الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




رسائل الشريف المرتضى (2) - السيد أحمد الحسيني

رسائل الشريف المرتضى (2)

(تقديم وإشراف): السيد أحمد الحسيني
(إعداد): السيد مهدي الرجائي


[ 2 ]

منشورات دار القرآن الكريم قم - ايران

[ 3 ]

رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثانية (تقديم وإشراف) السيد أحمد الحسيني (إعداد) السيد مهدي الرجائي

[ 4 ]

* كتاب: رسائل الشريف المرتضى - 2 * تأليف: الشريف المرتضى * تقديم: السيد أحمد الحسيني * إعداد: السيد مهدي الرجائي * نشر: دار القرآن الكريم - قم * طبع: مطبعة الخيام - قم * التاريخ: 1405 ه‍ * العدد (2000) نسخة

[ 7 ]

(9) مسألة في المنامات

[ 9 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة: في المنامات صحيحة هي أم باطلة؟ ومن فعل من هي؟ ومن أي جنس هي؟ وما وجه صحتها في الأكثر؟ وما وجه الانزال عند رؤية المباشرة في المنام؟. وإن كان فيها صحيح وباطل فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر؟. الجواب وبالله التوفيق: من كلام المرتضى (قدس الله روحه) سادسة المسائل التي سألت عنها: اعلم أن النائم غير كامل العقل، لأن النوم ضرب من السهو، والسهو ينفي العلوم، ولهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة، لنقصان عقله وفقد علومه. * هامش * (1) خ ل: صاحبه.

[ 10 ]

وجميع المنامات إنما هي اعتقادات يبتدأ بها النائم في نفسه، ولا يجوز أن يكون من فعل غيره فيه في نفسه، لأن من عداه من المحدثين - سواء كان بشرا أو ملائكة أو جنا - أجسام، والجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا، بل ابتداءا. ولا شيئا من الأجناس على هذا الوجه، وإنما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء. وإنما قلنا أنه لا يفعل في غيره جنس الاعتقادات متولدا، لأن الذي يعدي الفعل من محل القدرة إلى غيرها من الأسباب إنما هو الاعتمادات، وليس في جنس الاعتمادات ما يولد الاعتقادات. ولهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل ما تولد فيه شئ من الاعتقادات. وقد بين ذلك وشرح في مواضع كثيرة. والقديم تعالى هو القادر أن يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات. ولا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقادا، لأن أكثر اعتقاد النائم جهل وتناول الشئ على خلاف ما هو به، لأنه يعتقد أنه يرى ويمشي وأنه راكب وعلى صفات كثيرة، وكل ذلك على خلاف ما هو به، وهو تعالى لا يفعل الجهل، فلم يبق إلا أن الاعتقادات كلها من جهة النائم. وقد ذكر في المقالات أن المعروف ب‍ (صالح قبة) كان يذهب إلى أن ما يراه النائم في منامه على الحقيقة. وهذا جهل منه يضاهي جهل السوفسطائية، لأن النائم يرى أن رأسه مقطوع، وأنه قد مات، وأنه قد صعد إلى السماء. ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله. وإذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنه ماء وفي المردي إذا كان في الماء أنه مكسور وهو على الحقيقة صحيح لضرب من الشبهة واللبس وإلا جاز ذلك في النائم، وهو من الكمال أبعد وإلى النقص أقرب.

[ 11 ]

وينبغي أن يقسم ما يتخيل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة: منها: ما يكون من غير سبب يقتضيه ولا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدءا. ومنها: ما يكون من وسواس الشيطان، ومعنى هذه الوسوسة أن الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة، فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه. فقد نجد كثيرا من النيام يسمعون حديث من يتحدث بالقرب منهم، فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث في منامهم. ومنها: ما يكون سببه والداعي إليه خاطرا يفعله الله تعالى، أو يأمر بعض الملائكة بفعله. ومعنى هذا الخاطر أن يكون كلاما يفعل في داخل السمع، فيعتقد النائم أيضا ما يتضمن ذلك الكلام. والمنامات الداعية إلى الخير والصلاح في الدين يجب أن تكون إلى هذا الوجه معروفة، كما أن ما يقتضي الشر منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة. وقد يجوز على هذا فيما يراه النائم في منامه، ثم يصح ذلك حتى يراه في يقظته على حد ما يراه في منامه. وفي كل منام يصح تأويله أن يكون سبب صحته أن الله تعالى يفعل كلاما في سمعه بضرب من المصلحة، بأن شيئا يكون أو قد كان على بعض الصفات، فيعتقد النائم أن الذي يسمعه هو يراه. فإذا صح تأويله على ما يراه، فما ذكرناه أن لم يكن مما يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقا، فإن في المنامات ما يجوز أن يصح بالاتفاق وما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتفاق، فهذا الذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه. فإن قيل: أليس قد قال أبو علي الجبائي في بعض كلامه في المنامات: أن الطبائع لا تجوز أن تكون مؤثرة فيها، لأن الطبائع لا تجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر في شئ، وأنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المآكل

[ 12 ]

يكثر عندها المنامات بالعادة، كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الانسان وهو مستيقظ ما لا أصل له. قلنا: قد قال ذلك أبو علي، وهو خطأ، لأن تأثيرات المآكل بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة، إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع، فهو من فعل الله تعالى، فكيف تضيف التخيل الباطل والاعتقاد الفاسد إلى فعل الله تعالى. فأما المستيقظ الذي استشهد به، فالكلام فيه والكلام في النائم واحد، ولا يجوز أن نضيف التخيل الباطل إلى فعل الله تعالى في نائم ولا يقظان. فأما ما يتخيل من الفاسد وهو غير نائم، فلا بد من أن يكون ناقص العقل في الحال وفاقد التمييز بسهو وما يجري مجراه، فيبتدأ اعتقادا لا أصل له، كما قلناه في النائم. فإن قيل: فما قولكم في منامات الأنبياء عليهم السلام وما السبب في صحتها حتى عدما يرونه في المنام مضاهيا لما يسمعونه من الوحي؟. قلنا: الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحتها، ولا هي مما توجب العلم، وقد يمكن أن يكون الله تعالى أعلم النبي بوحي يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم: أني سأريك في منامك في وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه. فيقطع على صحته من هذا الوجه، لا بمجرد رؤيته له في المنام. وعلى هذا الوجه يحمل منام إبراهيم عليه السلام في ذبح ولده. ولولا ما أشرنا إليه كيف كان يقطع إبراهيم عليه السلام بأنه متعبد بذبح ولده؟. فإن قيل: فما تأويل ما يروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: (من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي) وقد علمنا أن المحق والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبي صلى الله عليه وآله ويخبر كل واحد منهم عنه بضد ما * هامش * (1) سنن ابن ماجة 2 / 284، الرقم 3901 *

[ 13 ]

يخبر به الآخر، فكيف يكون رائيا له في الحقيقة مع هذا؟. قلنا: هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، ولا معول على مثل ذلك. على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به: من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة، لأن الشيطان لا يتمثل بي لليقظان. فقد قيل: إن الشيطان ربما تمثل بصورة البشر. وهذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر، لأنه قال: من رآني فقد رآني، فأثبت غيره رائيا له ونفسه مرئية، وفي النوم لا رائي له في الحقيقة ولا مرئي، وإنما ذلك في اليقظة. ولو حملناه على النوم، لكان تقدير الكلام: من اعتقد أنه يراني في منامه وإن كان غير راء له في الحقيقة، فهو في الحكم كأنه قد رآني. وهذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر وتبديل لصيغته. وهذا الذي رتبناه في المنامات وقسمناه أسد تحقيقا من كل شئ قيل في أسباب المنامات، وما سطر في ذلك معروف غير محصل ولا محقق. فأما ما يهذي إليه الفلاسفة، فهو مما يضحك الثكلى، لأنهم ينسبون ما صح من المنامات لما أعيتهم الحيل في ذكر سببه إلى أن ا لنفس اطلعت إلى عالمها فأشرفت على ما يكون. وهذا الذي يذهبون إليه في الحقيقة النفس غير مفهوم ولا مضبوط، فكيف إذا أضيف إليه الاطلاع على عالمها. وما هذا الاطلاع وإلى أي يشيرون بعالم النفس؟ ولم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع؟. فكل هذا زخرفة ومخرقة وتهاويل لا يتحصل منها شئ وقول صالح فيه، مع أنه تجاهل محض أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة، لأن صالحا ادعى أن النائم يرى على الحقيقة ما ليس يراه، فلم يشر إلى أمر غير معقول ولا * هامش * (1) في المخطوطة (تمثلت)

[ 14 ]

مفهوم، بل ادعي ما ليس بصحيح وإن كان مفهوما، وهؤلاء عولوا على ما لا يفهم مع الاجتهاد، ولا يعقل مع قوة التأمل، والفرق بينهما واضح. وأما سبب الانزال، فيجب أن يبنى على شئ تحقيق سبب الانزال في اليقظة مع الجماع، ليس هذا مما يهذي به أصحاب الطبائع، لأنا قد بينا في غير موضع أن الطبع لا أصل له، وأن الإحالة فيه على سراب لا يتحصل. وإنما سبب الانزال أن الله أجرى العادة بأن يخرج هذا الماء من الظهر عند اعتقاد النائم أنه يجامع، وإن كان هذا الاعتقاد باطلا. والحمد لله.

[ 15 ]

(10) رسالة في الرد على أصحاب العدد

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه توكلي وعليه اعتمادي بالعدد الحمد لله على وافر الخباء وباهر العطاء، ومتواصل الآلاء، ومتتابع السراء وصلى الله على خير البشر، وأفضل البدو والحضر، سيدنا محمد نبيه وصفيه وعلى الطاهرين من عترته وسلم وقفت - أحسن الله توفيقك - على ما أنفذته من الكلام المجموع في نصرة العدد في الشهور، والطعن على من ذهب إلى الرؤية، واعتمدها ولم يلتفت إلى ما سواها. وأنا أجيب مسألتك وانتفعتك (1) بطلبتك، وأعمل في هذا الباب كلاما وجيزا يقع بمثله الكفاية، فإن من طول من أصحابنا الكلام في هذه المسألة تكلف ما لا يحتاج إليه، والأمر فيها أقرب وأهون من أن يخرج إلى التدقيق والتطويل، والله الموفق للصواب في جميع الأمور.

(1) ظ: أسعفك..

[ 18 ]

(الاستدلال بالاجماع على الرؤية) واعلم أن هذه مسألة إذا تأملت علم أنها مسألة إجماع من جميع المسلمين والاجماع عليها هو الدليل المعتمد، لأن الخلاف فيها إنما ظهر من نفر من أصحاب الحديث المنتمين إلى أصحابنا، وقد تقدمهم الإجماع وسبقهم، ولا اعتبار بالخلاف الحادث، لأنه لو كان به اعتبار لما استقر إجماع، ولا قامت الحجة به. وقد علمنا ضرورة أن أحدا من أهل العلم لم يخالف قديما في هذه المسألة ولا جرى بين أهل العلم فيها متقدما كلام، ولا نظر ولا جدال، حتى ظهر من بين أصحابنا فيها هذا الخلاف. ثم لا اعتبار بهذا الخلاف، سالفا كان أم حادثا متأخرا، لأن الخلاف إنما يفيد إذا وقع ممن بمثله اعتبار في الإجماع من أهل العلم والفضل والدراية والتحصيل. والذين خالفوا من أصحابنا في هذه المسألة عدد يسير ممن ليس قوله بحجة في الأصول ولا في الفروع، وليس ممن كلف النظر في هذه المسألة، ولا ما في أجلى 1 منها، لقصور فهمه ونقصان فطنه. وما لأصحاب الحديث الذين لم يعرفوا الحق في الأصول، ولا اعتقدوها بحجة ولا نظر، بل هم مقلدون فيها والكلام في هذه المسائل، وليسوا بأهل نظر فيها ولا اجتهاد، ولا وصول إلى الحق بالحجة، وإنما تعديلهم 2 على التقليد والتسليم والتفويض

(1) في الهامش: فيما هو أجلى.
(2) الظاهر: تعويلهم..

[ 19 ]

فقد بان بهذه الجملة أن هذه المسألة مسألة إجماع، والاجماع عندنا حجة، لأن الإمام المعصوم الذي لا يخلو الزمان منه، قوله داخل فيه، وهو حجة، لدخول قول من هو حجة فيه. وقد بينا في مواضع كثيرة من كتبنا صحة هذه الطريقة، وكيفية العلم بالطريق، إلى أن قول الإمام داخل في أقوال الشيعة وغير منفصل عنها في زمان الغيبة، الذي يخفى عنا فيه قول الإمام على التحقيق. منها في جواب مسائل أبي عبد الله التبان " ره "، وقد مضى الكلام هناك في هذه المسألة أيضا فيما هو جواب مسائل أهل الموصل الواردة أخيرا. ومن أراد استيفاء الكلام في هذا الباب رجع إلى ما أشرنا إليه من هذه الكتب. (الاستدلال بالسيرة على الرؤية) دليل آخر وهو: إنا قد علمنا ضرورة أن المسلمين من لدن النبي صلى الله عليه وآله إلى وقتنا هذا يفزعون ويلجأون في أوائل الشهور والعلم بها على التحقيق إلى الرؤية، ويخرجون إلى الصحاري والمواضع المنكشفة، خروجا منكشفا ظاهرا معلنا شائعا ذائعا. حتى أنهم يتأهبون لذلك ويتزينون له، ويتجملون بضروب التجملات، لا يخالف في ذلك منهم مخالف، ولا يعارض منهم معارض، ولا ينكر منهم منكر حتى أنه قد جرى مجرى الأعياد والجمع في الظهور والانتشار. فلو كان تعيين الشهور التي تتعلق الأحكام بتعيينها من صوم وحج وانقضاء عدة ووجوب دين، وغير ذلك من الأحكام الشرعية، إنما يثبت بالعدد لا برؤية الأهلة، لكان جميع ما حكينا من فعل المسلمين من الفزع عبثا وغلطا وتكلف

[ 20 ]

بما لا فائدة فيه، والعدول عما فيه الفائدة. (الاستدلال بالآيات القرآنية على الرؤية) دليل آخر وهو: قوله تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) 1. وهذا نص صريح كما ترى بأن الأهلة هي المعتبرة في المواقيت والدالة على الشهور، لأنه علق بها التوقيت. فلو كان العدد هو الذي يعرف به التوقيت، محض العدد بالتوقيت دون رؤية الأهلة، إذ لا معتبر برؤية الأهلة في المواقيت على قول أصحاب العدد. دليل آخر وهو: قوله تعالى (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) 2. وهذا نص صريح كما ترى على أن معرفة السنين والحساب مرجوع فيها إلى القمر ونقصانه وزيادته وأنه لاحظ للعدد الذي يعتمده أصحاب العدد في علم السنين والشهور، وهذا أوضح من أن تدخل على عاقل فيه شبهة. (الاستدلال بالأخبار الواردة على الرؤية) دليل آخر وهو: الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله (صوموا

(1) سورة البقرة: 189.
(2) سورة يونس: 5..

[ 21 ]

لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين) 2 وهذا الخبر وإن كان من طريق الآحاد، ومما لا يعلم كما علم طريقه من أخبار العلم، فقد أجمعت الأمة على قبوله، وإن اختلفوا في تأويله، فما رده أحد منهم، ولا شكك فيه. وهو نص صريح غير محتمل، لأن الرؤية هي الأصل، وأن العدد تابع لها وغير معتبر، إلا بعد ارتفاع الرؤية. ولو كان بالعدد اعتبار، لم يعلق الصوم بنفس الرؤية، ولعلقه بالعدد وقال: صوموا بالعدد، أفطروا بالعدد، والخبر يمنع من ذلك غاية المنع فإن قيل: فما معنى قوله (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وأي فائدة لهذا الكلام. قلنا: معنى ذلك: صوموا لأجل رؤيته وعند رؤيته، كما يقول القائل: صل الغداة لطلوع الشمس، يعني لأجل طلوعه وعند طلوعه، كما قال تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) 2. ثم نعود إلى الكلام على ما ذكره صاحب الكتاب: [ المناقشة في الاستدلال بالكتاب على العدد ] دليل في القرآن: قال الله تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات) 3 فأخبر بأن الصوم المكتوب علينا نظير الصوم المكتوب

1) جامع الأصول 7 / 180.
2) سورة الاسراء: 87.
3) سورة البقرة: 183.

[ 22 ]

على من قبلنا، وقد علم أنه عني بذلك أهل الكتاب، وأنهم لم يكلفوا في معرفة ما كتب عليهم من الصيام إلا العدد والحساب، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله في الآية (أياما معدودات). وهذا نص من الكتاب في موضع الخلاف، يشهد بأن فرض الصيام المكتوب أيام معدودة، حسب ما اقتضاه التشبيه بين الصومين، وما فسره بقوله (أياما معدودات) فإذا وجب ذلك فالمحفوظ من العبادات محفوظ بعدده، محروس بمعرفة كميته، لا يجوز عليه تغييره ما دام فرضه لازما على وجه. فهذا هو الذي نذهب إليه في شهر رمضان، من أن نية معرفته بالعدد والحساب، وأنه محصور بعدد سالم من الزيادة والنقصان، ولولا ذلك لم يكن لقوله تعالى (أياما معدودات) معنى يستفاد. يقال له: ما رأينا أبعد عن الصواب وموقع الحجة من هذا الاستدلال، لأن الله تعالى إنما جمع بين ما كتبه علينا من الصيام، وبين ما كتبه على من كان قبلنا، وتشبه أحدهما بصاحبه في صفة واحدة وهي أن هذا مفروض مكتوب، كما أن ذلك مفروض مكتوب، فجمع في الايجاب والالزام، ولم يجمع بينهما في كل الصفات. ألا ترى أن العدد فيما فرض علينا من الصيام، وفيما فرض على اليهود والنصارى مختلف غير متفق، فكيف يدعى أن الصفات والأحكام واحدة. على أنا لو سلمنا أن الآية تقتضي التشبيه بين الصومين في كل الأحوال.. وليس الأمر كذلك - لم يكن لهم في الآية حجة، لأنا لا نعلم أن فرض اليهود والنصارى في صومهم العدد دون الرؤية، واليهود يختلفون في طريقتهم إلى معرفة الشهور. فمنهم من يذهب إلى أن الطريق هو الرؤية، وآخرون يذهبون إلى العدد،

[ 23 ]

وإذا لم يثبت أن أهل الكتاب كلفوا في حساب الشهور العدد دون الرؤية، سقط ما بنوا الكلام عليه وتلاشى. فأما قوله تعالى (أياما معدودات) فلم يرد به أن الطريق إلى إثبات هذا الصيام وتعيينه هو العدد دون الرؤية، وإنما أراد تعالى أحد أمرين: إما أن يريد ب‍ (معدودات) محصورات مضبوطات، كما يقول القائل: أعطيته مالا معدودا. يعني أنه محصور مضبوط متعين، وقد ينحصر الشئ وينضبط بالعدد وبغيره، فهذا وجه. أو يريد بقوله (معدودات) أنها قلائل، كما قال تعالى (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) 1 يريد أنها قليلة. وهذان التأويلان جميعا يسوغان في قوله تعالى (واذكروا الله في أيام معدودات) 2. فأما قوله (إن المعدود من العبادات محفوظ بعدده محروس بمعرفة كميته، لا يجوز عليه تغيير ما دام فرضه لازما) فهو صحيح، لكنه لا يؤثر في موضع الخلاف في هذه المسألة، لأن العدد إذا كان محفوظا بالعدد مضبوط الكمية إن هذا المعدود المضبوط إنما عرف مقداره وضبط عدده، لا من طريق الرؤية بل من الطريق الذي يدعيه أهل العدد، فليس في كونه مضبوطا معروف العدد ما يدل على الطريق الذي به عرفنا عدده وحصرناه، وليس بمنكر أن يكون الرؤية هي الطريق إلى معرفة حصره وعدده. ثم من أين صحة قوله (وأنه محصور بعدد سالم من الزيادة والنقصان) فليس في قوله تعالى (أياما معدودات) أنها لا تكون تارة ناقصة وتارة زائدة، بحسب ما يدل عليه الرؤية، وإنما تدل على أحد الأمرين اللذين ذكرناهما،

1) سورة يوسف: 20.
2) سورة البقرة: 203.

[ 24 ]

إما معنى القلة، أو معنى الضبط والحصر. وليس في كونها مضبوطات محصورات ما يدل على أنها تكون تارة زائدة وتارة ناقصة، بحسب الرؤية وطلوع الأهلة. فأما انتصاب قوله تعالى (أياما معدودات) فقد قيل: إنه على الظرف، كأنه قيل: الصيام في أيام معدودات، كما يقول القائل: أوجبت علي الصيام أيام حياتي وخروج زيد يوم الخميس. والوجه الثاني: أن يعدي الصيام، كأنه قال: كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودات. ووجه ثالث: أن يكون تفسيرا عن (كم) يكون مرددا 1 عن لفظة (كما) كأنه قال: كتب عليكم الصيام كتابة كما كتب على الذين من قبلكم، وفسر فقال: وهذا المكتوب على غيركم أياما معدودات. ويجوز أيضا أن يكون تفسيرا وتمييزا للصوم، فإن لفظة (الصوم) مجملة يجوز أن تتناول الأيام والليالي والشهور، فميز بقوله تعالى (أياما معدودات) وبين أن هذا الصوم واقع في أيام. وقال الفراء: هو مفعول ما لم يسم فاعله كقوله: أعطي زيد المال. وخالفه الزجاج فقال: هذا لا يشبه ما مثل به، لأنه يجوز رفع الأيام قد يكتب عليكم الصيام، كما يجوز رفع المال، فيقول: أعطى زيدا المال. فالأيام لا يكون إلا منصوبة على كل حال. ومما يمكن أن يقال في هذا الباب مما لا نسبق إليه: أن تجعل (أياما) منصوبة بقوله (تتقون) كأنه قال: لعلكم تتقون أياما معدودات، أي تحذرونها وتخافون شرها، وهذه الأيام أيام المحاسبة والموافقة 2 والمسائلة ودخول النار

1) في الهامش: ويكون مردودا.
2) الظاهر المؤاخذة.

[ 25 ]

وما أشبه ذلك من الأيام المحذورة المرهوبة، ويكون المعنى: إن الصوم إنما كتب عليكم لتحذروا هذه [ الأيام ] 1 وتخافوها، وتتجنبوا القبائح وتفعلوا الواجب. ثم حكى صاحب الكتاب عنا ما لا نقوله ولا نعتمده ولا نسأل عن مثله، وهو أن قوله تعالى (أياما معدودات) إنما أراد به إن كان عددها وتشاغل بنقض ذلك وإبطاله، وإذا كنا لا نعتمد ذلك ولا نحتج به، فقد تشاغل بما لا طائل فيه. والذي نقوله في معنى (معدودات) من الوجهين ما ذكرناه فيما تقدم وبيناه فلا معنى للتشاغل بغيره. [ المناقشة في الاستدلال الثاني بالكتاب على العدد ] دليل آخر من القرآن: وهو قوله جل اسمه (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) 2 فأبان تعالى في هذه الآية أن شهر رمضان عدة يجب صيامها على شرط الكمال. وهذا قولنا في شهر الصيام أنه كامل تام سالم من الاختلاف، وأن أيامه محصورة لا يعترضها زيادة ولا نقصان. وليس كما يذهب إليه أصحاب الرؤية، إذ كانوا يجيزون نقصانه عن ثلاثين، وعدم استحقاقه لصفة الكمال. يقال له: من أين ظننت أن قوله تعالى (ولتكملوا العدة) معناه: صوموا ثلاثين يوما من غير نقصان عنها.

1) الزيادة منا.
2) سورة البقرة: 185.

[ 26 ]

وما أنكرت أن يكون قوله (ولتكملوا العدة) معناه: صوموا العدة التي وجب عليكم صيامها من الأيام على التمام والكمال، وقد يجوز أن يكون هذه العدة تارة ثلاثين وتارة تسعة وعشرين يوما، ومن رأى الهلال فقد أكمل العدة التي وجب عليه صيامها وما نقص عنها شيئا. ألا ترى أن من نذر أن يصوم تسعة وعشرين يوما من شهر ثم صامها، نقول: إنه قد أكمل العدة التي وجبت عليه وتممها واستوفاها ولم 1 يعم شهرا عدده ثلاثون يوما. ثم قال صاحب الكتاب: وقد عارض بعضهم في هذا الاستدلال فقال: إن الشهر وإن نقص عدد أيامه عن ثلاثين يوما، فإنه يستحق من صفة الكمال ما يستحقه إذا كان ثلاثين، وأن كل واحد من الشهرين المختلفين في العدد، كامل تام على كل حال. ثم قال: وهذا غير صحيح، لأن الكامل والناقص من أسماء الاضافات، وهما كالكبير والصغير والكثير والقليل، فكما لا يقال كبير إلا لوجود صغير، ولا كثير إلا لحصول قليل، فكذلك لا يقال الشهر من الشهور كامل إلا بعد ثبوت شهر ناقص، فلو استحال تسمية شهر بالنقصان، لاستحالت لذلك تسمية شهر آخر بالتمام والكمال، وهذا واضح يدل المنصف على فساد معارضة الخصوم ووجود كامل وناقص في الشهور. يقال له: لسنا ننكر أن يكون في الشهور ما هو ناقص ومنها ما هو كامل، لكن قولنا (ناقص) يحتمل أمرين: أحدهما أن يراد به النقصان في العدد، ويحتمل أن يراد به النقصان في الحكم وأداء الفرض. فإذا سألنا سائل عن شهرين أحدهما عدده ثلاثون يوما والآخر عدده تسعة

1) ظ: ولم يصم.

[ 27 ]

وعشرون يوما، وقال: ما تقولون إن الشهر الذي عدده تسعة وعشرون يوما أنقص من الذي عدده ثلاثون يوما. فجوابنا أن نقول له: إن أردت بالنقصان في العدد، فالقليل الأيام ناقص عن الذي زاد عدده. وإن أردت النقصان في الحكم وأداء الفرض، فلا نقول ذلك. بل نقول: إن من أدى ما عليه في الشهر القليل العدد وصامه كملا إلى آخره فقد كمل العدة التي وجبت عليه، ونقول: إن صومه كامل تام لا نقصان فيه، وإن كان عدد أيامه أقل من عدد أيام الشهر الآخر، فلم ننكر، كما ظننت أن يكون شهر ناقصا وشهر تاما، حتى يحتاج إلى أن تقول إن هذا من ألفاظ الاضافات، إنما فصلنا ذلك وقسمناه ووضعناه في موضعه. ثم قال صاحب الكتاب من بعد ذلك: ثم يقال لهم: كيف استجزتم القول بأن قياس الشهور كاملة، مع إقراركم بأن فيها ما عدد أيامه ثلاثون يوما، وفيها ما هو تسعة وعشرون يوما، وليس في العرب أحد إذا سئل عن الكامل من هذه الشهور، التبس عليه أنه الذي عدده ثلاثون يوما. يقال له: هذا مما قد بان جوابه في كلامنا الماضي، وجملته أننا لا ننكر أن الشهر الذي هو تسعة وعشرون يوما أنقص عددا من الذي عدده ثلاثون يوما، وأن الذي عدده ثلاثون يوما أكمل من طريق العدد من الذي هو تسعة وعشرون. وإنما أنكرنا أن يكون أحدهما أكمل من صاحبه وأنقص منه في باب الحكم وأداء الفرض، لأنهما على الوجه الذي يطابق الأمر والايجاب، وهذا ما لا يشتبه على المحصلين. ثم قال بعد ذلك: وقد قال بعض حذاقهم إن قوله تعالى (ولتكملوا العدة) إنما أراد به قضاء الفائت على العليل والمسافر، لأنه ذكره بعد قوله (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام آخر).

[ 28 ]

ثم قال يقال لهم: لو كان الأمر على ما ظننتموه، لكان قاضي ما فاته من علة أو سفر مندوبا إلى التكبير عقيب القضاء، لقول الله تعالى (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) وقد أجمعت الأمة على أنه لا تكبير عليه فرضا ولا سنة، وإنما هو مندوب إليه عقيب انقضاء شهر رمضان ليلة الفطر من شوال. فعلم بما ذكرنا سقوط هذه المعارضة وصحة ما ذهبنا إليه في معنى الآية، وأن كمال العدة يراد به نفس شهر الصيام، وإيراده على التمام. يقال له: قد تبينا أن أمره تعالى بإكمال العدة ليس المراد به صوموا ثلاثين على كل حال، وإنما يراد به صوموا ما وجب عليكم صيامه، واقتضت الرؤية أو العدد الذي نصير إليه بعد الرؤية، وأكملوا ذلك واستوفروه 1، فمن صام تسعة وعشرين يوما وجب عليه لموجب الرؤية، كمن صام ثلاثين يوما وجب عليه برؤية أو عدد عند عدم الرؤية، لأنهما قد أكملا العدة وتمماها. وإذا كان الأمر على ما ذكرناه فلا حاجة بنا أن نجعل قوله (ولتكملوا العدة) مخصوصا بقضاء الفائت على العليل والمسافر. ولو قال صاحب الكتاب في جواب ما حكاه من أن بعض حذاقهم قال: إن إكمال العدة إنما أمر به العليل أو المسافر. إن هذا تخصيص للعموم بغير دليل لكان أجود مما عول عليه، لأن قوله تعالى (ولتكملوا العدة) تمام في قضاء الفائت من شهر رمضان وفي استيفاء العدد وتكميله، وإذا صرفه صارف إلى موضع دون آخر، كان مخصصا بغير دليل. فأما قوله (إن مندوبية التكبير إنما هو عقيب انقضاء شهر رمضان لليلة الفطر وليس على قاضي ما فاته في علة أو سفر تكبير ولا هو مندوب إليه) فغلط منه، لأن التكبير وذكر الله تعالى وشكره على نعمه مندوب إليه في كل وقت وعلى

1) ظ: واستوفوه.

[ 29 ]

كل حال، وعقيب كل أداء العبادة وقضائها، فكيف يدعي أنه غير مندوب إليه إلا عقيب انقضاء شهر رمضان؟. [ المناقشة في الخبر الدال على العدد ] ثم قال صاحب الكتاب: دليل آخر من جهة الأثر: وهو ما روى الشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه القمي (رضي الله عنه) في رسالته إلى حماد بن علي الفارسي في الرد على الجنيدية. وذكر بأسناده عن محمد بن يعقوب بن شعيب عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله صام شهر رمضان تسعة وعشرين يوما أكثر مما صامه ثلاثين. فقال: كذبوا ما صام رسول الله صلى الله عليه وآله إلا تاما، ولا يكون الفرائض ناقصة، إن الله تعالى خلق السنة ثلاثمائة وستين يوما، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام يحجزها من ثلاثمائة وستين يوما، فالسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما. وهو: شهر رمضان ثلاثون يوما لقول الله تعالى (ولتكملوا العدة) والكامل تام، وشوال تسعة وعشرون يوما، وذو القعدة ثلاثون يوما، لقول الله تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة) والشهر هكذا شهر تام وشهر ناقص، وشهر رمضان لا ينقص أبدا، وشعبان لا يتم أبدا 1. وهذا الخبر يغني عن إيراد غيره من الأخبار، لما يتضمنه من النص الصريح على صحة المذهب ويحويه من البيان.

1) وسائل الشيعة 7 / 196 ح 32 و ح 33.

[ 30 ]

قال الشريف المرتضى (رضي الله عنه) يقال له: أما هذا الخبر فكأنه موضوع ومرتب على مذهب أصحاب العدد، لأنه على ترتيب مذهبهم، وقد احترس فيه من المطاعن واستعمل من الألفاظ ما لا يدخله الاحتمال والتأويل، ولا حجة في هذا الخبر ولا في أمثاله على كل حال. وقد بينا في مواضع كثيرة من كتبنا الخبر الواحد لا يوجب العلم، ولا يقطع على صحته وإن رواه العدول الثقات، كان العلم به لا يجوز، لأنا لا نأمن فيما نقدم عليه من الحكم الذي تضمنه أن يكون مفسدة، ولا نقطع على أنه مصلحة، والاقدام على مثل ذلك قبيح، حتى أن من أصحابنا من يزيد على ذلك ويقول: أن أخبار الآحاد لا يجوز العمل بها ولا التعبد بأحكامها من طريق العقول. وقد بينا في مواضع كثيرة أن المذهب الصحيح هو تجويز ورود العبادة بالعمل بأخبار الآحاد من طريق العقول، لكن ذلك ما ورد ولا تعبدنا به، فنحن لا نعمل بها، لأن التعبد بها مفقود وإن كان جائزا. فإن قيل: تجيزون العمل بها من طريق العقول وورود العبادة بذلك، مع ما ذكرتموه من أنه لا يؤمن من الإقدام عليها أن يكون مفسدة، لأن الذي يؤمن ذلك القطع على صدق رواتها، ولا قطع إلا مع العلم، والظن لا قطع معه. قلنا: إذا فرضنا ورود العبادة بالعمل بأخبار الآحاد، آمنا أن يكون الإقدام عليها مفسدة، لأنه لو كان مفسدة أو قبيحا لما وردت العبادة به من الحكيم تعالى بالعمل بها، فصار دليلا على العمل بها، يقطع معه أن العمل مصلحة وليس بمفسدة، كما يقطع على ذلك مع العلم بصدق الراوي. وإذا لم ترد العبادة بالعمل بأخبار الآحاد وجوزنا كذب الراوي، فالتجويز لكون العمل بقوله مفسدة ثابتة، ومع هذا التجويز لا يجوز الإقدام على الفعل، لأنا لا نأمن من كونه مفسدة، فصارت هذه الأخبار التي تروى في هذا الباب غير

[ 31 ]

حجة، وما ليس كذلك لا يعمل به ولا يلتفت إليه. (حمل أخبار الرؤية على التقية والمناقشة فيه) قال صاحب الكتاب دليل آخر: وهو أن مشائخ العصابة وأمناء الطائفة قد رووا أخبار العدد، كما رووا أخبار الرؤية، وقد علمنا أن الأئمة عليهم السلام كانوا في زمان تقية ولم يكتب أحد من المتغلبين في أيامهم، ولا من العامة في وقتهم بقول في العدد فيخوفه 1، وفي علمنا بخلاف ذلك دلالة على أن أخبار الرؤية أولى بالتقية. يقال له: هذا منك كلام على من يحتج في إثبات الرؤية بأخبار الآحاد المروية، ونحن لا نحتج بشئ من ذلك ولا نقول إلا على طرف من الأدلة توجب العلم ويزول معها الشك والريب، وقد تقدم في صدر كتابنا هذا ما يجب أن يعول عليه. فأما ترجيح أخبار العدد على أخبار الرؤية بذكر الرؤية، فهو وإن كان كلاما على غيرنا ممن يعول 2 على أخبار الآحاد في إثبات العمل بالرؤية. فهو أيضا غير معتمد، لأن أكثر ما في هذا الترجيح الذي ذكره أن يكون أخبار العدد الظن فيها أقوى منه في أخبار الرؤية، ومع الظن بالتجويز 3 قائم، والعلم القاطع غير حاصل، والعمل مع ذلك لا يسرع 4، لأن العمل إنما يحسن مع القطع لا مع قوة الظن.

1) خ ل: فيفوته.
2) خ ل: يقول.
3) ظ: فالتجويز.
4) ظ: لا يشرع..

[ 32 ]

قال صاحب الكتاب: ويزيد ذلك بيانا ما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: إذا أتاكم عنا حديثان فحدثوا 1 بأبعدهما من أقوال العامة 2. وفي إجماع العامة على القول بالرؤية، مع ورود هذه الأخبار عن الأئمة صلوات الله عليهم دلالة واضحة على وجوب الأخذ بالعدد، وأنه الأصل الذي عليه المعول. يقال له: ومن أين علم صحة هذا الخبر المروي عن الصادق عليه السلام حتى جعلته أصلا، وعولت عليه في العمل بالأخبار المروية، وترجيح بعضها على بعض، إذ ليس هذا الخبر من أخبار الآحاد، نعني بقولنا (إنه من أخبار الآحاد) أنه لا يوجب علما ولا ينفي تجويزا وإن كان رواه أكثر من واحد. فكيف تعول في أخبار الآحاد وترجيح بعضها على بعض على خبر هو من جملة أخبار الآحاد، وهذا يعول عليه من أصحابنا من لا يعرف ما تقوله وتأتيه وتذره. (الاستدلال بالقياس على العدد والمناقشة فيه) ثم قال صاحب الكتاب: استدلال من طريق القياس، وما يدل على ما نذهب إليه في شهر رمضان، إنا وجدنا صيامه أحد فرائض الاسلام، فوجب من فرضه سلامة أيامه من الزيادة والنقصان، قياسا على الصلوات الخمس التي لا يجوز كونها مرة أربعا ومرة خمسا ومرة ستا، وعلى الزكاة أيضا لفساد إخراج أربعة من المائتين وخمسة مرة أخرى، فعلم بهذا الاعتبار ان شهر رمضان لا يجوز عليه زيادة ولا نقصان. يقال له: إذا كان القياس عندك باطلا وعند أصحابنا، فكيف ولا خلاف

1) في الهامش: فخذوا.
2) وسائل الشيعة 18 / 85 ما يدل على مضمون الحديث..

[ 33 ]

بينهم يحتج بما ليس بحجة عندك؟ وكيف تثبت الأحكام الشرعية بما ليس بدليل؟ فان قال ما قاله بعيد هذا الموضع. ننكر من القياس ما خالف النصوص، وقياسنا هذا يعضده النص الوارد في القرآن، والأخبار تدل على صحته واستمراره على أصله. قيل له: هذا مخالف لما يقوله أصحابك المتقدمون والمتأخرون، لأن القياس عندهم باطل لا يجوز اعتماده فيما وافق النصوص وفيما خالفها، ولا هو حجة في شئ من الأحكام على وجه وعلى سبب. وإذا كانت النصوص تدل على الحكم، أي حاجة بنا إلى استعمال القياس في ذلك الحكم، وقد عرفناه من طريق النصوص، فوجود القياس هاهنا كعدمه، وإنا إذا كنا نستغني بالنص الوارد في الحكم عن نص الآخر، وإن كان الثاني حجة دالا على الحكم. على أن القياس الذي استعملته ليس كذلك، استعماله باطل غير صحيح في نفسه، لأن الأصل الذي قست عليه - وهو الصلوات - يجوز اختلاف العبادة فيها على المكلفين بالزيادة والنقصان. ألا ترى أن من دخل في صلاة الظهر لا يعلم أنه يبقى حتى يصلي الركعات الأربع، وأنه يجوز عليه الاخترام قبل التمام، وإنما يعلم أنه مكلف بالأربع إذا فرغ منها وجاوزها. وقد يجوز أن يبقي الله سبحانه بعض المكلفين صحيحا سليما إلى أن يصلي الأربع، وقد يجوز أن يقبضه وقد فرغ من واحدة أو اثنتين أو ثلاث، فيعلم أن الذي دخل في تكليفه ما نقص الفراغ منه، وما اقتطع دونه من الركعات فليس بداخل في تكليفه، فقد اختلف الفرض كما ترى، وصار فرض بعض المكلفين

[ 34 ]

في الصلوات زائدا وبعضهم ناقصا، وجرى ذلك مجرى شهر رمضان، فإنه يلحقه الزيادة والنقصان. فيجب على من رأى الهلال ليلة الثلاثين أن يفطر، ويكون فرضه تسعة وعشرين يوما. ويكون من لم يره ولا شهد عنده بمن يجب العمل بقبوله 1، أن يصوم ثلاثين، فيختلف فرضاهما. ويجب أيضا على الجميع إذا غم عليهم ليلة الثلاثين أن يصوموا شهرا على التمام. ويجب عليهم إذا رأوه ليلة الثلاثين أن يفطروا، فيختلف التكليفان باختلاف الأحوال. وعلى هذا يختلف أحوال المكلف 2 في الصيام، فإن اخترم في أيام شهر رمضان فتكليفه ما صامه من الأيام، وعلمنا بالاخترام أن صيام باقي الشهر لم يكن في تكليفه، ومن الباقي إلى آخر الشهر قطعنا على أنه مكلف بصيام جميع الشهر. وهذا يخفى على من لم يعرف كيف الطريق إلى العلم بدخول بعض الأفعال في التكليف وهل يسبق ذلك وقوع الفعل أو يتأخر عنه. (الاستدلال بمعرفة العبادات في أوقاتها والمناقشة فيه) قال صاحب الكتاب: استدلال آخر وهو: إن جميع الفرائض يعلم المكلف أوقاتها قبل حلولها، ويعلم أوائلها قبل دخوله فيها، وكذلك يعلم أواخرها قبل تقضيها. ألا ترى أنه لا شئ من الصلوات وطهورها والزكوات وشرائطها وفرائض الحج والعمرة ومناسكها إلا وهذه صفته وحكمه، فعلمنا أن شهر رمضان كذلك إذا كان أحد الفرائض، يجب أن يعلم أوله قبل دخول التكليف فيه وآخره قبل

1) ظ: من يجب العمل بقوله.
2) في الهامش: التكليف..

[ 35 ]

تقضيه، وهذا لا يقدر عليه إلا بالعدد دون الرؤية، فعلم أن العدد هو الأصل. يقال له: إن أردت بكلامك هذا أن جميع الفرائض لا بد أن يعلم المكلف أوقاتها قبل دخوله فيها وأوائلها وأواخرها، وأنه لا بد أن يعلم ذلك على الجملة، ويكون مميزا للأول والآخر بالصفات التي أوردتها الشريعة من غير أن يعلم أنه في نفسه لا يكون داخلا في تكليف الأول والآخر، فالآخر على ما ذكرت. وإن أردت أنه لا بد أن يعلم قبل الدخول فيها أنه مكلف لأولها وآخرها في تكليف الآخر كما دخل في تكليف الأول، فقد بينا أن الأمر بخلاف ذلك، وأن المكلف يعلم أنه مكلف للآخر ولا كل جزء من العبادات إلا بعد قطعه وتجاوزه. فإن قيل: لا يعلم المكلف على مذهبكم قبل دخول شهر رمضان أول هذه العبادة وآخرها. قلنا: يعلم أول هذه العبادة بأن يشاهد الهلال ليلة الشهر، أو يخبره من يجب عليه قبول خبره برؤيته، فيعلم بذلك أنه أول هذه العبادة قبل دخوله فيها. فأما آخرها فيعلمه أيضا قبل الوصول إليه، بأن يشاهد الهلال ليلة الثلاثين، أو يخبره عن مشاهدته من يلزمه العمل بخبره، أو بأن يفقد الرؤية مع الطلب والخبر عنها، فيلزمه أن يصوم الثلاثين، فقد صار أول شهر رمضان وآخره متميزين عند أصحاب الرؤية كما تميز عند أصحاب العدد. فإن قيل: التميز عند أصحاب العدد واضح، لأنهم يقولون على شئ واحد في أول الشهر وآخره، وهو العدد دون انتقال من غيره إليه، وأصحاب الرؤية يقولون على الرؤية التي يجوز أن تحصل وأن لا تحصل، ثم ينتقلون إذا لم تحصل إلى العدد. قلنا: وأي فرق بين تمييز العبادة وتعيينها بين أن يتميز بأمر واحد لا ينتقل

[ 36 ]

منه إلى غيره ولا يختلف حكمه، وبين أن تتميز ما ميز بتقدر حصوله وبتوقع كونه فإن وقع تميز به وإن لم يقع وقع الانتقال إلى أمر آخر، وأكثر الشريعة على ما ذكرناه، وأنها تتميز بأوصاف مختلفة وشروط متعاقبة مترتبة. أو لا ترى أن العدة في الطلاق قد تختلف على المرأة، فتقيد تارة بالشهور وتارة بالأقراء، فتنتقل العدة بالمعتدة الواحدة من شهور إلى أقراء ومن أقراء إلى شهور، فتختلف العادة، وهذا الاختلاف كاختلاف الشروط والصفات فيها. (الاستدلال بالحصر على بطلان الرؤية والمناقشة فيه) قال صاحب الكتاب: أخبرونا عمن طلب أول شهر رمضان إذا رقب الهلال فرآه، لا يخلو أمره من إحدى ثلاث خصال: أما أن يعتقد برؤيته أنه قد أدرك معرفة أوله لأهل الاسلام، حتى لا يجيز ورود الخبر برؤيته قبل ذلك في بعض البلاد. أو يعتقد أنه أول الشهر عنده، لأنه رآه ويجيز رؤية غيره له من قبل واستتاره عنه في الحال، لكنه لا يلتفت إلى هذا الجواز، ولا يعول إلا على ما أدركه ورآه. أو لا يعتقد ذلك ويقف مجوزا غير قاطع، لإمكان ورود الخبر الصادق بظهوره لغيره قبل تلك الليلة في إحدى الجهات. فعلى أي هذه الأقسام يكون تعويل المكلف في رؤية الهلال؟ فإن قالوا: على القسم الأول، وهو القطع وترك التجويز مع المشاهدة ليصح الاعتقاد، أوجبوا على المكلف اعتقاد أمر آخر يجوز عند العقلاء خلافه وألزموه ترك ما يشهد به الامتحان والعادة بتجويزه، لأن اللبس يرتفع عن ذوي التحصيل في اختلاف أسباب المناظر وجواز تخصيص العوارض والموانع.

[ 37 ]

ثم ما رووه من وجوب صوم الشك حذرا من ورود الخبر برؤية الهلال، يدل على بطلان ذلك. وإن قالوا: يعتمد على القسم الثاني، فيعتقد أنه أول الشهر لما دلته عليه المشاهدة، ولا تكثرت لما سوى ذلك من الأمور المجوزة. أجازوا اختلاف أول شهر رمضان، لجواز اختلاف رؤية الهلال. وأحلوا لبعض الناس الافطار في يوم، أوجبوا على غيرهم فيه الصيام، ولزمهم في آخر الشهر نظير ما التزموه في أوله من غير انفصال. وهذا يؤول إلى نقصانه عند قوم وكونه عند قوم على التمام، وفيه أيضا بطلان التواريخ وفساد الأعياد، مع عموم التكليف لهم بصومه على الكمال، وهو خلاف ما أجمعت عليه الشيعة من الرد على أصحاب القياس، من بطلان تحليل شئ وتحريمه على غيرهم من الناس. وهو أيضا يضاد ما يروونه من صوم يوم الشك على سبيل الاستظهار، وظهور بطلان هذا القسم يغني من الاطالة فيه والاكثار. وإن قالوا: الواجب على العبد إذا رأى الهلال أن لا يبادر بالقطع والثبات، وأن يتوقف مجوزا، لورود أخبار البلاد بما يصح معه الاعتقاد. كان هذا بعيدا عن الصواب وأولى بالفساد، وهو مسقط عن كافة الأمة اعتقاد أول شهر رمضان إلى أن يتصل بهم أخبار البلاد. وكيف السبيل لمن لم ير الهلال إلى العلم، بأنه قد رأى في بعض الجهات، فيثبت له النية في فرض الصيام، بل كيف يصنع من رآه إذا اتصل به أنه ظهر قبل تلك الليلة للناس، ومتى يستدرك النية والاعتقاد في أمر قد فات. ثم قال: واعلم أن إيجابهم لصوم يوم الشك، لا يسقط ما لزمهم في هذا الكلام، لأنا سألناهم عن النية والاعتقاد. وليس يمكنهم القول بأن يوم الشك

[ 38 ]

من شهر رمضان، ولا يجب على من أفطره ما يجب من أفطر يوما فرض عليه فيه الصيام، والشك فيه يمنع من النية على كل حال. يقال له: القسم الثاني من أقسامك التي ذكرتها هو الصحيح المعتمد، وما رأيناك أبطلت هذا القسم إلا بما لا طائل فيه، لأنك قلت: إنه يلزم على اختلاف أول شهر رمضان، لجواز اختلاف رؤية الهلال، أن يحل لبعض الناس الافطار في يوم يجب على غيرهم فيه الصيام، وأنه يلزم في آخر الشهر نظير ما لزم في أوله، وهذا يؤول إلى انقضائه عند قوم، وكونه عند غيرهم على التمام. وهذا الذي ذكرته كله وقلت إنه لازم لهم، صحيح ونحن نلتزم ذلك، وهو مذهبنا. وأي شئ يمنع من اختلاف العبادات لاختلاف أسبابها وشروطها، وأن يلزم بعض المكلفين من العبادة ما لم يلزم غيره، فتختلف أحوالهم باختلاف أسبابهم. ومن الذي يدفع هذا وينكره والشريعة مبنية عليه، ألا ترى أن من وجب عليه بعض الصلوات ويجتهد في جهة القبلة، فغلب في ظنه بقوة بعض الأمارات أنها في جهة مخصوصة، فإنه يجب عليه الصلاة إلى تلك الجهة. وإذا اجتهد مكلف آخر فغلب في ظنه أنها في جهة أخرى غير تلك (الجهة) فإنه يجب عليه أن يصلي إلى تلك الجهة الأخرى وإن خالفت الأولى فقد اختلف فرض هذين المكلفين كما ترى، وصار فرض أحدهما أن يصلي إلى جهة وفرض الآخر أن يصلي إلى خلافها. وكذلك لو دخل اثنان في بعض الصلوات وذكر أحدهما أنه على غير وضوء وأنه أحدث ونقض الوضوء، والآخر لم يذكر شيئا من ذلك، لكان فرض أحدهما أن يقطع الصلاة ويستأنفها، وفرض الآخر أن يمضي فيها ويستمر عليها. وكذلك لو حضر ماء بين يدي محدثين، فغلب في ظن أحدهما بأمارة لاحت

[ 39 ]

له نجاسة ذلك الماء، والآخر لم يغلب في ظنه نجاسته، لكان فرضاهما مختلفين ووجب على أحدهما أن يتجنب ذلك الماء، وعلى الآخر أن يستعمله. وكذلك حكم الأوقات عند من غلب في ظنه دخول بعض الصلوات، فإنه يجب عليه الصلاة في ذلك الوقت، ومن لم يغلب ذلك في ظنه لا يحل له أن يصلي في ذلك الوقت. وهذا أكثر من أن يحصى، والشريعة مبنية على ذلك. وكما يجوز أن يكون الوقت وقتا للصلاة عند قوم، وغير وقت لها عند آخرين. والقبلة في جهة عند قوم، وعند آخرين خلاف ذلك، فيختلف الفرض بحسب اختلاف الأسباب، كذلك يجوز أن يكون الشهر ناقصا عند قوم وتاما عند آخرين، وإلا فما الفرق. فأما قوله (إن في ذلك بطلان التواريخ وفساد الأعياد يتبعان الرؤية) وقد يجوز أن يكون عيد قوم غير عيد غيرهم، لأن ذلك يتبع الأسباب المختلفة. (نقل كلام المستدل بالعدد والمناقشة فيه) فأما قوله (وفي هذا إن نية المعلوم من حقيقة المنتهى عند الله تعالى غير معلوم لسائر العباد، مع عموم التكليف لهم بصومه على الكمال). فكلام غير متحقق لما يقوله خصومه في هذا الباب، لأن المعلوم من حكم الشريعة عند الله تعالى هو المعلوم للعباد من غير اختلاف ولا زيادة ولا نقصان، لأن الله تعالى إذا أوجب على من رأى الهلال ليلة الشهر أن يصومه ويفتح اليوم الذي رأى الهلال من ليله بالصوم، ويحكم بأنه في عبادته أول الشهر على الحقيقة في حقه وأوجب على من لم يره في تلك الليلة ولا خبره برؤيته أن يحكم بأنه ليس من شهر رمضان، ولا وجب عليه فيه الصيام. فالمعلوم لله تعالى هو هذا بعينه وأنه تعالى يعلم هذا الذي فصلناه وفسرناه،

[ 40 ]

وهو أن هذا اليوم في حق من رأى الهلال في ليلة من شهر رمضان، فواجب عليه صومه، وليس هو من شهر رمضان في حق من لم يره ولا صح بالخبر رؤيته، ولا معلوم له يخالف ذلك. كما قلنا في سائر المسائل الشرعية، وفي جهة القبلة، وإن من غلب في ظنه أنها في جهة مخصوصة، وجب عليه التوجه إلى خلاف الجهة الأولى، واختلف فرض هذين المكلفين، وكان معلوم الله تعالى مطابقا لمعلومهما وغير مختلف لما وجب عليهما وعلماه في هذا الباب. فإن قيل: أليس الله تعالى لا بد أن يكون عالما بأن القبلة في جهة بعينها لا يجوز عليه الاختلاف وإن اختلف ظنون المتوجهين، وكذلك لا بد أن يكون عالما بطلوع الهلال في ليلة مخصوصة، أو بفقد طلوعها فيها وإن لم يظهر ذلك بعينه للمكلف، وكيف يكون ما علمه الله تعالى في هذه المواضع مساويا لما يعتقده العبد ويعمله. قلنا: لا اعتبار في باب التكليف بجهة الكعبة نفسها، مع فقد المعاينة وبعد الدار، وإنما الاعتبار الذي يتبعه الحكم إنما يرجع إلى ظن المكلف بما يؤديه إليه اجتهاده في جهة الكعبة مع بعد داره عنها. وتكليفه إنما يختلف بحسب اختلاف ظنونه، فإذا غلب في ظنه أنها في جهة مخصوصة، فتكليفه متعلق بالتوجه إلى الجهة بعينها، سواء كانت الكعبة فيها أو لم تكن، وإن كان فرضه بالتوجه متعلقا بما يغلب في ظنه أنه جهة الكعبة، فتلك الجهة هي قبلته، والمفروض عليه التوجه إليها، وعلم الله متعلق بهذا بعينه. وكذلك القول في مكلف آخر غلب في ظنه أن جهة الكعبة في جهة أخرى، فإن الواجب عليه التوجه إلى تلك الجهة وهي جهة القبلة، والقول في طلوع الهلال واستتاره كالقول في الكعبة، فلا معنى لإعادته.

[ 41 ]

فأما قوله في الفصل (هو خلاف ما أجمعت عليه الشيعة في الرد على أصحاب القياس في بطلان تحليل شئ لقوم وتحريمه على غيرهم من الناس). فما أجمعت الشيعة على ما ظنه، ولا يرد من الشيعة على أصحاب القياس بهذا الضرب من الرد محصل ولا متأمل، وقد بينا في كثير من كتبنا وكلامنا كلاما في هذا الموضع، وأنه لا يمتنع في التكليف أن يحلل الله تعالى شيئا على قوم ويحرمه على آخرين، وإن هذا غير متناقض ولا متناف. وإنما يعول على هذا الضرب من الكلام من يبطل القياس من طريق العقول، ويعتقد أن العبادة تستحيل أن ترد به، وقد بينا جواز ورود العبادة بالقياس، وإنما نحرمه في الشريعة ولا نثبت به أحكامها، لأن العبادة ما وردت به ولا دلت على صحته. فأما قوله (وهو أيضا يضاد ما يروونه من صوم يوم الشك على سبيل الاستظهار) وقد كان ينبغي أن يبين ويوضح 1 موضع التضاد بين القولين في مذهبنا بالرؤية وبين ما تستحب من صوم يوم الشك على سبيل الاستظهار وما تعرض لذلك. فأما قوله (فالواجب على العبد إذ رأي الهلال أن لا يبادر إلى القطع والثبات، وأن يتوقف مجوزا لورود أخبار البلاد بما يصح، واعتقاد هذا بعيد عن الصواب وأولى بالفساد، وهو مسقط عن كافة الأمة اعتقاد أول شهر رمضان إلى أن يتصل بهم أخبار البلاد). فقد بينا أن القسم الصحيح من أقسامه التي قسمتها هو غير هذا القسم وأوضحناه، وأن الواجب على من رأى الهلال أن يعتقد أن هذه ليلة أول شهر رمضان في حقه وحق من يجري مجراه في رؤيته، وإن جوز أن يكون رؤي في بعض البلاد، ويختلف فرض من رآه تلك الليلة ومن لم يره ويخبر عنه، غير

1) في الهامش: ويوضع.

[ 42 ]

أنه وإن قطع بالرؤية على أنه أول يوم من شهر رمضان. فلا بد أن يكون ذلك مشروطا بأن لا يرد الخبر الصحيح بأنه رؤي قبل تلك الليلة وكان قد صام بالاتفاق وعلى سبيل الشك اليوم الذي رآه غيره في ليلة أخرى، أجزأ ذلك عنه وسقط عنه فرض قضائه وكان مؤديا، وإن لم يتفق له صوم ذلك اليوم كان عليه قضاء صيامه ولا أثم عليه ولا حرج. وأما قوله (كيف السبيل لمن لم ير الهلال إلى العلم بأنه قد رؤي في بعض الجهات، فيثبت له النية في فرض الصيام، بل كيف يصنع من رآه إذا اتصل به أنه ظهر قبل تلك للناس؟ ومتى يستدرك النية والاعتقاد في أمر قد فات؟). فقد بينا كيف السبيل لمن لم يره إلى العلم بأنه قد رؤي في بعض تلك الجهات قبل تلك الليلة، وهو أن يخبره عن ذلك من يثق بعدالته وأمانته، فيثبت له النية، وإذا كان ما فاته صيام ذلك اليوم، فقد بينا ذلك. فأما من رآه في بعض الليالي وصح عنده أنه ظهر قبل تلك الليلة ولم يكن صام ذلك اليوم بنية النفل، فعليه القضاء على ما بيناه، وليس عليه من الاستدراك أكثر من أن يصوم يوما ويعتقد أنه قضاء ذلك اليوم الفائت. وأما قوله (واعلم أن إيجابهم لصوم يوم الشك لا يسقط ما لزمهم في هذا الكلام سألناهم عن النية والاعتقاد، وليس يمكنهم القول بأن يوم الشك من شهر رمضان، ولا يجب على من أفطره ما يجب على من أفطر يوما فرض عليه فيه الصيام والشك فيه يمنع من النية على كل حال). فكلام غير صحيح، لأنا لا نوجب صيام يوم الشك ولا أحد من المسلمين أوجبه وما نستحبه ونرى 1 فيه فضل واستظهار للفرض. وإنما نستجيز صومه بنية النفل والتطوع، فإن اتفق أن يظهر من شهر رمضان، فقد أجزأ ذلك الصيام ووقع

1) في الهامش: ويروى.

[ 43 ]

في موقعه ولا قضاء عليه، وإن لم يتفق ظهور أنه من شهر رمضان كان صائم ذلك اليوم مثابا عليه ثواب النفل والتطوع. وقوله (وليس يمكنهم القول بأن يوم الشك من شهر رمضان، ولا يجب على من أفطره ما يجب على من أفطر يوما من شهر رمضان). فبعيد عن الصواب، لأنا لا نوجب صيام يوم الشك على ما قدمنا ذكره، ويوم الشك إنما هو اليوم الذي يجوز المكلفون أن يروا الهلال في ليلته، فيحكموا أنه من شهر رمضان، ويخرج من أن يستحق اسم الشك بما لا يجوزون أن لا يروا الهلال في تلك الليلة، ولا يخبرهم عن رؤيته مخبر يقع القطع على أنه من شعبان ويزول عنه اسم الشك أيضا. ولسنا نقول بأن يوم الشك يوم من شهر رمضان على الإطلاق، بل على القسمة الصحيحة التي ذكرناها. فأما من أفطر يوم الشك ولم ير الهلال ولا أخبر عنه، فلا أثم عليه ولا قضاء. فأما إذا رآه في ليلة يوم الشك لو أخبر عن رؤيته، فالذي يجب عليه أن يقضي إن كان ما صام ذلك اليوم. وإن كان قد اتفق له صيامه بنية النفل، فلا قضاء عليه. (الكلام في صوم يوم الشك) ثم قال صاحب الكتاب: وربما التبس الأمر عليهم في هذا الباب، فظنوا أن صوم يوم الشك بغير اعتقاد أنه من شهر رمضان يغني عن الاعتقاد إذا كان منه ويجري مجرى بقية الأيام قياسا على المسجون إذا كان قد صام شهرا على الكمال فصادف ذلك شهر رمضان على الاتفاق من غير علم بذلك، وأنه يخبر به عن الفرض عليه من صومه في شريعة الاسلام وإن لم يقدم النية والاعتقاد، والفرق واضح بين الصومين بلا ارتياب.

[ 44 ]

وذلك أن أفعال الاضطرار يقاس عليها أمور المتمكن والاختيار، معلوم تباين الممنوع والمطلق، ومن يتمكن من السؤال وارتقاب الهلال ومن لا يقدر، وما هما إلا كالعاجز والقادر، فالمماثلة فيما هذا سبيله باطلة والقياس فاسد. يقال له: أول ما نقوله لك: حكيت عنا أنا نقيس من خفي عليه الهلال ليلة يوم الشك فلم يره ولم يخبره عن رؤيته، فصام بنية النفل ثم ظهر بالخبر أنه رؤي وأنه من شهر رمضان في أنه يجزي عنه صيامه وإن لم يصح بنية الفرض، ولا يجب عليه القضاء على المسجون. ونحن لا نقيس هذا على ذلك، ولا نرى القياس في الأحكام، وإنما سوينا بينهما في صحة الصيام وإجزائه، وأنه لا قضاء فيه عليه بدليل يوجب العلم. ولو لم يكن في ذلك إلا إجماع الفرقة المحقة من الشيعة عليه، وإجماعهم حجة لدخول المعصوم عليه السلام فيه. فأما قوله (إن حال الضرورة لا يقاس على الاختيار). فقد بينا أنه لا نقيس حالا على أخرى، على أنه إن رضي لنفسه بهذا القدر من الفرق، فالحالان متساويان 1 في الضرورة ونفي الاختيار، لأن المسجون كما لا قدرة له ولا سبيل إلى تعيين شهر رمضان، لأنه لا يتمكن من رؤية الهلال ولا من سؤال غيره. فكذلك من غم عليه الهلال ليلة يوم الشك، فلم يره ولا خبر برؤيته ولا سبيل له إلى العلم بأنه ذلك اليوم من شهر رمضان، فهو أيضا كالمضطر الذي لا قدرة له على العلم بأن ذلك اليوم من شهر رمضان، فجرى مجرى المسجون في سقوط الفرض عنه.

1) في الهامش: متساويتان.

[ 45 ]

(ما استدل به الخصم على العدد والجواب عنه) ثم قال صاحب الكتاب: فإن تجاسر أحدهم على ادعاء المماثلة بينهما في الاضطرار، أتى بالفظيع من الكلام، وأدخل سائر الأمة في حكم الاضطرار، وفتح على نفسه بابا من الالزام في تكليف ما لا يطاق. لأنه لا فرق بين أن يكلف الله العباد صوم شهر رمضان على الكمال، ولا يجعل لهم على معرفة أوله دليلا إلا دليل شك وارتياب، يلتجئ معه المكلفون إلى أحكام الاضطرار وبين أن يفرض عليهم أمرا ويعدمهم ما يتوصلون به إليه على كل حال، حتى يدخلهم في حيز الاجبار، وهذا ما ينكره معتقد والعدول 1 من كافة الناس. ثم قال: ويقال لهم: فإذا كان الله تعالى قد بعث رسوله صلى الله عليه وآله ليبين للناس، فما وجه للبيان في دليل فرض يعترضه اللبس، وأين موضع الاشكال إلا في عبادة افتتاحها الشك. يقال له: ما 2 الفظيع من الكلام والشنيع من المذهب إلا ما عول 3 عليه في هذا الفصل، لأنك ظننت أن خصومك يقولون: إن الله تعالى فرض صوم الشك على من لم يدله عليه ولم يرشده إلى طريق العلم به، وألزمت على ذلك تكليفه ما لا يطاق. وهذا ما لا يقوله من الخصوم ولا من غيرهم محصل، وصوم أول يوم من شهر رمضان لا يجب إلا على من دله الله عليه، إما برؤيته نفسه الهلال أو بأن

1) الظاهر: العدل.
2) الظاهر: ليس.
3) الظاهر: ما عولت.

[ 46 ]

يخبره عليه من يجب عليه الرجوع إلى قوله، فأما من عدم رؤيته فصوم ذلك اليوم ليس من فرضه ولا عبادته. وهذا الذي لا يطيق معرفة كون هذا اليوم من شهر رمضان ما توجه إليه قط تكليف صومه. ويلزم على هذا كل المسائل التي ذكرناها فيما تقدم في القبلة والصلاة والأحداث حتى يقال له: كيف يكلف الله تعالى مكلفا التوجه إلى الكعبة بعينها، ولا ينصب له دليلا عليها يعلم به أنه متوجه إلى جهتها، لأنه إذا كان بعيدا عنها فإنما يتوجه إلى حيث يظن أنه جهة الكعبة من غير تحقيق ولا قطع، وهل هذا إلا تكليف ما لا يطاق. وكذلك القول في سائر المسائل التي أشرنا إلى بعضها، وهي كثيرة. وأما الرسول عليه السلام فقد بين لنا هذه المواضع بما لا يعترضه لبس ولا يدخله شك، ومن تأمل ما فصلناه وقسمناه علم أنه لا لبس ولا إشكال في هذه العبادة. [ الاستدلال بخبر (يوم صومكم يوم نحركم) والجواب عنه ] قال صاحب الكتاب: مسألة أخرى عليهم يقال لهم: قد رويتم أن (يوم صومكم يوم نحركم) فما الحاجة إلى ذلك وعلى الرؤية معولكم؟ بل كيف يصح ما ذكرتموه على أصل معتقدكم؟ لما تجيزونه من تتابع ثلاثة شهور ناقصة وتوالي ثلاثة أخرى تامة؟ وكيف يوافق مع ذلك أول يوم من شهر رمضان ليوم العاشر من ذي الحجة أبدا من غير اختلاف؟. فهل يصح هذا إلا من طريق أصحاب العدد، لقولهم بتمام شهر رمضان

[ 47 ]

ونقصان شوال، وأن شهر ذي القعدة تام كشهر رمضان، فيكون يوم الصوم أبدا موافقا ليوم النحر على اتساق ونظام. فما تصنعون في هذا الخبر مع اشتهاره؟ أتقبلونه وإن خالف ما أنتم عليه في أصل الاعتقاد؟ أو تلتجئون إلى الدفع والانكار. يقال له: أما هذا الخبر فغير وارد مورد الحجة، لأنه خبر غير مقطوع عليه ولا معلوم، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا يجب العمل بها في الشريعة، ومن اعتمد عليها - وهي على هذه الصفة - فقد عول على سراب بقيعة. ولا يجب علينا أن نتأول خبرا لا نقطع به ولا نعلم صحته. وقد يجوز على سبيل التسهيل ما عول عليه بعض أصحابنا في تأويل هذا الخبر وإن لم يكن ذلك واجبا، أن المراد به سنة بعينها اتفق فيها أن أول الصوم كان موافقا للنحر، فحمل على الخصوص دون العموم، لأنه لا يصح فيه العموم، ولشهادة الاستقراء بخلافه. ويمكن أيضا في تأويل الخبر وجه آخر وهو: أن يكون المراد به أن يوم الصوم يجري في وجوب الأحكام المشروعة ولزومها مجرى يوم النحر المتعلقة به، والمراد بذلك تحقيق المماثلة والمساواة، كما يقول القائل: صلاتكم مثل صومكم. أو يقول: صلاة العصر هي صلاة الغداة، وما يريد الأعم ويريد المماثلة والمساواة في الأحكام، وهذا بين. (مناقشة الخصم في آية الأهلة والجواب عنها) ثم قال صاحب الكتاب: مسألة أخرى لهم وجوابها ثم قال: وسئلوا عن قول الله تعالى (ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) 1

1) سورة البقرة: 189.

[ 48 ]

وأجمع الكافة على أنها شهور قمرية، قالوا: فما الذي أجاز لكم الاعتبار بغير القمر، وهل انصرافكم إلى العدد إلا خلاف الإجماع. ثم قال: الجواب يقال لهم: ما ورد به النص وتقرر عليه الإجماع، فهو مسلم على كل حال، لكن وجود الاتفاق على أن الهلال ميقات لا يحيل الاختلاف فيما يعرف به الميقات، وحصول الموافقة على أنها شهور قمرية لا تضاد الممانعة في الاستدلال عليها بالرؤية. إذ ليس من شرط المواقيت اختصاص العلم من جهة (من) 1 مشاهدتها ولا لأن الشهور العربية قمرية، وجب الاستدلال أوائلها 2 برؤية أهلتها. ولو كان ذلك واجبا لدلت العقول عليه وشهدت بقبح الاختلاف فيه. وبعد فلا يخلو الطريق إلى معرفة هذا الميقات من أن تكون المشاهدة له والعيان، أو العدد الدال عليه، والحساب. ومحال أن تكون الرؤية 3، وهي أولى بالاستدلال لما يقع فيها من الاختلاف والشك، وذلك أن رؤية الهلال لو كانت تفيد معرفة له من الليالي والأيام، لم يختلف فيه عند رؤيته اثنان. وفي إمكان وجود الاختلاف في حال ظهوره، دلالة على أن الرؤية لا يصح بها الاستدلال، وأن العدد هو الدال على الميقات، لسلامته مما يلحق الرؤية من الاختلاف. يقال له: هذه الآية التي ذكرتها دليل واضح على صحة القول بالرؤية وبطلان العدد، وقد بينا في صدر كتابنا هذا كيفية الاستدلال بها، وأن تعليق المواقيت

1) كذا في النسخة، والظاهر زيادته.
2) ظ: لأوائلها.
3) الظاهر زيادة الواو.

[ 49 ]

بالأهلة دليل على أنها لا تتعلق بالعدد ولا بغير الأهلة. و [ ليس ] 1 قوله (إن وجود الاتفاق على أن الأهلة ميقات لا يحيل الاختلاف مما يعرف به الميقات). ليس بالصحيح، لأن المواقيت إذا قفت 2 على الأهلة فمعلوم أن الهلال لا طريق إلى معرفته وطلوعه أو عدم طلوعه إلا الرؤية في النفي والاثبات، فيعلم من رأى طلوعه بالمشاهدة، أو بالخبر المبني على المشاهدة، ويعلم أنه ما طلع بفقد المشاهدة وفقده الخبر عنها. ولا يخفى على محصل أن إثبات الأهلة في طلوع أو أفول، مبني على المشاهدات ووصف، لأضيف إلى العدد إلى القمر 3، وكيف يكون قمرية؟ ولا اعتبار بالقمر فيها ولا له حظ في تميزها وتعيينها. فأما قوله (ومحال أن يكون الرؤية هي أولى بالاستدلال لما يقع فيها من الشك والاختلاف). فقد بينا أنه لا شك في ذلك ولا إشكال، وأن التكليف صحيح مع القول بالرؤية غير مشتبه ولا متناقض، وأن من ظن خلاف ذلك فهو قليل التأمل، وفيما ذكرناه كفاية. (الاستدلال بخبر صوموا لرؤيته على العدد والجواب عنه) وقال صاحب الكتاب: مسألة أخرى: وسئلوا أيضا عن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا

1) كذا في النسخة والظاهر زيادتها.
2) ظ: توقفت.
3) ظ: ولو كانت عددية لأضيفت إلى العدد لا القمر.

[ 50 ]

ثلاثين). قالوا: فما تصنعون في هذا الخبر؟ وقد استفاض بين الأمة واشتهر. ثم قال قيل لهم: لعمري إنه خبر ذائع لا يختلف في صحته اثنان، ومذهبنا فيه ما قال الصادق عليه السلام: إن الناس كانوا يصومون بصيام رسول الله صلى الله عليه وآله ويفطرون بإفطاره، فلما أراد مفارقتهم في بعض الغزوات قالوا: يا رسول الله كما نصوم بصيامك ونفطر بإفطارك وها أنت ذاهب لوجهك فما نصنع؟ فقال صلى الله عليه وآله: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما. فخص بهذا القول لهم تلك السنة جوابا عن سؤالهم، فاستعمله الناس على سبيل الغلط في سائر الأعوام. ولذلك أظهر الله تعالى لهم الهلال في يوم السرار بخلاف ما جرت به العادات، ولو لم يدل على تخصيص هذا الخبر إلا ما قدمناه في دلائل الآثار والقرآن، وإذا كان خاصا فاستعماله على العموم غير صواب. يقال له: إذا كان قوله عليه السلام (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) عاما فالظاهر 2 فلا يقبل قول من خصصه وعدل به إلى أنه في سنة واحدة إلا بدليل، ولا دليل على تخصيص هذا الخبر ولا حجة. وبعد فكيف يعلق الصيام في سنة واحدة إذا سلمنا التخصيص بالرؤية، فنقول: صوموا لأجل رؤيته، وأن الرؤية علمه 3 في الصوم موجبة له. وعلى 3 هذا مذهب أصحاب العدد لا حظ لها في الصوم ولا تؤثر في وجوبه، وأن العدد هو الموجب للصوم. فإن اتفق ما قاله صاحب الكتاب أن يظهر الله

1) وسائل الشيعة 7 / 191 ج 11.
2) ظ: في الظاهر.
3) ظ: علامة.
4) الظاهر زيادة (هذا).

[ 51 ]

تعالى لهم الهلال فعلى هذا التخريج والتعليل لم يجب الصوم لأجل الرؤية، بل وجب لأجل العدد. ألا ترى أنه لو فقدت الرؤية هاهنا لوجب الصوم بالعدد، ولم يؤثر فقد الرؤية في انتقاء وجوب الصيام، ولو فقد العدد وثبتت الرؤية لما وجب، فعلم أن العدد هو المؤثر دون الرؤية. وظاهر الخبر يقتضي أن الرؤية مؤثرة في الصوم، فقد بان أنه لا منفعة لهم في تخصيص الخبر أيضا. وأما قوله عليه السلام (وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين) فهو يدل على أن العدد لا يصار إليه إلا بعد اعتبار الرؤية وفقدها، فمن جعله أصلا يرجع إليه من غير اعتبار بفقد الرؤية فقد خالف ظاهر الخبر (وأفطروا لرؤيته). ويدل أيضا على أنه يجب الافطار إذا رأيناه وإن كنا قد صمنا تسعة وعشرين ولم يبلغ الثلاثين، لأنه لو كان ورد وأفطروا لرؤيته إذا بلغ ثلاثين، لما كان لقوله (فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين) معنى، وإنما يصح الكلام إذا كان معناه: وأفطروا لرؤيته على النقصان، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين للتمام. (حول خبر صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) قال صاحب الكتاب: على أن من أصحابنا من استدل بهذا الخبر بعينه على صحة العدد. فقال: إنه لما أمرهم بالصوم والافطار لرؤية الهلال في تلك السنة، أبان لهم بجواز الاغماء عليه ودخول اللبس فيه، ما يستدل به على أن الرؤية ليست بأصل يطرد استعماله في سائر السنين. وإنما خصهم بها في تلك السنة للعجز من ظهور الهلال يوم السرار لهم،

[ 52 ]

ولما يعلم الله تعالى في ذلك الوقت من مصلحتهم، فقال لهم: فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين. فلما شهد بالإغماء أمر بالرجوع عند ذلك إلى العدد، علمنا أن العدد هو الأصل الذي لا يعترضه الاغماء ولا اللبس، وأنه لو لم يكن أصلا لجاز الاغماء والأشكال عليه، ولكان اللبس والاختلاف يجوزان فيه. وهذا وجه صحيح يقنع العارف المنصف والحمد لله. يقال له: هذا الذي ذكرته طعن على النبي صلى الله عليه وآله، وشهادة بأنه عول يامنه 1 في عبادة الصوم على ما لا تأثير له ولا طائل فيه. لأن الرؤية إذا كان لا اعتبار بها في الصوم ولا حظ لها في الدلالة على دخول شهر رمضان وخروجه، فلا معنى لقوله (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وقد كان يجب أن يقول: صوموا بالعدد وأفطروا بالعدد. ولا يجعل العدد مصارا عليه عند الغمة وامتناع الرؤية، وكيف يصح أن يقول قائل: علمنا أن العدد هو الأصل؟ وقد جعله النبي صلى الله عليه وآله في هذا الخبر فرعا، وأحال عليه عند تعذر الرؤية، وهو على الحقيقة فرع والأصل غيره. وهذا واضح. قال صاحب الكتاب: وقد ظن قوم من أهل الخلاف أن ما تضمنه هذا الخبر من الرجوع إلى العدد عند وجود الالتباس يجري مجرى التيمم بالتراب عند عدم الماء بالاضطرار. قالوا: فكما أنه ليس التيمم أصلا للوضوء، فكذلك ليس العدد أصلا للرؤية. ثم قال: وهذا قياس بعيد، وجمع بين أشياء هي أولى بالتفريق، وذلك أن نية الوضوء والتيمم الذي هو بدل منه عند الضرورة عبادة يستباح بفعلهما أداء

1) كذا في النسخة والظاهر: لامته.

[ 53 ]

فرض آخر لا يعرف بهما وقت وجوبه، ولا يدلان على أوله وآخره. والرؤية والعدد قد وردا في هذا الخبر مورد العلامة، وقاما مقام الدلالة التي يجب بهما التدين ويلزم الاعتقاد، ولذلك جاز موافقة العدد للرؤية في بعض السنين، ولم يجز الجمع بين الوضوء والتيمم على قول سائر المسلمين. يقال له: لا شبهة على محصل في أن النبي صلى الله عليه وآله تعلق الصوم بالرؤية تعليقا يوجب ظاهره أنها سبب فيه وعلامة على دخول وقته، فقال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فعلق الافطار أيضا بالرؤية، كما علق الصوم بها، وهذا يقتضي أن الصوم والافطار متعلقان بالرؤية ولا سبب فيهما غيرها، لأنه لو كان لهما سبب غير الرؤية من عدد أو غيره تعلقهما به. ثم قال عليه السلام: فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين. فأمر بالرجوع إلى العدد عند عدم الرؤية، وأنه لا حكم للعدد إلا بعد انتفاء الرؤية، ولا يجب المصير إليه إلا عند امتناعها. وأصحاب العدد عكسوا ذلك فقالوا: إن الصوم بالعدد والافطار بالعدد، لاحظ للرؤية في شئ منهما، ولا نمنع أن يقال: إن المصير إلى العدد عند فقد الرؤية يجري مجرى استعمال التراب عند فقد الماء. فأما تعاطيه الفرق بين الرؤية والعدد وبين الماء والتراب، بأن الوضوء والتيمم عبادتان يستباح بفعلهما أداء فرض آخر، لا يعرف بهما وقت وجوبه ولا يدلان أوله وآخره، وأن الرؤية والعدد في هذا الخبر قد وردا مورد العلامة، وقاما مقام الدلالة، فهما 1 لا يغني شيئا، لأنه فرق لا من حيث الجمع بين الموضعين، لأن التراب لا حكم له مع وجود الماء، وإنما يجب استعماله عند

1) ظ: فهو.

[ 54 ]

فقد الماء فجرى 1 العدد الذي لا حكم له في الرؤية وإمكانها، وإنما استعمل العدد مع فقد الرؤية. 2. فأي وجوب الموضوع 3 فيما التبس ظاهره من الآيات المتشابهات إلى أدلة العقول، فإن جاز أن نقول: إن العدد ليس بأصل للرؤية، وإنما هو بدل منها التجأت إليه الحاجة، كالتيمم الذي ليس بأصل للطهارة، وإنما هو بدل منها في حال الضرورة. جاز للآخر أن يقول مثل ذلك في الرجوع إلى القرآن عند التباس الأخبار، والاعتماد على أدلة العقول في متشابه القرآن، فلما كان هذا لا يجوز بإجماع، كان العدد والرؤية مثله. يقال له: إن كان هذا الذي ظننته صحيحا في الرؤية والعدد، وإنما يشبهان ما ذكرته من أمر النبي صلى الله عليه وآله بالرجوع إلى الكتاب فيما التبس من الأخبار وعرضها عليه، وفيما التبس من الآيات والرجوع فيها إلى أدلة العقول، فيجب أن نقول مثله في الوضوء بالماء والتيمم بالتراب. وأن أمره لنا بالرجوع إلى التراب عند عدم الماء دلالة على أن التيمم هو الأصل، كما قلت في الكتاب والأخبار، لأن الصوم في قوله (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين) كالصورة في قوله تعالى (فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا) 4. فكل شئ تعتمده في أنه لا شبهة بين الوضوء والتيمم، [ و ] بين الرجوع

1) خ ل مجرى.
2) قال في الهامش: لا يخلو عن سقط.
3) ظ: الرجوع.
4) سورة النساء: 43.

[ 55 ]

إلى الكتاب وعرض الأخبار عليه، فهو بعينه يفرق بين الرؤية والعدد، وعرض الأخبار على الكتاب. وبعد فإن ما أمرنا به من الصوم للرؤية فالإفطار 1 لها من المصير إلى فائدة، في أن نفرق بين الأمرين، بأن نقول: إن الصوم 2 والتيمم يستباح بفعلهما أداء فرض آخر لا يعرف بهما وقت وجوبه، وهل هذا إلا كمن فرق بينهما؟ إن هذا وضوء وتلك رؤية، وهذا تيمم وذاك عدد. ومن الذي يقول: إن الموضعين يتشابهان في كل الأحكام حتى يفرق بينهما بأن صفة الوضوء والتيمم ليست للعدد والرؤية. فأما قوله (إن الرؤية والعدد يتفقان ولا يتفق وجود الوضوء والتيمم في موضع من المواضع). فغلط، لأن الرؤية والعدد لا يتفق حكمهما وتأثيرهما على الاجتماع عند أحد، لأن مذهبنا أنه إذا رأى الهلال ليلة الثلاثين وجب عليه الافطار ولا حكم للعدد، وإذا لم ير تكمل العدة ثلاثين والحكم هاهنا للعدد ولا تأثير للرؤية، فكيف يجتمعان على ما ظنه؟ وأما على مذهب أصحاب العدد، فإن اتفق على ما ادعاه أن يوافق العدد للرؤية، البتة فلا حكم هاهنا عندهم للرؤية، وإنما الحكم للعدد، فما اتفق قط على مذهب اجتماع الرؤية والعدد مؤثرين ومعتبرين. (مخالفة أخبار الرؤية للكتاب والجواب عنه) ثم قال صاحب الكتاب: فصل، واعلم أنه لا شئ أشبه بالعدد والرؤية

1) ظ: الافطار.
2) ظ: الوضوء.

[ 56 ]

المذكورين في هذا الخبر من الاستدلال في أحكام الشرع بالقرآن والأثر، وذلك أن الرسول أمرنا بالرجوع إلى الكتاب عند التباس الأخبار وقال: ستكثر علي الكذابة من بعدي فما ورد من خبر فأعرض على الكتاب 1. وكذلك وجوب الرجوع الذي تقدم، وكذلك إذا تعذرت الرؤية، وأمرنا بالوضوء بالماء وإذا فقدنا الماء فالتيمم بالتراب، من عرض الأخبار على الكتاب والأخذ بما يوافقه دون ما يخالفه. والجواب أن يقال له: ليس في هذا الموضع الذي هو الأمر بعرض الأخبار تنزيل أمرنا به، فتصير إلى حالة بعد حالة واعتبار أمر من الأمور، بشرط إمكانه إذا تعذر بالرجوع إلى غيره، وإنا أمرنا بعرض الأخبار على الكتاب، لأن الكتاب أصل ودليل على كل حال وحجة في كل موضع، والأخبار ليست كذلك، فعرضنا ما لم نعلم صحته منها على الكتاب الذي هو الدليل والحجة على كل حال وفي كل وقت. وكذلك العقول دلالة على جميع الأحوال غير محتملة، فرددنا كل مشتبه من آيات وغيرها إلى أدلة العقول لأنها أصل، فما هاهنا انتقال من منزلة إلى أخرى، ولا أحوال مرتبة بعضها على بعض، كالوضوء والتيمم والرؤية والعدد، لأن العدد مرتب على الرؤية، وحكم الصيام تعلق بالرؤية. وإنما أمرنا بالمصير إلى العدد عند فوت الرؤية، وهذه أحكام كما ترى مرتبة بعضها على بعض. وكذلك القول في الوضوء والتيمم. وليس من هذا شئ في عرض الأخبار على الكتاب والأخذ بما يوافق منها، ولا الرجوع إلى العقول في المتشابه، فمن خلط بين الأمرين فهو قليل التأمل.

1) وسائل الشيعة 18 / 78 - 79 ما يدل على مضمون الخبر..

[ 57 ]

[ التهافت في استدلال القائلين بالرؤية والجواب عنه ] قال صاحب الكتاب: فإن قال قائل: إنا نراكم قد أقررتم بأن رؤية الأهلة دلالة على أوائل الشهور، وإن كان العدد عندكم هو الأصل، وقد نفيتم قبل ذلك الاستدلال بها وعدلتم عن العدد، وهل هذه إلا مناقضة منكم لا يخفى ظهورها؟ ثم قال: قيل له: ليس يلزمنا مناقضة على ما ظننت، وعلى العدد نعول في أوائل الشهور ونستدل، وقد ذكرنا بعض أدلتنا فيما يسألنا عن قول النبي صلى الله عليه وآله (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين). أخبرنا بمذهبنا وأعلمنا السائل أنه خاص لسنة واحدة أمر الناس فيها رسول الله صلى الله عليه وآله بالاستدلال على أن أول الشهر بالرؤية. وأوجب عليهم الرجوع إن عرض لهم الاغماء إلى العدد، ليعلمهم أنه الأصل الذي لا يعترضه اللبس، فالرؤية قد كانت دليلا لتلك السنة، وكان في الاستدلال فيها على هذا الوجه. وليس يلزمنا أن يكون دليلا في كل شهر لما روي عن الصادق عليه السلام في تخصيص الخبر. يقال له: قد بينا الكلام في تأويل ما روي عنه عليه السلام (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وأن الذي خرجته فيه من الخصوص لسنة واحدة تخريج باطل لاحظ له من الصواب، فلا معنى لإعادته. وإذا كانت الرؤية ليست بدليل على أوائل الشهور أو أواخرها على ما خرجته في الأوقات على الاستمرار، فلا يجوز أن يكون دليلا في بعض السنين حسب ما ادعيته وأخرجته. لأن الدليل لا يكون في بعض المواضع دليلا وفي بعض غير دال، ولأن الرؤية في تلك السنة التي ادعيت فيها موافقتها للعدد، لم تكن

[ 58 ]

دليلا في نفسها مؤثرة لما يرجع إليها، وإنما المؤثر عندكم العدد، وإنما طابق العدد للرؤية على سبيل الاتفاق. فأما قولك في أثناء كلامك: (إن عرض لهم الاغماء) فمصدر غمي 1 على المريض إغماء، وليس بمصدر لقولهم (غم الهلال) إذا خفي واستتر، وإنما مصدره غم غما، وهذا وإن كان خارجا عما نحن فيه، فلا بد من بيان القول فيه من الخطأ. (مناقشة القائلين بالعدد في استدلال الرؤية والجواب عنها) ثم قال صاحب الكتاب: وجه آخر: وهو أن من أصحابنا من يستدل برؤية الهلال في كل شهر، فيقول: إن اليوم الذي يظهر في آخره هو أول المستهل بموافقته للعدد، فمتى رؤي الاختلاف عاد إلى العدد الذي هو الأصل. ومنهم من يستدل بالرؤية من وجه آخر، وهو أن يرقب ظهور الهلال له في المشرق وقبل طلوع الشمس، يفعل ذلك يوما بعد يوم من آخر الشهر إلى أن يخفى عنه آخره من الشمس، فلا يظهر حينئذ أنه آخر يوم في الشهر الماضي وهو يوم السرار، واليوم الذي يليه أول المستهل، فليستدل بذلك ما لم يخالف العدد، فإذا خالفه أو أعرض له 2 لبس عاد مستمسكا بالأصل، وهذه فصول مستمرة والحمد لله. يقال له: أما ما قدمته في هذا الفصل فهو غلط فاحش، لأنك ادعيت أن اليوم الذي يظهر في آخره الهلال هو أول يوم المستهل، ثم قلت بشرط موافقته للعدد، فإن وقع اختلاف وجب الرجوع إلى العدد.

1) ظ: أغمي.
2) ظ: عرضه.

[ 59 ]

فأي فائدة في أن يعلم المكلف إذا رأى الهلال في آخر يوم أن ذلك اليوم مستهل الشهر وقد فات وانقضى، ولا يتمكن من صيامه ولا أداء العبادة فيه، وإنما أمارة الشهر ودخوله يجب أن تكون متقدمة ليعلم بها الشهر فيؤدى الفرض فيه، فأما أن يكون متأخرة وفات الصوم فيه، فغير صحيح. وقوله بشرط موافقته للعدد ليسقط 1 أن يكون برؤية الأهلة اعتبارا ويكون دليلا في نفسها، لأنه إذا شرط أن توافق الرؤية العدد، فلا حظ هاهنا ولا حكم تؤثر فيه، وإنما التأثير للعدد دونها، فلا معنى لقوله (إنا نستدل بالرؤية على بعض الوجوه). وقوله (ومن أصحابنا من يستدل بالرؤية من وجه آخر) إلى آخر الفصل غير صحيح، لأنه إذا رقب ظهور الهلال في المشرق إلى آخر الشهر، فخفي عنه لقربه من الشمس على أنه آخر يوم من الشهر الماضي، فيعلم أنه اليوم الذي أول المستهل. فهذا الترتيب الذي رتبته من أين له صحته؟ وأي دليل قام عليه؟ فما رأينا أحدا من المسلمين راعى في رؤية الهلال هذا الذي ادعاه من مراعاة عند طلوع الشمس، ولا رأيناهم يراعون الأهلة الإفراد آخر الأيام غياب الشمس، ولا يبرزون إلى الأماكن المصحرة في أواخر النهار عند مغيب الشمس، وما رأيناهم قط اجتمعوا قبل طلوع الشمس، ولا راعوا طلوعه في هذا الوقت أو خفاءه. على أنه قد نقض الكلام كله بقوله (نستدل بذلك ما لم يخالف العدد، فإذا خالفه كان متمسكا بالأصل)، لأنه إذا كان الأمر على ما ذكره، فالعدد هو الدليل وهو المؤثر، وقد تقدم هذا. لأن ظهور الهلال أو خفاءه في الوقت الذي ذكره إذا كان يصدق ويكذب،

1) ظ: يسقط.

[ 60 ]

وإنما يعول عليه إذا وافق العدد، وإذا خالفه أطرح، فالعدد إذن هو المؤثر وبه الاعتبار دون غيره، ولا تأثير لرؤية الهلال. فمن ادعى أن الرؤية مؤثرة، فقد استعاد هربا في الشناعة والخلاف، وإشفاقا لما روي من قوله (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) ما لا يصح له ولا يستقيم على مذهبه. (حول خبر: شهر رمضان يصيبه ما يصيب سائر الشهور) قال صاحب الكتاب: مسألة أخرى ثم قال: وسألوا عن الخبر المروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: شهر رمضان يصيبه ما يصيب سائر الشهور من الزيادة والنقصان 1. ثم قال ويقال لهم: هذا الخبر إن كان منقولا على الحقيقة، فيحتمل أن يكون من أخبار التقية دفع به الصادق عليه السلام عن نفسه وشيعته ما خشيه من العوام وسلطان الزمان من الأذية. فإن قالوا: كيف يجوز التقية قول يضاد أصل المذهب وليس له معنى يخرج به عن حد الكذب؟ قيل لهم: بل يحتمل معنى يضمن الإمام يوافق الصوام 2، وهو أن يقصد زيادة النهار ونقصانه في الساعات، فيكون شهر رمضان مرة في الصيف خمس عشرة ساعة، ويصير مرة أخرى في الشتاء تسع ساعات، فقد لحقه ما لحق سائر الشهور من الزيادة والنقصان باختلاف الساعات لا في عدد الأيام. يقال له: هذا الخبر من أخبار الآحاد وأخبار الآحاد عندنا لا توجب علما ولا عملا، ولا يصح الاستدلال بها على حكم من الأحكام، وقد بينا فيما تقدم.

1) وسائل الشيعة 7 / 189 ح 1.
2) ظ: الصواب.

[ 61 ]

ولو وقفت أيها المتكلم لدفعت الاحتجاج عليك بهذا الخبر بأنه لا يوجب العلم ولكفيت بذلك. وأما قوله (إنه من أخبار التقية) فدعوى بلا برهان، وظاهر هذه الأخبار تقتضي على أنها السلامة وعدم الخوف، فمن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل. وأما السؤال الذي سألت نفسك عنه، ثم أجبت عنه، فما يسأل عن مثله محصل من مخالفيك، لأنه لا يجوز أن يريد الإمام عليه السلام بقوله (شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من الزيادة والنقصان) إذا كان شيعيا خائفا على ما ادعيت أن هذا يلحقه على مذهب هذه الطائفة التي لا ترى العدد. كما قال الله تعالى (ذق إنك أنت العزيز الكريم) 1 أي عند قومك وأصحابك، فلا يحتاج في ذلك إلى ما تأولته من زيادة الساعة ونقصانها. (كيفية الحج على القول بالرؤية وهو لا يقدر عليها) ثم قال صاحب الكتاب: مسألة لهم أيضا: وسألوا عن حج الناس في وقتنا هذا على الرؤية، فقالوا: ما يصنع أحدكم في حجه وأنتم على العدد، وهو لا يقدر أن ينسك مناسكه على الرؤية؟. ثم أجاب فقال: هذا سؤال عما نفعله وليس فيه دلالة على صحة الرؤية وبطلان ما نعتقده، لأنه قد كان من الجائز الممكن أن يلحق الحرمين سلطان عددي، فيأخذ الناس برأيه ويحج بهم على مذهبه، فتكون الحال بخلاف ما هي عليه الآن. ومعلوم أن ذلك لا يكون دلالته على ما نذهب إليه من العدد، وكذلك حج الناس اليوم على الرؤية ولا يصح به الدلالة. والذي نعمله إنا نقف مع الناس

1) سورة الدخان: 42.

[ 62 ]

الموقفين ونفعل المناسك التي هي أصل الحج، ولا يجب أن يكون ما نفعله من الحج على الإفراد بعد فوت المتعة كله صحيحا واقعا موقعه من المناسك. وليس كذلك ما يقوله أصحاب العدد، لأنه من يقف على مذهبهم يوم عرفات في غير يوم الموقف، فكأنه ما وقف، ويأتي منى في غير اليوم الذي يجب إتيانها فيه، فكذلك ما أتاها، وإذا وقعت المناسك في غير أوقاتها لمخالفتها العدد الذي هو المعتبر، فكأنه ما صنع شيئا فلا حج له. فأما قوله (إنا نقف مع الناس ونتابعهم للضرورة) فليس بشئ يعتمد، لأن السؤال عليه أن يقال: ولم تكلف الخروج إلى الحج وأنت تعلم، وأنت لا تتمكن منه ولا تقدر أن تؤدي أفعال الحج في أوقاتها وأنك تصد عنها وتمنع، وهل ذلك إلا عبث؟ فان قلت: قد كان من الجائز أن يلي الحرمين سلطان عددي، فيتمكن به من أداء الحج على واجبه وحقه. قيل لك: فينبغي إذا لم يقع هذا الجائز الذي يتمكن به من شرائط الحج أن يتوقف على تكليفه والخروج إليه، لأن ذلك منك عبثا. فإن قلت: إنما أتكلفه قبل علمي بوقوع هذا الجائز، لتجويزي في طول الطريق إلى الحج أن يلي الحرمين من مذهبه العدد، فيتمكن أن يكون حينئذ على موجب العدد. قيل لك: وأي شئ ينفعك من تغير مذهب من يلي الحرم وتابعهم عند الضرورة، ولا يخالف جار في ذلك مجرى الممنوع وعن بعض شرائط الحج مصدود، وعند الاضطرار تبسط الأعذار، وهو نظير ما أجمعت عليه الشيعة وخالفت فيه العوام من وجوب التمتع بالعمرة إلى الحج على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، حتى أكد أكثرهم ذلك.

[ 63 ]

فقالوا: هو الفرض الذي لا يتقبل في الحج غيره ممن نأت عن مكة داره. ومعلوم جواز فوته لمن يسلك طريق الشام، لجواز دخوله مكة بعد الوقف من يوم التروية، وهو وقت لا يمكن فيه التمتع بالعمرة، وإن ذلك لفوت من حج على طريق العراق لوروده يوم عرفة. فالتجئ الضرورة لمن يقول هذا الرأي إلى المقام على الاحرام الذي عقده بنية التمتع بالعمرة، ويصير إلى الإفراد الذي لو ابتدأ الاحرام به لكان مخطئا عند الشيعة في كل حال، فجوزت له الضرورة هذا الفعال، ولذلك عدة نظائر من الواجبات، وستر الناس على خلافها غير متمكنين من اقامتها على شرائطها. يقال له: وهذا المسألة أيضا مما لا نسأل عنه ولا نحاج عليه، لأنه لا حجة فيه. والفرق بين فوت التمتع بالعمرة إلى الحج لمن حج مع كافة الناس، وهو ما يقوله أصحاب العدد واضح، لأن فوت التمتع لا يبطل العدد، وهو إذا كان وقف بعرفات قبل وقوف أصحاب الرؤية، فقد فات على كل حال من يحج مع جملة الحاج الخارجين من العراق الوقوف بعرفات على مذهب أصحاب العدد. وليس بنافع له أن يتغير مذهب وإلى الحرم، فيقف بعرفات على موجب العدد قبل فوته، لأن ذلك لا يمنع من فوات الحج لهذا الذي خرج في جملة الحجيج العاملين على الرؤية في يوم الوقوف، وتعذر استدراك فرضه عليه. وهذا كله واضح لمن تأمل بعين الانصاف.

[ 65 ]

(11) مسألة في حكم الباء في قوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم)

[ 67 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ مسألة في حكم الباء في قوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم) ] ليس يمتنع القول من دخول الباء وإن لم يقتض التبعيض في أصل اللغة، وإنما إذا دخلت لغير أن يعدى الفعل بها وعريت من فائدة من لم يحمل على إفادة التبعيض أن تحمل عليه. فيقال في قوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم) 1 معلوم أن الباء ما دخلت هاهنا لتعدية الفعل إلى المفعول، لأنه متعد بنفسه، ومحال أن يكون وجودها كعدمها، فيجب حملها على إفادة التبعيض، وإلا لكان دخولها عبثا. فإن قيل: ألا دخلت للتأكيد إذا أريد به أنه يفيد ما أفاده المؤكد من غير زيادة عليه كان عبثا، ويكلمنا على ما يغن 2 ضربه من قولهم (جاء زيد نفسه)

1) سورة المائدة: 6.
2) ظ: يغني.

[ 68 ]

و (ضربت زيدا نفسه) وما شاكل ذلك من الألفاظ التي يدعي أنها على سبيل التأكيد، وبينا أن في ذلك أجمع فوائد زائدة على ما في المؤكد. فإن قيل: ألا كان دخول الباء هاهنا كدخولها من 1 (تزوجت بامرأة) عدولا عن (تزوجت المرأة) و (ما زيد بقائم) و (ليس عمرو بخارج). وليس يمكن ادعاء فائدة زائدة في دخول الباء هاهنا من تبعيض ولا غيره. وكما زادوا الباء تأكيدا، فقد زادوا حروفا أخر على سبيل التأكيد، فقالوا (إن في الدار لزيدا) وما دخول هذه اللام إلا كخروجها في إفادة معنى زائد، وما هي إلا للتأكيد. وغير ذلك مما (لا) يحصى من الأمثلة. الجواب: قلنا: أما لفظ (تزوجت) فلا يتعدى إلى المفعول إلا بالباء، وإنما حذفوها في قولهم (تزوجت امرأة) تخفيفا، كما حذفوها في قولهم (مررته) والأصل مررت به. ومثل (تزوجت) في أنه لا يتعدى بنفسه، ولا بد من الباء إلا إذا أردت التخفيف فحذفت. فأما قولهم (ما زيد بقائم) و (ليس عمرو بخارج) فدخول الباء هاهنا يقتضي التيقن والتحقيق لما خبر به أو قوة الظن. وليس كذلك إذا أسقط الباء، فكأنه مع إسقاط الباء يخبر غير اعتقاده، أو غرض غير قوي، وإذا أدخلها أخبر عن علم أو قوة ظن. وكأنني بمن يسمع هذا الكلام ينفر عنه ويستبعده يقول من قال هذا ومن سطره، ومن أشار من أهل اللغة الذين هم القدوة في هذا الباب إليه، وليس يجب إنكار شئ وإلا إثباته إلا بحجة.

1) ظ: في.

[ 69 ]

وقد علمنا أن أهل اللغة كلهم يقولون قولنا (ليس زيد بقائم) و (ما عمرو بخارج) أقوى من قولنا (ليس زيد قائما) و (ما عمرو خارجا) وأن دخول الباء يقتضي التأكيد والقوة، ولا يزيدون على هذه الجملة في التفسير. ولو قيل لهم: أي قوة أردتم، أو ليس من نفي قيام زيد بغير باء مخبرا أو منبئا كما هو كذلك مع إدخال الباء لما قدروا أن يفسروا القوة إلا بما ذكرناه إن اهتدوا إليه، وإلا كانوا مختلين على صواب، ويعذروا عليهم أن يسيروا إلى قوة لم يتعد مع إسقاطه الباء. ونحن نعلم أن العلم أقوى من الظن والظن أقوى من الاعتقاد، والظن بعضه أقوى من بعض، فلا يمتنع أن يكون معنى القوة ما ذكرناه. وبمثل هذا نجيب عن قولهم (إن في الدار لزيد) أو (أنك لقائم) لأنهم يقولون: هذا أقوى، وما المراد بالقوة إلا ما ذكرناه، وإلا فما معنى لها. وربما زادت العرب حروفا طلبا لفصاحة الكلمة وجزالتها، وإن لم يفد معنى زائدا على ذلك، كزيادة (ما) في قول البر ما والله ما ذلك لعدم مراس ولا قلة أواس، ولكنها سمه ما أناس، وإنما أرادت شمه أناس. وقولها: لأمر ما جدع قصير أنفه. وقولهم لأمر ما كان كذا، وقول الشاعر: لا يسودنكما 1. حذفوا للفصاحة في مواضع كثيرة، فإن أسئل القرية. وكذلك قد زادوا للفصاحة وتجاوزوا هذا بأن زادوا حروفا يعتبر بظاهرها وقبل الاطلاع على المراد بها المعنى. ألا ترى أن قولهم (ليس كمثل فلان أحد) وقوله تعالى (ليس كمثله شئ) 2 الكاف فيه زائدة، وهي في الظاهر المغيرة للمعنى، لأنها تقتضي أنه لا مثل لمثله،

1) ظ: فكما، ولعل في الكلام سقطا.
2) سورة الشورى: 11.

[ 70 ]

وإنما المراد به لا مثل له. وكذلك قوله تعالى (ما منعك ألا تسجد 1) وإنما معناه: ما منعك أن تسجد. وقول الشاعر: ولا الزم البيض إلا تسخرا 2 والمعنى: أن تسخرا، ف‍ (إلا) زائدة، ودخولها مغير للمعنى قبل التأمل. وأما حملهم طلب التدني على الفصاحة على أن يزيدوا حروفا تغير ظاهرها المعنى. فالأولى أن يفعلوا ذلك فيما لا يغير ظاهر زيادته معنى. وأظن أني قد أمليت في بعض كلامي وجها غريبا ينافي زيادة (لا) في قوله تعالى (وما منعك ألا تسجد). وهو أن يكون المعنى: ما حملك على أن لا تسجد، ودعاك إلى أن لا تسجد، لأن إبليس ما امتنع من السجود إلا بداع إليه وحامل عليه، والداعي والحامل إلى أن لا يسجد مانع من السجود، فأورد لفظة (المنع) ويبنى الكلام على معناها، فأدخل لفظة (لا) بناء على المعنى لا اللفظ. وهذا لطيف من التعلل. ويمكن في قوله (إلا تسخرا) ما يقارب ذلك من الحمل على المعنى، لأن الغرض بالكلام إني لا الزمن 3 أن تسخرن مع مشاهدة الشعر الأبيض، فأدخل لفظة (لا). ويجوز أن يكون سبب إدخالها أن معنى كلامه: إني لا ألوم البيض طالبا أن لا تسخرا. وأريد ألا يكون ذلك منهن، لأن من يبرأ من لوم البيض على أن يسخرن، فقد يبرأ من أن يلومهن طالبا ألا يسخرن، فلفظة (لا) هاهنا مفيدة غير زائدة.

1) سورة الأعراف: 12.
2) وفي فقه اللغة ص 343 وقال أبو النجم: فما ألوم اليوم أن لا تسخرا.
3) ظ: ألومن.

[ 71 ]

ولو تعاطينا ذكر ما نقل من كلام العرب المحمول على المعنى، وما ورد به القرآن من ذلك لأطلنا. ومن ذلك قوله تعالى (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) 1 ولا يقال: بوأت لفلان منزلا، وإنما يقال: بوأته، لكنه أراد بمعنى بوأت وهو جعلت، لأن من بوء فقد جعل، وقول الشاعر: جئني بمثل بني بدر لقومهم أو مثل إخوة منظور بن سيار فنصب لفظة (مثل) ولم يعطفها بالجر على ما عملت فيه الباء، لأن معنى: جئني هات واحضرني، فلحظ معنى الكلام دون لفظه، وبنى الكلام عليه، وهذا الجنس أكثر من أن يحصى. والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين.

1) سورة الحج: 26.

[ 73 ]

(12) مسألة في وجه التكرار في الآيتين قوله تعالى (وما تتلوا منه من القرآن) وقوله (قل بفضل الله ورحمته فبذلك فليفرحوا)

[ 75 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة: قال (رضي الله عنه): لا معنى لقوله تعالى (وما تتلوا منه من قرآن) ما قاله النحويون إنه للتوكيد، لما ثبت أن التوكيد إذا لم يفد غير ما يفيده المؤكد لم يصح، وقد علمنا بقوله تعالى (من القرآن) أنه من جملة القرآن، فأي معنى لقوله (منه) وتكراره. قال (رضي الله عنه): والصحيح أن معنى (منه) من أجل الشأن والقصد من قرآن متحمل على الشأن والقصد، ليفيد معنى آخر. وقال أيضا في قوله تعالى (قل بفضل الله ورحمته فبذلك فليفرحوا) 2 على ما هو من فضل الله ورحمته، ولا معنى له على ما يقوله النحويون أنه للتأكيد،

1) سورة يونس: 61.
2) سورة يونس: 58.

[ 76 ]

كما لا معنى لقول قائل لزيد وعمرو لهما يريد به زيدا وعمرا. فالصحيح أن يقولوا في هذا أن معناه: قل بفضل الله ومعونة الله ورحمته، لأن معرفة الله بفضل الله ورحمته، بقول (بفضل الله ورحمته) يفرح، فيرد قوله (بفضل الله) إلى القول، أي قول بفضله ومعاونته، وهذا القول فإن بهذا 1 القول ومعاونته ورحمته يفرحون فيكون قوله (بذلك) راجعا إلى الفرح بالفضل والرحمة حتى يكون قد أفاد كل واحد من اللفظين فائدة. تمت والحمد لله.

1) كذا في النسخة.

[ 77 ]

(13) مسألة في الاستثناء

[ 79 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة في الاستثناء قال أدام الله علوه: إذا اعترض معترض على ما نقوله من أن الاستثناء إنما يخرج من الجمل ما صلح دخوله فيها، وليس بواجب أن يخرج منها ما وجب دخوله، بأن يقول: هذا يقتضي حسن أن يقول القائل: جاءني رجل إلا زيدا إلا عمرا، لفظ (رجل) أن يقع على زيد وعمرو. يقال له: من حق الاستثناء في اللغة العربية أن يدخل على الجمل، فيخرج منها ما يصلح دخوله فيها، أو ما يجب دخوله على مذهب مخالفينا.

[ 80 ]

ولا يصح دخول الاستثناء على الألفاظ الموحدة، ورجل لفظ واحد، وإن وقع في المعنى على الطويل والقصير وزيد وعمرو. والاستثناء إنما يخرج من الجمل ما تناول لفظها دون معناها، ولهذا لم يستحسنوا جاءني رجل إلا زيدا، وقد يستحسنون في هذا الموضع ما يجري [ مجرى ] الاستثناء بغير لفظة (إلا) فيقولون: جاءني رجل ليس زيدا. ويخرجون من الكلام ما صلح تناوله، وإن لم يسموه استثناء ولا استحسنوا لفظة (إلا) الخاصة بالاستثناء. ولولا صحة الأصل الذي ذكرناه ما استحسنوا أن يقولوا: جاءني رجال إلا زيدا، لأنهم أخرجوا بالاستثناء ما يصلح لفظ (رجال) له دون ما يتناوله وجوبا. فإن قيل: ألا كان قوله (جاءني رجال) للجنس دون ما يدعى من تناوله للثلاثة فصاعدا، فلهذا حسن الاستثناء منه، وألا كان لفظة (رجلا) في قولهم (جاءني رجل) للجنس. قلنا: لو كان لفظة (رجال) أريد به جنس الرجال على العموم، لحسن استثناء النكرة منه غير وصف لها ولا تقريب من المعرفة، حتى يقول: جاءني رجال إلا رجلا، لأنه إن أريد الجنس حسن ذلك لا محالة وكحسنه لو قال: جاءني الرجال - بالألف واللام - إلا رجلا. وأجمعوا على أن ذلك لا يجوز، لأنه غير مفيد. ولو أريد بلفظة (رجال) هاهنا الجنس، لكان استثناء الرجل الواحد من غير وصف له مفيدا. فأما لفظة (رجل) في الاثبات، كقولهم (جاءني رجل) فإنه لا يكون عبارة عن الجنس في شئ من كلامهم. ولو أرادوا به الجنس لحسن الاستثناء، كما يحسن من ألفاظ الجنس.

[ 81 ]

وإنما يراد في بعض المواضع بلفظة (رجل) الجنس إذا كانت في النفي، مثل قولهم (ما جاءني رجل) و (ما ضربت رجلا) وهاهنا يجوز أن يستثنى فتقول: إلا زيدا. تمت المسألة، والحمد لله رب العالمين.

[ 83 ]

(14) مسألة في وجه العلم بتناول الوعيد كافة الكفار

[ 85 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة: إن سأل سائل فقال: إذا لم يكن عندكم في لغة العرب لفظ هو حقيقة في الاستغراق، فمن أي وجه علم تناول الوعيد بالخلود كافة الكفار على جهة التأبيد؟. فإن قلتم: إنما علم ذلك من قصد النبي صلى الله عليه وآله ضرورة. قيل لكم: والنبي صلى الله عليه وآله من أي وجه علم ذلك؟. فإن قلتم: اضطره الملك إلى ذلك. قيل لكم: والملك من أين علم ذلك؟ ومع كونه مكلفا لا يصح أن يضطره الله سبحانه إلى قصد. الجواب: إنا إنما قلنا إنه ليس في اللغة لفظ هو حقيقة في الاستغراق، لعلمنا بعرف أهلها

[ 86 ]

في الخطاب وعادتهم في المحاورة، وأنه لا لفظ موضوع فيها لذلك. فأما ما عدا هذه اللغة مما لا سبيل لنا إلى العلم بها، فغير ممتنع أن يكون فيها لفظ موضوع لذلك، إذ كان هذا غير ممتنع أن يكون في لغة الملائكة لفظ موضوع للاستغراق، يفهمون به مراد الحكيم سبحانه في الخطاب. وإذا صح ذلك وخاطبهم الله بذلك، صح أن يضطر الملك النبي صلى الله عليه وآله إلى مراد الله تعالى منه في الاستغراق. ويمكن أيضا أن يغني الله ملائكته بالحسن عن القبيح، ويضطره إلى علم مراده باستغراق كافة الكفار في تأبيد العقاب وتناوله سائر الأوقات، ويضطر ذلك الملك غيره من الملائكة، ويضطر من اضطره النبي صلى الله عليه وآله إلى ذلك. والحمد لله وصلاته على محمد وآله الأكرمين وسلم كثيرا.

[ 87 ]

(15) مسألة في العمل مع السلطان

[ 89 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (مسألة في العمل مع السلطان) الحمد لله وسلامه على عباده الذين اصطفى محمد نبيه والطيبين من عترته. جرى في مجلس الوزير السيد الأجل أبي القاسم الحسين بن علي المعري 1 (أدام الله سلطانه) في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وأربعمائة كلام في الولاية من قبل الظلمة، وكيفية القول في حسنها وقبحها، فاقتضى ذلك إملاء مسألة وجيزة يطلع بها على ما يحتاج إليه في هذا الباب، والله الموقف للصواب والرشاد. إعلم أن السلطان على ضربين: محق عادل، ومبطل ظالم متغلب. فالولاية من قبل السلطان المحق العادل لا مسألة عنها، لأنها جائزة، بل ربما كانت واجبة

1) في المطبوع: المغربي.

[ 90 ]

إذا حتمها السلطان وأوجب الاجابة إليها. وإنما الكلام في الولاية من قبل المتغلب، وهي على ضروب: واجب وربما تجاوز الوجوب إلى الالجاء، ومباح، وقبيح، ومحظور. فأما الواجب: فهو أن يعلم المتولي، أو يغلب على ظنه بأمارات لائحة، أنه يتمكن بالولاية من إقامة حق، ودفع باطل، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر. ولولا هذه الولاية لم يتم شئ من ذلك، فيجب عليه الولاية بوجوب 1 ما هي سبب إليه، وذريعة إلى الظفر به. وأما ما يخرج إلى الالجاء، فهو أن يحمل على الولاية بالسيف، ويغلب في ظنه أنه متى لم يجب إليها سفك دمه، فيكون بذلك ملجأ إليها. فأما المباح منها: فهو أن يخاف على مال له، أو من مكروه يقع [ به ] يتحمل مثله، فتكون الولاية مباحة بذلك ويسقط عنه قبح الدخول فيها. ولا يلحق بالواجب، لأنه إن آثر تحمل الضرر في ماله والصبر على المكروه النازل به ولم يتول، كان ذلك أيضا له. فإن قيل: كيف تكون الولاية من قبل الظالم حسنة؟ فضلا عن واجبة، وفيها وجه القبح ثابت، وهو كونها ولاية من قبل الظالم، ووجه القبح إذا ثبت في فعل كان الفعل قبيحا وإن حصلت فيه وجوه أحسن 2. ألا ترى أن الكذب لا يحسن وإن اتفقت فيه منافع دينية كالألطاف 3 تقع عندها الإيمان وكثيرا من الطاعات. قلنا: غير مسلم أن وجه القبح في الولاية للظالم هو كونها ولاية من قبلها، وكيف يكون ذلك؟! وهو لو أكره بالسيف على الولاية لم تكن منه قبيحة،

1) في المطبوع: لوجوب.
2) في المطبوع: حسن.
3) في المطبوع: بألطاف.

[ 91 ]

فكذلك إذا كان فيها توصل إلى إقامة حق ودفع باطل يخرج عن وجه القبح. ولا يشبه ذلك ما يعترض في الكذب مما لا يخرجه عن كونه قبيحا، لأنا قد علمنا بالعقل وجه قبح الكذب، وأنه مجرد كونه كذبا، لأن هذه جهة عقلية يمكن أن يكون العقل طريقا إليها. وليس كذلك الولاية من قبل الظالم، لأن وجه قبح ذلك في الموضع الذي يقبح فيه شرع 1، فيجب أن يثبته 2 قبيحا في الموضع الذي جعله الشرع كذلك. وإذا كان الشرع قد أباح التولي من قبل الظالم مع الاكراه، وفي الموضع الذي فرضنا أنه متوصل به إلى إقامة الحقوق والواجبات، علمنا أنه لم يكن وجه القبح في هذه الولاية مجرد كونها ولاية من جهة ظالم، وقد علمنا أن إظهار كلمة الكفر لما كانت تحسن مع الاكراه، فليس وجه قبحها مجرد النطق بها وإظهارها بل بشرط الايثار. وقد نطق القرآن بأن يوسف عليه السلام تولى من قبل العزيز وهو ظالم، ورغب إليه في هذه الولاية، حتى زكى نفسه فقال (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) 3، ولا وجه لحسن ذلك إلا ما ذكرناه من تمكنه بالولاية من إقامة الحقوق التي كانت يجب عليه اقامتها. وبعد: فليس التولي من جهة الفاسق أكثر من إظهار طلب الشئ من جهة لا يستحق منها وبسبب لا يوجبه. وقد فعل ما له هذا المعنى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام،

1) في المطبوع: شرعي.
2) في المطبوع: نثبته.
3) سورة يوسف: 55.

[ 92 ]

لأنه دخل في الشورى تعرضا للوصول إلى الامامة، وقد علم أن تلك الجهة لا يستحق من مثلها التصرف في الامامة، ثم قبل اختيار المختارين له عند افضاء الأمر إليه وأظهر أنه صار إماما باختيارهم وعقدهم. وهذا له معنى التولي من قبل الظالم بعينه للاشتراك في إظهار التوصل إلى الأمر بما لا يستحق به ولا هو موجب لمثله. لكنا نقول: إن التصرف في الامامة كان إليه بحكم النص من رسول الله صلى الله عليه وآله على 1 أمته، فإذا دفع عن مقامه وظن أنه ربما توصل إلى الإمامة بأسباب وضعها الواضعون لا تكون الإمامة مستحقة بمثلها، جاز بل وجب أن يدخل فيها ويتوصل بها 2 حتى إذا وصل إلى الإمامة، كان تصرفه فيها بحكم النص لا بحكم هذه الأسباب العارضة. ويجري ذلك مجرى من غصب على وديعة وحيل بينه وبينها وأظهر غاصبها أنه يهبها لصاحبها، فإنه يجوز لصاحب الوديعة أن يتقبل في الظاهر هذه الوديعة ويظهر أنه قبضها على جهة الهبة، ويكون تصرفه حينئذ فيها بحكم الملك الأول لاعن جهة الهبة. وعلى هذا الوجه يحمل تولي أمير المؤمنين لجلدة 3 الوليد بن عقبة. ولم يزل الصالحون والعلماء يتولون في أزمان مختلفة من قبل الظلمة لبعض الأسباب التي ذكرناها، والتولي من قبل الظلمة إذا كان فيه ما يحسنه مما تقدم ذكره، فهو على الظاهر من قبل الظالم، وفي الباطن من قبل أئمة الحق، لأنهم إذا أذنوا في هذه الولاية عند الشروط التي ذكرناها فتولاها بأمرهم فهو على الحقيقة وال من قبلهم ومتصرف بأمرهم.

1) في المطبوع: عن.
2) في المطبوع: إليه.
3) في المطبوع: لجلد.

[ 93 ]

ولهذا جاءت الرواية الصحيحة بأنه يجوز لمن هذه حاله أن يقيم الحدود ويقطع السراق، ويفعل كل ما اقتضت الشريعة فعله من هذه الأمور. فإن قيل: أليس هو بهذه الولاية معظما 1 للظالم ومظهرا فرض طاعته، وهذا وجه قبيح لا محالة، كان غنيا عنه لولا الولاية. قلنا: الظالم إذا كان متغلبا على الدين، فلا بد لمن هو في بلاده وعلى الظاهر من جملة رعيته، من إظهار تعظيمه وتبجيله والانقياد له على وجه فرض الطاعة، فهذا المتولي من قبله لو لم يكن متوليا لشئ، لكان لا بد له من التغلب معه، مع إظهار جميع ما ذكرناه من فنون التعظيم للتقية والخوف، فليس يدخله الولاية في شئ من ذلك لم يكن يلزمه لو لم يكن واليا، وبالولاية يتمكن من أمر بمعروف ونهي عن منكر، فيجب أن يتوصل بها إلى ذلك. فإن قيل: أرأيتم لو غلب على ظنه أنه كما يتمكن بالولاية من أمر ببعض المعروف ونهي عن بعض المنكر، فإنه يلزم لأجل هذه الولاية أفعالا وأمورا منكرة قبيحة لولا هذه الولاية لم تلزمه لا يتمكن من الكف عنها. قلنا: ذا كان لا يجد عن هذه الأفعال محيصا ولا بد من أن يكون الولاية سببا لذلك، ولو لم يتوصل لم يلزمه أن يفعل هذه الأفعال القبيحة، فإن الولاية حينئذ تكون قبيحة، ولا يجوز أن يدخل فيها مختارا. فإن قيل: أرأيتم إن أكره على قتل النفوس المحرمة، كما أكره على الولاية، أيجوز له قتل النفوس المحرمة. قلنا: لا يجوز ذلك، لأن الاكراه لا حكم له في الدماء، ولا يجوز أن يدفع عن نفسه المكروه بإيصال ألم إلى غيره على وجه لا يحسن ولا يحل.

1) في المطبوع: مقويا.

[ 94 ]

وقد تظاهرت الروايات عن أئمتنا عليهم السلام بأنه لا تقية في الدماء 1. وإن كانت مبيحة لما عداها عند الخوف على النفس. فإن قيل: فما عندكم في هذا المتولي للظالم ونيته معقودة على أنه إنما دخل في هذه الولاية لإقامة الحدود والحقوق إن منعه من هذه الولاية، أو مما يتصرف فيه فيها مانع من الناس ورام الحيلولة بينه وبين أغراضه، كيف قولكم في دفعة عن ذلك وقتاله. قلنا: هذه الولاية إذا كانت حسنة أو واجبة عند ثبوت شرط وجوبها، وبينا أنها في المعنى من قبل إمام الحق وصاحب الأمر، وإن كانت على الظاهر الذي لا نقر 2 به كأنها من قبل غيره، فحكم من منع منها وعارض فيها حكم من منع من ولاية من ينصبه الإمام العادل في دفعه بالقتل والقتال، وغير ذلك من أسباب الدفع. فإن قيل: كيف السبيل إلى العلم بأن هذا المتولي في الظاهر من قبل السلطان الجائر بحق 3 لا تحل معارضته ومخالفته، وهو على الظاهر متول من قبل الظالم الطاغي الذي يجب جهاده ولا يحسن إقرار أحكامه. فإن قلتم: الطريق إلى ذلك أن نجد من يعتقد المذهب الحق المتولي 4 من قبل الظلمة والمتغلبين مختارا فنعلم أنه ما اعتمد ذلك إلا لوجه صحيح اقتضاه. قيل لكم: وهذا كيف يكون طريقا صحيحا، وقد يجوز لمعتمد الحق أن يعصي، بأن يلي ولاية من قبل ظالم لبعض أغراض الدنيا ومنافعها، فلا يكون

1) وسائل الشيعة 11 / 483 ب 31.
2) في المطبوع: لا معتبر به.
3) في المطبوع: محق.
4) في المطبوع: يلي.

[ 95 ]

دفعه ومنعه مبيحين 1. قلنا: المعول في هذا الموضع على غلبة الظنون وقوة الأمارات، فإن كان هذا المتولي خليعا فاسقا قد جرت عادته بتورط القبائح وركوب المحارم ورأيناه يتولى للظلمة، فلا بد من غلبة الظن بأنه لم يتول ذلك مع عادته الجارية بالجرم والفجور إلا لأغراض الدنيا، فيجب منعه ومنازعته والكف عن تمكينه. وإن كانت عادته جارية بالتدين والتصوب 2 والكف عن المحارم، ورأيناه قد تولى مختارا غير مكره لظالم، فالظن يقوى أنه لم يفعل ذلك مع الايثار إلا لداع من دواع الدين التي تقدم ذكرها، فحينئذ لا يحل منعه ويجب تمكينه. فإن اشتبه في بعض الأحوال الأمر، وتقابلت الأمارات وتعادلت الظنون، وجب الكف من منعه ومنازعته على كل حالة، لأنا لا نأمن في هذه المنازعة أن تقع على وجه قبيح، وكل ما لا يؤمن فيه وجه القبح يجب الكف عنه. ونظائر هذه الحال في فنون التصرف وضروب الأفعال أكثر من أن تحصى. فإنا لو عهدنا من بعض الناس الخلاعة والفسق وشرب الخمور والتردد إلى مواطن القبيحة، 3 ورأيناه في بعض الأوقات يدخل إلى بيت خمار، ونحن لا ندري أيدخل للقبيح أم للانكار على من يشرب الخمر، فإنا لقوة ظننا بالقبيح منه على عادته المستمرة، يجب أن نمنعه من الدخول ونحول بينه وبينه إذا تمكنا من ذلك، وإن جاز على أضعف الوجوه وأبعدها من الظن أن يكون دخل للانكار لا لشرب الخمر. ولو رأينا من جرت عادته بالصيانة والديانة وإنكار المنكر يدخل بيت خمار

1) في المطبوع: قبيحين.
2) في المطبوع: التصون.
3) في المطبوع: القبيح.

[ 96 ]

فإنه لا يحسن منعه من الدخول، لأن الظن يسبق ويغلب أنه لم يدخل إلا لوجه يقتضيه الدين، إما لإنكار أو غيره. فإن رأينا داخلا لا يعرف له عادة حتى ولا ينوي ترفعنا 1 أيضا عن منعه لأنه لا يجوز أن يكون الدخول لوجه جميل ولا أمارة للقبيح ظاهرة. فإن قيل: فكيف القول فيمن يتولى للظالم، وغرضه أن يتم له بهذه الولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجمع بين هذا الغرض وبين الوصول إلى بعض منافع الدنيا، إما على وجه القبح أو وجه الإباحة. قلنا: المعتبر في خلوص الفعل لبعض الأغراض أن يكون لولا ذلك الغرض لما فعله وأقدم عليه، وإن جاز أن يكون فيه أغراض أخر ليس هذا حكمها. فإن كان هذا المتولي لو انفردت الولاية بالأغراض الدينية وزالت عنها الأغراض الدنيوية، لكان يتولاها ويدخل فيها. ولو انفردت عن أغراض الدين بأغراض الدنيا لم يقدم عليها، فهذا دليل على أن غرضه فيها هو ما يرجع إلى الدين، وإن جاز أن يجتمع إليه غيره مما لا يكون هو المقصود، وإن كان الأمر بالعكس من هذا، فالغرض الخالص هو الراجع إلى الدنيا، فحينئذ يقبح الولاية. فإن قيل: ما الوجه في ما روي عن الصادق عليه السلام من قوله: كفارة العمل مع السلطان قضاء حاجات الأخوان 2. أو ليس هذا يوجب أن العمل من قبله معصية وذنب حتى يحتاج إلى الكفارة عنها؟ وقد قلتم أنها تكون في بعض الأحوال حسنة وراجحة. قلنا: يجوز أن يكون عليه السلام أراد بذلك أن قضاء حاجات الأخوان

1) في المطبوع: حسنى ولا سوأى توقفنا.
2) وسائل الشيعة 12 / 139 ح 3.

[ 97 ]

يخرج الولاية من القبح إلى الحسن، ويقتضي تقربها من جهة اللوم، كما أن الكفارة تسقط اللوم عن مرتكب ما يقتضيها، فأراد أن يقول: إن قضاء حاجات الأخوان يدخلها في الحسن، فقال: يكون كفارة لها، تشبيها. ويمكن أيضا أن يريد بذلك من تولى للسلطان الظالم، وهو لا يقصد بهذه الولاية التمكين من إقامة الحق ودفع الباطل، ثم قضى بعد ذلك حاجات الأخوان على وجه يحسن ويستحق الثواب والشكر، فهذه الولاية وقعت في الأصل. ويجوز أن يسقط عقابها ويتمحص عن فاعلها، بأن يفعل طاعة قصدها ويكون تلك الطاعة هي قضاء حاجات اخوان المؤمنين، وهذا واضح. والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين.

[ 99 ]

(16) مسألة في نفي الحكم بعدم الدليل عليه

[ 101 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة: إن سائل سائل فقال: أراك تقولون في كثير المسائل على القول بأنه لو كان كذا وكذا لكان عليه دليل، وإذا لم يكن عليه دليل وجب نفيه على ما يستدلون به على نفي العبادة بالقياس في الشريعة والعمل بأخبار الآحاد. ومثله ما عولتم عليه في كثير من مسائل فروع الحج من التمسك بأصل حكم العقل، وأنه لو كان فيه شرع حادث لكان عليه دليل. فبينوا صحة هذه الطريقة؟ وما الفصل بينكم وبين من عكس الكلام؟. فقال: إذا أوجبتم نفي أمر من الأمور من حيث لا دليل على إثباته. فما الفصل بينكم وبين من أثبته من حيث لا دليل على نفي، فلا يكون النفي ها هنا أولى منه بالإثبات.

[ 102 ]

الجواب: إعلم أنه لا بد لكل مثبت أو ناف حكما عقليا أو شرعيا من دليل، غير أن الدليل في بعض المواضع على نفي أمر من الأمور قد يكون فقد دليل إثباته، إذا كان مما علم بأنه لو كان ثابتا، لكان لا بد من قيام دليل عليه مقطع 1 هاهنا على نفيه لفقد الدليل على إثباته، ولم ينفه 2 إلا بدليل، وهو الذي أشرنا إليه. ولهذا ننفي نبوة كل من لم يظهر على يده معجزة، ونقطع على انتفاء نبوته دليل النبوة وهو المعجز، ولا نحتاج في كونه نبيا إلى دليل سوى ذلك. ولو قيل لنا: ما الدليل على نبوة نبي بعينه لاحتجنا إلى دليل يخصها، ولا يتبع في ذلك بأنه لو لم يكن نبيا لكان على نفي نبوته دليل، وإذا فقدناه حكمنا بأنه نبي. وكذلك نستدل كلنا على أنه لا صلاة زائدة على الخمس الواجبات، ولا صوم يجب يزيد على شهر رمضان، أو ما أشبه ذلك من الأحكام الشرعية. بأن نقول: لو وجب شئ من ذلك لوجب قيام دليل شرعي عليه، وإذا فقدنا الدليل قطعنا على انتفاء الحكم، ولهذا لا نقطع على انتفاء كون زيد في الدار من حيث لا دليل على كونه فيها، لأن كونه فيها ليس من الباب الذي إذا وقع فلا بد من نصب دليل عليه. ولهذه الطريقة أصل في الضروريات، لأنا ننفي كون جبل بحضرتنا من حيث لو كان حاضرا لرأيناه فعلمناه، فإذا لم نره دل ذلك على نفي حضوره. وأما العكس في السؤال الذي مضى، فليس بصحيح، ولو كان صحيحا للزم

1) ظ: فقطع.
2) ظ: ولم ننفه.

[ 103 ]

في نفي النبوة والشرع الزائد على ما علمناه. أن يقال لنا: إذا عولتم في نفي كون بعض الأشخاص نبيا على نفي دلالة نبوته، فالا وجب إثبات نبوته، لفقد ما يدل على نفيها، فلما لم يلزم ذلك لأي 1 شئ قبل لم يلزمها، فما اعتمدناه من نفي العبادة بالقياس وأخبار الآحاد وغير ذلك. والذي يبين صحة ما ذكرناه من الطريقة، وبطل ما عارضوا به من العكس أنه لو احتيج في نفي كل شئ تنفيه من نبوة وشريعة وغير ذلك إلى دليل يخص ذلك المنفي من غير اعتبار بفقد دلالة إثباته (لاحتيج إلى) 2 ما لا نهاية له من الأدلة، لأنه لا نهاية لما تنفيه من النبوات، وكذلك لا نهاية لما تنفيه من الشرائع والأحكام. وليس كذلك ما تثبته، لأنه متناه محصور، فجاز أن يخصه أدلة محصورة. وهذا يكشف لك عن الفرق بين الأمرين وفساد مذهب من سوى بينهما. ولو قيل لمن سلك هذه الطريقة: ولنا 3 إذا لم ترض ما أشرنا إليه على أن زيدا ليس بنبي، فإنه لا يقدر (إلا) 4 على أنه لو كان نبيا لظهرت على يده معجزة، وحصل (5) فقد المعجزة دليلا على نفي نبوته.

1) ظ: فأي شئ قيل لم لم يلزم ذلك فنقول مثله فيما اعتمدناه... الخ.
2) الزيادة منا.
3) ظ: دلنا.
4) الزيادة منا.
5) ظ: جعل.

[ 104 ]

حتى يقال: فبأي شئ ينفصل من قال لك: فما أنكرت من كونه نبيا كذلك أنه لو لم يكن نبيا لكان على نفي نبوته دليل، وإذا فقدنا ذلك، فلا بد من إثبات نبوته. فإن رام الفصل بغير ما ذكرناه لم يجده. والحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين، والمنة لله.

[ 105 ]

(17) شرح الخطبة الشقشقية

[ 107 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تفسير الخطبة الشقشقية مسألة يحيط على تفسير الخطبة المقمصة وهي الشقشقية، من إملاء السيد المرتضى (رضي الله عنه) من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: أما قوله عليه السلام: (لقد تقمصها فلان) وإنما أراد لبسها واشتملت 1 عليه كما يشتمل القميص على لابسه. وقوله عليه السلام: (وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا) فالمراد أن أمرها علي يدور وبي يقوم، وأنه لا عوض عني فيها ولا بديل مني لها، كما أن قطب الرحا هو الحديد الموضوعة في وسطها عليها مدار الرحا، ولولاها لما انتظمت حركاتها ولا ظهرت منفعتها. وقوله عليه السلام: (ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير) هذا كلام

1) ظ: واشتمل.

[ 108 ]

مستأنف غير موصول المعنى بذكر قطب الرحا، المراد به أني عالي المكان بعيد المرتقى، لأن السيل لا ينحدر إلا عن الأماكن العالية والمواضع المرتفعة. ثم أكد عليه السلام هذا المعنى بقوله: (ولا يرقى إلي الطير) ولأنه ليس كل مكان عال من استقرار السيل عليه واقتضى تحدره عنه، يكون مما لا يرقى إليه الطير، فإن هذا وصف يقتضي بلوغ الغاية في العلو والارتفاع. وقوله عليه السلام: (لكني سدلت 1 دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا) فمعنى (سدلت) ألقيت بيني وبينها حجابا، أي عرضت 2 عنها وتنزهت عن طلبها وحجبت نفسي عن مرامها. وقوله عليه السلام: (وطويت عنها كشحا) نظير قوله: (وسدلت دونها ثوبا) ومعنى الكلام: أنني أعرضت عنها وعدلت عن جهتها، ومن عدل عن جهة إلى غيرها فقد طوى كشحه عنها، لأن الكشح: الخاصرة. وقوله عليه السلام: (بين أن أصول بيد جداء) فإنما أراد: مقطوعة، لأن الجد: القطع، ويحتمل أيضا أن يروى جذاء بالذال المعجمة، لأن الجذ أيضا: القطع، والجذاء: المنقطعة، قال الطائي: أبا جعفر أن الجهالة أمها * ولود وأم العقل عقماء جذاء فأما (الطخية) فهي الظلمة، وليلة طخياء أي مظلمة. فأما قوله عليه السلام: (فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذي، وفي الحلق شجى) ف‍ (هاتا) لغة تجري مجرى هاذي وهذه، و (أحجى) أولى، وقذى العين معروف. و (الشجى) ما اعترض في الحلق.

1) في النهج: فسدلت.
2) ظ: أعرضت.

[ 109 ]

فأما التراث فهو الميراث، وليس كل شئ يملكه مالكه يسمى تراثا، حتى يكون قد ورثه عن غيره. وأراد عليه السلام (أرى تراثي نهبا) أي حقي من الإمامة وخلافة الرسول صلى الله عليه وآله الذي ورثته عنه بنصه علي وإشارته إلي (نهبا) منقسما ومتوزعا متداولا. وقوله عليه السلام: (فأدلى بها إلى فلان بعده) إنما يريد ألقاها إليه وأرسلها إلى جهته، الأصل فيه قولهم: أدليت الدلو إذا ألقيتها إلى البئر، ومنه: أدلى الرجل بحجته. وقوله عليه السلام: (فيا عجبا! بينا هو يستقيلها في حياته إذ جعلها 1 لآخر بعد وفاته) من دقيق المحاسبة وشديد المواقفة أن من يستقبل من الأمر على ظاهر الحال، يجب أن يكون زاهدا فيه منقبضا منه متبرما به، ومن عقده لغيره ووصى بها إلى سواه فهو على غاية التمسك به، والتحمل لأوقاره والتلبس لأوزاره. وقوله عليه السلام:) لشد ما تشطرا ضرعيها) يريد اقتسما منفعتها، من الشطر الذي هو النصف. وأما إنشاده عليه السلام: شتان ما يومي على كورها ويوم حيان أخي جابر فهذا البيت لأعشى قيس من جملة قصيدة، أولها: علقم ما أنت إلى عامر الناقض الأوتار والواتر فأما حيان أخو جابر، فهو رجل من بني حنيفة، فأراد ما أبعد ما بين يومي على كور المطية أدأب وأنصب في الهواجر والصنابر وبين يومي وادعا قارا منادما لحيان أخي في نعمة وخفض وأمن وخصب. وروي: أن حيان هذا كان شريفا معظما عتب على الأعشى، كيف نسبه إلى

(1) في النهج: عقدها.

[ 110 ]

أخيه وعرفه به؟! واعتذر الأعشى أن القافية ساقته إلى ذلك. والغرض في تمثيله (صلوات الله عليه) بهذا البيت، تباعد ما بينه عيه السلام وبيت القوم، لأنهم قلدوا بآرائهم ورجعوا بطلابهم، وظفروا بما قصدوه واشتملوا على ما اعتمدوه. وهو عليه السلام في أثناء ذلك كله مجفو في حقه مكمد من نصيبه، فالبعد كما رآه عنهم، واختلاف شديد والاستشهاد بالبيت واقع في موقعه ووارد في موضعه. وقوله عليه السلام: (يصيرها في ناحية خشناء يجفو مسها ويعظم كلمها) 1 إنما هو تعريض لجفاء خلق الرجل التالي للأول، وضيق صدره ونفار طبعه. وقوله عليه السلام: (كراكب الصعبة) التي ما ذللت وريضت بين خطتين، إن أرخى لها في الزمام توجهت به حيث شاءت بعسف وخبط. و (إن أشنق لها) بمعنى ضيق عليها المشناق (خرم) بمعنى خرم أنفها، لأن الزمام يكون متصلا بالأنف، فإذا والى بين جذبه لإمساكه خرقه. وعلى الرواية الأخرى (إن أشنق لها خرم) وهو معنى خرق. (وإن أسلس لها تقحم به) مثل المعنى الذي أراده بلفظة عسف من ورود ما يكره وروده من الموارد، ويأبى سلوكه من المقاصد. وقوله عليه السلام: (فبلي 2 الناس - لعمرو الله - بخبط وشماس) و (الخبط) هو السير على غير جادة ومحجة، و (الشماس): النفار، و (التلون) التلفت والتبذل، وأما (الاعتراض) فهو هاهنا أيضا ضربان: التلون والتغير وترك لزوم القصد والجادة، يقال: مشى للعرضة أي ترك القصد والمحجة وجادة الطريق

1) كذا في النسخة وفي النسخة وفي النهج: فصيرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها، ويخشن مسها.
2) في النهج: فمني.

[ 111 ]

وسار في عرضها عاسفا خابطا. وإنما تلويحه عليه السلام، بل تصريحه بذم الشورى، والأنفة من اقترانه من لا يساويه ولا يضاهيه، فهو كثير التردد في كلامه عليه السلام، ثم خبر بأنه فعل ذلك كله مقاربة ومساهلة واستصلاحا وسماحا. فقال عليه السلام: (لكن 1 أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا) يقال: سف الطائر بغير ألف وأسف الرجل إلى الأمر إذا دخل فيه بالألف لا غير. قوله عليه السلام: (فمال رجل لضغنه، وأصغى آخر لصهره 2) وإنما أراد المائل إلى صهره عبد الرحمن بن عوف الزهري، فإنه كان بينه وبين عثمان مصاهرة معروفة، فعقد له الأمر ومال إليه بالمصاهرة، والذي مال إليه لضغنه إنما هو سعد بن أبي وقاص الزهري، فإنه كان منحرفا عن أمير المؤمنين عليه السلام، وهو أحد من قعد عن بيعته في وقت ولايته. وأما لفظة (هن) فإن العرب تستعملها في الأمور العظيمة الشديدة، يقولون: جرت هنة وهنات. وقوله عليه السلام: (إلى أن قام ثالث القوم) يعني عثمان (نافجا حضنيه) فالنفج والنفح بمعنى واحد، والحضن هو الصدر والعضدان وما بينهما، ومنه حضنت الصبي حضنا وحضانة، والحضن أيضا أصل الحبل. ومعنى (بين نثيله ومعتلفه) أي بين الموضع الذي يأكل فيه. وقوله عليه السلام: (وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم 3 الإبل نبتة الربيع (والخضم أقوى من القضم، وتعمل فيه الأشداق، ويكون في الأكثر

1) في النهج: لكني.
2) في النهج: فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره.
3) في النهج: خضمة..

[ 112 ]

للأشياء اللينة الرطبة. والقضم بمقاديم الانسان، ويكون للأشياء اليابسة. وقوله عليه السلام: (إلى أن انتكث [ عليه ] 1 فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته) والانتكاث: الانتقاض، وإذا تزايلت قوى الحبل وتفرقت مرده قيل: إنه انتكث، ومنه نكث العهد، لأنه فتح الرجل العقدة. ومعنى (أجهز عليه عمله) أي قتله فعله، والاجهاز لا يستعمل إلا في إتمام ما بدئ به من الجراح وغيرها. فأما البطنة: فهي كثرة الأكل والسرف في الشبع، وذلك غير محمود في نجباء الرجال وذوي الفضل منهم. وقوله عليه السلام: (فما راعني إلا والناس كعرف الضبع [ إلي ] 2 ينثالون علي من كل وجه) والضبع ذات عرف كثيرة، والعرب تسمي الضبع (عرفا) لعظم عرفها. ومعنى (ينثالون) أي يتتابعون ويتزاحمون. وقوله عليه السلام: (حتى [ لقد ] 3 وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم) فأراد ب‍ (الحسنين) الحسن والحسين عليهما السلام، وغلب في الاسم الكبير على الصغير. و (العطف) المنكب. و (ربيضة الغنم) الرابضة، وإنما شبههم بالغنم لقلة الفطنة عندهم وبعد القائل منهم، والعرب تصف الغنم بالغباء وقلة الذكاء. وقوله عليه السلام: (فلما نهضت بالأمر نكصت طائفة، ومرقت أخرى، وفسق آخرون (وفي رواية: نكثت طائفة وقسطت أخرى، بمعنى جارت عن الحد ومن القصد. والعرب تسمي السهم إذا لم يصب الغرض ومضى جانبا

1) الزيادة من النهج.
2) الزيادة من النهج.
3) وفي النهج: وقسط آخرون.

[ 113 ]

فإنه مارق. وأما قوله عليه السلام: (ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم) وفي رواية أخرى: حلت لهم دنياهم. فمعنى (حليت) تربقت وتزينت في أعينهم من الحلي، ويحكى: إحلولات فهو من حلاوة الطعم. ومعنى (راقتهم زبرجها) أي أعجبهم زخرفها، والزبرج كالزخرف، يبدو لهم ظاهر جميل معجب وباطن بخلاف ذلك، وأصله الغيم الرقيق الذي لا ماء فيه، فهو مغر بظاهره ولا خير فيه. وقوله عليه السلام: (لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر) إلى آخر الكلام، فمعناه أن الفرض تعين ويوجب مع وجود من انتصر به على رفع المنكر ومنع الباطل، واعتذار إلى من لا علم له من القعود في أول الأمر، والنهوض في حرب الجمل وما بعدها، لفقد النصار أولا وحضورهم ثانيا. فأما (الكظة) فهي البطنة وشدة الامتلاء من الطعام. و (السغب) هو الجوع. ومعنى (ألقيت حبلها على غاربها) أي تركتها وتخليت منها، لأن الرجل إذا ألقى زمام الناقة على غاربها فقد بدا له في إمساكها وزمها وخلى بينها وبين اختيارها، ولهذا صارت هذه اللفظة من كنايات الطلاق والفرقة. والغارب: أعلى العنق. وقوله عليه السلام: (ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز) والعرب تقول: عفطت الناقة تعفط عفطا وعفيطا وعفطانا فهي عافطة، وهو نثرها بأنفها كما ينثر الحمار. ويقال: عفطت ضرطت. وكلا من المعنيين تحتملهما اللفظة في هذا الموضع. وأما قوله عليه السلام: (تلك شقشقة هدرت ثم قرت) استقرت، ف‍ (الشقشقة) هي التي يخرجها البعير من فيه عند جرجرته وعصه أو فطمه، وإنما يريد عليه السلام أنها سورة التهبت وثارت ثم وقفت. ولما اقتضى ابن عباس (رضي الله عنه) بقية الكلام وقد انقطع بما اعترضه

[ 114 ]

وزال عن سننه، اعتذر عليه السلام في العدول عن تمامه بانقضاء أسبابه وانطفاء ناره وتلاشي دواعيه، فإن الكلام يتبع بعضه بعضها ويقتضي أوله آخره، فإذا قطع انحل نظامه وخبا ضرامه. ونسأل الله التوفيق، تمت بحمد الله ومنه.

[ 115 ]

(118) مناظرة الخصوم وكيفية الاستدلال عليهم

[ 117 ]

بسم الله الرحمن الرحيم إعلم أن الطريق إلى صحة ما يذهب إليه الشيعة الإمامية في فروع الشريعة فيما أجمعوا عليه هو إجماعهم، لأنه الطريق الموصل إلى العلم، فذلك هو على الحقيقة الدليل على أحكام هذه الحوادث. لأنا قد بينا في مواضع كثيرة أن إجماع هذه الطائفة حجة، وبينا العلة في ذلك والوجه المقتضي له. وقد بينا كيفية الطريق إلى معرفة إجماعهم على حكم الحادثة، على تباعد ديارهم واختلاف أزمانهم، وشرحناه وأوضحناه، فلا معنى لذكره هاهنا. وليس يمتنع مع ذلك أن يكون في بعض ما أجمعوا عليه من الأحكام، ظاهر كتاب يتناوله، أو طريقة تقتضي العلم، مثل أو يكون ما ذهبوا إليه هو الأصل في العقل، فيقع التمسك به، مع فقد الدليل الموجب للانتقال عنه. أو طريقة قسمة، مثل أن تكون الأقوال في هذه الحادثة محصورة، فإذا بطل ما عدا قسما واحدا من الأقسام، ثبت لا محالة ذلك القسم، وكان الدليل على

[ 118 ]

صحته بطلان ما عداه. فإن اتفق شئ من ذلك في بعض المسائل، جاز الاعتماد عليه من حيث كان طريقا إلى العلم، وصار نظيرا للاجماع الذي ذكرناه في جواز الاعتماد عليه. هذا فيما اتفقوا عليه من المذهب، فأما ما اختلفوا فيه: فقال بعضهم في الحادثة بشئ، وقال آخرون بخلافه. فلا يخلو من أن يصح دخوله تحت بعض ظواهر القرآن ومعرفة حكمه من عمومه، فيعتمد على ذلك فيه. أو أن يكون مما يرجع فيه إلى حكم أصل العقل، فيرجع فيه إليه مع فقد أدلة الشرع، إذ يمكن فيه طريقة القسمة وإبطال بعضها وتصحيح ما يبقى، فيسلك ذلك فيه. أو يكون جميع الطرق التي ذكرناها فيه متعذرة، فحينئذ يكون مخيرا بين تلك الأقوال التي وقع الاختلاف فيها، ولك أن تذهب وتفتي بأي شئ شئت منها، لأن الحق لا يعدوها، لإجماع الطائفة عليها، وقد فقد الدليل المميز بينها، فلم يبق في التكليف إلا التخيير. وأما ما لم يوجد للإمامية فيه نص على خلاف ولا وفاق، كان لك عند حدوثه أن تعرضه على الأدلة التي ذكرناها، من عمومات الكتاب وظواهره، فقل ما يفوت تناول بعضها من قرب أو بعد له. فإن لم يوجد له فيها دليل، عرض على أصل العقل وعمل بمقتضاه. وإن كانت طريقة القسمة فيه متأتية، عمل بها. فإن قدرنا تعذر ذلك كله، كنت بالخيار فيما تعمله فيه على ما ذكرناه. وهذا الذي بيناه هو طريق معرفة الحق في جميع أحكام الشرع، ولم يبق إلا كيف نناظر الخصوم في هذه المسألة. واعلم أن كل مذهب لنا في الشريعة عليه دليل من ظاهر كتاب، أو حكم.

[ 119 ]

الأصل في العقل وما أشبه ذلك، فإنه يمكن مناظرة الخصوم فيه. فأما ما لا دليل لنا عليه إلا إجماع طائفتنا خاصة، فمتى ناظرنا الخصوم واستدللنا عليهم بإجماع هذه الطائفة، دفعوا أن يكون إجماعهم دليلا، فيحتاج أن نبين ذلك بأن الإمام المعصوم في جملتهم، وننقل الكلام إلى الإمامة، ونخرج عن الحد الذي يليق بالفقهاء ويبلغه أفهامهم. وهذا الذي أحوجنا إلى عمل مسائل الخلاف، واعتمدنا فيها على سبيل الاستظهار على الخصوم في المسائل على القياس وأخبار الآحاد، وإن كنا لا نذهب إلى أنهما دليلان في الشرع، ليتأتى مناظرة الخصوم في المسائل من غير خروج إلى أصول لا يقدرون على بلوغها. غير أن الذي استعملنا في ذلك الكتاب من الاعتماد على القياس وأخبار الآحاد في مناظرة الخصوم في المسائل مما يدل على صحة مذاهبنا ولا يمكننا أن نعتقد له ومن أجله هذا المذهب. وقد عزمنا إلى أن نبيح طريقا يجتمع لنا فيه إمكان مناظرة الخصوم، وأنه يوصل إلى العلم وطريق إلى معرفة الحق، وهو أن يقصد إلى المسألة التي يقع الخلاف فيها بيننا وبين خصومنا، إذا لم يكن لنا ظاهر كتاب يتناولها، ولا ما أشبه ذلك من طريق العلم، فنبنيها على مسألة أخرى قد دل الدليل على صحتها. فنقول: قد ثبت وجوب القول بكذا وكذا، لقيام الدليل الموجب للعلم عليه، وكل من قال في هذه المسألة بكذا، قال في المسألة الأخرى بكذا، والتفرقة بينهما في الموضع الذي ذكرناه خروج من إجماع الأمة لا قائل منهم به مثال ذلك: أن يقصد إلى الدلالة على وجوب مسح الرأس والرجلين ببلة اليد من غير استيناف ماء جديد. فنقول: قد ثبت وجوب مسح [ الرأس و ] الرجلين على التضييق، وكل

[ 120 ]

من قال بذلك قال بإيجاب مسح الرأس والرجلين ببلة اليد، والقول بوجوب مسح الرأس مضيقا مع نفي وجوب المسح بالبلة خلاف الإجماع. وإنما اخترنا بذكر التضييق، لأن في الناس من يقول بمسح الرجلين على التخيير، ولا يوجب ما ذكرناه في المسألة الأخرى. ولك أن تسلك مثل هذه الطريقة فيما تريد أن تدل عليه من مسائل الخلاف التي يوافق فيها بعض الفقهاء وإن خالفها بعض آخر، وأنه لا فرق في صحة استعمال هذه الطريقة فيه بين ما يخالفنا فيه الجميع، مثل ما قد بينا من وجوب مسح الرأس ببلة اليد، وبين ما يخالفنا بعض ويوافقنا فيه بعض آخر، [ وأنه لا فرق في صحة استعمال هذه الطريقة فيه، بين ما يخالفنا فيه بعض ويوافقنا فيه بعض آخر ] 1. مثال ذلك أن نقول: قد ثبت وجوب مسح الرجل مضيقا، وكل من أوجب ذلك أوجب الترتيب في الوضوء 2 أو النية 2 أو الموالاة. وهذا ترتيب صحيح وبناء مستقيم، لأن كل من أوجب مسح الرجلين دون غيره يوجب النية والموالاة والترتيب في الوضوء، وإنما يوجد من يوجب تلك الأحكام من الفقهاء من غير إيجاب مسح الرجلين. وليس في الأمة كلها من يوجب مسح الرجلين مضيقا، وهو لا يوجب ما ذكرناه، لأنه ليس يوجب مسح الرجلين على الوجه الذي ذكرناه إلا الإمامية وهم بأجمعهم يوجبون النية والترتيب والموالاة في الوضوء. ولك أن تبني بناء آخر فنقول إذا أردت مثلا أن تدل على وجوب الترتيب في الوضوء: قد ثبت وجوب الموالاة فيه على كل حال، وكل من أوجب من الأمة

1) كذا في النسخة والظاهر زيادتها.
2) ظ: و.

[ 121 ]

الموالاة على هذا الوجه أوجب الترتيب، لأن مالكا وإن أوجب الموالاة فإنه يوجبها على من أداه اجتهاده، إليها، ويسقطها عمن أداه الاجتهاد إلى خلافها، وليس يوجبها على كل حال إلا الإمامية. وليس يجوز لك أن تبني الموالاة على الترتيب في الاستدلال، كما بنيت الترتيب على الموالاة، وذلك أن معنى ظاهر الكتاب يدل على وجوب الموالاة، وهو آية 1 الطهارة، لأنه أمر فيها بغسل هذه الأعضاء، والأمر بالعرف الشرعي يدل على الفور. فالآية تقتضي غسل كل عضو عقيب الذي قبله، وليس معنى في وجوب الترتيب مثل ذلك، فإن آية الطهارة لا يوجب بظاهرها الترتيب، والواو غير موجبة له لغة، وإنما نقول في إيجاب الواو للترتيب في الشرع في أخبار آحاد، وليست عندنا حجة في مثل ذلك، فبان الفرق بين الأمرين. وليس كذلك 2 أن تبنى مسألة على أخرى، وما دل على ما جعلته أصلا يدل على الفرع ويتناوله، فإن ذلك لا يصح، لأن العلم بحكم المسألتين يحصل في حالة واحدة، فكيف تبنى واحدة على الأخرى. وإنما يصح أن تبنى مسألة على أخرى فيما ينفرد العلم بالأصل عن العلم بالفرع. مثال ذلك: لا يجوز أن تبنى القول بأن المذي لا ينقض الطهر على أن الرعاف أو القئ لا ينقضه، لأنا إنما ندل على أن الرعاف أو القئ لا ينقض الطهارة، بأن نقض الطهارة حكم شرعي لا يقتضيه أصل العقل.

1) قوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) سورة المائدة: 6.
2) ظ: لك.

[ 122 ]

ولا دليل في الشرع يقطع به على أنه ناقض، لأن معول المخالفين في ذلك على قياس أو أخبار آحاد، وليس فيهما ما يوجب العلم، وهذا بعينه قائم في المذي، فكيف تبني أحد الأمرين على الآخر؟ وليس ينفرد الأصل في العلم عن الفرع. فإن قيل: هذا ينقض كل ما قدمتموه، لأن وجوب مسح الرجلين إنما تعلمونه بإجماع الإمامية عليه، وهذا الإجماع بعينه قائم في جميع ما بنيتموه عليه. قلنا: قد قدمنا أن الطريق إلى معرفة صحة ما أجمعت عليه الإمامية هو إجماعهم، وإنما استأنفنا طريقا يتمكن من مناظرة الخصوم به من غير انتقال إلى الكلام في الإمامة، فسلكنا ما سلكناه من الطرق راجعة إلى إجماع الأمة، كلها مما يتفق على أنه حجة، وإلا فإجماعهم كاف لنا في العلم بصحة ما أجمعوا عليه. على أنه غير منكر أن يكون الشيعة 1 ناظر في وجوب مسح الرجلين إلى الدلالة بالآية على ذلك، من غير أن يفكر في طريقة الإجماع من الطائفة، فيعلم بالآية صحته من غير علم بما يريد أن ينبه عليه من وجوب موالاة أو ترتيب أو غير ذلك، لم يبتني المسائل على الطريقة التي ذكرناها، ويصح بناؤه بصحة علمه بالأصل من غير أن يعلم الفرع. ولهذه الجملة لا يصح أن يبتنى أن الطلاق في الحيض لا يقع على أن الطلاق بغير شهادة لا يقع، ولا أنه بغير شهادة لا يقع على أنه في الحيض لا يقع، لأنا إنما نعلم الجميع بطريقة واحدة، وهي أن تأثير الطلاق حكم شرعي لا يثبت إلا بأدلة الشرع، ولا دليل على ثبوت الفرقة بالطلاق في الحيض ولا بغير شهادة،

(1) في النسخة: السبق.

[ 123 ]

فيجب نفي ذلك كما [ لا ] 1 يجب نفي كل حكم شرعي لا دلالة في الشرع عليه. فإن قيل: ليس يصح لكم على أصولكم طريقة النساء 2 التي ذكرتموها، وذلك أن إجماع الأمة عندكم إنما يكون حجة لدخول إجماع الإمامية فيه، فإجماع الإمامية الذي قول الإمام في جملته هو الحجة في الحقيقة. إذا كان الأمر على ذلك، لم يصح للإمامي أن يكون طريقة بناء المسائل التي عددتموها على مسألة مسح الرجلين يوجب له العلم بحكمة 3 تلك المسائل، وذلك أنه لا يصح أن يعلم أن التفرقة بين وجوب مسح الرجلين وبين وجوب مسح الرأس ببلة اليد، ليس بمذهب لأحد من الأمة، إلا بعد أن يعلم أن الإمامية قد أجمعت على كل واحد منهما. فإذا علم إجماع الطائفة على المسألتين، حصل له العلم بصحتهما معا، من غير حاجة إلى حمل واحدة على أخرى، فعاد الأمر إلى أن هذه الطريقة التي استأنفتموها وقلتم أنها تصلح المناظرة مع الخصوم، ويمكن أن تكون طريقا إلى العلم أنها تختص بالمناظرة دون حصول العلم. قلنا: هذا لعمري تدقيق شديد: وتحقيق في هذا الموضع تام، ولو صح أن هذه الطريقة إنما تنفع في المناظرة دون إيجاب العلم، لكان في تحريرها و تهذيبها فائدة كثيرة ومزية ظاهرة، ويكون أكثر فائدة من طريق القياس التي تكلفنا الكلام فيها مع الخصوم للاستظهار. وكذلك الكلام في أخبار الآحاد. والفرق بينهما أن طريقة القياس وأخبار الآحاد لا يمكن أن تكون طريقا

1) كذا في النسخة والظاهر زيادتها.
2) ظ: البناء.
3) ظ: بحكم.

[ 124 ]

إلى العلم بشئ من الأحكام البتة، والحال على ما نحن عليه من فقد دليل التعبد بهما. وليس كذلك الطريقة التي بنينا فيها بعض المسائل على بعض ورتبناها على الإجماع، لأنه إنما لم يكن طريقا إلى العلم لأن العلم يسبق إلى الناظر بصحة الحكم الذي بنيته لإجماع الإمامية عليه، ويحصل له قبل البناء. ولو لم يسبق إليه لكان البناء طريقا إلى حصوله، فإن إجماع الأمة على كل طريق إلى العلم بصحة ما أجمعوا عليه لو لم يسبقه إجماع الإمامية الذي عنده يحصل العلم وفيه الحجة، والقياس وأخبار الآحاد بخلاف ذلك، لما تقدم ذكره. غير أنه يمكن على بعض الوجوه أن يكون هذه الطريقة تحصل بها العلم للإمامي، وذلك أن العلم بأن قول الإمام هو على الحقيقة في جملة أقوال الإمامية دون غيرهم ليس بضروري، والطريق إليه الاستدلال. ويمكن أن يحصل ذلك لبعض الإمامية، هو يعلم على الجملة أن قول الإمام الذي هو الحجة لا يخرج من أقوال جميع الأمة، فإذا علم أن الأمة كلها مجمعة على شئ علم صحته، لدخول قول الحجة فيه، فيصح على هذا التقدير أن يكون الطريقة التي ذكرناها توجب العلم للإمامي زائدا على إمكان مناظرة الخصوم لها. فإن قيل: هذا يوجب أن تبنوا جميع مسائل الفقه على مسألة واحدة مما أجمعتم عليه، وتدلوا على صحة كل المسائل التي يخالف فيها خصومكم، بأن تردوا تلك المسائل إلى هذه على الطريقة التي ذكرتموها. وكان مسألة وجوب مسح الرجلين إذا صحت لكم بدليلها، فقد صح لكم سائر الفقه بالترتيب الذي رتبتموه وما تحتاجون إلى تبديل المسائل التي تجعلونها أصولا ولا تغيرها فلا معنى لذلك.

[ 125 ]

قلنا: الأمر على ما قلتموه، وما المنكر من ذلك؟ وما الذي يدفعه ويفسده؟ ثم نحن بالخيار أن نجعل الأصل مسألة واحدة، أو نبدل ذلك على حسب ما نختاره من وضوح دلالة الأصل أو أشباهها. فإن قيل: كيف 1 ومسألة إلى أخرى وبناؤها عليها ولا نسبة بينهما ولا تشابه، وهذه مثلا من الطهارة وتلك من المواريث، وإنما فعل الفقهاء ذلك فيما يناسب ويقارب من المسائل. فقالوا: إن أحدا من الأمة ما فرق بين مسألة زوج وأبوين ومسألة امرأة و أبوين، فمنهم من أعطى الأم في المسألتين معا ثلث ما بقي، ومنهم من أعطاها في المسألتين ثلث أصل المال. وبدعوا ابن سيرين في التفرقة بين المسألتين، لأنه أعطى الأم في مسألة زوج وأبوين الثلث مما يبقى، وفي مسألة زوجة وأبوين ثلث كل المال. وكذا قالوا: إن أحدا من الأمة لم يفرق بين من جامع ناسيا في شهر رمضان وبين من أكل ناسيا، فمنهم من فطره بالأمرين، ومنهم من لم يفطره بكل واحد من الأمرين. وبدعوا الثوري في تفرقته بين المسألتين وقوله إن الجماع يفطر مع النسيان والأكل لا يفطر، فجمعوا بين مسائل متجانسة، أنتم فقد سوغتم الجمع بين ما لا تناسب فيه. قلنا: لا فرق بين المتجانس في هذه الطريقة وبين غير المتجانس، لأن المعتبر هو مخالفة الإجماع والخروج عن أقوال الأمة، وذلك غير سائغ، سواء كان في متجانس من المسائل أو مختلف، لأن وجه دلالة المتجانس ليس هو كونه متجانسا، وإنما هو رجوعه إلى الإجماع على الطريقة التي بيناها.

(1) ظ: كيف تنسب مسألة.

[ 126 ]

وإذا كان هذا الوجه قائما بعينه فيما ليس بمتجانس كان وجه الدلالة قائما، ولهذه العلة لا يفرق بين أن يبتنى مسألة حظر على مسألة إباحة أو إباحة على حظر، أو يبتنى نفيا على إثبات أو إثباتا على نفي، أو إيجابا على إباحة أو إباحة على إيجاب، بعد أن يكون طريقة الإجماع التي ذكرناها وأوضحناها في ذلك متأتية، وإنما ينظر من مثل من لا ينعم 1 التأمل ويفطن بالعلل والمعاني. فإن قيل: لم يبق عليكم ألا أن تدلوا على صحة الطريقة التي ذكرتموها في اعتبار الإجماع، ففي ذلك خلاف، فبينوا أنه يجري مجرى أن يجمعوا على حكم واحد في أنه لا يجوز مخالفته. قلنا: لا شبهة في صحة هذه الطريقة على أحد من أهل العلم بأصول الفقه، وأن مخالفة ما ذكرناه يجري مجرى مخالفة ما أجمعوا فيه على حكم واحد في مسألة واحدة. ألا ترى أنهم قد بدعوا ابن سيرين والثوري لما خالف الإجماع، وإن كان في مسألتين وفي حكمين، وأجروه مجرى الخلاف في مسألة واحدة وحكم واحد. وما اشتباه ذلك من بعده عن الصواب ألا كاشتباه الحال على من جوز إذا اختلف الأمة على أقاويل محصورة، أن يقول قائل بزائد عليها، ما 2 يدعى أن ذلك لا يجري مجرى إجماعهم على قول واحد، فهو يد 3 زائد أو يختلفوا على أقاويل ثلاثة، فيقول قائل بمذهب رابع، لأن في كلتي المسألتين قد خولف الإجماع وقيل بما اتفقوا على خلافه، ومثل ذلك لا يشتبه على ذوي النقد والتحصيل.

1) ظ: يمعن.
2) ظ: لما.
3) ظ: يدعي زائدا.

[ 127 ]

واعلم أنك إذا سلكت مع الفقهاء في مسائل الخلاف في هذه الطريقة التي أشرنا إليها في الرجوع إلى أصل ما في العقل ضاقت عليهم الطريق في مناظرتك وقطعتهم بذلك عن ميدان واسع من القياسات واعتماد أخبار الآحاد،، وحصرتهم بذلك حصرا لا يملكون معه قبضا ولا بسطا. مثال بعض ما أشرنا إليه وهو: أن يسأل عن إباحة نكاح المتعة فنقول: قد ثبت أن المنافع التي لا ضرر فيها عاجلا ولا آجلا في أصل العقل مباحة، ونكاح المتعة بهذه الصفة فيجب إباحته. فإن سألت الدلالة على انتفاء الضرر عن هذا النكاح الذي فيه انتفاع لا محالة. قلت: الضرر العاجل يعرف بالعادات والأمارات المشيرة إليها ويعلم فقد ذلك، والضرر الأجل إنما هو العقاب، وذلك تابع للقبح. ولو كانت هذه المنفعة قبيحة يستحق بها العقاب، لدل الله تعالى على ذلك، لوجوب إعلامه المكلف ما هذه سبيله. فلم يبق بعد ذلك إلا أن يسأل الدلالة على أن المنافع التي صفتها ما ذكرناه في العقل على الإباحة، فينتقل من الكلام في الفروع إلى الأصول. ثم الدلالة على ذلك سهلة يسيرة، أو يعارض بقياس أو خبر واحد، فلا يقبل ذلك. لأنهما غير حجة عندك في الشرع. فإن انتقل إلى الكلام في التعبد بالقياس أو خبر الواحد، كان أيضا منتقلا من فرع إلى أصل. وإذا انتقل الكلام إلى ذلك، كان أسهل وأقرب من غيره، أو ليس كنا نسامح الخصوم في بعض الأزمان، بأن نقبل المعارضة منهم بالقياس أو خبر الواحد، استظهارا أو استطالة عليهم، فصار ذلك من الواجب علينا، بل المناقشة أولى وأضيق عليهم. فإذا أردت بعد ذلك أن نتبرع بما يجب عليك من قبول ما

[ 128 ]

يعارضون به، والكلام عليه تغلب على بصيرة وبعد بيان وإيضاح. وكذلك متى سلكت معهم في بعض مسائل الخلاف الاعتماد على ظاهر كتاب. ومثال ذلك: أن يستدل على إباحة نكاح المتعة بقوله (فانكحوا ما طاب لكم من النساء 1) وبقوله تعالى (فانكحوهن بإذن أهلهن) 2 وهذا الظاهر عام في نكاح المتعة. فإن الكلام يضيق عليهم، لأنهم إن عارضوا بقياس أو خبر واحد وليس لهم إلا ذلك لم يتقبل منهم ذلك، لأن مذهبك بخلاف، فيقف الكلام ضرورة عليهم. فإن قيل: قد بنيتم بناء المسائل على الإجماع، بنيتم كيف يستدل أيضا بالأصل في العقل وبظواهر الكتاب، فاذكروا أمثلة طريقة القسمة التي ذكرتم أنها طريقة صحيحة، ومما يعتمد عليه في إيجاب العلم في مناظرة الخصوم. قلنا: مثال هذه الطريقة أن من قال لزوجته: أنت علي حرام. فقد اختلف أقوال الأمة فيه، فمن قائل: إنه طلاق بائن أو رجعي. ومن قائل: إنه ظهار. وقال قوم: هو يمين. وقال قوم وهو الحق: إنه لغو ولا تأثير له والمرأة على ما كانت عليه، وهذا قول الإمامية وصح مذهبهم، لأنه ليس بعد إبطال تلك المذاهب. وطريق إبطال ما عدا مذهب الإمامية الواضح أن نقول: كنه طلاقا بائنا، أو رجعيا، أو ظهارا، أو يمينا أحكام شرعية، والحكم الشرعي لا يجوز إثباته إلا بدليل شرعي، ولا دليل على ذلك، فإن الذي سلكه القوم في ذلك من القياس ليس بصحيح، لأنه مبني على التعبد بالقياس ولم يثبت ذلك، فإذا بطلت تلك

1) سورة النساء: 3.
2) سورة النساء: 25.

[ 129 ]

الأقسام صح ما عداها. ولك أيضا أن تبطلها بأن تقول: لفظة (حرام) ليس في ظاهرها طلاق ولا ظهار ولا يمين، فكيف يفهم منها ما ليس في الظاهر، وهل حملها على ذلك والظاهر لا يتناوله إلا كحملها على ما لا يحصى مما لا يتناوله الظاهر. واعلم أنه لا خفاء على أحد أن بما أوضحناه ونهجناه قد وسعنا الكلام لمن أراد أن يناظر الخصوم في جميع مسائل الخلاف التي بيننا وبينهم غاية التوسعة، وقد كان يظن أن ذلك يضيق على من نفى القياس ولم يعمل بخبر الواحد. فلا مسألة إلا ويمكن أصحابنا على الطرق التي ذكرناها أن يناظروا خصومهم فيها، لأن مسألة الخلاف لا يخلو من أن يكون خصومنا القائلين فيها بالحظر ونحن بالإباحة، أو نحن نذهب إلى الحظر فيها وهم على الإباحة، أو يكون خصومنا هم الذاهبين فيها إلى ما هو عبارة وحكم شرعي ونحن ننفي ذلك، أو يكون نحن المثبتين للحكم الشرعي وهم ينفون ذلك. فدللنا على بطلان قولهم وصحة مذهبهم 1 في هذه المسألة التي نقول فيها بالإباحة وهم بالحظر أن الأصل في العقل الإباحة، فمن ادعي حكما زائدا على ما في العقل، فعليه الدليل الموجب للعلم. وإذا أوردوا قياسا أو خبر واحد أعلموا أن ذلك ليس بجهة للعلم ولا موجب للعمل. مثال ذلك: ما تقدم ذكره من الخلاف في إباحة نكاح المتعة، وما نحله من لحوم الأهلية ويحرمونه، ونبيحه من خطأ المطلقة بلفظ واحد والاستمتاع بها ويحظرونه. وأمثلته أكثر من أن تحصى. وهذه الطريقة نسلك إذا كان الخلاف معهم في إثبات عبادة أو حكم شرعي، ونحن ننفي ذلك، لأن الأصل في العقل نفي ما أثبتوه فعليهم الدليل، ولا

1) ظ: مذهبنا.

[ 130 ]

يقبل القياس ولا أخبار الآحاد لما تقدم ذكره. مثال ذلك: أنهم يثبتون القئ والرعاف والمذي ومس الذكر أو المرأة ناقضا للطهارة، وذلك حكم شرعي خارج عن أصل ما هو في العقل، فعلى مثبت ذلك الدليل. وكذلك إذا أثبتوا الزكاة في الحلي وفي الذهب والفضة وإن لم يكونا مطبوعين، وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى. وأما إذا كان الحظر في جهتهم وإثبات العبادة أو الحكم الشرعي هو مذهبنا وهم ينفون ذلك، كما نقوله في تحريم الشراب المسكر، وإيجاب التشهدين الأول والثاني، والتسبيح في الركوع والسجود، وإيجاب الوقوف بالمشعر الحرام، وأمثله ذلك أيضا أكثر من أن تحصى وأنت منتبه عليها. فحينئذ يجب الفرع 1 إلى الطريقة التي ذكرناها، وهو أن يقصد مسألة من المسائل التي قد دلت 2 عليها دليل يوجب العلم من ظاهر كتاب أو غيره. فنقول: قد ثبت كذا في هذه المسألة، وكل من ذهب إلى ذاك فيها ذهب في المسألة الفلانية - تذكر المسألة التي تريد أن تدل عليها - كذا، والتفريق بينهما خلاف الإجماع على ما شرحناه فيما تقدم. فقد بان أنه لا يعزل طريق يسلكه مع الخصوم في كل مسائل الخلاف. فقد بينا على كيفية ما يعمله في جميع المسائل.

1) ظ: الفزع.
2) ظ: دل.

[ 131 ]

(19) مسألة في أحكام أهل الآخرة.

[ 133 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال [ المرتضى ] 1 رضي الله عنه: سألت بيان أحكام أهل الآخرة في معارفهم وأحوالهم 2، وأنا ذاكر من [ ذلك ] 3 جملة وجيزة: إعلم أن لأهل الآخرة ثلاث أحوال: حال ثواب، وحال عقاب، وحال أخرى للمحاسبة. ويعمهم في هذه الأحوال الثلاث سقوط التكليف عنهم، وأن معارفهم ضرورية، وأنهم ملجأون إلى الامتناع من القبيح وإن كانوا مختارين لأفعالهم مؤثرين لها، وهذا هو الصحيح دون ما ذهب إليه من خالف هذه 4 الجملة. والذي يدل على سقوط التكليف عن أهل الثواب منهم، فهو أن الثواب

1) الزيادة من ب.
2) في ب: وأفعالهم.
3) الزيادة من أ و خ.
4) في ب: في هذه

[ 134 ]

شرطه وحقه 1 أن يكون خالصا غير مشوب 2 ولا منغص 3، ومقارنة التكليف للمثاب يخرجه عن صفته التي لا بد أن يكون عليها. فإن قيل: فهبوا أن هذا يتم في أهل الجنة الذين هم مثابون، فمن أين زوال التكليف عن أهل النار أو عن أهل الموقف؟ قلنا: [ الجواب ] 4 الصحيح عن هذا السؤال أنا إذا علمنا زوال التكليف عن أهل الجنة بالطريقة التي ذكرناها علمنا زواله عن أهل العقاب وأهل الموقف بالاجماع، لأن أحدا من الأمة 5 لا يفصل بين أحوال [ أهل ] 6 الآخرة في كيفية المعارف وزوال التكليف. وهذا الوجه أولى مما يمضي في الكتب من أن أهل الآخرة بين مثاب 7 أو معاقب أو مسائل يحاسب، ولو كانوا مكلفين لجاز أن يتغير أحوال [ أهل ] 8 العقاب إلى الثواب وأحوال [ أهل ] 9 الثواب إلى العقاب، وأن يصيروا دون المؤمنين حالا في الثواب بمنزلة النبي صلى الله عليه وآله في منازله في ثوابه. وإنما قلنا إنه أولى منه، لأن العقل لا يمنع مما ذكروه من تغير أحوال

1) في أ: شرط وصفه.
2) في ب: غير مسنون.
3) في خ: ولا منتقص.
4) الزيادة من أ.
5) في أ و خ: من الأئمة.
6) الزيادة من ب.
7) في ب: من أهل الآخرة بين حيات.
8) الزيادة من أ.
9) في أ: وثوابه.

[ 135 ]

[ أهل ] 1 الآخرة في الثواب والعقاب، وإن منع [ من ] 2 ذلك سمع أو إجماع، عول عليه في المنع منه، وإلا فقد كان مجوزا. وليس لأحد أن يقول: كيف [ يكون ] 3 أهل الآخرة مكلفين وليس لهم دواع مترددة، والشبهة لا تدخل 4 عليهم، والتكليف إنما يحسن تعريضا للثواب و [ الثواب ] 5 لا يستحق مع توفر الدواعي وامتناع دخول الشبهة. فالجواب عن هذه الشبهة: إنه غير ممتنع دخول الشبهة على أهل الآخرة، فيصح أن يكلفوا، لأنهم في معاينتهم تلك الأحوال والآيات يجرون 6 مجرى من شاهد المعجزات العظيمة للانبياء عليهم السلام في أنه مكلف، ويجوز دخول الشبهة عليه. وأما الذي يدل على أن أهل الآخرة لا بد أن يكونوا عارفين بالله تعالى وأحواله، فهو أن المثاب متى لم يعرفه تعالى، لم يصح منه معرفة كون الثواب ثوابا وواصلا 7 إليه، على الوجه الذي يستحقه 8، وأنه دائم غير منقطع، وإذا كانت هذه المعارف واجبة فما لا يتم هذه المعرفة إلا به - من معرفة الله تعالى وإكمال العقل وغيرهما 9 - لا بد من حصوله.

1) الزيادة من أ.
2) الزيادة من ب.
3) الزيادة من ب.
4) في ب: والشبهة لا يدخل.
5) الزيادة من ب.
6) في أ و خ: تجري.
7) في أ: ثوابا واصلا.
8) في ب: استحقه.
9) في أ و ب: وغيره.

[ 136 ]

وإنما قلنا بوجوب حصول هذه 1 المعارف لأن المثاب متى لم يعرف أن الثواب واصل إليه على سبيل الجزاء عما فعله 2 من الطاعات لم يعلم أنه قد وفي حقه وفي له 3 بما عرض له من التكليف الشاق، ولأن كون الثواب 4 ثوابا مفتقر إلى العلم بقصد فاعله إلى التعظيم به، والعلم بالقصد يقتضي العلم بالقاصد، والعلم بدوام الثواب أيضا زائد في لذة المثاب وناف للتكدير والتنغيص 5 بجواز انقطاعه، ومعلوم أنه لا يتم العلم بدوامه إلا بعد المعرفة بالله تعالى. والقول في المعاقب يقرب 6 من القول [ في ] 7 المثاب، لأنه يجب أن يعرف أن الآلام الواصلة إليه على سبيل العقاب، فيعلم أنها مستحقة وواقعة على وجه الحسن، ويعلم قصد القاصد إلى الاستحقاق بها كما قلناه في باب الثواب والقصد إلى التعظيم به، ويعلم أيضا دوامه، فيكون ذلك زائدا في إيلامه والاضرار به 8 وهذا كله لا يتم إلا بعد المعرفة بالله تعالى وأحواله فيجب حصولها. فإن قيل: فمن أين [ علمتم ] 9 أن أهل الموقف يجب أن يكونوا عارفين بالله تعالى وليس يتم فيهم ما ذكرتموه في أهل الثواب والعقاب في وجوب المعرفة بالله تعالى. قلنا: [ أهل الموقف يجرون مجرى أهل الثواب والعقاب ] 10 في وجوب

1) في ب: هذين.
2) في أ و خ: عما فعل.
3) في أ: ووفى لنا.
4) في أ و خ: ولا كون.
5) في خ: والتنقيص.
6) في أ و خ: من المعاقب مقرب.
7) الزيادة من أ.
8) في ب: الاحتراز به.
9) الزيادة من أ.
10) الزيادة من ب.

[ 137 ]

المعرفة بالله تعالى، لأن الفائدة 1 في المحاسبة والمسألة والمواقفة هي حصول السرور واللذة لأهل الثواب، والألم والحسرة لأهل العقاب، فلا بد [ من ] 2 أن يعرفوا الله عز وجل ليعلموا ما ذكرناه، ولأن نشر الصحف والمحاسبة 3 والمسألة أفعال واقعة على وجه الحكمة، ولا يجوز أن يعرفوا وقوعها على هذا الوجه من الحسن والحكمة إلا بعد معرفتهم 4 بالله تعالى وأحواله، ومتى لم يعرفوه 5 جوزوا فيها خلاف ما بني عليه من وجوه 6 الحكمة. وإذا وجب في أهل الآخرة أن يكونوا عارفين بالله تعالى لم تخل حالهم في هذه المعرفة من وجوه: إما أن يكونوا مكتسبين لها ومستدلين عليها، أو يكونوا ملجأين إليها وإلى النظر المولد لها، أو يكونوا مضطرين إليها وإلى النظر المولد لها، ولا يجوز أن يكونوا مكتسبين لهذه المعرفة، لأن ذلك 7 يقتضي كونهم مكلفين، وقد بينا أنهم غير مكلفين، ولا يجوز أن يكونوا [ مكتسبين ] 8 لها على سبيل التذكر - كما يفعله المنتبه عن نومه عند انتباهه في أنه يفعل اعتقادا لما كان عالما 9، فيكون له علوما لأجل التذكر.

1) في خ والنسخة المطبوعة في كلمات المحققين: قلنا لأن الفائدة الخ.
2) الزيادة من أ.
3) في أ: والمحاسب.
4) في ب: معرفته.
5) في أ و خ: لم يعرفوا.
6) في ب: من وجه.
7) في أ و خ: لأن هذه.
8) الزيادة من ب.
9) في أ: اعتقلوا لما كان علم به. وفي خ: اعتقادا لما كان علم به.

[ 138 ]

وذلك [ أن ] 1 هذا الوجه لا يخرجون معه من جملة التكليف، لأنهم - وإن كانوا عند التذكر لا بد أن يفعلوا الاعتقادات التي تصير علوما والشبه متطرقة عليهم ويجوز دخولها فيما علموه، فلا بد أن يكلفوا دفعها والتخلص منها، فالتكليف ثابت أيضا على هذا الوجه. على أن هذا الوجه إنما يتطرق فيمن كان عارفا بالله تعالى في دار الدنيا، وأما من لم يكن عارفا [ به ] 2 فلا يتأتى منه. فإن قيل: هؤلاء الذين كانوا في الدنيا لا يعرفون الله تعالى يعرفونه في الآخرة ضرورة. قلنا: بالاجماع نعلم ضرورة أن معارف أهل الآخرة متساوية في طريقها غير مختلفة، ولا يجوز أن يكونوا ملجأين إلى المعرفة ولا إلى النظر المولد للمعرفة، لأن الالجاء 3 إلى أفعال القلوب لا يصح إلا منه تعالى لأنه المطلع على الضمائر، ولا يصح 4 أن يكون تعالى ملجئا لهم إلا مع تقدم معرفتهم به وبأحواله 5، لأنه إنما يلجئهم إلى الفعل بأن يعلمهم 6 بأنهم متى حاولوا العدول عنه منعهم منه، وذلك يقتضي كونهم عارفين به تعالى وبصفاته. على أن الالجاء إلى المعرفة أيضا لا يصح، لأنه إنما يلجئ إلى الاعتقادات المخصوصة، بأن يعلم الملجأ أنه يمنعه متى رام غيرها. وأكثر ما في ذلك أن

1) الزيادة من أ.
2) الزيادة من أ 3) في ب: لأن الجاء.
4) في ب: والصحيح.
5) في أ: وجوبا لهم.
6) في ب: إلى الله بأن تعلمهم.

[ 139 ]

يقع من هذا الملجأ تلك الاعتقادات، فما الذي يقتضي كونها علوما ومعارف؟ ولا وجه يقضي ذلك من الوجوه المذكورة التي يصير الاعتقاد لها علما. ولا يجوز أن يكون تعالى مضطرا لهم إلى النظر المولد للمعرفة، لأن ذلك جار مجرى العبث الذي لا فائدة فيه 1 لأن الغرض هو المعرفة، والاضطرار إليها يغني عن الاضطرار إلى سببها، على أن في النظر مشقة وكلته، وذلك ينافي صفة أهل الثواب في الآخرة، وإذا وجب في معرفة أهل الثواب منهم الاضطرار وجب ذلك في معارف الجميع من الوجه الذي بيناه. فإن قيل: دلوا 2 على أن [ في ] 3 مقدوره تعالى علما يفعله في غيره، فيكون ذلك الغير به عالما، فإن كلامكم 4 مبني على أن ذلك مقدور غير ممتنع. قلنا: لا بد من كون ذلك في مقدوراته تعالى، [ لأنه ] 5 لو لم يكن له مقدور لوجب في أجناس الاعتقادات على اختلافها أن تكون خارجة من مقدور الله تعالى، لأنه لا يوصف تعالى بالقدرة على علم يكون به هو تعالى عالما، وإذا كان لا يوصف بالقدرة على علم يكون غيره به عالما، فيجب أن يكون جنس العلوم من الاعتقادات خارجا عن مقدوره، وهذا يقتضي أن يكون غيره من المحدثين أقدر منه وأكمل حالا في القدرة، لأنا نقدر على هذه 6 الأجناس، وإذا ثبت أنه تعالى أقدر منا وأنه لا يجوز أن نقدر على جنس لا يقدر هو تعالى عليه، ثبت

1) في أ و خ: لا يليقه.
2) في ب: ولوا.
3) الزيادة من ب.
4) في ب: فإن كلامك.
5) الزيادة من أ و خ.
6) في ب: على هذين.

[ 140 ]

أنه لا بد أن يكون قادرا على جنس العلوم. ولهذا كفر أبو القاسم البلخي 1 في هذه المسألة، وقيل له [ إنك ] 2 مصرح بأنا أقدر منه، ولا يلزم على هذا ما نقوله كلنا من أنه لا يوصف بالقدرة على الجمع بين الضدين، أن يفعل في نفسه الحركة، وما أشبه ذلك، لأن هذا كله غير مقدور في نفسه من حيث لا يقدر عليه من القادرين أحد، وليس كذلك قبيل الاعتقادات، لأنه مقدور في نفسه لمن هو أنقص حالا من القديم تعالى في باب القدرة، فأولى وأحرى أن يكون تعالى قادرا عليه. فإن قيل: فإذا كان التكليف زائلا عنهم فكيف أمرهم تعالى بقوله: (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) 3. قلنا: قيل إن هذا اللفظ - وإن كان صيغة الأمر - فليس بأمر 4 على الحقيقة بل يجري مجرى الإباحة، والاباحة لها صورة الأمر، فقيل 5 أيضا إنه أمر وأنه تعالى أراد من أهل الجنة الأكل والشرب على سبيل الزيادة في ملاذهم وسرورهم لا على سبيل التكليف. فإن قيل: فكيف تقولون في شكر أهل الجنة لنعم الله تعالى، أو ليس هو لازم لهم 6؟

1) عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم الكعبية، وهو صاحب مقالات، وكان من كبار المتكلمين، وله اختيارات في علم الكلام. توفي سنة 317 ه‍ (وفيات الأعيان: 2 / 248).
2) الزيادة من ب، وفي خ: بأنك.
3) سورة الحاقة: 24.
4) في ب: فليستأمر.
5) في خ: وقيل.
6) في ب: وليس هو ملازم لهم.

[ 141 ]

قلنا: [ أما ] 1 ما يرجع إلى القلب من الشكر، فهو يحصل في قلوبهم ضرورة، لأنه يرجع إلى الاعتقادات، وما يرجع إلى اللسان منه فلا كلفة فيه، وربما كان مثله في اللذة 2 لأن أحدنا يلتذ ويسر بالتحدث بنعم الله عليه، لا سيما إذا كان وصولها إليه بعد شدة ومدى طويل من الزمان. وأما أفعال أهل الجنة فالصحيح أنها واقعة منهم على سبيل الاختيار وإن كانوا ملجأين إلى الامتناع من القبح، بخلاف ما قاله أبو الهذيل 3 فإنه كان يذهب إلى أن أفعالهم ضرورية. والذي يدل على صحة ما اخترناه أنه لا بد أن يكونوا مع كمال عقولهم ومعرفتهم بالأمور ممن يخطر القبيح بقلبه ويتصوره وهم قادرون عليه لا محالة، ولا يجوز أن يخلي بينهم وبين فعله، فلا يخلون من أن يمنعوا من فعل بأمر وتكليف أو بإلجاء على ما اخترناه، أو بأن يضطروا إلى خلافه على ما قاله أبو الهذيل. [ ولا يجوز أن يكونوا مكلفين لما تقدم ذكره، ولا مضطرين على ما قاله أبو الهذيل ] 4 لأن المضطر مستنغص 5 اللذة غير خال من تنغيص وتكدير لكونه مضطرا، ولأن التصرف على اختياره فيما يتناول [ ما يشتهيه ] 6 وينقله من حال

1) الزيادة من أ.
2) في ب: في صلة اللذة.
3) محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي، كان من أئمة الاعتزال له مقالات في الاعتزال ومجالس ومناظرات، وكف بصره في آخر عمره، ولد في البصرة سنة 135 ه‍. وتوفي بسامراء سنة 235 ه‍ (الأعلام للزركلي: 7 / 355).
4) الزيادة من أ و خ.
5) في خ: مستنقص، وكذا بعده: تنقيص.
6) الزيادة من أ و خ.

[ 142 ]

إلى حال باختياره أزيد في لذاته وأدخل في تمتعه وسروره [ ولذته ] 1 وإنما يرغب الله تعالى في اللذات الواصلة في الجنة على الوجه المعتاد في الدنيا، فلم يبق بعد ذلك إلا أنهم يلجأون إلى الامتناع من القبيح، وإلا جاز وقوعه منهم. وأما ما ظن أبو الهذيل أنهم متى لم يكونوا مضطرين إلى أفعالهم كانت عليهم فيها مشقة وهم من حيث تكلفوا الأفعال، وقد رأى أن قوله بذلك أدعى إلى تخليص الثواب من الشوائب. فقد بينا أن الذي ينغص 2 اللذة هو كونهم 3 مضطرين لا مختارين، وإن نيل الملتذ ما يناله 4 من اللذات باختياره وإيثاره أكمل للذته وأقوى لمنفعته، وأما الكلفة في الأفعال، فهي مرتفعة عنهم، لأنهم ينالون ما يشتهون على وجه لا كلفة فيه ولا تعب ولا نصب. فإن قيل: فهذا يبين كون أهل الثواب غير مضطرين، فما تقولون في أهل العقاب وأهل الموقف؟. قلنا: أما أهل العقاب فكونهم مختارين لأفعالهم أشد تأثيرا في إيلامهم والاضرار بهم، لأنهم إذا لم يتمكنوا - مع كونهم مختارين - أن يدفعوا ما نزل بهم من الضرر، كان ذلك أقوى لحسراتهم وأزيد في غمهم. وأما أهل الموقف فبالاجماع يعلم أن أفعالهم 5 كأفعال أهل الجنة وأهل النار، لأن أحدا 6 لم

1) الزيادة من ب.
2) في خ ينقص.
3) في أ: وهم كونهم.
4) في ب: ما تناله.
5) في ب: إن فعاله.
6) في أ: وأحد.

[ 143 ]

يفرق بين الجميع. فإن قيل: فإذا قلتم أنهم ملجأون إلى ألا يفعلوا القبيح فقد ثلم من ذلك كونهم مختارين لأفعالهم على بعض الوجوه. قلنا: إنما يلجأون إلى ألا يفعلوا القبيح خاصة، فالالجاء إنما يكون فيما لا يفعلونه، فأما ما يفعلونه فهم فيه مخيرون، لأنهم يؤثرون 1 فعلا على غيره وينقلون من حال إلى أخرى بعد ألا يكون في أفعالهم شئ من القبيح. وليس يمتنع أن يكون الملجأ من وجه مخيرا [ كذلك ] 2 من آخر، لأنه من ألجأه السبع إلى مفارقة مكان بعينه هو مخير في الجهات المختلفة والطرق المتغايرة، فالتخير ثابت وإن كان ملجأ من بعض الوجوه، وليس يجب أن يلحقهم غم ولا حسرة من حيث ألجئوا 3 إلى ألا يفعلوا القبيح، لأنهم مستغنون عنه بالحسن، فلا غم ولا حسرة في الالجاء إلى مفارقة القبيح 4. وهذه الجملة كافية لمن اطلع عليها. والله الموفق للصواب.

1) في ب: يورثون.
2) الزيادة من أ و خ.
3) في أ: من أن ألجئوا.
4) في ب: إلى أفعال القبيح.

[ 145 ]

(20) مسألة في توارد الأدلة

[ 147 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة: وجدت كل المتكلمين قالوا في كتبهم، حتى سيدنا (كبت الله أعداءه) الذي هو إمامهم والكاشف عما يلبس عليهم، أن من شروط النظر المؤدي إلى العلم، أن يكون الناظر شاكا في مدلول. [ و ] هذا القول يوجب أن يكون العالم بحدوث الأجسام من جهة دليل الاعراض، العالم بأن الادراك ألا يتناول الأخص 1 الأوصاف، ولا يعلم بدليل أبي علي بن سينا بدلا يمكنه النظر فيه. ونحن نعلم أن من لا يعلم أن الموجود إذا لم يكن قديما، فلا بد كونه محدثا غير كامل العقل. على أنهم قالوا أيضا حتى سألوا نفوسهم، فقالوا: ما وجه ترادف الأدلة على المدلول الواحد، وجهته: أنا نعلم أنها مما لو سبقنا إليها لوجدت العلم.

1) ظ: لا يتناول إلا أخص الأوصاف.

[ 148 ]

مع قولهم إنا لا نفرق بين الدليل والشبهة إلا بعد توليد الدليل للعلم، فكيف يعلم أنها لا يمكننا النظر فيها ولا يولد لنا علما أبدا. فإن قيل: إنه إذ نظر غيرنا فيها اضطرنا إلى أنه علم بمدلولها، فعلمنا أنها أدلة. أمكن له [ أن ] 1 يقال: إنه لا سبيل إلى أن يعلم أحدنا عالما، وإن جاز أن يعلمه معتقدا، وإذا لم يعلمه عالما فلا سبيل إلى ما ذكروه. الجواب: إعلم أنه لا شبهة في القول بأن من علم شيئا من المعلومات بدليل نظر فيه أوجب له العلم، لا يصح أن يعلمه بدليل آخر، إذا اجتمع مع القول بأن وجه النظر في الأدلة المترادفة مع تقدم العلم بالمعلوم، إنما هو ليعلم أن ذلك المنظور فيه دليل مناقضته. وقول بيننا 2 في أن الدليل إنما يعلم دليلا إذا حصل عنده العلم فكيف يجوز أن يعلم في الدليل الثاني إذا نظرنا فيه أنه دليل وما حصل لنا عنده علم. والذي يقوي في النفس أن يقال: إن من نظر في شئ يعلمه من طريق الدليل، قد يجوز أن ينظر في دليل آخر يفضي إلى العلم به، ويكون عالما به من طريقين. مثال ذلك: أن ينظر في طريق إثبات الاعراض، ويستدل بها على حدوث الأجسام، فيعلم بهذه الطريقة أن الأجسام محدثة، ثم ينظر في الطريقة الأخرى يعتمد فيها على أن من شأن الادراك أن يتعلق في كل ذات مدركة بأخص أوصافها

1) الزيادة منا.
2) ظ: وقد بينا.

[ 149 ]

والجسم لو كان قديما لوجب إدراكه على هذه الصفة، لأنها من أخص أوصافه، فإذا علم ضرورة أنه لا يدرك قديما، فلا بد من العلم بحدوثه. وهذه الطريقة مبنية على مقدمات: منها: أن الجسم مدرك. ومنها: أن من شأن الادراك أن يتعلق بأخص أوصاف الذات المدركة. ومنها: أن الجسم لو كان قديما لكان كونه بهذه الصفة من أخص أوصافه. ومنها: أن 1 لا يدرك قديما. فمتى علم بالتأمل صحة هذه المقدمات، فلا بد أن يفعل لنفسه اعتقادا، لأن الجسم ليس بقديم، وإذا لم يكن قديما وهو موجود، فلا بد من كونه محدثا. وإنما قلنا إنه مع صحة تلك المقدمات وعلمه بها لا بد أن يفعل اعتقادا لأنه ليس بقديم. أن مجموع ما ذكرناه ملجئ له إلى فعل هذا الاعتقاد، كما أن من علم في ذات أنها لم يسبق ذواتا محدثة ملجأ إلى اعتقاد كونها [ كذلك ] ومن علم في فعل له صفة الظلم ملجأ بما استقر في عقله من قبح ما له هذه الصفة إلى فعل اعتقاد لقبحه، ويكون ذلك الاعتقاد علما، لوقوعه على الوجه الذي ذكرناه. فإن قيل: كيف ينظر في حدوث الجسم بالدليل الثاني وهو عالم بحدوثه بالدليل الأول، والعلم بالشئ يمنع من النظر فيه، ولو جاز أن ينظر فيما علمه، لجاز أن ينظر في المشاهدات. قلنا: ليس نظره في الدليل الثاني على الحقيقة نظرا في صدور 2 الجسم، فيلزم أن يكون شاكا في حدوثه، وإنما ينظر في مقدمات الدليل الثاني التي منها

1) ظ: أنه.
2) ظ: حدوث.

[ 150 ]

أن من شأن الادراك أن يتعلق بأخص أوصاف المدرك، ومنها أن الجسم لو كان قديما لكان كونه كذلك من أخص أوصافه، وغير ذلك مما قد بيناه. وإذا نظر في شئ، فيجب أن يكون شاكا في متناول الادراك وسائر مقدمات الدليل وعلى 1 بالدليل الأول حدوث الأجسام لا يمنع من شكه في مقدمات الدليل الثاني. وإنما يمنع على الوجه الصحيح أن يكون ناظرا في شئ وهو عالما 2 به، أن النظر لا يتعلق من المنظور فيه بوجه معين، بل يتعلق بهل الصفة ثابتة أم منتفية، فكأنه يمثل من الأمرين. ويجب عن إدراكهما الثابت، فلا بد من الشك مع ذلك، لأن العلم والقطع ينافيان وجه تعلق النظر. فهذا هو المانع من نظر الناظر فيما يعلمه، لا ما يذكر في الكتب من النظر في المشاهدات. لأن لقائل أن يقول: إنما لا يصح أن ينظر في المشاهدات، لأنه دليل يفضي إلى العلم بها، ولولا أن النظر في الدليل الثاني يحصل عنده علم بالمدلول عليه، لوجب أن يكون من علم حدوث الأجسام بدليل إثبات الاعراض، ثم نظر في الطريقة الأخرى المبنية على كيفية يتناول الادراك متى عرض له شك في إثبات الاعراض، أن يخرج من أن يكون عالما بحدوث الأجسام، لأن شكه في حدوث الأجسام يؤثر في علمه بحدوثها من هذا الطريق بدلالة أنه لو انفرد كونه ناظرا بهذا الدليل دون غيره حتى يشك في إثبات الأكوان أو حدوثها أو أن الجسم لا يخلو منها يخرج من أن يكون عالما بحدوث الأجسام. وقد علمنا أنه إذا كان قد نظر في الطريقة الثانية، ثم شك في إثبات الأكوان، لا يخرج من أن يكون عالما بحدوث الأجسام، فلولا أن الطريقة الثانية قد

1) ظ: والعلم بالدليل.
2) ظ: وهو عالم.

[ 151 ]

اقتضت حصول علم له بالمدلول، لما وجب مع الشبهة في الدليل الأول أن يستمر كونه عالما، وهذا أوضح. فإن قيل: كيف يعلم في الدليل الثاني أنه دليل، وهو لا يتميز له حصول العلم له من جهته، لأنه إذا كان عالما بحدوث الأجسام بالدليل الأول، ثم نظر في الدليل الثاني، وادعيتم أنه يجب أن يفعل لنفسه عند تكامل صحة مقدمات الدليل الثاني اعتقاد حدوث الأجسام، وهذا مما لا يتميز له، لأنه معتقد وعالم بحدوث الأجسام بالنظر الأول، فكيف يعلم أن الدليل الثاني دليل على الحقيقة. ولا يجري ذلك مجرى من لم يكن عالما بشئ، ثم نظر في دليل عليه فوجد نفسه عالما لم يكن عالما به، لأن هاهنا تمييز 1 له حصول العلم بعد أن يكون حاصلا. قلنا: الناظر قبل أن ينظر في الدليل الثاني إذا تأمل مقدماته، فلا بد أن يكون عالما بأنها من صحة، وعلم الناظر ذلك من حالها، فإنه لا بد أن يفعل لنفسه علما بحدوث الأجسام، وأنه لا يجوز أن يتكامل له العلم بثبوت المقدمات وصحتها، ولم يفعل لنفسه علما بحدوث الجسم. كما أنه يعلم قبل النظر في طريقة إثبات الاعراض وحدوثها، أنه متى علم الناظر أن الجسم 2 بشئ ذواتا محدثة، فلا بد أن يفعل لنفسه اعتقادا، لأنه محدث ويكون ذلك الاعتقاد علما لهذا الوجه، فكان العلم بأن الدليل دليل هو علم بتعلقه بالمدلول على وجه مخصوص يفضي إلى العلم. ومن قال: إن النظر في الدليل الثاني لا يحصل عنده علم، بأن يقتضي يضيق عليه هذا الكلام.

1) ظ: يتميز له حصول العلم بعد أن لم يكن حاصلا.
2) ظ: العلم.

[ 152 ]

ويقال له: إن معنى قولك له ينظر في الدليل الثاني أنه دليل لا يعلم المدلول عليه. فأنت تزعم أن العلم بأن الدليل دليل هو علم بالمدلول، وإذا كان العلم عندك بأن الدليل دليل إنما يحصل بعد حصول العلم للناظر بالمدلول، فهذا الناظر لا يعلم أبدا أن هذا الدليل الثاني، فلا بد أن يكون ما يمضي في الكتب من أن العلم بأن الدليل دليل، وهو علم بالمدلول فيه ضرب من التجوز والاختصار. ويجب أن يقال: إن العلم بأنه دليل لا بد أن يفارقه العلم بالمدلول، وإلا فقد علم المدلول من لا يعرف أن ذلك الدليل عليه، وقد يجهل كون هذه الطريقة دالة على المدلول من يعلم المدلول. فالذي ذكرناه أوضح وأتم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وحسبنا الله ونعم الوكيل.

[ 153 ]

(21) مسألة في تفضيل الأنبياء عليهم السلام على الملائكة

[ 155 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما ] 1. إعلم أنه لا طريق من جهة العقل إلى القطع بفضل مكلف على آخر، لأن الفضل المراعى في هذا الباب هو زيادة استحقاق الثواب، ولا سبيل إلى معرفة مقادير الثواب من ظواهر فعل الطاعات، لأن الطاعتين قد تتساوى في ظاهر الأمر حالهما 2 وإن زاد ثواب واحدة 3 على الأخرى زيادة عظيمة. وإذا لم يكن للعقل في ذلك مجال فالمرجع فيه إلى السمع، فإن دل سمع مقطوع به من ذلك على شئ عول عليه، وإلا كان الواجب التوقف عنه والشك فيه.

1) الزيادة من الأمالي.
2) كذا في الأمالي، وفي أ (وأن الطاعتين قد يتساوى... حال بقبا).
3) في أ: واحد.

[ 156 ]

وليس في القرآن ولا في سمع مقطوع على صحته 1 ما يدل على فضل نبي على ملك ولا ملك على نبي، وسنبين أن آية واحدة مما يتعلق 2 به في تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم السلام يمكن أن يستدل بها على ضرب من الترتيب نذكره. والمعتمد في القطع على أن الأنبياء أفضل من الملائكة إجماع الشيعة الإمامية [ على ذلك ] 3، لأنهم لا يختلفون في هذا، بل يزيدون عليه ويذهبون إلى أن الأئمة عليهم السلام أفضل من الملائكة. وإجماعهم حجة لأن المعصوم في جملتهم. وقد بينا في مواضع من كتبنا كيفية الاستدلال بهذه الطريقة ورتبناه وأجبنا عن كل سؤال يسأل عنه [ فيها ] 4، وبينا كيف الطريق مع غيبة الإمام إلى العلم بمذاهبه وأقواله وشرحنا ذلك، فلا معنى للتشاغل به هاهنا. ويمكن أن يستدل على ذلك بأمره تعالى الملائكة 5 بالسجود لا دم عليه السلام، وأنه يقتضي تعظيمه عليهم وتقديمه وإكرامه. وإذا كان المفضول لا يجوز تعظيمه وتقديمه على الفاضل - علمنا أن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة. وكل من قال إن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة ذهب إلى أن جميع الأنبياء أفضل من جميع الملائكة 6، ولا أحد من الأمة فرق 7 بين الأمرين.

1) في الأمالي: على صحة.
2) في أ: أن واحدة مما يعلق به.
3) الزيادة من الأمالي.
4) الزيادة من الأمالي.
5) في الأمالي: للملائكة.
6) في أ: جماعة الملائكة.
7) في الأمالي: فصل.

[ 157 ]

فإن قيل: من أين أنه أمرهم بالسجود [ له ] 1 على وجه التعظيم والتقديم؟ قلنا: لا يخلو تعبدهم له بالسجود من أن يكون على سبيل القبلة والجهة من غير أن يقترن به تعظيم وتقديم أو يكون على ما ذكرناه، فإن كان الأول لم يجز 2 أنفة إبليس من السجود وتكبره عنه وقوله (أرأيتك هذا الذي كرمت علي) 3 وقوله: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) 4. والقرآن كله ناطق بأن امتناع إبليس من السجود إنما هو لاعتقاده التفضيل به والتكرمة، ولو لم يكن الأمر على هذا لوجب أن يرد الله تعالى عليه 5 ويعلمه أنه ما أمره بالسجود على جهة تعظيمه له [ عليه ] 6 ولا تفضيله، بل على الوجه الآخر الذي لا حظ للتفضيل [ والتعظيم ] 7 فيه وما جاز إغفال ذلك، وهو سبب معصية إبليس وضلالته، فلما لم يقع ذلك دل على أن الأمر بالسجود لم يكن إلا على جهة التفضيل والتعظيم، وكيف [ يقع ] 8 شك في أن الأمر على ما ذكرناه وكل من أراد 9 تعظيم آدم عليه السلام ووصفه بما يقتضي الفخر والشرف نعته بإسجاد الملائكة، وجعل ذلك من أعظم فضائله، وهذا مما لا شبهة فيه. فأما اعتماد بعض أصحابنا في تفضيل الأنبياء على الملائكة على أن المشقة

1) الزيادة من أ.
2) في أ: لم يجب.
3) سورة الاسراء: 62.
4) سورة الأعراف: 12.
5) في الأمالي: عنه.
6) الزيادة من أ، وفي (ن) عليها.
7) الزيادة من أ.
8) الزيادة من الأمالي.
9) في الأمالي: وكل نبي أراد.

[ 158 ]

في طاعات 1 الأنبياء عليهم السلام أكثر وأوفر، من حيث كانت لهم شهوات في القبائح ونفار عن [ فعل ] 2 الواجبات. فليس بمعتمد، لأنا نقطع على أن مشاق الأنبياء أعظم من مشاق الملائكة في التكليف، والشك في مثل ذلك واجب وليس كل شئ لم يظهر لنا ثبوته وجب القطع على انتفائه. ونحن نعلم على الجملة أن الملائكة إذا كانوا مكلفين فلا بد أن تكون 3 عليهم مشاق في تكليفهم، ولو لا ذلك ما استحقوا ثوابا على طاعاتهم 4، والتكليف إنما يحسن في كل مكلف تعريضا للثواب، ولا يكون التكليف عليهم شاقا إلا ويكون لهم شهوات فيما حظر عليهم ونفار عما أوجب [ عليهم ] 5 وإذا كان الأمر على هذا فمن أين يعلم أن مشاق الأنبياء عليهم السلام أكثر من مشاق الملائكة؟ وإذا كانت المشقة عامة لتكليف الأمة 6، ولا طريق إلى القطع على زيادتها في تكليف بعض وتفضيلها على تكليف آخرين 7، فالواجب التوقف والشك. ونحن الآن نذكر شبه 8 من فضل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام ونتكلم عليها بعون الله تعالى: فمما تعلقوا به في ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس مخاطبا لآدم وحواء

1) في الأمالي في طاعة.
2) الزيادة من أ.
3) في أ: فلا بد أن يكون.
4) في أ: طاعتهم.
5) الزيادة من أ.
6) في أ و (ن): لتكليف الحاجة.
7) في أ و (ن) على تكليف آخر.
8) في أ: شبهة

[ 159 ]

عليهما السلام: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) 1 فرغبهما بالتناول من الشجرة [ ليكونا ] 2 في منزلة الملائكة حتى تناولا وعصيا، وليس يجوز أن يرغب عاقل في أن يكون على منزلة دون منزلته، حتى حمله ذلك على خلاف الله تعالى ومعصيته، وهذا يقتضي فضل الملائكة على الأنبياء. وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون) 3 وتأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم 4، لأن العادة إنما جرت بأن يقال: (لن يستنكف الوزير أن يفعل كذا ولا الخليفة) فيقدم الأدون ويؤخر الأعظم، ولم يجز أن يقول: (لن يستنكف الأمير أن يفعل [ كذا ] 5 ولا الحارس)، وهذا يقتضي تفضيل 6 الملائكة على الأنبياء. وتعلقوا بقوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) 7 قالوا: ليس بعد بني آدم مخلوق يستعمل في الخبر عنه لفظة (من) التي لا تستعمل إلا في العقلاء إلا الجن والملائكة، فلما لم يقل (وفضلناهم على من [ خلقنا ] 8) بل

1) سورة الأعراف: 20.
2) الزيادة من الأمالي.
3) سورة النساء: 172.
4) في أ: يقضي بفضلهم.
5) الزيادة من الأمالي.
6) في أ و (ن) فضل. 7) سورة الاسراء: 70.
8) الزيادة من أ.

[ 160 ]

قال (على كثير ممن خلقنا) علم أنه إنما أخرج الملائكة عمن فضل بني آدم عليه، لأنه لا خلاف في أن بني آدم أفضل من الجن، وإذا كان وضع الخطاب يقتضي مخلوقا لم يفضل بنو آدم عليه 1 فلا شبهة في أنهم الملائكة. وتعلقوا بقوله تعالى: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم أني ملك) 2 فلولا أن حال الملائكة أفضل من حال النبي لما قال ذلك. فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: لم زعمتم أن قوله تعالى: (إلا أن تكونا ملكين) معناه أن تصيرا وتنقلبا 3 إلى صفة الملائكة، فإن هذه اللفظة ليست صريحة لما ذكرتم، بل أحسن الأحوال أن تكون محتملة له. وما أنكرتم أن يكون المعنى أن المنهي عن تناول الشجرة غيركما وأن النهي يختص الملائكة والخالدين دونكما. ويجري ذلك مجرى قول أحدنا لغيره (ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلانا) وإنما يعني أن المنهي هو فلان دونك، ولم يرد إلا أن تنقلب فتصير فلانا. ولما كان غرض إبليس القاء 4 الشبهة لهما فمن أوكد الشبه ليهاما 5 أنهما لم ينهيا وإنما المنهي غيرهما. ومن وكيد ما يفسد به هذه الشبهة أن يقال: ما أنكرتم أن يكونا رغبا في أن ينقلبا إلى صفة الملائكة وخلقتهم 6 كما رغبهما إبليس في ذلك، ولا تدل هذه الرغبة على أن الملائكة أفضل منهما، لأن المنقلب 7 إلى خلقة غيره لا يجب أن

1) في الأمالي: عليهم.
2) سورة الأنعام: 50.
3) في أ و (ن) وتبدلا.
4) في الأمالي و (ن) إيقاع.
5) في أ: فمن أوكد الشبهة إيهامهما.
6) في الأمالي: وخلقهم.
7) في الأمالي: لأنه بالتقلب.

[ 161 ]

يكون مثل ثوابه له، فإن الثواب لا ينقلب ولا يتغير 1 بانقلاب الصور والخلق، فإنه إنما يستحق على الأعمال دون الهيئات. وغير ممتنع أن 2 يكونا رغبا في أن يصيرا على هيئة الملائكة وصورها، وليس ذلك برغبة في الثواب ولا الفضل، فإن الثواب لا يتبع الهيئات والصور. إلا ترى أنهما رغبا في أن يكونا من الخالدين، وليس الخلود مما يقتضي مزية في ثواب ولا فضلا فيه، وإنما هو نفع عاجل، وكذلك لا يمتنع أن 3 تكون الرغبة منهما في أن يصيرا 4 ملكين إنما كانت على هذا الوجه. ويمكن أن يقال للمعتزلة خاصة وكل من أجاز على الأنبياء الصغائر: ما أنكرتم أن يكونا اعتقدا أن الملك أفضل من النبي وغلطا في ذلك وكان منهما ذنبا صغير، لأن الصغائر تجوز 5 عندكم على الأنبياء، فمن أين لكم إذا اعتقدا أن الملائكة أفضل من الأنبياء ورغبا في ذلك 6 أن الأمر على ما اعتقداه مع تجويزكم عليهم الذنوب. وليس لهم أن يقولوا: إن الصغائر إنما تدخل 7 في أفعال الجوارح دون القلوب، لأن ذلك تحكم بغير برهان، وليس يمتنع 8 على أصولهم أن تدخل الصغائر في أفعال القلوب والجوارح معا، لأن حد الصغير عندهم (ما نقص عقابه عن ثواب طاعات فاعله)، وليس يمتنع 8 معنى هذا الحد في أفعال القلوب

1) في ن: ولا ينقلب.
2 - 3) في أ: في أن. 4) في أ: تصيرا.
5) في أ: يجوزا.
6) في أ: بذلك.
7) في أ و (ن): إنما الصغير إنما يدخل.
8) في ن في الموضعين: بممتنع.

[ 162 ]

كما لم يمتنع 1 في أفعال الجوارح. ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما يوجه 2 إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من الأنبياء فأخرج الكلام على حسب اعتقادهم، وأخر ذكر الملائكة لذلك. ويجري هذا القول مجرى من قال [ منا ] 3 لغيره: لن يستنكف أبي أن يفعل كذا ولا أبوك (، وإن كان القائل يعتقد أن أباه أفضل، وإنما أخرج الكلام على [ حسب ] 4 اعتقاد المخاطب لا المخاطب. ومما يجوز أن يقال أيضا: أنه لا تفاوت في الفضل بين الأنبياء والملائكة عليهم السلام وإن ذهبنا إلى أن الأنبياء أفضل منهم، ومع التقارب 5 والتداني يحسن أن يؤخر ذكر الأفضل الذي لا تفاوت بينه وبين غيره في الفضل، وإنما مع التفاوت 6 لا يحسن ذلك. ألا ترى أنه يحسن أن يقول القائل: (ما يستنكف الأمير فلان من كذا ولا الأمير فلان (من كذا) 7، وإن كانا 8 متساويين متناظرين أو متقاربين، ولا يحسن أن يقول: (ما يستنكف الأمير من كذا ولا الحارس) لأجل التفاوت. وأقوى من هذا أن يقال: إنما أخر ذكر الملائكة عليهم السلام عن ذكر المسيح لأن جميع الملائكة كثر ثوابا لا محالة من المسيح منفردا، وهذا لا

1) في أ: كما لم يمنع.
2) في الأمالي: إنما توجه.
2) في الأمالي: إنما توجه.
3) الزيادة من الأمالي.
4) الزيادة من الأمالي.
5) في أ: التفاوت.
6) في الأمالي: التفاوت والتداني.
7) الزيادة من الأمالي.
8) في الأمالي: وإن كان.

[ 163 ]

يقتضي أن كل واحد منهم أفضل من المسيح، وإنما الخلاف في ذلك. ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله تعالى: (على كثير ممن خلقنا تفضيلا) أنا فضلناهم على من خلقنا وهم كثير، ولم يرد التبعيض. ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) 1 والمعنى 2 لا تشتروا بها ثمنا (قليلا) 3 وكل ثمن تأخذونه عنها قليل، ولم يرد التخصيص والمنع من الثمن القليل خاصة. ومثله قول الشاعر: من أناس ليس في أخلاقهم * عاجل الفحش ولا سوء الجزع 4 وإنما أراد نفي الفحش كله عن أخلاقهم وإن وصفه بالعاجل، ونفي الجزع عنهم وإن وصفه بالسوء. وهذا من غريب البلاغة ودقيقها، ونظائره في الشعر والكلام الفصيح لا تحصر. 5 وقد كنا أملينا في تأويل هذه الآية كلاما مفردا استقصيناه 6 وشرحنا هذا الوجه وأكثرنا من ذكر أمثلته. ووجه آخر في تأويل هذه الآية، وهو أنه غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة عليهم السلام أفضل من جميع بني آدم، وإن كان في جملة بني آدم من الأنبياء

1) سورة البقرة: 41.
2) في الأمالي: معناه.
3) الزيادة من الأمالي 4) لسويد بن أبي كأهل اليشكري - المفضليات ص 191 - 202.
5) في أ: لا يحصى.
6) في أ: أسقطناه وفي (ن) لا تحصى..

[ 164 ]

عليهم السلام من يفضل كل واحد [ منهم ] 1 على كل واحد من الملائكة، لأن الخلاف إنما هو في فضل كل بني آدم 2 على كل ملك. وغير ممتنع أن يكون جميع الملائكة فضلاء يستحق كل واحد منهم الجزيل الكثير 3 من الثواب، فيزيد ثواب جميعهم على ثواب جميع بني آدم، لأن الأفاضل من بني آدم أقل عددا، وإن كان في بني آدم آحاد كل منهم أفضل من كل واحد من الملائكة. ووجه آخر مما يمكن أن يقال في هذه الآية أيضا: إن مفهوم الآية إذا تؤملت يقتضي أنه تعالى لم يرد الفضل الذي هو زيادة الثواب، وإنما أراد النعم والمنافع الدنيوية. ألا ترى قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم)، والكرامة إنما هي الترفيه وما يجري مجراه. ثم قال: (وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات). ولا شبهة في أن الحمل لهم في البر والبحر ورزق الطيبات خارج عما يستحق به الثواب، ويقتضي التفضيل الذي وقع الخلاف فيه، فيجب أن يكون ما عطف عليه من التفضيل دخلا في هذا الباب وفي هذا القبيل، فإنه أشبه من أن يراد به غير ما سياق الآية وارد به مبني عليه. وأقل الأحوال أن تكون لفظة (فضلناهم) محتملة للأمرين، فلا يجوز الاستدلال بها على خلاف ما تذهب إليه.

1) الزيادة من الأمالي.
2) في أ: كل نبي.
3) في الأمالي: الأكثر.
4) سورة الاسراء: 70.
5) في الأمالي: وقع اطلاقه فيه.
6) في أ: و (ن): ومن.
7) في أ: وأحسن الأحوال.
8) في أو (ن): أ قل الاستدلال.

[ 165 ]

ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: لا دلالة في هذه الآية على أن حال الملائكة أفضل من حال الأنبياء 1، لأن الغرض في الكلام إنما هو نفي ما لم يكن عليه، لا التفضيل لذلك على ما هو عليه. ألا ترى أن أحدنا لو ظن (به) 2 أنه على صفة 3 وليس عليها جاز أن ينفيها 4 عن نفسه بمثل هذا اللفظ وإن كان على أحوال هي أفضل من تلك الحال 5 وأرفع. وليس يجب إذا انتفى مما تبرأ منه 6 من علم الغيب وكون خزائن الله تعالى عنده أن يكون فيه فضل أن يكون ذلك معتمدا في كل ما يقع النفي له والتبرؤ منه، وإذا لم يكن ملكا كما لم يكن عنده خزائن الله جاز أن ينتفي من الأمرين، من غير ملاحظة لأن حاله دون هاتين الحالتين. ومما يوضح هذا ويزيل الاشكال فيه أنه تعالى حكى عنه في آية أخرى: (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا) 7 ونحن نعلم أن هذه منزلة غير جليلة 8 وهو على كل حال أرفع منها وأعلى، فما المنكر من أن يكون نفي الملكية عنه في أنه لا يقتضي أن حاله دون حال الملك بمنزلة نفي هذه المنزلة. والتعلق 9 بهذه الآية خاصة ضعيف جدا، وفيما أوردناه كفاية (وبالله التوفيق). 10

1) في أ و (ن): من حال النبي.
2) الزيادة من أ و (ن).
3) في الأمالي: على صفة الملائكة.
4) في أ و (ن) ينفيه.
5) في أ و (ن) ": الأحوال.
6) في أ و (ن): إذا اتفق فيما تبرأ به.
7) سورة هود: 31.
8) في أ و (ن.): على أحوال.
9) في أ و (ن): والتعليق.
10) الزيادة من الأمالي، وفي (ن): ولله الحمد والمنة.

[ 167 ]

(22) مسألة في المنع عن تفضيل الملائكة على الأنبياء

[ 169 ]

بسم الله الرحمن الرحيم إن سأل سائل مستدلا على فضل الملائكة على الأنبياء صلوات الله عليهم فقال: ما تنكرون 1 أن يكون قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (2، يدل على ذلك. ووجه الدلالة منه: أنه تعالى خبر بأنه فضل بني آدم على كثير ممن خلقه، وظاهر هذا الكلام يقتضي أن في خلقه من لم يفضل بني آدم عليه، وقد علمنا أن المخلوقات هم الإنس والجن والملائكة والبهائم والجمادات. ومعلوم أن بني آدم أفضل من الجن والبهائم والجمادات بلا شبهة، فيجب أن يكون من يجب خروجه من الكلام ممن لم يفضل بني آدم عليهم هم الملائكة عليهم السلام وإلا سقطت الفائدة.

1) في الأصل: ينكرون.
2) سورة الاسراء: 70.

[ 170 ]

على أن لفظة (من) لا تتوجه إلى البهائم والجمادات، وإنما تختص بمن يعقل، فليس يدخل تحتها ممن يجوز أن يفضل الآدميون عليه إلا الملائكة والجن وإذا علمنا أنهم أفضل من الجن بقي الملائكة خارجين من الكلام، وفي خروجهم دلالة على أنهم أفضل. الجواب: يقال له: لم زعمت أولا أن ظاهر الكلام يقتضي أن في المخلوقات من لم يفضل بني آدم عليه، فعلى ذلك بنيت 1 الكلام كله، فإنه غير صحيح ولا يسلم. فإن قال: إن لفظة (كثير) تقتضي ذلك. قيل له: من أين قلت إنها تقتضي ما ادعيته، ويطالب بالدلالة، فإنا لا نجدها. ثم يقال له: قد جرت عادة الفصحاء من العرب بأن يستعملوا مثل هذه اللفظة من غير إرادة للتخصيص بل مع قصد الشمول والعموم، فيقولون: (أعطيته الكثير من مالي، وأبحته المنيع من حريمي، وبذلت له العريض من جاهي)، وليس يريدون أنني أعطيته شيئا من مالي وادخرت عنه شيئا آخر منه، ولا أبحته منيع حريمي ولم أبح 2 ما ليس يمنعها، ولا بذلت له عريض جاهي ومنعت ما ليس بعريض، وإنما المعزي بذلك والقصد: إنني أعطيته مالي ومن صفته أنه كثير، [ وبذلت له جاهي ومن صفته أنه عريض ] 3. وله نظائر في القرآن كثيرة، وفي أشعار العرب ومحاوراتها، وهو باب معروف لا يذهب على من أنس بمعرفة لحن كلامهم، ونحن نذكر منه طرفا لأن

1) خ ل: شيدت.
2) في الأصل: ولم أبحه ما ليس منيعا.
3) الزيادة من الهامش، وبعدها وضع حرف ظ.

[ 171 ]

استيعاب الجميع يطول: فمما يجري المجرى قوله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) 1 ولم يرد أن لها عمدا لا ترونها 2 بل أراد نفي العمد على كل حال. وقال تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به) 3، ولم يرد أن لأحد برهانا في دعاء الله مع الله تعالى، بل أراد أن من فعل ذلك فقد فعل ما لا برهان عليه. وقوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق) 4 ولم يرد تعالى أن فيمن يقتل من الأنبياء من يقتل بحق، بل المعنى ما ذكرناه وبيناه. ومثله قوله: (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) 5، ولم يرد النهي عن الثمن القليل دون الكثير، بل نهى تعالى عن أخذ جميع الأثمان عنها والأبدال، ووصف ما يؤخذ عنها بالقلة. وقال سويد بن أبي كأهل 6: من أناس ليس في أخلاقهم * عاجل الفحش ولا سوء الجزع 7

1) سورة الرعد: 2.
2) في الأصل: لا تروه.
3) سورة المؤمنون: 117.
4) سورة النساء: 155.
5) سورة البقرة: 41.
6) سويد بن أبي كأهل (واسمه غطيف أو شبيب) بن حارثة بن حسل الذبياني الكناني اليشكري، أبو سعد شاعر من مخضرمي الجاهلية والاسلام، توفي سنة ستين هجرية (الأعلام للزركلي: 3 / 215).
7) من قصيدة في المفضليات ص 191 - 202.

[ 172 ]

ولم يثبت بهذا الكلام في أخلاقهم فحشا أصلا وجزعا غير سئ، وإنما نفى الفحش والجزع على كل حال، ولولا ذلك لكان هاجيا لهم ولم يكن مادحا. وقال الفرزدق 1: ولم تأت غير أهلها بالذي أتت * به جعفرا يوم الهضيبات عيرها 2 أتتهم بتمر لم يكن هجرية 3 * ولا حنطة الشام المزيت خميرها 4 فقوله (لم يكن هجرية) أي لم يحمل التمر الذي يكون كثير في هجر 5، ولم يرد بباقي البيت أن هناك حنطة ليس في خميرها زيت، بل أراد بها لم يحمل تمرا ولا حنطة، ثم وصف الحنطة بأن الزيت يجعل في خميرها. ونظائر هذا الباب أكثر من أن تحصى. فعلى ما ذكرناه لا ينكر أن يريد تعالى: إنا فضلناهم على جميع من خلقنا وهم كثير، فجرى ذكر الكثرة على سبيل الوصف المعلق لا على وجه التخصيص وليس لأحد أن يخبر بقوله 6: (فعل كذا وكذا كثير من الناس) على سبيل التخصيص دون العموم.

1) همام بن غالب بن صعصعة التميمي، أبو فراس صاحب الجرير، قيد رجليه فلم يفك القيد حتى حفظ القرآن الكريم، وكان من الشعراء الفحول حتى قال هو (قد علم الناس أني أفحل الشعراء)، توفي سنة 110، وقيل سنة 112، وقيل سنة 144 (معاهد التنصيص: 1 / 45 - 51). 2) كذا في الديوان، وفي الأصل: به جعفر القرم يوم غيرها.
3) كذا في الأصل، وفي الديوان: أتتهم بعير لم تكن هجرية.
4) ديوان الفرزدق: 1 / 368.
5) هجر مدينة، وهي قاعدة البحرين، وقيل ناحية البحرين كلها هجر (معجم البلدان 5 / 393).
6) في الأصل بقولهم.

[ 173 ]

وقوله تعالى: (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم) 1 وقوله تعالى: (وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون) 2، وذلك إنا لم نقل أن هذه اللفظة في كل موضع تستعمل بمعنى واحد، بل الوجه في استعمالها يختلف، وربما أريد بها التخصيص وربما أريد ما ذكرناه مما تقدم، وإنما يرجع في ذلك إما إلى الوضع أو إلى الدلالة تدل على المعنى المقصود، وإنما أردنا الرد على من ادعى أنها تقتضي التخصيص لا محالة، فدفعناه عن ذلك بما أوردناه. وليس لأحد أن يدعي أن الظاهر من هذه اللفظة يقتضي التخصيص وأنها إذا وردت لا تقتضيه كانت مجازا وعمل عليه بدلالة. لأن ذلك تحكم من قائله. وإذا عكس عليه وقيل له: بل التخصيص هو المجاز وورودها مورد النعت والوصف هو الحقيقة، لم يجد فصلا. ووجه آخر: وهو أن الجنس إنما يكون مفضلا على الجنس على أحد وجهين: إما بأن يكون كل عين من أعيانه أفضل من أعيان الجنس الآخر، أو بأن يكون الفضل في أعيانه أكثر، وليس يجوز أن يفضل الجنس على غيره بأن يكون فيه عين واحدة أفضل من كل عين في الجنس الآخر وباقيه خال من فضل، ويكون الجنس الآخر لكل عين منه فضلا وإن لم يبلغ إلى فضل تلك العين التي ذكرناها، ولهذا لا يجوز أن يفضل أهل بغداد على أهل الكوفة إن كان في بغداد فاضل واحد أفضل من كل واحد من أهل الكوفة وباقي أهل بغداد لا فضل لهم، حتى كان كثير من أهل الكوفة ذوي فضل وإن لم يبلغوا إلى منزلة الفاضل الذي ذكرناه.

1) سورة الأنعام: 119.
2) سورة الروم: 8.

[ 174 ]

فإذا صحت هذه المقدمة لم ينكر أن جنس بني آدم [ مفضولا ] 1 لأن الفضل في الملائكة عام لجميعهم على مذهب أكثر الناس أو لأكثرهم، والفضل في بني آدم مخصص بقليل من كثير. وعلى هذا لا ينكر أن يكون الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة وإن كان جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، للمعنى الذي ذكرناه، ولما تضمنت الآية ذكر بني آدم على سبيل الجنسية وجب أن يفضلوا على من عدى الملائكة، ولو ذكر الأنبياء بذكر يخصهم ممن عداهم ممن ليس بذي فضل لفضلهم على الملائكة. وهذا واضح بحمد الله وحسن معونته وتوفيقه.

1) الزيادة منا لتتميم الكلام. وفي هامش النسخة: أفضل.

[ 175 ]

(22) إنقاذ البشر من الجبر والقدر

[ 177 ]

بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ 1 رسالتنا هذه بالحمد لله ربنا على نعمه الواصلة (منه) 2 إلينا، وعلى إحسانه المتقدم علينا 3، إذ أصبحنا 4 بتوحيده وعدله قائمين ولمن جوره في حكمه عائبين، ولمعاصينا عليه غير حاملين، وباثار أئمة الهدى مقتدين، وبالمحكم من كتابه وآياته متمسكين. فالحمد لله الذي اختصنا بهذه النعمة، وشرفنا بهذه الفضيلة، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، ورسول رب العالمين، الذي جعله رحمة للعباد أجمعين واستنقذ به من الهلكة، وهدى به من الضلالة، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، فبلغ عن ربه، واجتهد في طاعته، حتى أتاه اليقين، وعلى آله الطاهرين. سألت أعزك الله وأرشدك إملاء رسالة في القدر فقد جالت به الفكر وأكثرها

1) في أ: نبتدئ.
2) الزيادة من أ.
3) في أ: إلينا.
4) في مط: إذا أصبحنا.

[ 178 ]

عن معرفته قد انحسر، وذكرت أن الذي حداك إلى ذلك ما وجدته ظاهرا في عوام النيل 1 ومعظم خواصها من القول المؤدي إلى الكفر المحض بسبب الجبر وتجويرهم الله في حكمه، وحملهم معاصيهم عليه 2، وإضافتهم القبائح إليه، وتعلقهم بأخبار مجهولة منكرة أو متشابهة في اللفظ مجملة، وحجاجهم بما تشابه من الكتاب لعدم معرفتهم بفائدته، وقصور أفهامهم عن [ الغرض ] 3 المقصود به. واعلم أن الكلام في القضاء والقدر قد أعيى أكثرها أهل النظر، وأتعب ذوي الفكر، والمتكلم فيه بغير علم على غاية [ من ] 4 الخطر. والذي يجب على من أراد معرفة هذا 5 الباب - وهو 6 العلم بما يستحق الباري سبحانه من الأوصاف الحميدة وما ينفى عنه من ضدها - فإنه متى علم ذلك أمن من أن يضيف إليه ما ليس من أوصافه أو ينفي عنه ما هو منها ويتبع ذلك من الأبواب ما لا بد من الوقوف عليه: نحو المعرفة بأقوال المبطلين، ومعرفة أقوال المحقين، وغير ذلك مما سنبينه فيما بعد إنشاء الله تعالى. [ حدوث البحث في أفعال العباد ] 7 واعلم أن أول حالة ظهر فيها الكلام وشاع بين الناس في هذه الشريعة،

1) النيل يطلق على عدة أمكنة لا نعلم أيها قصد السائل: (أحدهما) بليدة في سواد الكوفة قرب حلة بني مزيد يخترقها خليج كبير يتخلج من الفرات الكبير، (ثانيها) نهر من أنهار الرقة حفره الرشيد على ضفة نيل الرقة، (ثالثها) نيل مصر وهو النهر المشهور (معجم البلدان: 5 / 334).
2) في أ: وحمله معاصيه عليه.
3 - 4) الزيادة من أ.
5) في مط: معرفة في هذا.
6) في مط: هو.
7) الزيادة من مط.

[ 179 ]

هو أن جماعة ظهر منهم القول بإضافة معاصي العباد إلى الله سبحانه، وكان الحسن ابن أبي الحسن 1 البصري 2 ممن نفى ذلك، وافقه في زمانه [ جماعة و ] 3 خلق كثير من العلماء كلهم ينكرون أن تكون معاصي العباد من الله، منهم معبد الجهني 4 وأبو الأسود الدؤلي 5 ومطرف بن عبد الله ووهب بن منبه 7 وقتادة 8.

1) في مط: أبي الحسين.
2) أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، كان الحسن أحد الزهاد الثمانية، وكان يلقى الناس بما يهوون ويتصنع للرئاسة، وكان رئيس القدرية، ولد سنة 89 وتوفي في رجب سنة 110 ه‍ (الكنى والألقاب: 2 / 74). 3) الزيادة من أ.
4) معبد بن عبد الله بن عويم الجهني البصري، أول من قال بالقدرة في البصرة، وحضر يوم التحكيم وانتقل من البصرة إلى المدينة فنشر فيها مذهبه، خرج مع ابن الأشعث على الحجاج فجرح فأقام بمكة، فقتله الحجاج بعد أن عذبه، وقيل صلبه عبد الملك بن مروان بدمشق، وذلك في سنة 80 (الأعلام للزركلي: 8 / 177).
5) اسمه ظالم بن عمرو أو ظالم بن ظالم، كان من السادات التابعين وأعيانهم ومن شعراء الاسلام الفضلاء والفصحاء، ابتكر النحو بإشارة أمير المؤمنين عليه السلام، وتوفي بالطاعون والجارف في البصرة سنة 69 ه‍ (الكنى والألقاب: 1 / 7 - 10).
6) أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب الحريشي كان من مشاهير الزهاد، مات سنة 87 أو 95 ه‍ (وفيات الأعيان: 4 / 299).
7) أبو عبد الله وهب بن منبه الصنعاني، كان على قضاء صنعاء، وكتب كتابا في القدر ثم ندم، وكان كثير النقل من كتب الاسرائيليات، ولد في آخر خلافة عثمان وتوفي سنة 114 ه‍ (ميزان الاعتدال: 4 / 352).
8) أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي، كان ذا علم في القرآن والحديث والفقه، وكان يقول بشئ من القدر ثم رجع عنه، وقال: ما نسيت شيئا قط. ثم قال: يا غلام ناولني نعلي، قال: نعلك في رجلك مات بالبصرة سنة 117 ه‍ (معجم الأدباء: 17 / 9 - 10).

[ 180 ]

وعمرو بن دينار 1 ومكحول الشامي 2 وغيلان 3 وجماعة كثيرة لا تحصى 4. ولم يك ما وقع من الخلاف حينئذ يتجاوز باب إضافة 5 معاصي العباد إلى الله سبحانه عن ذلك ونفيها عنه وغيره من هذا الباب بباب 6 القدرة والمقدور وما أشبهه 7. [ الأقوال في كيفية خلق الأفعال ] 8 فأما الكلام في خلق أفاعيل العباد [ و ] 9 في الاستطاعة وفيما اتصل بذلك وشاكله فإنما حدث بعد دهر [ طويل ] 10.

1) أبو يحيى عمرو بن دينار البصري، مولى آل الزبير بن شعيب، قال أحمد ضعيف وقال البخاري فيه نظر، وقال ابن معين ذاهب، وقال مرة ليس بشئ، وقال النسائي ضعيف (ميزان الاعتدال: 3 / 259).
2) مكحول الدمشقي: مفتي أهل دمشق وعالمهم، هو صاحب تدليس ورمي بالقدر، وكان يقول: ما استودعت صدري شيئا إلا وجدته حين أريد، مات سنة 113 ه‍ (ميزان الاعتدال: 4 / 177).
3) أبو الحارث ذو الرمة غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود، أحد فحول الشعراء، قيل: فتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرمة، مات سنة 117 ه‍ (الكنى والألقاب: 2 / 227).
4) في أ: لا تخفى.
5) في أ: صفات [ إضافة ظ ]، وفي مط: صفات [ إضافة.
6) في مط: بيان، وفي أ: بيان [ بباب ظ ].
7) في أ: القدر وما أشبهه.
8) الزيادة من مط.
9) الزيادة من أ.
10) الزيادة من مط.

[ 181 ]

ويقال: إن أول من حفظ عنه القول بخلق أفاعيل العباد جهم بن صفوان 1، فإنه زعم أن ما يكون في العبد من كفر وإيمان ومعصية فالله فاعله كما فعل لونه وسمعه وبصره وحياته، وأنه لا فعل للعبد في شئ من ذلك ولا صنع، والله تعالى صانعه، وأن لله تعالى أن يعذبه من ذلك على ما يشاء ويثيبه على ما يشاء. وحكى عنه علماء التوحيد أنه كان يقول مع ذلك: إن الله خلق في العبد قوة بها كان فعله، كما خلق له غذاء يكون به قوام بدنه، ولا يجعل العبد كيف تصرف 2 حاله فاعلا لشئ على حقيقته 3، فاستبشع من قوله أهل العدل وأنكروه مع أشياء أخر حكيت عنه. ولما أحدث جهم القول بخلق أفعال العباد قبل ذلك ضرار بن عمرو 4 بعد أن كان [ ضرار ] 5 يقول بالعدل، فانتفت عنه المعتزلة وأطرحته، فخلط عند ذلك تخليطا كثيرا، وقال بمذاهب خالف فيها جميع أهل العلم وخرج عما كان عليه واصل بن عطاء 6 وعمرو بن عبيد 7 بعد ما كان يعتقد فيهما من العلم وصحة الرأي

1) أبو محرز جهم بن صفوان السمرقندي، رأس الجهمية، وقد زرع شرا عظيما، كان يقضي في عسكر الحارث بن سريج الخارج على أمراء خراسان، فقبض عليه نصر بن سيار وأمر بقتله فقتل سنة 128 ه‍ (الأعلام للزركلي: 2 / 138).
2) في مط: يصرف.
3) في مط: على حقيقة.
4) ضرار بن عمرو القاضي، معتزلي جلد، له مقالات خبيثة. قال أحمد بن حنبل: شهدت على ضرار عنه عند سعيد بن عبد الرحمن القاضي فأمر بضرب عنقه فهرب (ميزان الاعتدال 2 / 328).
5) الزيادة من أ.
6) واصل بن عطاء البصري الغزال المتكلم، كان يلثغ بالراء فلبلاغته هجر الراء وتجنبها في خطابه، وكان يتوقف في عدالة أهل الجمل ويقول: إحدى الطائفتين فسقت لا بعينها، فلو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل أحكم بشهادتهم. ولد سنة 80 بالمدينة ومات سنة 131 ه‍ (ميزان الاعتدال: 4 / 329).
7) أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب التيمي البصري، شيخ المعتزلة في عصره ومفتيها =

[ 182 ]

لأنه كان في الأول على رأيهما بل صحبهما وأخذ عنهما. ثم تكلم الناس بعد ذلك في الاستطاعة، فيقال: إن أول من أظهر القول بأن الاستطاعة مع الفعل يوسف السمتي 1 وأنه استزله إلى ذلك بعض الزنادقة فقبله عنه، ثم قال بذلك حسين النجار 2، وانتصر لهذا القول ووضع فيه الكتب فصارت مذاهب المجبرة بعد ذلك على ثلاثة أقاويل: (أحدها) - إن الله تعالى خلق فعل العبد وليس للعبد في ذلك فعل ولا صنع وإنما يضاف إليه أنه 3 فعله كما يضاف إليه لونه وحياته، وهو قول جهم. (والثاني) - إن الله تعالى خلق فعل العبد وأن العبد فعله باستطاعة 4 في العبد متقدمة، وهو قول ضرار ومن وافقه. (والثالث) - إن الله تعالى خلق فعل العبد وأن العبد فعله باستطاعة حدثت له في حال الفعل لا يجوز أن تتقدم الفعل، وهو قول النجار وبشر المريسي 5 ومحمد

= كان جده من سبي فارس وأبوه نساجا ثم شرطيا للحجاج في البصرة، وقال يحيى بن معين: كان من الدهرية الذين يقولون إنما الناس مثل الزرع، ولد سنة 80 وتوفي سنة 144 ه‍ (الأعلام للزركلي: 5 / 252). 1) يوسف بن خالد السمتي الفقيه، قال أبو حاتم: رأيت له كتابا وضعه في التهجم ينكر فيه الميزان والقيامة، مات في رجب سنة 189 ه‍ (ميزان الاعتدال 5 / 463). أقول: كذا ورد (السمتي) في ميزان الاعتدال، وفي أ ومط: السمني.
2) أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله النجار الرازي، رأس الفرقة النجارية من المعتزلة، وهو من متكلمي المجبرة، وله مع النظام عدة مناظرات، توفي نحو سنة 220 ه‍ (الأعلام للزركلي: 2 / 276).
3) في مط: لأنه.
4) في أ: استطاعة. 5) أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمي المريسي الفقيه الحنفي، اشتغل بالكلام وجرد القول بخلق القرآن وحكي عنه في ذلك أقوال شنيعة، وكان مرجئا وإليه =

[ 183 ]

ابن غوث، ويحيى بن كامل 1 وغيرهم، من متكلمي المجبرة [ وعند هذا أكثر متكلمي المجبرة ] 2 نحو الأشاعرة وغيرهم. ثم تكلم الناس بعد ذلك فيما اتصل بهذا من أبواب الكلام في العدل واختلفوا فيه اختلافا كثيرا، والكلام في ذلك [ من ] 3 أوسع أبواب العلم [ وجوها وأعمقها بحرا ] 3، ونحن نورد لك في هذا المعنى ما يتحصل به الغرض، وتنحسم به شبه 4 الخصوم ونجعله ملخصا وجيزا بلفظ مهذب وإلى الفهم مقرب، ونبتدئ 5 في أوله بوصف دعوة أهل الحق في ذلك ونردفها 6 بما يجب، وقد وسمنا هذه الرسالة ب‍ (إنقاذ البشر من الجبر والقدر) وها نحن مبتدئون بذلك ومستعينون بمن له الحول والقوة، وهو حسبنا ونعم الوكيل 7.

= تنسب الطائفة المريسية، توفي ببغداد سنة 218 وقيل سنة 219 ه‍ (وفيات الأعيان: 1 / 251). وجاء بدلا عن المريسي في أ: مرسي. 1) أبو على يحيى بن كامل بن طليحة الخدري، كان أولا من أصحاب بشر المريسي ومن المرجئة ثم انتقل إلى مذهب الأباضية. له كتب منها كتاب التوحيد والرد على الغلاة (هامش مط: 31).
2) الزيادة من أ.
3) الزيادة من أ.
4) في أ: وينحسم به شعب.
5) في أ: وأبتدئ.
6) في أ: وأردفها.
7) زاد في مط بعد هذا عنوانا هكذا (دعوة أهل الحق).

[ 184 ]

(فصل) في دعوة أهل الحق وبيانها قالت عصبة أهل الحق: إن الله 1 جل ثناؤه اصطفى الاسلام دينا ورضيه لعباده واختاره لخلقه، ولم يجعله موكولا إلى رأيهم، ولا جاريا على مقادير أهوائهم، دون أن نصب له الأدلة وأقام عليه البراهين، وأرسل به الرسل، وأنزل به الكتب، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة. وللإسلام حدود، للقيام به حقوق، وليس كل من ادعى ذلك أخذه 2، ولا كل من انتسب إليه صار من أهله، وقد علمنا أن أهل القبلة [ قد ] 3 اختلفوا في أمور صاروا فيها إلى خلل، فضلل بعضهم بعضا 4 وكفر بعضهم بعضا، وكل يدعي أن ما ذهب إليه من ذلك وانتحله هو دين الله ودين رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ومعلوم عند كل عاقل أن ذلك كله على اختلافه لا يجوز أن يكون حقا لتضاده واختلافه، ولا بد حينئذ من اعتبار ذلك وتمييزه ليتبع منه الحق، ويجتنب منه الباطل، وقد علمنا بالأدلة الواضحة، والبراهين الصحيحة - التي يوافقنا عليها جميع فرق أهل الملة - بطلان 5 قول كل من خالف جملة الاسلام ما جاء به القرآن وصح عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كان الأمر كذلك

1) في مط: وإن.
2) في أ: أحزم.
3) الزيادة من أ.
4) في أ: في أمور صاروا فيها إلى أن ضلل بعضهم بعضا.
5) في مط: وقد علمناه... وأبطل..

[ 185 ]

وجب 1 أن يكون كل من قال من الأمة قولا يكون عند الاعتبار والنظر خارجا مما يوجبه الاسلام ويشهد به الرسول (ص) والقرآن (أو) 2 موجبا لأن يكون معتقده ليس من جملة الاسلام على سبيل قوة واستبصار، لقوله بما لا يصح اعتقاده الاسلام معه ولا يوصل إلى معرفته ثم القول 3 به، فهو محجوج في مذهبه، ومبطل في قوله، ومبتدع في الاسلام بدعة ليست من دين الله ولا من دين رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. قالوا: وقد تدبرنا ما اختلف فيه أهل القبلة بفطرة 4 عقولنا وعرضنا ذلك على كتاب الله سبحانه وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فوجدنا الحق بذلك متميزا من الباطل تمييزا يدركه كل من تدبر الكتاب والسنة بفكره، وتميز الأمور بعقله، ولم يجعل هواه قائدا له، و [ لم ] يقلد 5 من لا حجة في تقليده، فرأينا من الواجب علينا في الدين أن نبين أمر 6 ذلك للناس ولا نكتمه، وأن ندعوهم إلى الحق ونحتج له ولا نتشاغل عن ذلك ونعرض عنه، ونحن نرى ما حدث من البدع، وخولف من سبيل السلف. وكيف يجوز الاعراض عن ذلك والله تعالى يقول: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) 7 ويقول: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى

1) في أ: فواجب.
2) الزيادة من أ.
3) في مط: نعم القول.
4) في أ: بفطر.
5) في مط: [ لا ] تقليد.
6) في أ: أمور.
7) سورة آل عمران: 104..

[ 186 ]

ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) 1. قالوا: وأي منكر أفحش، وأي معصية أعظم من تشبيه الله تعالى بخلقه، ومن تجويره في حكمه، ومن سوء الثناء عليه وإضافة الفواحش والقبائح إليه وكيف لا يكون كذلك وفي القول بالتشبيه والاجبار الانخلاع عن معرفة الله تعالى ومعرفة جميع رسله، إذ كل من شبه الله بشئ من خلقه لم يتهيأ له أن يثبت الله قديما وقد أثبت له مثلا محدثا، وفي ذلك عدم العلم بالصنع والصانع والرسول والمرسل، وإن من أجاز على الله جل وعلا فعل الظلم والكذب وإرادة الفواحش والقبائح لم يمكنه أن يثبت لرسول من رسل الله تعالى معجزة أقامها الله تعالى لهداية الخلق دون إضلالهم ولرشدهم دون إغوائهم 2، وفي ذلك سقوط العلم بصدق الرسل فيما دعت إليه، وذلك يوجب أن لا يكون معتقدا، ولا لازم الإخبار عن ثقة ويقين 3 من صدق الرسل، ولا صحة الكتب، ولا كون الجنة والنار، وهذا هو الخروج من دين الاسلام، والانخلاع عن دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قالوا: ونحن نصف قولنا ونذكر دعوتنا فليتدبر ذلك السامع منا، وليقابل 4 به قول غيرنا، فإنه سيعلم - إن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أينا أهدى سبيلا، وأقوم قيلا، وأولى بالتمسك بالكتاب والسنة، واتباع الحجة، ومجانبة البدعة.

1) سورة المائدة: 78 و 79.
2) في مط: ولا لرشدهم دون إغوائهم. 3) في مط: ولا لازم الاجبار على [ الاجبار عن خ ] ثقة وتيقن. وفي أ: ولا لازم الاجبار على ثقة ويقين.
4) في مط: وليتأمل..

[ 187 ]

فأول ذلك أن نقول: إن الله ربنا، ومحمد 1 نبينا، والاسلام ديننا، والقرآن إمامنا، والكعبة قبلتنا، والمسلمون إخواننا، والعترة الطاهرة من آل رسول الله (ص) وصحابته والتابعين لهم بإحسان سلفنا وقادتنا، والمتمسكون بهديهم من القرون بعدهم جماعتنا وأولياؤنا، نحب من أحب الله، ونبغض من أبغض الله، ونوالي من والى الله، ونعادي من عادى الله، ونقول فيما اختلف فيه أهل القبلة بأصول نشرحها ونبينها: فأولها توحيدنا لربنا، فإنا نشهد أن الله عز وجل واحد ليس كمثله شئ، وأنه الأول قبل كل شئ، والباقي بعد فناء كل شئ، والعالم الذي لا يخفى عليه شئ، والقادر الذي لا يعجزه شئ، وأنه الحي الذي لا يموت والقيوم الذي لا يبيد، والقديم الذي لم يزل ولا يزال، حيا، سميعا، بصيرا، عالما، قادرا، غنيا، غير محتاج إلى مكان ولا زمان ولا اسم ولا صفة ولا شئ من الأشياء على وجه من الوجوه ولا معنى من المعاني، قد سبق الأشياء كلها بنفسه، واستغنى عنها بذاته، ولا قديم إلا [ هو ] 2 وحده سبحانه وتعالى عن صفات المحدثين، ومعاني المخلوقين، وجل وتقدس عن الحدود والأقطار، والجوارح والأعضاء، وعن مشابهة شئ من الأشياء أو مجانسة جنس من الأجناس أو مماثلة شخص من الأشخاص، وهو إلا له الواحد الذي لا تحيط به العقول، ولا تتصوره الأوهام، ولا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، الذي يعلم ما يكون، ويعلم ما كان وما سيكون وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، قد أحاط بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا، وعلم الأشياء. كلها بنفسه من غير علم أحدثه، ومن غير معين كان معه، بل علم ذلك كله بذاته التي لم يزل بها قادرا عالما حيا سميعا بصيرا، لأنه الواحد الذي لم يزل قبل

1) في أ: ومحمدا.
2) الزيادة من أ.

[ 188 ]

الأشياء كلها ثم خلق الخلق من غير فقر ولا حاجة، ولا ضعف ولا استعانة، من غير أن يلحقه لحدوث ذلك تغير، أو يمسه لغوب، أو ينتقل به إلى مكان، أو يزول به عن مكان، إذ كان جل شأنه لم يزل موجودا قبل كل مكان، ثم حدثت الأماكن وهو على ما كان فليس يحويه مكان، وقد استوى على العرش بالاستيلاء والملك والقدرة والسلطان وهو مع ذلك بكل مكان إله عالم، مدبر، قاهر، سبحانه وتعالى عما وصفه به الجاهلون، من الصفات التي لا تجوز إلا على الأجسام من الصعود والهبوط ومن القيام والقعود، ومن تصويرهم له جسدا، واعتقادهم إياه مشبها [ للعباد ] 1 يدركونه بأبصارهم، ويرونه بعيونهم، ثم يصفونه بالنواجذ والأضراس، والأصابع، والأطراف، وأنه 2 في صورة شاب أمرد وشعره جعد قطط، وأنه لا يعلم الأشياء بنفسه، ولا يقدر عليها بذاته، ولا يوصف بالقدرة على أن يتكلم ولا يكلم أحدا من عباده، فتعالى الله عما قالوا، وسبحانه عما وصفوا، بل هو إلا له الواحد الذي ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، العليم القدير، الذي كلم موسى تكليما، وأنزل القرآن تنزيلا، وجعله ذكرا محدثا من أحسن الحديث، وقرآنا عربيا من أحسن 3 الكلام، وكتابا عزيزا من أفضل الكتب، أنزل بعضه قبل بعض، وأحدث بعضه بعد بعض، وأنزل التوراة والانجيل من قبل، وكل ذلك محدث كائن بعد أن لم يكن، والله قدير قبله لم يزل، وهو رب القرآن وصانعه وفاعله ومدبره، ورب كل كتاب أنزله، وفاعل كل كلام كلم به أحدا من عباده، والقرآن كلام الله ووحيه، وتنزيله الذي أحدثه لرسوله وجعله هدى

1) الزيادة من أ.
2) في أ: وما به.
3) في أ: من أبين..

[ 189 ]

وسمى نفسه فيه بالأسماء الحسنى، ووصفها فيه بالصفات المثلى ليسميه بها 1 العباد، ويصفوه بها ويسبحوه ويقدسوه 2 ولا إله إلا الله وحده، ولا قديم إلا الله دون غيره من كل اسم وصفة ومن كل كلام وكتاب، ومن كل شئ جاز أن يذكره ذاكر، أو يخطره على باله مفكر. هذا قولنا في توحيد ربنا. [ دعوة أهل الحق في العدل ] 3 فأما قولنا في عدله - وهو المقصود من هذا الكتاب وإنما أوردنا معه غيره لأنا أردنا إيراد جملة الاعتقاد - فإنا نشهد أنه العدل الذي لا يجوز، والحكيم الذي لا يظلم ولا يظلم 4، وأنه لا يكلف عباده ما لا يطيقون، ولا يأمرهم بما لا يستطيعون. ولا يتعبدهم بما ليس لهم إليه سبيل، لأنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين الذي أمرنا بالطاعة، وقدم الاستطاعة، وأزاح العلة، ونصب الأدلة، وأقام الحجة وأراد اليسر ولم يرد العسر، فلا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يحملها ما ليس من طاقتها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره، ولا يعذبه على ما ليس من فعله، ولا يطالبه بغير جنايته وكسبه، ولا يلومه على ما خلقه فيه، ولا يستبطئه فيما لم يقدره عليه، ولا يعاقبه إلا باستحقاقه، ولا يعذبه إلا بما جناه على نفسه، وأقام الحجة عليه فيه، المنزه عن القبائح، والمبرأ عن الفواحش، والمتعالي عن فعل الظلم والعدوان، وعن خلق 5 الزور والبهتان الذي لا يحب

1) في أ: ليسميه به.
2) ويصفونه ويسبحونه ويقدسونه.
3) العنوان من مط.
4) في أ: وأنه لا يظلم.
5) في هامش أ: قول - ظ..

[ 190 ]

الفساد، ولا يريد ظلما للعباد، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظ يما، وكل فعله حسن، وكل صنعه جيد وكل تدبيره حكمة. سبحانه وتعالى عما وصفه به القدرية المجبرة المفترون الذين أضافوا إليه القبائح، ونسبوه إلى فعل 1 الفواحش، وزعموا أن كل ما يحدث في العباد من كفر وضلال، ومن فسق وفجور، ومن ظلم وجور، ومن كذب وشهادة زور، ومن كل نوع من أنواع القبائح، فالله تعالى فاعل ذلك كله، وخالقه وصانعه، والمريد له، والمدخل فيه، وأنه يأمر قوما من عباده بما لا يطيقون ويكلفهم بما لا يستطيعون، ويخلق فيهم ما لا يتهيأ لهم الامتناع منه، ولا يقدرون على دفعه، مع كونه على [ خلاف ] 2 ما أمرهم به 3، ثم يعذبهم على ذلك في جهنم بين أطباق النيران خالدين فيها أبدا. ويزعم منهم قوم أنه يشرك معهم في ذلك العذاب 4 الأطفال الصغار 5 الذين لا ذنب لهم ولا جرم، ويجيز آخرون [ منهم ] أنه يأمر 6 الله تعالى العباد وهم على ما هم عليه من هذا الخلق وهذا التركيب أن يطيروا في جو السماء وأن يتناولوا النجوم، [ وأن ] 7 يقتلعوا الجبال ويدكدكوا الأرض، ويطووا السماوات كطي السجل، فإذا لم يفعلوا ذلك لعجزهم عنه وضعف بنيتهم عن احتماله،

1) في أ: إلى جعل.
2) الزيادة من مط.
3) في مط: ما أمر به. 4) في مط: العدل.
5) في مط: والصغار.
6) في مط: ويجيز آخرون [ أنه ] أن يأمر.
7) الزيادة من مط..

[ 191 ]

عذبهم في نار جهنم عذابا دائما، فتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وتقدس عما وصفوه به بل نقول: إنه العدل الكريم الرؤف الرحيم، الذي حسنات العباد منسوبة إليه، وسيئاتهم منفية عنه، لأنه أمر الحسنة ورضيها 1 ورغب فيها، وأعان عليها، ونهي عن السيئة وسخطها، وزجر عنها، وكانت طاعات العباد منه بالأمر والترغيب ولم تكن معاصيهم منه للنهي والتحذير، وكان جميع ذلك من فاعليه ومكتسبيه بالفعل والأحداث، وكانت معاصيهم وسيئاتهم من الشيطان بالدعاء والاغواء. [ آراء المخالفين لأهل العدل ] 2 فأما من يخالفنا فقد افتضحوا حيث قالوا: إن من الله جور الجائرين وفساد المعتدين، فهو عندهم المريد لشتمه، ولقتال أنبيائه، ولعن أوليائه، وأنه أمر بالايمان ولم يرده، ونهى عن الكفر وأراده، وأنه قضى بالجور والباطل ثم أمر عباده بإنكار قضائه وقدره، وأنه المفسد للعباد، والمظهر في الأرض الفساد، وأنه صرف أكثر خلقه عن الإيمان والخير، وأوقعهم في الكفر والشرك، وأن من أنفذ وفعل ما شاء عذبه، ومن رد قضاءه وأنكر قدره وخالف مشيئته أثابه ونعمه، وأنه يعذب أطفال المشركين [ بذنوب آبائهم ] 3 وأنه تزر الوازرة عندهم 4 وزر أخرى، وتكسب النفس على غيرها، وأنه خلق أكثر خلقه للنار، ولم يمكنهم من طاعته ثم أمرهم بها، وهو عالم بأنهم لا يقدرون عليها، ولا يجدون

1) زاد في مط: [ رضي بها خ ].
2) العنوان من مط.
3) الزيادة من مط.
4) في أ: عنده..

[ 192 ]

السبيل إليها، ثم استبطأهم لم لم يفعلوا ما لم يقدروا عليه 1 ولم لم يوجدوا ما لم يمكنهم منه؟ وأنه صرف أكثر خلقه عن الإيمان ثم قال: (أنى تصرفون) 2 وأفكهم وقال: (أنى تؤفكون) 3، وخلق فيهم الكفر ثم قال: (لم تكفرون) 4 وفعل فيهم لبس الحق بالباطل ثم قال: (لم تلبسون الحق بالباطل) 5، وأنه دعى إلى الهدى ثم صد عنه وقال: (لم تصدون عن سبيل الله) 6. وقال خلق كثير منهم: إن الله تعالى منع العباد من الإيمان مع قوله (وما مع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) 7 وأنه حال بينهم وبين الطاعة ثم قال: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر) 8. وأنه ذهب بهم عن الحق ثم قال (فأين تذهبون) 9، وأنه لم يمكنهم من الإيمان ولم يعطهم قوة السجود ثم قال: (ما لهم لا يؤمنون. وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) 10، وأنه فعل بعباده الاعراض عن التذكرة ثم قال: (فما لهم عن التذكرة معرضين) 11 وأنه يمكر بأوليائه المحسنين، وينظر لأعدائه المشركين.

1) في أ: ما لا يقدرون عليه.
2) سورة يونس: 32.
3) سورة الأنعام: 95.
4) سورة آل عمران: 70.
5) سورة آل عمران: 71.
6) سورة آل عمران: 99. 7) سورة الاسراء: 94.
8) سورة النساء: 39.
9) سورة التكوير: 26.
10) سورة الانشقاق: 20 - 21.
11) سورة المدثر: 49.

[ 193 ]

لأن العبد عندهم مجتهد في طاعته، فبينما هو كذلك وعلى ذلك إذ خلق فيه الكفر، وأراد له الشرك، ونقله مما يحب إلى ما يسخط، وبينما هو 3 مجتهد في الكفر به، والتكذيب له، إذ نقله من الكفر إلى الإيمان، وهو عندهم لعدوه أنظر منه لوليه، فليس يثق 4 وليه بولايته، ولا 5 يرهب عدوه من عداوته. وأنه يقول للرسل: أهدوا إلى الحق من عنه قد أضللت، وانهوا عبادي عن أن يفعلوا ما شئت وأردت، وأمروهم أن يرضوا بما قضيت وقدرت، لأنه عندهم شاء الكفر، وأراد الفجور، وقضى الجور، وقدر الخيانة. ولولا كراهة الاكثار لأتينا على وصف مذهبهم، وفيما ذكرناه كفاية في تقبيح مذهبهم، والحمد لله على قوة الحق وضعف الباطل. فصل [ الخير والشر ومعنى نسبتهما إليه تعالى ] 5 إن سأل سائل فقال: أتقولون إن الخير والشر من الله تعالى؟ قيل له: إن أردت أن من الله تعالى العافية والبلاء والفقر والغناء، والصحة والسقم، والخصب والجدب، والشدة والرخاء، فكل هذا من الله تعالى، وقد تسمى شدائد الدنيا شرا وهي في الحقيقة حكمة وصواب وحق وعدل. وإن أردت أن من الله الفجور والفسوق، الكذب والغرور والظلم والكفر والفواحش

1) في مط: وبينما عبد.
2) في أ: فليس يبقي.
3) في مط: وليس.
4) في هامش أ: في تنقيح خ ل.
5) الزيادة من مط.

[ 194 ]

والقبائح فمعاذ الله أن نقول ذلك! بل الظلم من الظالمين والكذب من الكاذبين، والفجور من الفاجرين، والشرك من المشركين، والعدل والانصاف من رب العالمين. وقد أكد الله تعالى ما قلنا فقال: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) 1 ولم يقل: من عند خالقهم، فعلمنا أن المعصية من عباده، وليس هي من قبله، وقال عز وجل: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) 2 فعلمنا أن الكذب والكفر ليس من عند الله، وإذا لم يكن من عند الله فليس من فعله ولا من صنعه. وقال عز وجل: (لبئسما قدمت لهم أنفسهم) 3 وما قدمته [ لهم ] 4 أنفسهم لم يقدمه لهم ربهم. وقال: (فطوعت له نفسه قتل أخيه) 5 ولم يقل حمله على القتل ربه، ولا ألجأ إليه خالقه. وقال: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا. تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا) 6 فأخبر 7

1) سورة البقرة: 109.
2) سورة آل عمران: 78. 3) سورة المائدة: 80.
4) الزيادة من مط.
5) سورة المائدة: 30.
6) سورة مريم: 88 - 91.
7) في أ: فأخبرهم..

[ 195 ]

أنهم جاءوا بالإد، ولم يقل أنا جئت به فأدخلته قلوبهم، وقال (أن دعوا للرحمن ولدا) فأخبر أنهم [ هم ] 1 ادعوا الولد ولم يدعه لنفسه. ثم أخبر وجل وعز عن الأنبياء عليهم السلام لما عوتبوا على ترك مندوب وما أشبهه إضافة ما ظاهره الاخلال بالأفضل من الأفعال إلى أنفسها ولم تضفها إلى خالقها، فقال آدم وحواء عليهما السلام: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) 2 وقال يعقوب لبنيه: (بل سولت لكم أنفسكم) 3 ولم يقل سول لكم ربكم. وقال بنو يعقوب: (يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) 4 ولم يقولوا إن خطايانا من ربنا. وقال: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه - بمعنى أن نضيق عليه كما قال: يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر يعني يضيق وقال ومن قدر عليه رزقه أي ضيق - فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) 5 فأقر على نفسه ولم يضف إلى ربه. وقال: (رب إني ظلمت نفسي) 6 من بعد ما قال: (فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان) 7 ولم يقل من عمل الرحمن.

1) الزيادة من أ.
2) سورة الأعراف: 23.
3) سورة يوسف: 18.
4) سورة يوسف: 97.
5) سورة الأنبياء: 87.
6) سورة القصص: 16.
7) سورة القصص: 15..

[ 196 ]

وقال يوسف عليه السلام: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) 1. وقال الله تعالى لنبينا صلى الله عليه وآله: (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي) 2. وقال فتى موسى عليه السلام: (إني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان) 3 ولم يقل وما أنسانيه إلا الرحمن. فما قالوه موافق لقول الله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) 4 فقال رجس من عمل الشيطان، ولم يقل رجس من عمل الرحمن، وقال: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء) فعلمنا أن ما أراد الشيطان غير ما أراد الرحمن، وأخبر أن الشيطان يصد عن ذكر الله ولم يقل الرحمن يصد عن ذكر الله. وقال: (إنما النجوى من الشيطان) 5 ولم يقل من الرحمن. وقال: (لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة) 6 يعني بوسوسته وخديعته. وقال عز وجل: (لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدوني هذا

1) سورة يوسف 100.
2) سورة سبأ: 50.
3) سورة الكهف: 63.
4) سورة المائدة: 60 - 61.
5) سورة المجادلة: 10.
6) سورة الأعراف: 27..

[ 197 ]

صراط مستقيم. ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون) 1 فأخبر أن الشيطان أضلهم عن الحق. وقال: (إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للانسان عدوا مبينا) 2 وقال تعالى: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم) 3 ولم يقل فلا تلوموني ولوموا ربكم، لأنه أفسدني وأفسدكم، وكفرني وكفركم. و [ لو ] 4 قصدنا إلى الأخبار عما أضافه الله تعالى إلى الشيطان من معاصي العباد لكثر ذلك وطال به الكتاب. فصل [ الفرق بين صنع الخالق والمخلوق ودلالة الكتاب ] 5 فإن قال قائل: ما الدليل على أن الله تعالى لم يفعل أفعال عباده، وإن فعل العبد غير فعل رب العالمين؟ قيل له: الدليل على ذلك من كتاب الله تعالى، ومن أخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن إجماع الأمة، ومن حجج العقول: فأما ما يدل على ذلك من كتاب الله فقوله سبحانه وتعالى: (صنع الله الذي

سورة يس: 60 - 62.
2) سورة الاسراء: 53.
3) سورة إبراهيم: 22.
4) الزيادة من أ.
5) الزيادة من مط..

[ 198 ]

أتقن كل شئ) 1 فلما لم يكن الكفر بمتقن ولا بمحكم علمنا أنه ليس من صنعه. وقال تعالى: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون) 2 وقد علمنا أن الله تعالى قد جعل وخلق الشاة والبعير، وإنما ينفي عن نفسه ما جعلوه من الشق الذي فعلوه في آذان أنعامهم، فعلمنا أن ما نفاه الله تعالى عن نفسه هو كفر العباد وفعلهم. وقال تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) 3 فلما كان الكفر متفاوتا متناقضا علمنا أنه ليس [ من خلق الله تعالى، وقال تعالى (الذي أحسن كل شئ خلقه) 4، فلما لم يكن الكفر بحسن علمنا أنه ليس ] 5 من خلقه ولا من فعله، لأن خلق الله هو فعله، وقد قال: إنه (يخلق ما يشاء) 6 وقال (كذلك الله يفعل ما يشاء) 7 وأخبر أن خلقه وفعله واحد. فإن قال قائل منهم: إن الكفر حسن لأن الله خلقه. قيل له: لو جاز أن يكون حسنا لأن الله تعالى خلقه، جاز أن يكون حقا وصدقا وعدلا وصلاحا، [ فلما لم يجز أن يكون الكفر حقا ولا صدقا ولا عدلا ولا صلاحا ] 8 لم يجز أن يكون حسنا، ولو كان الكفر حسنا كان الكافر محسنا

1) سورة النمل: 88.
2) سورة المائدة: 103.
3) سورة الملك: 3.
4) سورة سجدة: 7.
5) الزيادة من أ.
6) سورة آل عمران: 47.
7) سورة آل عمران: 40.
8) الزيادة من أ..

[ 199 ]

إذ فعل حسنا، فلما كان الكافر مسيئا مفسدا كاذبا جائرا مبطلا، علمنا 1 أن فعله ليس بحسن ولا حق ولا صدق ولا عدل ولا صلاح. وقال الله تعالى: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) 2 ولو كان فاعلا لها لكان قد أنزل بها أعظم السلطان والحجة. وقال: (واتخذوا من دون الله إلها) 3 تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقال: (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعيائكم أبنائكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) 4 والله قد جعل الأجسام كلها، وإنما نفى عن نفسه أن يكون قولهم لأزواجهم وقولهم لأولادهم أنتن أمهاتنا، وأنتم أبناؤنا، ثم أخبر أنه لا يقول إلا حقا وأن الكذب ليس من قوله ولا من فعله. وقال عز من قائل: (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون) 5 فأخبر أنهم جعلوا له شركاء، ولو كان الجاعل لما كان قد جعل لنفسه شركاء، ولا يخلو من أن يكون هو جعل لنفسه شركاء دونهم، أو يكونوا 6 هم الذين جعلوا له شركاء، وهو عن ذلك متعال لم يفعله ولم يجعله، ولو كان هو الذي جعل لنفسه شركاء دون عباده أو إن كان 7 هو جعل ما جعلوا كان قد جعل لنفسه شركاء كما جعل ذلك عباده. فكان قد شارك

1) في مط: علما.
2) سورة النجم: 23.
3) سورة مريم: 81.
4) سورة الاحزاب: 4.
5) سورة الأنعام: 100.
6) في مط: أو يكون.
7) في أ: وإن كان..

[ 200 ]

عباده في شركهم وكفرهم، ومن جعل لله شريكا فقد أشرك بالله غيره [ وقال ] 1 (ويجعلون لله البنات) 2 وقال: (ويجعلون لله ما يكرهون) 3 وقال: (وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله) 4 فلو كان جاعلا ما جعلوه من الكفر كان قد جعل لنفسه ما يكرهه، وجعل لنفسه أندادا، جل الله عن ذلك. وقال عز وجل: (واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا آلهة من دون الرحمن يعبدون) 5 فنفى أن يكون جعل من دونه آلهة، فعلمنا أن اتخاذ الاله من دون الله لم يجعله الله. وقال عز وجل: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية) 6 فلو كان هو الذي جعل الحمية في قلوبهم لم يقل هم الذين جعلوا الحمية. فإن قالوا: ما أنكرت أن يجعل ما جعل العباد. قيل لهم 7: لو جاز أن يكون جاعلا لما جعله العباد لكان عادلا بعدل العباد، ومصلحا بصلاح العباد، وجائرا بجور العباد، ومفسدا بفساد العباد، وكاذبا بكذبهم، إذ كان لكذبهم وفسادهم وجورهم فاعلا، فلما لم يجز ما ذكرناه علمنا أن الله لم يجعل لما جعله العباد. وقال تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما

1) الزيادة من أ.
2) سورة النحل: 57 3) سورة النحل: 62.
4) سورة إبراهيم: 30.
5) سورة الزخرف: 65.
6) سورة الفتح: 26.
7) في أ: قيل له..

[ 201 ]

يكسبون) 1 فنفى عن نفسه أن يكون كفرهم من عنده تعالى. وقال عز وجل: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) 2 وقال تعالى: (إنهم يكيدون كيدا) 3 فلو كان الله فعل الكيد والمكر بالنبي صلى الله عليه وآله كان قد مكر بنبيه وكاده، تعالى الله عن ذلك. وقال تعالى: (الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك) 4 ولو كان اتخاذهم الولد فعل الله كان قد اتخذ ولدا، ولو كان قد فعل عباده فعله كان له شريك في الملك، تعالى عن ذلك. ولو قصدنا إلى استقصاء ما يدل على مذهبنا في أن الله لم يفعل الظلم والجور والكذب وسائر أفعال العباد لطال بذلك الكتاب، وفيما ذكرناه كفاية، والحمد لله رب العالمين. [ الأخبار المانعة من نسبة الشر إلى الله تعالى ] 5 وأما ما روي عن النبي (ص) من إضافة الحسن إلى الله والسوء إلى العباد ما روي عن أبي أمامة الباهلي 6 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اضمنوا لي أشياء أضمن لكم الجنة. قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: لا تظلموا عند

1) سورة البقرة: 79.
2) سورة الأنفال: 30.
3) سورة الطارق: 15.
4) سورة الاسراء: 111.
5) الزيادة من مط.
6) أبو أمامة الباهلي واسمه صدى بن عجلان الصحابي، كان من المشاهير سكن مصر ثم حمص وبها توفي سنة 81، وهو آخر من توفي من الصحابة بالشام. (أسد الغابة: 5 / 138)..

[ 202 ]

قسمة مواريثكم، ولا تجبنوا عند قتال عدوكم، وامنعوا ظالمكم من مظلومكم، وانصفوا الناس من أنفسكم، ولا تغلوا غنائمكم، ولا تحملوا على الله ذنوبكم. وروي عن أبي هريرة 1 أنه قال: قام رجل من خثعم إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله متى يرحم الله عباده؟ قال (ص): يرحم الله عباده ما لم يعملوا بالمعاصي ثم يقولون هي من الله. وروي عن النبي (ص) أنه قال: خمسة لا تطفأ نيرانهم ولا تموت ديدانهم: رجل أشرك بالله، ورجل عق والديه، ورجل سعى بأخيه إلى سلطان جائر فقتله، ورجل قتل نفسا بغير نفس، ورجل حمل على الله ذنبه. وروي عنه (ص) أنه قال: أتاني جبرئيل فقال: يا محمد خصلتان لا ينفع معهما صوم ولا صلاة: الاشراك بالله، وأن يزعم عبد أن الله يجبره على معصيته. ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود 2 أنه سئل عن 3 امرأة توفي عنها زوجها ولم يفرض لها صداقا؟ فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان. وروي عن أبي هريرة أنه قال: كان رسول الله (ص) إذا قام بالليل إلى الصلاة

1) اختلفوا في اسمه كثيرا، كان من كبار وضاعي الحديث طمعا فيما بيد معاوية، وكان يلعب بالشطرنج ويقامر، وكانت عائشة تتهمه بوضع الأحاديث وترد ما رواه، واستعمله عمر على البحرين فجمع أموالا كثيرة (الكنى والألقاب: 1 / 172).
2) أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي حليف بني زهرة، وكان إسلامه قديما، وكان سببه أنه كان يرعى غنما فمر به الرسول (ص) وأخذ شاة حائلا من تلك الغنم فدرت عليه لبنا غزيرا، بعثه عمر إلى الكوفة مع عمار بن ياسر وقال فيه (كنيف ملئ علما) مات بالمدينة سنة 32 ودفن بالبقيع وكان عمره حين مات بضع وستين سنة (الاستيعاب: 3 / 987).
3) في مط: وروي عن ابن مسعود أنه قال: سألت عن....

[ 203 ]

قال: لبيك وسعديك، الخير في يديك، والشر ليس إليك. وروي عن حذيفة 1 عن النبي (ص) أنه قال: إذا دعي بي يوم القيامة أقوم فأقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك. وروي عن أنس 2 أنه قال: قال رسول الله (ص): سيكون في هذه الأمة أقوام يعملون بالمعاصي ويزعمون أنها من الله، فإذا رأيتموهم فكذبوهم ثم كذبوهم. وما أشبه هذه الأخبار كثير، ولو قصدنا إلى ذكرها لطال بها الكتاب وإنما نذكر من الباب الذي ينبه به على الحق. [ الأدلة العقلية على تنزيه الله من خلق الشرور ] 3 وأما حجة القول على أن الله لم يفعل أفعال العباد، وأن فعل الخلق غير فعل 4 رب العالمين، فهو أنا وجدنا من أفعال العباد ما هو ظلم وعبث وفساد، وفاعل الظلم ظالم، وفاعل العبث عابث، وفاعل الفساد مفسد، فلما لم يجز أن يكون الله مفسدا علمنا أنه لم يفعل 5 الظلم ولا العبث ولا الفساد.

1) حذيفة بن اليمان العبسي، عد من الأركان الأربعة، ذ كر أنه لما حضرته الوفاة قال لابنته: أية ساعة هذه؟ قالت: آخر الليل. قال: الحمد لله الذي بلغني هذا المبلغ ولم أوال ظالما على صاحب حق ولم أعاد صاحب حق. سكن الكوفة ومات بالمدائن بعد بيعة أمير المؤمنين علي عليه السلام (منتهى المقال ص 88).
2) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري، خادم رسول الله (ص) كان من المكثرين في الرواية، وتوفي بالبصرة سنة 93، وقيل في تاريخ وفاته غير ذلك (أسد الغابة: 1 / 127).
3) العنوان من مط.
4) في أ: غير خلق.
5) في أ: لا يفعل..

[ 204 ]

وأيضا فإن أفعالهم التي هي محكمة [ منها ] 1 ما هو طاعة وخضوع وفاعل الطاعة مطيع، وفاعل الخضوع خاضع، فلما يجز أن يكون الله مطيعا ولا خاضعا علمنا أنه لا يفعل الطاعة ولا الخضوع. وأيضا فإن الله لا يجوز أن يعذب العباد على فعله، ولا يعاقبهم على صنعه، ولا يأمرهم بأن يفعلوا [ ما ] 2 خلقه، فلما عذبهم على الكفر، وعاقبهم على الظلم، وأمرهم بأن يفعلوا الإيمان، علمنا أن الكفر والظلم والايمان ليست من فعل الله ولا من صنعه. ومما يبين ما قلنا: أنه لا يجوز أن يعذب العباد على طولهم وقصرهم وألوانهم وصورهم، لأن هذه الأمور فعله وخلقه فيهم، فلو كان الكفر والفجور فعل الله لم يجز أن يعذبهم على ذلك ولا ينهاهم [ عنه ] 3 ولا يأمرهم بخلافه، فلما أمر الله العباد بالايمان ونهاهم عن الكفر ولم يجز أن يأمرهم بأن يفعلوا طولهم وقصرهم وألوانهم وصورهم علمنا أن هذه الأمور فعل الله، وأن الطاعة والمعصية والايمان والكفر فعل العباد. وأيضا فلو جاز أن يفعل العبد فعل ربه، وأن يكسب خلق إلهه - كما قال مخالفونا إن العباد فعلوا فعل ربهم - لجاز أن يكون كلامهم كلام الله، فيكون كلام العبد كلام ربه كما كان كسب العبد 4 فعل خالقه، فلما لم يجز أن يكون كلام العبد كلام خالقه لم يجز أن يكون فعل العبد فعل إلهه، ولا كسب العبد صنع خالقه، فثبت أن أفعال العباد غير فعل رب العالمين.

1) الزيادة من مط.
2) الزيادة من مط.
3) الزيادة من أ.
4) في مط: كما أن كسب العباد..

[ 205 ]

وأيضا فإنه لا يخلو الظلم في قولهم وفعلهم من أن يكون بخلقه تعالى [ فيكون الظالم لا ظالما ومصيبا بذلك لا مخطئا ] 1 فلو كان الله بخلقه الظلم عادلا [ أيضا ] 2 كان الظلم عدلا وصوابا، لأنه لا يجوز أن يصيب إلا بفعل الصواب، ولا يعدل إلا بفعل العدل، ولو كان الكفر والظلم صوابا وعدلا كان الكافر والظالم مصيبين عادلين [ بالظلم ] 3 ولا مصيب بفعل [ الكفر والظلم ] 4، فثبت أن الله لا يجوز أن يفعل الظلم والخطأ والفسوق والفجور بوجه من الوجوه ولا بسبب من الأسباب. وأيضا فلو جاز أن يفعل الله الظلم ولا يكون ظالما لجاز أن يخبر بالكذب [ بقوله ] 5 ولا يكون كاذبا، فلما لم يجز أن يكون الله يقول الكذب - لأن القائل المخبر بالكذب كاذب - كذلك لم يجز أن يفعل الظلم لأن الفاعل للظلم ظالم، فلما لم يجز أن يكون عز وجل ظالما لم يجز أن يكون للظلم فاعلا، فنثبت 6 أن الظلم ليس من فعل الله ولا الكذب من قوله سبحانه. وأيضا فإن الله سخط الكفر وعابه وذم فاعله ولا يجوز على الحكيم أن يذم العباد على فعل ولا يعيب صنعه ولا يسخط، بل يجب أن يرضى بفعله، لأن من فعل ما لا يرضى به فهو غير حكيم، ومن يعيب ما صنع ويصنع ما يعيب فهو معيب والله يتعالى عن هذه الصفات علوا كبيرا، فلما لم يجز على ربنا أن يعيب ما

1) هذه الجملة جاءت في مط هكذا: بخلقه الظلم عادلا أو ظالما أو مصيبا بذلك أو مخطئا.
2) الزيادة من أ.
3) الزيادة من أ.
4) الزيادة من مط.
5) الزيادة من مط.
6) في أ: ثبت..

[ 206 ]

صنع و [ لا ] 1 يسخط ما يفعل علمنا أن أفعال 2 العباد غير فعل رب العالمين. وأيضا فإن الله قال في كتابه (ولا يرضى لعباده الكفر) 3 وقال (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه) 4 فالله أحكم وأعدل من أن يسخط في فعله، ويغضب من خلقه، ويفعل ما لا يرضى به وأيضا فإن الفاعل للفاحشة والظلم والكفر أكثر استحقاقا للذم من الأمر بالفاحشة أو الكفر، فلما كان الأمر بالكفر والظلم والفواحش غير حكيم كان الفاعل لذلك والمحدث له غير حكيم، فلما كان الله أحكم الحاكمين علمنا أنه غير فاعل للكفر، ولا محدث للظلم، ولا مبتدع للقبائح، ولا مخترع للفواحش، وثبت أن الظلم فعل الظالمين، والفساد فعل المفسدين، والكذب فعل الكاذبين وليس شئ من ذلك فعل رب العالمين. وأيضا فإنه لا تخلوا 5 أفعال العباد من أن تكون كلها فعل رب العالمين لا فاعل لها غيره، أو أن تكون فعله وفعل خلقه وكسبهم، أو أن تكون فعل العباد وليست بفعل الله، فلما لم يجز أن يكون الله تعالى منفردا بالافعال ولا فاعل لها غيره لأنه لو كان كذلك كان لا يجوز إرسال الرسل وإنزال الكتب ولبطل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحمد والذم، لأنه لا فعل للعباد، وأوجب أيضا أن يكون هو الفاعل لشتم نفسه، وللعن أنبيائه، وللفسوق والفجور، والكذب والظلم، والعبث والفساد، فلو 6 كان ذلك منه وحده كان هو الظالم [ والكاذب ] 7 والعابث

1) الزيادة من أ.
2) في مط: أن فعل.
3) سورة الزمر: 7.
4) سورة محمد: 28.
5) في أ: لا يخلو.
6) في أ: ولو.
7) الزيادة من أ.

[ 207 ]

والمفسد، إذ كان لا فاعل للظلم والعبث والكذب والفساد غيره، ولو كان فاعلا لما فعله العباد كان هو الفاعل للظلم الذي فعله العباد والكذب والعبث والفساد وكان يجب أن يكون ظالما كما أنهم ظالمون، وكان عابثا مفسدا إذ لم يكونوا 1 الفاعلين لهذه الأمور دونه، ولا هو الفاعل لها دونهم. فلما بطل هذان الوجهان ثبت الثالث، وهو أن هذه الأفعال عمل العباد وكسبهم، وأنها ليست من فعل رب العالمين ولا صنعه، ولو قصدنا إلى استقصاء أدلة أهل العدل في هذا الباب لطال بذلك الكتاب. فصل [ اللوازم الفاسدة للقول بخلق افعال العباد ] 2 ومما يسأل عنه ممن زعم أن فعل العباد هو فعل الله وخلقه أن يقال لهم: أليس من قولكم 3 إن الله محسن إلى عباده المؤمنين، إذ خلق فيهم الإيمان وبين [ لهم ] 4 بفعل الإيمان؟. فإن قالوا: لا نقول ذلك، زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يحسن في تبليغ الرسالة، وكفى بهذا خزيا لهم. فإن قالوا: إن الانسان المؤمن محسن بفعل الإيمان وكسبه. يقال لهم: فقد كان إحسان واحد من محسنين بفعل الإيمان وكسبه 5 من الله ومن العبد. فإن قالوا: بذلك. قيل لهم: فما أنكرتم أن تكون إساءة واحدة من مسيئين،

1) في مط: إذا لم يكونوا.
2) العنوان زيد من مط.
3) في أ: له أليس من قولكم.
4) الزيادة من أ، وفوقها حرف (ظ).
5) أضاف في أ: من محسنين..

[ 208 ]

فيكون الله عز وجل مسيئا بما فعل من الاساءة التي العبد بها مسئ، كما كان محسنا بالاحسان الذي به العبد محسن. فإن قالوا: إنه مسئ بإساءة [ العباد ] 1 لزمهم أن يكون ظالما بظلمهم، وكاذبا بكذبهم، ومفسدا بفسادهم، كما كان مسيئا بإساءتهم. فإن قالوا: لا يجوز أن تكون إساءة واحدة بين مسيئين. قيل لهم: فما أنكرتم أن لا يكون إحسان واحد بين محسنين، ولا يجدون من هذا الكلام مخرجا والحمد لله رب العالمين. وكلما اعتلوا بعلة عورضوا بمثلها، ويقال لهم: أليس الله نافعا للمؤمنين بما خلق فيهم من الإيمان. فمن قولهم: نعم. فيقال لهم: والعبد نافع لنفسه بما فعل من الإيمان. فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: قد ثبت أن منفعة واحدة من نافعين هي منفعة من الله بالعبد بأن خلقها، ومنفعة من العبد بأن اكتسبها. فإن قالوا: نعم. قيل لهم: وكذلك الفكر قد ضر الله به الكفار بأن خلقه، وضر الكافر نفسه بأن اكتسب الكفر. فإن قالوا: نعم 2. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون الله قد أفسد الكافر بأن خلق فساده ويكون الكافر هو أفسد نفسه بأن اكتسب الفساد. فإن قالوا: نعم. قيل: فما أنكرتم أن يكون الكافر جائرا على نفسه بما اكتسب من الجور 3. [ فإن قالوا: جائر. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون الله جائرا على نفسه بما فعل من الجور ] 4 أيضا كما قلتم في الكافر، فإن قالوا: جائر

1) الزيادة من أ.
2) في مط: فإن قالوها.
3) في مط: من [ فعل خ ] الجور.
4) الزيادة من أ..

[ 209 ]

خرجوا من دين أهل القبلة، وإن قالوا: لا يجوز أن يكون الله جائرا بما فعله العباد من الجور، قيل لهم: وكذلك ما أنكرتم أن لا يكون 1 مفسدا بفسادهم، ولا ضارا لهم ضررهم. فإن قالوا بذلك، قيل لهم: فما أنكرتم أن لا يكون فاعلا لما فعلوه من الكفر والفساد وأن يكون فعله غير فعلهم، وكلما اعتلوا بعلة [ في هذا الكلام ] 2 عورضوا بمثلها. ويقال لهم: أليس الله نافعا للعباد [ المؤمنين ] 3 بما خلق فيهم من الإيمان. فمن قولهم: نعم. فيقال: وكذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نفعهم بما دعاهم إلى الإيمان. فإن أبوا ذلك وزعموا أن النبي ما نفع أحدا ولا أحسن إلى أحد. قيل لهم: فما أنكرتم أن لا يجب على المؤمنين شكره ولا حمده، إذ كان غير نافع لهم ولا محسن إليهم. وإن قالوا: إن النبي (ص) قد نفعهم بدعائه إياهم إلى الإيمان. قيل لهم: أفليس الله بما خلق فيهم من الإيمان أنفع لهم من النبي (ص) إذ دعاهم إلى الإيمان، فلا بد لهم من نعم، لأن النبي قد يجوز أن يدعوهم إلى الإيمان، فلا بد لهم منعم يجيبون إليه 4 ولا يجوز أن يخلق الله فيهم الإيمان إلا وهم مؤمنون. فيقال: أفليس قد ضر الله الكافر في قولهم بما خلق فيه من الكفر؟ فمن قولهم: نعم. [ يقال لهم: وكذلك إبليس قد ضرهم بدعائه ] 5 إياهم إلى

1) في أ: أن يكون.
2) الزيادة من أ.
3) الزيادة من أ.
4) في أ: فلا يجيبون إليه.
5) في مط: فمن قولهم نعم أفليس قد ضرهم إبليس بدعائه..

[ 210 ]

الكفر، فلا بد من نعم وإلا لزمهم أن لا يكون إبليس وسوس إلى أحد بمعصيته ولا يجب أن يذم على شئ من أفعاله، وردوا أيضا مع ذلك كتاب الله، لأن الله يقول: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا) 1. ويقال لهم: فأيما أعظم المضرة التي فعلها الله تعالى بالكافر من خلق الكفر (فيه) 2 أو المضرة التي فعلها إبليس من دعائه إياهم إلى الكفر؟ فإن قالوا: المضرة التي فعلها بهم إبليس من دعائه إياهم إلى الكفر أعظم. قيل لهم: فما أنكرتم أن تكون منفعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين أعظم بدعائه إياهم إلى الإيمان. فإن قالوا: إن المضرة التي خلقها الله فيهم أعظم. قيل لهم: فما أنكرتم أن تكون مضرة الله للكافرين في خلق الكفر فيهم أعظم من مضرة إبليس بدعائه إياهم إلى الكفر. فإن قالوا ذلك 3 قيل لهم: فقد وجب عليكم أن إلهكم أضر على الكافرين من إبليس. فإذا قالوا: إنه أضر عليهم من إبليس. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون شرا عليهم من إبليس كما كان أضر عليهم من إبليس كما قلتم: إن الله أنفع للمؤمنين من النبي وخير لهم من النبي (ص). فإن قالوا: إن إلههم شر من إبليس فقد خرجوا من دين أهل القبلة، وإن أبوا ذلك لم يجدوا منه مخرجا مع التمسك بقولهم. ويقال لهم: أتقولون إن الله قد ضر الكفار في دينهم؟ فمن قولهم: نعم.

1) سورة البقرة: 268.
2) الزيادة من أ.
3) في مط: فإن قالوا بذلك..

[ 211 ]

فيقال لهم: فما أنكرتم أن يغرهم 1 في دينهم كما أنه ضرهم في دينهم. فإن قالوا: إن الله لا يغر 2 العباد في أديانهم. قيل لهم: والله لا يضرهم في إيمانهم. وإن قالوا: إن الله يغرهم 3 في أديانهم. قيل لهم: فما أنكرتم أن يموه عليهم ويخدعهم عن أديانهم؟ فإن قالوا بذلك شتموا الله أعظم الشتيمة. وإن قالوا: إن الله لا يخدع أحدا عن دينه ولا يغر أحدا عن دينه. قيل لهم: فما أنكرتم أن لا يجوز أن يضره في دينه. وكلما اعتلوا بعلة عورضوا بمثلها. ويقال لهم: أتقولون إن الله ضر النصراني في دينه إذ جعله نصرانيا وخلق فيه الكفر، وكذلك اليهودي؟ فإن قالوا: نعم - وهو قولهم - فيقال لهم: فما أنكرتم أن يفسده 4 في دينه فيكون مفسدا لعباده في أديانهم. فإن قالوا: إنه مفسد لهم في أديانهم. قيل لهم: أفيجب عليهم شكره وهو في قولهم مفسد لهم؟ فإن قالوا: لا يجب أن يشكر صح كفرهم، وإن قالوا: إنه يجب أن يشكر. قيل لهم: على ماذا يشكر؟ فإن قالوا: على الكفر فقد افتضحوا وبان خزيهم. وإن قالوا: إنه يشكر [ على ] 4 مما خلق فيهم من الصحة والسلامة. قيل لهم: أو ليس هذه الأمور عندكم قد فعلها مضرة عليهم في دينهم ليكفروا ويصيروا إلى النار، فكيف يكون ما به هلاكهم نعمة عليهم؟! فإذا جاز ذلك يكون من أطعمني خبيصا مسموما ليقتلني به منعما علي ومحسنا [ إلي ] 5 فإن قالوا: لا يكون محسنا إلى الكافر بهذه الأمور إذ إنما فعلها فيهم ليكفروا ويصيروا إلى النار،

1) في مط: أن يعذبهم.
2) في مط: لا يضر.
3) في مط: يضرهم.
4) في مط: أن يفسد.
5) الزيادات من أ..

[ 212 ]

فلا بد لهم أن لا يروا الشكر لله على العباد واجبا، فيخرجوا من دين أهل القبلة. ويقال لهم: أليس الله بفعله للصواب مصيبا؟ فمن قولهم: نعم يقال لهم: فإذا زعمتم أنه قد جعل الخطأ فما أنكرتم أن يكون مخطئا؟ فإن قالوا: إنه مخطئ، بان كفرهم، وإن قالوا: لا يكون بفعله للخطأ مخطئا. قيل لهم: فما أنكرتم أن لا يكون بفعله للصواب مصيبا كما لم يكن بفعله للخطأ مخطئا؟ وكلما اعتلوا بعلة عورضوا بمثلها. ويقال لهم: أليس الله عز وجل مصلحا للمؤمنين بما خلق فيهم من الصلاح؟ فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون مفسدا للكافرين بما خلق فيهم من الكفر والفساد؟ فإن قالوا بذلك. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون ظالما بما خلق فيهم من الظلم؟ فإن أبوا ذلك يسألوا الفصل بينهما ولن يجدوه، وإن قالوا: إنه ظالم، فقد وضح شتمهم الله تعالى. ويقال لهم: أتقولون إن الله مصيب عادل في جميع ما خلق؟ فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون جميع ما خلق صوابا وعدلا إن كان عادلا مصيبا في خلقه 1. فإن قالوا: إن جميع ما خلق عدل وصواب. قيل لهم: أفليس من قولكم إن الظلم والكفر والخطأ عدل وصواب. فإن قالوا: إن ذلك عدل وصواب. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون [ ذلك ] 2 حقا وصلاحا. فإن قالوا: بذلك فقد وضح فساد قولهم ولزمهم أن يكون الكافر عادلا بفعله الكفر وأن يكون مصيبا محقا 3 مصلحا أكان فعله عدلا وصوابا وحقا وصلاحا. فإن أبوا أن يكون الكفر صلاحا وصوابا وحقا وعدلا قيل لهم: فما أنكرتم أن لا

1) في مط: بخلقه.
2) الزيادة من مط.
3) في مط: حقا..

[ 213 ]

يكون بفعله الجور عادلا، ولا بفعله الخطأ مصيبا ولا بفعله الفساد مصلحا إذا، فإن قالوا بذلك، قيل لهم: فما أنكرتم أن لا يكون الخطأ والجور من فعله إذ كان مصيبا عادلا في جميع فعله. فإن قالوا بذلك، تركوا قولهم وصاروا إلى قول أهل الحق: إن الله لا يفعل خطأ ولا جورا ولا باطلا ولا فسادا. ويقال لهم: أتقولون إن الله يفعل الظلم ولا يكون ظالما؟ فمن قولهم: نعم. يقال [ لهم ] 1: فما الفرق بينكم وبين من قال إنه ظالم وأنه لم يفعل ظلما؟ وإن قالوا: [ إنه ] 2 لا يجوز أن يكون ظالما إلا من فعل ظلما، قيل لهم: وكذلك لا يجوز أن يكون للظلم فاعلا ولا يكون ظالما، بل يجب أن يكون من كان للظلم فاعلا أن يكون ظالما. ويقال لهم: أليس من قولكم إن الله خلق الكفر في الكافرين ثم عذبهم عليه؟ فإذا قالوا: نعم. يقال لهم: فما أنكرتم أن يضطرهم إلى الكفر ثم يعذبهم عليه؟ فإن قالوا: لو اضطرهم إلى الكفر لم يكونوا مأمورين ولا منهيين لأنه لا يجوز أن يؤمروا ولا ينهوا بما اضطرهم إليه. قيل لهم: ولو كان الكفر قد خلق فيهم لم يكونوا مأمورين ولا منهيين لأنه لا يجوز أن يؤمروا وينهوا بما خلق الله فيهم، وكلما اعتلوا بعلة عورضوا بمثلها. وإن قالوا: إن الله اضطرهم إلى الكفر. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون [ قد ] 3 حملهم عليه وأجبرهم، [ عليه ] وأكرههم. فإن قالوا بذلك [ فقد ] 3 صاروا إلى قول جهم أنه لا فعل للعباد وإنما هم كالحجارة تقلب وإن لم تفعل شيئا كالأبواب تفتح وتغلق وإن لم تفعل شيئا، ولزمهم ما لزم جهما.

1) الزيادة من مط.
2) الزيادة من أ.
3) الزيادتان من أ..

[ 214 ]

فإن صاروا إلى قول جهم، قيل لهم: إذا جاز عندكم أن يعذب الله العباد على ما لم يكن منهم بل يعذبهم على ما اضطرهم إليه وحملهم [ عليه ] 1 فما أنكرتم أن يعذبهم على ألوانهم وصورهم وطولهم وقصرهم. فإن قالوا بذلك، قيل لهم: فلم لا يجوز أن يعذبهم من خلقهم وخلق السماوات والأرض. فإن قالوا بذلك سقطت مؤنتهم ولم يؤمنوا لعل الله سيعذب قوما على ما ذكرنا، وإن قالوا: لا يجوز أن يعذبهم على ما ذكرتم. قيل لهم: فما أنكرتم أن يجوز أن يعذبهم على ما اضطرهم إليه وأجبرهم عليه. ويقال لهم إن صاروا إلى قول جهم: إذا زعمتم أن لا فاعل إلا الله فما أنكرتم أن يكون لا قائل إلا الله؟ فإن قالوا بذلك: قيل لهم فما أنكرتم أن يكون هو القائل إني ثالث ثلاثة: وأن لي ولدا: وهو الكاذب بقول الكاذب، ولزمهم أن يكون 2 جميع أخباره كذبا، وإن قالوا لا يجب أن يكون لا قائل إلا الله لأن هذا يوجب أنه ظالم عابث إذ لم يفعل الظلم والعبث غيره. وإن امتنع القوم من أن يقولوا أنه اضطرهم 3 إلى الكفر. قيل لهم: فما أنكرتم أن لا يكون قد خلق فيهم الكفر كما لم يضطرهم إليه ويحملهم عليه. ويقال لهم: أليس الله تعالى خلق الكفر والايمان، وأمر بالايمان ونهى عن الكفر، وثاب على الإيمان وعاقب على الكفر؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم فقد أمر الله تعالى العباد أن يفعلوا خلقه ونهاهم وغضب من خلقه لأن الله تعالى غضب من الكفر [ وسخط ] 4 وهو خلقه. فإن قالوا بذلك قيل لهم: فلم

1) الزيادة من أ.
2) في مط: أن تكون.
3) في أ: أن اضطرهم.
4) الزيادة من أ.

[ 215 ]

لا يجوز أن يغضب من كل خلقه كما غضب من بعض (خلقه) 1، ولم لا يجوز أن يأمر وينهى العباد ويثيبهم ويعاقبهم على السواد والبياض والطول والقصر، كما أمرهم بخلقه ونهاهم عن خلقه وأثابهم وعاقبهم على خلقه. ويقال لهم: أليس الله تعالى [ قد ] 2 فعل الظلم وليس بظالم؟ فمن قولهم: نعم. يقال لهم: فما أنكرتم أن يخبر بالكذب ولا يكون كاذبا؟ فإن قالوا بذلك لم يؤمنوا أن جميع أخباره عن الغيب والحساب والجنة والنار كذب وإن لم يكن كاذبا، وإن قالوا: لا يجوز أن يخبر بالكذب إلا كاذب، قيل لهما: فما أنكرتم أن لا يفعل الظلم إلا ظالم. فإن قالوا: لا يجب أن يكون الله ظالما لانه إنما فعل ظلم العباد. قيل: فما أنكرتم أن لا يكون كاذبا لأنه إنما قال كذبا للعباد 3، ولم يجدوا مما سألناهم [ عنه ] 4 مخلصا. ويقال لهم: أليس الله تعالى قد فعل [ عندكم ] 4 شتم نفسه ولعن أنبيائه؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون شاتم لنفسه لا عنا لأنبيائه. فإن قالوا: إنه شاتم لنفسه لاعن لأنبيائه، فقد سقطت مؤنتهم وخرجوا عن دين أهل القبلة. وإن قالوا: إن الله لا يجوز أن يشتم نفسه ويلعن 5 أنبياءه، قيل لهم: فما أنكرتم أن لا يجوز أن يفعل شتم نفسه ولا لعن 6 أنبيائه. وكلما اعتلوا بعلة عورضوا بمثلها.

2) الزيادة من أ.
3) في أ: كذب العباد.
4) الزيادة من أ.
5) في مط: ولا يلعن.
6) في أ: ولا قتل..

[ 216 ]

فصل [ التنديد بالقائلين بخلق الأفعال ] 1 قد كان الأولى أن لا ندل على مثل هذه المسألة - أعني أن أفعال العباد فعلهم وخلقهم - لأن المنكر لذلك ينكر المحسوسات التي قد تبين صحتها، ولولا ما رجوته من زوال شبهة، ومن وضوح 2 حجة تحصل لقارئ كتاب هذا لما كان هذا الباب مما ينتشر فيه القول. ولا أعجب ممن ينفي فعله مع علمه بأنه يقع بحسب اختياره ودواعيه ومقاصده، نعوذ بالله من الجهل، فإنه إذا استولى وغمر طبق وعم، وقد قال الرسول الصادق صلى الله عليه وآله وسلم: حبك الشئ 3 يعمي ويصم. وقد قال الله سبحانه في قوم عرفوا ثم عاندوا 4: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) 5. فصل [ تنزيهه تعالى عن القضاء بغير الحق ] 6 فإن قال منهم قائل: ماذا نفيتم أن يكون الله فاعلا لأفعالكم، أفتقولون إنه

1) العنوان زيد من مط.
2) في مط: ومن وضح [ وضوح ].
3) في أ: للشئ.
4) في أ ثم: عاندوه.
5) سورة النمل: 14.
6) العنوان زيد من مط..

[ 217 ]

قضى أعمالكم؟ قيل له: إن الله تعالى قضى الطاعة إذ أمر بها ولم يقض الكفر والفجور والفسوق. فإن قال: فما الدليل على ما قلتم؟ قيل له: من الدليل على ذلك قول الخالق الصادق عز وجل: (والله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين) 1 فعلمنا أنه يقضي بالحق ولا يقضي بالباطل، لأنه لو جاز أن يتمدح بأنه يقضي بالحق وهو يقضي غير الحق ويقضي بالباطل لجاز أن يقول: والله يقول الحق وهو يقول غير الحق، فلما كان قوله والله يقول الحق دليلا على أنه لا يقول غير الحق كان قوله يقضي الحق دليلا على أنه لا يقضي غير الحق. ويدل على ذلك قوله تعالى: (والله يقضي الحق) 2، فعلمنا أنه يقضي بالحق ولا يقضي بالجور. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) 3، فعلمنا أنه لم يقض عبادة الأصنام والأوثان ولا عقوق الوالدين. ومما يبين ذلك أيضا أن الله أوجب علينا أن نرضى بقضائه ولا نسخطه، وأوجب علينا أن نسخط الكفر ولا نرضاه، فعلمنا أن الكفر ليس من قضاء ربنا. ومما يبين ذلك أن الله تعالى أوجب علينا أن ننكر المنكر وأن نمنع الظلم، فلو كان الظلم من قضاء ربنا كان أوجب علينا أن ننكر قضاءه وقدره، فلما لم يجز أن يوجب الله تعالى إنكار قضائه ولا رد قدره، علمنا أن الظلم ليس من قضائه ولا قدره. وأيضا قال الله تعالى في كتابه: (ويقتلون النبيين بغير الحق) 4 وقال:

1) اتفقت النسخ على هذا، والآية في سورة الأنعام 57 هكذا: (وأن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين).
2) سورة غافر: 20.
3) سورة الاسراء: 23.
4) سورة البقرة: 61..

[ 218 ]

(يقضي بالحق) 1 فعلمنا أن ما كان بغير الحق غير ما قضي بالحق، فلو كان قتل الأنبياء من قضاء الله كان حقا، وكان يجب علينا الرضا به، لأنه يجب علينا الرضا بقضاء الله، وقد أمر الله تعالى أن لا يرضى بغير الحق ولا يرضى بقتل الأنبياء. فعلمنا أن قتلهم ليس بقضاء ربنا ولا من فعل خالقنا. ومما يبين أن الله تعالى لم يقدر الكفر قوله تعالى في كتابه: (سبح اسم ربك الأعلى. الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى) 2 ولم يقل إنه قدر الضلال على خلقه، ولا قدر الشقاء على خلقه، لأنه لا يجوز أن يتمدح بأنه قدر الضلال 3 عن الحق، وكل ضلال عن الحق فمن تقديره، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. فصل [ معنى خلق الأشياء كلها ] 4 فإن قيل: فما معنى قول الله تعالى: (خالق كل شئ) 5 و (خلق كل شئ) 6؟ قيل له: إنما أراد به خلق السماوات والأرض والليل والنهار والجن والإنس وما أشبه ذلك (ولم يرد أنه خلق الكفر والظلم والكذب، إذ لم يجز أن يكون ظالما ولا كاذبا، عز وجل) 7 وقد بين الله لنا صنعه فقال: (صنع الله الذي أتقن

1) سورة غافر: 20.
2) سورة الأعلى: 1 - 3.
3) في أ: بأنه قدر الهدى وقدر الضلال.
4) الزيادة من مط.
5) سورة الأنعام: 102.
6) سورة الأنعام: 101.
7) الزيادة من أ..

[ 219 ]

كل شئ) 1 فلما لم يكن الكفر بمتقن ولا بمحكم ولا بحق ولا بعدل علمنا أنه ليس من صنعه، لأنه متفاوت متناقض، وقد قال تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) 2 فأخبر أن الاختلاف لا يكون من عنده، وقال تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) 3 والكفر متفاوت [ فاسد ] 4 متناقض، فثبت أنه ليس من خلقه و أنه عمل الكافرين. فإن قال: فلم زعمتم أن قوله (كل شئ) قد خرج منه بعض الأشياء؟ قيل له: قد قال الله تعالى: (إن زلزلة الساعة شئ عظيم) 5 ولم يخلقها، والايمان الذي أمر الله به فرعون والكافرين لم يخلقه، فثبت أن الأشياء (أطلق) 6 في بعض دون بعض، وقد قال الله تعالى: (وأوتيت من كل شئ) 7 ولم تؤت من ملك سلمان شيئا، وإنما أراد مما أوتيته [ هي ] 8 دون ما لم تؤته. وقال تعالى: (يجبى إليه ثمرات كل شئ) 9 وقد علمنا أنه لم تجب 10 إليه ثمرات الشرق والغرب، وإنما أراد مما يجبى [ إليه و ] 11 كذلك قوله تعالى:

1) سورة: النمل: 88.
2) سورة: النساء: 82.
3) سورة الملك: 3.
4) الزيادة من أ.
5) سورة الحج: 1.
6) الزيادة من أو فوقها (ظ).
7) سورة النمل: 23.
8) الزيادة من مط.
9) سورة القصص: 57.
10) في مط: لم يجب.
11) الزيادة من مط..

[ 220 ]

(خالق كل شئ) 1 مما خلقه تعالى. وقال تعالى: (فتحنا عليهم أبواب كل شئ) 2 وإنما أراد ما فتح عليهم. وقال تعالى: (تبيانا لكل شئ) 3 ولم يرد تبيان عدد النجوم وعدد الإنس والجن، وإنما أراد تبيان 4 كل شئ مما بالخلق إليه حاجة في دينهم. وقال تعالى: (تدمر كل شئ بأمر ربها) 5 ولم يرد أنها 6 تدمر هودا والذين معه، وإنما [ أراد ] 7 تدمر من أرسلت لتدميره. وقال: (أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ) 8 ولم ينطق الحجارة والحركة والسكون 9. وما أشبه ما ذكرناه كثير، كذلك أيضا قوله: (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شئ فقدره تقديرا) 10 أراد الأزواج والأولاد والأجسام، لأن هذا رد على النصارى ولم يرد الفجور والفسوق.

1) سورة الأنعام: 102.
2) سورة الأنعام: 44.
3) سورة النحل: 82.
4) في مط: بيان.
5) سورة الأحقاف: 25.
6) في مط: أنه.
7) الزيادة من مط.
8) سورة فصلت: 21.
9) في أ: والحركات والسكنات.
10) سورة الأنعام: 101..

[ 221 ]

وما ذكرناه في اللغة مشهور، قال لبيد بن ربيعة 1: ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وكل نعيم لا محالة زائل ولم يرد أن الحق باطل، ولا أن شعره هذا الذي قاله) 2 باطل، وقد قال كل شئ وإنما أراد بعض الأشياء، ويقول القائل 3 (دخلنا المشرق فاشترينا كل شئ ورأينا كل شئ حسن)، وإنما أراد كل شئ مما اشتروا، وكل شئ مما رأوا 4، وكذا (خالق كل شئ) مما خلقه لا مما فعله عباده، لأنه لا يجوز أن يفعل العباد خلق رب العالمين. ويقال لهم: إن كان يجب أن تكون أعمال العباد خلق الله لقول الله: (خالق كل شئ) 5، فيجب أن يكون كل خلقه حسنا لقوله: (الذي أحسن كل شئ خلقه) 6 فيجب أن يكون الشرك حسنا، وكذلك الظلم والكذب والفجور والفسوق، لأن ذلك عندهم خلق الله تعالى. فإن قالوا: إن قوله (الذي أحسن كل شئ خلقه) إنما أراد بعض الأشياء. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون قوله (خالق كل شئ) إنما وقع على كل شئ

1) لبيد بن ربيعة العامري الشاعر، قدم على النبي (ص) سنة وفد قدومه فأسلم وحسن إسلامه، وترك الشعر منذ إسلامه حتى موته، وعمر طويلا ومات وهو ابن مائة وأربعين سنة، وقيل إنه مات وهو ابن سبع وخمسين ومائة سنة، وكانت وفاته سنة 41 ه‍ على أشهر الأقوال (الاستيعاب: 3 / 1335) 2) الزيادة من أ.
3) في أ: ويقول قائل.
4) في مط: أرادوا.
5) سورة الأنعام: 102 6) سورة السجدة: 7.

[ 222 ]

خلقه دون ما لم يخلقه 1 مما يقدر عليه ويعلم أنه لا يفعله ومما يفعله عباده من الطاعة والمعصية. فإن قال قائل: فما معنى قول الله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) 2؟ قيل له: إنما خبر الله عن إبراهيم أنه حاج قومه فقال: [ لهم ] 3 (لم تعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما تعملون) يقول نحتم خشبا ثم عبدتموه، على وجه التوبيخ. ثم قال: (والله خلقكم وما تعملون) يقول خلقكم وخلق الخشب الذي عملتموه صنما، فسمى الصنم الذي عملوه عملا لهم 4 وإن كان الذي حل فيه من التصوير عملهم. ولما ذكرناه نظائر من القرآن واللغة: فأما القرآن فقوله تعالى: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات) 5 وإنما عملهم حل في هذه الأمور، فأما الحجارة فهي خلق الله لا فاعل لها غيره. ومن ذلك أيضا قوله: (واصنع الفلك بأعيننا) 6 فالخشب خلق الله والعباد نجروه وعملوه فلكا وسفنا. ومن ذلك أيضا قوله: (أن اعمل سابغات) 7 فالحديد خلق الله ولكن العباد عملوه دروعا، فعمل داود عليه السلام حل في الحديد والحديد خلق الله. وقال في الحية (تلقف ما صنعوا) 8 وإنما يريد أنها تلقف الحبال والعصي

1) في أ: ما خلق.
2) سورة الصافات: 96.
3) الزيادة من أ.
4) في مط: عملا له.
5) سورة سبأ: 13.
6) سورة هود 37.
7) سورة سبأ: 11.
8) سورة طه: 69..

[ 223 ]

التي فيها صنعهم، فكذلك قال: (لم تعبدون ما تنحتون. والله خلقكم وما تعملون) 1 خلق الخشب الذي يعملون منه صنما لا أن العباد 2 عملوا خلق الله [ و ] 3 لا أن الله خلق أعمالهم. وقد يقول القائل: فلان يعمل الطين لبنا، ويعمل الحديد أقفالا، ويعمل الخوص زبلا. كذلك أيضا عملوا الخشب أصناما، فجاز أن يقال: إنها عمل لهم، كما قيل: إنهم يعملون الخوص والطين والحديد. ثم إنا نرد هذا الكلام عليهم فنقول لهم: إذا زعمتم أن كفرهم خلقهم 4، وقال إبراهيم محتجا عليهم في قولهم إن الله خلق أعمالهم فلم ما قالوا: يا إبراهيم إن كان الله خلق فينا الكفر ولا يمكننا أن نرد ما خلق الله فينا ولو قدرنا لفعلنا، وأنت تأمرنا بأمر لا يكون خلق الله فينا، فإنما تأمرنا بأن لا يخلق الله خلقه حاشا الله 5، بل قالوا ذلك لتبين إبراهيم عليه السلام أن كفرهم غير خلق الله، ولو كان خلق الله ما عذبوا عليه ولا نهوا عنه، وقد قال الله تعالى: (لا تبديل لخلق الله) 6 فلو كان خلق الله ما بدل وما عذبوا إلا على كفرهم الذي هو غير خلق الله وأن خلق الله حكمة وصواب، والكفر سفه وخطأ، فثبت أن الحكمة غير السفه، والخطأ غير الصواب. ولو لا كراهة طول الكتاب وخوف ملال القارئ لأتينا على كل شئ مما

1) سورة الصافات: 96.
2) في مط: إلا أن.
3) الزيادة من أ.
4) في مط: خلق لهم.
5) في مط: بأن لا يخلق الله خلقا ما شاء الله.
6) سورة الروم: 30..

[ 224 ]

يسألون عنه من المتشابه في تصحيح مذهبهم. وفيما ذكرناه كفاية ودلالة على ما لم نذكره، على أنا قد أودعنا كتابنا (صفوة النظر) من ذلك ما فيه بلاغ. والحمد لله رب العالمين. فصل [ معنى الهدى في المؤمن والكافر ] 1 إن سأل سائل فقال: أتقولون إن الله هدى الكافر؟ قيل له: إن الهدى على وجهين: هدى هو دليل وبيان، فقد هدى الله بهذا الهدى كل مكلف بالغ الكافر منهم والمؤمن، وهدى هو الثواب والنجاة فلا يفعل الله هذا الهدى إلا بالمؤمنين المطيعين القائلين عن الله رسوله. فإن قال 2: فما الدليل على أن الهدى ما تقولون؟ قيل: الدليل على أن الهدى قد يكون بمعنى الدليل قوله تعالى في كتابه: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون) 3 فقد خبر الله تعالى أنه هدى ثمود الكفار فلم يهتدوا فأخذتهم الصاعقة بكفرهم. وقال الله تعالى: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن تتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) 4 يعني الدلالة والبيان. وقال تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) يعني الدلالة

1) العنوان من مط.
2) في مط: فإن قالوا.
3) سورة فصلت: 17.
4) سورة النجم: 23.
5) سورة الاسراء: 94..

[ 225 ]

والبيان. وقال: (إنا هديناه السبيل) 1 يعني دللناه على الطريق. وقال تعالى: (وقال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم قوما مجرمين) 2 فخبروا في الآخرة أن الهدى أتى من الله للكفار فلم يهتدوا، وإنما هدى الله هدى الدليل. وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) 3 يعني تدل وتبين، وما أشبه ما ذكرناه أكثر من أن نأتي عليه. وأما ما يدل على ذلك من اللغة: فإن كل من دل على شئ فقد هدى إليه، فلما كان الله تعالى قد دل الكفار على الإيمان ثبت أنه قد هداهم إلى الإيمان. فأما هدى الثواب الذي لا يفعله الله بالكافرين فمنه قوله تعالى: (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم) 4 وإنما يهديهم بعد القتل بأن ينجيهم ويثيبهم. وقال: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم جنات تجري من تحتهم الأنهار) 5 إنما يهديهم بإيمانهم بأن ينجيهم ويثيبهم. وقال: (يهدي الله من اتبع رضوانه سبل السلام) 6 وقال: (يهدي إليه من أناب) يعني من تاب.

1) سورة الانسان: 3.
2) سورة سبأ: 32.
3) سورة الشورى: 52.
4) سورة محمد: 4 - 5.
5) سورة يونس: 9.
6) سورة المائدة: 16.
7) سورة الرعد: 27..

[ 226 ]

فهذا الهدى وما أشبه لا يفعله الله إلا بالمؤمنين القائلين بالحق 1، فأما قرين الدليل فقد هدى الله الخلق أجمعين. وكلما سئلت عن آية من الهدى من الله تعالى فردها إلى هذين الأصلين، فإنه لا يخلو من أن يكون على ما ذكرناه، ولولا كراهة التطويل لسألنا أنفسنا عن آية آية مما يحتاج إلى البيان، وفي هذه الجملة دليل على ما نسأل عنه. فصل [ حقيقة الاضلال منه سبحانه ] 2 فإن قيل: أفتقولون أن الله تعالى أضل الكافرين؟ قيل له: نقول إن الله أضلهم - بأن عاقبهم وأهلكهم عقوبة لهم على كفرهم - ولم يضلهم عن الحق ولا أضلهم بأن أفسدهم، جل وعز عن ذلك. فإن قالوا: لم زعمتم أن الضلال قد يكون عقابا؟ قيل لهم: قد قال الله تعالى: (إن المجرمين في ضلال وسعر) 3 يعني في هلاك، وسعر يعني سعر النار فيهم، إذ ليس في ضلال هو كفر أو فسق، لأن التكليف زائل في الآخرة، وقد بين الله تعالى من يضل فقال: (ويضل الله الظالمين) 4 وقال: (يضل الله الكافرين) 5 وقال: (وما يضل به إلا الفاسقين) 6 وقال: (كذلك يضل الله من

1) في: القائلين للحق.
2) العنوان من مط.
3) سورة القمر: 47.
4) سورة إبراهيم: 27.
5) سورة غافر: 74.
6) سورة البقرة: 26..

[ 227 ]

هو مسرف مرتاب) 1. ثم أوضح الأمر وخبر أنه لا يضل إلا بعد إقامة الحجة، فقال: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) 2 فأخبر أنه لا يضل أحدا حتى يقيم الحجة عليه، فإذا ضل عن الحق بعد البيان والهدى والدلالة أضله الله حينئذ، بأن أهلكه وعاقبه. وأما الاضلال الذي ننفيه عن ربنا تعالى فهو ما أضافه الله إلى غيره فقال: (وأضلهم السامري) 3 يقول: أضلهم بأن دعاهم إلى عبادة العجل. وقال: (وأضل فرعون قومه وما هدى) 4 يريد أضلهم بأن قال: (أنا ربكم الأعلى) وأمرهم بالكفر ودعى إليه، والله لا يأمر بعبادة غيره ولا يفسد عباده. وقال: (فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين) 5. وقال: (ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون) 6 يريد أنه أفسد وغر وخدع، والله لا يغر 7 العباد ولا يظهر في الأرض الفساد. وقال يخبر عن أهل النار: إنهم يقولون (ما أضلنا إلا المجرمون) 8 يريد ما أفسدنا ولا غيرنا ولا بين الكفر والمعاصي إلا المجرمون، ولم يقولوا ما أضلنا

1) سورة غافر: 34.
2) سورة التوبة: 115.
3) سورة طه: 85.
4) سورة طه: 79.
5) سورة القصص: 15.
6) سورة يس: 62.
7) في مط: لا يضر.
8) سورة الشعراء: 99..

[ 228 ]

إلا رب العالمين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا! وكل أضلال اضل الله به العباد فإنما هو عقوبة 1 لهم على كفرهم وفسقهم. وأما من خالفنا زعموا أن الله تعالى يبتدئ كثيرا من عباده بالاضلال عن الحق ابتداءا من غير عمل، وأن قولهم إن عبدا مجتهدا في طاعة الله قد عبده مائة عام ثم لا يأمنه أن يضله عما هو عليه من طاعة 2 فيخلق فيه من الكفر، ويزين عنده الباطل، وأن يعبد غيره مائة عام ويكفر به ثم لا يأمن أن يخلق في قلبه الإيمان فينقله عما هو عليه، فليس يثق 3 وليه بولايته، ولا يرهب عدوه من عداوته. فصل [ عود على بدء في معنى الهدى ] 4 فإن سأل سائل فقال: ما معنى قوله: (إنك لا تهدي من أحببت) 5. قيل له: معنى ذلك أنك لا تنجي من العذاب من أحببت... 6 لأن النبي صلى الله عليه وآله كان حريصا على نجاة أقاربه بل كل من دعاه. فإن قيل: فلم زعمتم أن هذا [ هو ] 7 تأويل الآية؟ قيل له: لما كان الله قد هداهم - بأن دلهم على الإيمان - علمنا أنه لم يهدهم بهدى الثواب، وقد بين

1) في أ: عقوبة لهم.
2) في أ: من طاعته.
3) في أ: فليس يبقى.
4) العنوان من مط.
5) سورة القصص: 56.
6) هنا في أجاءت كلمة (ولا) ثم فراغ بمقدار كلمات.
7) الزيادة من أ...

[ 229 ]

الله تعالى أن الهدى بمعنى الدليل قد هداهم به، فقال (إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) 1 يعني الدلالة والبيان. فإن قيل: فما معنى قوله (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء)؟ 2 قيل له: إنما أراد به ليس عليك نجاتهم، ما عليك إلا البلاغ ولكن الله ينجي من يشاء. فإن قيل: فلم قلتم هذا؟ قيل له 3: لما أخبر الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد هدى الكافر فقال: (إنك لتهدي إلى صراط مستقيم) 4 وإنما يريد إنك تدل، فلما كان قد دل المؤمن والكافر كان قد هدى الكافر والمؤمن، فعلمنا أنه أراد بهذه الآية هدى الثواب والنجاة، فقس على ما ذكرناه جميع ما يسأل عنه من أمثال هذه الآية. (باب) [ الكلام في الارادة وحقيقتها ] فإن سأل سائل فقال: أتقولون إن الله تعالى أراد الإيمان من جميع الخلق المأمورين والمنهيين أو أراد ذلك من بعضهم دون بعض؟ قيل له: بل أراد ذلك من جميع الخلق إرادة بلوى واختبار، ولم يرد إرادة إجبار واضطرار، وقد قال الله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط) 5 وقال: (كونوا قردة خاسئين) 6 فأراد

1) سورة النجم: 23.
2) سورة البقرة: 272.
3) في مط: قيل لهم.
4) سورة الشورى: 52.
5) سورة النساء: 135.
6) سورة البقرة: 65..

[ 230 ]

أن يجعلهم هو قردة، إرادة إجبار واضطرار فكانوا كلهم كذلك، وأراد أن يقوموا بالقسط إرادة بلوى واختيار، فلو أراد أن يكونوا قوامين بالقسط 1 كما أراد أن يكونوا قردة خاسئين، لكانوا كلهم قوامين شاؤا أو أبوا، ولكن لو فعل ذلك ما استحقوا حمدا لا أجرا. ومما يدل من القرآن على أن الله أراد بخلقه الخير والصلاح ولم يرد بهم الكفر والضلال قوله سبحانه: (يريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) 2 فأخبر أن ما أراد غير ما أرادوا. وقال: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم) 3 فأخبر أن إرادته في خلقه الهداية والتوبة والبيان ثم قال: (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيم) 4 فأخبر أن ما أراد الله منهم [ غير ما أراد ] 5 غيره من الميل العظيم. وقال: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره) 6 فأخبر أنه إنما يأبى ما أراده العباد من إطفاء نوره. وقال: (وما الله يريد ظلما للعباد) 7 وقال (وما الله يريد ظلما للعالمين) 8 فأخبر أنه تعالى لا يريد الظلم بوجه من الوجوه، كما أنه لما قال: (ولا يرضى

1) في مط: أن يقوموا بالقسط.
2) سورة الأنفال: 67.
3) سورة النساء: 26.
4) سورة النساء 27.
5) الزيادة من أ.
6) سورة التوبة: 32.
7) سورة غافر: 31.
8) سورة آل عمران: 108..

[ 231 ]

لعباده الكفر) 1 لم يجز أن يرضى [ به ] 2 بوجه من الوجوه. وكذلك لما قال: (إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون) 3 لم يجز أن يأمر بالفحشاء بوجه من الوجوه، ولو جاز أن يريد الظلم وهو يقول (وما الله يريد ظلما للعالمين) لجاز أن يرضى بالكفر ويحب الفساد ويأمر بالفحشاء، مع هذه الآيات، فلما لم يجز ذلك لم يجز أن يريد الظلم. ومما يدل على أن الله تعالى لم يرد الكفر والفجور: إنا وجدنا المريد لشتم نفسه سفيها 4 غير حكيم، فلما كان الله أحكم الحاكمين علمنا أنه لا يريد شتمه ولا سوء الثناء عليه. وأيضا فإن الكفار إذا فعلوا ما أراد من الكفر كانوا محسنين، لأن من فعل ما أراد الله تعالى فقد أحسن، فلما 5 لم يجز أن يكون [ الكافر ] 6 محسنا في شتمه الله ومعصيته له علمنا أنه لم يفعل ما أراد الله. وأيضا فإنه لو جاز أن يريد الكفر به ويكون بذلك ممدوحا لجاز أن يحب الكفر ويرضى به، ويكون بذلك حكيما ممدوحا، فلما لم يجز أن يرضى بالكفر ولا يحبه لم يجز أن يريده. وأيضا فإن من أمر العباد بما لا يريده فهو جاهل، فلما كان ربنا أحكم الحاكمين علمنا أنه لم يأمر بشئ لا يريده، لأن من أمر بمدحه ولم يرد أن يفعله ونهى عن شتمه وأراد أن يفعل فهو جاهل ناقص، فلما كان الله أحكم الحاكمين

1) سورة الزمر: 7.
2) الزيادة من مط.
3) سورة الأعراف: 28.
4) في مط: لشتمه نفسه سفيه.
5) في مط: ظلما لم.
6) الزيادة من أ..

[ 232 ]

علمنا أنه لا يريد أن يشتم ولا يثني عليه بسوء الثناء. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. فصل [ في ] 1 شبهة لهم [ في الارادة ] 2 قالوا: لو أراد الله سبحانه من زيد الإيمان فوقع خلافه - وهو مراد الشيطان والعبد - لكانا قد عجزا الله ووجب أن يكونا أقدر منه. والجواب عن ذلك: أنه يقال لهم: لم قلتم ذلك؟ فإن قالوا: لأنا نعلم إن جند السلطان لو فعلوا ما لا يريده لدل على عجزه وعدم قدرته 3. قيل لهم: إنما صح ذلك لأن السلطان لم يكن ممن يصح منه التكليف أو ممن له قدرة على الانتصاف منهم في أي وقت أراد ولا يخاف الفوت، ولم يكن أيضا ممن يعلم مقدار الحسنة والجزاء عليها والسيئة والأخذ بها. وأيضا فإن السلطان يتألم إذا لم يقع مراده ويسر بوقوعه، وكل هذه الأوصاف منتفية عن القديم تعالى، ففرق 4 بين الأمرين، ولم يكن للقياس الذي اعتمدوا عليه معنى في هذا الموضع، وإنما يجب أن يجمع بين المتساويين بعلة والأمر هاهنا بخلاف ذلك. ثم يقال لهم: إنما كان 5 يجب أن يكون عاجزا لو أراد منهم الطاعة إرادة

1) الزيادة من مط.
2) الزيادة منا.
3) في أ: وقلة قدرته.
4) في أ: فافترق.
5) في أ: إن كان..

[ 233 ]

اضطرار وإجبار ثم لم تقع، فأما إذا أراد 1 إرادة البلوى والاختبار فهذا ما لا يغبى إلا على المسكين، وإذا كان ذلك كله فلا يكون منا التعجيز لله تعالى، إذ فعل العباد ما لا يريده من الكفر ولم يفعلوا ما أراده من الإيمان، لأنه لم يرد أن يحملهم عليه حملا ويلجئهم إليه الجاء، فيكون منهم على غير سبيل التطوع. وقد بين الله [ ذلك ] 2 في كتابه فقال: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) 3 فأخبر أنه لو شاء لأحدث آية يخضع عندها الخلق، ولكنه لو فعل ذلك ما استحقوا حمدا ولا جزاء 4 ولا كرامة ولا مدحا، لأن الملجأ لا يستحق حمدا ولا جزاء، وإنما 5 يستحق ذلك المختار المستطيع وقد بين الله ذلك فقال: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين) 6 وقال الله عز وجل: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) 7 فأخبر أنه لا ينفع الإيمان إذا كان العذاب 8 والالجاء. وقال تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) 9 فأخبر أنه لا ينفع الإيمان في حال الالجاء.

1) في أ: وقد أراد.
2) الزيادة من أ.
3) سورة الشعراء: 4.
4) في أ: ولا حمدا وجزاء.
5) في أ: لأنه إنما.
6) سورة غافر: 84.
7) سورة غافر 85.
8) في مط: إذ كان.
9) سورة الأنعام: 158..

[ 234 ]

وقال عز وجل: (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) 1. وقال الله تعالى: (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) 2 فأخبر أنه لا ينفعه الإيمان في وقت الالجاء والاكراه. وقال عز وجل: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما. وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار) 3 فأخبر أنه لا تنفع التوبة في حال المعاينة، وما أشبه ما ذكرناه كثير. ثم يقال لهم: فإذا كان العبد بفعله ما لم يرد الله قد أعجزه فيجب أن يكون بفعله ما يريده قد أقدره، ومن انتهى قوله إلى هذا الحد فقد استغني عن جداله وربحت مؤنته. فصل [ الإيمان وحقيقة المشيئة ] 4 فإن سألوا عن معنى قوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) 5. قيل لهم: معنى ذلك لو شاء ربك لألجأهم إلى الإيمان، لكنه لو فعل ذلك

1) سورة يونس: 90.
2) سورة يونس: 91.
3) سورة النساء: 17 - 18.
4) الزيادة من مط.
5) سورة يونس: 99..

[ 235 ]

لزال التكليف، فلم يشأ ذلك بل شاء أن يطيعوا على وجه التطوع والايثار لا على وجه الاجبار والاضطرار، وقد بين الله ذلك فقال: (أفأنت تكره الناس) يريد إني أنا أقدر على الاكراه منك ولكنه (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) 1 وكذلك الجواب في قوله (ولو شاء ربك ما فعلوه) 2، (ولو شاء لهداهم أجمعين) 3 وقوله: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) 4 ولو شاء لحال بينهم وبين ذلك. ولو فعل ذلك لزال التكليف عن العباد، لأنه لا يكون الأمر والنهي إلا مع الاختيار لامع الالجاء 5 والاضطرار. وقد بين الله [ ذلك ] 6 بما ذكرنا من قوله (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) 7 فأخبر أنه لو شاء لأكرههم على الإيمان. وقد بين ذلك ما ذكرناه من قصة فرعون وغيره أنه لم ينفعهم الإيمان في وقت الاكراه. وقد بين الله في كتابه العزيز أنه لم يشأ الشرك، وكذب الذين أضافوا إليه ذلك، فقال تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ) 8 فأخبروا أنهم 9 إنما أشركوا بمشيئة الله تعالى فلذلك كذبهم:

1) سورة البقرة: 256.
2) سورة الأنعام: 112.
3) سورة النحل: 9.
4) سورة البقرة: 253.
5) في أ: لامع الاجبار.
6) الزيادة من أ.
7) سورة الشعراء: 4. 8) سورة الأنعام: 148.
9) في مط: أنه..

[ 236 ]

ولو كانوا أرادوا أنه لو شاء الله لحال بيننا وبين الإيمان لما كذبهم الله، قال الله تكذيبا لهم: (وكذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا - يعني عذابنا - قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا - يعني هل عندكم من علم أن الله يشاء الشرك ثم قال - إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) 1 [ يعني تكذبون ] 2 كقوله (قتل الخراصون) 3. وقال عز وجل: (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) 4 يعني يكذبون. وقال عز وجل: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) 5 خبر أن الرسل قد دعت إلى الإيمان، فلو كان الله تعالى شاء الشرك لكانت الرسل قد دعت خلاف ما شاء الله، فعلمنا أن الله لم يشأ الشرك. فإن قال بعض الأغبياء: فهل يشاء العبد شيئا أو هل تكون للعبد إرادة؟ قيل له: نعم قد شاء ما أمكنه الله من مشيئته ويريد ما أمره الله بإرادته، فالقوة على الارادة فعل الله والارادة فعل العبد. والدليل على ذلك قول الله تعالى: (قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها) 6.

1) سورة الأنعام: 148.
2) الزيادة من أ.
3) سورة الذاريات: 10.
4) سورة الزخرف: 30.
5) سورة النحل: 35.
6) سورة الكهف: 19..

[ 237 ]

وقال تعالى: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) 1 وقال: (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) 2 وقال: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) 3. وقال: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوء منها حيث يشاء) 4. وقال: (فكلا من حيث شئتما) 5. وقال: (فأتوا حرثكم أنى شئتم) 6. وقال: (لو شئت لاتخذت عليه أجرا) 7. وقال فيما بين أن العبد قد يريد ما يكره الله من إرادته فقال: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) 8. وقال: (ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما) 9. وقال: (ولو أرادوا الخروج لا عدوا له عدة) 10 فأخبر أنهم لو أرادوا لفعلوا كما فعل من أراد الخروج. وقال: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) 11.

1) سورة المزمل: 19.
2) سورة النبأ: 39.
3) سورة الاحزاب: 51.
4) سورة يوسف: 65.
5) سورة الأعراف: 19.
6) سورة البقرة: 228.
7) سورة الكهف: 77.
8) سورة الأنفال: 67.
9) سورة النساء: 27.
10) سورة التوبة: 46. 11) سورة الفتح: 15..

[ 238 ]

وقال: (يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) 1. وقال: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء) 2. وما أشبه ما ذكرنا أكثر من أن نأتي عليه في هذا الموضع. فإن قال: فما معنى قوله: (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله). قيل له: إن الله ذكر هذا المعنى في موضعين، وقد بينهما ودل عليهما بأوضح دليل وأشفى برهان على أنها مشيئته في الطاعة، فقال: (لمن شاء منكم أن يستقيم. وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين) 3 فهو عز وجل شاء الاستقامة ولم يشأ الاعوجاج ولا الفكر، وقال في موضع آخر (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا. وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) 4 فالله قد شاء اتخاذ السبيل ولم يشأ العباد ذلك إلا وقد شاء الله لهم، فأما الصد عن السبيل وصرف العباد عن الطاعة فلم يشأ عز وجل. ويقال لهم: أليس المريد لشتمه غير حكيم؟ فمن قولهم: نعم. قيل لهم: أو ليس المخبر بالكذب كاذبا؟ فمن قولهم: نعم. قيل لهم: وقد زعمتم أن الله يريد شتمه ويكون حكيما فلا بد من الاقرار بذلك أو يتركوا قولهم. ويقال لهم: فما أنكرتم أن يخبر بالكذب ولا يكون كاذبا؟ فإن منعوا من ذلك قيل لهم: ولا يجب أن يكون حكيما بإرادة السفه وإرادة شتم نفسه، ولا يجدون إلى الفصل سبيلا. فإن أجازوا على الله أن يخبر بالكذب لم يأمنوا بعد إخباره عن البعث والنشور والجنة والنار أنها كلها كذب ويكون بذلك صادقا، ولا يجدون من الخروج عن هذا الكلام سبيلا.

1) سورة النساء: 60.
2) سورة المائدة: 91.
3) سورة التكوير: 29.
4) سورة الانسان: 30..

[ 239 ]

ويقال لهم: فما تريدون أنتم من الكفار؟ فإن قالوا: نريد من الكفار الكفر، فقد أقروا على أنفسهم بأن يريدوا أن يكفر بالله ويجب عليهم أن يجيزوا ذلك على النبي صلى الله عليه وآله بأن يكون مريدا للكفر 1 بالله تعالى، وهذا غاية سوء الثناء عليه. وإن قالوا: إن الذي نريده من الكفار الإيمان. قيل لهم: فأيما أفضل ما أردتم من الإيمان أو ما أراد الله من الكفر؟ فإن قالوا: ما أراد الله خير مما أردنا من الإيمان، فقد زعموا أن الكفر خير من الإيمان. وإن قالوا: إن ما أردنا من الإيمان خير مما أراده الله من الكفر، فقد زعموا أنهم أولى بالخير والفضل من الله، وكفاهم بذلك خزيا. فيقال لهم: فما يجب على العباد يجب عليهم أن يفعلوا ما تريدون أنتم أو ما يريد الله؟ فإن قالوا: ما يريد الله، فقد زعموا أن على أكثر العباد أن يكفروا، إذ كان الله يريد لهم الكفر. وإن قالوا: إنه يجب على العباد أن يفعلوا ما نريد من الإيمان ولا يفعلوا ما يريد الله من الكفر، فقد زعموا أن اتباع ما أرادوا هم أوجب على الخلق من اتباع ما أراد الله، وكفاهم بهذا قبحا. ولولا كراهة طول الكتاب لسألناهم في قولهم إن الله تعالى أراد المعاصي عن مسائل كثيرة يتبين فيها فساد قولهم، وفيما ذكرناه كفاية، والحمد لله رب العالمين. فصل [ الأخبار المسددة لمذهب العدلية ] 2 ومما جاء من الحديث 3 ما يصحح مذهبنا في القضاء والمشيئة وغير ذلك

1) في مط: مريد الكفر.
2) الزيادة من مط. 3) في أ: في الحديث..

[ 240 ]

مما ذكرنا، فمن ذلك ما روي 1 عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يرضى بقدر الله تعالى). وهذا مصحح لقولنا، لأنا بقدر الله راضون وبالكفر غير راضين. وروي عن عبد الله بن شداد 2 عنه صلى الله عليه وآله أنه كان يقول في دعائه: (اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت) والنبي صلى الله عليه وآله لا يجوز أن يرضى بالكفر ولا بالظلم. وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (سيكون في آخر هذه الأمة قوم يعملون بالمعاصي حتى يقولون هي من الله قضاء وقدر، فإذا لقيتموهم فأعلموهم أني منهم برئ.) وروي عنه أنه قال له رجل: بأبي أنت وأمي متى يرحم الله عباده ومتى يعذب الله عباده؟ فقال صلى الله عليه وآله: (يرحم الله عباده إذا عملوا بالمعاصي فقالوا [ هي منا، ويعذب الله عباده إذا عملوا بالمعاصي فقالوا ] 3 هي من الله قضاء وقدر). وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه أتي بسارق فقال: (ما حملك على هذا؟ فقال 4 قضى الله وقدره، فضربه عمر ثلاثين سوطا ثم قطع يده فقال: قطعت يدك بسرقتك وضربتك بكذبك على الله تعالى). وهذا خبر قد روته جميع

1) في مط: من ذلك ما ذكرناه.
2) عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي عربي كوفي من خواص أمير المؤمنين عليه السلام وكان من كبار التابعين وثقاتهم، وقال لما منع بنو أمية عن التحدث بفضائل علي عليه السلام: وددت أن أترك فأحدث بفضائل على ابن أبي طالب عليه السلام وأن عنقي ضرب بالسيف، قتل سنة 82 ه‍ (منتهى المقال: 186).
3) الزيادة من أ.
4) في مط: قضاء الله..

[ 241 ]

الحشوية ومعظم رواة العامة، ونقله أحمد بن حنبل 1 وغيره من الرواة. وروي عن الأصبغ بن نباتة 2 قال: لما رجع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من صفين قام إليه شيخ فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء وقدر؟ فقال عليه السلام [ له ] 3: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطأنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء وقدر. فقال [ له ] 3 الشيخ: عند الله أحتسب عنائي، والله ما إن أرى لي من الأجر شيئا. فقال عليه السلام [ له ] 4: بلى أيها الشيخ لقد عظم الله أجركم بمسيركم 4 وأنتم سائرون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين، ولا إليها مضطرين. فقال: وكيف لم نكن مضطرين والقضاء والقدر ساقانا وعنهما كان مسيرنا ومنصرفنا؟ فقال عليه السلام [ له ] 5: ويحك لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما، لو كان ذلك كذلك لبطل 6 الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد والأمر من الله والنهي، ولم تكن [ تأتي ] 7 لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسئ ولا المسئ أولى

1) أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الوائلي، إمام المذهب الحنبلي وصاحب المسند المشهور، ولد ببغداد سنة 164 ه‍ وتوفي سنة 241 ه‍ (الأعلام للزركلي: 1 / 192).
2) كان الأصبغ من خاصة أمير المؤمنين عليه السلام، وعمر بعده، وروى عهد مالك الأشتر الذي عهده إليه أمير المؤمنين عليه السلام لما ولاه مصر، وروى وصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه محمد بن الحنفية (فهرست الطوسي: 37).
3) الزيادات من أ.
4) في أ: بمصيركم. 5) الزيادة من أ.
6) في أ: بطل.
7) الزيادة من أ..

[ 242 ]

بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وجند الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهود الزور والبهتان، وأهل العمى عن الصواب، وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها إن الله أمر تخييرا، ونهي تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، وأعطى على القليل كثيرا، ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يرسل الرسل لعبا، ولم ينزل الكتب للعباد عبثا، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا) ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) 1. فقال الشيخ: فما القضاء والقدر اللذان ما سرنا 2 إلا بهما؟ فقال عليه السلام: ذلك الأمر من الله والحكم، ثم تلا هذه الآية (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) 3 فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول: أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم النشور من الرحمن رضوانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربك بالاحسان إحسانا وروي عن جابر 4 عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (يكون في آخر الزمان قوم يعملون بالمعاصي ثم يقولون: الله قدرها علينا، الراد عليهم يومئذ كالشاهر سيفه في سبيل الله). وروي أن رجلا جاء إلى الحسن البصري 5 فقال: يا أبا سعيد إني طلقت امرأتي ثلاثا فهل لي من مخرج؟ فقال: ويحك ما حملك على ذلك. قال: القضاء.

1) سورة ص: 21.
2) في أ: ما صرنا.
3) سورة الاسراء: 23.
4) جابر بن عبد الله بن عمر بن حزام الأنصاري، شهد بدرا وثمانية عشر غزوة مع النبي (ص) ومات سنة ثمان وسبعين (رجال الطوسي: 12).
5) ترجم له سابقا..

[ 243 ]

فقال (له) 1 الحسن: كذبت على ربك وبانت منك امرأتك. وروي أن الحسن البصري مر على فضيل بن برجا ن وهو مصلوب فقال: ما حملك على السرقة؟ قال: قضاء الله وقدره. قال: كذبت يا لكع أيقضي عليك أن تسرق ثم يقضي عليك أن تصلب؟ وروي أن ابن سيرين 2 سمع رجلا وهو يسأل عن رجل آخر فقال: ما فعل فلان؟ فقال: هو كما شاء الله. فقال ابن سيرين: لا تقل كما شاء الله ولكن قل (هو) 3 كما يعلم الله، ولو كان كما شاء الله كان رجلا صالحا. وما أشبه هذا أكثر من أن يحصى، ولو لم يكن ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله من الآثار ما نعلم به بطلان مذهب القدرية والجبرية 4 إلا الخبر المشهور الذي تلقته الأمة بالقبول، وهو ما رواه شداد بن أوس 5 قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من قال حين يصبح أو حين يمسي: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأقر لك بالنعمة وأقر على نفسي بالذنب، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

1) الزيادة من أ.
2) أبو بكر محمد بن سيرين البصري، كان له يد طولى في تأويل الرؤيا، وكان أبوه عبدا لأنس بن مالك، وكان بينه وبين الحسن البصري من المنافرة ما هو مشهور، توفي سنة 110 ه‍ (الكنى والألقاب: 1 / 308). 3) الزيادة من أ.
4) في أ: والمجبرة.
5) أبو يعلى شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري الخزرجي ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر المشهور، روى عنه أهل الشام وكان كثير العبادة والورع، توفي سنة 41 وقيل سنة 58 وقيل سنة 64 (أسد الغابة: 2 / 387)..

[ 244 ]

وقال ابن سيرين لرجل له مملوك: لا تكلفه ما لا يستطيع، فإن كرهته فبعه. وقال صلى الله عليه وآله: (إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم). وروي أنه صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام حين أخدمها غلاما: (لا تكلفيه ما لا يطيق). وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (استغفروا 1 عن الشر ك ما استطعتم)، وهذه الأخبار مما يستدل بها على بطلان قولهم 2 في الاستطاعة وتصحيح قولنا إن الانسان مستطيع، وأن الله لا يكلف عباده ما لا يطيقون، وإنما أوردناها لتكون رسالتنا هذه غير محتاجة إلى غيرها في هذا المعنى. ومن ذلك أيضا ما روي عن بنت رقيقة 3 قالت: بايعت رسول الله (ص) في نسوة فأخذ علينا ما في آية السرقة والزنا أن لا يسرقن ولا يزنين - الخ، ثم قال: فيما استطعتن وأطقتن. قالت: قلنا الله ورسوله ارحم بنا من أنفسنا. وذكر قتادة 4 قال: بايع رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه على السمع والطاعة فيما استطاعوا. وهذا يدل كل منصف على أن رسول الله وأتباعه لم يلزموا العباد الطاعة إلا فيما استطاعوا، وكيف يجوز على ارحم الراحمين وأحكم الحاكمين أن يكلف عباده ما لا يطيقون، وأن يلزمهم 5 ما لا يجدون. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أول ما تبين من ابن آدم

1) في أ: فاستغفروا.
2) في مط: مذهبهم (قولهم).
3) كذا في أ، وفي مط (بنت رفيعة) وهو وهم، وهي أميمة بنت رقيقة واسم أبيها عبد بن بجار بن عمير، كانت من المبايعات (أسد الغابة: 5 / 403).
4) ترجم له سابقا.
5) في مط: وأنه يلزمهم..

[ 245 ]

بطنه، فمن استطاع أن لا يدخل بطنه إلا طيبا فليفعل). [ وقال صلى الله عليه وآله: (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل) فلم يوجب عليه السلام على أحد شيئا إلا بعد الاستطاعة ] 1. وقال صلى الله عليه وآله: من استطاع منكم أن يقي وجهه حر النار ولو بشق تمرة فليفعل. فلم يرغبهم إلا فيما يستطيعون. وروي عن ابن عباس 2 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أنبئكم بأعز الناس؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الذي يعفو إذا قدر. فبين أنه إنما يكون العفو إذا قدر العبد وإذا لم يقدر فلا يكون العفو وقد قال الله تعالى: (فاعفوا واصفحوا) 3 وقال: (فاعف عنهم واصفح) 4 وقال: (خذ العفو وأمر بالعرف) 5 فعلمنا أنه كان يقدر على أن يعاقب، فأمره الله لذلك بالعفو، ولا يجوز أن يعفو عما لا يقدر له على مضرة ولا على منفعة. وروي عنه أنه قال: (من كظم غيظا وهو قادر على إمضائه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى). وروي [ عن ] 6 ابن عباس في قوله (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم

1) الزيادة من أ.
2) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، حاله في الجلالة والاخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من يخفى، دعا له النبي (ص) بالفقه والتأويل، وكان حبر هذه الأمة وترجمان القرآن، وكان عمر يقربه ويشاوره مع جملة الصحابة، ولد بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي بالطائف سنة 68 هج‍ (الكنى والألقاب: 1 / 335).
3) سورة البقرة: 109.
4) سورة المائدة: 13.
5) سورة الأعراف: 199.
6) الزيادة من أ..

[ 246 ]

سالمون) 1 قال: وهم مستطيعون في دار الدنيا. وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (يسروا ولا تعسروا واسكنوا ولا تنفروا، خير دينكم اليسر، وبذلك آتاكم كتاب الله، قال الله (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) 2 (ويريد الله أن يخفف عنكم) 3 واعلموا رحمكم الله أنه لو كان كلف خلقه 4 ما لا يستطيعون 5 كان غير مريد بهم اليسر، وغير مريد للتخفيف عنهم، لأنه لا يكون اليسر والتخفيف في تكليف ما لا يطاق). وروي عن سعيد بن عامر بن حذيم 6 لما استعمله عمر بن الخطاب على بعض كور الشام خرج معه يوصيه، فلما انتهى إلى المكان قال له سعيد: وأنت فاتق الله وخف الله في الناس، ولا تخف الناس في الله، وأحب لقريب المسلمين وبعيدهم ما تحبه 7 لنفسك وأهل بيتك، وأقم وجهك تعبد الله، ولا تقض بقضائين 8 مختلف عليك أمرك 9، وتنزع إلى غير الحق، وخض الغمرات إلى الحق، ولا تخف في الله لومة لائم. فأخذ عمر بيده فأقعده ثم قال: ويحك من يطيق هذا؟

1) سورة القلم: 43.
2) سورة البقرة: 185.
3) سورة النساء: 28.
4) في مط: خلقه [ عبادة خ ].
5) في أ: ما لا يطيقون.
6) كذا في مط، وفي أ (بن حذلم)، يقال إن سعيد هذا أسلم قبل فتح خيبر وشهد المشاهد بعدها، وكان خيرا فاضلا، وولاه عمر بعض أجناد الشام، واختلف في سنة وفاته: فقيل سنة 19، وقيل سنة 20 وقيل سنة 21 (الاصابة 2 / 624).
7) في مط: ما تحب.
8) في مط: بقضاء بين.
9) في مط: أمره..

[ 247 ]

فانظر كيف وصاه وأمره بأن يفعل الخير ويجتهد في تحصيله، وما أشبه هذا من الحديث أكثر من أن يحصى، والحمد لله والصلاة على آل الله 1.

1) في أ: تمت الرسالة والحمد لله رب العالمين..

[ 249 ]

(23) الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة

[ 251 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال رضي الله عنه: مما يدل أيضا على تقديمهم عليهم السلام وتعظيمهم على البشر أن الله تعالى دلنا على أن المعرفة بهم كالمعرفة به تعالى في أنها إيمان وإسلام، وأن الجهل والشك فيهم كالجهل به والشك فيه في أنه كفر وخروج من الإيمان، وهذه منزلة ليس لأحد من البشر إلا لنبينا صلى الله عليه وآله وبعده لأمير المؤمنين عليه السلام والأئمة من ولده على جماعتهم السلام. لأن المعرفة بنبوة الأنبياء المتقدمين من آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام، أجمعين غير واجبة علينا ولا تعلق لها بشئ من تكاليفنا، ولو لا أن القرآن ورد بنبوة من سمي فيه من الأنبياء المتقدمين فعرفناهم تصديقا للقرآن وإلا فلا وجه لوجوب معرفتهم علينا ولا تعلق لها بشئ من أحوال تكليفنا 1، وبقي علينا أن ندل على أن الأمر على ما ادعيناه.

1) في المصدر: تكاليفنا..

[ 252 ]

والذي يدل على أن المعرفة بإمامة من ذكرناه عليهم السلام من جملة الإيمان وأن الاخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان، إجماع الشيعة الإمامية على ذلك، فإنهم لا يختلفون فيه، وإجماعهم حجة بدلالة أن قول الحجة المعصوم الذي قد دلت العقول على وجوده في كل زمان في جملتهم وفي زمرتهم، وقد دللنا على هذه الطريقة في مواضع كثيرة من كتبنا واستوفيناها في جواب التبانيات خاصة، وفي كتاب نصرة ما انفردت به الشيعة الإمامية من المسائل الفقهية، فإن هذا الكتاب مبني على صحة هذا الأصل. ويمكن أن يستدل على وجوب المعرفة بهم عليهم السلام بإجماع الأمة، مضافا إلى ما بيناه من إجماع الإمامية وذلك أن جميع أصحاب الشافعي يذهبون إلى أن الصلاة على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد الأخير فرض واجب وركن من أركان الصلاة من أخل به فلا صلاة له 1، وأكثرهم يقول: إن الصلاة في هذا التشهد على آل النبي عليهم الصلوات في الوجوب واللزوم ووقوف أجزاء الصلاة عليها كالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، والباقون منهم يذهبون إلى أن الصلاة على الآل مستحبة وليست بواجبة. فعلى القول الأول لا بد لكل من وجبت عليه الصلاة من معرفتهم من حيث كان واجبا عليه الصلاة عليهم، فإن الصلاة عليهم فرع على المعرفة بهم، ومن ذهب إلى أن ذلك مستحب فهو من جملة العبادة وإن كان مسنونا مستحبا والتعبد به يقتضي التعبد بما لا يتم إلا به من المعرفة. ومن عدا أصحاب الشافعي لا ينكرون أن الصلاة على النبي وآله في التشهد مستحبة وأي شبهة تبقى مع هذا في أنهم عليهم السلام أفضل الناس وأجلهم وذكرهم واجب في الصلاة. وعند أكثر

1) في المصدر: متى أخل بها الانسان فلا صلاة له..

[ 253 ]

الأمة من الشيعة الإمامية وجمهور أصحاب الشافعي أن الصلاة تبطل بتركه وهل مثل هذه الفضيلة لمخلوق سواهم أو تتعداهم؟. ومما يمكن الاستدلال به على ذلك أن الله تعالى قد ألهم جميع القلوب وغرس في كل النفوس تعظيم شأنهم وإجلال قدرهم على تباين مذاهبهم واختلاف دياناتهم ونحلهم، وما اجتمع 1 هؤلاء المختلفون المتباينون مع تشتت الأهواء وتشعب الآراء على شئ كاجماعهم على تعظيم من ذكرناه وإكبارهم أنهم 2 يزورون قبورهم ويقصدون من شاحط البلاد وشاطئها 3 مشاهدهم ومدافنهم والمواضع التي وسمت 4 بصلاتهم فيها وحلولهم بها وينفقون في ذلك الأموال ويستنفدون الأحوال، فقد أخبرني من لا أحصيه كثرة أن أهل نيسابور ومن والاها من تلك البلدان يخرجون في كل سنة إلى طوس لزيارة الإمام أبي الحسن علي ابن موسى الرضا صلوات الله عليهما بالجمال الكثيرة والإهبة 5 التي لا توجد مثلها إلا للحج إلى بيت الله 6. وهذا مع المعروف من انحراف أهل خراسان عن هذه الجهة وازورارهم 7 عن هذا الشعب، وما تسخير هذه القلوب القاسية وعطف هذه الأمم البائنة 8

1) في نسخة: (وما أجمع) وهو الموجود في المصدر. 2) في المصدر: فإنهم.
3) شحط البلاد: بعد. وشاطئ البلاد: اطرافها. وفي نسخة: (شاطنها) من شطن الدار: بعد.
4) في نسخة: رسمت.
5) في نسخة من الكتاب وفي المصدر: الاهب.
6) في المصدر: إلى بيت الله الحرام وهذا مع أن.
7) أي انحرافهم.
8) في المصدر: الأمم النائية..

[ 254 ]

إلا كالخارق للعادات والخارج عن الأمور المألوفات، وإلا فما الحامل للمخالفين لهذه النحلة المنحازين عن هذه الجملة 1 على أن يراوحوا هذه المشاهد ويغادوها ويستنزلوا عندها من الله تعالى الأرزاق ويستفتحوا الأغلال 2 ويطلبوا ببركاتها 3 الحاجات ويستدفعوا البليات، والأحوال الظاهرة كلها لا توجب ذلك ولا تقتضيه ولا تستدعيه وإلا فعلوا ذلك فيمن يعتقدونهم، وأكثرهم يعتقدون إمامته وفرض طاعته، وأنه في الديانة موافق لهم غير مخالف ومساعد غير معاند. ومن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي الدنيا، فإن الدنيا عند غير هذه الطائفة موجودة وعندها هي مفقودة ولا لتقية واستصلاح فإن التقية هي فيهم لا منهم ولا خوف من جهتهم ولا سلطان لهم وكل خوف إنما هو عليهم فلم يبق إلا داعي الدين، وذلك هو الأمر الغريب العجيب الذي لا ينفذ في مثله إلا مشية الله 4، وقدرة القهار التي تذلل الصعاب وتقود بأزمتها الرقاب. وليس لمن جهل هذه المزية أو تجاهلها وتعامى عنها وهو يبصرها أن يقول: إن العلة في تعظيم غير فرق الشيعة لهؤلاء القوم ليست ما عظمتموه وفخمتموه وادعيتم خرقه للعادة وخروجه من الطبيعة، بل هي لأن هؤلاء القوم من عترة النبي صلى الله عليه وآله، وكل من عظم النبي صلى الله عليه وآله فلا بد من أن يكون لعترته 5 وأهل بيته معظما مكرما، وإذا انضاف إلى القرابة الزهد وهجر الدنيا والعفة العلم زاد الاجلال والاكرام لزيادة أسبابهما. 1) في نسخة: عن هذه الجهة.
2) في المصدر: ويستفتحوا بها الأغلال.
3) في نسخة: ببركاتها.
4) في نسخة: خشية الله.
5) في نسخة: لأهل بيته وعترته..

[ 255 ]

والجواب عن هذه الشبهة الضعيفة أن شارك 1 أئمتنا عليهم السلام في حسبهم ونسبهم وقراباتهم من النبي صلى الله عليه وآله غيرهم، وكانت لكثير منهم عبادات ظاهرة وزهادة في الدنيا بادية وسمات جميلة وصفات حسنة من ولد أبيهم عليه وآله السلام ومن ولد العباس 2 رضوان الله عليه، فما رأينا من الإجماع على تعظيمهم وزيارة مدافنهم والاستشفاع بهم في الأغراض والاستدفاع بمكانهم للأعراض والأمراض، وما وجدنا مشاهدا معاينا في هذا الشراك 3. ألا فمن ذا الذي أجمع على فرط إعظامه وإجلاله من سائر صنوف العترة في هذه الحالة يجري مجرى الباقر والصادق والكاظم والرضا صلوات الله عليهم أجمعين، لأن من عدا من ذكرناه من صلحاء العترة وزهادها ممن يعظمه فريق من الأمة ويعرض عنه فريق، ومن عظمه منهم وقدمه لا ينتهي في الاجلال والاعظام إلى الغاية التي ينتهي إليها من ذكرناه. ولو لا أن تفصيل هذ الجملة ملحوظ معلوم لفصلناها على طول ذلك ولا سمينا من كنينا عنه ونظرنا بين كل معظم مقدم من العترة ليعلم أن الذي ذكرناه هو الحق الواضح، وما عداه هو الباطل الماضح 4. وبعد فمعلوم ضرورة أن الباقر والصادق ومن وليهما من الأئمة 5 صلوات الله عليهم أجمعين كانوا في الديانة والاعتقاد 6 وما يفتون من حلال وحرام على

1) في المصدر: [ أن قد شارك ] وفيه: وقرابتهم.
2) ((ومن ولد عمهم العباس.
3) في نسخة [ الاشتراك ] وفي المصدر: في هذا الاشتراك وإلا.
4) مضح عرضه: شانه وعابه. مضح عنه: ذب.
5) في المصدر: من أئمة أبنائها.
6) في نسخة: والاجتهاد..

[ 256 ]

خلاف ما يذهب إليه مخالفوا الإمامية، وإن ظهر شك في ذلك كله فلا شك ولا شبهة على منصف في أنهم لم يكونوا على مذهب الفرقة المختلفة المجتمعة 1 على تعظيمهم والتقرب إلى الله تعالى بهم. وكيف يعترض ريب فيما ذكرناه؟ ومعلوم ضرورة أن شيوخ الإمامية وسلفهم في تلك الأزمان كانوا بطانة للصادق 2 والكاظم والباقر عليهم السلام وملازمين لهم ومتمسكين بهم، ومظهرين أن كل شئ يعتقدونه وينتحلونه ويصححونه أو يبطلونه فعنهم تلقوه ومنهم أخذوه، فلو لم يكونوا عنهم بذلك 3 راضين وعليه مقرين لأبوا عليهم نسبة تلك المذاهب إليهم وهم منها بريئون خليون، ولنفوا ما بينهم من مواصلة ومجالسة وملازمة وموالاة ومصافاة ومدح وإطراء وثناء، ولا بدلوه بالذم واللوم والبراءة والعداوة، فلو لم يكونوا عليهم السلام لهذه المذاهب معتقدين وبها راضين 4 لبان لنا واتضح، ولو لم يكن إلا هذه الدلالة لكفت وأعنت. وكيف يطيب قلب عاقل أو يسوغ في الدين لأحد أن يعظم في الدين من هو على خلاف ما يعتقد أنه الحق وما سواه باطل، ثم ينتهي في التعظيمات والكرامات إلى أبعد الغايات وأقصى النهايات، وهل جرت بمثل هذا 5 عادة أو مضت عليه سنة؟. أو لا يرون أن الإمامية لا تلتفت إلى من خالفها من العترة وحاد عن جادتها

1) في نسخة: [ المجمعة ] وهو الموجود في المصدر.
2) (([ بطانة للباقر والصادق ومن وليهما ] وهو الموجود في المصدر.
3) في المصدر: فلو لم يكونوا بذلك.
4) في المصدر: فلو لم يكن أنهم عليهم السلام لهذه المذاهب معتقدون وبها راضون.
5) في المصدر: بمثل ذلك..

[ 257 ]

في الديانة ومحجتها في الولاية، ولا تسمح له بشئ من المدح والتعظيم فضلا عن غايته وأقصى نهايته، بل تتبرأ منه وتعاديه وتجريه في جميع الأحكام مجرى من لا نسب له ولا حسب له ولا قرابة ولا علقة. وهذا يوقظ على أن الله خرق في هذه العصابة العادات وقلب الجبلات ليبين من عظيم منزلتهم وشريف مرتبتهم. وهذه فضيلة تزيد على الفضائل وتربى 1 على جميع الخصائص والمناقب، وكفى بها برهانا لائحا وميزانا راجحا، والحمد لله رب العالمين 2.

1) أي تزيد. وفي المصدر: توفى.
2) احتجاج الطبرسي: 282 - 284..

[ 259 ]

(24) الحدود والحقائق

[ 261 ]

بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله [ الحمد لله ] العظمة والكبرياء، وصلاته على رسوله محمد وعلى جميع إخوته من الأنبياء والأوصياء. أما بعد: فإن درك حقايق الأشياء ومعرفة بيان [ معاني ] الألفاظ على مسمياتها مما استأثر الله بها أولياءه الذين أطلعهم على بعض هذه المكنونات وقال فيهم: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا). وقال رسول الله (ص) (رب أرني الأشياء كما هي). فلو لم يكن معرفة حقايق الأشياء أشرف المعارف وأسناها لأحد [ لما ] كان مرغوبا فيها من جهته عليه السلام. وكيف لا؟ ومعرفة أحكام الأشياء موقوفة على ماهياتها. فلما ألح علي بعض المستفيدين أن أختار لهم من هذا العلم ما لا بد لهم من معرفته في علمي أصول الدين، فكتبت هذه الوريقات مستمدا من الله العزيز العصمة والمؤنة. الألف: الابداع: هو الايجاد لا على مثال سبق.

[ 262 ]

الاختراع: ابتداء القادر الفعل لا في نفسه. الاثبات: هو الإخبار عن ثبوت الشئ أو اعتقاد ثبوته. ولهذا سمي المثبت مثبتا لأنه في حال القدم يعتقد ثبوت الأشياء. الاحساس: هو الادراك بحاسة وآلة. الادراك: وجدان المرئيات وسماع الأصوات وغيرهما، وهو في الأصل لحوق جسم بجسم. الارادة: عند المحققين هي خلوص الداعي عن الصارف أو ترجحه عليه. الاختيار: هو وقوع الفعل لا على وجه الالجاء. الاستدلال: هو التأمل الذي يتضمن ترتيب اعتقادات أو ظنون ليتوصل بها إلى الوقوف على الشئ باعتقاد أو ظن. الإيمان: هو التصديق بالقلب بكل ما يجب التصديق به، وقيل تصديق الرسول بكل ما علم مجيئه به. الاسلام: هو الانقياد، وقيل هو الإيمان أيضا. الاجتهاد: بذل الفقيه الوسع في تعرف الحكم الشرعي من خفى النصوص أو الأدلة الغير القاطعة أو في تعرف ما يتعلق به حكم شرعي كجهة القبلة. الاستنباط: استخراج الحكم من فحوى النصوص. استصحاب الحال: هو الحكم في الحادثة الشرعية بعد تغييرها كالحكم قبل تغييرها. الإجماع: اتفاق علماء الدين في عصر بعد الرسول في الحادثة الشرعية على فتوى واحد ورضا واحد وعمل واحد. أصول الفقه: هو الكلام في تصحيح أدلة الفقه على جهة الجملة. الاستفهام: هو طلب ما عنده يعلم به مراد المخاطب.

[ 263 ]

الالزام: هو بيان الغير وجوب أن تقول بما لا تقول به. الاعتراض: هو الكلام الذي يراد به إفساد ما استدل به الغير أو قال به. الاعتقاد: هو عقد القلب على ثبوت أمر أو نفيه. الاستثناء: هو إخراج الشئ عما يصح دخوله فيه وعما دخل فيه غيره. الاعتماد: قوة في الجسم تدافعه إلى سمت مخصوص إذا فقد المانع. الاغراء: هو البعث على الفعل على حد يصير كالمحمول عليهن. الاضطرار: ما يوجد في الحي من فعل غيره على وجه لا يمكنه دفعه عن نفسه. ومنه العلوم الضرورية ما ليس من فعل الانسان، ولا يمكن دفعه عن نفسه. الإباحة، والاحلال، والاطلاق، والإذن: بمعنى واحد. الاصرار: هو أن لا يندم من المعصية مع العلم بها، أو التمكن من العلم بها، والاستمرار على ذلك، والعزيمة على مثله في القبح في المستقبل. الاعتذار: هو إظهار الندم على الاساءة إلى الغير. الأمر: هو قول القائل لغيره (أفعل) أو ما جرى مجراه على جهة الاستعلاء إذا أراد منه الفعل. الاكراه: هو حمل العاقل على الفعل الشاق بالتخويف، أو على ترك الفعل على وجه يخرجه عن داعيه الأصلي مع سقوط المدح والذم. الالجاء: يكون في العقلاء وغيرهم، وعلى ما يشق وغيره. الأجل: هو الوقت المضروب لنزول أمر، أو لبقاء أمر نفيا كان أو إثباتا. الأزل: عبارة عن اللا أولية. الأمارة: هي التي يقضي النظر الصحيح فيها إلى غالب الظن. الإله: هو الذي يستحق له العبادة، ويليق به، وينبغي له، لأنه قادر على فعل ما يستحقها به لأجل ذلك.

[ 264 ]

الإمامة: رياسة عامة في الدين بالأصالة لا بالنيابة عمن هو في دار التكليف. الإمامية: الذاهبون إلى النص الجلي على إمامة اثني عشر إماما من أهل بيت النبي (ص). الآحاد: هو كل خبر لا يعلم أن الرسول (ص) قاله، وإن رواه أكثر من واحد. الإعادة: تجديد الخلق بعد الفناء إلى ما كان عليه. الاحباط: هو إبطال المعصية الطاعة أو إبطال عقاب المعصية ثواب الطاعة. الاستطاعة: هو التمكن من الفعل بوجود جميع ما يحتاج إليه الفعل والفاعل إن كان مما يحتاج. إزاحة العلة: تمكين المكلف من الفعل ورفع الموانع وتقوية دواعيه التي على وجه لا يبقى له محذور في أن لا يفعله. الباء البرهان: هو كل كلام منبئ عن نظر يوصل إلى العلم، أو دليل يوصل إليه النظر فيه إلى العلم. البقاء: هو استمرار الوجود. الباقي: هو الموجود وقتين متصلين فصاعدا. البداء: هو الأمر بالفعل الواحد بعد النهي عنه، أو النهي عنه بعد الأمر به مع اتحاد الوقت والوجه والآمر والمأمور. البدعة: زيادة في الدين، أو نقصان منه من إسناد إلى الدين. الباطل: هو كل فعل وجوده كعدمه في أنه لا يفيد حكما شرعيا. البصير: هو البالغ في رؤية المرئيات، وقيل المنهى لرؤية المرئي إذا وجد. البيان: هو عام وخاص، فالعام هو الدليل على الشئ، والخاص هو بيان المجمل.

[ 265 ]

البيع: عقد ينتقل به عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوض مثلها أو مخالف لها في الصفة على وجه التراضي. البنية: امتزاج أجزاء ذات أعراض مخصوصة يظهر لامتزاجها حكم أو اسم لا يظهر لإفرادها. البخل: منع المحتاج حقه الواجب من ماله البديهة: كل ما يقتضيه العقل من العلوم بسرعة. التاء: التأسي بالنبي في الفعل: أن يفعله مثل ما فعله في الصورة على الوجه الذي فعل لأجل أنه فعل، وفي الترك والقول مثله. التقليد: قبول قول الغير من غير حجة أو شبهة. التصور: علم بحقيقة أمر غير معين، أو ما يقتدر تقدير معين. التعريض: هو تعريف الغير ما يصل به إلى النفع أو دفع الضرر، مع أنه لولاه لم يتمكن من الوصول إليه، قاصدا بذلك إلى وصوله إليه. التأويل: رد أحد المعنين وقبول معنى آخر بدليل يعضده، وإن كان الأول في اللفظ أظهر. التأكيد: هو اللفظ الموضوع لتقوية ما يجوز أن يفهم من لفظ آخر. التكليف: هو البعث على جهة الاستعلاء على ما يشق من فعل، أو إخلال بفعل. التأليف: التزاق جوهرين. التشبيه: هو اعتقاد أو إخبار بأن الله تعالى يشبه بعض خلقه في ذاته. التخصيص: هو إخراج بعض ما صح أن يتناوله الخطاب العام في الوضع.

[ 266 ]

التخييل: ظن الشئ المشاهد على صفة وهو على خلافها. التقدير: إيجاد الفعل لغرض مثله، والتدبير كالتقدير، والتقدير أيضا تعليق الثاني بالأول بكلمة، أو قد يراد به العلم بهذا المعنى. التراخي: جواز تأخير الواجب من أول أوقات الامكان لأدائه إلى وقت تضيقه، أو تأخر الحكم عن مؤثره إلى وقت وجود شرطه. التفضل: نفع الغير على جهة الاحسان. التوبة: الندم على المعصية لأنها معصية، والعزم على أن لا يعاود على مثلها. التفكر: خروج الذم والعقاب المستحقين بمدح أو ثواب مستحقين مثلها أو أعظم منها. التمكين: كل ما يصح من المكلف عنده أن يفعل ما كلف. التقريب: كل عبادة يطلب بها المنزلة عند الله والثواب. التوحيد: العلم بأن الله لا يشاركه فيما يوصف به على الحد الذي يوصف به غيره، والاقرار بذلك إذا أمكنه الاقرار. التوفيق: كل لطف يقع عند الملطوف فيه. التقوى: اجتناب المعاصي. التحدي: إظهار طلب المعارضة بظهور عجز للمتحدي. التنفير: كل صفة أو فعل لو اختص به النبي أو الإمام عليهما السلام لترك الناس اتباعه، أو كانوا (معتقدا) إن ترك اتباعه أقرب فيجب عصمته منه. التواضع: الرضا بدون ما يستحقه من المنزلة. التكبر: تكلف الترفع على الغير لاعتقاد منزلة لنفسه لا يستحق الغير، والمتكبر في صفة الله تعالى المبالغ في العظمة.

[ 267 ]

الثاء الثواب: هو المنافع العظيمة المستحقة على سبيل التعظيم. الثبوت: هو الموجود على وجه اللزوم، ونقيضه الاضطراب. الجيم الجوهر: الحجم الذي ليس له بعد من الأبعاد الثلاثة، أو الذي يشغل فراغا، أو الجزء، والذي لا يتجزى. الجسم: ما كان مركبا منه، وقيل هو الذي له أبعاد ثلاثة، وهي لا تحصل إلا بثمانية أجزاء: أربعة فوقها أربعة. الجثة: الحجم والجرم بمعنى واحد، إلا أن الجرم في العرف مستعمل في الأجسام اللطيفة كالهواء. جهة الجوهر: الفراغ الذي يجوز أن يشغله الجوهر. الجنس: جملة أشياء متفقة بالذات مختلفة بالصفات، وقيل جملة أشياء متميزة بالأنواع، وجنس الأجناس ما ليس فوقه جنس. الجود: هو الاكثار من فعل الاحسان إلى الغير. الجواز: يجئ بمعنى الشك، وبمعنى صحة كون الشئ أو كون ضده، وبمعنى صحة الفعل الذي يتبعه أحكام كصحة الصلاة. الجهل: نفي العلم واعتقاد ليس له معتقد يطابقه. الجدل: صرف الخصم من مذهب إلى آخر بطريق الحجة أو الشبهة أو الشغب. الجزاء: مقابلة الفعل أو ترك الفعل بما يستحق عليه.

[ 268 ]

الحاء الحيز: الفراغ الذي يصح أن يشغله حجم. الحادث: هو الموجود بعد العدم. الحدث: ما ينقض الطهارة. الحب: أعم. الحادث: هو الموجود بعد العدم. الحدث: ما ينقض الطهارة. الحب: أعم من الارادة، لأن الحب يصح تعلقه بالأعيان ولا يصح تعلق الارادة بها. الحكمة: علم بلطايف الأمور، أو علم يتمكن به من أحكام الفعل وتدبيره. الحكيم: المبالغ في هذا العلم. الحكم والحكمة: كلاهما بمعنى واحد، وعند الفقهاء الحكمة: ما يدل عليه الدليل الشرعي من حسن الفعل وقبحه، أو وجوبه أو كونه ندبا أو مكروها. والحكم عند المتكلمين: كل أمر زائد على الذات يدخل في ضمن العلم بالذات أو الخبر عنها، وقيل الحكم ما يوجبه العلة. والحال: مثل الحكم بالمعنى الأول، والفرق بينهما أن الحكم يعتبر في العلم به غير الذات ككون الجسم محلا، والحال لا يعتبر به ككون الجسم اسود أو متحركا. الحق: في العرف كل ما كان اعتقاد ثبوته أو نفيه علما أو ظنا، أو صوابا، أو الخبر عن ثبوته صدقا وصوابا، والباطل عكسه. والحق في الشرع: كل اختصاص لصاحبه يحسن لأجله أمر ما منه أوله. الحي: المتميز تميزا لأجله لا يستحيل أن يعلم ويقدر ويدرك. الحياة: اعتدال المزاج أو قوة الحس. الحيوان: كل حي مركب من أجزاء ذات أعراض مخصوصة.

[ 269 ]

الحادث: المحدث الذي لم يبطل زمان وجوده. الحركة: حصول الجوهر في جهة عقيب كونه في غيرها. الحلال والمباح: ما عرف فاعله حسنه لا يستحق به مدحا ولا ذما. الحرام: القبيح الذي منع منه بالزجر. الحس: إدراك المدرك بآلة الادراك. الحسد: كراهة وصول الخير إلى الغير لغم يلحقه عن وصوله إليه. الحد: كلام جامع حقيقة شئ مانع غيره عنه على وجه يميزه عن غيره. الحاجة: هو الطلب طبعا لما بفقدانه يختل بدن الحيوان، أو طلب دفع ما لوصله إليه تلحقه مضرة. الحفظ: علم دائم مستفاد. الحقيقة: كل لفظ أفيد [ به ] ما وضع له في أصل [ اللغة ] لمواضعه اللغوية أو الشرعية أو العرفية، ويستعملها المتكلمون في نفس الشئ، وتستعمل في التصور الجاري في الفعل مجرى نفس الشئ. الحليم: من لا يعجل عقوبة المذنب تفضلا منه. الحياء: هو الامتناع من الفعل مخافة أن يعاب عليه مع الفكر في وجدان ما لا يسلم به من العيب فلا يجده. الحجة: هو البرهان. الحمد: مدح المنعم على نعمة، وقيل الثناء عليه بفعل الحسن نعمة كان أو لا. الخاء الخبر: الجملة يعرف بها إسناد أمر إلى غيره. الخاص: كل كلام يفيد واحدا معينا أو غير معين.

[ 270 ]

الخطاب: كل كلام قصد به أفهام الغير. الخشية: أبلغ من الخوف. وهو الظن بوصول ضرر إليه، أو فوات نفع عنه في المستقبل. الخلق: اختراع الفعل، أو تقدير الفعل، أو أحكامه. الخاطر: تصور المعنى بالقلب. الخط: جوهران أو أكثر متجاوران في سمت واحد. الخلأ: هو الجهة. الخداع: إظهار ما يوهم السداد ليتوصل به إلى مضرة الغير أو نفعه من غير أن يفطن، ومخادعة الله العبد مجازاة مخادعه. الخضوع والانخفاض: تذلل العبد في انطوائه على تعظيم الغير في عبادته أو طاعته. الخذلان: هو أن لا يفعل في حق العاصي ما يفعله في حق المتقي من التوفيق والعصمة. الخلود: هو المكث الطويل. الدال الدعاء: طلب أمر بالقول من الله تعالى. الداعي إلى الفعل: ما به يختار القادر الفعل، وذلك إما علم أو ظن أو اعتقاد، فداعي الحكمة هو العلم بكون الفعل إحسانا أو واجبا، وداعي الحاجة علم أو ظن أو اعتقاد بأن له [ في ] الفعل منفعة أو دفع مضرة. الدين في الشرع: كل ما يدعو إليه نبينا محمد (ص). الدليل: هو النظر الصحيح منه يقضي إلى العلم، وكذلك الدلالة.

[ 271 ]

الدائم: هو الموجود الذي لا انقطاع لوجوده. الدولة: هي التمكن من المنافع العظيمة على وجه لا يتمكن منه كل واحد في الأغلب. الذال الذات: كل موجود يصح تعلق العلم به بعينه أصلا بنفسه، وقيل: الذات ما يستحق صفة أو حكما. الذم: كل قول ينبئ عن اتضاع حال الغير مع القصد إلى ذلك. الذكر: هو ظهور المعنى للنفس بعد عزوبه عنها، ونقيضه النسيان. الذهن: هو القوة إلى مصادفة صواب الحكم فيما يتنازع فيه، وقيل هو جودة استنباط [ ما ] هو صحيح من الآراء. الراء الرحمة: هي الرقة الداعية إلى الاحسان إلى الغير، ويقال لنفس تلك المنفعة الحسنة الواصلة إلى المحتاج مع قصد الاحسان إليه: رحمة. الرجاء: ظن وصول نفع إليه، أو دفع ضرر عنه في المستقبل مع قوة دواعيه إلى أن يحصل له. الريح: هو الهواء المتحرك. الروح: هواء بارد في القلب، وهو مادة النفس، وهو شرط الحياة، وقيل جسم رقيق منساب في بدن الحيوان، وهو محل الحياة والقدرة. الرضا: إرادة لم يلجأ إليها صاحبها يطايعها وقوع مرادها. الرقة: تخلخل يكثر حصوله في الجسم.

[ 272 ]

الرؤية: قوة الادراك بحاسة البصر أو ما يجري مجراه من غير حاسة كرؤية الباري تعالى مرئيا لذاته. الرزق: تمكين الحيوان من الانتفاع بالشئ والحظر على غيره. الرخص: نقصان ما أعطيته من سعر الشئ في وقت بعينه في مكان بعينه. الرخصة: إباحة الفعل لشدة الحاجة لولاه لما أبيح. الربا: فضل محرم على ما يستحق بالعقد، وقيل بيع المثل من المكيل والموزون بالمثل متفاضلا. الزاء الزمان: مرور ساعات الليل والنهار. الزاوية: منتهى طرفي الخطين. الزلة: كل فعل أو إخلال بفعل يسير ليس بخارج عن المروة أو الدين ومن حقه أن لا يوجد عن قصده. الزكاة: تمليك ربع عشر النصاب من الإبل أو ما يقوم مقامه إذا كان واجبا لا بسبب من قبله. السين الساعة: أقل مقادير الليل والنهار. السحر: تخييل ما ليس له حقيقة كالحقيقة يتعذر على من لا يعلم وجه الجملة فيه. السطح: خطوط متصلة عرضا وأقله خطان أربعة أجزاء. السكوت: إمساك آلة الكلام عن الاستعمال في الكلام مع التمكن من

[ 273 ]

استعمالها فيه. السميع: المبالغ في العلم بالمسموعات. السكون: لبث الجوهر في جهة وقتين فصاعدا. السهو: أن لا يعلم ما جرت العادة بأن يصح أن يعلمه باضطرار. السرور: انبساط القلب والدم في البدن. السكر: سهو أو فتور في الأعضاء مع الطرب والنشاط يلحق الانسان. السنة: فعل داوم عليه الرسول (ص) من النوافل وأكد الأمر على غيره بالدوام عليه، وقيل: كل فعل داوم الرسول عليه السلام ولم يثبت أنه مخصوص. السبب: كل صفة أو قوة في شئ توجب صفة أخرى. الشين الشئ: هو الثابت الوجود. وقيل إنه لا يحد لأن الحد إنما هو للتمييز، والشئ من حيث أنه شئ لا يتميز. الشرط: ما يقف عليه وجود غيره أو عدمه. الشبهة: تقدير مقدمتين فاسدتين أو إحداهما يظن فيها أنهما صحيحتان مشبهة بالدلالة. الشك: خطور الشئ بالبال من غير ترجيح نفيه أو ثبوته. الشعور: أول علم بالمدرك. الشعاع: جسم رقيق مضئ قوي الإضاءة. الشفاعة: طلب رفع المضار عن الغير ممن هو أعلى رتبة منه لأجل طلبه. الشم: استجلاب محل الرائحة إلى الخيشوم طلبا لإدراكها. الشهوة: ما يقع به إدراك لذة. الشكر: توطين النفس على تعظيم المنعم لأجل نعمه مع القصد به إلى

[ 274 ]

تعظيمه، وهو اعتقاد وجوب تعظيم المنعم، والعزم على أنه لا يرتجع عنه في المستقبل، ثم يتبعه 1 الاعتراف باللسان بنعمة المنعم مع القصد إلى تعظيمه بذلك. الشعر: كل كلام موزون مقفى إذا قصد فاعله ذلك. الشرع: في العرف ما بينه نبينا محمد (ص) من أحكام الأفعال. الشجاعة: قوة في القلب يتمكن معها تحمل الحرب [ و ] مكاره الحرب في حالة لا يؤمن بنفيها على النفس أو على بعض أطرافه. الشفعة: ضم الملك المشترى إلى أملاكه بمثل ما اشتراه. الصاد الصادف: ما لأجله يمتنع القادر من الفعل على بعض الوجوه احترازا إذا ترجح عليه الداعي فلا يمتنع. وقد يقال العلم أو الظن أو الاعتقاد بكون الفعل قبيحا. وفي حق الباري يقال هو العلم بكون الفعل قبيحا. الصبر: الكف 2 عن الجزع عند الشدائد. الصدق: الخبر عن الشئ على ما هو عليه في نفسه. الصلابة: التزاق أجزاء الجسم بحيث يصعب تفكيكها. الصحيح: الذي يتردد بين أن يوجد وأن لا يوجد. والصحيح أيضا الذي لا يستحيل وجوده، وفي الأول يكون غير ثابت وفي الثاني قد يكون ثابتا. وفي عرف الفقهاء الفعل الذي يتبعه أحكامه إذا لم تكن عقوبة احترازا عما يتبع الكفر والزنا من العقوبة.

1) في الأصل: يقعه من في.
2) في الأصل: كف..

[ 275 ]

الصحة: امتزاج من أجزاء مختلفة الأعراض متساوية، ويثبت لامتزاجها حكمة لا يثبت لإفرادها. الصواب: أظهر من كل ما تحده. الصفة: كل أمر زائد على الذات يدخل في ضمن العلم به أو الخبر عنه نفيا كان أو إثباتا حالا كان أو غير حال فعلا كان أو نفي فعل. وقيل الصفة: كل فائدة تضاف إلى الذات بلا اعتبار غيره، والحكمة فائدة تضاف إلى الذات [ ولا يوصف ] بها إلا عند حدوث فعل منها أو نفي فعل منها. الصغيرة والكبيرة: أمر إضافي فإذا أضيف ما ينقص عقابه إلى ما يزيد عقابه، يسمى الأول صغيرا والثاني كبيرا. وقيل كل معصية لصاحبها ثواب ما أعظم [ من ] عقابها. الصوم: الامساك عن المفطرات في النهار تقربا بالله تعالى. الضاد الضدان: كل شيئين لا يصح أن يجتمعا معا في وقت واحد لما يرجع إلى ذاتهما احترازا عما يجري مجرى الضد في الجنس كل مناف لغيره على جهة التقدير كالسواد والبياض في محلين أو في وقتين. الجاري مجرى الضد ضد كل ما يحتاج إليه غير ما في ما ينافيه (؟). الضروري: ما يحدث في الحي المكلف لا من قبله ولا يمكنه دفعه عن نفسه. والضرورة: كل فعل لا يمكن التخلص منه. الطاء الطاعة إيقاع الفعل أو ما يجري مجراه موافقا لإرادة الغير إذا كان أعلى

[ 276 ]

رتبة منه لا على وجه الالجاء. الطول: امتداد الجسم إلى قدام، وأقل ما يحصل منه جزآن. الطبع: قيل هو الخاصة التي يكون بها الحادث لا من جهة القدرة. الطلب: قول القائل لمن يساويه في الرتبة [ أفعل ] أو معناه لا على سبيل الاستعلاء أو التذليل. الظاء الظلم: كل ضرر ليس بمستحق ولا نفع فيه ولا دفع ضرر أعظم منه معلوم أو مظنون، ولا يفعل على مجرى العادة ولا على جهة الدفع عن النفس. الظلمة: فقد النور عما يقبل النور. الظن: تغليب بالقلب لأحد المجوزين ظاهر التجويز. الظل: تغير الهواء إلى الضياء لانفجار الصبح إذا حال بينه وبين قرص الشمس حائل. العين العلم: أظهر من كل ما يحد به، وقيل هو اعتقاد الشئ على ما هو به مع سكون النفس إلى أن تعتقده على ما اعتقد إليه. والعلم الضروري: علم لا يقف على استدلال العالم به إذا أمكن فيه احترازا عن علمه تعالى. وقيل الضروري: علم لا يمكن العالم به دفعه عن نفسه إذا انفرد احترازا عن المكتسب إذا فارقه الضروري. وينقض هذا الحد بعلم الله تعالى بالأشياء إذ لا يمكن دفعه عن نفسه.

[ 277 ]

العلم المكتسب: علم يمكن العالم به دفعه عن نفسه إذا انفرد. العقل: قوة في القلب يقتضي التميز. وقيل: هو العلوم الضرورية التي يتمكن بها من اكتساب العلوم إذا كملت شروطها. وقيل: العقل الذي هو مناط التكليف هو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات. وقيل: هو غريزة العلوم الكلية البديهية عند سلامة الآلات. العالم: كل موجود سوى الله العمل: هو إيجاد الأثر في الشئ. والفعل إيجاد الشئ. وقيل العمل إيجاد أفعال بعناء وتعب. العصمة: ما يمنع عنده المكلف من فعل القبيح والاخلال بالواجب، ولولاه لم يمنع من ذلك ومع تمكينه في الحالين. عبارة أخرى العصمة: الأمر الذي يفعل الله تعالى بالعبد وعلم أنه لا يقدم مع ذلك الأمر على المعصية بشرط أن لا ينتهي فعل ذلك الأمر لأحد إلى الالجاء. العجز: انتفاء القدرة عن الحي - على الأفعال على بعضها إذا صحت قدرته عليها. العادة: عود الفاعل إلى مثل ما فعله أو ما يجري مجراه إذا لم يكن ملجأ إلى ذلك. العام والعموم: كل كلام وضع لاستغراق جميع ما يصلح له. وقيل هما اللفظ المستغرق لجميع ما وضع له بحسب وضع واحد احترازا عن المشترك أو عماله حقيقة ومجاز. وقيل هو اللفظ الدال على شيئين فساعدا من غير حصر احترازا عن أسماء العدد. العبادة: نهاية التعظيم والتذلل لمن يستحق ذلك بأفعال ورد بها الشرع على وجوه مخصوصة أو ما جرى مجراها. نعني بالوجوه: الشروط المعتبرة شرعا في كون الفعل عبادة. وبالجاري مجراها: الاخلال بالقبائح. وفي عرف

[ 278 ]

الفقهاء هو كل فعل لا يجري إلا بنية التعظيم لله. العرض: ما يوجد في الجوهر من غير تجاوز احترازا عن وجود المظروف في الظرف. العرض: امتداد الجواهر في سمت معترضا للمحاذي. العلة: عند من لا يثبت المعاني: كل أمر ليس بذات أثر أمرا في حالة نفيا كان أو إثباتا. العزم: توطين النفس والقطع على أنه سيفعل الفعل أو لا يفعله لا محالة. وقيل: العزم إرادة جازمة حصلت بعد التردد فيه. العدل: عند المتكلمين العلوم المتعلقة بتنزيه الله تعالى من فعل القبيح وعن الاخلال بالواجب، وعند الفقهاء [ من هو ] من أهل القبول شهادته أو روايته عن النبي (ص) أو القائم مقامه على الإطلاق في نيل ذلك منه. والعفو: إسقاط الذم والعقاب عن المستحق لهما. العمق: امتداد الأجزاء سمكا. العقاب: المضار المستحقة على وجه الاهانة المفعولة على وجه الجزاء. العوض: النفع المستحق المقابل للمضار بلا تعظيم. الغين الغرض: مراد الفاعل من الفعل إذا انتهى إليه [ و ] قطعه، أو ما هو كالفعل عن الفعل. الغبطة: تمني ما يصح أن يحصل له من مثل فعل الغير أو منافعه. الغضب: غليان دم القلب طلبا للانتقام. الغم: انحصار القلب والدم الذي فيه.

[ 279 ]

الغير: كل ذاتين ليس إحداهما الأخرى ولا جملة يدخل تحتها الأخرى. الغيبة: ذم المرء بعينه في غيبته لغير حق له، أو ما يجري مجرى الذم بما لو سمعه لكرهه. الفاء الفرض: الواجب المقدر، وهو ما علم من وجب عليه بوجوبه أو دل عليه. الفسق: كل ذنب سوى الكفر، وأيضا كل ما خرج من طاعة الله إلى مخالفته. الفقه: العلم بجملة الأحكام الشرعية. وقيل: العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها بحيث لا يعلم كونها من الدين ضرورة، احترازا عن التقليد واحترازا عن العلم بوجوب الصلاة. الفعل: هو الحادث على جهة الصحة. الفناء: تفريق أجزاء الجسم بحيث خرج من صحة الانتفاع به. القاف القديم: الواجب الوجود المطلق أو الذي لا أول لوجوده. القادر: الذي يصح أن يفعل إذا انتفت عنه الموانع ولم يكن الفعل مستحيلا في نفسه. القدرة: هي الصحة، وقيل القدرة في حقنا سلامة الأعضاء. القبيح: ما لفعله مدخل في استحقاق الذم. القصد: خلوص الداعي إلى فعله أو ترجحه عن الصارف. القياس: تحصيل الحكم في الشئ لتعليل غيره عند المثبت. وقيل إثبات مثل حكم معلوم لآخر لأجل اشتباههما في علة الحكم. القضاء: إيجاد على التمام. وقد يقال في فضل الحكم إما بالأمر أو بالخبر.

[ 280 ]

القدر: إيجاد الفعل على وجه الأحكام، وبحسب المنفعة. يقال للخبر بما يكون إذا كان يجئ على مقدار ما تقدم من الخبر. القضاء في العبادة: إتيان مثل الفعل السابق به الأمر في الصورة والوجه أو ما يقدر فيه المماثلة إذا فاته الأول كقضاء الجمعة. الكاف الكذب: الخبر الذي لا يطابق مخبره أو الذي ليس له مخبر يطابقه. الكلام: المنتظم من الحروف المسموعة المميزة، المواضع عليها إذا صدر عن قادر واحد. وقيل الكلام: الجملة المفيدة. الكلمة: كل منطوق به دال بالاصطلاح على معنى. الكسب: إيجاد الفعل لاجتلاب منفعة أو دفع مضرة. الكثافة: اكتتان أجزاء الجسم. الكراهة: الصارف عن الفعل. الكون: حصول الجوهر في المحاذاة. الكبيرة: كل ذنب عصيانه بعظيم. الكفر: هو الانكار والتكذيب بشئ مما يجب الاقرار والتصديق به والجهل بذلك. وقيل: إنكار ما علم بالضرورة مجئ الرسول به. الكمون: عند مثبتيه أن يبطن في الجسم الكون بأن ينفذ من ظاهر أجزائه إلى بواطنها، أو أن لا يظهر حكم الكون وإن كان في الجوهر. اللام اللطف: ما عنده يختار المكلف الطاعة، أو يكون أقرب إلى اختيارها ولولاه لما كان أقرب إلى اختيارها مع تمكنه في الحالين.

[ 281 ]

اللطيف: الجزء المنفرد أو الأجزاء القليلة [ في ] الشئ لا يمكن أن يدرك بحاسة العين. اللطيف: المنعم بالنعم من وجوه خفية لا يوقف على كنهها، والذي يصل نعمه إلى المواضع الخفية، والعالم بالأمور الخفية التي بعد الوقوف عليها. اللقب: كل كلام لا يفيد في المسمى صفة ولا مجموع صفات، ويجري مجرى الإشارة إليه. اللمس: مماسة محل الحيوان الجسم طلبا لإدراكه أو إدراك ما فيه، أو طلبا للذة المخصوصة. اللذة: إدراك المشتهى أو ما يتعلق به الشهوة من المدركات. الليل: امتداد الظلام من أول ما يسقط قرص الشمس إلى أن يسفر الصبح. اللين: قيل معناه عدم ما نعمه العام (؟)، فلا يكون وجوديا. الميم الملة: الشرع الذي يأتي به السمع ويعم الأمر به للجميع. وقيل هو الذي ينتحله الانسان. المنع: ما يتعذر لأجله الفعل مع بقاء القدرة عليه. المبتدأ: المحدث الذي لم يتقدمه وجوده. المعاد: الذي يتقدمه وجوده، أي أعيد على الوجود الذي كان عليه. المباشر: ما يتبدأ بالقدرة في محل ويقضيه. المتولد: وهو الذي يحدث عن فعل آخر. المباح: ما عرف فاعله حسنه، أو دل عليه ولا يستحق عليه مدحا ولا ذما. المتكلم: فاعل الكلام. المجاورة: كون جوهرين مماستين.

[ 282 ]

المثلان: اللذان يكون ذات أحدهما كذات الآخر. المختلفان: اللذان لا يكون ذات أحدهما كذات الآخر. المجزي: الذي يكفي في حصول الغرض به. المجمل: الخطاب الذي لا يدل على المراد بنفسه من غير بيان، أو الخطاب الذي قصد به شئ معين في نفسه واللفظ لا يعنيه، وقد يراد به الخطاب العام للأشياء التي تناولها. المبين: الخطاب الدال على المراد بنفسه عن غير بيان، وما زال إجماله بورود بيانه، وكذا المفسر. المحال: كل متصور لا يصح وجوده، وكذا المستحيل. المحتمل: الخطاب الذي له تأويلان من جهة الاستعمال. المحدث: الموجود بعد العدم. المحظور والمحرم: الذي منع من فعله بالنهي والزجر. الفعل المحكم: المرتب المسوى، والمطابق للمنفعة. محبة الله تعالى للعبد: إرادة الثواب، ومحبة العبد لله إرادة الطاعة. المحدث: المسبوق بالعدم أو ما لوجوده أول. الملاسة: عبارة من استواء وضع الأجزاء. المحاذاة: الجهة التي يصح أن يشغلها الجوهر. المحل: الحجم الذي فيه عرض، أو يصح أن يكون فيه. المخصوص من جهة الخطاب: الذي أريد به بعض ما يقتضيه ظاهره. المكلف: الذي دل عليه ما أريد منه العلم به. والمدلول عليه: ما يدل عليه الدليل. المرسل: الحديث الذي لم يذكر الراوي بعد الرواية، وقع في أصل الرواية.

[ 283 ]

كذلك الخبر المتواتر: خبر قوم بلغوا في الكثرة إلى حد حصل العلم بقولهم. والمسند: الذي وقعت روايته متصلة إلى الرسول (ص). المصاكة والاصطكاك: مماسة جسمين صلبين بشدة. المذهب: اعتقاد يستمر عليه صاحبه على جهة التدين. المطلق من الخطاب: ما لم يقيد بصفة، أو شرط، أو استثناء. المقيد: ما أدخل فيه واحد من هذه الثلاثة. المعجزة: الفعل الناقض للعادة يتحدى به الظاهر في زمان التكليف لتصديق مدع في دعواه. وقيل: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة. قلنا [ أمر ] لأن المعجزة قد تكون بالمعتاد، وقد تكون منعا من المعتاد، وقلنا [ مقرون بالتحدي ] لئلا يتحد الطالب معجزة غير حجة لنفيه، وليتميز عن الارهاص والكرامات. قلنا [ مع عدم المعارضة ] ليتميز عن السحر والشعبدة. المعدوم: المنتفي العين. الموجود: الثابت العين وهو أظهر مما يحد به. المعروف: كل فعل واجب أو مندوب إذا عرف ذلك فاعله أو دل عليه. المنكر: كل فعل أو إخلال فعل عرف فاعله قبحه، أو دل عليه. المعصية: كل فعل أو إخلال بفعل كرهه الله تعالى. المغفرة: أن لا يفعل العقاب بعد سيئة أصلا. المفيد من الكلام: الذي ينبئ عن أمر ما، وهو إما مفرد أو مركب. والمفرد: ما يفيد فائدة واحدة. والمركب: ما يفيد لإسناد معنى إلى آخر. المكان: الجسم الذي يعتمد عليه غيره، والكعلى (؟) هي الجهة مكانا. المماسة: المجاورة.

[ 284 ]

الممتنع: الذي يستحيل كونه، والممكن نقيضه، وهو الذي لا يلزم من نفرض وجوده ولا من فرض عدمه من حيث هو محال. المستحيل: الذي يتعذر وجوده في نفسه. المنة: ذكر الصنيعة على وجه من فعلت له. الموت: ما يقتضي زوال حياة الجسم من الله تعالى أو الملك من غير جرح يظهر. المستحق: الفعل الحسن بعد تقدم ما يقتضي حسنه أو وجود به لولا تقدمه لما حسن. المستطيع: هو المتمكن من إيجاد الفعل لحضور ما يحتاج إليه من إيجاده. المحاباة: تخصيص أحد المستحقين [ بأن ] ينتفع دون الآخر مع تساويهما في الاستحقاق. الموازنة: مقابلة الثواب والعقاب، ويسقط استحقاق الأقل منهما بالأكثر ويسقط من الكثير أيضا ما يقابل الأول منها. والموازنة: الموافاة توجب الوعد والوعيد إلى من المعلوم منه أنه يرد القيامة مستحقا للثواب والعقاب دون ما قبل القيامة. المانوية: قوم يذهبون إلى قدم النور والظلمة، وأن العالم مركب منهما، وأنهما مطبوعان على الخير والشر، منسوبة إلى [ ماني ] اسم رجل. المجوس: قريب منهم، ويذهبون إلى أن الله تعالى هو النور الأعلى وهو يزدان، وأن الشيطان من جنس الظلمة وهو اهرمن. المشركون: الكافرون أثبتوا لله شريكا أولا. المنزلة بين المنزلتين: القول بأن للفاسق منزلة متوسطة بين منزلة الكافر والمؤمن المستحق للثواب في الاسم والحكم.

[ 285 ]

المجبرة: الذين زعموا أنه لا محدث للمحدثات المحسنات والمقبحات إلا الله تعالى. المرجئة: الواقفة في الفساق هل لهم عذاب أم لا. المعتزلة من العدلية: القائلون بالوعيد والعقاب لفساق أهل الصلاة قطعا والمنزلة بين المنزلتين. المشبهة: الذين يذهبون إلى أن الله تعالى جسم طويل عريض. المهمل: كل قول [ لا ] يتواضع عليه ليستعمل، وهو نقيض المستعمل. المعارضة: مقابلة الخصم بما يظهر عنده أنه يقول بمثل ما يقول، أما السائل [ ا ] والمجيب. المناقضة: ذكر جملتين مخبرها واحد ووقته وجهته واحد يقتضي إحداهما نفي ما يقتضي الأخرى إثباته. الملك: المضاف إلى الفعل في الشرع القدرة على التصرف الحسن، أما المضاف إلى العين فلا بد فيه مع القدرة على التصرف من أن يكون له التصرف بجميع التصرفات الحسنة، لاختصاصه واختصاص سببه الذي يتبعه اختصاص التصرفات. المالك: من قدر على التصرف فيه ولم يكن لأحد منعه منه. من الألفاظ. المترادفة: هي الألفاظ المفردة الدالة على مسمى واحد كالخمر والراح والعقال. اللفظ المشترك: الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعا أولا من حيث هما كذلك كالعين احترازا من المتواطي. المتواطية: التي تدل على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها كاسم

[ 286 ]

الانسان على زيد وعمرو، والحيوان على الانسان والفرس والطير. المتزايلة: هي المتبائنة التي ليس بينها شئ من هذه النسب كالفرس والذهب والثوب ونحو ذلك. المشكك: ما يقع على مسميات بمعنى واحد لكن بينها اختلاف بالتقدم والتأخر والشدة والضعف، كالموجود الواقع على الخالق والمخلوقات وهو في الخالق أولى، وكالبياض الواقع على الثلج والعاج وفي الثلج أشد. المشابهة: ما يكون المراد باللفظ واحدا في المسميات لكن بين المعنيين مشابهة بوجه ما كلفظ الفرس على مسماه وعلى المصور صورة الفرس. المحكم: إما المتقن الصنعة في الفصاحة، وأما الذي لا يحتمل تأويلين مشتبهين ولا يمنع العقل من ظاهره. المتشابه: إما المتساوي في الأحكام في الفصاحة وحسن المعنى، وإما الذي يحتمل تأويلين مشتبهين احتمالا شديدا وظاهره يوضع لما يمنع منه العقل وأحد تأويليه يحظره العقل. المتكبر: في صفات الله تعالى التي له العظمة والكبرياء التي لا عظمة فوقها وهو في حق العبد الذي يتكلف افعال الكبراء وليس منهم مع اعتقاد ذلك لنفسه. المصلحة: كل ما عنده يختار المكلف الطاعة أو يكون عنده أقرب إلى اختيارها مع تمكنه في الحالين. المفسدة: ما يختار [ عنده ] المكلف المعصية أو يكون أقرب إلى اختيارها مع تمكنه في الحالين، وليس فيه تعريض لثواب زائد، المجاز: كل كلام أريد به غير ما وضع له في الأصل على جهة التبع للأصل.

[ 287 ]

النون النبي: رفيع المنزلة عند الله تعالى المحتمل رسالته بلا واسطة آدمي بالهمزة ولا يهمز غيرها. الندب: كلما رغب فيه بما يستحق المدح ولا يستحق شيئا بإخلاله الذم. وكذا النفل. الندم: الغم والأسف على ما فعل ولم يفعل. النطق: تقطيع الأصوات حروفا باللهوات. واللهوات والشفتين أو ما يجري مجرى ذلك كأصوات الطيور. نظر العين: تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرائي التماسا لرؤيته، ونظر القلب ترتيب اعتقادات أو ظنون ليتوصل بها إلى الوقوف على الشئ بعلم أو ظن. النفي: إعدام الموجود، أو الخبر عن عدم الشئ. النور: الجسم الرقيق المضئ. النهي: قول القائل لغيره [ لا تفعل ] على جهة الاستعلاء إذا كره ذلك الفعل. النص: كل كلام يظهر إفادته لمعناه ولا يتناول أكثر منه. النهار: امتداد ضياء الشمس وحركتها على وجه الأرض إلى أن تغرب. النوم: سهو يلحق الانسان مع فتور الأعضاء من غير علة. النسيان: نقل الضرورية (؟) بعد حصولها على مجرى العادة. النفار: مزاج لقلب الانسان يتأذى لأجله بإدراك ما يتعلق به، فإن حصل ذلك المدرك في بدنه كان ألما، وإن أدركه خارج بدنه كالطعوم والروائح والأصوات والمرئيات والحرارة والبرودة تأذى به وكرهه. النامي: كل جسم يزداد في أقطاره بما يخالطه من الأجسام التي تستحيل إلى حقيقته زيادة مناسبة - أعني شيئا فشيئا.

[ 288 ]

النفاق: إظهار الإيمان مع إبطان الكفر. النعمة: المنفعة المفعولة على جهة الاحسان إلى الغير. النية: قبل الارادة من فعل المريد لا على وجه الالجاء المتعلقة بمراد من فعله. النص: كل خطاب يمكن أن يعلم المراد به. الناسخ: الدليل الشرعي الذي يدل على زوال (حكم). قيل الحكم الذي يثبت بدليل آخر شرعي مع تراخيه عنه، وتستعمل ذلك في الحكم دون الدليل. ويقال في الناصب للدلالة، وفي المعتقد أيضا مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا. الواو الواحد: الفرد الذي لا يتجزى، والذي لا مثل له ولا نظير، والذي يختص باستحقاق العبادة دون غيره، ويقال على الله تعالى بالمعاني الثلاثة. الوحي في العرف: الكلام الخفي من جهة ملك في حق نبي في حال اليقظة. الوسوسة: الكلام الخفي إذا تضمن الدعاء إلى القبائح في حال اليقظة. الوعد: إخبار الغير بإيصال نفع محض أو دفع ضرر عنه من جهة المخبر. الوعيد: إخبار الغير بإيصال ضرر محض إليه أو تقوية نفع عنه من جهة المخبر. الواجب أقسام: معين، ومخير فيه، ومضيق، وموسع، وواجب على الأعيان، وواجب على الكفاية. فالمعين: ما للاخلال به مدخل في استحقاق الذم كالصلاة، والمخير فيه: ما للاخلال به وبما يقوم مقامه مدخل في استحقاق الذم كإحدى الكفارات الثلاث.

[ 289 ]

والواجب على الأعيان: الذي لا يقف استحقاق الذم على الاخلال به على ظن إخلال الغير به كالصلاة. وأما الواجب على الكفاية فهو الذي يقف استحقاق الذم على الاخلال الغير به كالجهاد. والمضيق الذي لا يجوز تأخيره عن وقت إلى وقت آخر كمعرفة الله تعالى، والموسع الذي يجوز تأخيره من وقت إلى وقت كالصلاة في أول الوقت إلى وسطه أو آخره. والواجب عند المتكلمين: الذي لا بد من كونه ويتعذر أن لا يكون ويدخل في ذلك النفي والاثبات. الوقت: ما يقدر ظرفا لحدوث حادث أو حوادث ممتد بامتدادها الهاء الهلاك: خروج الشئ عن الوجه الذي لو كان يصح الانتفاع به. الياء اليقين: العلم الظاهر الجلي بعد حصول اللبس في معلومه [ الأولى: الذي لا يفتقر في تقديم تصور أو تصديق آخر ].

[ 291 ]

(25) رسالة في غيبة الحجة

[ 293 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمد مرتبط للنعم، مستدفع للنقم، وصلى الله على خير العرب والعجم، المبعوث إلى سائر الأمم، محمد وعلى آله الطاهري النسم، الظاهري الفضل والكرم. وبعد: فإن المخالفين لنا في الاعتقاد، يتوهمون صعوبة الكلام علينا في الغيبة وسهولته عليهم، وليس بأول اعتقاد جهل اعتقدوه، وعند التأمل يبين عكس ما توهموه. بيان ذلك: إن الغيبة فرع لأصول إن صحت، فالكلام في الغيبة أسهل شئ وأوضحه إذ هي متوقفة عليها. وإن كانت غير صحيحة، فالكلام في الغيبة صعب غير ممكن.

[ 294 ]

بيان هذه الجملة: إن العقل يقتضي بوجوب الرئاسة في كل زمان، وأن الرئيس لا بد من كونه معصوما مأمونا منه كل فعل قبيح. وإذا ثبت هذان الأصلان لم يبق إلا إمامة من نشير إلى إمامته، لأن الصفة التي اقتضاها ودل على وجوبها لا توجد إلا فيه، وتساق الغيبة بهذا سوقا ضروريا لا يقرب منه شبهة، فيحتاج أن ندل على صحة الأصلين المذكورين. فنقول: أما الذي يدل على وجوب الإمامة في كل زمان، فهو أنا نعلم لا طريق للشك علينا أن وجود الرئيس المطاع المهيب المنبسط اليد أدعى إلى فعل الحسن وأردع عن فعل القبيح، وأن المظالم بين الناس: إما أن يرتفع عند وجود من وصفناه، أو يقل. وأن الناس عند الاهمال وفقد الرؤساء يبالغون في القبيح، وتفسد أحوالهم ويختل نظامهم، والأمر في ذلك أظهر من يحتاج إلى دليل، والإشارة إليه كافية، فاستقصاؤه في مظانه. وأما الذي يدل على وجوب عصمة الرئيس المذكور، فهو أن علة الحاجة إليه موجودة 1، وجب أن يحتاج إلى رئيس وإمام كما احتيج إليه. والكلام في الإمامة كالكلام فيه، وهذا يقتضي القول بأئمة لا نهاية لها، وهو محال، أو القول بوجود إمام فارقت عنه علة الحاجة. وإذا ثبت ذلك لم يبق إلا القول بإمام معصوم لا يجوز عليه القبيح، وهو ما قصدناه، وشرح ذلك وبسطه مذكور في أماكنه. وإذا ثبت هذان الأصلان، فلا بد من القول بأنه صاحب الزمان بعينه، ثم

1) ظ: لو كانت موجودة فيه..

[ 295 ]

لا بد من فقد تصرفه وظهوره من القول بغيبته، لأنه إذا بطلت إمامة من أثبتت له الإمامة بالاختيار، لفقد الصفة التي دل العقل عليها. وبطل قول من خالف من شذاذ الشيعة من أصحابنا بما صاحبنا، كالكيسانية والناووسية والواقفية، لانقراضهم وشذوذهم، ولعود الضرورة إلى فساد قولهم فلا مندوحة عن مذهبنا، فلا بد من صحته، وإلا خرج الحق عن الإمامة. وإذا علمنا بالسياقة التي ساق الأصلان إليها أن الإمام هو ابن الحسن عليه السلام دون غيره، ورأيناه غائبا عن الأبصار، علمنا أنه لم يغب مع عصمته وتعين فرض الإمامة فيه وعليه، إلا بسبب اقتضى ذلك، ومصلحة استدعته، وحال أوجبته. ولم يعلم وجه ذلك مفصلا، لأن ذلك مما لا يلزم علمه، وإن تكلفنا وتبرعنا بذكره كان تفضلا، كما إذا تبرعنا بذكر وجوه المتشابه من الآي بعد العلم بحكمة الله تعالى سبحانه، كان ذلك تفضلا. فنقول: السبب في الغيبة هو إخافة الظالمين له، ومنعهم يده من التصرف فيه فيما جعل إليه التصرف فيه، لأن الإمام إنما ينتفع به النفع الكلي إذا كان متمكنا مطاعا، مخلى بينه وبين أغراضه، ليقود الجنود، ويحارب البغاة، ويقيم الحدود، ويسد الثغور، وينصف المظلوم، وكل ذلك لا يتم إلا مع التمكن. فإذا حيل بينه وبين أغراضه من ذلك سقط عنه فرض القيام بالامامة. وإذا خاف على نفسه، وجبت غيبته، والتحرز من المضار واجب عقلا وسمعا، وقد استتر النبي صلى الله عليه وآله في الشعب، وأخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلا الخوف والتحرز من المضار.

[ 296 ]

فإن قيل: النبي صلى الله عليه وآله ما استتر عن قومه إلا بعد أداء ما وجب عليه أداؤه، وقولكم في الإمام يخالف ذلك. ولأن إستتاره عليه السلام لم يتطاول ولم يتماد، واستتار إمامكم قد مضت عليه الشهور وانقضت دونه الدهور. قلنا: ليس الأمر على ما ذكرتم، لأن استتار النبي صلى الله عليه وآله كان قبل الهجرة، ولم يكن عليه السلام أرى جميع الشريعة، فإن معظم الأحكام وأكثرها نزل بالمدينة، فكيف ادعيتم ذلك؟. على أنه لو كان الأمر على ما ادعيتم من الأداء [ و ] التكامل قبل الاستتار، لما كان ذلك رافعا للحاجة إلى تدبيره وسياسته أمره ونهيه. ومن الذي يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله غير محتاج إليه بعد أداء الشرع. وإذا جاز استتار النبي صلى الله عليه وآله مع تعلق الحاجة به لخوف الضرر، وكانت البعثة لازمة لمن أخافه وأحوجه إلى الاستتار وساقط 1 عنه، فكذلك القول في استتار إمام الزمان. فأما التفرقة بطول الغيبة وقصرها، ففاسدة، لأنه لا فرق بين القصير، والممتد وذلك موقوف على علته وسببه، فتطول بطول السبب، وتقصر بقصيره، وتزول بزواله. والفرق بينه وبين آبائه عليهم السلام أنه ظاهر بالسيف، ويدعو إلى نفسه، ويجاهد من خالفه، ويزيل الدول. فأي نسبة بين خوفه من الأعداء وخوف

1) ظ: سقط عنه..

[ 297 ]

آبائه عليهم السلام لولا قلة التأمل. فإن قيل: فأي فرق بين وجوده غائبا لا يصل إليه أحد ولا ينتفع به بشر، وبين عدمه؟ وألا جاز إعدامه إلى حين علم الله سبحانه بتمكين الرعية له كما جاز أن يبيحه الاستتار حتى يعلم منه التمكين لله فيظهر؟. قيل له: أولا نحن نجوز أن يصل إليه كثير من أوليائه والقائلين بإمامته فينتفعون به ومن لا يصل إليه منهم ولا يلقاه من شيعته ومعتقدي إمامته، فهم ينتفعون به في حال الغيبة النفع الذي نقول أنه لا بد في التكليف منه، لأنهم مع علمهم بوجوده بينهم، وقطعهم على وجوب طاعته عليهم ولزومها لهم، لا بد من أن يخافوه ويهابوه في ارتكاب القبائح، يخشوا تأديبه ومؤاخذته، فيقل منهم فعل القبيح ويكثر فعل الحسن، أو يكون ذلك أقرب. وهذه جهة الحاجة العقلية إلى الإمام، فهو وإن لم يظهر لأعدائه لخوفه منهم، وسدهم على أنفسهم طرق الانتفاع به، فقد بينا في هذا الكلام الانتفاع به لأوليائه على الوجهين المذكورين. على أنا نقول: الفرق بين وجود الإمام من أجل الخوف من أعدائه، وهو يتوقع في هذه الحالة أن يمكنوه فيظهر ويقوم بما فوض الله إليه، وبين عدمه جلي واضح. لأنه إذا كان معدوما، كان [ ما ] يفوت العباد من مصالحهم ويعدمونه من مراشدهم ويحرمونه من لطفهم منسوبا إلى الله سبحانه، لا حجة فيه على العباد ولا لوم.

[ 298 ]

وإذا كان موجودا مستترا بإخافتهم إياه، كان ما يفوتهم من المصالح ويرتفع عنهم من المنافع منسوبا إليهم، وهم الملومون عليه المؤاخذون به. على أن هذا ينعكس عليهم في استتار النبي صلى الله عليه وآله، فأي شئ قالوه فيه أجبناهم بمثله هنا. والقول بالحدود في حال الغيبة ظاهر، وهو أنها في حياة فاعلها وحياتها 1 فإن ظهر الإمام والمستحق للحدود باق، وهي ثابتة عليه بالبينة والاقرار، استوفاها منه. وإن فات ذلك بموته، كان الإثم على من أخاف الإمام والجأه إلى الغيبة وليس بنسخ الشريعة في إقامة الحدود، لأنه إنما يكون نسخا لو سقط فرض اقامتها مع التمكين وزوال الأسباب المانعة من اقامتها. وأما مع عدمه والحال ما ذكرنا فلا. وهذه جملة مقنعة في هذه المسألة، والله المستعان وبه التوفيق.

1) كذا في النسخة والظاهر زيادتها، أو أن يكون: في حياة فاعل جانيها..

[ 299 ]

(26) مسألة في الرد على المنجمين

[ 301 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال السيد الشريف المرتضى (رحمه الله) في كتاب الغرر والدرر في أجوبة المسائل السلارية 1: مسألة: ما القول فيما يخبر به المنجمون من وقوع حادث ويضيفون ذلك إلى تأثيرات النجوم؟ وما المانع من أن تؤثر الكواكب على حد تأثير الشمس الأدمة فينا؟ وإن كان تأثير الكواكب مستحيلا، فما المانع من أن تكون التأثيرات من فعل الله تعالى بمجرى العادة عند طلوع هذه الكواكب أو انتقالها؟ فلينعم ببيان ذلك، فإن الأنفس إليه متشوقة. وكيف تقول إن المنجمين حادسون؟ مع أنه لا يفسد من أقوالهم إلا القليل، حتى أنهم يخبرون بالكسوف ووقته ومقداره، فلا تكون إلا على ما أخبروا به، فأي فرق بين إخبارهم بحصول

1) أورد المسألة بتمامها في البحار 8 5 / 282 - 290 وبعضها في فرج المهموم ص 41..

[ 302 ]

هذا التأثير في هذا الجسم؟ وبين حصول تأثيرها في أجسامنا. الجواب: إعلم أن المنجمين يذهبون إلى أن الكواكب تفعل في الأرض ومن عليها أفعالا يسندونها إلى طباعها، وما فيهم أحد يذهب إلى أن الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل عند قرب بعضها من بعض أو بعده أفعالا، من غير أن يكون للكواكب أنفسها تأثير في ذلك. ومن ادعى هذا المذهب الآن منهم، فهو قائل بخلاف ما ذهبت القدماء في ذلك، ومتجمل بهذا المذهب عند أهل الاسلام، ومتقرب إليهم بإظهاره. وليس هذا بقول لأحد ممن تقدم، وكان الذي كان يجوز أن يكون صحيحا - وإن دل الدليل على فساده - لا يذهبون إليه، وإنما يذهبون إلى المحال الذي لا يمكن صحته. وقد فرغ المتكلمون من الكلام في أن الكواكب لا يجوز أن تكون فينا فاعلة. وتكلمنا نحن أيضا في مواضع على ذلك، وبينا بطلان الطبائع الذي 1 يهذون بذكرها وإضافة الأفعال إليها، وبينا أن الفاعل لا بد أن يكون حيا قادرا. وقد علمنا أن الكواكب ليست بهذه الصفة، وكيف تفعل وما يصحح الأفعال مفقود فيها، وقد سطر المتكلمون طرقا كثيرة في أنها ليست بحية ولا قادرة أكثرها معترض. وأشف ما قيل في ذلك: إن الحياة معلوم 2 أن الحرارة الشديدة كحرارة

1) كذا في النسخة، وفي البحار: الذين، والظاهر: التي.
2) ظ: معدومة..

[ 303 ]

النار تنفيها ولا تثبت معها، ومعلوم أن حرارة الشمس أشد وأقوى من حرارة النار بكثير، لأن الذي يصل إلينا على بعد المسافة من حرارة الشمس بشعاعها يماثل أو يزيد على حرارة النار، وما كان بهذه الصفة من الحرارة يستحيل كونه حيا. وأقوى من ذلك كله في نفي كون الفلك وما فيه من شمس وقمر وكوكب أحياءا، السمع والاجماع، وأنه لا خلاف بين المسلمين في ارتفاع الحياة عن الفلك وما يشتمل عليه من الكواكب، وأنها مسخرة مدبرة مصرفة، وذلك معلوم من دين رسول الله صلى الله عليه وآله ضرورة. وإذا قطعنا على نفي الحياة والقدرة عن الكواكب، فكيف تكون فاعلة؟ وعلى أننا قد سلمنا لهم استظهارا في الحجة أنها قادرة. قلنا: إن الجسم وإن كان قادرا، فإنه لا يجوز أن يفعل في غيره إلا على سبيل التوليد، ولا بد من وصلة بين الفاعل والمفعول فيه. والكواكب غير مماسة لنا ولا وصلة بينها وبيننا، فكيف تكون فاعلة فينا. فإن أدعي أن الوصلة بيننا هي الهواء، فالهواء أولا لا يجوز أن يكون آلة في الحركات الشديدة وحمل الأثقال، ثم لو كان الهواء آلة (تحركنا بها الكواكب، لوجب أن نحس بذلك، ونعلم أن الهواء يحركنا ويصرفنا، كما نعلم في غيرنا من الأجسام إذا حركناه بآلة. على أن في الحوادث الحادثة فينا ما لا يجوز أن يفعل بآلة ولا يتولد عن سبب كالإرادات والاعتقادات وأشياء كثيرة. فكيف فعلت الكواكب ذلك فينا؟ وهي لا تصح أن تكون مخترعة للأفعال، لأن الجسم لا يجوز أن يكون قادرا إلا بقدرة، والقدرة لا تجوز لأمر يرجع إلى نوعها أن تخترع بها الأفعال.

[ 304 ]

فأما الأدمة فليست تؤثرها الشمس على الحقيقة في وجوهنا وأبداننا، وإنما الله تعالى هو المؤثر لها وفاعلها بتوسط حرارة الشمس، كما أنه تعالى هو المحرق على الحقيقة بحرارة النار، والهاشم لما يهشمه الحجر بثقله، وحرارة الشمس مسودة للأجسام من جهة معقولة مفهومة، كما أن النار تحرق الأجسام على وجه معقول. فأي تأثير للكواكب فينا يجري هذا المجرى في تمييزه والعلم بصحته؟ فليشر إليه فإن ذلك مما لا قدرة عليه. ومما يمكن أن يعتمد في إبطال أن تكون الكواكب فاعلة ومصرفة لنا، أن ذلك يقتضي سقوط الأمر والنهي والذم عنا، ونكون مقدورين 1 في كل إساءة تقع منا، ونجنيها بأيدينا وغير مشكورين على شئ من الاحسان والافضال، وكل شئ نفسد به قول المجبرة فهو مفسد لهذا المذهب. وأما الوجه الآخر: وهو أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع الكواكب أو غروبه واتصاله أو مفارقته. وقد بينا أن ذلك ليس بمذهب المنجمين البتة، وإنما يتجملون الآن بالتظاهر به، وأنه قد كان جائزا أن يجري الله تعالى العادة بذلك، لكن لا طريق إلى العلم بأن ذلك قد وقع وثبت. ومن أين لنا بأن الله تعالى قد أجرى العادة، بأن يكون زحل أو المريخ إذا كان في درجة الطالع كان نحسا، وأن المشتري إذا كان كذلك كان سعدا. وأي سمع مقطوع به جاء بذلك؟ وأي نبي خبر به واستفيد من جهته؟ فإن عولوا في ذلك على التجربة، بأنا جربنا ذلك ومن كان قبلنا، فوجدناه على هذه الصفة، وإذا لم يكن موجبا وجب أن يكون معتادا.

1) في البحار: ونكون معذورين..

[ 305 ]

قلنا: ومن سلم لكم صحة هذه التجربة وانتظامها واطرادها، وقد رأينا خطأكم أكثر من صوابكم فيها، وصدقكم أقل من كذبكم، فألا نسبتم الصحة إذا اتفقت منكم إلى الاتفاق الذي يقع من المخمن والمرجم. فقد رأينا من يصيب من هؤلاء أكثر ممن يخطئ، وهو على غير أصل معتمد ولا قاعدة صحيحة. فإذا قلتم: سبب خطأ المنجم زلل دخل عليه في أخذ الطالع أو تسير الكواكب. قلنا: ولم لا كانت أصابته سببها التخمين، وإنما كان يصح لكم هذا التأويل والتخريج لو كان على صحة أحكام النجوم دليل قاطع هو غير إصابة المنجم. فأما إذا كان دليل صحة الأحكام الاصابة، فألا كان دليل فسادها الخطأ فما أحدهما في المقابلة إلا كصاحبه. ومما أفحم 1 به القائلون بصحة الأحكام ولم يتحصل منهم عنه جواب، إن قيل لهم في شئ بعينه: خذوا الطالع واحكموا هل يؤخذ أو يترك، فإن حكموا إما بالأخذ أو الترك خولفوا وفعل خلاف ما خبروا به، وقد أعضلتهم هذه المسألة واعتذروا عنها بأعذار ملفقة لا يخفى على عاقل سمعها بعدها من الصواب. فقالوا في هذه المسألة: يجب أن يكتب هذا المبتلى بها ما يريد أن يفعل أو يخبر به غيره فإنا نخرج ما قد عزم عليه من أحد الأمرين. وهذا التعليل منهم باطل، لأنهم إذا كان النظر في النجوم يدل على جميع الكائنات التي من جملتها ما يختاره أحدنا من أخذ هذا الشئ أو تركه. فأي فرق بين أن يطوي ذلك فلا يخبر به ولا يكتبه حتى يقول المنجم ما عنده،

1) أفحمه: أسكته بالحجة..

[ 306 ]

وبين أن يخبر به ويكتبه قبل ذلك. وإنما فزعوا إلى الكتابة وما يجري مجراها، حتى لا يخالف المنجم فيما يذكره ويحكم به من أخذ أو ترك. ولو كانت الأحكام صحيحة وفيها دلالة على الكائنات، لوجب أن يعرف المنجم ما اختاره من أحد الأمرين على كل حال. ولو نزلنا تحت حكمهم وكتبنا ما نريد أن نفعله، لما وجدنا إصابتهم في ذلك إلا أقل من خطائهم، ولم يزيدوا فيه على ما يفعله المخمن المرجم من غير نظر في طالع ولا غارب، ولا رجوع إلى أصل، وإلا فالبلوى بيننا وبينهم 1. وكان بعض الرؤساء بل الوزراء ممن كان فاضلا في الأدب والكتابة ومشغوفا بالنجوم عاملا عليها، قال لي يوما وقد جرى حديث يتعلق بأحكام النجوم ورأى من مخائلي التعجب ممن يتشاغل بذلك ويفني زمانه فيه: أريد أن أسألك عن شئ في نفسي. فقلت: سل عما بدا لك. قال: أريد أن تعرفني هل بلغ بك التكذيب بأحكام النجوم إلى أن لا تختار يوما لسفر ولبس ثوب جديد وتوجه في حاجة. فقلت: قد بلغت إلى ذلك - والحمد لله - وزيادة عليه، وما في داري تقويم ولا أنظر فيه، وما رأيت مع ذلك إلا خيرا. ثم أقبلت عليه فقلت: ندع ما يدل على بطلان أحكام النجوم مما يحتاج إلى ظن دقيق ورؤية طويلة، وها هنا شئ قريب لا يخفى على أحد ممن علت طبقته في الفهم أو انخفضت. خبرني لو فرضنا جادة مسلوكة وطريقا يمشي فيه الناس ليلا ونهارا، وفي محجته آبار متقاربة، وبين بعضها وبعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمل وتوقف

1) خ ل: بينكم..

[ 307 ]

حتى يتخلص من السقوط في بعض تلك الآبار. هل يجوز أن يكون سلامة من يمشي في هذا الطريق من العميان، كسلامة من يمشي فيه من البصراء؟ وقد فرضنا أنه لا يخلو طرفة عين من المشاة فيه بصراء وعميان. وهل يجوز أن يكون عطب البصراء يقارب عطب العميان؟ أو سلامة العميان مقاربة لسلامة البصراء؟ فقال: هذا مما لا يجوز، بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان، ولا يجوز في مثل هذا التقارب. فقلت: إذا كان هذا محالا فأحيلوا نظيره وما لا فرق بينه وبينه، وأنتم تجيزون شبيه ما ذكرناه وعديله، لأن البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم، ويميزون سعدها ونحسها، ويتوقون بهذه المعرفة مضار الزمان ويتخطونها، ويعتمدون منافعه ويقصدونها. ومثال العميان كل من لا يحسن تعلم النجوم، ولا يلتفت إليه من الفهماء والفقهاء وأهل الديانات والعبادات ثم سائر العوام والأعراب والأكراد، وهم أضعاف أضعاف من يراعي عدد النجوم. ومثال الطريق الذي فيه الآبار، الزمان الذي يمضي عليه الخلق أجمعون. ومثال آباره مصائبه ونوائبه ومحنه. وقد كان يجب لو صح العلم بالنجوم وأحكامها، أن تكون سلامة المنجمين أكثر ومصائبهم أقل، لأنهم يتوقون المحن لعلمهم بها قبل كونها، وتكون محن كل من ذكرناه من الطبقات الكثيرة أوفر وأظهر، حتى تكون السلامة هي الطريقة 1 الغريبة.

1) في البحار: الطريفة..

[ 308 ]

وقد علمنا خلاف ذلك، وأن السلامة أو المحن في الجميع متقاربة غير متفاوتة. فقال: ربما اتفق مثل ذلك. فقلت له: فيجب أن نصدق من خبرنا في ذلك الطريق المسلوك الذي فرضناه، بأن سلامة العميان كسلامة البصراء، ونقول: لعل ذلك اتفق وبعد، فإن الاتفاق لا يستمر بل ينقطع. وهذا الذي ذكرناه مستمر غير منقطع. فلم يكن عنده عذر صحيح. ومما يفسد مذهب المنجمين، ويدل على [ أن ] 1 ما لعله يتفق لهم من الاصابة على غير أصل، أنا قد شاهدنا جماعة من الزراقين الذين لا يعرفون شيئا من علم النجوم ولا نظروا قط في شئ منه، يصيبون فيما يحكمون به إصابات مستطرفة. وقد كان المعروف ب‍ (الشعراني) الذي شاهدناه، وهو لا يحسن أن يأخذ الاسطرلاب للطالع، ولا نظر قط في زيج ولا تقويم، غير أنه زكي 2 حاضر الجواب، فطن بالزرق معروف به كثير الاصابة وبلوغ الغاية فيما يخرجه من الأسرار. ولقد اجتمع يوما بين يدي جماعة كانوا عندي، وكنا قد اعتزمنا جهة نقصدها لبعض الأغراض، فسأله أحدنا عما نحن بصدده، فابتدأه من غير أخذ طالع ولا نظر في تقويم، فأخبرنا بالجهة التي أردنا قصدها، ثم عدل إلى كل واحد من الجماعة، فأخبره عن كثير من تفصيل أمره وأغراضه. حتى قال لأحدهم: وأنت من بين الجماعة قد وعدك واعد بشئ يوصله إليك، وقلبك به متعلق، وفي كمك شئ مما يدل على هذا، وقد انقضت حاجتك وانتجزت، وجذب يده إلى كمه فاستخرج ما فيه، فاستحيى ذلك الرجل ووجم

1) الزيادة من البحار.
2) كذا في النسخة والبحار، والظاهر: ذكي.

[ 309 ]

ومنع من الوقوف على ما في كمه بجهده، فلم ينفعه ذلك، وأعان الحاضرون على إخراج ما في كمه لما أحسوا بالإصابة من الزرق، فأخرج من كمه رقاع كثيرة في جملتها صك على دار الضرب بصلته 1 من خليفة الوزراء في ذلك الوقت. فعجبنا مما اتفق من أصابته مع بعده من صناعة النجوم. وكان لنا صديق يقول أبدا: من أدل دليل على بطلان أحكام النجوم إصابة الشعراني. وجرى يوما مع من يتعاطى علم النجوم هذا الحديث، فقال: عند المنجمين أن السبب في إصابة من لا يعلم شيئا من علم النجوم، أن مولده وما يتولاه ويقتضيه كواكبه اقتضى له ذلك. فقلت له: لعل بطليموس وكل عالم من عامة 2 المنجمين ومصيب في أحكامه عليها إنما سبب أصابته مولده وما يقتضيه كواكبه من غير علم ولا فهم، فلا يجب أن يستدل بالإصابة على العلم، إذ كانت تقع من جاهل ويكون سببها المولد. وإذا كانت الاصابة بالمواليد، فالنظر في علم النجوم عبث ولعب لا يحتاج إليه، لأن المولد إن اقتضى الاصابة أو الخطأ، فالتعلم لا ينفع وتركه لا يضر. وهذه علة تسري إلى كل صنعة حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق وصانع حاذق وناسج للديباج مونق، لا علم له بتلك الصناعة، وإنما اتفقت الصنعة بغير علم لما تقتضيه كواكب مولده، وما يلزم على هذا من الجهالات لا يحصى. واعلم أن التعب بعلم مراكز الكواكب وأبعادها وأشكالها وتسيراتها متى لم يكن ثمرته العلم بالأحكام والاطلاع على الحوادث قبل كونها لا معنى له ولا

1) في البحار: صلة.
2) خ ل علماء..

[ 310 ]

غرض فيه، لأنه لا فائدة في أن يعلم ذلك كله ويختص نفس العلم به. وما يجري الاطلاع على ذلك إذا لم تتعد المعرفة إلى العلم بالأحكام إلا مجرى العلم بعدد الحصى وكيل النوى، ومعرفة أطوال الجبال وأوزانها. وكما أن العناء في تعرف ذلك عبث وسفه لا يجدي نفعا، فكذلك العلم بشكل الفلك وتسيرات كواكبها وأبعادها، والمعرفة بزمان قطع كل كوكب للفلك وتفاصيلها فيه. وما شقي القوم بهذا الشأن وأفنوا أعمارهم إلا لتقديرهم أنه يفضي إلى معرفة الأحكام. فلا تغتر بقول من يقول منهم: اننا تنظر في ذلك لشرف نفوسنا بعلم الهيئة، ولطيف ما فيها من الأعاجيب، فإن ذلك تجمل منهم وتقرب إلى أهل الاسلام. ولولا أن غرضهم معرفة الأحكام، لما تعنوا بشئ من ذلك كله، ولا كانت فيه فائدة ولا منه عائدة. ومن أدل الدليل على بطلان أحكام النجوم، أنا قد علمنا أن من جملة معجزات الأنبياء عليهم السلام الإخبار عن الغيوب، وعد ذلك خارقا للعادات، كإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص. ولو كان العلم بما يحدث طريقا نجوميا، لم يكن ما ذكرناه معجزا ولا خارقا للعادة. وكيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام النجوم؟ وقد أجمع المسلمون قديما وحديثا على تكذيب المنجمين، والشهادة بفساد مذاهبهم وبطلان أحكامهم. ومعلوم من دين الرسول صلى الله عليه وآله ضرورة التكذيب بما يدعيه المنجمون والازراء عليهم والتعجيز لهم. وفي الروايات عنه عليه السلام من ذلك ما لا يحصى كثرة. وكذا عن علماء أهل بيته عليهم السلام وخيار أصحابه، فما زالوا يبرؤن من مذاهب المنجمين،

[ 311 ]

ويعدونها ضلالا ومحالا. وما اشتهر هذه الشهرة في دين الاسلام كيف يغتر بخلافه منتسب إلى الملة ومصل إلى القبلة. فأما إصابتهم في الإخبار عن الكسوفات، وما مضى في أثناء المسألة من طلب الفرق بين ذلك، وبين سائر ما يخبرون به من تأثيرات الكواكب في أجسامنا، فالفرق بين الأمرين أن الكسوفات واقترانات الكواكب وانفصالها طريقه الحساب وتسير الكواكب، وله أصول صحيحة وقواعد سديدة. وليس كذلك ما يدعونه من تأثيرات الكواكب في الخير والشر والنفع والضر. ولو لم يكن في الفرق بين الأمرين إلا الاصابة الدائمة المتصلة في الكسوفات وما يجري مجراها، فلا يكاد يبين فيها خطأ البتة، وأن الخطأ المعهود الدائم إنما هو في الأحكام الباقية، حتى أن الصواب هو العزيز فيها، ومما يتفق لعله فيها من الاصابة قد يتفق من المخمن أكثر منه، فحمل أحد الأمرين على الآخر بهت وقلة دين. إنتهى كلامه قدس الله أسراره. * * * ثم ذكر الناسخ كلاما آخر للسيد في مسألة النجوم قال: ومن المناسب أن نضم مع ما ذكر في هذا المقام جوابا آخر للسيد (رحمه الله) يتعلق بهذا المرام، بنقل بعض الأعلام 1 عن السيد ابن طاووس (رحمه الله) عنه أنه كتب في أجوبة بعض ما سئل عنه، ليكون الناظر على بصيرة، وهذا كلامه: قلنا: إن الذي جاء بعلم النجوم من الأنبياء هو إدريس عليه السلام، وإنما

1) هو العلامة المجلسي في البحار 58 / 289..

[ 312 ]

علم من جهته على الحد الذي ذكرناه، ونعلم أنه لا يجوز كونها دلالة إلا على هذا الوجه فقط، لأن الشئ إنما يدل على هذا الحد، أو على الوجه الذي يدل الدليل العقلي عليه. وقد بينا تعذر ذلك في النجوم، فلم يبق إلا ما ذكرناه. والقطع على أن كيفية دلالتها معلوم الآن غير ممكن، لأن شريعة إدريس عليه السلام وما علم من قبله كالمندرس، فلا نعلم الحال فيه. فإن كان بعض تلك العلوم قد بقي محفوظا عند قوم تناقلوه وتداولوه، لم نمنع أن يكون معلوما لهم إذا اتصل التواتر. وإن لم يكن كذلك، لم نمنع أن يكون العلم به، وإن بطل وزال أن يكون أمارة يقتضي غالب الظن عند كثير منهم. وهذا هو الأقرب فيما يتمسك به أهل النجوم، لأنهم إذا تدبرت أحوالهم وجدتهم غير واثقين بما يحكمون، وإنما يتقدم أحدهم في ذلك العلم، كتقدم الطبيب في الطب، فكما أن علوم الطب مبنية على الأمارات التي تقتضيها التجارب وغالب الظن، فكذلك القول في علم النجوم، إلا في أمور مخصوصة يمكن أن يعلم بضروب من الأخبار. إنتهى.

[ 313 ]

(27) جوابات المسائل الرسية الأولى

[ 315 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على متوالي نعمه ومتتالي قسمه، وله الشكر أن جعلنا والتفكر 1 حتى نميز بين الحق المبين، والحجة المتبوعة والشبهة المدفوعة. وصلى الله على سيد الأمم، وأفضل العرب والعجم، محمد نبيه وصفيه ونجيبه. وعلى أفاضل عترته وأطائب ذريته. أما بعد: فإني وقفت على المسائل التي ضمنها الشريف (أدام الله عزه) كتابه، وسررت شهد الله تعالى بما دلتني عليه هذه المسائل من كثرة تدبر، وجودة تبحر، وأنس ببواطن هذه العلوم ومأربها وكوامنها. وأنا أجيب عن المسائل على ضيق زما ني، وقلة فراغي، وكثرة قواطعي، ومن الله جلت عظمته استمد التوفيق، مستمطرا أغمامه ومسند مرأته؟ فهو تعالى ولي ذلك والقادر عليه، المفزوع فيه إليه.

1) ظ: أهل التفكر..

[ 316 ]

المسألة الأولى (حكم معتقد الحق تقليدا) ما القول في معتقد الحق تقليدا؟ أكافر أم مؤمن أم فاسق؟. فإن كان كافرا وندم عن تقليده وقصد إلى النظر، أيترك التكليف الشرعي إلى أن تستقر له المعرفة؟ إذ كانت صحتها موقوفة على حصول المعرفة، أو يعمل بها 1 مع علمنا بأنها غير عبادة. فإن كان العمل بها واجبا، ففيه خلاف الأصول. وإن كان غير واجب، ففيه خلاف ما أجمع المسلمون عليه، من وجب التكليف الشرعي على كل بالغ كامل العقل. وكذلك القول في زمان مهلة النظر لكل مكلف وما زاد عليها من الأزمان التي فرط فيها في النظر في طريق المعرفة، هل يجب عليه فيها العبادات؟ وما يفعله إذا حصلت له المعرفة بدليلها؟ أيقضي ما تركه أو ما فعله أو لا؟. الجواب: إعلم أن معتقد الحق على سبيل التقليد غير عارف بالله تعالى، ولا بما أوجب عليه من المعرفة به. فهو كافر لإضاعته المعرفة الواجبة. ولا فرق في إضاعته الواجب عليه من المعرفة، بين أن يكون جاهلا معتقد الحق، وبين أن يكون شاكا غير معتقد لشئ، أو بين أن يكون مقلدا. لأن خروجه من المعرفة على الوجوه كلها حاصل في إطاعته لها ثابتة، وهو كافر. لأن الاخلال

1) ظ: به مع علمنا بأنه غير عبادة، فإن كان العمل به واجبا..

[ 317 ]

بمعرفة الله ومعرفة من يجب العلم به لا يكون إلا كفرا. وقد بينا في كتابنا الموسوم ب‍ (الذخيرة) كيف الطريق إلى كفر من ضيع المعارف كلها، وسلكنا فيها غير الطرق التي سلكها المعتزلة. فإذا ثبت كفر من ضيع المعارف، فلا شبهة في أنه فاسق، لأن كل كفر فسق وإن لم يكن كل فسق كفرا. فأما العمل بالعبادات الشرعية، فليس يجوز أن يكلفها إلا من يصح منه أن يأتي بها على الوجه الذي وجب عليه. وقد علمنا أن من قلد فاعتقد الحق تقليدا من غير نظر يفضي به إلى المعرفة، قد فرط فيما وجب عليه من المعرفة، وعري من العلم لتفريطه فيه، فهو ملزم معاقب على تضييعه وتفريطه، وهو مخاطب بهذه العبادات في ابتداء الوقت الذي لو نظر وعرف ما يلزمه من المعارف، كان فيه عالما بوجوب هذه العبادات عليه وصح منه أداؤها على الوجه الذي وجبت. فأما مثل هذا الوقت الذي 1.... فإنه لا يجوز أن يلزمه فيه عبادة شرعية، لأنها لا يصح منه قبل المعرفة بوجوبها إلا لمعرفته 2. والقول في مهلة النظر مثل هذا بعينه، لأن الزمان الذي لا يجوز أن يقع المعارف إلا بعد تقضيه، ولا يمكن أن يتقدم عليه هو المسمى مهلة النظر، وهذا زمان لا يمكن قبل انقضائه أن يعرف وجوب شئ من العبادات، فكيف يلزمه أن يفعل ما لا يصح أن يعلم وجوبه عليه. فأما من أهمل النظر وفرط فيه حتى انقضى الزمان المضروب لمهلة النظر، فإن العبادات تلزمه، لأنه لو شاء أن ينظر في الزمان المضروب لمهلة النظر لنظر

1) بياض في النسخة والظاهر أنه: لا يمكنه المعرفة فيه.
2) ظ: المعرفة..

[ 318 ]

وعرف ما يجب عليه معرفته، وعلم وجوب هذه العبادات عليه وأمكنه أن يفعلها على الوجه الذي وجبت عليه. فإذا ضيع ذلك كان ملوما معاقبا.... فإن قيل: كيف تقولون فيمن أهمل النظر في معرفة الله تعالى وضيعها وتقضى زمان مهلة النظر وأضعافه؟ أهو مكلف وحاله هذه لأن يفعل العبادات؟. فإن قلتم: إنه مكلف، فهو مكلف لما لا يطاق، لأنه لا يعلم في هذه الحال وجوبها عليه، ولا يتمكن أيضا من العلم بذلك، لحاجة هذا العلم إلى علوم كثيرة يتقدم عليه تضيق هذا الزمان عنها. وإن قلتم: إنه غير مكلف تركتم مذهبكم في أن الكفار كلهم يخاطبون بالشرعيات. قلنا: إن كان ذلك الزمان الذي سئلنا عن تكليفه الشرعيات فيه زمانا يتمكن قبل حوله من العلم بوجوب هذه الشرعيات عليه، فهو مخاطب بفعلها وإن كان يضيق عن ذلك، لتفريطه وإهماله إلى أن انتهى إليه. فإنا نقول: كان مخاطبا بفعل هذه الشرعيات في هذا الزمان، فأضاع ما كلفه، فهو مذموم معاقب على إخلاله بهذه الشرعيات، لأنها كانت واجبة عليه قبل هذا الزمان، وهو الآن مخاطب منها 1 بما يتمكن من العلم بوجوبه. فإن علم وفعل فقد قام بالواجب، وإن فرط أيضا كان القول فيه ما تقدم ذكره... وأما وجوب القضاء عليه متى عرف الله تعالى ووجوب الشرعيات، فإنه غير واجب عليه القضاء ولا سقوط بسقوطه، لانفصال كل واحدة من هاتين العبادتين عن الأخرى، لأن في العبادات ما لا يجب أداؤه ويجب قضاؤه، كصوم الحائض. وهذه المسألة قد أحكمناها واستقصيناها في مسائل أصول الفقه، حيث دللنا على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات.

1) في الهامش: بها..

[ 319 ]

وبينا أنهم متمكنون في حال كفرهم من أداء هذه العبادات، بأن يؤمنوا ويسلموا، فيعلموا وجوبها، ويتمكنون حينئذ من فعله. وبينا أن من دفع وجوب ذلك عليهم من حيث لا يتمكنون منه في الثاني والابعد أحوال كثيرة، يلزمه أن لا يكون المحدث مخاطبا بالصلاة، لأنه لا يتمكن مع الحدث من إيقاعها، لكنه لما تمكن من إزالته الحدث قبل الايقاع كان مخاطبا بالايقاع، وبلغنا في استيفاء ذلك إلى الغاية القصوى.... وعندنا أن المرتد يقضي ما فاته من الصلاة وغيرها من العبادات، وإن كان الكافر الأصلي لا يلزم قضاء ذلك إذا أسلم، وهو مذهب الشافعي. والفرق بينهما أن المرتد كفر بعد الالتزام لهذه الشرعيات، فيجوز أن يلزمه من القضاء ما لا يلزم الكافر الأصلي، لأن الكافر الأصلي لم يلتزم من ذلك شيئا، وأن له 1 لازما. فأما ما مضى في أثناء الكلام من إجماع المسلمين على أن التكليف الشرعي لازم لكل بالغ كامل العقل، فهو خطأ بلا شبهة، لأن الخلاف كله في ذلك.... أما المتكلمون فيذهبون إلى أن من هو في مهلة النظر لا يجب عليه العبادات الشرعيات، فإنه لا يتمكن من العلم بوجوبها عليه، وإن كان بالغا عاقلا. وأكثر الفقهاء يذهبون إلى أن الكفار كلهم من اليهود والنصارى وغيرهم، غير مخاطبين بالعبادات الشرعية وإن كانوا عقلاء بالغين، فكيف ينبغي الإجماع فيما فيه خلاف كل محق ومبطل؟ فالصحيح إذن ما بيناه ورتبناه.

1) ظ: وإن كان له..

[ 320 ]

المسألة الثانية [ كيفية رجوع العامي إلى العالم ] إذا كنتم تقولون إن العقلاء بأسرهم متساوون في كمال العقل، فما الوجه في فتياكم بأن العامي المسوغ له تقليد العلماء في الفروع، وعلم جل الأصول، هو الذي لا يتمكن من التدقيق في الأصول، ولا يقدر على التغلغل في غوامض المعارف، ولا يستطيع حمل 1 الشبهة، ولا سبيل له إلى معرفة الفروع، لافتقار العلم بها إلى أمور لا يستطيعها العامي بحال مع كونها 2 عاقلا مكلفا، وهل هذا إلا يقتضي اختلاف العقلاء في كمال العقل، من حيث اختلف تكليفهم، أو أنفع على أن العامي غير عاقل، فيكون غير مكلف لشئ. الجواب: إعلم أن العامي لا يجوز أن يسوغ له العمل بفتيا العلماء، إلا بعد أن يكون ممن قامت عليه الحجة بصحة الاستفتاء والعلم بجوازه. ولن يكون كذلك إلا وهو ممن يصح أن يعلم الأحوال التي نشأ عليها صحة الاستفتاء إما على جملة أو تفصيل، لأنه إن لم يكن بذلك عالما كان مقدما من العمل بالفتيا على ما لا يأمن كونه قبيحا، وإنما يأمن أن يكون كذلك بأن يعلم الحجة في جواز الاستفتاء وصحته. وقد علمنا أن الاستفتاء مشروع، ومن جملة ما علمناه بالسمع من جهة الرسول صلى الله عليه وآله، فلا بد من أن يكون هذا العامي الذي سوغنا له العمل بالفتيا

1) ظ: حل.
2) ظ: كونه..

[ 321 ]

متمكنا من العلم بصحة الشرعية وصدق الرسول صلى الله عليه وآله. وكذلك لا بد من أن يكون عالما بما يبتني على صحة الرواية من التوحيد والعدل. لكن هذه العلوم قد يكفيه منها المجمل دون التفصيل والشرح الطويل والتدقيق والتعميق. وقد طعن قوم في صحة الاستفتاء، فقالوا: العامي المستفتي لا يخلو من أن يكون عاميا في أصول الدين أيضا أو عالما بها. ولا يجوز أن يكون في الأصول مقلدا، لأن التقليد في الفروع إنما جاز من حيث أمن هذا المقلد من كون ذلك قبيحا، وإنما يأمن منه لمعرفته بالأصول، وأنها سوغت له الاستفتاء فقطع على صحة ذلك، لتقدم علمه بالأصول الدالة عليه. والأصول لا يمكن التقليد فيها على وجه يقطع على صحته، ويؤمن من القبيح فيه، لأنه ليس ورائها ما يستدل إلى ذلك 1، كما قلناه في الفروع. فلا بد من أن يكون عالما بصحة الأصول، إما على جملة، أو على تفصيل. قالوا: ومن علم أصول الدين وميز الحق فيها من الباطل، كيف لا يصح أن يعلم الفروع، وهو أهون من الأصول. وإن كان هذا العامي ممن لا يتمكن من إصابة الحق في أصول ولا فروع، فهو خارج من التكليف وجار مجرى البهائم، ولا حاجة إلى الفتيا، فليس شئ بمحرم عليه ولا واجب. وهذا الذي حكيناه غلط فاحش، لأن العامي في الفروع الذي يسوغ له الاستفتاء والعمل به، لا بد أن يكون عالما على سبيل الجملة بالأصول، حتى يكون ممن يقوم عليه الحجة بجواز الاستفتاء.

1) خ ل: إليه و (ظ): على..

[ 322 ]

وليس يجب أن يكون هذا العلم المجمل في موضع مبسوطا مشروحا مفرعا مشعبا، حسب ما يفعله مدققوا المتكلمين. وليس يجب فيمن يحصل له علم الجملة في الأصول أن يتمكن من معرفة الفروع على التفصيل، بل لا بد في معرفة حكم كل حادثة من فروع الشريعة من علوم ربما لم يقدر عليها صاحب الجملة في الأصول، إلى الاستفتاء في فروع الشريعة، لما ذكرناه. وقد استقصينا هذا الكلام وبسطناه وفرعناه في جواب المسائل الحلبيات، وانتهينا فيه إلى أبعد غاياته. وليس يجب إذا كان العامي الذي من فرضه الاستفتاء، ولا يتمكن من العلم بأحكام الحوادث على التفصيل، أن يكون غير عاقل، أو غير كامل العقل. لأن العقل اسم لعلوم مخصوصة يصح من المكلف بما كلفه والقيام به. وهذا العامي ما كلف النظر في أحكام الحوادث على التفصيل والعلم بها، فلا يكون ناقص العقل، لأن معه من العلوم التي يسمى عقلا ما يكفيه في معرفة ما كلفه والعمل به، وما فاته من علوم زائدة على ذلك إذا لم تكن مخلة بشئ من تكليفه، فإنها لا تسمى عقلا على هذا الذي قررناه. ولأن العقلاء وإن اختلفوا في حصول العلم 1 الضرورية لهم وزادت في بعضهم ونقصت في بعض آخر، لا يجب أن يكونوا مختلفين في كمال العقل، ولا في العلوم المسماة بهذا الاسم. لأنا إذا جعلنا هذا الاسم واقعا على ما يحتاج العاقل إليه في معرفة ما كلفه دون غيره، لم يكن ما فات بعضهم في هذه العلوم مسمى بكمال العقل، لأنه غير مخل بما كلفه.

1) ظ: العلوم..

[ 323 ]

فالقول بجواز التفاوت في العلوم صحيح. وليس بصحيح القول في كمال العقل لما بيناه. المسألة الثالثة [ معرفة وجه إعجاز القرآن ] إذا كان صدق مدعي النبوة لا يثبت إلا بالمعجز الخارق للعادة على وجه لا يتقدر معه اضافته إلى محدث بحسنه أو صفته المخصوصة، ليعلم الناظر اختصاصه بالقديم تعالى الذي لا يجوز منه تصديق الكذب. وكنتم تقولون إن وجه الاعجاز في القرآن هو الصرفة المفتقر به 1 إلي العلم بالفصاحة، ليعلم الناظر عدم 2 الفرق الواجب حصوله بين المعجز والممكن. وذلك يقتضي تعذر حصول العلم بالنبوة على من ليس من أهل المعرفة، ولم يفرق ما بين صحيح الكلام وركيكه. وفي هذا سقوط تكليف النبوة على أكثر الخلق والأعاجم وغيرهم ممن لا بصيرة له بالفصاحة. أو القول بوجوب تقديم معرفة العربية، وذلك مما يتعذر في أكثر المكلفين ويتعذر في آخرين، مع ما فيه من إيجاب معرفة العربية ووقوف تكليف النبوة طول زمان مهلة المعرفة بها. ولا يمكن أن يقال: خرق العادة وتعذر المعارضة كان هؤلاء المعلم بالنبوة. لأنا قد بينا ما لا خلاف فيه، من أن خرق العادة غير كاف في الاعجاز، حتى يكون واقعا على وجه لا يصح دخوله تحت مقدور محدث، وهذا الحكم

1) ظ: المفتقر بها.
2) الظاهر زيادة (عدم)..

[ 324 ]

لا يحصل مع القول بالصرفة إلا بعد المعرفة بالعربية، وذلك يقتضي فساد ما بنينا القول به. وكذلك إن قيل لنا أيضا: إذا كان العلم بمراد الله تعالى ومراد رسوله والقائمين في الأمة مقامه (صلوات الله عليه وعليهم) لا يعلم إلا بعد العلم بالعربية التي خوطبنا بها، فيجب على كل مكلف العلم بها أن 1 يكون عالما بالعربية، وذلك يقتضي وجوبها مستدامة لكل مكلف للشريعة على النظر فيها. الجواب، وبالله التوفيق: إعلم أن هذه الشبهة لم يخطر إلا ببال من تصفح كتبي، وقرأ كلامي في نصرة القول بالصرفة، واعتمادي في نصرتها على أن أحدا لا يفرق بالضرورة، من غير استدلال بين مواضع من القرآن، وبين أفصح كلام للعرب في الفصاحة. فإن كان يفرق ما بين أفصح كلامهم وأدونه بفرقة ظاهرة، ومحال أن يفرق بين المتقاربين من لا يفرق بين المتباعدين، فتركيب هذه الشبهة من مفهوم هذا الكلام. وليس يمكن أن يقول في هذا الموضع ما لا يزال أن يقال: من أن الناظر إذا علم أن القرآن قد تحدى به، ولم يقع المعارضة له، لتعذرها عليهم الذي لا يجوز أن يكون معتادا. فليس بعد ذلك إلا أن يكون القرآن خرق العادة بفصاحته، أو صرف القوم عن معارضته، وأي الأمرين كان فقد صحت النبوة، فلا فقر بنا إلى معرفة الوجه على سبيل التفصيل. وذلك أن هذه الطريقة غير مستمرة، على ما بينا في كتابنا في نصرة الصرفة

ظ: وأن..

[ 325 ]

عليه، لأن تعذر المعارضة يمكن أن يكون لفرط فصاحة القرآن وخرق عادتنا بفصاحته، إلا أن للناظر يجوز 1 أن يكون هذا القرآن من فعل جن ألقاه إلى من ظهر عليه يخرق به عادتنا، لأنا لا نحيط علما بمبلغ من دين 2 الجن في الفصاحة. وإذا جوزنا ذلك لم يثبت كونه معجزا بهذا الضرب من الاستدلال، دون أن يعلم أن الذي خرق به عادتنا حكم لا يجوز أن يصدق الكذب. ولهذا قلنا أن سؤال الجن عنه، إلا على مذهب القائلين بالصرفة، لأن من يذهب يعلم أن جهة تعذر المقدمة على العرب إنما هي للصرف عنها، لفرط الفصاحة، والصرف عن العلوم التي يساق معها الكلام الفصيح لا يصح إلا من الله تعالى دون كل قادر محدث. والجواب عن هذه الشبهة: أنه إن كان هذا القول قادحا في مذهب الصرفة، فهو قادح في مذهب خصومهم القائلين بأن جهة إعجاز القرآن فرط فصاحته. لأنه يقال لهم: وإذا كان الطريق إلى العلم بأن فصاحة القرآن خارقة للعادة، وهو عدم معارضته، فلو عورض القرآن بما لا يشبه فصاحته كمعارضة مسيلمة، من أين كان يعلم العجم والعوام وكل من لا يعرف العربية ومراتب الفصاحة، أن هذه المعارضة غير واقعة موقعها. وهو لا يعلم أنه علم معجز إلا بعد أن يعلم أنه لم يعارض معارض مؤثرة، فأي شئ قالوه في ذلك قلنا لهم في مثله في نصرة القول بالصرفة. والجواب عن الشبهة بعد المعارضة: إن من ليس من أهل العلم بالفصاحة ومراتبها من أعجمي أو عامي، متمكن من العلم بفصل فصيح من الكلام على

1) ظ: تجويز.
2) ظ: ديدن..

[ 326 ]

غيره، ومرتبة في الفصاحة بالرجوع إلى أهل الصناعة والسؤال لهم، فيعلم من ذلك ما تدعوه الحاجة إلى علمه، وإن لم يحتج إلى أن يكون هو في نفسه من أهل هذه الصناعة. ألا ترى أن العجمي والعامي اللذين لا يعرفان شيئا من الفصاحة، يصح أن يعلما أن امرأ القيس أفصح ممن عداه من الشعراء، وأن بعض الكلام الفصيح أفضل من بعض، حتى لا يدخل عليه في ذلك شبهة بالخبر ممن يعرف ذلك. وكذلك من لا يعرف منا النساجة أو الصياغة، يصح أن يعلم في ثوب أنه أفضل من غيره أو في علق مصوغ. وإذا كانت جهة العلم ثابتة للا عجمي كما أنها ثابتة للعربي، جاز أن يعلم بالرجوع إلى أهل الصناعة، أن الفرق بين أفصح كلام العرب وبين بعض قصار المفضل 1 في الفصاحة، غير ظاهر ظهور الفرق بين فصاحة شعر الجاهلية والمحدثين. فحينئذ يعلم أن جهة إعجازه هي الصرفة لا فرط فصاحته، لأنه قد علم تعذر المعارضة لائحة، وإذا لم يكن 2 معارضته لفرط الفصاحة فليس إلا الصرف. والقول في أحكام خطاب العربية يجري مجرى ما ذكرناه، في أن للا عجمي أن يعلمه من أهله وإن لم يكن هو في نفسه عالما بالعربية. ومن هذا الذي يشك في أن من كلف معرفة مراد الله تعالى بخطابه، ومراد الرسول عليه السلام بكلامه، لا بد من أن يكون له طريق إلى معرفة ذلك؟ فإن كان من أهل العربية والعلم بموضوعات أهله، فهو يرجع إلى علمه

1) ظ: المفصل.
2) ظ: لم يمكن..

[ 327 ]

ونفسه، فالعلم 1 بالمراد من الخطاب. وإن كان ليس من أهل العربية، فلا بد من الرجوع إلى أهلها فيما يحتاج إلى علمه حتى يتم له العلم بالمراد من الخطاب. وعلى هذا الوجه الذي أشرنا إليه يعلم الأعاجم مراد الله تعالى بخطاب القرآن ومراد العرب بخطابهم لهم وجوازهم 2. ويعلم أيضا العربي مراد العجمي في خطابه له. وهذه جملة كافية. المسألة الرابعة [ حكم الكافرين العارفين وغيرهم ] ما حكم المكلفين الذين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه عنه 3، فأبوا الاجابة. إذا كانوا عارفين بالله تعالى وصفاته وعدله أم لم يكونوا كذلك، فإن كانوا عارفين وجب أن يستحقوا بمعرفتهم الثواب، وذلك ينافي كونهم كفارا بترك إجابته صلى الله عليه وآله على أصولكم في القول بفساد الحابط. وإن كانوا غير عارفين، فالواجب تقديم دعواهم وترتيب الأدلة عليهم، من أعماق النظر فيها قبل الدعوة إلى الشرائع التي هي فرع لها وألطاف فيها. وإيجاب اللطف مع الجهل بما هو لطف فيه لا يصح. ولأن صحتها موقوفة على تقدم المعرفة بمن يتوجه بها إليه.

1) ظ: في العلم.
2) ظ: وجوابهم.
3) الظاهر زيادة (عنه)..

[ 328 ]

ولو دعى إلى ذلك ورتبه برسكم 1 يوجب حصول العلم به، على وجه لا يصح دخول الشبهة فيه، كسائر ما دعى إليه من الفرائض، وكحصول العلم بما رتبه كل منهم معشر المتكلمين، ودعى إليه من العبادات عن الأدلة، وفي عدم ذلك دليل على سقوط ما يوجبونه من النظر في طريق المعارف، أو القول بأحد ما قدمناه مما هو ظاهر الفساد عندكم. الجواب، وبالله التوفيق: إعلم أن من علمنا أنه كافر مستحق للعقاب الدائم، فإنه لا يجوز مع المذهب الصحيح الذي نذهب إليه في فقد الحابط بين الثواب والعقاب، أن يكون معه ايمان أو طاعة يستحق بها الثواب، لأن الطاعة يستحق بها الثواب الدائم، ولا يجتمع استحقاق الدائمين من ثواب وعقاب. ومن جهل نبوة النبي صلى الله عليه وآله كافر بلا شبهة، فهو مستحق للعقاب الدائم. فلو كان عارفا بالله تعالى وصفاته وعدله، لكان قد اجتمع له استحقاق الدائمين من الثواب والعقاب مع فساد الحابط. وأجمعت الأمة على بطلان ذلك. فعلمنا أن الذي يظهره ما في 2 النبوة في المعرفة بالله تعالى سهو ونفاق، أو هو معتقد لها تقليدا، أو بغير ذلك. وليس يمكن أن يدعى أنا نعلم ضرورة كون أحدنا من غيره، وإنما يصح أن يعلمه معتقدا. وقد بينا في مواضع من كلامنا أنه لا يجوز أن يستدل على أن مخالفينا في النبوة عارفون بالله تعالى، من حيث نظروا في أدلتنا ورسوها برسينا، وأنه لا

1) الرسي: الثبوت والرسوخ، ومنه قوله تعالى (أيان مرساها).
2) ظ: نا في..

[ 329 ]

يجوز أن يحصل لهم من العلم ما حصل لنا، لأن ذلك غير معلوم لنا من جهتهم، فإنا لا نقطع على أنهم ناظرون في الأدلة التي نظرنا فيها. ولو نظروا فيها لما علمنا أنهم على الصفة التي يولد معها النظر لهم العلم بالمنظور فيه، غير 1 ممتنع أن يكون على صفة واعتقادات لا يجوز معها ثواب النظر المعلم. والذي يجب أن نعلمه على سبيل الجملة: أنهم لو نظروا وأحوالهم كأحوال من ولد نظره العلم فإذا علمنا أنهم غير عالمين، فلا بد من أن يكون بعض الشرائط اختلت فيهم. وقد مثل المتكلمون في كتبهم ذلك بالرماة على سمت واحد أصاب أحدهم الغرض، وادعى الرامي الآخر الذي لم يصب سهمه الغرض أنه رمى في سمت المصيب وعلى حد رميه وعلى أحواله كلها، فإنا نعلم أن مدعي ذلك كاذب، لأنه لو كان صادقا لا صاب، كما أصاب صاحبه. وقد كنا ذكرنا وجها غريبا خطر لنا في جواب المسائل البرمكيات ما ذكرناه إلا فيها، وهو أن سلمنا حصول المعارف لبعض الكفار، غير أنا قلنا إن المعرفة إنما يستحق عليها الثواب إذا فعلت للوجه الذي وجبت، فأما إذا فعلت لوجه آخر لم يجب منه، فإن الثواب لا يستحق عليها. ألا ترى من رد الوديعة لا لوجوبها عليه، بل للرياء والسمعة وليودع أمثالها، فإنه لا يستحق على الرد مدحا ولا ثوابا. وعلى هذا التقدير لا يمنع أن يكون من جوزنا أن يكون معه معرفة الله تعالى من الكفار ما فعلها لوجه وجوبها بل لوجه آخر، فلا يستحق عليها ثوابا. وإنما نمنع من اجتماع الثواب والعقاب الدائمين.

1) ظ. وغير..

[ 330 ]

وإذا جاز أن يكون في المعارف ما لا يستحق عليه الثواب، أجزنا أن يجامع الكفر. فأما ما مضى في السؤال من أنهم إذا كانوا غير عارفين بالله تعالى، فالواجب أن يتقدم دعاؤهم إلى المعرفة بالله تعالى على الدعاء إلى الشرائع، فعلى هذا جرى الأمر، وأن النبي صلى الله عليه وآله كان يأمر الدعاة الذين ينفذون منه إلى أطراف البلاد، بأن يدعوا الناس إلى معرفة الله تعالى ووحدانيته، ثم إلى نبوته وشريعته. والأخبار في السيرة مملؤة من هذه الألفاظ، ولو لم يرد في ذلك خبر لكنا نعلم أن الأمر جرى عليه لقيام الأدلة على صحته. وإنما ظهور الدعاء إلى النبوة والشريعة أكثر من ظهور الدعاء إلى التوحيد والعدل، لأن المعرفة بالتوحيد والعدل إليه 1 دعاة، وعليها 2 حداة من الناس والخواطر، ومشاهدة آثار الصنعة في العالم، فلو لم يدع إليها 3 داع بعينه لكان في تلك الدواعي التي أشرنا إليه كفاية 4. وليس كذلك النبوة والشريعة، لأنه لا طريق إلى الدعاء إليهما إلا قول النبي صلى الله عليه وآله وتنبيهه، أو قول من يكون رسوله ومؤديا عنه، ولا أحد من المكلفين إلا وهو مدعو بعقله، ربما 5 يسمعه أيضا من غيره، إلى النظر في معرفة الله تعالى، ولا داعي له إلى معرفة نبوته وشريعته إلا قول ذلك النبي وتنبيهه، أو قول من يؤدي عنه، وهذا واضح.

1) ظ: إليهما. 2) ظ: عليهما.
3) ظ: إليهما.
4) ظ: إليها.
5) ظ: وبما..

[ 331 ]

المسألة الخامسة [ الرجوع إلى الكافي وغيره من الكتب المعتبرة ] هل يجوز لعالم أو متمكن من العلم أو عامي الرجوع في تعرف أحكام ما يجب عليه العمل به من التكليف الشرعي إلى كتاب مصنف، ك‍ (رسالة المقنعة) و (رسالة ابن بابويه) أو كتاب رواية ك‍ (الكافي للكليني) أو كتاب أصل ك‍ (كتاب الحلبي) أم لا يجوز ذلك؟ فإن كان جائزا فما الوجه فيه؟ مع أنه غير مثمر لعلم، ولا موجب ليقين، بل الفقهاء العاملون بأخبار الآحاد لا يجيزون ذلك. وإن كان غير جائز فما الغرض في وضع هذه الكتب؟ وهي لا تجدي نفعا. وما الوجه فيما علمناه من رجوع عامة طائفتنا على قديم الدهر وحديثه إلى العمل بهذه الكتب، وارتفاع التكبر من العلماء منا على العامل بها، بل نجدهم يدرسونها مطلقة من جهة خليه من تقية على ترك العمل بمتضمنها، بل يكاد يعلم من قصدهم إيجاب التدين بها. الجواب: إعلم أنه لا يجوز لعالم ولا عامي الرجوع في حكم من أحكام الشريعة إلى كتاب مصنف، لأن العمل لا بد من أن يكون تابعا للعلم على بعض الوجوه، والنظر في الكتاب لا يفيد علما، فالعامل بما وجده فيه لا يأمن من أن يكون مقدما على قبيح.

1) ظ: وبما..

[ 332 ]

ولا يلزم على هذه الجملة جواز العمل بالفتيا وتقليد المفتي، لأن هذا العمل مستند إلى العلم، وهو قيام الحجة على المستفتي، بأن له أن يعمل بقول المفتي، فيأمن لهذا الوجه من أن يكون فاعلا لقبيح. وليس كل هذا موجودا في تناول الأحكام من الكتب. فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يجوزوا التعبد لنا بأن نرجع في الأحكام إلى الكتب، كما نرجع إلى العلماء ونأمن من القبيح، لأجل دليل التعبد، كما قلتم في المفتي. قلنا: لما تعبد العامي بالرجوع إلى من له صفة مخصوصة يتمكن من معرفتها وتمييزها ويثق، لأجل دليل التعبد، بأن ما يفتيه به يجب علمه 1 عليه. وإذا قيل له ارجع في الأحكام إلى الكتب من غير تعيين ولا صفة مخصوصة، لم يكن للحق جهة معينة متميزة مثمرة. ولكن لو قيل له ارجع إلى الكتاب الفلاني وسمى الكتاب وعين أو وصف بوصف لا يوجد إلا فيه يجري مجرى الفتيا في جواز العبادة به، وحصول الأمن من الإقدام على القبيح.... وأما الالزام لنا أن لا تكون في تصنيف هذه الكتب فائدة إذا كان العمل بها غير جائز. فليس بصحيح، لأن مصنف هذه الكتب قد أفادنا بتصنيفها حصرها وترصيفها وجمعها مذاهبه التي يذهب إليها في هذه الأحكام، وأحالنا في معرفة صحتها وفسادها على النظر في الأدلة ووجوه صحة ما سطره في كتابه. ولو لم يكن في هذه الكتب المصنفة إلا أنها تذكرة لنا يجب أن ننظر فيها من أحكام الشرعيات، لأن من لم تجمع له هذه المسائل حتى ينظر في كل واحدة منها ودليل صحته تعب وطال زمانه في جمع ذلك، فقد كفى بما تكلف له من جمعها مؤنة الجمع وبقي عليه مؤنة النظر في الصحة أو الفساد.

1) ظ: عمله..

[ 333 ]

ونرى كثيرا من الفقهاء يجمعون ويربون للمتعلمين ولنفوسهم على سبيل التذكرة رؤوس مسائل الخلاف مجردة من المسائل والعلل، ويتدارسون ذلك ويتلقونه، ونحن نعلم أن اعتقاد ذلك بغير حجة، وليس إذا لم يجز ذلك لم يكن في جمع ذلك وتسطيره فائدة، بل الفائدة ما أشرنا إليه. فأما ما مضى في أثناء الكلام من أن قوما من طائفتنا يرجعون إلى العمل بهذه الكتب مجردة عن حجة، ولا ينكر بعضهم على بعض فعله. فقد بينا في جواب مسائل التبانيات الجواب عن هذا الفصل، وبسطناه وشرحناه وانتهينا فيه إلى الغاية القصوى وقلنا: إنا ما نجد محصلا من أصحابنا يرجع إلى العمل بما في هذه الكتب من غير حجة تعضده ودلالة تسنده بقصده ودلالته. ومن فعل ذلك منهم فهو عامي مقلد في الأصول، وكما يرجع في الأحكام إلى هذه الكتب، فهو أيضا يرجع في التوحيد والعدل والنبوة والامامة إلى هذه الكتب، وقد علمنا أن الرجوع في الأصول إلى هذه الكتب خطأ وجهل، فكذلك الرجوع إليها في الفروع بلا حجة. وما زال علماء الطائفة ومتكلموهم ينكرون على عوامهم العمل بما يجدونه في الكتب من غير حجة مشافهة ومما 1 يصيفونه في كتبهم، وردهم على أصحاب التقليد، فكيف يقال: إن النكير غير واقع، وهو أظهر من الشمس الطالعة. اللهم إلا أن يراد أن النكير من بعض أهل التقليد على بعض ارتفع، فذلك غير نافع، لأن المنكر لا ينكر ما يستعمل قبله، وإنما ينكر من الأفعال ما هو له بجانب ولا اعتبار بعوام الطائفة وطغامهم، وإنما الاعتبار بالعلماء المحصلين

1) ظ: وفيما..

[ 334 ]

المسألة السادسة (من يجب عليه الحج من قابل) في من يجامع قبل عرفة أو فاته مشعر الحرام، أو تعمد ترك ركن من أركان الحج، بأن عليه الحج من قابل واجبا كان أو تطوعا، أو هو مختص لحج الفرض. فإن كان مختصا بالفرض فما الدليل المخصص له به، مع كون الفتيا من الطائفة والرواية الثابتة بذلك مطلقة. وإن كان المراد الجميع، فالتطوع في الأصل غير واجب، فكيف يجب قضاؤه. الجواب: إعلم أنه لا خلاف بين الإمامية في أن المجامع قبل الوقوف بعرفة أو بالمشعر الحرام، يجب عليه مع الكفارة قضاء هذه الحجة، نفلا كانت أو فرضا. وما فرق أحد منهم في هذا الحكم بين الفرض والنفل. وما أظن أحدا من قضاة العامة يخالف أيضا في ذلك، وأصحاب أبي حنيفة إذا ناظروا أصحاب الشافعي في أن الداخل في صلاة تطوع أو صيام نافلة يجب عليه هذه العبادة بالدخول فيها وقضاؤها إن أفسدها، وجعلوا 1 حج النافلة أصلا لهم وقاسوا عليه غيره من العبادات. وأصحاب الشافعي أبدا ما يفرقون بين الموضعين، فإن الحج آكد من باقي العبادات، لأنه لا خلاف في وجوب المضي في فاسده، وليس كذلك الصلاة والصيام، فليس يمتنع لهذه المزية أن يختص الحج، بأن يجب منه ما كان نفلا

1) الظاهر زيادة الواو..

[ 335 ]

بالدخول فيه. وإذا كنا لا نراعي في الشريعة القياس، ونثبت الأحكام بعلل قياسه، فلا حاجة بنا إلى هذه التفرقة. وما علينا أكثر من أن ندل على أن إفساد 1 الحج ما ذكرناه، وأنه يخالف حكم إفساد الصلاة أو الصوم إذا كان تطوعا، وإجماع الطائفة الذي هو حجة على ما بيناه في عدة مواضع، هو الفارق بين حكم الموضعين.... فإن قيل: إذا كانت الحجة تجب بالدخول فيها، فأي معنى لقول الفقهاء، أن في الحج نفلا كما أن فيه فرضا، وعلى هذا التقدير لا حج إلا وهو واجب، لأن النفل يجب بالدخول، فيلحق بالواجب. قلنا: معنى قولنا إن في الحج نفلا، أن فيه ما لا يجب علينا أن ندخل فيه، ولا أن ننشئ الاحرام به، والحج الواجب هو الذي يجب الدخول فيه، ويستحق من لا يفعله الذم. وعلى هذا التقدير لا يجوز أن يكون الشئ من أفعال الحج سوى الاحرام فقط نفلا غير واجب، كالوقوف والطواف وما أشبه ذلك. وعلى مذهب أبي حنيفة في وجوب الصلاة بالدخول فيها يجب أن لا يكون في أفعال الصلاة شئ نفلا سوى تكبيرة الافتتاح، وباقي الأفعال من ركوع وسجود وقراءة يجب أن يكون واجبا، لأنه يوجب النفل بالدخول فيه. فإن قيل: إذا كان الصحيح من مذهبكم أن الشرعيات إنما تجب لأنها ألطاف في العقليات، ولا وجه لوجوبها إلا ذلك، فالواجب من هذه العبادات لطف في أمثاله من واجبات العقول والنفل منها لطف في أمثاله من نوافل العقل، فالحجة إذا وجبت بالدخول فيها فتجب أن تكون لطفا وأمثالها 2 من الواجبات، ولا يكون إلا كذلك، ففي أي موضع يكون الحج لطفا في مثله من النوافل.

ظ: حكم إفساده.
2) ظ: في أمثالها..

[ 336 ]

قلنا: الاحرام إذا كان فاعله مستقلا به متطوعا، فهو لطف في أمثاله من نوافل العقل. فأما باقي أفعال الحج فلا تكون إلا واجبة في نفوسها، ووجه وجوبها ألطاف في أمثالها من واجبات العقل. فليتأمل ذلك وليقس عليه نظائره. المسألة السابعة [ حول الخبر المتواتر ] وإذا كنتم تقولون: إن من شرط الخبر المعلوم مخبره باكتساب أن يبلغ ناقلوه حدا يمتنع معه الكذب باتفاق ولا تواطئ وما يقوم مقامه، ولا يكون كذلك إلا ببلوغهم حدا من الكثرة، ويكون هؤلاء الكثرة متباعدي الديار مختلفي الآراء. فإن كانوا ينقلون بواسطة وجب أن يكون حكمهم في الطريق الذي يعلم الناظر بلوغ الطبقة التي تليه هذا الحد، بلقاء كل ناقل بعينه أم بالخبر عنه، ولا واسطة بين الأمرين يليه من ناقلي النص وغيره من أهل زمانه في جميع البلاد، أو من يقوم بمثلهم الحجة وذلك كالمتعذر، وفيه إذا صح اتفاق استدلال مستدل منا على النص ومعجزات النبي صلى الله عليه وآله أن تبقي من ذكرناه. وإن كان بالخبر عنهم فلا يخلو حصول ذلك من وجوه: إما بخبر كذا واحدا وواحدا عن جميعهم، أو خبر جماعة لا يصح معها الكذب عن جماعة مثلها، أو عن آحاد. والقسمان الأولان والرابع ليس بطريق للعلم، فلا اعتداد به. والقسم الثالث يوجب اختصاص الاستدلال بالتواتر عن بقي من الناقلين عن غيرهم ممن له صفة التواتر، دون من لم يكن كذلك. وهذا لاحق بالقسم

1) ظ: عمن بقي..

[ 337 ]

المتقدم، وقد بينا ما فيه. وإذا أنصف كل مستدل بتواتر من نفسه علم تعذر هذا عليه وارتفاعه عن صفة من سمع منهم ما يقول بتواتره، وإن صح حصوله فالأعيان يكاد لا يعرفون. الجواب: إعلم أن القائلين بالتواتر على ضربين: منهم من يذهب إلى أن الخبر المتواتر فعل الله تعالى عنده للسامعين العلم الضروري بمخبره. والضرب الآخر يذهبون إلى أن العلم بمخبره مكتسب. فمن ذهب إلى الأول يقول على وقوع العلم الضروري له، فإذا وجد نفسه عليه علم أن صفة المخبرين له صفة المتواترين، فعندهم أن حصول العلم بصفة المخبرين. ومن قال بالمذهب الثاني يقول: الطريق إلى العلم بصفة المخبرين هو العادة، لأن العادة قد فرقت بين الجماعة التي يجوز عليها أن يتفق منها الكذب من غير تواطئ وما يقوم مقامه، وبين من لا يجوز ذلك عليه. وفرقت أيضا [ بين من لا يجوز عليه، و ] 1 بين من إذا وقع منه التواطي جاز أن ينكتم، وبين من لا يجوز انكتام تواطي. فإن كل عاقل خالط أهل العادات، يعلم ضرورة أن أهل مدينة السلام، أنه يتفق 2 منهم الكذب الواحد من غير 3 تواطئ عليه ولا أن يتواطؤا ويقوم

1) كذا في النسخة، والظاهر زيادتها.
2) الظاهر زيادة (أنه).
3) خ ل: أن يتفقوا..

[ 338 ]

لهم جامع على الخبر مقام التواطئ، فينكتم ذلك فيستزيل، لا يجوز على من حضر بعض. فإذا علم أن وجود كون الخبر كذبا لا يصح على هذه الجماعات، فليس بعد ارتفاع كونه كذبا إلا أنه صدق، وأي عجب واستبعاد لأن يكون أحدنا يلقى بنفسه ويسمع الخبر ممن هو على صفة المتواترين. أو ليس كل واحد منا يسمع الأخبار ممن يخبره عن عمان وسجستان والبلدان التي ما شاهدها، فيعلم صدقهم إذا علم أن العادة لم تجئ في مثل من خبره عن ذلك بالكذب، لعدم جواز اتفاق الكذب والتواطئ، وهل العلم بالوقائع والحوادث الكبار في عصرنا مستفاد إلا ممن يخبرنا مشافهة عن هذه الأمور. وكذلك العلم بالنص الذي ينفرد به الإمامية، لا يزال أحدنا يسمع كل إمامي عاصره ولقاه يرويه له، مع كثرتهم وامتناع الكذب في العادات على مثلهم، وليس يجب أن لا يعلم هذا النص إلا بعد أن يلقى كل إمامي يرويه في كل بلد، لأنه إذا لقي من جملتهم من خبره بالنص، وقد بلغوا من الكثرة إلى حد يقضي العادات بأن الكذب لا يجوز معه عليهم صدقهم، وإن لم يخبره كل إمامي في الأرض. وليس من شرط الخبر المتواتر أن يكون رواته متباعدي الديار مختلفي الآراء والأوطان ولا يحصيهم عددا، على ما مضى في المسألة، على ما يظنه من لا خبرة له، لأن التواطئ قد يحصل بأهل بلد واحد، بل بأهل محلة واحدة، ومع اتفاق الآراء والأوطان واختلافها، فلا معنى لاعتباره ولا تأثير في الحكم المطلوب له. ولم يبق إلا أن نبين أن الناقلين إذا كانوا لم ينقلوا عما شاهدوه بنفوسهم، بل

[ 339 ]

عن طبقات كثيرة إلى أن يتصل بالمنقول عنه، كيف السبيل إلى العلم بأن الطبقات كلها في الكثرة وامتناع الكذب عليها كالطبقة الأولى التي شاهدناها. وقد كان أصحابنا يستدلون على ذلك بطريقة قد بينا في كتاب الشافي وغيره أنها غير مرضية وطعنا فيها، وهي أن يقولوا إذا أخبرنا من يلينا من الطبقات بأنهم نقلوا الخبر عمن هو على مثل صفتهم في الكثرة، علمنا أن الصفات متفقة. وهذا ليس بصحيح، لأنه يجوز أن يخبرنا من يلينا بذلك إن لم يكونوا صادقين، لأن الكذب في مثل ذلك يجوز على الجماعات، لأنه قد يجوز أن يدعوهم إليه داع واحد من غير أن يتواطؤا، وإنما يقبل خبر الجماعة إذا كان عما لا يجوز أن يجتمعوا على الإخبار به إلا بالتواطئ، وقد علمنا فساده، أو لكونه صادقا. ولهذا نقول: إن الجماعات الكثيرة لو نقلت أن النبي صلى الله عليه وآله تخلف أمير المؤمنين عليه السلام، أو نص عليه بالامامة من غير تعيين على خبر بعينه وألفاظ لها صورة مخصوصة. وقد بينا في الشافي برد وغيره أن الطريق إلى العلم باتفاق الطبقات في هذه الصفة أن الأمر لو لم يكن على ذلك، أو كان هذا الخبر مما حدث وانتشر بعد فقد، أو قوي بعد ضعف، وكثير رواية بعد قلة يوجب 1 أن يعلم المخالطون لرواية ذلك من حالهم ويخبرون ويتعين لهم زمان حدوثه بعينه، ويفرقوا بينه وبين ما تقدمه من الأزمنة، لأن العادات تقضي بوجوب العلم بما ذكرناه. ألا ترى أن كل مذهب حدث بعد فقد يعلم ضرورة من حاله، ويفرق بين زمان حدوثه وبين ما تقدمه. فإذا فقدنا في أهل التواتر العلم بما ذكرناه، علمنا

1) ظ: لوجب..

[ 340 ]

أن صفة الطبقات في نقل هذا الخبر واحدة، وفرعنا هذه الجملة تفريعا يزيل الشبهة بها. وفي هذا القدر الذي ذكرناه هاهنا كفاية. فصل [ فيه ست مسائل تتعلق بالنيات في العبادات ] [ مسألة ]: إذا كان صحة العبادة تفتقر إلى نية التعيين وإلى إيقاعها للوجه الذي شرعت له من وجوب أو ندب على جهة القربة بها إلى الله تعالى والاخلاص له في حال ابتدائها. واتفق العلماء بالشرع على وجوب المضي فيما له هذه الصفة من العبادات بعد الدخول فيها، وقبح إعادتها إذا وقعت مجزية، لكون ذلك ابتداء عبادة لا دليل عليها. فما الوجه فيما اتفقت الطائفة الإمامية على الفتوى به من نقل نية من ابتدأ بصلاة حاضرة في أول وقتها إلى الفائتة حين الذكر لها وإن كان قد صلى بعض الحاضرة وفيه نقض ما حصل الاتفاق عليه من وجوب المضي في الصلاة بعد الدخول فيها بالنية لها وعقدها بتكبيرة الاحرام، وخلاف لوجوب تعيين جملة العبادة بالنية، ومقتضى لكون صلاة ركعتين من فريضة الظهر الحاضرة المعينة بالنية لها، مجزية عن صلاة الغداة الفائتة من غير تقدم نية لها، وهذا عظيم جدا. [ مسألة ]: وما الوجه فيما اتفقوا عليه من جواز تكرير الصلاة الواحدة في آخر

[ 341 ]

الوقت رغبة في فضل الجماعة بعد فعلها في أوله، وفيه أمارة فعل الظهر مرتين، لأن فعل الثانية لا بد أن يكون لوجه الوجوب أو الندب. وإن كان للوجوب فذلك باطل، لأنه برئ الذمة من الظهر بفعل الأولى، ولا وجه لوجوب الثانية، وهو مقتض لكون الخمس صلوات عشرا، وهذا عظيم أيضا. وإن كان للندب وهو مخالف لظاهر الفتيا الرواية عنهم عليهم السلام: صل لنفسك وصل معهم، فإن قبلت الأولى وإلا قبلت الثانية 1 وكيف ينوي بها الندب وهو إمام لقوم يقتدون به، وصلاة المأموم معلقة بصلاة الإمام، وهل عزمه على صلاة جماعتهم وفرضهم بأنها مندوبة إلا كفر به على إفسادها في نفسه. [ مسألة ]: وما الوجه فيما اتفقوا عليه من الفتيا بصلاة من عليه صلاة واحدة فائتة غير متعينة عدة صلوات غير مميزات ثلاثا وأربعا واثنتين. وأن الثلاث قضاء للمغرب إن كانت، والأربع قضاء للظهر أو العصر أو عشاء الآخرة، والركعتان للغداة. أو ليس هذا يناقض الاتفاق على وجوب تعيين النية؟ ووجوب بقاء صلاة الظهر في ذمة من صلى أربعا، لم ينويها ظهرا، بل ينوي بها مندوبة، أو مباحة غير معينة، أو معينة بالعصر، والعشاء، أو القضاء، أو النذر، ولأنه لا بد أن ينوي بالرباعية المفعولة على جهة القضاء الفائت صلاة معينة، أو الثلاث المتغايرات، أو لا ينوي بها شيئا. فإن نوى صلاة معينة لم يجز عن غيرها. وإن نوى بها الثلاث المتغايرات، فتلك نية بلا فائدة، لأن صلاة واحدة لا تكون ثلاث، ولا قضاء الثلاث، ونية

1) راجع وسائل الشيعة 5 / 455 فيه روايات تشبه ذلك..

[ 342 ]

واحدة في الشريعة لا يتبادر ثلاث عبادات متغايرات، من حيث كان أحد شروطها تعلقها بما هي نية له على جهة تعيين، وإن لم ينويها شيئا لم يكن قضاء لشئ، وما الفرق بين الفائت المتعين والمبهم في وجوب تعيين النية لقضاء المتعين دون المبهم على تقدير هذه الفتيا الابهام مختص بتعذر انحصار العدد دون تغايره. وإذا كان لو فاته ظهر متعين، لوجب أن يقضي ظهرا باتفاق. فكيف يجب إذا علم أن عليه صلوات منها ظهر ومنها عصر ومنها عشاء ومغرب وغداة، أن تصلى ظهرا وعصرا ومغربا وعشاءا وغداة، يكرر ذلك حتى يغلب في ظنه براءة ذمته، كما يفعل في قضاء ما يعين بالعدد. وهذا خلاف الفتيا المقررة. [ مسألة ]: وما الوجه في الفتيا بمضي صلاة من فعلها قبل الوقت مع الجهل به أو السهو عنه، مع دخول الوقت وهو في شئ منها. والأمة متفقة على أن من فعل من الركعات قبل الزوال والغروب وطلوع الفجر، فليس بظهر ولا مغرب ولا غداة. وإذا ثبت هذا بغير تنازع، فكيف يكون ما فعل قبل تعلق وجوبه بالذمة مجزيا عما يتعلق بها في المستقبل؟ وكيف يكون صلاته ظهرا يجزيه، وبعضها واجب لو سلم، وبعضها غير واجب؟ وكيف يكون ما لو قصد إليه لكان قبيحا يستحق به العقاب من فعلها قبل الوقت مجزيا عما لو قصد إليه، لكان واجبا يستحق به الثواب من فعلها بالوقت. [ مسألة ]: وما الوجه في الفتيا بإجزاء صوم يوم الشك مع تقدم العزم على صومه من شعبان على جهة الندب عن يوم من شهر رمضان إذا اتفق كونه منه، وهب نية التعيين

[ 343 ]

لا يفتقر إليها في أيام شهر رمضان، لكون يوم شهر رمضان لا يمكن أن يكون من غيره، كيف يكون ما وقع من الفعل بنية التطوع نائبا مناب ما يجب اتباعه لوجه الوجوب. وهل هذا إلا مخالف للأصول الشرعية من افتقار صحة العبادة إلى إيقاعها على الوجه الذي له شرعت، وأن إيقاعها لغيره مخرج لها من جهة التعبد ومخل باستحقاق الثواب، وعلى هذا التقدير من الحكم يجب أن يكون إيقاع العبادة لوجه التطوع لا ينوب مناب إيقاعها لوجه الوجوب على حال. [ مسألة ]: وما الوجه في الفتيا بأن عزم المكلف على صوم جميع شهر رمضان قبل فجر أول يوم منه، يغني عن تكرار النية لكل يوم بعينه؟ مع علمنا بأن العبادة الواحدة تفتقر إلى نية التعيين في حال ابتدائها، دون ما تقدمها أو تراخى عنها وأن الصوم الشرعي العزم على أن لا يفعل مكلفه أمورا مخصوصة في زمان مخصوص، لوجوب ذلك على جهة القربة به، والاخلاص كسائر العبادات المفتقرة صحتها إلى الوجوه التي بها شرعت، واتفاقنا على أن اختلال شرط من هذه يخرج المكلف عن كونه صائما في الشريعة. فكيف يمنع مع هذا أن تكون النية المعقودة على هذا الوجه في أول يوم من الشهر ثابتة 1 عن نية كل يوم مستقبل منه، وهل ذلك إلا مقتضي لصحة صوم من تقدمت منه هذه النية، مع كونه غير عازم في كل يوم مستقبل على أن يفعل ما يجب عليه اجتنابه في زمان الصوم ولا فعله للوجه الذي له شرع الصوم ولا

1) ظ: نائبة..

[ 344 ]

القربة. وهذا ما يجوز 1 المصير إليه، واتفاقنا على وجوب هذه الأمور في كل يوم، وإلا لم يكن المرضي مما يمنع من الفتيا التي حكيناها مع حصول الإجماع عليها، أو يكون لها وجه ممن يذكره. [ النيات غير مؤثرة في العبادات ] الجواب: إعلم النيات غير مؤثرة في العبادات الشرعيات صفات يحصل عنها، كما نقوله في الارادة أنها مؤثرة، وكون الخبر خبرا، أو كون المريد مريدا. وهو الصحيح على ما بيناه في كتبنا، لأن قولنا (خبر) يقتضي تعلقا بين الخطاب وبين ما هو خبر عنه، وذلك المتعلق لا بد من كونه مستندا إلى صفة يقتضيه اقتضاء العلل. وقد دللنا على ما أغفل المتكلمون إيراده في كتبهم وتحقيقه من الدلالة، على أن كون الخبر يقتضي تعلقا بالمخبر عنه، وأن المرجع بذلك لا يجوز أن يكون إلى مجرد وكون المريد مريدا لكونه خبرا، بل لا بد من تعلق مخصوص في مسألة مفردة أمليناها تختص هذا الوجه. ودللنا فيها على ذلك، بأن الخبر لو لم يكن متعلقا على الحقيقة بالمخبر عنه، وعلى صفة اقتضت هذا التعلق لم يكن في الأخبار صدق ولا كذب، لأن كونه صدقا يفيد تعلقا مخصوصا يقتضي ذلك التعلق، فلو لم يكن هناك تعلق حقيقي لما انقسم الخبر إلى الصدق والكذب، وقد علمنا انقسامه إليها 2. وليس في العبادات الشرعية كلها ما يحصل بالنية أحكام هذه العبادات، ويسقط بها عن الذمة ما كان غير ساقط، ويجري ما كان لولاها لا يجري. وهذه

1) ظ: ما لا يجوز.
2) ظ: إليهما.

[ 345 ]

إشارة منا إلى أحكام مخصوصة لا إلى صفات العبادات، فإنها تشير إلى هذه الأحكام التي ذكرناها، لأنك لو استفسرته على مراده لما فسر إلا بذكر هذه الأحكام. والذي يبين ما ذكرناه أن النية لو أثرت في العبادات صفة مقتضاها غيرها، لوجب أن يؤثر ذلك قبل العبادة بهذه الشرعيات، لأن المؤثر في نفسه لا يتغير تأثيره. وقد علمنا أن مصاحبة هذه النية للعبادة قبل الشرعيات لا حكم لها، فلا تأثير، فصح ما نبهنا عليه. وإذا صحت هذه الجملة التي عقدناها، زال التعجب من نقل النية عن أداء الصلاة إلى غير وقتها إلى قضاء الفائتة، لأن ما صلاه بنية الأداء على صفة لا يجوز انقلابه عنها.... وإنما قيل له: إذا دخلت من صلاة 1 حضر وقتها، فانو أداءها واستمر على ذلك إلى آخرها، ما لم تذكر أن عليك فائتة، فإن ذكرت فائتة فانقل نيتك إلى قضاء الفائتة، إذا كان في بقية من صلاته يمكنه الاستدراك، لأن الصلاة إنما يثبت حكمها بالفراغ من جميعها، لأن بعضها معقود ببعض، فهو إذا نقل نيته إلى قضاء الفائتة صارت الصلاة كلها قضاء للفائتة لا أداء الحاضرة، لأن هذه أحكام شرعية يجب إثباتها بحسب أدلة الشرع. وإذا كان ما رتبناه هو المشروع الذي أجمعت الفرقة المحقة عليه، وجب العمل واطراح ما سواه. وغير مسلم ما مضى في أثناء الكلام من حصول الاتفاق على وجوب المضي في الصلاة بعد الدخول فيها بالنية، لأنا نقسم ذلك على ما فصلناه، ولا يوجب المضي في الصلاة على كل حال. وغير مسلم أيضا أن الركعتين اللتين دخل فيهما ونوى الظهر، ثم نقل نيته

1) ظ: في صلاة..

[ 346 ]

قبل الفراغ منهما إلى القضاء الفائتة في صلاة الفجر، لما ذكرناها أن الركعتين يكونان من الظهر، بل إنما يكونان من الظهر إذا لم يتغير النية واستمرت على الحالة الأولى. ولا عجب من أن يقع هاتان الركعتان من قضاء الفجر، لما نقل بنيته إلى ذلك، وإن كانت النية لم تتقدم في افتتاح الصلاة، لأنها وإن تأخرت فهي مؤثرة في كون تلك الصلاة قضاء، وإخراجها من أن يكون أداء. لأنا قد بينا أن ذلك إشارة إلى أحكام شرعية، يجب إثباتها ونفيها بحسب الأدلة الشرعية. وليس يجب أن يعجب مخالفونا من مذهبنا هذا، وهم يروون عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من ترك صلاة ثم ذكرها فليصلها لها، فذلك فيها. 1 وإن كان وقت الذكر منعنا لقضاء الفائتة، فكيف يصلي فيه صلاة أخرى في غير وقتها. والموقت المضروب لصلاة الظهر وإن كان واسعا فإنه إذا ذكر في أوله قبل تضيقه فوت صلاة قبلها، خرج ذلك الوقت عند الذكر من أن يكون وقتا للظهر وخلص بقضاء الفائتة. ولهذا نقول: إنه إذا تضيق وقت الصلاة الحاضرة ولم يتسع إلا لأدائها لم يجز له أن يقضي فيه الفائتة، وخلص لأداء الحاضرة لئلا يفوت الحاضرة، يذهب 2 إلى أنه متى ذكر في آخر وقت صلاة حاضرة أنه قد فاتته أخرى قبلها بدأ بقضاء الفائتة وإن فاتته الحاضرة. وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فإن كان يجب

1) راجع جامع الأصول 6 / 134، والرواية موجودة في الجواهر (13 / 84) وهي مروية عن رسيات المرتضى كذا: من ترك صلاة ثم ذكرها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها. وما أثبتناه في المتن كذا في النسخة.
2) ظ: وما لك يذهب..

[ 347 ]

فلتكن من مالك، لأنه بصيرة 1 للترتيب أوجب قضاء الفائتة وإن فاتت الحاضرة. أما المسألة الثانية: [ استحباب إعادة المنفرد صلاته جماعة ] وهي استحباب إعادة من صلى منفردا بعض الصلوات، بأن يصليها جماعة رغبة في فضل صلاة الجماعة. فأول ما نقوله في ذلك: إن هذا المذهب ليس مما ينفرد به الإمامية، بل بين فقهاء العامة فيه خلاف معروف، لأن مالكا و (عي) يستحبان لمن ذكرنا حاله أن يعيد في الجماعة كل الصلوات إلا المغرب. وقال الحسن: يعيدها كلها إلا الصبح والعصر. وقال (يه): يعيدها كلها إلا الصبح والعصر والمغرب. وقال (فعي): يعيد جميع الصلوات ولم يستثن شيئا منها 2. وهذا هو مذهب الإمامية بعينه. فكان التعجب من جواز تكرير الصلاة رغبة في فضل الجماعة إنما هو إنكار لما أجمع عليه جميع الفقهاء، لأنهم لم يختلفوا في استحباب الإعادة، فبعضهم عم جميع الصلوات - وهو الذي يوافقنا موافقة صحيحة - والباقون استثنوا بعض الصلوات، واستحبوا الإعادة فيما عداها. ودليلنا على صحة ما ذهبنا إليه هو إجماع الطائفة الذي بينا في غير موضع أنه حجة....

1) ظ: بمصيره.
2) راجع الأقوال المنقولة في بداية المجتهد 1 / 103..

[ 348 ]

والموافقون لنا في هذه المسألة من العامة يعولون على خبر يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله يتضمن: إذا صلى أحدكم ثم أدرك قوما يصلون فيصلي معهم يكون الأولى صلاته والتي صلاها معهم تطوعا. ويقولون على عموم اللفظ لسائر الصلوات، فلا معنى لاستثناء بعضها، فإن الصلاة الثانية المفعولة جماعة بعد فعلها على سبيل الانفراد، الصحيح أنها بدل والفرض هي الأولى، وهو مذهب الشافعي أيضا وقال في (دعى) فرضه الثانية. وأما جواز أن ينوي هذا المقتدي لهذه الصلاة النفل وإن كان إمامه ينوي أداء الفرض، فلا خلاف بين الفقهاء فيه، لأن اقتداء 1 المتنفل بالمفترض والمفترض 2 بالمتنفل: فعند (فه) أنه لا يجوز أن يقتدي مفترض بمتنفل، وكرهه ذلك (د) و (ي) وقال (فعي) أنه جائز. وهو مذهبنا. ودليلنا على صحته: هو إجماع الفرقة عليهم، لأنهم لا يختلفون فيه. ويجوز أيضا عند (فعي) أن يأتم المفترض بالمفترض وإن اختلف فرضهما، فكان أحدهما ظهرا والآخر عصرا، وهو مذهبنا. و (فه) لم يجوز أن يأتم المفترض بالمفترض إلا وفرضاهما غير مختلف. فأما ما مضى في خلال الكلام من أنه إن كان الندب فهو مخالف لظاهر الفتيا والرواية. وليس الأمر على ذلك، لأنا لا نفتي إلا بأن الثانية ندب وطلب الفضل. ولو كان 3 واجبة لكان يذم من لم يصل هذه الصلاة، وقد علمنا أنه غير مذموم إن تركها، وإنما ترك فضلا وندبا. ولم يخالف القائل بهذه الرواية أيضا، لأن قوله (صل لنفسك) و (صل

1) ظ: في اقتداء.
2) ظ: وأما المفترض.
3) ظ: كانت..

[ 349 ]

معهم وبهم) فإن قبلت الأولى وإلا قبلت الثانية، لا يدل على أن الثانية واجبة، لأن القبول الذي هو استحقاق الثواب بالصلاة قد يكون في الندب مقبولا. فإن قال: كيف يجوز أن يخالف نية المأموم؟ [ قلنا ] لا خلاف بين المسلمين في جواز هذا الحكم، لأن عند جميعهم أنه يجوز أن يقتدي بالمفترض المتنفل. أما المسألة الثالثة: [ حكم من فاتته صلاة غير معينة ] والتي يفتي فيها أصحابنا بأن من فاتته فريضة غير معينة ولا متميزة، صلى ثلاثا وأربعا واثنتين، ونوى بالثلاث قضاء المغرب، وبالأربع قضاء الظهر أو العصر وعشاء الأخيرين. فأول ما نقوله في هذه المسألة: إن الأولى عندنا من هذه حاله أن يصلي ظهرا وعصرا ومغربا وعشاءا وغداة. وإنما رخص له في الرواية 1 الواردة بذلك أن يجعل مكان الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربع ركعات، ينوي بها قضاء ما فاته من إحدى هذه الصلوات ترفها وتخفيفا، لأنه يشق عليه أن مادح بهذه الصلوات الرباعية دفعات متكررة فخفف عنها، بأن يأتي بأربع ينوي بها ما فاته من إحدى هذه الصلوات الثلاث،

1) وهي مرسلة علي بن أسباط عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من نسي من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي، صلى ركعتين وثلاثا وأربعا. ومرسلة حسين بن سعيد قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل نسى من الصلوات لا يدري أيتها هي؟ قال يصلي ثلاثة وأربعة وركعتين، فإذا كانت الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلى أربعا - الحديث. وسائل الشيعة 5 / 365 ح 1 و 2..

[ 350 ]

فهي وإن كانت له غير معينة، فالله تعالى يعلمها على سبيل التفصيل، فكأنه يتعين ما فاته وعلم الله تعالى. وليس ينبغي أن يقع تعجب من حكم شرعي إذا دلت الأدلة الصحيحة عليه، فإن الأحكام الشرعية مبتنية على المصالح المعلومة لله تعالى، ووجوه هذه المصالح مغيبة عنا، وإنما نعلمها على الجملة دون التفصيل. وأما المسألة الرابعة: [ حكم الواقع بعض صلاته قبل الوقت ] بأن الصلاة الواقعة بعضها قبل الوقت جهلا أو سهوا، وبعضها في الوقت مجزية ماضية. فأول ما نقوله: إن عندي أن هذه الصلاة غير مجزية ولا ماضية، ولا بد من أن يكون جميع الصلاة في الوقت المضروب لها، فإن صادف شئ من أجزائها ما هو خارج الوقت لم تكن مجزية. وبهذا يفتي محصلو أصحابنا ومحققوهم، وقد وردت روايات 1 به، وإن كان في بعض كتب أصحابنا ما يخالف ذلك من الرواية. وإذا كنا لا نذهب إلى ما تعجب منه فلا سؤال له علينا. والوجه في صحة القول بأن من صلى بعض صلاته، أو جميعها قبل دخول وقتها يلزمها الإعادة، وأن صلاته غير ماضية. أن معنى ضرب الوقت للعبادة هو التنبيه على أنها لا تجزي إلا فيه، وإذا كان من صلى قبل الوقت مخالفا للمشروع له ومخالفة المشروع له يقتضي فساد العبادة، فيجب القضاء بترك الاعتداد بما وقع من الصلاة في غير الوقت، ولأن الصلاة بدخول الوقت تلزم لا محالة.

1) راجع وسائل الشيعة 3 / 122 ب 13..

[ 351 ]

وقد علمنا أن ما يفعله منها في الوقت يسقط عن ذمته وجوبها بالاجماع، ولم نعلم أن ما فعله قبل دخول الوقت مسقطا عن ذمته ما تنقلها 1، فيجب عليه أن يفعل الصلاة في وقتها ما يعلم به براءة ذمته من وجوبها. وما يرويه أصحابنا فيما يخالف ما ذكرناه من أخبار الآحاد لا يتعبد به، لأنه ليس بحجة ولا موجب علما. ولو قامت دلالة على أن من صلى بعض الصلاة، أو كلها قبل دخول الوقت أجزأه، ولم يجب عليه الإعادة لجاز ذلك عندنا، ولم يكن مخالفا لقانون الشرع. فلا خلاف بين أصحابنا في أن من اجتهد في جهة القبلة وصلى، ثم تبين له بعد خروج الوقت أنه أخطأها وصلى إلى غيرها، فإنه لا إعادة عليه، وأن صلاته الماضية مجزية عنه، إذا كان ما استدبر القبلة. وقال أبو حنيفة ومالك وهو أحد قولي الشافعي: إنه لا إعادة عليه على كل حال. ولم يفرقوا بين الخطأ بالاستدبار أو اليمين أو اليسار. فما هذا التعجب من الرواية الواردة بإجزاء هذه الصلاة؟ ونحن كنا وفقهاء العامة نقول في جهة القبلة مثل ذلك بعينه، ونحن نعلم أن القبلة شرط في الصلاة كالوقت. فإذا جاز أن يقوم الخطأ مع الاجتهاد في القبلة مقام الصواب، ويقال: إن فرضه أداه اجتهاده إلى سمت بعينه هو ذلك السمت دون غيره. فلم لا أجاز أن يقال أيضا: إن فرضه إذا اجتهد فأداه اجتهاده إلى دخول الوقت هو إيقاع الصلاة فيه، فما فعل إلا ما هو فرضه في الحال، وإن ظهر له في المستقبل خلافه، كما لو ظهر له في جهة القبلة خلاف اجتهاده.

1) ظ: ما تعلق بها..

[ 352 ]

ولم نقل ذلك نصرة لهذا المذهب، فقد بينا أن ذلك عندنا باطل، وأن الصحيح خلافه، وإنما قابلنا بذلك الاستبعاد له والشناعة به. فأما ما مضى في أثناء السؤال من أنه يكون ما فعله قبل تعلق وجوبه بالذمة مجزيا عما يتعلق بها في المستقبل، فكيف تكون صلاته مجزية، وبعضها واجب وبعضها غير واجب، وكيف يكون ما لو قصد إليها لكان قبيحا يستحق به العقاب من فعلها قبل الوقت مجزيا عما لو قصد إليها لكان واجبا يستحق به الثواب في فعلها في الوقت؟. فمما لا يقدح في المذهب الذي قصد إلى القدح فيه لأن لمن ذهب إليه أن يقول: إنني أسلم أن وجوب الصلاة تعلق 1 بالذمة، مع غلبة ظنه بدخول الوقت، ولا أن أول صلاته غير واجب. وليس يمتنع أن يكون ما لو قصد إليه أن يكون قبيحا يستحق به العقاب مجزية، بل هو فرضه فيه، مع غلبة الظن المؤدي إليه اجتهاده. ألا ترى أنه لو قصد أن يصلي إلى غير جهة القبلة لكان ذلك منه قبيحا يستحق به العقاب، ومع ذلك فإذا أداه اجتهاده إلى تلك الجهة أجزأه صلاته، ولم يكن له الإعادة وإن تبين الخطأ، فلا وجه لاستبعاد هذا المذهب إلا من حيث ما ذكرناه. وأما المسألة الخامسة: [ حكم صيام يوم الشك ] في إجزاء صوم الشك إذا صامه بنية التطوع عن فرضه إذا ظهر له أنه من شهر رمضان. فهذا مذهب لا خلاف بين الإمامية فيه، ولا روى بعضهم ما يخالفه

1) ظ: ما تعلق..

[ 353 ]

على وجه ولا سبب. والتعجب بما يقوم الحجة عليه لا معنى له. وقد بينا في صدر كلامنا أن دخول النية في العبادة وتعينها وأجمالها ومقارنتها وانفعالها، إنما هو أحكام شرعية يجب الرجوع فيها إلى أدلة الشرع، فمهما دلت عليه اشتباه 1 واعتمدناه. ولو كانت نية الصوم الواجب يعتبر فيها تعيين النية على كل حال، لما أجمعت الإمامية على إجزاء صوم يوم الشك بنية التطوع، إذا ظهر أنه من شهر رمضان. وكذلك أجمعوا على أنه إن صام شهرا بنية التطوع على أنه شعبان وكان مأسورا أو محبوسا يجب أن لا يعلم أحوال الشهر، لكان ذلك الصوم يجزيه عن شهر رمضان. وإنما تفتقر العبادة إلى نية إيقاعها على الوجه المعين في الموضع الذي يتمكن المكلف للعلم بالتعيين، وفي يوم الشك لا يمكنه أن يعلم أنه من شهر رمضان في الحال، فلا يجوز أن يصومه الأبنية التطوع، لأن التعيين لا سبيل له إليه في هذا اليوم. وغير ممتنع أن يقوم الدليل على أنه إن صامه بهذه النية وظهر أنه من شهر رمضان أجزأ عن فرضه. وأبو حنيفة يوافقنا في هذه المسألة، يذهب إلى أنه إن صام يوما بنية التطوع وظهر أنه من شهر رمضان أجزأه ذلك عن فرضه، ولم يجب عليه الإعادة. ويعول في الاستدلال على صحة قوله على أشياء: منها: قوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) 2 فأمر بصوم شرعي، ولا خلاف في أن الصوم بنية التطوع صوم شرعي، فإنه لو صام في غير شهر

1) ظ: أثبتناه.
2) سورة البقرة: 185..

[ 354 ]

رمضان يوما بنية التطوع يوصف في الشرع بأنه صوم مطلق، فعموم الآية يقتضي فعل ما هو صوم في الشريعة. ومنها: أن صوم شهر رمضان مستحق العين على المقيم، فعلى أي وجه فعله وقع على المستحق، كطواف الزيارة ورد العارية والوديعة والغصب. ومنها: أن نية التعيين يحتاج إليها للتمييز بين الفرض وغيره، والتمييز إنما يحتاج إليه في الوقت الذي يصح 1 في وقوع الشئ وخلافه فيه. فأما إذا لم يصح منه في الحال إلى 2 الفرض لم يحتج إلى نية التعيين، ولما لم تكن الوديعة والعارية بهذه الصفة لم يفتقر إلى نية التعيين. فإذا قيل: لعل ما لا جزت صومه هذا الزمان المعين بغير نية أصلا، كما جاز رد الوديعة بغير نية، كما لقوله فروقا بين الأمرين، بأن يقول: كونه مستحق العين إنما يكون علة في سقوط نية التعيين، لأنه لو طاف بنية التطوع أجزأه عن فرضه، ولا يسقط فيه النية على الجملة. وأجود مما ذكره أبو حنيفة أن يقول: إن الصوم في الشريعة لا بد من كونه قربة وعبادة بلا خلاف بين المسلمين، فإذا تعين في زمان بعينه سقط وجوب نية التعيين، ونية القربة والعبادة لا بد منها، وإلا فلا يكون صوما شرعيا، وليس كذلك رد الوديعة والعارية. وربما طعن الشافعي على أبي حنيفة في هذا الكلام الذي حكيناه، من أن ما تعين من زمانه من العبادات لا يحتاج إلى نية، بأن يقول له: إن الصلاة في آخر الوقت وعند تضيقه يفتقر إلى نية التعيين بلا خلاف، ومع هذا فإن الزمان قد تعين في أدائها لا يمكن أن يقع فيه سواها.

1) الظاهر زيادة (في).
2) ظ: إلا..

[ 355 ]

ويمكن منه أن يجيب عن ذلك بأن يقول: هذا الزمان يمكن إلا يعين فيه أداء هذه بأن يكون قدمها عليه وما أخرها إليه، فقد صارت هذه العبادة فيه غير متعينة، وليس كذلك صوم شهر رمضان، لأنه لا يمكن أن يقع فيه من جنس هذا الصوم سواه، فقد تعين له خاصة، وفارق بذلك الصلاة في آخر الوقت. وأما المسألة السادسة: [ حكم نية صوم الشهر كله في أوله ] وهي أن النية الواقعة في ابتداء رمضان لصوم الشهر كله مغنية عن تجديدها في كل ليلة. فهو المذهب الصحيح الذي عليه إجماع الإمامية، ولا خلاف بينهم فيه، ولا رووا خلافه. وقد يذهب إلى ذلك مالك ويقول: إن تكرار النية لم يكن واجبا، فإنه إن جددها لكل يوم إلى آخر الشهر كان أفضل وأوفر ثوابا. ولا تعجب من الأحكام الشرعية إذا قامت عليها الأدلة الصحيحة. فإن قيل: كيف تؤثر النية في جميع الشهر وهي متقدمة في أول ليلة منه. قلنا: إنها تؤثر في الشهر كله كما تؤثر عندنا كلنا هذه النية في صوم اليوم بأسره وإن كانت واقعة في ابتداء ليلته. ولو كانت مقارنة النية للصوم لازمة لما جاز هذا الذي ذكرناه، ولا خلاف في صحته. ولو اعتبر في التروك 1 الأفعال في زمان الصوم مقارنة النية لها لوجب تجديد النية في كل حال من زمان كل يوم من شهر رمضان، لأنه في هذه الأحوال

1) ظ: تروك..

[ 356 ]

كلها تارك لما يوجب كونه مفطرا. وقد علمنا أن استمرار النية طول النهار غير واجب، وأن النية قبل طلوع الفجر كافية مؤثرة في كون تروكه المستمرة طول النهار صوما، كذلك القول في النية الواحدة إذا فرضنا أنها لجميع شهر رمضان أنها تؤثر شرعا في صيام جميع أيامه وإن تقدمت، كما أثرت النية الواقعة بالليل في صيام اليوم كله. وما مضى في خلال الكلام من أن ذلك يقتضي صحة صوم من تقدمت منه هذه النية، مع كونه غير عازم في كل يوم مستقبل على أن لا يفعل ما وجب عليه اجتنابه في زمان الصوم - إلى آخر الفصل. فكذلك نقول: إن تجديد العزم على جميع ما ذكر غير واجب في كل يوم إذا كانت قد تقدمت النية في أول الشهر على ذلك كله، فإن تقدمها يقتضي وقوع تروكه في زمان الصوم كله على وجه القربة والعبادة والصحة، كما اتفقنا في أن تقدم النية بالليل يقتضي وقوع كفه في طول النهار، كما يفعله الصائم عبادة وقربة وعلى الوجوه المشروعة. فإن أريد بكونه غير عازم أنه غير مجدد بالنية، فقد مضى القول فيه. وإن أريد بذلك أنه يكون عازما على الأكل أو الشرب أو الجماع، فقد انتقض النية المتقدمة. ألا ترى أن من أوجب النية لكل يوم يقول لو نوى بالليل وقبل طلوع الفجر صيام يوم بعينه، لم يجب عليه تجديد النية والعزم، لكنه متى عزم على الأكل أو الشرب أو الجماع أفسد صومه. وهذا بين لمن تأمله. فصل (يتضمن مسألتين تتعلق بأحكام النية في العبادة) المسألة الأولى: إذا كانت الشروط المذكورة في صفة نية العبادة معتبرة في صحتها، فما

[ 357 ]

حكم من جهلها من المكلفين؟ أوقع عبادته خالية عنها أو من بعضها، هل يجب عليه إعادة ما مضى من العبادات عارية من ذلك إذا عرف كون هذه الشروط واجبة؟ أم يجزيه ما مضى بغير نية؟ أو نية التعيين والقربة خاصة؟ من غير أن يخطر له الوجه الذي وجب، وإنما اعتقد وجوبها على الجملة. (المسألة) الثانية: وما حكم العبادة ذات الأحكام المتغائرة، كالطهارة والصلاة والحج؟ هل يجب على مكلف فعلها معرفة أعيان أحكامها وفرق ما بين واجبها ومندوبها، أم يجزيه اعتقاد وجوبها على الجملة من غير معرفة بتفصيل أحكامها؟. فإن كان العلم بتفصيلها حين البلوى بها يجب، فهل يلزم مكلفها أن يفرد لكل حكم مفصل 1 بينه يخصه في حال فعله؟ كغسل الوجه ومسح الرأس والركوع والسجود والطواف والسعي وأمثال ذلك، أم يجزيه تعيين ذلك حين القصد إلى فعل العبادة التي هذه 2 الأحكام من تفصيل؟ ولا يحتاج إلى تكرير النية لكل واجب وندب في حال فعله، أم لا يلزم شئ من ذلك، بل يكفيه أن يعزم على صلاة الظهر لوجوبها في حال تكبيرة الاحرام، من غير أن يخطر له شئ من تفصيل. وإن كان العلم بتفصيل أحكام العبادة وشروطها وأفعالها وتروكها واجبا، فما حكم ما مضى مع الجهل بذلك من العبادات يجب قضاؤه أم لا.

1) ظ: ابنية.
2) ظ: ذات هذه..

[ 358 ]

(حكم المخل بالنية في العبادة) الجواب: إعلم أن العبادة إذا وجبت بنية مخصوصة وكانت النية شرطا في صحتها، فكل مخاطب بهذه العبادة لا بد أن يكون مخاطبا بالنية التي هي شرط في صحتها. وإذا أوقعها بغير نية فالاعادة واجبة عليه، لأنه قد أخل بشرط صحتها. فإن فرضنا أنه جهل وجوب هذه النية عليه، فأوقعها عارية منها، ثم علم بعد ذلك وجوبها، فالصحيح أنه إن كان جهل وجوب هذه النية عليه في حال يصح فيها من العلم بوجوبها وإنما جهلها تفريطا وإهمالا، فالقضاء واجب عليه لا محالة. وإن كان لما جهل وجوبها غير متمكن من العلم بوجوب هذه النية، فمن المحال أن يكون مكلفا للعبادة وهو غير متمكن للعلم بوجوبها ووجوب ما يفتقر في صحتها إليه، ومن لم يتمكن من العلم بوجوب الفعل وشرائطه فهو غير مكلف له، فهذا لا يجب عليه الإعادة، لأن هذه العبادة في الوقت الذي فعلها عارية من النية لم تكن واجبة. فأما الوجه الذي له وجب العبادة، فإن أريد مثلا كونها ظهرا أو عصرا، فلعمري أنه لا بد من أن ينوي بأدائها كونها ظهرا أو عصرا. وإن أريد بوجه الوجوب الذي منه كانت مصلحة وداعية إلى فعل الواجب العقلي وصارفة عن القبيح العقلي، فذلك مما لا يجب علمه على سبيل التفصيل، والعلم به على وجه الجملة كاف.

[ 359 ]

وأما المسألة الثانية: (حكم نية العبادة المشتملة على أفعال كثيرة) فإن كل عبادة اشتملت على أفعال كثيرة، وإن كان لها اسم يتعرف به جملتها كالطهارة والصلاة والحج، فلا بد في كل مكلف لها من أن يكون له طريق إلى معرفة وجوب ما هو واجب منها بالتمييز بينه وبين ما هو ندب ونفل. فإذا نوى في ابتداء الدخول في هذه العبادة التي لها أبعاض كثيرة أن يفعلها ونوع 1 إيقاع ما هو واجب، منها على جهة الوجوب وإيقاع الواجب منها واجبا والندب ندبا، لم يحتج إلى تجديد النية عند كل فعل من أفعالها، كالركوع والسجود وغيرهما، وهذه الجملة مقنعة. المسألة السادسة عشر: (نية النيابة في العبادات وثوابها) من صفة نية النائب عن غيره في حج أو جهاد، هل يعزم على أداء ذلك لوجوبه عليه أم لا على مشتبه، فإن كان يفعل ذلك لوجوبه عليه، فلوجه غير صحيح، لأنه لم يجب عليه شئ، وإنما هو ثابت في فعل واجب على غيره دونه. ثم كيف يكون نائبا عن غيره بفعل واجب عليه في نفسه؟ فإن فعله لوجوبه على غيره، فكيف يصح أن يعبد الله زيد عبادة واجبة جهة وجوبها مختص بعمرو؟ وكيف يبرأ ذمة عمرو مما وجب عليه بفعل زيد؟ مع تقرر الحكم العقلي خلافه

1) ظ: نوى..

[ 360 ]

وورود السمع بما يطابقه من قوله تعالى (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) 1، (ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) 2 وأمثال ذلك. الجواب: إعلم أن النائب من غيره في الحج يجب أن يكون نيته من جهة إلى الوجه الذي قصده بالحجة، فإن حجتها 3 عمن وجب عليه الحج، فيجب أن يكون بنية منصرفة إلى هذا الوجه، وكذلك إن كان تطوعا عن غيره، نوى بها التطوع عن ذلك الغير. ولذلك يجب أن يسمي من أحرم عنه في بيته. وليست هذه الحجة بواجبة على المسببات، حتى يقال: كيف 4 نائبا عن غيره بفعل واجب عليه في نفسه. اللهم إلا أن يفرض أنه ولي الميت وجب عليه الحج فلم يحج، فإن الولي يجب عليه عندنا أن يحج عنه، وينوي بهذه الحجة ما كان واجبا على الميت، فهذا الموضع الذي يتعين فيه النيابة يكون الحج واجبا على النائب، وينوي بالحجة إيقاعها عن الميت وإسقاط حق النيابة عن ذمته، فالواجب على زيد وإن 5 لم يكن جهة وجوبه لها تعلق بعمرو. فكأنه قيل لهذا الولي: يجب عليك إذا مات موليك وله حجة أن تحج أنت عنه، فجهة الوجوب مختصة بالنائب، ولها تعلق بالميت من حيث كان تفريطه في الحج شيئا بوجوب الثابتة 6 على وليه.

1) سورة النجم: 39.
2) سورة الزلزلة: 7.
3) ظ: حجته.
4) ظ: كيف يكون نائبا.
5) ظ: وإن كان جهة - الخ.
6) ظ: سببا لوجوب الحجة الثابتة..

[ 361 ]

فأما ثواب هذه الحجة، فإن كان الميت وصى بها وأمر بأن يحج عنه، كان الثواب مقسما بينه وبين النائب. وإن لم يكن كذلك، فالثواب ينفرد به الفاعل فلم نخرج بهذا التفصيل من الحكم العقلي، ولا من ظاهر قوله (وأن ليس للانسان إلا ما سعى). المسألة السابعة عشر: (حكم الماء النجس يتمم كرا) إذا كان المذهب مستقرا بأن ما بلغ من المياه المحصورة كرا لم ينجسه شئ إلا ما غير أحد أوصافه. فما القول في مائين نجسين غير متغيرين ينقص كل واحد منهما عن الكر خلطا فبلغا كرا فما زاد، أهما نجسان بعد الخلط أم طاهران. فإن قلتم بطهارتهما، فمن أين صار الخلط مؤثرا للطهارة؟ وإن قلتم بنجاستهما خالفتم قولكم بطهارة ما بلغ الكر مع عدم التغير. الجواب: إعلم أن الصحيح في هذه المسألة هو القول بأن هذا الماء يكون طاهرا بعد اختلاطه إذا كان يبلغ كرا، لأن بلوغ الماء عندنا هذا المبلغ مزيل لحكم النجاسة التي تكون فيه، وهو مستهلك مكسر لها، فكأنها بحكم الشرع غير موجودة، إلا أن تؤثر في صفات الماء يكسر به 1 وبلوغه إلى هذا الحد مستهلكا للنجاسة الحاصلة فيه، فلا فرق بين وقوعها بعد تكامل كونه كرا، وبين حصولها في بعضه قبل التكامل. لأن على الوجهين معا النجاسة في ماء كثير، فيجب أن يكون لها تأثير فيه مع تغير الصفات.

1) ظ: بها..

[ 362 ]

والذي يبين أن الأمر على ما أفتينا به، أنا لو صادفنا كرا من ماء فيه نجاسة لم تغير شيئا من أوصافه، لكنا بلا خلاف بين أصحابنا نحكم بطهارته، ونجيز التوضؤ به، ونحن لا نعلم هل هذه النجاسة التي شاهدناها وقعت فيه قبل تكامل كونه كرا أو بعد تكامله. ولو كان بين وقوعها فيه قبل التكامل، وبين وقوعها بعد التكامل فرق، لوجب التوقف عن استعمال كل ما توجد فيه نجاسة لم تغير أوصافه، وإن كان كثيرا، لأنا لا ندري كيف كان حصول هذه النجاسة فيه، فلما لم يكن بذلك اعتبار دل على أن الأمر على ما ذكرناه. المسألة الثامنة عشر: (سجدة قراءة العزائم في الصلاة تجب بعد الفراغ من الصلاة) ما القول فيمن سهى أو قصد، فقرأ في بعض فرائضه سورة من عزائم السجود، فلم يذكر حتى لفظ بالآية التي يجب لها السجود، أيسجد أم لا؟. فإن قلتم يسجد أوجبتم إفساد صلاة كان يجب المضي فيها بزيادة فيها سجدة ليست منها، وإن قلتم لا يسجد أبحتم الاخلال بالواجب عليه في السجود. وهذان أمران لا يمكن الجمع بينهما، سواء عما يصح الاخلال به منهما. الجواب: إعلم أن ذلك إذا اتفق من غير قصد إليه، فالأولى أن يتوقف عن السجود ويمضي في صلاته، فإذا سلم سجد حينئذ، فتأخيره السجود - وإن وجب على الفور - أهون على كل حال في دفع صلاة قد بدأ بها، ويعين عليه الاستمرار عليها إلى حين الفراغ منها.

[ 363 ]

وليس وجوب هذا السجود جار مجرى وجوب المضي في الصلاة، لأن الشافعي يذهب إلى أن سجود القرآن لا يجب على كل حال من الأحوال في صلاة ولا غيرها، ووجوب المضي في صلاته لا خلاف فيه. المسألة التاسعة عشر: (حكم من عليه فائتة في وقت الأداء) إذا كان إجماعا مستقرا بوجوب تقديم الفائت من فرائض الصلاة على الحاضر منها، إلى أن يبقى من وقته مقدار فعله، فما القول فيمن صلى فرضا حاضرا في أول وقته، أو ثابتة 1 وعليه فائت، أيجزيه ذلك مع كونه مرتكبا للنهي؟ أم يجب عليه إعادة الصلاة في آخر الوقت؟. فإن كان مجزيا فما فائدة قولهم عليهم السلام (لا صلاة لمن عليه صلاة) 2 وكيف يكون مجزيا مع كونه مرتكبا للنهي بفعلها في أول وقتها قبل القضاء. وإن كانت غير مجزية فكيف حكم بفسادها وقد أوقعها مكلفا بنيتها المخصوصة وأتى بجميع أحكامها وشروطها في وقت لا يصح فعلها فيه، فإعادتها بعد فعلها على هذا الوجه يحتاج إلى دليل ولا أعلم دليلا. وما حكم من عليه صلوات كثيرة لا يمكنه قضاؤها إلا في زمان طويل، أينتقل 3 بقضائها بجميع زمانه إلى آخر وقت الفريضة الحاضرة، فذلك يقطعه من التعيش وسد الخلة، ويمنعه من النوم وغيره.

1) الظاهر زيادة (أو ثابتة). 2) رواه الشيخ المفيد في الرسالة السهوية عن النبي صلى الله عليه وآله راجع جامع الأحاديث 4 / 270.
3) ظ: أيشتغل..

[ 364 ]

وإن كان مباحا له التشاغل بسد الخلة وحفظ الحياة بالراحة بالنوم، مع تعلق فرض القضاء بذمته، فهل له ما خرج عن ذلك وزاد عليه ما هو مستغن عنه في الحال؟ أو لا يجوز التشاغل بما زاد على ما يحفظ به حياته وجوه من يجب عليه القيام به من لباس وغذاء. وما حكم فرض يومه وليلته في زمان إباحة التعلق والنوم يقدمه في أول وقته، مع ما عليه من الفوائت، أم يؤخره إلى وقته، وإن كان متشاغلا عنه بالتكسب. وهل يجوز لمن عليه فرائض غير الصلاة أن يسدى 1 ما خوطب به من جنسها أم حكم سائر الفرائض حكم الصلاة في وجوب التقديم على الحاضر. الجواب: إعلم أن من صلى فرضا حاضر الوقت في أول وقته، أو قبل تضيق وقت أدائه، وعليه فريضة صلاة فائتة، يجب أن يكون ما فعله غير مجز عنه، وأن يجب عليه إعادة تلك الصلاة في آخر وقتها، لأنه منهي عن هذه الصلاة، والنهي يقتضي فساد الصلاة وعدم الإجزاء. ولأن هذه الصلاة مفعولة في غير وقتها المشروع له، لأنه إذا ذكر أن عليه فريضة فائتة، فقد تعين عليه بالذكر أداء تلك الفائتة في ذلك الوقت بعينه، فإذا صلى في هذا الوقت غير هذه الصلاة كان مصليا في غير وقتها المشروع لها، فيجب الإعادة لا محالة. وأما ما مضى في الكلام من القول بأن وجوب الإعادة يحتاج إلى دليل. فقد

1) ظ: وحياة.
2) ظ: يؤدى..

[ 365 ]

ذكرنا الدليل على ذلك، فلا نسلم أنه أوقع هذه الصلاة على جميع شرائطها المشروعة في وقت يصح فعلها فيه، لأن من شرط هذه الصلاة مع ذكر الفائتة أن يؤدي بعد قضاء الفائت، فالوقت الذي أداها فيه وقت لم يضرب لها، لأنه يصح أن يكون وقتالها لو لم يذكر الفائتة، وهذا مما لا شبهة فيه للمتأمل. وأما المسألة الثانية: فالواجب على من عليه صلوات كثيرة لا يمكنه قضاؤها إلا في زمان طويل أن يقضيها في كل زمان، إلا في وقت فريضة حاضرة يخاف فوتها مع تشاغله بالقضاء، فيقدم أداء الحاضرة ثم يعود إلى التشاغل بالقضاء. فإن كان محتاجا إلى تعيش يسد به جوعته وما لا يمكن دفعه من خلته، كان ذلك الزمان الذي يتشاغل فيه بالتعيش مستثنى من أوقات الصلاة، كما استثنى منها زمان الصلاة الحاضرة. ولا يجوز له الزيادة على مقدار الزمان الذي لا بد منه في طلب ما يمسك به الرمق. وإنما أبحنا له العدول عن القضاء الواجب لضرورة التعيش، فيجب أن يكون 1 ما زاد عليها مباح 2، وحكم من عليه فرض نفقة في وجوب تحصيلها، كحكم نفقته في نفسه. وأما فرض يومه وليلته في زمان التعيش فلا يجوز أن يفعله إلا في آخر الوقت كما قلناه، فإن الوجه في ذلك لا يتغير بإباحة التعيش. وأما النوم فيجري ما يمسك الحياة منه في وجوب التشاغل به مجرى ما يمسك الحياة من الغذاء تحصيله. وأما الفرائض الفائتة غير الصلاة، فليست جارية مجرى الفائت من الصلاة في تعين وقت القضاء. ألا ترى أن من فاته صيام أيام من شهر رمضان، فإنه مخير في تقديم القضاء وتأخيره إلى أن يخلف هجوم شهر رمضان الثاني،

1) ظ: أن لا يكون.
2) ظ: مباحا..

[ 366 ]

فيتضيق عليه حينئذ القضاء. ويجوز لمن عليه صيام أيام من شهر رمضان أن يصوم نذرا عليه، أو يصوم عن كفارة لزمته، ولو صام نفلا أيضا لجاز وإن كان مكروها. وليس كذلك الصلاة الفائتة، لأن وقت الذكر يتعين في فعلها، بشرط أن لا يقتضي فوت صلاة حاضر وقتها. المسألة الحادية والعشرون: [ إثبات حجية إجماع الطائفة ] إذا كان طريق معظم الأحكام الشرعية إجماع علماء الفرقة المحقة، لكون الإمام المعصوم الذي لا يجوز عليه الخطأ واحدا من علمائهم دون عامتهم وعلماء غيرهم، وكان العلماء من هذه الفرقة محصورين بدليل عدم التجويز لوجود عالم منهم يعرف فتياه، مع تعذر معرفته بعينه واسمه ونسبه. ووجوب هذه القضية يوجب أحد أمور كل منها لا يمكن القول به: أما كون فتيا الإمام الغائب المرتفعة معرفته بعينه خارجة عن إجماع علماء الإمامية، وهذا يمنع من الثقة بإجماعهم. أو كون فتياه داخلة فيهم، فهذا يوجب تعينه وتميز فتياه، وهذا متعذر الآن مع غيبته. أو حصول فتياه في جملة فتياهم مع تعذر معرفة شخصه، فهذا يؤدي إلى تجويز عدة علماء لا سبيل إلى العلم بتميزهم، لأنه إذا جاز في فتيا الإمام - وهو سيد العلماء ورئيس الملة - أن يتعذر معرفتها على سبيل التفصيل مع حصولها في جملة فتيا شيعته، فذلك في علماء شيعته أجوز، وذلك يمنع من القطع على حصول إجماعهم على الحكم الواحد.

[ 367 ]

أو يقال: إن في إمساكه عن النكير دلالة على رضاه بالفتيا. فهذه طريقة المتقدمين من شيوخنا، وقد رغبنا عنها وصرحنا بخلافها، لأن فيها الاعتراف بأن الامساك يدل على الرضا مع احتماله لغيره من الخوف المعلوم حصوله للغائب. الجواب: إعلم أن قول إمام الزمان وفتياه في كل واقعة وحادثة من الشرائع، لا بد أن يكون في جملة أقوال علماء الفرقة الإمامية، وليس كل عالم من علماء الإمامية نعلمه بعينه واسمه ونسبه على سبيل التمييز، وأنه إنما نعلمه على سبيل التفصيل بالعين والاسم والنسب من علماء هذه الطائفة من اشتهر منهم باشتهار كتبه ومصنفاته ورياسته وأحوال له مخصوصة، وإلا فمن نعلمه على سبيل الجملة وإن لم نعلمه على سبيل التفصيل أكثر ممن عرفناه باسمه ونسبه. ومن هذا الذي يدعي معرفة كل عالم من علماء كل فرقة من فرق المسلمين بعينه واسمه ونسبه في كل زمان، وعلى كل حال. فعلى هذا الذي قررناه لا يجب القطع على أن من لم نعرفه بعينه واسمه ونسبه من علماء الإمامية يجب نفيه والقطع على فقده. وليس إذا كنا لا نعلم عين كل عالم من علماء الإمامية واسمه ونسبه، وجب أن لا نكون عالمين على الجملة بمذهبه، وأنه موافق لمن عرفنا عينه واسمه ونسبه. لأن العلم بأقوال الفرق ومذاهبها يعلم ضرورة على سبيل الجملة، إما باللقيا والمشافهة أو بالأخبار المتواترة، وإن لم يفتقر هذا العلم إلى تمييز الأشخاص وتعينهم وتسميتهم. لأنا نعلم ضرورة أن كل عالم من علماء الإمامية يذهب إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما منصوصا عليه، وإن لم نعلم كل قائل بذلك

[ 368 ]

وذاهب إليه بعينه واسمه ونسبه. وهكذا نقول في العلم بإجماع علماء كل فرقة من فرق المسلمين: أن الجملة فيه متميزة من التفصيل، وليس العلم بالجملة مفتقرا إلى العلم بالتفصيل وقد علمنا أنه لا إمامي لقيناه وعاصرناه وشاهدناه إلا وهو عند المناظرة والمباحثة يفتي بمثل ما أجمع عليه علماؤنا، سواء عرفناه بنسبه وبلدته أو لم نعرفه بهما. وكذلك كل إمامي خبرنا عنه في شرق وغرب وسهل وجبل عرفناه بنسبه واسمه أو لم نعرفه، قد عرفنا بالأخبار المتواترة الشائعة الذائعة التي لا يمكن إسنادها إلى جماعة بأعيانهم لظهورها وانتشارها، أنهم كلهم قائلون بهذه المذاهب المعروفة المألوفة، حتى أن من خالف منهم في شئ من الفروع عرف خلافه وضبط وميز عن غيره. وقد استقصينا هذا الكلام في جواب المسائل التبانيات، وانتهينا فيه إلى أبعد الغايات. فإذا قيل لنا: فلعل الإمام لأنكم لا تعرفونه بعينه يخالف علماء الإمامية فيما اتفقوا عليه. قلنا: لو خالفهم لما علمنا ضرورة اتفاق علماء الإمامية الذين هو واحد منهم على هذه المذاهب المخصوصة، وهل الإمام إلا أحد علماء الإمامية، وكواحد من العلماء الإمامية الذين لا نعرفهم بنسب ولا اسم. ونحن إذا ادعينا إجماع الإمامية أو غيرها على مذهب من المذاهب، فما نخص بهذه الدعوى من عرفناه باسمه ونسبه دون من لم نعرفه، بل العلم بالاتفاق عام لمن عرفناه مفصلا ولمن لم نعرفه على هذا الوجه. وليس يجب إذا كان إمام الزمان غير متميز الشخص ولا معروف العين أن لا يكون معروف المذهب ومتميز المقالة، لأن هذا القول يقتضي أن كل من لم

[ 369 ]

نعرفه من علماء الإمامية أو علماء غيرهم من الفرق، فإنا لا نعرف مذهبه ولا نحقق مقالته وهذا حد لا يبلغه متأمل. فإن قيل: أتجوزون أن يكون في جملة الإمامية عالم يخالف هذه الطائفة في بعض المسائل ولم ينته إليكم خبره، لأنه ما اشتهر كاشتهار غيره، ولا له تصنيفات سارت وانتشرت. فإن أجزتم ذلك فلعل الإمام هو ذلك القائل، وهذا يقتضي ارتفاع الثقة، لأن 1 قول إمام الزمان داخل لا محالة في جملة أقوال علماء الإمامية ويبطل ما تدعونه من أن الحجة في إجماعهم. وإن منعتم من كون عالم من علمائهم يخفي خبر خلافه لهم في بعض المذاهب كابرتم. قلنا: لا يجوز أن يكون في علماء الإمامية من يخالف أصحابه في مذهب من مذاهبهم، ويستمر ذلك ويمضي عليه الدهور، فينطوي خبر خلافه، لأن العادات ما جرت بمثل ذلك، لأن ما دعى هذا العالم إلى الخلاف في ذلك المذهب يدعوه إلى إعلانه وإظهاره، ليتبع فيه ويقتدى به في اعتقاده. وما هذه سبيله يجب بحكم العادة ظهوره ونقله وحصول العلم به، لا سيما مع استمراره وكرور الدهور عليه. وما تجويز عالم يخفي خبر خلافه إلا كتجويز جماعة من العلماء يخالفون من عرفنا مذاهبه من العلماء في أصول الدين، أو فروعه، أو في علم العربية والنحو واللغة، فيخفى خلافهم وينطوي أمرهم. وتجويز ذلك يؤدي من الجهالات إلى ما هو معروف مسطور، على أن لإمام الزمان عليه السلام في هذا الباب مزية معلومة. فلو جاز هذا الذي سألنا عنه في غيره لم يجز مثله فيه، لأن الإمام قوله

1) ظ: بأن..

[ 370 ]

حجة والجماعة توافقه في مذهبه إنما كانت محقة لأجل موافقتها له، فلا بد من أن يظهر ما يعتقده ويذهب إليه، حتى يعرف من يوافقه ممن يخالفه، وليس إظهاره لاعتقاده وتصريحه بمذهبه مما يقتضي أن يعرف هو بنسبه، لأنا قد نعرف مذاهب من لا نعرف نسبه ولا كثيرا من أحواله. وكيف يجوز أن يكون للإمام مذهب أو مذاهب تخالف مذاهب الإمامية لا يكون معروفا مشهورا بين الإمامية، وهو يعلم أن المرجع في أن إجماع هذه الطائفة حجة إلى أن قوله في جملة أقوالها. فإذا أجمعوا على قول وهو مخالف فيه، هل له منه مندوحة عن إظهار خلافه وإعلانه، حتى يزول الاغترار بأن إجماع الإمامية على خلافه. ولهذا قلنا في مواضع من كتبنا أن ما اختلف فيه قول الإمامية من الأحكام لا يجوز أن يحتج فيه بإجماع الطائفة، لأنها مختلفة ونحن غير عالمين بجهة قول الإمام ولمن هو موافق من هؤلاء المختلفين، فلا بد في مثل ذلك من الرجوع إلى دليل غير الإجماع يعلم به الحق فيما اختلفوا فيه. فإذا علمنا قطعنا على أن قول الإمام موافق له، لأن قوله لا يخالف الحق وما يدل عليه الأدلة. المسألة الثانية والعشرون: [ حكم العاقد في الاحرام ] ما الوجه فيما يفتي به الطائفة من سقوط الحكم الشرعي عمن عقد نكاحا وهو محرم مع الجهل بالحكم، وما وردت به الروايات من سقوط الحكم في

[ 371 ]

كثير من المواضع مع الجهل بها 1، مع اتفاق العلماء على أن الجهل لا يبيح سقوطه إلا عمن لا يتمكن به. فأما من هو متمكن من ذلك لكونه عاقلا، فلا يعرض العلم يلزمه ويتسعه الحكم يتعلق عليه، وأن جهله لولا ذلك لكان الجهل سببا مبيحا لسقوط ما يلزم عليه من التكاليف العقلية والشرعية، وهذا شئ لا يقوله مسلم. الجواب: إعلم أن الجهل ممن كلف العلم وله إليه طريق لا يكون إلا معصية وتفريط 2 عن المكلف، إلا أن الحكم الشرعي غير ممتنع أن يتغير مع الجهل، ولا يكون حاله مساوية لحاله مع العلم. فإذا قال أصحابنا: من عقد نكاحا على امرأة وهو محرم فنكاحه باطل على كل حال. ثم قالوا: فإن كان هذا العاقد عالما بتحريم العقد لم يحل له هذه المرأة المعقود عليها أبدا، وإن كان جاهلا بالتحريم بطل العقد وحلت له المرأة بعقد آخر صحيح. فلم يكن هذا القول منهم إقامة 3 لعذر الجاهل العاصي بجهله بما وجب أن يعلمه بل إبانة لأن حكمه عند هذا الجاهل العاصي في جهله متى عقد مع الحصول في الشريعة، بخلاف حكم العاقد مع العلم. وإن كان الجاهل عاصيا مفرطا. والعلم بالحكم كان لازما، وهو الآن أيضا له لازم، وإنما دخلت الشبهة على من يظن أنه بالجهل يسقط عنه وجوب العلم، وما كذلك قلنا.

1) ظ: به.
2) ظ: وتفريطا من المكلف.
3) ظ: إبانة..

[ 372 ]

وإنما ذهبنا إلى تغير الحكم الشرعي الذي تغيره موقوف على المصالح التي لا يعلم وجوهها إلا علام الغيوب جلت عظمته. المسألة الثالثة والعشرون: [ ما يجوز قتله من الحيوان المؤذي ] ما تقول فيما لم يحل أكله من الحيوان المؤذي وغير المؤذي؟. أيحل قتل ما لا يؤذي كالخطاف والخفاش والغراب وما أشبه ذلك؟. وإن كان لا يحل، فهل كون شئ منه مؤذيا أذية يجوز يحمل 1 منه مثلها، كوجود النمل في المسكن، واتخاذ الطائر سقف البيت وحائطه وكرا أبيح قتله؟. فإن قلنا بإباحة شئ من ذلك قبل حصول الأذى أو بعده فما وجهها؟ مع علمنا أن العقول تقبح إنزال الضرر إلا سمع مقطوع به. وهل يجوز قتل ما جرت العادة بكونه مؤذيا؟ كالسبع والذئب والحية أن يقصدنا بأذية، وهل قصدنا إلى قتله إذا أرادنا على جهة المدافعة له أو على وجه العزم على قتله؟. الجواب: إعلم أن إدخال الضرر على البهائم المؤذي لنا منها وغير المؤذي لا يحسن إلا بإذن سمعي، إلا أن يكون ذلك الضرر يسيرا، أو النفع المتكفل به لها عظيما فيحسن من طريقة العقل.

1) ظ: أن يتحمل..

[ 373 ]

فإن كثيرا من الناس أجازوا ركوب البهائم عقلا من غير افتقار إلى سمع، وقال: إذا تكفلنا لها بما تحتاج إليه من غذاء وديار ومصلحة، ربما كانت لها فائدة لو لا تكفلنا جاز أن ندخل عليها ضرر الركوب، لأنه يسير في جنب ما نتحمله من منافعها. والإذن السمعي في إدخال الضرر عليها مؤذن بأن المبيح لذلك هو التكفل بالعوض عنه، فقتل البهائم الذي 1 لا أذية منها لا يجوز على وجه، لأن السمع لم يبحه. وكذلك ما يؤذي أذى يسيرا متحملا كالنمل وما أشبهه، فإن المؤذيات من البهائم المضرات مباح قتلها كالسباع والأفاعي. ويجب القصد إلى قتلها والاعتماد له، دون القصد إلى المدافعة، لأن بالإباحة قد صار القتل حسنا، والقصد إلى الحسن حسن، كما يقصد إلى ذبح الحيوان المأكول وإن لم يكن مؤذيا، لأن بالإباحة قد صار إتلافه حسنا، وإنما يوجب القصد إلى المدافعة إلى الضرر في من يقصد إلى إيقاع الضرر بنا، لأن القصد إلى الاضرار به يكون قبيحا، لأنه إرادة الظلم، فإذا قصدنا المدافعة ودفع الضرر غير مقصود لم يكن ظلما. ويحسن منا أن نقتل السباع والأفاعي وإن لم نخف ضررها في الحال ولم يقصدنا بأذية، لأن الإباحة تضمنت ذلك. وإنما نفرق بين قتل الحية وما أشبهها في الصلاة، فنقول: إذا خاف المصلي من ضرر الحية وقصدها له جاز أن يقتلها في الصلاة، لأنه فعل كثير لا يستباح في الصلاة إلا عن ضرورة. وليس ذلك معتبرا في قتل السباع والأفاعي في غير الصلاة.

1) ظ: التي..

[ 374 ]

المسألة الرابعة والعشرون: [ بر الوالدين الكافرين الفاسقين ] إذا كان بر الوالدين واجبا، وتجنب اليسير من أذاهما لازما بالمعروف مدة الحياة مأمورا به، كافرين كانا أو فاسقين. فما الحكم فيهما إذا كانا فاسقين أو ذميين أو حربيين، أيجب أن يعمل معهما ولدهما ما نصنع بكل فاسق وذمي وحربي من اللعن والبراءة أو القتل أم لا يجب؟ فإن وجب فعل ذلك بهما، فكيف يجامع ما استقر من الأمر بتعظيمهما وتجنب أذاهما؟ وإن لم يجب كان خالف ما عليه من وجوب ذلك. الجواب: إعلم أن بر الوالدين بالنفقة واحتمال الصحة والكراهة غير مناف للعن لهما والبراءة منهما إذا كانا كافرين، كما لا تنافي بين شكر الكافر على نعمه وبين لعنه على كفره، وإن كان الشكر معه ضرب من التعظيم، فإن ذلك التعظيم غير مناف للاستخفاف على الكفر لاختلاف جهتهما. وإذا كنا نذهب معشر القائلين بالارجاء إلى أن التعظيم على الطاعة لا ينافي الاستخفاف على المعصية، مع التقابل بين جهة التعظيم والاستخفاف، لجاز أن نقول ذلك فيما لم تتقابل الشكر على النعم المقترن بالتعظيم والذم على المعاصي بالاستخفاف. فإذا كانت للوالدين نعمة التربية والحضانة وغير ذلك، وجب من إكرامهما وتعظيمهما ما يجب لكل منعم، فإن اقترن بذلك منهما كفر وجب لعنهم بالكفر

[ 375 ]

والبراءة منهما من أجله. وإن ارتد بعد ايمان وجب من قتلهما ما يجب فيهما لو كان في غير الوالدين. وقد بينا أن ذلك غير متناف ولا متضاد. المسألة الخامسة والعشرون: [ حكم المنعم الكافر ] كيف السبيل لمن أنعم عليه كافر بنعمة إلى أداء الواجب عليه من تعظيمه مع وجوب ذمه ولعنه والبراءة منه وفساد التحابط. الجواب: إعلم أن الكافر إذا كانت له نعمة وجب شكره عليها ممن بقي نعمه عليها، وإن استحق من هذا المنعم عليه أن يلعنه على كفره يستخف به من أجله. وأبو هاشم يوافق هذه الجملة وإن كان قائلا بالاحباط، لأنه يذهب إلى أن الاحباط بين ما تتقابل جهاته من تعظيم الاستحقاق، كالتعظيم على الإيمان، واستخفاف على الكفر، وليس ذلك قائما في الشكر على نعمة الكافر مع الذم على كفره. وأبو علي يخالفه في ذلك ويذهب إلى أن الكفر محبط لما يستحق بالنعم من شكر وتعظيم، كما يحبط ما يستحق بالطاعات من ثواب وتعظيم. والصحيح ما قاله أبو هاشم، ونحن نزيد على هذه الجملة ونقول: إنه لا تنافي بين الذم والمدح والتعظيم والاستخفاف، إلا إذا كانا على فعل واحد. فأما إذا كانا على فعلين جاز أن يجتمع استحقاقهما وإن كانا متقابلين، بعد أن يتغاير الفعلان اللذان يستحقان منهما.

[ 376 ]

ولهذا نقول: إن الفاسق يجتمع استحقاقهما وإن كانا متقابلين، له استحقاق الذم والمدح والتعظيم والاستخفاف بإيمانه وطاعته وفسقه ومعاصيه. ولولا أن الكافر قد دل الدليل على أنه لا طاعة له، لجاز عندنا أن يجتمع له استحقاق الثواب والعقاب والذم والمدح والتعظيم والاستخفاف. وإذا كنا نقول ذلك في المتقابل الجهات، فكيف القول بمثله فيما لا تتقابل جهات استحقاقه، فليقس على هذا كل المسائل، فإنه طريق جدد. المسألة السادسة والعشرون: [ الكافر إذا كانت له أعواض ] على أي وجه يعوض الكافر المحترم عقيب استحقاقه العوض عليه تعالى أو على غيره، مع إجماع الأمة على أنه لا يجوز أن ينتفع في الآخرة بشئ لا في حال الموقف ولا في حال دخوله في النار، وقد نطق القرآن بذلك. الجواب: إعلم أن الكافر إذا كانت له أعواض ما استوفاها في الدنيا، فيجب إيصالها إليه عند البعث قبل إدخاله النار للعقاب. والأشبه أن يكون ذلك قبل المحاسبة والمراقبة، فإنه لا يليهما إلا المعاقبة والعوض عندنا منقطع، ويمكن إيصال الكثير في الأوقات اليسيرة. وها هنا إجماع على أن الكافر لا يجوز أن ينتفع بشئ بعد لعنه. فأما بعد دخوله النار فلا شبهة فيه، وكيف يدعى الإجماع فيما نخالف نحن فيه. وإنما الإجماع على أن الكافر لا ينتفع في حالة معاقبة. وليس لأحد أن يمنع من استحقاق الكافر لعوض لا يمكن استيفاؤه له في

[ 377 ]

الدنيا، لأنه لا يجوز أن يقتله ظالم فيستحق بهذا القتل أعواضا بعد فوت الحياة. وكذلك من الجائز أن يلحقه بإماتة الله تعالى له آلام عظيمة يستحق بها أعواضا بعد موته، لأن أبا هاشم وإن جوز أن يبطل الحياة بغير ألم، فإنه يجيز أن يقترن بها الألم، وهو الأظهر. فقد تصور جواز استحقاق الكافر الأعواض بعد عدم حياته، وما نحتاج مع ما ذكرناه إلى ما سواه. المسألة السابعة والعشرون: [ حكم العالم بقبائح غيره ] كيف السبيل لمن اختص علمه بقبائح غيره إلى فعل الواجب عليه من ذمه، وتسميته بأسماء السيئة من أفعاله، كسارق وزان وقاتل ولائط، وبأسماء الغير الشريفة، كفاسق وفاجر ورجس وملعون، إن صرح لها كان ما يجب عليه الحد. وإن اقصر على الاعتقاد لم يؤثر ذلك على الغرض المشروع من ذم الفاسق ولعنه، وإن أسقطها جميعا أخل بالواجب عليه. الجواب: إعلم أن من علم من غيره قبائح يستحق بها منه الذم والاستخفاف، فله أن يذمه بقلبه ولسانه، ويقول: إنه ملعون مذموم يستحق البراءة والاستخفاف والاهانة. ويتجنب كل لفظ يقتضي اطلاقه حدا وله في غيرها مندوحة. فإن الألفاظ التي تنبئ على الذم والاستخفاف لا يوجب على مطلقها حدا أوسع وأكثر من الألفاظ التي توجب الحد. ولا خلاف بين الفقهاء في أن من ينسب غيره إلى الكفر - وهو أعظم من كل الذنوب - لا يستحق حدا، وإن كان يستحق الحد بقذفه له بالزنا. وليس تجنب الألفاظ التي تقتضي الحد بما

[ 378 ]

منع 1 من فعل الواجب من لعنه وإهانته والاستخفاف به. المسألة الثامنة والعشرون: [ معنى حياة الشهداء والأنبياء والأوصياء ] إذا كنا نعلم أن علم المكلف بوصوله إلى ثواب طاعاته عقيب فعلها يقتضي إلجاؤه إليها، وأن يفعلها لأجل الثواب لا لوجه وجوبها، وأن ذلك وجهان يقتضيان قبح تكليفها، ولذلك قلنا بوجوب تأخير الثواب. فما الوجه من كون الشهيد حيا عنده تعالى والوجيه الحال إلى 2 وما وردت به من وصول الأنبياء والأوصياء ومخلصي المؤمنين إلى الثواب عقيب الموت، وأنهم أجمع أحياء عند الله يرزقون. الجواب: إعلم أن الذي يمضي في الكتب من أن المكلف لو قطع على وصوله إلى ثواب طاعته وعقاب معصيته عقيب الطاعة فالمعصية 3، يقتضي الالجاء على نظر في ذلك، غير مناف لما نقوله من أن الشهيد يدخل الجنة عقيب موته بالشهادة. وكذلك الأنبياء والأوصياء، لأن الشهادة أولا ليست من فعل الشهيد، وإنما بطلان حياته بالقتل في سبيل الله تعالى يسمى (شهادة)، والقتل الذي به تكون الشهادة من فعل غير الشهيد، فكيف يجوز الالجاء إليه؟ ولا هو يجوز أن يقال أنهم ملجأون إلى الجهاد، لأن الجهاد لا يعلم وقوع الشهادة لا محالة،

1) ظ: بمانع.
2) الظاهر زيادة (إلى).
3) ظ: والمعصية..

[ 379 ]

ولأن المجاهد إنما يفعل الجهاد ويقصد به غلبته للمشركين، لا إلى أن يغلبوه ويقتلوه شهيدا، فالالجاء هاهنا غير متصور. فأما الأنبياء والأوصياء عليهم السلام فليس يتعين لهم الطاعة التي يجازون بالثواب ودخول الجنة عقيبها، ولا طاعة يفعلونها إلا وهم يجوزون أن يتأخر الجزاء عليها، بأن يغير تكليفهم ويستمر، كما يجوزون أن يصلوا عقيبها إلى الثواب. وهذا التجويز وعدم القطع يزيلان الالجاء الذي اعتبر فيمن يقطع على وصوله إلى ثواب طاعته عقيب فعله، وهذا بين لمن تدبره. ونسأل الله تعالى أن يؤيدنا ويسددنا في كل قول ينحوه وفعل يعروه، وأن يجعل ذلك كله خالصا له ومقربا منه، إنه سميع مجيب. كان الفراغ من جواب هذه المسائل في اليوم التاسع من المحرم من سنة تسع وعشرين وأربعمائة. والحمد لله رب العالمين، وصلوات الله على خير خلقه محمد النبي وآله الطاهرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

[ 381 ]

(28) جوابات المسائل الرسية الثانية

[ 383 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ثم وردت بعد ذلك مسائل خمس، فألحقنا جوابها بما تقدم: المسألة الأولى: [ سقوط القضاء بعد الوقت عمن صلى تماما في موضع القصر ] ما الوجه فيما يفتي به الطائفة من سقوط فرض القضاء عمن صلى من المقصرين صلاة متم بعد خروج الوقت، إذا كان جاهلا بالحكم في ذلك، مع علمنا بأن الجهل بأعداد الركعات لا يصح مع العلم بتفصيل أحكامها ووجوهها إذ من البعيد أن يعلم التفصيل من جهل الجملة التي هي كالأصل. وإجماع الأمة على أن من صلى صلاة لا يعلم أحكامها فهي غير مجزية، وما لا يجزي من الصلاة الخمس يجب قضاؤه باتفاق، فكيف يجوز الفتيا بسقوط القضاء عمن صلى صلاة لا تجزيه؟

[ 384 ]

الجواب: إنا قد بينا أن الجهل وإن لم يكن صاحبه معذورا، بل ملوما مذموما، لا يمتنع أن يتغير معه الحكم الشرعي، ويكون حكم العالم بخلاف حكم الجاهل. وليس العلم بأن من لزمه التقصير إذا تمم صلاته لا يجزيه تلك الصلاة أصلا، كالعلم بأحكام الصلاة في قراءة وركوع وسجود، لأنه غير ممتنع أن يعلم جميع أحكام 1 الشرعية من لا يعلم أن إتمام من وجب عليه التقصير غير مجز، فلا تعلق بين الأمرين. وليس جهله بأن إتمامه ما وجب فيه التقصير هو جهلا بأعداد الركعات، لأنه قد يعلم أن المقصر إنما يجب عليه عدد مخصوص، غير أنه لا يعلم أنه إذا لم يفعل ذلك العدد وما زاد عليه أن فعله لا يجزيه. لأنهما موضعان مفترقان يجوز أن يعلم أحدهما من يجهل الآخر. المسألة الثانية: [ جواز تجديد نية الصوم بعد مضي شطر النهار ] ما الجواب فيما يفتي به الطائفة وغيرها من الفقهاء من جواز تجديد النية للصوم الواجب والمندوب بعد مضي شطر النهار، مع حصول العلم بأن ما مضى من الزمان عريا من النية ليس بصوم، وما بقي لا يجوز إذا كان ما مضى ليس بصوم أن يكون صوما من حيث كان بعض زمان الصوم المشروع. الجواب: إعلم أن هذه المسألة يوافق الإمامية فيها الفقهاء، لأن أبا حنيفة يجيز صوم الفرض والتطوع بنية متجددة قبل الزوال. والشافعي يجيز ذلك في التطوع ولا

1) ظ: الأحكام..

[ 385 ]

يجيزه في الفرض. والوجه في صحة ذلك ما قد ذكره في جواب هذه المسائل: من أن النية إنما تؤثر في أحكام شرعية، وليس تكون الصلاة 1 بها على صلاة موجبة عنها، كما نقوله في العلل العقلية. وغير ممتنع أن تكون مقارنة نية القيام 2 بجزء من أجزاء النهار في كون جميع النهار صوما، لأن تأثير العلل التي تجب مصاحبتها لما يؤثر فيه هاهنا مفقود. وإنما يثبت أحكام شرعية بمقارنة هذه النية، فغير ممتنع أن يجعل الشرع مقارنتها لبعض العبادة كمقارنتها لجميعها. ألا ترى أن تقدم النية في أول الليل أو قبل فجره مؤثرة بلا خلاف في صوم اليوم كله، وإن كانت غير مقارنة لشئ من أجزائه، وهذا مما قد تقدم في جواب هذه المسائل. ولا خلاف أيضا في أن من أدرك مع الإمام بعض الركوع، يكون مدركا لتلك الركعة كلها ومحتسبا له بها، وقد تقدم شطرها، فكيف أثر دخوله في بعض الركوع فيما تقدم، فصار كأنه أدركه كله لولا صحة ما نبهنا عليه. المسألة الثالثة: [ أحكام الصلوات المفروضات ] قد علمنا اتفاق الطائفة على وجوب صلاة الكسوف والعيدين والجنائز والطواف والنذر كصلاة الخمس، وقد تقرر فسادها 3 بتفصيل أحكام صلاة الخمس وأفعالها وتروكها وأعيان فروضها وسننها وأحكام السهو منها.

1) ظ: العبادة بها على عبادة موجبة.
2) ظ: الصيام.
3) كذا في النسخة والظاهر أن يكون: وقد تقرر تفصيل أحكام صلاة..

[ 386 ]

ولا فتيا لأحد من الطائفة ولا رواية لشئ من ذلك فيما عدا الصلوات الخمس من الفرائض المذكورة، مع حاجة مكلفها إلى علم ذلك. وهل جميع ما يتضمنه من قراءة وركوع وسجود وتكبير وقنوت فرض أو بعضه واجب وبعضه ندب، وما حكم السهو في تفاصيل أحكامه وأعيان ركعاته؟ الجواب: إعلم أن الطائفة إذا اتفقت على أن صلاة العيدين والكسوف وما جرى مجراها فرض لا يسوغ الاخلال به، فمعلوم أن أحكام المفروض من الصلاة واحدة فيما يجب أن يفعل ويترك من قراءة وركوع وتسبيح وغير ذلك. فأما القنوت فقد نصوا على دخوله في صلاة العيدين والكسوف. وأما ركعتا الطواف ففي وجوبها وأنها فرض لا يجوز الاخلال به نظر. والأقوى في النفس أنها سنة مؤكدة، ولو كانت فرضا 1 يجري مجرى سائر الفروض من الصلوات. وأما أحكام السهو في هذه الصلوات فقد بين القوم حكم السهو في المفروض من الصلاة، وأنه لا سهو في الأولتين من كل صلاة، ولا في المغرب والفجر، وعلى هذا الإطلاق لا سهو في العيدين والكسوف والطواف. فأما النذر، فإن كان واقعا بركعتين فلا سهو فيهما، وإن كان بزيادة على ذلك كان له حكم السهو في باقي الفروض من الصلوات. المسألة الرابعة: [ حكم اللاحن في القراءة في الصلاة ] إذا كان حقيقة القارئ هو الحاكي لكلام الله تعالى، وكانت الحكاية تفتقر

1) ظ: تجري..

[ 387 ]

إلى اللفظ وصيغته، فما حكم من لحن في قراءة الصلاة؟ أهو قارئ أم متكلم؟ ولا يجوز أن يكون قارئا، لكونه غير حاك لكلام الله تعالى في الحقيقة. وإن كان متكلما فصلاته باطلة، مع نقل إجماع الأمة على فساد صلاته خلاف 1 لما ورد به الخبر، وعمل عليه كثير من الطائفة (اقرأ كما نحن نقرأ) يرفع كما أنزل. وأيضا فما وجدنا أحدا من علمائنا أفتى بفساد صلاة من لحن في قراءته عامدا، بل الفتيا بجوازها ظاهر منهم، وفي ذلك ما فيه. الجواب: إعلم أن الصحيح أن الحكاية للكلام تجب أن تكون مطابقة له في صور الألفاظ وحركاتها ومدها وقصرها، ومن لم يفعل ذلك فليس بحاك على الحقيقة. وإذا كانت الطائفة مجمعة على أن من لا ينضبط له من العامة والأعاجم 2 وحكاية القرآن بإعرابه وحركات ألفاظه صلاته مجزية، وكذلك من لحن غير متعمد لذلك، حكمنا بجواز هذه الصلاة وصحتها، وإن لم يكن هذا اللاحن حاكيا في الحقيقة للقرآن. وجرى مجرى الأخرس الذي لا يقدر على الكلام والأعجمي الذي لا يفهم حرفا بالعربية في أن صلاتهما صحيحة عربية، وإن كانا ما قرءا القرآن، فليس من لحن في القرآن بأكثر ممن لن ينطق به جملة. فأما المتمكن من إقامة الإعراب إذا لحن من غير عمد فصلاته جائزة بغير شك. فأما إذا اعتمد اللحن مع قدرته على الصواب وإقامة الإعراب، فالأولى

1) ظ: وخلاف.
2) الظاهر زيادة الواو..

[ 388 ]

أن تكون صلاته فاسدة، ومن أفتى من أصحابنا بخلافه كان غير مصيب. المسألة الخامسة: [ هل يدل الفعل المرتب المنسق على كون فاعله عالما ] إذا كان وجود الفعل مرتبا منسقا دالا على كون فاعله عالما، وكان الكلام من جملة الأفعال، فيجب أن يكون وقوعه مرتبا على المعاني المعقولة، دالا على كون فاعله عالما بما قصده من المعاني، ولذلك يفرق بين الكلام المفيد المقصود وبين الهذيان. ويعلم تكامل العلوم لأجل المتكلمين واختلالها في الآخر، وجب لهذا الاعتبار الحكم لكل متكلم بكلام مرتب متسق محترز من التخليط محروس من القدوح، مقصود به العبارة عن الأدلة دون المشبه بكونه عالما بما تضمنه كلامه من المعاني. ولذلك يفرق كل أنس 1 فالعلم بين عبارة المقلد للعلماء الحاكي لعباراتهم، وبين العالم المضطلع لما يجد العالم عليه من القدرة على إفهام ما عبرته عن الأدلة والسنة من العبادات المرتبة مستطيعا لإسقاط ما يعترض كلامه من القدح، وبعد ذلك أجمع على المقلد الحاكي بعبارات العلماء عن الأدلة القاطعة. وظهور هذا يقتضي القطع على ايمان من علمناه معبرا عن المعارف على الوجه الذي بينا كون المتكلم بها عالما [ و ] في ذلك خلاف لما امتنع منه جميع المتكلمين من القول بالقطع على الإيمان 2 من ينص الله تعالى على إيمانه، لانسداد طريق العلم عندهم عن كل محدث يكون غيره عالما. ودلالة

1) ظ: إنسان عالم بين.
2) ظ: ايمان..

[ 389 ]

على فساد ما يذهب إليه القائلون بالموافاة. أو القول بأن حجة 1 النبوة والامامة ليس بكفر، لوجود علماء لا يحصون كثرة ممن يخالف في النبوة والامامة على الصفة التي تبينا كون من كان عليها عالما بما يعتريه 2 عنه. الجواب: إعلم أن الشبهة في المسألة ضعيفة جدا، لأن المعبر عن المعاني على الوجه المرتب المنسق، إنما يدل فعله على أنه عالم بتلك العبارات التي فعلها على وجه الأحكام والاتساق، وبمطابقتها للمعاني التي عقلها عليها وعزمها عنها. فأما أن يدل ذلك على أنه عالم بشئ آخر فلا. والذي يرتب مثلا دليل حدوث الأجسام وبناؤه على الدعاوي الأربع، ويذكر كيف طريق الاستدلال على صحيح كل دعوى من تلك الدعاوي، حتى يتكامل العلم بحدوث الأجسام 3، وإنما يجب أن يقطع على أنه عالم بكيفية ترتيب دلالة حدوث الأجسام، بتقديم ما يقدم وتأخر ما يؤخر، حتى يحصل هذا العلم للناظر في حدوث الأجسام. ولا يعلم بهذا القدر أنه هو عالم بحدوث الأجسام، لأنه من الجائز أن يكون ما نظر هو مطلقا في حدوث الأجسام، وإن كان عالما بكيفية ترتيب الدلالة، للقضية إلى العلم بحدوثها. ومن الجائز أن يكون نظر على وجه لا يوجب العلم

1) ظ: جحد.
2) ظ: يعبر به عنه.
3) الظاهر زيادة الواو.
4) في النسخة: مط، ويمكن أن يكون: ما نظر هو قط في حدوث الأجسام..

[ 390 ]

ولا يتكامل شروط توكيد النظر للعلم. فليس كل من وصف الطريق إلى سلوك جهة من الجهات والصفات الصحيحة السديدة يكون سالكا لذلك الطريق ومستعملا لما وصف كيف يكون استعماله. ألا ترى أن من وصف كيف يكون سلوك الطريق إلى البصرة، ورتب ذلك وشرحه وأوضحه على الوجه الصحيح، إنما يقطع على أنه عالم بكيفية سلوك هذا الطريق [ ولا يقطع على أنه عالم بكيفية سلوك هذا الطريق ] 1 ولا يقطع أنه قد سلكه ووصل فيه إلى البصرة. وكذلك من وصف لنا كيف يجب أن يعمل الرامي حتى يصيب الهدف، ورتب ما يجب أن يعلمه 2 من أنساء القوس على وجه 3 المخصوص واعتماد جهة السمت، إنما يجب أن يقطع على علمه بكيفية الرمي، وإن كنا نجوز أن يكون هو ما رمي قط، أو رمي ولم يصب الغرض. وكذلك من وصف لنا كيفية عمل لون من الطبيخ، ورتب لنا ما يجمعه فيه من الأخلاط، وما تقدم منها أو تأخر، إنما يجب القطع على علمه بصفة ذلك اللون من غير تعرض لأنه قد طبخه واتخذه. وإنما يكون العالم بالله تعالى عارفا به، إذا نظر في الأدلة الموصلة إلى معرفته من الوجه الذي يدل منه، وتكاملت شرائطه المذكورة في الكتب، فإنه إن نظر في الدلالة من الوجه الذي يدل ولم يتكامل الشرائط لم يولد نظره العلم فأنا 4 يوصفه لنا كيف يجب أن يفعل الناظر وترتيب الأدلة، فلا يجب أن يعلم

1) كذا في النسخة والظاهر زيادتها.
2) ظ: يعلمه.
3) ظ: على الوجه.
4) ظ: فأما ما..

[ 391 ]

أنه عالم به تعالى. وقد ذكرنا في جواب المسألة الرابعة من هذه المسائل في هذا المعنى وجها غريبا ما تقدمنا أحد إليه، وهو أنه: يجوز أن يكون بعض من ثبت عندنا كفره من مخالفينا عارفا بالله تعالى، غير أنه لا يجوز أن يستحق الثواب على معرفته، لوقوعه على غير الوجه الذي وجب عنه. وإنما امتنع أصحابنا من كون بعض الكفار عارفا بالله تعالى، حتى لا يجتمع له استحقاق الثواب مع كفره. وعلى هذا الذي أيقظنا عليه قد كفينا هذه المؤنة وأولياء الشناعة التي يفزعون معا إليها، بأن المخالف ينظر كنظرنا، وسلك في الأدلة طرقنا، فكيف يجوز أن يكون غير عارف؟ وكل هذا بين لمن تأمله. وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية