الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة - السيد أحمد الحسيني

رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة

(تقديم وإشراف): السيد أحمد الحسيني
(إعداد): السيد مهدي الرجائي


[ 2 ]

* كتاب: رسائل الشريف المرتضى - 3 * تأليف: الشريف المرتضى * تقديم: السيد أحمد الحسيني * إعداد: السيد مهدي الرجائي * نشر: دار القران الكريم - قم * طبع: مطبعة الخيام - قم * التاريخ: 1405 ه‍ * العدد (2000) نسخة

[ 3 ]

رسائل الشريف المرتضى (3)

[ 4 ]

منشورات دار القرآن الكريم قم - ايران

[ 5 ]

(30) جمل العلم والعمل

[ 9 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله ومستحقه، وصلى الله على سيد الأنبياء محمد وعترته الأبرار الأخيار، صلاة لا انقطاع لمددها ولا انتهاء لعددها، وسلم وكرم. أما بعد: فقد أجبت إلى ما سألنيه الأستاد - أدام الله تأييده - من إملاء مختصر محيط (1) بما يجب اعتقاده من جميع أصول الدين، ثم ما يجب عمله من الشرعيات التي لا ينكاد (2) المكلف من وجوبها عليه، لعموم (3) البلوى بها، ولم أخل شيئا " مما يجب اعتقاده من إشارة إلى دليله وجهة عمله، (4) على صغر الحجم وشدة الاختصار.

1) في متن شرح الجمل للقاضي ابن البراج: يحيط.
2) في (ش) لا يكاد ينفك المكلف.
3) في (ش) من عموم.
4) في (ش) علمه.

[ 10 ]

ولن يستغني عن هذا الكتاب مبتد تعليما " وتبصرة، ومنته تنبيها " وتذكرة. ومن الله استمد المعونة والتوفيق، وما المرجو لهما إلا فضله وما المعلق بهما إلا حبله، وهو حسبي ونعم الوكيل. باب (ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد) الأجسام محدثة، لأنها لم تسبق الحوادث، فلها حكمها في الحدوث. ولا بد لها من محدث كالصياغة والكتابة، ولا بد من كونه قادرا "، لتعذر الفعل على من لم يكن قادرا " ويتيسر على من كان كذلك. ولا بد من كون محدثها عالما "، وهذا الضرب من التعلق لا يصلح إلا من الموجود كونه قديما "، لانتهاء الحوادث إليه. ويجب كونه حيا "، وإلا لم يصح كونه قادرا " عالما " فضلا عن وجوبه. ويجب أن يكون مدركا " إذ أوجد المدركات، لاقتضاء كونه حيا ". ووجب كونه سميعا " بصيرا "، لأنه يجب أن يدرك المدركات إذا وجدت، وهذه فائدة قولنا سميع بصير ومن صفاته. وإن كانتا عن علة كونه مريدا " وكارها "، لأنه تعالى قد أمر وأخبر ونهى، ولا يكون الأمر والخبر أمرا " ولا خبرا " إلا بإرادة، والنهي لا يكون نهيا " إلا بكراهة، ولا يجوز أن يستحق هاتين الصفتين لنفسه، لوجوب كونه مريدا " كارها " للشئ الواحد على الوجه الواحد، ولا لعلة قديمة لما سنبطل به الصفات القديمة ولا لعلة محدثة في غير حي لافتقاره الإرادة إلى نية، ولا لعلة موجودة في حي لوجوب رجوع حكمها إلى ذلك، فلم يبق إلا لأن توجد لا في محل.

[ 11 ]

ولا يجوز أن يكون له في نفسه صفة زائدة على ما ذكرناه لأنه لا حكم لها) معقول من الصفات، ويفضي إلى الجهالات. ويجب أن يكون قادرا " فيما لم يزل، لأنه لو تجدد له ذلك لم يكن إلا لقدرة محدثة، ولا يمكن استناد أحداثها إلا إليه، فيؤدي إلى تعلق كونه قادرا " بكونه محدثا "، وكونه محدثا " إلى كونه قادرا "، وثبوت كونه قادرا " فيما لم يزد يقتضي أن يكون فيما لم يزل حيا " موجودا ". ويجب أن يكون عالما " فيما لم يزل، لأن تجدد كونه عالما " يقتضي أن يكون بحدوث علم، والعلم لا يقع إلا ممن هو عالم. ووجوب هذه الصفات له تدل على أنها نفسية، وادعاء وجوبها لمعان قديمة تبطل صفات النفس، ولأن الاشتراك في المقدم يوجب التماثل والمشاركة في سائر صفات النفس، ولا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات لاستنادها إلى النفس. ويجب كونه تعالى غنيا " غير محتاج، لأن الحاجة تقتضي أن يكون ينتفع ويستضر، ويؤدي إلى كونه جسما ". ولا يجوز أن يقال لصفة الجواهر والأجسام والأعراض لقدمه وحدوثه هذه أجمع، ولأنه فاعل للأجسام، والجسم يتعذر عليه فعل الجسم. ولا يجوز عليه تعالى الرؤية، لأنه كان يجب مع ارتفاع الموانع وصحة أبصارنا أن نراه، وبمثل ذلك نعلم أنه لا يدرك بسائر الأجسام. ويجب أن يكون تعالى واحدا " لا ثاني له في القدم، لأن إثبات ثان يؤدي إلى إثبات ذاتين لا حكم لهما يزيد على حكم الذات الواحدة. ويؤدي أيضا " إلى تعذر الفعل على القادر من غير جهة منع معقول. وإذا بطل قديم ثان بطل قول الثنوية والنصارى والمجوس.

[ 12 ]

باب (بيان ما يجب اعتقاده في أبواب العدل كلها وما) (يتصل بها سوى النبوة والامامة وسوى) (ذكر الآجال والأرزاق والأسعار) (فإنا اعتمدنا تأخيرها) يجب أن يكون تعالى قادرا " على القبيح لأنه قادر لنفسه واحد حالا منافي كوننا قادرين، ولا يجوز أن يفعل القبيح لعلمه بقبحه ولأنه غني عنه. ولا يجري فيما ذكرناه مجرى الحسن، لأن الحسن قد يفعله لحسنه لا لحاجة إليه. ولا يجوز أن يريد تعالى القبيح، لأنه إذا أراده بإرادة محدثة كانت قبيحة، وهو تعالى لا يفعل شيئا " من القبائح تعالى عن ذلك وإن أراده لنفسه وجب أن يكون تعالى على صفة نقص، وصفات النقص كلها عنه منتفية. وهو تعالى متكلم، وبالسمع يعلم ذلك. وكلامه فعله، لأن هذه الاضافة تقتضي الفعلية كالضرب وسائر الأفعال. والأفعال الظاهرة من العباد التابعة لقصودهم وأحوالهم هم المحدثون لها دونه تعالى، لوجوب وقوعها بحسب أحوالهم، ولأن أحكامها راجعة إليهم من مدح أو ذم. وهذان الوجهان معتمدان أيضا " في الأفعال المتولدة، وقدرتنا لا تتعلق إلا بحدوث الأفعال لاتباع هذا التعلق صحة الحدوث نفيا " وإثباتا "، وهي متعلقة بالضدين، لتمكن كل قادر غير ممنوع من التنقل في الجهات، وهي متقدمة للفعل، لأنها ليست بعلة ولا موجبة وإنما يحتاج إليها ليكون الفعل محدثا " فإذا وجد استغنى عنها، وتكليف ما ليس بقادر في القبح كتكليف العاجز، وقد

[ 13 ]

كلف الله تعالى من تكاملت فيه شروط التكليف من العقلاء. ووجه حسن التكليف: إنه تعريض لنفع عظيم لا يوصل إليه إلا به، والتعريض للشئ في حكم إيصاله. والنفع الذي أشرنا إليه هو الثواب، لأنه لا يحسن الابتداء به وإنما يحسن مستحقا، ولا يستحق إلا بالطاعات، ولحسن تكليف من علم الله تعالى أنه يكفر، لأن وجه الحسن ثابت فيه، وهو التعريض للثواب. وعلمه أن يكفر ليس بوجه قبح، لأنا نستحسن أن ندعوا إلى الدين في الحالة الواحدة جميع الكفار لو جمعوا لنا مع العلم بأن جميعهم لا يؤمن. ونعرض الطعام على من يغلب ظننا أنه لا يأكله، ونرشد إلى الطريق من نظن أنه لا يقبل، ويحسن ذلك منا مع غلبة الظن. وكان طريق حسنه أو قبحه المنافع والمضار قام الظن فيه مقام العلم. ولا بد من انقطاع التكليف، وإلا لانتقض الغرض من التعريض للثواب، والحي المكلف هو هذه الجملة المشاهدة، لأن الادراك يقع بكل عضو منها، ويبتدئ الفعل في أطرافها، ويخف عليها إذا حمل باليدين ما يثقل ويتعذر إذا حمل باليد الواحدة. وما يعلم الله تعالى أن المكلف يختار عنده الطاعة ويكون إلى اختيارها أقرب، ولولاه لم يكن من ذلك يجب أن يفعله، لأن التكليف يوجب ذلك، قياسا " إلى من دعي إلى طعام وغلب على ظنه أن من دعاه إليه لا يحضر ببعض الأفعال التي لا مشقة فيها، وهذا هو المسمى (لطفا "). ولا فرق في الوجوب بين اللطف والتمكين، وقبح منع أحدهما كقبح منع الآخر. والأصلح فيما يعود إلى الدنيا غير واجب، لأنه لو وجب لأدى إلى وجوب ما لا يتناهى، ولكان القديم تعالى غير منفك في حال من الأحوال بالواجب.

[ 14 ]

وقد يفعل الله الألم في البالغين والأطفال والبهائم. ووجه حسن ذلك في الدنيا: لأنه يتضمن اعتبارا " يخرج به من أن يكون عبثا " أو عوضا " يخرج به من أن يكون ظلما ". فأما المفعول منه في الآخرة فوجه حسن فعله الاستحقاق فقط. ولا يجوز أن يحسن الألم للعوض فقط، لأنه يؤدي إلى حسن إيلام الغير بالضرب، لا لشئ إلا لإيصال النفع واستيجار من ينقل الماء من نهر إلى نهر آخر، لا لغرض بل للعوض. ولا اعتبار في حسنه للتراضي، لأن التراضي إنما يعتبر فيما يشتبه من المنافع، فأما ما لا يشبهه في اختيار العقلاء لمثله إذا عرفوه لبلوغه أقصى المبالغ فلا اعتبار فيه بالتراضي. ولا يجوز أن يفعل الله تعالى الألم لدفع الضرر من غير عوض عليه، كما يفعل أحدنا بغيره. والوجه فيه أن الألم إنما يحسن لدفع الضرر في الموضع الذي لا يندفع إلا به، والقديم تعالى قادر على دفع كل ضرر عن المكلف من غير أن يؤلمه، والعوض هو النفع المستحق العاري من تعظيم وإجلال. والعوض منقطع، لأنه جار مجرى المثامنة والأرش، فلو كان دائما " لكان العلم بدوامه شرطا " في حسنه، فكان لا يحسن من أحدنا تحمل الألم لعوض كما لا يحسن تحمل ذلك من غير عوض وأما فعل من الألم بأمره تعالى، والعوض على غيره بالتعويض له. نحو من عرض طفلا للبرد الشديد فتألم بذلك، فالعوض هاهنا على المعوض للألم على فاعل الألم، وصار ذلك الألم كأنه من فعل المعوض. والأولى أن يكون من فعل الألم على وجه الظلم منا لغيرنا في الحال مستحقا " من العوض المبلغ الذي لم يستحق فعله عليه.

[ 15 ]

والوجه في ذلك: أنه لو لم يكن لذلك مستحقا " لم يكن الانتصاف منه ممكنا " مع وجوب الانتصاف، بخلاف ما قال أبو هاشم، (1)، فإنه أجاز أن يكون ممن لا يخرج من الدنيا إلا وقد استحق ذلك، وقد كلف الله تعالى من أكمل عقله النظر في طريق معرفته. ثم وهذا الواجب أول الواجبات على العاقل، لأن جميعها عند السائل يجب تأخيره أو يجوز ذلك فيه. ووجه وجوب هذا النظر: وجوب المعرفة التي يؤدي إليها. ووجه وجوب المعرفة: أن العلم باستحقاق الثواب والعقاب الذي هو لطف في فعل الواجب العقلي لا يتم إلا بحصول هذه المعرفة، وما لا يتم الواجب إلا به واجب. والنظر هو الفكر، ويعلمه أحدنا من نفسه ضرورة، وإنما يجب على هذا النظر إذا خاف من تركه وإهماله، وإنما يخاف الضرر بالتخويف من العباد إذا كان ناشئا " بينهم، أو بأن يبتدئ في الفكر في أمارة الخوف من ترك النظر، أو بأن يخطر الله تعالى بباله ما يدعوه إلى النظر ويخوفه من الاهمال. والأولى في الخاطر أن يكون كاملا خفيا " يسميه وإن لم يميزه، والنظر في الدليل على الوجه الذي يدل سبب تولد العلم، لأنه يحدث بحسبه فجرى في أنه مولود

1) أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان الجبائي: رأس الفرقة البهشمية المعروفة، وكان هو وأبوه من رؤوساء المعتزلة، ولهما مقالات على مذهب الاعتزال، ولهما آراء انفردا بها عن أصحابها، وانفرد هو وأبوه أيضا " كل واحد منهما عن الآخر بمسائل، ولد سنة 247 وتوفي سنة 321 ه‍ ودفن ببغداد. ميزان الاعتدال 2 / 618، وفيات الأعيان 2 / 356، الأعلام للزركلي 4 / 130، الكنى والألقاب 2 / 126، الملل والنحل 1 / 103 - 112.

[ 16 ]

مجرى الضرب والألم. والمستحق بالافعال: مدح، وثواب، وشكر، وذم، وعقاب، وعوض. فأما المدح فهو القول المنبئ عن عظم الممدوح، وأما الثواب فهو النفع المستحق المقارن للتعظيم والاجلال، وأما الشكر فهو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، وأما الذم فهو ما أنبأ عن ايضاع المذموم، وأما العقاب فهو الضرر المستحق المقارن للاستخفاف والاهانة، وأما العوض فهو النفع الحسن الخالي من تعظيم وتبجيل، ويستحق بفعل الواجب وما له صفة الندب وبالتحرز من القبيح، ويستحق الثواب بهذه الوجوه الثلاثة إذا اقترنت بها المشقة ويستحق الشكر المنعم والاحسان، فأما العبادة فهي ضرب من الشكر وغاية فيه، فلهذا لم نفردها بالذكر، فأما الذم فيستحق بفعل القبيح وبأن لا يفعل الواجب، وأما العقاب فيستحق بهذين الوجهين معا " بشرط أن يكون للفاعل اختيار ما استحق به ذلك على ما فيه مصلحته ومنفعته. وإنما قلنا إنه يستحق الذم على الاخلال بالواجب وإنه جهة في استحقاق الذم كالقبح لأن العقلاء يعقلون الذم بذلك كما يعقلونه بالقبيح، ولأنهم يذمونه إذا علموه غير فاعل للواجب عليه وإن لم يعلموا سواه، والمطيع منا يستحق بطاعته الثواب مضافا " إلى المدح، لأنه تعالى كلفه على وجه يشق، فلا بد من المنفعة، ولا تكون هذه المنفعة من جنس العوض، لأن العوض يحسن الابتداء بمثله، ويستحق أحدنا بفعل القبيح والاخلال بالواجب العقاب مضافا " إلى الذم، لأنه تعالى أوجب عليه الفعل وجعله شاقا "، والايجاب لا يحسن لمجرد النفع فلا بد من استحقاق ضرر على تركه، ولا دليل في العقل على دوام الثواب والعقاب وأنما المرجع في ذلك إلى السمع، والعقاب

[ 17 ]

يحسن التفضل بإسقاطه ويسقط بالعفو لأنه حق الله تعالى إليه قبضه واستيفاؤه، ويتعلق باستيفائه ضرر فأشبه الدين. ولا تحابط بين مجراه وقبول التوبة، وإسقاط العقاب عندها تفضل من الله تعالى، والوجه الذي ذكرناه من فقد التنافي. ومن جمع بين طاعة ومعصية اجتمع له استحقاق المدح والثواب بالطاعة والذم والعقاب بالمعصية، وفعل ذلك به على الوجه الذي يمكن. وعقاب الكفار مقطوع عليه بالاجماع، وعقاب فساق أهل الصلاة غير مقطوع عليه، لأن العقل يجيز العفو عنهم ولم يرد سمع قاطع بعقابهم. وما يدعي من آيات الوعيد وعمومها مقدوح فيه بأن العموم لا ينفرد بصيغة خاصة في اللغة، ولأن آيات الوعيد مشروطة بالثابت ومن زاد ثوابه عندهم، وما أوجب هذين الشرطين بوجب اشتراط من تفضل الله تعالى بالعفو عنه. وهذه الآيات أيضا " معارضة بعموم آيات أخرى، مثل قوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (1) (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) (2) و (إن الله يغفر الذنوب جميعا ").
(3) وشفاعة النبي صلى الله عليه وآله إنما هي في إسقاط عقاب العاصي لا في زيادة المنافع، لأن حقيقة الشفاعة تختص بذلك من جهة أنها لو اشتركت لكنا شافعين في النبي صلى الله عليه وآله إذا سألنا في زيادة درجاته ومنازله. وإذا بطل التحابط فلا بد فيمن كان مؤمنا " في باطنه من أن يوافي بالايمان، وإلا أدى إلى تعذر استيفاء حقه من الثواب.

1) سورة النساء: 48.
2) سورة الرعد: 6.
3) سورة الزمر: 53.

[ 18 ]

ونسمي من جمع بين الإيمان والفسق مؤمنا " بإيمانه فاسقا " بفسقه لأن الاشتقاق يوجب ذلك، ولو كان لفظ (مؤمن) منتقلا إلى استحقاق الثواب والتعظيم كما يدعي يوجب تسميته به، لأنه عندنا يستحق الثواب والتعظيم وإن استحق العقاب. والأمر بالمعروف ينقسم إلى واجب وندب، فما تعلق منه بالواجب كان واجبا " [ وما تعلق منه بالندب كان ندبا " ]. والنهي عن المنكر كله واجب عند الشرط، لأن المنكر لا ينقسم انقسام المعروف، وليس في العقل دليل على وجوب ذلك إلا إذا كان على سبيل دفع الضرر، وإنما المرجع في وجوبه إلى السمع. وشرائط إنكار المنكر: أن يعلمه منكرا "، ويجوز تأثير إنكاره، ويزول الخوف على النفس وما جرى مجراها، ولا يكون في إنكاره مفسدة. باب (ما يجب اعتقاده في النبوة) متى علم الله سبحانه أن لنا في بعض الأفعال مصالح وألطافا " أو فيها ما هو مفسدة في الدين والعقل لا يدل عليها وجب بعثة الرسول لتعريفه، ولا سبيل إلى تصديقه إلا بالمعجز. وصفة المعجز: أن يكون خارقا " للعادة، ومطابقا " لدعوى الرسول ومتعلقا " بها، وأن يكون متعذرا " في جنسه أو صفته المخصوصة على الخلق، ويكون من فعله تعالى أو جاريا " مجرى فعله تعالى، وإذا وقع موقع التصديق فلا بد من

[ 19 ]

دلالته على المصدق وإلا كان قبيحا ". وقد دل الله تعالى على صدق رسوله محمد صلى الله عليه وآله بالقرآن لأن ظهوره من جهته معلوم ضرورة، وتحديه العرب والعجم (1) معلوم أيضا " ضررة، وارتفاع معارضته أيضا " بقريب من الضرورة، فإن ذلك التعذر معلوم بأدنى نظر، لأنه لولا التعذر لعورض، ولولا أن التعذر خرق العادة توقف على أنه لا دلالة في تعذر معارضته. فأما أن يكون القرآن من فعله تعالى على سبيل التصديق له فيكون هو العلم المعجز، أو يكون تعالى صرف القوم عن معارضته فيكون الصرف هو العلم الدال على النبوة، وقد بينا في كتاب الصرف (2) الصحيح من ذلك وبسطناه. وكل من صدقه نبينا من الأنبياء المتقدمين فإنما علينا تصديق نبوته بخبره، ولولا ذلك لما كان إليه طريق العلم. ونسخ الشرائع جائز في العقول لاتباع الشريعة للمصلحة التي يجوز تغييرها وتبديلها. وشرع موسى عليه السلام غيره من الأنبياء منسوخ بشريعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وصحة هذه النبوة دليلها يكذب من ادعى أن شرعه لا ينسخ.

1) في قوله تعالى (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " [ الاسراء / 88 ].
2) قال الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه الذريعة كتاب الصرفة الموسوم ب‍ (الموضح عن وجه إعجاز القرآن. قال النجاشي بعد تسميته كتاب الموضح عن وجه إعجاز القرآن: وهو الكتاب المعروف بالصرفة، وعبر السيد نفسه عن هذا الكتاب بالصرف في كتابه (جمل العلم والعمل)

[ 20 ]

باب (ما يجب اعتقاده في الإمامة وما يتصل به) الإمامة في كل زمان لقرب الناس من الصلاح وبعدهم عن الفساد عند وجود الرؤساء المهيبين. وأوجب في الإمام عصمته، لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحاجة إليه فيه، وهذا يتناهى من الرؤساء، والانتهاء إلى رئيس معصوم. وواجب أن يكون أفضل من رعيته وأعلم، لقبح تقديم المفضول على الفاضل فيما كان أفضل منه فيه في العقول. فإذا وجبت عصمته وجب النص من الله تعالى عليه وبطل اختيار الإمامة، لأن العصمة لا طريق للأنام إلى العلم بمن هو عليها. فإذا تقرر وجوب العصمة فالإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، لإجماع الأمة على نفي القطع على هذه الصفة في غيره عليه السلام ممن ادعى الإمامة في تلك الحال، وخبر الغدير (1) وخبر غزوة تبوك (2) يدلان على ما ذكرناه من النص عليه، وإنما

1) مختصر حديث الغدير: إن النبي صلى الله عليه وآله حينما كان راجعا " من حجة الوداع وصل إلى موضع يقال له (غدير خم) فنزلت عليه قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) [ المائدة / 67 ] فجمع الرسول صحابته الذين كانوا معه - وكان عددهم مائة وعشرين ألف أو ثمانين ألفا " - فأخذ بيد علي عليه السلام ورفعه وخطب خطبه طويله وقال في جمله ما قال (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.) - راجع تفاصيل هذا الحديث وطبقات الراوين له من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين إلى عصرنا الحاضر في كتاب الغدير ج 1.
2) تبوك موضع بين المدينة والشام، ولما أراد صلى الله عليه وآله الخروج إلى غزوة تبوك استخلف أمير المؤمنين عليه السلام في أهله وولده وأزواجه ومهاجره وقال له (يا علي إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك) وبقي علي عليه السلام في المدينة وخرج الرسول صلى الله عليه وآله إلى الغزوة، ولكن المنافقين أخذوا يرجفون بعلي، فلما بلغ أرجافهم به لحق بالنبي وقال له: يا رسول الله إن المنافقين يزعمون أنك استثقالا ومقتا ". فقال له النبي صلى الله عليه وآله: إرجع يا أخي إلى مكانك، فإن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك فأنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي، أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وهذا الحديث يعرف بحديث المنزلة. أنظر مصادر هذا الحديث في كتاب المراجعات ص 139 - 142 والاستيعاب 3 / 1097.

[ 21 ]

عدل عن المطالبة والمنازعة وأظهر التسليم والانقياد للتقية، والخوف على النفس والإشفاق من فساد في الدين لا يتلافاه. (1)

1) قال عليه السلام في الكتاب الذي أرسله مع مالك الأشتر إلى أهل مصر: (أما بعد، فإن الله سبحانه بعث محمدا " صلى الله عليه وآله نذيرا " للعالمين ومهيمنا " على المرسلين، فلما مضى عليه السلام تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعى ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده عن أهل بيته ولا إنهم منحوه عني من بعده، فما راعني إلا إنثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد، فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما " أو هدما " تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه [ نهج البلاغة 3 / 131 ].

[ 22 ]

كتاب الطهارة (وتوابعها) فصل (في أحكام المياه) كل ماء على أصل الطهارة إلا أن يخالطه - وهو قليل - نجاسة فينجس، أو يتغير وهو كثير أحد أوصافه من لون أو طعم أو رائحة. وحد القليل ما نقص عن كر، والكثير ما بلغه وزاد (1) عليه. وحد الكر ما قدره ألف ومائتا رطل بالمدني. والماء الذي يستعمل في إزالة الحدث من وضوء وغسل طاهر [ و ] مطهر يجوز التوضي به والاغتسال به مستقلا.
(2)

1) في (ش): أو زاد.
2) في (ش): أو غسل.

[ 23 ]

وموت ما لا نفس له كالذباب والجراد وما أشبههما في الماء قليلا كان أو كثيرا " لا ينجسه. وسؤر الكفار من اليهود والنصارى ومن يجري مجراهم (1). نجس، ولا بأس بسؤر الجنب والحائض. ويجوز الوضوء بسؤر [ جميع ] البهائم ما أكل لحمه وما لا يؤكل إلا سؤر الكلب والخنزير، ويكره الجلال من البهائم. ويغسل الاناء من ولوغ الكلب بثلاث (2) مرات إحداهن بالتراب. باب (3) (في الاستنجاء وكيفية الوضوء والغسل) الاستنجاء واجب لا يجوز الاخلال به، والجمع بين الحجارات (4) والماء أفضل ويجزي الاقتصار على الحجارة، وأفضل منه الاقتصار على الماء. ولا يجوز في البول إلا الماء دون الحجر. والمسنون في عدد الأحجار ثلاثة. ولا يجوز أن يستقبل القبلة أو (5) يستدبرها ببول ولا غائط. والسنة الواجبة (6) في الوضوء بالماء واغتسال به وفي التيمم عند فقد الماء.

1) في (ش): مجراه.
2) في (ش): ثلاث.
3) في (ش): فصل.
4) في (ش): الحجارة.
5) في (ش): ولا.
6) في (ش): والنية واجبة.

[ 24 ]

وفرض الوضوء غسل الوجه من قصاص شعر الرأس إلى محاذي شعر الذقن طولا، وما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا "، وغسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع، ومسح ثلاث أصابع [ من ] مقدم الرأس ويجزي إصبع واحد، ومسح ظاهر القدمين من الأصابع إلى الكعبين اللذين هما في وسط القدم عند معقد الشراك، والفرض هو مرة واحدة، والتكرار مستحب في العضوين المغسولين مرتين بلا زيادة عليهما (1) ولا تكرار في الممسوح. ولا يجوز المسح على الخفين ولا ما أشبههما مما يستر عضوا " من أعضاء الطهارة. والترتيب واجب في الوضوء وغسل الجنابة والتيمم، فمن أخل به استدركه. والموالاة واجبة في الوضوء [ و ] غير واجبة في الغسل. وعلى المغتسل من جنابة وغيرها (2) إيصال الماء على جميع البشرة الطاهرة (3) وأعضائه، وليس عليه غسل داخل أنفه وفمه، ويقدم غسل رأسه ثم ميامن جسده ثم مياسره حتى يتم جميع (4) البدن. ويستبيح بالغسل الواجب الصلاة من غير وضوء، وإنما الوضوء في غير الأغسال الواجبة. فصل (في نواقض الطهارة) الأحداث الناقضة للطهارة على ضربين: ضرب يوجب الوضوء كالبول،

1) في (ش): عليها.
2) في (ش): أو غيرها.
3) في (ش): بشرته الظاهرة.
4) في (ش): مياسرها ثم جميع.

[ 25 ]

والغائط والريح، والنوم الغالب على الحاستين وما أشبهه من الجنون والمرض والضرب الثاني يوجب الغسل كإنزال الماء الدافق على جميع الأحوال، والجماع في الفرج وإن لم ينزل، والحيض والاستحاضة، والنفاس، وقد ألحق بعض أصحابنا مس الميت. وجميع ما ذكرناه ينقض التيمم، وينقضه أيضا " التمكن من استعمال الماء، كأن تيمم ثم وجد ماءا " (1) يتمكن من استعماله، فإن طهارته الأولى تنتقض بذلك، وليس تنتقض بغير ما عددناه فلا معنى لتعداده. فصل (في التيمم وأحكامه) إنما يجب التيمم عند فقد الماء الطاهر، أو تعذر الوصول إليه مع وجوده لبعض الأسباب، أو بالخوف على النفس من استعماله في سفر أو حضر. ولا يجوز التيمم إلا عند تضيق [ وقت ] الصلاة، ويجب طلب الماء والاجتهاد في تحصيله. وأما كيفيته: فهو أن يضرب براحتيه ظهر الأرض باسطا " لهما، ثم يرفعهما وينفض بإحداهما الأخرى، ثم يمسح بهما وجهه من قصاص شعر الرأس إلى طرف أنفه، ثم يمسح بكفه اليسرى ظاهر كفه اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع ويمسح بكفه اليمنى ظاهر كفه اليسرى على هذا الوجه، ويجزيه ما ذكرناه في

1) في (ش): ما.

[ 26 ]

تيممه إن كان عن جنابة وما (1) أشبهها أثناء ما ذكرناه من الضربة ومسح الوجه واليدين. والتيمم بالتراب الطاهر، ويجوز بالجص والنورة، ولا يجوز بالزرنيخ وما أشبهه من المعادن، ويجوز التيمم بغبار ثوبه وما يجري مجراه بعد أن يكون الغبار من الجنس الذي يجوز التيمم بمثله. ويصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يحدث أو يتمكن من الماء. ومن دخل في الصلاة بتيمم ثم وجد الماء فإن كان قد ركع مضى فيها وإن لم يركع انصرف وتوضأ، فقد روي أنه إذا كبر تكبيرة الاحرام مضى فيها. فصل (2) (في الحيض والاستحاضة والنفاس) أقل أيام الحيض ثلاثة، وأكثرها عشرة، وأقل الطهر عشرة أيام، وما زاد على الحيض فهو استحاضة. والمستحاضة تترك الصلاة أيام حيضها المعتاد وتصلي في باقي الأيام، وإن لم يحصل لها تلك الأيام رجعت إلى صفة الدم، لأن دم الحيض غليظ يضرب إلى السواد، يتبع خروجه حرقة. ودم الاستحاضة رقيق بارد يضرب إلى الصفرة. والمستحاضة تحتشي بالقطن. وإن لم يثقب القطن، كان عليها تغيير ما تحتشي

1) في (ش): أو ما.
2) من هنا إلى أول فصل في الأذان والإقامة ساقط عن المطبوع. ونحن نقلناه عن (ش).

[ 27 ]

به عند كل صلاة وتجديد الوضوء لكل صلاة. فإن ثقب ورشح ولم يسل كان عليها تغييره في أوقات الصلاة وتغتسل لصلاة الفجر وتتوضأ وتصلي باقي الصلاة بوضوء مجرد من غير اغتسال. وإن ثقب الدم القطن وسال كان عليها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل ووضوء، وتفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء الآخرة، ومثل ذلك في صلاة الليل وصلاة الفجر وتغير القطن في ذلك.

[ 28 ]

كتاب الصلاة فصل (في مقدمات الصلاة من لباس وغيره) ويجب على المصلي ستر عورته، وهما قبله ودبره. وعلى المرأة أن تغطي رأسها في الصلاة، وليس عليها ذلك إذا كانت أمة. وتجوز الصلاة في وبر وشعر وصوف ما أكل لحمه من الحيوان أو جلده إذا ذكاه الذبح، ولا تجوز فيما لا يؤكل لحمه، ولا في جلود الميتة ولو دبغت، وتجوز الصلاة في الخز الخالص، ولا تجوز في الإبريسم المحض للرجال دون النساء. ولا تجوز الصلاة في ثوب فيه نجاسة، إلا الدم خاصة، فإنه يعتبر به قدر الدرهم، فما بلغه لا تجوز فيه الصلاة، وما نقص منه جازت فيه. ودم الحيض قليله ككثيره في وجوب تجنبه.

[ 29 ]

ولا تجوز الصلاة في ثوب مغصوب ولا المكان المغصوب. والسجود يجب أن يكون على الأرض الطاهرة، وعلى كل ما أنبتته إلا ما أكل ولبس. ولا بأس بالسجود على القرطاس الخالي من الكتابة، فإنها بما شغلت المصلي. وعلى المصلي أن يتوجه إلى الكعبة إذا كان بمكة، وذلك بالحضور والقرب وإن كان بعيدا " تحوى جهتها وصلى على ما يغلب ظنه أنه جهة الكعبة. ومن أشكلت عليه جهة القبلة لغيم أو غيره من الأسباب وفقد سائر الأمارات كان عليه أن يصلي إلى أربع جهات: يمينه وأمامه وشماله وورائه تلك الصلاة بعينها، وينوي بكل صلاة في جهة أداء تلك الصلاة. فإن لم يتمكن من الصلاة إلى الجهات الأربع لمانع صلى مع تساوي الجهات في ظنه إلى أي جهة شاء. ومن تحرى القبلة وأخطأها وظهر له ذلك بعد صلاته أعاد في الوقت، فإن خرج عن الوقت فلا إعادة عليه. وقد روي: أنه إن كان استدبر القبلة أعاد على كل حال. فصل (في حكم الأذان والإقامة) الأذان والإقامة يجبان على الرجال دون النساء في كل صلاة جماعة في سفر أو حضر، ويجبان عليهم فرادى سفرا " وحضرا " في الفجر والمغرب وصلاة الجمعة. والإقامة من السنن المؤكدة، وإن كانت بحيث ذكرنا وجوبها أوكد من

[ 30 ]

سائر المواضع. وكيفية الأذان: (الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا " رسول الله. أشهد أن محمدا " رسول الله. حي على الصلاة. حي على الصلاة. حي على الفلاح. حي على الفلاح. حي على خير العمل. حي على خير العمل. الله أكبر. الله أكبر لا إله إلا الله. لا إله إلا الله " هذه ثمانية عشر فصلا. والإقامة سبعة عشر فصلا، لأن فيها نقصان ثلاثة فصول عن الأذان وزيادة فصلين، فالنقصان تكبيرتان من الأربع الأول، وإسقاط واحدة من لفظ (لا إله إلا الله) في آخرة، والزيادة أن يقول بعد (حي على خير العمل): (قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة). والأذان يجوز بغير وضوء، ولا استقبال القبلة، ولا يجوز ذلك في الإقامة، والكلام في خلال ذلك جائز، ولا يجوز أذان الصلاة قبل دخول وقتها، وقد روي جواز ذلك في الفجر خاصة (1). ويستحب للمصلي مفردا " أن يفصل بين الأذان والإقامة بسجدة أو خطوة. باب (في أعداد الصلوات المفروضات) المفروض في اليوم والليلة خمس صلوات: صلاة الظهر، وهي للمقيم

1) روى الكليني في الكافي 3 / 306 عن الحلبي أنه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأذان قبل الفجر؟ فقال: إذا كان في جماعة فلا، وإذا كان وحده فلا بأس.

[ 31 ]

ومن لم يتكامل له شرائط التقصير من المسافرين أربع ركعات، بتشهدين الأول بغير تسليم والثاني بتسليم. والعصر بهذا العدد والصفة، والمغرب ثلاث ركعات بتشهد بعد الأولتين بغير تسليم وتشهد بعد الثلاث (1) مع التسليم، والعشاء الآخرة بصفة عدد الظهر والعصر، وصلاة الفجر ركعتان بتشهد في الثانية وتسليم. فهذه سبع عشرة ركعة تجب على كل مقيم من الرجال والنساء. والنوافل المسنونة للمقيمين في اليوم والليلة أربع وثلاثون ركعة: منها عند زوال الشمس ثمان ركعات بتشهد في كل ركعتين وتسليم، وثمان ركعات عقيب الظهر وقبل العصر، وأربع ركعات بعد المغرب، وركعتان من جلوس تحسبان واحدة بعد العشاء الآخرة، وثمان ركعات نوافل الليل، وثلاث ركعات الشفع والوتر، وركعتان نافلة الفجر. فصل (في كيفية أفعال الصلاة) نية الصلاة واجبة، والتوجه إلى القبلة واجب، وتكبيرة الاحرام واجبة، فإن اقتصر عليها أجزأه، ومن كبر سبعا " يسبح بينهن كان أكمل (2) له، وإذا كبر أرسل يديه ولا يضع واحدة على الأخرى. ويفتتح الصلاة بالتوجه فيقول (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا " مسلما " وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي

1) في ((ش): الثالثة.
2) في (ش): أفضل.

[ 32 ]

لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين). ثم يتعوذ ويفتتح (1) القراءة ب‍ (بسم الله الرحمن الرحيم) يجهر بها في كل صلاة جهرا " كانت أو إخفاتا "، ويقرأ الحمد وسورة معها. ويجتنب عزائم السجود، وهن ألم فصلت وحم وسورة النجم واقرأ باسم ربك، لأن فيهن سجودا " واجبا "، ولا يجوز أن يزاد في صلاة الفريضة. فإذا فرغ من قراءته ركع مادا " لعنقه مستويا " (2) لظهره فاتحا " لأبطيه، ويملأ " كفيه من ركبتيه، ويسبح في الركوع فيقول (سبحان ربي العظيم وبحمده) إن شاء سبعا " وإن شاء خمسا " وإن شاء ثلاثا "، فهو أكمل من الواحدة، وهي تجزي. ثم يرفع رأسه ويقول (سمع الله لمن حمده، الحمد لله رب العالمين) ويستوي قائما " منتصبا ". ثم يكبر رافعا " يديه ولا يجاوز بهما شحمتي أذنيه، ويهوي إلى السجود ويتلقى الأرض بيديه معا " قبل ركبتيه، ويكون سجوده على سبعة أعضاء: الجبهة، ومفصلي الكفين عند الزندين، وعيني الركبتين، وطرفي إبهامي الرجلين. والارغام بطرف الأنف مما يلي الحاجبين من وكيد السنن، ويسبح في السجود فيقول (سبحان ربي الأعلى وبحمده) ما بين الواحدة إلى السبع. ثم يرفع رأسه من السجود رافعا " يديه من السجود بالتكبير، ويجلس متمكنا " على الأرض فيقول بين السجدتين (اللهم اغفر لي وارحمني). ثم يسجد الثانية على ما وصفناه ويرفع رأسه مكبرا " ويجلس متمكنا ". ثم ينهض إلى الركعة الثانية وهو يقول (بحول الله وقوته أقوم وأقعد). فإذا فرغ من القراءة في الثانية بسط كفيه حيال وجهه للقنوت، وقد روي

1) في (ش): يستفتح.
2) في (ش): مسويا ".

[ 33 ]

أنه يكبر للقنوت، والقنوت مبني على حمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيه وآله صلى الله عليهم، ويجوز أن يسأل في حاجته (1). وأفضل ما روي في القنوت (لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما بينهن وما فوقهن وما تحتهن ورب العرش العظيم، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين). ويقنت في كل صلاة من فرض ونفل، وهو في الفرائض وفيما جهر بالقراءة فيه منها أشد تأكيدا "، وموضعه بعد القراءة من الركعة الثانية وفي المفردة من الوتر. والتشهدان جميعا " الأول والثاني، يقول في الأول (بسم الله وبالله، والحمد لله، والأسماء الحسنى كلها لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا " عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا " ونذيرا " بين يدي الساعة، اللهم صل على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت ورحمت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد). والركعتان الأخيرتان من الظهر والعصر والعشاء الآخرة والثالثة من المغرب أنت مخير فيهن بين قراءة الحمد وبين عشر تسبيحات، تقول (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله) ثلاث مرات وتزيد في الثالثة (الله أكبر). وصفة التشهد الثاني تقول (التحيات لله الصلوات الطيبات الطاهرات الزاكيات). وتتشهد (2) وتصلي على النبي صلى الله عليه وآله كما ذكرناه في التشهد

1) في (ش): يسأل الله عز وجل حاجته.
2) في (ش): ثم يتشهد.

[ 34 ]

الأول ثم تقول (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين). ثم تسليم تسليمة واحدة مستقبل القبلة، وينحرف بوجهه قليلا إلى يمينه إن كان منفردا " أو إماما "، أو (1) كان مأموما " تسلم تسليمتين على يمينه وعن شماله، إلا أن تكون جهة شماله خالية من مصل فيسلم عن يمينه خاصة. وأدنى ما يجزي من التشهدين: الشهادتان، والصلاة على محمد النبي وآله. فصل (فيما يجب اجتنابه في الصلاة وحكم ما يعرض فيها) لا يجوز للمصلي اعتماد الكلام في الصلاة بما خرج عن قرآن أو تسبيح، ولا يقهقه، ولا يبصق إلا أن يغلبه. وفي الجملة لا يفعل فعلا كثيرا " يخرج عن أفعال الصلاة. ويجوز أن يقتل الحية والعقرب إذا خاف ضررهما. فإن عرض غالبا " له من قئ أو رعاف أو ما أشبه ذلك مما لا ينقض الطهارة كان عليه أن يغسله ويعود وبنى (2) على صلاته بعد أن لا يكون استدبر القبلة أو أحدث ما يوجب قطع الصلاة. وإن تكلم في الصلاة ناسيا " فلا شئ عليه.

1) في (ش): وإن.
2) في (ش): فيبني.

[ 35 ]

فصل (في أحكام السهو) كل سهو عرض والظن غالب فيه فالعمل ما غلب عليه الظن، وإنما يحتاج إلى تفصيل أحكام السهو عند اعتدال الظن وتساويه، فالسهو المعتدل فيه الظن على ضربين (1): فمنه ما يوجب إعادة الصلاة كالسهو في الأوليين من كل فرض أو فريضة الفجر أو المغرب أو الجمعة مع الإمام أو صلاة السفر. أو سهو في تكبيرة الافتتاح ثم لم يذكره حتى يركع، والسهو عن الركوع ولا يذكره حتى يسجد، والسهو عن سجدتين في ركعة ثم يذكر ذلك وقد ركع الثانية. أو ينقص ساهيا " من الفرض ركعة أو أكثر، أو يزيد في عدد الركعات ثم لا يذكر حتى ينصرف بوجهه عن القبلة. أو شك وهو في حال الصلاة ولم يدر كم صلى ولا يحصل شيئا " من العدد. ويجب إعادة الصلاة على من ذكر أو أيقن أنه دخل فيها بغير وصف، أو صلى في ثوب نجس وهو يقدر على طاهر، أو ثوب مغصوب، أو في مكان مغصوب، أو سها فصلى إلى غير القبلة. ومن السهو ما لا حكم له ووجوده كعدمه، وهو الذي يكثر ويتواتر فيلغى حكمه، أو يقع في حال قد مضت وأنت في غيرها، كمن شك في تكبيرة الافتتاح وهو في حال القراءة أو هو راكع، أو في الركوع وهو ساجد.

1) في (ش): ضروب.

[ 36 ]

ولا حكم للسهو في النوافل، ولا حكم للسهو في السهو. ومن السهو ما يوجب تلافيه في الحال، كمن سها عن قراءة الحمد حتى ابتدأ بالسورة الأخرى، فيجب عليه قطع السورة والابتداء بالفاتحة. وإن سها عن تكبيرة الافتتاح وذكرها وهو في القراءة قبل أن يركع فعليه أن يكبر ثم يقرأ. وإن سها عن الركوع وذكر وهو قائم أنه يركع وكذلك إن نسي سجدة من السجدتين وذكرها في حال قيامه وجب عليه أن يرسل نفسه ويسجدها ثم يعود إلى القيام، فإن لم يذكرها حتى ركع الثانية وجب أن يقضيها بعد التسليم وعليه سجدتا السهو. وإن سها عن التشهد الأول حتى قام وذكره قائما " كان عليه أن يجلس ويتشهد، وكذلك إن سلم ساهيا " في الجلوس للتشهد الأخير قبل أن يتشهد أو قبل الصلاة على النبي وآله وذكر ذلك وهو جالس من غير أن يتكلم فعليه أن يعيد التشهد أو ما فاته منه. ومن السهو ما يوجب الاحتياط للصلاة، كمن سها فلم يدر أركع أم لم يركع وهو قائم وتساوت ظنونه، فعليه أن يركع ليكون على يقين، فإن ركع ثم ذكر في حال الركوع أنه قد كان ركع فعليه أن يرسل نفسه للسجود من غير أن يرفع رأسه ولا يقيم صلبه، فإن ذكر بأنه قد كان ركع بعد انتصابه كان عليه إعادة الصلاة لزيادته فيها فليسجد سجدة. وكذلك الحكم فيمن سها فلم يدر أسجد اثنتين أم واحدة عند رفع رأسه وقبل قيامه. ومن سها فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا " واعتدلت ظنونه فليبن على الثلاث

[ 37 ]

ثم يأتي بعد التسليم بركعتين جالسا " تقوم مقام واحدة، فإن تبين (1) النقصان كان فيما فعله تمام صلاته، وإن تبين على الكمال كانت الركعتان نافلة، فإن شاء بدلا من الركعتين من جلوس أن يصلي ركعة واحدة من قيام يتشهد فيها ويسلم جاز له ذلك. فإن سها بين اثنتين وأربع فليبن على أربع، فإذا سلم قام فصلى ركعتين. فإن سها بين ركعتين وثلاث وأربع بنى على الأربع ثم سلم ثم قام فصلى ركعتين، فإذا سلم منها صلى ركعتين من جلوس. ومن السهو ما يجب فيه جبر الصلاة، كمن سها عن سجدة من السجدتين ثم ذكرها بعد الركوع في الثانية فعليه إذا سلم قضاء تلك السجدة ويسجد سجدتي السهو. ومن نسي التشهد الأول ثم ذكر بعد الركوع في الثالثة قضى بعد التسليم ويسجد سجدتي السهو، ومن تكلم في الصلاة ساهيا " بما لا يجوز مثله فيها فعليه سجدتا السهو، ومن قعد في حال قيام أو قام في حال قعود (2) فعليه سجدتا السهو، ومن لم يدر صلى أربعا " أو خمسا " واعتدلت الظنون (3) منه فعليه أيضا " سجدتا السهو. وهما سجدتان بعد التسليم بغير ركوع ولا قراءة، يقول في كل واحدة منهما (بسم الله وبالله، اللهم صل على محمد وآل محمد) ويتشهد تشهدا " خفيفا " ويسلم.

1) في (ش): كان ثابتا. بانيا.
2) كتب الإمام الشيخ آغا بزرك في نسخة (يعني في محل قيام وكذا في محل قعود).
3) في (ش): ظنونه.

[ 38 ]

فصل (في أحكام قضاء الصلاة) كل صلاة فائتة وجب قضاؤها في حال الذكر لها من سائر الأوقات إلا أن يكون آخر وقت فريضة حاضرة يخاف فيه من التشاغل بالفائتة فوت الحاضرة، فيجب حينئذ الابتداء بالحاضرة والتعقيب بالماضية. والترتيب واجب في قضاء الصلاة. وإذا دخل المصلي في صلاة العصر وذكر أن عليه صلاة الظهر نقل نيته إلى الظهر، وكذلك إن صلى من المغرب ركعة أو ركعتين وذكر أن عليه صلاة العصر، أو صلى من العشاء الآخرة ركعة أو ركعتين وذكر أن عليه صلاة المغرب. وقضاء النوافل مستحب. وإذا أسلم الكافر وطهرت الحائض وبلغ الصبي قبل غروب الشمس في وقت يتسع للظهر والعصر وجب على كل واحد ممن ذكرناه أداء الصلاتين أو قضاؤهما إن أخرهما، وكذلك الحكم فيما إذا تغيرت أحوالهم في آخر الليل في قضاء صلوات المغرب والعشاء الآخرة. وإذا حاضت المرأة الطاهرة في أول وقت صلاة بعد أن كان تصح لها الصلاة أو أكثرها في الوقت لزمها قضاء تلك الصلاة. والمغمى عليه لمرض أو غيره مما لا يكون هو السبب في دخوله عليه بمعصية لا يجب عليه قضاء ما فاته من الصلاة إذا أفاق، بل يجب أن يصلي الصلاة التي أفاق في وقتها. وقد روي أنه إن أفاق أول النهار قضى صلاة اليوم كله، وإذا أفاق آخر الليل

[ 39 ]

قضى صلاة تلك الليلة (1). والمرتد إذا تاب وجب عليه قضاء جميع ما تركه في ردته من الصلاة. والعليل إذا وجبت عليه صلاة وأخرها حتى مات قضاها عنه وليه، كما يقضي عنه حجة الاسلام والصيام ببدنه. وإذا جعل مكان القضاء أن يتصدق عن كل ركعتين بمد أجزأه، فإن لم يقدر فعن كل أربع بمد، فإن لم يقدر فمد لصلاة النهار ومد لصلاة الليل. ومن نسي صلاة فريضة من الخمس ولم يقف عليها بعينها فليصل ركعتين وثلاثا " وأربعا "، ومن لم يحص ما فاته كثرة من الصلاة فليصل اثنتين وثلاثا " وأربعا "، ويد من ذلك حتى يغلب على ظنه أنه قد قضى الفائت. فصل (في أحكام صلاة الجماعة) صلاة الجماعة أفضل من صلاة الانفراد، ولا تجوز الصلاة خلف الفساق، ولا يؤم بالناس الأغلف وولد الزنا والأجذم والأبرص والمحدود، ولا صاحب الفلج للأصحاء، ولا الجالس للقيام، ولا المتيمم للمتوضين. ويكره للمسافر أن يؤم المقيم وللمقيم أن يؤم المسافر في الصلوات التي يختلف فيها فرضاهما، فإن دخل المسافر في صلاة المقيم سلم في الركعتين وانصرف وجعل الركعتين الأخيرتين تطوعا "، فإن دخل مقيم في صلاة المسافر وجب عليه أن لا ينفتل من صلاته بعد سلامه إلا أن يتم المقيم صلاته.

1) التهذيب 1 / 460.

[ 40 ]

ولا يؤم المرأة الرجل، ويجوز للرجل أن يؤمها. والسلطان المحق أحق بالامامة في كل موضع إذا حضر، وصاحب المنزل في منزله، وصاحب المسجد في مسجده، فإن لم يحضر أحد ممن ذكرناه أم بالقوم أقرأهم، فإن تساووا فأعلمهم بالسنة، فإن تساووا فأسنهم. وقد روي أنه إذا تساووا فأصبحهم وجها " (1). وقد يجوز إمامة أهل الطبقة المتأخرة عن غيرها بإذن المتقدمة إلا أن يكون الإمام الأكبر الذي هو رئيس الكل، فإن التقدم عليه لا يجوز بحال من الأحوال. ولا يجوز أن يكون مقام الإمام أعلى من مقام المأموم إلا بما يعتد بمثله، ويجوز كون مقام المأموم أعلى بعد أن لا ينتهي إلى الحد الذي لا يتمكن معه من الاقتداء به. ومقام الإمام قدام المأمومين إذا كانوا رجالا أكثر من واحد، فإن كان المأموم رجلا واحدا " أو امرأة أو جماعة من النساء صلى الرجل عن يمين الإمام والمرأة أو النساء الجماعة خلفهما. ويجهر الإمام ب‍ (بسم الله الرحمن الرحيم) في السورتين معا " فيما يجهر فيه بالقراءة وفيما يخافت، ولا يقرأ المأموم خلف الإمام الموثوق به في الركعتين الأولتين في جميع الصلوات من ذوات الجهر والاخفات، إلا أن تكون صلاة جهر لم يسمع المأموم قراءة الإمام فيقرأ لنفسه، وهذا أشهر الروايات. وروي أنه لا يقرأ فيما يجهر فيه ويلزمه القراءة فيما خافت فيه الإمام (2) وروي أنه بالخيار فيما خافت فيه.
(3)

1) مستدرك وسائل الشيعة 1 / 492.
2) انظر الكافي 2 / 377.
3) الاستبصار 1 / 427.

[ 41 ]

فأما الأخيرتان فالأولى أن يقرأ المأموم أو يسبح فيهما، وروي أنه ليس عليه ذلك (1). ومن أدرك الإمام راكعا " فقد أدرك الركعة، ومن أدركه ساجدا " جاز أن يكبر ويسجد معه، غير أنه لا يعتد بتلك الركعة ومتى لحق الإمام وهو في بقية من التشهد فدخل في صلاته وجلس معه لحق فضيلة الجماعة. ومن سبقه الإمام بشئ من ركعات الصلاة جعل المأموم ما أدركه معه أول صلاته وما يقضيه آخرها، كما إذا أدرك من صلاة الظهر والعصر أو العشاء الآخرة ركعتين وفاته ركعتان فإنه يجب أن يقرأ فيما أدركه الفاتحة في نفسه، فإذا سلم الإمام قام فصلى الأخيرتين مسبحا " فيهما، وكذلك القول في جميع ما يفوت. وليس على المأموم إذا سها خلف الإمام سجدتا السهو. فصل (في صلاة الجمعة وأحكامها) صلاة الجمعة فرض لازم مع حضور الإمام العادل، واجتماع خمسة فصاعدا " الإمام أحدهم، وزوال الأعذار التي هي الصغر والكبر والسفر والعبودية والجنون والتأنيث والمرض والعمى، وأن تكون المسافة بينها وبين المصلي أكثر من فرسخين، والممنوع لا شك في عذره. والخطبتان لا بد منهما، لأن الرواية وردت بأن الخطبتين تقوم مقام الركعتين الموضوعتين.
(2)

1) من لا يحضره الفقيه 1 / 256.
2) من لا يحضره الفقيه 1 / 269.

[ 42 ]

ومن سنن الجمعة المؤكدة الغسل، وابتداؤه من طلوع الفجر إلى زوال الشمس، وأفضله ما قرب من الزوال. ومن سننها لبس أنظف الثياب، ومس شئ من الطيب، وأخذ الشارب، وتقليم الأظفار. ووقت الظهر من يوم الجمعة خاصة وقت زوال الشمس، ووقت العصر من يوم الجمعة وقت الظهر من (1) سائر الأيام. وعلى الإمام أن يقرأ في الأولى من صلاة الجمعة سورة الجمعة، وفي الثانية المنافقين يجهر بهما. وعلى الإمام أن يقنت في صلاة الجمعة، واختلفت الرواية في قنوت الإمام في صلاة الجمعة: فروي أنه يقنت في الأولى قبل الركوع وكذلك الذين خلفه، وروي أن على الإمام إذا صلاها جمعة مقصورة قنت قنوتين في الأولى قبل الركوع وفي الثانية بعد الركوع. وفي المسافر إذا أم المسافرين في صلاة الجمعة لم يحتج إلى الخطبتين وصلاهما ركعتين. فصل (في ذكر نوافل شهر رمضان) من وكيد السنن أن تزيد في شهر رمضان على نوافلك ألف ركعة في طول الشهر، وترتيبها أن تصلي في كل ليلة عشرين ركعة منها ثمان ركعات بعد صلاة المغرب واثنا عشر ركعة بعد العشاء الآخرة إلى ليلة تسع عشرة.

1) في (ش) في.

[ 43 ]

فإذا حضرت اغتسلت وصليت بعد صلاة العشاء الآخرة مائة ركعة، وتعود في ليلة العشرين إلى الترتيب الأول. فإذا حضرت ليلة إحدى وعشرين اغتسلت وصليت بعد العشاء الآخرة مائة ركعة، وفي ليلة اثنين وعشرين تصلي بعد المغرب ثمان ركعات وبعد العشاء الآخرة اثنتين وعشرين ركعة ليكون الجميع ثلاثين ركعة، وفي ليلة ثلاث وعشرين تغتسل وتصلي مائة ركعة، ثم تصلي كل ليلة إلى آخر الشهر ثلاثين ركعة. فيكون الجميع تسعمائة وعشرين ركعة إلى تمام الألف ثمانون تصلي في كل جمعة من الشهر عشر ركعات. (منها) أربع صلاة أمير المؤمنين عليه السلام، وصفتها أن تفصل بين كل ركعتين بتسليم وتقرأ في كل ركعة الحمد مرة واحدة وسورة الاخلاص خمسين مرة. وتصلي صلاة سيدة النساء فاطمة عليها السلام، وهي ركعتان: تقرأ في الأولى الحمد مرة وإنا أنزلناه في ليلة القدر مائة مرة، وفي الثانية الحمد مرة وسورة الاخلاص مائة مرة. ثم تصلي أربعا صلاة التسبيح، وهي صلاة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وصفتها: أن تقرأ في الأولى الحمد مرة وسورة الزلزلة، وفي الثانية الحمد مرة والعاديات، وفي الثالثة الحمد وإذا جاء نصر الله، وفي الرابعة الحمد وسورة الاخلاص. وفي كل ركعة من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير خمس وسبعون مرة، وترتيبها أن تقول في كل ركعة عقيب القراءة قبل الركوع (سبحان الله والحمد

[ 44 ]

لله ولا إله إلا الله والله أكبر) خمس عشرة مرة، ثم تقول ذلك في الركوع عشرا "، وبعد الانتصاب منه عشرا "، وفي السجدة الأولى عشرا "، وفي الجلسة بين السجدتين عشرا "، وفي السجدة الثانية عشرا "، وإذا رفعت رأسك وجلست قبل القيام عشرا "، وتفعل هكذا في كل ركعة. ثم تصلي في ليلة آخر جمعة من الشهر عشرين ركعة من صلاة أمير المؤمنين عليه السلام، وقد تقدم ذكرها. وفي آخر ليلة سبت من الشهر عشرين ركعة من صلاة فاطمة عليها السلام، فتكمل الألف (1). فصل (في صلاة العيدين) صلاة العيدين فرض على كل من تكاملت له شرائط (2) الجمعة التي ذكرناها، وهما سنة للمنفرد عند اختلال تلك الشروط. وعدة كل صلاة عيد ركعتان يفتحهما بتكبيرة، ثم يقرأ في الأولى الفاتحة والشمس وضحاها، ثم يكبر بعد ذلك رافعا " يديه بخمس تكبيرات، يقنت بين كل تكبيرتين ويركع في الأخيرة، فيكون له في الأولى مع تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع سبع تكبيرات والقنوت خمس مرات، فإذا نهض إلى الثانية كبر وقرأ الحمد وهل أتاك حديث الغاشية، فإذا فرغ من القراءة كبر أربعا " يقنت

1) في (ش): ألف ركعة.
2) في (ش): شروط.

[ 45 ]

بين كل تكبيرتين ثم يركع بالأخيرة فيكون له مع تكبيرات الركوع خمس تكبيرات والقنوت أربع مرات. وليس في صلاة العيدين أذان ولا إقامة، ويجهر الإمام فيها بالقراءة كصلاة الجمعة، والخطبتان فيها واجبة كالجمعة إلا أنها في الجمعة قبل الصلاة وفي العيدين بعدها، ووقتها من طلوع الشمس إلى زوالها. والتكبير في ليلة الفطر ابتداؤه عقيب صلاة المغرب إلى أن يرجع الإمام من صلاة العيد مكانه في آخر أربع صلوات: أولاهن المغرب من ليلة الفطر، وأخراهن صلاة العيد. وفي الأضحى يجب التكبير على من شهد منى عقيب خمس عشرة صلاة: أولاهن صلاة الظهر من يوم العيد. ومن لم يحضر منى يكبر عقيب عشر صلوات: أولاهن صلاة الظهر من يوم العيد أيضا ". فصل (في صلاة الكسوف) صلاة كسوف الشمس والقمر واجبة على الذكر والأنثى والحر والعبد والمقيم والمسافر، وعلى كل من لم يكن له عذر يقطعه عنها، ويصلي في جماعة وعلى انفراد. ووقتها ابتداء ظهور الكسوف، إلا أن يخشى فوت فريضة حاضرة فيبدأ بتلك الصلاة ثم يعود إلى صلاة الكسوف. وهي عشر ركوعات وأربع سجدات، يفتتح الصلاة بالتكبير، ثم يقرأ الفاتحة وسورة، ويستحب أن يكون من طوال السور، ويجهر بالقراءة فإذا

[ 46 ]

فرغت من القراءة ركعت فأطلت الركوع بمقدار قراءتك إن استطعت، ثم ترفع رأسك من الركوع وتكبر وتقرأ الفاتحة وسورة، ثم تركع حتى تستتم خمس ركوعات. ولا تقول (سمع الله لمن حمده) إلا في الركوعين اللذين يليهما السجود وهما الخامس والعاشر، فإذا انتصبت من الركوع الخامس كبرت وسجدت سجدتين تطيل أيضا " فيهما بالتسبيح، ثم تنهض فتفعل مثل ما تقدم ذكره، ثم تتشهد وتسلم. وينبغي أن يكون لك بين كل ركوعين قنوت. ويجب أن يكون فراغك من الصلاة مقدرا " بانجلاء الكسوف (1)، فإن فرغت قبل الانجلاء أعدت الصلاة. وتجب هذه الصلاة أيضا " عند ظهور الآيات، كالزلازل والرياح العواصف. ومن فاتته صلاة كسوف وجب عليه قضاؤها إن كان القرص انكسف كله، فإن كان بعضه لم يجب عليه القضاء. وقد روي وجوب القضاء على كل حال، وإن من تعمد ترك هذه الصلاة مع عموم الكسوف للقرص وجب عليه مع القضاء الغسل. فصل (في صلاة السفر) فرض السفر في كل صلاة من الصلوات الخمس ركعتان إلا المغرب فإنها ثلاث ركعات. ونوافل السفر سبع عشرة ركعة: أربع بعد المغرب، وصلاة الليل ثمان

في (ش): مقدار ما على الكسوف.

[ 47 ]

ركعات، وثلاث الشفع والوتر، وركعتان للفجر. وفرض السفر التقصير، فالاتمام في السفر كالتقصير في الحضر، ومن تعمد الإتمام في السفر وجب عليه الإعادة. وحد السفر الذي يجب فيه التقصير بريدان، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فمن كان قصده إلى مسافة هذا قدرها لزمه التقصير، وإن كان قدر المسافة أربعة فراسخ للمار إليها وأراد الرجوع من يومه لزمه أيضا " التقصير. وابتداء وجوبه من حيث يغيب عنه أذان مصره وتتوارى عنه أبيات مدينته. وكل من سفره أكثر من حضره لا تقصير عليه، ولا تقصير إلا في سفر طاعة أو مباح، ولا تقصير في مكة ومسجد النبي صلى الله عليه وآله ومسجد الكوفة ومشاهد الأئمة القائمين مقامه عليهم السلام. ومن دخل بلدا " فنوى أن يقيم عشرة أيام فصاعدا " وجب عليه الإتمام، فإن تشكك (1) فلا يدري كم يقيم وتردد عزمه فليقصر ما بينه وبين شهر واحد، فإذا مضى أتم. ولا يجوز أن يصلي الفريضة راكبا " إلا من ضرورة شديدة وعليه تحري (2) القبلة، ويجوز أن يصلي النوافل راكبا " وهو مختار ويصلي حيث توجهت به راحلته، وإن افتتح الصلاة مستقبلا للقبلة كان أولى. ومن اضطر للصلاة في سفينة فأمكنه أن يصلي قائما " لم يجزه غير ذلك، فإن خاف الغرق وانقلاب السفينة جاز أن يصلي جالسا "، ويتحرى بجهده استقبال القبلة.

1) في (ش): شك.
2) في (ش): أن يحرى.

[ 48 ]

فصل (في أحكام صلاة الضرورة) (كالخوف والمرض والعري) والخوف إذا انفرد عن السفر لزم فيه من التقصير مثل ما يلزم في السفر المنفرد عن الخوف. وصفة صلاة الخوف: أن يفرق الإمام أصحابه فرقتين: فرقة يجعلها بإزاء العدو وفرقة خلفه ثم يصلي من وراؤه ركعة واحدة، فإذا نهضوا إلى الثانية صلوا لأنفسهم ركعة أخرى وهو قائم مطول للقراءة، ثم جلسوا فتشهدوا وسلموا وانصرفوا مقام أصحابهم. وجاءت الفرقة الأخرى فلحقت الإمام قائما " الثانية، فاستفتحوا الصلاة وأنصتوا للقراءة فإذا ركع ركعوا بركوعه وسجدوا بسجوده، فإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ركعة أخرى وهو جالس ثم جلسوا معه فسلم بهم وانصرفوا بتسليمه. فإن كانت الصلاة صلاة المغرب صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعة، فإذا قام إلى الثانية أتم القوم الصلاة بركعتين وانصرفوا إلى مقام أصحابهم والإمام منتصب مكانه. وتأتي الطائفة الأخرى فتدخل في صلاته ويصلي بهم ركعة ثم يجلس في الثانية فيجلسون بجلوسه، ويقوم إلى الثالثة وهي لهم ثانية فيسبح فيقرأون هم لأنفسهم، فإذا أتم وجلس للتشهد قاموا فأتموا ما بقي عليهم، فإذا جلسوا سلم بهم.

[ 49 ]

فإن كانت الحال حال اطراد (1) وتزاحف وتوقف (2) ولم يمكن الصلاة على الوجه الذي وصفناه وجب الصلاة بالايماء: ينحني للركوع، ويزداد في انحناء السجود. وقد روي أن الصلاة عند اشتباك الملحمة والتقارب والتعانق تكون بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد (3). فأما المريض ففرضه على قدر طاقته، فإن أطاق القيام لم يجزه غيره، وإن لم يطق صلى قاعدا "، فإن لم يطق صلى على جنب، فإن لم يطق فمستلقيا " يومي بالركوع والسجود إيماءا "، فإن لم يطق جعل مكان الركوع تغميض عينيه ومكان انتصابه فتح عينيه، وكذلك السجود. والعريان الذي لم يتمكن من ستر عورته يجب أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها طمعا " في وجود ما يستتر به، فإن لم يجده صلى جالسا " واضعا " يده على فرجه، ويومي للركوع والسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. وإن صلى عراة جماعة قام الإمام في وسطهم وصلوا جلوسا " على الصفة التي ذكرناها.

1) في (ش): طراد.
2) في (ش): تواقف.
3) روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال في حديث: وإن كانت المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال فإن أمير المؤمنين صلى ليلة صفين وهي ليلة الهرير لم تكن صلاتهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء عند كل صلاة إلا التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء فكانت تلك صلاتهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة - انظر الكافي 3 / 457 - 458.

[ 50 ]

كتاب الجنائز فصل (في غسل الميت وتكفينه ونقله إلى حفرته) غسل الميت كغسل الجنابة في الصفة والترتيب: يبدأ فيه بغسل اليدين، ثم الفرج، ثم الميامن، ثم المياسر. فالغسلات ثلاثة: (1) واحدة بماء السدر، والثانية بماء خليط الكافور إذا ألقي منه شئ في الماء، والأخرى بالماء القراح. والحنوط هو الكافور، ويوضع على مساجد الميت من أعضائه والحنوط الشائع وزن ثلاثة عشر درهما " وثلث درهم، وأقله مثقال لمن وجده. والكفن المفروض ثلاث قطع: مئزر، وقميص، ولفافة. وزيادة الحبرة

1) في (ش): ثلاث.

[ 51 ]

والعمامة من السنة، والخرق (1) التي تشد بها فرجه خارجة عن عدد الأكفان، ويجزي الثوب الواحد لمن لم يجد سواه. والمستحب أن تكون أكفانه من القطن دون غيره. ويضع في أكفانه جريدتين من جرائد النخل، فبذلك جرت السنة. ويكره إسخان الماء لغسل الميت، إلا أن يخاف الغاسل الضرر لقوة البرد وتغسل المرأة زوجها والزوج امرأته. والمشي خلف الجنازة وعن يمينها وشمالها، وقد روي جواز المشي أمامها (2). ويقدم الميت إلى شفير القبر، فيجعل رأسه بأزاء موضع رجليه من القبر، ثم يسل الميت من قبل رأسه حتى يسبق إلى القبر رأسه قبل رجليه. ويحل عقد الأكفان، ويوضع على جانبه الأيمن، ويستقبل القبلة بوجهه ويوضع خده على التراب، وينزل بالميت إلى قبره وليه أو من يأمره الولي، ولا يدخل المرأة إلا من كان يجوز له أن يراها وهي حية. فصل (في الصلاة على الميت) هذه الصلاة فرض على الكفاية، وليس فيها قراءة وإنما هي تكبير واستغفار

1) في (ش): الخرقة.
2) عن الصادق عليه السلام أنه قال: امش أمام جنازة المسلم العارف ولا تمش أمام جنازة الجاحد، فإن أمام جنازة المسلم ملائكة يسرعون به إلى الجنة وإن أمام جنازة الكافر ملائكة يسرعون به إلى النار - الكافي 3 / 169.

[ 52 ]

ودعاء. وعدد التكبيرات خمس، يرفع اليد في الأولى، ولا يرفع في الباقيات، وموضع الدعاء للميت بعد التكبير الرابعة، فإذا كبر الخامسة خرج من الصلاة بغير تسليم، وهو يقول (اللهم عفوك عفوك). ويستحب أن يقوم مقامه حتى ترفع الجنازة. ولا تجب هذه الصلاة إلا على من عقل ودخل في حد التكليف دون الأطفال على وجه التقية، وحد ذلك من (1) بلغ ست سنين فصاعدا ". وتجوز الصلاة على: الميت بغير وضوء والوضوء أفضل. ويجوز للجنب الصلاة عليه (2) عند خوف الفوت بالتيمم من غير اغتسال ويصلى على الميت في كل وقت من الليل والنهار. وأولى الناس بالصلاة على الميت أولاهم به من أهل بيته، ويجوز له الاستنابة في ذلك.

1) في (ش): لمن.
2) في (ش): عليها.

[ 53 ]

كتاب الصوم فصل (في حقيقة الصوم وعلامة دخول شهر رمضان وما يتصل بذلك) الصوم هو توطين النفس على الكف عن تعمد تناول ما يفسد الصيام من أكل وشرب وجماع وسنبينه، وفي كل زمان تعين فيه الصوم كشهر رمضان لا يجب فيه التعيين، بل نية القربة فيه كافية، حتى لو نوى صومه لغير شهر رمضان لم يقع إلا عنه، وإنما يفتقر إلى تعيين النية في الزمان الذي لا يتعين فيه الصوم. ونية واحدة لصوم جميع شهر رمضان واقعة ابتداءا " به كافية (1)، وإن جددناه كان تطوعا ". ووقت النية في الصيام الواجب قبل طلوع الفجر إلى قبل زوال الشمس

1) في (ش): واقعة في ابتدائه كافية.

[ 54 ]

وفي صيام التطوع إلى بعد الزوال. وعلامة دخول شهر رمضان رؤية الهلال، فإن خفي كملت عدد الشهر الماضي ثلاثين يوما " وصمت، فإن شهد عدلان على رؤية الهلال وجب الصوم ولا تقبل فيه شهادة النساء. وفي صيام يوم الشك ينوي (1) أنه من شعبان، فإن ظهر فيما بعد أنه من شهر رمضان أجزأه. ويجب على الصائم تجنب كلما سنبين أنه يفطر من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس. فصل (فيما يفسد الصوم وينقضه) من تعمد الأكل والشرب واستنزال الماء الدافق بجماع أو غيره أو غيب فرجه في فرج حيوان محرم أو محلل أفطر وكان عليه القضاء والكفارة، ومن أتى ذلك ناسيا " فلا شئ عليه. وقد ألحق قوم من أصحابنا بما ذكرناه في وجوب القضاء والكفارة اعتماد الكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وعلى الأئمة عليهم السلام، والارتماس في الماء والحقنة، والتعمد للقئ، والسعوط، وبلع ما لا يؤكل كالحصى وغيره. وقال قوم: إن ذلك ينقض الصوم وإن لم يبطله، وهو أشبه.

1) في (ش): بنية.

[ 55 ]

وقالوا في اعتماد الحقنة أو ما يتيقن وصوله إلى الجوف من السعوط واعتماد القئ وبلع الحصى: إنه يوجب القضاء من غير كفارة. وقد روي أن من أجنب في ليل شهر رمضان وتعمد البقاء إلى الصباح من غير اغتسال كان عليه القضاء والكفارة (1). وروي: أن عليه القضاء دون الكفارة (2). ولا خلاف أنه لا شئ عليه إذا لم يتعمد وغلبه النوم إلى أن يصبح. ومن ظن أن الشمس قد غربت وأفطر فظهر فيما بعد طلوعها فعليه القضاء خاصة. ومن تمضمض للطهارة فوصل الماء إلى جوفه فلا شئ عليه، وإن فعل ذلك متبردا " كان عليه القضاء خاصة. والكفارة اللازمة في إفطار يوم من شهر رمضان: عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا "، أو صوم شهرين متتابعين، قيل: إنها مرتبة، وقيل: أنه مخير فيها. فمن لم يقدر على شئ من الكفارة المذكورة فليصم ثمانية عشر يوما متتابعات، فإن لم يقدر تصدق بما وجد وصام ما استطاع. فصل (في حكم المسافر والمريض ومن تعذر عليه الصوم أو شق) شروط السفر الذي (3) يوجب الافطار ولا يجوز معه صوم شهر رمضان في

1) التهذيب 4 / 321.
2) الكافي 4 / 105.
3) في (ش): التي.

[ 56 ]

المسافة وغير ذلك هي الشروط التي ذكرناها في كتاب الصلاة الموجبة لقصرها، فإن تكلف الصوم مع العلم بسقوطه وجب عليه القضاء على كل حال. والصوم الواجب مع السفر صوم ثلاثة أيام لدم المتعة من جملة العشرة، وصوم النذر إذا علق بسفر وحضر، واختلفت الرواية في كراهية صوم التطوع في السفر وجوازه (1). والمريض يجب عليه الافطار والقضاء، وحد المرض الموجب للافطار هو الذي يخشى من أن يزيد فيه الصوم زيادة بينة، وإذا صح المريض في بقية يوم أفطر في صدره وجب أن يمسك في تلك البقية، وعليه مع ذلك قضاء اليوم وكذلك إذا طهرت الحائض في بقية يوم أو قدم المسافر. ومن بلغ من الهرم إلى حد يتعذر معه الصوم فلا صيام عليه ولا كفارة، وإذا أطاقه لكن بمشقة شديدة يخشى المرض منها والضرر العظيم كان له أن يفطر ويكفر عن كل يوم بمد من طعام. وكذلك الشباب إذا كابد (2) العطاش (3) الذي لا يرجى شفاؤه، فإن كان العطش عارضا " يتوقع زواله أفطر ولا كفارة تلزمه، وإذا برئ وجب عليه القضاء. والحامل والمرضع إذا خافتا ولديهما من الصوم الضرر أفطرتا وتصدقتا عن كل يوم بمد من طعام.

1) انظر أحاديث هذا الباب في الكافي 4 / 130 - 131.
2) في (ش): كان به.
3) العطاش - بضم العين -: داء يصيب الانسان يشرب الماء فلا يروى. الصحاح (عطش) 1012.

[ 57 ]

فصل (في حكم من أسلم أو بلغ الحلم أو جن) (أو أغمي عليه في شهر رمضان) إذا أسلم الكافر قبل استهلال الشهر كان عليه صيامه كله، وإن كان إسلامه وقد مضت منه أيام صام المستقبل، ولا قضاء عليه في الفائت. وكذلك الغلام إذا احتلم، والجارية إذا بلغت المحيض، والمغمى عليه في ابتداء الشهر إذا مضت عليه أيام منه ثم أفاق يجب عليه قضاء الأيام الفائتة. وإن كان إغماؤه بعد أن نوى الصوم وعزم عليه وصام شيئا منه أو لم يصم فلا قضاء عليه وإن كان أكل أو شرب، وهو أعذر من الناسي. فصل (في حكم قضاء شهر رمضان) القاضي مخير بين المتابعة والتفريق. وقد روي: إن كان عليه عشرة أيام أو أكثر منها كان مخيرا " في الثمانية الأولى بين المتابعة والتفريق ثم يفرق ما بقي ليقع الفصل بين الأداء والقضاء (1). ومن كان عليه قضاء واجب لم يجز أن يتطوع بصوم حتى يقضيه. ومن تعمد الافطار في يوم نوى فيه القضاء من شهر رمضان وكان ذلك قبل الزوال لم يكن عليه شئ وصام يوما " مكانه، فإن كان إفطاره بعد الزوال

1) التهذيب 4 / 275.

[ 58 ]

وجب عليه التكفير بإطعام عشرة مساكين وصام يوما " مكانه، فإن لم يتمكن من الاطعام صام ثلاثة أيام بدلا من الاطعام. ومن صام متطوعا " فأفطر متعمدا " قبل الزوال أو بعده من النهار لم يجب عليه قضاء ذلك اليوم. ومن وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كفارة شهر رمضان أو قتل خطأ أو ظهار أو نذر أوجبه على نفسه فقطع التتابع لغير عذر قبل أن يكمل له صيام شهر ويزيد عليه بصيام أيام من الثاني وجب عليه استقبال الصيام (1) من غير بناء على الأول، وإن كان ذلك بعد أن صام شيئا " من الثاني أو عن عذر كمرض أو غيره كان له أن يبني ولم يلزمه الاستقبال. ومن نذر أن يصوم شهرا " واحدا " فصام نصفه ثم تعذر لغير عذر الافطار كان محيطا " (2) وبنى على ما مضى ولم يلزمه الاستقبال. ومن عين بالنذر صيام يوم فأفطر لغير عذر متعمدا " كان عليه من القضاء والكفارة [ مثل ] (3) ما على من أفطر يوما " من شهر رمضان. فصل (في صوم التطوع وما يكره من الصيام) الصيام وإن كان مندوبا " إليه على الجملة بعض الأوقات أفضل من بعض والصوم فيها أكثر ثوابا "، وقد نص على صوم أيام البيض من كل شهر وهي الثالث

1) المراد من كلمة الاستقبال: هو الاستيناف.
2) في (ش): مخطئا ".
3) الزيادة منا لتتميم الكلام.

[ 59 ]

عشر والرابع عشر والخامس عشر وستة أيام من شوال بعيد (1) العيد، ويوم عرفة لمن لا يضر صيامه بعمله فيه، واليوم السابع عشر من ربيع الأول مولد النبي صلى الله عليه وآله، واليوم السابع والعشرين من شهر رجب يوم المبعث واليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة وهو دحو الأرض، ويوم الغدير. وروي في صيام رجب فضل عظيم، وأول يوم منه خاصة وسبعة أيام وثمانية أيام من أوله إلى نصفه. وروي أيضا " في صوم شعبان من الفضل الكثير (2). فأما الصوم المنهي عنه فصوم يوم العيدين، وأيام التشريق، وصوم الوصال، وصوم الدهر. ويكره صوم المرأة تطوعا " بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن مولاه.

1) في (ش): بعد.
2) انظر الأحاديث الواردة في استحباب صيام الأيام المذكورة في مستدرك وسائل الشيعة 1 / 589 - 599.

[ 60 ]

كتاب الاعتكاف الاعتكاف هو اللبث المتطاول للعبادة في مكان مخصوص، فإذا كان مبتدءا " كان نفلا وإن كان عن نذر كان فرضا ". ولا بد فيه من نية، والصوم شرط في صحته. ولا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد صلى فيه إمام عدل بالناس الجمعة، وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. ولا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام. ويلازم المعتكف المسجد ولا يخرج منه إلا لحدث يوجب الوضوء أو لأمر ضروري، ويجوز أن يعود مريضا " أو يشيع جنازة، وإن (1) خرج فلا يستظل بسقف حتى يعود إلى المسجد.

1) في (ش): إذا.

[ 61 ]

والجماع ليلا أو نهارا " يفسد الاعتكاف، وعلى المجامع ليلا في اعتكافه ما على المجامع في نهار شهر رمضان، فإذا جامع نهارا " كانت عليه كفارتان. ومن أفطر بغير الجماع في نهار الاعتكاف من غير عذر كان عليه ما على المفطر من نهار شهر رمضان.

[ 62 ]

كتاب الحج فصل (في وجوب الحج والعمرة وشروط ذلك وضروبه) الحج واجب على كل حر مسلم بالغ متمكن من الثبوت على الراحلة إذا زالت المخاوف والمقاطع ووجد من الزاد والراحلة ما ينهضه في طريقه وما يخلفه في عياله من النفقة. والحج واجب في العمر مرة واحدة، وكذلك العمرة تجب مرة واحدة، وما زاد على المرة فهو فضل عظيم. ويجب على المرأة بهذه الشروط، ولا تفتقر إلى محرم. وأشهر الحج: شوال، وذو العقدة، وعشرون (1) من ذي الحجة. وليس للعمرة وقت مخصوص، وأفضل الأوقات للعمرة المفردة رجب،

1) في (ش): وعشر.

[ 63 ]

وهي جائزة في سائر أيام السنة. وقد روي أنه لا يكون بين العمرتين أقل من عشرة أيام. وروي أنها لا تجوز في كل شهر إلا مرة (1). والحج على الفور دون التراخي لمن تكاملت شرائطه. والأركان في الحج خمسة: الاحرام، والوقوف بعرفات (2) والوقوف بالمشعر الحرام، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة. وقد ألحق قوم من أصحابنا بهذه الأركان التلبية. وضروب الحج ثلاثة: تمتع بالعمرة إلى الحج، وإقران في الحج، وإفراد له. والتمتع بالعمرة هو فرض الله تعالى على كل ناء عن المسجد الحرام، فلا يجوز منه سواه. وصفته أن يحرم من الميقات بالعمرة، وإذا وصل إلى مكة طاف بالبيت سبعا "، وسعى بين الصفا والمروة سبعا "، ثم أحل من كل شئ أحرم منه. فإذا كان يوم التروية عند الزوال أحرم بالحج من المنزل، وعليه بهذا الحج المتعقب للعمرة طوافان: أحدهما الطواف المعروف بطواف النساء، وهو الذي تحل معه النساء، لأن بالطواف الأول الذي هو طواف الزيارة يحل المحرم من كل شئ إلا النساء، وعليه بهذا الاحرام بالحج سعي بين الصفا والمروة، وعليه دم. فإن كان عدم الهدي وكان واجدا " ثمنه تركه عند من يثق به حتى يذبح عنه

1) انظر هذه الروايات في الكافي 4 / 534.
2) في (ش): بعرفة.

[ 64 ]

في طول ذي الحجة فإن لم يتمكن من ذلك أخره إلى أيام النحر من العام القابل. ومن لم يجد الهدي ولا ثمنه، كان عليه صوم عشرة أيام قبل يوم التروية ويوم عرفة، فمن فاته ذلك صام ثلاثة أيام التشريق وباقي العشرة إذا عاد إلى أهله. وأما الاقران فهو أن يهل من الميقات بالحج، ويقرن إلى إحرامه سياق الهدي. وإنما سمي إقرانا " لاقتران سياق الهدي بما يأتي به، وعليه طوافان بالبيت وسعي واحد بين الصفا والمروة ويجدد التلبية عند كل طواف. فأما الأفراد فهو أن يحرم بالحج من الميقات مفردا " ذلك من سياق الهدي، وليس عليه هدي ولا تجديد التلبية عند كل طواف، ومناسك المفرد والقارن متساوية. فصل (في مواقيت الاحرام) ميقات أهل المدينة مسجد الشجرة، وهو ذو الحليفة (1). وميقات أهل العراق وكل من حج من هذا الطريق بطن العقيق (2) وأوله

1) ذو الحليفة - بضم الحاء وفتح اللام وسكون الياء -: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ومنها ميقات أهل المدينة [ معجم البلدان 2 / 295 ]. والشجرة بلفظ واحدة الشجر، وهي الشجرة التي ولدت بها أسماء بنت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة وكانت سمرة وكان النبي ينزلها من المدينة ويحرم منها.
2) العقيق: واد من أودية المدينة يزيد على بريد، وكل مسيل شقه السيل فوسعه فهو عقيق - مجمع البحرين (عقق).

[ 65 ]

المسلخ وأوسطه الغمرة وآخره ذات عرق. وميقات أهل الشام ومن حج بهذا الطريق الجحفة (1). وميقات أهل اليمن يلملم (2). وميقات أهل الطائف قرن المنازل (3). ولا يجوز الاحرام من قبل الميقات، ومن كان منزله دون الميقات فميقاته منزله. ومن جاور بمكة إذا أراد الحج والعمرة خرج من ميقات أهله وأحرم منه، فإن لم يتمكن أحرم من خارج الحرم. فصل (فيما يجتنبه المحرم) على المحرم اجتناب الرفث وهو الجماع وكل ما يؤدي إلى نزول المني من قبلة أو ملامسة أو نظر بشهوة، ويجتنب الفسوق وهو الكذب والسباب،

1) الجحفة بالضم ثم السكون والفاء: كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا على المدينة - معجم البلدان 2 / 111.
2) يلملم موضع على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن، وفيه مسجد معاذ بن جبل، وقال المرزوقي هو جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث، وقيل هو واد هناك. معجم البلدان 5 / 441.
3) قال القاضي عياض: قرن المنازل وهو قرن الثعالب بسكون الراء: ميقات أهل نجد تلقاء مكة على يوم وليلة. وقال الحسن بن محمد المهلبي: قرن قرية بينها وبين مكة أحد وخمسون ميلا، وهي ميقات أهل اليمن، بينها وبين الطائف ذات اليمين ستة وثلاثين ميلا - معجم البلدان 4 / 332.

[ 66 ]

والجدال وهو الحلف بالله صادقا " أو كاذبا ". ويجتنب الطيب كله إلا خلوق المسجد (1) ولا يلبس المخيط من الثياب، ولا يحتجم ولا يفصد إلا عند الضرورة، ولا يأخذ من شعره ولا من أظفاره، ولا يدمي جلده كله، ولا يظلل على نفسه إلا أن يخاف الضرورة. ولا ينكح المحرم، ولا يأكل من صيد البر وإن صاده المحل، ولا يأكل من صيد نفسه، ولا يقتل صيدا "، ولا يدل عليه، ولا يغطي رأسه إلا من ضرورة. فصل (في سيرة الحج وترتيب أفعاله) إذا بلغ الحاج إلى ميقاته فليكن إحرامه منه، وليغتسل وينشر (2) ثوبي إحرامه يأتزر بأحدهما ويتوشح بالآخر، ولا يحرم بالابريسم، وأفضل الثياب للاحرام القطن والكتان. ويصلي ركعتي الاحرام ثم يقول إذا فرغ منهما: (اللهم إني أريد ما أمرتني به من التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك، فإن عرض لي عارض يحبسني فحلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت علي. اللهم إن لم تكن حجة فعمرة أحرم لك جسدي وبشري وشعري من النساء والطيب والثياب أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة).

1) الخلوق كرسول: ما يتخلق به من الطيب. قال بعض الفقهاء وهو مائع فيه صفرة. المصباح المنير (خلق) 1 / 246.
2) في (ش): يلبس.

[ 67 ]

ثم يلبي فيقول: (لبيك اللهم لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك). وإن كان يريد القران قال: (اللهم إني أريد الحج قارنا " فسلم لي هديتي وأعني على مناسكي، أحرم لك جسدي) إلى آخر الكلام. فإن كان يريد الحج مفردا " قال: (اللهم إني أريد الحج مفردا " فيسره لي أحرم لك جسدي) إلى آخر الكلام. وليلب كلما صعد علوا " أو هبط سفلا أو نزل من بعيره أو ركب وعند انتباهه وفي الأسحار، فإن كان قصده إلى مكة من طريق المدينة قطع التلبية إذا عاين بيوت مكة عند عقبة المدنيين، وإن كان قصده إليها من طريق العراق قطع التلبية إذا بلغ عقبة ذي طوى. فإذا بلغ مكة فمن السنة الاغتسال قبل دخول المسجد، فإذا دخله فليفتتح الطواف من الحجر الأسود، ثم يستقبله بوجهه ويدنو إليه فيستلمه، ويكون افتتاحه من طوافه به واختتامه به أيضا "، فإذا بلغ الركن اليماني فليستلمه وليقبله فإن فيه بابا " من أبواب الجنة. فإذا كان في الشوط السابع فليقف عند المستجار وهو دون الركن اليماني ويبسط يديه على البيت ويلصق به بطنه وخده ويقول: (اللهم إن البيت بيتك والعبد عبدك وهذا مكان العائذ بك من النار) ويتعلق بأستار الكعبة ويدعو الله تعالى ويسأله حوائجه للدنيا والآخرة، ويقبل الركن اليماني في كل شوط ويعانقه. فإذا فرغ من الطواف سبع دفعات فليأت مقام إبراهيم عليه السلام وليصل ركعتي الطواف ثم يخرج من الباب المقابل للحجر الأسود إلى الصفا فيسعى

[ 68 ]

منه إلى المروة سبع مرات يبدأ بالصفا ويختم بالمروة. وإذا بلغ من السعي حد المسعى الأول - وهو المنارة - فليهرول، وإذا بلغ حد المسعى الثاني وهو بعد جوازه زقاق العطارين قطع الهرولة. فإذا فرغ من الطواف والسعي قصر من شعر رأسه أو من حاجبيه وقد أحل به من كل شئ أحرم منه. فإذا كان يوم التروية فليغتسل وينشئ الاحرام للحج من المسجد، ويلبي ثم يمضي إلى مني فليصل فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر ويغدو إلى عرفات. فإذا زالت الشمس من يوم عرفة اغتسل وأقطع التلبية وأكثر من التهليل والتحميد والتكبير، ثم يصلي الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ثم يأتي الموقف، وأفضله ميسرة الجبل ويدعو الله سبحانه بدعاء الموقف وهو معروف وبما أحب من الأدعية. فإذا غربت الشمس فليفض من عرفات ولا يصلي المغرب ليلة النحر إلا بالمزدلفة. فإذا نزل المزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، فإذا أصبح يوم النحر وصلى الفجر وقف بالمزدلفة كوقوفه بعرفة، فإذا طلعت الشمس فليفض منها إلى منى ولا يفض منها قبل طلوع الشمس إلا مضطرا ". ويأخذ الحصى لرمي الجمار من المزدلفة أو من الطريق، فإن أخذه من رحله بمنى جاز، ولا يرمي الجمار إلا وهو على طهر، ثم يأتي الجمرة القصوى التي عند العقبة فيقوم من قبل وجهها لا من أعلاها ويحذفها بسبع حصيات. ثم يبتاع هدي متعته من الإبل أو البقر أو الغنم، ولا يجوز في الأضحية من الإبل إلا الثني، وهو الذي قد تمت له خمس سنين، ويجوز من البقر والمعز

[ 69 ]

الثني، وهو الذي تمت له سنة ودخل في الثانية، ويجزي من الضأن لسنة، والأولى أن يتولى ذبح هديه بنفسه. فإذا ذبح هديه حلق رأسه أو قصر من شعره. ثم يتوجه إلى مكة لزيارة البيت من يومه أو من غده، ولا يجوز للمتمتع أن يؤخر زيارة البيت عن اليوم الثاني من النحر، ويوم النحر أفضل، ولا بأس للمفرد والقارن بأن يؤخرا ذلك. وقد تقدم كيفية الطواف، فإذا طاف طواف الزيارة، وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل من كل شئ أحرم منه إلا النساء، فإذا رجع إلى البيت وطاف سبعا " فقد أحل من كل شئ وفرغ من حجه كله. ثم يرجع إلى منى، ولا يبيت ليالي التشريق إلا بمنى، فإن لم يبت بمنى فعليه دم شاة، فإذا رجع إلى منى رمى الجمرات الثلاث اليوم الأول والثاني والثالث في كل يوم بإحدى وعشرين حصاة، ووقت ذلك من طلوع الشمس إلى غروبها. ويجوز للنساء والخائف الرمي بالليل، فإذا أرادوا الخروج من مني في النفر الأول فوقته من بعد الزوال من يوم الثالث من النحر، والنفر الأخير اليوم الرابع من النحر إذا ابيضت الشمس. ويستحب دخول الكعبة لا سيما للصرورة (1) ويستحب عند الرحيل من مكة أن يودع البيت بسبع طوافات وصلاة ركعتين عند المقام.

1) الصرورة: يقال للذي لم يحج بعد، ومثله امرأة صرورة للتي لم تحج بعد - مجمع البحرين (صرر) 3 / 365.

[ 70 ]

فصل (فيما يلزم المحرم عن جنايته من كفارة وفدية وغير ذلك) إذا جامع المحرم قبل الوقوف بعرفة فعليه بدنة والحج من قابل، وإن جامع بعد الوقوف فعليه بدنة ولا حج عليه، وإن كان جماعه دون الفرج فعليه فدية ولا حج عليه من قابل. ويجب على المرأة عدم المطاوعة في الجماع، وإلا فعليها مثل ما يجب على الرجل، فإن أكرهها سقطت عنها الكفارة وتضاعفت على الرجل. ومن قبل امرأته وهو محرم فعليه بدنة أنزل أم لم ينزل. ومن نظر إلى أهله فأمنى فلا كفارة عليه، فإن ضمها مع الشهوة فأمنى فعليه دم شاة. ومن تزوج وهو محرم بطل نكاحه، فإن يعلم (1) أن ذلك محرم وأقدم عليه لم تحل له المرأة أبدا "، ولا يعقد المحرم النكاح لغيره، فإن عقد لم يتم عقده. فإذا قلم المحرم شيئا " من أظفاره فعليه من كل ظفر إطعام مسكين، وقدره مد من طعام، فإن قلم أظفار يديه معا " فعليه دم شاة، فإن قلم أظفار رجليه كان عليه دم آخر، فإن جمع بين تقليم يديه ورجليه في حال واحدة كان عليه دم واحد. ومن أظل (2) رأسه من أذى فعليه دم شاة أو إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام، ومن ظلل على نفسه مختارا " فعليه دم.

1) في (ش): فإن كان يعلم.
2) في (ش): حلق.

[ 71 ]

وعليه في لبس المخيط من الثياب دم شاة إن كان متعمدا "، وإن كان ناسيا " فلا شئ عليه. ومن جادل وهو محرم مرة صادقا " أو مرتين فعليه دم بقرة، فإن جادل ثلاثا " فدم بدنة. ومن ألقى من جسده قملة فقتلها أو رمى بها فعليه كف من طعام. ومن سقط عن فعله شئ من شعره فعليه كف من طعام، فإن كان كثيرا " فعليه دم شاة. وعلى المحرم من صيد النعامة وقتلها بدنة، فإن لم يجد أطعم ستين مسكينا " فإن لم يقدر صام شهرين متتابعين، فإن تعذر ذلك صام ثمانية عشر يوما ". وعليه من [ صيد ] بقرة الوحشية بقرة، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا "، فإن لم يقدر صام سبعة أيام. وإن صاد ظبيا " فعليه دم شاة، فإن تعذر أطعم عشرة مساكين، فإن لم يستطع صام ثلاثة أيام، وفي الثعلب والأرنب مثل ما في الظبي. وفي القطاة وما جانسها حمل قد فطم من اللبن ورعى من الشجر. وفي القنفذ واليربوع والضب وما شابهها جدي. وفي الحمامة وما شابهها درهم، وفي فرخها نصف درهم، وفي بيضها ربع درهم. ومن دل على صيد وهو محرم لزمه فداؤه، وإذا اجتمع محرمون على قتل صيد فقد وجب على كل واحد منهم الفداء. وعلى المحرم في صغار النعام بقدره من صغار الإبل في سنه. وفي كسر بيض النعام عليه أن يرسل فحولة الإبل في إناثها بعدد ما كسر، فما نتج كان هديا " للبيت، وإن لم يجد ذلك فعليه لكل بيضة شاة، فإن لم يجد

[ 72 ]

فإطعام عشرة مساكين، فإن لم يجد صام عن كل بيضة ثلاثة أيام. ومن رمى صيدا " فجرحه ومضى بوجهه فلم يدر أحي هو أم ميت فعليه فداؤه ومن قتل جرادة فعليه كف من طعام وفي الكثير دم شاة، وفي الزنبور تمرة وفي قتل الكثير مد من طعام أو تمر. ومن اضطر إلى أكل صيد أو ميتة فليأكل الصيد ويفديه ولا يقرب الميتة. وإذا صاد المحرم في الحل كان عليه الفداء، وإذا صاد في الحرم كان عليه الفداء والقيمة مضاعفة. ومن وجب عليه فداء الصيد وكان محرما " بالحج ذبح ما وجب عليه بمنى، فإن كان محرما " بالعمرة ذبحه بمكة. ولا بأس أن يأكل المحل ما صاده المحرم، وعلى المحرم فداؤه على كل ما ذكرناه. وليس الدجاج الحبشي من الصيد المحظور على المحرم. ومن نتف ريشا " من طير من طيور الحرم فعليه أن يتصدق على مسكين ويعطي الصدقة باليد التي نتف بها الطائر. والمحل إذا قتل صيدا " في الحرم فعليه جزاؤه. وكل ما أتلفه المحرم من عين (1) حرم عليه إتلافها فعليه مع تكرار الاتلاف الفدية، سواء كان في مجلس واحد أو في مجالس، كالصيد (2) الذي يتلفه من جنس واحد أو من أجناس مختلفة، وسواء كان قد فدى العين الأولى أو لم يفدها، وهذا هو حكم الجماع بعينه.

1) في (ش): من غير ما.
2) في (ش): كان الصيد.

[ 73 ]

فأما ما لا نفس له كالشعر والظفر فحكم مجتمعه بخلاف حكم متفرقه، على ما ذكرناه في قص أظفار اليدين والرجلين مجتمعة ومتفرقة. فأما إذا اختلف النوع كالطيب واللبس فالكفارة واجبة على نوع منه وإن كان المجلس واحدا ". وهذه جملة كافية.

[ 74 ]

كتاب الزكاة فصل (في شروط وجوب الزكاة) الزكاة تجب على الأحرار البالغين المسلمين الموسرين، وحد اليسار ملك النصاب، وأن يكون في يد مالكه، وهو غير ممنوع من التصرف فيه. ولا زكاة في المال الغائب عن صاحبه الذي لا يتمكن من الوصول إليه. ولا زكاة في الدين إلا أن يكون منه تأخير قبضه، وأن يكون بحيث متى رامه (1) قصده. قبضه. فصل (في الأصناف التي تجب فيها الزكاة) وهي تسعة: الدراهم، والدنانير، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب

1) رام الشئ: قصده.

[ 75 ]

والإبل، والبقر، والغنم. ولا زكاة في شئ سوى ذلك ولا في عروض التجارة وقد روي أنه إن طلبت أمتعة التجارة من صاحبها بوضيعة فلا زكاة عليه، وإن طلبت بربح أو برأس المال فأخر بيعها فعليه زكاة، سنة مؤكدة غير واجبة (1). وما تجب فيه الزكاة على ضربين: منه ما يعتبر مع ملك النصاب حؤول الحول عليه، وهو الدنانير والدراهم والإبل والبقر والغنم، وما عدا ذلك لا اعتبار فيه، بل بلوغ حد النصاب. ويجوز إخراج القيمة في الزكاة دون العين المخصوصة. فصل (في زكاة الدراهم والدنانير) إذا بلغت الدنانير عشرين دينارا " وحال عليها الحول وجب فيها نصف دينار ولا زكاة فيما دون ذلك، وإن (2) زادت أربعة دنانير ففيها عشر دينار، وعلى هذا الحساب في كل عشرين دينارا " نصف دينار وفي كل أربعة بعد العشرين عشر دينار. فإن صيغت الدنانير حليا " أو سبيكة لم تجب فيها زكاة إلا أن يكون ذلك فرارا " من الزكاة فتلزمه. وليس فيما دون مائتي درهم زكاة، فإذا بلغت ذلك حال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، فإذا زادت على المائتين أربعين ففي الزيادة درهم واحد،

1) الكافي 3 / 528، وفيه عدة أحاديث بهذا المضمون.
2) في (ش): فإذا.

[ 76 ]

وعلى هذا الحساب. وحكم ما صيغ من الفضة وسبيكته حكم الذهب وقد تقدم. فصل (في زكاة الإبل) لا زكاة في شئ من الأنعام إلا بعد أن تكون سائمة (1) ويحول عليها الحول، وفي (2) طول زمان الحول على العدد الذي تجب في بلوغها به الزكاة. ولا زكاة في الصغار حتى يحول عليها الحول من بعد نتاجها، ولا زكاة في خليطين من ماشية (3) ولا زرع ولا غيرهما حتى يبلغ مال كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة. فإذا بلغت الإبل خمسا " ففيها شاة، ولا شئ فيما زاد على الخمس حتى تبلغ عشرا "، فإذا بلغها ففيها شاتان، ثم لا شئ فيها حتى تبلغ خمس عشرة ففيها ثلاث شياة، فإذا انتهت إلى عشرين ففيها أربع شياة. فإذا بلغت خمسا " وعشرين ففيها خمس شياة، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض حتى تبلغ ستا " وثلاثين، فإذا بلغت ففيها بنت لبون إلى أن تبلغ ستا " وأربعين ففيها حقة (4) إلى إحدى وستين، فإذا بلغتها ففيها جذعة (5) إلى ست

1) الماشية السائمة: التي ترعى بنفسها، ويقابلها العلوفة كالحلوبة، وهي التي تعلف.
2) في (ش)، وهي.
3) أي الماشية التي هي سائمة في بعض الأوقات وعلوفة في أوقات أخرى.
4) الحقة أنثى الحق بكسر الحاء، وهي من الإبل ما دخل في الستة الرابعة.
5) الجذعة أنثى الجذع، وهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة.

[ 77 ]

وسبعين، فإذا بلغتها ففيها بنت لبون (1) إلى التسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا بلغت ذلك ثم زادت عليه ترك هذا الاعتبار وأخرج عن كل خمسين حقة وعن كل أربعين بنت لبون. فصل (في زكاة البقر) ليس فيما دون ثلاثين منها شئ، فإذا كملت ثلاثين ففيها تبيع حولي أو تبيعة (2) إلى الأربعين، فإذا بلغتها ففيها مسنة (3)، وفي ستين تبيعان ومسنة، وفي سبعين تبيع ومسنة، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاث تبايع، وفي مائة تبيعتان ومسنة، ثم على هذا الحساب في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مسنة. فصل (في زكاة الغنم) لا زكاة في أقل من أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى ثلاثمائة، فإن كثرت ففي كل مائة شاة.

1) ابن اللبون: ولد الناقة يدخل في السنة الثالثة، والأنثى بنت لبون، سمي بذلك لأن أمه ولدت غيره فصار لها لبن.
2) التبعية أنثى التبيع، وهو ولد البقرة في السنة الأولى.
3) المسنة من البقر: ما طلعت ثنيته.

[ 78 ]

فصل (في زكاة الحنطة والشعير والتمر والزبيب) إذا بلغ شئ من هذه الأصناف خمسة أوسق والوسق ستون صاعا " بعد خراجها ومؤنتها، فإذا بلغت ذلك وكان مما يسقى سيحا " (1) أو من ماء السماء ففيها العشر، فإن سقيت بالغرب والدوالي والنواضح فنصف العشر. فصل (في تعجيل الزكاة) الواجب إخراج الزكاة في وقت وجوبها، وهو تكامل الحول فيما اعتبر فيه الحول. وقد روي جواز التقديم بشهرين أو ثلاثة (2)، والأول أثبت. وإن حضر مؤن محتاج قبل الوجوب وأراد عطاءه جعل ما يعطيه قرضا " عليه، وإن جاء وقت الوجوب وهو مستحق للزكاة احتسب ذلك من زكاته، فإن أيسر قبل ذلك لم يجز قبل ذلك للمسلف الاحتساب بما أعطاه من زكاته وكان له الرجوع بذلك القرض على من اقترض. فصل (في وجوه إخراج الزكاة) قد نطق القرآن بالأصناف الثمانية التي يخرج إليها الصدقات (3)

1) السيح: الماء الجاري على الأرض كالأنهر.
2) الكافي: 3 / 524.
3) في قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) [ التوبة: 60 ].

[ 79 ]

ويجوز أن يختص بالزكاة بعض هذه الأصناف دون بعض، والأحوط أن لا يخلي صنفا " من شئ يخرجه قل ذلك أم كثر. ولا تحل الصدقة لمن له حرفة أو معيشة تغنيه عنها أو كان صحيحا " سويا " يقدر على الاكتساب والاحتراف. ولا تحل أيضا " إلا لأهل الإيمان والاعتقاد الصحيح وذوي الصيانة والنزاهة دون الفساق وأصحاب الكبائر. ولا تحل الزكاة على الأب والأم والبنت والابن والزوجة والجد والجدة، لأن جميع هؤلاء ممن يجبر على نفقتهم عند الحاجة إليها. وتحل للأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة ومن يجري مجراهم من القرابات. وتحرم الزكاة الواجبة على بني هاشم جميعا " إذا كانوا متمكنين من حقهم في خمس الغنائم، فإذا منعوا وافتقروا إلى الصدقة أحلت لهم الزكاة، وحلت صدقة بعضهم على بعض وما يتطوع به من الصدقات. ويجوز أن يعطي لواحد من الفقراء القليل والكثير. وروي أنه لا يعطي لواحد من الزكاة المفروضة أقل من خمسة درهم (1) وروي أن الأقل درهم واحد. فصل (في زكاة الفطرة) زكاة الفطرة تجب بالشروط التي ذكرناها في وجوه الزكاة وهي سنة مؤكدة

1) الكافي 3 / 548.

[ 80 ]

في الفقير الذي يقبل الزكاة ويجد ما يخرجه من الفطرة على الرجال إذا تكاملت شروطها فيهم، فيخرجها عن نفسه وعن جميع من يعول ممن تجب عليه نفقته أو من يتطوع بها عليه من صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى ملي أو كتابي. ووقت وجوب هذه الصدقة طلوع الفجر من يوم الفطر وقبل صلاة العيد. وقد روي أنه في سعة من أن يخرجها إلى زوال الشمس من يوم الفطر. وهي فضلة أقوات أهل الأمصار على اختلاف أقواتهم من التمر والزبيب والحنطة والشعير والأقط واللبن. ومقدار الفطرة صاع من تمر أو حنطة أو شعير أو من جميع الأنواع التي ذكرناها. والصاع تسعة أرطال بالعراقي. ويجوز إخراج القيمة في الفطرة، وقد روي إخراج درهم عنها، وروي إخراج ثلاثة دراهم، وهذا إنما يكون بحسب الرخص والغلاء. والمعتبر إخراج قيمة الصاع في وقت الوجوب. ومستحق الفطرة كمستحق الزكاة الجامع بين الفقر والايمان والتنزه عن الكبائر. ولا يعطى الفقير من الفطرة أقل من صاع، ويجوز أن يعطى أكثر منه. ولا يجوز نقلها من بلد إلى بلد. والفطرة الواحدة تجزي عن جماعة إذا تراددها (1). فصل (في كيفية إخراج الزكاة) الأفضل والأولى إخراج الزكاة لا سيما في الأموال الظاهرة كالمواشي

1) في (ش): ترادوها.

[ 81 ]

والحرث والغرس - إلى الإمام عليه السلام وإلى خلفائه النائبين عنه، وإن تعذر ذلك فقد روي إخراجها إلى الفقهاء المأمونين ليضعوها في مواضعها، وإذا تولى إخراجها عند فقد الإمام والنائبين عنه من وجب عليه جاز. فأما صدقة الفطرة فيخرجها من وجبت عليه بنفسه دون الإمام عليه السلام. وإذا كنا قد انتهينا إلى هذه الغاية فقد وفينا بما شرطنا في صدر هذا الكتاب فمن أراد التزيد في علم أصول الدين والغوص إلى أعماقه تغلغل شعابه فعليه بكتابنا الموسوم ب‍ (الذخيرة)، فإن آثر الزيادة والاستقصاء فعليه بكتابنا (الملخص) ومن أراد التفريع واستيفاء الشرع وأبوابه فعليه بكتابنا المعروف ب‍ (المصباح) ومن أراد الاقتصار فما أوردنا هنا كاف شاف. والله تعالى هو الموفق للصواب

[ 83 ]

(31) أجوبة المسائل القرآنية

[ 85 ]

[ وجه استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه ] مسألة: قال الله تعالى مخبرا " عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: (ربنا اغفر لي ولوالدي) (1) والذي أخبرنا الله تعالى أنه وعد أباه بالاستغفار دون أمه، فقال (إلا قول إبراهيم لأبيه لاستغفرن لك) (2) وقال (سلام عليك سأستغفر لك ربي) (3) وقال (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) (4). فما وجه استغفاره لوالديه؟ وهل لأحد أن يقرأ (رب اغفر لي ولوالدي) بياء ساكنة غير مشدودة؟ فيكون ذلك موافقا " لقوله (واغفر لأبي إنه كان من الضالين) (5) ومحققا " لما وعده به من الاستغفار؟. الجواب: إعلم أنا قد بينا في كتابنا الموسوم ب‍ (تنزيه الأنبياء والأئمة)

1) سورة إبراهيم: 41.
2) سورة الممتحنة: 4.
3) سورة مريم: 47.
4) سورة التوبة: 113.
5) سورة الشعراء: 86.

[ 86 ]

القول في استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه، بسطناه وشرحناه وفرعناه، فمن أراد النهاية وقف عليه من هناك (1). وفي قوله (ربنا اغفر لي ولوالدي) وجهان: أحدهما: أن عند الشيعة الإمامية أن الأب الكافر الذي وعده إبراهيم عليه السلام بالاستغفار لما وعده ذلك بالايمان، إنما كان جده لأمه، ولم يكن والده على الحقيقة، وأن والده كان مؤمنا ". ويجوز أن يكون الأم أيضا مؤمنة كوالده، ويجعل دعاء إبراهيم عليه السلام لها بالمغفرة دليلا على إيمانها. والوجه الأحسن: أنا لا نجعل ذلك إبراهيم (2) دعاء لنفسه، بل تعليما " لنا كيف ندعوا لنفوسنا وللوالدين المؤمنين منا، كما تعبد الله نبينا صلى الله عليه وآله بأن يقول (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (3) وهو عليه السلام لا يخطئ للعصمة وإنما قال ذلك تعليما " لنا. فأما القراءة بتسكين الياء، فإن كانت مروية وقد روي بها جازت، (4) وإلا فالابداع غير جائز. مسألة (في تفسير آية والسابقون الأولون من المهاجرين الخ) سأل الإمامية مخالفونا، فقالوا: أخبرونا أليس الله تعالى يقول (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا

1) تنزيه الأنبياء ص 33.
2) الظاهر زيادة كلمة (إبراهيم).
3) سورة البقرة: 6 28.
4) في هامش النسخة: وقد قرئ بها جازت القراءة بالتخفيف.

[ 87 ]

عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) (1) مع نظائرها أو ليس هذا إخبار صدق يقطع العذر وضوحه وينفي الشك بيانه ويسقط إن دل عليه ويقوم تبصرة نفسه. فإن قلتم: بلى. قلنا: عرفونا من هؤلاء؟ وميزوهم لنا من غير توالي وتعاري على بصيرة وتثبت ويكون على يقين. وإن افترضتم في هذه المدعوة الجميلة بأمر، لزمكم مثله فيمن تزعمون أنه وعد بإعداد الجنة وحسن المنقلب في (هل أتى على الانسان) (2) ونظائرها قتلوا له (3) وينسبون معناه إلى من أردتم فما الفصل؟. وقالوا: قبض النبي صلى الله عليه وآلة من كذا وكذا الصحابي، أفترى هؤلاء كلهم ضلوا، وهذه الوعود الحسنة والأقوال الجميلة لهم وفيهم، فإن كانوا ضلوا فمن بعدهم ممن تابعهم أضل وأضل من بعد أولئك أيضا " إلى اليوم بالظلم الآن والبغي والربا وشرب الخمور والمناكرات والفواحش والجنة المنعوتة إلى الأمم سكانها، ومن هذه الأمة؟ مع هذه الصفات القبيحة المظنة أهلها، فإن لم يكن الصدر الأول وإلا ما عدهم. الجواب: قال الشريف الأجل المرتضى علم الهدى: قد بينا في كتابنا المعروف ب‍ (الشافي) الذي نقضنا به على صاحب الكتاب المعروف ب‍ (المغني) كلامه

1) سورة التوبة: 100.
2) سورة الانسان: 1.
3) كذا في النسخة.

[ 88 ]

في الإمامة وتعلقه بهذه الآية، لأنه أوردها من جملة ما احتج به، وحكاه عن أبي علي الجبائي واستقصينا الكلام فيها، ونوردها هنا جملة كافية مقنعة. وأول ما نقوله: إن ظاهر هذه الآية لا تقتضي أن السبق المذكور فيها إنما هو السبق إلى إظهار الإيمان والاسلام واتباع النبي صلى الله عليه وآله، لأن لفظ (السابقين) مشتركة غير مختصة بالسبق إلى شئ بعينه. وقد يجوز أن يكون المراد بها السبق إلى الطاعات، فقد يقال لمن تقدم في الفضل والخير: سابق ومتقدم. قال الله تعالى (والسابقون السابقون أولئك المقربون) (1) فإنما أراد المعنى الذي ذكرناه، وقال تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) (2) ويكون معنى قوله تعالى (الأولون) التأكيد للسبق والتقدم والتدبير فيه، كما يقال: سابق بالخيرات أول سابق. وإذا لم يكن هاهنا دلالة تدل على أن المراد بالسبق في الآية إلى الاسلام فقد بطل غرض المخالفين وإذا ادعوا فيمن يذهبون إلى فضله وتقدمه أنه داخل في هذه الآية إذا حملنا على السبق في الخير والدين احتاجوا إلى دليل غير ظاهر الآية، وأنى لهم بذلك. ثم إذا سلمنا أن المراد بالسبق في الآية السبق إلى الاسلام والايمان بالنبي صلى الله عليه وآله فلا بد من أن يكون الآية مشروطة بالاخلاص وأن يكون الظاهر كالباطن، فإن الله لا يعد بالجنة والرضوان من أظهر الاسلام وأبطن خلافه. ولا خلاف بيننا وبين مخالفينا في أن هذا الشرط الذي ذكرناه مراعى في

1) سورة الواقعة: 10.
2) سورة فاطر: 32.

[ 89 ]

الآية، وإذا كان لا بد من مراعاته فمن أين للمخالف أن القوم الذين يذهبون إلى تعظيمهم وتفضيلهم ممن أظهر السبق إلى الاسلام كان باطنهم كظاهرهم، حتى يستحق الدخول تحت الوعد بالجنة والرضا من الله تعالى. ويختص مخالفونا بشرط آخر يذكرونه على مذاهبهم، وهو أنهم يشترطون في هذه الآية وفي أمثالها من آيات الوعد بالثواب على الطاعات، أن لا يأتي هذا المطيع بما يسقط به ثواب طاعته من الأفعال القبيحة. ونحن لا نشترط ذلك لأن مذاهبنا أن المؤمن على الحقيقة (1) سرا " وعلانية لا يجوز أن يكفر، ولا يحتاج إلى هذا الشرط، وإن شرطنا نحن وهم جميعا " في آيات الوعيد بالعقاب، إلا أن يتوب (2) هذا العاصي، فإن التوبة تسقط عندنا العقاب تفضلا وعند مخالفينا وجوبا "، فلا بد من اشتراطها في الوعيد بالعقاب. فمن أين لمخالفينا إذا ثبت لهم دخول من يريدون دخوله في الآية، مضافا " إلى إيمانه باطنا " وظاهرا " أنه ما أتى طول عمره بما يسقط ثواب سبقه إلى الاسلام. فإن قالوا: فمن أين تعلمون أنتم أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو معني بهذه الآية عندكم قد حصل فيه الشرط الذي ذكرتم أنه لا بد من اشتراطه. قلنا: نحن لا نعتمد في الدلالة على فضل أمير المؤمنين عليه السلام وتقدمه على الخلق في الثواب بعد الرسول صلى الله عليه وآله بهذه الآية، فيلزمنا أن نذكر حصول شرطها فيه، بل نعتمد في ذلك على ما هو معروف مسطور في الكتب

1) في الهامش: كذا.
2) ظ: ألا يتوب.

[ 90 ]

مما ليس للمخالف مثله، وإنما يجب على المخالف إذا كان معتمدا " في فضل من يذهب إلى تفضيله على هذه الأمة (1) أن يدل على أن الشرط المعتبر في هذه الآية حاصلة فيه بعد، وقد ثبت عصمة أمير المؤمنين عليه السلام عندنا وطهارته من القبائح كلها، وأنه لا يجوز أن يظهر من الطاعات والخيرات خلاف ما يبطن. وآكد ما دل على ذلك أن أمير المؤمنين عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله نص عليه بالامامة والاستخلاف بعده على أمته بالأدلة التي ذكرناها في كتبنا وبسطناها، لا سيما في الكتاب (الشافي). وإذا ثبت أنه الإمام المستخلف على الأمة، ثبت أنه معصوم، لأن العقول قد دلت على أن الإمام لا بد من أن يكون معصوما " لا يجوز تخطيه من الخط ما جاز على رعيته، فبهذه الدلالة ونظائرها نعلم أن باطن أمير المؤمنين عليه السلام كظاهره، وأنه لا يجوز أن يظهر من الخيرات والطاعات ما يجوز أن يبطن خلافه فنعلم بذلك دخوله قطعا " تحت الآية. وهذا هو الجواب عن الاعتراض بحصول التوابع فيمن عني بسورة (هل أتى). فإن ادعى مخالفونا دخول غيره فيه، فيجب أن يدلوا على مثل ما دللنا عليه، وإلا كانوا حاصلين على الدعوى العارية من برهان. على أنا نقول: ليس يخلو المراد بالسابقين المذكورين في الآية، هو السابق الذي لم يتقدمه غيره، أو يراد به من سبق سواه، وإن كان مسبوقا " في نفسه بغيره، وإن كان المراد هو الأول، فالذين هم بهذه الصفة في السبق إلى الاسلام أمير المؤمنين عليه السلام وحمزة وجعفر وخباب بن الأرت وزيد بن حارثة وعمار بن ياسر رحمة الله عليهم، ومن الأنصار سعد بن معاذ وأبو الهيثم بن

1) خ ل: الآية.

[ 91 ]

التيهان وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين. فأما أبو بكر ففي تقدم إسلامه خلاف معروف، وقد ذكر أهل النقل أن إسلام أمير المؤمنين عليه السلام وعمر (1) وجعفر وخباب وزيد كان مقدما " لإسلامه، والأخبار بذلك في نقل أصحاب الحديث وأصحاب السير من العامة مشهورة معروفة. فعلى من ادعى تقدم إسلام أبي بكر وأنه سابق لا متقدم له أن يدل على ذلك، وهيهات أن يتمكن من ذلك. ثم إذا دل عليه، وجب أن يدل على نظائره في أن ظاهره كباطنه، وأن لم يأت في باقي عمره ما يزول معه الثواب الذي استحقه بإيمانه وإسلامه، دون ذلك خرط القتاد. وإن كان الأمر على الوجه الثاني الذي قسمناه في كلامنا، فهو مؤد إلى أن يكون جميع المسلمين الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وآله سابقين في الاسلام إلا الواحد الذي لم يكن بعده إسلام من واحد، ومعلوم خلاف ذلك. فقد بان بهذه الجملة مذهبنا في المعني بهذه الآية، لأنه إن كان المراد بها السبق إلى الخيرات والطاعات، وكل سابق في ذلك ممن ظاهره كباطنه، داخل تحته. وإن كان المراد السبق إلى الاسلام، وكل سابق إلى الاسلام ممن باطنه فيه كظاهره وعلانيته كسره داخل في الآية. فمن ادعى في بعض ما اختلف في إسلامه أن إسلامه يتقدم له الدليل على ذلك. ثم عليه بعد ذلك إذا ثبت له تقدم إظهار الاسلام أن يدل على أن الباطن كالظاهر، ثم على سلامة ثوابه، ومعلوم تعذر ذلك وتعسره على من يروم من

1) ظ: حمزه.

[ 92 ]

مخالفينا، وإلا فليتعاطوه ليعلموا أعجزهم (1) عن ذلك. فأما ما ختم به هذه المسألة من أن النبي صلى الله عليه وآله قبض عن كذا وكذا الصحابي أفترى هؤلاء كلهم ضلوا؟ فالجواب عنه: معاذ الله أن يضل عن الحق جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، أو يعدل إلى القول بالباطل على جميع الأئمة في وقت من الأوقات بل لا بد للحق في كل زمان من قائل به وذاهب إليه ومقيم عليه، وإن ضل عنه غيره. والذين ضلوا الضلال الشديد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله من بعد مخالفته فيمن نصبه للإمامة وارتضاه للخلافة، وعدل بالأمر عنه وصيره في غيره، افتتانا " على الرسول، وتقدما " بين يديه، وخلاف (2) ظاهرا " عليه، ثم اتبع هؤلاء الجم والعدد الكثير تقليدا " لهم وحسن الظن بهم، وعجزا " عن الاختبار والاعتبار فضلا أيضا " دون ذلك الضلال. ونفى أهل الحق الذين علموا أن الإمامة في أمير المؤمنين عليه السلام بالنص والتوقيت، وإنه أو أن (3) أغلب على مقامه، وحيل بينه وبين حقه، فهو المستحق للإمامة. وهؤلاء جماعة بني هاشم، ومن المهاجرين والأنصار جماعة كثيرة معروفون وهم الذين تأخروا عن بيعة أبي بكر، واجتمعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) متحاورين

1) ظ: عجزهم.
2) ظ: خلافا ".
3) ظ: وإن.

[ 93 ]

إليه وتعمدن (1) ما يصرفهم عليه ويزيدهم به، فلما رأوا حاله على الاستمرار على المنازعة والمجاذبة. وهذا الأمر بعد أن قربت الشبهة فيه وكثرت الأعوان عليه. وإذا عدد النصار لما تم من الاختيار علما " منه بما يعقب المخارجة، وتورث المجاهرة من الفساد العظيم في الدين، وتفرق الشمل وتشعب الحيل اقتداءا " به في الامساك والمشاركة، إلى أن يقضي الله أمرا " كان مفعولا. مسألة (المراد من الصاعقة والرجفة في الآيتين) إن سأل سائل فقال: أليس قد أخبر الله تعالى إنه أهلك عادا " بالريح، ثم قال في سورة حم السجدة (فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) (2). وقال عز وجل في قصة ثمود (فكذبوه فأخذتهم الرجفة) (3) فسمى الصاعقة المذكورة في سورة حم رجفة، ومعلوم أن الريح غير الصاعقة، والصاعقة غير الرجفة. الجواب: إنه غير ممتنع أن ينضم إلى الريح صاعقة في إهلاك قوم عاد، فيسوغ أن يخبر في موضع أنه أهلكهم بالريح، وفي آخر أنه أهلكهم بالصاعقة.

1) في الهامش: تعمدت.
2) سور فصلت: 13.
3) سورة الأعراف: 78 و 91.

[ 94 ]

وقد يجوز أن يكون الريح نفسها هي الصاعقة، لأن كل شئ صفق (1) الناس منه فهو صاعقة. وكذلك القول في الصاعقة والرجفة أنه غير ممتنع أن يقترن بالصاعقة الرجفة، فيخبر في موضع بأنهم أهلكوا بالصاعقة وفي آخر بالرجفة. وقد يمكن أن تكون الرجفة هي الصاعقة، لأنهم صعقوا عندها. مسألة [ كيفية نجاة هود عليه من الريح المهلك ] إن سأل سائل فقال: إن الماء في عهد نوح لمايم جميع الأرض لم ينج من الغرق إلا أصحاب السفينة، فالريح المسخرة بم أعظم (2) منها هود عليه السلام ومن اتبعه من المؤمنين، مع علمنا أن كل ريح تهب من شمال أو جنوب أو صباء أو دبور فإنها تعم الأرض وأكثرنا. وهذا السؤال وإن لم يكن داخلا في علم الكلام، فإن كثرة العلم وجودة الطبع يوسع للمسؤول إذا كانت هذه حالة المقال ويضرب له المثال. الجواب: عن الريح المهلكة لعاد المدمرة عليهم ما الوجه في كيفية نجاة هود عليه السلام منها ومن نجاة من نجى بنجاته من أهله وأصحابه مع عموم الريح الأماكن كلها.

1) كذا والظاهر: يصقق.
2) ظ: نجى.

[ 95 ]

فالجواب عندي أنه غير ممتنع أن يكون هود (ع) ومن كان في صحبته بحيث لم تهب فيه هذه الريح المهلكة، والله تعالى قادر على أن يخص بالريح أرضا " دون أرض، ويكف عن هود عليه السلام ومن معه عند هبوبها وتأثير اعتمادها، فلا يلحقهم من الضرر بها وإن هبت بينهم كما لحق من هلك، كما أنه تعالى كف إحراق النار عن إبراهيم عليه السلام وبردها في جسمه وإن كان حاصلا فيها، وكل ذلك جائز واضح. مسألة [ الأشكال الوارد في آية (ولقد خلقناكم الخ) ] أجمع أهل العربية على أن (ثم) توجب في العطف الترتيب دالة على التعقيب، وإذا كان هذا كما وصفوا فما معنى قوله تعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) (1). فيجئ من هذا على قول النحويين أنه تعالى أمر الملائكة اسجدوا لآدم بعد خلقه وتصويره قوما " خوطبوا بذلك، فإن كان هؤلاء المخاطبون من ذرية آدم فهنا (2) من الأمر المستحيل، وإن كان من غير ذرية آدم، فيحتاج إلى دليل. الجواب: أما قوله تعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا)

1) سورة الأعراف: 11.
2) ظ: فهذا.

[ 96 ]

لقوم ليسوا من نسل آدم عليه السلام بل للجن وغيرهم من خلق الله تعالى، وعلى هذا الجواب تسقط الشبهة ولا يبقى سؤال. الجواب الآخر: أن يكون قوله تعالى (خلقنا كم) لم يرد به الايجاد والأصلات وإن كان الخطاب به لبني آدم، وإنما أراد تعالى التقدير. وعلى هذا المعنى حمل قوم من العلماء قوله تعالى (والله خلقكم وما تعملون) (1) بمعنى أنه تعالى قدرها وعلم كيفيتها وأحوالها وسوء (2) الخلق الايجاد والأحداث وقد يسمى أحدنا بأنه خالق للأديم وإن لم يكن محدثا " ولا موجدا "، فالشبهة أيضا " ساقطة عن هذا الجواب. وقد أجاب قوم عن هذا السؤال، بأن لفظة (ثم) في قوله تعالى (ثم قلنا للملائكة) لم يأت لترتيب الجواب الأمر بالسجود على الخلق والتصوير، لا الأمر هو المرتب عليها. وهذا الجواب وإن كان مسقطا " للشبهة، فإنه مخالف للظاهر، لأن ظاهر الكلام يقتضي أن الأمر بالسجود هو المرتب لا للاعلام. ألا ترى أن القائل إذا قال: ضربت زيدا " ثم عمرا "، فإن الظاهر من كلامه يقتضي أن ضرب عمر وهو المرتب على ضرب زيد. وعلى هذا الجواب الذي حكيناه يجوز أن يكون ضرب عمرو متقدما " على ضرب زيد، وإنما أدخل لفظة (ثم) لإعلام ترتب الضرب على الضرب ومعلوم خلاف ذلك. فإن قيل: فالجواب الذي ذكرتموه المبني على أن قوله تعالى (خلقناكم)

1) سورة الصافات: 96.
2) كذا في النسخة.

[ 97 ]

لم يعن به البشر وإنما عني به غيرهم مخالف أيضا " للظاهر. فإن قلتم: خالفنا الظاهر بدليل. قلنا: ونخالفه أيضا " بدليل. والجواب عن السؤال: أنه ليس الظاهر من قوله تعالى (خلقناكم ثم صورناكم) ينبغي أن يكون متوجها " إلى بني آدم دون غيرهم من العقلاء والظاهر من قوله تعالى (ثم قلنا للملائكة) يقتضي ترتب القول على الخلق والتصوير. مسألة [ قوله تعالى (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) الخ ] إن سأل سائل عن قوله تعالى (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا ") (1) وكيف يجوز أن يكون من جملة ما حرم علينا أن لا نشرك شيئا "، والأمر بالعكس في ذلك. الجواب: قيل له: هذا سؤال من لا تأمل عنده لموضوع الآية وترتيب خطابه، لأن التحريم المذكور فيه لا يجوز البتة على مذهب أهل العربية أن يكون متعلقا " بقوله (ألا تشركوا به شيئا) وإنما هو من صلة الجملة الأولى. ولو تعلق التحريم المذكور بقوله (ألا تشركوا به شيئا) لم يخل أن يكون

1) سورة الأنعام: 151.

[ 98 ]

تعلقه به تعلق الفاعل والمفعول، فكأنه قال: حرم أن لا تشركوا، أو المبتدأ والخبر، فكأنه قال: الذي حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا. والتعلق الأول يمنع منه لفظة (حرم)) من صلة لفظة (ما) التي بمعنى الذي، فلا يعمل فيما بعدها. ألا ترى أنك إذا قلت (حرمت كذا) فالتحريم عامل فيما بعده على الفعل من المفعول، فإذا قلت: الذي حرمت كذا، فبطل هذا المعنى. ولم يجز أن يكون التحريم متعلقا " بما بعده على معنى الفعلية، بل على سبيل المبتدأ والخبر. ولا يجوز أن يكون في الآية التعلق على هذا الوجه، لأن صدر الكلام يمنع من ذلك. ألا ترى أنه تعالى قال (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) ف‍ (ما) منصوب لأنه مفعول أتل، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون (ما حرم) مبتدأ حتى يكون (ألا تشركوا) خبرا " له. وإذا بطل التعلق بين الكلام من كلا الوجهين، نظرنا في قوله تعالى (ألا تشركوا به)، لأن ذلك واجب غير محرم، فوجب أن يضمرا ما أوصاكم أن لا تشركوا به (1). والاضمار الأول يشهد له آخر الآية في قوله تعالى (ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) (2) والاضمار الثاني يشهد له أول الآية في قوله تعالى (قل تعالوا أتل ما) أوصانا به فقد أمرنا به وبنينا إليه. فإن قيل: فما موضع (أن) من الإعراب؟.

1) في الهامش: أوصيكم أن لا تشركوا أوائل عليكم.
2) سورة الأنعام: 151.

[ 99 ]

قلنا: في ذلك وجوه ثلاثة: أحدها: الرفع، ويكون التقدير: ذلك أن لا تشركوا به شيئا "، فكأنه مبتدأ أو خبر. والثاني: النصب، إما على أوصى أن لا تشركوا، أو على أتل أن لا تشركوا. والثالث: أن لا يكون لها موضع، يكون المعنى: ألا تشركوا به شيئا ". فأما موضع (تشركوا) فيمكن فيه وجهان: النصب ب‍ (أن) والجزم ب‍ (لا)) على وجه النهي. فإن قيل: كيف يعطف النهي في قوله تعالى (ولا تقتلوا أولادكم) (1) على الخبر وهو أوصى أن لا تشركوا. قلنا: ذلك جائز مثل قوله تعالى عز وجل (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين) (2) ومثل قول الشاعر: حج وأوصى لسلمى إلا عبدا * ألا ترى ولا تكلم أحدا ولم يزل شرابها مبردا " فعطف (لا تكلم) وهي نهي على الخبر. ويمكن في الآية وجه آخر غير مذكور فيها والكلام يحتمله، وهو أن يكون الكلام انقطع عند قوله تعالى (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم) والوقف هاهنا، ثم ابتدأ فقال (عليكم ألا تشركوا به شيئا) وإذا كان على هذا الوجه، احتمل (عليكم ألا تشركوا) وجهين: أحدهما: أن يراد يلزمكم وواجب عليكم، كما يقال: عليك درهم وعليك

1) سورة الاسراء: 31.
2) سورة الأنعام: 14.

[ 100 ]

أن تفعل كذا، ثم قال (وبالوالدين إحسانا ") أي أوصي بالوالدين إحسانا ". والوجه الآخر: أن يريد الاغراء، كما تقول: عليك زيدا " وعليك كذا إذا أمرت بأخذه والبدار إليه. ولم يبق بعد هذا السؤال (1) واحد، وهو أن يقال: كيف يجوز أن يقول تعالى (أتل ما حرم ربكم عليكم) ثم يأتي بذكر أشياء غير محرمات، حتى يقدروا لها الوصية والأمر. وصدر الكلام يقتضي أن الذي يأتي من بعد لا يكون إلا محرما " ألا ترى أن القائل إذا قال: أتل عليك ما وهبته لك كذا وكذا، لا بد أن يكون ما بعده ويذكره من الموهوبات، وإلا خرج الكلام من الصحة. والجواب عن ذلك: أن التحريم لما كان إيجابا " والزاما " أتى ما بعده من المذكورات على المعنى دون اللفظ بذكر الأمور الواجبات والمأمورات، للاشتراك في المعنى. وأيضا " فإن في الايجاب والالزام تجري (2). ألا ترى إن الواجب محرم الترك، وكل شئ ذكر لفظ التحريم على بعض الوجوه تحريم. فإن قيل: ألا حملتم الآية على ما حملها قوم من أن لفظة (لا) زائدة في قوله تعالى (أن لا تشركوا به شيئا) واستشهدوا على زيادة (لا) بقوله تعالى (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) أي أن تسجد، قال الشاعر: ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي * ويزعمن أن أودى بحقي باطل ويلجئني في اللهو أن لا أحبه * وللهو داع دائب غير غافل قلنا: قد أنكر كثير من أهل العربية زيادة (لا) في مثل هذا الموضع وضعفوه وحملوا قوله تعالى (ما منعك أن لا تسجد) (3) على أنه خارج على المعنى، والمراد

1) ظ: إلا سؤال.
2) ظ: تحريم.
3) سورة الأعراف: 12.

[ 101 ]

ما دعاك إلى أن لا تسجد؟ وما أمر أن لا تسجد؟ لأن من منع من شئ فقد دعا إلى أن يفعل. ومتى حملنا قوله تعالى (أن لا تشركوا به شيئا ") على أن لفظة (لا) زائدة على تضعيف قوم لذلك، فلا بد فيما اتصل به هذا الكلام من تقدير فعل آخر، وهو قوله تعالى (وبالوالدين إحسانا ") لأن ذلك لا يجوز أن يكون معطوفا " على المحرم، فلا بد من إضمار وأوصينا (1) بالوالدين إحسانا ". وإذا احتجنا إلى هذا الاضمار ولم يغننا عنه ما ارتكبناه من زيادة لفظة (لا) فالأولى أن نكتفي بهذا الاضمار في صدر الكتاب، ويبقى الكلام على حاله من غير القاء شئ منه ونقدر ما تقدم بيانه، فكأنه قال وصى أن لا تشركوا به شيئا " وبالوالدين إحسانا "، ويشهد لذلك بقوله آخر الآية. مسألة [ قولة تعالى (كذلك نولي بعض الظالمين بعضا ") ] وسئل (قدس الله روحه) عن تأويل قوله تعالى (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ") (2) فقال فقد قيل فيها أقوال: منها أن يحشر الظالمون مع أوليائهم فيدخلون النار إلى بيتهم في العقاب. وقيل: يخلي الفراعنة ويوليهم على الظالمين ويمكنهم منه. وقيل وجه آخر وهو أحسن: وهو ما بينه تعالى في موضع آخر بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء

1) خ ل: وأوحينا.
2) سورة الأنعام: 129.

[ 102 ]

بعض) (1) فحكم أن الكفار بعضهم يتولى بعضا " وينصره ومنع المؤمنين من ذلك فكان حاكما " عادلا من حيث حكم بما ذكرناه، والله تعالى أعلم. [ قوله تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا " الخ ] وقال (رحمة الله عليه) في تفسير قول الله تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم سابق بالخيرات) (2) فقيل: كيف أورثهم الكتاب وقد وصفهم بالظلم. وقال أبو علي الجبائي: ظالم لنفسه أي أنه يحمل عليها في العبادة ويضربها كما يقول القائل: فلان ظالم لنفسه، لفرط صومه وكثرة صلاته، وهذه صفة مدح. وقال آخرون: ظالم لنفسه بفعل الصغائر. قال (رضي الله عنه): والذي أعتمده وأعول عليه، أن يكون (فمنهم ظالم لنفسه) من صفة (عبادنا) أي أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، ومن عبادنا ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات، أي فليس كل عبادنا ظالما " لنفسه، ولا كلهم مقتصدا " ولا كلهم سابقا " بالخيرات، فكان الذين أورثوا الكتاب السابقون بالخيرات دونهما. وقال (رضي الله عنه): علمت (3) به لما كانت في معنى أحطت، وأحطت أعم وآكد. ومثله قوله تعالى (وجحدوا بها) (4) لما كانت في معنى كفروا. لأن جحودهم بآيات الله كفر فقال (جحدوا بها) فعداه بالباء

1) سورة المائدة: 51.
2) سورة فاطر: 32.
3) لعل هنا وقع سقط.
4) سورة النمل: 14.

[ 103 ]

وقوله تعالى (الرفث إلى نسائكم) (1) لما كانت الرفث بمعنى الافضاء. وقال في قوله تعالى (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) (2) يجوز لا يؤذن لهم ولا يعتذرون، ليكون معطوفا " على (يؤذن لهم) ولا يكون جوابا " ويجوز لا يؤذن لا يؤذن لهم فكيف يعتذرون. [ قوله تعالى (أن يكون لي غلام وقد بلغني الكبر) ] وسأله (قدس الله روحه) أبو القاسم بن علي بن عبد الله بن شيبة العلوي الحسني عن قول الله تبارك وتعالى في قصة زكريا عليه السلام (أن يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) (3). فكأنه سأل أمرا " يستحيل كونه، وقد علمنا لا محالة أن زكريا عليه السلام لا محالة يعلم أن الله تعالى لا يعجزه بما يريد، فما وجه الكلام فيه. فأجاب عن ذلك وقال: إنه غير ممتنع أن يكون زكريا لم يمثل الذرية في حال كبره وهرمه، بل قبل هذا الحال، فلما رزقه الله ولدا " على الكبر ومع كون امرأته عاقرا " قال (أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) من غير إنكار منه لقدرته تعالى على ذلك، بل ليرد من الجواب ما يزداد به بصيرة ويقينا ". ويجوز أن يكون سأل الولد مع الكبر وعقم امرأته، ليفعل الله تعالى ذلك على سبيل الآية وخرقا " للعادة من أجله، فلما رزقه الله الولد عجب من ذلك وأنكره بعض من ضعفت بصيرته من أمته فقال عليه السلام (أنى يكون لي ولد) ليرد من الجواب ما يزول به شك غيره، فكأنه سأل في الحقيقة لغيره لا لنفسه

1) سورة البقرة: 187.
2) سورة المرسلات: 36.
3) سورة آل عمران: 40.

[ 104 ]

ويجري ذلك مجرى موسى عليه السلام أن يريه الله تعالى نفسه لما شك قومه في ذلك، فسأل لهم لا لنفسه. [ قوله تعالى (وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب) الخ ] وسأل أيضا " عن قول الله عز وجل (وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم) (1) فقال: أي شئ في استحياء النساء من سوء العذاب، وإنما العذاب في ذبح الأبناء. فقال (رضوان الله عليه): أما قتل الذكور واستحياء الإناث فهو ضرب من العذاب والاضرار، لأن الرجال هم الذين يزعمون الناس عما... به من الشر، وهو واقع منهن في الأكثر مع الردع، فإذا انفردن وقع الشر بلا راع ولا مانع، وهذه مضرة عظيمة. ووجه آخر: وهو أن الراجع إلى قوله تعالى (يسومونكم سوء العذاب) هو قتل الأبناء دون استحياء النساء، وإنما ذكر استحياء النساء لشرح كيفية الحال لا لأن ذلك من جملة العذاب، كما يقول أحدنا: فلان عذبني بأن أدخلني داره وعليه ثياب فلانية وضربني بالمقارع وفلان حاضر. وليس كل ما ذكره من جملة العذاب، وإنما ذكر العذاب هو الضرب دون غيره، وذكر الباقي على سبيل الشرح. ووجه آخر: وهو أنه روي أنهم كانوا يقتلون الأبناء ويدخلون أيديهم في فروج النساء لاستخراج الأجنة من بطون الحوامل، فقيل: يستحيون من لفظ الحياء وهو الفرج وهو عذاب، ففي مثله ضرر شديد لا محالة.

1) سورة البقرة: 49.

[ 105 ]

[ قوله تعالى (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) ] وسأله أيضا " فقال: أليس قد وعد الله تعالى المؤمنين في عدة مواضع من كتابه المجيد بالجنة والخلود في النعيم، فما معنى قوله لنبيه (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) (1) الثواب أو العقاب، أدخول الجنة أو النار، لأنه عليه السلام عالم بأن الجنة مأواه وأن الموات عاقبته. ولا يجوز أن يشك في أنه ليس من أهل النار، وإن شك في ذاك من حال غيره. والمراد بالآية: أنني لا أدري ما يفعل بي ولا بكم من المنافع والمضار الدنيوية كالصحة والمرض والغنى والفقر والخصب والجدب، وهذا وجه صحيح واضح لا شبهة فيه. ويجوز أيضا " أن يريد أنني لا أدري ما يحدثه الله من العبادات ويأمرني به وإياكم من الشرعيات وما ينسخ من الشرعيات وما يقر منه ويستدام، لأن ذلك كله مغيب عنه، وهذا يليق بقوله تعالى في أول الآية (قل ما كنت بدعا من الرسل) وفي آخرها (إن أتبع إلا ما يوحى إلي). [ قوله تعالى (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك) الخ ] وسأل أيضا " عن قوله تعالى (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جائك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) (3). كيف يكون النبي صلى الله عليه وآله في شك مما أوحى إليه؟ كيف يسئل

1) سورة الأحقاف: 9.
2) ظ: الثواب.
3) سورة يونس: 94.

[ 106 ]

صحة ما أنزل إليه الذين يقرؤن الكتاب من قبله وهم اليهود والنصارى المكذبون؟. فقال: إن قوله تعالى (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك) ظاهر الخطاب له والمعنى لغيره، كما قال تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) (1) فكأنه تعالى قال: فإن كنت أيها السامع للقرآن في شك مما أنزلنا على نبينا فاسأل الذين يقرؤن الكتاب. وليس يمتنع عند من أمعن النظر أن يكون الخطاب متوجها " إلى النبي صلى الله عليه وآله على الحقيقة، وليس إذا كان الشك لا يجوز عليه لم يحسن أن يقال له: إن شككت فافعل كذا، كما قال الله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) (2) ومعلوم أن الشرك لا يجوز عليه، ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه آله داخل في ظاهر آيات الوعيد والوعد وإن كان مما لا يشك. ووجدت بعض المفسرين يجعل (إن) هاهنا بمعنى (ما) التي للجحد، ويكون تقدير الكلام ما كنت في شك مما أنزلنا إليك. واستشهد على قوله (3) تعالى (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم) (4) أي ما نحن، وقوله تعالى (إن أنت إلا نذير) أي ما أنت إلا نذير. ولا شك في أن لفظة (إن) قد يكون بمعنى (ما) في بعض المواضع، إلا أنه لا يليق بهذا الموضع أن يكون (إن) بمعنى (ما) لأنه لا يجوز أن يقول تعالى: ما أنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤن الكتاب، لأن العالم لا حاجة به إلى المسألة، وإنما يحتاج أن يسأل الشاك.

1) سورة الإطلاق: 1.
2) سورة الزمر: 65.
3) ظ: عليه بقوله.
4) سورة إبراهيم: 11.

[ 107 ]

غير أنه يمكن نصرة هذا الجواب، لأنه تعالى لو أمره بسؤال أهل الكتاب من غير أن يبقى شكه ولا وهم (1) أمره بالسؤال أنه يشك في صدقه وصحة ما أنزل عليه، فقدم كلاما " يقتضي نفي الشك عنه فيما أنزل عليه ليعلم أن أمره بالسؤال يزول الشك من غيره لا عنه. فأما الذين أمره بمسائلتهم، فقد قيل: إنهم المؤمنون من أهل الكتاب الراجعون إلى الحق، ككعب الأحبار ومن جرى مجراه ممن أسلم بعد اليهودية لأن هؤلاء يصدقون عما شاهدوه في كتبهم من صفات النبي صلى الله عليه وآله والبشارة به، وإن كان غيرهم على الكفر والباطل لا يصدق على ذلك. وقال قوم آخرون: إن المراد ب‍ (الذين يقرؤن الكتاب) جماعة اليهود ممن آمن وممن لا يؤمن، فإنهم يصدقون مما وجدوه في كتابهم من البشارة بنبي موصوف يدعون أنه غيرك، فإنك إذا قابلت بتلك الصفات صفاتك علمت أنت وكل من أنصف أن المبشر بنبوته أنت. وقال آخرون: وما أمره بأن يسألهم عن البشارة، لأنهم يصدقون عن ذلك بل أمره عليه السلام بأن يسألهم عما تقدم ذكره بغير فصل من قوله تعالى (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) (2). ثم قال الله تعالى: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) (3) أي في شك مما تضمنه هذه الآية من النعمة على بني إسرائيل وما كانت اليهود تجحد ذلك بل تقربه وتفخر بمكانه، وهذا الوجه يروى

1) ظ: ينفي شكه لا وهم.
2) سورة يونس: 93.
3) سورة يونس: 94.

[ 108 ]

عن الحسن البصري، وكل ذلك واضح لمن تأمله. مسألة [ قوله تعالى (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم) الخ ] وقالوا: الدليل على صحة اختيارنا وتوقيفنا في فعلنا ووقوعه أحمد موقع عند الله قوله تعالى (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون) (1). وهذا إخبار عن أمر سيكون، فيخبرهم الرسول صلى الله عليه وآله بما سيتجدد من هذه الحال، كما أخبرهم بما يكون من سواها في الحوادث بعده، وهذه كلها من دلائله عليه السلام. ووجدنا صاحبنا المتولي لغزاة الروم، كما تولى قتال أهل الردة خالد بن الوليد العزيز، أو ليس هذه الأمور منتظمة على المأثور، جارية على المحجوب، مثمرة للخيرات، مؤكدة لأسباب الاسلام، قامعة للمخالفة، عرفونا ما عندكم في هذا؟ الجواب وبالله التوفيق: قال الأجل المرتضى علم الهدى ذو المجدين (قدس الله روحه) إعلم أن هذه المسألة قد بناها هذا السائل على أن الداعي لهؤلاء الأعراب هو غير النبي صلى الله عليه وآله، وهذا منازع فيه غير مسلم، والدعوى بغير برهان لا يقتصر عليها منصف

1) سورة الفتح: 16.

[ 109 ]

ثم لو سلمنا تطوعا " وتبرعا " أن الداعي هو غير النبي صلى الله عليه وآله لم يجب أن يكون هو من عنده، بل جاز أن يكون غيره. ونحن نبين كلا الوجهين وإن كنا قد ذكرنا في الكتاب (الشافي) ما هو الغاية القصوى: أما ظاهر قوله تعالى (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) فغير دال على تعيين الداعي، بل هو فيهم مشترك، فعلى من ادعى أنه داع بعينه الدلالة. ولا خلاف بين أهل النقل والرواية في قوله تعالى (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا " إن أراد بكم ضرا " أو أراد بكم نفعا " بل كان الله بما تعملون خبيرا " * بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا " وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما " بورا ") (1) إنما أراد به الذين تخلفوا عن الحديبية. ثم قال تعالى (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوه ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) (2). وإنما طلب هؤلاء المخلفون أن يخرجوا إلى غنيمة خيبر، فمنعهم الله من ذلك وأمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يقول لهم: (قل لن تتبعونا) يريد إلى هذه الغزاة، لأنه تعالى حكم من قبل بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، وأنه لاحظ فيها لمن لم يشهدها. وهذا هو تأويل قوله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله) ثم قال جل اسمه

1) سورة الفتح: 11 - 12.
2) سورة الفتح: 15.

[ 110 ]

(قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلوهم أو يسلمون) وإنما أراد تبارك اسمه أن الرسول سيدعون فيما بعد إلى قتال قوم أولي بأس شديد، كمؤتة وحنين وتبوك، فمن أين وللمخالفين أن الداعي لهؤلاء الأعراب هو غير النبي صلى الله عليه وآله مع ما بيناه من الحروب التي كانت بعد خيبر. وليس لأحد أن يدعي أن المعني بقوله (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) هو أبو بكر لما دعا المسلمين إلى قتال بني حنيفة، أو قتال فارس والروم، ويحتج بإطباق المفسرين على ذلك، لأن المفسرين ما أطبقوا على ما ادعوه، لأن ابن المسيب روى عن أبي روق عن الضحاك في قوله (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) قال: هم ثقيف. وروي عن سعيد بن جبير قال: هم هوازن. وروى الواقدي عن قتادة قال: هم هوازن وثقيف. فلا إطباق لأهل التأويل على ما ادعى، ولو أطبقوا لم يكن في إطباقهم حجة. وكم استخرج أهل العدل في متشابه القرآن من الوجوه الصحيحة ما خالف ما ذكره المفسرون. وأما الوجه الآخر الذي يسلم فيه أن الداعي لهؤلاء الأعراب هو غير النبي صلى الله عليه وآله فواضح أيضا "، لأنه لا يمتنع أن يعني بهذا الداعي أمير المؤمنين عليه السلام لأنه قد قاتل بعده أهل الجمل وأهل صفين وأهل النهروان، وبشره النبي صلى الله عليه وآله بأنه يقاتلهم بقوله (علي تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين) وقد كانوا أولي بأس شديد بغير شبهة. فإن قيل: الآية تدل على أن القوم الذين قوتلوا ما كانوا مسلمين، لقوله تعالى (تقاتلونهم أو يسلمون) ومحاربوا أمير المؤمنين عليه السلام في المواطن

[ 111 ]

الثلاثة التي ذكرتموها كانوا مسلمين. قلنا: عندنا أنهم كانوا كفارا "، والكافر لا يكون مسلما " عند مخالفينا من المعتزلة والخوارج ومن وافقهم، أن الكبائر تخرج عن الاسلام، كما تخرج عن الإيمان وعندهم أن قتال أمير المؤمنين عليه السلام كان كبيرة ومخرجا " عن الإيمان والاسلام. وقد دللنا في كتبنا الشافي وغيره من كتبنا على كفر محاربيه عليه السلام بما ليس هاهنا موضع ذكره. فإن قيل: من أين نعلم بقاء هؤلاء المخالفين من الأعراب إلى أيام أمير المؤمنين عليه السلام كما علمنا بقاءهم إلى أيام أبي بكر؟. (1) قلنا: ومن أين تعلمون بقاء جميعهم إلى أيام أبي بكر؟. فإن قلت: أعلم ذلك، لأن حكم الآية يقتضي بقاءهم حتى يتم كونهم مدعوين إلى قتال أولي البأس الشديد قلنا: لك مثل ما قلته في بقائهم إلى أيام أمير المؤمنين عليه السلام فظاهر الآية لا يقتضي وجوب بقاء جميعهم، وإنما يقتضي بقاء أكثرهم أو بعضهم. مسألة [ قوله تعالى (أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) الخ ] ما معنى قوله تعالى للملائكة (أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) (1) وقوله (يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم) (2) أن هذه الهاءات راجعة

1) سورة البقرة: 31.
2) سورة البقرة: 33.

[ 112 ]

إلى من؟ ومن الذين رجعت الهاءات إليهم؟ وهذا قبل خلق الله تعالى الخلق؟ وما معنى قوله تعالى (ثم عرضهم على الملائكة) فقد دل على أنه كان هناك قوم معرضون مشار إليهم، وهم غير الملائكة، فمن هؤلاء المبعوثون (1). الجواب: أما قوله تعالى (أنبئوني بأسماء هؤلاء) فعند أكثر أهل العلم وأصحاب التفسير أن الإشارة بهذه الأسماء إلى جميع الأجناس من العقلاء وغيرهم. وقال قوم: أراد أسماء الملائكة خاصة. وقال آخرون: أراد أسماء ذريته. والصواب القول الأول الذي عليه إجماع أهل التفسير، والظاهر يشهد به، لقوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها). فأما قوله تعالى (ثم عرضهم على الملائكة) فلا يليق إلا بالمسميات دون الأسماء، لأن هذه الكنايات لا تليق بالأسماء، وإنما تليق بالعقلاء من أصحاب الأسماء أو العقلاء إذا انضم إليهم غيرهم مما لا يعقل على سبيل التغليب لما يعقل كما يغلب المذكر على المؤنث إذا اجتمعوا في الكناية، كما يقول القائل: أصحابك وأماؤك جاؤوني. ولا يقال: جئتني. ومما يشهد للتغليب قوله تعالى (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء) (2).

1) ظ: المعنيون.
2) سورة النور: 45.

[ 113 ]

وقد روي في قراءة أبي (ثم عرضها) وفي قراءة عبد الله (ثم عرضهن) فهاتان القراءتان يليقان بالكناية عن الأسماء دون المسميات، وليس هذا العرض والخطاب قبل خلقه تعالى جميع الخلق على ما تضمنه السؤال، لأن الملائكة بلا شك قد كانت مخلوقة، والخطاب معها كان في عرض هذه الأسماء، وغير منكر أن يكون تعالى خلق أصول جميع الأجناس في تلك الحال، حتى يليق ذلك بقوله تعالى (ثم عرضهم على الملائكة). والذي يشتبه من هذه الآيات ويجب الكلام عليه والتنقير عنه والإشارة إلى الصحيح منه موضعان: أحدهما: أن يقال: كيف يأمر الملائكة ويكلفهم أن يخبروا بما لا يعلمون، وهذا عندكم من تكليف ما لا يطاق بعينه، أو جار مجراه في القبح. والموضع الآخر: أن يقال: من أين علمت الملائكة لما أخبرها آدم عليه السلام بتلك الأسماء صحة قوله؟ ومطابقة الأسماء المسميات؟ ولم تكن عالمة من قبل، إذا لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء ولم تعترف بفقد العلم. والجواب عن الأول: أن قوله تعالى (أنبئوني بأسماء هؤلاء) إن كان أمرا " فهو متعلق بشرط، وهو كونهم صادقين وعالمين بأنهم إذا أخبروا عن ذلك صدقوا، وكأنه تعالى قال لهم: خبروا بذلك إن علمتموه. والتكليف على هذا الوجه بهذا الشرط صحيح حسن. ويمكن أيضا " أن يكون قوله تعالى (أنبئوني بأسماء هؤلاء) لا يأمر على الحقيقة وإن كان له صورة الأمر، ويكون المعنى فيه التقرير والتنبيه على الحجة. ويكون تلخيص هذا الكلام: إن الله تعالى لما قال للملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون) أي مطلع على ما لا تطلعون عليه.

[ 114 ]

ثم أراد التنبيه على أنه لا يمتنع أن يكون غير الملائكة مع أنها تسبح وتقدس وتطيع ولا تعصي أولى بالاستخلاف في الأرض، وإن كان في ذريته من يفسد ويسفك الدماء، فعلم تعالى آدم أسماء الأجناس أو أكثرها. ثم قال للملائكة: (أنبئوني بأسماء هؤلاء) مقررا " لهم فيها على ما ذكرناه، ودالا على اختصاص بما لم يختصوا به، فلما أجابوا بالاعتراف وتسليم علم الغيب إليه، قال: (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما تكتمون) موقظا على أنه تعالى المنفرد بعلم المصالح في الدين، إن الواجب على كل مكلف أنه يسلم لأمره ويعلم أنه لا يختار لعباده إلا ما هو أصلح لهم في دينهم، علموا وجه ذلك أم جهلوه. وأما الجواب عن الشبهة الثانية التي ذكرناها، فهو أنه غير ممتنع أن يكون الله تعالى فعل في الملائكة في الحال العلم الضروري بمطابقة الأسماء للمسميات فعلموا بذلك صحته بعد أن كانوا غير عالمين به. وهذا لا يؤدي إلى أن يكون الملائكة عالمة بنبوة آدم ضرورة، بل لا بد بعد ذلك من مراتب في الاستدلال يفضي إلى العلم بالنبوة، ويجري ذلك مجرى أن يخبر بأحدنا بما فعله مستسرا " به على سبيل التفصيل على وجه يخرق العادة، فهو وإن كان عالما " بصدق خبره ضرورة، فليس بعالم أنه نبي، ولا يستغني عن الاستدلال ليعد (1) ذلك بعد ذلك على نبوته. ووجه آخر: وهو أنه غير ممتنع أن يكون للملائكة لغات مختلفة، وكل قبيل منها يعرف أسماء الأجناس في جميع لغاتهم خارقة للعادة، فلما أراد الله تعالى نبأهم على نبوة آدم، علمه جميع تلك الأسماء، فلما أخبرهم بها علم كل

1) ظ: ليدل.

[ 115 ]

فريق مطابقة ما خبر له من الأسماء اللغوية. وهذا لا يحتاج فيه إلى الرجوع إلى غيره، وعلم مطابقة ذلك الباقي اللغات بخبر كل قبيل بأن كل قبيل إذا كان كثرة علم بخبرهم صحة ما يجيبون به. وهذا الجواب يقتضي أن يكون معنى قوله تعالى (أنبئوني بأسماء هؤلاء) ليخبرني كل قبيل منكم بمعاني جميع الأسماء، لأن ذلك هو الذي أفرد الله تعالى به آدم وميزه به، وهذا بين أنعم تأمله. والسلام. مسألة [ قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه الخ) ] ما معنى قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) (1)؟ الجواب: أما قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات) فالتلقي هاهنا هو القبول والتناول على سبيل الطاعة، وليس كل ما سمعه واحد من غيره يكون له متلقيا " حتى يكون متقبلا، فيوصف بهذه السمة. وأغنى قوله تعالى (فتلقى) عن أن يقول: فرغت إلى الله لهن أو سألته عقبهن (2)، لأن معنى التلقي يفيد ذلك وينبئ عما حذف من الكلام اختصارا "،

1) سورة البقرة 37.
2) ظ: فزع إلى الله بهن أو سأله عقبهن.

[ 116 ]

ولهذا قال تعالى (فتاب عليه) ولا يتوب عليه إلا بأن سأل ورغب ويفزع بتلك الكلمات. وقد قرأ ابن كثير وأهل مكة وابن عباس ومجاهد (فتلقى آدم من ربه كلمات) بالنصب [ (من ربه) ] (1) وبرفع (كلمات)، وعلى هذه القراءة لا يكون معنى التلقي القبول، بل يكون المعنى إن الكلمات تداركته بالنجاة والرحمة. فأما الكلمات فقد قيل إنها: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين). وقيل: بل هي (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر). وقيل: بل الكلمات إن آدم عليه السلام قال: يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت قال الله تعالى: إذن أرجعك إلى الجنة. وقيل - وهذه رواية تختص أهل البيت: إن آدم رأى مكتوبا " على العرش أسماء معظمة مكرمة، فسأل عنها؟ فقيل له هذه أسماء أجل الخلق منزلة عند الله تعالى، وأمكنهم مكانة ذلك بأعظم الثناء والتفخيم والتعظيم، أسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فحينئذ سأل آدم عليه السلام ربه تعالى وجعلهم الوسيلة في قبول توبته ورفع منزلته. فإن قيل: على هذا الوجه الأخير كيف يطابق هذا الوجه قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات) وما الذي تلقاه؟ وكيف يسمي من ذكرتهم كلمات؟ وهذه إنما يتم في الوجوه الأول، لأنها متضمنة ذكر كلمات وألفاظ على كل حال. قلنا: قد يسمي الكتابة كلمات على ضرب من التوسع والتجوز، وإذا كنا

الظاهر زيادة الجملة، لأن المراد نصب آدم.

[ 117 ]

قد ذكرنا أن آدم عليه السلام رأى كتابا يتضمن أسماء قوم، فجائز أن يقال: إنها كلمات تلقاها ورغب إلى الله بها. ويجوز أيضا " أن يكون آدم لما رأى تلك الكتابة سأل عنها، قال الله تعالى: هذه أسماء من أكرمته وعظمته. وأجللته ورفعت منزلته، ومن لا أسأل به إلا أعطيت وكانت هذه الكلمات التي تلقاها وانتفع بها. فأما التوبة من آدم عليه السلام وقبول الله تعالى توبته، وهو على مذهبنا الصحيح لم يوقع ذنبا " ولا قارف قبيحا " ولا عصى بأن خالف واجبا "، بل بأن ترك مندوبا "، فقد بينا معناها مستقصى مستوفى في كتاب (تنزيه الأنبياء والأئمة عليهم السلام) وأزلنا الشبهة المعترضة عن هذا المعنى، فمن أراد ذلك أخذ من موضعه. ومن الله نستمد المعونة والتوفيق، وإياه نستهدي سبيل الرشاد، والحمد لله رب العالمين. مسألة [ قوله تعالى (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي) الخ ] سأل الشريف أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن القاسم العلوي المحمدي النقيب السيد الأجل المرتضى. فقال: إن رأى (دام علوه) أن يشرح لنا معنى قوله تعالى (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا " وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) (1).

1) سورة الحج: 26.

[ 118 ]

هل خص بالنداء أمة دون أمة، أم عم الأمم كلها؟ وهل بلغهم نداؤه ودخلت فيه أمة محمد صلى الله عليه وآله. إن رأى أجاب بشرح وبيان منعما " إنشاء الله. الجواب: أما قوله تعالى (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) فمعناه جعلناه منزلا ووطئناه ومهدناه، والمباءة المنزل. وقال قوم: إن أصل اشتقاق هذه الكلمة من الرجوع، ومنه قوله تعالى (وباؤا بغضب من الله) أي رجعوا منه وقول الحارث بن جواد بوأ..... فعل كليب أي أرجع بذلك. فلما جعل الله تعالى البيت منزلا ومزيلا وملاذا " ومرجعا " لإبراهيم، جاز أن يقول: (بوأه). فأما قوله تعالى (لا تشرك بي شيئا) قال قوم: معناه وقلنا له لا تشرك بي شيئا "، وأجرى مجرى قوله تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) (1) والمعنى: قائلين سلام عليكم. والكلام مفتقر بلا شك إلى محذوف، وهذا الذي ذكرناه من حذف لفظة (وقلنا) يضعف [ من يضعف ] (2) من جهة أن ظاهر الآية تدل على تعلق الكلام بعضه ببعض، وإن الغرض في تبوئة إبراهيم البيت ألا تشرك وأن تطهر البيت للطائفين والقائمين. وإذا كان هذا المعنى هو لم يطابقه أن يقدر لفظة (وقلنا) ثم يحذفها، لأن هذا التقدير يقع (3) الكلام الثاني عن حكم الأول ويجعله أجنبيا " منه. والظاهر أنه

1) سورة الرعد: 23.
2) الظاهر الزيادة.
3) ظ: يرفع.

[ 119 ]

متعلق به. فالأولى أن يكون تقدير الكلام: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، لأن نقول له لا يشرك بي شيئا "، فيصح معنى البيت ومطابقة البيت فيه، وهو تبوئة البيت. فأما قوله تعالى (وطهر بيتي) فقيل إنه أراد من عبادة الأوثان. وقيل: من ذبائح المشركين وسائر الأدناس، والكلام يحتمل لكل ذلك. فأما قوله تعالى (وأذن في الناس بالحج) فمعناه أعلمهم وأشعرهم بوجوبه وأعلمت وأذنت هاهنا بمعنى واحد، والأذان بالصلاة هو الاعلام بدخول وقتها. وقال قوم: إن أذان إبراهيم هو إذ وقف في المقام، فنادى: أيها الناس أجيبوا داعي الله يا عباد الله أطيعوا الله. فاستمع من بين السماء والأرض، فأجابه من في الأصلاب، فمن كتب له الحج وكل من حج، فهو من أجاب إبراهيم عليه السلام. وقال قوم آخرون: إن المخاطب والمأمور به بقوله تعالى (وأذن في الناس بالحج) هو محمد صلى الله عليه وآله ولم يلزمهم شريعة فكيف يدعوهم إلى الحج وهو غير مرسل إليهم؟ وأخبار الآحاد في هذا الباب غير معتمد، فلا يجوز على هذا أن يحمل قوله تعالى (في الناس) على كل من يأتي إلى يوم القيامة، لأنه عليه السلام كان مبعوثا " إلى جميع الأمم المستقبلة، فجعلناه متوجها " إلى أمته ومن تلزمهم شريعته. فأما الوجه الثاني الذي حكيناه من توجه تكليف الأذان بالحج إلى نبينا صلى الله عليه وآله فجائز غير ممتنع، ولا يضعفه أنه معطوف على الأوامر المتوجهة إلى إبراهيم عليه السلام من قوله (ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي) لأنه غير ممتنع

[ 120 ]

أن ينفصل هذا التكليف من الأول وإن كان له مجاورا " ومقارنا "، ويتوجه إلى غير من توجه التكليف الأول إليه. فأما قوله تعالى (يأتوك رجالا) فمعناه على أرجلهم، وهو في مقابلة من يأتي راكبا " على كل ضامر. ومعنى (كل ضامر) أي على كل جمل ضامر أو ناقة ضامرة، ولهذا قال تعالى (يأتين) ولم يقل يأتون، كناية عن الركاب دون الركب. وقد قرئت: (ويأتون) على أنه كناية عن الركبان. وهذا القدر كاف في الجواب عن المسألة. تمت المسائل والحمد لله رب العالمين.

[ 121 ]

(32) أجوبة من مسائل متفرقة من الحديث وغيره

[ 123 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ معنى نقصان الدين والعقل في النساء ] مسألة: ما معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وهو مشير إلى النساء لما أرادوا (1) إلى نقص عقل ودين أصلب اللب الحكيم منهن. الجواب: قد قيل: إن معنى نسب (2) النساء إلى نقصان الدين: أنهن يقعدن من الصلاة والصيام أيام حيضهن الذي هو على الأكثر كل شهر، فيحرمن ثواب هاتين العبادتين الجليلتين، وهذا لا يوجد في الرجال. وأما نقصان العقل، فمعلوم أن النساء أندر عقولا من الرجال، وأن النجابة والليانة (3) إنما يوجدان فيهن في النادر الشاذ، وعقلاء النساء وذوات الحزم

1) كذا في النسخة.
2) ظ: نسبة. 3) ظ: اللياقة.

[ 124 ]

والفطنة منهن معدودات، ومن بهذه الصفة من الرجال لا تحصى كثرة. وقد يمكن أيضا " أن يقال في نقصان الدين مثل هذا الوجه، فإنه لما كان الأغلب عليهن ضعف الدين وقلة البصيرة فيه، نسب إليهن ذلك على الأكثر الأغلب. ولا يطعن على هذا الوجه من علمناه على غاية العقل في الدين والكمال فيما يعود إليه، مثل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وعليها، وخديجة بنت خويلد، ومريم بنت عمران. لأن كلامنا على الأغلب الأكثر، ومن عرفناه بالفضل في الدين من النساء قليل العدد عسر الوجود. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال بعد فراغه من حرب الجمل في ذم النساء: معاشر النساء (1)، النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول، فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فشهادة الامرأتين كشهادة الرجل الواحد، وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال. فاتقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر (2). [ تفسير قوله عليه السلام: الولد للفراش وللعاهر الحجر ] مسألة: ما معنى قوله عليه السلام (الولد للفراش وللعاهر الحجر)؟

1) في النهج: الناس.
2) نهج البلاغة ص 105، الرقم: 80.
3) وسائل الشيعة 15 / 604، ح 3، ب 9 من أبواب اللعان، ورواه أحمد في مسنده 6 / 129، وسنن أبي داود 2 / كتاب الطلاق ح 2273.

[ 125 ]

الجواب: معنى ذلك أن الولد تابع للفراش الذي اختلف الفقهاء في معناه: فقال أبو حنيفة وأصحابه: هو الوطئ وقال الشافعي: الفراش هو العقد مع التمكن من الوطئ. وهو مذهبنا. والعاهر: الزانية التي تأتي بولد من غير عقد. ومعنى لها الحجر: أن ترجم بالحجارة ويقام عليها حد الزناء، فكنى عن إقامة الحد بما به يقام الحد من الحجر، وهذه بلاغة عظيمة. [ وجه نهي النبي صلى الله عليه وآله عن أكل الثوم ] مسألة: سأله أبو القاسم علي بن عبد الله بن العلوي الحسيني، روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما افتتح خيبر وقعوا في الثوم فأكلوه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: من أكل هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها (1). وقد قال الله عز وجل (أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم) (2) وما سماه الله تعالى كريما " كيف يصح أن يسمى خبيثا ". وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لجابر بن سليمان: يا جابر لا تسبن شيئا "، فكان جابر لا يسب شيئا ". وقوله صلى الله عليه وآله للثوم (البقلة الخبيثة) ضرب من السب. الجواب: إعلم أن أخبار الآحاد غير معلوم ولا مقطوع على صحتها، والصدق فيها أقل كثيرا " من الكذب. وإنما يجب أن نتأول من الأخبار ما علمناه

1) عوالي اللئالي 1 / 146.
2) سورة الشعراء: 7.

[ 126 ]

وقطعنا على صحته، وجائز كونه كذبا ". غير أنا نخرج له وجها " تطوعا "، وهو أن يريد عليه السلام بالخبيثة المنتنة الريح، ومعلوم أن المجاور لمن أكل الثوم يتأذى برائحته شديدا "، فنهى النبي صلى الله عليه وآله آكلها من دخول المساجد، لئلا يؤذي أهله والمصلين فيه. وليس ينافي وصف هذا النبات بأنه كريم وصفه بأنه منتن الرائحة، لأن معنى كريم إنه دال على الله تعالى، وأنه لطف في مصالح كثيرة دينية، وهذا المعنى لا ينافي نتن الريح. ألا ترى أن الله قد وصف كل ما خلقه بالحسن والتمام والأحكام، ومما خلق القرد والخنزير وكثير من الخلق الذي يستقذر، وذلك لا ينافي الحسن والحكمة وإن نفرت (1) كثير من الطباع عنها. ويمكن وجه آخر: وهو أن يريد بقوله تعالى (كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم) (2) الخصوص دون العموم. والوجه الأول أقوى. [ حول كلام ابن جني في حذف علامة التأنيث ] مسألة: قال ابن جني في مختصره الملقب ب‍ (اللمع) وإذا فصلت بين الفاعل المؤنث وبين فعله بكلام، فالأحسن إسقاط علامة التأنيث من الفعل مع كون المؤنث مؤنثا " حقيقيا ". وإن كانت غير مؤنث، ازداد ترك العلامة حسنا ". اعترض سائل فقال: كيف يكون إسقاط علامة التأنيث [ أحسن ] وقد

1) ظ: نفر.
2) سورة الشعراء: 7.
3) الزيادة منا.

[ 127 ]

قال الله تعالى (كذبت قبلهم قوم نوح) (1) و (حرمت عليكم الميتة والدم) (2) و (أحلت لكم بهيمة الأنعام) (3) والقرآن لا ينزل بلغة غيرها أفصح منه. ومثل ابن جني لا يذهب عليه مثل هذا، فما تفسير كلامه؟ وما له؟ الجواب: إنه لا يجوز تقليد ابن جني فيما قاله وغيره لمخالفته فيه، لا سيما ولم يورد فيه حجة ولا شبهة، فيقع النظر فيها والكلام عليها. ومعلوم أن فعل المذكر يجب تذكيره وفعل المؤنث يجب تأنيثه، واعتراض الكلام لا يخرجه من أن يكون فعل المؤنث. ألا ترى أن اعتراض الكلام في فعل المذكر لا يغير ما يجب من تذكيره. ولو لم يكن النافي ذلك حجة إلا القرآن لكفى وأغنى، لأن فصاحة القرآن وبلوغها الغاية فيها لا مطعن عليها. ويمكن وجه آخر إذا صححنا ما قاله ابن جني وحققناه، وهو أن يكون الغرض في الآيات الواردة بخلاف ذلك الاعلام، بجواز تأنيث الفعل مع اعتراض الكلام، فإنه لا يجري مجرى ما هو لحن وخطأ لا يسوغ استعماله، والأول أقوى. مسألة: ما روي من أن ولد قابيل كانوا غير محياء (4)، وإن زوجته ما أعك (5) فمن أي جنس كانوا؟ الجواب: إعلم أن الايجاب قد يكون في جهة دون جهة ولسبب دون سبب، وإن كان الجنس واحدا " والنسب متفقا ".

1) سورة ص: 12.
2) سورة المائدة: 3.
3) سورة المائدة: 1.
4 - 5) في الهامش: كذا.

[ 128 ]

وقد يكون من الأنساب المتفقة صالحون وطالحون ومرجون وكافرون، فغير واجب إذا لم يبحث ولد قابيل أن يكون من جنس غير جنس التحيات، وهذا ما لا شبهة فيه. [ تفسير قوله تعالى (ولولا كلمة سبقت من ربك) الخ ] مسألة: ما معنى قوله تعالى (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما ") (1)؟ الجواب: معنى هذه الآية أنه لولا ما أخبر الله تعالى به وخبر به من الآجال التي تبقي عباده إليها، لكان الهلاك الذي قد تقدم ذكره، وأن الله تعالى أوقعه بالأمم السالفة. يشهد لذلك قوله تعالى قبل هذه الآية (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى) (2). ويكون تقدير الآية: لولا الآجال المضروبة للتبقية واستمرار التكلف لكان الهلاك مستقرا " لازما ". [ حكم أموال السلطان ] مسألة: هل يحل ما يحصل من جهة السلطان وخدمته إذا دعت ذلك ضرورة. الجواب: إن أموال السلطان على ضروب: فضرب الظاهر أنه حرام، كالمغصوب والجنايات من غير وجوهها.

1) سورة طه: 129.
2) سورة طه: 128.

[ 129 ]

والضرب الثاني: ما ظاهره أنه مباح، كالمال الذي يهدى إليه من طيب نفسه يجد (1) به أو يبر به أقاربه. والضرب الثالث: ما يختلط فيه الحرام بالحلال، ولا يتميز أحدهما من صاحبه. فأما الضرب الأول، فمحظور أن يؤخذ منه. وأما الضرب الثاني، فمباح أخذه والتصرف فيه بغير خلاف. والضرب الثالث: وهو المختلط قد أباحه أكثر الفقهاء، مع اختلاط التصرف فيه، والأخذ عنه. والأولى عندي أن يكون محظورا " والتنزه منه أولى. حكم التصدق بالمال الحرام مسألة: ما القول في رجل تصدق من مال محظور؟ الجواب: إن الحرام غير مملوك لمن هو في يده، فتصدقه بر غير مقبول ولا مبرور. وقد روي: أنه لا صدقة من غلول. وأما من قال من الجهال: إن من تصدق من مال في يده والمالك له غيره، فإن الثواب لمالك المال. فقال (2) باطل، لأن هذه الصدقة لا أجر عليها للمتصدق، لأنه لا يملك المال ولا لمالك المال، لأنه لم يرض أن يكون هذا المال صدقة، ولا أراد إخراجه فيها، لكنها صدقة لا أجر لأحد عليها.

1) ظ: يجديه.
2) ظ: فقول.

[ 130 ]

[ جواز التزكية من المال الآخر ] مسألة هل يجوز أن يزكي الرجل مالا له من مال آخر؟ الجواب: إن ذلك جائز إذا كان مالكا " لكل واحد من المالين، وليس يمنع من إخراج زكاة كل مال من جملته ولا بعض من أبعاضه، وهذا واضح. [ صحة حمل رأس الحسين عليه السلام إلى الشام ] مسألة: هل ما روي من حمل رأس مولانا الشهيد أبي عبد الله عليه السلام إلى الشام صحيح؟ وما الوجه فيه؟. الجواب: هذا أمر قد رواه جميع الرواة والمصنفين في يوم الطف وأطبقوا عليه. وقد رووا أيضا " أن الرأس أعيد بعد حمله إلى هناك ودفن مع الجسد بالطف. فإن تعجب متعجب من تمكين الله تعالى من ذلك من فحشه وعظم قبحه، فليس حمل الرأس إلى الشام أفحش ولا أقبح من القتل نفسه، وقد مكن الله تعالى منه ومن قتل أمير المؤمنين عليه السلام. ومن شرط التكليف التمكين من القبيح في دار التكليف، ولا يحول الله تعالى بين المكلف وبينه، وإنما تمكن من ذلك كما تمكن في دار التكليف من كل قبيح مما يكثر تعداده. [ علم الوصي بساعة وفاته وعدمه ] مسألة: هل يجب علم الوصي ساعة وفاته أو قتله على التعيين؟ أم ذلك

[ 131 ]

مطوي عنه. الجواب: قد بينا في مسألة أمليناها منفردة ما يجب أن يعلمه الإمام وما يجب أن لا يعمله. وقلنا: إن الإمام لا يجب أن يعلم الغيوب وما كان وما يكون، لأن ذلك يؤدي إلى أنه مشارك للقديم تعالى في جميع معلوماته، وأن معلوماته لا يتناهى، وأنه يوجب أن يكون عالما " بنفسه، وقد ثبت أنه عالم بعلم محدث، والعلم لا يتعلق على التفصيل إلا بمعلوم واحد، ولو علم ما لا يتناهى لوجب وجود ما لا يتناهى من المعلومات، وذلك محال. وبينا أن الذي يجب أن يعلمه علوم الدين والشريعة. فأما الغائبات، أو الكائنات الماضيات والمستقبلات، فإن علم بإعلام الله تعالى شيئا " فجائز، وإلا فذلك غير واجب. وعلى هذا الأصل ليس من الواجب علم الإمام بوقت وفاته، أو قتله على التعيين. وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام في أخبار كثيرة كان يعلم أنه مقتول، وأن ابن ملجم (لعنه الله) قاتله. ولا يجوز أن يكون عالما " بالوقت الذي يقتله فيه على التحديد والتعيين، لأنه لو علم ذلك لوجب أن يدفعه عن نفسه ولا يلقى بيده إلى التهلكة، وأن هذا في علم الجملة غير واجب [ حكم عبادة ولد الزنا ] مسألة: ما يظهر من ولد الزنا من صلاة وصيام وقيام لعبادة كيف القول فيه،

1) رواه جمع من أعلام القوم، راجع إحقاق الحق 8 / 109.

[ 132 ]

مع الرواية الظاهرة أن ولد الزنا في النار. وأنه لا يكون قط من أهل الجنة (1). الجواب: هذه الرواية موجودة في كتب (2) أصحابنا، إلا أنه غير مقطوع بها. ووجهها إن صحت: أن كل ولد زنية لا بد أن يكون في علم الله تعالى أنه يختار الكفر ويموت عليه وأنه لا يختار الإيمان. وليس كونه من ولد الزنية ذنبا " يؤاخذ به، فإن ذلك ليس ذنبا " في نفسه وإنما الذنب لأبويه، ولكنه إنما يعاقب بأفعاله الذميمة القبيحة التي علم الله أنه يختارها ويصير كذا، وكونه ولد زنا علامة على وقوع ما يستحق من العقاب، وأنه من أهل النار بتلك الأعمال، لا لأنه مولود من زنا. ولم يبق إلا أن يقال: كيف يصح تكليف ولد الزنا مع علمه وقطعه على أنه من أهل النار، وأنه لا ينتفع تكليفه ولا يختار إلا ما يستحق به العقاب. قلنا: ليس نقطع ولد الزنا أنه كذلك لا محالة، وإن كان هناك ظن على ظاهر الأمر، وإذا لم يكن قاطعا " على ذلك لم يقبح التكليف. فإن قيل: فنحن نرى كثيرا " من أولاد الزنا يصلون ويقومون بالعبادات أحسن قيام، فكيف لا يستحقون الثواب. قلنا: ليس الاعتبار في هذا الباب في ذلك بظواهر الأمور، فربما كانت تلك الأفعال منه رياءا " وسمعة، وواقعا " على وجه لا يقتضي استحقاق الثواب. وربما كان الذي يظن أنه الظاهر ولد الزنا مولدا " عن عقد صحيح، وإن كان الظاهر بخلافه، فيجوز أن يكون هذا الظاهر منه من الطاعات موافقا " للباطن.

1) رواه أحمد في مسنده 2 / 203.
2) راجع عوالي اللئالي 3 / 534.

[ 133 ]

[ مشاهدة المحتضر الإمام عليه السلام قبل موته ] مسألة: عن المحتضر هل يشاهد في تلك الحال جسم الإمام نفسه أم غير ذلك؟ الجواب: قد روت الشيعة الإمامية أن كل محتضر يرى قبل موته أمير المؤمنين عليه السلام (1)، وروي عنه شعر يتضمن ذلك وهو قوله: يا حار همدان من يمت يرني من مؤمن أو منافق قبلا وإذا صحت هذه الرواية، فالمعنى: أنه يعلم في تلك الحال ثمرة ولايته عليه السلام وانحرافه عنه، لأن المحتضر قد روي أنه إذا عاين الموت وقاربه، أري في تلك الحال ما يدله على أنه من أهل الجنة أو من أهل النار. وهذا معنى قول أحدهم: إذا قارب الهلاك كدت أرى أعبرا أي الجزاء عليها. وقد يقول العربي: رأيت فلانا "، إذا رأى ما يتعلق من فعل به أو أمر يعود إليه. وإنما اخترنا هذا التأويل، لأن أمير المؤمنين عليه السلام جسم، فكيف يشاهده كل محتضر، والجسم لا يجوز أن يكون في الحال الواحدة في جهات مختلفة. ولهذا قال المحصلون: إن ملك الموت الذي يقبض الأرواح لا يجوز أن

1) راجع الروايات الواردة في ذلك بحار الأنوار 27 / 157.

[ 134 ]

يكون لأنه جسم (1) والجسم لا يصح أن يكون في الأماكن الكثيرة، وتأولوا قوله تعالى (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) (2) أنه أراد بملك الموت الجنس دون الشخص الواحد، كما قال الله تعالى (والملك على أرجائها) (3) وإنما أراد جنس الملائكة. مسألة [ بيان قوله صلى الله عليه وآله: أنا وأنت يا على كهاتين ] ما معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: أنا وأنت يا علي كهاتين. وأشار إلى إصبعيه، مع أنه صلى الله عليه وآله نبي وأمير المؤمنين عليه السلام وصي. الجواب: أنه غير ممتنع في المتقاربين في الفضل والدين، ويزيد أحدهما على صاحبه فيه زيادة قوية، أن يقال فيهما: أنهما متساويان ومتعادلان. وإنما لا يقال ذلك مع التفاوت في الفضل. فالنبي صلى الله عليه وآله وإن كان أفضل وأكثر ثوابا " من أمير المؤمنين عليه السلام، فمن حيث تقارب فضلهما ولم يكن فيهما تفاوت، جاز إطلاق ألفاظ المساواة، واللغة العربية شاهدة بذلك، وعرف الاستعمال ونظائره أكثر من أن يحصى. ووجه آخر وهو أنه يمكن أن يريد بالمساواة بينهما أن كل واحد منهما كامل للخصال التي تقتضيها منزلته وولايته وغير مقتض (4) عن شئ منهما، فيكون

1) ظ: جسما " لأن الجسم.
2) سورة السجدة: 11.
3) سورة الحاقة: 17.
4) ظ: غير منقص.

[ 135 ]

التساوي من هاهنا لا من حيث الفضل وكثرة الثواب. وقد تقول في ذي الصناعتين المختلفتين: إنهما متساويان ومتعادلان، وإنما يريد أن كل واحد منهما كامل من صناعته ومستوفي شرط منزلته، وإن كانت الصناعتان في أنفسهما مختلفتين. ووجه آخر: وهو أن ظاهر الكلام يقتضي المساواة في كل شئ من ثواب وغيره، إلا أنه لما قام الدليل القاهر على أن النبي صلى الله عليه وآله أكثر ثوابا "، أخرجنا الثواب بدليله، وبقي ما عداه من ضروب الفضائل، كالعصمة والعلم والحلم وغير ذلك. مسألة [ في الرجعة من جملة الدمشقيات ] قال الأجل المرتضى (رضي الله عنه): إعلم أن الذي يقول الإمامية في الرجعة، لا خلاف بين المسلمين بل بين الموحدين في جوازه، وأنه مقدور لله تعالى. وإنما الخلاف بينهم: في أنه يوجد لا محالة أو ليس كذلك. ولا يخالف في صحة رجعة الأموات إلا ملحد وخارج عن أقوال أهل التوحيد، لأن الله تعالى قادر على [ إيجاد ] الجواهر بعد إعدامها. وإذا كان عليها قادرا "، جاز أن يوجدها متى شاء. والأعراض التي بها يكون أحدنا حيا " مخصوصا " على ضربين: أحدهما: لا خلاف في أن الإعادة بعينه غير واجبة، كالكون والاعتماد وما يجري مجرى ذلك.

[ 136 ]

والضرب الآخر: اختلف في وجوب إعادته بعينه، وهو الحياة والتأليف. وقد بينا في كتاب الذخيرة أن الإعادة بعينها غير واجبة، إن ثبت أن الحياة والتأليف من الأجناس الباقية ففي ذلك شك، فالاعادة جائزة صحيحة على كل حال. وقد اجتمعت الإمامية على أن الله تعالى عند ظهور القائم صاحب الزمان عليه السلام يعيد قوما " من أوليائه لنصرته والابتهاج بدولته، وقوما " من أعدائه ليفعل بهم ما يستحق من العذاب. وإجماع هذه الطائفة قد بينا في غير موضع من كتبنا أنه حجة، لأن المعصوم فيهم، فيجب القطع على ثبوت الرجعة، مضافا " إلى جوازها في القدرة. وليست الرجعة مما ينافي التكليف ويحيل الإجماع معه، وذلك أن الدواعي مع الرجعة مترددة، والعلم بالله تعالى في تلك الحال لا يكون إلا مكتسبا " غير ضروري، كما أن العلم به تعالى يكون مكتسبا " غير ضروري، والدواعي ثابتة مع تواتر المعجزات وترادف باهر الآيات. ومن هرب من أصحابنا من القول بثبات (1) التكليف على أهل الرجعة، لاعتقاده أن التكليف في تلك الحال لا يصح، له القول بالرجعة، إنما هي على طريق الثواب، وإدخال المسرة على المؤمنين مما يشاء من ظهور كلمة الحق، فهو غير مصيب. لأنه لا خلاف بين أصحابنا في أن الله تعالى ليعيد من سبقت وفاته من المؤمنين لينصروا الإمام وليشاركوا إخوانهم من ناصريه ومحاربي أعدائه، وأنهم أدركوا من نصرته معونته ما كان يقويهم لولاها، (2) ومن أعيد للثواب المحض مما (3)

1) ظ: باثبات.
2) ظ: يقويه لولاهم.
3) ظ: ما.

[ 137 ]

يجب عليه نصرة الإمام والقتال عنه والدفاع. وقد أغنى الله تعالى عن القول بما ليس بصحيح هربا " مما هو غير لازم ولا مشبه. فإن قيل: فإذا كان التكليف ثابتا " على أهل الرجعة، فتجوزوا ثبوت تكليف الكفار الذين اعتقدوا النزول (1) استحقاق العقاب. قلنا: عن هذا جوابان: أحدهما أن من أعيد من الأعداء للنكال والعقاب لا تكليف عليه، وإنما قلنا أن التكليف باق على الأولياء لأجل النصرة والدفاع والمعونة. والجواب الآخر: إن التكليف وإن كان ثابتا " عليهم، فتجوزون بعلم الله تعالى أنهم لا يختارون التوبة، لأنا قد بينا أن الرجعة غير ملجأة إلى قول القبيح وفعل الواجب، وأن الدواعي مترددة. ويكون وجه القطع على أنهم لا يختارون ذلك مما علمنا وقطعنا عليه من أنهم مخلدون لا محالة في النار. وبمثل ذلك يجيب من يقول: جوزوا في بعض هؤلاء الأعداء أو كلهم أن يكون قبل موته بساعة تاب، فأسقطت التوبة عقابه، ولا تقطعوا لأجل هذا التجويز على أنهم لا محالة مخلدون في النار. فإن قيل: فما عندكم فيما تستدل به الإمامية على ثبوت الرجعة من قوله تعالى (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون) (2). وظاهر هذا الكلام يقتضي الاستقبال، فلا يجوز أن يحمل على أن المراد به

1) كذا في النسخة.
2) سورة القصص: 5.

[ 138 ]

موسى عليه السلام وشيعته. وإذا حملنا فرعون وهامان على أنهما الرجلان المعروفان اللذان كانا في عهد موسى عليه السلام، فيجب أن يعادا ليريا ما من الله تعالى به على ما ذكره من المستضعفين، وهذا يوجب الرجعة إلى ما بيناه لا محالة. قلنا: ليس الاستدلال بذلك مرضيا "، ولا دليل يقتضي ثبوت الرجعة إلا ما بيناه من إجماع الإمامية. وإنما قلنا إن ذلك ليس بصحيح، إذ لفظ الاستقبال في الآية لا يدل على أن ذلك ما وقع، لأن الله تعالى تكلم بالقرآن عند جميع المسلمين قبل خلق آدم عليه السلام فضلا عن موسى عليه السلام، والألفاظ التي تقتضي المضي في القرآن هي التي تحتاج أن تناولها (1) إذا كان إيجاده متقدما ". وإذا سلمنا أن ذلك ما وقع إلى الآن وأنه منتظر من أن (2) اقتضاءه الرجعة في الدنيا، ولعل ذلك خبر عما يكون في الآخرة وعند دخول الجنة والنار، فإن الله تعالى لا محالة يمن على مستضعفي أوليائه المؤمنين في الدنيا، بأن يورثهم الثواب في الجنة، ويمكن لهم في أرضها، ويجعلهم أئمة وأعلاما "، يوصل إليهم من حقوق (3) التعظيمات وفنون الكرامات، ويعلم فرعون وهامان وجنودهما في النار ذلك من حالهم ليزدادوا حسرة وغما " وأسفا ". وقول الله تعالى (ما كانوا يحذرون) صحيح لا ينبوا عن التأويل الذي ذكرناه، لأن فرعون وهامان وشيعتهما يكرهون وصول الثواب والمسارعة والتعظيم

1) ظ: نتأولها.
2) ظ: منتظر، منعنا.
3) ظ: صنوف.

[ 139 ]

والتبجيل إلى أعدائهما من موسى عليه السلام وأنصاره وشيعته، ومشاهدتهم لذلك أو علمهم به زائد في عقابهم ومقوي لعذابهم ومضاعف لإيلامهم، وهذا مما لا يخفى صحته واطراده على متأمل. مسألة [ من كلام لعلي عليه السلام يتبرأ من الظلم ] من كلام لأمير المؤمنين عليه السلام أملاها علم الهدى (قدس الله روحه): والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهدا "، وأجر في الأغلال مصفدا "، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما " لبعض العباد، وغاصبا " لشئ من الحطام، وكيف أظلم أحدا " لنفس تسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها؟ والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا "، ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا "، وكرر علي القول مرددا "، فأصغيت إليه بسمعي (1)، فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقا " طريقتي، فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها. فقلت له: ثكلتك الثواكل، يا عقيل! أتئن من حديدة أحماها انسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه! أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟! وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها، ومعجونة شنئتها، كأنما عجنت بريق حية أو قيئها.

1) في النهج: سمعي.

[ 140 ]

فقلت: أصدقة أم نذر أم زكاة (1)؟ وكل ذلك محرم علينا أهل البيت. فقال: لا ولا ذلك، ولكنها هدية، فقلت: هبلتك الهبول! أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط أنت أم ذو جنة أم تهجر؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها [ واسترق لي قطانها مذعنة بأملاكها ] (2) على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة فألوكها ما قبلت ولا أردت (3). وإن دنياكم عندي أهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ونعيم يفنى، ولذة لا تبقى! نعوذ بالله من سبات العقل، وقبح الزلل، وبه نستعين (4). فصل استدل جمهور المسلمين على أن السماوات سبع وأن الأرضين سبع، بقول الله تعالى (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين) (5) وبقوله تعالى (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن) (6). قالوا: وجاءت الأخبار بشرح ما في السماوات سماء سماء. واحتجوا بأنها غير كروية بقوله (وجعلنا السماء سقفا " محفوظا ") (7) وبقوله (والبيت المعمور

1) في النهج: أصلة أم زكاة أم صدقة؟.
2) الزيادة غير موجودة في النهج.
3) في النهج: جلب شعيرة ما فعلته، وإن دنياكم الخ.
4) أورد الخطبة بتمامها الشريف الرضي في نهج البلاغة ص 346.
5) سورة المؤمنون: 17.
6) سورة الطلاق: 12. 7) سورة الأنبياء: 32.

[ 141 ]

والسقف المرفوع) (1). قالوا: وليس يجوز أن يكون ما هو فوقنا يحاذي أقدامنا، ولا أن يحول بيننا وبين الأرض التي تحتنا. قالوا: وقد وافقنا الفلاسفة على أن السماء فوقنا، والفوق لا يكون مقابلا لطرف الأقدام. واحتجوا في أن الأرض مسطوحة بقول الله تعالى (الله جعل لكم الأرض بساطا ") (2) والبساط لا يكون كرويا " ولا معادلا ذات تحديب، وقال: (والأرض بعد ذلك دحاها) (3) أي بسطها، وقال: (ألم نجعل الأرض مهادا ") (4) وهذا إنما هو احتجاجهم على أهل الملة وإبانة عن البيت الذي زعموا أن الفلك والأرض غير كريين لا على من خالف الاسلام. مسألة (في فدك) إن سأل سائل فقال: إذا كنتم تخطئون أبا بكر في منعه فاطمة عليها السلام من أن يسلم إليها فدك على جهة النحلة، وأن يقبل فيها دعواها لأجل عصمتها عليها السلام، وأن المعصوم المقطوع على صدقه لا يحتاج إلى بينة، فمن أين

1) سورة الطور: 44.
2) سورة نوح: 19.
3) سورة النازعات: 30.
4) سورة النبأ: 6.

[ 142 ]

أبا بكر كان يعلم عصمتها عليها السلام. فإن قلتم إن لم يكن عالما " بذلك، فكان يجب عليه أن يعلمه، فإذا فرط فيه مع قيام الدلالة عليه كان ملوما ". قيل لكم: ومن أين يجب عليه أن يعلمه، ولو كان إليه طريق وعليه دليل، فليس كل شئ إلى العلم به طريق وجب علينا أن نعلمه. الجواب: فأما أبو بكر فليس له على الحقيقة الحكم على فاطمة عليها السلام ولا لها، ويجب أن يعلم عصمتها ليعلم وجوب الحكم بما تدعيه، والأحكام إلى الإمام الذي هو غيره، فصار المنع منه لها من فدك بغير حق على كل حال. لا سيما وأبو بكر يعلم أن إمام ذلك الزمان هو بعلها، وما فسح لها من (1) المطالبة إليه بفدك إلا وهي مستحقة، ومعرفته بإمامته واجبة لا محالة بلا شبهة. فإذا قيل: لو قدرنا أنه الإمام والحاكم بين المسلمين، أيجب عليه أن يعلم عصمة فاطمة عليها السلام أم لا يجب عليه؟ فإن جوزتم أن لا يجب عليه العلم بالعصمة، فقد عذرتموه بهذا التقدير والفرض من منعها في فدك، وإن أوجبتم العلم بالعصمة، فبينوا من أي وجه يجب عليه ذلك؟. قلنا: إذا قدرنا المسألة هذا التقدير الذي هو بخلاف الحال التي جرت عليها، فالجواب: إن أبا بكر إذا كان له أن يحكم لفاطمة عليها السلام وعليها، بأن قدرنا صحة إمامته وكان الله تعالى قد دل على عصمتها (صلوات الله عليها) فيجب عليه أن يعلم هذه الحال منها، حتى إذا ادعت أمرا " وجب تسليمه إليها للعلم بصدقها،

1) خ ل: في.

[ 143 ]

ومعلوم أنها ادعت فدكا ". ولأبي بكر طريق إلى العلم بصدقها في دعواها، بأن ينظر في الدليل الذي نصه الله تعالى على عصمتها، فيجب أن ينظر فيه ليعلم صدقها ويجب التسليم إليها، لأنه لا خلاف في أن الخصم إذا ادعى بينة عند الحاكم، فيجب على الحاكم أن ينظر في بينته، ليغلب في ظنه ثبوت الحق له به. ومعلوم أن الظن لا حكم له مع إمكان العلم، وإذا تمكن الحاكم من أن يعلم صدق المدعي، وجب أن ينظر في ذلك ليعلم بحسب علمه، كما وجب عليه النظر فيما يؤدي (1) إلى غلبة الظن من بيانه، وإذا لم يفعل فقد فرط. فإذا قيل: المدعي (2) عند الحاكم النظر في بينته التي أسند إليها المدعي ويمينها، وطالب الحكم بالنظر فيها، وفاطمة عليها السلام ما طالبت أبا بكر بالنظر فيما يجري مجرى البينة لها من دليل عصمتها، فكيف يجب عليه النظر في ذلك؟ قلنا: إذا كنا نقدر حالا لم يكن، والحال الجارية على ما ذكرنا يقتضي وجوب التسليم لما ادعته وترك المعارضة فيه، فإذا قدرنا حالا أخرى لم يتفق قدرنا ما يليق بها. فقلنا: ادعت فاطمة عليها السلام فدكا " عند حاكم له أن يحكم بين المسلمين، ولم يكن لها بينة تقتضي غلبة الظن من شهادة وجب عليها أن ينبه الحاكم على أن جهة وجوب تسليم الحق إليها وهو دليل عصمتها، وتشير أيضا " إلى الدليل بينته حتى يكون بين النظر إليه ووقوع العلم له ووجوب التسليم وبين لزوم

1) خ ل: يؤديه إليه.
2) ظ: للمدعي.

[ 144 ]

التقصير إياه. وهذا واضح لمن تأمله. فصل (في الغيبة) قال (رضي الله عنه) إن قالوا إن قلتم: إن الإمام موجود، وأنه يظهر ويفعل ويصنع، فأي شئ يمنع من ظهوره؟ بينوا ما الموجب لاستتاره وغيبته؟. قلنا: قد ثبت وجوب الإمام، وأن من صفته أن يكون معصوما " لا يجوز أن يقع منه الفعل القبيح، وإذا كان كذلك وقد بينا أن الإمام يجب كونه موجودا " والآن... ظهوره (1) وغيبته. فنقول: إذا ثبت عصمته ثم استتر ولم يظهر، وجب أن يكون ذلك لعذر، لأن القبيح لا يجوز وقوعه منه، وليس يجب علينا بيان ذلك العذر، وإنما هو بوجه من الوجوه. وهذا مثل ما نقول وهم الملحدة حين يقولون: ما الحكمة في رمي الحجارة والهرولة واستلام الحجر لا نعلم شيئا "؟ إلى غير ذلك مما يسألون عنه. ألسنا نقول لهم: إن صانع العالم قد ثبتت حكمته بالدليل الباهر القاهر، ومع حكمته إذا أمرنا بمثل هذه الأشياء، علمنا أن الحكمة أوجبت ذلك الأمر. فإذا قالوا: ما ذلك الأمر؟ قلنا: لا يجب علينا بيانه من حيث علمنا أن القبيح لا يحصل منه تعالى،

1) في الهامش: ما بقي أن لا.

[ 145 ]

والطريقان واحد على ما ترى، وهذا هو سد الباب على مخالفينا وقطع التطويلات عنهم والأمارات (1)، وبهذا أن يستعمل معهم سؤال لهم. إذا قالوا: إن نصب الإمام إذا كان لطفا " للمكلفين في فعل الواجبات وتجنب المقبحات، فإن استتاره وغيبته ينقضان هذا البناء، ويبطلان هذا الغرض. قلنا لهم: لا يمتنع أن يقع هذا اللطف مع غيبته في هذا الباب أقوى، لأن المكلف إذا لم يعلم مكانه ولم يقف موضعه ويجوز فيمن لا يعرفه أن الإمام يكون إلى أن لا يفعل القبيح ولا يقصر في فعل الواجب أقرب منه لو عرفه، ولا يجوز فيه كونه إماما ". وهذا جواب ظاهر ليس لأحد من أصحابنا هذا الجواب. قال (رضي الله عنه) العصمة في صفات الإمام من أكبر الأصول في الإمامة، أن تثبت يكفي كثيرا " من المؤن، فالواجب أن يكون الاشتغال بتصحيحها أكثر. فصل وسئل (رضي الله عنه) عن الحال بعد إمام الزمان عليه السلام في الإمامة فقال: إذا كان المذهب المعلوم أن كل زمان لا يجوز أن يخلو من إمام يقوم بإصلاح الدين ومصالح المسلمين، ولم يكن لنا بالدليل الصحيح أن خروج القائم يطابق زوال التكليف، فلا يخلو الزمان بعده عليه السلام من أن يكون فيه إمام مفترض الطاعة، أو ليس يكون. فإن قلنا: بوجود إمام بعده خرجنا من القول بالاثني عشرية، وإن لم نقل

1) في الهامش: الايرادات.

[ 146 ]

بوجود إمام بعده، أبطلنا الأصل الذي هو عماد المذهب، وهو قبح خلو الزمان من الإمام. فأجاب (رضي الله عنه) وقال: إنا لا نقطع على مصادفة خروج صاحب الزمان محمد بن الحسن عليهما السلام زوال التكليف، بل يجوز أن يبقى العالم بعده زمانا " كثيرا "، ولا يجوز خلو الزمان بعده من الأئمة. ويجوز أن يكون بعده عدة أئمة يقومون بحفظ الدين ومصالح أهله، وليس يضرنا ذلك فيما سلكناه من طرق الإمامة، لأن الذي كلفنا إياه وتعبدنا منه أن نعلم إمامة هؤلاء الاثني عشر، ونبينه بيانا " شافيا "، إذ هو موضع الخلاف والحاجة. ولا يخرجنا هذا القول عن التسمي بالاثني عشرية، لأن هذا الاسم عندنا يطلق على من يثبت إمامة اثني عشر إماما ". وقد أثبتنا نحن ولا موافق لنا في هذا المذهب، فانفردنا نحن بهذا الاسم دون غيرنا. [ حول خبر نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ] وسمع منه (رضي الله عنه) يقول: من أعجب الأشياء أنهم يعني الناصبة يعولون في صحة الإجماع، وكونه حجة في الشريعة، على خبر واحد لا يثبت له سند ولم يبن. وإذا طولبوا بتصحيحه عولوا في ذلك الإجماع وأنه حجة، فهل هذا إلا تعويل على الريح؟! وليس الدليل بالمدلول والمدلول بالدليل، وتصحيح كل واحد منهما بصاحبه. يعني بالخبر روايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة. وكان (رضي الله عنه) ينكر ما كان يذكره بعض الإمامية في منع الاحتجاج

[ 147 ]

بهذا الخبر، وأنه إنما قال: (ما تركناه صدقة) (1) بنصب (ما) فلا يرتضي هذه الطريقة، لأن من نقل هذه الكلمة إنما نقلها موقوفة غير معربة. ثم إن النصب ينافي هذا الخبر وواضعيه أنهم لا ينصبون هذه الكلمة ولم يقصدوا إلى معنى النفي، لظهور التناقض والتنافي بين أولها وآخرها. مسألة (في تفضيل فاطمة عليها السلام) وسألوا أيضا " عن السيدة فاطمة عليها السلام فقالوا: ما وجه هذا الفضل المتفاوت على سائر بنات النبي صلى الله عليه وآله؟. وما يوجب ذلك وجوبا " بصحيحة النظر، وإلا سلمتم لغيرها منهى مثل يراثها (كذا) (1) صلى الله عليها. الجواب: إعلم أن الفضل في الدين إنما هو كثرة الثواب المستحق على وجه التعظيم والتبجيل، والثواب إنما يستحق على الله تعالى بالطاعات وفعل الخيرات والقربات. وإنما يكثر باستحقاقه بأحد الوجهين، أما بالاستكثار من فعل الطاعات، أو بأن تقع الطاعة على وجه من الاخلاص والخضوع لله تعالى، والقربة إليه يستحق بها لأجل ذلك الثواب الكثير، ولهذا كان ثواب النبي صلى الله عليه وآله على كل طاعة بصلاة أو صيام يفعلها أكثر من ثواب كل فاعل منها لمثل

1) كذا.

[ 148 ]

تلك الطاعة. وإذا كانت هذه الجملة متمهدة في الأصول، فما المنكر من أن تكون سيدة النساء فاطمة عليها السلام قد انتهت من الاستكثار من فعل الطاعات، ثم من وقوعها على أفضل الوجوه الموجبة لكثرة الثواب وتضاعفه إلى الحد الذي فاقت وفضلت على النساء كلهن. ولو قال لنا قائل: وما الفضل الذي بان به محمد صلى الله عليه وآله من سائر الخلق أجمعين من نبي وغيره، هل كان جوابنا له إلا مثل ما تقدم من جوابنا. فوجوه زيادة الفضل لا تحصى ولا تحصر، ولم يبق إلا أن يدل على أنها عليها السلام أفضل النساء كلهن. والمعتمد في الدلالة على ذلك إجماع الشيعة الإمامية، فإنهم مجمعون بلا خلاف فيها على أنها عليها السلام أفضل النساء، كما أن بعلها أفضل الرجال بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. مسألة [ إنكاح أمير المؤمنين عليه السلام ابنته ] وسألوا أيضا " من موجب الفقه المجيز لأمير المؤمنين عليه السلام تزويج أم كلثوم. وقالوا: أوضحي النساء من طريق يوجبه الدين ويتجه ولا يمنعه، وهو مستعمل التقية ومظهر المجاملة أن ينتهي إلى الحد الذي لا مزيد عليه في الخلطة وهو التزويج.

[ 149 ]

الجواب: قال الشريف المرتضى علم الهدى (قدس الله روحه): إعلم أنا قد بينا في كتابنا (الشافي) في الجواب عن هذه المسألة، وأزلنا الشبهة المعترضة بها وأفردنا كلاما استقصيناه واستوفيناه في نكاح أم كلثوم، وإنكاح بنته صلى الله عليه وآله من عثمان بن عفان، ونكاحه هو أيضا " عائشة وحفصة، وشرحنا ذلك فبسطناه. والذي يجب أن يعتمد في نكاح أم كلثوم، أن هذا النكاح لم يكن عن اختيار ولا إيثار، ولكن بعد مراجعة ومدافعة كادت تفضي إلى المخارجة والمجاهرة. فإنه روي أن عمر بن الخطاب استدعى العباس بن عبد المطلب، فقال له: مالي؟ أبي بأس؟ فقال له: ما يجيب أن يقال لمثله في الجواب عن هذا الكلام فقال له: خطبت إلى ابن أخيك على بنته أم كلثوم، فدافعني ومانعني وأنف من مصاهرتي، والله لأعورن زمزم، ولأهدمن السقاية، ولا تركت لكم يا بني هاشم منقبة إلا وهدمتها، ولأقيمن عليه شهودا " يشهدون عليه بالسرق وأحكم بقطعه. فمضى العباس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره بما جرى وخوفه من المكاشفة التي كان عليه السلام يتحاماها، ويفتديها بركوب كل صعب وذلول، فلما رأى ثقل ذلك عليه، قال له العباس: رد أمرها إلي حتى أعمل أنا ما أراه، ففعل عليه ذلك وعقد عليها العباس. وهذا إكراه يحل له كل محرم ويزول معه كل اختيار. ويشهد بصحته ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام من قوله وقد سئل عن هذا العقد؟ فقال عليه السلام: ذلك فرج غصبنا عليه. وما العجب من أن تبيح التقية والاكراه والخوف من الفتنة في الدين ووقوع

[ 150 ]

الخلاف بين المسلمين لمن هو الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله والمستخلف على أمته أن يمسك عن هذا الأمر، ويخرج نفسه منه، ويظهر البيعة لغيره، ويتصرف بين أمره ونهيه، وينفذ عليه أحكام، ويدخل في الشورى التي هي بدعة وضلال وظلم ومحال، ومن أن يستبيح لأجل هذه الأمور المذكورة على من لو ملك اختياره لما عقد عليه. وإنما يتعجب من ذلك من لا يفكر في الأمور ولا يتأملها ولا يتدبرها، دليل على جواز العقد، واقتضى الحال له مثل أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه عليه السلام لا يفعل قبيحا " ولا يرتكب مأثما ". وقد تبيح الضرورة أكل الميتة وشرب الخمر، فما العجب مما هو دونها؟ فأما من جحد من غفلة أصحابنا وقوع هذا العقد ونقل هذا البيت وأنها ولدت أولادا " من عمر معلوم مشهور. ولا يجوز أن يدفعه إلا جاهل أو معاند، وما الحاجة بنا إلى دفع الضرورات والمشاهدات في أمر له مخرج من الدين. [ كلام في حقيقة الجوهر ] المسألة الثانية من المسائل التي وردت على الأجل المرتضى علم الهدى (قدس الله روحه): إذا كان لجوهر في عدمه جوهر منها الذي (1) فعل محدثه، وهل صفة الوجود والأحداث شئ غير نفسه؟ فإن كانت شيئا " لزمكم أن يكون في عدمها كذلك، وإن لم يكن شيئا " فقد حصلنا على أن الفاعل في الحقيقة لم يفعل شيئا ".

1) ظ: إذا كان الجوهر في عدمه جوهرا " ما الذي.

[ 151 ]

وقد قال أصحاب هذه المسألة: إن أمركم فيها يؤل إلى قول المجبرة، لزعمكم أن الجوهر لم يكن جوهرا " بفاعله ولا صار شيئا " يضايقه وإنما وجوه، فإذا سألناكم عن إيجاده وهل هو نفس الجوهر أم شئ غيره لم نسمع في ذلك إلا ما ادعته المجبرة في الكسب. الجواب وبالله التوفيق: إعلم أن قولنا (جوهر) عبارة عما يجب له التحيز إذا وجدت لأن الذوات على ضربين: منها ما يجب متى وجد أن يكون متحيزا ". ومنها ما يستحيل فيه التحيز مع الوجود، كالأعراض والقديم تعالى، فعبرنا عن القسم الأول بعبارة مفيدة، وهي قولنا (جوهر). وإنما قلنا إن الجوهر لا بد أن يكون في حال عده (1) جوهرا "، لأنه لا بد أن يكون في حال عدمه على حال يجب لأجلها التحيز متى وجد، ولهذا قلنا (إنه جوهر لنفسه وجنسه). والدليل على ذلك أنه لا يخلو أن يكون المتحيز في الوجود مما يجب له هذه الصفة، ولا يجوز عليه خلافها ولا المتبدل بها، وأن يكون الأمر بخلاف ذلك. فإن كان الأمر على الأول، فلا بد من اختصاصه في حال العدم بصفة يجب معها لها هذا الحكم عند الوجود مما (2) يستحيل عليه هذا الحكم عند الوجود، وأضفنا تلك الصفة إلى النفس، لأن...

1) ظ: عدمه.
2) خ ل: حتى.

[ 153 ]

(33) مسألة فيمن يتولى غسل الإمام

[ 155 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة: من المتولي لغسل الإمام الماضي والصلاة عليه؟ وهل ذلك موقوف على تولي الإمام بعده له أم يجوز أن يتولاه غيره؟ الجواب: قد روت الشيعة الإمامية أن غسل الإمام والصلاة عليه موقوف (1) على الإمام الذي يتولى الأمر من بعده، وتعسفوا لها فيما ظاهره بخلاف ذلك، وهذه الرواية المتضمنة لما ذكرناه واردة من طريق الآحاد التي لا يوجب علما " ولا يقطع بمثلها. وليس يمتنع في هذه الأخبار إذا صحت أن يراد بها الأكثر الأغلب، ومع الامكان والقدرة، لأنا قد تشاهدنا (2) ما جرى على خلاف ذلك، لأن موسى ابن جعفر عليهما السلام توفي بمدينة السلام والإمام بعده علي بن موسى الرضا

1) في (ن): موقوفان.
2) في (ن): شاهدنا.

[ 156 ]

عليهما السلام بالمدينة، وعلي بن موسى الرضا توفي بطوس والإمام بعده ابنه محمد بالمدينة. ولا يمكن أن يتولى من بالمدينة غسل من يتوفى بطوس، أو بمدينة السلام. وقد تعسف بعض أصحابنا فقال: غير ممتنع أن ينقل الله تعالى الإمام من المكان الشاسع (1) في أقرب الأوقات ويطوي له البعيد، فيجوز أن ينتقل من المدينة إلى مدينة السلام وطوس في الوقت. والجواب عن هذا: أنا لا نمنع من إظهار المعجزات وخرق العادات للأئمة عليهم السلام إلا أن خرق العادة إنما هو في إيجاد المقدور دون المستحيل والشخص لا يجوز أن يكون منتقلا إلى الأماكن البعيدة إلا في أزمنة مخصوصة فأما أن ينتقل إلى البعيد من غير زمان محال (2)، وما بين المدينة وبغداد وطوس من المسافة لا يقطعها الجسم إلا في أزمان لا يمكن معها أن يتولي من هو بالمدينة غسل من هو ببغداد. فإن قيل: ألا انتقل كما ينتقل الطائر من البعيد في أقرب مدة (3). قلنا: ما ننكر اختلاف انتقال الأجسام بحسب الصور والهيئات، فإن أردتم أن الإمام يجعل له جناح يطير به، فهو غير منكر، إلا أن الثقيل الكبير من الأجسام لا يكون طيرانه في الخفة مثل الصغير الجسم. ولهذا لا يكون طيران الكراكي وما شاكلها في عظم الأجسام، كسرعة الطيور الخفاف، فإذا كان الطائر الخفيف الجسم إنما لم يقطع في يوم واحد من المدينة إلى طوس، فأجدر

1) في (ن): الواسع.
2) ويرده قوله تعالى (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا " عنده قال أهكذا عرشك) وقد أحضر عرشها في أقل من طرفة عين. 3) في الأصل: هذه.

[ 157 ]

أن لا يتمكن من ذلك الانسان إذا كان له جناح. ولا يمكن أن يقال: إن الله تعالى يعدم الإمام من هناك ويوجده في الحال الثانية هاهنا. لأن هذا مستحيل من وجه آخر، لأن عدم بعض الأجسام لا يكون إلا بالضد الذي هو الفناء، وفناء بعض الجواهر فناء لجميعها، وليس يمكن أن يفنى جوهر مع بقاء جوهر آخر، على ما دللنا عليه في كثير من كلامنا، لا سيما في كتابي (1) المعروف ب‍ (الذخيرة). إلا أنه يمكن من ذهب من أصحابنا إلى ما حكيناه أن يقول نصرة لطريقته: ما الذي يمنع من أن ينقل (2) الله تعالى الإمام من المدينة إلى طوس بالرياح العواصف التي لا نهاية لما يقدر الله تعالى عليه من فعلها وإن فيها (3). وما المنكر من أن يقول في هذه الريح التي تنقله ما يزيد معه على سرعة الطائر الخفيف المسرع، فينتقل في أقرب الأوقات. والذي يبطل هذه التقديرات لو صحت أو صح بعضها أنا قد علمنا أن الإمام لو انتقل من المدينة إلى بغداد أو طوس لغسل المتوفى والصلاة عليه لشوهد في موضع الغسل والصلاة، لأنه جسم والجسم لا بد من أن يراه كل صحيح العين. ولو شهد لهم لعلمه وعرف حاله ونقل خبره (4) ولم يخف على الحاضرين، فكيف يجوز ذلك وقد نقل في التواريخ من تولى غسل هذين الإمامين والصلاة عليهما وسمي وعين، وهذا يقتضي أن الأمر على ما اخترناه.

1) في (ن): الكتاب.
2) في (ن): يحمل.
3) في (ن): من فعل الاعتمادات فيها.
4) في (ن): ولو شهد لعلم حاله ونقل خبره.

[ 159 ]

(34) عدم وجوب غسل الرجلين في الطهارة

[ 161 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال السيد قدس الله روحه: وقفت على كلام لأبي الحسن علي بن عيسى الربعي ينصر به أن القرآن دال على وجوب غسل الرجلين في الطهارة، فلما تأملته وجدته كلام مخرم غير محقق لما يقوله، وكأنه غريب من هذا الشأن بعيد منه أجنبي، ومن لا يطيق على أمر فأستر عليه ترك الخوض فيه. ولما لم يتمكن من حمله القراءة بنصب الأرجل على الأيدي المغسولة، عدل إلى شئ وجدت شيخه أبي (1) علي الفارسي عول عليه، لما أعياه نصرة إيجاب الغسل من الآية على صناعة الأعراب. وهو وجه روي عن أبي يزيد الأنصاري أشد تهافتا " وتقاربا " من كل شئ اعتمد عليه في هذه الآية. ونحن نبين ما في هذا الكلام الذي وقفنا عليه من الخلل والزلل بأوجز

1) ظ: أبا.

[ 162 ]

كلام، وإن كان من اطلع على كلامنا فيما كنا أمليناه من مسائل الخلاف هوما في هذه المسألة، وما أوردناه أيضا " قريبا " من الكلام في ذلك. وأي بحر (1) هذا الكلام الذي وجدناه لهذا الرجل ولغيره في هذه المسألة كالقطرة بالاضافة إليه، وأمكن من ضبط ذلك أن ينقض منه كل كلام سطر في هذه الآية أوله سطر، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. قال صاحب الكلام: قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (2) المعول في ذلك أن من نصب قوله (وأرجلكم) حمله على الغسل وعطفه على الأيدي، لما كان المعنى عنده على الغسل دون المسح، فحمل على النصب الذي يقتضيه قوله (اغسلوا وجوهكم) ليكون على لفظ ما في حكمه في الوجوب من الأيدي التي حملت على الغسل. ولم يجر كما جر من قرأ (وأرجلكم) لمخالفته في المعنى، فلذلك خالف بينهما في اللفظ. الجواب: يقال له: يجب أن نبني المذاهب على الأدلة على الأحكام، فيجب أن نعتبر وجه دلالته، فنبني مذاهبنا عليها ويكون اعتقادنا موافقا ". فقولك (إن من نصب الأرجل حمله على الغسل وعطفه على الأيدي لما كان المعنى عنده على الغسل دون المسح) طريق، ولو لم يكن عند من ذكرت الغسل دون المسح بغير دلالته، والقرآن يوجب المسح دون الغسل. وأول ما يجب إذا فرضنا ناظرا " منا فلا يحكم بهذه الآية وما يقتضيه من مسح أو غسل، يجب أن لا يكون عنده غسل ولا مسح، ولا يتضيق إليه أحدهما، بل

1) كذا في النسخة.
2) سورة المائدة: 6.

[ 163 ]

ينظر فيما يقتضيه ظاهر الآية وإعرابها، فيبني على مقتضاها الغسل إن وافقه، أو المسح إن طابقه. وكلامك هذا يقتضي سبلا من الغسل وأنه حكم الآية حتى يثبت عليه اعراب الأرجل بالنصب، وهذا هو ضد الواجب. وقد بينا في مسائل الخلاف أن القراءة بالجر أولى من القراءة بالنصب، لأنا إذا نصبنا الأرجل فلا بد من عامل في هذا النصب، فإما أن تكون معطوفة على الأيدي، أو يقدر لها عامل محذوفا "، أو تكون معطوفة على موضع الجار والمجرور في قوله (برؤسكم) ولا يجوز أن تكون معطوفة علي الأيدي، لبعدها من عامل النصب في الأيدي، ولأن أعمال العامل الأقرب أولى من أعمال الأبعد. وذكرنا قوله تعالى (آتوني افرغ عليه قطرا ") (1) وقوله (هاؤم اقرؤا كتابيه) (2) وقوله تعالى (وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ") (3). وذكرنا ما هو أوضح من هذا كله، وهو أن القائل إذا قال: ضربت عبد الله، وأكرمت خالدا " وبشرا "، إن رد بشرا " إلى حكم الجملة الماضية التي قد انقطع حكمها ووقع الخروج عنها لحن وخروج عن مقتضى اللغة، وقوله تعالى (اغسلوا وجوهكم وأيديكم) جملة مستقلة بنفسها، وقد انقطع حكمها بالتجاوز لها إلى جملة أخرى، وهو قوله (وامسحوا برؤوسكم). ولا يجوز أن تنصب الأرجل بمحذوف مقدر، لأنه لا فرق بين أن تقدر محذوفا " هو الغسل، وبين أن تقدر محذوفا " هو المسح، ولأن الحذف لا يصار إليه إلا عند الضرورة. وإذا استقل الكلام بنفسه من غير تقدير محذوف، لم يجز حمله على محذوف.

1) سورة الكهف: 96.
2) سوره الحاقة: 19 3) سورة الجن: 7.

[ 164 ]

فأما حمل النصب على موضع الجار والمجرور، فهو جائز وشائع، إلا أنه موجب للمسح دون الغسل، لأن الرؤوس ممسوحة، فما عطف على موضعها يجب أن يكون ممسوحا " مثلها، إلا أنه لما كان أعمال أقرب العاملين أولى وأكثر في القرآن ولغة العرب، وجب أن يكون جر الآية (1) حتى تكون معطوفة على لفظة الرؤوس أولى من نصبها وعطفها على موضع الجار والمجرور، لأنه أبعد قليلا، فلهذا ترجحت القراءة بجر الأرجل على القراءة بنصبها. ومما يبين أن حمل حكم الأرجل على حكم الرؤوس في المسح أولى، أن القراءة بالجر يقتضي المسح ولا يحتمل سواه، فالواجب حمل القراءة بالنصب على ما يطابق معنى القراءة بالجر، لأن القراءتين المختلفتين تجريان مجرى آيتين في وجوب المطابقة بينهما، وهذا الوجه يرجح القراءة بالجر للأرجل على القراءة بالنصب لها. ثم قال صاحب الكلام: فإن قال قائل: إنه إذا نصب فقال (وأرجلكم) جاز أيضا " أن يكون محمولا على المسح، كما قال: مررت بزيد وعمرا ". فحملوا عمرا " على موضع الجار والمجرور، حيث كانا في موضع نصب، فلم لا يقولون: إن الجر أحسن وإن المسح أولى من الغسل، لتجويز القراءتين جميعا " بالمسح، ولأن من نصب فقال: (وأرجلكم) يجوز في قوله أن يريد المسح فيها نصب للحمل على الموضع. والذي يجر (وأرجلكم) لا يكون إلا على المسح دون الغسل، وكيف لم يقولوا إن المسح أو (2) الغسل، لجوازه في القراءتين جميعا "، وانفراد الجر في قوله (وأرجلكم) بالمسح من غير أن يحتمل

1) في الهامش: الأرجل.
2) لعله: أولى من.

[ 165 ]

غيره. والقول (1) في ذلك: أن حمل نصب (أرجلكم) على موضع الجار والمجرور في الآية لا يستقيم، لمخالفته ما عليه بغير النبي بل في هذا النحو. وذلك أنا وجدنا في التنزيل العاملين إذا اجتمعا حمل الكلام على العامل الثاني الأقرب إلى المعمول فيه دون الأبعد، وذلك في نحو قوله (آتوني أفرغ عليه قطرا ") (2)، حمل على العامل الثاني الأقرب الذي هو (أفرغ) دون الأول الذي هو (آتوني)، ولو حمل على الأول لكان آتوني أفرغه عليه قطرا "، أي آتوني قطرا " أفرغ عليه. وكذلك (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (3) أعمل (يفتيكم) دون (يستفتونك) ولو أعمل الأول لكان يستفتونك قل الله يفتيكم فيها. وكذلك قوله تعالى (هاؤم اقرؤا كتابيه) (4) أعمل الأقرب من العاملين، وهو (اقرؤا) ولو عمل الأول لكان هاؤم اقرؤه كتابيه. فإذن كان حكم العاملين إذا اجتمعا على هذا الذي ذكرت من أعمال الثاني أقرب منهما إلى المعمول، لم يستقم أن يترك حمل (الأرجل) على البناء التي هي أقرب إليه، ويحمل على الفعل لمخالفته ذلك ما ذكرت من الآي، وإن الأكثر في كلامهم: خشنت بصدره وصدر زيد بجر صدر المعطوف على البناء من حيث كان أقرب إليه، وهذا مذهب سيبويه. ثم قال: فإن قال قائل: إذا نصب (الأرجل) فقال (وأرجلكم) فقد حمل

1) ظ: فالقول.
2) سورة الكهف: 96.
3) سورة النساء: 176.
4) سورة الحاقة: 19.

[ 166 ]

ذلك على أبعد العاملين، فكيف لا يجوز لمن نصب أن يتأول ما ذكرناه من حمله على موضع الجار والمجرور، ويكون تأويله جائزا "، وإن لم يحمل على الباء التي هي أقرب إلى المعمول من قوله (اغسلوا). ثم قال: القول في ذلك أنه رأى أن يحمله على الجر لا يستقيم في المعنى، وإنما يحمل على أقرب العاملين إذا كان الحمل عليه لا يفسد معنى، فإذا أدى ذلك فساد المعنى عنده لم يحمله على الأقرب. ألا ترى أن ما تلوناه من الآي إنما حمل فيه على الثاني دون الأول، لأن الحمل على كل واحد منهما في المعنى مثل الحمل على الآخر، فلما كان كذلك أعمل الأقرب لقربه، إذا كانوا قد احتملوا لإيثارهم الحمل على الأقرب ما لا يصح في المعنى، كقوله غزل العنكبوت المزمل (1) ويروي نسج والمزمل من صفة الغزل، وحمله على العنكبوت من حيث كان أقرب إليه من الغزل، فإذا صح المعنى مع الأقرب فلا يذهب على ذلك. الجواب: يقال له: أما صدر هذا الفصل من كلامك، فهو كله عليك، لأنك قد نطقت فيه بلسان من نص المسح في الآية، واستشهدت في أعمال الثاني من العاملين دون الأول، بما استشهدنا نحن به في نصرة هذه المسألة، والرد على من أوجب الغسل بها دون المسح، فكأنك على الحقيقة إنما حققت من وجوب أعمال العامل الثاني دون الأول، لما هو شاهد عليك لا لك. ولما سألت نفسك عن السؤال الذي فطنت به ما حققته وبسطته لك، عدلت إلى دعوى طريقة... من أين لك بلوغها، لأنك قلت إنما يعمل الثاني دون الأول بحيث يستقيم المعنى ولا يفسد. فمن أين قلت: إن القول بمسح الأرجل يؤل إلى فساد وأنه مما لا يستقيم أو ما كان جائزا " على جهة التقدير عند كل عاقل أن يعبر الله سبحانه نصا " صريحا "

1) في الهامش: الزمل.

[ 167 ]

على أن حكم الأرجل المسح، كما كان ذلك حكما " للرؤوس، وهل يدفع جواز ذلك إلا مكابر لنفسه وجه (1). اللهم إلا أن تدعي أنك علمت قبل نظرك في هذه الآية، وما هو يوجبه في الأرجل من غسل أو مسح أو (2) حكم الأرجل الغسل دون المسح، فيثبت الآية على علمك. هذا فقد كان يجب أن يتبين (3) من أين علمت ذلك حتى يثبت عليه حكم الآية ومتى ساغ لك أن تقول: إنما يعمل العامل الأقرب بحيث يستقيم ولا يفسد؟ وكل هذا إخلال منك بما يلزمك. فأما البيت الذي أنشدته، فليس من الباب الذي نحن فيه من ترجيح أعمال الثاني من العاملين دون الأول، وإنما يتعلق به من نص الإعراب بالمجاورة، كما استشهدوا بقوله: (حجر ضب خرب) وبقوله: (كبير أناس في بجاد مزمل). وقد بينا في مسائل الخلاف بطلان الإعراب بالمجاورة بكلام كالشمس وضوحا "، وتكلمنا على كل شئ تعلق به أصحاب المجاورة. على أنه قد خطر لي في قول الشاعر: (كان غزل العنكبوت المزمل) شئ وما رأيته لأحد ولا وقع لي متقدما "، وهو أن يكون المزمل صفة العنكبوت لا للغزل، ويكون من الزمل، لأن العنكبوت ربما ينسج بيته في زمل. وإنما حملت العلماء على أنه صفة للغزل من حيث ذهبوا في هذه اللفظة إلى أنها من أزملت الثوب أو الحصير، وزملته أيضا " إذا نسجته، والنسج لا يليق بالعنكبوت

1) كذا.
2) ظ: أن.
3) ظ: تبين.

[ 168 ]

نفسه، وإنما يليق بغزله. وهذا التخريج يبطل أيضا " تعلق أصحاب المجاورة بهذا البيت. ثم قال صاحب الكلام: والأوجه في الآية والله أعلم أن يحمل على الباء، ويقرأ (وأرجلكم) ولا يحمل على (أغسلوا) ويكون المراد بالمسح الغسل لأمرين: أحدهما: أنه حكي عن أبي زيد أنه قال: المسح أخف الغسل، ومن ذلك تمسحت للصلاة، فإذا كان كذلك فجاز الذي أوجبه قوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) في من جر الغسل دون المسح. ويؤكد ذلك أن الثوري يروي عن أبي عبيدة في تأويل قوله تعالى (فطفق مسحا " بالسوق والأعناق) (1) أن المعنى يضرب، يقال: مسح علاوته أي ضربها بالاعتماد الذي يقع باليد أو غيرها من آلة الضرب بالمضروب، مثل الاعتماد الذي يقع على المغسول في حال الغسل باليد إذا كان الغسل بها، وذلك فرق المسح الذي ليس بغسل. ويؤكد ذلك أيضا " أنه موقت بغاية، كما وقت غسل اليد بها في قوله تعالى (وأيديكم إلى المرافق). والآخر: أن يكون قوله أي (امسحوا) الذي يراد به المسح الذي دون الغسل كمسح الرأس، والمراد به الغسل، فأجرى الجر على الأرجل في اللفظ والمراد به الغسل، وحمل ذلك لمقاربة المسح للغسل في المعنى، ليكون الحمل على أقرب العاملين، كالآي التي ذكرناها. أما إذا كان أهل اللغة قد آثروا ذلك فيما لا يصح معناه إيثارا " منهم للحمل

1) سورة ص: 33.

[ 169 ]

على الأقرب، فلما استعملوا ذلك فيما لا يصح في المعنى، نحو (غزل العنكبوت الزمل) حتى فيما يتقارب فيه المعنيان، لأن المعاني إذا تقاربت وقع ألفاظ بعضها على بعض، نحو قولهم (أنبأت زيدا " عمرا " خير الناس) وأنبأت أفعلت من النبأ، والنبأ الخبر، فلما كان الانباء ضربا " من الاعلام أجروا (أنبأت) مجرى (أعلمت) فعدوه إلى ثلاثة مفاعيل، كما عدوا أعلمت إليهم (1)، وكما جرى قوله تعالى (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات) (2) مجرى علموا في قوله: (ولقد علمت لتأتين منيتي) وذلك أن بدا لهم ظهر لهم رأي لم يكونوا رأوه، فهو بمنزلة علموا ما لم يعلموا. وقد زعم أبو الحسن أنهم قالوا: ما سمعت رائحة أطيب من هذه، ولا رأيت رائحة أطيب من هذه، وما رأيت كلاما " أصوب من هذا، فوضع بعض العبارة عن أفعال هذه الحواس مكان بعض، لاجتماعهن في العلم بها، وكذلك وضع المسح مكان الغسل، لاجتماعه في وقوع التطهير بهما في الأعضاء. والمراد بالمسح الغسل كما كان المراد بما سمعت رائحة ما شممت ولا رأيت كلاما " ما سمعت، فوقع كل واحد منهما في الاتساع موضع الآخر، لاجتماعهما في العلم على الوجه الذي علم به ذلك. الجواب: يقال له: قد صرحت في كلامك أن القراءة في الأرجل بالجر أولى وأرجح من القراءة بالنصب على موجبة العربية. وهذا صحيح مبطل لما يظنه من لا يعرف العربية من الفقهاء، إلا أنك لما أعيتك الحيل في نصرة غسل الأرجل من طريق الإعراب، عدلت إلى شئ حكي عن أبي زيد الأنصاري من

1) ظ: إليها.
2) سورة يوسف: 35.

[ 170 ]

أن المسح غسل، وهذا الذي عدلت إليه من أوضح الفساد من وجوه: منها: أن معنى الغسل وحقيقته يخالف في اللغة وحقيقتها معنى المسح، لأن الغسل هو إجراء الماء على العضو المغسول والمسح هو مس العضو بالماء من غير أن يجريه عليه، فكأنه قيل للماسح: ند العضو بالماء ولا تسله عليه. وقيل للغاسل: لا تقتصر على هذا القدر بل أسله على العضو وأجره. فالمعنيان متضادان كما تراه، وكيف يقال: إن أحدهما هو الآخر؟ بل ولا يصح ما يقوله الفقهاء من أن أحدهما داخل في الآخر، لأنا قد بينا تنافي المعنيين، وما يتنافى لا يتداخل. ولو جاز أن يسمى على الحقيقة الماسح غاسلا ويدعى دخول المسح في الغسل، لوجب أن يسمى من دفق إيجاد الكثير على بدنه وصبه عليه ورش (1) الماء على بدنه وتقطر الماء عليه، لأن الدفق والصب يزيد على معنى الرش والتقطير، ويوجب أن يكون من على رأسه عمامة طويلة، يصح أن يقال: على رأسه تكة أو خرقة، لأن العمامة تشتمل على هذه المعاني، وقد علمنا أن أحدا " لا يطيق ذلك ولا يجيزه. ومنها: إن لو سلمنا اشتراك ذلك في اللغة، وإن كان غير صحيح على ما بيناه، لكان الشرع وعرف أهله يمنع من ذلك، لأن أهل الشرع كلهم قد فرقوا بين المسح والغسل وخالفوا بينهما، ولهذا جعلوا بعض أعضاء الطهارة ممسوحا " وبعضها مغسولا، وفرقوا بين قول القائل فلان يرى أن الفرض في الرجلين المسح وبين قولهم يرى الغسل. ومنها: أن الرؤوس إذا كانت ممسوحة المسح الذي لا يدخل في معنى الغسل

1) ظ: أنه.

[ 171 ]

بلا خلاف بين الأمة عطفت الأرجل عليها، فواجب أن يكون حكمها مثل حكم الرؤوس وكيفيته، لأن من فرق بينهما مع العطف في كيفية المسح، كمن فرق بينهما في نفس المسح، وحكم العطف يمنع من الأمرين. ألا ترى أن القائل إذا قال قوم زيدا " وعمرا "، وأراد بلفظ القوم التأديب والتثقيف، لم يجز أن يريد بالمعطوف عليه إلا هذا المعنى، ولا يجوز أن يحمل قوم في عمرو على الصفة دون التثقيف، وهو معطوف على ما قاله غير هذا الحكم. ومنها: أن المسح لو كان غسلا أو الغسل مسحا "، لسقط أن لا يزال مخالفونا يستدلون ويفزعون إليه من روايتهم عنه عليه السلام أنه توضأ وغسل رجليه، كأنه كان لا ينكر أن يكون الغسل المذكور إنما هو مسح، فصار تأويلهم للآية على هذا يبطل أصل مذهبهم في غسل الرجلين. فأما ما حكاه عن أبي زيد فهو خطأ بما بيناه وأوضحناه والخطأ يجوز عليه. فأما استشهاد أبي زيد بقولهم (تمسحت للصلاة) فقد روي عنه أنه استشهد بذلك، فالأمر بخلاف ما ظنه فيه، لأن أهل اللسان لما أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ مختصر، ولم يجز أن يقولوا: (اغتسلت للصلاة) لأن في الطهارة ما ليس بغسل، واستطالوا أن يقولوا: اغتسلت وتمسحت، قالوا بدلا من ذلك تمسحت للصلاة، لأن الغسل ابتداؤه المسح في الأكثر، ثم يزيد عليه فيصير غسلا، فرجحوا لهذا المعنى تمسحت على اغتسلت، فإنه كان ذلك منهم تجوزا " وتوسعا ". وأما الآية التي ذكرها، فإنها لم يحسن أن يذكر كيفية الاستدلال بها، على أن المسح قد يكون غسلا وجودته على وجه آخر لا طائل له فيه، وأي فائدة له في أن ضرب العلاوة يسمى مسحا " أو. في أن المسح غسل.

[ 172 ]

والذي عن أبي زيد من الاحتجاج بالآية على غير الوجه الذي ظنه، لأن أبا زيد يحكى عنه أنه حمل قوله تعالى (فطفق مسحا " بالسوق والأعناق) أنه غسل أسوقها وأعناقها بالماء، وقد أوردنا هذه الشبهة عن أبي زيد. قلنا: إن أكثر المفسرين قالوا: إن المراد غير غسل الأعناق والأسواق. بل قال أكثرهم: إنه أراد مسح يده على أعناقها وأسوقها، كما يفعل الانسان ذلك فيما يستحسنه من فرش وثوب وغير ذلك، وقال قوم: إنه أراد ضرب أعناقها وسوقها بالسيف، وقال قوم: إنه أراد غسل سوقها وأعناقها. وحمل الآية على ما هو حقيقة من غير توسع ولا تجوز أولى. وأما التعلق في أن الأرجل مغسولة بالتحديد إلى الكعبين، وإجراؤها مجرى الأيدي في الغسل لأجل التحديد، فهو شئ يتعلق به قديما " الفقهاء وهو ضعيف جدا "، وذلك أن عطف الأرجل في حكم المسح على الرؤوس، لأنه يجب أن يكون ضعيفا " من حيث كانت الأرجل محدودة إلى غاية، والرؤوس ليس كذلك ولا يجب أن يعطف على الأيدي لأنها محدودة، وذلك أن الأيدي بغير شك معطوفة على الوجوه، لها مثل حكمها من الغسل، وإلا جاز أن يعطف محدود من الأرجل على غير محدود من الرؤوس. والذي نقوله أشبه بتقابل الكلام وترتيبه، لأن الآية تضمنت ذكر عضو مغسول غير محدود ثم عطف عليه من الأيدي عضوا " مغسولا محدودا "، فالمقابلة تقتضي إذا ذكر عضوا " ممسوحا " غير محدود أن يعطف عليه بعض ممسوح محدود بأن يعطف محدودا " من أرجل على غير محدود من الرؤوس، لتتقابل الجملتان الأولى والأخرى، وهذا واضح جدا ". فأما الكلام الذي طول بإيراده من تسمية الشئ بما يقارنه فهو إذا صح

[ 173 ]

وسلم من كل قدح توسع من القوم وتجوز وتعد للحقيقة بغير شبهة. وليس لنا أن نحمل ظاهر كتاب الله على المجاز والاتساع من غير ضرورة، وقد رضي القائلون بالمسح أن يكون حكم من أوجب بالآية غسل الرجلين حكم من قال: ما سمعت رائحة أطيب من كذا، وحكم من قال: إنها توجب المسح حكم القائل: ما شممت رائحة أطيب من كذا، فما يزيدون زيادة على ذلك. على أن الذي حكاه عن الأخفش من قولهم (ما سمعت رائحة أطيب من هذه) الأولى أن يكون المراد به ما سمعت خبر رائحة أطيب من كذا وحذف اختصارا ". فهذا أحسن وأليق من أن يضع سمعت وقولهم (ما رأيت أطيب من كذا) حمله على الرؤية التي هي العلم، لأن [ حمل ] لفظ الرؤية على معنى مشترك أولى من حمله على ما سمعت، لأن الحمل على ما ذكرناه يفسد حقائق هذه الألفاظ، ويقتضي خلط بعضها ببعض. وهذه جملة كافية فيما قصدنا، والحمد لله رب العالمين.

[ 175 ]

(35) مسألة في الحسن والقبح العقلي

[ 177 ]

بسم الله الرحمن الرحيم إن سأل سائل فقال: ألستم تزعمون أن ما كان في عقولنا حسنا " فهو عند الله حسن؟ وما كان قبيحا " فهو عند الله تعالى كذلك؟ ولا يجوز أن يكون حسن شئ هو عنده يفيده ولا قبح أمر هو عنده بخلافه. قلنا: الأمر كذلك. فإن قال: أليس الله تعالى قد قال (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) (1) وقال (النفس بالنفس) (2) وقد أمر أن يقتل غلام زكي لم يجب عليه أن يقتل وقصته في سورة الكهف (3)، وذلك الفعل في الظاهر كان عند موسى فظيعا " قبيحا " وعند الله حسنا ".

1) سورة الأنعام: 151.
2) سورة المائدة: 45. 3) سورة الكهف: 74.

[ 178 ]

فيقال له: لما تضمن قتل هذه النفس أمرين حسنتين ومصلحتين عظيمتين، تناسب كل واحد من أبوي الغلام على الإيمان، وبعدهما من الكفر والطغيان حسن قتله. فيقول هذا السائل: وإن كان الأمر كذلك فليس ذلك بمدخل للغلام في وجوب قتله، ولا كفر أبويه يلزمه ذنبا "، وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (1) وقال (ومن كفر فعليه كفره) (2). ألا ترون هذا الغلام إذا قال يوم القيامة: بأي ذنب قتلت، لم يكن ذلك ذنبا " قد اكتسبه، وقد كان الله قادرا " على إماتة هذا الغلام، ليكون الغلام بما قضى عليه من منيته داخلا فيما حتمه من الموت على دينه، ويصير الموت لنفسه مرهقا "، ولا يكون بقاؤه بالكفر لأبويه مرهقا "، وليس له بالإماتة أن يقول يوم القيامة رب لم أمتني، وله أن يقول: إني لم قتلت ولا ذنب لي. ويجئ من هذا أن للسلطان إذا علم أن في قتل من لم يجب قتله مصلحة، لا بل مصالح كثيرة أن يقتله، وإذا علم أيضا " أن مع الانسان ما لا يرهقه الطغيان والاستعلاء على ما هو دونه، والاستذلال للناس أن يأخذ ماله، لما في ذلك من المصلحة، وليس الأمر كذلك. فدل هذا على أن الله تعالى فاعل ما يشاء وأراد، وليس لأحد أن يقول: لم لا؟ وكيف؟، ولا يعارض ولا يعجب، قال الله تعالى (حتى إذا ركبا في السفينة خرقها) (3) وقال (حتى إذا لقيا غلاما " فقتله) (4) وقال (حتى إذا أتيا أهل قرية

1) سورة فاطر: 18.
2) سورة الروم: 44.
3) سورة الكهف: 71.
4) سورة الكهف: 74.

[ 179 ]

استطعما أهلها) (1) فعطف القتل على لقاء الغلام بالفاء، ولم يدخل في خرق السفينة على الركوب حرف عطف، ولا في الاستطعام على إتيان أهل القرية عطفا "، لأي معنى دخلت الفاء في موضع دون موضع؟ فلا بد لذلك في معنى يخصه. الجواب: إن العلم بحسن الحسن وقبح القبح لا يختلف بالاضافة إلى العالمين، ولا فرق في هذا العلم بين القديم تعالى والمحدث. فأما موسى عليه السلام فإنما استقبح على البديهة قتل الغلام، لأنه لم يعرف الوجه الذي هو عليه حسن قتله وقبح تبقيته، ولو علم ذلك لعلم حسن القتل وقبح التبقية. وإنما وجب قتل الغلام، لأن في تبقيته على ما ذكر الله تعالى في القرآن مفسدة من حيث علم الله تعالى أنه يدعو أبويه إلى الكفر فيجيبان له، والمفسدة وجه قبيح، وليس كل وجوه وجوب القتل لاستحقاق بجناية تقدمت، بل المفسدة وجه من وجوه القبح. وإذا علم الله تعالى أن في التبقية مفسدة وجب القتل. فأما ما مضى في السؤال من أنه تعالى كان قادرا " على إزالة الحياة بالموت من غير ألم، فتزول التبقية التي هي المفسدة من غير إدخال إيلام عليه بالقتل. فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن يكون الله تعالى علم أن أبويه لا يثبتان على الإيمان ويعدلان عن الكفر، إلا بأن يقتل هذا الغلام، فيكون هذا وجه وجوب القتل خاصة دون غيره. والوجه الآخر: إن التبقية إذا كانت هي المفسدة، والله تعالى مخير في

1) سورة الكهف: 77.

[ 180 ]

إزالتها باتضاد الحياة بالموت من غير المراد بالقتل أيضا "، لأن القتل وإن كان فيه ألم يلحق المقتول، فبأزاء ذلك الألم أعواض عظيمة يوازي الانتفاع بها المضرة بالقتل، ويزيد عليه أضعاف مضاعفة، فيصير القتل بالأعواض المستحقة عليه، كأنه ليس بألم بل هو نفع وإحسان، ويجري ذلك مجرى من علم الله تعالى أنه يؤمن أن فعل به ألما "، كما يؤمن إذا فعل به ما ليس بألم. فالمذهب الصحيح أنه تعالى مخير في استصلاح هذا المكلف، وفعل ما هو لطف له في الإيمان، بين فعل الآلام وفعل ما ليس بألم، وإن كان قد ذهب قوم إلى أنه تعالى والحال هذه لا يفعل به إلا ما ليس بألم، وأخطأوا. وقد بينا الكلام في هذه المسألة واستقصيناه في مواضع من كتبنا. فأما إلزامنا أن يكون السلطان متى علم أن في قتل بعض الناس مصلحة أن يقتله، وكذلك في أخذ المال. فغير لازم، لأن أحدا " منا لا يجوز أن يعلم قطعا " المصلحة والمفسدة وإنما يظن ذلك والله تعالى يعلمه. ثم إن الله تعالى إذا قتل من ذكرنا حاله أو يأمر بقتله، لضمن إيصاله إلى الأعواض الزائدة النفع على ما دخل عليه من ضرر القتل، لأنه عالم بذلك وقادر على إيصاله. وأحدنا لا يعلم ذلك ولا يقدر أيضا " على إيصاله، فصادفت حالنا في هذه المسألة حال القديم تعالى. وأما دخول الفاء في قوله تعالى (حتى إذا لقيا غلاما " فقتله) وسقوطها من قوله تعالى (حتى إذا ركبا في السفينة خرقها) ومن قوله (حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها) فقد قيل: إن الوجه فيه أن اللقاء لما كان سببا " للقتل أدخلت الفاء إشعارا " بذلك، ولما لم يكن في السفينة الركوب سببا " للخرق ولا إتيان القرية سببا " للاستطعام لم يدخل الفاء، وهذا وجه صحيح.

[ 181 ]

(36) مسألة في المسح على الخفين

[ 183 ]

مسألة وردت من خراسان [ في المسح على الخفين ] الشيعة الإمامية تنكر المسح على الخفين، وخالف فقهاء العامة في ذلك فأجازوا المسح عليهما، أو فرقوا بين رخصة المقيم فيه والمسافر، إلا ما روي عن مالك، فإنه كان يبطل التوقيت في مسح الخفين، فلا يضرب له غاية. وقد حكى بعض أصحابه عنه أنه كان يضعف المسح على الخفين على الجملة. الجواب: والذي يدل على صحة مذهبنا في بطلان المسح على الخفين قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (1) فأمر بغسل ومسح أعضاء

1) سورة المائدة: 6.

[ 184 ]

مخصوصة بأسماء لها مخصوصة. وقد علمنا أن الخف غير متطهر ولا فمثل (1) الحكم الآية تدل على مسح الرجل والخف لا يستحق هذه التسمية. فإن قيل: قد تسمى الخف رجلا في بعض المواضع، لأنهم يقولون وطأته برجلي وإن كان فيه خف. قلنا: هذا مجاز والمجاز لا يقاس عليه، ولا يترك ظاهر الكتاب له، والكلام محمول على حقيقته وظاهره، إلا إذا دل دليل على العدول عن الظاهر، ولا نعرف هاهنا دليلا غير الظاهر يعدل إليه فيعد (2). فيجوز أن يريدوا بقولهم (وطأته برجلي) أي اعتمدت بها اعتمادا " أفضى ذلك إلى ذلك الجسم الذي قيل إنه موطوء، والاعتماد بالرجل التي عليها خف إنما يبتدأ من الرجل في الحقيقة، ثم ينتهي إلى الخف إلى ما جاوره وماسه. فإن قيل: فمن أين لكم وجه الآية إلى كل محدث، وما ينكرون أن يكون خاصة في غير لابس الخف خارجا " عنه. قلنا: قد أجمع المسلمون على أن آية الطهارة متوجهة إلى كل محدث يجد الماء، ولا يتعذر عليه استعماله. ولا فرق في ذلك بين لابس الخف وغيره، على أن من جعلها خاصة لا بدله من ترك الظاهر، لأنه تعالى قال (يا أيها الذين آمنوا) فعم بخطابه جميع المؤمنين، ولابسوا الخفاف من المحدثين يتناولهم هذا

1) كذا في النسخة.
2) كذا في النسخة.

[ 185 ]

الاسم. ويدل على ذلك أيضا " أن النبي صلى الله عليه وآله توضأ مرة مرة وطهر رجليه، أما (1) بالمسح على روايتهم، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به. وقد علمنا أن المسح على الخفين يخالف ذلك الوضوء الذي بينه النبي صلى الله عليه وآله وقال: إنه لا يقبل الصلاة إلا به. فكذلك ماسح الخف، لأن النبي صلى الله عليه وآله أشار إلى وضوء بالماء له كيفية وقع في أعضاء مخصوصة بين أن الصلاة لا تقبل إلا بها. فالظاهر من كلامه أن كل ما يسمى وضوءا " متى لم يجعل على تلك الصفة والكيفية، فالصلاة به غير مقبولة، والتيمم ليس بوضوء، ولا خلاف أن وضوء الماسح على خفيه كوضوء غاسل رجليه أو ماسحهما في أن العموم يتناوله. ويدل أيضا " على إنكار المسح على الخفين إجماع الإمامية، وهي عندنا الفرقة المحقة التي في جملتها الإمام المعصوم وقولها حجة لا يجوز العدول عنه.

1) كذا والظاهر زيادة (أما).

[ 187 ]

(37) مسألة في خلق الأفعال

[ 189 ]

بسم الله الرحمن الرحيم إعلم أن الأفعال التي تظهر في أجسام العباد على ضربين: أحدهما: أجمع المسلمون على أنه فعل الله تعالى لا صفة للعبد فيه، مثل ألواننا وهيأتنا وطولنا وقصرنا وسمننا وهزالنا وحركة عروقنا. والضرب الآخر: مثل قيامنا وقعودنا وحركتنا وسكوننا وأكلنا وشربنا وما أشبه ذلك من تصرفنا. واختلف الناس في ذلك: فقال أهل الحق: كل هذا التصرف فعل العباد انفردوا به لا صنع لله تعالى فيه وإن كان هو المقدور لهم (1) عليه. وقالت المجبرة: هذا الضرب أيضا " من فعل الله تعالى، وذهبوا إلى أن جميع الأفعال التي تظهر في العالم الله تعالى أوجدها وفعلها ولا فاعل سواه،

1) ظ: مقدرهم.

[ 190 ]

وأنه لا فعل للعبد من طاعة ولا معصية ولا خير ولا شر. والذي يدل على أن العباد يفعلون ويوجدون بخلافه (1) ما ذهب إليه المجبرة أنا وجدنا من الأفعال الظاهرة فيها ما يصح بحسب تصورهم ودواعيهم وأحوالهم ويرتفع بحسب صوارفهم وكراهتهم وأحوالهم. ألا ترى أن أحدنا [ إذا ] قصد إلى الأكل وأراد وعزم عليه، وقع منه إذا كان صحيحا " غير ممنوع. وقد يقصد غيره إلى الأكل، فلا يجب أن يأكل هو وكذلك متى جاع واحتاج إلى الطعام وحضر الطعام، أكل إذا كان على ذلك قادرا " غير ممنوع. ولا يجب أن يأكل هو متى جاع غيره، فلولا أنه محدث الأكل وموجده ما تعلق بقصده وداعيه وحاجته، ويجري مجرى أكل غيره، لما لم يكن فاعلا له لم يقصد تصوره وحاجاته. ولولا أن هذه الأفعال التي أشير إليها أفعالنا، لم يجب أن يقع بحسب حاجاتنا وأحوالنا ويقف على دواعينا، كما لم يجب ذلك في ألواننا وهيأتنا وحركة عروقنا. ألا ترى أن أحدنا [ يريد أن يكون على هيئة، فيجب على خلافها و ] (2) يريد أن يكون على هيئة، فيجد نفسه على خلافها. ويريد أن يكون طويلا وهو قصير وشابا " وهو شيخ، وصحيحا " وهو مريض. فلو كان القيام والقعود مثل الطول والهرم والصحة والمرض، لكانت أحكام الجميع واحدة في الحصول بحسب دواعينا [ أو خلاف ذلك ] (3) فلما اختلف حكم الجميع علمنا اختلاف حكمها في الاضافة إلينا.

1) ظ: بخلاف.
2) كذا في النسخة والظاهر أنه تكرار.
3) كذا والظاهر زيادة العبارة.

[ 191 ]

دليل آخر: ومما يدل أيضا " على ذلك أن الله تعالى قد أمر العباد بأفعال كثيرة، كالايمان والطاعة من الصلاة والصوم وسائر العبادات، فلولا أن هذه الأفعال لهم وواقعة من جهتهم وليست بأفعال الله تعالى، لما جاز أن يؤمروا بها. ألا ترى أنه لا يحسن أن يأمره بطوله وقصره ولا اسوداده ولا بياضه، لما لم يكن ذلك أيضا " فعلا له. والقول في دلالة النهي كالقول في دلالة الأمر، لأن الله تعالى قد نهاهم عن المعاصي والكفر وضروب القبائح، ولا يجوز أن ينهاهم عن فعله تعالى وعما ليس بفعل لهم. دليل آخر: ويدل أيضا " على ذلك، أنا وجدنا العباد يحمدون ببعض الأفعال التي يظهر منهم، ويذمون ببعض آخر. ألا ترى أنهم يمدحون بفعل الطاعات وأداء الواجبات، يمدحون على الاحسان والأنعام والافضال، ويذمون بالمعاصي والقبائح. فلولا أن ذلك من أفعالهم لما توجه إليهم مدح ولا ذم، كما لا يحسن أن يمدحوا ويذموا بألوانهم وهيآتهم وخلقهم، ولا على ما يقع من غيرهم من الأفعال. دليل آخر: ويدل على بطلان قول المجبرة في إضافتهم جميع الأفعال إلى الله تعالى، أن أفعال العباد ما هو كفر وظلم وقبيح وكذب، فلو كان الله تعالى هو الفاعل لذلك، لوجب أن يكون من حيث فعل الظلم ظالما "، وبفعل الكفر كاذبا " (1)، وبفعل القبيح مقبحا ". لأن اللغة تقتضي هذا الاشتقاق للفاعل. ألا ترى أنه تعالى من حيث فعل العدل يسمى عادلا، وبفعل الاحسان والأنعام يستحق محسنا " أو منعما ". ولا وجه لتسميته بأنه منعم وعادل إلا أنه فعل هذه الأفعال

1) ظ: كافرا ".

[ 192 ]

فلو كان فاعلا لما سواها لاشتق له منها اسم الفاعل على ما ذكرناه. واجتمعت الأمة على أنه تعالى لا يستحق الوصف بأنه ظالم ولا كاذب ولا كافر، [ و ] أن من وصفه بذلك وسماه به كان خارجا " عن الدين وإجماع المسلمين حجة أن ينفي كونه فاعلا لما يوجب هذا الاشتقاق ويقتضيه. دليل آخر: ومما يدل أيضا " على ذلك وإن كان معناه داخلا فيما تقدم أن الأمة مجمعة على أن الله تعالى يثيب المؤمنين ويعاقب الكافرين، فلولا أن الإيمان والكفر من فعل المؤمن والكافر، لم يحسن الثواب ولا القبيح، لأنه قبيح أن يثاب أو يعاقب أحد. ألا ترى أن أحدنا لو فعل في عبده فعلا من الأفعال، لما حسن أن يعاقبه عليه ويؤاخذه به، ومن فعل ذلك عد ظالما " سفيها ". دليل آخر: ويدل على ذلك أنه تعالى لو فعل الظلم والكذب وسائر القبائح، لم يكن ذلك منه قبيحا " على ما يقوله مخالفونا، لأنه لا نأمن أن يقع منه تصديق الكذابين، وإن (1) لم يكن ذلك منه قبيحا "، لأنه لا نأمن أن يفعل بعض القبائح، لما لم نأمن أن يفعل سائرها. وإذا أجزنا منه تعالى البعض، جاز الكل، وهذا يبطل الثقة بصدق الأنبياء عليهم السلام ويقتضي الشك في جميع الشرائع والخروج من دين الاسلام، بل من سائر الأديان. دليل آخر: ويدل على ما ذكرنا أن القول بأن الله تعالى هو الفاعل للأفعال الظاهرة من العباد، يقتضي أنه لا نعمة له تعالى على الكافر، وإذا لم تكن له عليه نعمة، لم تجب عبادته على الكافر، لأن العبادة كيفية في الشكر فإنما يجب بالنعم العظيمة، ومن لا نعمة له فلا شكر يستحقه ولا عبادة.

1) الظاهر زيادة (و).

[ 193 ]

وإنما قلنا أنه لا نعمة له على الكافر، لأنه خلق على مذاهبهم فيه الكفر الذي يستحق به الخلود في النار والعقاب الدائم، فهو بأن يكون مسيئا " إليه أولى من أن يكون منعما " عليه. وليس لهم أن يقولوا أن له عليه نعمة دنياوية، كخلق الحياة فيه والشهوات المؤدية إلى ضروب اللذات والمنافع العاجلة، وذلك أن خلق الحياة والشهوة إذا كان الغرض الاستدراج إلى الكفر لم يكن نعمة، وإنما يكون نعمة إذا كان الغرض فيه النفع، ويجري مجرى من سمن عنزة وغذاه بضروب الأطعمة الملذة ليأكله في أنه لا يكون منعما " عليه بذلك وأن النفع به في العاجل. وأيضا " فلو سلم أن ذلك نفع لما عادل ولا قارب الاستقراء والعقاب والخلود في النيران المضرمة، فلا يستحق عليه شئ من الشكر والحال هذه، ويكون وجوده كعدمه، ويجري مجرى من نقص ثوابا " عن ثواب غيره وابتسم في وجهه، ثم قرن ذلك بقتل أولاده وأحبائه وأخذ أمواله وانتهاك حرمه، في أنه لا يستحق منه شكرا ". وإذا تأملنا القرآن وجدنا أكثره دالا على أن العباد يفعلون ويعملون، وأنهم إنما يجازون بثواب أو عقاب على أفعالهم، لا على أفعال غيرهم فيهم، فيقول تعالى (جزاءا " بما كانوا يعملون) (1) وفي مواضع أخر (يصنعون) (2) و (يفعلون) (3) و (يكسبون) (4)، فلو كانت الأفعال كلها له بطلت هذه الاضافات إلينا وكانت كذبا ".

1) سورة الواقعة: 24.
2) سورة المائدة: 14 وغيرها.
3) سورة المائدة: 79 وغيرها.
4) سورة البقرة: 79 وغيرها.

[ 194 ]

ويدل أيضا " على ما ذكرناه قوله تعالى (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (1) وهذا صريح بأن السيئة منا لا منه. وليس لهم أن يقولوا في الحسنات والطاعات، وهي عندكم فعل العباد، فكيف أضافها الله تعالى إلى نفسه. لأن الطاعة وإن كانت من فعلنا، فقد يصح أن يضيفها الله من حيث التمكين فيها والتعريض لها والدعاء إليها فيها، وهذه أمور تحسن هذه الاضافة. ولا يجوز ذلك في السيئة، لأنه تعالى نهى عنها ومنع من فعلها وفعل كل شئ يصرف (2) عن فعلها فأما قوله تعالى (وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله) (3) فلا يعارض ما ذكرناه، لأن المراد بالسيئة هاهنا الأمراض والمصائب والقحط، لأن قريشا " كانت إذا نزل بها خصب وخفض قالوا: هذا من عند الله، وإذا نزل بهم شدة ومجاعة قالوا: هذا شؤم محمد حاشا له من ذلك فبين تعالى أن ذلك كله من الله تعالى. وقوله تعالى (وإن منهم لفريقا " يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) (4) ولو كان من خلق الله لكان من عنده على آكد الوجوه. وقوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (5) يدل على صحة ما نذهب إليه من وجهين.

1) سورة النساء: 79.
2) ظ: يوجب فعلها.
3) سورة النساء: 78.
4) سورة آل عمران: 78.
5) سورة الذاريات: 56.

[ 195 ]

أحدهما: إنه تعالى أضاف العبادة إليهم، فلو كانت مخلوقة فيهم لأضافها إليه تعالى لا إليهم. ومن الوجه الآخر: أن هذا القول يقتضي أن غرضه في خلقهم أن يعبدوه، لأن اللام في قوله تعالى (ليعبدون) هي لام الغرض، بدلالة قولهم (جئتك لتكرمني وقصدتك لتنفعني) أي غرضي في قصدك الاكرام والنفع. وليس يجري هذا الكلام مجرى قوله (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا " من الجن والإنس) (1) لأن تلك اللام لام عاقبة، وجارية مجرى قوله تعالى (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا " وحزنا ") (2) ونحن نعلم أنهم إنما التقطوه ليكون لهم صديقا " سئا (3)، وأخبر أن العاقبة لما كانت هي العداوة أدخلت هذه اللام فيه، ويجري ذلك مجرى قول الشاعر: فللموت تغذو الوالدات سخالها كما لخراب الدهر تبنى المساكن وقوله: لدوا للموت وابنوا للخراب ولا يجوز أن يكون اللام في قوله (ليعبدون) لام عاقبة لا لام غرض، لأنه لو كانت كذلك لكانت العبادة شاملة للجن والإنس وواقعة من جميعهم، إذ كانت اللام منبئة عن عاقبتهم، ومعلوم أن في الجن والإنس كثيرا " من لا يعبد الله ويجحده ولم يقربه، فعلمنا أنه لام غرض. فإن قالوا: كيف يجوز أن يقع من العباد ما لم يقضه الله تعالى والمسلمون

1) سورة الأعراف: 179.
2) سورة القصص: 8.
3) ظ: أنيسا ".

[ 196 ]

يأبون ذلك ويطلقون أنه لا يخرج من قضاء الله شئ قلنا: القضاء في لغة العربية على وجوه: أحدها: أن يكون بمعنى الاعلام العلم، كقوله تعالى (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا " كبيرا " (1) وإنما أراد الله تعالى الاعلام بغير شبهة. فعلى هذا الوجه لا يخرج شئ من قضاء الله، كما لا يخرج من معلومه، وأنت إذا وصفت على من أطلق من أهل الحمد والسلامة لم يقسر (2) إلا بالعلم دون غيره. وقد يكون القضاء بمعنى الأمر، قال الله تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) (3) ومعلوم عند جميع المسلمين أن المعاصي والكفر ليسا مما أمر الله تعالى، بل نهى عنه وحذر وزجر. وأحد من المسلمين لا يقول إن الله تعالى أمر بالمعاصي والقبائح. ولا شبهة في أن الله تعالى ما قضى بجميع الكائنات على هذا الوجه، لأنه تعالى ما أمر بجميعها. ومن وجوه القضاء الحكم والالزام، من قولهم (قضى بكذا وكذا) إذا ألزمه، ومعلوم أن الله تعالى ما حكم بالظلم ولا ألزمه. وهذا الوجه غير عام من وجوه القضا (4) هو العلم. فإن قيل: كيف يجوز أن يكون العبد فاعلا والله فاعل، وهذا يقتضي الشركة. قلنا: العبد وإن كان فاعلا، فبأقدار الله تعالى على الأفعال وتمكينه منه،

1) سورة الاسراء: 4.
2) ظ: لم يفسر، وبعده بياض في النسخة.
3) سورة الاسراء: 23.
4) في الهامش: وبرة القضاة.

[ 197 ]

وفعله تعالى فيه القدرة والآلات وجميع ما يحتاج إليه في الأفعال، والله تعالى قادر على أفعاله بنفسه من غير مقدور (1) ولا ممكن بلا تشابه، ولو وجب بهذا القدر التشابه، لوجب إذا كان أحدنا موجودا " وحيا " وعالما "، وكان الله تعالى بهذه الصفات أن يكون متشبها " ونظيرا ". تعالى الله عن ذلك. وإذا فرقوا بين الأمرين بما يرجع إلى كيفية استحقاق أحدنا لهذه الصفات وأنه يخالف كيفية استحقاقه تعالى لها، رجعنا إلى مثل ذلك في كون أحدنا صرفا رقته (2) لكونه تعالى. وهذه جملة كافية إنشاء الله، والحمد لله رب العالمين.

1) ظ: مقدر.
2) كذا.

[ 199 ]

(38) مسألة في الإجماع

[ 201 ]

بسم الله الرحمن الرحيم إن قال قائل: إذا كنت تعتمدون في حال الأحكام الشرعية جمهورها بأنه الصحيح وما عداه باطل على إجماع الشيعة الإمامية الذين تدعون أنه لا يكون إلا حقا "، من حيث كان قول الإمام المعصوم من جملته، فلا بد لكم من أن تقطعوا على أنه ما في بر وبحر وسهل وجبل من يقول بخلافه، لأنكم متى جوزتم أن يكون في الإمامية من يخالف في ذلك ولو كان واحدا "، جاز أن يكون هو الإمام فلا تحصل الثقة بذلك القول الشائع الذائع، لتجويز أن يكون قول من هو الحجة في الحقيقة خارجا " عنه. وإذا كنتم إنما تعتمدون في العلم بالغائبات عن إدراكهم (1) من الأمور على النقل، وتقولون: إنه لو كان لعالم من علماء الإمامية مذهب في الشريعة بخلاف

1) ظ: إدراككم.

[ 202 ]

ما عرفناه وسطرناه لذكر ونقل، فإذا فقدنا النقل والعلم علمنا نفي ذلك، وهذا إنما يتميز في الأمر الذي إذا كان وجب ظهوره وجب نقله، لأن أحدا " من العلماء لا يقول في كل شئ وقع أنه لا بد من العلم به ونقله، وإنما يقال ذلك في أشياء مخصوصة. ويلزم على هذا أن يقال لكم: جوزوا فيما ادعيتم إنه إجماع الإمامية؟ أن يكون في أقاصي الصين واحد في الإمامية يخالف في ذلك، وإن لم ينقل إلينا في الأخبار. ومع تجويز ذلك سقط التعويل على إجماع الإمامية، والقطع على أنه ليس بحجة، لأنه يجوز أن يكون ذلك الذي جوزنا قوله بخلاف أقوال الإمامية هو الإمام نفسه، فلم يثق بمن عداه. الجواب: أنا قد بينا في جواب مسائل ابن التبان ما إذا تأمل كان فيه جواب عن هذه الشبهة، واستوفينا بيان الطريق إلى القطع على ثبوت إجماع الإمامية، وأن قول إمامهم في جملة أقوالهم، وانتهينا في ذلك إلى غاية لا مزيد عليها، غير أنا نقول هاهنا: ليس يخلو السائل عن هذه المسألة من أن يكون بكلامه هذا طاعنا " في إجماع المسلمين وغيرهم، وشاكا " في كل ما يدعى من اتفاق شئ، فإن كان الأول فالطعن الذي أورده لازم فيما عداه. لأن لقائل أن يقول: كيف تقطع في بعض المسائل أن المسلمين أجمعوا فيها على قول واحد وأجمعوا على أحد قولين لا ثالث لهما، مع التجويز لأن

[ 203 ]

يكون ببلاد الصين من يخالف في ذلك وأخباره غير متصلة. وكذلك القول فيما يدعى من إجماع أهل العراق وأهل الحجاز على مسألة، لأن هذا الطعن يؤثر في ذلك كله ويقتضي في جميعه، ويوجب أيضا " أن لا يقطع على أن أهل العربية أجمعوا على شئ منها لهذه العلة، ولا نأمن أن يكون في أقاصي البلاد من يخالف في أن اعراب الفاعل الرفع والمفعول به النصب، وفي كل شئ ادعيناه إجماعا " لأهل العربية. وإن كان السائل شاكا " في والجميع وطاعنا " في كل إجماع، لكفى بهذا القول فحشا " وشناعة وبعدا " عن الحق ولحوق قائله بأهل الجهالات من السمنية ومنكري الأخبار، من حيث ظنوا أن الشك في مذهب رأية (1) على المعروف يجري مجرى الشك في تلك زائد على المقبول المشهور وخادمه عما نقل وسطر، وهذا لا يلزم، لأن القول الذي إذا كان لم يجب نقله إلينا. فكما لا نقطع على حوادث أقاصي الصين، ولا نعلم تفاصيل قولها وبلدانها وإنما نحكي عنهم إذا كان العلم بالغائبات كلها، وأن الإخبار لا يقضي علما " وبهم يقينا "، فلزمهم الشك في الحوادث الكبار والبلدان العظام وكل أمر يوجب العادة نقله وتواتر الأخبار به والقطع عليه. عن الشبهة عن هذا التجويز والتقدير، إن لنا معاشر الإمامية جوابا " يختص به، ولمن يدعي الإجماع من مخالفينا جوابا " عنه يخصهم، ونحن نبين الجميع. أما قول الإمامي الذي فرضنا أنه في أقاصي البلاد وبحيث لا يتصل بنا أخباره فليس يخلو هذا الإمامي من أن يكون هو إمام الزمان نفسه، أو يكون غيره. فإن كان غيره، فلا يضر فقد العلم بخلافه، لأن قول الإمام الذي هو الحجة فيما عداه من الأقوال.

1) كذا في النسخة.

[ 204 ]

وإن كان هو الإمام نفسه، فلا يجوز من الإمام وقوله الحجة في أحكام الشريعة أن يخلي سائر المكلفين من معرفة قوله، وأن يسلبهم الطريق إلى إصابة الحق الذي لا يوجد إلا في مذهبه، ويجب عليه إظهار قوله لكل مكلف حتى يتساوى من العلم به سماعا " وادراكا " ومنقولا من جهة الخبر كل من يلزمه ذلك الحكم ولهذا القول، متى علم الإمام أن شيئا " من الشرع قد انقطع نقله، وجب عليه أن يظهر لبيانه، ولا يسع له حينئذ التقية. ولا فرق بين أن يخفي قوله وهو الحجة عن كثير من أهل التكليف حتى لا يكون لهم إليه طريق، وبين أن يرتفع عن الجميع. فلا بد على هذا التقدير أن يوصل الإمام قوله في الحوادث كلها إلى كل مكلف، ولا يجوز أن يختص بذلك بعض المكلفين دون بعض. فقد برئنا من عهدة هذه الشبهة، وصح لنا القطع على إجماع الإمامية والاحتجاج به، ولم يضر أن يكون للإمامي قول يخالف ما نحن فيه، إذا فرضنا بعد مكانه وانقطاع الأخبار بيننا وبينه. فأما الجواب عن هذه الشبهة التي يختص بها مخالفونا في الإمامة، مع تعويلهم على الإجماع والاحتجاج به وحاجتهم إلى بيان طريق يوصل إليه، فهو أن يقولوا: قد علمنا على الجملة إن الإجماع حجة في الشريعة، وأمرنا الله تعالى في كتابه وسنة نبيه عليه السلام بأن نعول عليه ونحتج به ونرجع إليه. فكل طعن قدح في العلم به وشك في اساره (كذا)، (1) لا يجب الالتفات إليه، لأن الله تعالى لا يوجب علينا الاجتماع بما لا طريق إليه والتعويل على ما لا يصح إقراره وثبوته فإن كان قول القائل، لم يجب إيصاله بنا ولا نقله إلينا، إما لبعد مسافة، أو

1) كذا في النسخة.

[ 205 ]

لغير ذلك، فهو خارج عن الأقوال المعتبرة في الإجماع. وإنما تعبدنا في الإجماع بما يصح أن نعلمه ولنا طريق إليه، وما خرج عن ذلك وما عداه فلا حكم له ووجوده كعدمه، فنحن بين إحالة القول يخالف ما عرفناه ورويناه واستقر وظهر، وبين إجازة لذلك لا يضر في الاحتجاج بالاجماع إذا كان التعويل فيه إنما هو على ما إلى العلم به طريق وعليه دليل، دون ما ليس هذه سبيله.

[ 207 ]

(39) مسألة في علة خذلان أهل البيت عليهم السلام وعدم نصرتهم

[ 209 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال الأجل المرتضى علم الهدى ذو المجدين (رضي الله عنه): إن سأل سائل فقال: إذا كنتم تزعمون أن عليا " والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين عليهم السلام صفوة الله بعد نبيه وحجته على خلقه وأمينا " على دينه، فلم تمكن من قتلهم وظلمهم وأسلمهم وخذلهم، ولا ينصرهم على أعدائهم، حتى قتلوا بأنواع القتل؟ وظلموا بأفانين الظلم؟ قيل له: هذا سؤال الملحدة في نفي الربوبية وقبح العبادة، وسؤال البراهمة في نفي النبوة وإبطال الرسالة. أما الملحدة فتقول: لو كان للعالم خالق خلقه ومحدث أحدثه وابتدعه، لم يمكن من جحده ومن عصاه ممن أطاعه ولمنعهم من قتلهم ولنصرهم ولم يسلمهم، فإذا رأينا من يستمسك بطاعته والاقرار بربوبيته، مخذولا ولا غير

[ 210 ]

منظور، وذليلا غير عزيز، ومظلوما " مستظاما "، ومقتولا مستهانا "، علمنا أنه لا خالق لهم يمنع منهم، ولا محدث يدفع عنهم. وأما البراهمة فتقول مثل ذلك في الأنبياء عليهم السلام. قيل: وما بالهم من أمرهم وجد بهم من أعدائهم حرفا " بحرف، ومن كان ملحدا " أو برهميا " فلا يسأل عن الأئمة وخلفاء والأنبياء فالرسل دون الأنبياء والرسل وسائر المؤمنين لأن الكل عنده فيما يلحقهم وينزل بهم سواء، فإن زعم هذا السائل أن يكون ملحدا " أو برهميا " فلا يسأل الشيعة دون غيرهم من المقرين بالربوبية المثبتين للنبوة والرسالة ولا يخص الأئمة دون الأنبياء والرسل والمؤمنين لم يلزمه جواب الشيعة دون غيرهم ممن أقر بالربوبية وأثبت النبوة والرسالة ولم يكن لتخصيصه السؤال على الأئمة وجه ولا فائدة. وإن تبرأ من الملحدة وانتفى من البراهمة وأقر بالربوبية وصدق بالنبوة والرسالة، قيل له: فخبرنا عن أنبيائه ورسله وأتباعهم من المؤمنين، لما مكن الله تعالى من قتلهم وظلمهم، ولما خذلهم، ولم ينصرهم حتى قتلوا وظلموا. فإن أجاب إلى الاقرار بذلك والتصريح بأن الله تعالى مكن أعداءه من الكفار والمشركين من قتل أنبيائه ورسله وأهاليهم، ولم ينصرهم بل نصر أعداءهم عليهم. فارق بهذا الاقرار والتصريح ظاهر كتاب الله تعالى، إذ يقول: (أنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا) (1). وفارق إجماع الأمة، بل كل من أقر بالنبوة [ لا ] يقدم على القول بأن الله

1) سورة غافر: 51.

[ 211 ]

تعالى خذل أنبياءه ونصر أعداءه، بل الكل قائل بأن الله تعالى ناصر بأنبيائه وأوليائه ومانع عنهم وخاذل لعدوهم. وإن امتنع الاقرار بذلك والتصريح به وقال: إنهم مع قتلهم والظلم لهم منصورون مؤيدون. قيل لهم: أفليس قد ثبت بهذا الاقرار منك أن القتل والظلم لا يوجب القول بأن الله مكن من قتل أنبيائه، وأنه خذل رسله ولم ينصرهم، وإن قتلهم أعداؤهم وظلموهم. فإذا قال: نعم. قيل: فهلا سوغت مثل ذلك فيما جرى على الأئمة عليهم السلام من القتل والظلم، وأنه غير مبني عن التمكين منهم والخذلان لهم، وجعلت ما نالهم من القتل والظلم من أعدائهم كالذي نال الأنبياء والرسل من أعدائهم في أنه غير موجب للتمكين منهم والخذلان لهم. فإن قال: من ذكرتموه من الأنبياء والرسل لما قتلوا أو ظلموا أهلك الله قاتلهم واستأصل ظالمهم، فعلم بذلك أنه غير متمكن منه وخاذل لهم. قيل له: أول ما يسقط ما ذكرته أنه تعالى لم يهلك جميع من قتل الأنبياء، ولا استأصل كل من ظلمهم، بل الذي أهلك منهم قليل من كثير، لأنه لو أثر ذلك لكان ملجئا "، ولبطل التكليف الذي أوكد شروطه التخيير، وتردد الدواعي المنافي للالجاء. وأيضا " فإن الهلاك والاستيصال لمن أهلكه استأصله ليس يمنع من قتل الأنبياء عن قتلهم، ولا حيلولة بينهم وبين من ظلمهم، وكيف يكون الهلاك المتأخر عن القتل والظلم منعا " مما تقدم وجوده وحيلولة بينه وبينه، والمنع

[ 212 ]

والحيلولة من حقهما أن يستحيل (1) لمكانهما ووجود ما هما مانع وحيلولة منه. وبهذا الحكم ينفصل مما ليس بمنع ولا حيلولة، وإنما قدم لمن هو حل بالهلاك والاستيصال بعض ما يستحقه من العقاب على وجه يقتضيه المصلحة ولا ينافي التكليف، فأما أن يكون منعا " وحيلولة فلا، وجرى في ذلك مجرى الحدود من أنها تقدم بعض المستحق للمصلحة، والردع الذي يختلف بحسب المكلفين دواعيهم وصوارفهم. على أن هذا السائل يجب عليه أن يكف عن إطلاق ما ألزمناه فيمن عوجل قاتله وظالمه من الأنبياء والرسل والمؤمنين، ويصرح بهم فيما لم يعاجل قاتله وظالمه منهم، بأن الله تعالى خذله أو سلمه، ولا فرق بين الكل والبعض في ذلك، وأن التصريح به خروج عن الاسلام. على أن الله تعالى لم يستأصل من ظلم خير أنبيائه وأشرف رسله محمدا " صلى الله عليه وآله، فيجب أن يكون تعالى قد خذله ولم ينصره وأسلمه ولم يمنع منه، وإطلاق ذلك من أقبح الكفر وأعظم الفرية على الله جل اسمه. فبان بما ذكرناه أن ما سأل عنه غير متوجه إلى الشيعة ويختص بأعينهم، بل هو سؤال الملحدة والبراهمة لكل من أقر بالربوبية وصدق بالنبوة والرسالة وهذه عادة من خالفهم في استعارة ما يسأل عنه الملحدة ومن فارق الاسلام والملة إذا أرادوا سؤالهم. فإن قال قائل: فلم لم يعاجل بالعقاب من قتل أئمتكم وعترة نبيكم، كما عاجل من تقدم. قيل له: هذا أيضا " سؤال لا يتوجه إلى الشيعة دون من خالفهم من فرق الأمة،

1) في الهامش: يستحل.

[ 213 ]

لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قد ظلم بأنواع الظلم من إخافة وسب وحصر وقتل أقاربه، والتنكيل بعمه حمزة عليه السلام بعد القتل، وما تخصه في نفسه من إدماء جبينه وكسر رباعيته، إلى غير ذلك من الأمور التي جرت عليه وعلى أقاربه وأصحابه، ولم يعاجل أحد منهم بالعقاب. وقد عوجل عاقر ناقة صالح مع أن قدرها وقدر كل حيوان غير مكلف لا يوازن عند الله قدر أقل المؤمنين ثوابا ". فأي جواب أجاب به جميع المسلمين عما نال رسول الله صلى الله عليه وآله ونال أقاربه وأصحابه ولم يعاجل من نال منه ومنهم؟ فهو جواب الشيعة عن سؤال من يسألهم عن أئمتهم وقرة عينهم وما نالهم من القتل والظلم. فإن قال: فما الجواب لمن يسأل عما نال رسول الله صلى الله عليه وآله وأقاربه وأصحابه وما نال خلفاءه من بعده وعترته وهي المعاجلة بالعقاب؟ قيل له: الجواب عن ذلك أن الله تعالى خص نبينا بأمور شرفه بها وكرمه على سائر من تقدم من الأنبياء والرسل، من جملتها أمان أمته إلى قيام الساعة من المعاجلة بالهلاك والعقاب، وهذا معلوم من دعوته كما نعلم إكرامه بالشفاعة والحوض والمقام المحمود واللواء، وإنه أول من ينشق عنه الأرض، وتأييد شرعه ورفع النبوة بعده. وبمثل هذا أجيب ابن الراوندي وغيره من الملحدة (خذلهم الله) لما سألوا عن قوله تعالى (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون) (1) فالآيات هاهنا الاعلام والمعجزات. قالوا: وهذا القول ينبئ عن المناقضة أو السهو، لأن تكذيب من تقدم لا

1) سورة الاسراء: 59.

[ 214 ]

يمنع من قيام الحجة علينا والازاحة لعلمنا فكيف يعلل بالمنع لنا بما يخش (1) وتكلفتا بأن غيرنا كذب ولم يصدق وخالف ولم يجب، وهذا بعيد من القول. على أنه قد ادعى ظهور الاعلام عليه وفعل المعجزات على يده، كالقرآن وغيره من مجئ الشجرة، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، وإطعام الخلق الكثير، حتى شبعوا، وسقيهم حتى ارتووا من القليل من الطعام واليسير من الشراب، فلو لم يمنع تكذيب الأولين إظهار ما ادعاه من الاعلام والمعجزات. قيل لهم: الاعلام التي تظهر على أيدي الأنبياء والرسل ينقسم على ما يظهرها الله تعالى للدلالة على صدقهم حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة وتوجبه إزاحة العلة كسائر الأدلة التي نصبها والتمكين من النظر فيها، فالمخالف لها والمعادل عن التكليف إلى ما تقترحه الأمم عمن بعث إليهم بعد إظهار ما تقتضيه الحكمة وتوجبه المصلحة من إزاحة العلة، فحكم الله تعالى في التكذيب بها بعد إظهارها والعدول عن تصديقها المعاجلة ببعض ما يستحق عن العقاب. فكان تقدير الكلام: وما منعنا أن نرسل بالآيات المقترحة إلا أن كذب بها الأولون بتعجيل بعض ما يستحقونه من العقاب. وقد وعدنا رسولنا وشرفنا بأمور: منها أن تستأصل أمته ولا تعاجلها بالعقاب، وقد ذكر الله تعالى ما اقترح على رسوله، فقال: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا " أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا " أو تأتي بالله والملائكة قبيلا) إلى قوله (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا " رسولا) (2).

1) كذا في النسخة.
2) سورة الاسراء: 90 - 92.

[ 215 ]

فإن قال: قدمتم الجواب لمن وافقكم في الاقرار بالصانع والتصديق للنبوة، فما الجواب للملحدة والبراهمة؟ قيل له: الجواب لهم أن التمكين يعتبر فيه قصد الممكن وغرضه دون ما يصلح له ما مكنه به من الأفعال، يبين ذلك أنه لو لم يعتبر فيه ما ذكرنا لم نجد في العالم ممكنا " من قتل عدوه دون نفسه ووليه، لأنه لا شئ يتمكن به من سلاح وجند وسائرها يقوى به إلا هو يصلح لقتله وقتل وليه، كما يصلح لقتل عدوه. وكذلك الحال فيما تمكن به من طاعته وامتثال أوامره من الأموال والآلات، في أنه لا يصلح لمعصيته وارتكاب ما نهى عنه، كما يصلح لطاعته وامتثال أمره. وفي علمنا بأن الممكن مناقد يكون ممكنا " من عدوه دون نفسه ووليه من طاعته دون معصيته، وأن الجاحد لذلك متجاهل دافع لما يعلم بالاضطرار دلالة على وجوب اعتبار قصد الممكن وغرضه، دون ما يصلح له ما مكن به. وإذا ثبت هذا وجب اعتبار حال الممكن، فإن كان قصد بما مكن الحسن دون القبيح. قيل له: مكن من الحسن دون القبيح، وإن كان ما مكن به يصلح القبيح - وكذلك إن كان قصده بما مكن وغرضه القبيح دون الحسن قيل له: إنه مكن من القبيح دون الحسن، وإن كان ما مكن به يصلح للحسن. ومتى لم يعتبر هذا الاعتبار، خرج في المعنى من الإطلاق في اللغة والعرف والمعقول، ولزم أن لا يكون في العالم من يطلق عليه التمكين من الحسن دون القبيح، والطاعة دون المعصية، والنصرة دون الخذلان، وفي هذا ما قدمناه من التجاهل. وإذا وجب اعتبار القصد والغرض في التمكين، وجب الرجوع إلى حال

[ 216 ]

الممكن، دون الرجوع إلى حال ما تمكن به، فإن علم من قصده وغرضه وإن لم يعلم ضرورة استدل بحال الممكن وبما يتبع ما مكن به من أمر ونهي وترغيب ودعاء وحث ووعد، إلى غير ذلك مما ينبئ عن قصده ويوضح عن غرضه، ويتبع الإطلاق والوصف له. وقد ثبت أن الله تعالى لا قصد له إلى القبيح، فلا غرض له فيه، لأنه عالم بقبحه ونفيناه عنه، ولمقارنة الأمر والترغيب والدعاء والحث والزجر والوعد بالثواب للواجبات والمحسنات، ولمقارنة النهي والتخويف والزجر والوعيد للمقبحات، علم أنه مكن من الطاعات دون المعصية، وجب إطلاق ذلك دون غيره. فإن قيل: فهلا مكن تعالى بما يصلح للطاعة دون المعصية والايمان دون الكفر والحسن دون القبح. قيل له: هذا خلف من القول وتناقض في المعنى، لأن ما مكن به يصلح لجميع ذلك لنفسه وعيد (1) ولأنه لو اختص بالشئ دون تركه وخلافه، لكان الممكن مطبوعا ". ولو كان مطبوعا " لم يصح الوصف لفعله بالحسن والقبح والطاعة والمعصية والايمان والكفر، كما لا يصح ذلك في إحراق النار وبرد الثلج وهد الحجر وجريان الماء [ و ] لبطل التكليف والأمر والنهي والمدح والذم والثواب والعقاب، لأن جميع هذه الأحكام يثبت مع الايثار والتخير، ويرتفع مع الطبع والخلقة وزوال التخير. فلا بد على هذا من تعلق التمكين بالفعل وتركه وخلافه وضده، ليصح

1) كذا.

[ 217 ]

الايثار والتخير ويطابق ما يقتضيه الحكم من حسن التكليف وتوجه المدح والثواب إلى المطيع واستحقاقه لهما، فهو الجواب عن التمكين. وقد بان به أن الله تعالى لم يمكن من قتل أنبيائه ورسله وخلفائهم والمؤمنين من أممهم، لأنه جل اسمه نهى عن ذلك وزجر عنه وتواعد عليه بأليم العقاب وأمرنا باتباعهم وطاعتهم [ و ] الانقياد لهم والذب عنهم، فرغب فيه ودعا إليه ووعد عليه بجزيل الثواب. فأما المنع عنهم والنصرة لهم تسقم (1) أيضا " إلى منع ونصرة يزول معها التكليف والأمر والنهي والترغيب والزجر والثواب والعقاب، وهو ما أدى إلى الالجاء وينافي التخير والإيثار. فهذا الضرب من المنع والنصرة، لا يجوز أن يفعله تعالى مع التكليف، لمنافاته الحكمة، ومباينته لما تقتضيه المصلحة وحسن التدبير، وإلى منع ونصرة يلائم التكليف والأمر والنهي والترغيب والزجر والثواب والعقاب، ويثبت معه التخيير والإيثار، وهو النصرة بإقامة الأدلة ونصب البراهين والأمر بنصرتهم والجهاد دونهم والطاعة لهم والذب عنهم والمنع بالنهي عن مخالفتهم والموالاة لأعدائهم، وهذا مما قد فعل الله تعالى منه الغاية التي لا يبلغها تمن (2) ولا يدركها طلب. فإن قال: فقد ظهر من أئمتكم الدعاء على من ظلمهم وغصب حقهم وجحدهم مقامهم، ونال منهم بالقتل والأذى، فلم يستجب الله لهم ولم يسمع دعاءهم، وفي ذلك وهن لهم وحط من قدرهم وتنفير عنهم.

1) كذا.
2) ظ: شئ.

[ 218 ]

قيل له: ليس الأمر كما ظننت في دعائهم عليهم السلام لو اجتهدوا في الدعاء والطلب وسألوا الله تعالى هلاك الأرض ومن عليها لأجيبوا، بل كانوا عليهم السلام عارفين بالدنيا وصغر قدرها بالاضافة إلى ما أعد الله لهم في الآخرة، فلم يكن لها عندهم محل ولا بشئ منها في نفوسهم وزن. وكيف لا يكونوا كذلك؟ مع علمهم بالله جل وعلا، وما أعد لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب، وأنهم من أشرف أوليائه الذين اجتباهم واصطفاهم، وجعلهم الواسطة بينه وبين خلقه، والأمناء عليهم، والحفاظ لدينهم، فهم القدوة، وإليهم المفزع من سائر البشر، وأن أعداءهم أعداء الله الذين لعنهم وغضب عليهم وأعد لهم أعظم العقاب وأشد العذاب. فقلوبهم مملؤة بالمعرفة لخالقهم، وما يقرب إليه ويزلف لديه من الطاعة له والخوف من مخالفته، والقيام بعباداته. ليس سوى ذلك فيها مكان، ولا لغير ما يثمر الفوز والنجاة عليها مجال، ولذلك وجب الحكم بعصمتهم ونزاهتهم وطهارتهم، حتى قال تعالى فيهم (ولقد اصطفيناهم على علم على العالمين) (1). فإذا ثبت هذا من حالهم، كان الدعاء منهم يحتمل أمورا ": منها: تعليم أممهم ورعاياهم كيف يدعون ويسألون إذا نابتهم النوائب ونزلت بهم الشدائد، ولا يقصدون بذلك سوى تعليمهم والبيان لهم. ومنها: الانقطاع إلى الله تعالى والخضوع له، كما ينقطع إليه من لا يستحق العقاب بالتوبة والاستغفار، ويخضع له بذلك، وكالدعاء لله تعالى بأن يحكم بالحق وإن لم يكن مثله، لمكان اليقين أنه لا يحكم إلا بالحق والقطع عليه، كما لا يحسن المسألة له بأن يطلع الشمس ويغربها لمكان العلم بذلك والقطع

1) سورة الدخان: 32، والآية (ولقد اخترناهم) الخ.

[ 219 ]

عليه. ومنها: المسألة لأتباعهم وشيعتهم، إذا اقتضت الحكمة والمسألة لهم، وتعلق كون ما يفعل بهم صلاحا " إذا فعل لأجل المسألة والدعاء، ومتى لم تكن المسألة والدعاء لم يكن فعله صلاحا ". وهذا وجه صحيح في الألطاف والمصالح، وبذلك وردت الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله في سعة الرزق عند الدعاء، وطول العمر عند البر للوالدين، ودفع البلاء عند الصدقة. إلى غير ذلك مما تكون المصلحة فيه مشروطة بتقديم غيره عليه، كقوله عليه السلام: (حصنوا أموالكم وداووا أمراضكم بالصدقة) ورد البلاء بالدعاء والاستغفار ثابتة والتوبة وجب حمل ما ظهر منهم من الدعاء على هذه الوجوه دون المسألة لهم فيما يتعلق بأمور الدنيا والطلب لمنافعها ودفع مضارها فيما يرجع إليه (1) خاصة، إذ لا قدر لها عندهم ولا وزن لها في نفوسهم على ما بيناه. فإن قال: فإذا لم يتضمن دعاؤهم المسألة والوصف، فما معنى الوصف له بأنه يستجاب ولهم بأنهم مستجابوا الدعاء؟ قيل له: عن ذلك أجوبة: أحدها: أنا قد بينا إن من دعائهم ما هو مسألة وطلب لما يتعلق بمصالح أتباعهم وتدبير شيعتهم، وأن لم تكن مسألة وطلبا " فيما يرجع إليهم، فلأجل دعائهم. [ وثانيها ]: قد يتضمن دعاؤهم المسألة والطلب لثواب الآخرة وعلو المنازل فيها، فالاجابة واقعة بإعطاء ما سألوا وتوقع ما طلبوا.

1) ظ: إليها.

[ 220 ]

وثالثها: أن ما لم يكن من دعائهم مسألة وطلب، وأن الاجابة له الانابة عليه، لمكان الانقطاع والخضوع والتعليم والأداء، فلما كان مثمرا " لغاية المنافع وأجلها كان مستجابا "، لأن معنى الاجابة حصول النفع ودفع الضرر لأجل الدعاء. فقد ثبت بهذه الوجوه الجواب عما تضمنه السؤال والزيادات فيه. والحمد لله رب العالمين.

[ 221 ]

(40) أقاويل العرب في الجاهلية

[ 223 ]

بسم الله الرحمن الرحيم حكى أبو عيسى الوراق في كتابه (كتاب المقالات) أن العرب صنوف شتى: صنف أقر بالخالق وبالابتداء والاعادة، وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام، زعموا لتقربهم إلى الله زلفى ومحبرا " إليها، ونحروا لها الهدايا، ونسكوا لها النسائك، وأحلوا لها وحرموا. ومنهم صنف أقروا بالخالق وبابتداء الخلق، وأنكروا الإعادة والبعث والنشور. ومنهم صنف أنكروا الخالق والبعث والاعادة، ومالوا إلى التعطيل والقول بالدهر، وهم الذين أخبر القرآن عن قولهم (ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر). ومنهم صنف مالوا إلى اليهودية، وآخر إلى النصرانية.

[ 224 ]

قال: وممن كان يقر بالخالق وابتداء الخلق والاعادة والثواب والعقاب، عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة الأيادي النزاري. وكان عبد المطلب يوصي ولده بترك الظلم، ويأمرهم بمكارم الأخلاق، وينهى عن... وكان بدئيا " يقول في وصاياه: إنه لم يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه ويصيبه عقوبة، إلى أن هلك رجل ظلوم ومات حتف أنفه لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب ذلك، ففكر ثم قال: فوالله إن وراء هذه الدار دارا " يجزى المحسن بإحسانه والمسئ يعاقب على إساءته. ومما دل على إقراره بالاعادة قوله وهو يضرب بالقداح على عبد الله ابنه أبي النبي صلى الله عليه وآله وعلى الإبل: يا رب أنت الملك المحمود وأنت ربي المبدئ المعيد والعبد عبدك الطارف والتليد في أرجوزة طويلة. وقد زعم بعض الناس أن عبد المطلب لم يعبد صنما "، وأنه كان موحدا " حنيفا " على ملة إبراهيم، وكذلك كان أبو النبي صلى الله عليه وآله. فأما زيد بن عمرو بن نفيل، فكان يسند ظهره إلى الكعبة، ثم يقول: أيها الناس هلموا إلي، فإنه لم يبق على دين إبراهيم أحد غيري. وسمع أمية بن أبي الصلت يوما " ينشد: كل يوم دين القيامة عند الله لا دين الحنفية دور فقال: لا صدقت. وقال زيد: فلن يكون لنفسي منك واقية يوم الحساب إذا ما يجمع البصر

[ 225 ]

وأما قس بن ساعدة الأيادي، فهو الذي يقول في بعض مواعظه: كلا ورب هذه الكعبة ليعودن من مات، ولئن ذهب ليعودن يوما ". وأيضا " في بعض مواعظه: كلا بل هو الله إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى وإليه المآب غدا ". فأقر في هذا الكلام بالإله الواحد، وأثبت الابداء والاعادة. وقد دل على ذلك أيضا " بأبيات قالها وهي: يا ناعي الموت والأموات في جدث عليهم من بقايا بزهم خرق دعهم فإن لهم يوما " يصاح بهم كما ينبه من رقداته الصعق حتى يجيبوا بحال غير حالهم خلق مضوا ثم ماذا بعد ذاك لقوا منهم عراة وموتى في ثيابهم منها الجديد ومنها الأورق الخلق وأما عامر بن الظرب العدواني، فإنه كان من حكماء العرب وخطبائهم، وله الوصية الطويلة يقول في آخرها: إني ما رأيت شيئا " قط خلق نفسه ولا رأيت موضوعا " إلا مصنوعا " ولا جائيا " إلا ذاهبا "، ولو كان يميت الناس الداء لأعاشهم الدواء. ثم قال: أرى أمورا " شتى وشئ حي، قيل له: وما حي؟ قال: حتى يرجع الميت حيا "، ويعود لا شئ شيئا "، وكذلك خلقت السماء والأرض، فتولوا عنه ذاهبين، فقال: ويل أمها نصيحة لو كان من يقبلها لقلتها. ومن هؤلاء زهير بن أبي سلمى، وكان يميز بالعصا وقد أورقت بعد يئس، فيقول: لولا أن تسبني العرب لأنت الذي أحياك سيحيي العظام وهي رميم، ثم آمن بعد ذلك، وقال في قصيدته التي أولها: أمن أم أوفى ذمته لم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينتقم

[ 226 ]

ومنهم زيد الفوارس بن حصين بن ضرار الضبي، وهو الذي يقول: أريد به يوم الجزاء حسابه لدى حاسب يوم القيامة عالم في خلق كثير من مشهوريهم يطول ذكرهم. وكان ممن يقر بالبعث، منهم قوم يزعمون أن من مات فربطت على قبره راحلة وتركت حتى يموت حشر عليها، ومن لم يفعل ذلك حشر ماشيا ". ومنهم عمرو بن زيد الكلبي، وهو يوصي ابنه: ابني زودني إذا فارقتني في القبر راحلتي برحل قائد للبعث أركبها إذا قيل اركبوا سيوسقين ليوم حشر حاشر من لا يراقبه على غير أنه فالخلق بين مدفع أو عاثر ومنهم حريث (1) بن أشيم الفقعسي (2) الأسدي، وهو الذي يوصي ابنه سعدا " يا سعد أما أهلكن فإنني أوصيك إن أخا الوصية أقرب (3) واحمل أباك على بعير صالح واتق الخطيئة إنما هو أصوب ولعل لي فيما تركت مطية في الهام (4): في الحشر. أركبها إذا قيل اركبوا وكانوا يسمون الناقة التي يفعلون بها ذلك (البلية) وجمعها البلايا، وكانوا يربطونها يأخذون ولية فيسقون وسطها، ثم يدخلون عنق الناقة فيها، فتبقى معلقة في عنقها حتى تموت عند القبر. وقال بعضهم:

1) في الهامش: حربية.
2) في الهامش: الفضعيعي.
3) في الهامش: الوصاة الأقرب.
4) خ ل: في الحشر.

[ 227 ]

(كالبلايا أعناقها في الولايا) الولايا جمع ولية، وهي البرذعة التي في ظهر البعير، قال لبيد: تأوي إلى الاطناب كل ولية مثل البلية قانصا " أهدامها شبه الناقة الردية الصعبة بالبلية، والقانص القصير والأهدام أخلاق الثياب. وأما الصنف الذي يقولون بالتوحيد والانشاء لا من شئ، وينكرون الإعادة والبعث، منهم الجهل والجمهور وقد أخبروا بذلك في أشعارهم، فقال بعضهم في مرثية أهل بدر من المشركين: فماذا بالقليب قليب بدر من البشرى يكلل بالسنام يخبرنا الرسول بأن سيحيى وكيف حياة أصداء وهام وكان فيهم قوم يعبدون الملائكة ويزعمون أنها بنات فيعبدونها، زعموا لتقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم. ومنهم من يدعو لله ولدا " ويتخذه لها من دونه. ومنهم من يعبد الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، وقال عز وجل (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا) (1) وقال (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) (2) ولم يكن بهذه الصفة إلا قوم من مشركي العرب. وقال جل وعلا (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما " أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين) (3) وقال (وقالوا

1) سورة الاسراء: 56.
2) سورة النحل: 57.
3) سورة الزخرف: 16.

[ 228 ]

اتخذ الرحمن ولدا " سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) (1) وقال تعالى (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون) (2) وقال تعالى (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ") (3). وقال في عبادتهم الأصنام (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين) (4) وقال (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) (5) وقال (وإذا رأوك الذين كفروا أن يتخذونك إلا هزوا " أهذا الذي يذكر آلهتكم) (6). وقد عبد الأصنام قوم من الأمم الماضية من أهل الهند والسند وغيرها، وقد أخبر الله تعالى عن قوم نوح أنهم عبدوها أيضا "، فقال (لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) (7). وقد حكينا قول الأصنام قبل هذا، وكان (سواع) لهذيل وكان برهاط وكان بدومة الجندل، وكان (يغوث) لمذحج ولقبائل اليمن، وكان (نسر) لذي الكلاع بأرض حمير، وكان (يعوق) لهمدان، وكان (اللات) لثقيف وكانت بالطائف، وكانت (العزى) لقريش وجميع بني كنانة وسدنتها من بني سليم، وكانت (مناة) للأوس والخزرج وغسان وكانت بالمسلك، وكان (الهبل) أعظم أصنامهم عند

1) سورة العنكبوت: 27.
2) سورة الأنعام: 100.
3) سورة الصافات: 158.
4) سورة الأعراف: 194.
5) سورة يونس: 18.
6) سورة الأنبياء: 36.
7) سورة نوح: 23.

[ 229 ]

أنفسهم وكان على الكعبة. وكان أساف ونائلة على الصفا والمروة، ووضعهما عمرو بن يحيى، فكان يذبح عليهما تجاه الكعبة، وزعموا أنهما كانا من خبرهم أساف بن عمرو ونائلة بنت سهيل، ففجرا في الكعبة فمسخا حجرين، ويقال: خالهما عمرو بن يحيى وضعهما على الصفا قبل ذلك. فصل في ذكر مذاهب أهل الأصنام وذكر بيوت النيران المعظمة حكى قوم ممن يعرف أمور العالم ويبحث عن قصصهم، منه جعفر بن محمد المنجم أبو معشر: إن كثيرا " من أهل الهند والصين كانوا يعتقدون الربوبية، ويقرون بأن لله ملائكة، وكانوا يعتقدون أنه جسم ذو صورة كأحسن الصور وكأتم الأصنام وأن الملائكة أجسام لها، وأن الله وملائكته محتجبون بالسماء فدعاهم ذلك إلى أن اتخدوا أصناما " على صورة الله عندهم، وبعضهم على صورة الملائكة، فكانوا يعبدونها ويقربون القرابين لها، لشبهها عندهم بالله، ويقدرون فيها أنها شفيعهم. فلم يزالوا كذلك حتى قال لهم بعض من كان عندهم في سبيل الأنبياء: إن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام إلى الله، وأنها حية ناطقة، وإن الملائكة يختلف فيما بين الله وبينها، وأن كل ما يحدث في العالم إنما هو على قدر ما يجري به حركات الكواكب من أمر الله، فعظموها وقربوا لها القرابين لتشفعهم، فمكثوا على ذلك دهرا ". فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار، وفي بعض أوقات الليل لما يعرض

[ 230 ]

في الهواء من الغيوم، أشار عليهم بعض رؤوسائهم بأن يجعلوا لها أصناما " ليروها في كل وقت، فجعلوا لها أصناما " على عدد الكواكب الكبار المشهورة، وهي السبعة المتحيرة، فكان كل صنف يعظم كوكبا " معلوما "، وينحر له جنسا " من القربان خلاف ما للآخر، واعتقدوا أنهم إنما عظموا الأصنام لحرمة الكواكب هم يحتاجون، وبنوا لكل صنم بيتا " وهيكلا مفردا "، وسموا ذلك البيت باسم الكواكب. وزعم بعض الناس أن بيت الله الحرام كان بيت زحل، وإنما بقي لأن زحل يدل على البقاء أكثر من سائر الكواكب، فلما طال عهدهم عبدوا الأصنام على أنهم تقربهم إلى الله زلفى، وألغوا ذكر الكواكب. فلم يزالوا كذلك حتى ظهر يوذاسف ببلاد الهند وكان هنديا "، وذلك زعموا في أول سنة من ملك طهمورث ملك فارسي يوذاسف النبوة، وأمرهم بالزهد وجدد عندهم عبادة الأصنام والسجود لها، ذكر أهل فارس أن جم الملك أول من أعظم النار، ودعى الناس إلى تعظيمها، قال: لأنها تشبه ضوء الشمس والكواكب. قال: ولأن النور أفضل من الظلمة، ثم اختلف بعد ذلك، يعظم كل قوم ما يرون تعظيمه من الأسماء تقربا " إلى الله تعالى. ثم نشأ عمرو بن يحيى، فساد قومه بمكة فاستولى على أمر البيت، ثم صار إلى مدينة البلغا بالشام، فرأى قوما " يعبدون الأصنام، فسألهم عنها؟ فقالوا: هذه أرباب نتخذها نستنصر بها فننصر، ونستقي فنسقى، فطلب منهم صنما " فدفعوا إليه الهبل، فصار به إلى مكة وإلى الكعبة ومعه أساف ونائلة، ودعى الناس إلى تعظيمها وعبادتها، ففعلوا ذلك. وفيما يزعم أصحاب التاريخ في أول ملك سابور ذي الأكتاف إلى أن أظهر الله الاسلام فأخرجت. وقد قلنا: إن البيت فيما زعم المخبرون كان لزحل، وقد كذبوا لعنهم الله. ومن تلك البيوت السبعة التي كانت للكواكب بيت على رأس جبل بأصبهان

[ 231 ]

على ثلاث فراسخ من مدينتها، فكانت فيه أصنام أخرجها كشتاسب الملك إلى عجن وجعله بيت نار. والثاني: البيت الذي بملتان من أرض الهند وبه أصنام. والبيت الثالث: بيت سدوسان من الهند، وهما بيتان عظيمان عندهم، يأتونهما في أوقات من السنة. والبيت الرابع: هو النوبهار الذي بناه منوشهر بمدينة بلخ من خراسان على اسم القمر، فلما ظهر الاسلام خربه أهل بلخ. وبيت عمدان الذي بمدينة صنعاء من مدن اليمن، وكان الضحاك بناه على اسم الزهرة، وخربه عثمان بن عفان. وبيت كاووسان بناه كاووس الملك بناه أعجبنا على اسم شهر المدينة، فرعانة من مدن خراسان، خربه معتصم. وأما بيوت النار فهي كثيرة، وأول من رسم لها بيتا " فيما يزعمون أفريدون وجد نارا " يعظمها أهلها، فبعث بها إلى خراسان، يسمى كركوا أبحو. تم الكتاب والحمد لله رب العالمين.

[ 233 ]

(41) مسألة في قول النبي " ص " نية المؤمن خير من عمله

[ 235 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال الأجل المرتضى (قدس الله روحه) جرى بالحضرة السامية الوزيرية العادلة المنصورة أعلى الله شأنها ومكانها وأدام سلطانها - في بعض الكلام فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله (نية المؤمن خير من عمله). فقال: إن على هذا الخبر سؤالا قويا "، وهو أن يقال: إذا كان الفعل إنما يوصف بأنه خير من غيره، إذا كان ثوابه أكثر من ثوابه، فكيف يجوز أن يكون النية خيرا " من العمل؟ ومعلوم أن النية أخفض ثوابا " من العمل، وأنه لا يجوز أن يلحق ثواب النية بثواب العمل. ولهذا قال أبو هاشم: إن العزم لا بد أن يكون دون المعزوم عليه في ثواب وعقاب، ورد على أبي علي قوله: إن العزم على الكفر يجب أن يكون كفرا "،

[ 236 ]

والعزم على الكبير لا بد أن يكون كبيرا ". بأن قال له: لا يجب أن يساوي العزم والمعزوم عليه في ثواب ولا عقاب. فإن كان هاهنا دليل سمعي يدل على أن العزم على الكفر كفر والعزم على الكبير كبير، صرنا إليه، إلا أنه لا بد مع ذلك من أن يكون عقاب العزم دون عقاب المعزوم عليه، وإن اجتمعا في الكفر والكبير. ووقع من بالحضرة السامية العادلة المنصورة من التقرير كذلك والخوض فيه كل دقيق غريب مستفاد، وهذه عادتها جرى الله تعالى نعمتها في كل فن من فنون العلم والأدب، لأنها ينتهي من التحقيق والتدقيق إلى غاية من لا يحسن إلى (1) ذلك الفن ولا يقوم إلا بذلك النوع. وقال بعض من حضر: قد قيل في تأويل هذا الخبر وجهان حسنان، فقلت له: اذكرهما فربما كان الذي عندي فيه مما استخرجته فقال: أحدهما: يجوز أن يكون المعنى: إن نية المؤمن خير من عمله العاري من نية، فقلت: لفظة (أفعل) لا يدخل إلا بين شيئين قد اشتركا في الصفة، وزاد أحدهما فيها على الآخر. ولهذا لا يقول أحد إن العسل أحلى من الخل، ولا أن النبي أفضل من المتنبي، والعمل إذا عري من نية لا خير فيه ولا ثواب عليه، فكيف تفضل النية الجميلة عليه وفيها خير وثواب على كل حال. وقال الوجه الآخر: أن يكون نية المؤمن في الجميل خير من عمله الذي هو معصية، فقلت: وهذا يبطل أيضا " بما بطل به الوجه الأول، لأن المعصية لا خير فيها، فيفضل غيرها عليها فيه. وقالت الحضرة السامية تحقيقا " لذلك وتصديقا " هذا هجو لنية المؤمن، والكلام

1) خ ل: إلا.

[ 237 ]

موضوع على مدحها واطرائها، وأي فضل لها في أن يكون خيرا " من المعاصي وإنما الفضل في أن تكون خيرا " مما فيه خير. فسئلت حينئذ ذكر الوجه الذي عندي، فقلت: لا تحمل لفظه (خير) في الخبر على معنى (أفعل) الذي هو للتفضيل والترجيح، وقد سقطت الشبهة. ويكون معنى الكلام: إن نية المؤمن من جملة الخبر من أفعاله، حتى لا يقدر مقدر أن النية لا يدخلها الخير والشر، كما يدخل ذلك في الأعمال. فاستحسن هذا الوجه الذي لا يحوج إلى التعسف والتكلف اللذين يحتاج إليهما إذا جعلنا لفظة (خير) معناها معنى أفعل. وانقطع الكلام لدخول الوقت السعيد المختار لدخول البلد ونهوض الحضرة السامية أدام الله سلطانها للركوب، وكان في نفسي أن أذكر شواهد لهذا الوجه، ولو أحق تقتضيها الكلام. وخطر بعد ذلك ببالي (إنشاء الله) وجهان سليمان من الطعن إذا حملنا لفظة (خير) في الخبر على معنى الترجيح والتفضيل، وأنا أذكر ذلك: أما شواهد ما استخرجته من التأويل من حمل لفظة (خير) على غير معنى التفضيل والترجيح فكثيرة. وقد ذكرت ذلك في كتابي المعروف ب‍ (الغرر) في تأويل قوله تعالى (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) من الكلام على هذا الوجه ما استوفيته، وذكرت قول المتنبي. أبعد بعدت بياضا لا بياض له لأنت أسود في عيني من الظلم وأن الألوان لا يتعجب منها بلفظ (أفعل) الموضوع للمبالغة، وكذلك الخلق كلها، وإنما يقال: ما أشد سواده، وإن معنى البيت ما ذكره أبو الفتح عثمان بن جني من أنه أراد أنك أسود من جملة الظلم، كما يقال: حر من الأحرار

[ 238 ]

ولئيم من اللئام، فيكون الكلام قد تم عند قوله (من الظلم). واستشهد ابن جني أيضا " على صحة هذا التأويل بقول الشاعر: وأبيض من ماء الحديد كأنه شهاب بدا والليل داج عساكره كأنه يقول: وأبيض كأن من ماء الحديد، وقلت أنا: يا ليتني مثلك في البياض أبيض من أخت بني أباض يمكن حمله على ما حملناه عليه بيت المتنبي، كأنه قال: من جملة أخت بني أباض ومن عشيرتها وقومها، ولم يرد المبالغة والتفضيل. وهذا أحسن من قول أبي العباس المبرد لما أنشد هذا البيت وضاق ذرعا " بتأويله على ما يطابق الأصول الصحيحة أن ذلك محمول على الشذوذ والندران. فإن قيل: كيف يكون نية المؤمن من جملة أعماله على هذا التأويل والنية لا يسمى في العرف عملا، وإنما تسمى بالأعمال أفعال الجوارح، ولهذا لا يقولون عملت بقلبي، كما يقولون عملت بيدي ولا يصفون أفعال الله بأنها أعمال. قلنا: ليس يمتنع أن يسمى أفعال القلوب أنها أعمال، وإن قل استعمال ذلك فيها. ألا ترى أنهم لا يكادون يقولون فعلت بقلبي، كما يقولون فعلت بجوارحي وإن كانت أفعال القلوب لا تستحق التسمية بالفعلية حقيقة بلا خلاف. وإنما لا تسمى أفعال الله تعالى بأنها أعمال، لأن هذه اللفظة تختص بالفعل الواقع من قدرة، والقديم تعالى قادر لنفسه، كما لا نصفه تعالى بأنه مكتسب، لاختصاص هذه اللفظة بمن فعل لجر نفع أو دفع ضرر. ثم لو سلمنا أن اسم الفعل (1) يختص بأفعال (2) الجوارح، جاز أن يطلق ذلك

1) خ ل: العمل.
2) في الهامش: بفعل.

[ 239 ]

على النية مجازا " واستعارة، وباب التجوز أوسع من ذلك. وأما الوجهان اللذان خطر ببالي إن قدرنا لفظة (خير) في الخبر محمولة على الفاضلة: فأحدهما: أن يكون المراد نية المؤمن مع عمله خير من عمله العاري عن نية، وهذا مما لا شبهة في أنه كذلك. والوجه الثاني: أن يريد به نية المؤمن لبعض أعماله قد تكون خيرا " من عمل آخر له لا تتناوله هذه النية. وهذا صحيح، لأن النية لا تجوز أن تكون خيرا " من عملها نفسها، وغير منكر أن يكون نية بعض الأعمال الشاقة العظيمة الثواب أفضل من عمل آخر ثوابه دون ثوابها، حتى لا يظن ظان أن ثواب النية لا يجوز أن يتساوى أو يزيد على ثواب بعض الأعمال. وهذان الوجهان فيهما على كل حال ترك لظاهر الخبر، لإدخال زيادة ليست في الظاهر، والتأويل الأول إذا حملنا لفظة (خير) على خلاف المبالغة والتفضيل مطابق للظاهر وغير مخالف له. وفي هذا كفاية بمشية الله وعونه.

[ 241 ]

(42) مسألة في علة مبايعة أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكر

[ 243 ]

مسألة [ علة مبايعة أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكر ] وسألوا أيضا " فقالوا: ليس يخلو أن يكون الله تعالى لما أمر بنصب أمير المؤمنين عليه السلام إماما " قد علم أنه قادر على ذلك أم لا؟ فإن كان يعلم أنه قادر ولم (1) يفعل في ذلك ما يلزم محو شئ عندنا من هذه الحال، وإن كان يعلم أنه يعجز عما كلفه القيام (2) به، فقد كلفه ما لا قدرة له عليه وحمله ما لا يتحمله وحتمه ما لا يتمكن منه ولا يطيقه، فتعالى الله عن كل قبيح علوا " كبيرا ". وهذه النصوص عليه عليه السلام ألا دل على نفسه والاقدام مقاما " واحدا " يذكرهم النص عليه، بل روينا ورويتم أنه بايع أبا بكر، فقلتم مكرها " وقلنا طائعا " فهاتوا فصلا كشهرة هذه البيعة ووضوحها، وإلا فقد أتيتم لنا فصلا لسنا نتبين لكم

1) ظ: فلم لم.
2) ظ: قام.

[ 244 ]

عليه علة. والحاصل الآن في أيدينا إيجابه لبيعة وإقراره بها وإجابته إليها وصحة وقوعها وليس ما أجمعتم عليه معنا كما فيها خالفتموننا، فتولوا وانصفوا واعلموا أننا [ لا ] نقبل منكم إلا ما شاكل في الشهرة أمر البيعة. الجواب وبالله التوفيق: قال الشريف المرتضى علم الهدى (قدس الله روحه): إعلم أنا قد بينا في الكتاب (الشافي) في الكلام، وفي كتابنا المعروف ب‍ (الذخيرة) في باب الإمامة منه الكلام في إظهار أمير المؤمنين عليه السلام مبايعة أبي بكر، وكفه عن منازعته. ولا بد من ذكر جملة هاهنا يستغنى بها. فنقول في ابتداء ما ذكر في هذه المسألة: من أن الله تعالى نص على أمير المؤمنين عليه السلام بالامامة، وتقسيم حاله في القدرة على القيام بها والعجز عنها أن الله تعالى ما كلفه القيام من الإمامة إلا بما يطيقه ويستطيعه وتفضل قدرته عليه ويزيد أضعافا "، غير أن الفاعل وإن كان قادرا " فلا بد من وقوع الفعل [ وإن كان قادرا " ] (1) عليه على ما أوجبه الله واقتضاه الفعل (2) والسبب في أنه لا يدبر أمر الأمة ولم يتصرف فيهم كما أوجبه الله تعالى عليه، أنهم منعوه من ذلك، لأنهم عقدوا الإمامة لغيره ونقلوها في سواه، وادعوا أنهم قد أجمعوا على إمامة غيره، وأن من خالفه وعصاه وتأخر عن بيعته مارق ولعصي الدين شارق، وهذا منع كما تراه له عليه السلام من أن يفعل ما

1) الظاهر زيادة الجملة.
2) خ ل: العقل.

[ 245 ]

كلفه قوى (1) فلا لزم على تكليفه تعالى من التصرف فيها. والذي منعه عليه السلام من أن يقوم مقاما " يذكرهم فيه حقه هو ما ذكرنا بعضه وأشرنا إلى جميعه، فكيف يطمع في رجوع القوم بالتذكير والتبصير، وهو عليه السلام قد شاهدهم خالفوا الرسول جهارا " وعيانا "، وعدلوا عمن نص عليه وأصر بالامامة إليه. هذا مع قرب العهد الذي لا يقع في مثله نسيان ممن (2) لم يطع ربه تعالى وخالف نبيه صلى الله عليه وآله، كيف يطمع طامع في إجابته ويرجو رجوعه وطاعته على نفسه طاعته. وإنما أظهر بحكم الضرورة أنه قد رضي بأن كف عن المنازعة والمجاذبة بعد أن كان أظهر السخط والكراهية هو وجماعة بني هاشم وجماعة من المهاجرين والأنصار، وتأخروا عن البيعة، وجرت في ذلك من المراسلات والمراجعات والمعاتبات والتهويلات والتهديدات ما هو مسطور في كتب العامة فضلا عن الخاصة، فأوجبت الحال الكف عن إظهار المنازعة والامساك عن المخالفة، حتى لا ينتشر الحبل ويتفرق الشمل. فإن كان المخالف يدعي غير هذا الذي ذكرناه، فهو دعوى عارية من برهان ما ذكرناه، فلا حجة في القدر المعروف، لأن إظهار الرضا عند الأسباب التي جرت لا يدل على رضاء القلوب وتسليم الصدور. وأما الترجيح علينا بأننا نسلم البيعة الظاهرة، وندعي أمورا " باطنة من الاكراه والسخط.

1) كذا.
2) ظ: ومن.

[ 246 ]

فغير صحيح، لأن سخط أمير المؤمنين عليه السلام وتأخره عن البيعة وإظهار الغضب لما عقد الأمر لغيره هو المعلوم ضرورة والذي لا خلاف بين العقلاء فيه، ثم كف بعد ذلك عن إظهار المنازعة والمجاذبة، وإن كان عليه السلام في خلواته وبين أصحابه وثقاته يتألم ويتظلم ويقول أقوالا مروية. فمن ادعى من مخالفينا بعد إجماعهم معنا على أنه عليه السلام كان ساخطا " كارها " أنه رضي بقلبه وسلم في سره، فعليه الدلالة، لأنه قد ادعى بالظاهر خلافه. والذي يعتمد عليه في أنه عليه السلام كان ساخطا " كارها " بقلبه وإن كان ممسكا "، أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله نص عليه بالامامة في مقام بعد مقام ومقال بعد مقال، وبما رواه المخالف والموافق، كخبر الغدير وقصة تبوك ومما هو ظاهر في الرواية الخاصة وإن كان قليلا في العامة خبر يوم الدار. وإذا ثبت أنه الإمام فلا بد من أن يكون كارها " لعقد الإمامة لغيره، وأن يكون ما فعله من إظهار البيعة، إنما هو للتقية والضرورة، فإن شك مخالفونا في النص دللناهم عليه وأوضحناه لهم، فإن الكلام سبب والنص أوضح من الكلام نفسه. والسبب في إمساكه فلا شبهة في أن ذلك كله بغير الرضا والتسليم، وإذا لم يسلمونا النص كان كلامهم في سبب البيعة وعلة الامساك لغوا " وعبثا "، لأن من ليس بمنصوص عليه ولا حظ له في الإمامة لا يقال: لم لا يغالب عليها ويحارب ولا يتعجب من مبايعته وموافقته. على أن إظهار أمير المؤمنين (ع) بيعة المتقدمين عليه وإمساكه عن مجاهدتهم وكفه عن مكاشفتهم، كان مثل فعل الحسن عليه السلام مع معاوية وبيعة الأمة بأسرها وفيهم الصالحون والخيرون الفاضلون لمعاوية وابنه يزيد من بعده، وجميع من ولي الأمر من بني مروان، ومخاطبتهم (1)

1) ظ: مخاطبتهم.

[ 247 ]

لهم بأمرة المؤمنين. فينبغي أن يستدل بذلك على استحقاقهم للإمامة، وكونهم فيها على الحق والصواب. فإذا قلنا: كلنا (1) كانت هناك غلبة وقهر واستيلاء، ولم تكن القلوب راضية بما أظهروا من ذلك، قالت الشيعة الإمامية: مثل ذلك في بيعة أمير المؤمنين عليه السلام للقوم وجواب الإمامية لمن يقول لهم في البيعة والرضا والتسليم، وذلك هو الظاهر اللائح. ومن ادعى شيئا " في الباطن يخالف ذلك عليه الدلالة هو جواب المعتزلة ومن نفى إمامة هؤلاء الفساق عن هذا الاعتراض إذا اعترض به في إمامة معاوية ويزيد ابنه وبني مروان، وهيهات أن يجدوا فصلا (2) لما بين الأمرين ما أظلت سماء أرضا (3) وخالف الطول العرض. وإنما يحمل على قلة الفكر، فيما ذكرناه والعصبية والهوى، نعوذ بالله من ذلك.

1) ظ: في كلها.
2) خ ل: نصا ".
3) ظ: السماء الأرض.

[ 249 ]

(43) مسألة في الجواب عن الشبهات الواردة لخبر يوم الغدير

[ 251 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وسألوا أيضا " فقالوا: أنتم تحتجون بالنص على صاحبكم بما قال فيه يوم الغدير، وليس في ذلك أن عليا " بعدي الإمام فيكم والخليفة عليكم، وموضع الرد عليكم بزعمكم، فهي جاحد الكلام الوارد، ومن المفصح المبين عليه السلام إلى مكلفكم له واحتجاجكم، لثبت معناه الذي تدعونه. ولو كان أراد النبي صلى الله عليه وآله بذلك اللفظ الموجد للشبهة والموقع للتأويل ما ذهبتم إليه لكان حينئذ أقدر منكم اليوم على بلوغ غلبة الافصاح بالغرض المقصود والأمر المشهود، وإلا نص على الخطاب نفسه. كما استغنينا على زعمكم مع أمره ونهيه عليه السلام، إلى أقاويل شريعة مكملة لدينا، متهمة عندنا بآرائنا وقياسنا، وتأويل لغة واستحسان أمر، فيجئ إذ نحن مفتقرون إلى الاجتهاد، مضطرون إلى الابانة والايضاح، أم تراه عليه السلام قد كان أوضح كل شئ من أمور الشريعة وأحوال الدين إلا ما يتعلق

[ 252 ]

بالامامة حيث ما تأولتم له من النص، وجعلتم له معنى وكلاما " إذا استظهر لنفسه في الاجتهاد والأخذ بسائغ الظن. الجواب وبالله التوفيق: قال الأجل المرتضى علم الهدى (قدس الله روحه): إن كلامه عليه السلام في يوم الغدير تصريح في النص بالامامة، والاستخلاف على الأمة، وأنه لا يحتمل سوى هذا المعنى ولا يليق بخلاف هذا... وأنه إن حمل على غيره كان خطلا من القول ثبت ما قصدناه واعتمدناه، فصار من إلزامنا أن يعدل عن هذا اللفظ إلى غيره من الألفاظ مبسطا " في الاقتراح معنا، لأن الألفاظ إذا دلت على معنى واحد فإن المتكلم مخير بينهما، ولا لفظ إلا وقد يجوز أن تقع الشبهة فيه للمتأمل، وأن لا يوفي النظر حقه. ألا ترى أنه عليه السلام لو قال فيه: أنت الإمام من بعدي والخليفة على أمتي. وذلك أصرح الألفاظ، جاز أن تدخل شبهة على مبطل، فيقول إنه عليه السلام إنما أراد بلفظة (بعدي) بعد عثمان. أو يقول: أنت الخليفة إن اختارتك الأمة واجتمعت عليك. فإذا قيل: إن هذا خلاف ظاهر الكلام. قلنا: وكذلك حمل لفظ الغدير على غير النص بالامامة، عدول عن ظاهر الكلام، وسنبين ذلك. فأما دخول الشبهة في لفظ خبر الغدير، فإنما أتي فيها من دخلت عليه من قلة تبصره وقلة تأمله، كما دخلته على قوم في قوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار).

[ 253 ]

فلا خلاف بيننا وبين المعتزلة في أن الله تعالى كان قادرا " على أن يقول بدلا من هذا اللفظ الذي دخلت فيه الشبهة على المخالفين في الرؤية، لا يراه ذو الأبصار بأبصارهم في الدنيا والآخرة، حتى تزول شبهة من خالف في أن الادراك غير الرؤية، وأن نفي إدراك الأبصار ليس ينفي إدراك البصر، فإن الكلام ليس بعام في الآخرة لما هو متناول للدنيا. فإذا قيل لنا: كيف تعدل بين (1) اللفظ الصريح إلى اللفظ المحتمل الذي علم دخول الشبهة معه؟ لم يكن لنا جواب إلا مثل ما أجبناه في خبر الغدير، ولم يبق إلا أن ندل على أن خبر الغدير يقتضي الاستخلاف في الإمامة من غير احتمال لسواها. والذي يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله قرر (2) مع أمته على فرض طاعته الذي أوجبها الله تعالى له بقول الله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وإنما أراد تعالى أنه أحق بتدبيرهم وتصريفهم، وأن طاعته عليهم واجبة، فقال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه. فأتى من لفظة (مولى) بلفظ يحتمل المعنى المتقدمة وإن كان محتملا لغيرها، لأن لفظ (المولى) يحتمل الأولى، وابن العم، والحليف، والناصر، والجار، وغير ذلك، فقد نص جميع أهل اللغة على أن لفظة (مولى) محتملة للأولى العرب وما هو مسطور والحال في احتمال هذه اللفظة للمعنى الذي ذكرنا أشهر من أن يخفى على محصل. ومن شأن الأدباء إذا عطفت جملة مفسرة بكلام يحتمل للمعنى الأول ولما يحتمل غيره أن لا يريدوا ما بالكلام إلا المعنى الأول دون ما عداه.

1) ظ: من.
2) ظ: قرن.

[ 254 ]

ألا ترى أن أحدهم إذا قال لجماعة: ألستم تعرفون عبدي زيد، وله عبيد كثيرة، ثم قال عاطفا " على كلامه: فاشهدوا أنني قد أعتقت عبدي أو وهبته لفلان. لم يجز أن يحمل لفظة عبدي ثاني المحتمل إلا على العبد الأول الذي وقع التصريح به، ومن حمله على سواه كان مخطئا " عادلا عن حقيقة الكلام ووضعه. وإذا صح ما ذكرنا وكان النبي صلى الله عليه وآله قال: فمن كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه. ولا يكون أولى بنا من نفوسنا إلا وطاعته واجبة علينا، ولا يكون طاعته واجبة علينا إلا وهو إمام مستخلف. ولا فرق على ما ذكرناه ورتبناه بين أن يقول الله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وبين أن يقول طاعته واجبة عليكم ولازمة لكم، وبين أن يقول: ألست أولى بكم من أنفسكم. هذه جملة كافية في جواب هذه المسائل، فمن أراد التفصيل والتطويل فعليه بكتاب (الشافي) وما جرى مجراه من كتبنا في الإمامة، وتصانيفنا وأمالينا. ونسأل الله تأييدا " وتوفيقا " وتسديدا " في قول وعمل، فإنه نعم المولى ونعم النصير.

[ 255 ]

(44) مسألة في إرث الأولاد

[ 257 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال الأجل المرتضى علم الهدى (قدس الله روحه): إعلم أنه يلزم من ذهب من أصحابنا إلى أن أولاد البنين والبنات يرثون سهام آبائهم، مسائل سبع لا مخلص لهم منها: من ذلك أنه يلزمهم أن يكون حال البنت أحسن من حال الابن، بل أحسن من حال جماعة كثيرة من البنين، كرجل خلف بنت ابن وعشرين ابنا " من بنت معه، فعندهم أن لبنت الابن نصيب أبيها وهو الثلثان، ولبني البنت نصيب أمهم وهو الثلث، فالبنت الواحدة أوفر نصيبا " من عشرين ابنا ". ومنها: أن يكون نصيب البنت يساوي نصيب الابن، حتى لو كان مكانها ابن لورث ما ترثه هي بعينه، على وجه واحد وسبب واحد. وذلك أن مذهبهم أن بنت الابن يأخذ المال كله بسبب واحد، لأن لها عندهم نصيب أبيها، فلو كان مكان هذه البنت ابنا " لساواها في هذا الحكم، وأخذ ما كانت تأخذه البنت على الوجه

[ 258 ]

الذي تأخذه، وليس في الشريعة أن الابن يساوي البنت في الميراث. فإذا عارضونا بمن خلف بنتا " ولم يخلف غيرها، فإنها تأخذ جميع المال، ولو كان مكان ابن لجرى في ذلك مجراها. فالجواب: إن الابن لا يجري مجرى البنت هنا، لأنها تأخذ النصف بالتسمية والباقي بالرد، والابن يأخذ المال بسبب واحد من غير تسمية ولا رد، وأنتم توجبون مساواة الابن للبنت في الميراث والسبب. ومنها: أن البنت في الشرع وبظاهر القرآن لها النصف إذا انفردت، وللبنتين الثلثان، وهم يعطون بنت الابن، وهي عندهم بنت المتوفى ومستحقة لهذه التسمية الجميعة، وكذا يقولون في بنتي ابن، فإن لهما جميع المال من غير رد عليهما، وهذا بخلاف الكتاب والاجماع. فإن قالوا: ما جعل الله للبنت الواحدة النصف وللبنتين الثلثين في كل موضع، وإنما جعل لهن ذلك مع الأبوين خاصة، وإذا انفردن عن الأبوين لم يكن لهن ذلك. قلنا: قد ذهب الفضل بن شاذان إلى هذا المذهب ومن تابعه عليه، فرارا " من مسألة العول، ونحن نبين فساد هذه الطريقة بعد أن نبين لزوم ما ألزمناهم إياه على تسليم ما اقترحوه. فنقول: قد جعل الله للبنت الواحدة النصف مع الوالدين بلا خلاف منكم، فخبرونا عمن خلف ابنة ابن وأبوين، ومذهبكم هذا يقتضي أن للأبوين السدسين وما بقي لبنت الابن، وهي عندكم بنت المتوفى على سبيل الحقيقة، فقد صارت البنت تأخذ مع الأبوين أكثر من النصف بسبب واحد، وجرت في ذلك مجرى الأبوين. فأما القول بأن للبنت الواحدة النصف وللبنتين الثلثين، إنما يختص باجتماع

[ 259 ]

الأمرين معهن. فمن بعيد القول عن الصواب، لأن الله تعالى قال (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (1) وهذه جملة مستقلة بنفسها، وظاهر القرآن يقتضي أن للذكر مثل حظ الأنثيين على كل حال، ومع وجود كل أحد وفقد كل أحد. ثم عطف عليها جملة مستقلة أخرى، فقال (إن كن نساءا " فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) ظاهر هذه الجملة أن ذلك لهن على كل حال، ومع فقد كل أحد ووجوده، ثم عطف أخرى مستقلة غير متعلقة بما يليها وما يتقدمها، فقال (وإن كانت واحدة فلها النصف) ولم يجر للوالدين ذكر، فهذا يقتضي أن لها النصف مع كل أحد، إلا أن يمنع دليل. ثم قال: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث) فبين تعالى حكم الوالدين في الميراث مع الولد وفقده. فكيف يجوز أن يعلق إيجاب النصف للبنت الواحدة والثلثين للبنتين بوجود الأبوين؟ وقد تقدم ذكر حكم البنات مطلقا، وبعد الخروج عنه أتى بذكر الأبوين مشروطا ". وكيف يتوهم متأمل ذلك والله يقول: (إن كان له ولد) فشرط في ميراث الأبوين الولد. ولو كان المراد أن النصف للبنت والثلثين للبنتين مع وجود الأبوين، لكان اشتراط الولد لغوا " لما هو موجود مذكور. ولو صرح تعالى بما ذكروه لكان الكلام قبيحا " خارجا " عن البلاغة والبيان، فإنه (2) لو قال: ولأبويه مع البنت أو البنتين لكل واحد منهما السدس إن كان له

1) سورة النساء: 11.
2) خ ل: ألا ترى أنه.

[ 260 ]

ولد، لقبح ذلك وفحش، فكيف يقدر في الكلام ما لو أظهرناه لكان غير مستقيم؟. وأجمع أهل العربية على أن الوقف التام عند قوله تعالى (وإن كانت واحدة فلها النصف) ولو كان المراد ما توهموه من أن لها النصف مع الأبوين، لما كان ذلك وقفا " تاما ". ولا خلاف بين أحد من أهل العلم والمفسرين وأصحاب الأحكام في أن قوله تعالى (ولأبويه) كلام مبتدأ مستأنف لا تعلق له بما قبله. فأما اعتذارهم عند سماع هذا الكلام، بأن اشتراط الولد إنما حسن ليدخل فيه الذكور ما زاد على البنتين، لأنه لم يمض إلا ذكر البنت الواحدة والبنتين فعجيب، لأنه لو أراد ما ذكروا لقال تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين مع الأبوين فإن كن نساءا " فوق اثنتين معها فلهما ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة معهما فلها النصف). فلو أراد هذا المعنى على الترتيب الذي رتبوه، وعني بقوله إن ذلك لهما مع البنت أو البنتين وما زاد عليهما، وأراد أن يبين أن السدس للأبوين مع الأولاد، لكان لا يحسن أن يقول: (إن كان له ولد) بل يقول: وإن كان له أيضا " ذكور. لأنه قد تقدم ذكر البنت الواحدة وما زاد عليها، فلا معنى لاشتراط الولد، وانفراد قوله (ولأبويه) عن الجملة المتقدمة، ولا يذهب على متأمل. وإنما فرق بهذا التقدير الذي لا يحصل (1) عن نقصان البنت في مسألة العول عن النصف، وادعوا أن النصف حصل لها مع الأبوين لا في كل موضع. وأحسن من ركونهم هذه المعضلة أن يقولوا: إن الله تعالى جعل لها النصف بظاهر الكلام في كل موضع، وفي مسألة العول قام دليل على أن لها دون

1) خ ل: لا يتحصل.

[ 261 ]

ذلك، فعلمنا أن الله تعالى لم يجعل لها النصف في هذا الموضع خاصة، وإن كان لها في سائر المواضع. وإنما أحسن أن نخص بدليل بعض المواضع، أو يحصل ما هو مطلق من القول مشروطا " بغير دليل ولا حجة، على وجه يسمح به الكلام ويذهب به رونقه فتزول فصاحته. ثم يقال لهم: خبرونا عمن خلف أولاد ابن وأولاد بنت ذكورا وإناثا، كيف تقسمون الميراث بين هؤلاء الأولاد؟. فإن قالوا: للذكر مثل حظ الأنثيين. قلنا: فبأي حجة فعلتم ذلك؟ فلا وجه لهذه القسمة إلا قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) إلى آخر الآية المفرع (1) في ذلك. فيقال لهم: قد سمى الله تعالى أولاد الأولاد أولادا، فأي فرق بين أن يكون الذكور والإناث أولاد ابن واحد أو بنت واحدة، وبين أن يكون هؤلاء الذكور والإناث أولاد بنت وابن في تناول الاسم لهم. فإذا كان الاسم متناولا لهم في الحالين فيجب أن تكون القسمة في الحالين تتفق ولا تختلف، ويعطى أولاد البنات الذكور والإناث وأولاد البنين الذكور والإناث للذكر مثل حظ الأنثيين، فلا يخالف حكم الآية في أحد الموضعين، وتناول الآية لهما تناولا واحدا ". فإن قالوا: يلزمكم (2) أن تورثوا أولاد الأولاد مع الأولاد، لتناول الاسم للجماعة. قلنا: لو تركنا وظاهر الآية فعلنا ذلك، لكن إجماع الشيعة، بل إجماع

1) خ ل: المقزع.
2) خ ل: ليلزمكم.

[ 262 ]

كل المسلمين منع من ذلك، فخصصنا الظاهر وحملنا الآية على أن المراد يوصيكم الله في أولادكم بطنا " بعد بطن. فإن قالوا: فنحن أيضا " نخصص الظاهر ونحمل قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) على أن المراد به أولاد الصلب بغير واسطة. قلنا: تحتاجون إلى دليل قاطع على التخصيص كما فعلنا. فإن قالوا: أجمعت الإمامية عليه. قلنا: وما الدليل على ذلك؟ فإنا لا نعرف هذا الإجماع، وفي المسألة خلاف بينهم، وأن أكثرهم يقول بخلاف الصواب في هذه تقليدا " وتعويلا على روايات رووها أن كل من يتقرب بغيره أخذ سهام من تقرب به. وهذا الخبر إنما هو في أولاد الأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وبني الأعمام والأخوال، لأنهم (1) لا تسمية لهم في الميراث وإنما يتقربون بغيرهم، فأعطوا سهام من يتقربون به. وليس كذلك أولاد الأولاد، لأن هؤلاء وإن نزلوا داخلون في اسم الولد واسم البنين والبنات على الحقيقة ممن هو مسمى في الكتاب ومنصوص على توريثه، فلا يحتاج في توريثه إلى ذكر قرابته، وأن يعطيه نصيب من يتقرب به، كما لا يحتاج في توريث أولاد الصلب بلا واسطة إلى شئ من ذلك. فإن قيل: فما دليلكم على صحة ما ذهبتم إليه من توريث أولاد الأولاد، والقسمة عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين. قلنا: دليلنا على ذلك قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) ولا خلاف بين أصحابنا في أن ولد البنين وولد البنات وإن سفلوا

1) خ ل: لأن هؤلاء.

[ 263 ]

يقع عليهم هذه التسمية، ويتناولهم على سبيل الحقيقة. ولهذا حجبوا الأبوين عن ميراثهما إلى السدسين بولد الولد وإن هبطوا، وحجبوا الزوج عن النصف إلى الربع والزوجة عن الربع إلى الثمن بولد الولد، فمن سماه الله تعالى ولدا " في حجب الأبوين وحجب الزوجين، يجب أن يكون هو الذي سماه ولدا " في قوله (يوصيكم الله في أولادكم). وكيف يخالف بين حكم الأولاد ويعطي بعضهم للذكر مثل حظ الأنثيين والبعض الآخر نصيب آبائهم الذي يختلف ويزيد وينقص، ويقتضي تارة تفضيل الأنثى على الذكر والقليل على الكثير، وتارة المساواة بين الذكر والأنثى. وعلى أي شئ يعول في الرجوع عن ظاهر كتابه تعالى؟. فأما مخالفونا من العامة، فإنهم لا يوافقونا في تسمية ولد البنت بأنه ولد حقيقة، وفيهم من وافق على ذلك، ووافق جميعهم على أن ولد الولد وإن هبط يسمى ولدا على الحقيقة. وقد حكي عن بعضهم إنه كان يقول: إن ولد الولد إنما يسمون بهذه التسمية إذا لم يحضر أولاد الصلب، فإن حضروا لم يتناولهم. وهذا طريف، فإن الاسم إن تناولهم لم يختلف ذلك، بأن يحضر غيرهم أو لا يحضر، وما راعى أحد فيما يجري على المسميات من الأسماء مثل ذلك. وإنما أحوجهم إلى ذلك أنهم وجدوا أولاد الابن لا يأخذون مع حضور آبائهم شيئا " ويأخذون مع فقده، بالآية المتضمنة للقسمة على الأولاد، فظنوا أن الاسم يتناولهم في الحال التي يرثون فيها، وهو غلط منهم. وقد أغناهم الله تعالى عن هذه البدعة في آخر (1) الاسم والخروج عن المعهود

1) ظ: إجراء.

[ 264 ]

فيها، بأن يقولوا: إن الظاهر يقتضي اشتراك الولد وولد الولد في الميراث، لولا أن الإجماع على خلاف ذلك، فتخصصوا بالاجماع الظاهر. ومما يدل على أن ولد البنين والبنات يقع عليهم اسم الولد قوله تعالى (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت) وبالاجماع أن بظاهر هذه الآية حرمت بنات أولادنا، فلو لم تكن بنت البنت بنتا " على الحقيقة لما دخلت تحت هذه الآية. وتحقيق ذلك: إنه تعالى لما قال: (أخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت) ذكر في المحرمات بنات الأخ وبنات الأخت، لأنهن لم يدخلن تحت اسم الأخوات، ولما دخل بنات البنات تحت اسم البنات لم يحتج أن يقول: وبنات بناتكم. وهذه حجة قوية فيما قصدناه. وقوله تعالى (وحلائل أبنائكم) وقوله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلى قوله أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن) لا خلاف في عموم الحكم لجميع أولاد الأولاد من ذكور وأناث، ولأن الإجماع واقع على تسمية الحسن والحسين عليهما السلام بأنهما أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وأنهما يفضلان بذلك ويمدحان، ولا فضيلة ولا مدح في وصف مجاز مستعار، فثبت أنه حقيقة. وقد روى أصحاب السير كلهم أن أمير المؤمنين عليه السلام لما أمر ابنه محمد بن الحنفية وكان صاحب رايته يوم الجمل في ذلك اليوم، فقال له: أطعن بها طعن أبيك تحمد لا خير في الحرب إذا لم يوقد بالمشرفي والقنا المسدد فحمل رضي الله عنه وأبلى جهده، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أنت ابني حقا "، وهذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله، يعني الحسن والحسين عليهما السلام. فأجرى عليهما هذه التسمية مادحا " لهم ومفضلا، والمدح لا يكون

[ 265 ]

بالمجاز والاستعارة. ولم تزل العرب في الجاهلية تنسب الولد إلى جده، أما في موضع مدح أو ذم، ولا يتناكرون ذلك ولا يحتشمون منه. وقد كان يقال للصادق عليه السلام أبدا " أنت ابن الصديق، لأن أمه بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر. ولا خلاف أن عيسى عليه السلام من بني آدم وولده، وإنما ينتسب إليه بالأمومة دون الأبوة. فإن قيل: اسم الولد يجري على ولد البنات مجازا "، وليس كل شئ استعمل في غيره يكون حقيقة له. قلنا: الظاهر من الاستعمال الحقيقة، وعلى من ادعى المجاز الدلالة وقد بينا في غير موضع أن الأصل الحقيقة، والمجاز طار داخل في الاستعمال محمول على الأصول، إلا أن ينقل دلالة قاهرة. فإن قالوا: لو حلف [ رجل بالطلاق أو بالله تعالى أنه لا ولد له وله ولد بنت لما كان حانثا ". قلنا: يكون عندنا حانثا إذا أطلق القول، وإنما لا يكون حانثا إذا نوى ما يخرجه عن الحنث ] (1) من لا ولد له وله ولد بنت أنه لا ولد له لم يحنث. قلنا: بل يحنث مع الإطلاق، وإنما لا يحنث إذا نوى ما يخرجه عن الحنث. وقد ناقض الفضل بن شاذان في مذهبه وقال في كتابه في الفرائض: في رجل خلف بنت ابن وابن بنت أن لبنت الابن الثلثين نصيب أبيها ولابن البنت الثلث نصيب أمه في ولد الولد نصيب من يتقرب به وأعطاه ذلك. ثم قال في هذا الكتاب: في بنت ابن وابن ابن أن المال بينهما للذكر مثل

1) الزيادة في الهامش بعلامة خ ل.

[ 266 ]

حظ الأنثيين. وهذه مناقضة لما قرره، لأن بنت الابن تتقرب بأبيها وابن الأب يتقرب أيضا " بأبيه، فيجب أن يتساويا في النصيب، فكيف جعل هاهنا للذكر مثل حظ الأنثيين، مع أن كل واحد يتقرب بغيره، فله على مذهبه نصيب من يتقرب به، وإلا فعل مثل ذلك في بنت ابن وابن بنت وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. ومن العجب أنه قال في كتابه ما هذه حكاية لفظه: فإن ترك ابن بنت وابنة ابن وأبوين، فللأبوين السدسان، وما بقي فلابنة الابن حق أبيها الثلثان، ولابن البنت حق أمه الثلث، لأن ولد الابنة ولد كما أن ولد الابن ولد. وهذا التعليل ينقض الفتوى، لأنه إذا كان ولد البنت ولدا "، كما أن ولد الابن كذلك، فيجب أن يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، لظاهر (يوصيكم الله) وكيف أعطى الأنثى ضعف ما أعطى الذكر. وقد وافق الحق مذهب ابن شاذان في بعض المسائل من هذا الباب وإن خالف في التعليل، مثل من خلف بنت بنت وابن ابن، فإنه يعطى البنت نصيب أمها وهو الثلث، ويعطى الابن نصيب أبيه وهو الثلثان، وهكذا نعطيهما نحن، لأنا ننزلهما منزلة ابن ابن وبنت بلا واسطة للذكر مثل حظ الأنثيين.

[ 267 ]

(45) مسألة عدم تخطئة العامل بخبر الواحد

[ 269 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة [ عدم تخطئة العامل بخبر الواحد ] فقال: كيف تنكرون أن يكون إرسال (1) أخبار الآحاد في الأحكام الشرعية مما قامت الحجة بالعمل به فضلا حتى أن الإمامية يختلفون فيما بينهم في أحكام شرعية معروفة. ويستمسك كل فريق منهم إلى أخبار الآحاد في المذهب ولا يرجع (2) كل فريق [ من ] موالاة الفريق الآخر وإن خالفه، ولا يحكم بكفره وتضليله، وهذا يقتضي أنه إنما لم يرجع عن موالاته، لأنه استند فيما يذهب إليه إلى ما هو حجة. الجواب: إن أخبار الآحاد مما لم تقم دلالة شرعية على وجوب العمل بالأقل، (3) ولا

1) ظ: أعمال.
2) خ ل: يخرج.
3) كذا.

[ 270 ]

القطع العذر بذلك، وإذا كان خبر الواحد لا يوجب عملا، فإنما يقتضي إذا كان راويه على غاية العدالة ظنا "، فالتجويز لكونه كاذبا " ثابت، فالعمل بقوله يقتضي الإقدام على ما يعلم قبحه. فأما الاستدلال على أن الحجة ثابتة بقبول أخبار الآحاد، بأن لا نكفر من خالفنا في بعض الأحكام الشرعية من الإمامية ولا يخرج عن موالاته، فلا شبهة في بعده، لأنا لا نكفر ولا نرجع عن موالاة من خالف من أصحابنا في بعض الشرعيات، وإن استند في ذلك المذهب إلى التقليد، أو يرجع فيه إلى شبهة معلومة بطلانها. ولم يدل عدولنا عن تكفيره وتمسكنا بموالاته على أن التقليد الذي تمسك به واعتمد في مذهبه ذلك عليه حق وأن فيه الحجة، فكذلك ما ظنه السائل. وبعد: فلو كنا إنما عدلنا عن تكفيره وأقمنا على موالاته من حيث استند من أخبار الآحاد إلى ما قامت الحجة في الشريعة، لكنا لا نخطئه ولا نأمره بالرجوع عما ذهب إليه، لأن من عول في مذهب على ما فيه الحجة ولا يشتمل عليه (1). ونحن نحطئ من أصحابنا من خالفنا فيما قامت الأدلة الصحيحة عليه من الأحكام الشرعية، وما يره (2) بالرجوع إلى الحق وقول ما هو عليه. وإنما لا نضيف إلى هذه التخطئة التكفير والرجوع عن الموالاة، وليس كل مخطئ كافرا وغيره (3) مسلم، وإن الحق (4) من أصحابنا في الأحكام الشرعية إنما عول فيما ذهب إليه، ومن عدل على (5) خبر الواحد وهو لا يوجب علما " كيف

1) خ ل: عنه.
2) ظ: ونأمره.
3) ظ: وغير.
4) خ ل: المحق.
5) في الهامش: عول عن.

[ 271 ]

يكون عالما " قاطعا " وما بقي ما يحتاج إليه في هذا الكلام، إلا أن يبين من أي وجه لم نكفر من خالفنا في بعض الشرعيات من أصحابنا مع العلم بأنه مبطل. والوجه في ذلك: إن التكفير يقتضي تعلق الأحكام الشرعية، كنفي الموالاة والتوارث والتناكح وما جرى مجرى ذلك. وهذا إنما يعلم بالأدلة القاطعة، وقد قامت الدلالة واجتمعت الفرقة المحقة على كفر من خالفها في الأصول، كالتوحيد والعدل والنبوة والامامة. فأما خلاف بعض أصحابنا لبعض في فروع الشرعيات، فمما لم يقم دليل على كفر المخطئ، ولو كان كفرا " لقامت الدلالة على ذلك من حاله، وكونه معصية وذنبا " لا يوجب عندنا الرجوع عن الموالاة، كما نقول ذلك في كل معصية ليست بكفر. فإن قيل: فلو خالف بعض أصحابكم في مسح الرجلين وذهب إلى غسلهما وفي أن الطلاق الثلاث يقع جميعه، كنتم تجتمعون على موالاته. قلنا: هذا مما لا يجوز أن يخالف فيه إمامي، لأن هذه الأحكام وما أشبهها معلوم ضرورة أنه مذهب الأئمة، وعليه إجماع الفرقة المحقة، فلا يخالف فيها من وافق في أصول الإمامة، وإنما يخالف فيها من يخالف في الأصول الإمامية ومن خالف في أصولهم كفر بذلك. فإن قيل: أفلستم تكفرون مخالفيكم من خالف في صغير فروع الشرعيات وكبيرها، فكيف تكفر المخالف بما لا تكفر به الموافق. قلنا: نحن لا نكفر مخالفنا إذا خالف في فرع لو خالف فيه موافق من أصحابنا لم نكفره، وإنما نكفر المخالف في ذلك الفرع بما ذهب إليه المذاهب التي تقتضي تكفيره. مثال ذلك: إن من خالف من أصحابنا وقال: إن ولد الحر من المملوكة

[ 272 ]

مملوك، إذا لم يشرك لم يكن بذلك كافرا "، وكان هذا القول باطلا. وكذلك المخالف لنا في الأصول إذا خالف هذه المسألة وقال: إن الولد مملوك وهذا مذهبكم، لا يكون بهذا القول بعينه كافرا "، وإنما نكفره في الجملة بما خالف فيه مما يقتضي الأدلة أن يكون كفرا ".

[ 273 ]

(46) مسألة في استلام الحجر

[ 275 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قولهم عند استلامهم له: أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة غدا ". من المخاطب به؟ ومن المستمع له؟ فإن هذا يقتضي أن يكون المخاطب بهذه المخاطبة سامعا " رائيا " شاهدا " مبلغا ". وما معنى قولهم: لبيك اللهم لبيك؟ أهو جواب منهم لنداء إبراهيم عليه السلام حين أمره الله تعالى أن يأذن بالحج كيف هو؟ الجواب: أما استلام الحجر فهو غير مهموز، لأنه افتعال من السلم التي هي الحجارة واستلام بما هو مباشرته وتقبيله والتمسح، وحكى ثعلب وحده في هذه اللفظة الهمزة، وجعله وجها " ثابتا " وترك الهمز، وفسره بما اتخذ جنة وسلاحا ولامة وهي الدرع. وما هذا الوجه الذي حكاه ثعلب في هذه اللفظة إلا مليحا " إذا كان مسموعا " فيها.

[ 276 ]

فأما الغرض في استلام الحجر، فهو أداء العبادة وامتثال أمر الرسول صلى الله عليه وآله والتأسي بفعله، لأنه أمر عليه السلام باستلامه الحجر، ولما.. حج عليه السلام رؤي مستلما " له، وقد أمر بالتأسي بأفعاله في العبادات، كما أمر بالتأسي بأقواله. والعلة في هذه العبادة على سبيل الجملة، مصلحة للمكلفين وتقويتهم للواجب وترك القبيح، وإن كنا لا نعلم الوجه على سبيل التفصيل. وما السؤال عن معنى ذلك إلا كالسؤال عن معنى الطواف وكونه سبعة أشواط ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفات. فأما ما روي من القول الذي يقال عند استلام الحجر الذي هو: أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة غدا ". والسؤال من المخاطب به والمستمع له، فالوجه في ذلك بين، لأن ذلك هو دعاء الله تعالى وخطبات له، (1) وهو المستمع له والمجازي عليه، وإنما علقه بالحجر وأضافه إليه، لأنه عمل عنده وعبادة فيه وقربة إلى الله تعالى، فكأنه قال: أمانتي في استعلائك (2) أديتها. ومعنى (لتشهد لي بالموافاة) أي ليكون عملي عندك شاهدا " عند الله تعالى بموافاتي بما ندبت إليه من العبادة المتعلقة بك المفعولة فيك. وقد روي في معنى استلام الحجر وخطابه وفي علل كثير من العبادات أشياء يرغب عن ذكرها، لأنها مستفتحة خارجة عن العقول، يحمل التأويل والتخريج على الوجوه الصحيحة، فعلى بعد وتعسف وتكلف، وقد أغنى الله

1) ظ: خطاب.
2) ظ: استلامك.

[ 277 ]

بالظواهر الصحيحة عن البواطن السقيمة. فأما التلبية فمأخوذة من قولهم (ألب بالمكان البابا ") إذا قام به. فمعنى (لبيك) أي نقيم على إجابتك وطاعتك. فأما السؤال عن هذه في تلبية الحج، وهل هي جواب لنداء إبراهيم عليه السلام أم لغيره؟. فالجواب أن التلبية بالحج إجابة لدعاء من دعى إليه وأمر به وهو الله تعالى. ألا ترى أنهم يقولون: (لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) ويتبعون ذلك ألفاظا " لا يليق إلا به تعالى، فالاجابة له تعالى، لأنه الأمر بالحج وتلبيتنا إنما (1) أمره به. وقد بينا أن نداء إبراهيم عليه السلام لا يجوز أن يتعلق حمله بأمة محمد صلى الله عليه وآله، لأنه غير مبعوث إليهم ولا مؤد للشريعة التي تلزمهم، فلم يبق إلا أن تكون تلبية المسلمين بالحج إنما هي إجابة لدعاء الله تعالى الذي بلغه وأداه إلينا الرسول محمد صلى الله عليه وآله. وهذا واضح لمن تأمله.

1) ظ: بما.

[ 279 ]

(47) مسألة في نفي الرؤية

[ 281 ]

بسم الله الرحمن الرحيم زعمت المعتزلة بأسرها وكثير من الشيعة والزيدية والخوارج والمرجئة بأجمعها أن الله تبارك وتعالى لا يجوز أن يتحرك، ولا يجوز أن يكون في الأماكن ولا في مكان دون مكان، وأنه في جميع الأماكن بالعلم بها والتدبير لها. وقال هشام بن الحكم، وعلي بن منصور، وعلي بن إسماعيل بن ميثم، ويونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين، وابن سالم الجواليقي، والحشوية وجماعة المشبهة: إن الله عز وجل في مكان دون مكان، وأنه يتحرك وينتقل، تعالى الله عن ذلك علوا " كبيرا ". فإن قالوا: إذا قلتم إن الله عز وجل على العرش بمعنى استولى عليه بالملك والقدرة. قلنا: لا يلزمنا أن نضيق على قول قلنا به سماعا واتباعا، كما لا يلزمنا والمشبهة إذا قلنا إن الله تعالى على كل شئ وكيل، وخرجنا معناه أنه حافظ

[ 282 ]

لذلك أن يقول: إنه وكيل على البيع والكنائس والقبائح والمستقلات، بمعنى إنه حافظ لذلك مالك له، وقد قال الله تعالى (له ما في السموات والأرض) ولا يقول لله الصاحبة ولله الولد ولله الأرجل ولله الفروج، فكذلك ما قلناه. ولا يلزمنا شئ مما ألزمونا. ومما استدلوا به على أن الله تعالى في السماء دون الأرض قوله تعالى (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) قالوا: فالدليل أنه في السماء دون الأرض قوله (يرفعه). يقال لهم: يجوز هذا القول، لأن لله عز وجل ديوان أعمال العباد في السماء والحفظة من الملائكة فيها، فيكون ما وقع هناك هل وقع (1) إليه، لأنه أمر بذلك كما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام من قوله (إني ذاهب إلى ربي) يريد إلى الموضع الذي أمرني ربي أن أذهب إليه، وكقوله تعالى (ومن يخرج من بيته مهاجرا " إلى الله ورسوله) فجعل هجرته عنده إلى الموضع الذي أمره بالهجرة إليه، وهو موضع هجرة رسوله إليه، وهذا تأويل جائز. ومما استدلوا به أيضا ": رفع أهل الأرض أبصارهم إلى السماء عند الدعاء كما يرفع الرافع نظره إلى الموضع الذي فيه الملك عند مخاطبته. قالوا: فإذا سئلنا عن السجود؟. قلنا: إن ذلك لنا لا علينا، لأنه دليل على التذلل والخضوع، لأنك إذا وقعت بين يدي الملك رميت بطرفك إلى دون الجهة التي فيها ونكست رأسك وحملته (2) أنه قعد.

1) ظ: قد رفع.
2) ظ: جعلته.

[ 283 ]

فيقال لهم: ما تنكرون من أن يكون رفع من يرفع يده وطرفه إلى السماء ليس فيه حجة على أن الله تعالى في السماء دون الأرض، كما أن توجه المسلمين نحو البيت بالصلاة لا يوجب أن الله تعالى في الكعبة دون غيرها من البقاع، وقد قال الناس: الحاج زوار الله. فإن قال: ذلك تعبد. قلنا: فرفع الأيدي أيضا " تعبد. حكت جماعة من المعتزلة عن الحسن بن محمد النجار، أنه زعم أنه يجوز أن يحول الله العين إلى القلب ويجعل له قوة، فيعلم الله تعالى، فيكون ذلك العلم رؤية بالعين، أي علما " به. واحتج من الحديث بأن الله لا يرى بخبر رواه محبوب بن الحسن بأسناده، عن الشعبي عن المسروق قال: كنت عند عائشة، فقالت: ثلاث من قالهن فقد أعظم الفرية، وذكرت الأمرين الأخرين، قال قلت: يا أم المؤمنين انظري ولا تجعلي، أرايت قول الله تعالى (ولقد رآه نزلة أخرى) وقوله (ولقد رآه بالأفق المبين) قالت: رأى جبرئيل. وقيس بن أبي حازم راوي خبر الرؤية، وهو (ترون ربكم) مقدوح في عدالته من وجوه: منها أنه كان يطعن على الصحابة، فروي عنه ما أنكره أصحاب الأخبار، كيحيى بن معمر ومن جرى مجراه. قال: استشفعت بعلي على عثمان فقال: استشفع بي على حالة الخطاء بإن. وقال قيس رأيت الزبير وسعدا " اقتسما أرضا "، فما افترقا حتى ترابيا بالحجارة. وروي عن قيس عن ابن مسعود قال: وددت أني وعثمان برمل عالج يحثو علي وأحثو عليه حينئذ حتى يموت الأعجز منا، وكان قيس قد هرم وتغير عقله. قال إسماعيل: قال لي يوما ": يا إسماعيل خذ هذين الدرهمين واشتر سوطا "

[ 284 ]

أضرب به الكلام. وروى ابن فضيل عن قطر بن خليفة عن أبي خالد الرافتي عن علي عليه السلام أنه على المنبر قال: إن أكذب رجل من أحياء العرب على رسول الله لأبو هريرة الدوسي. وقال عبد الرحمن بن صالح اللأزدي حدثنا خالد بن سعيد الأموي عن أبيه قال قالت عائشة: يا أبا هريرة ما هذه الأحاديث التي تبلغنا عنك عن النبي صلى الله عليه وآله، ما سمعت إلا ما سمعنا، ولا رأيت إلا ما رأينا. فقال: يا أماه كان يشغلك عن رسول الله المرآة والمكحل والتصنع لرسول الله صلى الله عليه وآله وإني والله ما كان يشغلني عنه شئ (1).

1) راجع الأحاديث في ذلك كتاب (أبو هريرة) لأبي رية ص 135.

[ 285 ]

(48) تفسير الآيات المتشابهة من القرآن تفسير سورة الحمد

[ 287 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسائل سألتم أيدكم الله وأحسن توفيقكم إملاء كتاب في متشابه القرآن والكلام على شبه سائر المبطلين الذين تعلقوا بآياته، كالمجبرة والمشبهة والملحدة، ومن عداهم من أعداء الاسلام الطاعنين فيه. وذكر أن ما صنف من الكتب في هذا الباب لا يحيط به المعاني أجمع، لأن أكثر من تكلم على متشابه القرآن إنما تشاغل بالمجبرة والمشبهة ولم يعرض لمن عداهم. والتفاسير الكاملة ربما لم يستوف مصنفوها الكلام على هذه الأغراض ومن استوفى شيئا " منها، فهو من خلال كلام طويل وبحر عميق يتعذر على المستفيد إدراكه ويتعذر عليه أصابته. وأنا أجيب إلى ما التمسوه مستعينا " بالله تعالى ومستمدا " منه توفيقه وتأييده،

[ 288 ]

وهو حسبي ونعم الوكيل. (متشابه فاتحة الكتاب) إن سأل سائل فقال: ما الوجه في تكرير قوله تعالى (الرحمن الرحيم) وكلاهما يفيد معنى واحد، واشتقاقهما من الرحمة، وقد كان في ذكر أحدهما كفاية عن الآخر. الجواب: قلنا: في ذلك وجوه: أولها: أن قولنا (الرحمن) أبلغ في المعنى وأشد قوة من قولنا (الرحيم) وهذا المثال مما وضعه أهل اللغة للمبالغة والقوة، ألا ترى أنهم يقولون سكران وغضبان وعطشان [ وجوعان ] لمن امتلئ سكرا " وغضبا " وعطشا " واشتد جوعه، وهذا الوجه ذكره المبرد. وثانيها: أن (الرحمن) يفيد عموم الرحمة بالعباد في الدنيا، و (الرحيم) يختص بالمؤمنين في الآخرة، يقوى هذا الوجه في قوله تعالى (وكان بالمؤمنين رحيما ") فإذا كان بينهما هذا الفرق فذكرهما واجب. وثالثها: أن قولنا (رحمن) يشترك فيه اللغة العربية والعبرانية والسريانية، وقولنا (رحيم) يختص بالعربية، فأراد تعالى أن يصف، فعبر بالرحمة بالوصف الخاص والمشترك حتى لا تبقى شبهة. ورابعها: أن (الرحمن) من الأوصاف التي يختص بها القديم تعالى، ولا يجوز أن يسمى بها غيره و (الرحيم) يختص به وبغيره يشترك بينه وبين

[ 289 ]

غيره، فأراد تعالى أن يصف نفسه بما يختص به، ويشارك فيه من أوصاف الرحمة، وهذا يرجع معناه إلى الجواب الأول، لأنه لما اختص (الرحمن) به تعالى لقوته ومبالغته. وخامسها: أن يكون المعنى وإن كان واحدا، فالمراد به التوكيد، والشئ قد يؤكد على مذاهب العرب، بأن يعاد لفظه بعينه، كقول الشاعر: ألا سألت جموع كندة إذ تولوا... ابن ابنا وقد تؤكد أيضا بأن يخالف بين اللفظين وإن كان المعنى واحدا، كقول الشاعر: * وهند أتى من دونها النائي والبعد * وهذا التأكيد المختلف اللفظ أحسن عندهم، ونظائره وشواهده أكثر من أن تحصى، والتأكيد في قوله تعالى (الرحمن الرحيم) أحسن وجهي التأكيد وأبلغهما. وهذا الجواب على مذهب من يقول: إن التأكيد لا يفيد إلا معنى المؤكد، وفي هذا خلاف ليس هذا موضع ذكره. مسألة فإن قال قائل: فما الوجه في قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين) هذا الكلام لا يخلو من أن يكون خبرا " وتحميدا " منه تعالى لنفسه أو أمرا "، فإن كان خبرا " فأي فائدة في أن يحمد هو تعالى لنفسه ويشكرها، وإن كان أمرا " فليس بلفظ الأمر.

[ 290 ]

الجواب: قلنا قد قيل في ذلك: أنه أمر، وأن المعنى فيه قولوا (الحمد لله) وروي أن جبرائيل لما نزل على النبي صلى الله عليه وآله بهذه السورة، قال له قل: يا محمد وأمر أمتك بأن يقولوا (الحمد لله رب العالمين) وحذف القول. وفي القرآن واللغة أمثاله كثيرة، قال الله تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم) (1)، وقال تعالى (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (2) والمعنى: أنهم قالوا كذلك. وقال الشاعر: وقفت يوما " به أسائله والدمع ملي الحبيب تستبق بأربع أن تقول لهم سلكوا أم أي وجه تراهم انصفقوا وإنما أراد: أقول بأربع. فحذف. وجواب آخر: وهو أن يكون الكلام مستقلا بنفسه لا حذف فيه، والغرض به أن يخبرنا أن الحمد كله له، وأنه يستحق له بكل نعمة ينالها الحمد والشكر. ألا ترى أن كل نعمة وصلت إلينا من قبل العباد، فهي مضافة إليه وواصلة من جهته، لأنه تعالى جعلنا على الصفات التي لو لم يجعلنا عليها لما انتفعنا بتلك النعمة، كالحياة والشهوة وضروب الآلات وغير ذلك. ولو لم يجعل لنا أيضا " تلك الأجسام التي نتناولها وننتفع بها على ما هي عليه من الطعوم والصفات لما كانت نعمة، فقال: إن المرجع بالنعم كلها إليه

1) سورة الرعد: 23.
2) سورة الزمر: 3.

[ 291 ]

والحمد كله يستحقه. مسألة فإن قال: فما الوجه في قوله تعالى (الحمد لله) ولم يقل: الحمد لي، وهو أخصر وأقرب وأولى في الاختصاص. الجواب: قلنا: للخطاب موافق يتفق في المعنى، ويختلف في الفخامة والتعظيم والجلالة والنباهة، فيكون العدول إلى ما اقتضى التفخيم أولى، وإن كان المعنى واحدا وجدناهم يفرقون بين خطاب الوالد لابنه والرئيس لرعيته، وبين خطاب النظيرين، فيقول الوالد لابنه يجب أن تطيع أباك فلأبيك عليك الحق، ويكون هذا أولى في خطابه الدال على تقدمه عليه، من أن يقول له يجب أن تطيعني ولا تعصيني. ويكتب الخليفة في الكتب النافذة عنه أمير المؤمنين يقول كذا وكذا وما يرتكب كذا وكذا، وربما شافهه بمثل هذا الخطاب. وكل هذا يقتضي جلالة هذه السورة وفخامة موضعها. وإذا كان الأمر على ما ذكرناه، فالعدول عن القول الذي ذكروه أولى، وما اختاره الله في كتابه هو الواجب. مسألة فإن قيل: فما الوجه في قوله تعالى (مالك يوم الدين) وهو تعالى مالك ليوم الدين ولغير يوم الدين ولكل شئ من المملوكات؟

[ 292 ]

وما السبب في هذا الاختصاص في الموضع الذي يقتضي العموم والشمول. الجواب: أحد ما قيل في هذا الموضع: إن وجه اختصاص الملك ليوم الدين من حيث كانت الشبهات في ذلك اليوم زائلة عن تفرده بالملك، لأن من يدعي أن الملك في الدنيا لغيره ويدعو من دونه أضدادا " وأندادا " تزول هناك شبهته وتحصل معرفته على وجه لا يدخله الشك ولا يعترضه الريب، فكأنه أضاف الملك إلى يوم الدين لزوال الريب فيه وانحسار الشبهات عنه. ووجه آخر: وهو أن يوم الدين إذا كان أعظم المملوكات وأجلها خطرا " وقدرا "، فالاختصار (1) عليه يغني عن ذكر غيره، لأن ملك العظيم الجليل يملك الحقير الصغير أولى، ومن عادة العرب إذا أرادوا العظيم والمبالغة أن يعلقوا الكلام بأعظم الأمور وأظهرها، ويكتفون بذلك عن ذكر غيره شمولا أو عمومه (2). ألا ترى أنهم إذا أرادوا أن يصفوا رجلا بالجود ويبالغوا في ذلك، قالوا: هو واهب الألوف والقناطير، ولم يفتقروا أن يقولوا: هو واهب الدوانيق والقراريط للاستغناء عنه ولدلالة الكلام عليه. ووجه آخر: وهو أن يكون في الكلام حذف، ويكون تقديره: مالك يوم الدين وغيره كما قال تعالى (وسرابيل تقيكم الحر والبرد) (3) فحذف اختصارا ". وهذا الجواب يضعف وإن كان قوم من المفسرين قد اعتمدوه في هذا الموضع،

1) خ ل: فالاقتصار.
2) ظ: عموما ".
3) سورة النحل: 81.

[ 293 ]

لأن الحذف إنما يحتاج إليه عند الضرورة بتعذر التأويل، فأما مع إمكانه وتسبله (1) فلا وجه لذكر الحذف. والمثال الذي مثلوا به غير صحيح، لأن قوله تعالى (وسرابيل تقيكم الحر) ما يرد (2) والبرد، ثم حذفه. بل الوجه فيه أنه خاطب قوما " لا يمسهم إلا الحر، ولا مجال للبرد عليهم، لأن بلادهم يقتضي ذلك، فنفى الأذى الذي يعتادونه. ويمكن أن يكون إرادة نفي الأمرين، فدل على نفي أضعفهما، كما ذكرناه قبل. مسألة فإن قيل: فما الوجه في قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) وما الفائدة في هذا التكرار؟ ويغني أن يقول: إياك نعبد ونستعين. الجواب: قلنا: قد قيل في ذلك: إن الكناية لو تأخرت عن القائل فيها لتكررت، فكذلك يجب إذا تقدمت. ألا ترى أنه لو قال: نعبدك ونستعينك، لكان يجب من تكرار الكناية ما يجب مثله إذا تقدمت. وهذا ليس بشئ، لأنه يجوز أن يقول القائل: نعبدك ونستعين، ويقول: أما زيد فإني أحبه وأكرم، فلا تكرر الكناية، فسقط هذا الوجه.

1) ظ: وتسيره.
2) ظ: ما أراد.

[ 294 ]

وقيل أيضا " في جواب هذه الشبهة: إن الفائدة في تكرار لفظ (إياك) التأكيد، وإن كان المعنى واحدا. وهذا الجواب إنما يتم على مذهب من يقول بالتأكيد، وأن معناه معنى المؤكد في اللغة. وأصح ما أجيب عن هذه الشبهة أنه تعالى لو قال: إياك نعبد ونستعين، لكان الكلام موهما "، لأن الاستعانة تكون لغيره، لأنه لم يعلقها في الكلام به تعليقا " يمنع من هذا التوهم والاحتمال، فإذا قال: وإياك نستعين، زال الاحتمال وتخصص الكلام. مسألة: فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون أمره لنا بأن نعبد دليلا على أنه ما فعل المعونة، وأنه يجوز أن لا يفعلها، منها (1) على أن القدرة مع الفعل حتى يصح أن يدعوه بأن يجددها في كل حال. الجواب: قلنا: ليس الأمر على ما توهموه في معنى الآية، لأنه يجوز بأن يكون قد أعاننا...
(2). ورابعها: أن يكون الصراط هاهنا معناه الطريق إلى الجنة، لأن الأصل في تسمية الصراط بأن الصراط هو الطريق، قال الشاعر:

1) كذا.
2) قال في الهامش: هذا المقام فيه سقط.

[ 295 ]

أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم فكان دعوناه تعالى بأن يدخلنا الجنة أن يهدينا إلى طريق الثواب، وهذا أمر مرجو مستقبل ما تقدم مثله، ويكون التماسه باطلا، وقد سمى الله تعالى الايصال إلى الثواب وإلى العقاب بأنه هداية إليهما، فقال تعالى (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة عرفها لهم) (1) ونحن نعلم أن الهداية التي تكون في الآخرة بعد انقطاع التكليف لا يليق إلا بالثواب وطريقه دون غيره. وقال تعالى (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) (2) وقال عز من قائل في موضع آخر (ولا ليهديهم طريقا " إلا طريق جهنم) (3). وهذا كله يوضح ما ذكرناه، من أن الهداية قد تكون إلى الثواب وإلى العقاب، فسقطت الشبهة من كل وجه. مسألة فإن قيل: فما الوجه في قوله تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم) وهو يعني المؤمنين لا محالة، وليس هذا (4) يقتضي أن يكون منعما " عليهم بالايمان والدين. لأنه لو أراد غير ذلك لما كان فيه تخصيص للمؤمنين من الكافرين الضالين، لأن نعم الدنيا تشتمل الجميع، وكذلك النعمة بالتكليف، والتعريض شاملة

1) سورة محمد: 5.
2) سورة الصافات: 23.
3) سورة النساء: 168.
4) وهذا.

[ 296 ]

للجميع، فلم يبق ما يختص به المؤمنون إلا الإيمان، وإذا كان منعما " بالايمان وجب أن يكون من فعله تعالى، لأن المنعم لا يكون منعما " إلا بما يفعله. الجواب: قلنا: غير مسلم لكم أن المراد بالانعام هاهنا الإيمان والدين، لأنه تعالى قد ينعم على المؤمنين بأشياء يخصهم دون الكافر بالخواطر والبواعث السهلة الشارحة للصدور، ولهذا قال تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى) (1) فبين أنه قد خصهم لمكان هداهم وإيمانهم بما لم يعم به الكافرين. ثم يجوز أن يريد بالنعمة هاهنا الثواب، لأن الثواب من فعله، وإذا كان إنما استحق بتعريضه وتكليفه كان نعمة منه تعالى س " إلى تفضله ورحمته. ثم لو سلمنا أن المراد بالآية (الذين أنعمت عليهم) بالايمان حسب ما اقترحوا لم تكن فيه دلالة على أن الإيمان من فعله عز اسمه، لأنه إذا كان بتفويضه وتكليفه وتوفيقه وألطافه ومعونته، فهو نعمة منه. ألا ترى أن أحدنا إذا دفع إلى غيره مالا عظيما تفضلا عليه، فصرفه ذلك الغير في ضروب المنافع وابتياع العبيد والضياع، لم يمتنع أحد من أن ينسب تلك الضياع أنها (2) نعمة من دافع المال من حيث وصل إليها بنعمته ومعونته، وهذا واضح لا شبهة فيه.

1) سورة محمد: 17.
2) ظ: بأنها.

[ 297 ]

سورة البقرة فإن قيل: كيف يجوز أن يسمي الله تعالى السور بهذه الأسماء؟ ولم تجر عادة العرب أن يسموا بمثلها، والقرآن بلغتهم. قلنا: ليس في الأسماء حطة، ولا يجب فيه الاتباع والاقتداء، ولهذا جاز أن يحدث أهل كل صناعة لما عرفوه من الآلات والأدوات أسماء، وإن لم تكن تلك الأسماء في اللغة أسماء لتلك المسميات، وقد يجوز أن يسمي أحدنا ولده ما لم يسبق إليه، ولا يكون بذلك معيبا ". فإن قيل: كيف يجوز أن تكون هذه الحروف أسماء للسور مع اشتراك جماعة من السور في بعضها وخلو كثير من السور من شئ منها؟ قلنا: أما الاشتراك فغير ممتنع أسماء الألقاب، وإن كان الألقاب في الأصل (1). إذا كانت للتميز ألا يقع فيها الاشتراك، ثم عند وقوع الاشتراك فيها فزعوا إلى الصفات، ولهذا قالوا: زيد الطويل العاقل، وألحقوا الصفة لما وقع الاشتراك في الاسم، ولو لم يكن في العالم إلا زيد واحد، لما احتاجوا إلى الصفة. وهكذا السور، لما وقع الاشتراك في أسمائها ألحقوا بها ما بينه على التمييز، فقالوا: الدخان والزخرف وما أشبه ذلك، ولم يحتاجوا إلى ذلك فيما ينفرد بلقبه، كصاد وقاف وطه وما جرى مجراهن. فأما خلو بعض السور من اسم، لأن وضع الأسماء في الأصل غير واجب، وإذا كان جاز (2) أن يختص مسمى دون غيره.

1) ظ: وإن كان الأصل في الألقاب.
2) ظ: وإذن جاز.

[ 298 ]

[ تفسير (ألم) ] فإن قيل: فما الوجه فيما افتتح هذه السورة من قوله (ألم) وهو كلام لا يعرف معناه ولا يعلم فحواه؟ وكيف يجوز أن يخاطبهم بما لا يعرفونه يقولونه. الجواب: قلنا: قد ذكر الناس في معنى الحروف المقطعة التي افتتحت بها السور وجوها " كثيرة، فبعضها صحيح وبعضها فاسد، ونحن نذكر الصحيح الذي نختاره وننبه على ما فيه اختلاف وفساد. فمن أصح ما ذكر في ذلك وأبعده من الفساد أن يكون هذه الحروف أسماء للسور وشعارا " لها، والأسماء إذا كانت على سبيل التلقيب (1) الذي ذكرناه والتمييز، لأن الألقاب جارية مجرى الإشارة، ولا يفيد في اللقب أكثر من الإشارة إليه، وإمكان الإخبار عنه عند الغيبة باللقب، كما أمكنت الإشارة مع الحضور. ألا ترى أن قولنا زيد وعمرو لا يفيدان أكثر من التلقب الذي ذكرناه، ولا يجريان مجرى طويل وقصير وما أشبهها من الصفات. ومن إمارة كون الاسم لقبا " أن يجوز تبديله وتغييره واللغة على ما هي عليه، والاسم المفيد لا يجوز تغييره إلا بتغير اللغة. ألا ترى أنه لو سمينا رجلا ب‍ (زيد) ثم بدا لنا في ذلك فسميناه ب‍ (عمرو)

1) في الهامش: التغليب.

[ 299 ]

لساغ ذلك واللغة على ما كانت عليه، وإذا وصفناه بأنه طويل لم يجز أن نصفه بالقصير، ونرجع عن وصفه بالطويل إلا مع تغير اللغة وانقلابها. وهذا الوجه الذي ذكرناه في هذه الفواتح، قد روي عن الشيوخ الثقات الذين لا أرباب لهم، وما لا اسم له من السور قد يعرف ويميز بما يقوم مقام الاسم من الصفات، كسورة النساء وسورة المائدة وما أشبههما. وقد طعن أبو مسلم محمد بن بحر الاصبهاني على هذا الجواب وضعفه وأورد عليه كلاما " طويلا جملته أن قال: إن الاسم غير المسمى، فلو كانت هذه الفواتح أسماء للسور، لوجب أن تكون غيرها ولا تكون منها. وقد أجمع المسلمون قراؤهم وغير قرائهم على أن هذه الفواتح من السور ومعدودة في جملة آيها، وهذا يوجب مع القول بالاسم غير المسمى أنها ليست بأسماء. والجواب عن ذلك: إن هذه الأسماء ليست غير السور، وهي منها على وجه، وإن كانت خارجة من جملتها على وجه آخر فهي من حيث كانت أسماء لها وألقابا " عليها خارجة عنها، لأن الاسم لا بد من أن يكون في حكم الغير المسمى، وهي من حيث كانت قرآنا " منزلا متعبدا " بتلاوته من جملة السور، لأنا أمرنا أن نتلوها في جملتها ونبتدئ بها ثم نتبعها بالسورة، ولا يمتنع في الاسم أن يكون بينه وبين المسمى مشاركة من وجه، وإن كان يدخل معه في جهة أخرى. ألا ترى أن هذا الاسم محدث وفعل من الأفعال وموجود ومدرك، وكل هذا قائم في المسمى، وليس لأحد أن يقول: قد جعلتم داخلا مع المسمى وغير متميز منه، لأنا لم نفعل ذلك من حيث كان اسما "، وإنما جمعنا بينه وبين المسمى من وجه لم يكن فيه اسما للمسمى، فكذلك القول في هذه الفواتح. ومن عجيب أمر أبي مسلم أنه أعرض عن هذا الجواب وتغلغل فيه إلى ما حكيناه عنه، ورد أيضا " غيره من الأجوبة المردودة لعمري في أنفسها.

[ 300 ]

ثم أختار جوابا " ظاهر الضعف بين الفساد، ونحن نبتدئ بالكلام عليه قبل غيره مما نريد أن نبين فساده. قال أبو مسلم بعد أن اعترض أجوبة غيره كما في معنى هذه الحروف: والذي عندنا في هذه الحروف أن حروف المعجم لما كانت أصل كلام العرب الذي منها يبنى ويؤلف افتتح الله تعالى السورة بهذه الحروف المقطعة التي هي حروف العرب المبني منها كلامه أوردها في أوائلها تسكينا " للعرب بما لزمهم من الحجة وظهر منهم من المعجز. كأنهم خوطبوا فقيل لهم: يا أيها الكافرون بما أنزل على محمد هذا الذي زعمتم أن محمدا صلى الله عليه وآله... (1) الله كلام بني من حروفكم وكتابكم وبلغتكم المتداولة بينكم لا... ومعانيه وطرقه وبيانه معاني كلامكم وطرائقكم ومذاهبكم، قد دعيتم إلى الاتيان بمثله ومثل أقل سورة منه فعجزتم، فلو كان كما تزعمون لكنتم قادرين على مثله. وأطنب في هذا الكلام وأسهب وذهب كل مذهب. وهذا الوجه غير سديد ولا مرضي، لأن القوم كانوا يعرفون أن القرآن مبني من حروف المعجم ومركب منها ضرورة عند سماعه وادراكه، ولا يحتاجون إلى أن يقدم لهم في أوائل السور حروف تدل على أن الكلام الذي أنزلها (2) مبني منها. فإن كان المراد بتقديم هذه الحروف الدلالة على أن القرآن مركب منها، فذلك مستغنى عنه بما ذكرناه، وإن كان للتبكيت والتقريع من حيث عجزوا عن الاتيان بمثله وهو مركب منه، فهذا التقريع أيضا " ليتم مع القاء هذه الحروف، لأن المعلوم الذي لا إشكال فيه أن القرآن من هذه الحروف مركب،

1) كذا، والظاهر: افترى على.
2) ظ: أنزله.

[ 301 ]

وأنهم إذا عجزوا عن معارضته ومقابلته، فقد عجزوا عن تجانس كلامهم. وليس ينبغي أن يعتمد على هذا الجواب الذي ذكرناه مستضعفا " له. ومما قيل في هذه الحروف إنها منبئة عن أسماء الله تعالى، فقالوا: (ألم) أنا الله وفي (الر) أنا الباري وفي (المص) أنا الله الصادق وفي (كهيعص) الكاف من كريم والعين من عليم والصاد من صادق والهاء من هادي، وهذا حكي عن جماعة من المفسرين. وهو وجه باطل لا خفاء في بطلانه، لأنه رمز والغاز لا يدل ظاهر الكلام عليه، ولو أن أحدنا نطق بحرف من هذه الحروف وأراد الإشارة به إلى... الحروف، لعذر أمر ملغز ولكان مذموما " (1). وبعد فليس المناسب للحروف (2) المخصوص إلى كلمة مخصوصة تشتمل عليه وعلى غيره، بأولى ممن نسبه إلى غير تلك الكلمة مما يشتمل على تلك الحروف، وهذا يقتضي أن لا يستقر لهذه الحروف معنى من المعاني معقول، والله تعالى يجل من أن يتكلم بما لا معنى له. ومما قيل في ذلك أيضا ": أن هذه الحروف تقطيع لاسم الله تعالى. وهذا أيضا " باطل، لأنه لا يخرج عن أن يكون خطابا " بما لا يعقل ولا يفهم معانيه. فأما المتشابه فعندنا أن الله تعالى وإن علم تأويله والعلماء أيضا " يعلمون مثل ذلك، والآية التي يتعلق بها في هذا الباب من قوله تعالى (وما يعلم تأويله إلا

1) كذا. 2) ظ: للحرف.

[ 302 ]

الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) (1) فنحن نبين تأويلها عند البلوغ إليها ونذكر أن المراد بخلاف ما ظنوه بإذن الله تعالى. ومما قيل في ذلك أيضا ": أن المشركين كانوا تواصوا بأن لا يصغوا إلى القرآن وأن يلغوا فيه ويعرضوا عنه، فافتتح كلامه عز وجل بهذه الحروف المنضمة ليسمعوها فيصغوا إليها، مستدعين لها متعجبين من ورودها، فيرد عليهم بعدها من الكلام ما يحتاجون إلى استماعه وفهم معانيه، حتى يصير ما قدمه داعيا " إلى الاستماع والاصغاء، داعيين إلى الفهم والقبول. وهذا ليس بشئ، لأن الخطاب والكلام مما لا يحسن إلا للفائدة التي لا تفهم إلا به. ولا يجوز أن يقوم فيه الأغراض المختلفة مقام الافادة، فلا يجوز أن يخاطبهم بما لا فائدة فيه، حتى يحثهم ذلك إلى استماع الكلام المفهوم، لأن الكلام مما لا يفيد وجها " في قبحه. ولا يجوز أن يخرجه عن هذا الوجه مما فيه من الوجوه المستحسنة، على أنه إذا كانوا إنما يلغون في كلامه ويعرضون عن بيانه عنادا " عصبية، فليس بنافع أن يقوم أمام كلامه هذه الحروف، إذا أورد عليهم بعدها الكلام المتضمن للأمر والنهي. والإخبار، عدلوا عن استماعه ولغوا فيه وصار ما أورده من المقدمة عارا " أو نقصا " لا يجر نفعا "، ويجعلونه من أوكد الحجة عليه، لأنهم كانوا يقولون له: أنت تزعم أن الكتاب الذي جئت به بلساننا ولغتنا، وقد قدمت فيه ما لا نعرف تألفه ولا نتخاطب بمثله. وقد قيل أيضا ": إن معنى تقديم هذه الحروف لافتتاح الكلام وابتدائه،

1) سورة آل عمران: 7.

[ 303 ]

كقول القائل مبتدءا ": ألا ذهب، وكقوله تعالى (ألا إلى الله تصير الأمور) (1). وكقوله عز وجل (ألا أنهم في مرية من لقاء ربهم) (2) وقوله تعالى (ألا أنهم يثنون صدورهم) (3) ف‍ (ألا) زائدة بلا إشكال، لأنها لو حذفت من الكلام لم يتغير فائدته، وقد قال الشاعر: ألا زعمت بسياسة القوم أنني كبرت وألا يشهد اللهو أمثالي ونظائر ذلك كثيرة. وهذا ليس بشئ لأن لفظة (ألا) معروفة في لغة العرب، وإنما هي موضوعة في هذه المواضع للافتتاح، ولا نعرف أحدا " منهم افتتح كلاما " بالحروف المقطعة على وجه من الوجوه. فكأن هذا القائل يقول: إذا كانت لفظة (ألا) وهي كلمة مبنية مؤلفة على بناء سائر الكلام بما جعلوه للافتتاح، فألا جاز أن يجعل الحروف المقطوعة التي ليست بهيئة موضوعة هذا الموضع، ولا شبهة في فساد هذا الضرب من القياس في اللغة، وأنه لا يعرف فيها وخروج عن حدها. ومما قيل في ذلك أيضا ": إن الافتتاح بهذه الحروف يجري مجرى المروي من العرب من قولهم: جارية وعدتني أن يدهن رأسي ويعلى أو ما ويمسح العنقا حتى بينا وكقول الآخر: قلنا لها قفي قالت قاف لا يحيي أنا نسينا ألا يخاف وكقول الآخر:

1) سورة الشورى: 53.
2) سورة فصلت: 54.
3) سورة هود: 5.

[ 304 ]

بالخير خيرات وانشرافا ولا أريد الشرارثا وهذا أيضا " ليس بشئ. والذي ذكروه من العرب إنما هو على سبيل الايجاز والاختصار والحذف الذي يغني فيه عن تمام الكلام معروفة القصد والإشارة إليه. وليس هذا مما كنا فيه بسبيل، لأن قول القائل: (وعدتني إرثا) أي تمسح رأسي. وأما قوله: (قالت قاف) فمعناه وقفت، كذلك قوله (وانشرافا) أي فتيرا. وقوله (إلا إن شاء) فحذف بعض الكلام لدلالة الباقي عليه وعلم المخاطب به، وكل هذا غير موجود في الحروف المقطعة، فكيف تجعل شاهدا " عليها. ومما قيل في ذلك أيضا ": إن الله تعالى علم أن سيكون في هذه الأمة مبتدعون يذهبون في القرآن المسموع المقتر (1)، فإنه ليس بكلام الله تعالى، وأن كلامه على الحقيقة غيره، فأراد تعالى بذكر هذه الحروف التنبيه على أن كلامه هذه الحروف، وإن ما ذهبوا إليه من أن كلامه تعالى غير هذا المسموع باطل مضمحل. وهذا أيضا " ليس بشئ، لأن ما (2) ذهب إلى أن كلامه تعالى ليس حقيقة (3) في ذاته بما يسمع ويقرأ، وجعل هذا القرآن عبارة وعلة وحكاية على اختلاف عباراتهم لا بحجة (4) ويبطل قوله أن يورد عليه هذه الحروف المقطعة، فإنه إذا جاز أن يقول في المركب من هذه الحروف أنه غير المسموع وأنه في النفس، جاز

1) بأنه مفتر كذا في الهامش، والظاهر: المقرو.
2) ظ: من.
3) في الهامش: حقه.
4) ظ: لا يحجه.

[ 305 ]

أن يقول في المفرد مثل ذلك، فإن الشبهة في الأمرين قائمة، وإنما يزال إذا أزيلت بغير هذه الطريقة. وقيل في ذلك: إن الله تعالى أقسم بهذه الحروف لعظمتها وجلالتها وكثرة الانتفاع (1) بها، وأنها مباني أسمائه الحسنى، وبها أنزل تحيته على أنبيائه، وعليها تدور اللغات على اختلافها. فكأنه تعالى قال: وحروف المعجم فقد بين لكم السبل وأنهج الدلالة، فحذف جواب القسم لعلم المخاطبين به. ولأن قوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه) يدل على الجواب ويكفي منه، ويجري مجرى قوله تعالى (والنازعات غرقا ") في أن جواب القسم محذوف، والتأويل والنازعات غرقا " لتبعثن أو لتعرضن على الله، فحذف الجواب، لأن قوله تعالى (إذا كنا عظاما " نخرة) (2) يدل عليه، وقوله تعالى (والسماء ذات البروج) و (والشمس وضحاها) فحذف الجواب إذا كان عليه دال سائغ في اللغة. وإن كان بعض النحويين قد ذهب إلى أن جواب (والسماء ذات البروج) قتل أصحاب الأخدود، معناه التقديم، وهو الجواب على الحقيقة والقدير: قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: لا يجوز اضمار اللام في الجواب المتأخر، لأن القائل إذا قال: والله زيد قائم، لا يجوز أن يقول: والله زيد قائم... اللام، لأنه لا دليل عليها. وهذا الجواب أقرب إلى السداد من الأجوبة المتقدمة، وأشبه بأن يكون وجها " تاليا " للوجه الذي اخترناه قبل. وصلى الله على محمد وآله.

1) في الهامش: الانقطاع.
2) سورة النازعات: 11.

[ 307 ]

(49) مسألة في إبطال العمل بأخبار الآحاد

[ 309 ]

بسم الله الرحمن الرحيم إعلم أنه لا يجوز أن يتعبد أصحابنا والحال هذه أن يعملوا في أحكام الشريعة على أخبار الآحاد، ولا يتم على موجبات أصولهم أن يكون الأخبار التي يروونها في الشريعة معمولا عليها، وإن جاز لخصومهم على مقتضى أصولهم ذلك. ونحن نبين هذه الجملة ونتجاوز عن الكلام، وعلى أن للعلم الضروري حاصل لكل مخالف الإمامية أو موافق، بأنهم لا يعملون في الشريعة بخبر لا يوجب العلم، وأن ذلك صار شعارا " لهم يعرفون به، كما أن نفي القياس في الشريعة من شعارهم الذي يعلمه منهم كل مخالط لهم. ونتجاوز أيضا " عن الاعتماد في إبطال ذلك على نفي دلالة شرعية على وجوب العمل بخبر الواحد، فإنه لا بد باتفاق بيننا في مثل ذلك من دلالة يقطع بها، وقد بينا هذا كله وأشبعناه وفرعناه في جواب المسائل التبانيات.

[ 310 ]

والذي يختص هذا الموضع مما لم نبينه هناك: أنه لا خلاف بين كل من ذهب إلى وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة، أنه لا بد من كون مخبره (1) عدلا. والعدالة عندنا يقتضي أن يكون معتقدا " للحق في الأصول والفروع، وغير ذاهب إلى مذهب قد دلت الأدلة على بطلانه، وأن يكون غير متظاهر بشئ من المعاصي والقبائح. وهذه الجملة تقتضي تعذر العمل بشئ من الأخبار التي رواها الواقفية (2) على موسى بن جعفر عليهما السلام الذاهبة إلى أنه المهدي عليه السلام، وتكذيب كل من بعده من الأئمة عليهم السلام، وهذا كفر بغير شبهة ورده، كالطاطري وابن سماعة وفلان وفلان، ومن لا يحصى كثرة. فإن معظم الفقه وجمهوره بل جميعه لا يخلو مستنده ممن يذهب مذهب الواقفة، إما أن يكون أصلا في الخبر أو فرعا "، راويا " عن غيره ومرويا " عنه. وإلى غلاة، وخطابية، ومخمسة، وأصحاب حلول، كفلان وفلان ومن لا يحصى أيضا " كثرة. وإلى قمي مشبه مجبر. وأن القميين كلهم من غير استثناء لأحد منهم إلا أبا جعفر بن بابويه (رحمة الله عليه) بالأمس كانوا مشبهة مجبرة، وكتبهم وتصانيفهم تشهد بذلك وتنطق به. فليت شعري أي رواية تخلص وتسلم من أن يكون في أصلها وفرعها واقف أو غال، أو قمي مشبه مجبر، والاختبار بيننا وبينهم التفتيش. ثم لو سلم خبر أحدهم من هذه الأمور، ولم يكن راويه إلا مقلد بحت معتقد

1) خ ل: راويه.
2) ظ: الواقفة.

[ 311 ]

لمذهبه بغير حجة ودليل. ومن كانت هذه صفته عند الشيعة جاهل بالله تعالى، لا يجوز أن يكون عدلا، ولا ممكن تقبل أخباره في الشريعة. فإن قيل: ليس كل من لم يكن عالي الطبقة في النظر، يكون جاهلا بالله تعالى، أو غير عارف به، لأن فيه أصحاب الجملة من يعرف الله تعالى بطرق مختصرة توجب العلم، وإن لم يكن يقوى على درء الشبهات كلها. قلنا: ما نعرف من أصحاب حديثنا ورواياتنا من هذه صفته، وكل من نشير إليه منهم إذا سألته عن سبب اعتقاده التوحيد والعدل أو النبوة أو الإمامة، أحالك على الروايات وتلي عليك الأحاديث. فلو عرف هذه المعارف بجهة صحيحة لا أحال (1) في اعتقاده إذا سأل عن جهة علمها، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك، والمدافعة للعيان قبيحة بذوي الدين. وفي رواتنا ونقلة أحاديثنا من يقول بالقياس ويذهب إليه في الشريعة، كالفضل ابن شاذان ويونس وجماعة معروفين، ولا شبهة في أن اعتقاد صحة القياس في الشريعة كفر لا تثبت معه عدالة. فمن أين يصح لنا خبر واحد يروونه ممن يجوز أن يكون عدلا مع هذه الأقسام التي ذكرناها حتى ندعي أنا تعبدنا بقوله. وليس يلزم ما ذكرناه على أخبار التواتر، لأن الأخبار المتواترة لا يشترط فيها عدالة رواتها، بل قد يثبت التواتر وتجب المعرفة برواية الفاسق بل الكافر، لأن العلم بصحة ما رووه يبتنى على أمور عقلية تشهد بأن مثل تلك الجماعة لا

1) ظ: لا حال.

[ 312 ]

يجوز عليها وهي على ما هي عليه. فلا بد إذا لم يكن خبرها كذبا " أن يكون صدقا "، والعمل بأخبار الآحاد عند من يذهب إليه في الشرع يقتضي كون الراوي علي صفة تجب مراعاتها، فإذا لم يتكامل بطل الشرط في وجوب العمل. وإنما قلنا إن مثل الذي ذكرناه لا يعترض به على مذهب مخالفينا إلى العمل بأخبار الآحاد، لأنهم لا يراعون في صفة الناقلين كل الذي نراعيه، ولا يكفرون بما نكفر به من الخلاف في كل أصل وفرع، وأكثرهم يعمل على أخبار أهل الأهواء وإن كان فسقا " كثيرا " متى كانوا متنزهين عما يعتقدون أنه معصية وفسق وغير منكر لا يعتقدونه قبحا "، فالأمر عليهم أوسع منه علينا. فإن قيل: إذا سددتم طريق العمل بالأخبار في الشريعة فعلى أي شئ تعولون في الفقه كله. قلنا: قد بينا في مواضع من كلامنا كيف الطريق لنا مع نفي القياس والعمل بأخبار الآحاد إلى ذلك، وكشفناه وأوضحناه في جواب المسائل التبانيات وفي جواب المسائل الحلبيات، ونحن نورد هاهنا جملة منه. واعلم أن معظم الفقه نعلم ضرورة مذاهب أئمتنا فيه بالأخبار المتواترة، فإن وقع شك في أن الأخبار توجب العلم الضروري فالعلم الذي لا شبهة فيه ولا ريب يعتريه حاصل، كالعلم بالأمور الظاهرة كلها التي يدعي قوم أن العلم بها ضروري. فإن الإمامية كلها تعلم أن مذهب أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق وآبائه وأبنائه من الأئمة عليهم السلام إنكار غسل الرجلين، وإيجاب مسحهما، وإنكار المسح على الخفين، وأن الطلاق الثلاث لا يقع، وأن كل مسكر حرام، وما

[ 313 ]

جرى مجرى ذلك من الأمور التي لا يختلج بشك بأنه مذاهبهم. وما سوى ذلك لقلته بل الأقل، نعول فيه على إجماع الإمامية، لأنا نعلم أن قول إمام الزمان المعصوم عليه السلام في جملة أقوالهم، وكل ما أجمعوا عليه مقطوع على صحته. وقد فرعنا هذه الجملة في مواضع وبسطناها. فأما ما اختلفت الإمامية فيه، فهو على ضربين: ضرب يكون الخلاف فيه من الواحد والاثنين، عرفناهما بأعيانهما وأنسابهما، وقطعنا على أن إمام الزمان ليس بواحد منهما، فهذا الضرب يكون المعول فيه على أقوال باقي الشيعة الذين هم الجل والجمهور، ولأنا نقطع على أن قول الإمام في تلك الجهة دون قول الواحد والاثنين. والضرب الآخر من الخلاف: أن تقول طائفة كثيرة لا تتميز بعدد ولا معرفة إلا الأعيان الأشخاص بمذهب والباقون بخلافه، فحينئذ لا يمكن الرجوع إلى الإجماع والاعتماد عليه، ويرجع في الحق من ذلك إلى نص كتاب أو اعتماد على طريقة تفضي إلى العلم، كالتمسك بأصل ما في العقل ونفي ما ينقل عنه، وما أشبه ذلك من الطرق التي قد بيناها في مواضع، وفي كتاب (نصرة ما انفردت به الإمامية في المسائل الفقهية). فإن قدرنا أنه لا طريق إلى قطع على الحق فيما اختلفوا فيه، فعند ذلك كنا مخيرين في تلك المسألة بين الأقوال المختلفة، لفقد دليل التخصيص والتعيين. وكذلك القول في أحكام الحوادث التي تحدث ولا قول للإمامية على وفاق ولا خلاف. آخر المسألة صورة النسخة المستنسخة كتبتها من خط الشيخ زين الدين قدس الله نفسه الزكية وأفاض على تربته المراحم الربانية والحمد لله وحده.

[ 315 ]

(50) مسألة في علة امتناع علي (ع) عن محاربة الغاصبين لحقه بعد الرسول صلى الله عليه وآله

[ 317 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشريف الأجل المرتضى (رضي الله عنه): إن سأل سائل فقال: إذا كان شيوخكم يعتمدون قديما " وحديثا " في علة امتناع أمير المؤمنين عليه السلام من محاربته بعد الرسول صلى الله عليه وآله القوم الخارجين عن طاعته الغاصبين لرتبته النازلين بغير حق في منزلته. فإنه عليه السلام علم أنه لو شرع في ذلك لارتد الناس مع قرب عهدهم بالكفر، وأنه عليه السلام إنما كظم وصبر حذرا " من الفساد الأعظم. وعلى هذه الطريقة سؤال صعب، وهو أن يقال: كيف يجوز أن يكون إمامته وفرض طاعته من المصالح الدينية التي لا عوض عنها، ويتعلق بها بعينها الفساد والردة، لأنه عليه السلام إذا كان الغرض في إمامته أن يتصرف في الأمر ويدبر أمورهم، وكان لا سبيل له إلى ذلك إلا بما هو مفسدة لهم وموءدة إلى

[ 318 ]

ردتهم، فقد تعلق الاستفساد بإمامته، وخرجت من أن تكون واجبة إلى أن تكون قبيحة. وبعد فأي ردة كان يخاف منها وجميع من خالف النص عندكم مرتد بدفعهم له، فكأنه خاف مما هو واقع حاصل. الجواب: إعلم أنه لا صعوبة في الجواب عن هذا السؤال لمن تأمل الأمر، لأن الله تعالى إذا علم أن المصلحة الدينية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله في إمامته وفرض طاعته، وقد فعل ذلك النبي صلى الله وعليه وآله بأمره تعالى. وإذا كانت المصلحة في تدبيره لأمور الأمة، إنما يتم بتمكينهم له من النظر والتدبير والأمر والنهي والحل والعقد، وجب أن يأمرهم بتمكينه ويوجب عليهم التخلية بينه وبين تدبيره، وقد فعل ذلك على أوجه الوجوه، فخالفوا وعصوا واتبعوا الهوى المردي، وعدلوا عن الحق المنجي. فقامت له جل ثناؤه بذلك الحجة عليهم، لأنه أزاح علتهم فيما به تتم مصلحتهم، وفعل ما يتم به ذلك من مقدوره، وهو النص والدلالة والحجة والأمر بالتمكين وإيجاب التخلية، ونفي ما هو في مقدورهم من التمكين والتخلية اللذين لا يتم التصرف إلا بهما، فهم الملومون المعاتبون على فوت مصلحتهم، وهو تعالى المشكور على فعله بهم. وليس يجوز أن يكرههم ويلجأهم إلى التمكين، لأن ذلك يبطل التكليف، ويسقط استحقاق الثواب، والمجزي بالتكليف إليه.

[ 319 ]

وأما المحاربة: فإن كان الغرض في تكليفها أن يرجع القوم عن الباطل إلى جهة الحق، فقد يجوز أو يعلم أو يغلب في الظن في أحوالهم أنه بذلك لا يرجعون، فلا طائل إذن فيها. وإن كان الغرض في المحاربة ما يجب في جهاد الباغي على الإمام الخارج عليه العادل عن طاعته، فإن ذلك كله إنما يجب مع التمكين والقدرة والأنصار والأعوان، ولم يكن شئ من ذلك في تلك الأحوال. وهذا كاف في سقوط فرض المحاربة، إلا أنا كنا نريد أن تصرحوا بأن العلة في الكف عن المحاربة الخوف من ارتداد القوم، فيجب أن نعدل عن الجواب بغيره من أنه غير متمكن من ذلك انعقد (1) الناصر وما جرى مجرى ذلك. فنقول: إذا كانت المحاربة إنما يتكلف لوجوب الجهاد الباغي الشاق للعصي، فقد يجوز أن نعلم أنها تؤدي إلى فساد في الدين من ردة عنه أو ما أشبهها فيقبح استعمالها، لأنها مفسدة، وليس ذلك بموجب أن يكون نفس الإمامة هي المفسدة، أو تدبير الإمام أمور الأمة وتعريفه لهم، لأن المفسدة هاهنا منفصلة عن الإمامة نفسها، وإن عرضت في المجاهدة لمن خالف الإمام الذي هو مصلحة الأمة أما تدبير الإمام يتم، وذلك لا يتم إلا بالنص عليه، وإيجاب فرض طاعته، والاستفساد الذي ذكرناه غير وراجع إلى شئ من ذلك، بل هو راجع إلى المحاربة من بغى على الإمام وخالف طاعته وإمامته، وذلك منفصل عن نفس الإمامة. وقد بينا الجهاد المارق عن الدين ومحاربة الباغي عن الإمامة، إنما يجب إذا لم يعرض فيها استفساد يسقط وجوبها بل قبحت، ولا شئ من الواجبات إلا ومتى

1) ظ: لفقد.

[ 320 ]

عرض فيها وجه قبح سقط وجوبها وبل ذا (1) تقررت. وقيل لنا من بعد: فكيف حارب أهل الجمل وصفين لما بغوا عليه ومرقوا عن طاعته؟ فالجواب: أنه تمكن من ذلك لوجود الأعوان والأنصار والمشايعين والمتابعين، ولم يحصل في أول الأمر شئ من ذلك. والجواب الآخر: أنه لم يعلم أن جهادهم يؤدي إلى استفساد وعلم في الحال الأولى أن المحاربة تؤدي إلى ذلك. فأما ظاهر ما مضى في أن الردة حاصلة في كل دافع، فمن أي شئ خاف في المجاهدة؟. فالجواب: أنه خاف ارتداد من لم يكن مرتدا " قبل الحرب من المستضعفين، والنافي البصيرة في الدين، الذين ما كانوا ارتدوا قبل المحاربة، وتدخل عليهم الشبهات فيها حتى يرجعوا عن الحق إلى الباطل. وقد دخلت الشبهة على كثير من الضعفاء في قتله عليه السلام لأهل الجمل وصفين، وشككهم ذلك في أحواله، وليست منزلة من خالف من أهل الجمل وصفين في النفوس ومكانهم من الصدور مكان من خالف في النص وعمل بخلافه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله، وإلا فمن الجائز القوي أن تدخل بمحاربتهم الشبهات. ووجه آخر: وهو أن الكفر قد يتفاضل، فيكون بعضه أعظم من بعض، إما لأن العقاب عليه أغلظ الوجوه ولا يظهر لنا، أو لوقوعه على وجه يطمع في إسلامه وأهل (2) أعداهما ووقع النص عليه في الأصل، وإن كان كفرا " وارتدادا "

1) كذا. 2) كذا إلى آخره.

[ 321 ]

عند الشيعة الإمامية، وأعظم منه وأفحش وأشد اطماعا " في الاسلام وأهله أن يخلع منه، ويفسد الاسلام، وينزع شعاره، ويظهر التكذيب بالنبي وبما جاء به من الشرائع، وتجتنب ما أقتضى قوة الكفر وتعاظمه على الجملة. ويمكن جواب آخر وهو أن يقال: كما أن وقوع الكفر عند فعل من الأفعال مع الشرائط المراعاة يكون مفسدة، كذلك وقوع زيادة عليه من ضروب الكفر، ومن بعض الأفعال لا يجوز أن يفعل به ما يعلم أنه يفعل عنده ضربا " آخر من الكفر، فمن كفر بدفع النص والعمل بخلافه، يجوز أن يكفر بأن يظهر الطعن في النبوة والشرائع والتوحيد والعدل، فالمنع مما يقع عنده زيادة الكفر في الوجوب، كالمنع مما يقع عنده شئ من الكفر. وليس لأحد أن يقول: هذا الجواب لا يليق بمذاهب الإمامية، لأنهم يذهبون إلى أن دافع النص والكافر به لا طاعة معه ولا معرفة بالله تعالى وأنبيائه وشرائعه، بل هو في حكم الدافع لذلك والجاهل به، فليس يزداد بالمحاربة عند المجاهدة إلا ما كان حاصلا قبلها. وذلك أنا إذا صفحنا عن تلخيص هذا الموضع والمناقشة عليه فيه وتحقيقه، جاز لنا أن نقول من جملة ضروب الكفر محاربة الإمام ومدافعته وممانعته. وما كانوا بهذا الضرب كافرين بدفع النص ولا مستحقين لعذاب المحاربة والمدافعة، فإذا خرج بهم إلى الحرب فحاربوا ومانعوا، كفروا بذلك واستحقوا به العذاب بعد أن لم يكونوا عليه في الأول، ولذلك إن نطقوا وأظهروا وأعلنوا جحد الإمامة والشريعة وطعنوا فيها طعنا " مسموعا " متحققا "، فكل ذلك كفر ما كانوا عليه ولا مستحقي عقابه. فبان صحة هذا الجواب أيضا " مضافا " إلى ما تقدم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وعترته المعصومين.

[ 323 ]

(51) مسألة في العصمة

[ 325 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ما حقيقة العصمة التي يعتقد وجوبها للانبياء والأئمة عليه السلام؟ وهل هو معنى يضطر إلى الطاعة ويمنع من المعصية، أو معنى يضام الاختيار؟ فإن كان معنى يضطر إلى الطاعة ويمنع من المعصية، فكيف يجوز الحمد والذم لفاعلها؟. وإن كان معنى يضام الاختيار، فاذكروه ودلوا على صحة مطابقته له، ووجوب اختصاص المذكورين به دون من سواهم. فقد قال بعض المعتزلة: إن الله عصم أنبياءه بالشهادة لهم بالاعتصام، وضلل قوما " بنفس الشهادة عليهم بالضلال، فإن يكن ذلك هو المعتمد أنعم بذكره ودل على صحته وبطلان ما عساه نعلمه من الطعن عليه، وإن كان باطلا دل على بطلانه وصحة الوجه المعتمد دون ما سواه. الجواب ولله التوفيق: إعلم أن العصمة هي اللطف الذي يفعله تعالى، فيختار العبد عنده الامتناع

[ 326 ]

من فعل القبيح، فيقال على هذا: إن الله عصمه، بأن فعل له ما أختار عنده العدول عن القبيح، ويقال: إن العبد معتصم، لأنه أختار عند هذا الداعي الذي فعل الامتناع عن القبيح. وأصل العصمة في وضع اللغة المنع، يقال: عصمت فلانا من السوء إذا منعت من فعله به، غير أن المتكلمين أجروا هذه اللفظة على من امتنع باختياره عند اللطف الذي يفعله الله تعالى به، لأنه إذا فعل به ما يعلم أن يمتنع عنده من فعل القبيح، فقد منعه منه، فأجروا عليه لفظ المانع قسرا " أو قهرا ". وأهل اللغة يتصارفون ذلك ويستعملونه، لأنهم يقولون فيمن أشار على غيره برأي فقبله مختارا، واحتمى بذلك من ضرر يلحقه، وهو ماله إن حماه من ذلك الضرر ومنعه وعصمه منعه، وإن كان ذلك على سبيل الاختيار. فإن قيل: أفتقولون فيمن لطف له بما أختار عنده الامتناع من فعل واحد قبيح أنه معصوم. قلنا: نقول ذلك مضافا " ولا نطلقه، فنقول: إنه معصوم من كذا ولا نطلق، فيوهم أنه معصوم من جميع القبائح، ونطلق في الأنبياء والأئمة عليهم السلام العصمة بلا تقييد، لأنهم عندنا لا يفعلون شيئا " من القبائح، دون ما يقوله المعتزلة من نفي الكبائر عنهم دون الصغائر. فإن قيل: فإذا كان تفسير العصمة ما ذكرتم، فألا عصم الله جميع المكلفين وفعل بهم ما يختارون عنده الامتناع من القبائح. قلنا: كل من علم الله تعالى أن له لطفا " يختار عنده الامتناع من القبح، فإنه لا بد أن يفعله وإن لم يكن نبيا " ولا إماما "، لأن التكليف يقتضي فعل اللطف على ما دل عليه في مواضع كثيرة. غير أنا لا نمنع أن يكون في المكلفين من ليس في المعلوم أن فيه سببا " متى

[ 327 ]

فعل أختار عنده الامتناع من القبح، فيكون هذا المكلف لا عصمة له في المعلوم ولا لطف، ولا يكلف من لا لطف له بحسن ولا بقبح، وإنما القبيح منع اللطف فيمن له لطف مع ثبوت التكليف. فأما قول بعضهم أن العصمة الشهادة من الله تعالى بالاعتصام، فباطل لأن الشهادة لا يجعل الشئ على ما هو به، وإنما يتعلق به على ما هو عليه، لأن الشهادة هي الخبر، والخبر عن كون الشئ على صفة لا يؤثر في كونه عليها، فيحتاج أولا إلى أن يتقدم إلى العلم بأن زيدا " معصوم أو معتصم ويوضح عن معنى ذلك، ثم تكون الشهادة من بعده مطابقة لهذا العلم، وهذا بمنزلة من سئل عن حد المتحرك، فقال: هو شهادة بأنه متحرك أو العلم بأنه على هذه الصفة. وفي هذا البيان كفاية لمن تأمل.

[ 329 ]

(52) مسألة في الاعتراض على من يثبت حدوث الأجسام من الجواهر

[ 331 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ما يقال لمن يدعي عند إقامة الدليل على حدوث الجسم والجوهر والعرض شيئا " ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، أحدث الله تعالى الأشياء عنه. وما الذي يفسد دعواه عند المطالبة بالدلالة على صحتها؟. الجواب: أول ما نقول إحداث شئ من شئ غير كلام، محال ظاهر الفساد، لأن المحدث على الحقيقة هو الموجود بعد أن كان معدوما ". فإذا فرضنا أنه أحدث من غيره، فقد جعلناه موجودا " في ذلك الغير، فلا يكون محدثا " على الحقيقة، ولا موجودا " من عدم حقيقي، فكأنا قلنا: إنه محدث وليس بمحدث. وهذا متناقض، على أن الجواهر والأجسام إنما حكمنا بحدوثها، لأنها لم

[ 332 ]

يحل (1) من الاعراض، ولم يتقدم في الوجود عليها، وما لم يتقدم المحدث فهو محدث مثله. وإذا كانت الأعراض التي تأملنا (2) بحدوثها إلى حدوث الأجسام، والجواهر محدثة لا من شئ ولا عن هيولي، على ما نموه (3) به هؤلاء المتفلسفون به، فيجب أن يكون الجواهر والأجسام أيضا " محدثة على هذا الوجه، لأنه إذا وجب أن يساوي ما لم يقدم المحدث له في حدوثه، فيجب أن يساويه أيضا " في كيفية حدوثه. على أنا قد بينا أن ما أحدث من غيره ليس بمحدث في الحقيقة، والعرض محدث على الحقيقة، فيجب فيما لم يقدمه في الوجود أن يكون محدثا " على الحقيقة. نبين ما ذكرناه أن من أحدث من طين أو شمع صورة، فهو غير محدث لها على الحقيقة، وكيف يكون ذلك؟ وهو موجودة الأجزاء في الطين أو الشمع، وإنما أحدث المصور تصويرها وتركيبها والمعاني المخصوصة فيها، وهذا يقتضي أن الجواهر والأجسام على مذهب أصحاب الهيولي غير محدثة على الحقيقة، وإنما حدث التصوير. وإذا دل الدليل على حدوث جميع الأجسام، بطل هذا المذهب. فأما الذي يدل على بطلان قول من أثبت شيئا " موجودا " ليس بجسم ولا عرض من غير جملة المطالبة أو تصحيح دعواه ولعجزه عن ذلك، فهو أنه لا حكم

1) ظ: لم يخل.
2) ظ: قلنا.
3) ظ: نوه.

[ 333 ]

لذات موجودة ليست بجسم ولا جوهر ولا عرض يعقل ويمكن إشارة إليه. وما لا حكم له من الذوات أو الصفات لا يجوز إثباته ولا بد من نفيه، لأنه يؤدي إلى الجهالات وإلى إثبات ما لا يتناهى من الذوات والصفات، وقد بينا هذه الطريقة في مواضع من كتبنا، لا سيما الكتاب (الملخص) في الأصول. على أنا نقول لمن أثبت الهيولي وادعى أنها أصل للعالم، وأن الأجسام والجواهر منها أحدثه (1)، لا يخلو هذه التي سميتها ب‍ (الهيولي) من أن يكون موجودة ما يعنق أن يستمه (كذا) (2) لهذه اللفظة، لأن الموجود عندكم يكون بالفعل ويكون بالقوة، ويكون المعدوم عندكم موجودا " بالقوة أو في العلم. وإنما يريد بالوجود هو الذي يعقله ويعلمه صورة عند إدراك الذوات المدركات لأن أحدنا إذا أدرك الجسم متحيزا " علم ضرورة وجوده وثبوته. وكذلك القول في الألوان وما عداها من المدركات. فإن قال: هي موجودة على تحديدكم. قلنا: فيجب أن تكون متحيزة، لأنها لو لم تكن بهذه الصفة ما جعل منها المتحيز. ألا ترى أن الاعراض لما لم تكن متحيزة، لم يمكن أن يحدث فيها المتحيز وإذا أقروا فيها بالتحيز فهي من جنس الجوهر، وبطل القول بأنها ليست بجوهر ووجب لها الحدوث، لأن دليل حدوث الأجسام ينظمها ويشتمل عليها، فبطلوا (3) أيضا " القول بعدمها ونفي حدوثها.

1) ظ: أحدثها.
2) كذا.
3) ظ: فبطل.

[ 334 ]

وإن قالوا: هي معدومة. قلنا: إذا كانت معدومة على الحقيقة فما يسومكم إثبات قدم لها ولا حدث لأن هذين الوصفين إنما يتعاقبان على الموجود، فكأنكم تقولون: إن الله سبحانه وتعالى جعل من هذه الهيولي المعدومة جواهر وأجساما " موجودة. هذه موافقة في المعنى لأهل الحق القائلين: بأن الجواهر في العدم على صفة تقتضي وجوب التحيز لها متى وجدت، وأن الله سبحانه إذا أوجد هذه الجواهر، وجب لها في الوجود التحيز لما هي عليه في نفوسها من الصفة في العدم الموجب لذلك بشرط الوجود، ولا تأثير له في الصفة التي كانت عليها الجواهر في العدم. على أن هذه الطريقة إذا صاروا إليها تقتضي أن الأجناس والأعراض كلها هيولي، لأن الدليل قد دل على أن السواد ولكل حسن في الاعراض (1) صفة ثابتة في حال العدم يقتضي كونه على صفة التي تدرك عليها إن كان مما يدرك في حال الوجود، وأن الفاعل إنما يؤثر في إحداثه وإيجاده، دون صفة التي كان عليها في حال العدم. والقول في الأعراض كالقول في الجواهر في هذه القصة، فيجب أن يكون الجميع هيولي، لأن الطريقة واحدة، وكلام هؤلاء القوم غير محصل ولا مفهوم وهم يدعون التحديد والتحقيق، وما أبعدهم في ذلك. تمت المسألة.

1) ظ: كذا.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية