم * غضارته ظن السواد خضابا فكيف يظن الشيخ إن خضابه * يظن سوادا أو يخال شبابا وفلسفة هذا الرجل في شعره وتطلبه لطيف المعاني مع أعراض عن فصيح العبارة وغريبها وإن كانت مذمومة مستبردة في الأغلب الأكثر، ربما أثارت دفينا أو أخرجت علقا ثمينا. ونظير قول ابن الرومي " رأيت خضاب المرء عند مشيبه حدادا " قول الأفوه الكوفي:

[ 249 ]

فإن تسأليني ما الخضاب فإنني * لبست على فقد الشباب حدادا ومثله لأبي سهل النوبختي: لم أخضب الشيب للغواني * أبغي به عندها ودادا لكن خضابي على شبابي * لبست من بعده حدادا ولابن الرومي في ذم الخضاب: يا أيها الرجل المسود شيبه * كيما يعد به من الشبان اقصر فلو سودت كل حمامة * بيضاء ما عدت من الغربان وله في هذا المعنى: فزعت إلى الخضاب فلم تجدد * به خلقا ولا أحييت ميتا خضبت الشيب حين بدا فهلا * حلقت العارضين إذ التحيتا لترجع مردة كانت فبانت * كما تسويد شيبتك ارتجيتا وله مثله: خضبت الشيب حين بدا لتدعي * فتى حدثا ضلالا ما ارتجيتا ألا حاولت أن تدعى غلاما * بحلق العارضين إذ التحيتا أبت آثار دهرك أن تعفى * بكفك شئت ذلك أم أبيتا فدع عنك الخضاب ولا ترده * فأجدي منه قولك أم أبيتا وهذه الأبيات - وإن كان لمعناها بعض الصحة - فألفاظها مباينة لأسلوب الشعر العربي، وحظ اللفظ في الشعر أقوى من حظ المعنى. وله أيضا مثله:

[ 250 ]

كما لو أردنا أن نحيل شبابنا * مشيبا ولم يأن المشيب تعذرا كذلك تعيينا إحالة شيبنا * شبابا إذا ثوب الشباب تحسرا أبى الله تدبير ابن آدم نفاء * وألا يكون العبد إلا مدبرا ولا صبغ إلا صبغ من صبغ الدجى * دجوجية والصبح أنور أزهرا فأما قولي في البيت الأخير من الأبيات الثانية " فها الشيب مني عاريا غير مكتس " فإنما أردت بعد ذم الخضاب وبيان أنه لا طائل في تكلفه أن شيبي عار من الخضاب وإنه على هيئته وخلقته وجعلت الخضاب تارة له كسوة وأخرى قرابا لما جعلت الشيب نصلا، فهو يشبه النصل لونا وصقالا. ولي من قصيدة أولها " ماذا جنته ليلة التعريف ": وتعجبت للشيب وهو جناية * لدلال غائية وصد صدوف وأحاطت الحسناء بي تبعاته * فكأنما تفويفه تفويفي هو منزل بدلته من غيره * وهو الفتى في المنزل المألوف لا تنكريه فهو أبعد لبسة * عن قذف قاذفة وقرف قروف ولي من قطعة: وتطلب مني الحب والشيب لبستي * وابن الهوى ممن له الشعر أبيضا فقلت لها قد كنت بالحب مولعا * ولكنه لما انقضت شرتي انقضى ولي وهو ابتداء قصيدة:

[ 251 ]

سجالك أن الليل لي عذاري * مضى عائضا منه بضوء نهار فمن لي عن الفجر المغلس بالدجى * وعن يقق لم أرض عنه بقار وكنت حذرت الشيب حتى لبسته * وقل على المحتوم نفع حذار لهيب مشيب في الفؤاد مثاله * جوى وأوار من جوى وأوار عشية أمحى من عداد أولي الهوى * ولا تألف الحسناء عقوة داري وشق مزاري بعد إن كنت برهة * إذا زير ربعي لا يشق مزاري تحب وتهوي كل يوم فكاهتي * ويبتاع بالدر النفيس جواري وليس هوى إلا علي معاجه * وفي قبضتي البيض الدمى وأساري فها أنا ملقى كالقذاة تناط بي * جرائر لم يجعلن تحت خياري أقيل عثارا كل يوم وليلة * الهوى من لا يقبل عثاري أما قولي " لهيب مشيب في الفؤاد مثاله " فمعناه أن الشيب المنتشر في الشعر المشبه لضوئه بلهب النار في القلب مثال له لنلهب الحزن والغم، واشتعالهما في القلب من أجل نزول الشيب وحلوله. والجوى هاهنا هو الحزن الباطن، والأوار لهيب النار، فكأن هذا الذي في القلب من الجوى والأوار متولد من أوار الشيب وتلهبه في الشعر. فإن قيل: أليس أهل اللغة يقولون إن الجوى هو الهوى الباطن، فكيف جعلتموه حزنا وهما؟ قلنا: لا يسمون الهوى الباطن جوى إلا إذا صحبه لدع وجوى وهم، وذلك معروف. فإن قيل: فهبوا إن الأمر على ما قلتموه في ما يكون في القلب كيف جعلتم الشيب جوى وجمعتم بينه وبين الأوار، وهو يشبه أوار النار بلونه، ولا نسبة بينه

[ 252 ]

وبين الجوى. قلنا: إذا كان سبب جوى القلب الذي هو الحزن به والغم على حلوله جاز أن يسمى باسمه، فقد سموا السبب باسم مسببه والمسبب باسم سببه، وتخطوا ذلك إلى ما هو أبعد منه كثيرا، والاستعارات واسعة فسيحة. وفي قولي " الفجر المغلس " معنى لطيف، لأنني أشرت إلى أن الشيب عجل عن وقته المعهود له، فلهذا شبهته بالفجر الطالع في الغلس قبل أوان طلوعه المألوف. ولي من قصيدة أولها " لمن ضرم أعلى البقاع تعلقا ": وعيرنني شيبا سيكسين مثله * ومن ضل عن أيدي الردى شاب مفرقا وهل تارك للمرء يوما شبابه * صباح وإمساء ومنأى وملتقى ولي من قصيدة أولها " ما قربوا إلا لبين نوقا ": ذهب الشباب وكم مضى من فائت * لا يستطيع له الغداة لحوقا ما كان إلا العيش قضى فانقضى * بالرغم أو ماء الحياة أريقا فلو إنني خيرت يوما خلة * ما كنت إلا للشباب صديقا ولقد ذكرت على تقادم عهده * عيشا لنا بالأنعمين أنيقا أزمان كان بها ردائي ساحبا * أشرا وغصني بالشباب وريقا وإذا تراءى في عيون ظبائهم * كنت الفتى المرموق والموموقا

[ 253 ]

ولي من قصيدة أولها " مثلا عني المنازل لم بلينا ": فيا شعرات رأس كن سودا * وحلن بما جناه الدهر جونا مشيبك بالسنين ومن هموم * وليتك قد تركت مع السنينا كرهت الأربعين وقد تدانت * فمن ذا لي برد الأربعينا ولاح بمفرقي قبس منير * يدل على مقاتلي المنونا الجون من الألفاظ المشتركة بين الأبيض والأسود، واردت بالجون ههنا البيض في مقابلة السود. ومعنى " وليتك قد تركت مع السنينا " أي ليت الهموم والأحزان والأسباب المشيبة للشعر لم تطرقك وتركت مع مر السنين وتأثيرها فيك، فكأنني تمنيت الأربعين السنين على شيب رأسي معين، وإنما يكره الأربعين من لم يبلغها لأنها أقرب إلى الموت وأدنى إلى الهرم من السن الذي تقدمها فإذا جاوزها وأربى عليها تمناها لأنها أقرب من الشباب وأبعد من الهرم والموت من السن التي هو فيها. وقد ذكرت فيما مضى نظير البيت الذي أوله " ولاح بمفرقي قبس منير ". ولي من قصيدة أولها " إن على رمل العقيق خيما ": عجبت يا ظمياء من شيب غدا * منتشرا في مفرق مبتسما لو كان لي حكم يطاع أمره * حميت منه لمتي واللمما تهوين عن بيض برأسي سوده * وعن صباح في العذار الظلما وقلت ظلما كالثغام لونه * ولون ما تبغين يحكي الفحما صبغ الدجى أبعد عن فاحشة * ولم يزل صبغ الدجى متهما

[ 254 ]

من عاش لم تجن عليه نوب * شابت نواحي رأسه أو هرما إن قيل: كيف تكون ظالمة بتشبيه الشيب بالثغام وهو أشبه شئ به؟ قلنا: لم تظلم لأجل التشبيه الذي هو صحيح واقع، ولكن لأنها ذمت بذلك الشيب وهجنته وأزرت عليه، ولهذا عورضت بأن لون ما تهواه من الشباب يشبه الفحم الذي الثغام على كل حال أفضل منه. فأما الذي أوله " صبغ الدجى أبعد عن فاحشة " فعزيز المعنى، لأن النهار نفسه وما يشبه بالنهار من الشيب أبعد من الفواحش والقبائح، أما النهار فإنه يظهرها ولا يسترها والشيب يعظ ويزجر عن ركوبها، وصاحبه في الأكثر عند الناس منزه عنها. وصبغ الدجى الذي هو الليل نفسه وما يشبه به من الشباب أدنى القبائح، لأن الليل يستر القبيح ويخفيه والشباب يدعو إلى اقتراف القبيح ويعلق على صاحبه منه ما لا يعلق على ذي الشبيبة. ونظير " صبغ الدجى أبعد عن فاحشة " قولي: لا تنكريه فهو أبعد لبسة * عن قذت قاذفة وقرف قروف ونظير قولي " ولم يزل صبغ الدجى متهما " قولي: ومعيري شيب العذار وما درى * أن الشباب مطية للفاسق ولي من قصيدة أولها " ليس للقليب في السلو نصيب ": ولقد قلت للمليحة والرأس بصبغ المشيب ظلما خضيب لا تريه مجانبا للتصابي * ليس بدعا صبابة ومشيب

[ 255 ]

ولي من قصيدة أولها " بلغنا ليلة السهب ": ولما رأت الحسناء في رأسي كالشهب وبيضا كالظبي البيض * وما يصلحن للضرب وحادت عن مقر كان فيه بقر السرب تجنبت بلا جرم * وعوقبت بلا ذنب وعاتبت ولكن قلما ينفعني عتبي إنما قلت: " وما يصلحن للضرب " لئلا يفهم من تشبيهي للطاقات البيض الشيب بالظبى البيض التماثل من كل جهة، فاستثنيت أنهن لا يصلحن للضرب كما تصلح السيوف لذلك، وإذا كان المقصد ذم الشيب ثم شبه من بعض الوجوه بماله فضل في نفسه، فمن الواجب أن يستثنى ما لا يشبه فيه من الفضيلة ليخلص القول للذم. وهذا إذا تؤمل كان له موقع لطيف من البلاغة. ولعمري أن الشعر موضوع على الاختصار والحذف والإشارة. ولو قلت " وبيضا كالظبي البيض " لما فهم إلا التشبيه في اللون دون غيره سنة إذا أمكن التحقيق واستيفاء الأغراض من غير أن يلحق الكلام هجنة فهو أولى. ولي من قطعة: ليس المشيب بذنب * فلا تعديه ذنبا غصبت شرخ شبابي * بالليل والصبح غصبا وشب شيب عذاري * كما اشتهى الدهر شبا إن كنت بدلت لونا * فما تبدلت حبا أو كنت بوعدت جسما * فما تباعدت قلبا

[ 256 ]

وكلما شاب رأسي * نما غرامي وشبا ولي من قصيدة أولها " كنت من أسماء ما كان علن ": راعك يا أسماء مني بارق * أضاء ما بين العذار والذقن لا تنفري منه ولا تستنكري * فهو صباح طالما كان دجن ثاو نأى إذ رحل الدهر به * وأي ثاو في الليالي ما ظعن إن كان أحيا الحلم فينا والحجى * فإنه غال المراح والأرن كم كع مملوء الإهاب من صبي * عن العلى واحتلها الهم اليفن لست أرى تهجين هذه الأبيات بوصف ربما قصر عن مدى حقها، فكم مرسوم بالعدول عن حقه وممدوح بالاعراض عن مدحه. فأما كع فمعناه عجز، يقولون: كع عن كذا إذا نكل عنه وعجز. والأهاب: الجلد. واليفن: الشيخ الهرم الضعيف. ولي من قطعة مفردة: صدت أسيماء عن شيبي فقلت لها * لا تنفري فبياض الشيب معهود عمر الشباب قصير لا بقاء له * والعمر في الشيب يا أسماء ممدود قالت طردت عن اللذات قاطبة * فقلت إني عن الفحشاء مطرود ما صدني شيب رأسي عن تقى وعلى * لكنني عن قذى الأخلاق مصدود لولا بياض الضحى ما نيل مفتقد * ما لم ينل مطلب يبغى ومقصود ما عادل الصبح ليل لا ضياء به * ولا استوت في الليالي البيض والسود

[ 257 ]

المعهود: المألوف لا ينفر منه. والشيب معتاد في من كبر وأسن وإنما ينفر مما خالف العادة: والبيت الثاني نظير قول الشاعر: والشيب أن يظهر فإن وراءه * عمرا يكون خلاله متنفس لأن العمر في البياض أطول منه في السواد. وعلى البيت الثالث سؤال: كيف يكون الشيب طاردا عن الفحشاء خاصة ومن شأنه أن يصد عن كل لذة ومتعة حسنة كانت أو قبيحة. والجواب: إنني أردت أنه يصدني عن الفحشاء بوعظه وزجره لا بإعجازه ومنعه وإني قادر متمكن من مباح اللذات، والبيت الرابع يقوي هذا المعنى. والبيت الخامس والسادس من حسن ما فضل به البياض الذي هو لون المشيب على السواد. ولي وهي قطعة مفردة: نبت عينا أمامة عن مشيبي * وعدت شيب رأسي من ذنوبي وقالت لو سترت الشيب عني * فكم أخفي التستر من عيوبي فقلت لها أجل صريح ودي * وإخلاصي عن الشعر الخضيب ومالك يا إمام مع الليالي * إذا طاولن بد من مشيب وما تدليس شيب الرأس إلا * كتدليس الوداد على الحبيب فلا تلحى عليه فذاك داء * عياء ضل عن حيل الطبيب وإن بعيد شيبك وهو آت * نظير بياض مفرقي القريب

[ 258 ]

وإن تأبى فقومي ميزي لي * نصيبك فيه يوما من نصيبي معنى البيت الثاني إنني خالص المودة صريح المحبة، فلا أدنس ذلك بتزوير الشعر بالخضاب وتشبيهه بالشباب. وقد أفصحت عن هذا البيت الذي أوله " وما تدليس شب الرأس ". وابن الرومي جعل من حضب للغواني معاقبا بغشهن في وده، فقال: قل للمسود حين شيب هكذا * غش الغواني في الهوى إياكا كذب الغواني في سواد عذاره * وكذبنه في ودهن كذاكا ومعنى البيت الذي أوله " وإن بعيد شيبك وهو آت " أننا سواء في الشيب وإنما هو واقع بي ومتوقع فيك، وكل آت قريب. والبيت الثالث معناه: إنك إن أثبت أننا في إشكال وأمثال فعرفيني الفرق بيني وبينك فيه، وأي أمان لك مما نزل بي وحل عندي. وهذا من لطيف التسلية عن الشيب والاحتيال في دفع أحزانه وهمومه والاحتجاج على من عابه من النساء وذمه وقبحه. ولي من قطعة مفردة: أمن شعر في الرأس بدل لونه * تبدلت ودا يا أسيماء عن ودي فإن يك هذا الهجر منك أو القلى * فليس بياض الرأس يا اسم من عندي تصدين عمدا والهوى أنت كله * وما كان شيبي لو تأملت من عمدي وليس لمن جازته ستون حجة * من الشيب إن لم يرده الموت من بد ولا لوم يوما من تغير صبغة * إذا لم يكن ذاك التغير في عهدي

[ 259 ]

ولي وهي قطعة مفردة. يقولون لي لم أنت للشيب كاره * فقلت طريق الموت عند مشيبي قربت الردى لما تجلل مفرقي * وكنت بعيدا منه غير قريب وكنت رطيب الغصن قبل حلوله * وغصني مذ شيبت غير رطيب ولم يك إلا عن مشيب ذوائبي * جفاء خليلي وازورار حبيبي وما كنت ذا عيب فقد صرت بعده * تخط بأيدي الغانيات عيوبي فليس بكائي للشباب وإنما * بكائي على عمري مضى ونحيبي البيت الذي أوله " وما كنت ذا عيب " يحتمل أن يكون المراد به إنني بعد المشيب بلا عيب على الحقيقة كما كنت غير أن الغانيات يتجر من علي بعد الشيب فيضفن إلي عيوبا ليست في. ويحتمل أن يراد أيضا أن عيوبي كانت مستورة مغفورة في ظل الشباب، فلما قلص عني وانحسر أظهرت وأعلنت، لأن الشافع في زال والعاذر لي حال. ويمضي هذا المعنى كثيرا. ولي وهي قطعة مفردة قلتها في ذم الشيب: بياضك يا لون المشيب سواد * وسقمك سقم لا يكاد يعاد وقد صرت مكروها على الشيب بعد ما * عمرت وما عند المشيب أراد فلي من قلوب الغانيات ملالة * ولي من صلاح الغانيات فساد وما لي نصيب بينهن وليس لي * إذا هن زودن الأحبة زاد وما الشيب إلا توأم الموت للفتى * وعيش امرئ بعد المشيب جهاد

[ 260 ]

ولي في الاعتذار عن الشيب والتسلية عنه، وهي قطعة مفردة: تقول لي إنما الستون مقطعة * بين الرجال ووصل الخرد الغيد وما استوى يفن ولت نضارته * في الغانيات بغصن ناضر العود فقلت ما الشيب إلا لبسة لبست * ما أثرت لي في بخل ولا جود ولا وفاء ولا غدر ولا كلف * ولا ملال ولا إنجاز موعود إن الحفاظ وبيضي فيه لامعة * خير من الغدر لو جربت في سودي وإذا كنا قد استوفينا غرضنا الذي قصدناه فالواجب قطع الكتاب ههنا فقد طال وربما أمل الطويل. ولعل معنتا يطعن فيما أوردناه في أثناء كلامنا من نظائر الشعر بأنا ما استوفيناه ولا استقصيناه ويذكر نظائر لم نذكرها أو يعيب بعدولنا عما عدلنا حمله عن ذكر نظائره. والجواب عن ذلك: إن كتابنا هذا ما وضعناه لذكر النظائر، وإنما كان الغرض فيه ما تضمنته خطبة الكتاب وقد استوفى، وما مضى من ذكر نظائر فإنه اتفق عرضا، ولو قصدنا هذا الفن لاستوفيناه بحسب ما يحضرنا وينتهي إليه علمنا، فإن نظائر الشعر لا تحصى كثرة، ومن تعاطى ذكرها واعتمده فما عليه إلا الاجتهاد وإيراد ما يناله حفظه أو يده وتصفحه. والله تعالى المأمول المرجو للسداد والرشاد، هاديا إلى سننهما ودالا على محجتهما، وهو حسبنا الله ونعم الوكيل. وصلواته على محمد وآله الطاهرين، والحمد لله وحده.

[ 261 ]

الزيادة في كتاب الشيب والشباب قد كنا أشرنا إلى أنه متى اتفق في جملة ما ننظمه بعد عمل هذا الكتاب شئ يتضمن وصف الشيب ضممناه إليه وألحقناه به، ونحن لذلك فاعلون: ولي قصيدة أولها " توق ديار الحي فهي المقاتل ": وأين الهوى مني وقد شحط (الصبي) * وفارق فودي الشباب المزايل وقد قلصت عني ذيول شبيبتي * وفي الرأس شيب كالثغامة شامل ولي من دموعي غدوة وعشية * لبين الشباب الغض طل ووابل وكيف يزل الشيب أو يرجع الصبى * وجيب قلوب أو دموع هوامل ولي وهي قطعة مفردة وفيها ذم الشيب: قد كان لي لا فجر يمزجه * فالآن فجري بلا شئ من الغلس

[ 262 ]

قالوا تسلى فشيبات الصبى قبس * فقلت ذاك ولكن شر ما قبس وزارني لم أرد منه زيارته * شيب ولم يغن أعواني ولا حرسي يضئ بعد سواد في مطالعه * لفاغر من ردى الأيام مفترس طوى قناتي واغتالت أظافره * تحضى ورد إلى تقويمه شوسي وصد عني قلوب البيض نافرة * وساقني اليوم من نطق إلى خرس إن كان شيبي بقاء قبله دنس * فقد رضيت بذاك الملبس الدنس وغالطوني وقالوا الشيب مطهرة * وما السواد به شئ من النجس والعمر في الشيب ممتد كما زعموا * لكنه لم يدع شيئا سوى النفس معنى البيت الأول إنه كان مشبه بالغلس وهو الشباب لا يمزجه شئ من المشبه بالفجر وهو الشيب، فانعكس ذلك وصار بياضي بغير سواد. ومعنى البيت الثاني: أنهم إذا أسلوا عن المشيب وعزوا عن مضرته بأنه يشبه بالقبس الذي المنفعة به ظاهرة، فمن أحسن جواب عن هذه التسلية أن يصدقوا في شبهه به هيئة وصبغة ومخالفته له في الفائدة والعائدة، وقرب شئ يوافقه ظاهرا ويخالفه باطنا. والقبس أيضا الذي شبه الشيب به قد يستضر به في حال كما ينتفع به في أخرى. وقولي " ولكن شرما قبس " كاف في الجواب. وإنما قلت " ذاك " ولم أقل ذاكم والخطاب لجماعة استقلالا للفظة الجمع في هذا الموضع واستخفاف خطاب الواحد. وقد يجوز أن يقل المخاطب بالجواب على بعض من خاطبه دون بعض، أما لتقدمه ووجاهته أو لفضل علمه وفرط فطنته. وفي الكلام الفصيح لهذا نظائر كثيرة يطول ذكرها، فإن استحسن أو استخف راو أن يقول ذا كم مكان ذاك فليروه كذلك، فلا فرق بين الأمرين.

[ 263 ]

وأما البيت الثالث فمعناه أن الأعوان والحراس من شأنهم أن يدفعوا زيارة من تكره زيارته وتجتوى مقاربته، والشيب من بين الزائرين الوافدين لا يغني في دفعه ومنعه أعوان ولا حراس. ومعنى البيت الرابع نظير قولي وقدم تقدم: ولاح بمفرقي قبس منير * يدل على مقاتلي المنونا وقول أخي رضي الله عنه وقد تقدم أيضا: تعشو إلى ضوء المشيب فتهتدي * وتضل في ليل الشباب الغابر وقول ابن الرومي: * فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا * ومعنى قولي في البيت الخامس " طوى قناتي " إنه حنى قامتي، فإن الكبر يفعل ذلك. والبحض: اللحم، ولا شبهة في أن الكبر يعترق اللحم من الجسد. فأما الشوش فهو رفع الرأس تكبرا وتجبرا، يقال رجل أشوش ورجال شوش، فأردت أن الشيب يمنع من التكبر ويقعد عن التجبر ويورث الخشوع والاستكانة والخضوع. وقولي في البيت السادس " وساقني اليوم من نطق إلى خرس " يجوز أن يكون المراد به إنني أكل عن الحجة وأعجز عن استيفاء الخطاب لضعف الكبر وعجز الهرم، فكأنني خرست بعد نطق. ويجوز أن يراد به أيضا إنني أمسك عن الكلام وأسكت عن الجواب مع قدرة عليهما باسترذال كلامي واستضعاف خطابي، فإن الكبر لا يؤتمر له ولا يصغى إليه.

[ 264 ]

والبيت السابع مكشوف المعنى، وكذلك الثامن. فأما البيت الأخير فأن غاية ما يمدح به الشيب ويفضل له أن يقال: إن العمر فيه ممتد يزيد على العمر في الشباب، فكأنني سلمت هذا الذي تدعى به الفضيلة والمزية وقلت: إذا كان المشيب لم يدع شيئا سوى النفس الدال على وجود الحياة مجردة من كل انتفاع والتذاذ وبلوغ أرب ووطر، فأي فائدة في طول عمر بلا منفعة ولا لذة ولا متعة، وإنما يراد تطاول العمر لزيادة الانتفاع وطول الاستمتاع. ولي في مثل ذلك وهي قطعة مفردة: لا تنظري اليوم يا سلمى إلي فما * أبق المشيب بوجهي نضرة البشر جنى علي فقولي كيف أصنع في * جان إذا كان يجني غير معتذر عرا فأعرى من الأقطار قاطبة * قهرا وألبسني ما ليس من وطري وقد حذرت ولكن رب مقترب * لم أنج منه وإن حاذرت بالحذر فإن شكوت إلى قوم مساكنهم * ظل السلامة ردوني إلى القدر كوني كما شئت في طول وفي قصر * فليس أيام شيب الرأس من عمري فقل لمن ظل يسلي عن مصيبته * لا سلوة لي عن سمعي وعن بصري شر العقوبة يا سلمى على رجل * عقوبة من صروف الدهر في الشعر إن كان طال له عمر فشيبه * فكل طول عداه الفضل كالقصر يلين منه ويرخى من معاجمه * كرها ولو كان منحوتا من الحجر فإن تكن وخطات الشيب في شعري * بيضا فكم من بياض ليس للغرر ما كل إشراقة للصبح في غلس * وليس كل ضياء من سنا القمر معنى قولي " وكل طول عداه الفضل كالقصر " أن طول الزمان إنما يحمد

[ 265 ]

ويطلب إذا جلب نفعا وأثمر فائدة، وإذا كان بالضد من ذلك فهو كالقصير من الزمان في عدم الانتفاع بطوله. ومعنى " فكم من بياض ليس للغر " أي لا تعزوني عن المشيب ببياض لونه وإشراقه فليس كل بياض محمودا وإن كان بياض الغرر ممدوحا. ومعنى البيت الثاني هو هذا بعينه ومؤكدا للأول وموضحا عنه. ولي وهي قطعة مفردة: قالت مشيبك فجر والشباب إذا * زرناك ظلمة ليل فيه مستتر فقلت من كان هجري الدهر عادته * ما آن له بضياء الشيب معتذر لا تسخطيه بهذا الشيب مصدوق * على عيوب بضد الشيب تستتر ترين مني وضوء الشيب يفضحني * ما زاغ عنه ورأسي اسود نضر معنى البيت الأول كأنه غريب. والجواب عن اعتذار المتمحل للهجر صحيح، لأن من كان لا يلم بزيارة ولا يهم بلقاء سواء عليه ضياء أظهره أو سواد ستره. والبيتان الأخيران بليغان في المعنى المقصود بهما. وتقريب الشيب من قلوب من يطلب العيوب ويؤثر الظهور على الغيوب بأنه يظهر مكتومها ويبرز مستورها، من ألطف المكايد وأغمضها. ولي وهي قطعة مفردة: نضوت ثياب اللهو عني فقلصت * وشيبني قبل المشيب هموم وقد كنت في ظل الشباب بنعمة * وأي نعيم للرجال يدوم

[ 266 ]

وقد علم الأقوام إن لم يغالطوا * بأن صحيحا في المشيب سقيم وإن غنيا في الهوى ونزيله * المشيب فقير الراحتين عديم معنى قولي " وشيبني قبل المشيب هموم " قبل أوان المشيب وأبانه والوقت الذي جرت العادة بنزوله فيه، ولا يجوز حمل الكلام إلا على ذلك في حكم الضرورة، لأن ما شيب من الهموم فالمشيب لا محالة معه، فكيف يكون قبله لولا الحذف الذي أشرنا إليه. ولي قطعة وهي مفردة: صد عني وأعرضا * إذ رأى الرأس أبيضا ونضا عني الغضاضة واللهو ما نضا واسترد الزمان مني ما كان أقرضا ورماني بشيب رأسي ظلما واغرضا واستحال الطبيب لي * من سقامي فأمرضا ومحب عهدته * صار بالشيب مبغضا كان يرضى ولم يدع * شيب رأسي له رضى قال لي مفصحا وما كان إلا معرضا أين شرخ الشباب قلت خباء تقوضا أو منام وافى الصباح إلينا وقد مضى ولي وهي قطعة مفردة:

[ 267 ]

صد عني كارها قربي وقد كان حبيبا ورأى في الفاحم الجعد من الرأس مشيبا كشهاب غابت الشهب ويأبى أن يغيبا أو كنار تخمد النار ويزداد لهيبا كنت عريانا بلا عيب فأهدى لي العيوبا قلت ما أذنبت بالشيب إليكم فأتوبا هو داء حل جسمي * لم أجد منه طبيبا لم تجد ذنبا ولكنك لفقت ذنوبا يحتمل البيت الخامس الذي أوله " كنت عريانا بلا عيب " وجوها من التأويل: أولها - إن يراد: أنني كنت بلا عيب فصار لي من الشيب نفسه عيب، لأن النساء يعبن به وينفرن منه. وثانيها - أن يكون المراد: إن الشباب كان ساترا لعيوب كانت في مغفورة لي لأجله، فلما نزل الشيب أذيعت في وبقيت علي. وثالثها - أنه لم يكن في عيب فلما نزل الشيب تمحلت لي عيوب وعلقت علي ونسبت إلي، فإن ذا الشيب أبدا معيب بين النساء متجرم عليه. ولي وهي قطعة مفردة: لا تطلبي مني الشباب فما * عندي شباب والشيب قد وفدا أين شبابي وقد أنفت على الستين سنا وجزتها عددا فمن بغى عندي البشاشة واللهو وبعض النشاط ما وجدا

[ 268 ]

وقد مضى من يدي وفارقني * ما لا أراه براجع أبدا ولي وهي قطعة مفردة: صدت وما كان الذي صدها * إلا طلوع الشعر الأشهب زار وكم من زائر للفتى * حل بواديه ولم يطلب ركبته كرها ومن ذا الذي * اركبه الدهر فلم يركب كأنه نار لباغي القرى * أضرمها القوم على مرقب أو كوكب لاح على أفقه * أو بارق يلمع في غيهب لحمي وقد أصبحت جارا له * زادي ودمعي وحده مشربي وإنني فيه ومن أجله * معاقب القلب ولم أذنب وليس لي حظ وإن كنت من * أهل الهوى في قنص الربرب وما رأينا قبله زائرا * جاء إلينا ثم لم يذهب معنى البيت الذي أوله " لحمي وقد أصبحت جارا له " إن صاحب الشيب إذا كان على الأكثر ينقص لحمه ويهزل جسمه ويعترق الشيب أعضاءه، فكان ذا الشيب يتزود لحمه فهو يفنى على الأيام. ويحتمل وجها آخر، وهو: إن لذي الشيب حسرة على شبابه وحزنا على حلول مشيبه، فيعض كفه وأنامله كما يفعل المغيظ المهموم، وجعل ذلك الغيظ تزودا و اقتياتا على سبيل المجاز. والبيت الأخير معناه: أن من شأن كل زائر لغيره أن يجوز انصرافه عنه ومفارقته له وذلك المزور حي باق، إلا الشيب فانه إذا زار لم يذهب إلا بذهاب الحياة وفقدها.

[ 269 ]

ولي وهي قطعة مفردة: لا تسألني عن المشيب فمذ * جلل رأسي كرها جفاني الغرام ليس للهو والصبابة واللذات في أربع المشيب مقام ما جنى الشيب في المفارق إلا * عنت الغانيات والأيام هو نقص عند الحسان كما أن شبابا مكان شيب تمام وسقام وما استوت لك في نيل أمانيك صحة وسقام ومتى رمت عرجة عنه قالت * لي التجاريب رمت ما لا يرام ولي وهي قطعة مفردة: تقول لي ومآقيها مطفحة * من ذا أبان على صبغ الدجى قبسا من ذا الذي غل من فوديك لونهما * وسل حسنك في ما سل أو خلسا مالي أراك ونور البدر منكسف * في وجنتيك وخط فيهما طمسا كأنما أنت ربع طل ساكنه * ومنزل عطل من أهله درسا ما ضر شيئا وقد وافى بمنظرة * تقذى النواظر لو أبطا أو احتبسا أما علمت بأنا معشر جزع * نقلي الصباح ونهوى دونه الغلسا فقلت ما كنت من شئ يصيب به * ربي وإن ساء مني القلب محترسا وما الشبيبة إلا لبسة نزعت * بدلت منها فلا تستنكري اللبسا وفي كل الذي تهوين من جلد * فما أبالي أقام الشيب أم جلسا لا تطلبي اللهو مني والمشيب على * رأسي فإن قعود اللهو قد شمسا ولا ترومي الذي عودت من ملق * وكل ما لأن قبلي الغداة قسا

[ 270 ]

ولي من قطعة مفردة: قلت لمسود له شعره * هل لك في المبيض من شعري خذه وإن لم ترضه صاحبا * مع الذي بقى من عمري فقال لي يا بعد ما بيننا * ونازح أمرك من أمري عمرت ستين ونيفها * ونيفت سني على عشر ليس لداء بك من حيلة * فاجرع ملاء أكؤس الصبر إن قيل: كيف تسمح نفس صاحب الشيب بأن يسأل في نقله عنه مع سلب ما بقي من عمره وأنما يكره الشيب لأنه نذير الموت وبشير بمفارقة الحياة؟ فالجواب: إن أحد ما يكره له الشيب ما ذكرني السؤال والأكثر الأظهر في سبب كراهية المشيب نفور الغواني منه وصدودهن عنه وتعييرهن به، وإن صاحبه فاقد اللذات ضعيف الشهوات متكدر الحياة، ومن كان بهذه الصفة تمنى أن يفارقه الشيب بمفارقة الحياة ليستريح من أدوائه التي لا علاج منها ولا دواء لها. ولي وهي قطعة مفردة: لوت وجهها عن شيب رأسي وإنما * لوت عن بياض زاهر لونه غضا ولو أنصفت ما اعرضت عن شبيهها * ولا أبدلته من محبته بغضا نفور الانسان لا يكون عما يماثله ويجانسه بل عما يضاده ويخالفه، والبيض من النساء يوافق لونهن لون المشيب، فكيف نفرن عنه وبعدن منه مع المشاكلة لولا انعكاس العادة في الشيب.

[ 271 ]

ولي من جملة قطعة مفردة: ورابك مني قبل أن تتبيني * بأن ليس لي أمر عليه مشيب وعاقبتني ظلما وكم من معاقب * وليس له عند الحسان ذنوب وليس عجيبا شيب رأسي وإنما * صدودك عن ذاك المشيب عجيب هبيه نهارا بعد ليل وروضة * تضاحك فيها النور وهي قطوب ولا تطلبي شرخ الشباب وقد مضى * فذلك شئ ما أراه يؤوب أما وصف ما لم يظهر زهره ونواره من الروض بالقطوب فمن واقع التشبيه وغريبه، لأنه إذا شبه ما أزهر منه ونور بالضاحك جاز أن يسمى ما استمر على اخضراره واسوداده قاطب، لفقد النور المشبه بالضحك منه. ولي وهي قطعة مفردة: تلوم وقد لاحت طوالع شيبتي * وما كنت منها قبل ذاك مفندا فحسبك من لومي وإلا فبعضه * فما أبيض إلا بعض ما كان اسودا ولا تلزميني اليوم عيبا بصبغة * ستكسينها أما بقيت لها غدا ولو خلدت لي حالة مع تولع الليالي بأحوالي لكنت المخلدا ولو لم أشب أو تنتقصني مدة * لكنت على الأيام نسرا وفرقدا وإن المشيب فدية من حفيرة * أبيت بها صفرا من الناس مفردا أوسد بالصفاح لا من كرامة * وإني غني وسطها أن أوسدا فلا تنفري يا نفس يوما من * فما أنت إلا في طريق إلى الردى البيت الثاني لطيف المعنى، لأن من لام وفند وعنف على شيب لا صنع للشائب

[ 272 ]

في نزوله ولا حيلة له في دفع حلوله يجب أن يستوقف عن لومه إن أنصف، فإن أبى إلا الظلم فلا أقل من أن يقتصر على بعض اللوام ولا ينتهي إلى غايته، لأن الشعر الذي عنف ببياضه إنما أبيض بعضه ولم يسر ذلك إلى كله، فسبب اللوم إذا لم ينته إلى الغاية فاللوم لا يجب أن ينتهي إليها. ولي وهي قطعة مفردة: تضاحكت لما رأيت المشيب * ولم أر في ذاك ما يضحك وما زال دفع مشيب العذار لا يستطاع ولا يملك وقال لي الدهر لما بقيت أما المشيب أو المهلك فقولي وأنت تعيبينني * لأي طريقيهما أسلك اللطف ما هون به نزول الشيب، وأقواه شبهة إنه فداء المنية وبدل من الهلكة وقد تقدم في شعري نظائر لذلك كثيرة من استقرأها وجدها. ولي من جملة قطعة مفردة: يا أسم إن صبابتي * بك لو أويت لها طويله وأخذتني بذنوب شيب لم تكن لي فيه حيله نزلت شواتي خطة * منه أحاذرها نزيله وقضى الشباب وليته * لما قضى لم يقض غيله كان الشباب وسيلتي * فالآن ما لي من وسيله

[ 273 ]

ولي وهي قطعة مفردة: تقاسم الليل والأصباح بينهما * عمري فمن حاصد طورا ومزدرعي أعطى نهاري وليلي شبه صبغهما * فنسج أيدي الدجى ثم الضحى خلعي لليل سودى وللصبح المنير إذا * أجلاه شيبي فلومي فيه أو قدعي فنوبة الليل قد ولت كما نزلت * فأصبح من هذا المشيب معي هذه الأبيات متضمنة لمعنى غريب، لأن هذا القسم والتوزيع على الليل والنهار من الشيب والشباب شبههما ونظيرهما ما وجدته إلى الآن على هذا الترتيب في شئ من الشعر المأثور. ولي وهي قطعة مفردة: إن عاقب الشيب السواد بمفرقي * فالليل يتلوه الصباح الواضح من اخطأته وقد رمت قوس الردى * يبيض منه مفارق ومسانح لو كان لليل البهيم فضيلة * لم تدن منه مقابس ومصابح البيض للعينين وجه ضاحك * والسود للعينين وجه كالح وأشد من جدع الجياد إذا جرت * جريا وأصبرهن نهد فارح والبزل تغتال الطريق سليمة * وعلى الطريق من البكار طلائح قد جمعت هذه الأبيات من الاعتذار للشيب والتسلية عنه من غريب بديع غير مبتذل وبين معروف معهود، كأنه لحسن موقعه وعذوبة لفظه غير معروف ولا معهود والتأمل لذلك حكم عدل فيه. فمعنى البيت الثالث هو الذي ليس بمطروق. وأدل دليل على أن السواد البهيم ليس بفضيلة للاستضاءة فيه بالمقابس والمصابح وهذا تعلل وتمحل وإن كان من مليح ما تمحل، لأن الليل لا تتم الأغراض فيه إلا

[ 274 ]

بالمصابيح ليهتدي بها في سواده وإلا فالأوطار فيه غير مبلوغة، وليس هذا في سواد الشباب وبياض الشيب، ومن ذم بياض الشعر لم يذممه لأنه فضل البياض على السواد على كل حال، فينقض عليه ذلك بمصابيح الليل. وإنما ذمه لأن الأوطار التي تنال بالشباب المحمودة كلها تفقد معه، فكان المذموم هو فقد سواد تدرك به الأغراض وتنال معه الأوطار دون ما ليس هذه صفته. وهذا التحقيق مطرح في الشعر، ويكفي الشاعر إذا عيب ببياض شعره وفضل سواده على بياضه أن يعتذر في ذلك بما ذكرناه في البيت. فأما البيت الرابع فمعناه أيضا كالبديع الغريب، ويشبهه ما مضى من قولي " تضاحك فيها النور وهي قطوب " فأن القطوب كالكلوح. ولي وهي قطعة مفردة: تصدين عني للمشيب كأنني * صرفت شبابي أو دعوت مشيبي وكيف سلوي عن حبيب إذا مضى * فلا متعة لي بعده بحبيب كأني ربع بعده غير آهل * وواد جفاه القطر غير خصيب فلا تندبي عندي الشباب فإنما * بكائي عليه وحده ونحيبي ولي وهي قطعة مفردة: أمن بعد ستين جاوزتها * تعجب أسماء من شيبتي وأعجب من ذاك لوما كبرت * ولم ينزل الشيب في لمتي فإن كنت تأبين شيب العذار * فكم خيب المرء من منبت

[ 275 ]

وإن أنت يوما تخيرت لي * فشيبي أصلح من ميتتي فلا تغضبي من صنيع الزمان * فمالك شئ سوى الغضبة معنى قولي " فما لك شئ سوى الغضبة " إن الغضب لا يفيد شيئا ولا تحصلين فيه إلا على مجرد الغضب من غير فائدة. فأما قولي " فشيبي أصلح من ميتتي " فقد تقدمت نظائره. ولي وهي قطعة مفردة: جزعت أمامة من مشيب الرأس إذ سفهت أمامه وتنكرت بعد الصدود * وقد ألم بنا لمامه واستعبرت لما رأت * في لمتي منه ابتسامة ورأت على ظلم المفارق من توضحه علامة مثل الثغامة لونها * لكنها غير الثغامة وتظلمت منه على * أن ليس تنفعها الظلامة ولقد أقول لها وكم * من قائل أمن الملامة لا تنكري بدد المشيب فإنه ثمر السلامة من بليغ القول ومختصره وصف الشباب بأنه ثمر السلامة. وهذا انتهاء ما خرج وصف المشيب من نظمي إلى سلخ ذي الحجة من سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وإن تراخى الأجل وترامى المهل واتفق فما يخرج من الشعر شئ من وصف الشيب ضممناه إلى ما تقدم. والله ولي التوفيق في كل قول وعمل وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

[ 277 ]

(مسألة في معجزات الأنبياء عليهم السلام)

[ 279 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ بعض عقائد إسلاف المجبرة والمشبهة ] مسألة: من كلام قاضي القضاة عبد الجبار (بن) أحمد في أن المجبرة والمشبهة أن يمكنهم الاستدلال على النبوة. قد اخترت في وقتنا هذا على التزام أشياء كان سلفهم يمتنعون من التزامها، وأطلقوا ألفاظا كانوا يأبون إطلاقها. بل صار ما كان مشايخنا يرومون إلزامهم إياه أول ما يفتون به، واستغنوا عن الكلام في البدل وعن كثير من العبارات التي كانوا يحايلون بها (1) وإن كان لا محصول لها. ومروا على جواز تكليف العاجز ما عجز عنه، ومطالبة الأعمى بالتمييز بين الألوان، والزمن بصعود الأجبال (2)، وتعذيب الأسود [ على سواده ] (3). والزمن

(1) أي يحولون بتلكم الكلم عن معرفة الحقيقة.
(2) الزمن: من أصابته الزمانة، وهي العاهة، أو عدم بعض الأعضاء، أو تعطيل القوى.
(3) زيادة منا لا كمال الجملة.

[ 280 ]

على زمانته، تكلف الممنوع صعود السماء، والمشي على الماء، ورد الفائت وإحياء الميت، والجمع بين المتضادين (1)، وجعل المحدث والقديم محدثا وتعذيبه إذ هو لم يفعل ذلك. وأجازوا في العقل أن يرسل الله تعالى إلى عباده رسلا يدعون إلى عبادة غير الله والكفر، وأن يحسن ذلك منه ومن الفاعل له عند أمره (2)، وأن يرد القيامة اثنان فيعذب أحدهما لأنه وحد الله ويعذب الآخر لأنه ألحد. وأنكروا ألا يكون للحسن والقبيح في العقل حقيقة أصلا. وبلغني أن فيهم من التزم أنه ليس في أفعال الله تعالى ما هو حسن، لأنهم لما عقلوا قبح القبيح بنهي الله عنه والله تعالى ليس بمنهي لم يصح منه شئ - لزوال علة القبيح من أفعاله. قيل لهم: فكذلك فقولوا إنه ليس في أفعاله حسن، إذ علة الحسن فينا، وهي الأمر زائلة (3) عن أفعاله. واتصل بنا أنهم مروا على ذلك فخالفوا نص القرآن والاجماع، وخرجوا عن سائر الأديان، ولم يحجموا عن شئ، وإن ظهر أمره إلا لخوف عاجل ضرره، وألا يقبل العامة منهم، وألا يعاديهم (4) السلطان عليه من جواز ظهور العجز على تكذيب (5) المدعي للنبوة. فأما من يدعي الإلهية لنفسه فقد أجازوا ذلك. وسئلت أن أصرف طرفا من العناية إلى شرح هذا الفصل، وأن أذكر من

(1) في الأصل (بين المتضادان).
(2) في الأصل (عند أمرد).
(3) كذا في النسخة.
(4) في الأصل (تعادهم).
(5) في الأصل (على الكذب).

[ 281 ]

ذلك طرفا مما أرتئيه (1) على أقصى ما في مللهم إنشاء الله، وبه القوة. [ وجه عدم إظهار المعجزات على أيدي غير الأنبياء ] يقال لهم: إذا أجزتم أن يصد الله تعالى العباد عن الدين ويستفسد المكلفين ويخلق الضلال في قلوبهم والجحد في ألسنتهم، فلم لا يجوز أن تظهر المعجزات على المقتولين ليغتر بذلك المكلفون فيصدفوهم فيما هم فيه كاذبون؟ فإن قالوا: لا يجوز، لأن المعجز لنفسه أو لكونه معجزا دال على صدق الصادق ونبوة النبي، فليس يجوز أن ينقلب عما هو عليه، وألا يخرج (2) من أن يكون دليلا على أن فاعله قادر. قيل لهم: ولم زعمتم ذلك، وما وجه دلالة المعجز على صدق من ظهر عليه ومن أي وجه أشبه ما ذكرتموه؟ فإن قالوا: بينوا أنتم وجه دلالة ما ذكرناه على ما زعمتم أنه دليل عليه. بينا وجه ذلك وأوضحناه ونهجنا طريقه، ثم عدنا إلى المطالبة بوجه دلالة ما سألناهم عنه على المسامحة دون المضايقة. فإن قالوا: لأنا رأينا دعاء كل من كذب في ذلك يسمع والعلم عند مسألته لا يقع فعلمنا أن من ظهر على يديه لا بد من أن يكون مباينا لغيره من المتخرصين، إذ لو كان كهم لوجب أن تقع عند كل داع ومسألة كل سائل. يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون الغرض في وقوعه دعوى بعضهم دون بعض هو الاستفساد والتلبيس ولظنوا ما قلتم إنكم عملتموهم، فصح أن يكون غواية

(1) في الأصل (طرقا ماى ارتاه).
(2) في الأصل (وإلا أن يخرج).

[ 282 ]

وتلبيسا. ولو ظهر على يدي كل كاذب وصح لكل مدع لجرت العادة به، ولا يتم الغرض. [ لا يجوز كذب الرسول في أخباره ] استدلال آخر: إن قالوا: لو جاز أن يظهر المعجز على يدي الكذابين لم يجز أن يظهر على [ يدي ] (1) أحد من الصادقين، ولوجب أن يكون من ظهر عليه كاذبا في جميع ما يخبر به. كما أنه لما دل عندنا وعندكم على صدق الأنبياء لم يجز أن يقع منهم كذب، وفي علمنا يصد من ظهر على يديه في كثير مما يخبر به، دليل على أن المعجز دليل الصدق لا الكذب. يقال لهم: إن لم تمسكتم (3) أن يكون دلالة على كذب الكاذب وأنما سميناكم تلبيسا (2) وإضلالا، وما كان كذلك فليس يجب أن يجري على طريقة واحدة. وإذا كان هذا إلزامنا سقط ما تعلقتم به. وأيضا: فإن العلم ليس هو تصديق لمن ظهر عليه في كل ما يخبر به، وأنما هو تصديق له فيما أخبر به من النبوة لنفسه وبحمله الرسالة عن ربه، وإذا كان كذلك ثبت أنه لم يظهر قط إلا تصد لمن كذب في هذا المعنى، فأما صدقه في غير ذلك فلا تعلق له بالمعجز. وإنما قلنا نحن أن الرسول عليه السلام لا يجوز أن يكذب في شئ من أخباره لأن في كونه في غير ما أداه عن الله تعالى [ يكون ] (3) اتهاما له وتنفرا عنه، وليس (1) زيادة منا لإتمام الكلام.
(2) كذا في النسخة.
(3) الزيادة منا والعبارة غير مستقيمة.

[ 283 ]

يجوز أن يرسل الله تعالى من يكون كذلك، كما لا يجوز أن يفعل شئ من ضروب الاستفساد. وهذه طريقته المستمرة على أصولكم، فالمطابقة بحالها. فإن قالوا: ليس يخلو المعجز من أن يكون دليلا على الصدق والكذب، فإن كان دليلا على الصدق فهو ما قلنا، وإن كان دليلا على الكذب لزم فيه ما ألزمنا. قيل لهم: ما أنكرتم ألا يكون دليلا على أحدهما وأن يكون الغرض فيه هو التبيين على ما بينا فهل من فضل. وما أنكرتم من أن يكون تصديقا لكاذب مخصوص وهو المدعي للنبوة فلا يوجد إلا كذلك، فهل من شئ تدفعون به ما طولبتم (1) به، ولن تجدوا ذلك أبدا. [ استحالة القبيح على القديم تعالى ] دليل آخر لهم: إن قالوا: أن المعجز تصديق لمن ظهر عليه، فكما لا يجوز أن يصدق الله تعالى أحدا - بأن يخبر بأنه صادق وهو كاذب - فكذلك لا يجوز أن يصدق لما يجري مجرى القول من الفعل. يقال للنجارية منهم: المسألة عليكم في البابين واحدة، فلم لا يجوز ذلك. ويقال للكلابية: نحن قلوبكم ذلك، فبم تتفضلون. فإن قالوا: قد ثبت أن الله تعالى صادق لنفسه أو أن الصدق من صفات ذاته، فليس يجوز عليه الكذب في شئ من أخباره، كما أنه إذا كان عالما لنفسه لم يجز أن يجهل شيئا من معلوماته. قيل لهم: ههنا سلمنا لكم هذا الذي لا سبيل لكم إليه، وسنبين لكم بطلان

(1) في الأصل (ما طولتم).

[ 284 ]

دعواكم له فيما بعد، ولكن كيف بناء ما سلمناكم عنه على ما سلمناه لكم، وذلك أن الكذب ثم يمتنع وقوعه من القديم تعالى لقبحه، فلا يجوز أن يقع منه ما ضاهاه في القبح. وإنما استحال عليه لأنه موصوف بضده لنفسه. وليس هذا المعنى موجودا فيما سألناكم عنه، لأن المعجز فعل من أفعال الله تعالى، فما الجامع بينهما. فلا يجدون شيئا. [ عدم جواز إضلال الله تعالى عن الدين ] دليل آخر لهم: إن قالوا: لو جاز أن يظهر الله المعجز على [ أيدي ] (1) الكذابين لكان لا سبيل لنا على الفصل بين الصادق [ والكاذب ] والنبي والمتنبي من جهة الدليل، ولكان القديم تعالى غير موصوف بالقدرة، على أن يدلنا على الفصل بينهما. وهذا تعجيز له، وقد دل الدليل على أن القدرة من صفات ذاته، فما أدى (2) إلى خلاف ما دل الدليل عليه فهو باطل. قيل لهم: فقولكم أداكم إليه، وذلك أن كذب الكاذب إذا كان لا يخرج القديم من أن يكون قادرا على ما كان قادرا عليه ولم يكن قبح الفعل يؤمننا من وقوعه منه تعالى على قولكم، فما أنكرتم من أنه لا سبيل لنا ولا للقديم تعالى إلى الفصل بين الصادق من جهة الدليل لا ترون أن من خالفكم في إجازة الضلال عن الدين على الله تعالى لقبح ذلك. كيف يمكنه أن يستدل بظهور المعجز على صدق من ظهر عليه وأنكم مختصون بتعذر ذلك عليكم على أصولكم. فهذا القول بمقتضى أصولكم

(1) الزيادة منا لتكميل الكلام.
(2) في الأصل (فما أدرى).

[ 285 ]

وقوع على مذاهبكم، فأن كان قولكم صحيحا فهو صحيح فلا تأبوه (1)، وإن كان باطلا فقولكم الذي أدى إليه باطل. أرأيتم أن لو جعلنا ابتداء السؤال عن هذه فقلنا لكم: لو جاز أن يضل الله عن الدين ويفعل غير ذلك من ضروب القبيح فما الدليل على أنه موصوف بالقدرة على الفصل (2) بين الصادق والكاذب من جهة الدليل. فما كان يكون جوابكم عن هذا؟ فإن قالوا: إذا ثبت أن القدرة من صفات ذاته، وكان هذا وجها يمكن الفصل فيه وطريقا يمكن سلوكه ويطرق منه إلى الفرق بين النبي والمتنبي، وجب أن يكون القديم موصوفا بالقدرة. على أن يفرق لنا بينهما ولما كان ذلك تعجيزا. قيل لهم: ولم زعمتم أن هذا وجه يمكن الفصل منه على تلك الأصول. وما الفرق (3) بينكم وبين من قال: أنه لو كانت العقول لا تدل على أن القبيح لا يجوز على الله تعالى وأن الاضلال عن الدين منابع منه (4) جائز في حكمه. لكان العقل مقتضيا أنه لا سبيل إلى الفصل بين الصادق والكاذب من جهة الدليل، وكان ذلك في قسم المحال الذي لا تصح القدر عليه ولا العجز عنه. [ تقسيم خاطئ في المعلومات ] ثم يقال لهم: ليس في المعلومات ما لا يصح أن يعلم من وجه ويصح أن يعلم من غيره. ولا يجب أن يقال: إن القديم لو لم يكن موصوفا بالقدرة - على أن تعلمناه

(1) في الأصل (فلا يأتوه).
(2) في الأصل (على الفعل).
(3) في الأصل (وأما الفرق). (4) كذا في النسخة.

[ 286 ]

من ذلك الوجه - لاقتضى ذلك تعجيزه وإخراجه عن منعه هو عليها لنفسه. وهذا كالعلم بما كان ويكون وسائر ما يجري به مجرى العلم بالغيب، فإنه لا يصح أن فعله بالأدلة العقلية. ولا يوصف تعالى بالقدرة على أن ينعت لنا دليلا على وجوده عقليا وكونه أو يجعل الأجسام دلالة عليه كما يكون دلالة على الله تعالى. وإن جاز أن يعلمنا ذلك عند الادراك والخبر المتواتر ويضطرنا إلى وجود ذلك ابتداءا. وكذلك ما تنكرون أن يكون تعذر وقوع العلم لنا من جهة الدليل بالفصل بين الصادق والكاذب لا يوجب تعجيزه تعالى (لابصا (كذا) (1) القدرة عنه عما يجوز القدرة عليه. ويقال لهم: أليس ما جرت العادة به من نحو طلوع الشمس وغروبها ونحو ذلك، لا يصح أن يكون دليلا على نبوة أحد من الأنبياء، ولا يوصف القديم بالقدرة على أن يجعل دليلا على صدق أحد منهم وهو على ما هو عليه الآن. فإذا قالوا: بلى. قيل لهم: فما أنكرتم ألا يكون في العقل دليل على الفصل بين الصادق والكاذب، وإن كان ذلك ممكنا من غير جهة الدليل العقلي. فإن قالوا: إن ما جرت به العادة قد كان ممكنا أن يجعله دليلا بأن لا تجري العادة به، فيكون حدوثه على ما يحدث عليه الآن نقضا لعادة أخرى، فيستدل به على صدق من ظهر عليه. قيل لهم: أفحين جرت له العادة وذلك هذا المعنى عنه (2)، أوجب ذلك خروج القديم عن صفة قد كان عليها لنفسه أو حدث وصفه بالقدرة على أن يجعله دليلا،

كذا في النسخة.
(2) كذا، والعبارة غير مفهومة عندي.

[ 287 ]

والعجز إنما يصح القدرة عليه. قيل لهم: فكذلك ما كان في الأصل مستحيلا أن يعلم بالأدلة العقلية لم يجز أن يقال: إنه يقدر عليه أو يعجز عنه، ويعاد عليهم ما ذكرناه من العلم بالكائنات الغائبات. [ نفي الاضلال ليس من التعجيز في الفعل ] ثم يقال لهم: بالفصل بينكم وبين من قال إنه لو لم يجز أن يظهر الله المعجزات على النبيين لم يكن القديم تعالى موصوفا بالقدرة على أن يضل الناس عن الدين هذا الضرب من الضلال وأن يلبس عليهم هذا النوع من التلبيس، وقد ثبت أن القدرة من صفات ذاته والتلبيس من صفات فعله. وهذا وجه يمكن أن يضل منه عن الدين، فلو لم يصح أن يفعله لكان ذلك تعجيزا له. فإن قالوا: لا يكون ذلك تعجيزا، لأنه قادر على أن يضلهم بغير هذا الضرب من الاضلال. قلنا لهم: فقولوا أيضا بما ألزمناكموه ولا يكون يعجز الله تعالى، لأنه قادر أن يعلمهم الصادق من الكاذب من جهة الدليل، بأن يضطرهم إلى ذلك. وهذا هدم لهذا المذهب وقبض لألسنتهم عن الشغب. فإن قالوا: هو قادر على ذلك لكن لا يفعله لئلا يخرج بفعله إياه عن صفة (1) هو عليها لنفسه. قيل لهم: إن خروج الشئ عن صفة هو عليها لنفسه لا يكون مقدورا، وإن كان مثل هذا يجوز أن يكون مقدورا فما أنكرتم أن يكون قد فعله، فخرج عن

(1) في الأصل (عن صبغة).

[ 288 ]

تلك الصفة. وهذا ما أردنا إلزامكموه من أقبح الوجوه. فإن قيل: ألستم تجيزون وقوع ما علم الله تعالى أنه لا يكون وإن كان مما لو كان لكان حسنا لم يمنع أن يعلموا أنه لا يقع، وإن وقوع مثله جائزا مما هو حسن، فما أنكرتم أن يكون وقوع هذا الضرب من الاضلال غير جائز. وأن يصح أن يعلم أنه لا يقع وإن جاز وقوع غيره من الاضلال، وأن يكون المانع من هذين أن أحدهما مؤد إلى تجهيل الله والآخر إلى تعجيزه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قيل لهم: أنا لم نمتنع من إجازة كون ما علم الله أنه لا يكون، إذا أردنا بالجواز معنى الشك من حيث ذكرتم، لكن متى علمنا أن الله تعالى عالم بأن شيئا لا يكون فنحن عالمون بأنه لا يكون، لأنه لا يجوز أن نعلم أن عالما من العالمين قد علم كون شئ أو أنه مما لا يكون ونحن شاكون أو جاهلون بكونه أو أنه مما لا يكون، لأن العالم بأن العالم عالم لا بد من أن يكون عالما بأن معلومه على ما علمه عليه. ولهذا نظائر من مدلول الدليل ومخبر الحال [. ] (1). ونحو ذلك مما سألتم عنه إنما أمنا من وقوعه علمنا بأنه لا يقع، وسؤالكم مبني على ذلك وإلا بطل واضمحل. وما ألزمنا يكون فإنما ادعيتم أنه مؤد لكم إلى القول بما لا تلزمونه من تعجيز الله تعالى، فأريناكم أنه إن كانت أقوالكم (2) صحيحة فإنه لا يؤدي إلى ذلك بل يؤدي إلى حال القدرة على ما لا يصح أن يكون مقدورا، وذكرنا له نظائر من خاص قولكم ومما نتفق فيه معكم مما يستحيل وصف القديم تعالى بالقدرة عليه، ولم يوجب ذلك تعجيزا له ولا إخراجه عن صفات ذاتية. وإذا كان هكذا فليس بين

(1) بياض في النسخة.
(2) في الأصل (أموالكم).

[ 289 ]

ما ألزمناكموه وبين ما سألتم عنه سبب. [ معنى الضلال والهدى والحسن والقبح ] ثم يقال لهم: أنا نسألكم عن ضلال فرضنا في نفس المسألة أنه مما علم أنه لا نفع، كما سألتم عن هدى فرضتم في نفس المسألة أنه لا يقع. وإنما سألناكم عن ضلال موقوف على الدليل وفي جواز وقوعه. والشك في كونه يتكلم معكم: فليس يخلو من أن يكون مما يصح وصف القديم تعالى بالقدرة على إيجاده على الوجه الذي سألناكم عنه أولا يصح ذلك بل يستحيل، فإن كان مما يستحيل وصفه بالقدرة عليه فليس يلزمكم إذا لم تصفوه بالقدرة عليه تعجيز الله تعالى، فلا تلزموا أنفسكم ذلك كما يلزمكم، ولا يلزمنا أيضا تعجيز الله تعالى متى لم نصفه بالقدرة على ما يستحيل أن يكون مقدورا من الجمع بين المتضادات وسائر المحالات. وإن كان مما يصح وصف القديم بالقدرة عليه فما الذي آمن من وقوعه، فإن الحال عندنا يختلف في مقدورات القديم ويتفق عندكم، وذلك أن سنخ القبيح يؤمننا من وقوعه منه تعالى لأدلتنا المشهورة في ذلك، وما ليس بقبيح فلا سبيل لنا إلى الامتناع من تجويزه. ولا يؤمننا من وقوعه إلا الخبر الصدق إذا ورد بنفي وقوعه. وجميع مقدورات القديم عندكم بمنزلة الحسن من مقدوراته عندنا، لأن قبح القبيح لا يعجز عن فعله، بل لا يصح منه شئ. وعلى قولكم فلا أمان لكم من وقوع شئ من ذلك إلا من جهة الخبر. فإذا كنا إنما نكلمكم في الطريق التي منها يعلم صحة الخبر، فقد انسدت عليكم

[ 290 ]

الطريق التي تؤمن من وقوع ما سألناكم عنه. وهذا كما ترى يوجب عليكم الانسلاخ من جميع الأديان والشرائع والشك في سائر الرسل صلوات الله عليهم. ولم يجدوا عن ذلك مذهبا إلا بترك قولهم. [ وصف القديم تعالى بما لا يوصف ] ثم يقال لهم: أيوصف القديم تعالى بالقدرة على أن يظهر المعجزات على [ أيدي ] (1) الكذابين. فإن قالوا: لا يوصف بالقدرة على ذلك. قيل لهم: فهل يقتضي ذلك تعجيزه تعالى وخروجه عن صفة من صفات ذاته. فإن قالوا: لا. قيل لهم: فلم تنفروا من شئ أحلتم وصفه بالقدرة على وجه دون وجه، وذلك أن كذب هذا الكافر هو الذي أحال وصف القديم تعالى بالقدرة على إظهار المعجز على يده ولو صدق لم يستحل ذلك. فإذا جاز أن يوصف على شئ وعلى بعض الوجوه دون بعض، فلم لا يجوز أن يوصف بالقدرة على الفصل بين الصادق والكاذب من وجه دون وجه. وهذا الاضطرار دون الاكتساب. وإن قالوا: إن القديم تعالى موصوف على إظهار المعجز على [ أيدي ] (2) الكذابين. قيل لهم: فما الذي يؤمن من فعله. فإن قالوا: لو فعله يخرج من أن يوصف بالقدرة على الفصل بين الصادق

(1) زيادة منا.
(2) زيادة منا.

[ 291 ]

والكاذب من جهة الدليل. قيل لهم: فكأنه يقدر أن يخرج نفسه من أن يكون قادرا على ما يصح وصفه بالقدرة عليه. فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فما يؤمنكم أن يفعل ذلك، فإن خرج من أن يكون قادرا، لأن خروجه عن كونه قادرا لو كان أمرا مستحيلا لما صح أن يكون مقدورا لقادر، كما أنه لو جعل محدثا والمحدث قديما لما كان مستحيلا، لم يصح أن يتعلق بقدرة قادرا (1). فإن قالوا: لا نقول بأنه لو فعل لخرج من أن يكون قادرا على ما يصح وصفه بالقدرة عليه، لكن لو فعله لاستحال وصفه بالقدرة على الفصل بين الصادق والكاذب من طريق الدليل. قيل لهم: لا ضير، فما تنكرون أن يفعله وإن استحال ذلك بعد فعله، فإن منزلة هذا يكون بمنزلة نفس الشئ أنه متى أوجده فصار موجودا باقيا استحال وصفه (2) بالقدرة على إيجاده. وإذا كان هذا هكذا فما الذي يؤمنكم من وقوعه، فلا يجدون سعيا فضلا عن جهة. [ نقل كلام للشيخ المفيد ] وقد ألزمهم الشيخ أبو عبد الله في أصل هذا الكلام، فقال: ما الفصل بينكم وبين من قال: ولو جاز أن يضل الله عن الدين لكنا لا نأمن أن يكون جميع ما فعله

(1) أي في حال كونه قادرا.
(2) في الأصل (وصف).

[ 292 ]

ضلالا ولو لم يصل إلى الفرق بين الضلال والهدى، ولكان القديم تعالى لا يوصف بالقدرة على الفصل بين الضلال والهدى. فإن قال منهم قائل: إن ما يفعله القديم تعالى ولم يتعلق لنا به أمر ولا نهي فليس بضلال ولا هدى وما أمر به ونهي عنه، فليس الأمر والنهي دليلين على كونه هدى وضلالا بل هما علة كونه كذلك. وليس المعجز كذلك، لأنه إنما يدل على صدق الصادق وليس هو ما به (1) يكون الصادق صادقا، وإذا كان هكذا لم يكن هذا الالزام نظيرا لما قلناه. فإن نقلتم الكلام إلى أن الهدى والضلال والهدى لم يكن ضلالا وهدى إلا بالأمر والنهي. أخرجتم هذه المسألة إلى شئ آخر. يقال لهم: أليس ما أمر الله تعالى من الاعتقادات والإخبار عن المحرمات وما فعله من ذلك فينا، لا يدل فعله له وأمره به على أن معتقد الاعتقاد ومخبر الخبر على ماهما به لا يمتنع أن يكون الاعتقاد جهلا والخبر كذبا، ولا يكون فعله وأمره دليلين على أن مخبر الخبر الذي أمر بفعله ومعتقد الاعتقاد الذي تولى فعله أو أمر به على ما هو عليه، ولا يوصف بالقدرة على أن يدل على حق ذلك من باطله. فإذا قالوا: بلى. قيل لهم: ولم يخرج بهذا عندكم عن صفة هو عليها في ذاته ولا أوجب صفة نقص له، فما أنكرتم أنه لا يمكن أن يجعل المعجز دليلا على صدق من ظهر عليه، ولا يوجب ذلك تعجيزا له ولا خروجه عن صفة من صفات ذاته. فقد بان صحة ما ألزمهم إياه بطريق الكلام فيه. فإن قالوا: إنهم أيضا يقولون: إنه لا سبيل إلى ابتداء الاستدلال على أن الله

(1) في الأصل (ما له).

[ 293 ]

حكيم لا يفعل القبيح بأمره أو بفعله إياه قبل الأدلة العقلية التي هي تدل على أن القبيح لا يجوز عليه، فكيف أنكرتم مثل هذا علينا؟ قيل له: بمثل ما قلنا طلبناك، وذلك أنه لما كان ابتداء الاستدلال بذلك غير ممكن أحلناه وقلنا: إن القديم تعالى لا يجوز أن يوجب الاستدلال به، ولا أن يجعله دليلا على ما لا يمكن أن يستدل به علينا. فإن كنا قد بينا أن الاستدلال بالمعجز على سياق يحب أن يكون كذلك، فلا نقول: إنه لو لم يكن الفصل به بين الصادق والكاذب لأدى ذلك إلى تعجيز الله تعالى، إذ المحال لا يصح القدرة عليه ولا العجز عنه، كما قلنا نحن فيما ذكرته عنا. فقد بان أنه لا متعلق لهم بشئ من الرسل على وجه لا سبب. نعوذ بالله من الحيرة في الدين. [ معجزية القرآن الكريم ] فأما القرآن فإنه يعلم أنه كلام الله تعالى أو حكاية لكلامه أو إفهام لكلامه - على ما يطلقه بعضهم - بخبر الرسول صلى الله عليه وآله. وذلك أنه لا يمتنع أن يخلق الله تعالى القدرة على نظمه والعلم بكيفية تأليفه ووصفه على الوجه الذي لكونه عليه يكون بليغا فصيحا قدرا من الفصاحة والبلاغة لم تجر العادة بمثله في بعض البشر، أما من جاء به أو في ملك من الملائكة أو لجني من الجن ونحو ذلك. وإذا كان هذا سابقا في قدرة الله تعالى ولم يكن قبح ذلك وكونه استفسادا مانعا من وقوعه من الله تعالى وكنا قد بينا أن العلم بصدق الرسول متعذر على أصولهم. فلا طريق لهم إلى العلم بأنه كلام الله تعالى عينا أو حكاية أو إفهاما. فإن قالوا: قد علمنا أنه لم يكن من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله لعلمنا

[ 294 ]

بمقدار كلامه عليه السلام في الفصاحة والبلاغة، لما تأدى إلينا من خطبه ومحاوراته في المواضع التي كان يقصد فيها إلى إيراد فصيح الكلام وينعمل لذلك ويجتهد فيه، فوجدنا ذلك أجمع ناقصا عن رتبة القرآن في الفصاحة والبلاغة مقدارا لم تجر العادة بوقوع مثله بين كلام البشر، فأمننا ذلك من أن يكون من كلامه. قيل لهم: ما أنكرتم من أن يكون القديم تعالى هو الذي يقدره ويخلق فيه العلم بالفصاحة متى عزم وإن يحتر (1) من عليه ويدعي الرسالة منه، وينزع ذلك منه عند مخاطباته وخطبه تلبيسا وإضلالا وغرابة واستفسادا. وإذا كان هكذا فلم لا يكون من كلامه. ثم لم لا يجوز أن يكون من كلام غير البشر كالجن والملائكة، فإنكم لا تقفون على قدر فصاحة أولئك وبلاغتهم وبأي منظوم الكلام ومنثوره لهم. ويقال للنجارية منهم: لم تدفعون أن يكون في أخبار القرآن وإن كان كلام الله تعالى ما هو كذب وكان فيها ما هو صدق، لأن الكلام فعل من أفعاله. فكما لا يمتنع أن يكون في أفعاله الجور والعدل والحسن والقبيح لم يجز أن يكون فيها الكذب والصدق والباطل والحق. فلا تجدون شيئا سوى ما تقدم وقد نقضناه. [ مناقشة الكلابية في كلام الله تعالى ] وقد يتوهم الكلابية أنها تعتصم من هذا الالزام بقولها: إنه تعالى صادق والصدوق من صفات ذاته، فليس يجوز أن يوصف بهذا للصدق. ويستدلون بأنه صادق بأن يقولوا: إن القرآن قد تضمن ما لا يشك في أنه كالخبر عن الليل والنهار والسماء والأرض ونحو ذلك، فإذا حصل صادقا في شئ لم يجز أن يكون كاذبا

(1) كذا في الأصل.

[ 295 ]

في غيره، لأن الصدق من صفات ذاته. فيقال لهم: أليس قد ثبت أنه صادق في بعض ما يصح أن يكون صادقا عنه دون بعض، ولا يجوز أن يكون عالما ببعض ما يصح أن يكون عالما به ولا قادرا على بعض ما يصح أن يكون قادرا عليه دون بعض. فإن قالوا: بلى. قيل لهم: فما أنكرتم أن كان يكون كاذبا في بعض ما يصح أن يكون صادقا عنه وإن لم يجب أن يكون جاهلا ببعض ما يصح أن يكون عالما به ولا قادرا على بعض ما يصح أن يكون قادرا عليه. فإذا قالوا: هو صادق في جميع ما يصح أن يكون صادقا عنه إلا أنه لم يحك ذلك لنا أو لم يفهمناه. يقال لهم: خبرونا عن هذه الحكاية والافهام أليسا من صفات فعله ولا من صفات ذاته. فإذا قالوا: بلى. قيل لهم: أهي في نفسها كلام وأخبار. فإن قالوا: لا. قيل: فكيف تعلمون أن الله تعالى قد صدق في شئ، وما يعني ذلك وما سمعتم كلامه وإنما تعلمون عقلا أنه لم يزل متكلما انتفى الخرس والسكوت عنه على ما يدعون ذلك الخرس والسكوت قد ينتفيان بالكذب كما ينتفيان بالصدق وبغير ذلك من ضروب الكلام. فلم قلتم إنه صادق ولم تسمعوا كلاما صدقا ولا كذبا، وما يدريكم لعله كاذب لنفسه أو الكذب من صفات ذاته. فإن قالوا: هذه الحكاية نفسها كلام.

[ 296 ]

قيل لهم: ومن المتكلم بها. فإن قالوا: القديم تعالى. قيل لهم: يجوز أن يوصف بأنه متكلم من وجهين: من صفات ذاته، ومن صفات فعله. فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون صادقا من صفات ذاته كاذبا من صفات فعله. فإن قالوا: لو لزمنا هذا للزمكم أن يكون عالما لنفسه جاهلا بجهل محدث. قيل لهم: لو قلنا إن أحدنا أن يكون عالما بعلم يفعله مع كونه عالما لنفسه للزمنا ما ألزمناكم، لكنا نجيز ذلك (1) وأنتم قد أجزتموه في الكلام، فما الفصل؟ فإن قالوا: إن المتكلم بهذه الحكاية غير الله. قيل لهم: فما أنكرتم أن ذلك الغير هو الكاذب دون الله، فلم قلتم أن يكون القديم صادقا لذاته يوجب أن يكون ذلك الغير صادقا في كلامه. فإذا قالوا: لأنه حكاية لكلامه (2) بخبر الحاكي أو بأن سمعتم كلام الله، فإن كنتم سمعتم كلام الله تعالى وليس هو هذا، فأسمعونا إياه وعرفونا أين هو وممن سمعتوه، وإن كنتم إنما سمعتم كلام الحاكي وإضافته إياه إلى الله فلم زعمتم أن ذلك الحاكي قد صدق على قوله إن هذا المسموع منه حكاية كلام الله. فلا يجدون في ذلك شغبا. ثم يقال لهم: إن الحكاية للكلام إنما يكون بإيراد مثله أو بذكر معانيه،

(1) في الأصل (نخير ذلك).
(2) هنا سقط والكلام غير مستقيم.

[ 297 ]

والمحدث لا يكون مثل القديم، فإذا هو المسموع (1) إنما هو خبر عن كلام الله، فما أنكرتم أن يكون كذبا ممن وقع من قديم أو محدث، وأن يكون كون القديم تعالى صادقا لنفسه لا يمنع من أن يكون هذه كذبا. فإن قالوا: ليست بكلام أصلا. قيل لهم: فقد زال الشغل عنها بها، لم زعمتم أن الله صادق أو قد صدق في شئ من كلامه. وهذا مما لا حيلة لهم فيه تعالى. ثم يقال لهم: كيف تعلمون أن الخبر عن السماء والأرض وعما زعمتم أنه صدق لا شك فيه من أخبار القرآن خبرا عما تناوله اللفظ حتى قضيتم أنه صدق، والصدق لا يكون صدقا حتى يكون خبرا حتى يعرف قصد المخبر به إلى المخبر عنه، والألغاز والتعمية قد تعور (2) في الكلام، وهما باب من التلبيس والإضلال. فلم لا يجوز أن تكون ألفاظ القرآن كلها خارجة عن تلك الوجوه، فلا يكون فيها شئ قصد به الخبر عما تناوله اللفظ. وهذا أيضا لا حيلة لهم فيه. ثم يقال لهم: خبرونا عن الرسول نفسه كيف يعلم أن القرآن كلام الله أو حكاية لكلامه، وليس يأبى (3) أن يكون الملك قد ادعى إرساله به، إذ لا يأبى أن يكون قادرا على أمثاله. وليس يمكنه حجة من عقل، فمنع بها من إجازة التلبيس على الله تعالى والتمكين من ذلك. وعصمة الملائكة إنما يعلم سمعا، وتجويز خلقهم على ما ورد السمع يعلم عقلا فكيف يعلم أنه رسول الله؟

(1) لعل العبارة (فإذا هذا المسموع).
(2) كذا في الأصل.
(3) في الأصل (وليس باين).

[ 298 ]

بل كيف لا يجوز أن يكون الله هو الذي أمر بالتكذيب عليه، ومماذا تعلمون أن مطيع الله مؤد لرسالته دون أن يكون متمردا عليه، وقد قلتم إن التلبيس يجوز على الله. وهذا أيضا مما لا حيلة لهم فيه. فإن قالوا: الرسول يعلم صحة ما أخبر به الملك اضطرارا، وكذلك نحن نعلم أن الرسول إلينا صادق اضطرارا. قيل لهم: أفيصح أن يعلم ذلك استدلالا. فإن قالوا: نعم. طولبوا بالحجة وليس إلى ذلك طريق. فإن قالوا: لا. قيل لهم: قد صرتم إلى ما كنتم تمتنعون منه من أنه لا يوصف القديم بالقدرة على أن يدل على صدق الصادق. والفرق بين النبي والمتنبي من أصح الوجوه، وإذا صح (1) هذا فما أنكرتم أن يكون المنتظر في هذا هو وقوع العلم الضروري بصدق الرسول، فأما العلم بوجوده وعدمه فيستبان. فإن قالوا: هو كذلك. قيل لهم: فظهوره الآن على الكاذبين أجور ما يكون إذا كان لا معتبر به وإن يوجب الله علينا تصديق من لا علم له. فإن مروا على ذلك قيل لهم: فليس لهم للرسل بمعجزة حجة، وإنما يدعى على ضمائر الناس أنهم يعلمون صدقه ويقولون: أنا لا نعلم سياق ذلك، ولا يمتنع أن يكون من المتنبي الذي يعارضه معجز يحتج به، وهو خال من ذلك لا يدلي بحجة.

(1) في الأصل " وأنا صح ".

[ 299 ]

وهذا خروج من جميع الأديان والملل، ولا مذهب لكم عنه إلا بترك مذهبكم. وليس لذكر الإجماع في هذا مدخل، ولا يتعلق به من يفهم شيئا، لأن الإجماع إنما يعلم سمعا لقول الرسول، لولا ذلك لم يكن إجماع المسلمين أولى بالصحة مما أجمع عليه غيرهم من طريق الرأي ودخول الشبهة.

[ 301 ]

(مسألة في نكاح المتعة)

[ 303 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة خرجت في محرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، قال الشريف المرتضى رحمه الله: [ دحض أدلة القائلين بفساد المتعة ] استدل بعضهم على [ فساد ] نكاح المتعة بأنه نكاح لا يصح دخول الطلاق فيه، فوجب الحكم بفساده قياسا على كل الأنكحة الفاسدة. فيقال للمستدل بذلك: هذه طريقة قياسية، وقد دللنا في مواضع من كتبنا على أن القياس في أحكام الشريعة غير صحيح. وإذا سلم استظهارا صحة القياس جاز أن يقال لمن تعلق في ذلك: دل على صحة هذه العلة وإن الحكم في الأصل متعلق بها. فإذا قال: ما اعتاد الفقهاء المطالبة بذلك، وإنما تقع الدلالة على صحة علة الأصل عند المعارضة. قلنا: ما امتنع محصل من أصحاب القياس من المطالبة بصحة العلة في الأصل،

[ 304 ]

وإنما لجأوا إلى المناقضة إذا أمكنت والمعارضة، لأن بالمعارضة يخرج الكلام في صحة العلة وبأي شئ تعلق حكم الأصل، وإلا فلو طولب المحتج بالطريقة القياسية - بأن يدل على صحة علته - لما قدر على دفع ذلك. فإن استدل على صحتها بالاطراد والانعكاس. فليس ذلك بحجة في صحتها، وقد نص محصلو أصحاب القياس على أن الطرد والعكس لا يدل على صحة العلة وإنما يدل على صحتها بيان تأثيرها في الحكم الذي علقت. وهيهات أن يبين صاحب هذه الطريقة تأثير إمكان الطلاق في صحة العقد. [ جواز انفصال بعض الأحكام عن بعض ] ثم يقال له: إمكان الطلاق حكم من أحكام النكاح، كما أن التوارث من الزوجين حكم من أحكامه. وليس يجب إذا تعذر في بعض الأنكحة بعض أحكام النكاح أن يحكم بفساد العقد. ألا ترى أن نكاح الذمية عندكم صحيح والتوارث لا يثبت فيه، وهو حكم من أحكام النكاح، وليس يجب أن يقضي بفساد هذا العقد من حيث تعذر فيه هذا الحكم المخصوص. فلو استدل مستدل على أن نكاح الذمية فاسد، بأنه لا توارث فيه، وقاسه على الأنكحة الفاسدة. ألستم إنما كنتم تفزعون إلى مثل ما ذكرناه، من أنه غير ممتنع أن يعرض في بعض الأنكحة ما يمنع من حكم ثابت وفي غيره. فإذا قلتم: المعنى الذي عرض في نكاح الذمية يمنع من التوارث معقول، وهو اختلاف الملة. قلنا: أليس هذا المانع من التوارث - وهو من أحكام النكاح كالطلاق - لا يمنع من صحة هذا النكاح.

[ 305 ]

وبعد، فالمانع من دخول الطلاق في نكاح المتعة أيضا مفهوم، وهو أنه نكاح مؤجل إلى وقت بعينه. فلم يحتج إلى طلاق، لأن انقضاء المدة في ارتفاع هذا النكاح يجري مجرى الطلاق. فالطلاق إنما دخل في النكاح المؤبد لأنه مستمر على الأوقات، فيحتاج إلى ما يقطع استمراره ويوجب الفرقة، وليس كذلك المتعة. فإن قالوا: لا نسلم أن التوارث حكم الأنكحة على الإطلاق، بل هو نكاح منتفي الملة. قلنا: ولا نسلم نحن أن إمكان الطلاق من حكم كل نكاح، بل هو من أحكام النكاح المؤبد. [ العلل غير مطردة لكي يقاس عليها ] ثم يقال له: ما أنكرت أن يكون المتعة من الأنكحة الفاسدة: إن الطلاق لا يدخلها ولا ما يقوم مقامه في الفرقة، وليس كذلك نكاح المتعة لأنه لا يدخله الطلاق، فإن فيه ما يقوم مقامه في وقوع الفرقة وهو انقضاء المدة. وبعد، فإن موضع هذا القياس فاسد، لأنه يقتضي فساد نوع من أنواع النكاح من حيث فيه شروط باقي أنواعه، وقد علمنا أن البيع بيع موجود حاضر وبيع على جهة السلم، وليس نجد شروط السلم في بيع الموجود ولا شروط الموجود في السلم، ولم يوجب ذلك فساد البيوع المختلفة. فكذلك الأنكحة المختلفة غير ممتنع اختلاف شروطها وإن عم الجميع الصحة. على أن هذه العلة لو كانت صحيحة لما اجتمعت (1) مع إباحة نكاح المتعة، وقد علمنا بلا خلاف أن نكاح المتعة كان في صدر الاسلام مباحا، وإنما ادعى قوم

(1) في الأصل (لما اجتمع).

[ 306 ]

أنه حظر بعد ذلك ونسخت إباحته، فكيف تجتمع علة الحظر مع الإباحة. وإذا كانت علة حظر هذا النكاح أن الطلاق لا يدخل فيه وكونه مما لا يدخله الطلاق قد كان حاصلا مع الإباحة المتقدمة بلا خلاف، وذلك دليل واضح على فساد هذه العلة. وما يفسد به هذا القياس كثير وفي هذا القدر كفاية.

[ 307 ]

(نقد النيسابوري في تقسيمه للأعراض)

[ 309 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة: قال رضي الله عنه: تصفحت الأوراق التي عملها أبو رشيد سعيد بن محمد (1) في ذكر أنواع الأعراض وأقسامها وفنون أحكامها، فوجدتها قد أخل بأيام (2) كان يحب أن يذكرها كما ذكر ما يجري مجراها، وأخل أيضا في تقسيماته بأقسام وتمثيلاته بأشياء لا بد من ذكرها. وإني أشير إلى ذلك حتى تتكامل بما استدركته ولما تقدمه جميعا ما [ لا بد منه ] (3) في هذا الباب بمشيئة الله تعالى وعونه وحسن معونته.

(1) أبو رشيد سعيد بن محمد بن حسن بن حاتم النيسابوري، من كبار المعتزلة وأخذ عن القاضي عبد الجبار المعتزلي وانتهت إليه الرئاسة بعده، وكانت له حلقة في نيسابور ثم انتقل إلى الري وتوفي بها نحو سنة 440 (الأعلام للزركلي 3 / 101).
(2) كذا في الأصل ولعل الصحيح (بأشياء).
(3) العبارة منا وبياض في الأصل.

[ 310 ]

[ أقسام الأعراض ] الأعراض على ضربين: [ ما ] (1) يوجب أن يختص به حالا، والآخر لا يوجب حالا وما يوجب حالا على ضربين: ضرب يوجب حال الحي، والضرب الآخر يوجب الحال لمحله. فأما الذي يوجب حالا لحي فأنواع: الاعتقادات، والارادات، والكراهات، والظنون، والقدرة، والحياة، والشهوة وأضدادها، والنظر. وأما ما يوجب حالا لمحله فهو أنواع الأكوان. وأما ما لا يوجب لحي ولا لمحمل فما عدا ما ذكرناه. وينقسم ما لا يوجب حالا لمحل ولا حمله إلى ضربين: فضرب يوجب لمحله حكما، وضرب لا يوجب ذلك، والأول هو التأليف إذا كان التزاما والاعتقادات، والثاني - وهو ما لا يوجب حالا ولا حكما - هو: المدركات من الألوان، والطعوم، والأرياح، والحرارة، والبرودة، والأصوات، والآلام. والأعراض على ضربين: ضرب يصح أن يتعلق بكل حي من قديم ومحدث ويوجب له حالا، والضرب الآخر لا يصح أن يتعلق إلا بالمحدث خاصة. وليس فيها ما يختص بالقديم تعالى، ولا يصح تعلق جنسه ولا نوعه بالمحدث. فأما ما يتعلق بكل حي من قديم أو محدث فالارادات والكراهات وما عداها من التعلقات، لا يصح إذا يوجب حالا إلا للمحدث دون القديم. والأعراض على ضربين: ضرب لا يصح خلو الجواهر من نوعه، وضرب يصح خلوها وتعريها من أجناسه وأنواعه.

(1) زيادة منا لاستقامة الكلام.

[ 311 ]

فالأول هو نوع الأكوان، لأن الجواهر لا يصح مع وجودها أن تعرى من نوع الكون، لأن الجوهر مع تحيزه لا بد من اختصاصه بالجهة ولا يكون فيها ألا يكون. والضرب الثاني هو ما عدا نوع الأكوان، لأنه يصح أن تعرى الجواهر من كل ما عدا الأكوان من المعاني. الأعراض على ضربين: ضرب يدل على حدوث الأجسام والجواهر، والضرب الآخر لا يدل على ذلك. فالضرب الأول هو الأكوان لأنها المختصة، فإن الجواهر لا تخلو من نوعها. والثاني ما عدا الأكوان، لأنه إذا جاز خلو الجواهر منها فلم تدل على حدوثها وإن كانت هذه المعاني محدثة لتقدم الجوهر لها خالية منها. والأعراض على ضروب ثلاثة: ضرب لا يكون إلا حسنا أو لا قبح فيه، والضرب الأول العلوم والنظر عند أبي هاشم، فإنه يذهب إلى أن العلم والنظر لا يكونان إلا حسنين، وعند أبي علي أنه قد يجوز أن يكونا قبيحين، بأن يكونا مفسدة. والضرب الثاني: الجهل، والظلم، والكذب، وإرادة القبيح، وكراهة الحسن، والأمر بالقبيح والنهي عن الحسن، وتكليف ما لا يطاق. وهذا الضرب كثير وإنما ذكرنا الأصول. وهذا الضرب على ضربين: أحدهما لا يمكن على حال من الأحوال ألا يكون قبيحا، والثاني يمكن على بعض الوجوه ألا يكون قبيحا. فمثال الأول الجهل المتعلق بالله تعالى، كاعتقاد أنه جسم أو محدث. ومن مسلة (1) ما يعلق بالجهل بما لا يجوز تغير حاله وخروجه على صفته، كاعتقاد أن

(1) كذا في الأصل.

[ 312 ]

السواد متحيز وإن الجوهر له ضد غيره من الأجناس. ويجوز أن يلحق بهذا الضرب إرادة الجهل الذي ذكرناه أولا والأمر به، لأنه كما لا يجوز تغير المراد عن قبحه لا يجوز قبح الإرادة المتعلقة به. ومثال الضرب الثاني - وهو ما لا يمكن على بعض الوجوه ألا يكون قبيحا - الجهل المتعلق بما يجوز تغير حاله والظلم والكذب وباقي القبائح التي عددناها. وإنما قلنا أن الجهل المتعلق بما يجوز أن لا يكون قبيحا ولا جهلا، لأنه إذا اعتقد أن زيدا في الدار في حالة مخصوصة ولم يكن فيها في تلك الحال فاعتقاده جهل، إلا أنه كان يمكن ألا يكون جهلا، بأن يكون زيد في الدار في تلك الحال. والضرر الذي هو ظلم كان يمكن أن يكون عدلا، بأن يقع على خلاف ذلك الوجه، وقد يكون أيضا من جنسه ما ليس بظلم. وكذلك الكذب فيه الوجهان اللذان ذكرناهما معا. وأما الضرب الثالث فهو باقي الأعراض، لأن الحسن والقبح يمكن أن يدخل في الجميع على البدل. وما يقبح من أعراض على ضربين: أحدهما يختص بوجه قبح لا يكون لغيره وإن جاز أن يقبح للوجه الذي يعمه ويعم غيره. والضرب الآخر إنما يقبح لوجه مشاركة فيه كل القبائح. فمثال الأول الألم إذا كان كذبا وإرادة القبيح وكراهة الحسن، لأن الظلم وجه قبح يختص به ولا يشاركه في هذا الوجه سواه. وكذلك الكذب وإرادة القبيح وكراهة الحسن. وإنما قلنا أنه يجوز مع هذا الاختصاص أن يشارك باقي القبائح في وجه القبح لأنه يجوز أن يعرض الظلم أو الكذب أو إرادة القبيح أو كراهة الحسن أن يكون

[ 313 ]

مفسدة أو عبثا، فيقبح لذلك. فأما مثال الضرب الثاني مما يقبح لوجه مشترك فهو سائر الأعراض، لأنه لا شئ منها إلا وقد يجوز أن تعرض فيه المفسدة أو يكون عبثا، فيقيح لذلك. وأعلم أنه لا يمكن أن تجتمع وجوه القبح كلها في عرض واحد حتى يكون عبثا ظلما كذبا إرادة بقبيح كراهة لحسن مفسدة عبثا لنا في هذه الوجه، وأكثر ما يجتمع فيه من وجوه القبح أن يكون العرض مثلا ظلما كذبا ويتفق أن يكون مفسدة وعبثا. وكذلك القول في الكذب وإرادة القبيح وكراهة الحسن إذا اتفق في كل كل واحد منها المفسدة والعيب، فاعلم ذلك. [ إخلال النيسابوري في تقسيم الأعراض ] فأما الذي أخل بذكره في خلال تقسيمه، فإنه لما قسم الأعراض في تماثل واختلاف وتضاد ذكر في قسمة التماثل الذي لا اختلاف فيه ولا تضاد التأليف والحياة والقيمة (1) والألم، وأخل بذكر الحرارة والبرودة والرطوب واليبوسة. وهذه أجناس تجري مجرى ما ذكره في أنها متماثلة لا مختلف فيها ولا متضاد. ولما ذكر قسم ما هو متماثل ومتضاد ولا يدخله المختلف الذي ليس بمتضاد ذكر الألوان والطعوم والأرياح وأخل بذكر الأصوات، وهي عند أبي هاشم متماثلة ومتضادة بغير مختلف ليس بمتضاد. فإن اعتذر باعتذار هو أن الأصوات غير متضادة، فقد كان يجب أن يذكرها في باب المتماثل والمختلف مع الاعتمادات والارادات والكراهات والشهوة والبقاء والنظر، ولا ههنا ذكرها ولا هناك. فإن [ كان ] (2) متوقفا في القطع بتضاد

(1) كذا في الأصل. (2) زيادة منا لاستقامة الكلام.

[ 314 ]

المختلف منها فقد كان يجب أن يذكر توقفه، وأنها مع التوقف أما أن تكون داخلة في المختلف الذي ليس بمتضاد مع الاعتمادات والارادات ومع الذي هي مختلفة كالألوان والأكوان، وهذا إخلال. ولما ذكر أقسام الأعراض المتعلقات وكيفيات تعلقه ذا أخل بقسمة من ضروب تعلقها كان ينبغي أن يذكرها، وهي: أن المتعلقات على ضربين: ضرب متعلق بغير واحد تفصيلا من غير تجاوز له كالاعتقادات والظن والإرادة والكراهة والنظر، والضرب الآخر يتعلق بما لا يتناهى كالشهوة والنفار والقدرة فيما يتعلق به من الأجناس أو الجنس الواحد في المحال والأوقات، لأنها إنما يتعلق بالواحد من غير تعدله (1) إذا كان الجنس والمحل والوقت واحدا. وأخل بقسمة أخرى في المتعلقات، لأنها على ضربين: أحدهما متعلق بمتعلقه على الجملة والتفصيل، وهو الاعتقادات أو الارادات أو الكراهات. والضرب الثاني لا يتعلق إلا على طريق سبيل التفصيل، وهو القدر والشهوات والنفار. ولما ذكر كيفية تولد الأسباب المولدة وعلى النظر والاعتماد والكون أخل بقسمة في هذه المولدات كان يجب ذكرها، وهي أن يقال: إن الأسباب المولودة على ضربين: ضرب تولد في الثاني، والضرب الآخر تولد في حاله. فمثال الأول النظر والاعتماد، ومثال الثاني الأكوان. ولما ذكر قسمة ما يدرك من الأعراض وأن فيها ما يكفي في إدراكه محل الحياة وفيها ما يحتاج إلى بنية زائدة، أخل لما ذكر أقسام ما لا يكفي في إدراكه محل الحياة بالأراييح، فإنه ذكر الألوان والطعوم وترك ذكر الأراييح. وأخل أيضا بقسمه في كيفية إدراك هذه المدركات واجب ذكرها هي: أن هذه

(1) كذا في الأصل.

[ 315 ]

الأعراض المدركات على ضروب: منها ما يدرك بمحله، ومنها ما يدرك في محله ومنها ما يدرك محله من غير إدراك محله ولا انتقاله إلى حاسة الادراك. فالأول هو الألم، والثاني هو اللون والحرارة والبرودة والأصوات والطعوم والأراييح، والثالث هو الألوان.

[ 317 ]

(مسائل شتى)

[ 319 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (1) [ صيغة البيع ] مسألة خرجت في محرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، قال الشريف المرتضى رحمه الله: عد الشافعي أن رجلا إذا قال لغيره " بعني كذا " فقال " بعتك " كان ذلك إيجابا وقبولا وانعقد البيع، وقال في النكاح بمثل ذلك. ويحتاج عنده في البيع إذا كان " بعتك " أن يقول " اشتريت " حتى يكون قبولا صحيحا. والذي يقوي في نفسي أن النكاح كالبيع في افتقاره إلى صريح القبول، فإذا قال له " زوجني " فقال له الولي " زوجتك " لا بد من أن يقول " قد قبلت هذا العقد ". وكذلك إذا قال له في البيع " بعني " فقال " قد بعتك " لا بد من أن يقول المبتاع " قد اشتريت " حتى يكون قبولا. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن قوله " زوجني " أو " بعني " أمر وسؤال على حسب الحال في رتبة القائل والمقول له، فإذا قال له " بعتك " أو " زوجتك "

[ 320 ]

لا بد له من قبول صريح، وليس في قوله " بعني " أو " زوجني " ما ينبئ عن القبول، لأن الأمر لا يفهم منه ذلك. ألا ترى أنه لو قال له " أتبيعني " أو قال " أتزوجني " قال الآخر " بعتك " فإن أحدا لا يقول إن ذلك يغني عن القبول، فكذلك إذا قال " بعني " أو " زوجني ". فإن قيل: إنما لم يغن " أتبيعني " عن القبول لأنه استفهام لا يدل على إرادة الأمر للمأمور به، فقام مقام القبول دون الاستفهام. قلنا: الأمر وإن دل على الإرادة ولم يدل الاستفهام عليها فليس بقبول صريح. ألا ترى أنه لو قال مصرحا " أنا مريد للنكاح أو البيع " لم يكن ذلك قبولا، فإذا كان التصريح بكونه مريدا لا يغني عن لفظ القبول فأجدر أن لا يغني عن لفظ القبول الأمر الذي يدل على الإرادة. وإنما ضاق الكلام على أبي حنيفة في هذه المسألة مع الشافعي، لأن الشافعي يحمل البيع على النكاح ولم يختلفا في النكاح. ونحن نسوي بين الأمرين في أنه لا بد من قبول صريح فيهما، فليس يتوجه كلام الشافعي علينا. فإن قال الناصر لأبي حنيفة: إن العادة بالسوم في البيع جارية، فإذا قال له " بعني " فإنما هو مستام، فإذا قال " بعتك " يحتاج إلى قبول مجدد. وليس كذلك النكاح، لأن العادة لم تجر فيه بالمساومة بقوله " زوجنيها " عن أن يقول " تزوجت ". قلنا: الخطبة في النكاح كالسوم في البيع، وقد جرت العادة بأن يخطب الرجل ويعرض نفسه في عقد النكاح على غيره كما جرى في البيع بالمساومة، فلا يجب أن يجعل قوله " بعني " ولا " زوجني " مفهوما منه القبول في الموضعين ولا بد من قبول صريح. والذي يكشف عن صحة ما ذكرناه أنه لو قال له " ابتع مني هذا الثوب

[ 321 ]

فقال " قد ابتعته " لا يكون قوله " ابتع مني " إيجابا حتى يقول " قد بعتك "، فكذلك لا يكون قوله " بعني " قبولا حتى يقول " اشتريت "، وكذلك القول في النكاح. والعلة الجامعة بين الأمرين أن الايجاب غير مفهوم من لفظ الأمر، وكذلك القبول لا يفهم من لفظ الأمر فلذا اعتبروا الإرادة وإن قوله " بعني " يدل على الإرادة ومع هذا فلم يغن ذلك عن لفظ الايجاب الصريح.
(2) [ ألفاظ الطلاق ] مسألة خرجت في شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وأربعمائة، قال رضي الله عنه: أن اعتمد بعض أصحابنا في أن الطلاق الثلاث لفظ واحد، غير أن من قال " أنت طالق ثلاثا " [ كان ] (1) مبدعا مخالفا لسنة الطلاق، فيجب أن لا يقع طلاقه كما لا يقع طلاق البدعة إذ كان في حيض أو طهر فيه جماع وما جرى مجرى ذلك. الجواب: إن تلفظه بالطلاق وقوله " أنت طالق " والشروط متكاملة ليس بدعة، وإنما أبدع إذا أتبع ذلك بقوله " ثلاثا "، وقوله " ثلاثا " ملغى لا حكم له، والطلاق واقع بقوله " أنت طالق " مع تكامل الشروط، كما لو قال " أنت طالق " وشتمها ولعنها لكان مبدعا بذلك وطلاقه واقع لا محالة. وليس كذلك الطلاق في الحيض، لأنه منتهى عن التلفظ بالطلاق في وقت

(1) الزيادة منا.

[ 322 ]

الحيض، والنهي بظاهر يقتضي الفساد في الشريعة ولا تتعلق به أحكام الصحة. ومما يوضح ذلك: أنه لو قال لها " أنت طالق " ثم اتبع ذلك في المجلس أو بعده بقوله " وأنت طالق " لكان عندنا مبدعا وطلاقه واقعا لا محالة، بإدخاله الطلاق على الطلاق من غير مراجعة بينهما. ومع هذا فلا يقدر أحد من أصحابنا على أن يقول: إن تطليقة واحدة ما وقعت بقوله الأول " أنت طالق " وأن اتبع ذلك لما هو مبدع فيه من التلفظ ثانيا بالطلاق فكذلك لا يمنع قوله " ثلاثا " الذي هو مبدع من التلفظ به من أن يكون قوله " أنت طالق " الذي لم يكن مبدعا واقعا.
(3) [ استمرار الصوم مع قصد المنافي له ] مسألة، قال رضي الله عنه: كنت أمليت قديما مسألة أنظر منهما (1) أن من عزم في نهار (2) شهر رمضان على أكل وشرب أو جماع يفسد بهذا العزم صومه، ونظرت ذلك بغاية الممكن وقويته، ثم رجعت عنه في كتاب الصوم من المصباح وأفتيت فيه بأن العازم على شئ مما ذكرناه في نهار شهر رمضان بعد تقدم نيته وانعقاد صومه لا يفطر به، وهو الظاهر الذي تقتضيه الأصول، وهو مذهب جميع الفقهاء. والذي يدل عليه: أن الصوم بعد انعقاده بحصول النية في ابتدائه، وإنما يفسد بما ينافي الصوم من أكل أو شرب أو جماع، ولا منافاة بين الصوم وبين عزيمة

(1) كذا في الأصل.
(2) في الأصل (أن من عينهم لا نهار).

[ 323 ]

الأكل والشرب. فإذا قيل: عزيمة الأكل وإن لم تناف الصوم فمتى تنافي نية الصوم التي لا بد للصوم منها ولا يكون صوما إلا بها، لأن نية الصوم إذا كانت عند الفقهاء كلهم هي العزيمة على الكف عن هذه المفطرات وعلى ما حددتموه في المصباح هي العزيمة على توطين النفس على الكف إذا صادفت هذه العزيمة نية الصوم التي لا بد للصوم منها أفسدت الصوم. قلنا: عزيمة الأكل لا شبهة في أنها تنافي عزيمة الكف عنها، لكنها لا تنافي حكم عزيمة الصوم ونيته وحكم النية نفسها، لأن النية إذا وقعت في ابتداء الصوم استمر حكمها في باقي اليوم وإن لم تكن مقارنة لجميع أجزائه وأثرت فيه بطوله. وعندنا أن هذه النية زيادة على تلك مؤثرة في كون جميع أيام الشهر صوما وإن لم تكن مقارنة للجميع. وقد قلنا كلنا إن استمرار حكم النية في جميع زمان الصوم ثابت وإن لم تكن مقارنة لجميع أجزائه، ولهذا جوزنا وجوز جميع الفقهاء أن يعزب عن النية ولا يجددها ويكون صائما مع النوم والاغماء. ونحن نعلم أن منافاة عزيمة الأكل لعزيمة الكف وكذلك منافاة النوم والاغماء لها. ألا ترى أنه لا يجوز أن تكون النية عارية عنه في ابتداء الصوم ويكون مع ذلك صائما، وكذلك لا يجوز أن يكون في ابتداء الدخول في الصوم نائما أو مغمى عليه، ولم يجب أن ينقطع استمرار حكم النية بتجدد عزوب النية ولا يتجدد نوم أو إغماء مع منافاة ذلك لنية الصوم لو تقدم وقاربها. كذلك لا يجب إذا تقدم منه

(1) في الأصل (وإن لم تتساق).

[ 324 ]

الصوم بالنية الواقعة في ابتدائه ثم عزم في خلال النهار على أكل أو غيره من المفطرات لا يجب أن يكون مفسدا لصومه، لأن حكم الصوم مستمر. وهذه العزيمة لا تضاد بينها وبين استمرار حكم الصوم وإن كانت لو وقعت في الابتداء لخرجت عن الانعقاد. وإنما كان في هذا المذهب شبهة على الصائم تجديد النية في جميع أيام الصوم وأجزاء الصوم، وإذا كانت لا خلاف بين الفقهاء وأن تجديد هذه النية غير واجب لم يبق شهرة في أن العزيمة عن الأكل في خلال النهار مع انعقاد الصوم لا يؤثر في فساد الصوم، إذ لا منافاة بين هذه العزيمة وبين الصوم واستمرار حكمه، وإنما يفسد الصوم بعد ثبوته واستمرار حكمه لما نافاه من أكل أو شرب أو جماع أو غير ذلك مما اختلف الناس فيه. وعلى هذا الذي قررناه لا يكون من أحرم إحراما صحيحا بنية وحصلت في ابتداء إحرامه عزم في خلال إحرامه على ما ينافي الاحرام من جماع أو غيره مفسدا لإحرامه، بل حكم إحرامه مستمر لا يفسده إلا فعل ما نافى الاحرام دون العزم على ذلك. وهذا لا خلاف فيه. وكذلك من أحرم بالصلاة ثم عزم على شئ أو التفات أو على شئ من نواقض الصلاة لم يفسدها للعلة التي ذكرناها. وكيف يكون العزم مفسدا كما يفسده الفعل المعزوم عليه الشرعي، وقد علمنا أنه ليس في الشريعة عزم له مثل حكم المعزوم عليه الشرعي البتة. ألا ترى [ أن ] (1) من عزم على الصلاة لا يجوز أن يكون له حكم مثل حكم فعل الصلاة الشرعي، وكذلك من عزم على الوضوء.

(1) الزيادة منا.
(2) في الأصل (حظ).

[ 325 ]

وإنما اشترطنا الحكم الشرعي، لأن العزم في الثواب واستحقاق المدح حكم المعزوم عليه، وكذلك العزم على القبيح مستحق عليه الذم كما يستحق على الفعل القبيح، وإن وقع اختلاف في تساويه أو قصور العزم في ذلك عن المعزوم عليه. ومما يدل على صحة ما اخترناه أنه لو كان عزيمة الأكل وما أشبهه من المفطرات يفسد الصوم لوجب أن يذكرها أصحابنا في جملة ما عددوه من المفطرات المفسدات للصوم التي رووها عن ائمتهم عليهم السلام وأجمعوا عليها بتوقيفهم حتى ميزوا ما يفطر ويوجب الكفارة وبين ما يوجب القضاء من غير كفارة، ولم يذكر أحد منهم على اختلاف تصانيفهم ورواياتهم أن العزم على بعض هذه المفطرات يفسد الصوم، ولا أوجبوا فيه قضاء ولا كفارة، ولو كان العزم على الجماع جاريا مجرى الجماع لوجب أن يذكروه في جملة المفطرات ويوجبوا فيه إذا كان متعمدا القضاء والكفارة كما أوجبوا متناوله من ذلك. فإن قيل: فما قولكم في من نوى عند ابتداء طهارته بالماء إزالة الحدث ثم أراد أن يطهر رأسه أو رجليه غير هذه النية فنوى بما يفعل النظافة وما يجري مجراها مما يخالف إزالة الحدث. قلنا: إذا كانت نية الطهارة لا يجب إذا وقعت النية في ابتدائها أن تجدد حتى يقارن جميع أجزائها، بل كان وقوعها في الابتداء يقتضي كون الغسل والمسح طهارة، فالواجب أن نقول: متى غير النية لم يؤثر هذا التغيير في استمرار حكم النية الأولى. كما أنه لو عزم أن يحدث حدثا ينقض الوضوء ولم يفعله لا يحب أن يكون ناقضا لحكم الطهارة ولم يجر العزم على الحدث في الطهارة مجرى المعزوم نفسه. وهذا الذي شبه مسألة الصوم وإنا فرضنا من عزم على الفطر في خلال النهار وقلنا إنه بهذا العزم لا يفسد صومه.

[ 326 ]

وأيضا فإنه يمكن أن يفصل بين الوضوء وبين الصوم: بأن الصوم لا يتبعض ولا يكون بعض النهار صوما وبعضه غير صوم وما أفسد شيئا منه أفسد جميعه. وكذلك القول في الاحرام بالحج والدخول في الصلاة والوضوء يمكن فيه التبعيض وأن يكون بعضه صحيحا وبعضه فاسدا. فلو قلنا أنه إذا نوى إزالة الحدث وغسل وجهه ثم بدا له فنوى النظافة بما يفعله من غسل يديه أو غسل بدنه تكون هذه النية للنظافة لا لإزالة الحدث ولا تعمل فيه النية الأولى لجاز، ولكنا نقول له أعد غسل يديك ناويا للطهارة وإزالة الحدث ولا نأمره بإعادة تطهير وجهه بل البناء عليه. وهذا لا يمكن مثله في الصوم ولا في الاحرام ولا في الصلاة. فإن قيل: وأكثر ما يقتضيه ما بينتموه أن يكون الصوم جائزا بقاء حكمه مع نية الفطر في خلال النهار، فمن أين لكم القطع على أن هذه النية غير مفسدة على كل حال؟ قلنا: كلامنا الذي بيناه وأوضحناه يقتضي وجوب بقاء حكم الصوم طول النهار وإن (1) وقعت في ابتدائه، ونية الأكل غير منافية لحكم الصوم وإنما هي منافية لابتداء نية الصوم كما قلنا في عزوب النية والجنون والاغماء، وإذا كان حكم نية الصوم مستمرا والعزم على الأكل لا ينافي هذا الحكم على ما ذكرناه قطعنا على أنه غير مفطر، لأن القطع على المفطر إنما يكون بما هو مناف للصوم من أكل أو شرب أو جماع، والعزيمة خارجة عن ذلك. وأنت إذا تأملت في كلامنا هذا عرفت فيه حل كل شبهة تضمنتها تلك المسألة التي كنا أمليناها ونصرنا فيها أن العزم مفطر، فلا معنى لإفرادها بالنقض. وقد مضى في تلك المسألة الفرق بين تلك الصلاة وبين الاحرام والصوم،

(1) في الأصل (وإذا).

[ 327 ]

ولا فرق بين الجميع، فمن قال إن العزم على ما يفسد الصوم يبطل الصوم يلزمه مثل ذلك في الصلاة، ومن قال إنه لا يبطله يلزمه أن يقول مثل ذلك في الصلاة والاحرام. ومضى في تلك المسألة أن من فرق بنية دخوله في الصلاة العزم على المشي أو الكلام فيها تنعقد صلاته. وهذا غير صحيح، لأنه يعني الصلاة في الشريعة تتضمن أفعالا وتروكا، والأفعال كالركوع والسجود والقراءة والتروك كالكف عن الكلام والالتفات والمشي وما أشبه ذلك، فكيف يجوز أن يكون عازما في ابتداء الصلاة على أن يتكلم أو يمشي وتنعقد صلاته، ومن جملة معاني الصلاة أن لا يتكلم. ولو جاز هذا جاز أن تنعقد صلاته مع عزمه في افتتاحها العزيمة على حدث من بول أو غيره، لأن الحدث وإن أبطل الصلاة فالعزيمة عليه لا تبطلها، لأنه لا منافاة بينه وبينها، وبين عزمه على المشي منافاة لنية الصلاة من الوجه الذي ذكرناه.
(4) [ إضافة الأولاد إلى الجد إضافة حقيقية ] مسألة: ما تقول في رجل من ولد أبي طالب تزوج امرأة حسنية فرزقا مولودا فخرجت قسمة رسم مخرجها أن تفض على ولد فاطمة عليها السلام هل يستحق به هذا المولود من الحسنية أو الحسينية سهما لولادته من مولاتنا فاطمة صلوات الله عليها بما تقدم من قيام الدلالة من كتاب الله تعالى أن ولد البنت ولد الجد على الحقيقة، تفتينا في ذلك مأجورا.

[ 328 ]

الجواب: ولد البنت يضافون إلى جدهم إلى أمهم إضافة حقيقية، فمن وصى بمال لولد فاطمة عليها السلام كان عاما في أولاد بنيها وأولاد بنتها، والاسم يتناول الجميع تناولا حقيقيا.
(5) [ تحديد نسبة الأولاد إلى الآباء ] مسألة: ما تقول في من وقف على ولده وولد ولده ذكورهم وإناثهم بالسوية بينهم أبدا ما تناسلوا، فتزوجت إحدى بناته برجل من غير الواقف فرزق ولدا، فهل يستحق من الوقف ما يستحق أولاد الرجل لصلبه بالدلالة القائمة من كتاب الله تعالى أن ولد البنت ولد الصلب حقيقة لا مجازا، أفتنا في ذلك. الجواب: إذا أطلق الواقف القول بأن الوقف على ولده دخل فيهم ولد الأنثى البنت كدخول ولد الذكر، لأن الاسم يتناول الجميع على سبيل الحقيقة. اللهم إلا أن يستثنى اللفظ ويخصصه بما يخرج منه ولد البنت، وإلا فالاطلاق يقتضي ما تقدم ذكره.
(6) [ الفرق بين نجس العين ونجس الحكم ] مسألة: سئل رضي الله عنه عن معنى قول القائل: هذا نجس العين وهذا نجس الحكم

[ 329 ]

يبين ذلك. وهذا وقع نجس الحكم في الماء منجس أم لا؟ فأجاب بأن قال: الأعيان لا تكون نجسة، لأنها عبارة عن الأجسام، وهي جواهر متركبة، وهي مماثلة. فلو نجس بعضها تنجس سائرها، وكان لا فرق بين الخنزير وبين غيره من الحيوان في النجاسة، وقد علم خلاف ذلك. والتنجيس حكم شرعي، ولا يقال نجس العين إلا على وجه المجاز دون الحقيقة. والذي يدور بين الفقهاء في قولهم " نجس العين " و " نجس الحكم " محمول على ضرب من تعارفهم، وهو أن كل ما حكم بنجاسته في حال الحياة وحال الموت ولم يتغير أجزاء هذا الوصف عليه قالوا " نجس العين " كالخنزير، وما اختلف حاله فحكم عليه في بعض الأحوال بالطهارة وبعض الأحيان بالنجاسة قالوا " نجس الحكم ". ألا ترى أن ما تقع عليه الذكاة كالشاة وغيرها يحكم بطهارته حيا وبنجاسته إذا مات، والكافر يحكم بنجاسته في حال كفره وبطهارته عند إسلامه، فأجروا على ما اختلف حاله بأنه نجس الحكم وعلى ما لزمته صفة النجاسة في جميع الأحوال بأنه نجس العين. وقد علمنا أن الجنب يجري عليه الوصف بأنه غير طاهر، ومعلوم أن نجاسته حكمية. وأمثال هذا يتسع والمذكور منه فيه كفاية.
(7) [ تنجس البئر ثم غور مائها ] مسألة: بئر سقطت فيها نجاسة وغار ماؤها حتى لم يبق منه فيها شئ قبل التعرض

[ 330 ]

لنزحها ثم ظهر فيها الماء بعد الجفاف، ما حكم ذلك الماء الذي ظهر فيها من نجاسة أو طهارة؟ الجواب: إنني لست أعرف في هذه المسألة نصا، والذي توجبه الأصول أن يقال: إن الماء الذي ظهر في البئر بعد الجفاف على أصل الطهارة وغير محكوم بنجاسة. والوجه في ذلك: أن الماء الذي حكمنا بنجاسته من أجل مخالطته لسنا نعلم أهو الماء الذي الآن في البئر بعد جفافها وإلا أنه العائد (1) إليها، لأنه جائز أن يكون ذلك الماء الظاهر في البئر إنما هو من مواد لها وجهات أنضب إليها، وإذا لم يقطع على نجاسة هذا الماء فهو على أصل الطهارة: وليس لأحد أن يقول: ظهور الماء عقيب الجفاف أمارة على أن العائد هو الماء الأول المحكوم بنجاسته. وذلك أن ما ذكر (2) ليس بأمارة على عود الماء النجس، لأن جواز ظهور الماء بعد جفاف البئر من مواد ينضب إليها واتصلت بها كتجويز ظهور الماء بعود الماء الأول إليها، ولا ترجيح لإحدى الجهتين على الآخر، فلا أمارة في ظهوره على أنه هو الماء الأول، ولم يبق في أيدينا إلا التجويز بنجاسة كل ما يجوز أن يكون خالطته بنجاسة. فإن قيل: هذه بئر تعلق عليها الحكم بوجوب النزح فيجب أن ينزح على كل حال. قلنا: يعني وجب نزح البئر لأنزاح البئر نفسها، لأن نزحها نفسها لا يمكن وإنما يتعلق النزح بما فيها، وإذا وجب نزح ماء بئر لأجل نجاسة ثم فقد ذلك الماء

(1) لعل الصحيح (أو أنه العائد).
(2) في الأصل (وذكر أن ما ذكر).

[ 331 ]

فقد زال الحكم بوجوب النزح عن هذه البئر. وليس لأحد أن يقول: إن أرض البئر وجوانبها التي أصابها الماء النجس تنجس، فإذا تجدد عليها ماء جديد يحكم بنجاسته. لأن هذا يقتضي غسل البئر بعد نزح مائها، وهذا لا يقوله محصل.
(8) [ استحقاق مدح الباري على الأوصاف ] مسألة خرجت في صفر سنة سبع وعشرين وأربعمائة، قال رحمه الله: إعلم أنه لا يجب أن يوحش من المذهب فقد الذاهب إليه والعابر عليه، بل ينبغي أن لا يوحش عنه إلا ما لا دلالة يعضده ولا حجة تعمده. ولما فكرت فيما يمضي كثيرا في الكتب من أن القديم تعالى يستحق المدح عليه أنه تعالى لا يفعل القبيح، ورأيت أن إطلاق ذلك غير تفصيل وترتيب غير صحيح على موجب الأصول الممهدة: والذي يجب أن يقال: إنه تعالى من حيث أنه لم يفعل القبيح لا يستحق المدح التابع للأفعال لكنه يستحق المدح بذلك من حيث كان تعالى على صفات تقتضي ألا يختار فعل القبيح، كما يستحق تعالى المدح بكونه قديما وعالما وحيا وقادرا، وإن كان هذا المدح الذي يستحقه ليس هو كالمدح المستحق على الأفعال. والذي يدل على ما ذكرناه: أنه عز وجل لا يختار القبيح، إما لثبوت الصارف عنه، وهو كونه تعالى عالما بقبحه وأنه غني عنه، أو من حيث أنه لا داعي إلى فعله، على اختلاف عبارة الشيوخ عن ذلك، فجرى مجرى من لا يختار القبيح منا بالالجاء إلى أن لا يفعله في أنه لا يستحق مدحا. ألا ترى أن أحدا لا يستحق المدح

[ 332 ]

بألا يقتل نفسه وولده ويتلف أمواله، لأن ذلك مما لا يجوز وقوعه منه للصارف القوي عنه. وليس لهم أن يفرقوا بين الأمرين بالالجاء ويقولون: إن أحدنا ملجأ إلى أن [ لا ] (1) يقتل نفسه ويتلف ماله للمضرة التي تلحقه بذلك، والقديم تعالى غير ملجأ إلى أن لا يفعل القبيح. لأن المضار التي بها يكون الالجاء لا تجوز عليه، وذلك أن المعول على المعاني دون العبارات، وإنما كان أحدنا ملجأ إلى أن [ لا ] يقتل نفسه لثبوت الصارف القوي عن ذلك وإنه ممن لا يجوز أن يختاره وحاله هذه. وهذه حال القديم تعالى في كونه غير فاعل، لأن ذلك إنما اعتبر استعماله في من ألجأه غيره وحمله إما على أن يفعل أو على أن لا يفعل. وقولهم في الكتب: إن الإلجاء إذا لم يكن من باب المنع فلا يحصل إلا بالمضار الحاضرة. تحكم غير مسلم، لأن الالجاء في الموضع الذي ذكروه معلوم سقوط المدح فيه، فيحتاج إلى أن يعلل بأنه لم يسقط المدح فيه عن الفاعل، وإذا فعلنا ذلك لم نجد له علة إلا خلوص الصارف وأنه لا يجوز من العاقل والحال هذه أن يفعل ما خلص الصارف عن فعله. وهذا بعينه ثابت في الأفعال القبيحة مع الله تعالى، لأنه جل اسمه لا يجوز، البتة أن يختار القبيح، لأن علمه بقبحه وبأنه غني عنه صارف، فلا يجوز معه وقوع القبيح على وجه من الوجوه، فينبغي أن يسقط المدح كما يسقط في الموضع الذي ذكروه. وليس بنا حاجة إلى المضايقة في تسمية ذلك الجاءا، فلا معنى للخلاف في العبارات.

(1) الزيادة منا.

[ 333 ]

وكيف يجوز أن نقول: حكم الالجاء مقصور على المضار الحاصلة. وعندنا أن ههنا ضربا من الالجاء بغير المضار، وهو أن يعلم الله تعالى القادر أنه متى رام الفعل منعه منه. فإذا قالوا: إن الالجاء إذا لم يكن بالمنع - وهو وجه الذي ذكرتموه - فلا يكون بالمضار. قلنا: إذا كان الالجاء فلا يكون بالمضار ويكون بالوجه الذي سميتموه، فألا جاز ثلاث وهو الوضع الذي أشرنا إليه، لمساواته في الحكم للوجهين اللذين ذكرتموهما، لأن الوجهين اللذين عنيتم إنما كان لهما حكم الالجاء لخلوه من الصارف والقطع على أن الفعل لا يجوز البتة وقوعه، وهنا ثابت فيما ذكرناه. فإن قالوا: قد ثبت أن أحدنا لو استغنى بحسن عن قبيح - بأن يقدر وصول صاحبه إلى درهم يعلم أنه يصل إليه بكل واحد من الصدق والكذب - فإنا نعلم أنه لا يختار وحاله هذه إلا الصدق، ومع هذا فإنه يستحق المدح على امتناعه من القبيح مع ثبوت الصارف عنه، وهو الاستغناء بالصدق عنه. فيعلم بذلك أن القديم تعالى يستحق المدح وإذا لم يفعل القبيح، لأن الحالين واحدة. قلنا: ومن الذي يسلم لكم أن أحدنا إذا استغنى بالصدق عن الكذب وحاله ما ذكرتم يستحقه بامتناعه من الكذب مدحا، فدل على ذلك فإنه دعوى منك، و هيهات أن يتمكنوا من الدلالة عليه. ولو جاز أن يستحق مدحا وحاله هذه على امتناعه من القبيح لجاز أن يستحق المدح على امتناعه من القبيح مع الالجاء، فأي فرق بين الأمرين والصوارف ثابتة والدواعي مرتفعة، والقطع على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح وحاله هذه حاصل على أن أحدنا لو استحق المدح في هذه الموضع - وأن القول أيضا الأصح

[ 334 ]

أنه لا يجوز أن يستحقه - بينه وبين القديم تعالى [. ] (1) منفعة في الكذب وداع إليه على كل حال، وإن [. ] (1) فيما يصل إليه بهما من النفع، والقديم تعالى لا حاجة له ولا منفعة تتعلق بكل واحد من [. ] أحدهما قبيح صارف خالص من فعله واستحقاق المدح مع ذلك بعينه (2). فإن قالوا: فيجب على هذا أن لا يمدح من لا يفعل القبائح حتى يعلم من حاله أنه امتنع مع الحاجة إليها وأنه ليس بمستغن عنها. قلنا: كذلك، ومن الذي يقول إن كل ممتنع من القبيح لا لقبحه بل لغير ذلك لا يستحق مدحا، فنحن لا نمدح الممتنع من القبيح إلا بعد أن نعلم أنه امتنع منه لقبحه. وكذلك لا قدح إلا إذا علمنا له إليه داعيا ولا لمدحه مع خلوه من الصوارف عنه. فإن قالوا: فيجب [. ] يستحق المدح من فعل الواجب. قلنا: أما الضرب من المدح الذي يستحق على الأفعال فيجب أن لا يستحقه تعالى على فعل الواجب، لأنه لا داعي له إلى الاخلال به كما قلناه في فعل القبيح لكنه يستحق على ذلك الضرب الآخر من المدح الذي تقدمت الإشارة إليه كما يستحق هذا القبيح بأن لا يفعل القبيح. فإن قيل: فكيف قولكم في استحقاقه تعالى المدح على الاحسان والتفضل. قلنا: يجب أن يستحق بذلك المدح المستحق بمثله على الأفعال، لأن الاحسان مما يجوز - وهو على ما هو عليه - أن يفعله وأن لا يفعله، وليس إليه داع موجب لا بد معه من فعله ولا عن الامتناع منه صارف خالص لا بد من ارتفاعه معه، والدواعي

(1) بياضات في الأصل.
(2) في الأصل (فعينه).

[ 335 ]

والصوارف مترددة، والدواعي إليه كونه إحسانا والصارف كونه غير واجب على الفاعل، فإذا أختار فعله فلا بد من استحقاق المدح. فإن قالوا: فيجب مع امتناع (1) أحدنا من القبيح الذي يستغنى عنه بالحسن أن يستحق الضرب الآخر من المدح الذي قلتم إن القديم تعالى يستحقه على أنه لم يفعل القبيح. قلنا: لا يجب ذلك، لأن القديم تعالى إنما لا يختار القبيح لكونه تعالى على صفات نفسه يقتضي ذلك يستحق بها المدح والتعظيم من كونه تعالى غنيا عالما، وهذا غير ثابت في أحدنا. وإنما اتفق لأمر عارض كان يجوز ألا يحصل استغناؤه عن القبيح بالحسن، من غير أن يكون له في نفسه وجه لاستحقاق ضرب من ضروب المدح. فإن قيل: هذا الذي حررتم يخالف كل شئ سطره الشيوخ قديما في هذه المسألة. قلنا: الذي ذكروه أنه تعالى يستحق المدح بألا يفعل القبيح، وقد قلنا بذلك ودللنا عليه، فما خالفنا ظاهر ما أطلقوه وإن كانوا [. ] (1) الضرب الآخر من المدح الذي من شأنه أن يسقط عند خلوص الصوارف فقد زلوا في ذلك، والزلل جائز عليهم لا سيما في هذه المواضع [. ] (1).
(9) [ المنع من العمل بأخبار الآحاد ] مسألة خرجت في شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين، قال رضي الله عنه:

(1) في الأصل (مع امتنع).
(2) بياض في الأصل.

[ 336 ]

فيما يجب الاعتماد في فساد العمل بأخبار الآحاد في الشريعة قوله تعالى " ولا تقف ما ليس لك به علم " وقوله تعالى " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " (2)، وكل آية تنهى فيها عن الفعل من غير علم، وهي كثيرة. ولما كان بخبر الواحد في الشريعة عاملا به الظن من غير علم لصدق الراوي يوجب أن يكون داخلا تحت النهي. فإن قالوا: في العامل بخبر الواحد علم وهذا العلم بصواب العمل بقوله وحسنه وإن لم يكن عالما بصدقه فلم يجب العلم من العمل (3)، وإنما نهى تعالى عن العمل الذي لا يستند إلى شئ من العلم. قلنا: الله تعالى نهى عن اتباع ما ليس لنا به علم، [ ولو عملنا ] (4) بخبر الواحد فقد قفونا ما ليس له علم، لأنا لا ندري أصدق هو أم كذب، والعلم بصواب العمل عنده هو علم به، وأقوى العلوم به العلم بصدقه، وليس ذلك بموجود في العمل بخبر الواحد، فيجب أن يكون النهي متناوله. فإن قيل: نهينا (5) عن أن نقتفي ما ليس لنا به علم، ونحن إذا عملنا بخبر الواحد فإنما اقتفينا بخبر قول الرسول صلى الله عليه وآله الذي يعبدنا بالعمل به والدليل الدال على ذلك ولم نتبع قول الخبر الواحد. قلنا: ما اقتفينا إلا بقول الخبر الواحد ولا عملنا إلا على قوله، لأن عملنا مطابقا لما أخبرنا به مطابقة يقتضي تعلقها به. وإنما الدليل في الجملة عند من ذهب

(1) سورة الاسراء: 36.
(2) سورة البقرة: 169.
(3) في الأصل (فلم يجب العمل من عمل).
(4) زيادة منا.
(5) في الأصل (لقينا).

[ 337 ]

إلى هذا المذهب إلى وجوب العمل بخبر الواحد العدل وعلى طريق التفصيل إنما نعمل بقول من أخبرنا بتحليل شئ بعينه أو تحريمه. وبعد، فلو سلمنا أنا مقتفون قول النبي صلى الله عليه وآله لكان لا بد من كوننا مقتفين أيضا قول المخبر لنا بالتحليل أو التحريم. ألا ترى أن قوله عليه السلام لو انفرد عن خبر المخبر (1). فإن قيل: هذا سيبطل بالشهادات، وقيم المتلفات، وجهة القبلة، ومسائل لا تحصى. قلنا: أخرجنا هذه المواضع كلها من ظاهر الآية بدليل وبقي موضع الخلاف متناولا حكمه للظاهر. ويمكن أيضا أن يستدل على أن الظن عند خبر الواحد في الشريعة لا يجوز العمل عنده، وكذلك في القياس الشرعي، بأن الله تعالى ينهى في الكتاب عن اتباع الظن والعمل به، وظاهر ذلك يقتضي العمل به ولا عنده في موضع من المواضع، ولما دلت الأدلة الظاهرة على العمل عند الظنون في مواضع من الشريعة خصصنا ذلك بتناوله النهي وبقيت مسائل الخلاف يتناولها الظاهر ولا نخرجها منه إلا بدليل، ولا دليل يوجب إخراجها.
(10) [ الجسم لم يكن كائنا بالفاعل ] مسألة خرجت في ربيع الأول سنة سبع وعشرين وأربعمائة، دليل لم نسبق عليه على أن الجسم لم يكن كائنا بالفاعل (2) قال، رحمه الله:

(1) كذا، والعبارة فيها نقص.
(2) في الأصل (بأنها على).

[ 338 ]

الذي يدل على ذلك: أنه لو كان الجسم كائنا بالفاعل لوجب أن يكون التأثير (1) في هذه الصفة من صفات الفاعل لأنه ذات الفاعل لا يجوز أن يؤثر في كون الجسم على صفة، ولا يخلو من أن تكون تلك الصفة المؤثرة هي كون الفاعل قادرا أو كونه مريدا أو كارها، كما تحصل هاتين الصفتين مؤثرتين في كون الخبر والأمر على ماهما عليه. ولا يجوز أن يؤثر في كون الجسم كائنا في المحاذيات كون الفاعل مريدا أو كارها أو صفة من صفاته غير كونه قادرا، لأنه قد يعرض (2) في هذه الصفات كلها ويجعل الجسم كائنا ومتحركا وساكنا. ألا ترى أن النائم والساهي قد يخلوان (3) من الإرادة والكراهة والعلوم ومع هذا يجعلان الأجسام مستقلة في المحاذيات. فثبت أن التأثير بكونه قادرا، وكونه قادرا صفة مؤثرة في الأحداث، فيجب أن لا يؤثر سواه. ألا ترى أن كونه قادرا لا يؤثر في كون الفعل محكما ولا في كون الصوت خبرا وأمرا. وحيث (4) كانت هذه كلها أحوالا زائدة على الأحداث فيجب أن يؤثر كونه قادرا في كون الجسم كائنا لما ذكرناه.
(11) [ النظر قبل الدلالة ] مسألة، قال رضي الله عنه:

(1) في الأصل (أن يكون الرر).
(2) كذا في الأصل.
(3) في الأصل (قد يخلوا).
(4) في الأصل (وامرأة من حيث).

[ 339 ]

إعلم أن عادة الشيوخ جرت إذا ذكروا في كتبهم أن من الواجبات النظر في طريق معرفة الله تعالى أن يبتدؤا بالدلالة على أن كون النظر أولا قبل الدلالة على وجوبه. والظاهر يقتضي العكس فيما فعلوه. وليس يجوز أن يكون الوجه في ذلك أن كون النظر لا سابقا وكونه واجبا صفتان له، وأنت بالخيار في تقديم كل واحدة على الأخرى. وذلك أن كونه أول الواجبات يتضمن دعوى وجوبه وأوليته، وليس يمكن أن يعلم أنه أول الواجبات فوجب لذلك تقديم الكلام في أوليته، لانفصال الوجوب من الأولية وتعلق الأولية بالوجوب. ولما فكرت في جهة العذر في ذلك لم أجد إلا ما أنا ذاكره، وهو: أن الدلالة على وجوب النظر مبنية على وجوب معرفة الله تعالى، ومعرفة الله تعالى مبنية على أن اللطف في فعل الواجبات العقلية، وهو العلم باستحقاق الثواب والعقاب على الطاعات والقبائح لا يتم إلا بمعرفة الله تعالى، ومبني على أن اللطف واجب على الله تعالى إذا كان من فعله، وإذا كان من فعلنا فواجب علينا، فصار العلم بوجوب النظر في معرفة الله تعالى لا يتم إلا بعد معارف كثيرة طويلة لا يمكن أن يدل عليه عاجلا من غير حوالة على ما يطول من أصول كثيرة، وأخروا الكلام في وجوبه لما ذكرناه من تعلقه لما لا يمكن الكلام في هذا الموضع. والله أعلم.
(12) [ التاء في كلمة " الذات " ليست للتأنيث ] مسألة: سئل رضي الله عنه عن التاء في قولنا " ذات القديم تعالى " [ و ] في قولهم

[ 340 ]

" صفات الذات " و " ذات الباري " فقيل: هل التاء في " ذات " للتأنيث كقولنا " جاءتني امرأة ذات جمال " أو هي من نفس الكلمة كالتاء في قولنا " بات ". فأجاب فقال: الجواب وبالله التوفيق: إن صفات التأنيث لا تجوز عليه تعالى، لأنها تقتضي النقص عن كمال التقصير، ولا يجوز عليه تعالى ما يقتضي نقصا ويبقى كمالا. وليس يعترض على هذا الذي ذكرناه قولهم " علامة " و " نسابة "، لأن الهاء ههنا ليست للتأنيث وإنما هي للتأكيد وقوة الصفة. وقولنا " ذات " لا يقتضي تأنيثا، والتاء في اللفظ ليست للتأنيث بل هي من نفس الكلمة، ولم يدل على ذلك إلا أنه يستعمل في القديم تعالى منزه عن التأنيث. ويدل على قولنا " ذات " ليست التاء الداخلة فيه للتأنيث: أنه وصف يجري [ على ] الذكر والأنثى وجميع الموجودات ويجري على المعدومات كلها عند أكثر المتكلمين، فلو كان للتأنيث لما جرى على الذكر ولاختصت به المؤنثات، ولما جرى أيضا على الأعراض وما يوصف به على الحقيقة بتأنيث ولا تذكير. فوضح بذلك أنه لا يختص التأنيث وإنما هو عبارة عن نفس الشئ وعينه، فنقول: ذات يخالف الذوات كما نقول عين يخالف الأعيان. وإنما نعني بقولنا " امرأة [ ذات ] جمال فالتاء للتأنيث لا محالة، لأنها تختلف في المذكر والمؤنث، فتقول " جاءني رجل ذو جمال وامرأة ذات جمال "، فلو لم تكن للتأنيث لما اختلف مع التذكير ولا تخالف المذكر والمؤنث في الوصف بأنه ذات على ما بيناه. فالله أعلم بالصواب.

[ 341 ]

(13) [ منع كون الصفة بالفاعل ] مسألة: استدل من منع من كون الصفة بالفاعل، بأن قال: لو كانت بالفاعل لكان متى قدر على جعل الذات على صفة يكون عليها بالفاعل. ألا ترى أن [ من ] قدر منا على جعل الصوت خبرا فهو قادر على أن يجعله أمرا ونهيا وخبرا عن كل مخبر عنه من حيث كانت هذه الصفات أجمع بالفاعل. فلو كان الجسم مستقلا بالفاعل لكان كونه أسود وأبيض بالفاعل، لأن الطريق واحد. وهذا الدليل معترض، بأن يقال: ما أنكرتم أن يكون انتقاله بالفاعل وكونه أسود وأبيض بمعنى، لأن الصفات التي تجوز على الذات ينقسم استنادها: فتارة تستند إلى الفاعل، فما الذي يمنع عن استناد الانتقال إلى الفاعل والسواد والبياض إلى العلة. وإذا كنا نجوز ذلك يمكن القطع على أن السواد إذا كان لعلة كان الانتقال كذلك. وليس يعصم من هذا السؤال قولهم: إن الصفتين إذا كانت كيفية استحقاقهما واحدة لم يجز أن يكونا مستحقين من وجهين مختلفين، فلما كان الجسم يستحق كونه أسود يستحق كونه منتقلا في باب الصحة والجواز والشروط، وجب متى كانت هذه الصفة بالفاعل أن تكون الأخرى كذلك. وإن كانت لمعنى فكذلك، لأن الاشتراك في كيفية الاستحقاق - وهو حصول الصفة على وجه الجواز - إنما يدل على أن الصفة ليست للنفس، فإذا انتفى بالاشتراك في هذه الكيفية كون الصفة مستندة إلى النفس، وانقسم بعد ذلك بما يمكن استناد الصفة إليه: فتارة يكون بالفاعل، وأخرى بالعلة.

[ 342 ]

فمتى علمنا بالدليل أن العلة أثر بها قطعنا بذلك، ومتى دل على أن الفاعل أثر بها حكمنا به، ومتى جوزنا في البعض أن يكون الفاعل هو المؤثر والبعض العلة وجب التوقف وترك القطع. وهذه حالنا في انتقال الجسم وكونه أسود، لجواز أن يستند الانتقال إلى الفاعل والسواد إلى المعنى. فلا سبيل بالاعتبار الذي اعتبر على أن يقطع على أن الانتقال لا يجوز استناده إلى الفاعل من غير توسط معنى.
(14) [ الدليل على أن الجوهر ليس بمحدث ] مسألة: ومما استدلوا بها على أن الجوهر لا يكون محدثا، بمعنى أن ذلك لو وجب فيه لكان المعنى الذي يحتاج إليه في حدوثه يفتقر إلى معنى، لمشاركته له في العلة التي احتاج إليه من أجلها، وهي حدوثه مع جواز ألا يحدث. وذلك يؤدي إلى إثبات ما لا نهاية له من إثبات الحوادث، وهو مستحيل. وهذا الدليل يعترض بمثل المسألة الأولى، لأنه يمتنع أن يكون حدوث بعض المحدثات لعلة حدوث البعض الآخر بالفاعل. وقولهم: إنهما إذا اشتركا في كيفية الاستحقاق لم يجز أن يقتضي أحدهما أمرا والآخر سواه. باطل، لأن المشاركة في كيفية الاستحقاق جواز الحدوث يمنع من استناد الصفة إلى النفس، وإذا بطل استنادها إلى النفس لم يمتنع انقساما يستند إليه، فيكون في بعض الذوات بالفاعل وفي بعض بالعلة. وهذا أمر متلبس لا سبيل إلى العلة، بل الشك في ذلك والتجويز هو الواجب

[ 343 ]

إلى أن يدل دليل.
(15) [ إبطال قول " إن الشئ شئ لنفسه " ] مسألة: لا يجوز أن يقال إن الشئ شئ لنفسه. لأن ذكر المعلوم بأنه شئ ليس بصفة لاشتراك الموجود والمعدوم والأجناس المختلفة في إجراء هذا الاسم عليها. فإن قيل: فلما تصفون الموجود بأنه موجود لنفسه وإجراء ذلك في القديم تعالى. قيل له: لأن الوجود صفة، فجاز أن يستند إلى النفس. فإن قيل: فما تقولون في العرض. قيل: إجراء هذا الاسم على ما ليس بصفة وإن كان غير قولنا عرض أنه الذي لا لبب (1) له كلية الأجسام، وهذا الحكم فليس بصفة.
(16) [ النسبة بين الأفعال وما هو لطف منها ] مسألة: إن يسأل سائل عن وجه المناسبة بين الأفعال في العقل وبين ما هو لطف فيها من الشرعيات.

(1) كذا في الأصل.

[ 344 ]

فالجواب: أنا إذا علمنا كون هذه الأفعال - أعني الشرعيات - واجبة علمنا أن لها وجها (1) ومناسبة بين ما هي لطف وإن لم يتعين لنا وجه المناسبة، غير أنهم قد بينوا ما يمكن أن يكون وجها على طريق الاستظهار [. ] (2) وقالوا: إنه يمكن أن يكون الوجه أن في الشرعيات من ذكر الله تعالى والرجوع إليه والتمسك بطاعته وتوطين النفس عليها، مثل الذي يجب على المكلف في التكليف العقلي أن يفعله، فإذا عزم على هذا الفعل ووطن نفسه على الاستكثار وسارع إلى مثله في العقليات. والوجه الثاني في هذه الأفعال من تحمل المشقة على وجوه مخصوصة مثل ما في تلك الأفعال. وهذا يسقط استبعاد من يستبعد كونها تصلح في العقليات، وقالوا: أنا لا نقطع على أنها مصلحة لأي وجه من هذين الوجهين. وإنما أوردنا ليزيل ما يتوهم ويستبعد من المناسبة. وبينوا: أن الطريقة في ذلك كالطريقة في الآلام والغموم والمعالجات، وذلك أن من نزلت به الآلام فتلف لها وطلب التخلص منها بالمكاره والعلاج واحتمى من الملاق (3) طلبا للسلامة منها يكون أقرب إلى مفارقة المعاصي وفعل الطاعات وتحمل المشقة فيها، ليتخلص من العقاب الدائم ويستحق الثواب الدائم. ثم لم يجز أن يعرف التفصيل في ذلك، ولا أن يقطع على أن هذا هو الوجه دون غيره. وبينوا ذلك أيضا بأن الانسان إذا قارف ذنبا وجب عليه التوبة منه، قد

(1) في الأصل (أن لها وجوب).
(2) بياض في الأصل. (3) كذا في الأصل.

[ 345 ]

حصل ليزيل من نفسه العقاب. ولا فرق بين أن يعرف عين الفعل وبين أن لا يعرفه، في أن وجه وجوب التوبة قد حصل له وقد تمكن من تلافي ما كان منه، فكذلك القول في المصالح، لأنها إنما تجب لما يتضمن من إزالة المضرة واجتناب المنفعة على ما بين.
(17) [ دور العقل والسمع في النوافل ] مسألة: إذا قلنا: إن النوافل إنما يتعلقها لذلك السمع، وهو استحقاق الثواب عليها وإن تركها لا يستحق العقاب عليه، فلا بد من بيان أن السمع هو الكاشف عن ذلك وأن العقل لا مدخل له فيه. وذلك أنه قد تقرر كونها لما فيها من المشقة قبيحة، فلو لم يكن فيها بعض وجوه المصالح لعرضنا لاعتقاد يجري مجرى الجهل، لأنه كان يجب لولا البيان أن نعتقدها قبيحة منا ومن حقها أن تكون حسنة. والوجه الذي ذكر في حسنها: أنها مسهلة للفرائض، فكأن المكلف إذا مرن على فعلها واعتادها يكون إقدامه على الواجب أسهل وعلى النفار من فعله أبعد، فيكون وجها مقويا داعيا إلى فعل الفرائض. وعلى هذا ورد الشرع في أن يأمر الصبي بالصلاة في حال ويضربه على فعله في حال، لكي يعتاد ويمرن عليها. فإذا كان ما يتقدم التكليف يؤثر هذا التأثير، فإن تأثر (1) النوافل على هذا الحد

(1) في الأصل (فلا تؤثر).

[ 346 ]

في حال التكليف أقرب. وهذه الطريقة متعارفة، لأن من يتحمل المشقة فيما لا يجب عليه يكون الواجب عليه أسهل عنده وأقرب إلى فعله. وقد قيل: إن النوافل مسهلة لأمثالها من العقليات من الاحسان والتفضل، واعتبر قائل ذلك أنها لو كانت مقربة إلى فعل الواجبات الشرعية لوجبت كما وجبت الشرعيات لتقربها من الواجبات العقلية. وفي هذا نظر.
(18) [ الدليل على أن الجواهر مدركة ] مسألة: استدل على أن الجواهر مدركة: بأن النبي صلى الله عليه وآله لو خبر بأن زيدا في الدار وكون جسم مخصوص فيها، ثم أدركناه على حد ما أخبر به تقوى العلم بذلك، فلو لا أن الادراك تناوله لما وجب قوة العلم لما كان متناول الخبر والادراك واحدا، إذ لو كان مختلفا لما أوجب ذلك.
(19) [ دفع شبهة للبراهمة في بعث الأنبياء ] شبهة للبراهمة: قالوا: لو حسنت البعثة لكان من يبعثه الله تعالى لأداء الرسالة يقطع على أنه سيبقى حتى يؤديها، لأنه متى لم يقطع على ذلك جوز ألا يكون تعالى مزيحا لعلة المبعوث إليهم في مصالحهم. وقطعه على البقاء مفسدة، لأنه إغراء بالمعاصي على

[ 347 ]

ما يقولون بمثله في سائر المكلفين وكما يذكرونه في تعريف الصغائر وتعريف غفران الكبائر. وهذا يجوز أن يكون بعثة الرسول لا تنفك من القبيح، فإذا ثبت أنه لا يجوز أن يستصلح المبعوث إليهم باستفساد المبعوث فيجب قبح البعثة. الجواب: إن الرسول فيما كلفه من أداء الرسالة بمنزلته في سائر ما كلفه في أنه يعلم أنه سيبقى بشرط، وهذا السؤال لأنه إذا جوز في سائر ما كلف لأنه قد علم بحكم النقل أن تكليفه على شريطة، وإذا لم يقطع على حصولها جوز أن لا يكون مكلفا وإن كان يعلم أن تلك الشريطة متى ثبتت كان مكلفا. وليس كذلك حال أداء الرسالة، لأنه قد يعلم أن البعثة بها أرادها إلى المبعوث إليهم، فمتى لم يمكن من إلا (1) لم يزح علة المبعوث إليهم في المصالح، فيعلم لعقله؟ أنه يمكن من التأدية محصل من ذلك الاغراء. فيقال له: وإن علم في الرسالة أنها مصلحة للغير وأنه متى لم يعلمها ذلك الغير لم يكن مزاح العلة فإنه يجوز متى لم يكن من إلا (1) أن يؤمر بها غيره فيزاح علته، لأن الذي يعلمه بالعقل أنه لا بد من إزاحة علة المكلف ثم لا يعلم أن ذلك يكون [. ] (2) قبل غيره، كمالا يعلم أنه يكون بالمشافهة دون الخبر وشكه في [. ] (2) لا نمنع من حصول اليقين من له ولا يؤدي إلى فساد. فإن قيل: فيجب على هذا الجواب أن لا يعلم الرسول أنه قد حمل الرسالة لا محالة. قيل: هو يعلم ذلك وإنما يشك هل كلف [. ] (2) في الأحوال المتراخية أم لا، مع علمه بأنه قد كلف لا محالة إن بقي على شرائطه.

(1) كذا في الأصل.
(2) بياض في الأصل.

[ 348 ]

فإن قيل: إنما حمل الرسالة حتى يؤدي، فيجب أن يقطع ثبوت الأول. قيل له: إن من سلك هذه الطريقة يقول: إنما حملها لكي يؤدي إن بقي على صفات المكلف، ولا يطلق إلا ما أوردت إطلاقا، كما يقول في رد الوديعة عند المطالبة إنه مكلف ذلك إن بقي متمكنا، وإن لم يتمكن لم يجب إلا أن يكون مكلفا في الأول على الشرط الذي ذكرناه. فإن قيل: الغرض فيما يفعله من مقدمات الوديعة وصولها إلى [. ] (1)، فالغرض بتحمل الرسالة العزم على تأديتها إلى من بعث الرسول إليه. جواب آخر: إذا قلنا أنه يعلم [. ] (1) الرسالة فلا يجب بذلك الاغراء، لأن الاغراء يختلف باختلاف المكلفين، فمن علم من [. ] (1) على الطاعة لكونه معصوما والعلم بحاله في إيثاره التمسك بما يلزمه فعله بذلك لا يكون [. ] (1) من حاله خلاف ذلك يكون إغراء في حقه، فتختلف أحوال المكلفين بحسب المعلوم من أحوالهم، فلا يجب [. ] (1) قدروه من الفساد. ولمن حكم بأن في المعاصي صغائر أن يفرق بين العلم بصغير المعصية والعلم [. ] (1) أن يقول: العلم بصغير المعصية يقتضي أن لا يستضر بفعلها ضررا يعتقد بمثله مع ما له فيها من الشهوة، فيكون ذلك إغراء. وكذلك القول في تعريف القرآن. وليس كذلك إذا علم أنه سيبقى يجوز معه ألا يختار التوبة، فالمخالفة قائمة من الإقدام على المعاصي، فلذلك جاز أن تختلف أحوال المكلفين فيه.

(1) بياضات في الأصل.

[ 349 ]

وإنما يصير الاعلام بالتبعية إغراء إذا أضافه إلى العلم بأنه مأمور لا محالة وإن أقدم على المعاصي. ويمكن أن يقال: إنه يأمن ألا يستكثر من الطاعات فتفوته المنافع العظيمة والخوف من فوات المنفعة كالخوف من فوات المضرة. ووجدت عبد الجبار بن أحمد قد ذكر في هذا فضلا في المعنى، وهو أن قال: إن الرسول يقطع على أنه سيبقى إلى أن يؤدي الرسالة التي حملها، ثم بعد يعود حاله إلى أنه في كل وقت مستقبل يجوز أن يبقى وأن يقطع تكليفه، وكذلك كانت أحوال الأنبياء تنتهي إلى هذه الطريقة. وذلك يزيل ما نذكره من الاغراء، لأن الوجل والخوف إنما يزولان عنه متى علم انتهاء (1) تكليفه، فأما إذا لم يعلم فالخوف قائم. وهذا الجواب يعترض، بأن يقال: إنما ألزمت الاغراء في الحال التي يقطع فيها المكلف على أنه سيبقى لا محالة، وهي الحال التي يعلم فيها بقاؤه إلى حين الأداء. فأما بعد هذه إلى الحال فلا قطع للنبي عليه السلام على البقية والاغراء ليس بحاصل، فإذا علم انتهاء تكليفه عادت الحال إلى الاغراء. فيعلم أن هذا الجواب ليس بصحيح.
(20) [ معنى النفع في الضرر ] مسألة: قال رضي الله عنه:

(1) في الأصل (بأنه مسمور).
(2) في الأصل (على انتهاء).

[ 350 ]

إن الألم يحسن إذا لم يكن ظلما ولا عبثا ولا مفسدة، وإن حد الظلم ما يعرى عن نفع يوفى عليه ودفع ضرر يزيد عليه. ومن رأيت هذا مضروبا والظاهر أنه ذو استحقاق وزيد فيه ولا كان على وجه المدافعة فإن ذكر القصد والحد، (فقيل) الألم المقصود متى يعرى من الوجوه الثلاثة كان ظلما لم يدخل المدافعة، لأن الألم فيها غير مقصود ولو قصد لكان قبيحا وظلما. ولا بد من بيان وجه قولهم: نفع في الضرر تجري الألم. والظاهر أن الظن يقوم مقام العلم في هذه الوجوه (1) كلها للاستحقاق، فإن الخلاف بين أبي علي وأبي هاشم: فذهب أبو هاشم إلى أن الظن فيه أيضا يقوم مقام العلم، واستدل بأنا نذم العاصي إذا غاب عنا وإن جوزنا أن يكون قد تاب لظن العلم، وقال أبو علي في هذا الموضع: وإنما يحسن الظن مشروطا لا مطلقا. وقول أبي علي كأنه أقوى، ويجب أن يراد به الوجوه التي يقصد بالألم، فيحسن عليها أن يفعل للاعتبار، ومعنى الاعتبار أن يفعل المؤلم عنده إما طاعة أو ممتنع أو من معصية. وهذا الوجه كا [. ] (2) من هذه الوجوه، لأن الله تعالى إذا فعل الألم للاختبار [.. ] الحاصل عليه، بل العوض (كالبايع) والأصل الاعتبار، فبالعوض يخرج من أن يكون عبثا. وهذا الوجه خاصة لا يصح إلا من القديم تعالى خاصة دون غيره من العباد، لأنه جل اسمه المكلف لهم، فإزاحة (3) علتهم بالإطلاق واجبة عليه وغيره من العباد

(1) في الأصل (الوجود).
(2) بياض في الأصل.
(3) في الأصل (فإناحة).

[ 351 ]

وليس بمكلف لغيره فيلزمه الطاعة. فصار هذا الوجه خاصة يختص بالقديم تعالى من الوجوه المشتركة بيننا وبين القديم تعالى. فعلم الألم بوجه الاستحقاق، فإن الله تعالى يعاقب العصاة ويؤلمهم لهذا الوجه كما يرم العاصي (2) وإن عمه ذلك [. ] (3) لهذا الوجه، فصار هذا الوجه مشتركا والأول خاصا به تعالى. فأما باقي الوجوه التي ذكرناها فنختص نحن بها دونه، فلا يصح دخول شئ منها فيما يدخله تعالى من الآلام. أما الظن فيستحيل عليه تعالى لأنه عالم لنفسه. وأما فعل الألم لدفع الضرر فإنما يحسن منا إذا كنا لا نتمكن من دفعه إلا به، ولهذا لا يحسن أن يخرج الغريق من الغمرة بأن يكسر يده إلا إذا لم يتمكن من إخراجه إلا كذلك، فإن تمكنا من إخراجه بغير كسر يده فأخرجناه كا [. ] (3) من يده ضمنا كسر يده. ولما كان القديم تعالى قادرا على دفع كل ضرر قل أم كثر من غير أن يفعل شيئا من الآلام ارتفع هذا الوجه أيضا من جملة أفعاله. وأما فعل الآلام فلا يحسن إلا إذا كان لا يوصل إلى النفع إلا به، ولهذا لا يحسن منا أن نتعب نفوسنا في طلب الأرباح ونحن نقدر على الوصول إليها من غير ألم ولا تعب. ولما كان القديم تعالى قادرا على إيصال [. ] (3) يريد إيصاله من المنافع من غير مقدمة ألم لم يحسن منه أن يؤلم لإيصال النفع. فلذا قلنا: إن الاعتبار هو المقصود والنفع تابع. فصار المحصل من هذه الجملة التي ذكرناها أن الوجوه التي يقع عليها الألم فيخرج من أن يكون ظلما فيها مشتركة بين القديم تعالى وبيننا وهو الاستحقاق فقط، ومنها ما يختصه تعالى وهو الاعتبار، ومنها ما يختصنا وهو باقي الوجوه من فعله

(1) كذا في الأصل.
(2) بياض في الأصل.

[ 352 ]

لرفع الضرر أو للنفع. وإذا كان غير مقصود فعلى سهل المدافعة، لأن هذا الوجه أيضا لا يليق بالقديم تعالى، لأنه قادر على دفع كل ألم يقصده الظاهر من غير فعل شئ من الآلام، ولأنه تعالى لا يصح أن يقع منه ألم غير ألم، والآلام في المدافعة لا تكون مقصودة. وتأمل هذه الجملة، فإن فيها فوائد كثيرة لا تمضي (1) في الكتب وما بسطناها في الذخيرة بحسن التوفيق. واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها تنقسم: فمنها ما إذا حصل تكامل منه بحصوله حسن إلا [. ] (1) في حسنه إلى غيره، ومنها ما لا يتكامل بذلك الوجه حسنه بل يقف كمال حسنه على غيره. فمثال الوجه الأول الاستحقاق، فإنه يحسن لكونه مستحقا من غير زيادة عليه، وكذلك يحسن الألم لدفع ما هو أعظم منه ويتكامل بذلك حسنه، وكذلك إذا وقع غير مقصود على وجه [. ] (1) فإنه يحسن هذا الوجه ويتكامل به حسنه. ومثال القسم الثاني الاعتبار، فأن الاعتبار لا يتكامل حسنه وإنما [. ] (1) من أن يكون عبثا، والنفع الزائد يخرج من أن يكون ظلما. ومثال هذا الوجه من الألم أيضا النفع، فإنه ينقسم، فإن فعلناه يضرنا، نظرنا فإن كان ممكنا أن نوصل ذلك الغير إلى النفع من غير ألم قبح الألم لكونه عبثا وإن كان فيه نفع. مثاله: إن استأجر الأجير بالأجرة الوافرة التي يرضى بها لاستيفاء الماء من نهر إلى آخر، فإنه يكون عبثا وإن لم يكن ظلما، ولا بد فيه من عوض زائد على إيصال النفع.

(1) بياض في الأصل.

[ 353 ]

وأما القسم الثالث - وهو ما تفعله نفوسنا من الألم - فيتكامل حسنه بالنفع الزائد من غير زيادة عليه، ومن شرطه أن يكون ذلك النفع لا يحصل إلا بتقديم هذا الألم. ومثاله: أتعاب إما معلوما وأما مظنونا. وكل وجه من هذه الوجوه التي ذكرنا أن [. ] (1) شئ عوض فيه المفسدة قبح لأجلها، لأن المفسدة متى عرضه غيرت وجوب الواجبات كلها وصارت [. ] (1) فأولى أن يكون الألم كذلك في الوجوه التي يحسن عليه الألم. وإذا قيل: وإذا كانت المفسدة تغير وجوب الواجبات فما الذي يؤمنكم أن يكون رد الوديعة أو قضاء الدين مفسدة في بعض الأوقات. فالجواب عن ذلك: إنه لو كان شئ مفسدة في بعض الأوقات لوجب على الله تعالى أن يبينه لنا ويميزه، فلما لم يفعل ذلك علمنا أن جميع الأوقات متساوية في وجوب ذلك كله. وهذا بين.
(21) [ معنى قول النبي " من أجبا فقد أربى " ] مسألة: الإجباء في اللغة العربية هو بيع الزرع (2) قبل أن يبدو صلاحه، يقال: أجبا الرجل يجبي إجباءا فعل ذلك. فمعنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله " من أجبا فقد أربى ": أن من باع الزرع قبل أن يبدو صلاحه - وقد نهى عن ذلك وحظر عليه -

(1) بياض في الأصل.
(2) في الأصل (هو بياع الزوج).

[ 354 ]

يجري مجرى من أربى، لأنه فاعل المعصية محظور عليه، وإن لم يكن بيع ما لم يبدو صلاحه ربي في الحقيقة ولا معناه معناه غير أنه جار مجراه في الحظر والمعصية، وجار مجرى قول القائل " من زنى فقد سرق "، أي هو عاص مخالف لله تعالى، كما أن ذاك هذه حاله (1).
(22) [ اللفظة الدالة على الاستغراق ] مسألة: إن سأل سائل فقال: إذا لم يكن عندكم في لغة العرب لفظة هو حقيقة في الاستغراق، فمن أي وجه علم تناول الوعيد بالخلود كافة على جهة التأبيد. فإن قلتم: إنما علم ذلك من قصد النبي صلى الله عليه وآله ضرورة. قيل لكم: والنبي من أي وجه علم ذلك. فإن قلتم: اضطره الملك إلى ذلك. قيل لكم: والملك من أين علم ذلك، ومع كونه مكلفا لا يصح أن يضطره الله سبحانه إلى قصده. الجواب: أنا إنما قلنا في المحاورة وأنه لا لفظ موضوع فيها لذلك، إذا كان هذا غير ممتنع أن يكون في لغة الملائكة لفظ موضوع للاستغراق يفهمون به مراد الحكيم سبحانه في الخطاب، وإذا صح ذلك وخاطبهم الله بذلك صح أن يضطر الملك النبي " ص " إلى مراد الله تعالى منه في الاستغراق.

(1) في الأصل (هدنه حاله).

[ 355 ]

ويمكن أيضا أن يغني الله تعالى بعض ملائكته بالحسن عن القبيح ويضطره إلى علم مراده باستغراق كافة الكفار في تأييد العقاب وتناوله سائر الأوقات، ويضطر ذلك الملك غيره من الملائكة، ويضطر من اضطره النبي صلى الله عليه وآله إلى ذلك.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية