الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




رسائل الشريف المرتضى (1) - السيد أحمد الحسيني

رسائل الشريف المرتضى (1)

(تقديم وإشراف): السيد أحمد الحسيني
(إعداد): السيد مهدي الرجائي


[ 2 ]

دار القرآن الكريم مدرسة آية الله العظمى الگلپايگاني مد ظله الوارف

[ 3 ]

رسائل الشريف المرتضى المجموعة الأولى (تقديم وإشراف) السيد أحمد الحسيني (إعداد) السيد مهدي رجائي

[ 4 ]

* رسائل الشريف المرتضى - 1 * تأليف: الشريف المرتضى * تقديم: السيد أحمد الحسيني * إعداد: السيد مهدي الرجائي * نشر: دار القرآن الكريم - قم * طبع: مطبعة سيد الشهداء - قم * التاريخ: 1405 ه‍ * العدد (2000) نسخة

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

[ 7 ]

تقديم بقلم السيد أحمد الحسيني (1) كان الشريف المرتضى مجموعة متزاحمة من الثقافات والمعارف الاسلامية والعربية العالية، فإن له آثارا ممتازة في التفسير والكلام والعقائد والفقه وأصوله والأدب والشعر والجدل وغيرها من العلوم والفنون الدارجة في عصره. دون هذه المعلومات في كتب خاصة أو بحث عنها استطرادا أو في ضمن جواباته على المسائل التي كانت ترد إليه من مختلف البلدان والشخصيات المرموقة. وعلى دارس الشريف المرتضى أن يتحدث عنه في شتى المجالات الثقافية والجوانب العلمية، وعليه أيضا أن يكون في مستوى علمي رفيع ملما بجوانب كثيرة من شتى العلوم الاسلامية. لكي يتسنى له دراسة المرتضى وتحليل ما خلف من الثروات العظيمة في عالم العلم والدين. أما أنا فأعترف أنني لست ممن تتوفر فيه المؤهلات الكافية للدخول في هذا الميدان الوسيع، ولست أملك هاتيك الطاقات التي تفتح لي آفاق التحدث عن هذا الطود الشامخ.. ولكن كل هذا لا يمنعني من أن ألقي دلوي في الدلاء

[ 8 ]

بالقدر الذي أجد من الفسحة في الوقت والمجال للتحدث. (2) في هذه الكلمة القصيرة التي نقدم بها مجموعة (رسائل الشريف المرتضى) إلى القراء الأفاضل، نكتفي بنظرة عابرة في أربع جوانب من معارفه، هي: الجانب الكلامي، والجانب الفقهي، والجانب الأصولي، والجانب الأدبي. أما دراسة المرتضى بالشكل المبسط ومن كل النواحي، فتلك من وظائف كبار العلماء الذين تتوفر فيهم الثقافات ويجدون الفرصة الكافية، لمثل هذه الأعمال: 1 - خصص الشريف المرتضى كتابية (الذخيرة) و (الشافي) بالكلام وكتب في (الأمالي) و (الفصول المختارة) و (تنزيه الأنبياء) ورسائله وجواباته فصولا طويلة وممتعة في الكلام دلت على قوته الكلامية وشدة صلاته الوثيقة بآراء المتكلمين المتقدمين عليه والمعاصرين له، ولعل كتابيه (الشافي) و (الذخيرة) من أحسن كتبه الكلامية وأطولها، بل لعلهما من أوقع الكتب الكلامية الشيعية القديمة وأرسخها، وفيهما حقا طرق بعض الأبحاث الكلامية، وتوسع فيها توسعا لم يسبق إليه مع عمق في البحث، وإشراق في العبارة، وإكثار من الشواهد القرآنية والحديثية، وجمع للآراء، واحتواء للنظريات. وكان تلميذا للشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المفيد الذي قيل فيه: كان (من جملة متكلمي الإمامية، انتهت إليه رياسة الإمامية في وقته، وكان مقدما في العلم وصناعة الكلام) (1) وهو الذي (فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية) (2). وأستاذ مثل الشيخ المفيد الذي طبق العالم شهرة في الكلام والفقه وغيرهما من العلوم لا بد وأن يربي مثل المرتضى الذي كان (إمام أئمة العراق بين الاختلاف

(1) الطوسي: الفهرست 158.
(2) النجاشي: الرجال 311.

[ 9 ]

والاتفاق، إليه فزع علمائها وعنه أخذ علماؤها، صاحب مدارسها، وجماع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره، وعرفت به أشعاره، وحمدت في دين الله مأثوره وآثاره، إلى تواليفه في الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين، ما يشهد أنه فرع ذلك الأصل الأصيل، ومن أهل ذلك البيت الجليل) (1). والذي (كان نصير الدين الطوسي إذا جرى ذكره في دروسه يقول: صلوات الله عليه، ويلتفت إلى القضاة المدرسين الحاضرين ويقول: كيف لا يصلى على السيد المرتضى) (2). والمرتضى ككلامي شيعي يبحث من زاويته الخاصة كان شديد الانتصار للآراء الشيعية: يذب عنها بما أوتي من حول وطول، ويدافع عنها بكل قواه، ولا يدع ما يمكن الاستدلال به إلا جعله شاهدا يقيمه لدعم مذهبه وتقوية معتقده. والغريب أن يعد الشريف المرتضى معتزليا لمناصرته بعض ما يذهب إليه المعتزلة، والأغرب أن يعد التشيع متفرعا من الاعتزال لوجود الشبه الكبير بينهما وتشابكهما في بعض الآراء الكلامية تشابكا قويا... إن هذا لغريب حقا، وكأن القائل بهذا القول لم يقف على الآراء ولم يبحثها، وإذا كان بحث فيها كان يجد أن (أسس الإمامية أسبق من أسس المعتزلة لأن الاعتزال مذهب جديد حصل في زمن واصل بن عطاء في القرن الثاني للهجرة وخالف في ذلك أستاذه الحسن البصري واعتزل درسه. أما الإمامية فيعتمدون في مذهبهم على أئمة أهل البيت ويستندون إلى أحاديثهم وأحاديث جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله الغارس لبذرة التشيع والموضح لخططه وآثاره،

(1) صدر الدين الشيرازي عن ابن بسام: الدرجات الرفيعة 459.
(2) الخوانساري: روضات الجنات 4 / 303.

[ 10 ]

وفي زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام تركزت دعائمه ووضحت معالمه وظهرت خصائصه وكثر متبعوه ومعتنقوه، ولم يزل أئمة أهل البيت يتعاهدونه واحدا بالرعاية والعناية ويكشفون دقائقه وينشرون أعلامه وأحكامه.. واختلاف الشيعة إنما يكون بسبب تفاوت أفهام العلماء في الاستخراج والاستنباط - في الأمور الاستنباطية - وبحسب اختلاف الأنظار والأفكار - في الأمور العقلية. ومن الطبيعي أن هذا الرأي قد يوافق غيرهم وقد يخالفهم، وليس معنى الموافقة أن يكونوا منهم. على أنا لو قلنا بأن الاعتزال تشيع من بعض الجهات لكان أقرب إلى الصواب، حيث أن المتأخر يصح أن ينسب إلى المتقدم ولا يصح العكس. إذن فمن الخطأ أن نقول: التشيع منحى من مناحي الاعتزال...) (1). وبعد هذا فهل يصح أن يقال أن المرتضى معتزلي وهو الذي كتب كتابه (الشافي) في رد كبير المعتزلة في عصره القاضي عبد الجبار؟؟ أو هل يصح أن يقال إن الشريف يناصر مذهب الاعتزال وهو الذي يقول في بعض كتاباته ردا على المعتزلة (ويمكن أن يقال للمعتزلة خاصة) (2)؟ إن المرتضى يتصدى لمناقشة آراء المعتزلة كما يفعل بآراء غيرهم من ذوي الآراء الكلامية من سائر الفرق الاسلامية، وهي لديه على حد سواء في قبول النقاش والأخذ والرد، ولا يرى بينها وبين الآراء الشيعية من صلة توجب عليه قبولها أو مناصرتها.
2 - أما الجانب الثاني الذي يلزم التحدث عنه في هذه العجالة، فهو الجانب الفقهي للمرتضى:

(1) الحيدري: مع الدكتور محيي الدين 16.
(2) رسائل المرتضى 1 / 25 ط النجف.

[ 11 ]

كان - رحمه الله - قمة شامخة من قمم الفقه الجعفري وفي طليعة الذين كانت لهم مساعي كبيرة في تطوير الفقه وإخضاعه للقواعد الأصولية في طريق الاستنباط، في حين كان قبله في إطار حديثي غير مركوز على أسس الاستدلال والتعمق الأصولي. كان المرتضى يذهب إلى عدم صحة العمل بأخبار الآحاد، وكتب في ذلك رسالة يقيم على ما يذهب إليه الأدلة ويدفع ما يستدل به خصومه. وبالاضافة إلى ما كتبه في كتابه (الذريعة) وبعض جواباته من التنديد بالعاملين بأخبار الآحاد. وعلى ضوء هذا الرأي كان كثير العمل بالقواعد الأصولية التي لا بد لمثله من الأخذ بها في مجابهة المسائل الفقهية وكان قبله موضوع أخذ القواعد الأصولية بعين الاعتبار في الفقه مما لم تأنس أذهان الفقهاء به حينذاك، فكانوا يرون في هذا خروجا على عرفهم العام وطريقتهم في عملية الاستنباط، إلا أن هذه الطريقة أصبحت مأنوسة لهم فيما بعد المرتضى وخاصة في زمن الشيخ محمد بن الحسن الطوسي المتوفي بالنجف الأشرف سنة 460 ه‍، إذ كان للطوسي قوة عظيمة في تطوير الفقه تطويرا كاملا وتركيزه على القواعد الأصولية، ولعل (كتاب المبسوط كان محاولة ناجحة وعظيمة في مقاييس التطور العلمي لنقل البحث الفقهي من نطاقه الضيق المحدود في أصول المسائل إلى نطاق واسع يمارس الفقيه فيه التفريع والتفصيل والمقارنة بين الأحكام وتطبيق القواعد العامة ويتتبع أحكام مختلف الحوادث والفروض على ضوء المعطيات المباشرة للنصوص) (1). وعلى كل حال فقد كان المرتضى (أعرف الناس بالكتاب والسنة ووجوه التأويل في الآيات والروايات، لما سد باب العمل بأخبار الآحاد اضطر إلى

(1) محمد باقر الصدر: المعالم الجديدة للأصول 60.

[ 12 ]

استنباط الشريعة من الكتاب والأخبار المتواترة والمحفوفة بقرائن العلم، وهذا يحتاج إلى فضل اطلاع على الأحاديث وإحاطة بأصول الأصحاب ومهارة في علم التفسير وطريق استخراج المسائل من الكتاب، والعامل بأخبار الآحاد في سعة من ذلك) (1). ولكن مما يلفت النظر في كتابات المرتضى الفقهية واستدلالاته، تشبثه بالاجماع وادعاؤه تحقق ذلك في الكثرة الكاثرة من المسائل التي يبحث فيها (2). فما هو معنى الإجماع عنده؟ وما يقصده من هذه اللفظة عند ما يستدل بها؟ فهل هو الإجماع المحصل، أو الإجماع المنقول، أو تعبير عن بيان كشف الواقع عنده بهذه اللفظة من دون تصريح بذلك، أو توفيقه للقاء الحجة المنتظر عليه السلام وأخذه المسألة منه ثم نقله ذلك في كتبه بهذه الإشارة؟ الإجماع عنده هو الاتفاق الحاصل بين جميع الإمامية على مسألة ما، وهذا الاتفاق - في رأيه - يكشف عن رأي المعصوم عليه السلام في تلك المسألة، إذ لو كان له رأي خاص غير ما اتفق عليه العلماء المذكورون لبان وظهر، ولأن رأيه عليه السلام متبع ومفروض علينا فإجماعهم حجة علينا لا بد من الأخذ به. والاجماع لا يرجع إليه بصورة مطلقة، بل يرجع إليه (في كل حكم لم نستفده بظاهر الكتاب ولا بالنقل المتواتر الموجب للعلم عن الرسول أو الإمام عليهما السلام) (3). فإذا تحقق الإجماع من الفرقة المحقة فهو حجة (وليس علينا أن نعلم

(1) الخوانساري: روضات الجنات 4 / 104.
(2) أنظر كشف القناع ص 442 ففيه بحث دقيق في إجماعيات الشريف المرتضى (3) التبانيات في هذه المجموعة 1 / 17.

[ 13 ]

دليلهم الذي أجمعوا لأجله ما هو بعينه، فإن ذلك عنا موضوع، لأن حجتنا التي عليها نعتمد في إجماعهم لا ما لأجله كان إجماعهم) (1). وقد قال في كيفية حصول الإجماع وطريق كشف قول المعصوم عنه (والصحيح الذي ذهب إليه أن قولنا (إجماع) إما أن يكون واقعا على جميع الأمة أو على المؤمنين منهم أو على العلماء فيما يراعى فيه إجماعهم، وعلى كل الأقسام لا بد من أن يكون قول الإمام المعصوم داخلا فيه، لأنه من الأمة ومن أجل المؤمنين وأفضل العلماء، فالاسم مشتمل عليه، وما يقول به المعصوم لا يكون إلا حجة وحقا) (2).
3 - وأما في مجال علم أصول الفقه.. فإن المتتبع يجد كثيرا من الإشارات إلى القواعد الأصولية في الأحاديث المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، كما أنه يجد بعض أعلام الشيعة دون في أبواب خاصة من أبواب علم الأصول رسائل ولكن لم يتداولها العلماء لعدم استيعابها القواعد والأبواب الأصولية كلها. ولعل أول من عالج موضوع أصول الفقه مستوعبا هو ما نقله الكراجكي في كتابه (كنز الفوائد) من رسالة الشيخ أبي عبد الله المفيد في الأصول. إلا أن هذه الرسالة لشدة اختصارها وعدم الاستدلال فيها أشبهت الكتب الموضوعة للمبتدئين من المحصلين ولم يكن فيها غناء للعلماء المستنبطين. أما الشريف المرتضى فقد دون في علم الأصول عديدا من الآثار، ك‍ (مسائل الخلاف في أصول الفقه) و (مسائل منفردات في أصول الفقه)

(1) المصدر السابق 1 / 19.
(2) الشريف المرتضى: الذريعة 2 / 604.

[ 14 ]

و (إبطال القياس) و (الذريعة في علم أصول الشريعة)، واستدل على آرائه الأصولية ونقض آراء المخالفين له كما فعل في علم الكلام، وفتح بذلك آفاقا جديدة في طريق الاستنباط الفقهي لم يتطرق إليها الفقهاء إلى ذلك العصر. وكتاب الذريعة (لم يصنف مثله جمعا وتحقيقا، استوفى فيه كل مباحثة - أي مباحث أصول الفقه - وتعرض لنقل الأقوال في مسائله، وحقق الحق فيها وكان هذا الكتاب هو المرجع في هذا العلم والذي يقرأه الناس إلى زمان المحقق نجم الدين الحلي، فلما صنف المعارج وكان كتابه سهل العبارة والمأخذ عكفت الطلبة عليه، وإن كان كتاب الذريعة إلى اليوم من أشهر الكتب في أصول الفقه عند الشيعة وأحسنها) (1). والمرتضى نفسه فقد يقول عن كتابه الذريعة (وقد كنا قديما أمللنا قطعة من مسائل الخلاف في أصول الفقه.. والحاجة مع ذلك إلى هذا الكتاب الذي قد شرعنا فيه ماسة تامة والمنفعة به عامة، لأن طالب الحق من هذا العلم يهتدي بأعلامه عليه فيقع من قرب عليه. فهذا الكتاب إذا أعان الله تعالى على إتمامه وإبرامه كان بغير نظير من الكتب المصنفة في هذا الباب، ولم نعن في تجويد وتحرير وتهذيب، فقد يكون ذلك فيما سبق إليه من المذاهب والأدلة، وإنما أردنا أن مذاهبنا في أصول الفقه ما اجتمعت لأحد من مصنفي كتب أصول الفقه.. فقد تحقق استبداد هذا الكتاب بطرق مجددة لا استعانة عليها بشئ من كتب القوم المصنفة في هذا الباب) (2).
4 - وأما المرتضى الأديب.. فلم أعرف في علمائنا المتقدمين من اشتغل

(1) الصدر: تأسيس الشيعة ص 312.
(2) الشريف المرتضى: الذريعة 1 / 4.

[ 15 ]

بالعلوم الدينية وتوغل فيها تدريسا وتأليفا، ومع ذلك اشتهر في عالم الأدب واللغة والشعر كما اشتهر الشريف المرتضى. ألف كتبه (الأمالي) و (طيف الخيال) و (الشهاب في الشيب والشباب) و (شرح القصيدة المذهبة) ومؤلفات أخرى في الأدب العربي، وأدرج فيها مسائل في التفسير واللغة والشعر لها أهميتها القصوى في المباحث اللغوية ومعرفة منثور الكلام ومنظومة. يعالج الآية أو الحديث أو البيت الشعري أو المثل العربي معالجة خبير متمكن من العلوم الأدبية مطلع على دقائقها وأسرارها، فهو إذ يرتئي رأيا في لفظه ما أو تركيب جملة خاصة، يغمر قارئة بكثير من الشواهد المنظومة والمنثورة حتى يقنع خصمه برأيه لما يرى من فيض شواهد لا يستطيع الثبات أمامها. لقد وصفه مترجموه بأوصاف تدل على كبير مقامه، وعظموه في علمه وأدبه غاية التعظيم، فقد قال عنه ابن خلكان (وكان إماما في علم الكلام والأدب والشعر.. وإذا وصف الطيف أجاد فيه وقد استعمله في كثير من المواضع.. وملح الشريف المرتضى وفضائله كثيرة) (1). وإذا كان للأساتذة والشيوخ أثر في تنشئة الانسان، فقد (تلقى المرتضى اللغة والمبادي مع أخيه الرضي على الشاعر ابن نباتة السعدي، ثم صحب المرتضى أبا عبيد الله محمد بن عمران المرزباني، وتتلمذ عليه في الشعر والأدب، يحضر مجلسه - وكانت دار المرزباني مؤل العلماء والمتأدبين - فكان المرتضى يأخذ من علم الرجل ممن يفدون على داره من شيوخ الأدب وعمده، ما هيأ له ذخيرة كبيرة من الأخبار وروايات الشعر واللغة ظهرت آثارها في أماليه،

(1) ابن خلكان: وفيات الأعيان 3 / 313.

[ 16 ]

فإنا لنرى مصدر أكثر الروايات في كتاب (أمالي المرتضى) هو أستاذه المرزباني ومن أساتذته كذلك سهل بن أحمد الديباجي وأبو الحسن الجندي وأحمد بن محمد بن عمران الكاتب) (1). أما في عالم الشعر فقد كان المرتضى يعد من المكثرين فيه، ويزيد ديوانه المطبوع في ثلاثة أجزاء على أكثر من عشرة آلاف بيت، وهو قد تطرق في شعره ألوانا من الأغراض شتى قد أجاد في أكثرها كل الاجادة وأبدع فيها كل الابداع. لقد كان المرتضى أخا الرضي الذي وصف بأنه أشعر الطالبيين المكثرين (2)، ولعل هذه الشهرة هي التي غطت على المرتضى الشاعر وقللت ذكره في عالم الشعر، فقد نقل (بعض الأصحاب عن جامع ديوان المرتضى أنه قال: سمعت بعض شيوخنا يقول: ليس لشعر المرتضى عيب إلا كون الرضي أخاه) (3). أما بعد: فهذا هو الشريف المرتضى العالم الفقيه المتكلم الأديب الكاتب الشاعر، الذي في حياته العلمية فسحة كبيرة من القول لا تستوعبها هذه الصحائف القليلة من الكلام. ولا علينا أن نختم الكلام فيه بما قاله عنه تلميذه الأرشد محمد بن الحسن الطوسي (توحد المرتضى في علوم كثيرة، مجمع على فضله، مقدم في العلوم مثل علم الكلام والفقه وأصول الفقه والأدب والنحو والشعر ومعاني الشعر

(1) حسن كامل الصيرفي: مقدمة طيف الخيال ص 14.
(2) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2 / 246.
(3) ابن خلكان: وفيات الأعيان 3 / 3.

[ 17 ]

واللغة وغير ذلك. وله من التصانيف ومسائل البلدان شئ كثير) (1).
(3) يعود عملي في إحياء آثار الشريف المرتضى إلى سنة 1385 ه‍، حيث أسس صديقنا العلامة الحجة الشيخ حامد الواعظي، في مبني مقبرة الشريف المرتضى بالكاظمية - العراق مكتبة عامة كان في ضمن مشاريعها المفيدة إصدار كراسات إسلامية لتثقيف الشباب المتدين وتحقيق مؤلفات المرتضى وإخراجها في طباعة جيدة. كل من نتاج هذه النية طبع المجموعة الأولى من (رسائل المرتضى) و (جمل العلم والعمل) وبعض الكراسات الصغيرة، ولكن العوائق عاقت دون تحقيق هذه الأمنية وتوقف العمل في بداية الطريق. لقد تساءل كثير من العلماء وإخواني الأفاضل عن سبب توقف العمل، وحثوني بشتى التعابير لدفعي في المضي في هذا السبيل، ولكن الأسباب لم تتهيأ لي حتى أقوم بهذا الواجب العلمي الذي أؤمن به ضرورة القيام به والعمل الجاد في إنجازه. وقبل شهور زرت سيدنا المرجع الديني الكبير آية الله العظمى سماحة السيد محمد رضا الگلپايگاني دام ظله الوارف، فإذا به يريني صورة من مجموعة لرسائل المرتضى ويأمرني بالعمل في طبعه وإخراجه إلى عالم النور. كان سروري عظيما بما لمست من الشعور الطيب الذي دفع سماحة السيد الكلبايكاني في المشاركة العملية لإحياء آثار أعلامنا الأقدمين، وكان اغتباطي شديدا إذ رأيت أمنية تتحقق قد كنت كتبت في أكثر من مناسبة أحث العلماء والمحققين على تحقيقها وإخراج هذا التراث المطمور في زوايا المكتبات

(1) الطوسي: الفهرست ص 99.

[ 18 ]

العامة والخاصة. إلا أنني أسفت شديد الأسف على تزاحم الأعمال علي وعدم وجدان الفرصة الكافية لامتثال هذا الأمر المبارك، ولكن كل هذا لم يمنعني من الرجاء من فضيلة الشاب المهذب المجد السيد مهدي الرجائي لحمل هذا العب ء الذي أرجو له لقاءها الثواب الجزيل من الله تعالى وتعزز. المجموعة المشار إليها تحتوي على أكثر من عشرين رسالة من رسائل الشريف المرتضى وبعض الرسائل للآخرين، كتبها سيدنا آية الله المرحوم السيد أحمد بن محمد رضا الحسيني الخونساري، وهي موجودة الآن في مكتبة ولده سماحة آية الله السيد مصطفى الصفائي الخوانساري بمدينة قم. وبالاضافة إلى الرسائل الموجودة في هذه المجموعة حاولنا جهد المستطاع جمع بقية الرسائل المخطوطة والمطبوعة لكي تكون المجلدات التي تصدر بعنوان (رسائل الشريف المرتضى) حاوية لكل ما كتبه الشريف بعنوان مسألة ورسالة وجواب سؤال. والذي يجب لفت النظر إليه أننا هيئنا ثبتا للنسخ الممتازة من آثار الشريف المرتضى مقدمة للعمل الفني المكتمل الشرائط في هاتيك الآثار، وهذه المجموعات ليست إلا طبعة مستعجلة قصدنا بها تيسير تداولها للقراء الأفاضل، وكلنا أمل وطيد في الالتقاء بهم في تلك الطبعة الفنية الممتازة بتوفيق الله تعالى. وبهذه المناسبة التي اعتز بها: ابتهل إلى الله العلي القدير في أن يديم ظلال سيدنا الگلبايگاني إذ كانت له عناية كبيرة في طبع هذه المجاميع.

[ 19 ]

كما أسأله تعالى أن يأخذ بعضد سيدنا الصفائي الخوانساري الذي وضع مكتبته الثمينة في متناول المعنيين بالتراث الاسلامي. وأطلب إليه عز وجل أن يوفق الشاب الفاضل السيد الرجائي في إحياء ثرواتنا العلمية المحتاجة إلى بذل الهمم العالية والتفاني في العمل الجاد لإخراجها إلى عالم النور. اللهم وفق المشتغلين بالعلم والعمل الصالح، واجعلنا من الذين يقتفون آثارهم ويهتدون بأنوارهم ويسيرون على خطاهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. قم: 20 شعبان المعظم 1405 ه‍ السيد أحمد الحسيني

[ 20 ]

ترجمة الشريف المرتضى لقد كتب كثير من المؤرخين وعلماء الرجال عن هذه الشخصية الاسلامية القذة بما يجل عن التعداد والاحصاء فقل أن تجد كتابا أو بحثا عن الشخصيات في التأريخ والتأليف لا يتعرض إلى ذكر الشريف المرتضى (قدس سره)، ولعظمة المترجم وأفقه الواسع لخصنا التحدث عنه فيما يلي: اسمه ونسبه: السيد المرتضى علم الهدى ذو المجدين أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام. كان والده يكنى ب‍ " أبي أحمد " ويلقب ب‍ " الطاهر، الأجل، ذو المناقب، الأوحد " وكان نقيب الطالبيين في بغداد. وأمه " فاطمة بنت الحسن " المقلب ب‍ " الناصر الصغير " نقيب العلويين في بغداد، وجده أحمد بن الحسن الملقب ب‍ " الناصر الكبير الأطروش " بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين عليه السلام.

[ 21 ]

اطراء العلماء عليه: قال تلميذه الشيخ الطوسي في الفهرست: متوحد في علوم كثيرة، مجمع على فضله، مقدم في العلوم، مثل علم الكلام والفقه وأصول الفقه والأدب والنحو والشعر ومعاني الشعر واللغة (1). وقال أيضا في الرجال: أكثر أهل زمانه أدبا وفضلا، متكلم فقيه، جامع للعلوم كلها، مد الله في عمره (2). وقال الرجالي الكبير النجاشي: حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلما شاعرا، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا (3). وقال العلامة في الخلاصة بعد توصيفه بما تقدم عن الفهرست: وبكتبه استفادت الإمامية منذ زمنه (رحمه الله) إلى زماننا هذا، وهو سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وهو ركنهم ومعلمهم (قدس الله روحه وجزاه عن أجداده خيرا) (4). وقال ابن داود في رجاله: أفضل أهل زمانه، وسيد فقهاء عصره، حال فضله وتصانيفه شهير (قدس الله روحه) (5). وقال السيد ابن زهرة في غاية الاختصار: علم الهدى الفقيه النظار، سيد الشيعة وإمامهم، فقيه أهل البيت، العالم المتكلم البعيد، الشاعر المجيد، كان له بر وصدقة وتفقد في السر، عرف ذلك بعد موته - رحمه الله - كان

(1) الفهرست ص 219 ط. جامعة مشهد.
(2) الرجال ص 485 ط النجف.
(3) رجال النجاشي ص 206 - 207 ط طهران.
(4) الخلاصة ص 95 ط النجف.
(5) رجال ابن داود ص 241.

[ 22 ]

أسن من أخيه، ولم ير أخوان مثلهما شرفا وفضلا ونبلا وجلالا ورئاسة وتحاببا وتواددا، لما مات الرضي لم يصل المرتضى عليه عجزا عن مشاهدة جنازته وتهالكا في الحزن، ترك المرتضى خمسين ألف دينار، ومن الآنية والفراش والضياع ما يزيد على ذلك (1). وقال المحقق التستري في مقابس الأنوار: السيد السند المقدم المعظم، ومنبع العلوم والآداب والأسرار والحكم، محيي آثار أجداده الأئمة الراشدين وحجتهم البالغة الدامغة على أعداء الدين، المسدد بروح القدس عند مناظرة العدى (2). وقال في رياض العلماء: الباحث عن كل العلوم باليد الطولى، والمقدم في أصناف الصناعة عند أولي النهي (3). وقال المحقق الكركي في رسالته قاطعة اللجاج في حل الخراج: كان (رحمه الله) ربع القامة، نحيف الجسم، أبيض اللون، حسن الصورة، فصيح اللسان، يتوقد ذكاءا، مد الله له في العمر، فنيف على الثمانين، وبسط له في المال والجاه والنفوذ، ففي المال كانت له ثمانون قرية (4). وقال في الدرجات الرفيعة: وكان الشريف المرتضى (رحمه الله) أوحد زمانه فضلا وعلما وفقها وكلاما وحديثا وشعرا وخطابة وكرما وجاها إلى غير ذلك (5). وقال السيد بحر العلوم في كتاب رجاله: ذو المجدين وصاحب الفخرين

(1) غاية الاختصار ص 76.
(2) مقابس الأنوار ص 6.
(3) رياض العلماء 4 / 14.
(4) رسالة قاطعة اللجاج ص 40 - 41.
(5) الدرجات الرفيعة ص 459.

[ 23 ]

والرياستين، والمروج لدين جاه سيد الثقلين في المائة الرابعة على منهاج الأئمة المصطفين، سيد علماء الأمة، وأفضل الناس حاشا الأئمة، جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد، وحاز من الفضائل ما توحد به وانفرد، وأجمع على فضله المخالف والمؤالف، واعترف بتقدمه كل سالف وخالف. كيف لا، وقد أخذ من المجد طرفيه واكتسى بثوبيه وتردى ببرديه، أما النسب فهو أقصر الشرفاء نسبا، وأعلاهم حسبا، وأكرمهم أما وأبا وبينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام عشر وسائط من جهة الأم والأب معا، وبينه وبين الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام خمسة آباء كرام (1). وقال المحدث البحراني في لؤلؤة البحرين: فضله وبيان مكارمه أعظم من أن يستقصى (2). وقال السيد الصدر في تأسيس الشيعة: انتهت إليه رئاسة الإمامية في الدين والدنيا، ولم يتفق لأحد ما اتفق له من بسط اليد، وطول الباع في إحياء دوارس المذهب، كان يدرس في كل العلوم الاسلامية، لا سيما الكلام والفقه والأدب والحديث، ويجري على تلامذته رزقا، وتخرج عليه أعلام علماء الاسلام وأئمة الفقه والكلام. وصنف أصولا وتأسيسات غير مسبوق بمثلها، وأكثر في التصنيف في المعقولات لنصرة الدين في تلك الطبقات بتلك المصنفات، فكانت له آيات بينات وكرامات كالمعجزات (3). وقال أيضا في موضع آخر: إمام أئمة الأدب والكلام والفقه والحديث

(1) رجال السيد بحر العلوم 3 / 87 - 88.
(2) لؤلؤة البحرين ص 313.
(3) تأسيس الشيعة ص 391.

[ 24 ]

والتفسير واللغة والنحو والشعر، كان شاعرا غلب علمه على شعره (1). هذه نبذة مما وصفه رجال الشيعة الإمامية، وأما وصفه عند العامة فهو: قال في لسان الميزان: هو أول من جعل داره دار العلم وقدرها للمناظرة ويقال: إنه امرؤ لم يبلغ العشرين، وكان قد حصل على رئاسة الدنيا العلم مع العمل الكثير في اليسير، والمواظبة على تلاوة القرآن، وقيام الليل، وإفادة العلم، وكان لا يؤثر على العلم شيئا، مع البلاغة وفصاحة اللهجة (2). وقال في تتميم يتيمة الدهر: قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم، وله شعر في نهاية الحسن (3). وقال في وفيات الأعيان: كان نقيب الطالبيين، وكان إماما في علم الكلام والأدب والشعر (4). وقال في مرآة الجنان: إمام أئمة العراق بين الاختلاف والافتراق، إليه فزع علماؤنا، وأخذ عنه عظماؤنا، صاحب مدراسها وجامع شاردها، وآنسها ممن سارت أخباره، وعرفت بها أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره وتواليفه في أصول الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين، مما يشهد أنه فرع تلك الأصول، ومن أهل ذلك البيت الجليل (5). وقال في الجاه والنفوذ: فقد تولى نقابة النقباء الطالبيين شرقا وغربا، وإمارة الحاج والحرمين، والنظر في المظالم، وقضاء القضاة، ثلاثين سنة وأشهرا (6).

(1) تأسيس الشيعة ص 214.
(2) لسان الميزان 4 / 223.
(3) تتميم يتيمة الدهر 1 / 53.
(4) وفيات الأعيان 3 / 3.
(5) مرآة الجنان ص 56.
(6) صحاح الأخبار ص 61.

[ 25 ]

وقال في دمية القصر: هو وأخوه من دوح السيادة ثمران، وفي فلك الرئاسة قمران، وأدب الرضي إذا قرن بعلم المرتضى كان كالفرند في متن الصارم المنتضى (1). وقال فخر الدين الرازي في بعض كتبه بعد ذكر بعض فضائله: إن فضائله لكثيرة، وكفى شهادة في فضله كتابه الموسوم ب‍ " الدرر والغرر ".
(2). وقال ابن الأثير في جامع الأصول: كانت إليه نقابة الطالبيين ببغداد، وكان عالما فاضلا كاملا متكلما فقيها على مذهب الشيعة، وله تصانيف كثيرة (3). وقال في موضع آخر منه أيضا: إن مروج المائة الرابعة بقول فقهاء الشافعية هو أبو حامد أحمد بن طاهر الأسفرايني، ويقول علماء الحنفية أبو بكر محمد ابن موسى الخوارزمي، وباعتقاد المالكية أبو محمد عبد الوهاب بن نصر، وبرواية الحنبلية هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن حامد، وبرواية علماء الإمامية هو الشريف المرتضى الموسوي (4). وقال ابن عنبة في عمدة الطالب: تولى نقابة النقباء، وإمارة الحاج، وديوان المظالم على قاعدة أبيه ذي المناقب وأخيه الرضي، وكان توليته لذلك بعد أخيه الرضي، وكانت مرتبته في العلم عالية، فقها وكلاما وحديثا، ولغة وأدبا وغير ذلك، وكان متقدما في فقه الإمامية وكلامهم ناصرا لأقوالهم. قال أبو الحسن العمري: رأيته فصيح اللسان يتوقد ذكاءا (5). وجه تلقبه بعلم الهدى: ذكر الشهيد (رحمه الله) في أربعينه قال: نقلت من خط السيد العالم

(1) دمية القصر ص 75. (2 - 4) رياض العلماء 4 / 20.
(5) عمدة الطالب ص 205.

[ 26 ]

صفي الدين محمد بن محمد الموسوي بالمشهد المقدس الكاظمي عليه السلام في سبب تسمية السيد المرتضى ب‍ " علم الهدى ". أنه مرض الوزير أبو سعيد محمد بن الحسين بن عبد الصمد، في سنة عشرين وأربعمائة، فرأي في منامه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول له: قل لعلم الهدى يقرأ عليك حتى تبرأ، فقال: يا أمير المؤمنين ومن علم الهدى؟ فقال عليه السلام: علي بن الحسين الموسوي. فكتب إليه الوزير بذلك، فقال: الله الله في أمري فإن قبولي لهذا اللقب شناعة علي، فقال الوزير: والله ما كتبت إليك إلا بما لقبك به جدك أمير المؤمنين عليه السلام. فعلم القادر الخليفة بذلك، فكتب إلى المرتضى، يا علي تقبل ما لقبك به جدك، فقبل وأسمع الناس (1). وفسره في الرياض قال: ولعل " علم الهدى " بالتخفيف بمعنى راية الهدى أو الجبل العالي للهداية، وقد يقال: إنه بالتشديد وقد كان فعلا ماضيا من باب التفعيل، والهدى مفعوله، يعني هو قد علم أبواب الهداية للناس. وكلاهما محتمل وإن كان الأول أظهر وأشهر. وبالجملة فعلى هذا يكون شهرته (رضي الله عنه) بهذا اللقب في أواخر عمره - أعني حين بقي من حياته ثلاث عشرة سنة، والله أعلم بحقيقة الحال. وأم وجه تلقبه بذي المجدين - أعني مجد الدنيا والآخرة - فظاهر. وكذا الظاهر تلقبه بالمرتضى، وفيه وجه آخر وهو: أن في أجداده أيضا من لقب بالمرتضى، فلقب السيد به أيضا (2).

(1) روضات الجنات 1 / 295 - 296.
(2) رياض العلماء 4 / 19.

[ 27 ]

مشائخه ومن روى عنهم: قد روى السيد المرتضى عن جماعة عديدة من العامة والخاصة وقرأ عليهم أيضا، وقد استقصى السيد حسن الصدر مشائخ إجازته في كتاب طبقات مشائخ الإجازات، والكتاب مخطوط لم نظفر على نسخته، فممن عثرت عليهم هم:
1 - الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، وكان كيفية ملاقاة السيد للشيخ المفيد هو أن المفيد رأي في منامه أن فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله دخلت عليه، وهو في مسجده بالكرخ، ومعها ولداها الحسن والحسين عليهما السلام صغيرين، فسلمتها إليه وقالت: علمهما الفقه. فانتبه الشيخ وتعجب من ذلك. فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر، وحولها جواريها وبين يديها ابناها علي المرتضى ومحمد الرضي صغيرين، فقام إليها وسلم عليها. فقالت له: أيها الشيخ هذان ولدي قد أحضرتهما إليك لتعلمهما الفقه. فبكى الشيخ وقص عليها المنام، وتولى تعليمهما وأنعم الله عليهما (1).
2 - أبو الحسين أحمد بن علي بن سعيد الكوفي.
3 - الحسين بن علي بن بابويه أخي الصدوق.
4 - أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري.
5 - أبو عبد الله محمد بن عمران الكاتب المرزباني الخراساني.
6 - أبو الحسين علي بن محمد الكاتب.
7 - أبو الحسن أحمد بن الحسين العطار أو الشطار.
8 - أبو العباس الجوهري.
9 - أبو علي أحمد بن زيد بن دارا.

(1) روضات الجنان 4 / 295.

[ 28 ]

10 - أبو التحف علي بن محمد بن إبراهيم المصري.
11 - أحمد بن سهل الديباجي.
12 - أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى.
13 - الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه.
14 - أبو يحيى ابن نباتة عبد الرحيم بن الفارقي.
15 - نجيح بن اليهودي الصائغ الحلبي.
16 - الشيخ أبو محمد الحسن بن محمد بن محمد بن نضر.
17 - الحسن بن أبي الحسن السوداني.
18 - القاضي أبو الحسن علي بن القاضي الطبراني.
19 - ابن نباتة الأديب في العربية المعروف بخطبه. تلامذته والراوون عنه: ويروي عنه جماعة كثيرة من العامة والخاصة، وهم: 1 - شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي.
2 - أبو يعلى سلار بن عبد العزيز الديلمي.
3 - أبو يعلى الهاشمي العباسي.
4 - أبو الصلاح التقي الحلبي.
5 - أبو يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري.
6 - الشيخ أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي.
7 - الشيخ أبو القاسم عبد العزيز بن تحرير بن البراج.
8 - ابن روح.
9 - الشيخ هبة الله بن الوراق الطرابلسي.
10 - السيد أبو زيد عبد الله بن علي الكبابكي ابن عبد الله بن عيسى بن زيد

[ 29 ]

ابن علي الكحي الحسيني الجرجاني.
11 - ابن الشريف المرتضى الذي صلى عليه يوم وفاة أبيه.
12 - الخطيب البغدادي صاحب تاريخ بغداد.
13 - الشيخ أبو عبد الله الدوريستي.
14 - القاضي ابن قدامة.
15 - الشيخ محمد بن محمد البصروي.
16 - الشيخ الصدوق أبو منصور العكبري.
17 - الشيخ أبو غانم العصمي الهروي.
18 - الشيخ أبو الفضل ثابت بن عبد الله بن ثابت اليشكري.
19 - الشيخ أحمد بن الحسن بن أحمد بن النيسابوري الخزاعي.
20 - السيد نجيب الدين أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن القاسم بن موسى بن عبد الله بن موسى الكاظم عليه السلام.
21 - الشيخ المفيد أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين النيسابوري الخزاعي.
22 - السيد الداعي الحسيني.
23 - أبو الفرج المظفر بن علي بن الحسين الحمداني.
24 - الشيخ عز الدين عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي القاضي.
25 - أبو الصمصام ذو الفقار بن محمد بن معبد الحسني المروزي.
26 - الشيخ سليمان بن الحسن بن سليمان الصهرشتي. 27 - الشيخ محمد بن علي الحمداني أو الحلواني. 28 - الحسين بن ثابت بن هارون الفراء البزاعي. 29 - الحسين بن عقبة بن عبد الله البصري الضرير.

[ 30 ]

30 - الحسين بن أحمد بن محمد القطان البغدادي. 31 - يعقوب بن إبراهيم الفقيه البيهقي. 32 - الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الملك ابن التبان المتكلم. 33 - الشيخ أبو العباس النجاشي. 34 - السيد أبو تراب المرتضى. 35 - أبو الحسن محمد بن أبي الغنائم. 36 - أبو الفتح عثمان بن جني. 37 - زربي بن عين. 38 - أبو الحسن الطيوري. عقبة الشريف: قال في عمدة الطالب: وأعقب المرتضى من ابنه أبي جعفر محمد، من ولده أبي القاسم علي بن الحسن الرضي بن محمد بن علي بن أبي جعفر محمد بن علي المرتضى، النسابة الفاضل صاحب كتاب (ديوان النسب) وغيره. أطلق قلمه ووضع لسانه حيث شاء، كما طعن في آل أبي زيد العبيدليين نقباء الموصل وهي شئ تفرد به لم يذكره أحد سواه من النسابين. وحدثني الشيخ النقيب تاج الدين محمد بن معية الحسني قال: قال لي الشيخ علم الدين المرتضى علي بن عبد الحميد بن فخار الموسوي أنه تفرد بالطعن في نيف وسبعين بيتا من بيوت العلويين لم يوافقه على ذلك أحد. ثم قال لي النقيب تاج الدين: لا شك أنه تفرد بالطعن في بيوت، فأما هذا المقدار فإنه يكتب في مشجرته التي سماها " ديوان النسب " من سمع به ولم يتحققه بعد موصلا بالحمرة. وليس ذلك منه بطعن، إنما هو تشكيك لم

[ 31 ]

يتحققه بعد إلا أنه تحقق فيه شيئا. ولا يخفى أن هذا اعتذار من النقيب عنه، والله تعالى أعلم. وكان للنسابة ابن اسمه أحمد درج، وانقرض على المرتضى النسابة، وانقرض بانقراضه الشريف المرتضى علم الهدى بن أبي أحمد الحسين الموسوي (1). بعض معاصريه: وقد عاصر الشريف المرتضى من الخلفاء أربعة هم: المطيع، وكانت خلافته منذ سنة 334 ه‍ إلى سنة 363 ه‍، وكان عمر الشريف المرتضى - حين وفاة المطيع - لم يتجاوز ثمانية أعوام، لذا لم يرد ذكره في الديوان. ثم ولي الخلافة الطائع إلى سنة 381 ه‍، حيث وليها القادر إلى سنة 422، إذ وليها ابنه القائم وهو شاب، كان هذا الخليفة - القائم - آخر من عاصره الشريف المرتضى، حيث توفي المرتضى سنة 436، وبقي القائم إلى سنة 467 ه‍. وعاصر المرتضى من الملوك، بهاء الدولة البويهي، وأبنائه: شرف الدولة وسلطان الدولة، وركن الدين جلال الدولة، ثم الملك أبا كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة. وعاصر من الوزراء: أبا غالب محمد بن خالف، والوزير أبا علي الرخجي والوزير أبا علي الحسن بن أحمد، والوزير أبا سعد بن عبد الرحيم، والوزير أبا طالب محمد بن أيوب بن سليمان البغدادي، والوزير أبا منصور بهرام بن مافنة وزير الملك أبي كاليجار، وغيرهم.

(1) عمدة الطالب ص 206 - 207.

[ 32 ]

وعاصر من النقباء: والده الشريف أبا أحمد الموسوي، وخاله الشريف أحمد بن الحسن الناصر وأخاه الشريف أبا الحسن محمدا الرضي، والشريف أبا علي عمر بن محمد بن عمر العلوي، والشريف نقيب النقباء أبا الحسن الزينبي، والشريف أبا الحسين بن الشيبة العلوي، وغيرهم. وعاصر من الأمراء: الأمير أبا الغنائم محمد بن مزيد المقتول سنة 401 ه‍ وعميد الجيوش أبا علي أستاذ هرمز المتوفى في هذه السنة أيضا، وأمير الأمراء أبا منصور بويه بن بهاء الدولة، والأمير أبا شجاع بكران بن بلفوارس، والأمير عنبر الملكي المتوفى سنة 420 ه‍، وأمير عقيل غريب بن مقفى المتوفى سنة 415 ه‍، وغيرهم. وعاصر من العلماء والقضاة الأدباء كثيرين (1). رواتبه لتلامذته: وكان الشريف المرتضى (قدس سره) يجري على تلامذته رزقا، فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي (رحمه الله) أيام قراءته عليه كل شهر اثنا عشر دينارا وللقاضي ابن البراج كل شهر ثمانية دنانير. وأصاب الناس في بعض السنين قحط شديد، فاحتال رجل يهودي على تحصيل قوت يحفظ به نفسه، فحضر يوما مجلس المرتضى وسأله أن يأذن له في أن يقرأ عليه شيئا من علم النجوم، فأذن له وأمر له بجراية تجري عليه كل يوم، فقرأ عليه برهة ثم أسلم على يديه. وكان (قدس سره) قد وقف قرية على كاغد الفقهاء (2).

(1) راجع مقدمة الديوان ص 102 - 103 ورجال بحر العلوم 3 / 92 - 93.
(2) الدرجات الرفيعة ص 460.

[ 33 ]

تصانيفه: كتب المترجم مؤلفات ورسائل كثيرة، قد تجاوزت جهود الفرد الواحد تمثل اضطلاعه بجوانب المعرفة الشاملة، ومن بينها مؤلفات مشهورة قيمة، لا تزال معينا للعلماء إلى اليوم الحاضر، ونذكر مؤلفاته المذكورة في الذريعة وهي:
1 - إبطال القياس، وهو من أجزاء المسائل الموصليات الأولى، الذريعة 1 / 70.
2 - أحكام أهل الآخرة، الذريعة 1 / 295 و 20 / 382.
3 - الأمالي في التفسير، الذريعة 2 / 312 و 8 / 140 و 16 / 42 و 19 / 365.
4 - الانتصار في انفرادات الإمامية، الذريعة 2 / 360 و 400.
5 - الانصاف، الذريعة 2 / 395.
6 - إنقاذ البشر من الجبر والقدر، الذريعة 2 / 401.
7 - الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة، الذريعة 3 / 15 و 11 / 126 و 20 / 337.
8 - كتاب البرق في علم الأدب، الذريعة 3 / 86.
9 - تفسير الخطبة الشقشقية، الذريعة 4 / 348 و 13 / 222.
10 - تفسير القصيدة الميمية، الذريعة 4 / 350.
11 - تفضيل الأنبياء على الملائكة، الذريعة 4 / 359 و 20 / 385.
12 - تقريب الأصول في علم الكلام، الذريعة 4 / 365.
13 - تكملة الغرر والدرر، الذريعة 4 / 415.
14 - تنبيه الغافلين عن فضل الطالبيين في الآيات النازلة في شأن الأئمة

[ 34 ]

الطاهرين، ينسب إلى السيد، الذريعة 4 / 446.
15 - تنزيه الأنبياء والأئمة عليهم السلام، الذريعة 4 / 456.
16 - كتاب الثمانين، الذريعة 5 / 11.
17 - جمل العلم والعمل، الذريعة 5 / 144.
18 - جواب أهل الحجاز في نفي سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينسب إليه، الذريعة 5 / 175.
19 - جواب السؤال عن وجه تزويج أمير المؤمنين ابنته من عمر، الذريعة 5 / 183.
20 - جواب شبهات بعض العامة، الذريعة 5 / 185.
21 - جواب المسائل، الذريعة 5 / 186. 22 - جواب الملاحدة في قدم العالم 5 / 194.
23 - جوابات المسائل البادرائيات، الذريعة 5 / 214 و 20 / 337.
24 - جوابات المسائل التبانيات وهي ثلاث مسائل، الذريعة 5 / 216 و 20 / 340.
25 - جوابات المسائل التبانيات في عشرة فصول، الذريعة 5 / 217 و 2 / 78. أقول: وقع هنا خبط في كلامه حيث أن الجواب واحد، والأولى إنما هو جوابات المسائل الموصليات الأولى، وكذا وقع هذا الخبط في فهرس النجاشي المطبوع.
26 - جوابات المسائل الجرجانية، الذريعة 5 / 217 و 20 / 342. 27 - جوابات المسائل الحلبية الأولى، الذريعة 5 / 219 و 20 / 345. 28 - جوابات المسائل الحلبية الثانية، الذريعة 5 / 219. 29 - جوابات المسائل الحلبية الثالثة، الذريعة 5 / 219. 30 - جوابات المسائل الرازية، الذريعة 5 / 221 و 20 / 347.

[ 35 ]

31 - جوابات المسائل الرسية الأولى، الذريعة 5 / 221 و 2 / 82 و 20 / 348. 31 - جوابات المسائل الرسية الثانية، الذريعة 5 / 222 و 2 / 82. 33 - جوابات المسائل الرمليات، الذريعة 5 / 222 و 2 / 83 و 20 / 350. 34 - جوابات المسائل السلارية، الذريعة 5 / 223 و 206 و 20 / 352. 35 - جوابات المسائل الصيداوية، الذريعة 5 / 226 و 20 / 355. 36 - جوابات المسائل الطبرية، الذريعة 5 / 226 و 355 20. 37 - جوابات المسائل الطرابلسية الأولى، الذريعة 5 / 226 و 2 / 89 و 20 / 356 38 - جوابات المسائل الطرابلسية الثانية، الذريعة 5 / 226 و 2 / 89. 39 - جوابات المسائل الطرابلسية الثالثة، الذريعة 5 / 226 و 2 / 89. 40 - جوابات المسائل الرابعة، الذريعة 5 / 226 و 2 / 89. 41 - جوابات المسائل الطوسية، الذريعة 5 / 227 و 20 / 356. 42 - جوابات المسائل المحمدية، الذريعة 5 / 232 و 20 / 366. 43 - جوابات المسائل المصريات الأولى، الذريعة 5 / 234. 44 - جوابات المسائل المصريات الثانية، الذريعة 5 / 234. 45 - جوابات المسائل المطلبيات، الذريعة 5 / 234 و 20 / 367. 46 - جوابات المسائل الموصليات الأولى، الذريعة 5 / 235 و 20 / 369. 47 - جوابات المسائل الموصليات الثانية، الذريعة 5 / 235. 48 - جوابات المسائل الموصليات الثالثة، الذريعة 5 / 235. 49 - جوابات المسائل الميافارقيات، الذريعة 5 / 238 و 20 / 370. 50 - جوابات المسائل المسائل الناصرية، الذريعة 5 / 239 و 20 / 371.

[ 36 ]

51 - حجية الإجماع، الذريعة 6 / 269. 52 - الحدود والحقائق، الذريعة 6 / 301. 53 - الخلاف في أصول الفقه، الذريعة 7 / 236. 54 - ديوان علم الهدى، الذريعة 9 / 735 و 1027. 55 - الذخيرة في علم الكلام، الذريعة، 10 / 11 وشرحه تلميذه الحلبي، الذريعة 13 / 277. 56 - الذريعة إلى أصول الشريعة، الذريعة 10 / 26. 57 - الرائية قصيدة في مدح الأمير عليه السلام، الذريعة 10 / 54 و 17 / 117. 58 - رجال السيد علم الهدى، الذريعة 10 / 133. 59 - الرد على ابن جني في تعريضه لأبيات المتنبي، الذريعة 10 / 176. 60 - الرد على أصحاب العدد، الذريعة 10 / 185 و 11 / 108 و 209 و 24 / 176. 61 - الرد على من أثبت حدوث الأجسام من الجواهر، الذريعة 10 / 226. 62 - الرد على من تعلق بقوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " الذريعة 10 / 226. 63 - الرد على المنجمين، الذريعة 10 / 229 و 20 / 382 و 387 و 392. 64 - الرد على يحيى بن عدي النصراني فيما يتناهى وما لا يتناهى، الذريعة 10 / 237. 65 - الرد على يحيى بن عدي في اعتراضه على دليل الموحدين في حدوث الأجسام، الذريعة 10 / 237. 66 - الرد على يحيى بن عدي في مسألة سماها " طبيعة المسلمين " الذريعة 10 / 237. 67 - الشافي في الإمامة وإبطال حجج العامة، الذريعة 13 / 8. 68 - شرح الرسالة، الذريعة 13 / 282.

[ 37 ]

69 - شرح قصيدة الحميري البائية، الذريعة 14 / 9 و 3 / 3. 70 - شرح مسائل الخلاف، الذريعة 14 / 64. 71 - الشهاب في الشيب والشباب، الذريعة 14 / 248 و 264. 72 - الطيف والخيال في الأدب، الذريعة 15 / 196. 73 - عجائب الأغلاط، الذريعة 15 / 218. 74 - رسالة في العصمة، الذريعة 15 / 273 و 20 / 390. 75 - رسالة العهد، الذريعة 15 / 362. 76 - رسالة في غيبة الحجة، الذريعة 16 / 82. 77 - الفقه الملكي، الذريعة 16 / 299. 78 - فهرست تصانيف المرتضى، الذريعة 16 / 381. 79 - كشف آيات القران، الذريعة 18 / 6. 80 - مجالس التأويلات، الذريعة 19 / 365. 81 - مجموعة رسائل كثيرة، وهي هذه المجموعة التي بين يديك، الذريعة 20 / 119. 82 - المحكم والمتشابه 20 / 154. 83 - مسائل انفرادات الإمامية 20 / 336. 84 - مسائل الخلاف في الأصول 20 / 345. 85 - مسائل العدد وإبطاله، الذريعة 20 / 357. 86 - مسائل المفردات، الذريعة 20 / 368. 87 - المسائل الناصريات، الذريعة 20 / 370. 88 - المسائل الواسطيات، الذريعة 20 / 372. 89 - مسألة في الارادة، الذريعة 20 / 383. 90 - مسألة أخرى في الارادة، الذريعة 20 / 383.

[ 38 ]

91 - مسألة في الاستثناء، الذريعة 20 / 383. 92 - مسألة في الاعتماد، الذريعة 20 / 383. 93 - مسألة في التأكيد، الذريعة 20 / 384. 94 - مسألة في تقديم القبول بلفظ الأمر في العقود، الذريعة 20 / 385. 95 - مسألة في توارد الأدلة، الذريعة 20 / 385. 96 - مسألة في التوبة، الذريعة 20 / 385. 97 - مسألة في دليل الخطاب، الذريعة 20 / 386. 98 - مسألة في صيغة النكاح، الذريعة 20 / 388. 99 - مسألة في طريق الاستدلال على فروع الإمامية، الذريعة 20 / 389. 100 - مسألة في الطلاق، الذريعة 20 / 389. 101 - مسألة في عدم حجية خبر الواحد، الذريعة 20 / 389. 102 - مسألة في عد الدليل دليل العدم وبيان مورده، الذريعة 20 / 390. 103 - مسألة في كونه تعالى عالما، الذريعة 20 / 392. 104 - مسألة في المتعة، الذريعة 20 / 392. 105 - مسألة في المسح على الخفين، الذريعة 393 20. 106 - مسألة في معنى الباء، الذريعة 20 / 394. 107 - مسألة فيمن يتولى غسل الإمام. الذريعة 20 / 395. 108 - مسألة في المنع من تفصيل الملائكة على الأنبياء، الذريعة 20 / 395. 109 - مسألة في نفي الرؤية 20 / 397. 110 - مسألة في الولاية من قبل السلطان الجائر، الذريعة 20 / 398. 111 - مضافات الغرر والدرر، الذريعة 21 / 133. 112 - كتاب المعرفة في إعجاز القرآن، الذريعة 21 / 245.

[ 39 ]

المقنع في الغيبة، الذريعة 22 / 122. 114 - المخلص في أصول الدين، الذريعة 22 / 210. 115 - مناظرة أبي العلاء المعري، الذريعة 22 / 286. 116 - مناظرة الخصوم وكيفية الاستدلال عليهم، الذريعة 22 / 291. 117 - منقذ البشر من أسرار القضاء والقدر، الذريعة 23 / 150. هذه ما عثرنا عليها من الكتب والرسائل والمسائل في الذريعة وهناك رسائل ومسائل كثيرة غيرها سيطبع أكثرها - إنشاء الله تعالى - عن قريب في هذه المجموعة النفيسة. ولادته ووفاته: ولد السيد المرتضى في رجب سنة (355)، وتوفي في الخامس والعشرين من ربيع الأول سنة (436)، وسنه يومئذ ثمانون سنة وثمانين أشهر، وصلى عليه ابنه، وتولى غسله أبو الحسين النجاشي مع الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن الجعفري وسلار بن عبد العزيز كما في رجال النجاشي، ودفن في داره أولا ثم نقل إلى جوار جده الحسين عليه السلام ودفن في مشهده المقدس مع أبيه وأخيه وقبورهم ظاهرة مشهورة. قال في رجال بحر العلوم نقلا عن كتاب زهر الرياض وزلال الحياض - بعد أن ذكر نقله إلى مشهد الحسين عليه السلام - قال: وبلغني أن بعض قضاة الأروام وأظنه سنة (942) ه‍ نبش قبره - ر حمه الله - فرآه كما هو لم تغير الأرض منه شيئا. وحكى من رآه أن أثر الحناء في يديه ولحيته، وقد قيل: إن الأرض لا تغير أجساد الصالحين. ثم قال السيد قلت: الظاهر أن قبر السيد وقبر أبيه وأخيه في المحل

[ 40 ]

المعروف بإبراهيم المجاب، وكان إبراهيم هذا هو جد المرتضى - الخ (1). مصادر المقدمة:
1 - مقدمة بحار الأنوار.
2 - معالم العلماء 3 - عمدة الطالب.
4 - رجال السيد بحر العلوم.
5 - أمل الآمل.
6 - رجال الشيخ الطوسي.
7 - رجال النجاشي.
8 - خلاصة الأقوال للعلامة.
9 - معجم رجال الحديث.
10 - لؤلؤة البحرين.
11 - الدرجات الرفيعة.
12 - رجال ابن داود.
13 - مقدمة الذريعة للسيد.
14 - الكنى والألقاب.
15 - مقدمة الانتصار.
16 - روضات الجنات.
17 - الفهرست للشيخ.
18 - رياض العلماء.
19 - تأسيس الشيعة.
20 - مقابس الأنوار.

(1) رجال بحر العلوم 3 / 111.

[ 1 ]

رسائل الشريف المرتضى

[ 3 ]

جوابات المسائل التبانيات

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم بحمد الله نستفتح كل قول، ونستعين على كل عمل، وبأنوار هدايته نسترشد في الشبهات، ونستضئ في الظلمات، وإياه جلت عظمته نسأل أن يصلي أولا وآخرا على سيدنا محمد نبيه وصفيه، وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم من الأنجاس وتبرأهم من الأدناس، صلاة سالمة من الرياء، لازمة للاستواء، موصولة غير مقطوعة، ومبذولة غير ممنوعة، وسلم عليهم تسليما. ومن بعد: فإنني وقفت على المسائل التي سألت - أحسن الله توفيقك، وأجزل من كل خير نصيبك - الجواب عنها، والايضاح لما أشكل منها. فوجدتها عند التصفح والتأمل دالة على فكر دقيق التوصل، لطيف التغلغل، فكم من شبهة كانت لقوتها ودقتها أدل على الفطنة من حجة جلية ظاهرة. وأنا أجيب عن هذه المسائل بما يتسع له وقتي المضيق، وقلبي المتقسم المتشعب، ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق... حكاية ما افتتحت به... المسائل... إذا كان الله جلت عظمته وتقدست

[ 6 ]

أسماؤه، فقد أنعم على الكافة بسيدنا الأجل المرتضى ذي المجدين علم الهدى أدام الله سلطانه، وأعز نصره، وأيد الاسلام وأهله بدوام بقائه، وكبت أعداءه وجعل (1) المفزع فيما يعرض لهم من أمر دينهم، فيكشف ملتبسه، ويوضح مشكلة، ويظهر خفيه، ويبين مجملة، ويزيل بذلك ريبهم، وينفي شكهم، ويشرح صدورهم، ويسكن نفوسهم. ولا عذر بعد هذه النعمة لمن أقام على ظلمة الريب ومنازعة الشك، مع التمكن من مفارقتهما والراحة من مجاهدتهما. وأحق ما سأل (2) المسترشد، وطلب معرفته المتدين، ما لا رخصة في إهماله، ولا توسعة في إغفاله، هو (3) العلم بما يلزمه من العبادات الشرعية والأحكام السمعية، التي لا ينفك المكلف من وجوبها، ولا يخلو من لزومها، ولا يصح منه التقرب بها والأداء لما يجب عليه منها إلا بعد معرفتها، والتمييز لها من غيرها. وإذا تضمن السؤال ما هذه حاله، فقد تعين على من لا يتمكن من الجواب عنه غيره فرضه، ولزمه بذله وبيانه. وها أنا سائل مسترشد، وطالب متفهم، وذاكر ما استفدته من المجلس الأشرف عند الدروس، وحصلته بالمسائلة والبحث، وراغب إلى الدين المهذب والورع المتنزه، في إجابتي بما يكون عليه اعتمادي، وإليه مفزعي، ويحتسبه عملي، وعليه معولي، وله في ذلك على الرأي إنشاء الله تعالى.

(1) ظ: جعله.
(2) ظ: سأله.
(3) ظ: وهو.

[ 7 ]

الفصل الأول [ الطريق إلى معرفة الأحكام الشرعية عن أدلتها ] الذي يظهر منا عند المناظرة لمخالفينا، التخطئة لهم فيما يرونه ويذهبون إليه، من إثبات العبادات والأحكام بالقياس والاستحسان، والاجتهاد بالرأي، وبأخبار الآحاد. التي يعترفون بفقد العلم بصدق رواتها، وتجويز الخطأ [ على ] (1) ناقليها. وبإجماع ما يجوزون تعمد الباطل على كل واحد منهم، ولا يعتبرون حصول المقصود فيهم، وإن ذلك بدعة وضلال من فعلهم. وهذا سبيل ما تدعونه (2) من الطريق إلى ثبوت الإجماع من الأمة، والعلم به أنهم لا يعرفون مخالفا لما قالوا لأن فقد العلم بالخلاف والنكير لا يدل على الرضا والتدين. وإن كان جميع ما عددناه فاسدا فهل بقي بعده ما يتوصل به إلى إثبات العبادات والأحكام؟ والاجماع أمر زائد على ظواهر القرآن والمتواتر من الأخبار وإن كان هناك زيادة فما هي؟

(1) الزيادة منا.
(2) ظ: ما يدعونه.

[ 8 ]

وهل من جملتها ما يذكره كثير من أصحابنا عند ورود الخبرين اللذين لا يوجد مغمز في ناقليهما وظنهم تنافيهما، وأنه لا بد من اطراح العمل بأحدهما ومن أن عمل الطائفة بواحد يعينونه (1) منهما؟ وهل ما يذكرونه قرينة للرواية، يحصل لأجلها طريق العلم أم لا؟ وإن كان عمل الطائفة قرينة، فما المراد بالطائفة؟ وهل هم جميع من تدين بالامامة من مشارق الأرض ومغاربها أو بعضهم؟ فإن كان المراد الكل فما الطريق التي نتوصل به إلى معرفة عملها، ولسنا نشاهد جميعها، ولا تواتر ثابت ينافي فعل من لم نشاهد منها؟. وما الذي نعول عليه بعد فقد هذين منها؟ وإن كان هناك طريق للعلم بعمل لم نشاهده ولا تواتر علينا الخبر عنه، فما المانع من سلوكه في معرفة عمل الرسول والإمام (صلوات الله عليهما والسلام)؟. اللهم إلا أن يكون الطريق مختصا بالطائفة، ومحالا ثبوته في عمل الرسول والإمام، فما هو؟ وما وجه إحالته؟ وهل هو أيضا أم يختص (2) بصحة التعلق به دون من يخالفنا فيما يدعونه من ثبوت الإجماع فيما يمنعهم منه نحن القول بأنا لا نعلم مخالفا من الطائفة. وما الفرق بين القائل لذلك؟ وبين من قال مثله في عمل الرسول والإمام؟ إذا لم يكن معنا علم بعمل من غاب عنا (3). ولم صار القائل بأني إذا لم أعلم أن من غاب عني من الطائفة عامل بما

(1) ظ: يعين العمل به.
(2) ظ: أمر نختص.
(3) ظ: في هامش النسخة: عني.

[ 9 ]

تضمنه الروايتين (1) وقطعنا على أنهم عاملون بما تضمنه الرواية الأخرى، أولى ممن عكس ذلك، وقال: إذا لم أعلم أن من غاب عني من الطائفة عامل بما تضمنه الرواية الأخرى، قطعت على أنهم عاملون بما تضمنه الرواية التي ادعيت نفي عملهم بها. ثم له أن يسلك مثل ذلك في فعل الرسول والإمام، فيعين إحدى الروايتين ويقول: إذا لم أعلم أن الرسول والإمام عاملان بها، قطعت على أنهما عاملان بالأخرى. ويكون بهذا القول أولى، لأن الدواعي إلى نقل ما يفعله الرسول والإمام مما فيه تبيان للدين، وما يلزم المكلفين متوفرة، لأنهما الحجة والمفزع، وعلى قولهما وفعلهما المعول، والتواتر به والحفظ به ممكن متسهل، ونقل فعل جميع من يتدين بالإمامة في مشارق الأرض ومغاربها، حتى لا يبقى منهم واحد ممتنع متعذر، ولو كان ممكنا متسهلا لم يكن إلى حفظه ونقله داع. هذا إن أريد بالطائفة الكل، فأما إن أريد البعض فمن ذلك البعض؟ وما الذي أفردهم بهذا الحكم وقصره عليهم دون غيرهم. وأي الأمرين أريد بالطائفة - أعني الكل أو البعض - هل العلم بحصول المعصوم فيها ووجود علمه في جملة علمها معتبر أم لا؟ فإن كان معتبرا فما الطريق إليه؟ وما الذي إذا سلكناه لأن (2) دلالة عليه مع فقد المشاهدة والتواتر؟ وهل لنا

(1) الظاهر زيادة كلمة الواو.
(2) لعل الصحيح (كان).

[ 10 ]

أن نقول إذا علمنا صحة حكم من الأحكام فلا.... (1) خطابه (2) عز وجل وقف على الدليل الدال على اضافته إليه. [ الطريق إلى معرفة خطاب الله والرسول ] وقد يعلم في بعض الخطاب أنه كلامه تعالى بوجوه: منها أن يختص بصفة لا تكون إلا لكلامه تعالى، مثل أن يختص بفصاحة وبلاغة خارجين عن العادة فعلم أنه من مقدور غير البشر، كما يذهب أيضا من جعل إعجاز القرآن من جهة الفصاحة الخارقة للعادة. وقد اعتمد قوم في إضافته في كلامه إليه تعالى على أن يحدث على وجه لا يتمكن البشر من أحداثه عليه، كسماعه من شجرة، أو ما يجري مجراها. وهذا ليس بمعتمد، لأن سماع الكلام من الشجرة يدل على أنه ليس من فعل البشر، من أين أنه ليس من فعل جني وملك سلكا أفنان الشجرة وخلالها وسمع ذلك من كلامه. وهذا القدح أيضا يمكن أن يعترض به في الفصاحة. اللهم إلا أن يتقدم لنا العلم بأن فصاحة الجن والملائكة لا تزيد على فصاحة البشر، فيكون ذلك الوجه دليلا على أنه من كلام الله تعالى. والوجه المعتمد في إضافة الخطاب إلى الله تعالى، أن يشهد الرسول المؤيد

(1) قال في هامش النسخة: بياض في نسخة الأصل المصحح بجملة من يعتمد تصحيحه، وهكذا في موارد أخر من هذه الأوراق انتهى. ويؤيده ما في الذريعة [ 5 / 217 ] قال: في أثناء الفصول بياضات في النسخة التي رأيتها. الخ.
(2) الظاهر أن هذا من جملة جواب السيد المرتضى، وأجاب بأنه لا بد من العلم بطريق الذي هو خطابه تعالى وخطاب الرسول والإمام. فأما خطابه عز وجل - الخ.

[ 11 ]

بالمعجز المقطوع على صحة نبوته وصدقه، بأن ذلك الكلام من كلامه تعالى فيقطع العلم ويزول الريب، كما فعل نبينا صلى الله عليه وآله بسور القرآن. وأما الطريق إلى معرفة خطاب الرسول صلى الله عليه وآله والإمام (عليه السلام) فقد يكون بالمشافهة لمن يشهدهما، ويعلم ضرورة إضافة الخطاب إليهما. ومن نأى عنهما فطريقه إلى هذه المعرفة الخبر المتواتر الذي يفضي إلى العلم. [ إثبات حجية الإجماع ] وهاهنا طريق آخر يجري في وقوع العلم مجرى التواتر والمشافهة، وهو أن يعلم عند عدم تمييز عين الإمام وانفراد شخصه، إجماع جماعة على بعض الأقوال، يوثق بأن قوله داخل في جملة أقوالهم. فإن قيل: هذا القسم أيضا لا يخرج عن المشافهة أو التواتر، لأن إمام العصر إذا كان موجودا، فإما أن يعرف مذهبه وأقواله مشافهة وسماعا، أو بالمتواتر عنه. قلنا: الأمر على ما تضمنه السؤال غير أن الرسول والإمام إذا كان متميزا متعينا، علمت مذاهبه وأقواله بالمشافهة أو بالتواتر عنه. وإذا كان مستترا غير متميز العين - وإن كان مقطوعا على وجوده واختلاطه بنا - علمت أقواله بإجماع الطائفة التي نقطع على أن قوله في جملة أقوالهم، وإن كان العلم بذلك من أحواله لا يعد وأما المشافهة أو التواتر، وإنما يختلف الحالان بالتمييز والتعيين في حال، وفقدهما في أخرى. فإن قيل: من أين يصح العلم بقول الإمام إذا لم يكن متعينا متميزا، وكيف يمكن أن يحتج بإجماع الفرقة المحقة في أن قوله داخل في جملة أقوالهم. أو ليس هذا يقتضي أن تكونوا قد عرفتم كل محق في سهل وجبل

[ 12 ]

وبر وبحر وحزن ووعر، ولقيتموه حتى عرفتم أقواله ومذاهبه، أو أخبرتم بالتواتر عن ذلك، ومعلوم لكل عاقل استحالة هذا وتعذره. وليس يمكنكم أن تجعلوا إجماع من عرفتموه من الطائفة المحقة هو الحجة، لأنكم لا تأمنون من أن يكون قول الإمام الذي هو الحجة في الحقيقة خارجا عنه. قلنا: هذه شبهة معروفة مشهورة، وهي التي عول عليها واعتمدها من قدح في الإجماع، من جهة أنه لا يمكن معرفة حصوله واتفاق الأقوال كلها على المذهب الواحد. والجواب عن ذلك سهل واضح. وجملته: أنه لا يجب دفع حصول العلم الذي لا ريب فيه ولا شك، لفقد العلم بطريقة على سبيل التفصيل. فإن كثيرا من العلوم قد تحصل من غير أن تنفصل للعالم طريقها. ألا ترى أن العلم بالبلدان والأمصار والحوادث الكبار والملوك العظام، فإنه يحصل بلا ارتياب لكل عاقل يخالط الناس حتى لا يعارضه شك، ولو طالبته بطريق ذلك على سبيك التفصيل لتعذر عليه ذكره والإشارة إليه. ولو قيل لمن عرف البصرة والكوفة وهو لم يشاهدهما، وقطع على بدر وحنين والجمل وصفين وما أشبه ذلك: أشر إلى من خبرك بهذا، وعين من أنبأك به، وكيف حصل لك العلم به؟ لتعذر عليه تفصيل ذلك وتمييزه ولم يقدح تعذر التمييز والتفصيل عليه في علمه بما ذكرناه، وإن كان عند التأمل على الجملة أنه علم ذلك بالاخبار، وإن لم ينفصل له كل مخبر على التعيين. وإذا كانت مذاهب الأمة مستقرة على طول العهد وتداول الأيام، وكثرة الخوض والبلوى، وتوفر الدواعي وقوتها، فما خرج عن المعلوم منها نقطع على أنه ليس مذهبا لها ولا قول من أقوالها. وكذلك إذا كانت مذاهب فرق الأمة على اختلافها مستمرة مستقرة على

[ 13 ]

طول الأزمان، وتردد الخلاف، ووقوع التناظر والتجادل، جرى العلم بإجماع كل فرقة على مذاهبها المعروفة المألوفة وتميزه مما باينه وخالفه، مجرى العلم بمذاهب جميع الأمة وما وافقه وخرج عنه. ومن هذا الذي يشك في أن تحريم الخمر ولحم الخنزير والربا، ليس من مذهب أحد المسلمين، وإن كنا لم نلق كل مسلم في البر والبحر والسهل والوعر. وأي عاقل من أهل العلم يرتاب في أن أحدا من الأمة لم يذهب في الجد والأخ إذا انفردا في الميراث، أن المال للأخ لا للجد، وأن الأخوة من الأم يرثون مع الجد. وإذا كانت أقوال الأمة على اتساعها وانتشارها في الفتاوي تنضبط لنا، حتى لا نشك فيما دخل فيها وما خرج عنها، فكيف يستعبد انحصار أقوال الشيعة الذين نذكر أن قول الحجة فيهم، ومن جملة أقوالهم، وهو أقل عددا وأقرب انحصارا؟. أو ليس أقوال أبي حنيفة وأصحابه والشافعي، والمختلف من أقوالهم قد انحصرت، حتى لا يمكن أحدا أن يدعي أن حنفيا أو شافعيا يذهب إلى خلاف ما عرف وظهر وسطر، وإن لم تجب البحار وتحل الأمصار وتشافه كل حنفي وشافعي. فما المنكر من مثل ذلك في أقوال الشيعة الإمامية؟ وإن أظهر مظهر الشك في جميع ما ذكرنا منه العليل وهو الكثير الغريز وقال: إنني لا أقطع على شئ مما ذكرتم أنه مقطوع عليه، لفقد طريق العلم الذي هو المشاهدة أو التواتر. لحق بالسمنية جاحدي الأخبار، وقرب من السوفسطائية منكري المشاهدات. ولا فرق البتة عند العقلاء من تجويز مذهب للأمة لم نعرفه ولم نألفه ولم

[ 14 ]

ينقل إلينا، مع كثرة البحث واستمرار الخوض. وبين بلد عظيم في أقرب المواضع مما لم ينقل خبره إلينا، وحادثة عظيمة لم نحط بها علما. وقيل لمن تعلق بذلك: إن كنت تدفع العلم عن نفسك والسكون إلى ما ذكرناه، فأنت مكابر كالسمنية والسوفسطائية. وإن كنت تقول: طريق العلم متعذر، لأنه المشاهدة والتواتر وقد ارتفعا. قلنا لك: ما تقدم من أن التفصيل قد يتعذر مع حصول العلم، والتواتر والمشاهدة في الجملة طريق إلى ما ذكرناه، غير أنه ربما تجلى ويعتق، وربما التبس واشتبه. ولن يلتبس الطريق ويتعذر تفصيله إلا عند قوة العلم وامتناع دفعه. ألا ترى أن العالم بالبلدان والحوادث الكبار على الوجه القوي الجلي، لو قيل له: من أين علمت؟ ومن خبرك ونقل إليك؟ لتعذر عليه الإشارة إلى طريقه. وليس هكذا من علم شيئا بنقل خاص متعين، لأنه يتمكن متى سئل عن طريق علمه أن يشير إليه. فقد صار تعذر التفصيل للطريق علما على قوة العلم وشدة اليقين، فلهذا أستغني عن تفصيل طريقه. وإنما يحتاج إلى تعيين الطريق فيما لم يستو العلم بالطريق المعلوم، فأما ما يستو (1) فيه قوة المعلوم بوضوحه وتجليه وارتفاع الريب والشك فيه، فأي حاجة إلى العلم بتعيين طريقه؟ [ دخول الإمام عليه السلام في الإجماع ] وبعد، فالاجماع الموثوق به في الفرقة المحقة، هو إجماع الخاصة دون

(1) ظ: يستوي فيه.

[ 15 ]

العامة، والعلماء دون الجهال. ومعلوم أن الحصر أقرب إلى ما ذكرناه. ألا ترى أن علماء أهل كل نحلة وملة في العلوم والآداب، معروفون محصورون متميزون، وإذا كانت أقوال العلماء في كل مذهب مضبوطة، والإمام لا يكون إلا سيد العلماء وأوحدهم، فلا بد من دخوله في جملتهم، والقطع على أن قوله كقولهم. وهل الطاعن على الطريقة التي ذكرناها بأنا لم نلق كل إمامي ولا عرفناه، إلا كالطاعن في إجماع النحويين واللغويين على ما أجمعوا عليه في لغاتهم وطرقهم، بأنا لم نلق كل نحوي ولغوي في الأقطار والأمصار، ويلزمنا الشك في قول زائد على ما عرفناه من أقوالهم المسطورة المشهورة. فإن قيل: لم يبق إلا أن تدلوا على أن قول الإمام مع عدم تميزه وتعينه في جملة أقوال الشيعة الإمامية خاصة دون سائر الفرق، حتى تقع الثقة بما يجمعون عليه ويذهبون إليه، ولا ينفع أن يكون قوله موجودا في جملة أقوال الأمة، من غير أن يتعين لنا الفرقة التي قوله فيها ولا يخرج عنها. قلنا: إذا دل الدليل القاهر على أن الحق في قول هذه الفرقة دون غيرها، فلا بد من أن يكون الإمام الذي نثق بأنه لا يفارق الحق ولا يعتمد سواه، مذهبه مذهب هذه الفرقة، إذ لا حق سواه. وكما نعلم مع غيبته وتعذر تمييزه أن مذهبه مذهب أهل العلم والتوحيد، ثم مذهب أهل الاسلام من جملتهم، من حيث علمنا أن هذه المذاهب هي التي دل الدليل على صوابها وفساد ما عداها. فكذلك القول في الإمام. وإذا فرضنا أن الإمام إمامي المذهب، علمنا بالطريق الذي تقدم في مذهب مخصوص، أن كل إمامي عليه، وزال الريب في ذلك. فقد بان أن إجماع الإمامية على قول أو مذهب لا يكون إلا حقا، لأنهم لا يجمعون إلا وقول الإمام

[ 16 ]

داخل في جملة أقوالهم، كما أنهم لا يجمعون إلا وقول كل عالم منهم داخل في جملة أقوالهم. فإن عاد السائل إلى أن يقول: فلعل قول الإمام وإن كان موافقا للإمامية في مذاهبها لم تعرفوه ولم تسمعوه (1)، لأنكم ما لقيتموه ولا تواتر عنه الخبر على التمييز والتعيين. فهذا رجوع إلى الطعن في كل إجماع وتشكيك في الثقة بإجماع كل فرقة على مذهب مخصوص، وليس بطعن يختص ما نحن بسبيله. والجواب عنه قد تقدم مستقصى، وأوضحنا أن التشكيك في ذلك دفع للضروريات ولحوق بأهل الجهالات. [ الإجماع حجة في كل حكم ليس له دليل ] وإذ قد قدمنا تقديمه مما هو جواب عند التأمل عن جميع ما تضمنه الفصل الأول، فنحن نشير إلى المواضع التي تجب الإشارة إليها، والتنبيه على الصواب فيها من جملة الفصل. أما ما مضى في الفصل من أنكم إذا اطلعتم على طرق مخالفيكم التي يتوصلون بها إلى الأحكام الشرعية، لا بد من ذكر طريق لا يلحقه تلك الطعون، توضحون أنه موصل إلى العلم بالأحكام، فلعمري أنه لا بد من ذلك. وقد بينا فيما قدمناه كيف الطريق إلى العلم بالأحكام وشرحناه وأوضحناه، وليس رجوعنا إلى عمل الطائفة وإجماعها في ترجيح أحد الخبرين الراويين على صاحبه أمرا يختص هذا الموضع، حتى يظن ظان أن الرجوع إلى إجماع الطائفة إنما هو في هذا الضرب من الترجيح.

(1) فيما لا يعرفوه ولا يسمعوا به. كذا في هامش النسخة.

[ 17 ]

بل نرجع إلى إجماعهم في كل حكم لم نستفده بظاهر الكتاب، ولا بالنقل المتواتر الموجب للعلم عن الرسول أو الإمام عليه السلام، سواء ورد بذلك خبر معين أو لم يرد، وسواء تقابلت فيه الروايات أو لم تتقابل، لأن العمل بخبر الواحد المجرد ليس بحجة عندهم على وجه من الوجوه، انفرد من معارض أو قابله غيره على سبيل التعارض. فأما ما مضى في الفصل من ذكر طرف المشارق والمغارب والسهول والوعور، وأن ذلك إذا تعذر لم يقع الثقة بعموم المذهب بكل واحد من الفرقة. فقد مضى الجواب عنه مستوفى مستقصى، وبينا أن العلم بذلك حاصل ثابت بالمشافهة والتواتر، وإن [ لم ] تجب البلاد وتعرف كل نسالها. فأما التقسيم الذي ذكر أنه لا يخلو القائل بأن الفرقة أجمعت، من أن يريد كل متدين بالامامة ومعتقد لها، أو يريد البعض، وتعاطي إفساد القسم الأول بما تقدم ذكره. والكلام على الثاني بالمطالبة بالدليل المميز لذلك البعض من غيرهم، والحجة الموجبة لكون الحق فيه، ثم بإقامة الدلالة على أن قول الإمام المعصوم الذي هو الحجة على الحقيقة في جملة أقوال ذلك البعض دون (1) ما عداهم من أهل المذاهب. فالكلام عليه أيضا مستفاد بما تقدم بيانه وإيرادنا له، غير أنا نقول: ليس المشار بالاجماع الذي نقطع على أن الحجة فيه إلى إجماع العامة والخاصة والعلماء والجهال. وإنما المشار بذلك إلى إجماع العلماء الذين لهم في الأحكام الشرعية أقوال مضبوطة معروفة، فأما من لا قول له فيما ذكرناه - ولعله لا يخطر بباله - أي إجماع له يعتبر.

(1) ظ: من.

[ 18 ]

[ كيفية العلم بدخول قول الإمام في الإجماع ] فأما الدليل على أن قول الإمام في هذا البعض الذي عيناه دون غيره فواضح، لأنه إذا كان الإمام (عليه السلام) أحد العلماء بل سيدهم، فقوله في جملة أقوال العلماء. وإذا علمنا في قول من الأقوال أنه مذهب لكل عالم من الإمامية فلا بد من أن يكون الإمام (عليه السلام) داخلا في هذه الجملة، كما لا بد من أن يكون كل عالم إمامي، وإن لم يكن إماما يدخل في الجملة... (1) قرينة للخبر لا يخلو من أن يعتبر فيه العلم بعمل المعصوم في جملة عملهم إلى آخر الفصل. فالكلام عليه أن عمل المعصوم هو الحجة دون عمل غيره ممن انضم إليه ولا حجة في عمل الجماعة التي لا يعلم دخول المعصوم فيها، ولا هو أيضا إذا خرج المعصوم منه، إجماع جميع أهل الحق. ولو انفرد لنا عمل المعصوم وتميز، لما احتجنا إلى سواه، وإنما راعينا عند فقد التمييز دخوله في جملة غيره، لنثق بأن قوله في جملة تلك الأقوال. ولا معنى لقول من يقول: فإذا كان علمه (2) مستقلا بنفسه في كونه حجة ودلالة، فلا اعتبار بغيره. لأنا ما اعتبرنا غيره إلا على وجه مخصوص، وهو حال الالتباس، وما كان اعتبارنا لغيره إلا توصلا إليه ولنثق بما نعلمه.

(1) بياض في النسخة والظاهر أن يكون: إذا كان عمل الطائفة قرينة لصحة الخبر من حيث وجود المعصوم فيها، فما الوجه في اعتبار عمل غيره؟ وما الوجه في العلم بصدق الخبر.
(2) ظ: عمله.

[ 19 ]

فأما مطابقة فائدة الخبر بعمل المعصوم، فلا شبهة في أنها لا تدل على صدق الراوي فيما رواه، ومن هذا الذي جعل فيما رواه المطابقة دليلا على صدق الراوي. والذي يجب تحصيله في هذا أن الفرقة المحقة إذا علمت (1) بحكم من الأحكام أو ذهبت إلى مذهب من المذاهب، ووجدنا روايته مطابقة لهذا العمل لا نحكم بصحتها ونقطع على صدق رواتها، لكنا نقطع على وجوب العمل بذلك الحكم المطابق للرواية، لا لأجل الرواية، لكن بعمل المعصوم الذي قطعنا على دخوله في جملة عمل القائلين بذلك الحكم. اللهم إلا أن تجمع الفرقة المحقة على صحة خبر وصدق راويه، فيحكم حينئذ بذلك مضافا إلى العمل. فإن قيل: وكيف تجمع الفرقة المحقة على صدق بعض أخبار الآحاد، وأي طريق لها إلى ذلك؟ قلنا: يمكن أن تكون عرفت ذلك بأمارة، أو علامة على الصادق (2) من طريق الجملة. ويمكن أيضا أن يكونوا عرفوا في راو بعينه صدقه على سبيل التمييز والتعيين، لأن هؤلاء المجمعين من الفرقة المحقة قد كان لهم سلف قبل سلف يلقون الأئمة (عليهم السلام) الذين كانوا في أعصارهم، وهم ظاهرون بارزون تسمع أقوالهم ويرجع إليهم في المشكلات. وفي الجملة: إجماع الفرقة المحقة لأن المعصوم فيه حجة، فإذا أجمعوا على شئ قطعنا على صحته، وليس علينا أن نعلم دليلهم الذي أجمعوا لأجله

(1) ظ: عملت.
(2) ظ: دلت على الصدق.

[ 20 ]

ما هو بعينه، فإن ذلك عنا موضوع، لأن حجتنا التي عليها نعتمد هي إجماعهم لا ما لأجله كان إجماعهم. ومخالفونا في مسألة الإمامة بمثل هذا الجواب يجيبون إذا سئلوا عن علل الإجماع وطرقه وأولويته. فإن قيل: فما تقولون في خبرين واردين من طرق الآحاد تعارضا وتنافيا، ولم تعمل الفرقة المحقة بما يطابق فائدة أحدهما، ولا أجمعوا في واحد منهما على صحة ولا فساد. قلنا: لا نعمل بشئ من هذين الخبرين، بل يكونان عندنا مطروحين وبمنزلة ما لم يرد، ونكون على ما تقتضيه الأدلة الشرعية في تلك الأحكام التي تضمنها الأخبار الواردة من طريق الآحاد. وإن لم يكن لنا دليل شرعي في ذلك، استمررنا على ما يقتضيه العقل.

[ 21 ]

الفصل الثاني [ الكلام في حجية خبر الواحد وعدمه ] ابتداؤه أن قيل: العمل بخبر الواحد مفرد (1) عن العمل بخبر معين، وهو (2) الأصل الذي يترتب عليه العمل بخبر معين. فإن قلنا: إن الطائفة عاملة بأحد الخبرين، فقد أقررنا بعملها بأخبار الآحاد لأنه من جملتها، فما الذي يعترض ذلك إن كان فاسدا؟ فإن قلنا: إنهم لم يعملوا لمجرد الرواية، بل لقرينة. كان له أن يقول: وما تلك القرينة؟ ويطالب بالخبر عنها لمن عمل بالخبر لأجلها. والكلام على هذا القدر من الفصل، يستفاد من كلامنا الذي قدمناه، لأنا قد بينا أن العمل بخبر الواحد الذي لم يقم دلالة على صدقه ولا على وجوب العمل به، غير صحيح. فالطائفة التي قد ثبت أن إجماعها حجة، لا يجوز أن تجمع لأجل خبر لم تقم الحجة به، ولا يسند إجماعها على ذلك الحكم، إلا إلى ما هو دليل في

(1) ظ: مفردا.
(2) ظ: بخبر معين هو الأصل.

[ 22 ]

نفسه وحجة. وإذا كنا لا نجيز ما ذكره وإنما نرتبه على الوجه الذي أوضحناه، فقد سقط التعويل على ما تضمنه هذا الكلام. ثم قال: فإن قيل: المعلوم من حال الطائفة وفقهائها الذين سيدنا (أدام الله علوه) منهم بل أجلهم، ومعلوم أن من عدا العلماء والفقهاء تبع لهم، وآخذ عنهم ومتعلم منهم، يعملون بأخبار الآحاد ويحتجون بها، ويعولون في أكثر العبادات والأحكام عليها، يشهد بذلك من حالهم كتبهم المصنفة في الفقه المتداولة في أيدي الناس، التي لا يوجد في أكثر رواتها وما يشتمل عليه زيادة على روايات الآحاد، ولا يمكن الإشارات (1) إلى كتاب من كتبهم، مقصور على ظواهر القرآن والمتواتر من الأخبار. وهذه المحنة بيننا وبين من ادعى خلاف ما ذكرنا. وإذا كان لا وجه لذكر الروايات في أبواب الفقه إلا الدلالة على صحة ما اجتريت عليه من الأحكام والاحتجاج بها، وعم ذلك جميع الطائفة، وكان معلوما من شأنها، بينا (2) أحد الحكمين، وهو العلم بعملها بخبر الآحاد، وتعذر على من ادعى العلم بخبر معين مثل ذلك. وإذا تقرر بما تقدم عمل الطائفة بأخبار الآحاد، وهي أحد طائفتي الأمة وشطرها، وكان من بقي بعدها وهم العامة العمل بخبر الآحاد، ومعلوم (3) من مذهبها، ومشهور من قولها. وما يروى من مذهب النظام وغيره داخل في جملتها ويزيد عليه، لأنه

(1) ظ: الإشارة.
(2) كذا في النسخة.
(3) ظ: زيادة كلمة الواو.

[ 23 ]

يضيف إلى وجوب العمل بها حصول العلم الضروري عنها. وجعفر بن مبشر كتابه في الفقه موجود متداول، ويصرح فيه بالعمل بخبر الآحاد، ويعول عليها فيه بحسب ما فعله سائر الفقهاء. ولو صحت الرواية عن الجعفرين والاسكافي (1)، لكان إجماعهم قد سبقهم، وحكم بفساد قولهم. على أن المعول عليه في الاحتجاج بالاجماع، إذا لم يتعين لنا قول المعصوم، الرجوع إلى جميع الأمة، لأنه من جملتها، أو إلى الطائفة المحقة بمثل ذلك. فأما من علمنا أنه غير المعصوم، ومن قطعنا على أنه ليس منهم، فلا وجه للرجوع إلى قوله، ومن حكي عنه الامتناع من العمل بأخبار الآحاد، هذه سبيلهم في أنا عالمون بأن المعصوم ليس فيهم، لتعين معرفتنا بأنبائهم، فلا معنى لذكرهم ولذكر من يجري مجراهم في الاعتراض على المعلوم من اتفاق طوائف الأمة أو الطائفة المحقة، فالعمل إذن بروايات الآحاد على هذا القول ثابت على لسان الأمة، فما الذي نعترضه إن كان فاسدا. الكلام على ذلك يقال له: ما رأيناك صنعت في هذا الفصل شيئا أكثر من ادعائك المناقضة الظاهرة على العلماء المحصلين والمتكلمين المدققين، وأنهم يحتجون بما يظهرون ويعتقدون أنه لا حجة فيه، ويعتمدون في الأحكام التي يبينونها على ما ينافي أصولهم، وتشهد بأنه ليس بحجة ولا دليل ولا عليه معتمد. وهذا سوءتنا (2) على القوم، وشهادة عليهم إما بالغفلة الشديدة المنافية للتكليف، أو بالعناد وقلة الدين والتهاون بما يسطر من أقوالهم. وإنما يقول المتكلمون إذا تكلموا في صحة النظر، وردوا على مبطله

(1): الظاهر سقوط هذه الجملة: بالمنع من العمل بأخبار الآحاد، لكان - الخ.
(2) ظ: سوء ثناء.

[ 24 ]

والمطاعن فيه، أنكم تبطلون النظر بنظر، وتفسدونه باستعماله نفسه، لأنه (1) منكري النظر والرادين على مصححه بله القامة، يجوز عليهم المناقضة ولا يشعرون بها. فإما أن يقال لمتكلمي طائفتنا ومحققي علمائنا، ومنهم من يشق الشعر ويغلق الحجر تدقيقا وغوصا على المعاني، أنكم تناقضون ولا تشعرون، لأنكم تذهبون بلا شك ولا ريب أن أخبار الآحاد ليست بحجة ولا دلالة، ثم تعولون في كتبكم ومصنفاتكم على أخبار الآحاد، ولا تعتمدون على سواها، فهو غاية سوء الظن بهم، والتناهي في الطعن: أما على فطنتهم، أو ديانتهم. وأي شئ يقال للغافل العامي هذا؟. وليس لأحد أن يقول: إنني لا أجمع بين الأمرين اللذين ذكرتموها، فأكون بذلك طاعنا على القوم. بل أقول: إذا تظافر عملهم بأخبار الآحاد وتعويلهم في كتبهم عليها، علمت أنهم لا يذهبون إلى فساد أخبار الآحاد وإبطال الاحتجاج بها. وذلك أن هذا تطرف بضرب من الاستدلال إلى دفع الضرورة، لأنا نعلم علما ضروريا لا يدخل في مثله ريب ولا شك أن علماء الشيعة الإمامية يذهبون إلى أن أخبار الآحاد لا يجوز العمل بها في الشريعة ولا التعويل عليها، وأنها ليست بحجة ولا دلالة. وقد ملؤا الطوامير وسطروا الأساطير في الاحتجاج على ذلك، والنقض على مخالفيهم. ومنهم من يزيد على هذه الجملة ويذهب إلى أنه مستحيل من طريق العقول أن يتعبد الله تعالى بالعمل بأخبار الآحاد. ويجري ظهور مذهبهم في أخبار الآحاد مجرى ظهوره في إبطال القياس

(1) ظ: لأن.

[ 25 ]

في الشريعة وخطره وتحريمه، وأكثرهم يحظر القياس والعمل بأخبار الآحاد عقلا. وإذا كان الأمر على ما ذكرناه من الظهور والتجلي، فكيف يتعاطي متعاطي ضربا من الاستدلال في دفع هذا المعلوم؟ ألا كمن تكلف وضع كلام في أن الشيعة الإمامية لا تبطل القياس في الشريعة، أو لا تعتقد النص على أمير المؤمنين عليه السلام بالامامة. فلما كان هذا كله معلوما اضطرارا لم يجز الالتفات إلى من يتعاطي استدلالا على خلافه، ولم يبق بعد ذلك إلا أن هؤلاء الذين قد علمنا واضطررنا إلى اعتقادهم فساد العمل بخبر الآحاد، إنما عملوا بها في كتبهم وعولوا عليها في مصنفاتهم لأحد أمرين: إما الغفلة، أو العناد واللعب بالدين. وما في ذلك إلا ما هم مرفوعون عنه ومتنزهون عن مثله. [ الجواب عن وجود أخبار الآحاد في مصنفات الإمامية ] وبعد، فمن شأن المشتبه الملتبس المحتمل أن يبني على الظاهر المنكشف الذي لا يحتمل الملتبس، وقد علمنا أن كل من صنف من علماء هذه الطائفة كتابا ودون علما، فمذهبه الذي لا يختل ولا يشتبه ولا يلتبس، أن أخبار الآحاد ليست بحجة في الشريعة. فإذا رأينا بعض هؤلاء المصنفين وقد أودع كتابا أشياء من أخبار الآحاد في أحكام الشريعة فلا ينبغي أن نتسرع إلى الحكم بأنه أودعها محتجا بها ومستدلا بإيرادها، لأنا متى فعلنا ذلك قضينا بالمحتمل الملتبس على ما لا يحتمل ولا يلتبس. وذلك أن إيداع أخبار الآحاد للكتب المصنفة يمكن أن يكون لوجوه كثيرة ومعان مختلفة، وليس هو خالص لوجه واحد، فقد صار كما ترى محتملا مترددا.

[ 26 ]

فمن الواجب أن نقضي عليه بالظاهر المعلوم الذي لا التباس فيه، وهو القطع على اعتقاد القوم فساد العمل بخبر الواحد، ونعلم على سبيل الجملة أنهم ما أودعوا ذلك محتجين ولا من المستدلين، بل نعرض لا ينافي ما علمناه من اعتقادهم في أخبار الآحاد. فإن ظفرنا البحث بوجه ذلك على سبيل التفصيل والتعيين - وإن لم يتفق لنا العلم به تفصيلا - كفانا العلم به على سبيل الجملة. فإن قيل: فاذكروا على كل حال الوجه في إيداع أخبار الآحاد الكتب المصنفة في الفقه، لتزول الشبهة في أن إيداعها الكتب على سبيل الاحتجاج بها. قلنا: أول ما نقوله في هذا الباب أنه ليس كل ما رواه أصحابنا من الأخبار وأودعوه في كتبهم وإن كان مستندا إلى رواة معدودين من الآحاد، معدودا في الحكم من أخبار الآحاد، بل أكثر هذه الأخبار متواتر موجب للعلم........ لا ما الحجة فيما استودعه، ومن هذه صورته كيف يحتج بفعله فطريقه؟ (1). فأما ما مضى في الفصل من أن المحنة بيننا وبين من ادعى خلاف ما ذكرنا في الفصل من تعويل القوم على أخبار الآحاد واحتجاجهم بهذا. فهذا الذي مضى كله كلام عليه وإفساد له، وإيضاح لباطن الأمر وظاهره وجليه وغامضه. وكأن هذا القائل يدعونا إلى المحنة المحوجة لنا مناقضة علماء هذه الفرقة، وأنهم يظهرون إنكار ما يستعملونه بعينه، ويتدينون بإفساد ما لا يحتجون إلا به، ولا يعولون إلا عليه، وما ننشط المحنة يجري بها إلى هذا الغرض القبيح. ثم يقال لمن اعتمد ذلك: عرفنا في أي كتاب رأيت من كتبنا أو كتب أصحابنا المتكلمين المحققين الاعتماد على أخبار الآحاد الخارجة عن الأقسام التي ذكرناها وفصلناها؟ ودعنا من مصنفات أصحاب الحديث من أصحابنا،

(1) ظ: وطريقه

[ 27 ]

فما في أولئك محتج، ولا من يعرف الحجة، ولا كتبهم موضوعة للاحتجاجات. فإنك بعد هذا لا تجد موضعا شهد بصحة دعواك، لأن أصحابنا إنما جرت عادتهم بأن يحتجوا على مخالفهم في مسائل الخلاف التي بينهم، إما بظواهر الكتاب والسنة المقطوع بها، أو على سبيل المناقضة لهم والاستظهار عليهم، بأن يذكروا أن أخبارهم التي رووها - أعني مخالفيهم - وأقيستهم التي يعتمدونها تشهد عليهم على الطريقة التي بينتها وأوضحتها في كتاب (مسائل الخلاف). فأما أن يحتجوا عليهم بخبر واحد ترويه الشيعة الإمامية متفردة به ولا يعرفه مخالفوها، فهذا عبث ولغو لا يفعله أحد ولا يعاطي مثله. وإذا كانوا يحتجون على مخالفيهم، ولم يكن مع مخالفيهم الاحتجاج (1) بأخبار آحادهم، ففي أي موضع ليت شعري احتجوا بأخبار الآحاد؟ وما رأينا أحدا من مصنفي أصحابنا المتكلمين ذكر وجوه جميع مذاهبه في أحكام الشريعة، كما فعل كثير من مخالفينا من الفقهاء. فيمكن أن يقال: إنه ذكر بعض أخبار الآحاد على هذا الوجه، وهذا كله تعلل بالباطل، والرجوع إلى المعلوم المشهور أولى من غيره. فأما قوله: إن الجعفرين ومن جرى مجراهما ممن أنكر العمل بأخبار الآحاد قد عمل بها وعول عليها. فهو أيضا سوء ظن وثناء على هؤلاء القوم الذين - وإن كانوا مخالفين في بعض المذاهب بالشبه - فلا يجوز أن تريد بهم بالغفلة والبله أو العناد - وهذا مختصر مستصغر في جب (2) رمي علماء الشيعة بمثله. فأما قوله في خلال هذا الفصل: إن المعول عليه في الاحتجاج بالاجماع على الفرقة التي يكون المعصوم من جملتها، دون الفرقة التي هو عليه السلام

(1) ظ: إلا الاحتجاج.
(2) ظ: جنب.

[ 28 ]

خارج عنها. فهو لعمري صحيح، غير أنه نقض لما سلف في الفصل الأول وتدير عليه، لأن الفصل الأول مبني على أنه لا يمكن أن يعلم دخول المعصوم في الإجماع ولا طريق للثقة بذلك، وأن هذا يؤدي إلى أن نكون قد طفنا البلاد. وأحطنا علما كل قائل ومذهب كل ذاهب، ولا سبيل إلى ذلك، فما ليس بطريق ولا جهة إلى العلم كيف يحتج به في بعض المواضع. ومما مضى في هذا الفصل أيضا قوله: إن من عدا الفرقة المحقة من منكري العمل بأخبار الآحاد، (1) وإنما نعلم أن المعصوم ليس فيهم، حتى يكون الحجة في قولهم، لأنا نعرفهم بأعيانهم وأنسابهم. وهذا غير صحيح ولا معتمد، والذي يجب أن يعتمد في أن الإمام عليه السلام لا يجوز أن يكون قوله في جملة أقوال بعض مخالفي الشيعة الإمامية. هو ما تقدم ذكره في أول جواب هذه المسائل، وجملته: إن الإمام عليه السلام إذا علمنا أن (2) في الأصول على هذه المسائل التي نعتقده (3) دون ما عداها، ولا يجوز أن نطلب أقواله في الفروع إلا في جملة أقوال هذه الفرقة التي علمنا أن أصوله غير مخالفة لأصولهم. وهذا كاف في أن قوله عليه السلام لا يطلب في الفروع إلا من بين أقوال شيعة (4) الإمامية دون من عداهم. فأما أن يقال: قد عرفنا الأعيان وأنساب الفرقة الفلانية، فلا يجوز أن يكون

(1) الظاهر زيادة الواو.
(2) ظ: أنه.
(3) ظ: نعتقدها.
(4) ظ: الشيعة.

[ 29 ]

الإمام عليه السلام منها أو لا ينعكس على قائله، بأن يقال له: قد عرفنا أيضا أعيان وأنساب كل إمامي، فلا يجوز أن يكون الإمام عليه السلام من جملتهم. فإذا قيل: ومن الذي يحيط بمعرفة نسب كل إمامي في الأرض أو ممن شاهدناه وكاثرناه. قيل أيضا في المخالفين مثل ذلك، فالمعتمد إذن على ما قدمناه.

[ 30 ]

الفصل الثالث [ اعتماد الرسول بخبر الواحد والجواب عنه ] إن قيل: قد عمل الرسول صلى الله عليه وآله بأخبار الآحاد واعتمدها، وذلك شرع منه لأمته يزيل الريب وينفي الشك، لأنه عليه السلام أنفذ إلى ملوك الأطراف ورؤساء الأمصار بالآحاد. واعتمد عليهم في الدعاء إلى تصديق دعوته والدخول في ملته، والصبر على الذل والصغار وإعطاء الجزية، أو الحرب التي في الإقدام عليها والعدول عنها، التغرير بالنفوس والأموال والأولاد والدول والأموال؟. أنفذ إلى كسرى پرويز عبد الله بن حذافة السهمي، وإلى قيصر دحية بن خليفة الكلبي، وإلى المقوقس صاحب الاسكندرية حاطب بن أبي بلتعة، وإلى النجاشي عمرو بن أمية الضيمري، وإلى ذي الكلاغ جرير بن عبد الله البجلي. فلو كان خبر من أرسله لا يوجب علما ولا عملا على من أرسلوا إليه، ولا يثمر أيضا شيئا من ذلك إذا عادوا وأوردوا ما سمعوا عليه، لكان إنفاذهم غاية. اللبث (1) ونهاية الاستفتاد والتلبس المنافي للغرض ببعثة الرسل وترك ما يجب

(1) ظ: العبث.

[ 31 ]

التعويل عليه وإقامة الحجة به من المتواترين. ولكان لمن عاداه واجتهد في إطفاء نوره وطلب ما يوهن أمره وينفر عن قبول قوله والدخول في دعوته، أن يوافقه على أن ما فعله عبث لا يصدر من أماثل الناس، فضلا عن الأنبياء والرسل الذين يتولى الله تعالى اختيارهم لعلمه بكمالهم. فيقولون له: كيف تنفذ إلى الملوك والرؤساء الذين يسوسون الأمم ويدبرون الدول من يدعوهم إلى ترك ما ألفوه من عباداتهم ونشأوا عليه من دياناتهم، والاجابة إلى دعوتك والتصديق بنبوتك من (1) لا حجة في قوله ولا تبعة في رده. بل الواجب على من نفدوا إليه وعليك إذا عادوا إليك التوقف من تصديقهم والكف على الإقدام على ما تضمنه خبرهم، لما فيه من التغرير والاقدام على ما لا يؤمن فيه كذبهم. وما الفرق بين من جوز عليهم اشتارنا ما في هذه الموافقة من القدح فيما ادعاه؟ ثم كيف خفي على الملوك والرؤساء ومن يتقرب إليهم من الفضلاء وأهل الرأي والحزم والمعرفة بالحجاج، وبما يشيد الدول ويثبت المماليك ويروي على أعدائها الموافقة والاحتجاج به في دفع قوله وتوهين أمره، وأن ما بدأهم به لا يعتمده الأنبياء ولا يعول عليه الحكماء في الدخول تحت طاعتهم والرجوع من مخالفتهم. وإذا لم يقع منه صلى الله عليه وآله الامتناع من إنفاذ الآحاد والسماع لما يعودون به، والعمل بموجبه حتى يكون لإنفاذهم ثمرة، فخرج بها عن أن يكون عناد (2). ولا ورد عنه عليه السلام نهي عن قبولها والتحريم للعمل بها، ولم يتبعه

(1) ظ: ممن.
(2) ظ: عبثا.

[ 32 ]

أعداؤه ومن يجتهد في إطفاء نوره بذلك منذ بعث، وإلى وقتنا هذا، علمنا أن ذلك مما ركن في العنوان وجرت به العادات وأقوا به (1) الشرائع وندب إليه الأنبياء. الكلام على ذلك الجملة التي تضمنها هذا الفصل: وهي إنفاذ الرسول صلى الله عليه وآله رسله وعماله إلى الأطراف معروفة، قد تقدم السؤال عنها والخوض فيها. وإنما يزيد في هذا الفصل تسمية الرسل وذكر أنسابهم وقبائلهم، ولا حاجة إلى شئ من ذلك، لأن المعرفة به على سبيل الجملة كاف، وليس في ذكر التفصيل طائل ولا زيادة في القدح المقصود. وتضمن أيضا الالزام لمن أبي العمل بخبر الواحد، أن مخالفي الملة وطالبي المطاعن في الاسلام يوافقون النبي صلى الله عليه وآله على البعث في إنفاذ الرسل. وهذا أيضا مما لا فائدة في ذكره. فإن العبث إذا كان هو الفعل الخالي عن غرض، فهو قبيح لا يجوز أن يقع من حكيم فضلا عن نبي، والعبث متنزه عن كل حكيم، فضلا عن نبي. ولا يحتاج إلى أن يقول: إنه لو كان عابثا لوقف على ذلك، فإن العبث.... فنفي عنه صلى الله عليه وآله على كل حال، فقد.... من يوافقه عليه أم وجد (2). وقد تضمن هذا الفصل ما هو جواب عنه ويبطل المقدوح، فقد كفينا بما صرح به فيه مؤنة عظيمة، لأنه قال: إن النبي صلى الله عليه وآله بعث رسله إلى ملوك الأطراف وهم آحاد ليدعونهم إلى ثبوته وتصديق دعوته.

(1) ظ: وأقر به.
(2) ظ: إنه لو كان عابثا توقف على ذلك، فإن العبث منفي عنه صلى الله عليه وآله على كل حال فقد من يوافقه عليه أم وجد.

[ 33 ]

ومعلوم أن أخبار الآحاد لا تقبل في النبوة ولا هي حجة في المعجزات، ولا قال أحد من العلماء أن النبوات تثبت عند قريب ولا بعيد بأخبار الآحاد، بل بالأخبار الموجبة للعلم المزيلة للريب. [ أشكال عمل الرسل بأخبار الآحاد بشكل آخر ] وإنما كان يسأل قديما عن هذا السؤال على وجه يخالف ما تضمنه هذا الفصل، فيقال: إن النبي صلى الله عليه وآله بعث أمراءه وعماله إلى أطراف البلاد، لينقلوا أحكام الشريعة وينشروها، فلو لم يكن متعبدا لمن (1) يمضي هؤلاء الرسل إليه وأهل الأطراف بأن يعملوا بأقوالهم، فكان إنفاذهم عبثا. فنحتاج إلى أن نقول لهذا السؤال: إن أول شئ بعث به رسله وعماله للدعاء إلى الدين والاقرار بالنبوة والرسالة، وبهذا أمرهم أن يبدأوا قبل كل شريعة وعبادة، ومعلوم لا خلاف فيه بيننا أن الرسالة والنبوة مما لا يقبل فيه أخبار الآحاد. فإذا قالوا: إنما أنفذ بالرسل والعمال منبهين على النظر في أدلة النبوة وإعلام الرسالة، ولم نوجب قبول أقوالهم، وإنما لأقوالهم حظ التخويف والتحذير والدعاء إلى النظر في الأدلة الموجبة للعلم، وليس يجوز يثبت عندهم أعلام النبوة وأدلة الرسالة إلا بالنقل المتواتر الذي يوجب العلم ويرفع الشك. فنقول لهم حينئذ: وهكذا نقول في أحكام الشريعة مثل قولكم في أدلة النبوة سواء. وصاحب الكلام في هذا الفصل قد كفانا هذه المؤنة وأغنانا (2)

(1) ظ: من.
(2) في الأصل: وأعيانا.

[ 34 ]

عن أن ننقل الكلام إلى أن الرسل والعمال إنما يدعون أولا إلى النبوة وتصديق الرسالة، بأن صرح بذلك في سؤاله، وجعل الرسل الذين أنفذوا لهذا الغرض فلم يبق في كلامه شبهة، لأنه ما جرى في كلامه لمسألة الخلاف التي هي العمل في أحكام الشريعة بأخبار الآحاد ذكر، وإنما جرى ذلك لما لا خلاف في أنه يعمل (1) بأخبار الآحاد فيه، ولا يلتفت إليها في شئ منه. وتحقيق هذا الكلام: أن النبي صلى الله عليه وآله إنما كان يبعث بالرسل إلى بلاد قد اتصل بسكانها خبر نبوته، ونقل إليها أعلام دعوته، كما نقل إليها ظهوره صلى الله عليه وآله ودعاؤه إلى نفسه، ووسم (2) هؤلاء الرسل أن يدعوهم إن كانوا غير عارفين بالله تعالى أولا إلى معرفته، ويبثهم على العلم به والرجوع إلى الأدلة القاطعة في ذلك. ونحن نعلم أن قول هؤلاء ليس بحجة في المعارف، وإنما له حظ للتنبيه والتخويف، والحث على تأمل الأدلة والنظر فيها. فإذا عرفوا الله تعالى لو كانوا عارفين به قبل مصيرهم إليهم دعوهم إلى العلم بنبوته صلى الله عليه وآله وصدق دعوته، والرجوع في ذلك إلى الأدلة القاطعة، والحجج البينة التي ليس من جملتها أقوال هؤلاء الرسل. فإذا عرفوا ذلك بأدلته وعلموه من طرقه، ينبهونهم على الشرائع التي ورد النبي صلى الله عليه وآله بها وأحالوهم في العمل بها والقطع عليها، على المتواتر الشائع من الأخبار، ولم يلزموهم قبول أقوالهم في ذلك، كما لم يفعلوا مثله فيما تقدم. فلا اعتراض على ما أوضحناه بإنفاذ الرسل، ولا شبهة تقع في مثله،

(1) ظ: أنه لا يعمل.
(2) ظ: ورسم.

[ 35 ]

وهذا الإرسال من أن يكون عبثا ولغوا وما لا طائل فيه، حتى نحتاج أن نقول كان يجب أن يواقف النبي صلى الله عليه وآله مخالفوه ومعاندوه على أنه مكلف بهذا الإرسال لما لا فائدة فيه. [ كيفية معرفة أن أخبار الآحاد لا يعمل بها ] ثم يقال للمعترض بهذا الفصل: ألست تعلم أن أخبار الآحاد التي لا يعلم صدق رواتها لا يجوز أن يعمل بها في الشريعة؟ إلا بعد دليل يوجب العلم بأن الله تعالى تعبد بذلك وشرعه، حتى يسند العمل إلى العلم، فلا بد من الموافقة على هذه الجملة، لأنها مسألة مقررة. فيقال له: فمن أين علم الذين في أطراف البلاد أن النبي صلى الله عليه وآله قد شرع لهم وأوجب عليهم بأخبار رسله وعماله، مع أنهم لا يثقون بصدقه (1). فإن قيل: علموا ذلك من جهة هؤلاء الرسل. قلنا: وكيف يعلمون ذلك من جهتهم وهم آحاد، غاية خبرهم أن يكون موجبا للظن، ولا مجال للقطع فيه. فإن قالوا: يعلمون ذلك بأخبار متواترة ينقلها الصادر إليهم والوارد، مما يوجب العلم ويرفع الريب. قلنا: فأجزوا لنا ما أجزتموه لنفوسكم، وأقبلوا منا ما ألزمتمونا قبوله منكم، فإنا نقول لكم مثل ما قلتموه بعينه حذو النعل بالنعل. فأما ما مضى في الفصل من أنه لا يستفيد أيضا، فيما يؤديه إليه هؤلاء الرسل عند مؤدهم إليه شيئا، فيصير العبث فيما يؤدونه عنه كالعبث فيما يؤدونه إليه، قد مضى الكلام فيما يؤدونه عنه وبينا ما فيه من الفوائد والعوائد.

(1) ظ: بصدقهم.

[ 36 ]

فأما ما تؤديه هؤلاء الرسل إليه صلى الله عليه وآله عند عودهم، فالأكثر منه والأغلب ما نعمل في مثله عقلا وشرعا على أخبار الآحاد، ولا يفتقر إلى ما يوجب العلم. كما يقبل أخبار الآحاد في الهدايا والكتب والإذن في دخول المنازل، وما جرى هذا المجرى. فإن كان فيما يورد هؤلاء الرسل ما لا يعمل في مسألة إلا على العلم دون الظن، فلا بد من الرجوع فيه إلى غير قولهم، كما قلنا فيما يوردونه عنه صلى الله عليه وآله، وهذا واضح لمن تأمله.

(1) ظ: مثله.

[ 37 ]

الفصل الرابع [ اعتماد أعرف المتشرعة على الخبر الواحد والجواب عنه ] ابتداؤه أن قيل: لا خلاف بين الأمة في أن من وكل وكيلا، أو استناب صديقا في ابتياع أمة، أو عقد على حرة من بلده أو من بلد ناء عنه، فحمل إليه الوكيل أو الصديق جارية أخبره أنه اشتراها، أو رق (1) إليه امرأة أخبره أنه عقد له عليها، وأنه إذا (2)...... لعلته في ثمن الجارية ومهر الزوجة، أن له غشيانها والاستباحة لفرجها. وهذه أيضا سبيله مع زوجته إذا أخبرته بطهرها، كان له وطئها. وإذا أخبرته بحيضها حرم عليه جماعها. ويأتي الكتاب إلى المرأة بطلاقها، أو كتاب من ولدها إلى بعض أهلها بوفاة بعلها، فينقضي عدتها وتجدد عقدا لغيره عليها، ولا تترقب في ذلك تواتر خبر عليها، أو مشاهدتها لوفاة بعلها وسماعها لطلاقها بل تفعل عند ورود الخبر والكتاب ما تفعله عند المشاهدة والسماع. وكذلك الرجل يرد عليه كتاب بموت زوجته، فيعقد على أختها. والفروج

(1) ظ: زف.
(2) بياض في النسخة والظاهر: وأنه أزاح.

[ 38 ]

وأحكامها وما يتعلق بحظرها وإباحتها من آكد أحكام الشريعة التي قد شدد في أمرها، والتحرز عند الإقدام عليها، والنهي (1) من التعرض لما يشتبه منها. وكذلك بين طوائف الأمة في أن للعالم أن يفتي العامي فيما يستفتيه من العبادات والأحكام، ولا توجد طائفة من طوائف الأمة تتوقف عن ذلك وتمنع منه وتنكر على فاعله، بل جميعهم يرى القرب بذلك. ولو كانت مما العمل به محظور والأخذ به محرم، لكانت من أفحش البدع وأخزاها، لما فيها من التغرير والصد عن طلب العلم، ولا يلزم المستفتي منه والابهام (2) له الاستكفاء بقولهم ووجوب القبول منهم. فإن قلنا: إن في الأمة من يحظر القبول من المفتي بالتقليد له، ويلزم المستفتي النظر والبحث، كما يلزمه ذلك في أصول الدين. كان له أن يقول: ما ادعيت على آحاد الأمة، بل ادعيته على طوائفها. ثم لا يجب الرجوع عما أعمله (3) من عمل الطوائف واضطر إليه من حالها، برواية عن واحد أو اثنين لا أعلم صحة الرواية عنهما. ولو صحت الرواية عنهما وسمعت ذلك منهما، لكان الإجماع السابق لهما ماضيا عليهما ومبطلا لقولهما، وقد تقدم معنى قولنا في الإجماع، وأن القول الذي يضاف إلى من علمنا أنه غير المعصوم لا يعترض على القول الذي في جملة القائل به المعصوم وإن لم يتعين. فإن قلنا: لو سلم بوجوب العمل بالفتيا لم يجب العمل بأخبار الآحاد، لأن ذلك مما لا يثبت بالقياس.

(1) الهوى: كذا في هامش النسخة، ولا وجه له.
(2) الظاهر عدم لزوم هذه الجملة.
(3) ظ: أعلمه.

[ 39 ]

كان له أن يقول: ما أثبت ذلك قياسا، بل هو تفصيل لجملة وهو أولى بها وأليق، لأن المفتي ممن يجوز عليه الخطأ في مذهبه، ويجوز عليه الكذب على نفسه، وهو مخبر لمن يفته عن أمرين: أحدهما الحكم بأنه من شريعة الاسلام والثاني أنه مذهبه والقول الذي يختاره. يبين ذلك أنه لو صرح بنفي ما أفتي به عن شريعة الاسلام، لما كان للمستفتي أن يقبل فتياه ويعمل بها، ولو صرح بنفيه عن مذهبه وأنه مذهب أحد الأئمة والفقهاء، لكان للمستفتي أن يعمل بها، فالمعول عليه في لزوم القبول من المفتي به إلى (1) الله تعالى وإلى رسوله وما شرعاه في دين الاسلام. فإذا ثبت هذه الجملة وكان ما قدمناه من قبول قول المفتي، واشتماله على الخبر من أمرين يجوز عليه الكذب فيهما، والمخبر عن الرسول صلى الله عليه وآله منفرد بأخذ الخبرين، وسلم من الخبر الآخر والتهمة فيه. فأي شريعة وأي عقول قررت وجوب العمل بالخبر ممن يظن صدقه في خبرين ويجوز عليه الكذب فيهما والحظر للعمل بخبر من يظن صدقه في خبر واحد ويجوز عليه الكذب فيه. وله أن يقول: هذا سبيل سائر الطوائف في تدريسها وتعليمها الفقه وتعريضها الأحكام، لا توجد طائفة من طوائف الأمة تقتصر في تدريسها وتعليمها على ظواهر القرآن والمتواتر من الأخبار، وطرح الرواية الصادرة عن الآحاد. وإذا كان هذا هو المعلوم من حال علماء الأمة المشتهرين بالفضل في طوائفها والغالب على أمرهم الذي تشهد به المشاهدة وعرف بالمخالطة، أن جمهور تدريسهم وعامة فتاواهم المرجع فيها إلى الروايات. وإن من أنكر ذلك بلسانه إذا رجع على نفسه وخلا بسره، علم انطواه على خلافه. هذا مما يخلج في الصدر، فما الجواب عنه إن كان فاسدا؟ ففي كشفه أعظم الفوائد وأجل القرب.

(1) ظ: على الله تعالى وعلى رسوله ما شرعاه في دين الاسلام.

[ 40 ]

الكلام على ذلك: أن أورد مضمون هذا الفصل على سبيل الاستدلال والاحتجاج في أن الخبر الذي لا يوجب العلم يجوز من طريق العقول التعبد به، كان في موضعه. لأن من يحيل عقلا العبادة بالأخبار التي لا توجب لعلم لا يمكن دفع هذه الحجة عن نفسه، لأن سائر ما أشير إليه في الفصل من ابتياع الإماء والعقد على الحرائر والتوصل إلى استباحة الفروج أو حظرها، لا يمكن أن يدعي فيه العلم، وإنما طريق جميعه الظن. ومع ذلك فقد وقع العمل به على حد لو كان معلوما لم يزد عليه، وذلك مزيف لا محالة لمذهب من أحال ورود العبادة بالعمل بما ليس بمعلوم من الأخبار. وأن أورد مضمون هذا الفصل على سبيل الاحتجاج في وجوب العمل بالأخبار الواردة بتحريم أو تحليل عن النبي صلى الله عليه وآله وإن لم نعلم صدق رواتها، وهذا الوجه قصد بهذا الفصل دون الأول. فهو احتجاج في غير موضعه، لأنا نقول للمعول على ذلك: ليس يخلو من أن تقيس العمل بخبر الآحاد الواردة بالتحليل والتحريم على العمل في هذه المواضع التي عددتها وتجمع بينهما بعلة تحررها وتعينها، أو تظن أن أحد الأمرين داخل في صاحبه، وأنه تفصيل لجملته على ما أشرت إليه في أثناء الفصل. فإن أردت القسم الأول، وهو طريقة القياس، فذلك مثل غير صحيح، لأنه لا خلاف في أن العبادة بأخبار الآحاد وإثباتها لا يتطرق إليه بالقياس، ومعول من ذهب إلى ذلك على طرق لهم معروفة، يعتقدون أنها توجب العلم كالاجماع وما جرى مجراه. وأيضا فإن من وكل وكيلا في ابتياع أمة، أو عقد على حرة يرجع إلى قوله في تعينها إذا حملها إليه، سواء كان فاسقا أو عدلا مليا أو ذميا، وإذا أخبرته زوجته أو أمته بطهورها استباح وطئها إن كانت ذمية، إذا أخبرت بحيضها حرم

[ 41 ]

عليه غشيانها مع اختلاف ملتها. ولا خلاف في أنه لا يقبل خبر الفاسق عن النبي صلى الله عليه وآله، ولا خبر الذمي، فكيف يصح قياس قبول أخبار الشريعة على هذه المواضع مع ما بيناه. وإذا جاز لمخالفنا أن يفرق بين قبول الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وآله في التحليل والتحريم، وبين قبول خبر الوكيل الموكل في ابتياع أمة أو عقد على حرة، وبين قبول قول المرأة في طهرها وحيضها، وإن كان الكل غير معلوم، بل المرجع فيه إلى طريقة الظن. جاز لنا أن نفرق بين أخبار التحليل والتحريم، وبين سائر ما عدد. وكيف قياس هذه المواضع المشروعات مع اختلاف عللها وأسبابها على بعض، ونحن نعلم أن فيها ما لا يقبل فيه إلا شهادة الأربعة، وفيها ما يجزي فيه شهادة الشاهدين، وفيها ما يجزي فيه شهادة الواحد، وفيها ما لا يعتبر فيه عدالة الشاهد ولا إيمانه، وفيها ما لا بد من اعتبار العدالة والايمان. فمع هذا الاختلاف والتفاوت كيف يجوز قياس البعض على البعض. وإن أريد القسم الثاني، وهو دخول أحد الأمرين في صاحبه، فذلك أوضح فسادا وأشد تهافتا، لأن من المعلوم الذي لا يختل على عاقل أن العمل بأخبار الشريعة في تحليل أو تحريم الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله عبادة مفردة لا مدخل لها في سائر ما عدد في الفصل من ابتياع الإماء، والعقد على الحرائر والرجوع إلى أقوال النساء في الطهر والحيض، بل لا يدخل بعض هذه الأمور المذكورة في بعض. وكل شئ ذكر منها قائم بنفسه لا يشتمل عليه وعلى غيره جملة واحدة، وقد كان يجوز عندنا جميعا أن تخلف العبادة في جميع ما ذكرناه وعددناه، ويتعبد في بعضه بما لا يتعبد به في جميعه.

[ 42 ]

ولو قلنا لمن يدعي هذا المحال الصرف، أما كان يجوز عندك تقديرا وفرضا أن يتعبد الله تعالى في المواضع التي ذكرتها كلها بالعمل مع الظن، ويحظر علينا في الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله أن نعمل إلا على العلم واليقين. فإن قال: لا يجوز ذلك كابر ودافع، وقيل له: من أين قلت؟ وما الدليل على ما أدعيت؟ فإنه لا يجد مخرجا. وإن أجاب إلى التجويز قيل له: فقد بطل أن يكون ذلك تفصيل الجملة مع تجويزك اختلاف العبادة وتباينها. وأما ما تضمنه الفصل من ذكر استفتاء العامي للعالم، أو عمله على قوله وإن لم يكن قاطعا على صحته. فأول ما فيه أن كثيرا ممن نفي الاجتهاد والقياس ولم يعمل بخبر الآحاد في الشريعة لا يوجب تقليد العامي ولا العمل بقوله إلا بعد العلم بصحته ولا يلتفت إلى هذا التكثير والتعظيم والتفخيم الذي عول عليه في هذا الفصل. فكذلك هذه التهويلات تسمع من المثبتين للقياس في الشريعة، حتى أنهم يدعون الإجماع المتقدم والمتأخر، وعمل الصحابة والتابعين والعلماء في سائر الأمصار والأوقات. أفترى أن العمل أظهر من العمل بالاجتهاد والقياس، وليس كل شئ أكثر القائل به، واتسعت البلاد التي يعمل به فيها، وذهب إليه الرؤساء والعظماء ومن له القدرة والسلطان وإليه الأمر والنهي والحل والعقد، كان إجماعا يسقط الخلاف فيه. وليس لأحد أن يطعن على هذه الطريقة بأن يقول: إذا كان العامي لا يقلد العالم ولا يرجع إلى قوله، فأي فائدة في الاستفتاء الذي قد علمنا الارشاد إليه والفزع من كل أحد إلى استعماله. قلنا: الفائدة في ذلك بينة، لأن قول العالم منبه للعامي وموقظ له، أو مقر (1) بالنظر والتفتيش والبحث، وهل هذا إلا كمن يقول: إذا كان التقليد في الأصول لا يسوغ، فما الفائدة في المذاكرة والمباحثة والتنبيه والتحذير. فإن قيل: معلوم ضرورة أن العامي لا يستطيع أن يعرف الحق في الفروع

(1) ظ: مغر.

[ 43 ]

كله ومن كلفه ما لا يطيق. قلنا: لا خلاف بيننا في أن العامي، مكلف للعلم بالحق في أصول الدين، وهي أدق وأغمض وأوسع وأكثر شبها، وإذا جاز أن يطيق العامي معرفة الحق في أصول الدين وتميزه من الباطل، مع ما ذكرناه من غموضه وكثرة شبهه، فأولى أن يطيق ذلك فيما هو أقل غورا وأوضح طرقا. فإن قيل: ليس يجب على العامي في أصول الدين إلا العلم بالجمل التي يشرف بها الحق، فأما التدقيق وكشف الغامض فليس مما يجب عليه. قلنا: وما المانع من أن نقول ذلك في الفروع والشرائع؟ وأن معرفة الحق منها من الباطل، يكون طريقا مختصرا لا يخرج إلى التعميق والتدقيق، يكتفي به العامي كما اكتفى بمثله في الأصول. فإن قيل: فما قولكم في عامي لا يقدر على شئ من النظر والتمييز للحق من الباطل؟ أتوجبون عليه تقليد العالم أم لا توجبون ذلك؟ فالجواب عن هذا السؤال أن من لا يقدر على تمييز الحق من الباطل في فروع الدين لا يقدر على مثل ذلك في أصوله، ومن هذه صفته فهو عامي في الأصول والفروع، ولا يجب عليه شئ من النظر والبحث، وكما لا يجبان عليه فلا يجب عليه التقليد في الفروع، كما لا يجب عليه مثل ذلك في الأصول وهذا جار مجرى البهائم والأطفال الخارجين عن التكليف، فلا حرام عليهم ولا حلال لهم. ثم لو سلمنا أن العامي متعبد بتقليد العالم في الفتوى والعمل بقوله وإن جوز الخطأ عليه، كيف يكون في ذلك إثباتا لورود التعبد بالعمل في الشريعة على أخبار الآحاد، وكيف يحمل أحد الأمرين على الآخر؟ ثم نقسم تلك القسمة التي تقدم ذكرها، فنقول: إن كان مورد ذلك احتجاجا

[ 44 ]

على جواز العمل بما لا يعلم صحته. فهو لعمري حجة مقنعة ودلالة صحيحة، لأن من أحال العمل على أخبار الآحاد من حيث لم تكن معلومة وأجاز العمل بقول المفتي يكون مناقضا. وليس هذا هو الذي يتكلم عليه ويقصد إليه. وإن قيس قبول أخبار الشريعة الواردة بطريق الآحاد بالتحليل والتحريم على قبول قول المفتي، فقد تكلمنا على ذلك من قبل، وبينا أن القياس في مثله مطرح غير معتمد. وقلنا: أما كان يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بقبول قول المفتي؟ ويحظر علينا أن لا نقبل في الشريعة إلا ما نعلمه؟ فإن جوز ذلك سقط حمل أحد الأمرين على صاحبه. ليس (1) من باب القياس، وإنما هو تفصيل لجملة. فقد مضى الكلام عليه مستقصى، وتبينا فيما سلف ما يوضح أن مسألة تقليد العامي للعالم مفارقة مباينة لمسألة قبول خبر الراوي إذا كان واحدا عن الرسول صلى الله عليه وآله، وأن الأمرين لا يجمعهما جملة واحدة على وجه ولا سبب، وأنه يجوز أن يتعبد (2) به في الآخر. وقوله: إن المفتي مخبر عن أمرين يجوز عليه الخطأ في كل واحد منهما أحدهما أخباره في المذهب الذي أفتى به أنه من شريعة النبي صلى الله عليه وآله، والثاني أنه مذهبه واعتقاده. فأول ما في هذا أنه ليس بواجب في كل مفت ذكره (3)، بل في المفتين من يعلم اعتقاده ومذهبه ضرورة، ولا يجوز خلاف ذلك عليه. فعاد الأمر في من هذه حاله إلى أن الخطأ الجائز عليه في الموضعين على ما ظنه لما كان به

(1) ظ: سقوط جملة: فإن قيل (2) ظ: أن لا يتعبد.
(3) أي فتواه.

[ 45 ]

اعتبار على ما ذكرناه. فأما قوله: فأي شريعة وأي عقول قررت وجوب العمل بخبر من نظن صدقه في خبر واحد، ويجوز عليه الكذب فيه. فهذا أولا تصريح منه بأنه ليس ما نحن فيه تفصيلا لجملة ما ادعاه، وإنما عول على نفي الشرع أو العقل الموجب لأحد الأمرين والحاضر للآخر، وهذا خروج كما ترى عما وقع الشروع فيه من تبيين تفصيل الجملة. والكلام عليه أن يقال: الذي يفصل بين الأمرين أن الشريعة قد قررت العمل بقول المفتي وإن جوزنا عليه الخطأ في موضعين، ولم تقرر العمل بقول الراوي إذا لم نعلم صدقه. وإن كان خطاؤه إن كان مخطئا في موضع واحد، فيجب أن نتوقف عن العمل بقوله، لأن الشرع لم يأت به، ويكفينا في حظر قبول قوله انتفاء الشرع ولا نحتاج إلى ورود شرع بحظره. ثم يقال له: كيف قررت الشرائع العمل بقبول قول الاثنين فيما لا يجوز فيه إلا شهادة الأربعة؟ والخطأ هاهنا في موضع واحد، وهناك في موضعين، فأي شئ قلته في الفرق بين هذا الالزام قيل في إلزامك. فأما الكلام الذي ختم به الفصل الذي ابتداؤه: وهذه سبيل سائر الطوائف في تدريسها وتعليمها، وأنه لا يوجد طائفة من طوائف الأمة تقتصر في تدريسها وتعليمها على ظواهر القرآن والمتواتر من الأخبار، وتطرح الرواية الصادرة من الآحاد. فقد مضى الكلام عليه في الفصل الثاني الذي سبق كلامنا عليه مستقصى مستوفى، وبينا أن ذلك سوء ثناء على العلماء في تدينهم بمذاهبهم، وكشفنا ذلك وأوضحناه بما لا طائل في إعادته.

[ 46 ]

الفصل الخامس [ اعتماد المتكلمين على الخبر الواحد والجواب عنه ] من جملة المتكلمين من يذهب إلى أن في أخبار الآحاد ما يضطر السامع له إلى العلم بمخبره. وقد حكى الجاحظ ذلك عن النظام أنه يقول: إن المخبر الواحد إذا تكاملت فيه الشروط وفي سامعه، أضطره إلى العلم بما تضمنه خبره، وكان هو الفاعل للعلم في قلبه. ومما تحتمله القسمة (1)، ويصح أن يكون مذهبا، وليس في العقول ما يحيله أن يكون في مصالح العباد في دينهم ودنياهم، وما يقتضيه حسن تدبيرهم. أن يفعل الله تعالى العلم فيهم عند خبر الواحد، إذا كان مضطرا إلى ما أخبر به، أو لا يصرفه عن السكون إلى سماعه والاصغاء إليه، وسلم من مقارنة راويه لما يعارضه وممن يجحده ويكذب به. ومتى قال هذا لم يعترض قوله، ويفسده ما يذكره من يقول أن الله تعالى يفعل العلم بخبر المخبر، ونقطع على أنه لا يفعله عند خبر الأربعة، ويجوز

(1) ظ: النسبة

[ 47 ]

فعله عندما زاد عليها من الرجوع إلى الشهادة في الزنا، لأن أحد ما شرطه أن لا يكون الخبر واقعا موقع الشهادة، وكان السامع له خاليا من الاعتقاد لصنف ما أخبر به، أو لا يصرفه عن السكون إلى سماعه والاصغاء إليه، وسلم من مقارنة رواية (1) لما يعارضه ومن يجحده ويكذب به. [ ومتى قال هذا لم يعترض قوله ويفسده ما يذكره، من أن يقول: إن الله تعالى يفعل العلم بمخبر، ونقطع على أنه لا يفعله عند خبر الأربعة، ويجوز فعله عند ما زاد عليها من الرجوع إلى الشهادة في الزنا، لأن أحد ما شرطه أن لا يكون الخبر واقعا موقع الشهادة (2) وذلك مما يمتع أن تتعلق به المصلحة، ولا يختار الله تعالى فعل العلم معه. فأما الذي حكى عن النظام، إن كان الذي يحيله ويفيده (3) أن القادر من البشر لا يصح أن يفعل في غيره، إلا بسبب يتعدى حكمه إلى ذلك الغير، ولا سبب يتعدى حكمه إلى غير محله إلا الاعتماد، لاختصاصه بالمدافعة لما يماس محله. كان له الذب عن مذهب النظام أن يقول: لم زعمتم ذلك؟ وما أنكرتم أن يشارك الاعتماد في هذا الحكم وهو التعدي، ويكون الخبر من جملة ما يتعدى حكمه لكونه مدركا، فيتفق الخبر والاعتماد، بل كل مدرك في تعدي الحكم إلى غير محلها (4)، ويكون معنى تعدي الحكم في الاعتماد كونه مدافعا وفي الخبر كونه مسموعا، وإذا تعدى الحكم لم يمتنع أن يكون سببا للتوليد في غير محله.

(1) ظ: راويه.
(2) بين المعقوفتين كذا في النسخة وهو تكرار.
(3) ظ: ويفسده.
(4) ظ: محله.

[ 48 ]

وإن قلنا لو ولد الخبر لوجب أن يولد جنسه وكل جزء منه ومن فعل كل فاعل ولكل سامع. كان له أن يقول: ما يولد العلم يفارق سائر الأسباب حسب ما نقوله في النظر وتوليد العلم ومفارقته لسائر الأسباب. وإن قلنا: إن ذلك يؤدي إلى أن يفعل في الوقت الواحد بالسبب الواحد علوما لكل من سمع الخبر. كان له أن يقول: إلى ذلك أذهب، وليس هناك ما يحيله ويفسده إذا تغاير من يفعل العلم له. الكلام على ذلك: أما ما تضمنه ابتداء هذا الفصل، فهو مذهب النظام في قوله (إن خبر الواحد يوجب العلم على بعض الوجوه). وهذا مذهب ضعيف سخيف، قد بين في الكتب بطلانه وبعده عن الصواب. ودل على فساده بأشياء: منها: أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم، لوجب ذلك في كل خبر مثله، وكان أحق المخبرين بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان يجب استغناؤه عن المعجزات، وإن لم يعلم صدقه من غير دليل يقترن إليه. وكان يجب في الحاكم إذا لم يعلم صدق المدعي ضرورة أن يعلمه كاذبا، فلا يسمع ببينة. وأيضا فلو كان الخبر مولدا للعلم، لم يكن بعض حروفه بالتوليد أولى من بعض، فكان يجب إما أن يكون العلم متولدا عن كل حرف من حروف الخبر، وهذا يؤدي (1) إلى أن يقع العلم عند أي حرف وجد من حروفه، وقد علم بطلان ذلك.

(1) في الأصل: يروي.

[ 49 ]

وهكذا إن قيل: أن العلم يقع بالحرف الأخير، لأنا نعلم أن الحرف الأخير من الخبر لو انفرد لم يحصل عنده علم. وإن كان العلم المتولد عن سائر حروف الخبر على سبيل الانضمام، فهذا باطل. لأن الأسباب الكثيرة لا يجوز أن تولد سببا واحدا، كما لا يجوز أن يقع المعذور الواجد يقدر كثيرة (1). ومنها: أنه كان ينبغي أن لا يفتقر إلى المواضعة في العلم الواقع عند الخبر، لأن السبب يولد لأمر يرجع إليه، فأي حاجة به إلى تقدم المواضعة، وقد علمنا أنه لولا تقدمها لما أفاد الخبر، ولا حصل عنده علم. ومنها: أن الصوت لا جهة له، فكيف يولد في غير محله، وإنما ولد الاعتماد في غير محله، لأنه مختص بجهة، وإلا فسائر الأسباب لا تولد إلا في محلها. فأما ما مضى في أثناء هذا الفصل عند ذكر أن الاعتماد يختص بجهة، فجاز أن يولد في غير محله، والصوت ليس كذلك، من قوله ما أنكرتم أن يشارك الاعتماد غيره في هذا الحكم وهو التعدي، ويكون الخبر من جملة ما يتعدى حكمه، لكونه مدركا، فيتفق الخبر والاعتماد، بل كل مدرك في تعدي الحكم إلى غير محلها (2). ويكون معنى تعدي الحكم في الاعتماد كونه مدافعا في الخبر، وفي الخبر كونه مسموعا، فطريق ما كان ينبغي أن يحيل مثله. فيورد في جملة الشبهات: لأن الاعتماد إنما ولد في غير محله بسبب معروف، وهو الاختصاص بالجهة. وهذه الصفة لا تحصل له، لأن بها تميز في (3) سائر الأجناس، فكيف يجوز

(1) ظ: أن يقع المقدور الواحد بقدر كثيرة.
(2) ظ: محله.
(3) ظ: من

[ 50 ]

أن يكون الصوت مشاركا له في هذا الحكم، وهو مما لا جهة له كالاعتماد، اللهم إلا أن يدعى أن الصوت ذو جهة كالاعتماد، فبطلان ذلك معلوم ضرورة. ولو كان غير الاعتماد مشاركا له في الاختصاص بجهة لكان من جنسه، لأن المشاركة فيما متميز به الجنس مشاركة في الجنس. وأعجب من هذا القول بأن كل مدرك يشارك الاعتماد في تعدي الحكم إلى غير محله وهذا يوجب أن تكون الألوان والطعام والأرائيح والجواهر بهذه الصفة. ومن العجب القول بأن معنى تعدي الحكم في الاعتماد كونه مدافعا، وفي الخبر كونه مسموعا، وأين كونه مسموعا من كونه مدافعا، وإنما ولد في غيره لاختصاصه بالمدافعة في الجهة، وهذا لا يوجد في مسموع ولا جري (1) ولا جنس غير الاعتماد. وبعد فلا صفة له بكونه مسموعا. فضلا من أن يولد في الغير لأجلها. [ خبر الواحد لا يوجب سكونا واطمئنانا ] ومما يدل على أن خبر. الواحد لا يوجب العلم الضروري على ما يحكى عن النظام أنا (كذا) عدالته (2) لأحوالنا والرجوع الى أنفسنا لا نجد سكونا عند خبر الواحد على الشرائط التي شرطها النظام على حد سكوننا إلى ما نشاهده وندركه، ولا حد سكوننا إلى ما نعلمه من أخبار البلدان والأمصار والوقائع الكبار. فإن السكون الذي نجده عند خروج الرجل باكيا مخرق الثياب متسليا، يخبر بموت بعض أهله لا ينفك من تجويز أن لا يكون الأمر بخلاف ما ذكره، وأن له في ذلك غرضا وإن بعد. وإنما لأجل استبعاد الأغراض في مثل هذا الخبر

(كذا في النسخة (2) ظ: عند التوجه.

[ 51 ]

ما يخيل لنا أنا ساكنون عالمون. والسكون إلى المشاهدات وإلى أخبار البلدان بخلاف هذا، لأنه لا يصحبه ولا يقترن إليه شئ من التجويز لخلافه. فعلمنا أن ما يحصل عند خبر الواحد، هو ظن قوي فيوهم علما. وأن الذي يحصل عند الدركات وغيرها مما ذكرناه هو العلم الحقيقي. ولهذا ربما انكشف كل شئ، رأيناه وسمعناه في الموضع الذي يذهب النظام إلى أنه علم من خلافه. فظهر أن الأمر بخلاف ما أشيع وأعلن، وأن تلك الاشاعة كان لها سبب من اجتلاب منفعة، أو دفع مضرة. وهذا لا نجده بحيث يحصل العلم واليقين على وجه ولا سبب. فأما ما مضى في خلال هذا الفصل، من أنه غير ممتنع أن يعلم الله تعالى من مصلحة العباد أن يفعل العلم عند خبر الواحد إذا كان مضطرا إلى ما أخبر به ويخرج خبره مخرج الشهادة، وكان من الشرط كذا وكذا. فلعمري أن هذا غير ممتنع ولا محال، وإنما أحرز (1) القائل بهذه الاشتراطات عن مواضع معروفة ألزمت من ذهب إلى هذا المذهب. لكنا قد علمنا أن ذلك وإن كان جائزا في العقل، فإنه لم يكن بما تقدم من الأدلة، وهو أننا نجد نفوسنا عند الخبر الذي هذه صفته وقد تكاملت الشرائط كلها له، لا تنفك من تجويز - وإن كان مستبعدا - لا يكون (2) الأمر بخلاف ما تضمنه الخبر، فلو كان العلم حاصلا لارتفع هذا التجويز، ولم نر له عينا ولا أثرا، كما قلنا في المشاهدات وغيره.

(1) ظ: احترز.
(2) ظ: ألا يكون.

[ 52 ]

فأما ما تضمنه آخر هذا الفصل من الجواب عن قول القائل: لو ولد الخبر العلم يوجب أن يولد جنسه وكل حرف منه، بأن قيل: إنما يولد العلم يفارق سائر الأسباب حسب ما نقوله في النظر والتوليد للعلم. فالكلام على ذلك أن الأسباب لا تختلف في أن توليدها يرجع إلى الأجزاء والأجناس، وإنما فارق سبب العلم سائر الأسباب في الشروط، والشروط قد تختلف وقد تتفق بحسب قيام الدليل، وليس يجوز أن يختلف الأسباب في رجوع التوليد إلى أجناسها وإلى كل جزء منها. والذي ختم به هذا الفصل من ارتكاب توليد السبب الواحد مسببات كثيرة. لما وقفت ذلك على حد، لأنه إذا تعدى الواحد فلا تقتضي للحصر، وهذا يؤدي إلى توليده ما لا نهاية له. ألا ترى أن القدرة لما تعلقت في المحال والأوقات، ومن الأجناس بأكثر من جزء واحد، لم ينحصر متعلقها من هذه الوجوه، واستقصاء جميع ما يتعلق بهذا الكلام يطول، وفيما أوردناه كفاية.

[ 53 ]

الفصل السادس [ حصول العلم وتولده من خبر الواحد والجواب عنه ] وله أن يقول: قد علمنا أنه لا يجوز أن يتساوى نفسان في كمال العقل، ونفي السهو والاعتراض عما يسمعانه، ثم يكون (1) سماعهما للمخبر عن أحد جاء من بغداد على حد واحد، فيحصل العلم لأحدهما ولا يحصل للآخر. كما لا يجوز أن يشتركا في صحة الحاسة وارتفاع الموانع وحصول المدرك ويتساوى حالهما في جميع ذلك، فيدرك أحدهما ما يختص به ولا يدركه الآخر. وإذا لم يثبت تساوي الأمرين في العقول، وكان المقدم على دفع أحدهما كالمقدم على دفع الآخر، واستقل كون الحق مدركا بما ذكرناه من غير توقف لأمر زائد من موجب أو متخير. وكأن القائل أن وجود العلم موقوف على فاعل متخير، مع ما ذكرناه إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله. كالقائل أن حصول الحي مدركا موقوف على معنى إن وجد كان مدركا، وإن لم يوجد لم يكن مدركا، وجود ذلك موقوف فاعل متخير (2).

(1) ظ: ثم لا يكون.
(2) كذا في النسخة.

[ 54 ]

فأما من سوى بين الأمرين، كأبي علي الجبائي وغيره وأوقف حصول الحق مدركا على معنى، فإنه لا يجدي فرقا بينه وبين من قال في الجسم الثقيل إذا لم يكن تحته ما يقله (1) ولا فوقه ما يمسكه كونه (2) متحركا سفلا ووجود الحركة فيه، ونظائر هذا الالزام مما يؤدي إلى الجهالات كثيرة. وإذا ثبت غناء العلم عن أمر زائد، فالموجب له ما تجدد بحسبه، وكان تابعا لتجدده وهو الخبر، وإذا لم يجز في العلم الذي هو فعل واحد أن يحدث عن أكثر من فاعل واحد، وجب القطع على أن (3) من فعل مخبر واحد. ولأن العلم لو لم يتولد عن خبر الواحد واحتاج إلى أخبار زائدة عليه، لكان كل خبر يفرض قبل حصول العلم، فلا بد من أحد أمرين، أما الانتهاء إلى خبر عصد (4) عقيبه العلم وينتفي الشك وهو المطلوب، أو اتصال الشك وتعذر العلم وقد علمنا وجوب حصوله حسب. الكلام على ذلك: أنه لا يجوز أن يتساوى جنسان (5) في صحة الخاصة (6) وارتفاع الموانع، وحصول المدرك، وتكامل جميع الشرائط، فلا يتساويان في كونهما مدركين على ما ذكرت. غير أنه يجوز أن يتساوى جنسان في نفي السهو والاعراض عما يدركانه من سماع الخبر عن أحد جاء من بغداد، فيعلم أحدهما ولا يعلم الآخر. فإن قلت: قد أخللتم بشرط، وهو المتساوي في كمال العقل.

(1) ظ: ما يقره.
(2) ظ: كان.
(3) ظ: أنه.
(4) ظ: حصل.
(5) في هامش النسخة ظ: نفسان.
(6) ظ: الحاسة.

[ 55 ]

قلنا لك: هذه مغالطة، لأنا إذا اشترطنا كمال العقل فقد دخل في جملة العلم بالمدركات ومخبر (1)، فكيف يجوز أن يشرط تساويهما في العلم بمخبر الأخبار، ثم يجوز انفراد أحدهما بذلك، وليس يمكن أن يدعى أنا شرطنا في ذلك كون الحي مدركا. ولهذا فصل أصحابنا بين كون الحي مدركا وكونه عالما، فقالوا: قد يكون عالما غير مدرك ومدركا غير عالم، كالبهيمة والمجنون والطفل. فإذا قيل لهم: متى كان كامل العقل وأدرك شيئا غير ملتبس، فلا بد من أن يكون عالما بما فعل، فقد وجب هاهنا عالما مقترنا بكونه مدركا. قالوا: اشتراط كمال العقل اشتراط لكونه ممن يجب أن يعلم ما أدركه، والشئ لا يكون شرطا في نفسه. على أنا لو تجاوزنا عن هذا الموضع، لكان بين الادراك والعلم - وإن تساويا هاهنا في الوجوب والحصول - فرق واضح. وهو أن العلم قد ثبت أنه معنى من المعاني، بدلالة كون الحي في أكثر المواضع عالما، مع جواز أن لا يكون عالما، والشروط كلها واحدة. وإذا ثبت أن العلم معنى من المعاني، وأن كون العالم عالما يجب عنه، ثبت ذلك في كل موضع، وفارق كون العالم عالما لكونه مدركا، لأنه لم يثبت في موضع من المواضع أن الادراك معنى. ولا أن الحي يجب حصوله على هذه الحال لعلة من العلل. لأن كل موضع يشار إليه، فالحال فيه متساوية في وجوب كونه مدركا عند تكامل الشرائط، واستحالة كونه كذلك عند اختلالهما (2)، فانفصل الأمران أحدهما من صاحبه.

(1) ظ: ومخبر الأخبار.
(2) ظ: اختلافهما.

[ 56 ]

فأما ما انتهى الفصل إليه من قوله: وإذا ثبت غناء العلم عن أمر زائد، فالموجب له ما تجدد بحسبه فقد بينا أن كون العالم عالما غير مستغن عن أمر زائد يوجب كونه على هذه الصفة، فلا معنى للبناء على ذلك. وقوله (إذا كان العلم واحدا وجب أن يكون متولدا عن خبر وإفضاؤه بذلك إلى الخبر الذي يحصل عنده) باطل، لأنا نعلم أن كل خبر يشار إليه من أخبار الناقلين للبلدان والأمصار لو انفرد عما تقدم وتأخر عنه، لما حصل عنده علم ولا زال به شك. فلو كان موجبا للعلم إيجاب العلل لا وجب ذلك، متقدما كان أو متأخرا، مقترنا بغيره أو منفردا. وهذا أحد ما استدل به الشيوخ على أن الأخبار لا توجب العلم، قالوا: لأن الخبر الواحد، أو الأخبار الكثيرة لو أوجبت العلم وهو جزء واحد، لوجب أن يكون المتسبب الواحد حاصلا عن أسباب كثيرة، وهذا يجري في الفساد مجرى حصول المقدور الواحد عن قدر كثيرة. فإذا قيل لهم: يجب عن سبب واحد وعن حرف واحد من حرف الخبر. قالوا: لو كان كذلك لوجب متى انفرد هذا الحرف من باقي الحرف أن يجب عنه العلم، وقد علمنا خلاف ذلك. وهب أنه أمكن القول بإيجاب الخبر للعلم من حيث تجدد عند إدراكه وإن كنا قد بينا بطلانه، كيف يمكن أن يقال: فما حصل لنا العلم به من الجواهر المدركة، وقد علمنا وجوب حصول ذلك عند تكامل الشروط، كوجوب حصول العلم بمخبر الأخبار. وليس هاهنا ما يمكن أن يسندا يجاب العلم إليه، إلا الجوهر فإن الادراك ليس بمعنى، ولا شبهة في أن الجوهر ليس بعلة في إيجاب حال من الأحوال.

[ 57 ]

الفصل السابع [ اعتماد العقلاء على الخبر الواحد والجواب عنه ] إن قيل: قد علمنا إقدام العقلاء على التصرف عند أخبار الآحاد بحسبها فيما يتعلق بالدين والدنيا، كما يقدمون على التصرف عند الادراك وخبر العدد الكثير، ولا يوجد منهم من يقر (1) تصرفه على ما يشاهده ويتواتر الخبر به ولا يتجاوزه، بل يتبعون أخبار الآحاد من الأفعال والأحكام، مثل ما يتبعون المشاهدة وأخبار العدد الكثير، وقد تقدم السؤال فيما يتعلق بالدين وأمثلته. فأما ما يتعلق بالدنيا فأكثر من أن يحصى، لتعلقها بضروب المنافع ودفع المضار المشتملة على الأكل والشرب والنكاح والخلط، والتصرف في الأموال والنفوس والدول والممالك، لا يفرق الملوك والرؤساء وجميع العقلاء والعلماء بين ما يرويه القواد وما تضمنه الكتب وتأتي به الرسل، وبين ما يشاهده ولم يتواتر (2) عليها الخبر به من تجهيز الجيوش، والتولية والغزاء للأمراء والعمال والغزات والحكام وإظهار المسار، وإمساك المصائب، وتجديد البيعة، وأخذ العهود، ودفع الأموال، ونقل الحرم والذخائر من بلد إلى بلد.

(1) ظ: من يقصر.
(2) ظ: وبتواتر.

[ 58 ]

ثم لا يوجد من الفضلاء من أنفذ أحد ثقاته إلى وكيل في ناحية يستدعي منه حمل غلة، أو يأمره بابتياع ضيعة، فيوقف (1) الوكيل عن سماع قول من أنفذه، وكف عن إنفاذ ما رسمه، حتى يشافهه بذلك، أو تواتر عليه من يكون خبره طريقا للعلم على ما يذهب إليه من قال بالتواتر، فعذره صاحبه وحمده على أن لم يغرر بماله، هذا ما يرجع إلى الوكيل. فإن قرر بإنفاذ الغلة وابتياع الضيعة وعاد الذي أنفذه بذلك، فتوقف عن تسليم الغلة وتصحيح ثمن الضيعة، وقال: لا أقدم على شئ من ذلك إلا أن أشاهده، أو يتواتر علي الخبر به، عد ناقصا. لأنه متى فعل ذلك فاعل وسلكه سالك، خرج عن عادات العقلاء، ودخل فيما ينسب لأجله إلى قلة المعرفة، أو حدوث مرض، وهكذا من أشعره سلطانه أو بعض إخوانه لا حاجة إلى الاجتماع معه لأمر يهمه، ثم أنفذ إليه بأحد من يعلم اختصاصه به وسكونه إليه، فأخبره بخلوه وباستدعائه، فتوقف عن إجابته، وطلب ما يقطع عذره من مشاهدة أو تواتر. ونظائر ذلك كثيرة لا يأتي عليها تعداد. فإن كان جميع التصرف التابع لأخبار الآحاد تابعا لظن أو حسبان، لا لعلم ويقين لتمام الحيلة في بعضها، وإن خاف الكذب في بعض آخر منها، فما الفرق بين من قال ذلك، وبين من قال مثله في التصرف التابع للادراك، ولخبر العدد الكثير لتمام الحيلة وانكشاف الكذب في بعضها. أما تمام الحيلة في المدركات من الوكلاء والمودعين والخزان والموثقين في الملابس والأواني والآلات والجواهر والمآكل والمشارب والحيوان وسائر

ظ: فتوقف.

[ 59 ]

ما يتموله الناس، إما لهلاكها، أو فسادها، أو الطمع في فضل قيمتها، فأكثر من أن تحصى. ثم لا يشعر من تمت فعليه (1) الحيلة في البذل المدة الطويلة مع التصرف فيها والمشاهدة لها، وربما استمر ذلك ولم يعلم به، ولعله الغالب حتى ينبهه منبه، أو يشي إليه واش، فربما صدقه وربما كذبه واستمر استعماله لما عزم له، أو أبذل عليه. وقد يتم الغلط على النقاد وغيرهم ممن يفاني الأمور المفتقرة إلى الادراك، ولا يعذر (2) ذلك إلى جميع المدركات بالفساد واللبس، حتى لا يوثق بشئ منه ولا يحكم بحصول العلم عنها. وهذه سبيل الخبر الوارد عن الخلق العظيم والعدد الكثير، لا يعلم خلقا (3) أعظم ولا عددا أكثر ولا معاداة آكد، تكامل واجتمع في خبر كاجتماعه في اليهود والنصارى، والملك الذي وقع منه القتل والصلب وأتباعه ورعاياه، كلهم يخبر عما يصح أن يكون الخبر طريقا إلى العلم، وهو إيقاع القتل والصلب بعيسى بن مريم عليهما السلام، لأنه مما يشاهد ويضطر إليه. ولم يجب لمكان ذلك وعلمنا بكذبهم، أن يعود على كل خبر خبر الخلق العظيم والعدد الكثير بالتوقف، حتى لا نثق بشئ منها، ولا نحكم على الكل بحكم البعض، فكذلك أخبار الآحاد. اللهم إلا أن يكون هناك ما يختص به المشاهدة وأخبار العدد الكثير، ويكون معلوما لا يمكن ادعاء مثله في أخبار الآحاد فيما (4) هو. الكلام على ذلك: أما ما تضمنه هذا الفصل من ذكر العمل على أخبار

(1) كذا في النسخة ولعل: عليه.
(2) ظ: يعدو.
(3) ظ: خلق، وكذا عدد.
(4) ظ: فما هو؟

[ 60 ]

الآحاد في العقليات والشرعيات، فقد بينا عند الكلام في الفصل الرابع من هذه المسائل، عند ذكره للعمل على خبر الوكيل في العقد والابتياع، وعلى خبر الزوجة في الطهر والحيض وما أشبه ذلك. أن هذا الجنس من الكلام إنما يصلح أن يعتمد على من أحال العمل على أخبار الآحاد، وعلى ما لا يوجب العلم من الأخبار، فأما من جوز ذلك فيقطع عليه من الموضع الذي دل الدليل عليه فيه ومنع منه، بحيث لم يدل الدليل عليه، فلا يكون هذا الكلام حجابا له وقدحا في مذهبه. وبينا أيضا أنه لا يمكن أن يحمل وجوب العمل على أخبار الآحاد في الشريعة، بحيث وقع الاختلاف على هذه المواضع بالقياس، ويجمع بين الأمرين بعلة تحرز وتعين. وبينا أيضا أنه لا يمكن دخول موضع الخلاف في تلك الجملة، على أنه تفصيل لها. ولا معنى لإعادة ما مضى. وأجود ما يمكن أن يقال في هذا الموضع وأقوى شبهة: أنه إذا وجب في العقل العمل على خبر من أنذرنا بسبع في طريق، أو لصوص، أو ما جرى مجرى ذلك من المضار الدنيوية، ووجب التحرز من هذه المضار وتجنبها بقول من لا يؤمن كذبه، حتى يكون مذموما من اطرح العمل بها مع خوف المضرة، وإلا (1) لأوجب أيضا العمل على قول من خبرنا عن الرسول، لأنا لا نأمن في إهمال العمل به المضرة. والأوجب (2) على سبيل التحرز من المضار العمل على هذه الأخبار على الوجه الذي هو أوكد مما تقدم ذكره. لأن مضار الدنيا منقطعة ومضار الآخرة

(1) الظاهر زيادة (وإلا).
(2) ظ: ولا وجب.

[ 61 ]

دائمة، والتحرز من الضرر الدائم أقوى وأوجب من التحرز من الضرر المنقطع. والجواب عن هذه الشبهة وإن كانت لم تمض في جملة المسائل: أنا نأمن فيما خبرنا به الواحد الذي لا نعلم صدقه، ولا دل دليل قاطع يوجب العلم عن (1) العمل عند خبره، أن يكون فيما أخبرنا به علينا ضرر ديني، لأنه لو كان كذلك لوجب في كلمة (2) الله تعالى أن يعلمنا ويدلنا على هذا الفعل الذي يستحق به العقاب، لأنه مما لا يمكن العمل به عقلا ولا يعلم كذلك إلا سمعا. ولا طريق إلى ذلك إلا بخبر يوجب العلم والقطع على صدق رواية (3) أو خبر، وإن كان يوجب الظن رواية (4)، فقد نصب دليل يوجب العلم على لزوم العمل به فلما فقدنا هذين الطريقين علمنا فيما خبرنا به الواحد الذي تقدمت صفة. وهذا الذي ذكرناه مما لا بد منه عندنا وعند خصومنا المحصلين في هذه المسألة، لأنهم يوافقونا على أن العمل لا بد من أن يكون تابعا للعلم، فتارة يكون تابعا للعلم بصدق الراوي، وأخرى يكون تابعا بوجوب العمل على قوله، ويعترفون بأن العمل إذا خلا عن علم على أحد الوجهين اللذين ذكرهما لم يصح، لأنه لا يأمن المقدم عليه أن يكون قبيحا، وإنما يأمن بالعلم دون الظن. على أن من تعلق بهذه الطريقة في وجوب العمل على أخبار الشريعة لا يمكنه أن يستدل بما ذكرناه على وجوب قبول جميع أخبار الشريعة، لأن فيها ما لا مضرة في ترك العمل، كالإباحة المتضمنة للإباحة الخارجة عن الخطر والايجاب.

(1) ظ: على.
(2) ظ: حكمة.
(3) ظ: راويه.
(4) الظاهر زيادة (راوية).

[ 62 ]

ثم نعود على ما انتهى صاحب المسائل إليه كلاما، فإنه قد صرح بفرضه في ذكر ما يعمل عليه من أخبار الآحاد في الدين أو الدنيا، لأنه قال بعد أن عدد ما يعمل فيه على أخبار الآحاد فإن كان جميع التصرف التابع لأخبار الآحاد تابعا لظن وحسبان لا لعلم ويقين، لتمام الحيلة في بعضها وانكشاف الكذب في بعض آخر منها. فما الفرق بين من قال مثله في التصرف التابع للادراك، وللخبر (1) العدد الكثير لتمام الحيلة وانكشاف المين والكذب في بعضها، وذكر ما يبذله الخزان من الآلات والثياب، ثم ذكر خبر اليهود والنصارى عن قتل المسيح عليه السلام وصلبه. وهذا كما تراه تصريح منه بأن العمل في جميع ما عددوه عمل بعلم ويقين، وأن تلك الأخبار التي وقع العمل عندها أوجبت العلم لا الظن، ولهذا ألحقها بالعمل عند طرق الادراك. واعتذر فيها بما يعتذر للادراك، وأن انكشاف كذب بعض الادراك لا يوجب الشك في جميعه. والكلام على هذا: إن ما نعلم أن العمل في المواضع التي ذكرها بأخبار الآحاد فيما يتعلق بدين أو بدنيا واقع مع الظن بصدق المخبر، لا مع العلم بصدقه والقطع عليه بأمر واضح جلي نعلمه من أنفسنا ضرورة، ولا نحتاج فيه إلى انكشاف الحيلة فيما أخبرنا به، وأن ذلك مما يعتمد أيضا، سنبينه فيما بعد بعون الله ومشيته. وهو أن أحدنا يعلم من نفسه ضرورة، إذا أخبره وكيله بعقده له على حرة، أو ابتياع أمة، وكذلك إذا أخبرته زوجته بحيضها أو طهرها، أو جاءه رسول بكتاب

(1) ظ: ولخبر.

[ 63 ]

صديقه أو أميره، أنه مجوز أن يكون الأمر فيما خبر به بخلاف الخبر، وإن كان ظنه إلى الصدق أميل ومن جهته أقرب. ويفرق بين ذلك وبين ما يعلمه قاطعا عليه واثقا به، فرقا ضروريا لا يشتبه على عاقل، حتى لو قال له قائل: أنت موفق (1) قاطع على هذا الخبر الذي عملت عليه، وتجريه مجرى الأخبار المتواترة، توجب (2) العلم عن البلدان والأمصار والحوادث الكبار بقابل (3)، بل فيه (4) ما أنا قاطع ولا موقف، بل مجوز للصدق والكذب، وإن كنت بالظن إلى جهة الصدق أقرب، وما يعلمه العقلاء من نفوسهم ضرورة، فلا ينبغي أن يقع فيه مناظرة. فمن ادعى تساوي حال من ذكرناه لحال من يعلم شيئا عند الادراك وزوال كل شبهة فيه ولبس، أو يعلم بالأخبار المتواترة. فقد كابرنا بإتمام الحيلة التي ينكشف الأمر عنها. فهو أيضا وجه يعتمد في هذا الموضع، وإن كان ما ذكرناه أوضح وأولى. وتقريب هذا الكلام: أنه لا موضع من هذه المواضع التي عملنا فيها على أخبار الآحاد إلا ونحن نجوز أن ينكشف عاقبة الأمر عن كذب المخبر، ولا نأمن من ذلك البتة كما نأمنه مع العلم اليقين، وليس ذلك العلم التابع للادراك أو الحاصل عند التواتر، لأنا لا نجوز ألبتة فيما علمناه عند الادراك، ولا لبس ولا شبهة أن ينكشف عن خلاف وكلاء (5) في الأخبار المتواترة. فأما ما عدده من تمام الحيل وانكشاف الكذب فيما يتعلق بالإدراك، فمما

(1) ظ: موقف.
(2) ظ: التي توجب.
(3) ظ: لقال. (4) الظاهر زيادة (فيه).
(5) ظ: وكذا.

[ 64 ]

لا يطعن على ما ذكرناه، لأن كل موضع يشار إليه من ذلك، لم يخلص من شبهة أو سبب التباس، أو فرق بين جملة وتفصيل، ولا يخرج الادراك مع كل ذلك من أن يكون طريقا إلى العلم اليقين عند ارتفاع كل شبهة ولبس. ألا ترى أن الخزان وأصحاب الودائع إنما يتم لهم إبدال شئ بغير لا من الملابس (1) والآلات لأسباب معروفة: منها: إن الادراك في كثير من هذه المواضع إنما يحصل عند العلم بالجملة دون التفصيل، وليس يجب في كل عالم بالجملة أن يكون عالما بتفصيلها. ومنها: أن كثيرا من العلوم الضرورية قد ينسى مع تطاول الدهر، فلا يمتنع أن يخفى على صاحب الثوب مع طول العهد إبداله ثوبه، لأن تفاصيل صفات ثوبه قد أنساها مع تراخي المدة. ومنها: أن الشئ قد تخفى صفاته على تفصيلها إذا أدرك من أدنى بعد، أو قلة تأمل صاحبه له وتصفحه لأحواله وصفاته، ولهذا نجد كثيرا ممن يبذل (2) عليه ثوب بغيره يخفى عليه إذا عرضه عليه خازنه من بعيد وقربه منه عرفه، وكذلك يلتبس عليه إذا لم يتصفحه ولم تحمله الاسترابة على التفقد والتأمل، فمتى استراب وتأمل لم يخف عليه، ومن هذا الذي يستحسن أن ينفي الثقة عن علوم الادراك كلها، لأجل ما لعله يتم في بعضها وأحد الأمرين متميز من صاحبه. فأما استشهاده على أن الخلق العظيم قد يجوز أن يخبروا بما ينكشف عن كذب، وتخبر اليهود والنصارى عن قتل المسيح (عليه السلام) وصلبه، فمما لا يشتبه حتى يحتج به في هذا الموضع. وقد تبين في الكتب ما يزيل هذه الشبهة الضعيفة، وجملته.

(1) ظ: بغيره من الملابس.
(2) ظ: يبدل.

[ 65 ]

أنه أولا غير مسلم أن شروط الخبر المتواتر حاصلة في اليهود والنصارى لأن من شرطه إذا لم يخبرنا من سمعنا الخبر من جهته عن مشاهدة. وإنما خبرونا عن قوم مع طول العهد وتراخي الزمان، أن تعلم (1) أن صفات من خبرت عنه الجماعة التي لفيناها مساوية لصفات من لقيناه وتلقينا الخبر عنه. وهذا لا طريق إليه أبدا وخبر (2) اليهود والنصارى، لأنه غير منكر أن يكونوا انقرضوا في بعض الأزمان الخالية، أو خبروا في الأصل عن عدد قليل. ولا يمكن أن يبطل شذوذ أسلافهم وحدوث خبرهم، بما يبطل به مثل ذلك في نقل المسلمين، قد تبينوا المفترض اليهود في بعض الأوقات. وأن النصارى يعتروا (3) كل شئ يرونه إلى التلاميذ الذين هم قلة في الأصل، على أن تواترها ولاي (كذا) (4) إذا سلم من كل قدح، فإنما يقتضي أن هناك مقتولا مصلوبا وقد كان ذلك. وإنما الشبهة في أنه المسيح (عليه السلام) لم يكن مخالطا للقوم وملاقيا لهم. ولهذا رووا أنهم رجعوا عند قتله في تعيينه إلى أحدهم، فأشير (5) لهم إلى غيره حتى قتلوه. وقيل أيضا: إن المقتول تتغير حاله وتستحيل أوصافه، فلا ينكر أن يشتبه مع القتل المشخص بغيره.

(1) ظ: أن نعلم.
(2) ظ: في خبر. (3) ظ: يعزوا.
(4) كذا في النسخة، ولعل الصحيح: هؤلاء.
(5) ظ: فشبه لهم.

[ 66 ]

وقيل أيضا: إن المصلوب لأجل بعده عن العيون وتعذر التفقد والتأمل فيه، لا يمتنع أن يشتبه لسواه. وهذا واضح وغير موجب أن يتعدى الشك فيه إلى المواضع الخالية من أسبابه.

[ 67 ]

الفصل الثامن [ اعتماد أهل اللغة على الخبر الواحد والجواب عنه ] ما الذي يجيب به من سئل عما في الكتب المعمولة في اللغة من الألفاظ والأسماء التي لا يعرفها العامة وكثير من الخاصة؟ لغرابتها وقلة سماعها، والمتداول لاستعمالها والاستشهاد بها في تفسير غريب الحديث، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالدين. وهل إضافتها إلى لغة العرب معلوم أو مظنون؟ فإن كان معلوما مع أن الذي تضمنه الكتب من ذكر رواتها آحاد، كالأصمعي وأبي زيد ومن يجري مجراه. وهذه سبيل ما يذكر فيه مما يستشهد به عليها من أبيات الشعر في أنه مأخوذ عن آحاد وليس فيه تواتر. وما الفرق بينه وبين ما تضمنه الكتب المعمولة في الفقه من الأحكام وإضافتها إلى الأئمة (عليهم السلام)، ومن يشتمل على ذكره من الرواة أضعاف من يشتمل عليه كتب اللغة. وهذه المحنة بيننا وبين من أبي ذلك ورده ودفعه، فإن الجميع موجود وظاهر من يشتمل على ذكره كتب الفقه، في العدالة والنزاهة والتدين والتنسك

[ 68 ]

والتحفظ من الكذب، ومما يتهم، أشرف وأمثل من غيرهم، مع مدح الأئمة لهم وحسن الثناء عليهم، وذلك غير موجود (1) من سواهم. ومتى ادعي التواتر وحصول العلم بأحد الأمرين، أمكن مثله في الآخر وعلم ما في الفروع (2) إلى هذه الدعوى، وأنها لا تحصل إلا مع تعذر الفرق وامتناعه. وإن كان مظنونا فكيف استجازت علماء الأمة بأسرها الإقدام على ما لا يؤمن كونه كذبا، والاستشهاد به في تفاسيرها وأحكامها، والمشكل من روايتها والمتشابه من ظواهرها، وذلك إن لم يكن معلوما وكان مظنونا لم يعرف لم يقع موقعه. هذا بعيد في صفتها ومستنكر في نفسها. وإن كان بينهما فرق معلوم في كتب اللغة ونفيه عن كتب الفقه، فما ذلك الفرق الذي يوجب العلم بأحدهما وفقده عن الآخر. فإن قلنا: اعتماد الأمة عليها في تفاسيرها وأحكامها يدل على علمهم بها، وليس ذلك موجودا في كتب الفقه التي ذكرتموها. كان له أن يقول: عمل الأمة بها بما (3) لا يجوز أن يصدر إلا عن حجة يعرفها آحادها وجملتها، لأن اللغة غير مأخوذة بالقياس والرأي، ولا بد فيها من نقل واستعمال، وإذا لم يكن معها إذا استقرئ (4) حالها إلى (5) الرجوع إلى ما ذكرناه من الفزع إلى كتب اللغة التي وصفنا حالها.

(1) ظ: فيمن.
(2) ظ: الفزع.
(3) مما.
(4) في هامش النسخة: استفزي. (5) ظ: إلا.

[ 69 ]

فقد صار عمل الأمة وإجماعها ثابتا في الرجوع إلى أخبار الآحاد والفزع إليها فيما يوجب العلم والعمل. وإذا كان ما يشتمل عليه كتب الفقه من الرواة أزيد حالا في العدد والنزاهة مما يشتمل عليه كتب اللغة، كان حكمها في باب العلم والعمل آكد. وإن أقمنا على القول بأن الجميع مظنون غير معلوم مع ما تقدم. كان له أن يقول: ما حكموا بمثل ذلك في سائر ما تضمنه الكتب من أنساب وأشعار ودواوين، وتفصيل قصائدها وأبياتها وألفاظها، ومن مذاهب وآراء في أصول الديانات وفروعها: ولا يحسن منا الخبر عنها. فلا يطلق في بيت من الشعر أن قائلا (1)، وفي مذهب من المذاهب أن ذاهبا ذهب إليه بلا تعلق ذلك بشرط، كما نفعل فيما لا تفعله (2)، فنقول: روي عن فلان كذا، وحكي أن فلانا قائل بكذا، حتى يجيب ذلك في كل تفصيل. وما الفرق بين من أقدم على هذا القول وبين من أقدم على مثله في جمل الأمور التي فصلناها وقال كثيرة ذكرها وجريانها على ألسن الناس، وحفظهم لها عن ناقليها، بل عمن حفظها. والأصل في نقل الجملة والتفصيل واحد، فإن كانت الجملة معلومة فالتفصيل معلوم، وإن كانت مظنونة فالتفصيل تابع لها، لأنه لم يفارقها، ولا داعي إلى نقل الجملة دون تفصيلها. الكلام على ذلك: أما اللغة العربية ففيها ما هو معلوم مقطوع على أنه لغة للقوم ومن موضوعهم، وفيها ما هو مظنون ومشتبه ملتبس. وما هو معلوم منها فترتب أحوال الناس فيه، فمنه ما يعلمه كل أحد خاصيا

(1) ظ: قائلا قال به.
(2) ظ: نعلمه.

[ 70 ]

أو عاميا بالسير مخالطة، ومنه ما يحتاج تناه (1) في المخالطة وقراءة الكتب وسماع الروايات إلى غايات بعيدة. ومنه ما يتوسط بين هذين الطريقين بحسب التوسط في المخالطة. وقد علمنا أن كل عاقل اختلط بعض الاختلاط بأهل اللغة العربية، يعلم ضرورة أن هذه اللغة تسمية (2) الحائط بالجدار والسيف بالحسام، وإن لم يعلم دقائق اللغة وغوامضها. ومن لم يقف على هذا الحد وزادت مخالطته وسماعه وقراءته، علم ما هو أكثر من ذلك. وعلى هذا إلى أن ينتهي إلى علم سرائر اللغة وكوامنها، فإنه موقوف على من استوفى شروط المخالطة كلها، وبلغ في القراءة وسماع الروايات إلى الغاية القصوى. فأما المظنون فهو ما رواه الواحد ولم يجمع باقي أهل اللغة عليه، فإنهم أبدا يقولون في كتبهم: هذا تفرد بروايته فلان، ولم يسمع إلا من جهته. والمشتبه هو الذي اختلف فيه علماء أهل اللغة، فروى بعضهم شيئا، وروى آخرون خلافه. ولا معول في أن أهل اللغة يستشهدون في كتبهم بالبيت من الشعر الذي لا يقال بإضافته إلى شاعره. ولو عملت أيضا الاضافة لما وثق في اضافته إلى لغة جماعة العرب بقول الشاعر الواحد، لأن ذلك لمن فعله من أهل الكتب والتصنيف لا يدل على أنهم أوردوه احتجاجا وتطرقا إلى العلم. بل يجري ذلك مجرى من روى ودون في الكتب وخلد في المصنفات خبر الهجرة وبدر وحنين، والصلاة إلى القبلة، وصوم شهر رمضان، وما أشبهه

(1) ظ: إلى تناه.
(2) ظ: تسمى.

[ 71 ]

من الأمور المعلومة. ومعلوم أن الروايات المصنفة في ذلك ليست بحجة فيه، لأنها كلها مما يوجب الظن، وهذه أمور مقطوع عليها ومعلومة، لا مجال للريب في قال (1) أكثر الناس أنه ضروري. ألا ترى أنهم يستشهدون على أن الجدار في اللغة الحائط، والحسام السيف ببيت من الشعر. ولو قيل للمستشهد بالبيت: من أين علمت أن هذا من لغة العرب وقطعت على ذلك؟ ما رجع إلى هذا البيت وأمثاله، بل عول على العلم الذي لا ريب فيه. وإذا ثبت هذه الجملة فمن (2) للسائل أن أهل التفسير استشهدوا في معاني القرآن العقلية وأحكامه الفقهية بأبيات شعر، لا حجة في تفسيرهم لما فسروه، إلا ما أنشدوه. والصحيح أنهم ما فسروا شيئا من المعاني على سبيل القطع والبتات، إلا بأمور معلومة ضرورة لهم أنها من اللغة، وإنما أنشدوا البيت والبيتين في ذلك لا على سبيل الاحتجاج، بل على الوجه الذي ذكرناه. وكيف يعتقد في قوم عقلاء أنهم عولوا في تفسير معنى يقطعون عليه وأنه المراد على ما هو مظنون غير مقطوع به؟ وإنما لم يظهر لكل أحد في معاني القرآن ومشكل الحديث أنه مطابق لما يفسر به في لغة العرب، على وجه لا يتطرق الشك عليه، لأن العلم بذلك والقطع عليه يحتاج إلى ضرب من المخالطة، إذا لم تحصل فلا تحصل ثمرتها. وهكذا القول في غير اللغة من الأخبار التي أشرنا إلى القول فيها ومذاهب

(1) ظ: قول.
(2) ظ: فمن أين للسائل.

[ 72 ]

المتكلمين والفقهاء وموضوعاتهم. فإن بالمخالطة يعلم منها ضرورة ما لا يعلم كذلك مع عدم المخالطة. ولم يبق بعد هذا إلا أن يقال: ومن أين يعلم من خالط أهل اللغة غاية المخالطة لغتهم على القطع، وهو مع أتم مخالطة إنما يحصل على رواية أبي زيد والأصمعي وفلان وفلان، وما في هؤلاء من يوجب خبره العلم. والجواب عن ذلك أن يقال: ومن أين يعلم علما قاطعا الهجرة والغزوات الظاهرة والأمور الشائعة، وإن قربت مخالطته لأهل الأخبار. وإنما يرجع إلى رواية أبي مخنف والواقدي وفلان وفلان. ومن أين يعلم البلدان ولم يشاهدها؟ وإنما يرجع إلى قول ملاح أو جمال. فإذا قيل: أبو مخنف والواقدي إنما رويا بأسانيد متصلة معينة هذه الحوادث، ولا معول في العلم الحاصل عليهم، بل على الشائع الواقع الذي لا يمكن تعيينه. قلنا: مثل ذلك في الأصمعي وأبي زيد. ولو قيل لاحدانا (1): عين على جهة يمكن وطريق ثقتك بأن في لغة العرب أن الحسام السيف، لم يقدر على ذلك كما لا يقدر من قيل له: عين على جهة يمكن (2) في البلدان والأمصار. وقد بينا فيما سلف من الكلام على هذه الفصول أن تعذر تفصيل طريق العلم، هو الأمارة على قوته وعدم الريب فيه. وبعد: فلو صرنا إلى ما استضعف في خلال الفصل، من أن تفسير القرآن والسنة، قد يكون بما هو غير معلوم ولا مقطوع عليه أنه من اللغة، لكنه مظنون لم يثمر ذلك فسادا، لأنه غير ممتنع أن نتعبد بقبول أخبار الآحاد، واستعمال طريق

(1) ظ: لأحدنا.
(2) ظ: يمكن العلم في.

[ 73 ]

الظن في تفسير حكم قرآن أو سنة، بعد أن يكون ذلك الحكم مما يجوز القول باختلاف العبادة فيه، وأن يختلف تكليف المكلفين فيه، بحسب اختلافهم في ظنونهم. وهذا إنما يسوغ في التحليل والتحريم الشرعي وما أشبهه، لأنه غير ممتنع أن يكون عبادة زيد في شئ بعينه التحريم بشرط اجتهاده، وعبادة عمرو التحليل. ولا يسوغ ذلك في صفات الله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يحوز، لأن ذلك مما لا يمكن اختلاف العبادة فيه على وجه ولا سبب. وهل استعمال أخبار الآحاد الموجبة للظن في تفسير أحكام القرآن أو السنة، إلا كتخصيص القرآن أو السنة بأخبار الآحاد؟ والنسخ أيضا لهما بأخبار الآحاد؟ وإذا كان التخصيص والنسخ بأخبار الآحاد جائزين عقلا، وأوجب أكثر الناس التخصيص بأخبار الآحاد وتوقف عن النسخ، فما المانع من تفسير الأحكام بما يرجع إلى آحاد الأخبار عن أهل اللغة إذا دل الدليل على ذلك. ويمكن أن يتطرق إلى صحة هذه الطريقة: بأن علماء الأمة في سالف وآنف سلكوا ذلك من غير توقف عنه فصار إجماعا، وهذا لا يوجد مثله في العمل بأخبار الآحاد في الشريعة، لأنها مسألة خلاف بين العلماء. ولو حصل الاطباق على ذلك في الشريعة أيضا لتساوي الأمران.

[ 74 ]

الفصل التاسع [ إثبات حجية خبر الواحد من طريق اللطف والجواب عنه ] إذا كان المعجز الذي يظهره الله تعالى على يد الرسول، يدل على صدقه فيما يؤديه عنه، لأنه قائم مقام التصديق بالقول، وكان الذي يدل على عصمته تمام الفرض (1) ببعثته، وهو أن يكون من بعث إليهم أقرب إلى القبول منه والسكون إلى قوله. وبنينا ذلك على قولنا باللطف ووجوبه، وأن ما يكون المكلف معه أقرب إلى فعل ما كلفه في الوجوب كالتمكين، لا فرق (2) في القبح بين المنع بما يتمكن به من الفعل، وبين (3) ما يكون معه أقرب إلى فعله. وإذا ثبت هذا ولم يسع في الحكمة وحسن التدبير أن يبعث الله تعالى إلى خلقه من ليس بمعصوم، فيكون ممن يجوز أن يؤدي ما حمله ويجوز أن لا يؤديه، لكنه متى كان صادقا فيما يؤديه وطريقا إلى العلم بصحته، لمكان المعجز

(1) ظ: وكان تمام الغرض ببعثته هو أن الخ.
(2) ظ: ولا.
(3) ظ: وبين منع ما.

[ 75 ]

الظاهر على يده، فما الذي يسوغ ذلك في حكمة الرسول وحسن تدبيره، حتى ينفذ إلى من بعد عنه ولم يشاهد، من ليس بمعصوم يخبرهم عنه ويدعوهم إلى الله تعالى، إلى (1) قبول ما تضمنه خبره عن الرسول. ويجوز أن يؤدي ذلك وأن لا يؤديه، لكنهم متى أدوا كانوا طريقا إلى العلم لتواترهم، وتكليف الكل متساوي، وما يلزم من إزاحة عللهم وقطع عذرهم متماثل. فإن قلنا: إن الرسول إذا كان مبعوثا إلى الجميع، وكان من وراء من يبعثه مراعيا له ومتداركا لما يقع منه من الخلل والتفريط، كان في الحكم بخبر الكل داعيا لهم وإن لم يشاهدوه ويشافهوه بالخبر والدعاء. كان لقائل أن يقول مثل ذلك في الله تعالى، لأنه رب الكل وإلههم ومن ينفذه إليهم يراعيهم، ويتدارك ما يقع فيه الخلل والتفريط منهم، فهو في حكم المخبر للكل والداعي إليهم، وإن لم نشاهده وشافههم (2) بالخبر والدعاء. هذا إن كان ما ذكرناه من عصمة الداعي مما يقتضي العقول عموم كونه لطفا في حق سائر المكلفين. فأما إن كان مما يختلف حالهم فيه، فيكون منهم من دعاء المعصوم وخبره، يكون معه أقرب إلى القبول، ومنهم من يتساوى في دعائه وقبوله المعصوم وغيره، لم يكن إلى وجوب عصمة الرسول طريق في العقل، وكان كسائر الألطاف التي يختلف حالها، يقف العلم بها على السمع، وهذا مما لا نقوله. وإن سوينا بين الرسول، وبين من ينفذ من قبله إلى من بعد عنه في العصمة، وصرنا إلى ما يحكى عن بعض أصحابنا. كان له أن يقول: فما الطريق الذي يعلم به من ينفذون إليهم عصمتهم؟

(1) ظ: وإلى.
(2) ظ: وإن لم يشاهدوه ويشافههم.

[ 76 ]

فإن قلتم بالمعجزات حسب، أضفتهم (1) إلى وجوب عصمتهم وجوب ظهور المعجزات على أيديهم. وإن قلتم بالتواتر عاد السؤال المتقدم عليكم، وقيل لكم: لو ساغ وحسن فزائر (2) واحدا أن تزاح علة المكلفين فيه بمن يجوز أن يخبر به، ويجوز أن لا يخبر به ويدعو إليه وهو غير معصوم، لساغ وحسن في سائر الأمور. وكان له أن يقول لنا: أين المعصومون الذين ينقطع بهم عذر المكلفين في عصرنا هذا في كل بلد وناحية، حتى يحسن إدامة تكليفهم. فإن قلنا: لم نؤت في ذلك إلا من قبل نفوسنا ومن سوء اختيارنا، ولا نعلم من مغيب أحوالنا. كان له أن يقول: إذا حسن أن تزاح عنكم لأجل سوء اختياركم، وما ذكرتموه من أحوالكم بما لو بدأ به، أو فعل مع ارتفاع ذلك من جهتكم، لكان قبيحا منافيا للحكمة وحسن التدبير، فلم لا يجوز في بعض أمم الأنبياء مثل ما حصل منكم، أو علم من أحوالكم؟ فيحسن منه تعالى لأجل ذلك أن يرسل إليهم من يجوز أن يبلغ ويجوز أن لا يبلغ معصوما، ولو بدأ بذلك أو فقد ما حصل منهم وعلم من حالهم القبح. وكان له أيضا أن يقول: ما أنكرتم أن تحسن إزاحة علتكم الآن، لمكان ما ذكرتموه من أنكم أتيتم فيه من قبل نفوسكم وسوء اختياركم، بالروايات عمن تقدم عن أئمتكم وعن إمام عصركم، لعلمنا بدوام التكليف علينا، وفقدنا لقوم معصوم يشافهنا، فيوسط بيننا وبين إمام عصرنا (3) من تقدم من أئمتنا، وفقد

(1) ظ: أضفت.
(2) كذا في النسخة.
(3) ظ: ومن.

[ 77 ]

التواتر وظواهر القرآن في كل ما يلزمنا ويجب علينا. وإذا ثبت بذلك لم يبق بعده إلا الروايات المتداولة بيننا. الكلام على ذلك: اعلم أنه تعالى إذا علم أن في مقدار (1) عباده أفعالا، متى وجدت أوقعت (2) منهم أفعال واجبة في العقل، ومتى لم يفعلوها لم تقع منهم تلك الأفعال الواجبة، فلا بد من إعلامهم بذلك ليفعلوه، لأن ما لا يقع الواجب إلا معه يجب في العقل كوجوبه. وكذلك إذا علم من جملة مقدوراتهم ما إذا وقع منهم وجدت أفعال قبيحة من جهتهم لا توجد متى لم يقع ما ذكرناه فلا بد من إشعارهم بذلك، لأن ما يقع القبيح عنده، ولولاه لم يقع لا يكون إلا قبيحا، ويجب اجتنابه والامتناع منه. وإذا كان المكلفون لا يعرفون بعقولهم صفة ما لا يقع الواجب أو القبيح عنده والتمييز بينه وبين غيره، فواجب على الله تعالى المكلف لهم المعرض للثواب والنفع أن يعلمهم بما ذكرناه، كما يجب أن يمسكهم ويزيح عللهم بالأسباب وغيرها. وإذا لم يجز أن يعلمهم ذلك باضطرار، لأنه لا يمتنع أن يتعلق كون هذه الأفعال مصلحة لنا، بأن يكون العلم بصفاتها يرجع إلى اختيارنا، كما نقوله في المعرفة بالله تعالى. وأن كونها لطفا موقوف على أفعالنا، ولا تقوم الضرورة مقام الاختيار، فلا بد من وجوب إرسال من يعلمهم بذلك. ولهذا نقول: إن بعثة الرسول من كان فرض بها ما ذكرنا، فإن وجوبها تابع لحسنها، ولا بد من أن يكون المرسل لتعريف هذه المصالح ممن يعلم

(1) ظ: مقدور.
(2) ظ: وقعت.

[ 78 ]

من حاله أن يؤدي ما حمله من الرسالة، لأن إزاحة العلة كما أوجب الإرسال التعريف فهو موجب للعلم بأنه يؤدي. ألا ترى أن بعثته لا يؤدي في ارتفاع إزاحة العلة، كترك البعثة في تفويت العلم بالمسامح (1). وأيضا فإن إرسال من لا يؤدي عبث، لأن الغرض في البعثة الأداء والتعريف. وإنما نقول على المذهب الصحيح لا بد من أن يكون الرسول في الأداء يخصه على طريق التبع، لأن الغرض المقصود هو الأول. وإنما أوجبنا شيئا يرجع إلى الرسول، لفساد أن يجب عليه ما لا وجد لوجوبه، ولا يجوز أن يجب على زيد مصالح عمرو. وإذا لم يتم الغرض المقصود في الإرسال كان عبثا، ولا يجري ذلك مجرى تكليف الله تعالى من علم أنه يكفر، لأن الغرض في التكليف هو التعريض لاستحقاق الثواب، لا الوصول إليه بالتكليف قد حصل الغرض. وليس كذلك تكليف النبوة، لأن الفرض (2) فيها هو إعلام المكلفين مصالحهم وما لا يتم تكليفهم إلا به. فإن قيل: جوزوا أن يكون في معلومه تعالى أن كل من أرسله لا يؤدي ما حمله من التعريف الذي أشرتم إليه. فإن قلتم: لا بد أن يكون في معلومه أن يؤدي. قيل: ومن أين أنه لا بد من ذلك؟ وما الدليل عليه؟ قلنا: يمتنع فرضا وتقديرا أن يكون في معلومه تعالى، أن كل من بعثه لتعريف المصالح لا يؤدي عنه، لكن ذلك من كان في المعلوم، مضافا إلى علمه

(1) ظ: بالمصالح.
(2) ظ: الغرض.

[ 79 ]

بمصالح وبمفاسد من جملة أفعال العباد، قبح تكليفهم العقلي ووجب إسقاطه عنهم، لأنه قبيح أن يكلفهم ولا يزيح عللهم، وإذا كان طريق إزاحة العلة مسدودا قبح التكليف. فإن قيل: ألا جاز تكليفهم وجرى مجرى حسن تكليف من لا لطف له. قلنا: الفرق بين الأمرين، أن من لا لطف (1) قد أزيحت، ولم يذخر عنه شئ به يتم يمكنه. ومن لم يطلع على مصالحه ومفاسده لم تزح علته، وفاتته مصلحته يرجع لا يتعلق به، ولا صنع له فيه. وإذا صحت هذه الجملة ووجب الإرسال على ما ذكرناه، فلا بد أيضا مما لا يتم في الغرض في الإرسال إلا به، وهو الدلالة على صدق الرسول فيما يؤديه، لأن قوله لا يكون طريقا إلى العلم بما تحمله، إلا من الوجه الذي ذكرناه. ولهذا قلنا إنه لا بد من إظهار المعجز على يديه، ليكون جاريا مجرى تصديقه تعالى له في دعواه عليه بالقبول، كما لو صدقه نطقا لوجب أن يكون صادقا، وإلا قبح التصديق، وكذلك إذا صدقه فعلا. وإذا كان الرسول مبعوثا إلى قوم بأعيانهم يصح أن يسمعوا بالمشافهة منه أداه، ولم تتعلق الرسالة بمن بعد ونأى في أطراف البلاد، إلا (2) بمن نأى من الأخلاف، لم يجب سوى الأداء إليهم، ولم يتعلق بهم أداء إلى غيرهم. وإن كانت الرسالة إلى من غاب وشهد وبعد وقرب ومن وجد ومن سيوجد، فلا بد من أن يكون المؤدي عن الرسول إلى من بعد في أطراف البلاد، ومن لعله يوجد من الأعقاب من المعلوم من حاله أنه يؤدي.

(1) ظ: لا لطف له قد أزيحت علته.
(2) ظ: ولا.

[ 80 ]

إنا لو جوزنا على ما ذكرناه ألا يؤدي لم يكن إليه (1) الله تعالى مزيحا لعلة من بعدت داره من المكلفين في الاعلام بمصالحهم فيما بعثه الرسول، وأن يكون المعلوم أنه يؤدي يوجب أيضا أن يكون من المعلوم وقوع الأداء الذي ذكرناه، لأنه لا فرق بين الأمرين فيما يقتضيه التكليف. فإن قيل: جوزوا أن يكون المؤدي عن الرسول إلى أطراف البلاد ممن (2) لا يجوز أن لا يؤدي، ومتى أخل بالأداء تلاقاه الرسول: إما بنفسه، أو بمؤد يقع منه الأداء. قلنا: هذا يوجب أن يكون المكلفون ما أزيحت علتهم في التكليف طول المدة التي فاتهم فيها هذا الاعلام، ويقتضي أن يكون تكليفهم النبي في تلك الأحوال قبيحا. فإن قيل: وكيف لا يلزمكم (3) ذلك في الزمان المتراخي بين صدع الرسول بالرسالة، وبين وصول الأداء إلى من نأى في البلاد البعيدة. قلنا: أول ما نقوله أنه لا يجوز أن تكون أحوال المكلفين في الشرق والغرب فيما يكون هو مصلحة أو مفسدة من أفعالهم متساوية، لأنهم لو استووا في ذلك لوجب إعلام الجميع بصفات هذه الأفعال في حال واحدة، وكان يجب إرسال رسل كثيرين بعدد البلاد حتى يكون الأداء في وقت واحد. وإذا وجد الرسول واحدا، وذكر أن شريعته تلزم القريب والبعيد، فلا بد من أن يعلم أن أحوالهم في المصالح تترتب على أن الصفات التي نبه عليها من أفعاله متعجلة، ومن كان بعيد الدار وفي بعد فبحسب بعده ومسافة إمكان

(1) ظ: زيادة (إليه).
(2) ظ: ممن يجوز.
(3) ظ: ويلزمكم.

[ 81 ]

وصول الأداء إليه، ومن كان شاحط الدار فبحسب ذلك. وهذا غير ممتنع في التقدير، لأنه كما كانت هذه المصالح تختلف بالأزمان وفي الأشخاص، ويجب منها في وقت ما لم يكن واجبا قبله، وتتغير أحوالها أيضا حتى يدخل النسخ فيها بحسب تغيرها، جاز أن يتنزل الأمر في المبعوث إليهم الرسول الذي ذكرناه. وليس لأحد أن يقول: جوزوا أن يكون مصلحة البعيد والقريب في الشرع متساوية، ولكن البعيد إنما تكون تلك الأفعال له مصلحة، إذا أديت (1) وإليه اطلع عليها، فلا يجب ما ذكرتموه. وذلك أن وجوب الواجب منفصل من الاعلام بوجوبه، وبالاعلام لا يصير ما ليس بواجب واجبا، وإنما يتناول الاعلام والأداء الاطلاع على وجوب أفعال هي في نفسها واجبة من غير هذا الاطلاع. على أن هذا يوجب القول بأن الأداء لو لم يكن أبدا لما كانت هذه الأفعال واجبة أو قبيحة أبدا، وقد علمنا خلاف ذلك. ويوجب أيضا أن يكون المؤدون لهذه الشرائع لا يخبرون بوجوبها، لأن الخبر بذلك قبل الوجوب الذي يكون بعد الأداء كذب. ويوجب أيضا أن لا يلزم أداء هؤلاء المؤدين ولا الرسول صلى الله عليه وآله التحيل. وكل هذا ظاهر الفساد. فإن قيل: أليس المكلفون في حال دعوى الرسول للرسالة، وإلى أن ينظروا إلى معجزة ويعلموا صدقه، لا نعرض تلك المصالح التي نبتهم (2) عليها، والتكليف العقلي يلزمهم.

(1) ظ: أديت إليه واطلع.
(2) ظ: نبهتهم.

[ 82 ]

قلنا: إنما جاز ألا يعلموا في الأحوال التي أشرت إليها بهذه المصالح، لأن العلم بها متعذر في تلك الأحوال، وليس كذلك الأحوال المستقلة (1). لأن العلم بصفات الأفعال فيها ممكن، يوجب الاعلام به والاطلاع عليه. وجرى زمان دعوة النبوة والنظر في العلم المعجز مجرى زمان مهلة النظر في معرفة الله تعالى، في أن المعرفة لطف في كل الواجبات، إلا في هذا الواجب الذي هو النظر في طريقها، لاستحالة أن تكون لفظا (2) في ذلك. [ وجوب حصول العلم بدعوى الرسل بأقصر الطرق ] وعلى هذا التقدير الذي أوضحناه يجب أن نقول: إنه تعالى لا يوصل إلى العلم بصدق الرسول في دعواه إلا بأقصر الطرق وأخصرها، وأنه إذا كان للعلم بصدقه طريقان، أحدهما أبعد من الآخر، دل بالأقرب دون الأبعد. ولم يظهر على يده إلا ما لا يمكن تصديقه من طريق هو أخص (3) منه. وإنما قلنا ذلك حتى لا يفوت المكلف العلم بغير جنايته، لأنه قد تفوته مصالحه بجنايته، مثل أن يعرض عن النظر في المعجز، أو ينظر لا من جهة حصول العلم، أو يدخل على نفسه شبهات تمنع من العلم. فإن قيل: نراكم بهذا الكلام الذي حصلتموه قد نقضتم معتمد الإمامية في حفظ النبي والأئمة للشرائع. لأنهم يقولون: إن المؤدين عن النبي صلى الله عليه وآله شريعته في حياته يجوز أن يكتموها ويخلوا بنقلها حتى يجب على النبي صلى الله عليه وآله التلافي والاستدراك.

(1) لعل: المستقبلة.
(2) ظ: لطفا.
(3) ظ: أخضر.

[ 83 ]

ويجوز على الأمة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله أن يكتموا كثيرا من الشريعة، حتى يقف علم ذلك على بيان الإمام، فإن كان ظاهرا آمنا من ذلك استدركه، وإن كان غائبا فلا بد من ظهوره. حتى قلتم: لو علم الله تعالى أن أسباب الغيبة تستمر في الأحوال التي تكتم فيها الأمة شرعا، حتى لا يعلم إلا من جهة الإمام، لما بقي التكليف على المكلفين لأن تبقية التكليف مع فقد الاطلاع على المصالح فيه والمفاسد قبيحة. فإن خشيتم ما استأنفتموه في هذا الكلام وعطفتم عليه بأن تقولوا: إنما يوجب أصحابنا ظهور الإمام من الغيبة ورفع التقية، إذا اجتمعت الأمة على الخطأ، كأنهم (1) يذهبون على طريق التأويل في بعض الشريعة إلى مذهب باطل ويجمعون عليه، فيجب على الإمام ردهم إلى الحق فيه. قيل لكم: ما يذهبون فيه إلى الباطل على طريق التأويل والشبهة وغيرها، لا يكون طريق الحق مسدودا ولا موقوفا على بيان الإمام، حتى يقال: إنه يجب عليه الظهور إن كان غائبا ويخرج أسباب التقية، لأنه يمكن أن يعلم الحق بالدليل الذي هو غير قول الإمام. وإنما يجب ظهور الإمام حتى يتبين ما لا طريق إلى علمه إلا قوله وبيانه. وهذا لا يتم إلا بأن يعدلوا عن نقل بعض الشرائع ويكتموه حتى يصح القول بأنه لا جهة لعلمه إلا ببيان الإمام. والجواب عن ذلك: إن أداء الشريعة إلى من بعد في أطراف البلاد لا بد منه ولا غنى عنه، للوجه الذي أوضحناه وتبينا: أن إزاحة العلة في التكليف العقلي لا يتم إلا معه، غير أن من أدى إليهم وعلموه (2)، ويجوز أن يكتموه

(1) خ ل: لأنهم.
(2) ظ: زيادة الواو.

[ 84 ]

ويعدلوا عمن نقله، إما لشبهة أو غيرها. وإذا استمر ذلك منهم لم يفصل (1) بمن يأتي من الخلف، ويوجد فيما بعد من المكلفين ما لا يتم مصلحته إلا به من هذه الشريعة، فحينئذ يجب على النبي صلى الله عليه وآله إن كان موجودا أو الإمام القائم مقامه أن يبين ذلك ويوضحه ويسمع منه فيه ما يؤدي إلى ظهوره وإيصاله بكل مكلف موجود ومنتظر. فلهذا أوجبنا حفظ الإمام للشريعة والثقة بها لأجله ومن جهة مراعاته. ولا تنافي بين هذا القول، وبين ما قدمناه من أن شريعة التي لا بد من اتصالها بكل مكلف موجود. والفرق بين الأمرين أن المنع من فوت العلم بالمصلحة واجب، والاستظهار في ذلك - حتى لا يقصر العلم عمن يلزمه - لا بد منه، وليس كذلك استدراك الأمر بعد فواته، وتصور (3) علمه في حال الحاجة إليه، لأنه يؤدي إلى ما ذكرناه من قبح التكليف في تلك الأحوال التي لم يتصل فيها العلم بصفات هذه الأفعال. وقد تبينا في كتاب الشافي في الإمامة ما يتطرف عليه الكتمان من الأمور الظاهرة، وما لا يتطرق ذلك عليه، وما جرت العادة بأن تدعو الدواعي (4) العقلاء إلى كتمانه، وما لم تجر بذلك فيه، فمن أراد ذلك مستقصى مبسوطا فليأخذه من هناك. فإن قيل: إذا منعتم من كتمان شرع النبي صلى الله عليه وآله عمن بعد عنه في أطراف البلاد، وادعيتم أنه لا بد أن يكون المعلوم من حال الناقلين لذلك

(1) ظ: لم يصل.
(2) ظ: النبي.
(3) ظ: قصور.
(4) ظ: دواعي.

[ 85 ]

أن ينقلوه ولا يكتموه، وذكرتم أن التكليف وإزاحة العلة فيه يوجب ذلك، فألا جعلتم الباب واحدا وقلتم: إن الذي ينتهي جميع الشرع إليهم ويتساوون في علمه لا يجوز أن يعدلوا كلهم عن نقله ويكتموه، حتى لا يتصل بمن يوجد مستأنفا من مكلف لمثل العلة التي رويتموها في إزالة العلة في التكليف، وإلا كان كل ناقل للشرع ومؤد له إلى غيره، من موجود حاضر ومفقود ومنتظر في هذا الحكم الذي ذكرتموه متساويين، ولا حاجة مع ذلك إلى إمام حافظ للشريعة. قلنا: قد أجبنا عن هذا السؤال بعينه في جواب مسألة وردت من الموصل وأوضحنا أن ذلك كان جائزا عقلا وتقديرا، إنما منعنا منه إجماعا. لأن كل من قال: إن الأمة بأسرهم يجوز عليهم أن يكتموا شيئا من الشرع، حتى لا يذكره ذاكر لا يجعل المؤمن من ذلك إلا بيان إمام الزمان له وإيضاحه واستدراكه، دون غيره مما يجوز فرضا وتقديرا أن يكون الثقة له ومن أجله. وكل من جوز أن يتحفظ الشرع بإمام الزمان ويوثق بأنه لم يفت شئ منه لأجله، كما يجوز أن يتحفظ ويوثق بوصول جميعه، بأن يكون المعلوم من حال المؤدين أنهم لا يكتمون، فيقطع على أن حفظ الشرع والثقة به مقصورتين (1) على الإمام وحفظه. لأن الأمة بين مجوز على الأمة الكتمان وغير محيل له عليهم، وبين محيل له ومعتقد أن العادات تمنع منه. فمن أجازه عليهم ولم يحله - وهم الإمامية خاصة - لا يسندون الثقة والحفظ إلا إلى الإمام دون غيره، وإنما يسند الثقة إلى غير الإمام من يحيل الكتمان على الأمة. وإذا بان بالأدلة القاهرة جواز الكتمان عليهم، فبالاجماع يعلم أن الثقة

(1) ظ: مقصوران.

[ 86 ]

إنما يصح استنادها إلى الإمام دون ما أشاروا إليه من المعلوم. وهذه الجملة التي ذكرناه إذا حصلت وضبطت، بان من أثنائها جواب كل شبهة اشتملت عليه الفصل الذي حكيناه وزيادة كثيرة عليه. [ عدم وجوب عصمة المؤدي للشرع ] ثم نشير إلى ما يجوز الإشارة إليه: أما ابتداء الفصل فإنه مبني على أنا نرجع في أن النبي صلى الله عليه وآله لا بد في أن يروي (1) ما تحمله من الشرع إلى دليل عصمته، وليس الأمر على هذا. وقد مزج الكلام في صدر الفصل بين وجوب الأداء في الرسول، أو من يؤدي عنه، وبين العصمة، ونحن نفصل ذلك: أما صدق الرسول فيما يؤديه، فدليله المعجز، لأنه مطابق لدعواه ومصدق لها، فلو لم يكن صادقا في الدعوى لما حسن تصديقه. وهذا قد بيناه فيما سلف من كلامنا على هذا الفصل، والمرجع في وجوب أدائه إلى ما ذكرناه أيضا من أن العلة لا تزاح إلا به، وأنه الغرض المقصود، وفي ارتفاعه يكون الإرسال عبثا. فأما وجوب عصمة الرسول في غير ما يؤديه، فدليلها ما أشير إليه في الفصل من وجوب السكون، وحصول النفار عند فقدها وطريق العصمة كما ترى، فتميز من وجوب الأداء، كما أن طريق وجوب الأداء من طريق العلم بالصدق في دعوى النبوة، فلا ينبغي أن يخلط بين الجميع. ولم يبق بعد هذا إلا أن يدل أن على أن المؤدي للشرع (2) الرسول من أمته

(1) ظ: يؤدي.
(2) ظ: لشرع.

[ 87 ]

إلى أطراف البلاد، لا يجب أن يلحقوا به في العصمة، وإن لحقوا به في أن المعلوم من حاله وحالهم أنه لا بد من أن يؤدي ما يحمله ولا يكتمه. والذي يوضح ذلك أن أداء الرسول صلى الله عليه وآله يقترن به تعظيمه وإجلاله، وارتفاع قدره ومنزلته، لأن المعجز الظاهر على يده يقتضي ذلك فيه. وليس كذلك أداء من يؤدي عنه ويؤدي إلينا من الأمة شرعه، لأن ذلك الأداء لا يقتضي تعظيما ولا إجلالا، ولا الدليل المؤمن لهم من خطائهم فيه يقتضي فيهم رفع منزلة ولا قدر، كما كان ذلك كله في المعجز. وكيف يكون من علمنا صدقه؟ لأن الله تعالى صدقه وحقق دعواه، بأن خرق العادة على يده، كمن علمنا صدقه، بأن العادة لم تجر ممن جرى مجراه بالكذب. ولهذا جاز أن يؤدي إلينا عنه المؤمن والكافر والبر والفاجر، ولا يجوز مثل ذلك في أدائه. وإذا اقترن الأداء بما أوضحناه جاز أن يعتبر في أداء من وقع منه الأداء على جهة الاعظام والاجلال، ما يكون معه أقرب إلى القبول والامتثال من عصمته وطهارته ونزاهته، وتعدينا ذلك إلى نفي الأخلاق المستهجنة عنه والخلق المستقلة. وكل هذا لا يراعى فيمن ينقل عنه ويروي شرعه، وعمن (1) لا يؤمن إيمانه ولا عدالته. كيف تراعى عصمته وقد مثل الشيوخ ما يذهبون إليه في هذه المسألة بالواعظ الداعي إلى الله تعالى، في أنه متى كان متناسكا مظهرا للنزاهة والطهارة كان الناس أقرب من قبول قوله ووعظه. وإذا كان متجرما متهتكا نفس ذلك عنه وقل السكون إليه.

(1) ظ: ومن.

[ 88 ]

وإذا كان ما قالوه صحيحا معلوم (1) أنه لا يجب في رسول الواعظ والمؤدي عنه وعظه، ما أوجبناه فيه من النزاهة والطهارة، ولا يجوز لأحد إلزام (2) الأمرين على الآخر. فأما ما مضى في وسط هذا الفصل من التشكيك في عموم وجوب عصمة الأنبياء، وإلزام أنه مما يجوز أن يختلف كونه لطفا. فليس بصحيح لأن جهة كون العصمة لطفا في السكون ورفع النفار، معلوم أنهما مما لا يختلف في العقلاء، كما لا يختلف جهة كون المعرفة بالله تعالى لطفا من جهة كون الرئيس المنبسط اليد النافذ الأمر لطفا في انتظام الأمور وارتفاع خللها، فلا معنى للتشكيك في ذلك. فأما ما مضى في الفصل من القول: بأنه إن سوى مسو بين الرسول وبين من ينفذ من قبله إلى من بعد عنه في العصمة، فصار إلى ما يحكى عن بعض أصحابنا. فليس بصحيح، لأن من قال من أصحابنا (3) أمراء النبي صلى الله عليه وآله أو الإمام، وقضاته وحكامه وخلفاؤه، لا يقول بعصمة الرواة عنه والمؤدين لأخباره إلى أطراف البلاد، وكيف يتصور هذا والرواة عن النبي صلى الله عليه وآله والإمام الناشرون لأخباره وما أتى به من شرائعه، هم الخلق جميعا. لأن ذلك لا يتعين ولا يتخصص بطائفة دون أخرى، وكان يجب على هذا أن يكون الخلق معصومين. والكلام الذي كنا فيه هل يجب أن يكون من يؤدي عن النبي صلى الله

(1) ظ: ومعلوم.
(2) ظ: إلزام أحد الأمرين.
(3) ظ: أصحابنا بعصمة أمراء.

[ 89 ]

عليه وآله وينشر شريعته في أطراف البلاد ممن يعلم ويقطع أنه يؤدي أو يجوز خلاف ذلك وفيه (1)، وهذا منفصل مما ارتكبه بعض أصحابنا غالطا فيه من عصمة أمراء النبي أو الإمام وخلفائه. فأما ما ذكر سوء (2) الاختيار لنفوسنا في جملة الكلام، فلا شبهة في أن سوء الاختيار من المكلف لنفسه لا يرفع إزاحة علته في تكليفه، ولا يرفع وجوب ذلك على مكلفه، ولا يقتضي أيضا جواز إزاحة علته بما ليس بمزيح لها على الحقيقة، فلا معنى للتشاغل بهذا النوع من الكلام. فأما ما ختم به الفصل من إلزامنا أن تزاح علتنا لهذه العلة التي ذكرها بالروايات عن الأئمة عليهم السلام إلى آخر الفصل. فقد مضى لا (3) مدخل لحسن الاختيار ولا لسيئه في باب إزاحة العلة، وأن العلة لا بد من إزاحتها لكل مكلف حسن اختياره أو ساء. فإن ألزم إزاحة العلة بروايات توجب العلم وتزيل الريب التزمنا ذلك، وما أراد ذلك لأنه شرط فقال عند فقد كذا وفقد التواتر. وإن ألزم أن تزاح العلة بروايات لا توجب العلم، فلا علة تزاح بذلك. وما يجوز كونه كذبا كيف نقطع به على مصالحنا ومفاسدنا، وهو لا يوجب العلم ولا يستند إلى جهة علم، كما نقوله في الشهادة وغيرها. ومن هذا الذي يسلم أن في الشريعة في أوقاتنا هذه حادثا شرعيا لا يعرف حكمه بدليل قاطع؟ ولما عدد الحجج من التواتر وظواهر القرآن، كان يجب أن يذكر إجماع الفرقة المحقة، فهو المعتمد في كثير من الأحكام، على ما تقدم بياننا له.

(1) ظ: ذلك فيه.
(2) ظ: من سوء.
(3) ظ: أنه لا.

[ 90 ]

الفصل العاشر [ دلالة إنفاذ الرسول الأمراء والعمال على حجية خبر الواحد والجواب عنه ] إن قيل: الظاهر من حال الرسول صلى الله عليه وآله مما يؤديه ممن بعد عنه عن (1) أمته وإعلامهم ما يلزمهم من مصالح دينهم ودنياهم، ما جرت به العادة ومضت عليه الاسم من إنفاذ الأمراء والولاة والعمال والقضاة والرسل والسعاة. ينفذ المولى منهم من حضرة (2) من يوليه بالكتاب المتضمن لولايته وعزل من كان قبله والرسول من غير مراعاة تواتر، وأكثر من ينفذ إلى الأباعد لا يصحبه إلا من جملته، ومتصرف بين أمره ونهيه. ومن هذه حاله وإن كثر عددهم فما يراعيه مذ (3) يذهب إلى التواتر المعلوم باكتساب من الشرط الذي لا يتم اكتساب العلم من دونه مفقود منهم، وهو العلم بأنه لا داعي لجمعهم على الكذب، فإذا طالت صحتهم (4) وكثرت اجتماعهم،

(1) ظ: من (2) ظ: حضره.
(3) ظ: من.
(4) ظ: صحبتهم.

[ 91 ]

تعذر العلم بالشرط وحصل أقوى في فقد. وإذا كانت هذه حال الولاة، فمن ينفذ للتسليم إن لم تقصر حاله عنهم لم تزد عليهم فيما يجوز على ألا.... والولاة فيما لا يتم اكتساب العلم بصدقهم معهم ثابت فيهم.... الرسول إلى من تواتر إلى البلاد والنواحي من الفقهاء والحفاظ.... غرضه. ويوافقوا مقصده في تعليم من يتواترون عليهم لا..... يزيد عددهم على أهل بلده من الفقهاء والحفاظ، ولو كان..... لظهر ذلك من أمرهم واشتهر ولذكر ودون وكان..... ذكر ما جرت به العادة من إنفاذ الأمراء وغيرهم لغرابة.... العاد. والمعلوم أن الفقهاء والحفاظ الذين كانوا...... صلى الله عليه وآله لو رام أن يتواترهم إلى بلد واحد لما تم..... ينفذهم على هذا الوجه إلى الأقل.... لمعاد وفلان وفلان، وأنه لما فعل ذلك ظهر واشتهر..... التواريخ والسير، ولم يذكروا في شئ من كتبهم، ولا تضمن....... ومسانيدهم ذكر الفقهاء والحفاظ الذين أنفذهم الرسول صلى الله عليه وآله إلى البلاد. ولا يمكن الدعوى بحقنا واستتاره، لأن من يتقدم في العلم والحفظ لا بد من أن تطول صحبته لمن يأخذ عنه ويستكثر، ومن طالت صحبته للرسول صلى الله عليه وآله وأخذه عنه وتوجهه وتقدمه لا يكون حاملا، كيف انضاف إلى ذلك استنابته في التبليغ عنه والقيام بأعظم الأمور التي بعث لأجلها، وهي تعلم الدين وإزاحة فيه. وإذا كنا إذا رجعنا إلى أنفسنا لم نعلم ذلك، وإذا رجعنا إلى سائر ما يشتمل على نقل الأخبار وتدوينها فلم نجده، علمنا أيضا أنه لم يكن، وقد قال الله

[ 92 ]

تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) (1) ولم يخصص من شاهده وقرب منه دون من بعد عنه، وقال الله (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) (2). ولو كان تبليغه لبعض من بعث..... مبعوث إلى الخلق كافة، لكانت الشهادة له صلى الله عليه وآله.... بلغ الرسالة ونصح الأمة غير واقع موقع الصحة..... بأنه لم ينقله الله تعالى إلى دار كرامة.... من بعث إليه، وكان موجودا في أيامه..... عذره بغير ما يقترحه من قال بالتواتر حسب.... عذرهم يكون بالارتحال إليه والمشافهة له...... يمكنون منه ويقدرون عليه. فإذا لم يفعلوه..... وكان صلى الله عليه وآله قد بلغهم وأزاحهم علتهم..... فبأي شئ علموا نبوته ووجوب الرحيل إليه، وهل يسوغ..... على أهل الأرض أن يخلوا بلادهم ويرحلوا بأسرهم..... لرسول، ويأخذوا عنه ويتفقهوا عليه وينفذوا..... عليهم بعد التفقه والحفظ. فإن قلتم ذلك فما الموجب له..... دلالة على لزومه. هذه جملة مني أنعم سيدنا الأجل المرتضى (كبت الله أعداءه) بالإجابة عنها، والتفضل بذكر ما يجري مجراها مجملا ومفصلا، حسب ما تحتمله الحال ويتسع له الزمان مما لا ينتهي إليه غيره، ولا يطمع في الظفر به سواه، كان ذلك من أشرف ما بين وأجل ما ذكر، لكثرة الانتفاع به والاعتماد عليه، فيما لا يخلو المكلف من وجوبه، ولا ينفك من لزومه. وكان متى له (3) حصله اطلع على ما يوصله إلى معرفة كل ما يرد عليه من المسائل والنوازل، ويلزم غيره من العبادات والأحكام، مضافا إلى ظواهر القرآن

(1) سورة المائدة: 3.
(2) سورة سبأ: 28.
(3) ظ: زيادة (له).

[ 93 ]

وما تواترت به الأخبار. ولسيدنا الأجل أطال الله تعالى وجمل الاسلام وأهله بدوام سلطانه وعلو كلمته وانبساط يده عالي الرأي إنشاء الله تعالى. الكلام على ذلك: اعلم أن الراوي شرع النبي صلى الله عليه وآله والناشر له في أطراف الأرض هو غير من ينفذه إلى البلدان، إما أميرا أو حاكما أو حاملا، لأن النقل والرواية والإشاعة مما يشترك فيه الخلق أجمعون على ما جرت به العادة، ولا يقف على فرقة معينة ولا جماعة مخصوصة. والإمارة أو القضاء أو العمالة يقف على من خصه النبي صلى الله عليه وآله بهذه الولاية، وأفرده بها وأنفذه لها، وهذا مما قد أشرنا إليه في الكلام المتقدم على هذا. فإن قيل: إذا كان الأمراء والعمال لا يؤدون الشرع ويبلغونه، فما الفائدة في إنفاذهم؟ قلنا: في إنفاذهم فوائد ظاهرة لمن تأملها، والأمراء ينفذون لحماية المتعزز وضبط الأطراف من الأعداء وحمايتها، والقضاة للحكم وفصل الخصومات، والعمال لجباية الأموال وقبض الصدقات، فما في هؤلاء إلا من ينفذ شرعا ويمضي أحكاما، ليس المرجع في صحتها وثبوتها إلى أدائه وتبليغه. فإن قيل: أليس قد ورد أنه عليه السلام كان ينفذ أقواما لتعليم الناس وتوفيقهم وهذا هو الأداء والابلاغ. قلنا: التعليم والتوقيف غير الابلاغ والأداء، لأن المعلم لغيره هو الذي يرتب له الأدلة ويرشده إلى طرقها ويقرب عليه سلوكها. ويوقفه على المقدم من الأحكام والمؤخر ونحوه، أن الفقيه يعلم غيره، والمتكلم يوقف سواء (1)

(1) ظ: سواه.

[ 94 ]

وما فيهم من يبلغه شيئا ويؤدي إليه شرعا، لكن على النحو الذي أوضحناه. وقد كان النبي صلى الله عليه وآله يأمر دعاته في الأمصار، بأن يبتدؤا بدعاء الناس إلى التوحيد، ثم النبوة، ثم الشرائع. ولا خلاف بين العقلاء في أن قول هؤلاء الدعاء ليس بحجة في التوحيد ولا النبوة، ولا بدعائهم يعلم ذلك، وإنما ينبهون على الأدلة ويهدون إلى طرقها كمالا، كانت (1) الشريعة على هذا خارجة. وقد اسستقصينا هذا الجنس من الكلام في الجواب عن الفصل الثالث وأحكمناه وقلنا أيضا هناك إذا كانت أخبار الآحاد عند من أوجب العمل بها لا بد فيها من اسستناد إلى دليل يوجب العلم يقتضي التعبد فيها بالعمل، لأن قول من يقول أن خبر الواحد نفسه يوجب العلم مردود مطروح. فمن أين علم أهل البلاد البعيدة إن النبي صلى الله عليه وآله قد تعبدهم وأوجب عليهم العمل بأخبار رسله وإن كانوا آحادا، ومعلوم أنه لا يجوز أن يعملوا ذلك من الرسل أنفسهم، فلم يبق إلا التواتر والنقل الموجب للعلم ما لا قلنا (2) في الشرع كله بمثل ذلك. فإن قيل: لا بد من أن يكون أهل أطراف البلاد عالمين، بأن الذي ورد إليهم أميرا أو حاكما من جهة النبي صلى الله عليه وآله صادق في إضافة نفسه إليه عليه السلام، لأنه ينفذ شرعا ويمضي أحكاما دينية، فلا بد من أن يرجع له عن ذلك بعلم لا ظن، فمن أين علموا ذلك؟ والظاهر أنهم يرجعون فيه إلى أقوال الأمراء وأخبار العمال، وهم آحاد وأخبار الآحاد عندكم لا توجب علما.

(1) ظ: وكانت.
(2) ظ: ما قلنا.

[ 95 ]

قلنا: لا بد من علم بأنهم رسله وولاته. والطريق إلى ذلك هو غير أخبارهم (1) نفوسهم. ومعلوم أن العادة جارية بأن الملك العظيم إذا ندب أميرا أو واليا لبعض الأمصار، وكتب عهده على ذلك المصر، وأمره بالتأهب للخروج وأطلق له النفقات، فإن خبر ولايته يذيع ويتصل بأهل ذلك المصر على ترتيب وتدريج فينتقل إليهم أولا عزيمة الملك على توليته، وظهور أسباب ذلك وترادف الشفاعات فيه إن كان فيه شافع، ثم الخطاب له على الولاية، وتقرير أمره فيها وتأهبه لها على ذلك، إلى أن يقع منه الخروج، وهو لا يصل إلى تلك البلدة إلا بعد أن علم أهلها بالأخبار المترادفة بولايته، وانتظروا قدومه، واستعدوا للقائه، وهذا أمر معلوم بالعادة ضرورة. وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله أعلى قدرا وأجل خطرا من كل من وصفنا حاله من الملوك والاهتمام بولاياته، وولايته (2) أشد وأقوى من الاهتمام بولاية غيره، فلا بد من أن يكون انتشار أمر ولاته وشياع ذكرهم قبل نفوذهم، أو يخص بسياسة. وكيف يخفى هذا على من عرف العادة ورأى ما تقتضي به في أمثال هذه الأمور. وهذه الجملة التي ذكرناها في أثنائها الجواب عما اشتمل عليه هذا الفصل ثم نشير إلى ما يحرز (3) الإشارة إليه. أما ما انتهى به الفصل من القول بأن حال النبي صلى الله عليه وآله فيمن يوليه وينفذه إلى البلاد كحال غيره فيمن يولي الولاة وينفذ الأمراء. فغير صحيح، لأن ولاة غير النبي صلى الله عليه وآله وأمراءه إنما يقومون

(1) ظ: أخبار نفوسهم.
(2) ظ: وولاته.
(3) ظ: ما يجدر.

[ 96 ]

بمصالح دنياوية، فلا يمتنع أن يقوم الظن فيهم مقام العلم. وولاة النبي وأمراءه يقومون بمصالح دينية، وهذه مصالح مبنية على العلم دون الظن. فرسل غير النبي من الملوك وأمرائهم يكفي الظن بأنهم صادقون، كما نقول في قبول الهدايا ومراسلات بعضنا لبعض، وجميع التصرف المتعلق بمصالح الدنيا، ولا يكفي في رسله عليه السلام إلا العلم والقطع، فلا ينبغي أن يحمل أحد الأمرين على صاحبه. والاكثار في أن الفقهاء والعلماء والحفاظ أعداد قليلة لا يبلغون حد التواتر لا يحتاج إليه، لأنه بني على أن الأداء للشرع والتبليغ له موقوف على العلماء والفقهاء، وأن خبرهم إذا كان لا بد من كونه طريقا إلى العلم، فواجب أن يكون كثرة متواترين. وقد بينا أن الأمر بخلاف ذلك كله وأوضحناه. وما ختم به الفصل من وجوب ارتحال أهل الأمصار وساكني الأقطار حتى يسمعوا من الرسول صلى الله عليه وآله ما يشافه به. غير واجب أيضا، ويغني عن ذلك كله ما بيناه ورتبناه. وقد أجبنا عن هذه المسائل ما اتسع له وقت ضيق.

[ 97 ]

(2) جوابات المسائل الرازية

[ 99 ]

بسم الله الرحمن الرحيم المسألة الأولى [ حرمة الفقاع عند الإمامية ] سأل (رضي الله عنه) عن الفقاع وهو محرم عند الإمامية، هل على تحريمه دليل عقلي أو سمعي؟ الجواب: إعلم أن الفقاع محرم محظور عند الإمامية يحد شاربه، كما يحد شارب الخمر. ويجري الفقاع عندهم في النجاسة والتحريم مجرى الخمر. والدليل الواضح على ذلك: إجماع الإمامية عليه، لأنهم لا يختلفون فيما ذكرنا من الأحكام، وإجماعهم على ما أشرنا إليه حجة ودلالة توجب العلم، فيجب لذلك القطع على تحريم الفقاع ونجاسته. فإن قيل: كيف يكون الفقاع حراما وهو لا يسكر؟ قلنا: ليس التحريم موقوفا على المسكرات، لأن الدم ولحم الخنزير لا

[ 100 ]

يسكران وهما محرمان، وكذلك قليل الخمر لا يسكر وهو محرم. فإن قالوا: قليل الخمر من الجنس الذي يسكر كثيره، وليس كذلك الفقاع وأما الدم ولحم الخنزير فليسا من جملة الأشربة، التي لم تحرم في الشريعة إلا (1) لأجل وجود الاسكار في الجنس. قلنا: غير مسلم، لكن علة (2) الأشربة في الشرع موقوفة على أنها من جنس المسكر. وعلة التحريم في الحقيقة هي المصلحة، والله تعالى أعلم بوجهها. وقد حرم الله تعالى الدم، وهو مما يشرب، فهو شراب على موجب اللغة وإن لم يكن فيه قوة الاسكار بل لعينه. فما المنكر من أن يكون تحريم الفقاع كذلك. ويمكن أن تعارض خصومنا في تحريم الفقاع، ونورد عليهم الأخبار التي ترويها ثقاتهم ورواتهم في تحريم الفقاع، لأنهم يعملون في الشريعة بأخبار الآحاد، فليزمهم أن يحكموا بتحريم الفقاع للأخبار الواردة من طرقهم بتحريمه. فأما ما ورد من طرقنا في تحريمه، وأنه كالخمر في التحريم ووجوب الحد على شاربه والنجاسة، فأكثر من أن يحصى، ولا معنى لمعارضة الخصوم، لأنهم لا يعرفون هذه الروايات ولا يوثقون رواتها. فالمعارضة برواياتهم له (3) أولى. فمن ذلك ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا أبو الأسود، عن عن أبي ربيعة (4)، عن دراج أبي السمح

(1) في (ن) لا.
(2) في (ن) من علة، والظاهر: كون علة الأشربة.
(3) في (ن) لهم.
(4) في هامش النسخة: لهيعة، وفي (ن) أبي كهينة. والصحيح ما في الهامش.

[ 101 ]

وروى الساجي صاحب اختلاف الفقهاء قال: حدثنا سليمان بن داود، قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا با السمح حدثه. واجتمعا على أن دراجا قال: إن عمر بن الحكم حدثه عن أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وآله: إن أناسا من أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله ليعلمهم الصلاة والسنن والفرائض، فقالوا: يا رسول الله إن لنا شرابا نعمله (1) من القمح والشعير. فقال عليه السلام: الغبيراء؟ فقالوا: نعم، فقال: لا تطعموها. قال الساجي في حديثه: قال عليه السلام ذلك ثلاثا. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ثم لما كان بعد ذلك يومين (2) ذكروها له عليه السلام فقال: الغبيراء؟ قالوا: نعم. قال: لا تطعموها. قالوا: فإنهم لا يدعونها. قال عليه السلام: من لم يتركها فأضربوا عنقه. وروى أبو عبيد أيضا عن ابن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن الغبيراء، فنهى عنها وقال: لا خير فيها. قال: قال زيد بن أسلم: هي الاسكركة. والاسكركة في لغة العرب اسم الفقاع. وقال ابن الرومي وهو ممن لا يطعن عليه في علم اللغة والعربية، لأنه كان متقدما في علمها، متولى (3) إلى معانيها قال: اسقني الاسكركة الصن بر في جعصلقونه واجعل القيحن فيها يا خليلي بغصونه

(1) خ ل: نصنعه، في (ن) نصفه. (2) في (ن) بيومين.
(3) في (ن) متوجها.

[ 102 ]

أنها مصفاة أعلاه ومسك لبطونه وأراد ب‍ (الاسكركة) الفقاع. و (الجعصلقون) الكوز الذي يشرب فيه الفقاع. و (الصنبر) البارد. و (القيحن) الشراب. وروى أصحاب الحديث من طرق معروفة: إن قوما من العرب سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن الشراب المتخذ من القمح، فقال رسول الله: أيسكر؟ قالوا: نعم. فقال عليه السلام: لا تقربوه. ولم يسأل في الشراب المتخذ من الشعير عن الاسكار، بل حرم ذلك على الإطلاق، وحرم الشراب الآخر إذا كان مسكرا، فدل ذلك على أن الغبيراء محرمة بعينها كالخمر. وروى أصحاب الحديث في كتبهم المشهورة أن عبد الله الأشجعي كان يكره الفقاع. وقال أحمد بن حنبل كذلك، وكان ابن المبارك يكرهه. قال أحمد: وحدثنا عبد الجبار بن محمد الخطابي، عن سمرة (1) قال: الغبيراء التي نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عنها الفقاع. ويلزم مخالفينا مع هذه الأخبار المروية من طرقهم أن يحرموا الفقاع، ولا يلزم الإمامية على تحرير (2) ولا يبدعونهم ولا يبزوهم (3) بتحريمها، والنهي عن بيعها. وشيوخهم مالك بن أنس ويزيد بن هارون يكرهان (4).

(1) في الانتصار: ضمرة.
(2) في (ن) ولا يلوموا الإمامية على تحريمه.
(3) في (ن) يعيرونهم.
(4) في (ن) يكرهانه.

[ 103 ]

قال أحمد: وحدثنا أبو عبد الله المدائني قال: قال مالك بن أنس: يكره الفقاع، ويكره أن يباع في الأسواق (1). وغيره ممن ذكرناه ينهي عن شرب الفقاع وبيعه، والعصبية تعمي وتصم.

(1) استخراج هذه الأحاديث مع أحاديث أخر في الانتصار ص 198 ط نجف الأشرف وكذا الشيخ في رسالته المعمولة في تحريم الفقاع المطبوع في الرسائل العشر ص 256.

[ 104 ]

المسألة الثانية [ علم النبي صلى الله عليه وآله بالكتابة والقراءة ] ما الذي يجب أن يعتقد في النبي صلى الله عليه وآله، هل كان يحسن الكتابة وقراءة الكتب أم لا؟. الجواب: وبالله التوفيق الذي يجب اعتقاده في ذلك التجويز، لكونه عليه السلام عالما بالكتابة وقراءة الكتب، ولكونه غير عالم بذلك، من غير قطع على أحد الأمرين. وإنما قلنا ذلك، لأن العلم بالكتابة ليس من العلوم التي يقطع على أن النبي والإمام عليهما السلام لا بد من أن يكون عالما بها وحائزا لها. لأنا إنما نقطع في النبي والإمام على أنهما لا بد أن يكون كل واحد عالما بالله تعالى وأحواله وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، وبجميع أحوال الديانات وبسائر أحكام الشريعة التي يؤديها النبي صلى الله عليه وآله أن يحفظها (1) الإمام

(1) ظ: ويحفظها.

[ 105 ]

عليه السلام ويتقدمها، حتى لا يشذ على كل واحد منهما من ذلك الشئ يحتاج فيه إلى استفتاء غيره، كما يذهب المخالفون لنا. أما ما عدى ذلك من الصناعات والحرف، فلا يجب أن يعلم نبي أو إمام شيئا من ذلك. والكتابة صنعة كالنساجة والصياغة، فكما لا يجب أن يعلم ضروب الصناعات، فكذلك الكتابة. وقد دللنا على هذه المسألة، واستقصينا الجواب عن كل ما يسأل عنه فيها في مسألة مفردة أمليناها جوابا لسؤال بعض الرؤساء عنه، وانتهينا إلى أبعد الغايات. وقلنا: أن إيجاب ذلك يؤدي إلى إيجاب العلم بسائر المعلومات الغائبات والحاضرات، وأن يكون كل واحد من النبي والإمام محيطا بمعلومات الله تعالى كلها. وبينا أن ذلك يؤدي إلى أن يكون المحدث عالما لنفسه كالقديم تعالى، لأن العلم الواحد لا يجوز أن يتعلق بمعلوم على جهة التفصيل، وكل معلوم مفصل لا بد له من علم مفرد يتعلق به، وأن المحدث لا يجوز أن يكون عالما لنفسه، ولا يجوز أن يكون أيضا وجود ما لا نهاية له من المعلوم، ويبطل (1) قول من ادعى أن الإمام محيط بالمعلومات. فإن قالوا: الفرق بين الصناعات وبين الكتابة، أن الكتابة قد تتعلق بأحكام الشرع، وليس كذلك باقي الصناعات. قلنا: لا صناعة من نساجة أو بناء أو غيرهما إلا وقد يجوز أن يتعلق به حكم شرعي كالكتابة.

(1) في (ن) فبطل.

[ 106 ]

ألا ترى أن من استأجر بناءا على (1) مخصوص، وأيضا النساجة قد يجوز أن يختلف، فيقول الصانع: قد وفيت العمل الذي استؤجرت له، ويقول المستأجر: ما وفيت بذلك. فمتى لم يكن الإمام عالما بتلك الصناعات ومنتهيا إلى أبعد الغايات لم يمكنه أن يحكم بين المختلفين. فإن قيل: يرجع إلى أهل تلك الصناعة فيما اختلفا فيه. قلنا: في الكتابة مثل ذلك سواء. وبينا في تلك المسألة التي أشرنا إليها، بأن هذا يؤدي إلى أن علم الإمام تصديق (2) الشهادة أو كذبه فيما يشهد به، لأنه إذا جاز أن يحكم بشهادة (3) مع تجويز كونه كاذبا.... وإلا جاز أن يحكم بقول ذي الصناعات في قيم المتلفات وأروش الجنايات وكل شئ اختلف فيه فيما له تعلق بالصناعات وإن جاز الخطأ على المقومين. وبينا أن ارتكاب ذلك يؤدي إلى كل جهالة وضلالة. فإن قيل: أليس قد روى أصحابكم أن النبي صلى الله عليه وآله في يوم الحديبية لما كتب معينة (4) بين سهيل بن عمرو وكتاب مواعدة (5)، وجرى من سهيل ما جرى من إنكار ذكر النبي صلى الله عليه وآله بالنبوة، وامتنع أمير المؤمنين عليه السلام مما اقترح سهيل كتب عليه السلام في الكتاب.

(1) في (ن) لبناء.
(2) في (ن) بتصديق.
(3) في (ن) بشهادته.
(4) في (ن) بينه و. (5) في (ن) موادعة.

[ 107 ]

قلنا: هذا قد روي في أخبار الآحاد وليس بمقطوع عليه، وإنما أنكرنا القطع. ونحن مجوزون - كما ذكرنا - أن يكون عليه السلام كان يحسن الكتابة، كما يجوز أن لا يكون يحسنها. فإن قيل: أليس الله تعالى يقول: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) (1). قلنا: إن هذا الآية إنما تدل على أنه عليه السلام ما يحسن الكتابة قبل النبوة وإلى هذا يذهب أصحابنا، فإنهم يعتمدون أنه عليه السلام ما كان يحسنها قبل البعثة، وأنه تعلمها من جبرئيل بعد النبوة، وظاهر الآية تقتضي ذلك، لأن النفي تعلق بما قبل النبوة دون ما بعدها. ولأن التعليل أيضا يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوة، ولأن المبطلين والمشككين إنما يرتابون في نبوته عليه السلام لو كان يحسن الكتابة قبل النبوة وأما بعد النبوة فلا تعلق له بالريبة والتهمة. فإن قيل: من أين يعلم أنه عليه السلام ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة، وإذا كان عندكم أنه قد أحسنها بعد النبوة، ولعل (2) هذا العلم كان متقدما. فإن قلت (3): فلم نعلم أنه عليه السلام ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة بهذه الآية. قيل لكم: هذه الآية إنما تكون حجة وموجبة للعلم إذا صحت النبوة، فكيف يجعل نفي الآية دلالة على النبوة وهو مبني عليها؟ قلنا: الذي يجب أن يعتمد عليه في أنه عليه السلام لا يحسن الكتابة والقراءة

(1) سورة العنكبوت: 48.
(2) في (ن) فلعل.
(3) في (ن): قلتم نعلم.

[ 108 ]

قبل النبوة هو أنه عليه السلام لو كان يحسنها وقد نطق القرآن الذي أتى بنفي ذلك عنه عليه السلام قبل النبوة، مما (1) جاز له أن يخفي الحال فيه مع التتبع والتفتيش والتنقير، لأن هذه الأمور كلها إنما يجوز أن تخفى مع عدم الدواعي إلى كشفها، ومع الغفلة عنها والاعراض عن تأمل أحوالها. وأما إذا قويت الدواعي وتوفرت البواعث على كشف حقيقة الحال وتعلق ذلك (2) دعوى مدع بمعجزة، فلا بد من الفحص والتفتيش، ومعها لا بد من ظهور حقيقة الحال. ومن كان يحسن القراءة والكتابة لا بد من أن يكون قد تعلمها أو أخذها من موقف ومعرف، والذين كانوا يحسنون الكتابة من العرب في ذلك الزمان معدودون قليلون ممن (3) تعلم من أحدهم وكشف عن أمره على طول الأيام، لا بد من ظهور حاله بمقتضى العادة. وهذه الجملة تدل على أنه عليه السلام ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة. فإن قيل: فقد وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بأنه أمي في مواضع من القرآن (4). والأمي الذي لا يحسن الكتابة، فكيف تقولون أنه عليه السلام أحسنها بعد النبوة. قلنا: أما أصحابنا القاطعون على أنه عليه السلام كان يحسن الكتابة بعد النبوة، فإنهم يجيبون عن هذا السؤال بأن يقولوا: لم يرد الله تعالى بقوله (أمي) أنه لا يحسن الكتابة، وإنما أراد الله تعالى نسبته إلى أم القرى، لأنه من أسماء مكة (أم القرى). فإن كانت هذه النسبة محتملة لأمرين، لم يجز أن يقطعوا على أحدهما بغير دليل.

(1) في (ن): لما. (2) في (ن): بذلك.
(3) في (ن): فمن.
(4) سورة الأعراف: 158.

[ 109 ]

المسألة الثالثة [ تفضيل الأنبياء على الملائكة ] ما تقول في الأنبياء والملائكة؟ أي القبيلين أفضل وأكثر ثوابا؟ وما الذي يجب أن يعتقد في ذلك؟ الجواب: إعلم أن الفضل الذي هو كثرة الثواب ووفوره لا دلالة في مجرد العقل على أن بعض المكلفين فيه أفضل من غيره، لأن كثرة الثواب وقلته إنما يتبعان أثره الذي يقع عليهما الأفعال، وذلك مما لا يطلع عليه إلا علام الغيوب جل وعز، وإنما المرجع في بعض المكلفين أكثر ثوابا من غيره إلى طريق (1) سمعية. وقد أجمعت الإمامية بلا خلاف بينها على أن كل واحد من الأنبياء أفضل وأكثر ثوابا من كل واحد من الملائكة. وذهبوا في الأئمة عليهم السلام أيضا إلى مثل ذلك.

(1) في (ن): طرق.

[ 110 ]

وإجماع الإمامية حجة على ما بيناه، فيجب القطع بهذه الحجة على أن الأنبياء أفضل من الملائكة على جماعتهم. ومن اعتمد من أصحابنا في أن الأنبياء أفضل، على أن المشاق على الأنبياء من التكليف أكثر، لأن لهم شهوات تتعلق بالقبيح ونفار عن فعل الواجب، والملائكة ليسوا كذلك. فقد عول على غير صحيح، لأن الملائكة من حيث كانوا مكلفين لا بد له من أن يكون عليهم مشقة في التكليف، لولا ذلك لما استحقوا ثوابا، والتكليف لا يشق إلا بشهوات تتعلق بها حظر ومنع منه ونفارا (1) يتعلق بالواجبات. وإذا كان الأمر على ذلك، فمن أين يعلم بالعقل بأن مشاق الأنبياء أكثر من مشاق الملائكة في التكليف؟ وليس إذا علمنا على طريق الجملة أن الملائكة لا تتعلق شهواتهم بالأكل والشرب والجماع، فيكونوا ملتذين وآملين بما يرجع إلى هذه الأمور أحطنا علما بسائر ما يلتذون ويأملون (2) معه من ضروب المدركات ولا (3) يسع التكليف من أن يكونوا ممن يلتذ ويألم ببعض ما يدركونه، ولولا ذلك لما استحقوا ثوابا ولا كانوا مكلفين. وقد أملينا مسألة مفردة في تفضيل الأنبياء على الملائكة واستقصيناها للموافق والمخالف في ذلك، وأجبنا عن الشبهات التي قد عول عليها مخالفونا بما أوضحنا وأشبعناه. ومن أوكد ما تعلقوا به قوله تعالى حكاية عن إبليس مخاطبا لآدم وحواء عليهما السلام (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا

(1) ظ: نفار.
(2) في (ن): يألمون.
(3) في (ن) ولا بدمع التكليف ممن يكونوا ممن يلتذ بألم ببعض - الخ.

[ 111 ]

من الخالدين) (1) فرغبهما في أن يكونا ملكين، ولا يجوز أن يرغبهما بأن يعصيا الله تعالى حتى ينتقلا إلى الحال التي هي دون حالهما، وحالهما هي أفضل منها. وهي شبهة لها روعة ولا محصل لها عند التفتيش، لأن الفضل الذي هو كثير الثواب لا يجوز أن يستحق إلا بالأعمال، وهي (2) صارت خلقته خلقة الملك لا يجوز أن يكون ثوابه مثل ثواب الملك. وإنما رغبهما في أن ينتقلا إلى صورة الملائكة وخلقهم، لا إلى ثوابهم ما تجزا (3) على أعمالهم، لأن الجزاء على الأعمال تابع لها، ولا يتغير بانقلاب الخلق والصورة، فبطل أن يكون في هذه الآية دلالة على موضع الخلاف. وأيضا فإن المعتزلة يجوزون على الأنبياء الصغائر من الذنوب: فيقال لهم: إن يكن آدم عليه السلام اعتقد أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وكان ذلك ذنبا صغيرا منه، فرغب في حال الملائكة والانتقال إليها، بناءا على هذا الخطأ، ولا تكون الآية دالة في الحقيقة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء. ومما قيل في هذه الآية: أن قوله (إلا أن تكونا ملكين) أن يراد به إلا أن يصيرا وينقلبا إلى هذه الحالة، وإنما أراد إبليس التلبيس عليهما وإيهامهما أن المنهي عن أكل الشجرة غيرهما، فإن النهي عن تناول الشجر اختص به الملائكة والخالدون. ويجري ذلك مجرى قول أحدنا: ما نهيت عن دخول الدار زيدا دونك. فأما قوله (لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون) (4)

(1) سورة الأعراف: 20.
(2) في (ن): ومن.
(3) في (ن) والجزاء.
(4) سورة النساء: 172.

[ 112 ]

وادعاء القوم أن ذلك يدل على فضل الملائكة على الأنبياء، لأنه أخر ذكرهم، ولا يجوز أن يؤخر في مثل هذا الكلام إلا الفاضل دون المفضول. ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول القائل: ما يأنف الأمير من كذا وكذا ولا الحارس، وإنما يجوز أن يقول: ما يأنف من كذا وكذا المفضول، ثم يعقب بذكر الفاضل مثل أن يقول: ما يأنف من لقاء زيد الوزير ولا الأمير. وهذا من ركيك الشبه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى خاطب بهذا الكلام فيمن (1) كانوا يعتقدون فضل الملائكة على الأنبياء مرتبة على حسب اعتقادهم، لا على ما يقتضيه أحوال المذكورين. وجرى ذلك مجرى أن يقول أحدنا لغيره: ما يأنف أبي من كذا ولا أبوك. وإن كان القائل يعتقد فضل أبيه على أب المخاطب. ويمكن في هذه الآية وجه آخر، وهو أنا نسلم أن جميع الملائكة أفضل ثوابا من المسيح، وإن كان المسيح أكثر ثوابا من كل واحد منهم، وهو موضع الخلاف. لأنا لا نمنع من أن يكون الملائكة أكثر ثوابا من كل وأحد منهم، وأنه كان كل نبي أكثر ثوابا من كل ملك. ومما يجوز أن يقال في هذه أيضا: إن تأخير الذكر لا يحسن مع تفاوت الفضل وتباعده، فأما مع التقارب والتساوي فهو حسن جائز، ولهذا يحسن أن يقول القائل ما يأنف من لقائي والركوب إلى زيد ولا عمرو وهو دون زيد في الفضل بيسير غير معتد به. وإنما يقبح ذلك مع التفاوت بين الحارس والأمير. وليس بين الملائكة والأنبياء من الفضل ما يظهر فيه التفاوت الذي لا يليق بتأخر ذكرهم.

(1) في (ن): قوما.

[ 113 ]

المسألة الرابعة [ مسألة الذر وحقيقته ] ما تقول في الأخبار التي رويت من جهة المخالف والموافق في الذر وابتداء الخلق على ما تضمن تلك الأخبار، هل هي صحيحة أم لا؟ وهل لها مخرج من التأويل يطابق الحق؟. الجواب: إن الأدلة القاطعة إذ دلت على أمر وجب إثباته والقطع عليه، وأن لا يرجع عنه بخبر محتمل، ولا بقول معترض للتأويل، وتحمل الأخبار الواردة بخلاف ذلك على ما يوافق تلك الدلالة ويطابقه، وإن رجعنا بذلك عن ظواهرها، وبصحة هذه الطريقة نرجع عن ظواهر آيات القرآن التي تتضمن إجبارا أو تشبيها. وقد دلت الأدلة أن الله تعالى لا يكلف إلا البالغين الكاملين العقول، ولا يخاطب إلا من يفهم عند الخطاب. وهذه الجملة تدل على أن من روى أنه خوطب في الذر وأخذت عنه (1)

(1) في (ن): عليه.

[ 114 ]

المعارف، فأقر قوم، وأنكر قوم كان عاقلا كاملا مكلفا. لأنه لو كان بغير هذه الصفة لم يحسن خطابه، ولا جاز أن يقر، ولا أن ينكر. ولو كان عاقلا كاملا لوجب أن يذكر الناس ما جرى في تلك الحال من الخطاب والاقرار والانكار، لأن من المحال أن ينسي جميع الخلق ذلك، حتى لا يذكروا ولا يذكره بعضهم. هذا ما جرت العادات به، ولولا صحة هذا الأصل لجوز العاقل منا أن يكون أقام في بلد من البلدان متصرفا، وهو كامل عاقل ثم نسي ذلك كله، مع تطاول العهد، حتى لا يذكر من أحواله تلك شيئا. وإنما لم نذكر ما جرى منا وإنا في حال الطفولية، لفقد كمال العقل في تلك الحال به (1) من تخلل أحوال عدم وموت من تلك الحال وأحوالنا هذه ويجعلونه سببا في عدم الذكر غير صحيح، لأن اعتراض العدم أو الموت بين الأحوال لا يوجب النسيان بجميع ما جرى مع كمال العقل. ألا ترى أن اعتراض السكر والجنون والأمراض المزيلة للمعلوم بين الأحوال، لا يوجب النسيان للعقلاء بما جرى بينهم. فهذه الأخبار: إما أن تكون باطلة مصنوعة، أو يكون تأويلها - إن كانت صحيحة - ما ذكرناه في مواضع كثيرة من تأويل قوله (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم) (2). وهو أن الله تعالى لما خلق الخلق وركبهم تركيبا وأراهم الآيات والدلائل والعبر في أنفسهم وفي غيرهم، يدل الناظر فيها المتأمل لها على معرفة الله وإلهيته ووحدانيته ووجوب عبادته وطاعته، جاز أن يجعل تسخيرها له وحصولها

(1) في (ن): وما يجدون به.
(2) سورة الأعراف: 172.

[ 115 ]

على هذه الصفات الدالة على ما ذكرناه إقرارا منها بالوحدانية ووجوب العبادة، ويجعل تصييرها على هذه الصفات الدالة على ما ذكرنا استشهادا لها على هذه الأمور. وللعرب في هذا المعنى من الكلام المنثور والمنظوم ما لا يحصى كثرة، ومنه قول الشاعر: امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني ومعنى ذلك: أنني ملأته حتى أنه ممن يقول حسبي قد اكتفت، فجعل ما لو كان قائلا لنطق، كأنه قال ونطق به. وهذا تأويل الآية والأخبار المروية في الذر، في هذه الجملة كفاية.

[ 116 ]

المسألة الخامسة [ مسألة البداء وحقيقته ] ما تقول في إطلاق لفظ (البداء) على الله تعالى؟ وهل هو لفظ له معنى مطابق للحق أم لا يجوز إطلاق هذه اللفظة على حال؟ الجواب: وبالله التوفيق أما (البداء) في لغة العرب: هو الظهور، من قولهم: بدا الشئ، إذا ظهر وبان. والمتكلمون تعارفوا فيما بينهم أن يسموا ما يقتضي هذا البداء باسمه، فقالوا: إذا أمر الله تعالى بالشئ في وقت مخصوص على وجه معين بمكلف واحد، ثم نهى عنه على هذه الوجوه كلها، فهو بداء. لأنه يدل عليه من حيث لم تظهر أمر لم يكن ظاهرا اما (كذا) جاز أن يطابق المنهي أمر بهذه الطائفة (1). وفرقوا بين النسخ والبداء باختلاف الوقتين في الناسخ والمنسوخ. والبداء على ما حددناه لا يجوز على الله تعالى، لأنه عالم بنفسه، لا يجوز له أن يتجدد كونه عالما، ولا أن يظهر له من المعلومات ما لم يكن ظاهرا.

(1) في (ن): المطابقة.

[ 117 ]

ولهذا قالوا: إذا كان البداء لا يجوز عليه (1) لم يجز أيضا عليه ما يدل على البداء، أو يقتضيه من النهي عن نفس ما أمر به على وجهه في وقته، والمأمور والمنهي واحد. وقد وردت أخبار آحاد لا توجب علما، ولا تقتضي قطعا، بإضافة البداء إلى الله تعالى، وحملوها محققوا أصحابنا على أن المراد بلفظة البداء فيها النسخ للشرائع، ولا خلاف بين العلماء في جواز النسخ للشرائع. وبقي أن نبين هل لفظة (البداء) إذا حملت على معنى النسخ حقيقة أو مستعارة؟ ويمكن أن ينص أنها حقيقة في النسخ غير المستعارة، لأن البداء إذا كان في اللغة العربية اسما للظهور. وإذا سمينا من ظهر له من المعلومات ما لم يكن ظاهرا، حتى اقتضى ذلك أن يأمر بنفس ما نهى عنه، أو ينهي عن نفس ما أمر به، أنه قد بدا، لم يمتنع أن يسمي الأمر بعد النهي والحظر بعد الإباحة على سبيل التدريج، فإنه بداء له، لأنه ظهر من الأمر ما لم يكن ظاهرا، وبدا ما لم يكن بائنا، بمعنى البداء الذي هو الظهور والبروز حاصل (2) في الأمرين. فما المانع على نفص الاستنفات (3) أن يسمي الأمرين بداء، لأن فيهما معا ظهور أمر لم يكن ظاهرا. فإن قيل: هذا إنما يسوغ إذا أطلق لفظة (البداء) ولم تضف، فأما إذا أضيفت وقيل: (بدا له في كذا) فلا يليق إلا بما ذكرناه دون ما خرجتموه، لأن اطلاع من أمر بعد نهي، أو نهي بعد أمر على أمر ما كان مطلقا خصه، فلا يتعدى

(1) في (ن): عليهم.
(2) ظ: الحاصل.
(3) في (ن): على يقضي اشتقاق اللغة أن يسمى. و ظ: على مقتضى الاشتقاق.

[ 118 ]

إلى غيره، فيجوز أن يقال على سبيل التخصيص: بدا له. وليس كذلك النسخ، لأن الأمر وإن كان متجددا بعد النهي، وكذلك الحظر بعد الإباحة، فذلك مما لا يقتضي الاضافة على سبيل التخصيص، لأن الأمر المتجدد ظاهر الأمر، ولكل سامع له ومخاطب به. قلنا: مرت (1) ضعيف، لأنه قد يجوز أن يضاف من البداء الذي هو الظهور ما شارك فيه غيره (2)، ولا يمنع مشاركته (3) في أن ذلك بأدلة من اضافته إلى الأمر. ألا ترى أنه قد يجوز أن يظهر لي ولغيري من حسن الفعل أو قبحه ما لم يكن ظاهرا، فأمر بعد نهي أو نهي بعد أمر، فدل (4) أنه قد بدا له و يضاف إليه. وإن شاركه في أنه ظاهر له غيره، فالمشاركة ليس تنفي هذه الاضافة، ويجوز له أن يكون القوي بهذه الاضافة، وأن الأصل في ظهور هذا الأمر هو الفاعل له، دون كل من سمعه، لأنهم وإن اشتركوا في العلم به عند ظهوره، فالأصل في ظهوره هو الفاعل له، فيقوم الاضافة لذلك. وليس ينبغي أن ينكر هذا التخريج، لأن أهل اللغة ما وافقونا على أن البداء لا يكون إلا في الموضع الذي ذكره بعض المتكلمين، وشرط بتلك الشرائط المشهورة. بل قال أهل اللغة: إن البداء هو الظهور، ولم يزيدوا على ذلك، والمتكلمون قصروه على موضع بحسب ما اختاروه، لأن معنى البداء الذي هو الظهور،

(1) في (ن): هذا فرق.
(2) في هامش النسخة: شاركين فيه غيري. وفي (ن): ما يشاركني فيه غيري.
(3) في (ن) مشاركة غيري.
(4) في (ن) تدل.

[ 119 ]

فيجوز لغيرهم أن يعديه إلى موضع آخر فيه أيضا معنى الظهور في اللغة لا قصر عليه ذلك. ثم لو سلمنا لخصوص اللغة أن لفظ البداء يختص حقيقة بما ذكروه، جاز أن يستعار في غيره وهو النسخ لأن فيه معنى الظهور على كل حال. وقد بان بهذه الجملة جميع ما يحتاج في هذه المسألة.

[ 120 ]

المسألة السادسة [ تحقيق حول قوله عليه السلام نية المؤمن خير من عمله ] ما تقول في قوله (نية المؤمن خير من عمله)، ومعلوم أن النية أخفض ثوابا من العمل، وأبو هاشم يقول: إن العزم لا بد من أن يكون دون المعزوم عليه في ثواب وعقاب، وإلا لزم أن يكون العزم على الكفر كفرا. الجواب: فيه وجهان إذا قدرنا لفظة (خير) في الخبر محمولة على المفاضلة. أحدهما: أن يكون المراد نية المؤمن مع عمله العاري من نيته. وهذا ما لا شبهة في أنه كذلك. والوجه الثاني: أن يريد نية المؤمن لبعض أعماله، قد يكون خيرا من عمل آخر لا يتناوله هذه النية. وهذا صحيح، فإن النية لا يجوز أن يكون خيرا من عملها نفسها. وغير منكر أن يكون نية بعض الأعمال الشاقة العظيمة الثواب أفضل من عمل آخر دون ثوابها، حتى لا يظن ظان أن النية لا يجوز أن تساوي أو تزيد على ثواب بعض الأعمال. وهذان الوجهان فيها على كل حال ترك لظاهر الخبر، لإدخال زيادة ليست في الظاهر. والتأويل الأول إذا حملنا لفظة (خير) على خلاف المبالغة والتفضيل مطابق للظاهر وغير مخالف له، وفي هذا كفاية.

[ 121 ]

المسألة السابعة [ هل يقع من الأنبياء الصغائر أو الكبائر ] إذا كان من مذهب الإمامية المحقة أن الأنبياء لا يجوز عليهم شئ من القبائح لا صغيرها ولا كبيرها، فما معنى الظواهر التي وردت في القرآن، مثل قوله تعالى (وعصى آدم ربه فغوى (1)) وما أشبه ذلك من الأنبياء عليهم السلام بالوجه (2) الصحيح في تأويل هذه الأخبار. الجواب: إعلم أن الأدلة العقلية إذا كانت دالة على أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز أن يواقعوا شيئا من الذنوب صغيرا وكبيرا، فالواجب القطع على ذلك، ولا يرجع عنه بظواهر الكتاب. لأنها إما أن تكون محتملة مشتركة، أو تكون ظاهرا خالصا (3)، لما دلت العقول على خلافه. لأنها إذا كانت محتملة حملناها على الوجه المطابق للحق الذي هو أحد محتملاتها، وإن كانت غير محتملة عدلنا عن ظواهرها وقطعنا على أنه تعالى أراد غير ما يقتضيه الظاهر مما يوافق الحق.

(1) سورة طه: 121.
(2) في (ن): وما الوجه.
(3) ظ: أو تكون ظاهرة خالصة.

[ 122 ]

والذي يدل عقلا أن الأنبياء لا يجوز أن يفعلوا قبيحا، وأن القبيح على ضربين: فضرب منه يمنع الآيات من وقتهم (1)، كالكذب فيما يؤدونه والزيادة فيه أو النقصان، أو الكتمان لبعض ما كلفوا تبليغه، لأن المعجزات تقتضي صدق من ظهر عليه. وأنه لا يجوز أن يحرف الرسالة ولا يبدلها. ويقتضي أيضا أن لا يجوز عليه الكتمان مما أمر بأدائه، لنقض الغرض في بعثه. والضرب الآخر من القبائح هو ما لا تعلق له بالأداء والتبليغ، فهذا الضرب الذي يمتنع منه أنه منعي (2) عن القول منهم، وإنما بعثوا ليؤدوا ما حملوه، وليعلموا بما أدوه التفسير (3) من القول، يقتضي نقض الغرض أيضا. والصغائر في هذا الباب كالكبائر، لأن الكل من حيث كانت قبائح تنفرد ولو لم تكن كذلك لكان السكون من المبعوث إليه أكثر وأوفر، فمن جوز الصغائر عليهم واعتقد بأنها لا يستحق به في الحال العقاب، كمن جوز عليهم الكبائر قبل النبوة وإن كانوا فيها حال النبوة ممتنعين، واعتذر مثله في الصغائر غير أن الكبائر الماضية قبل النبوة لا يستحق لها شئ من الصغائر. وأن الكبائر الماضية قبل النبوة لا يستحق بها العقاب، وإنما سقط عقابها لأجل زيادة ثواب طاعات فاعلها، ألا ترى أنها لو انفردت لاستحق بها العقاب، ولا مخلص للخصوم من هذه النكتة. وقد بينا ذلك وشرحناه واستوفيناه في كتابنا المعروف ب‍ (تنزيه الأنبياء والأئمة) وبلغنا فيه الغاية القصوى.

(1) في (ن): وقوعه منهم.
(2) في (ن) منفي عن القبول. و ظ: مانع عن القبول.
(3) في (ن): فما أرى إلى التنفير من القبول.

[ 123 ]

وذكرنا أيضا في هذا الكتاب تأويل كل آية أدعي أن ظاهرها يقتضي وقوع معصية من نبي، وبينا الصحيح من تأويلها، وسقنا الكلام في نبي بعد نبي، من آدم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله، وفعلنا مثل ذلك في الأئمة. وهذا كتاب جليل الموقع في الدين كثير الفائدة. فأما قوله تعالى (وعصى آدم ربه فغوى) فهذه الآية أول شئ تكلمنا عليها في كتاب (التنزيه) وبينا أنها لا تدل على وقوع قبيح من آدم عليه السلام، وأن ظاهرها يحتمل الصحيح الذي نقوله، كما أنه محتمل للباطل الذين (1) يذهبون إليه. لأن لفظة (عصى) تدل على مخالفة الأمر أو الارادة، والأمر والارادة قد يتعلقان بالواجب وبما له صفة الندب، والأمر على الحقيقة أمر بالندب، كما أنه أمر بالواجب دون الندب، فمن أين لهم أنه خالف الواجب دون أن يكون عصى، بأن عدل عن المندوب إليه. وليس أن يكون الله تعالى ندبه إلى الكف من تناول الشجرة وعصى، بأن خالف وتناول، فلم يستحق عقابا، لأنه لم يفعل قبيحا، لكنه حرم نفسه الثواب الذي كان يستحقه على الطاعة التي ندب إليها. ومعنى قوله تعالى (فغوى) أي خاب. ولا شبهة في اللغة أن لفظة (غوى) تكون بمعنى (خاب) قال الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ولم (2) يغو لم يعدم على الغي لائما ومما لم نذكره في كتاب (التنزيه) أن قوله تعالى (فغوى) بعد قوله (عصى آدم ربه) لا يليق إلا بالخلبة، ولا يليق بالغي الذي هو القبيح وضد الرشد، لأن

(1) ظ: الذي.
(2) في (ن): ومن.

[ 124 ]

الشئ يعطف على نفسه، ولا يكون سببا في نفسه، ومحال أن يقال: عصى فعصى. ولا بد من أن يراد بما عطف بالفاء غير معنى الأول. والخيبة هي حرمان الثواب بالمعصية التي هي ترك المندوب وسبب فيها، فجاز أن يعطف عليها. والغي الذي هو الفعل القبيح، لا يجوز عطفه على المعصية ولا أن يكون سببا فيه. فإن قالوا: ما المانع من أن يريد بعصي أي لم يفعل الواجب من الكف عن الشجرة، والواجب يستحق بالاخلال به حرمان الثواب، كالفعل المندوب إليه، فكيف رجحتم ما ذهبتم إليه على ما ذهبنا نحن إليه؟ قلنا: الترجيح لقولنا ظاهر، إذ الظاهر من قوله تعالى (عصى فغوى) أن الذي دخلته الفاء جزاء على المعصية، وأنه كل الجزاء المستحق بالمعصية، لأن الظاهر من قول القائل: سرق فقطع، وقذف فجلد ثمانين. أن ذلك جميع الجزاء لا بعضه. وكذا إذا قال القائل: من دخل داري فله درهم. حملناه على أن الظاهر يقتضي أن الدرهم جميع جزائه، ولا يستحق بالدخول سواه. ومن لم يفعل الواجب استحق الذم والعقاب وحرمان الثواب، ومن لم يفعل المندوب إليه فهو غير مستحق لشئ كان تركه للندب سببا تاما فيه إلا حرمان الثواب فقط. وبينا أن من لم يفعل الواجب ليس كذلك، وإذا كان الظاهر يقتضي أن ما دخلته الفاء جميع الجزاء على ذلك السبب لم يلق إلا بما قلناه دون ما ذهبوا إليه، وهذا واضح لمن تدبره.

[ 125 ]

المسألة الثامنة [ حقيقة الرجعة ] سئل عن حقيقة الرجعة، لأن شذاذ الإمامية يذهبون إلى أن الرجعة رجوع دولتهم في أيام القائم عليه السلام من دون رجوع أجسامهم. الجواب: إعلم أن الذي تذهب الشيعة الإمامية إليه أن الله تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان المهدي عليه السلام قوما ممن كان قد تقدم موته من شيعته، ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته. ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم، فيلتذوا بما يشاهدون من ظهور الحق وعلو كلمة أهله. والدلالة على صحة هذا المذهب أن الذي ذهبوا إليه مما لا شبهة على عاقل في أنه مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه، فإنا نرى كثيرا من مخالفينا ينكرون الرجعة إنكار من يراها مستحيلة غير مقدورة. وإذا أثبت جواز الرجعة ودخولها تحت المقدور، فالطريق إلى إثباتها إجماع الإمامية على وقوعها، فإنهم لا يختلفون في ذلك. وإجماعهم قد بينا في مواضع من كتبنا أنه حجة، لدخول قول الإمام عليه السلام فيه، وما يشتمل على قول

[ 126 ]

المعصوم من الأقوال لا بد فيه من كونه صوابا. وقد بينا أن الرجعة لا تنافي التكليف، وأن الدواعي مترددة معها حين (1) لا يظن ظان أن تكليف من يعاد باطل. وذكرنا أن التكليف كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة، فكذلك مع الرجعة، لأنه ليس في جميع ذلك ملجئ إلى فعل الواجب والامتناع من فعل القبيح. فأما من تأول الرجعة في (2) أصحابنا على أن معناها رجوع الدولة والأمر والنهي، من دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، فإن قوما من الشيعة لما عجزوا عن نصرة الرجعة وبيان جوازها وأنها تنافي التكليف، عولوا على هذا التأويل للأخبار الواردة بالرجعة. وهذا منهم غير صحيح، لأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة، فيطرق التأويلات عليها، فكيف يثبت ما هو مقطوع على صحته بأخبار الآحاد التي لا توجب العلم؟ وإنما المعول في إثبات الرجعة على إجماع الإمامية على معناها، بأن الله تعالى يحيي أمواتا عند قيام القائم عليه السلام من أوليائه وأعدائه على ما بيناه، فكيف يطرق التأويل على ما هو معلوم، فالمعنى غير محتمل.

(1) في (ن): حيث.
(2) في (ن): من.

[ 127 ]

المسألة التاسعة [ الطريق إلى معرفة الله تعالى ] قد سأل (رحمه الله) عن الطريق إلى معرفة الله بمجرد العقل أو من طريق السمع. الجواب: إن الطريق إلى معرفة الله تعالى هو العقل، ولا يجوز أن يكون السمع، لأن السمع لا يكون دليلا على الشئ إلا بعد معرفة الله وحكمته، وأنه لا يفعل القبيح ولا يصدق الكذابين، فكيف يدل السمع على المعرفة. ووجه دلالته مبني على حصول المعارف بالله حتى يصح أن يوجب عليه النظر. ورددنا على من يذهب من أصحابنا إلى أن معرفة الله تستفاد من قول الإمام، لأن معرفة كون الإمام إماما مبنية على المعرفة بالله تعالى. وبينا أنهم عولوا في ذلك على أن معرفة الأمام مبنية على النظر في الأدلة. فهو غير صحيح، لأنا (1)...... الإمام على النظر إذا لم يكن العاقل، لكنه

(1) بياض في النسخة وفي (ن): وبينا أنهم عولوا في ذلك على أن الإمام ينبه على النظر في الأدلة، فهو غير صحيح، لأن تنبيه الإمام على النظر إذا لم يكن للعاقل، لكنه في تلك الحال معرفة كونه إماما كتنبيه غيره ممن ليسوا بإمام.

[ 128 ]

في تلك المعرفة كونه إماما غيره ممن ليس بإمام. وبينا أن العاقل إذا نشأ بين الناس، وسمع اختلافهم في الديانات، وقول كثير منهم أن للعالم صانعا خلق العقلاء ليعرفوه، ويستحقوا الثواب على طاعاتهم وأن من فرط في المعرفة استحق العقاب: لا بد من كونه خائفا من ترك النظر وإهماله، لأن خوف الضرر وجهه على وجوب كل نظر في دين أو دنيا، وأنه متى خاف الضرر وجب عليه النظر وقبح منه إهماله والاخلال به. وقلنا: (1) إنه إن اتفق هذا العاقل، بحيث لا عينية له على النظر ولا مخوف، جاز أن يتنبه هو من قبل نفسه في الأمارات التي تظهر له على مثل ما يخوفه به المخوف، فيخاف من الاستضرار بترك النظر، فيجب عليه النظر. وإن كان منفردا عن الناس فإن فرضنا أنه مع التفرد من الناس لا يتفق أن ينبه من قبل نفسه، فلا بد أن يخطر الله بباله ما يخوفه من إهمال النظر حتى يصح أن يوجب عليه النظر والمعرفة. وذكرنا اختلاف أمن الخاطر ما هو؟ وأن الأقوى من ذلك أن يكون كلاما يفعله الله تعالى في داخل سمع العاقل يتضمن من المبنية (2) على الأمارات ما يخاف منه من إهمال نظر يجب عليه حينئذ ذلك. وهذا كله مستقصى في كتاب الذخيرة.

(1) في (ن): وبينا.
(2) في (ن): التنبيه.

[ 129 ]

المسألة العاشرة [ الوجه في حسن أفعال الله تعالى ] القديم تعالى لا يجوز عليه المنافع والمضار، فما وجه حسن أفعاله في ابتداء خلق العالم؟ الجواب: الفعل كما يقع حسنا لاجتلاب منفعة أو دفع مضرة، فكذلك قد يكون حسنا إذا فعل لوجه حسنه من غير اجتلاب منفعة ولا دفع مضرة. المسألة الحادية عشر [ ما الحكمة في الخلق ] هل يجب على الله تعالى في حكمته إيجاد الخلق أو خلقهم تفضلا منه؟ الجواب: لو كان إيجادهم واجبا على الله، للزم أن يكون في وقت مخلا بالواجب، وكان حينئذ مستحقا للذم.

[ 130 ]

المسألة الثانية عشر [ حقيقة الروح ] ما تقول في الروح؟ الجواب: الصحيح عندنا أن الروح عبارة عن: الهواء المتردد في مخارق الحي منا الذي لا يثبت كونه حيا إلا مع تردده، ولهذا لا يسمى ما يتردد في مخارق الجماد روحا، فالروح جسم على هذه القاعدة. المسألة الثالثة عشر [ حكم الزاني بذات البعل في تزويجها ] ما يقول السيد في امرأة ذات بعل زنى بها رجل بعد أن طلقها زوجها تحل أم لا؟ الجواب: أما إذا كانت ذات بعل، لا تحل له أبدا. فأما إذا كانت غير ذات بعل يحل تزويجها بعد إظهار توبتها.

[ 131 ]

المسألة الرابعة عشر [ مسألة الارجاء ] ما يقول السيد في الارجاء؟. الجواب: هو الدين الصحيح عند الإمامية، ولا تحابط عندنا في ثواب ولا عقاب. ويجوز أن يبلي بالبلاء في الدنيا، والتمحيص (1) من الذنوب، فإن فضل من ذلك شئ يعاقب في القبر، ثم أهوال يوم القيامة. فإن فضل يعاقب عقابا منقطعا، ثم يرد إلى الجنة والثواب الدائم، لأن المؤمن يستحق بإيمانه وحدة الثواب الدائم. فإن كان عليهم ذنوب موبقات يمحص ويشفع، والشافعون النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام، ولا يمنع بما يستحقه بإيمانه من الثواب الدائم. وهذه المسألة مستقصاة في جواب أهل الموصل، وفي كتاب الذخيرة.

(1) في (ن): ويمحص.

[ 132 ]

المسألة الخامسة عشر [ دخول العبد الجنة باستحقاقه ] العبد يدخل الجنة بعمله، أو بتفضل الله تبارك وتعالى؟ الجواب: العبد يدخل الجنه باستحقاقه الجنة كالحر. تمت المسائل وأجوبتها، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

[ 133 ]

(3) جوابات المسائل الطبرية

[ 135 ]

المسألة الأولى [ افعال العباد غير مخلوقة ] سأل الشريف (أحسن الله توفيقه) فقال: ما القول في أفعال العباد، هل هي مخلوقة أم لا؟ وما معنى قول الصادق عليه السلام: أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض (1)؟. الجواب: وبالله التوفيق. أما أفعال العباد فليست مخلوقة لله عز وجل، وكيف يكون خلقا له وهي مضافة إلى العباد إضافة الفعلية؟ ولو كانت مخلوقة لكانت من فعله، ولو كانت فعلا له لما توجه الذم والمدح على قبحها وحسنها إلى العباد، كما لا يذمون ويمدحون بخلقهم وصورهم وهيئتهم، ولكانت أيضا لا يتبع في وقوعها تصور العباد ودواعيهم وأحوالهم.

(1) التوحيد ص 362، البحار 5 / 30.

[ 136 ]

ألا ترى أن أفعاله في العباد التي لا شبهة فيها، ولا يتبع إرادتهم، ولا يقع بحسب تصورهم. هذا إن أريد بالخلق هاهنا الإحداث والانشاء على بعض الوجوه. وإن أريد بالخلق التقدير الذي لا يتبع الفعلية، جاز القول بأن أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل، فكل بمعنى أنه مقدر لها مرتب لجميعها. ألا ترى أن أهل اللغة يسمون مقدر الأديم خالقا له وإن كان الأدم من فعل غيره. قال الشاعر: ولأنت تعري (3) ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يعتري وقال الآخر: ولا تبط بأيدي ولا أيدي الخير إلا جيد الأدم هذا جواب لمن يسأل عن أفعال العباد هل يكون مخلوقة لله تعالى أم لا؟ فأما من سأل هل هي مخلوقة للعباد أم لا؟ فجوابه: أن الصحيح كون العباد خالقين لأفعالهم المقصودة المجرى بها إلى الأغراض الصحيحة، هو (4) مذهب أكثر أهل العلم. وخالف أبو القاسم البلخي في ذلك، وإن كان موافقا على أن العباد يحدثون وينشئون ويخترعون. وليس يمتنع أن يوصفوا بأنهم خالقون لأفعالهم، لأن الخلق إن كان معناه إيقاع الفعل مقدرا أو مقصودا، فهذا المعنى قائم بين العباد وأفعالهم، ولا معنى للامتناع لا (5) العبارة مع ثبوت معناها.

(1) الظاهر زيادة الواو.
(2) ظ: فيكون.
(3) لعل: تفرى ويفترى.
(4) ظ: وهو.
(5) ظ: إلا.

[ 137 ]

وقد بينا أن أهل اللغة قد سمعوا العبد خالقا بصريح القول، ولمن كان غيره لا يستحق هذا الوصف أن يشنع أن يقول: أكرم الآلهة أو أحسن. وإنما استنكر أبو القاسم البلخي إطلاق القول بأن الانسان خالق ظنا منه أن ذلك أدخل في تعظيم الله عز وجل وتمييزه عما يجري من الأوصاف على عباده. وليس الأمر على ما ظنه، لما بيناه من إطلاق هذا الوصف على العباد في القرآن واستعمال أهل اللغة. وما توهمه البلخي في التمييز والتخصيص له تعالى. ينتقض بوصفه، بلا خلاف بينه وبين العبد بأنه محدث منشئ مخترع، كما يصف الله تعالى بذلك، وإن كان في الاشتراك في الوصف بالخلق نقص وإبطال للتعظيم والمزية، ففي الاشتراك بالوصف بالانشاء والاختراع مثل ذلك. وما يعتذر به البلخي في الاختراع والانشاء إلى المجبرة، يعتذر إليه بمثله في الخلق. فأما ما روي عن الصادق عليه السلام في أن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين. والمراد (1) بأنها مخلوقة لله تعالى على وجه التقدير كالتكوين (2). فلم يرد (3) عليها أنها مخلوقة للعباد على أحد الوجهين لا الآخر، لأنه عليه السلام لو أراد ذلك لم يكن صحيحا، لأن أفعال العباد مخلوقة لهم خلق تقدير وتكوين معا بل المكون (4) لفعل العبد سواه.

(1) ظ: فالمراد.
(2) ظ: لا التكوين.
(3) ظ: ولم يرد أنها.
(4) ظ: لا مكون.

[ 138 ]

فأما معنى إضافة الصادق عليه السلام في الخبر المروي من (1) أفعال العباد إلى أنها مخلوقة لله تعالى خلق تقدير، فجار على ما قدمنا بيانه من أنه تعالى لما كان مبينا لها مفصلا لحسنها من قبحها مميزا خيرها من شرها، كان بذلك مقدرا لها، وإذا كان مقدرا جاز أن يقال: إنه خالق لها، كما قالوا في مقدر الأديم ومربيه، ومبين ما يجئ منه من مراده وغيرها أنه خالق. وقد صرح في الخبر بالمعنى الذي أشرنا إليه، وأعرب عنه أحسن اعراب، لقوله (خلق تقدير لا خلق تكوين). فأما قوله عليه السلام في الخبر (أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض) عن (2) حسن التخلص والتمييز للحق من الباطل، لأن العباد غير مجبرين على أفعالهم عند من أمعن النظر، بل هم مختارون لها وموقعون لجميعها بحسب إيثارهم ودواعيهم. وقد لوحنا في صدر هذه المسألة بالدلالة على ذلك، غير أنهم وإن كانوا غير مجبرين، فالأمر في أفعالهم غير مفوض إليهم من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى لو لم يقدرهم ويمكنهم بالآلات وغيرها، لما تمكنوا من تلك الأفعال، فأشفق عليه السلام من أن يقتصر على نفي الاجبار عنهم، فيظن أنهم مستقلون بنفوسهم، وأنهم غير محتاجين إلى الله تعالى في تلك الأفعال فنفى التفويض، ليعلم أن الأمر في تمكنهم واقدارهم ليس إليهم. والوجه الآخر: أن يكون المراد بنفي التفويض أن الأمر في تمييز هذه الأفعال وترتيبها، وتبين حسنها من قبحها، وواجبها من ندبها، ليس مفوضا إليهم بل هو مما يختص الله عز وجل بالدلالة عليه والارشاد.

(1) الظاهر زيادة كلمة (من).
(2) ظ: فمن.

[ 139 ]

وهذا الوجه أشبه بالجملة الأولى من الكلام وتعلق معنى آخر الخبر بأوله، لأنه عليه السلام قال: هي مخلوقة خلق تقدير لا تكوين. وقوله (لا جبر) تفسير بأن الخلق على سبيل التكوين. وقوله (لا تفويض) إيضاح الخلق على سبيل التقدير، ونبه على أن تقديرها على ما بيناه إلى غيرهم.

[ 140 ]

المسألة الثانية [ عدم إرادة الله تعالى المعاصي والقبائح ] وسأل (أحسن الله توفيقه) هل تكون المعاصي بإرادة الله تعالى ومشيته أم لا تكون بإرادة الله تعالى؟ وهل شاءها تعالى ورضاها أم شاءها ولم يرضها؟. الجواب: وبالله التوفيق اعلم أن الله تعالى لم يرد شيئا من المعاصي والقبائح، ولا يجوز أن يريدها ولا يشاؤها ولا يرضاها، بل هو تعالى كاره وساخط لها. والذي يدل على ذلك أنه جلت عظمته قد نهى عن سائر القبائح والمعاصي بلا خلاف، والنهي إنما يكون نهيا بكراهة الناهي للفعل المنهي عنه، وقد بين ذلك في الكتب، والأمر فيه واضح لا يخفى. ألا ترى أن أحدنا لا يجوز أن ينهى عما (1) يكرهه، فلو كان النهي في كونه نهيا غير مفتقر إلى الكراهة لم يجب ما ذكرناه، ولأنه لا فرق بين قول أحدنا

(1) ظ: إلا عما.

[ 141 ]

لغيره (لا تفعل كذا) ناهيا له، وبين قوله (أنا كاره له). كما لا فرق بين قوله (أفعل) آمرا له، وبين قوله (أنا مريد منك أن تفعل). وإذا كان جلت عظمته كارها لجميع المعاصي والقبائح من حيث كان ناهيا عنها أن يكون (1) استحال أن يكون مريدا لها، لا (2) لاستحالة أن يكون مريدا لها (3) كارها للأمر الواحد على وجه واحد. ويدل أيضا على ذلك: أنه لو كان مريدا للقبيح لوجب أن يكون على صفة نقص وذم إن كان مريدا له بلا إرادة، وإن كان مريدا له بإرادة أن يكون فاعلا لقبيح، لأن إرادة القبيح قبيحة، وفاعلها فاعل القبيح ومستحق للذم. وخلاف في ذلك في الشائي كما لا خلاف في قبح الظلم من أحدنا. وإنما يدعي مخالفونا حسن إرادة القبيح إذا كانت من فعله تعالى، كما يدعون حسن حالة صفة الظلم من فعله تعالى. وذلك باطل بما لا شبهة فيه. وقد أكد السمع دليل العقل، فقال الله تعالى (وما الله يريد ظلما للعباد) (4) (وما الله يريد ظلما للعالمين) (5) وقوله تعالى (كل ذلك سيئه عند ربك مكروها) (6) وقال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (7) وإذا كان خلقهم للعبادة فلا يجوز أن يريد منهم الكفر.

(1) الظاهر زيادة (أن يكون).
(2) الظاهر زيادة (لا).
(3) الظاهر زيادة (لها).
(4) سورة غافر: 31.
(5) سورة آل عمران: 108.
(6) سورة الاسراء: 38.
(7) سورة الذاريات: 56.

[ 142 ]

وقال الله تعالى (وما يرضى لعباده الكفر) (1) ولو كان مريدا له لكان شائيا له وراضيا به. وقد أجمع المسلمون على أنه تعالى لا يرضى أن يكفر به ويشتم أولياءه ويكذب أنبياءه ويفتري عليهم. فأما تعلق المخالف بأنه لو حدث من العباد ما لا يريده تعالى، لدل ذلك على صفة (2)، قياسا على رعية الملك إذا فعلوا ما يكرهه وما يريده فباطل. الجواب عنه أنه غير مسلم لهم أن جميع ما يريده الملك من رعيته إذا وقع منهم خلاف ذل (3) على ضعفه، لأنه لو أراد منهم ما يعود صلاحه ونفعه عليهم لا عليه، لم يكن في ارتفاعه ووقوع خلافه ضعف. ألا ترى أن رعية الملك المسلم يريد من جميعهم أن يكونوا على دينه، لا لنفع يرجع إليه بل إليهم، وقد يكون من جملتهم اليهود والنصارى والمخالف لدين الاسلام، ولا يكون في تمسك هؤلاء بأديانهم واختلافهم إلى ثبوت عاداتهم دلالة على ضعف ملكهم ونقصه. وإنما يضعف الملك بخلاف رعيتيه له إذا كان متكثرا بطاعتهم منتفعا بنصرتهم مقتصدا بقوتهم، فمتى خالفن (4) اقتضى الخلاف ضعفه، لفوت منافعه وانتفاء نصرته ومعونته. والقديم تعالى عن أن ينتفع بطاعات العباد، وإنما هم المنتفعون بذلك، فلا ضعف يلحقه من معاصيه ولا فوت نفع. ويلزم المنتج بهذه الشبهة الضعيفة أن يضعف الله تعالى عن ذلك علوا

(1) سورة الزمر: 7.
(2) ظ: ضعفه.
(3) ظ: خلافه دل.
(4) ظ: خالفوا.

[ 143 ]

كبيرا، لوقوع ما نهى عنه ولم يأمر به من عباده قياسا على الملك ورعيته، فإن من يضعف من ملوكنا بفعل رعيته لما يكرهه ولا يريده يضعف بأن يفعلوا ما نهاهم عنه. ويجب أيضا أن يكون الله تعالى إذا كان أمر الكفار الإيمان والعصاة بالطاعات، أن يكون آمرا لهم أن يضعفوه ويغلبوه ويقهروه. وهذا مما لا يقوله عاقل. وقد استقصينا الكلام في هذا الباب في كتابنا المعروف ب‍ (الملخص) في أصول الدين. وفي القدر الذي أوردناه كفاية.

[ 144 ]

المسألة الثالثة [ القول في الاستطاعة ] وسأل (أدام الله حراسته) فقال: ما القول في الاستطاعة؟ وهل تكون قبل الفعل أو معه؟ الجواب وبالله التوفيق. إن الاستطاعة هي القدرة على الفعل، والقدرة التي يفعل بها الفعل لا يكون إلا قبله، ولا يكون معه في حال وجوده. والذي يدل على ذلك: أن القدرة إنما يحتاج إليها ليحدث بها الفعل، ويخرج بها من العدم إلى الوجود، فمتى وجبت والفعل موجود، فقد وجب (1) في حال استغنائه عنها، لأنه لو (2) لم يستغن بوجوده عن مؤثر في وجوده، وإنما يستغنى في حال البقاء من مؤثرات الوجود، لحصول الوجود لا بشئ سواه.

(1) ظ: وجبت.
(2) الظاهر زيادة (لو).

[ 145 ]

وليس يمكن أن تنزل القدرة في مصاحبتها للفعل الذي تؤثر فيه منزلة العلة المصاحبة للمعلول، لأن القدرة ليست علة في المقدور ولا موجبة له، بل تأثيرها اختيار وإيثار من غير إيجاب. لما قد بين في مواضع كثيرة من الكتب. ولولا أنها مفارقة للعلة بغير شبهة لاحتاج المقدور في حال بقائه إليها، كحاجته في حال حدوثه، لأن العلة يحتاج المعلول إليها في كل حالة من حدوث أو بقاء. ولا خلاف في أن القدرة يستغني عنها المقدور في حال بقائه. وقد قال الشيوخ مؤكدين لهذا المعني: فمن كان في يده شي فألقاه لا يخلو استطاعة إلقائه من أن تكون ثابتة، والشي في يده أو خارج عنها. فإن كانت ثابتة والشي في يده، فقد دل على تقديمها، وهو الصحيح. وإن كانت ثابتة والشئ خارج عن يده ملقى عنها، فقد قدر على أن يلقي ما ليس في يده، وهذا محال وليس بين كون الشئ في يده وكونه خارجا عنها واسطة ومنزلة ثالثة. ومما يدل أيضا على أن الاستطاعة قبل الفعل، أنها لو كانت مع الفعل كان الكافر غير قادر على الإيمان لمكان (1) الإيمان موجودا منه على هذا المذهب الفاسد، ولو لم يكن قادرا على الإيمان لما حسن أن يؤمر به، ويعاقب على تركه، كما لا يعاقب العاجز عن الإيمان بتركه ولا يؤمر به. ولا فرق بين العاجز والكافر على مذاهبهم لأنهما جميعا غير قادرين على الإيمان ولا متمكنين منه. قد قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا

(1) ظ: ولما كان.

[ 146 ]

ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (1) فشرط توجه الأمر بالاستطاعة له، فلولا أنها متقدمة للفعل وأنه يكون مستطيعا للحج وإن لم يفعله لوجب أن يكون الأمر بالحج إنما توجه إلى من فعله ووجد منه. وهذا محال. وقد بينا الكلام وأحكامها في مواضع كثيرة من كتبنا، وفي هذه الجملة مقنعة.

(1) سورة آل عمران: 97.

[ 147 ]

المسألة الرابعة [ مسألة الوعد والوعيد والشفاعة ] وسأل (أحسن الله توفيقه) في الوعيد، وهل يكون العبد المسلم خالدا مخلدا في النار بكبيرة واحدة أو تلحقه الشفاعة إذا مات من غير توبة؟ الجواب: وبالله التوفيق. إن العبد المسلم المؤمن لا يجوز أن يكون مخلدا في النار بعقاب معاصيه لأن الإيمان يستحق به الثواب الدائم والنعيم المتصل، والكبيرة التي واقعها المؤمن إنما يستحق به (1) العقاب المنقطع، ولا تأثير لعقابها المستحق في ثواب الإيمان المستحق. وإذا لم يقع تحابط بين المستحقين فيهما (2) على حالهما لم يؤثر أحدهما في صاحبه، فلو خلد المؤمن بعقاب معصيته في النار لوجب أن يكون ممنوعا حقه من الثواب ومبخوسا نصيبه من النعيم.

(1) ظ: بها.
(2) ظ: فهما.

[ 148 ]

وأما الشفاعة فهو (1) مرجوة له في إسقاط عقابه، وغير مقطوع عليها فيه، فإن وقعت فيه الشفاعة أسقطت عقابه، فلم يدخل النار وخلص له الثواب. وإن لم تقع الشفاعة فيه عوقب في النار بقدر استحقاقه، وأخرج إلى الجنة فأثيب فيه ثوابا دائما، كما استحقه بإيمانه. فإن قيل: كل ما ذكرتموه يجري مجرى الدعوى فيه، وفيه خلاف. قلنا: الأمر كذلك، وإنما كان غرضنا أن نبين كيفية المذهب في هذه المسألة، وكيف يبنى القول فيها على المذاهب الصحيحة. والأدلة والبراهين على صحة هذه المذاهب وفساد ما عداها موجودة مستقصاة في كلامنا على أهل الوعيد، ونصرة القول بالارجاء في جواب مسائل أهل الموصل، غير أنا لا نخلي هذا الموضع من إشارة خفية لطيفة إلى الحجة ووجه الدلالة، فنقول: أما الدلالة على [ أن ] الإيمان يستحق به الثواب الدائم، فهو الإجماع والسمع، لأن العقل عندنا لا يدل على دوام ثواب ولا عقاب، وإن دل على استحقاقهما في الجملة. وقد أجمع المسلمون على اختلاف مذاهبهم على أن الإيمان يستحق به الثواب الدائم، وأن لم يحبط ثوابه بما يفعله من المعاصي المستحق عليها العقاب العظيم يرد القيامة مستحقا من ثواب الإيمان ما كان يستحقه عقيب فعله. إذا ثبت هذه الجملة نظرنا في المعصية التي يأتي بها هذا المؤمن ويفعلها، وهو محرم غير مستحل بالاقدام عليها، فقلنا لا بد أن يكون مستحقا عليها العقاب بدليل العقل والاجماع أيضا، ومثبت أنه لا يجوز أن يؤثر الثواب المستحق

(1) ظ: فهي.

[ 149 ]

في العقاب المستحق فيبطله، ولا العقاب المستحق على (1) الثواب المستحق فيبطله، لفساد التحابط عندنا بين الأعمال وعند (2) المستحق عليها. وربما قد بيناه في مواضع كثيرة خاصة في الكتاب الذي أشرنا إليه. ومن قوي ما يدل على نفي التحابط بين الثواب والعقاب: أن الشي إنما ينفي غيره ويبطله ويحبطه، إذا ضاده أو نافاه، أما فيما يحتاج ذلك الشي في وجوده إليه لا تضاد ولا تنافي بين الثواب والعقاب المستحقين، لأن الثواب قد يكون من جنس العقاب، ولو خالفه لما انتهى إلى التنافي والتضاد. ولو كان هناك تضاد أو تنافي، لكان على الوجود كنافي سائر المتضادات، والمستحق من الثواب والعقاب لا يكون إلا معدوما، والتنافي لا يصح بين المعدومات، فكيف يعقل قولهم إن المستحق من العقاب المعدوم أبطل المستحق من الثواب المعدوم. وإذا بطل الاحباط فلا بد من أن يكون من ضم إلى الإيمان المعاصي الموسومة بالكبائر من أن يرد القيامة، وهو مستحق لثواب إيمانه وعقاب معصيته، فإن لم يغفر عقابه إما ابتداءا أو بشفاعة، عوقب بقدر استحقاقه، ثم نقل إلى الجنة فيخلد فيخلد فيها بقدر استحقاقه. وليس لقائل أن يقول: ألا جوزتم أن يستحق بكبار الذنوب العقاب الدائم؟ فإن قلتم: كيف يستحق العقاب الدائم من يستحق الثواب الدائم، وفي أحد المستحقين قطع عن المستحق الآخر؟ قيل لكم: ألا جوزتم أن يثاب أحيانا في الجنة ويعاقب أحيانا في النار، ويوفر عليه في أوقات عقابه ما فاته منه في أوقات ثوابه إن شاء معاقبته، فإن هذا

(1) ظ: في.
(2) الظاهر زيادة (و).

[ 150 ]

ليس بواجب كالأول، ثم لا يزال على هذا أبدا سرمدا معاقبا مثابا. فكيف زعمتم أن الدائمين من الثواب والعقاب لا يجتمع استحقاقهما؟ والجواب عن ذلك: إن العقل غير مانع من أن يجري الأمر على ما ذكر في السؤال، غير أن السمع والاجماع منعا منه، ولا خلاف بين الأمة على اختلاف مذهبها أن من أدخل الجنة وأثبت فيها لا يخرج إلى النار. وإذا كان الإجماع يمنع من هذا التقدير الذي تضمنها السؤال، فلم يبق بعده إلا ما ذكرناه من القطع على أن عقاب المعاصي التي ليست بكفر منقطع. وإنما قلنا أن الشفاعة مرجوة في إسقاط عقاب المعاصي الواقعة من المؤمنين لأن الإجماع حاصل على أن للنبي صلى الله عليه وآله شفاعة في أمته مقبولة مسموعة. وحقيقة الشفاعة وفائدتها: طلب إسقاط العقاب عن مستحقه، وإنما يستعمل في طلب إيصال المنافع مجازا وتوسعا، ولا خلاف في أن طلب إسقاط الضرر والعقاب يكون شفاعة على الحقيقة. والذي يبين ذلك: أنه لو كان شفاعة على التحقيق، لكنا شافعين في النبي صلى الله عليه وآله، لأنا متعبدون بأن نطلب له عليه السلام من الله عز وجل الزيادة من كراماته والتعلية لمنازله، ولتوفير من كل خير بحظوظه، ولا إشكال في أنا غير شافعين فيه عليه السلام لا لفظا ولا معنى. وليس لهم أن يقولوا: إنا لم نمنع القول بأنا شافعوه (1) له، لنقصان رتبتنا عن رتبته، والشافع يجزي أن يكون أعلى رتبة من المشفوع فيه، وذلك لأن اعتبار الرتبة منهم (2) غلط فاحش، لأن الرتبة إنما تعتبر بين المخاطب والمخاطب،

(1) ظ: شافعون.
(2) في هامش النسخة: إن الاعتبار منهم للرتبة.

[ 151 ]

ولا يعتبرها أحد بين المخاطب والمخاطب فيه. ألا ترى أن الأمر لا بد أن يكون أعلى رتبة من المأمور، والناهي لا بد أن يكون أعلى منزلة من المنهي، (1) ولا بمن يتعلق الأمر به من المأمور فيه في كونه منخفض المرتبة أو عالي المكان، بل الاعتبار في الرتبة بين المتخاطبين. والشفاعة يعتبر فيها المرتبة، لكن بين الشافع والمشفوع إليه، لا يسمى (2) شافعا إلا إذا كان أحد أدون رتبة من المشفوع وحكم المشفوع فيه في أنه لا اعتبار رتبة حكم المأمور فيه في كلمة (3). ومما يدل على شفاعة النبي صلى الله عليه وآله إنما هي في إسقاط العقاب دون إيصال المنافع، الخبر المتضافر المجمع على قبوله وإن كان الخلاف في تأويله من قوله عليه السلام (أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (4)) فهل تخصيص أهل الكبائر بالشفاعة إلا لأجل استحقاقهم للعقاب. ولو كانت الشفاعة في المنافع لم يكن لهذا القول معنى، لأن أهل الكبائر كغيرهم في الانتفاع بدون النفع (5)، هذا واضح لمن تأمله.

(1) الظاهر أن المراد لا اعتبار بالمأمور به في كونه - الخ.
(2) ظ: ولا.
(3) ظ: كله.
(4) بحار الأنوار 8 / 34 ح 4.
(5) ظ: في الانتفاع بالنفع.

[ 152 ]

المسألة الخامسة [ القرآن محدث غير مخلوق ] وسأل (أحسن الله توفيقه) عن القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ الجواب: وبالله التوفيق. إن القرآن محدث لا محالة، وأمارات الحدث في الكلام أبين وأظهر منها في الأجسام وكثير من الأعراض، لأن الكلام يعلم تجده بالإدراك، ونقيضه بفقد الادراك، والمتجدد لا يكون إلا محدثا، والنقيض لا يكون قديما، وما ليس بقديم وهو موجود محدث، فكيف لا يكون القرآن محدثا؟ وله أول وآخر رابعا جزاء جزاء....... (1) أمارات الحدث، وهو موصوف بأنه منزل ومحكم، ولا يليق بهذه الأوصاف القديم، وقد وصفه الله تعالى بأنه عربي، وأضافه إلى العربية، ومعلوم أن العرب...... (1) أول فيما أضيف إليها لا بد أن يكون محدثا إذا دل.

(1) بياض في النسخة، ولأجله لم يتبين المقصود منه.

[ 153 ]

وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه محدث مصرحا غير ملوح، ولا يجوز أن يصفه بغير ما يستحقه من الأوصاف. فأما الوصف للقرآن بأنه مخلوق، فالواجب الامتناع منه والعدل عن اطلاقه، لأن اللغة العربية تقتضي فيما وصف من الكلام بأنه مخلوق أو مختلق أنه مكذوب مضاف إلى غير فاعله، ولهذا قال الله عز وجل (إن هذا إلا اختلاق) (1) (وتخلقون إفكا) (2). ولا فرق بين قول العربي لغيره كذبت، وبين قوله خلقت كلامك واختلقته، ولهذا يقولون قصيدة مخلوقة إذا أضيفت إلى غير قائلها وفاعلها. وهذا تعارف ظاهر في هذه اللفظة يمنع من إطلاق لفظة (الخلق) على القرآن. وقد رود عن أئمتنا عليهم السلام في هذا المعنى أخبار كثيرة تمنع من وصف القرآن بأنه مخلوق، وأنهم عليهم السلام قالوا: لا خالق ولا مخلوق (3). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في قصة التحكيم: إنني ما حكمت مخلوقا، وإنما حكمت كتاب الله عز وجل (4). ويشبه أن يكون الوجه في منع أئمتنا عليهم السلام من وصف القرآن بأنه مخلوق ما ذكرناه وإن لم يصرحوا عليهم السلام به.

(1) سورة ص: 7.
(2) سورة العنكبوت: 17.
(3) التوحيد للصدوق ص 223.
(4): التوحيد للصدوق ص 225.

[ 154 ]

المسألة السادسة [ حكم المخالف في الفروع والأصول ] وسأل (أدام الله تأييده) عن الخلاف في فروع الدين هل يجري مجرى الخلاف في أصول الدين؟ وهل المخالف في الأمرين على حكم واحد الضلال والأحكام؟ الجواب: وبالله التوفيق. إن فروع الدين عندنا كأصوله في أن لكل واحد منها أدلة قاطعة واضحة لائحة، وأن التوصل إلى العلم بكل واحد من الأمرين يعني الأصول والفروع ممكن صحيح، وأن الظن لا مجال له في شي من ذلك، وإلا لاجتهاد المفضي إلى الظن دون العلم. فلا شبهة في أن من خالف في فروع (1) كلف أصابته وإدراك الحق، ونصبت له الأدلة الدالة عليه والموصلة إليه، يكون عاصيا مستحقا للعقاب. فأما الكلام في أحكامه، وهل له أحكام الكفر أو غيرهم (2)؟ فطريقه السمع، ولا مجال لأدلة العقل فيه، والشيعة الإمامية مطبقة إلا من شذ عنها على أن مخالفها في الفروع كمخالفها في الأصول. وهذا نظر وتفصيل يضيق الوقت عنه.

(1) ظ: فرع.
(2) ظ: غيرها.

[ 155 ]

المسألة السابعة [ حكم مرتكب الكبائر من المعاصي ] وسأل (أحسن الله توفيقه) عن شارب الخمر والزاني ومن جرى مجراهما من أهل المعاصي الكبائر، هل يكونوا كفارا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله إذا لم يستحلوه أما فعلوه؟ الجواب: وبالله التوفيق. إن مرتكبي هذه المعاصي المذكورة على ضربين: مستحل، ومحرم فالمستحل لا يكون إلا كافرا، وإنما قلنا إنه كافر، لإجماع الأمة على تكفيره، لأنه لا يستحل الخمر والزنا مع العلم الضروري بأن النبي صلى الله عليه وآله حرمهما، وكان من دينه (ص) حظرهما، إلا من هو شاك في نبوته وغير مصدق به، والشك في النبوة كفر، فما لا بد من مصاحبة الشك في النبوة له كفر أيضا. فأما المحرم لهذه المعاصي مع الإقدام عليها فليس بكافر، ولو كان كافرا لوجب أن يكون مرتدا، لأن كفره بعد إيمان تقدم منه، ولو كان مرتدا لكان ماله مباحا، وعقد نكاحه منفسخا، ولم تجز موارثته، ولا مناكحته، ولا دفنه في مقابر المسلمين، لأن الكفر يمنع من هذه الأحكام بأسرها.

[ 156 ]

وهذه المذاهب إنما قال به الخوارج، وخالفوا فيه جميع المسلمين، والاجماع متقدم لقولهم، فلا شبهة في أن أحدا قبل حدوث الخوارج ما قال في الفاسق المسلم أنه كافر ولا له أحكام الكفار. والكلام في هذا الباب قد بيناه وأشبعناه في جواب أهل الموصل.

[ 157 ]

المسألة الثامنة [ اعتبار الرؤية في الشهور ] وسأل (أحسن الله توفيقه) عن شعبان وشهر رمضان هل تلحقها الزيادة والنقصان؟ فيكون أحدهما تارة ثلاثين وتارة تسعة وعشرين، وعمن قال: إن الزيادة والنقصان تلحقهما وسائر الشهور، هل يصير كافرا بذلك أم لا؟ الجواب: وبالله التوفيق. إن الصحيح من المذهب اعتبار الرؤية في الشهور كلها دون العدد، وأن شهر رمضان كغيره من الشهور في أنه يجوز أن يكون تاما وناقصا. ولم يقل بخلاف ذلك من أصحابنا إلا شذاذ خالفوا الأصول وقلدوا قوما من الغلاة، تمسكوا بأخبار رويت عن أئمتنا عليهم السلام غير صحيحة ولا معتمدة ولا ثابتة، ولأكثرها إن صح وجه يمكن تخرجه عليه. والذي يبين عما ذكرناه ويوضحه: أنه لا خلاف بين المسلمين في أن رؤية الأهلة معتبرة، وأن النبي صلى الله عليه وآله كان يطلب الأهلة، وأن المسلمين

[ 158 ]

في ابتداء الاسلام إلى وقتنا هذا يطلبون رؤية الهلال ويعتمدونها، ولو كان العدد معتبرا معتمدا، لكان هذا من فعل النبي صلى الله عليه وآله وفعل المؤمنين عبثا لا طائل فيه ولا حكم يتعلق به. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله من عدة طرق ما هو شائع ذائع صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما (1). فجعل الرؤية المقدمة، وجعل العدد مرجوعا بعد تعذر الرؤية. وهذا تصريح بخلاف من يذهب على العدد ولا يعتبر الرؤية. وقال الله تعالى (ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) (2) وليس يكون ميقاتا إلا بأن تكون الرؤية معتبرة، ولو كان مذهب أهل العدد صحيحا ليسقط (3) حكم المواقيت بالأهلة. وروى الحلبي عن الصادق عليه السلام أنه قال: إذا رأيت الهلال فصم، فإذا رأيته فأفطره (4). وروى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إذا رأيتم الهلال فصوموا فإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالظن ولا بالظن (5). وروى الفضيل بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ليس على أهل القبلة إلا الرؤية، وليس على المسلمين إلا الرؤية (6).

(1) وسائل الشيعة: 7 / 185.
(2) سورة البقرة: 189.
(3) ظ: لسقط.
(4) وسائل الشيعة: 7 / 182 ح 1.
(5) وسائل الشيعة 7 / 182 ح 2 وفيه: ليس بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية.
(6) وسائل الشيعة 7 / 184 ح 12.

[ 159 ]

وكتب أصحابنا وأصولهم مشحونة بالأخبار الدالة على اعتبار الرؤية دون غيرها. فأما تعلق المخالف في هذا الباب بما يروى عن أبي عبد الله عليه السلام من أنه: ما تم شعبان قط ولا نقص رمضان قط (1). وهذا شاذ ضعيف لا يلتفت إلى مثله. ويمكن إن صح أن يكون له وجه يطابق الحق، وهو أن يكون المراد بنفي النقصان عن شهر رمضان نقصان الفضيلة والكمال وثواب الأعمال الصالحة فيه. ومعلوم أنه أفضل الشهور وأشرفها، وأن الأعمال فيه أكثر ثوابا وأجمل موقعا. ونفي التمام عن شعبان أيضا يكون محمولا على هذا المعنى، لأنه بالاضافة إلى شهر رمضان أنقص وأخفض بالتفسير الذي قدمناه. فأما ما تضمنه السؤال من تكفير من قال إن شهر رمضان وشعبان تلحقهما الزيادة والنقصان كسائر الشهور، أن الصحيح هو المذهب الذي ذكرناه دون ما عداه. والكلام في تكفير من قال إلى (2) الفروع بخلاف الحق قد تقدم بيانه.

(1) وسائل الشيعة 7 / 195.
(2) ظ: في.

[ 160 ]

المسألة التاسعة [ حكم شرب الفقاع ج‍ وسأل (أدام الله تسديده) عن شرب الفقاع هل هو حرام؟ وعن مستحل شربه كيف صورته؟ الجواب: وبالله التوفيق. إن المعتمد في تحريم شرب الفقاع على إجماع الشيعة الإمامية، إذ هم لا يختلفون في تحريمه، وإيجاب الحد على شاربه. وهذا معلوم من دينهم ضرورة، كما أنه معلوم من دينهم تحريم سائر المسكرات من الأشربة. وإجماع أهل الحق حجة في الدين، والأخبار الواردة عن الأئمة عليهم السلام وعن أمير المؤمنين عليه السلام من قبل متظاهرة فاشية شائعة لولا خوف التطويل لذكرناها. وليس ينبغي أن يعجب من تحريم شربه وهو غير مسكر، لأن التحريم غير واقف على الاسكار، وإنما هو بحسب ما يعلمه الله تعالى من الصلاح والفساد

[ 161 ]

ألا ترى أن شرب قليل الخمر محرم وإن لم يكن مسكرا. وليس يجوز الشك في تحريم الفقاع إلا مع الشك في صحة إجماع الإمامية، ومعلوم صحة إجماع الإمامية فما يبتنى عليه ويتفرع تجب صحته. ومن يستحل شرب الفقاع عندهم جار عندهم مجرى مستحل المسكر التمري والخمر.

[ 162 ]

المسألة العاشرة [ حكم عبادة الكافر ] وسأل (أحسن الله توفيقه) عن صلاة الكافر وحجه وصومه، هل تكون معصية أو طاعة؟ وهل تقع منه حسنة أو قبيحة؟ وبيان الصحيح من ذلك على مذاهب أئمتنا عليهم السلام. الجواب: وبالله التوفيق. إن الكافر لا يقع في حال كفره شئ من الطاعات، لأن الطاعة يستحق بها المدح والثواب، ومعلوم أن الكافر في كفره لا يستحق مدحا ولا ثوابا، ولا يحسن مدحه على وجه من الوجوه. وإنما يقول بجواز وقوع الطاعات من الكفار من يقول بالتحابط بين الثواب والعقاب ويزعم أن ثواب التحابط. ودللنا على أن الصحيح خلافه، فلا يدفع نفي التحابط من القول بأن الطاعة لا تقع من الكافر في حال كفره.

[ 163 ]

فإن قيل: هذا دفع للعيان، لأنا نرى اليهود والنصارى لتقربون (كذا) (1) إلى الله تعالى بكثير من العبادات ويتصدقون لوجه الله عز وجل، ويفعلون في كثير من أبواب البر مثل ما يفعله المؤمن، ولو لم يكن في ذلك إلا أنهم عارفون بالله عز وجل وبنبوة أنبيائه. قلنا: ليس فيما تنكروه (2) من وقوع الطاعات من الكفار دفع للعيان، وأنى عيان يدخل في كون الطاعة طاعة. والوجه الذي يقع عليه الطاعة فيكون طاعة، مستور عن الخلق لا يعلمه إلا علام الغيوب جلت عظمته، وأكثر ما يمكن أن يدعى وقوع ما أظهره الطاعة من الكفار، فأما القطع على أن ذلك طاعة وقربة على الحقيقة فلا طريق إليه. وإذا دل الدليل الذي تقدم ذكره على أن الطاعات لا يقع منهم، قطعنا على أن ما ظاهره الطاعة ليس بطاعة على الحقيقة، لأن الطاعة تفتقر إلى قصود ووجوه لا يطلع العباد عليها. فأما معرفة الكفار بالله تعالى وبأنبيائه، فالقول فيها كالقول في الطاعات، والصحيح أنهم غير عارفين، وكيف يكونون عارفين؟ والمعرفة بالله تعالى ورسله عليهم السلام مستحق عليها أجزل الثواب والمدح والتعظيم، والكافر لا يستحق شيئا من ذلك. ولا معول على قول من يقول: فقد نظروا في الأدلة التي تولد المعرفة المفضية إلى العلم، فكيف لا يكونون عارفين والنظر في الأدلة يولد المعرفة؟ وذلك أنا أولا لا نعلم أنهم نظروا في الأدلة، لأن ذلك مما لا نعلم ضرورة، ثم إذا علمناه فلا نعلم أنهم نظروا فيها من الوجه الذي يفضي إلى العلم، ثم

(1) ظ: ليتقربون.
(2) ظ: ننكره.

[ 164 ]

إذا علمنا ذلك لم نعلم تكامل باقي الشروط في تولد العلم لهم، ولا انتفاء ما إذا عرض منع من حصول العلم عنهم، وإذا كان ذلك كله غير معلوم فهو على التجويز والشك. وإذا قطع الدليل على الذي ذكرناه على أنهم لا يستحقون ثوابا، منعنا قاطعين من أن تقع منهم طاعة، أو معرفة بالله عز وجل.

[ 165 ]

المسألة الحادية عشر [ عدد أصول الدين ] وسأل (أدام الله تسديده) عن عدد أصول الدين، وكيف القول فيه؟ الجواب: وبالله التوفيق أن الذي سطره المتكلمون في عدد أصول الدين أنها خمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولم يذكروا النبوة. فإذا قيل: كيف أخللتم بها؟ قالوا: هي داخلة في أبواب العلم (1) من حيث كانت لطفا، كدخول الألطاف والأعواض وما يجري مجرى ذلك. فقيل لهم: فالوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضا من باب الألطاف، ويدخل في باب العدل كدخول النبوة، ثم ذكرتم هذه الأصول مفصلة، ولم تكتفوا بدخولها في جملة أبواب العدل

(1) ظ: العدل.

[ 166 ]

مجملة، وحيث فصلتم المجمل ولم تكتفوا بالاجمال فألا فعلتم ذلك بالنبوة؟ وهذا سؤال رابع، وبها اقتصر بعض المتأخرين على أن أصول الدين اثنان التوحيد والعدل، وجعل باقي الأصول المذكورة داخلا في أبواب العدل. فمن أراد الاجمال اقتصر على أصلين التوحيد والعدل، فالنبوة والامامة التي هي واجبة عندنا ومن كبار الأصول، وهما داخلتان في أبواب العدل. ومن أراد التفصيل والشرح وجب أن يضيف إلى ما ذكروه من الأصول الخمسة أصلين: النبوة، والامامة. وإلا ما كان مخلا ببعض الأصول، وهذا بين لمن تأمله. قد أجبنا عن المسائل بكمالها، واعتمدنا على الاختصار والاقتصار والإشارة، دون البسط في العبارة، وإن كان كل مسألة من هذه المسائل في بسط القول فيه والتفريع، زاد على قدر حجم جوابنا عن جميع المسائل، لكن ضيق الوقت وإعجال الجواب اقتضيا ما اعتمدناه من الاجمال دون التفصيل، وإن كنا ما أخللنا بمحتاج إليه. والله ولي التوفيق والتسديد لما يرضيه من قول وعمل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على خير خلقه سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وسلامه.

[ 167 ]

(4) جوابات المسائل الموصليات الثانية

[ 169 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قد أجبت - أدام الله لكم السلامة، وأسبغ عليكم الكرامة، وجعلكم أبدا من نصار الحق وتابعيه، وخذل الباطل ومجانبيه - عن المسائل التي أتي إلي، جوابا اختصرت من غير إخلال بما يجب إيضاحه وبيانه، ما أشكل أيدكم الله بالارشاد من هذه المسائل إلا المشكل. ولا بعثكم على السؤال عنها ولا الاستيضاح لها إلا جودة النظر ودقة الفكر. ومن الله استمد المعونة والتوفيق في الأقوال والأفعال، وأستعينه على سائر الأحوال. المسألة الأولى [ حكم المذي والودي ] ذكر في المسائل الفقهية التي تفردت بها الشيعة الإمامية: إن المذي والوذي ليسا بناقضتين للطهارة، وما بين العلم وتعيينهما.

[ 170 ]

الجواب: أن المذي بفتح الميم وتسكين الذال، ويقال منه: مذي الرجل فهو يمذي بغير ألف، فهو الشئ الخارج من ذكر الرجل عند القبلة أو الملامسة والنظر بالشهوة الشديدة، الجاري مجرى البصاق الرقيق القوام. ويكثر في الشباب، وذوي الصحة. فهو غير ناقض للوضوء، وغير نجس أيضا، ولا يجب منه غسل ثوب ولا بدن. فأما الودي بفتح الواو وتسكين الدال، ويجري في غلظ قوامه مجرى البلغم. ويكثر في الشيوخ، وذوي الرطوبات الغالبة. ويقل أو يعدم في الشباب. وطريقتنا إلى صحة ذلك والحجة على الحقيقة فيه: إجماع الشيعة الإمامية عليه، وفي إجماعها الحجة. ولا اختلاف بين الإمامية أن المذي والودي لا ينقضان الوضوء. والأخبار متظافرة عن ساداتنا وأئمتنا عليهم السلام بذلك، وكتب الشيعة بها مشحونة، وهي أكثر من أن تحصى أو تستقصي، لأنهم قد نصوا فيما ورد عنهم من علي عليه السلام: إن المذي والودي لا ينقضان الوضوء (1). على سبيل التعيين والتفصيل. وفي أخبار أخر نصوا وعينوا نواقض الوضوء: فذكروا أشياء مخصوصة، ليس المذي والودي من جملتها. وقد نصرنا هذا المذهب فيما أمليناه من مسائل الخلاف في الأحكام الشرعية، وذكرنا الحجج الواضحة في صحته، وأبطلنا شبه المخالفين، بعد أن حكيناها واستوفينا الكلام عليها، وبينا أن خروج ما يخرج من السبيل على وجه غير

(1) وسائل الشيعة: 1 / 195 روايات تدل على ذلك.

[ 171 ]

معتاد والأخبار (1) مجراه لا ينقض الوضوء. وجعلنا الأصل في هذا الاستدلال الريح الخارجة من الذكر، وأنها لا تنقض الوضوء إجماعا، لأن خروجها من القبل غير معتاد. ولو خرجت من الدبر لنقضت الوضوء بلا شك من حيث كان معتادا. وخروج المذي والودي غير معتاد، لأنه على سبيل المرض وغلبة الأخلاط والأمر في الودي واضح وأسهل، لأنه تابع لزيادة الرطوبات. وهذا كله قد بيناه في الموضع الذي أشرنا إليه، فمن أراد الاستقصاء فليأخذ من موضعه.

(1) ظ: وما يجري.

[ 172 ]

المسألة الثانية [ أكثر النفاس وأقله ] ذكر أكثر النفاس ثمانية عشر يوما، وهو في شرح الفقه عشرون يوما، ولم يذكر أقله. الجواب: وبالله التوفيق. أن المعتمد عليه في أكثر النفاس هو ثمانية عشر يوما، وأما أقل النفاس فهو انقطاعه، أو لحظة. وجاءت الأخبار المتظافرة عن الصادق عليه السلام بأن الحد في نفاس المرأة أكثر أيام حيضها، وتستظهر في ذلك بيوم واثنين (1). وأكثر ما يبعد النفاس ثمانية عشر يوما. وجاءت الآثار متظافرة عن ساداتنا عليهم السلام بأن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر، فأمرها النبي صلى الله عليه وآله حين أرادت الاحرام بذي

(1) وسائل الشيعة 2 / 612.

[ 173 ]

الحليفة أن تحتشي بالكرسف وتهل بالحج، فلما أتت لها ثمانية عشر يوما أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تطوف بالبيت وتصلي ولم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك (1). وهذا أيضا قد استقصينا الكلام في مسائل الخلاف. فإن أبا حنيفة وأصحابه والثوري والليث يذهبون إلى أن أكثر النفاس أربعون يوما، والشافعي وعبيد الله بن الحسن العسكري ومالك في قوله الأول: إن أكثر النفاس ستون يوما، وحكي عن البصري أنه قال: إن أكثره خمسون يوما (2). والكلام على هذه المذاهب وما يحتج به لها أو عليها قد استوفيناه في مسائل الخلاف، وانتهينا فيه إلى أبعد الغايات. وما بين من طريق الاستدلال صحة مذهبنا في أكثر النفاس: أن الاتفاق من الأمة حاصل على أن الأيام التي قدرناه (3) بها النفاس أنها حكم النفاس، ولم يحصل فيما زاد على ذلك اتفاق ولا دليل. والقياس لا يصح إثبات المقادير به، فيجب القول بما ذكرناه دون ما عداه. ولك أن تقول: إن المرأة داخلة في عموم الأمر بالصلاة والصوم، وإنما نخرجها في الأيام التي حددناها من عموم الأمر بالاجماع، ولا إجماع ولا دليل فيما زاد على ذلك، فيجب الحكم بدخولها تحت عموم الأمر.

(1) وسائل الشيعة 2 / 616.
(2) ذكر هذه الأقوال ابن رشد في كتاب بداية المجتهد 1 / 37 في المسألة الثالثة.
(3) ظ: قدرنا.

[ 174 ]

المسألة الثالثة [ كراهة السجود على الثوب المنسوج ] وذكر أن السجود لا يجوز على ثوب منسوج، ثم زعم إلا عند الضرورة، لم صارت الضرورة تجوز ما لا يجوز؟ الجواب: وبالله التوفيق. أن الثوب المنسوج من قطعن أو كتان إذا كان طاهرا يكره السجود عليه، كراهة التنزيه وطلب فضل، لا أنه محظور محرم. وليس يجري السجود على الثوب المنسوج في القبح والحظر عند أحد مجرى السجود على المكان النجس، وإن كان أصحابنا لم يفصلوا هذا التفصيل، وأطلقوا القول إطلاقا، والصحيح ما ذكرناه. ومن تأمل حق التأمل علم أنه على ما فصلناه، وأوضحناه، لأنه لو كان السجود على الثوب المنسوج محرما محظورا لجرى في القبح ووجوب إعادة الصلاة واستينافها مجرى السجود على النجاسة، ومعلوم أن أحدا لا ينتهي إلى

[ 175 ]

ذلك، فعلم أنه على ما بيناه. وإذا كان على سبيل التنزيه لا سبيل الحظر والتحريم والأعذار الضعيفة فيه غير كافية. وأما التعجب من أن تكون الضرورة تجوز معها ما لا تجوز مع فقدها، ففي غير موضعه، لأن الضرورات أبدا تسقط التكليف، وتعتبر في أحكام الشريعة. ألا ترى أن الميتة تحل مع الضرورة، وتحرم مع الاختيار. والصلاة بغير طهارة بالماء تحل مع الضرورة، وتحرم مع الاختيار. وأمثال ذلك أكثر من أن نحصيه.

[ 176 ]

المسألة الرابعة [ مسائل في الشفعة ] ذكر أن الشفعة تصح في العقار بين أكثر من اثنين، وإذا تخيرت الأملاك فلا شفعة، والشفعة تجب بالسرب والطريق. الجواب: وبالله التوفيق. أما المسألة الأولى من مسائل الشفعة، وهي اعتبارها في الاثنين وإسقاطها فيما زاد عليهما من عدد الشركاء: فلعمري أنه مما تفرد به الشيعة الإمامية، وأطبق مخالفوها على خلافه، غير أن بين الإمامية خلافا في هذه المسألة معروفا. فان أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه قال في كتابه المعروف ب‍ (كتاب من لا يحضره الفقيه) في باب الشفعة لما روي عن الصادق عليه السلام سئل عن الشفعة لمن هي؟ وفي أي شئ هي؟ وهل تكون في الحيوان شفعة؟ وكيف هي؟ قال: الشفعة واجبة في كل شئ من حيوان أو أرض أو متاع، إذا كان الشئ بين شريكين لا غيرهما، فباع أحدهما نصبيه، فشريكه أحق به من غيره، فإذا زاد على الاثنين فلا شفعة لأحد منهم.

[ 177 ]

ثم قال: قال مصنف هذا الكتاب: يعني بذلك الشفعة في الحيوان وحده فأما في غير الحيوان فالشفعة واجبة للشركاء إن كانوا أكثر من اثنين. ثم قال - رحمه الله -: وتصديق ذلك ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن عبد الله بن سنان قال: سألته عن مملوك بين شركاء أراد أحدهم بيع نصيبه؟ قال: يبيعه قال قلت: فإنهما كانا اثنين فأراد أحدهما بيع نصيبه فلما أقدم على البيع قال له شريكه: أعطني. قال: هو أحق به. ثم قال عليه السلام: لا شفعة في حيوان إلا أن يكون الشريك فيه واحدا (1). وهذا الذي حكيناه يستفاد خلاف أبي جعفر (رحمه الله) في هذا المذهب وإنما يوجب الشفعة للشركاء في المبيعات وإن زادوا على اثنين، إلا في الحيوان خاصة، وليس فيما احتج به وظن أنه يصدق بمذهبه من الخبر الذي رواه عن عبد الله بن سنان حجة صريحة فيما ذهب إليه، لأن نفيه عليه السلام حق الشفعة في المملوك إذا كان فيه شركاء جماعة، وإثباتها بين الشريكين فيه، لا يدل على أن الأمر في المبيعات بخلاف هذا الحكم. وكان الأولى به لما أراد أن يذكر ما روي من الرواية في نصرة المذهب الذي رواه عن نفسه، أن يذكر ما رواه إسماعيل بن مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه قالوا: قال عليه السلام: الشفعة على عدد الرجال (2). وهذا الخبر صريح في أن الشفعة تثبت مع زيادة عدد الشركاء على اثنين ولو كان حق الشفعة يسقط بالزيادة على اثنين لما كان لاعتبار الشفعاء معنى، لأن الشفيع لا يكون إلا واحدا، فإذا زاد العدد بطلت الشفعة على المذهب الذي حكيناه.

(1) من لا يحضره الفقيه: 3 / 46.
(2) من لا يحضره الفقيه: 3 / 45 ح 3.

[ 178 ]

وكان له أيضا أن يحتج بما رواه عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن، وقال: لا ضرر ولا ضرار (1). ولفظ (الشركاء) لفظ جمع، وهو يقتضي بموجب اللغة أكثر من اثنين. وهذان الخبران قد رواهما أبو جعفر (رحمه الله) في الكتاب الذي أشرنا إليه، غير أننا نحتج بهما على مذهبه الذي حكاه عن نفسه، واحتج بغيرهما فيما بينا أنه لا حجة فيه. ويمكنه أن يحتج أيضا في تأييد هذا المذهب بعموم الأخبار الواردة: أن الشفعة واجبة في كل مشترك لم يقسم (2). وهي كثيرة، وعموم هذه الأخبار لم يفصل بين الاثنين والجماعة. وقد وردت أخبار بأنه إذا سمح جميع الشركاء بحقوقهم من الشفعة، كان لمن يسمح بحقه على قدر حقه منها (3). وهذا يدل على أن الشفعة كان لمن يسمح بحقه على قدر حقه منها، وهذا لا يدل على أن الشفعة تثبت مع كثرة عدد الشركاء. وكأن أبو على ابن الجنيد (رحمه الله) لا يعتبر نقصان العدد ولا زيادة في

(1) من لا يحضره الفقيه: 3 / 45 ح 2.
(2) وسائل الشيعة 17 / 317.
(3) قال في الانتصار [ 217 ] فأما الخبر الذي وجد في روايات أصحابنا أنه إذا سمح بعض الشركاء حقوقهم من الشفعة، فإن لمن لم يسمح بحقه على قدر حقه، فيمكن أن يكون تأويله أن الوارث لحق الشفعة إذا كانوا جماعة فإن الشفعة عندنا تورث متى سمح بعضهم بحقه كانت المطالبة لمن لم يسمح، وهذا لا يدل على أن الشفعة في الأصل تجب لأكثر من شريكين.

[ 179 ]

الشفعة وكتبه المصنفة تدل على ذلك وتشهد به. فإن قيل: بأي المذهبين تنتمون وبأيهما تفتون؟ قلنا: أما ثبوت الشفعة فالحيوان خاصة بين الشريكين، وانتفاؤها فيما زاد عليها (1) من العدد، فهي إجماع الفرقة المحقة التي هي الإمامية، لأنه لا خلاف بين أحد منهم في هذه الجملة. وكذلك ثبوت حق الشفعة في غير الحيوان بين الشريكين اللذين لم يقتسما، فهذا أيضا إجماع منهم. واختلفوا إذا زاد العدد في غير الحيوان بين الشركاء: فمنهم من أثبت حق الشفعة مع الزيادة في العدد، ومنهم من أسقطها. وإذا كانت الحجة مما لا دليل عليه من كتاب ناطق وسنة معلومة مقطوع عليها، وهي إجماع هذه الفرقة، وجب أن نثبت الشفعة في المواضع التي أجمعوا على ثبوتها فيها، ونسقطها فيما سوى ذلك، لأن الشفعة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي، ويجب نفيه في الشريعة نفي (2) دليله. فإن قيل: لم لا استدللتم بعموم الأخبار التي ذكرتموها، وبظاهر الخبرين اللذين نبهتم على عدول أبي جعفر (رحمه الله) عن الاحتجاج بهما؟ قلنا: إنا لم نحتج (3) بالعموم إذا ثبت أنه دليل في لغة أو شرع في الموضع الذي يكون اللفظ فيه معلوما مقطوعا عليه. فأما أخبار الآحاد التي هي مظنونة الصحة لا معلومة، فلا يجوز الاحتجاج بعمومها على ما يقطع به من الأحكام. فأما المسألة الثانية من مسائل الشفعة، وهي قوله (إذا تخيرت الأملاك فلا شفعة) فهو مذهبنا الصحيح بلا خلاف، إلا أنه لا يجوز أن نذكر هذه المسألة

(1) ظ: عليهما.
(2) ظ: بنفي دليله.
(3) ظ: إنا نحتج.

[ 180 ]

في جملة ما تفرد به الشيعة الإمامية، لأن هذا المذهب مذهب الشافعي، وهي المسألة الخلاف بينه وبين أبي حنيفة، فكيف تسطر فيما تفرد به الإمامية؟ وإليه يذهب مالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل، وأكثر الفقهاء المتقدمين والمتأخرين. وأما المسألة الثالثة، وهي قوله (إن الشفعة تجب بالسرب والطريق) فهو أيضا مما لم تنفرد به الإمامية، لأن أبا حنيفة وأصحابه يوجبون الشفعة بالشركة في الطريق الذي ليس بنافذ، ويسمون ذلك بأنه من حقوق. فذكر هاتين المسألتين في جملة ما تفرد به الإمامية ضرب من السهو. والحجة لنا فيهما: إجماع الذي أشرنا إليه، وظواهر أخبار كثيرة مما اختصت برواية (1) الشيعة، ومما روته العامة عن النبي صلى الله عليه وآله فهو أكثر، فمن أراد فليأخذه من مواضعه.

(1) خ ل: بروايته.

[ 181 ]

المسألة الخامسة [ من لا ربا بينهما ] وذكر أن لا رباء بين الوالد وولده، ولا بين الزوج وزوجته، ولا بين المسلم والذمي. الجواب: وبالله التوفيق. إن كثيرا من أصحابنا قد ذهبوا إلى نفي الربا بين الوالد وولده، وبين الزوج وزوجته، والذمي والمسلم. وشرط قوم من فقهاء أصحابنا في هذا الموضع شرطا، وهو أن يكون الفضل مع الوالد، إلا أن يكون له وارث أو عليه دين. وكذلك قالوا: إنه لا ربا بين العبد وسيده إذا كان لا شريك له فيه، وإن كان له شريك حرم الربا بينهما. وكذلك العبد المأذون له في التجارة، حرم الربا بينه وبين سيده إذا كان العبد قد استدان مالا عليه. وعولوا في ذلك على ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من قوله:

[ 182 ]

ليس بين الرجل وبين ولده ربا، وليس بين السيد وبين عبده ربا (1). ورووا عن الصادق عليه السلام أنه قال: ليس بين المسلم وبين الذمي ربا، ولا بين المرأة وزوجها (2). وأما العبد وسيده فلا شبهة في انتفاء الربا بينهما. ويوافقنا على ذلك أبو حنيفة وأصحابه الثوري والليث والحسن بن صالح ابن حي والشافعي. ويخالف مالك الجماعة في هذه المسألة، لأن مالك يذهب إلى أن العبد يملك ما في يده مع الرق، والجماعة التي ذكرناها تذهب إلى أن الرق يمنع من الملك، وهو الصحيح. وإذا كان ما في يد العبد ملكا لمولاه لم يدخل الربا بينهما، لأن المالين في الحكم مال واحد والمالك واحد، ولهذا يتعب (3) حكم المأذون له في التجارة، يتعلق على (4) الغرماء بما في يده، وكذلك يتغير في هذا الحكم حال العبد بين شريكين، فالشبهة في انتفاء الربا بين العبد وسيده مرتفعة. وإنما الكلام في باقي المسائل التي ذكرناها، فالأمر فيها مشكل. والذي يقوى في نفسي أن الربا محرم بين الوالد وولده والزوج وزوجته والذمي والمسلم، كتحريمه بين غريبين. فأما الأخبار التي وردت وفي ظاهرها أنه لا رباء في هذه المواضع، إذا جاز العمل بها جاز أن نحملها على تغليظ تحريم الربا في هذه المواضع، كما قال الله تعالى (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (5) ولم يرد أن الرفث

(1) وسائل الشيعة 12 / 436 ح 1.
(2) وسائل الشيعة 12 / 437 ح 5.
(3) ظ: يتغير.
(4) ظ: ويتعلق حق الغرماء بما في يده.
(5) سورة البقرة: 197.

[ 183 ]

في غير الحج لا يكون رفثا ولا محرما، وكذلك الفسوق. وإنما أراد بذلك تغليظ تحريمه والنهي عنه. ومن شأن أهل اللغة إذا أكدوا تحريم شئ، أدخلوا فيه لفظ النفي، لينبئ عن تحقيق التحريم وتأكيده وتغليظه، كما أن في مقابلة ذلك إذا أرادوا أن يؤكدوا ويغلظوا الايجاب، استعملوا فيه لفظ الخبر والاثبات. كما قال الله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) (1) وإنما أكد بذلك وجوب أمانه، وكان هذا القول آكد من أن يقول: فآمنوا من دخله ولا تخيفوه. وكذلك قوله عليه السلام (العارية مردودة، والزعيم غارم) (2) وإنما المراد به أنه يجب رد العارية، وغرامة الزعيم الذي هو الضامن، وأخرج الكلام مخرج الخبر للتأكيد والتغليظ، فهذا في باب الايجاب نظير ما ذكرنا في باب الحظر والتحريم. فإن قيل: فأي فائدة في تخصيص هذه المواضع نفي الربا فيها مع إرادة التحريم والتغليظ. والربا محرم بين كل أحد وفي كل موضع. قلنا: في تخصيص بعض هذه المواضع بالذكر مما يدل على أن غيرها مما لم يذكر بخلافها. وهذا مذهب قد اختلف فيه أصحاب أصول الفقه، والصحيح ما ذكرناه. ومع هذا فغير ممتنع أن يكون للتخصيص فائدة. أما الوالد وولده والحرمة بينهما عظيمة متأكدة، فما حظر بين غيرهما وقبح في الشريعة، فهو المحرمة بينهما أقبح وأشد حظرا. وكذلك الزوج وزوجته، فيكون لهذا المعنى وقع التخصيص للذكر. وأما الذمي والمسلم فيمكن أن يكون وجه تخصيصها هو أن الشريعة قد

(1) سورة آل عمران: 97.
(2) جامع الأصول 9 / 110.

[ 184 ]

أباحت - لفضل الاسلام وشرفه على سائر الملل - أن يرث المسلم الذمي والكافر وإن لم يرث الذمي المسلم. وثبت حق الشفعة للمسلم على الذمي، ولا يثبت حق الشفعة للمسلم على الذمي، فخص نفي الربا بالذمي والمسلم على سبيل الحظر بظن ظاهر (1)، فإنه يجوز للمسلم أن يأخذ من الذمي الفضل في مواضع (2) الذي يكون فيه ربا، وإن لم يجز ذلك للذمي، كما جاز في الميراث والشفعة. فإن قيل: فما الذي يدعو إلى الانصراف عن ظواهر الأخبار المروية في نفي الربا بين الجماعة المذكورة إلى هذا التعسف من التأويل. قلنا: ما عدلنا عن ظاهر إلى تأويل متعسف، لأن لفظة النفي في الشريعة إذا وردت في مثل هذه المواضع التي ذكرناها، لم يكن ظاهرها للإباحة دون التحريم والتغليظ، بل هي محتملة لكل واحد من الأمرين احتمالا واحدا، ولا تعسف في أحدهما. ولم يبق إلا أن يقال: فإذا احتملت الأمرين فلم حملتموها على أحدهما بغير دليل. وهاهنا دليل يقتضي ما فعلناه، وهو أن الله تعالى حرم الربا في آيات محكمات من الكتاب لا إشكال فيها، فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) (3) وقال (لا تأكلوا الربا) (4) وقال جل اسمه (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) (5).

(1) كذا في النسخة.
(2) ظ: الموضع.
(3) سورة البقرة: 278.
(4) سورة آل عمران: 130.
(5) سورة البقرة: 275.

[ 185 ]

والأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن ولده من الأئمة عليهم السلام في تحريم الربا وحظره، والنهي عن أكله، والوعيد الشديد على من خالف فيه أكثر من أن تحصى. وقد علمنا أن لفظة (الربا) إنما معناه الزيادة، وقررت الشريعة في هذه اللفظة أنها زيادة في أجناس وأعيان مخصوصة. وخطاب الله تعالى وخطاب رسوله يجب حملهما على العرف الشرعي دون اللغوي، فيجب على هذا أن يفهم من ظواهر الآيات والأخبار أن الربا الذي هو التفاضل في الأجناس المخصوصة محرم على جميع المخاطبين بالكتاب على العموم، فيدخل في ذلك الولد والزوج والذمي مع المسلم، وكل من أخذ وأعطى فضلا. فإذا أوردت أخبار بنفي الربا بين بعض من تناوله ذلك العموم، حملنا النفي فيها على ما ذكرناه بما يطابق تلك الآيات ويوافقها، ولا يوجب تخصيصها وترك ظواهرها (1).

(1) هذا ولكن رجع عن ذلك في الانتصار ص 213 قال: ثم لما تأملت ذلك رجعت عن هذا المذهب، لأني وجدت أصحابنا مجمعين على نفي الربا بين من ذكرناه وغير مختلفين فيه في وقت من الأوقات، وإجماع هذه الطائفة قد ثبت أنه حجة، ويخص بمثله ظاهر القرآن، والصحيح نفي الربا بين من ذكرناه.

[ 186 ]

المسألة السادسة [ عدة الحامل ] وذكر أن عدة الحامل المطلقة أقرب الأجلين، وهو مشكل. لأنه قد يصح أن تبقى حاملا بعد خروجها من عدة الطلاق شهورا، وقال تعالى (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (1) وعدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين، وهو في الاشكال مثل صاحبه لما بين الله تعالى من عدة من الحمل، ويصح أن تضع بعد وفاة زوجها بساعة. الجواب: أن المسألة الأولى - وهي القول بعدة الحامل المطلقة أقرب الأجلين - ليس مما يفتي به أكثر أصحابنا، وكتبهم نطق بخلافه. ومن ذهب إليه عول على خبر رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: طلاق الحامل واحدة، فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه، وقال تعالى (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (1) فإذا طلقها الرجل ووضعت من

(1) سورة الطلاق: 4.

[ 187 ]

يومها أو من غد، فقد انقضى أجلها، وجاز لها أن تتزوج، ولكن لا يدخل بها (1) حتى تطهر. والحبلى المطلقة تعتد بأقرب الأجلين أن تمضي (2) لها ثلاثة أشهر قبل أن تضع، فقد أنقضت عدتها منه، ولكن لا تتزوج حتى تضع، فإن وضعت ما في بطنها قبل انقضاء ثلاثة أشهر فقد أنقضي أجلها. والحبلى المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين، إن وضعت قبل أن تمضي أربعة أشهر وعشرة أيام لم تنقض عدتها حتى تمضي أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن مضت لها أربعة أشهر وعشرة أيام قبل أن تضع، لم تنقض حتى تضع الحمل (3). فعلى هذا الخبر عول من ذهب في المطلقة الحامل إلى أن عدتها أقرب الأجلين. ونحن نبين ما فيه. أما صدر الخبر فصريح في أن الحامل المطلقة تمضي عدتها وتنقضي أجلها بوضع الحمل، حتى احتج لهذا الحكم بالقرآن، وليس يجوز أن يلي هذا الحكم ما يضاده ويناقضه. وإنما اشتبه على من ذهب إلى هذا المذهب من هذا الخبر قوله (والحبلى المطلقة تعتد بأقرب الأجلين - إلى قوله - فإذا وضعت ما في بطنها قبل انقضاء ثلاثة أشهر فقد انقضى أجلها) ولا يجب أن يشتبه هذا الموضع لمن يتأمله، لأنه لو كان بأقرب الأجلين معتبر، لوجب في الحامل المطلقة إذا مضت. عليها ثلاثة أشهر قبل أن تضع حملها أن تنقضي عدتها وتحل للأزواج. وقد صرح في هذا الخبر بأنها لا تتزوج حتى تضع، فلو كانت العدة قد انقضت لما كان التزويج

(1) في الفقيه: بها زوجه حتى. (2) في الفقيه: إن مضت.
(3) من لا يحضره الفقيه 3 / 329 ح 1.

[ 188 ]

محظورا، ولا انتظار أكمل معتبرا. ألا ترى أنها إذا وضعت ما في بطنها قبل انقضاء ثلاثة أشهر، فقد انقضت عدتها وحلت الأزواج. وهذا أيضا في صريح الخبر ولفظته، فلولا أن المعتبر بوضع الحمل في الحامل المطلقة دون مضي الأشهر، لما كان لهذه التفرقة معنى ولما كانت ممنوعة من أن تتزوج بعد مضي الأشهر الثلاثة وقبل أن تضع، كما ليست بممنوعة من التزويج بعد الوضع وقبل انقضاء الأشهر. فعلم بهذه الجملة أن قوله في الخبر (والحبلى المطلقة تعتد بأقرب الأجلين) ليس على ظاهره، لأنه لو كان على ظاهره لكان قبل شئ ناقضا لما تقدمه من قوله (إذا وضعت من يومها هذا فقد انقضى أجلها) ثم كان لا معنى لمنعها من التزويج بعد انقضاء الأشهر إن كان معتبرا بأقرب الأجلين على ما بيناه. ويجب أن يكون الكلام المتوسط، لذكر حكم عدة المطلقة الحامل التي تبين في صدر الخبر، ولذكر عدة الحبلى المتوفى عنها زوجها على غير ظاهره حتى يسلم الخبر من التناقض. ويمكن أن يريد بقوله (وإذا مضت ثلاثة أشهر قبل أن تضع فقد انقضت عدتها منه، ولكنها لا تتزوج حتى تضع) يريد أن عدتها تنقضي لو كانت مطلقة غير حامل، لأن المعتبر في طلاق غير الحامل الأقراء دون غيرها. فإن قيل: فأي معنى لقوله (تعتد بأقرب الأجلين) وأنتم تقولون تعتد بوضع الحمل؟ فلا اعتبار بسواه. قلنا: يمكن أن يريد بأقرب الأجلين وضع الحمل، وأنه سماه أقرب من غيره، لأن المعتدة بالأقراء لا يمكن على وجه من الوجوه أن تخرج من عدتها في يومها وغدها، ولا بد من صبرها إلى المدة المستقرة. والمعتدة بوضع الحمل يمكن أن تخرج من العدة من يومها أو غدها، فصار هذا الأجل أقرب

[ 189 ]

لا محالة من غيره للوجه الذي ذكرناه. وليس لأحد أن ينسب هذا التأويل إلى التعسف، لأنه عند التأمل لا تعسف فيه، فلنا أن نتعسف التأول عند الضرورة، لتسلم الظواهر الصحيحة والخطاب الواضح. كما نفعل ذلك في متشابه القرآن الوارد بما في ظاهره جبر وتشبيه. ووجدت أبا علي ابن الجنيد (رحمه الله) يذكر في كتابه المعروف ب‍ (الفقه الأحمدي) شيئا ما وجدت لغيره، قال: والمطلقة إذا مات زوجها قبل خروجها من عدتها اعتدت أبعد الأجلين من يوم مات، إما بقية عدتها، أو أربعة أشهر وعشرا، أو وضعها إن كان بها حمل (1). وأول ما في كلامه هذا أنه قال: (تعتد بأبعد الأجلين) وذكر أحوالا ثلاثة وكان ينبغي أن يقول: بأبعد الآجال التي بينها ورتبها. ثم إن كان قال هذا عن أثر ورواية جاز العمل به إذا لم يمكن تأويله، وإن كان قاله من تلقاء نفسه وعلى سبيل الاستدلال والاستحسان، فلا معول على ذلك. وأما المسألة الثانية - وهي أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين - وصورة هذه المسألة: أن هذه المرأة إن وضعت حملها قبل أن تقضي أربعة أشهر وعشرة أيام، لم يحكم بانقضاء عدتها حتى تمضي أربعة أشهر وعشرة أيام. وإن انقضت عنها أربعة أشهر وعشرة أيام ولم تضع حملها، لم يحكم بانقضاء عدتها حتى تضع الحمل. وهذه المسألة يفتي بها جميع الشيوخ (رحمهم الله) وهي مسطورة في كتبهم، وموجودة في رواياتهم وأحاديثهم، وحديث زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (2) ينطق بهذا الحكم الذي ذكرناه ويشهد له، ولو لم يكن في هذا

(1) الفقه الأحمدي مخطوط.
(2) المتقدم آنفا.

[ 190 ]

المذهب إلا الاستظهار لانقضاء أيام العدة لكفى. وليس هذا المذهب مما تفردت به الإمامية، وخالفت جميع الفقهاء المتقدمين والمتأخرين، لأن مخالفيها من الفقهاء قد ذكروا في كتبهم ومسائل خلافهم أن هذا المذهب كان يذهب إليه أمير المؤمنين عليه السلام، وابن عباس رضي الله عنه. فأما الاحتجاج بضعفه بظاهر قوله (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (1) فليس بشئ، لأن العموم قد يختص بدليل، ويترك ظاهره بما يقتضي بتركه الظاهر (2). وإذا كنا قد بينا إجماع الطائفة على المذهب ووردت الآثار الحقة المعمولة بها فيه، فينقض (3) ذلك بترك الظاهر.

(1) سورة الطلاق: 4.
(2) استظهر الناسخ أن يكون: ظاهره الترك.
(3) ظ: فيقتضي واستظهر الناسخ أن يكون فينهض.

[ 191 ]

المسألة السابعة [ أقل مدة الحمل وأكثرها ] ذكر أن أقل ما يخرج به الحمل حيا مستهلا لستة أشهر. ثم قال: ومن ولد له ولد لأقل من ستة أشهر، فليس بولد له، قال: وهو بالخيار في الاقرار له أو نفيه، فكيف يكون بالخيار فيما ليس له؟ وكيف إذا اختار يجب؟ فيكون اختياره سبب الواجب. وذكر أن أكثر الحمل سنة، وذكر أن من الشيعة من يقول: سنتان، ومنهم من يقول: ثلاث. ومنهم من يقول: أربع. ومنهم من يقول سبع. قال: وروى أصحاب الحديث منهم أدهم بن حيان ولدته أمه لثمان سنين وقد تقر (1). ثم قال: ولا يكون أكثر من تسعة أشهر. الجواب: وبالله التوفيق. إن فائدة قولنا أقل الحمل كذا وكذا شهرا، أن المرأة متى أتت بولد على

(1) أي بقي وعاش.

[ 192 ]

فراش بعل في أقل من هذه المدة المحدودة لأقل الحمل، فليس بولد لهذا البعل في حكم الشريعة، لأن المدة التي أتى بها فيها ناقصة عن الحد المضروب لأقل الحمل. ومثل هذه الفائدة هي كقولنا أكثر الحمل كذا وكذا، فإن الرجل إذا طلق زوجته، ثم أتت بولد بعد الطلاق لأكثر من ذلك الحد المضروب لم يلحقه. وأقل الحمل عندنا على ما أطبقت عليه طائفتنا هو ستة أشهر، وما نعرف أيضا مخالفا من فقهاء العامة على ذلك. فأما الحكاية عن الذي قال هو بالخيار في الاقرار به أو نفيه مع الاعتراف بأن أقل الحمل ستة أشهر، فمناقضة ظاهرة، لأنه إذا كان الحد المضروب في الشريعة ستة أشهر فما نقص عن هذا الحد لا يلحق معه الولد، ولا يجوز اضافته إلى من ولد على فراشه، فأي خيار له في الاقرار عما توجب الشريعة نفيه عنه، وأن لا يكون لاحقا به. وأما أكثر الحمل فالمشهور عند أصحابنا أنه تسعة أشهر. وقد ذهب قوم إلى سنة من غير أصل معتمد، والمشهور ما ذكرناه. وأما ما حكي عن الشيعة خلافا، وزعم أن بعضها يقولون سنتان، وبعضهم يقول ثلاثا، وآخرون أربع، فهو وهم وغلط على الشيعة، لأن الشيعة لا تقول ذلك. وإنما يختلف فيه مخالفوهم من الفقهاء، فمذهب الشافعي وأصحابه أن أكثر الحمل أربع سنين. وزعم الزهري والليث وربيعة أن أكثره سبع سنين. وقال أبو حنيفة والثوري أن أكثره سنتان. وعن مالك ثلاث روايات: إحداهن مثل قول الشافعي، والثانية خمس سنين، والثالثة سبع سنين. فهذا الخلاف على ما ترى هو بين مخالفينا.

[ 193 ]

والحجة المعتمدة في هذه كله: هو إجماع الفرقة المحقة، ولا شبهة في أن المعتاد في أكثر الحمل هم تسعة أشهر، وما يدعى من زيادة على ذلك هو إذا كان صدقا. شاذ نادر غير مستمر ولا مستدام، وأحكام الشريعة تتبع المعتاد من الأمور لا الخارق للعادة والخارج عنها. وأيضا فلا خلاف أن الأشهر التسعة مدة الحمل، وإنما الخلاف فيما زاد عليها، فصار ما ذهبنا إليه في مدته مجمعا عليه، وما زاد على ذلك لا إجماع ولا دليل توجب اطراحه.

[ 194 ]

المسألة الثامنة [ حكم المطلقة في مرض بعلها ] ذكر أن المطلقة في المرض ترث زوجها المطلق لها ما لم تتزوج، أو يبرأ هو من مرضه ما بينها (1) وبين سنة. الجواب: وبالله التوفيق. إن هذا المذهب أيضا عليه اتفاق أصحابنا. وقد وردت في الأصول روايات كثيرة به. روى عبد الله بن مسكان، عن الفضل بن عبد الملك البقباق، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته وهو مريض. قال: ترثه ما بين سنة إن مات من مرضه ذلك، وتعتد من يوم طلقها عدة المطلقة، ثم تتزوج إذا انقضت عدتها، وترثه ما بينها وبين سنة إن مات في مرضه ذلك، فإن مات بعد ما تمضي سنة لم يكن لها ميراث (2).

(1) ظ: ما بين طلاقها.
(2) وسائل الشيعة 15 / 387 ح 11 رواه الشيخ والصدوق.

[ 195 ]

وعن الحسن بن محبوب، عن ربيع الأصم، عن أبي عبيد الحذاء ومالك بن عطية كلاهما عن محمد بن علي عليهما السلام قال: إذا طلقت الرجل امرأته تطليقة في مرضه حتى انقضت عدتها، ثم مات في ذلك المرض بعد انقضاء العدة، فإنها ترثه (1). وعن ابن أبي عمير عن أبان أن أبا عبد الله عليه السلام قال في رجل طلق تطليقتين في صحة، ثم طلق التطليقة الثالثة وهو مريض: أنها ترثه ما دام في مرضه، وإن كان إلى سنة (2). ويشبه أن يكون الوجه في توريثها له ما لم تتزوج أو تنقضي السنة، أن المطلقة (3) في المرض في الأغلب والأكثر يريد الاضرار بزوجته وحرمانها ميراثه. ولهذا أكثر في روايات كثيرة التطبيق في المرض بأنه يوهم الاضرار، فألزم الميراث سنة تغليظا وزجرا عن قصد الاضرار والحرمان للميراث. وقد جاءت رواية تشهد بذلك، روى زرعة عن سماعة قال: سألته عليه السلام عن رجل طلق امرأته وهو مريض، فقال: ترثه ما دامت في عدتها، فإن طلقها في حال الاضرار فهي ترثه إلى سنة، فإن زاد على السنة يوما واحدا لم ترثه (4). وهذا يشعر بما أشرنا إليه.

(1) فروع الكافي 6 / 121 ح 2.
(2) فروع الكافي 6 / 123 ح 10.
(3) ظ: المطلق.
(4) فروع الكافي 6 / 122 ح 9، وسائل الشيعة 5 / 385 ح 4.

[ 196 ]

المسألة التاسعة [ حكم عتق عبد المكاتب وتوريثه ] وذكر أن المكاتب يموت نسيبه (1) وله مال يرث منه بحساب ما عتق منه من أدائه مكاتبته، والخصوم يروون عن النبي صلى الله عليه وآله: المكاتب رق ما بقي عليه درهم (2). الجواب: وبالله التوفيق. أما هذه المسألة فجميع الفقهاء المخالفين لنا يقولون فيها أن المكاتب إذا أدى بعض المال لم يعتق شئ منه البتة. وحكي عن ابن مسعود أنه قال إذا أدى قدر قيمته عتق وكان ما بقي من مال الكتابة دينا في ذمته. ويروي مخالفونا من الفقهاء عن أمير المؤمنين عليه السلام روايتين: إحداهما أنه إذا أدى نصف مال الكتابة عتق وكان الباقي دينا. والرواية الثانية

(1) كذا في النسخة.
(2) جامع الأصول 9 / 59.

[ 197 ]

أنه كلما أدى جزء عتق بقدر ذلك الجزء منه (1). وحكي عن شريح أنه قال: إذا أدى ثلث مال الكتابة عتق، وإن نقص لم يعتق. والذي يطبق عليه أصحابنا أنه تعتق منه بقدر ما أدى من مال الكتابة، وإن شرط في أصل الكتابة أنه إن عجز عن شئ من مال الكتابة، عادت رقبته إلى الرق، فإنه متى شرط هذا الشرط كان العمل عليه ولم يعتق منه شئ. فيقول أصحابنا: أنه إن مات هذا المؤدي بعض مال الكتابة بسبب ورث منه بحساب الحرية به. وكذلك لو زنا المكاتب يجلد بحساب الحرية من رقبته. ولو قتل لأخذ منه بحساب الحرية الدية ولزم مولاه الباقي. والحجة في الحقيقة على ذلك: في من إجماعها الحجة من طائفتنا، والروايات التي تشهد بهذا المذهب في أصولنا كثيرة. وقد روى مخالفونا في كتبهم عن شيوخهم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: المكاتب يؤدي ما فيه من الحرية بحساب الحر، وما فيه من الرق بحساب العبد (2). والمراد بذلك أنه إذا قتل يجب عليه من الدية بقسط ما فيه من الحرية، ومن القيمة بقسط ما فيه من الرق. وهذا يقتضي أن بعضه يعتق ويكون الباقي رقيقا. وأما روايتهم عن النبي صلى الله عليه وآله: أن المكاتب رق ما بقي عليه درهم (3). فالمراد به أنه مع هذه البقية في أسر الرق، ولم يزل جميع الرق عنه فقد ذهب قوم إلى أنه إذا أدى من مال كتابته بقدر قيمته عتق، فيكون هذا

(1) جامع الأصول 9 / 60 ما يشبه ذلك.
(2) جامع الأصول 9 / 60.
(3) جامع الأصول 9 / 59، وفيه: المكاتب عبد ما بقي عليه من المكاتبة درهم.

[ 198 ]

القول رادا على من قال ذلك. وأما روايتهم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أيما رجل كاتب عبدا على مائة دينار، فأدها إلا عشرة دنانير فهو مكاتب. وإيما رجل كاتب عبدا على مائة أوقية، فأداها إلا عشرة أواق فهو مكاتب (1). فلا تصريح فيه على ما ينافي مذهبنا، ولا حجة لهم في ظاهره. ومعنى قوله (فهو مكاتب) أن حكم الكتابة باق لم يزل، لأن العبد إذا أدى بعض ما عليه فهو مسترق بقدر ما أبقى عليه من مال مكاتبته، ويطلق فيه أنه مكاتب، وهذا بين لمن تأمله. تمت المسائل بحمد الله وتوفيقه تعالى وعونه ومنه.

(1) جامع الأصول 9 / 59 مع تقدم وتأخر في الحديث.

[ 199 ]

(5) جوابات المسائل الموصليات الثالثة

[ 201 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قد أجبت عن المسائل الواردة في شهر ربيع الأول من سنة عشرين وأربعمائة بما اختصرت ألفاظه، وبلغت الطريق إلى نصرة هذه المسائل بما يغني المتأمل عما سواه، وقدمت مقدمة يعرف بها الطريق الموصل إلى العلم بجميع أحكام الشريعة في جميع مسائل الفقه، فيجب الاعتماد عليها والتمسك بها، فمن أبي عن هذا الطريق عسف وخبط، وفارق قوله من المذهب. فالله تعالى يمدكم بالتوفيق والتسديد، ويحسن معونتكم على طلب الحق وإرادته، ورفض الباطل وأياديه، إنه سميع مجيب. [ كيفية التوصل إلى الأحكام الشرعية ] إعلم أنه لا بد في الأحكام الشرعية من طريق التوصل إلى العلم بها لأنا متى لم نعلم الحكم ونقطع بالعلم على أنه مصلحة لنا جوزنا كونه مفسدة لنا فيقبح الإقدام منا عليه، لأن الإقدام على ما لا نأمن كونه فسادا، كالإقدام على ما نقطع كونه فسادا.

[ 202 ]

ولهذه الجملة أبطلنا أن يكون القياس في الشريعة الذي يذهب مخالفونا إليه طريقا إلى الأحكام الشرعية، من حيث كان القياس يوجب الظن ولا يقتضي العلم. ألا ترى إنا نظن حمل الفرع في التحريم على أصل محرم يشبه بجميع (1) بينهما، أنه محرم مثل أصله، ولا نعلم من حيث ظننا أنه يشبه المحرم أنه محرم. وكذلك إذا أبطلنا العمل في الشريعة بأخبار الآحاد، لأنها لا توجب علما ولا عملا، وأوجبنا أن يكون العمل تابعا للعلم، لأن خبر الواحد إذا كان عدلا فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبا وإن ظننت به الصدق، فإن الظن لا يمنع من التجويز، فعاد الأمر في العمل بأخبار الآحاد إلى أنه إقدام على ما لا نأمن كونه فسادا أو غير صلاح. [ بطلان العمل بالقياس والخبر الواحد ] وقد تجاوز قوم من شيوخنا (رحمهم الله) في إبطال القياس في الشريعة والعمل بأخبار الآحاد، أن قالوا: إنه مستحيل من طريق العقول العبادة بالقياس في الأحكام، وأحالوا أيضا من طريق العقول العمل بأخبار الآحاد، وعولوا على أن العمل يجب أن يكون تابعا للعلم، وإذا كان غير متيقن في القياس وأخبار الآحاد، لم نجد العبادة بها. والمذهب الصحيح هو غير هذا، لأن العقل لا يمنع من العبادة بالقياس والعمل بخبر الواحد، ولو تعبد الله تعالى بذلك لساغ ولدخل في باب الصحة لأن عبادته تعالى بذلك يوجب العلم الذي لا بد أن يكون العمل تابعا له.

(1) ظ: لشبه يجمع.

[ 203 ]

فإنه لا فرق بين أن يقول عليه: قد حرمت عليكم كذا وكذا فاجتنبوه، وبين أن يقول: إذا أخبركم مخبر له صفة العدالة بتحريمه فحرموه، في صحة الطريق إلى العلم بتحريمه. وكذلك لو قال: إذا غلب في ظنكم تشبه بعض الفروع ببعض الأصول في صفة تقتضي التحريم فحرموه فقد حرمته عليكم، لكان هذا أيضا طريقا إلى العلم بتحريمه وارتفاع الشك والتجويز. وليس متناول العلم هاهنا هو متناول الظن على ما يعتقده قوم لا يتأملون، لأن متناول الظن هاهنا هو صدق الراوي إذا كان واحدا، ومتناول العلم هو تحريم الفعل المخصوص الذي تضمنه الخبر مما علمناه. فكذلك في القياس متناول الظن شبه الوضع (1) بالأصل في علة التحريم، ومتناول العلم كون الفرع محرما. [ الدليل على بطلان العمل بهما ] وإنما منعنا من العمل بالقياس في الشريعة وأخبار الآحاد، مع تجويز العبادة بهما من طريق العقول، لأن الله تعالى ما تعبد بهما ولا نصب دليلا عليهما فمن هذا الوجه أطرحنا العمل بهما، ونفينا كونهما طريقين إلى التحريم والتحليل. وإنما أوردنا بهذه الإشارة أن أصحابنا كلهم سلفهم وخلفهم ومتقدمهم ومتأخرهم يمنعون من العمل بأخبار الآحاد ومن القياس في الشريعة، ويعيبون أشد عيب الذاهب إليهما والمتعلق في الشريعة بهما، حتى صار هذا المذهب لظهوره وانتشاره معلوما ضرورة منهم، وغير مشكوك فيه من المذاهب.

(1) ظ: الفرع.

[ 204 ]

وقد استقصينا الكلام في القياس وفرعناه وبسطناه وانتهينا فيه إلى أبعد الغايات في جواب مسائل وردت من أهل الموصل متقدمة، أظنها في سنة نيف وثمانين وثلاثمائة، فمن وقف عليها استفاد منها جميع ما يحتاج إليه في هذا الباب. وإذا صح ما ذكرناه فلا بد لنا فيما نثبته من الأحكام فيما نذهب إليه من ضروب العبادات من طريق توجب العلم وتقتضي اليقين، وطرق العلم في الشرعيات هي الأقوال التي قد قطع الدليل على صحتها، وأمن العقل من وقوعها على شئ من جهات القبح كلها، كقوله تعالى وكقول رسول صلى الله عليه وآله والأئمة الذين يجرون مجراه عليهم السلام. ولا بد لنا من طريق إلى إضافة الخطاب إلى الله تعالى إذا كان خطابا له، وكذلك في اضافته إلى الرسول أو الأئمة عليهم السلام. وقد سلك قوم في إضافة خطابه إليه طرقا غير مرضية، فأصحها وأبعدها من الشبهة أن يشهد الرسول المؤيد بالمعجزات في بعض الكلام أنه كلام الله تعالى فيعلم بشهادته أنه كلامه، كما فعل نبينا صلى الله عليه وآله في القرآن، فعلمنا بإضافته إلى ربه أنه كلامه، فصار جميع القرآن دالا على الأحكام وطريقا إلى العلم. فأما الطريق إلى معرفة كون الخطاب مضافا إلى الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام فهو المشافهة والمشاهدة لمن حاضره وعاصرهم فأما من نأى عنهم أو وجد بعدهم، فالخبر المتواتر المفضي إلى العلم المزيل للشك والريب.

[ 205 ]

[ إثبات حجية الإجماع في الأحكام الشرعية ] وهاهنا طريق آخر يتوصل به إلى العلم بالحق والصحيح من الأحكام الشرعية عند فقد ظهور الإمام وتميز شخصه، وهو إجماع الفرقة المحقة من الإمامية التي قد علمنا أن قول الإمام - وإن كان غير متميز الشخص - داخل في أقوالها وغير خارج عنها. فإذا أطبقوا على مذهب من المذاهب، علمنا أنه هو الحق الواضح والحجة القاطعة، لأن قول الإمام الذي هو الحجة في جملة أقوالها، فكأن الإمام قائله ومتفردا به، ومعلوم أن قول الإمام - وهو غير مميز العين ولا معروف الشخص - في جملة أقوال الإمامية، لأنا إذا كنا نقطع على وجود الإمام في زمان الغيبة بين أظهرنا ولا نرتاب بذلك، ونقطع أيضا على أن الحق في الأصول كلها مع الإمامية دون مخالفيها، وكان الإمام لا بد أن يكون محقا في جميع الأصول. وجب أن يكون الإمام على مذاهب الإمامية في جميعها على مذهب من المذاهب في فروع الشريعة، فلا بد أن يكون الإمام وهو سيد الإمامية وأعلمها وأفضلها في جملة هذا الإجماع. فكما لا يجوز فيما أجمعت عليه الإمامية أن يكون بعض علماء الإمامية غير قائل به ولا ذاهب إليه، فكذلك لا يجوز مثله في الإمام. [ كيفية تحصيل إجماع الأمة ] فإن قيل: هذا حجد (كذا) (1) عظيم منكم، يقتضي أنكم قد عرفتم كل محق في

(1) خ ل جهد.

[ 206 ]

بر وبحر وسهل وجبل حتى ميزتم أقوالهم ومذهبهم، إما بأن لقيتموهم، أو بأن تواترت عنه (1) إليكم الأخبار بمذاهب، ومعلوم بعد هذه الدعوى عن الصحة. قلنا: قد أجبنا عن هذه المسألة بما فرغناه واستوفيناه، وجعلناه كالشمس الطالعة في الوضوح والجلاء في مسائل سألنا عنها أبو عبد الله محمد بن عبد الملك البتان (رحمه الله) مقصور على أخبار الآحاد وطريق العلم بالآحاد، أجهد فيها نفسه وتعب بها عمره، وما قصر فيما أورده من الشبهة. فالجواب عن هذه المسائل موجود في يد الأصحاب (أيدهم الله) وهو يقارب مائة ورقة. وإذا اطلع عليه عرف منه الطريق الصحيح إلى العلم بأحكام الشريعة على مذاهب أصحابنا، مع نفيهم القياس والعمل بأخبار الآحاد، ووجد في جواب هذه المسائل من تقرير المذهب وتأليه، والجمع بين أصوله وفروعه ما لا يوجد في شي من الكتب المصنفة. ثم لا نخلو السؤال الذي ذكره من جواب على كل حال، فنقول:: هذه الطريقة المذكورة في السؤال هي طريقة من نفي إجماع الأمة، وادعى أنه لا سبيل إلى العلم بإجماعها على قول من الأقوال، مع تباعد الديار وتفرق الأوطان وفقد المعرفة بكل واحد منهم على التعيين والتمييز. وقد علمنا مع طول المجالسة والمخالطة وامتداد العصر واستمرار الزمان تقدر مذاهب المسلمين وحصر أقاويلهم، وفرقنا بين ما يختلفون فيه ويجتمعون عليه، ومن شككنا في ذلك كمن شككنا في البلدان والأمصار والأحداث العظيمة التي يقع بها العلم ويزول الريب فيها بالأخبار المتواترة.

(1) ظ: عنهم.

[ 207 ]

وأي عاقل يشك في أن جميع المسلمين في بر وبحر وسهل وجبل وقرب وبعد لا يذهبون إلى تحريم الزنا والخمر، وأن أحدا منهم لم يذهب في الجد والأخ إذا تفردا بالميراث إلى أن المال للأخ دون الجد، وأنهم لا يختلفون الآن وإن كان في هذه المسألة خلاف قديم بين الأنصار، في أن التقاء الختانين لا يوجب الغسل. ولو شككنا في هذا مشكك فقال: في فقهاء الأمة وعلمائها من يذهب إلى مذهب الأنصار، إن الماء من الماء، لعنفناه ونكبناه، وإن كنا لا نعرف فقهاء الأمة وعلماءها في الأمصار على التعيين والتمييز. وكما أن مذاهب الأمة بأجمعها محصورة معلومة، فكذلك مذاهب كل فرقة من فقهائها وطائفة علمائها، فإن مذاهب أبي حنيفة محصورة بالروايات المختلفة عنه مضبوطة وكذلك مذاهب الشافعي، وإن كانت له أقوال مختلفة في بعض المسائل، فقد فرق أصحابه والعارفون بمذهبه بين المذهب الذي له فيه أقوال وبين ما ليس له فيه إلا قول واحد. فلو أن قائلا قال لنا: إذا كنتم لا تعرفون أصحاب أبي حنيفة في البر والبحر والسهل والجبل والحزن والوعر، فلعل فيهم من يذهب إلى ما يخالف من اجتمع ممن تعرفون علمه، وكذلك لو قال في مذاهب الشافعي، لكنا لا نلتفت إلى قوله، ونقول: قد علمنا ضرورة خلاف ما تذكرونه، وقطعنا على أن أحدا من علماء أصحاب أبي حنيفة أو أصحاب الشافعي لا يذهب قريبا كان أو بعيدا، إلى خلاف ما عرفناه ووقع الاطباق عليه من هذه المذاهب، وأن التشكيك في ذلك كالتشكيك في سائر الأمور المعلومة. وإذا استقرت هذه الجملة وكان مذهب الإمامية أشد انحصارا وانضباطا

[ 208 ]

من مذهب جميع الأمة، وكنا نعلم أن الأمة مع كثرة عددها وانتشارها في أقطار الأرض قد أجمعت على شئ بعينه نأمن أن يكون لها قول سواه فأحرى أن يصح في الإمامية - وهي جزء من كلها وفرقة من فرقها - أن نعلم مذاهبهم على سبيل الاستقرار والتعيين، وإجماعهم على ما أجمعوا عليه، حتى يزول عنا الريب في ذلك والشك فيه، كما زال فيما هو أكثر منه. وإذا كان الإمام في زمان الغيبة موجودا بينهم وغير مفقود من جملتهم، فهو واحد من جماعتهم، وإذا علمنا بالسر والمخالطة وطول المباحثة أن كل عالم من علماء الإمامية قد أجمع على مذهب بعينه، فالإمام وهو واحد من العلماء، داخل في ذلك وغير خارج عنه. وليس يخل بمعرفة مذهبه عدم معرفته بعينه، لأنا لا نعرف كل عالم من علماء الإمامية وفقيه من فقهائها في البلاد المتفرقة، وإن علمنا على سبيل الجملة إجماع كل عالم عرفناه أو لم نعرفه على مذهب بعينه، فالإمام في هذا الباب كمن لا نعرفه من علماء الإمامية. وإذا لم يعرض لنا شك في مذهب من لا نعرفه من الإمامية، لم يجز أن يعرض أيضا لنا الشك في قول الإمام أنه من جملة أقوال الإمامية، وإن كنا لا نميز شخصه ولا نعرف عينه. واعلم أن الطريق المعتمد المحدد إلى صحة مذاهبنا في فروع الأحكام الشريعة (1) هو هذا الذي بيناه وأوضحناه، سواء كانت المسائل مما تنفرد به الإمامية بها، أو مما يوافقها فيها بعض خصومها.

(1) ظ: الشرعية.

[ 209 ]

[ حجية ظواهر الكتاب والسنة في إثبات الأحكام الشرعية ] وربما اتفق في بعض المسائل غير هذه الطريقة، وهي: أن يكون عليها دليل من ظاهر كتاب الله، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله مقطوع بها معلوم صحتها. وربما اتفق في بعض الأحكام أن يكون معلومة من مذاهب أئمتنا المتقدمين للإمام الغائب الذين ظهروا وعرفوا وسئلوا وأجابوا وعلموا الأحكام. فقد علمنا ضرورة من مذاهب أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام تحريم كل شراب مسكر، ومسح الرجلين، تحريم المسح على الخفين، وأن تكبيرات الصلاة على الميت خمس، وأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع، وما جرى مجرى هذه المسائل من الأمور التي ظهرت عنهم واشتهرت. وإذا علمت (1) مذهبهم وكانوا عندنا حجة معصومين، كفى ذلك في وقوع العلم بها والقطع على صحتها، ولا اعتبار بمن خالفنا في العمل بشئ مما عددناه عنهم، ووقع أن يكون مشاركا في المعرفة بذلك، لأن المخالف في هذا: إما أن يكون معاندا، أو مكابرا، أو يكون ممن لم تكثر خلطته لنا أو تصفحه لأخبارنا أو سماعه من رجالنا. لأن العلم الضروري ربما وقف على أسباب من مخالطة، أو مجالسة، أو سمع أخبار مخصوصة. وعلى هذا لا ينكر أن يكون من لم تتفق خلطته بأصحاب أبي حنيفة، وسماع أخبارهم عن صاحبهم، لا يعلمون من مذاهب أبي حنيفة ما يعلم أصحابه ضرورة.

(1) ظ: علم.

[ 210 ]

[ حكم المسألة الشرعية التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة ] فإن قيل: فما تقولون في مسألة شرعية اختلف فيها قول الإمامية، ولم يكن عليها دليل من كتاب أو سنة مقطوع بها؟ كيف الطريق إلى الحق فيها؟ قلنا: هذا الذي فرضتموه قد أمنا وقوعه، لأنا قد علمنا أن الله تعالى لا يخلي المكلف من حجة وطريق إلى العلم بما كلف، وهذه الحادثة التي ذكرناها (1) وإن كان لله تعالى فيها حكم شرعي، واختلفت الإمامية في وقتنا هذا فيها، فلم يمكن الاعتماد على إجماعهم الذي نتيقن (2) بأن الحجة فيه لأجل وجود الإمام في جملتهم، فلا بد من أن يكون على هذه المسألة دليل قاطع من كتاب أو سنة مقطوع بها، حتى لا يفوت المكلف طريق العلم الذي يصل به إلى تكليفه. اللهم إلا أن يقال: إن نفرض وجود حادثة ليس للإمامية فيها قول على سبيل اتفاق أو اختلاف، فقد يجوز عندنا في مثل ذلك إن اتفق أن لا يكون لله تعالى فيها حكم شرعي، فإذا لم نجد في الأدلة الموجبة للعلم طريقا إلى علم حكم هذه الحادثة، كنا فيها على ما يوجب العقل وحكمه. [ عدم حجية جل الأخبار المنقولة من طريق أصحاب الحديث ] فإن قيل: أليس شيوخ هذه الطائفة قد عولوا في كتبهم في الأحكام الشرعية على الأخبار التي رووها عن ثقاتهم، وجعلوها العمدة والحجة في هذه الأحكام، حتى رووا عن أئمتهم عليهم السلام فيما يجئ مختلفا من الأخبار عند عدم الترجيح كله، أن يؤخذ منه ما هو أبعد من قوله العامة. وهذا نقيض ما قدمتموه.

(1) ظ: ذكرتموها.
(2) خ ل: نثق.

[ 211 ]

قلنا: ليس ينبغي أن ترجع عن الأمور المعلومة والمذاهب المشهورة المقطوع عليها، بما هو مشتبه ملتبس محتمل. وقد علم كل موافق ومخالف الشيعة الإمامية تبطل القياس في الشريعة من حيث لا يؤدي إلى علم، فكذلك تقول في أخبار الآحاد. حتى أن منهم من يزيد على ذلك فيقول: ما كان يجوز من طريق العقل أن يتعبد الله تعالى في الشريعة بالقياس ولا العمل بأخبار الآحاد. ومن كان هذا مذهبه كيف يجوز أن يثبت الأحكام الشرعية عنه بأخبار لا يقطع على صحتها؟ ويجوز كذب راويها كما يجوز صدقه. وهل هذا إلا من أقبح المناقضة وأفحشها؟ فالعلماء الذين عليهم المعول (1) ويدرون ما يأتون وما يذرون لا يجوزون (2) أن يحتجوا بخبر واحد لا يوجب علما، ولا يقدر أحد أن يحكي عنهم في كتابه ولا غيره خلاف ما ذكرناه. فأما أصحاب الحديث فإنهم رووا ما سمعوا وحدثوا به ونقلوا عن أسلافهم، وليس عليهم أن يكون حجة ودليلا في الأحكام الشرعية، أو لا يكون كذلك. فإن كان في أصحاب الحديث من يحتج في حكم شرعي بحديث غير مقطوع على صحته، فقد زل وزور، وما يفعل ذلك من يعرف أصول أصحابنا في نفي القياس والعمل بأخبار الآحاد حق معرفتها، بل لا يقع مثل ذلك من عاقل وربما كان غير مكلف. ألا ترى أن هؤلاء بأعيانهم قد يحتجون في أصول الدين من التوحيد والعدل والنبوة والامامة بأخبار الآحاد، ومعلوم عند كل عاقل أنها ليست بحجة في ذلك.

(1) خ ل: المنقول.
(2) خ ل: ولا يجوز.

[ 212 ]

وربما ذهب بعضهم إلى الجبر وإلى التشبيه، اغترارا بأخبار الآحاد المروية، ومن أشرنا إليه بهذه الغفلة يحتج بالخبر الذي ما رواه ولا حدث به ولا سمعه من ناقله فيعرفه بعدالة أو غيرها، حتى لو قيل له في بعض الأحكام: من أين أثبته وذهبت إليه؟ كان جوابه: لأني وجدته في الكتاب الفلاني، ومنسوبا إلى رواية فلان بن فلان. ومعلوم عند كل من نفي العلم بأخبار الآحاد ومن أثبتها وعمل بها، أن هذا ليس بشئ يعتمد ولا طريق يقصد، وإنما هو غرور وزور. فأما الرواية بأن يعمل بالحديثين المتعارضين بأبعدهما من مذهب العامة، فهذا لعمري دوري، فإذا كنا لم نعمل بأخبار الآحاد في الفروع، كيف نعمل بها في الأصول التي لا خلاف بيننا في أن طريقها العلم والقطع، وإذ قدمنا ما احتجنا إلى تقديمه، فهو الذي نعتمد عليه في جميع المسائل الشرعية. فنحن نتصفح المسائل التي سطرت وذكرت، ونبين ما عندنا فيها، فأما النصرة لها والدلالة على صحتها، فهي الجملة التي قدمناها، والطريقة التي أوضحناها، فإن اتفق زيادة على ذلك أن يكون طريق آخر للعلم، نبهنا عليه وأرشدنا إليه بعون الله ومشيته. واعلم أن هذه المسائل التي ذكر انفراد الإمامية بها، ستوجد مشروحة منصورة بالدلالة والطرق في كتاب المسائل الخلاف الشرعية التي عملنا منها بعضها، ونحن على تتميمها وتكميلها بمعونة الله. فإن هذه المسائل ما اعتمدنا في نصرتها الاقتصار على الأدلة الدالة على صحيح منها، بل أضفنا إلى ذلك مناظرة الخصوم على تسليم أصولها ومناقضتهم، بأن بينا القياس لو كان صحيحا، وأخبار الآحاد لو كانت معمولا عليها على ما يذهبون إليه، لكانت مذاهبنا في الشرعيات كلها أولى من مذاهبهم وأشبه بهذه الأصول التي عليها يعولون، وركبنا في ذلك مركبا غريبا يمكن معه مناظرة الفقهاء على اختلافهم

[ 213 ]

في جميع مسائل الفقه. ومن نظر فيما خرج إلى الآن من هذا الكتاب، علم أن المنفعة به عظيمة والطريقة فيه غريبة، ومن الله استمد المعرفة والتوفيق في كل قول وفعل. المسألة الأولى حكم غسل اليدين في الوضوء غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع غير مستقبل للشعر، واستقباله لا ينقض الوضوء. وأعلم أن الابتداء بالمرفقين في غسل اليدين هو المسنون، وخلاف ذلك مكروه، ولا نقول أنه ينقض الوضوء، حتى لو أن فاعلا فعله لكان لا يجزي به. ولا يقدر أحد أن يحكم من أصحابنا المحصلين تصريحا بأن من خالف ذلك فلا وضوء له، وجميع ما ورد في الأخبار من تغليظ ذلك والتشديد فيه. وربما قيل: (لا يجوز) محمول على شدة الكراهة دون الوجوب واللزوم. وقد يقال في مخالفة المسنون المغلظ في هذه الألفاظ ما يزيد على ذلك، ولا يدل على الوجوب. والذي يدل على صحة مذهبنا في هذه المسألة أن جميع الفقهاء يخالفونا في أنه مسنون، وأن خلافه مكروه، وإجماع الإمامية الذي بينا أنه حجة لدخول قول المعصوم فيه. فإن قيل: قد خالفتم ظاهر القرآن، لأنه قال (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) (1) غاية، وأنتم قد جعلتم

(1) سورة المائدة: 6.

[ 214 ]

المرافق ابتداء. قلنا: أما لفظة (إلى) فقد تكون في اللغة العربية بمعنى الغاية وبمعنى (مع)، قال الله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) (1) أراد مع أموالكم، وقال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام (من أنصاري إلى الله) (2) أراد مع الله، ويقولون: ولي فلان الكوفة إلى البصرة، ولا يريدون غاية بل يريدون ولي هذا البلد مع هذا البلد. وقال النابغة الذبياني: ولا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب أراد مع الناس أو عندهم. وقال ذو الرمة: بها كل خوار إلى كل صولة ورفعي المدا عار الترائب أراد مع كل صولة، وقال امرؤ القيس: له كفل كالدعص لبده الندى إلى خارك مثل الرياح المنصب أراد مع خارك. فإن قيل: فهذا يدل على احتمال لفظة (إلى) بمعنى الغاية وغيرها، فمن أين أنها في الآية لغير معنى الغاية. قلنا: يكفي في إسقاط استدلالكم بالآية المحتملة لما قلناه ولما قلتموه، فهي دليلنا ودليلكم. وبعد فلو كانت لفظة (إلى) في الآية محمولة على الغاية، لوجب أن يكون من لم يبتدأ بالأصابع ونيته إلى المرافق عاصيا مخالفا للأمر، وأجمع المسلمون على خلاف ذلك. وإذا حملنا لفظة (إلى) على معنى (مع) صار تقدير الكلام: فاغسلوا أيديكم مع المرافق، وهذا هو الصحيح الذي لا يدفعه إجماع ولا حجة، كما قلنا فيمن حمل ذلك على الغاية.

(1) سورة النساء: 2.
(2) سورة آل عمران: 52.

[ 215 ]

المسألة الثانية [ حكم مسح مقدم الرأس ] مسح مقدم الرأس غير مستقبل الشعر. واعلم أن هذه الكيفية أيضا في مسح الرأس مسنونة، ويكره تركها ومخالفتها، وإن كان من خالفها بأن استقبل الشعر تاركا للفضل ومخالفا للسنة، إلا أن فعله يجيز أن يبيح بمثله الصلاة. والحجة في ذلك: ما تقدم من إجماع الإمامية عليه. ويمكن أن يحتج فيه من طريق الاحتياط، بأن من لم يستقبل الشعر في مسح الرأس، لا خلاف بين الأمة في أنه لم يعص ولم يبدع. ومن استقبل الشعر اختلف فيه، ومن الناس من يبدعه ويخطيه، ومنهم من يصوبه، فالاحتياط والاستظهار ترك الاستقبال، ففيه الأمان من التبديع والتخطئة. ويمكن أن تستعمل هذه الطريقة المبنية على الاحتياط في المسألة الأولى. فإن قيل: هذه الطريقة التي سلكتموها في اعتبار الاحتياط توجب عليكم القول أن مسح جميع الرأس أولى وأحوط، لأن من مسح بعض رأسه يذهب قوم من أهل العلم إلى أنه ما أدى الفرض، وإذا مسح الجميع فبالاجماع يكون مؤديا للفرض. وكذلك إذا قيل في من غسل رجليه: إنه قد فعل ما يأتي من المسح والغسل فهو مؤد للفرض باتفاق، وليس كذلك من مسح الرجلين. قلنا: الأمر بخلاف ما ظن، لأن مذهبنا أن من مسح جميع رأسه معتقدا أداء الفرض، فهو مبدع مخطئ، ولا إجماع في من مسح جميع رأسه أنه سليم من التخطئة والتبديع. ومن غسل رجليه عندنا فما مسحهما، ولا يجوز له أن تستبيح الصلاة بغسل رجليه، لأن الغسل والمسح يتنافيان، ولا يدخل أحدهما في صاحبه على ما ظنه قوم.

[ 216 ]

المسألة الثالثة [ حكم مسح الأذنين وغسلهما ] مسح الأذنين، فذهب إليه (1) الشيعة الإمامية أن مسح الأذنين وغسلهما غير واجب ولا مسنون على كل وجه لا مع الرأس ولا مع الوجه. واتفق جميع من خالف من الفقهاء على أن مسحهما مسنون غير واجب، إلا ما يروون عن إسحاق بن راهويه، فإنه يحكى عنه إيجاب المسح عليهما، وهذا قول شاذ قد تقدم الإجماع وتأخر عنه. ثم اختلف القائلون بأن مسحهما مسنون: فقال أبو حنيفة وأصحابه: الأذنان من الرأس، تمسح مقدمهما ومؤخرهما مع الرأس بالماء الذي يمسح به الرأس ومثله الأوزاعي. وقال مالك وأحمد بن حنبل يمسحان بماء جديد، حكي مثله عن أبي ثور. وقال الزهري: هما من الوجه يغسل باطنهما وظاهرهما معا، وحكي عن الشعبي والحسن بن حي أن ما أقبل منهما من الوجه يغسل معه، وما أدبر من الرأس يمسح معه. والحجة على ما ذهبنا إليه: إجماع الفرقة الذي تقدم ذكره، ومن طريق الاحتياط أن من ترك مسح أذنيه فليس بمبدع ولا عاص. وليس كذلك من مسحهما، فالاحتياط العدول عن مسحهما أو غسلهما.

(1) الظاهر زيادة كلمة (إليه) وأن تكون العبارة كذا: فذهب الشيعة الإمامية إلى أن مسح الخ.

[ 217 ]

المسألة الرابعة [ إسباغ الوضوء مرتين ] إسباغ الوضوء مرتين، ولا يجوز ثلاثة، ويجتزي الدفعة. والحجة في ذلك: طريقة الإجماع وقد تقدمت، وطريقة الاحتياط وقد مضت، لأن من اقتصر في الوضوء على مرتين فبالاجماع أنه فاعل للسنة وغير مبدع ولا مخطئ، وليس كذلك من فعل الثلاثة. المسألة الخامسة [ أكثر أيام النفاس ] أكثر النفاس ثمانية عشر يوما، وهذه المسألة مما تكلمنا عليه في مسائل الخلاف الواردة قبل هذه، فأشرنا إلى العمدة المعتمدة فيه. والدليل على صحة قولنا في أكثر النفاس: هو إجماع الفرقة المحقة، وأيضا فإن المرأة داخلة في عموم الأمر بالصلاة والصوم، وإنما نخرجها في الأيام التي حددناها من عموم الأمر بالاجماع، ولا إجماع ولا دليل فيما زاد على ما حددناه من الأيام، فيجب أن تكون داخلة في عموم الأمر. المسألة السادسة [ حكم قراءة القرآن للجنب والحائض ] للجنب والحائض أن يقرءا من القرآن أي سورة شاءا سبع آيات، سوى الأربع العزائم السجدات وهي: سجدة لقمان، وسجدة حم، وسورة النجم،

[ 218 ]

وسورة القلم. ويجب السجود عندهم على قارئها على كل حال. واعلم أن المذهب الصحيح أن للجنب والحائض أن يقرءا من القرآن ما شاءا، سوى السجدات الأربع، من غير تعيين على سبع آيات أو أكثر منها أو أقل. والحجة في ذلك: إجماع الطائفة، ويمكن أن يحتج بظاهر قوله تعالى (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) (1) وقوله تعالى (فاقرؤا ما تيسر منه) (2) وقوله تعالى (اقرأ باسم ربك الذي خلق) (3) وهذا عموم يتناول جميع القرآن إلا ما أخرجه الدليل، وعزائم السجود خرجت بدليل قاطع، فوجب بقاء ما عداها. الفصل السابع (4) [ مسائل تتعلق بالأموات ] فيه ست مسائل: توجيه الميت عند غسله نحو القبلة ملقى على ظهره، وأن الحنوط الكافور خاصة لا يجزئ غيره، ولا يجزئ منه مع الامكان أقل من مثقال، ووضع الجريدتين مع الميت في كفنه، وتركه هنيئة قبل حطه وإنزاله القبر ليأخذ أهبة المسألة، وتلقينه الشهادة والرسالة والامامة في قبره قبل وضع اللبن عليه. واعلم أن هذه المسائل إنما هي آداب وسنن مستحبة، وليست بفرض واجب، والطريق إلى أنها مستحبة مسنونة هو الإجماع الذي تقدم ذكره.

(1) سورة المزمل 20.
(2) نفس الآية.
(3) الآية الأولى من سورة العلق.
(4) وفي الهامش خ ل: المسألة السابعة.

[ 219 ]

المسألة الثالثة عشر [ وجوب (حي على خير العمل) في الأذان ] استعمال (حي على خير العمل) في الأذان، وأن تركه كترك شئ من ألفاظ الأذان. والحجة أيضا اتفاق الطائفة المحقة عليه، حتى صار لها شعارا لا يدفع وعلما ويجحد. المسألة الرابعة عشر [ إرسال اليدين في الصلاة واجب ] إن إرسال اليدين في الصلاة واجب، وكتفهما مفسد لها. والحجة في ذلك: الإجماع المكرر ذكره، ثم طريق الاحتياط، لأن من لم يضع إحدى يديه على الأخرى لا خلاف في أنه غير عاص ولا مبتدع ولا قاطع للصلاة، وإنما الخلاف في من وضعها. فالأولى والأحوط إرسال اليدين. المسألة الخامسة عشر [ قول (آمين) مبطل للصلاة ] قول (آمين) في الصلاة يقطعها. والحجة أيضا على مذهبنا من ذلك الإجماع المتقدم في طريقة الاحتياط، وهي واضحة، لأن من لم يتلفظ بهذه

[ 220 ]

اللفظة لا خلاف في أنه غير مبتدع ولا قاطع لصلاة، وإنما الخلاف في من تلفظ بها. المسألة السادسة عشر [ عدم جواز القرآن بين السورتين في الصلاة ] لا يجوز في الفرائض قراءة سورتين ولا بعض سورة بعد فاتحة الكتاب. وهذه المسألة أيضا فيها إجماع الفرقة المحقة، وإطباقهم على أن خلافه لا يجوز المسألة السابعة عشر [ حكم ما يسجد عليه ] إن السجود لا يجوز إلا على الأرض، وما أنبتت من الأرض سوى الثمار. ولا يجوز السجود على ثوب منسوج، إلا عند الضرورة وإن كان أصله النبات. والحجة في ذلك: هذا الإجماع الذي أشرنا إليه، ثم طريقة الاحتياط، لأن من سجد على الأرض أو ما أنبتته مما ليس بثمرة، كان مؤديا للفرض وتجزي الصلاة غير عاص ولا مخالف. وليس كذلك من سجد على ما يخالف ما ذكرناه فالأحوط فعل ما لا خلاف فيه.

[ 221 ]

المسألة الثامنة عشر [ الجماعة في نوافل شهر رمضان بدعة ] الإجماع في نوافل شهر رمضان بدعة، والسنة هو التطوع بها فرادى. والوجه أيضا في ذلك من إجماع الفرقة المحقة على تبديع من جمع بهذه الصلاة، ولأنه ليس في تركها حرج ولا أثم عند أحد من الأئمة، وفي فعلها على الإجماع أثم وبدعة. فالأحوط العدول عنها. المسألة التاسعة عشر [ صلاة الضحى بدعة ] وصلاة الضحى بدعة لا تجوز. والوجه في ذلك ما تقدم من طريقة الاحتياط والاجماع معا. المسألة العشرون [ سجود الشكر غير واجب ] سجود الشكر والتعفير غير واجب، له فضل كثير. أما القول بوجوب سجود الشكر فهو غير صحيح، ولكنه من السنن المؤكدة والآداب المستحبة. والطريقة إلى كونه بهذه الصفة إجماع الفرقة المحقة.

[ 222 ]

المسألة الحادية والعشرون [ أقل ما يجزئ صلاة الجمعة والعيدين ] وأقل ما يجزئ في الجمع والصلاة العيدين سبعة نفر، ليسوا بمرضى ولا مسافرين ولا غازين. وأقل ما يجزئ في الجمعة خمسة نفر بالصفات المذكورة. واعلم أن مذهبنا المشهور المعروف في أقل العدد الذي تنعقد صلاة الجمعة خمسة الإمام أحدهم، وهذا العدد بعينه في صلاة العيدين من غير زيادة عليه. وقال أبو حنيفة والثوري: إن الجمعة تنعقد بأربعة، وروي عن أبي يوسف والليث أنها تنعقد بثلاثة. وقال الشافعي: لا تنعقد بأقل من أربعين نفسا، وروي عن الحسن والحسين أنها تنعقد باثنين. وقال مالك: إذا كانت قريبة سوق ومسجد، فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد. ودليلنا على صحة مذهبنا: هو إجماع الطائفة المحقة. ويمكن أيضا أن يستدل بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله (1)) وهذا عموم، إنما أخرجنا منه من نقص عن العدد بالذي ذكرناه.

(1) سورة الجمعة: 9.

[ 223 ]

المسألة الثانية والعشرون [ من لا يصلح لإمامة الجمعة والعيدين ] ولا يصلح إمامة الجمعة والعيدين أبرص ولا مجذوم ولا مفلوج ولا محدود والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة، وطريقة الاحتياط، لأن إمامة من ليس له هذه الصفات جائزة ماضية باتفاق، وليس كذلك الايتمام بمن له بعض هذه الصفات. المسألة الثالثة والعشرون [ حكم صلاة الكسوف ] وصلاة الكسوف ركعتان تشتمل على عشر ركعات. ويجب على تاركها متعمدا الغسل إن احترق القرص كله. والذي يجب أن يقال في ذلك: أن صلاة كسوف الشمس والقمر واجبة، لا يجوز تركها. ويتوجه فرضها إلى الذكور والإناث والحر والعبد والمقيم والمسافر، وإلى كل من لم يكن له عذر يبيح بمثله الاخلال بالفرض. ويصلى في جماعة وعلى انفراد. ولا ينبغي أن يقال: هي ركعتان فيها عشر ركعات، فإن هذا كالمناقضة، بل يقال: هي عشر ركعات وأربع سجدات. وترتيبها مسطور في الكتب. وتقضى إذا فاتت، بشرط أن يكون القرص المنكسف قد احترق كله ولا قضاء مع احتراق بعضه. فأما الغسل فهو في من تعمد ترك هذه الصلاة، فإنه يلزمه مع انقضاء الغسل.

[ 224 ]

المسألة الرابعة والعشرون [ كيفية الصلاة على الموتى ] والصلاة على الموتى خمس تكبيرات، والتسليم فيها غير واجب إلا للتقية أو لإعلام المأمومين الخروج من الصلاة. والحجة في ذلك: مع الإجماع المتقدم، أن من كبر خمسا فقد فعل الواجب بإجماع، وليس كذلك من نقص هذا العدد. المسألة الخامسة والعشرون [ استحباب توقف الناس حتى ترفع الجنازة ] ومن السنة وقوف الإجماع حتى ترفع الجنازة على أيدي الرجال. وهذا أيضا فالحجة فيه اتفاق الطائفة، فإنه الأحوط. المسألة السادسة والعشرون [ وجوب الزكاة في الدراهم والدنانير ] وأن الزكاة في التبر والفضة غير واجبة، حتى يصيران درهما ودنانير. وأن السبائك من الفضة والذهب لا زكاة فيها، إلا على من هرب بهما من الزكاة. والحجة في هذا الذي حكيناه إجماع الطائفة المحقة.

[ 225 ]

المسألة السابعة والعشرون [ أقل ما يجزئ من الزكاة ] أقل ما يجزئ من الزكاة درهم. والطريقة في نصرة ذلك مع إجماع الفرقة المحقة طريقة الاحتياط، لأن من أخرج هذا المبلغ أجزأ عنه وسقط عن ذمته بالاجماع، وليس الأمر على ذلك في من أخرج أقل منه. المسألة الثامنة والعشرون [ اشتراط الولاية في مستحقي الزكاة ] ولا يجزئ إخراجها إلا إلى القرين العارفين (1) لولاية أمير المؤمنين عليه السلام، فإن أخرجت إلى غيرهم وجبت الإعادة. والوجه في ذلك: بعد الإجماع المتكرر ذكره أن الجاهل لولاية أمير المؤمنين عليه السلام وإمامته مرتد عند أهل الإمامة، ولا خلاف بين المسلمين في أن الزكاة لا تخرج إلى المرتدين، ومن أخرجها إليهم وجبت عليه الإعادة، وهذا فرع مبني على هذا الأصل.

(1) ظ: الفقير العارف.

[ 226 ]

المسألة التاسعة والعشرون: [ مقدار زكاة الفطرة ] وأن زكاة الفطرة صاع، وهو تسعة أرطال بالعراقي. والحجة في ذلك بعد الإجماع المقدم ذكره طريقة الاحتياط، وبيانها: إن من أخرج تسعة أرطال فقد سقط عن ذمته خروجه الفطرة، وليس كذلك من أخرج أقل منها. المسألة الثلاثون: [ أحكام الخمس ] والخمس ستة أسهم: ثلاثة منها للإمام القائم بخلافة الرسول، وهي سهم الله تعالى وسهم رسوله وسهم الإمام عليه السلام. والثلاثة الباقية ليتامى آل الرسول ومساكينهم وأبناء سبيلهم دون الخلق أجمعين. وتحقيق هذه المسألة: أن إخراج الخمس واجب في جميع المغانم والمكاسب، وكل ما استفيد بالحرب، وما استخرج أيضا من المعادن والغوص والكنوز، وما فضل من الخمس (1). وتمييز أهله هو أن يقسم على ستة أسهام: ثلاثة منها للإمام القائم مقام الرسول صلى الله عليه وآله، وهي سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى، كان إضافة الله تعالى ذلك إلى نفسه، وهي في المعنى للرسول صلى الله عليه

(1) كذا في النسخة.

[ 227 ]

وآله، وإنما أضافها إلى نفسه تفخيما لشأن الرسول وتعظيما، كإضافة طاعة الرسول صلى الله عليه وآله إليه تعالى، كما أضاف رضاه عليه السلام وأذاه إليه جلت عظمته. والسهم الثاني المذكور المضاف إلى الرسول بصريح الكلام، وهذان السهمان معا للرسول في حياته والخليفة القائم مقامه بعده. فأما المضاف إلى ذي القربى، فإنما عني به ولي الأمر من بعده، لأنه القريب إليه بالتخصيص. والثلاثة الأسهم الباقية ليتامى آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وهم بنو هاشم خاصة دون غيرهم. وإذا غنم المسلمون شيئا من دار الكفر بالسيف، قسمه الإمام على خمسة أسهم، فجعل أربعة منها بين من قاتل، وجعل السهم الخامس على ستة أسهم هي التي قدمنا بيانها، منها له عليه السلام ثلاثة، وثلاثة للثلاثة الاضافات من أهله، من أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه وعملهم به. فإن قيل: هذا تخصيص لعموم الكتاب، لأن الله تعالى يقول (وأعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى (1)) فأطلق وعم، وأنتم جعلتم المراد بذي القربى واحدا. ثم قال (واليتامى والمساكين وابن السبيل) وهذا عموم، فكيف خصصتموه لبني هاشم خاصة. فالجواب عن ذلك: أن العموم قد يخص بالدليل القاطع. وإذا كانت الفرقة المحقة قد أجمعت على الحكم الذي ذكرناه بإجماعهم الذي هو غير محتمل الظاهر، لأن إطلاق قوله (القربى) يقتضي بعمومه قرابة النبي وغيره، فإذا خص به قرابة النبي صلى الله عليه وآله فقد عدل عن الظاهر.

(1) سورة الأنفال: 41.

[ 228 ]

وكذلك إطلاق لفظة (اليتامى والمساكين وابن السبيل) يقتضي بدخول من كان بهذه الصفة من مسلم وذمي وغني وفقير، ولا خلاف في أن عموم ذلك غير مراد، وأنه مخصوص على كل حال. المسألة الحادية والثلاثون: [ حكم الأنفال ] الأنفال خالصة لرسول الله في حياته، وللإمام القائم بعده مقامه عليه السلام. وتحقيق هذه المسألة: أن الأنفال خالصة للنبي صلى الله عليه وآله في حياته، وهي للإمام القائم مقامه من بعده، وإنما أضاف هذه الأنفال إلى الله تعالى وإن كانت للرسول صلى الله عليه وآله على الوجه الذي تقدم بيانه من التعظيم والتفخيم. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة. المسألة الثانية والثلاثون [ صفوة الأموال من الأنفال ] وأن صفوة الأموال من الأنفال خاصة للنبي صلى الله عليه وآله وللإمام. وتحقيق هذه المسألة: أن كل شئ يصطفيه ويختاره النبي صلى الله عليه وآله أو الإمام القائم مقامه بعده لنفسه من الغنائم قبل القسمة من جارية حسناء، أو فرس فاره، أو ثوب حسن بهي فهو له عليه السلام.

[ 229 ]

والحجة فيه الإجماع المتقدم. المسألة الثالثة والثلاثون [ فوت الوقوف بعرفات وإدراك المشعر ] ومن فاته الوقوف بعرفات وأدرك المشعر الحرام يوم النحر، فقد أدرك الحج. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة عليه. وأيضا فقد ثبت وجوب الوقوف بالمشعر، كما وجب الوقوف بعرفات بقوله تعالى (فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم (1)). فهذا أمر يقتضي ظاهره الوجوب. وكل من أوجب من الأمة الوقوف بالمشعر الحرام جعل مدركه مدركا للحج، وإن فاته الوقوف بعرفات. لأن الأمة بين قائلين: قائل لا يوجب الوقوف بالمشعر، والآخر يوجبه، فمن أوجبه أقام إدراكه مقام إدراك عرفات. فالقول بوجوبه وأنه لا يدرك به الحج خروج عن الإجماع. المسألة الرابعة والثلاثون [ الشفعة في العقار بين اثنين فقط ] ولا شفعة في العقار بين أكثر من اثنين، سواء كان مشاعا أو مقسوما، وهذه المسألة قد بيناها وشرحناها، وذكرنا الصحيح منها في المسائل الأولى، فلا معنى لإعادته.

(1) سورة البقرة: 198.

[ 230 ]

المسألة الخامسة والثلاثون [ من لا ربا بينهما ] لا ربا بين الوالد وولده، ولا بين الزوج وزوجته. وهذه المسألة أيضا قد بيناها وانتهينا فيها إلى أبعد الغايات في جواب المسائل الأولى. المسألة السادسة والثلاثون [ حكم الزاني بذات البعل ] من زنا بذات بعل، لم تحل له بعد موت بعلها أو طلاقه إياها. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة. ويحتمل أيضا استعمال طريقة الاحتياط فيه، لأن اجتناب نكاح هذه المرأة لا ذم فيه ولا لوم من أحد، وفي نكاحها الخلاف المشهور، فالاحتياط اجتنابه. المسألة السابعة والثلاثون [ عقد النكاح على ما لا قيمة له صحيح ] إن النكاح إذا عقد على ما لا ثمن له من كلب وخنزير وخمر، هل يصح النكاح ويجب المهر في الذمة؟ أم يكون العقد باطلا مفسوخا؟ والصحيح من المذهب الذي لا خلاف فيه بين أصحابنا أن كل نكاح عقد

[ 231 ]

على ما لا قيمة له، كان العقد يصح ووجب في ذمة المعقود له مهر المثل، ولا يكون العقد باطلا من حيث بطل المهر المسمى المصرح به. والحجة في ذلك إجماع الإمامية عليه. وأيضا فليس ذكر المهر جملة، وقد ثبت أن من عقد ولم يسم مهرا مضى العقد وصح وثبت المهر في الذمة، وكذلك فيما ذكرناه. المسألة الثامنة والثلاثون [ التزويج في حال الاحرام ] ومن تزوج امرأة محرمة وهو محرم، فرق بينهما ولم تحل له أبدا وأصحابنا يشترطون في ذلك أن من تزوج وهو محرم ويعلم تحريم ذلك عليه فرق بينهما ولم تحل له أبدا. والحجة في ذلك: الإجماع المتكرر ذكره، وطريقة الاحتياط أيضا. المسألة التاسعة والثلاثون [ التزويج في العدة ] ومن تزوج امرأة في عدة ملك زوجها عليها فيها الرجعة، فرق بينهما ولم تحل له أبدا، وإن كان دخل بها جاهلا. والحجة في ذلك: الإجماع (1) الفرقة المحقة، وطريقة الاحتياط أيضا.

(1) ظ: إجماع.

[ 232 ]

المسألة الأربعون وكذلك من عقد على امرأة في عدة من غير دخول بها، فرق بينهما ولم تحل له أبدا، وأصحابنا يشترطون في ذلك وهو يعلم أنها في عدة. والحجة في ذلك: الإجماع وطريقة الاحتياط. المسألة الحادية والأربعون [ المطلقة تسعا تحرم أبدا ] ومن طلق امرأة تسع تطليقات للعدة، حرمت عليه ولم تحل له أبدا. والحجة في ذلك: طريقة الاحتياط والاجماع. المسألة الثانية والأربعون [ حكم من فجر بعمته وخالته ] من فجر بعمته وخالته، حرم عليه نكاح بنتهما، ولم تحلا له أبدا. والحجة في ذلك: الإجماع، وطريقة الاحتياط. المسألة الثالثة والأربعون [ حكم من تلوط بغلام ] ومن تلوط بغلام فأوقب، لم يحل له نكاح ابنته ولا أخته ولا أمه. والحجة في ذلك: الطريقتان المتقدمتان.

[ 233 ]

المسألة الرابعة والأربعون [ جواز نكاح النساء في أدبارهن ] جواز نكاح النساء في أدبارهن. وهذه المسألة عليها إطباق الشيعة الإمامية ولا خلاف بين فقهائهم وعلمائهم في الفتوى بإباحة ذلك، وإنما يقل التظافر بينهم في الفتوى بإباحة هذه المسألة على سبيل التقية وخوف من الشناعة. والحجة في إباحة هذا الوطئ: إجماع الفرقة المحقة عليه، وقد بينا إجماعهم حجة. ويدل أيضا عليه قوله تعالى (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) (1) ومعنى (أنى شئتم) كيف شئتم، وفي أي موضع أردتم. فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون معنى قوله (أنى شئتم) أي وقت شئتم. قلنا: هذه اللفظة تستعمل في الأماكن والمواضع وكل (2) ما تستعمل في الأوقات، ألا ترى أنهم يقولون: ألق زيدا أين كان وأنى كان، يريدون بذلك عموم الأماكن، ولو سلمنا أنها تستعمل في الأوقات، لحملنا الآية على عموم الأماكن والأوقات، فكأنه قال: فأتوا حرثكم أي موضع شئتم وأي وقت شئتم. فأما من يطعن على هذه بأن يقول: قد جعل الله تعالى النساء حرثا، والحرث لا يكون إلا حيث النسل، فيجب أن يكون قوله (فأتوا حرثكم أنى شئتم) مختصا بموضع النسل. فليس بشئ، لأن النساء وإن كنا (3) لنا حرثا فقد أبيح

(1) سورة البقرة: 223.
(2) ظ: والمواضع كما تستعمل.
(3) ظ: كن.

[ 234 ]

لنا وطئهن بلا خلاف بهذه الآية وبغيرها في غير موضع الحرث فيما دون الفرج وبحيث لا نسأل، فليس يقتضي جعله تعالى لهن حرثا حظ (1) الاستمتاع في غير موضع الحرث. ألا ترى أنه لو قال صريحا: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم في القبل والدبر وفيما دون الفرج وفي كل موضع يقع به حظ الاستمتاع، لكان الكلام صحيحا. وقد استدل قوم في هذه المسألة بقوله تعالى (أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) (2) وقال: لا يجوز أن يدعوهم إلى التعرض بالأزواج عن الذكران، إلا وقد أباح منهن من الوطئ المخصوص مثل ما يلتمس من الذكران. وكذلك قالوا في قوله تعالى (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) (3) وأنه لو لم يكن في بناته المعنى الملتمس من الذكران ما جعلهن عوضا عنه. وهذا ليس بشئ يعتمد، لأنه يجوز أن يتعرض من إتيان الذكران بذلك من حيث كان له عنه عوض بنكاح النساء في الفروج المعهود (4)، كان فيه من الاستمتاع واللذة مثل ما في غيره. وكذلك القول في الآية الأخرى. ألا ترى أنه كان يحسن التصريح بما ذكرناه فيقول: أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم من أزواجكم من الوطئ في القبل، لأنه عوض عنه ومغن عن استعماله على كل حال.

(1) ظ: حظر الاستمتاع.
(2) سورة الشعراء 165.
(3) سورة هود: 78.
(4) ظ: المعهودة.

[ 235 ]

المسألة الخامسة والأربعون [ عقد المرأة نفسها من دون إذن وليها ] جواز عقد المرأة تملك أمرها على نفسها بغير ولي. وهذه المسألة يوافق فيها أبو حنيفة ويقول إن المرأة إذا عقلت وكملت زالت عن الولاية في بضعها. ولها أن تتزوج نفسها، وليس لأحد الاعتراض عليها، إلا إذا وضعت نفسها في غير كفوء. وقال أبو يوسف ومحمد: يفتقر النكاح إلى الولي، ولكنه ليس بشرط فيه فإذا زوجت نفسها فعلى الولي إجازة ذلك. وقال مالك: المرأة المقبحة الذميمة لا يفتقر نكاحها إلى الولي، ومن كانت بخلاف هذه الصفة تفتقر إلى الولي. وقال داود: إن كانت بكرا افتقر نكاحها إلى الولي، وإن كانت ثيبا لم تفتقر. والدليل على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة. فإن طعن في ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: أي امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل (1). فالجواب عنه أن هذا خبر واحد، والصحيح أن أخبار الآحاد لا توجب علما، وهو أيضا مطعون في نقله، مضعف عند أصحاب الحديث، وقد قدح فيه نقاد الحديث بما هو معروف مشهور. ولو سلم من كل القدح لجاز أن نحمله على الأمة خاصة، لأنه قد روي

(1) جامع الأصول 12 / 138 أخرجه الترمذي.

[ 236 ]

هذا الحديث بلفظ آخر وهو: أي امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مولاها فنكاحها باطل (1). فدل ذلك على أن الخبر ورد في الأمة، ومولى الأمة يسمى (وليا) كما يسمى (مولى). المسألة السادسة والأربعون [ جواز النكاح بغير شهود ] هل يجوز النكاح بغير شهود؟ وعندنا أن الشهادة ليست بشرط في النكاح وإن كانت أفضل وأجمل فيه، وبذلك قال داود. وقال مالك: (2) وشرط النكاح أن لا يتواصوا بأعلم يصح وإن حضر الشهود وإن لم يتواصوا بالكتمان صح وإن لم يحضر الشهود. والدليل على صحة قولنا: إجماع الفرقة المحقة عليه. وأيضا أن الله تعالى ذكر النكاح في مواضع كثيرة من الكتاب ولم يشترط الشهادات، فدل على أنها ليست بشرط فيه. فإن احتج محتج بما يروى من قوله عليه السلام: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل (3). فهذا خبر لا يوجب العلم، ولا يقتضي القطع، ولا يجب العمل به، على أنه محتمل لأنه قال: (لا نكاح) من غير تصريح بنفي الصحة والإجزاء، أو نفي التفضل إذ لم يكن في لفظة بهذا المعنى جاز أن يحمل على نفي الفضل، فكأنه

(1) المعجم المفهرس لألفاظ الحديث 6 / 549 والظاهر اتحاده مع السابق.
(2) وقال في الانتصار [ 118 ]: وقال مالك: إذا لم يتواصوا بالكتمان صح النكاح وإن لم يحضروا الشهود.
(3) جامع الأصول 12 / 139 أخرجه الترمذي وأبو داود.

[ 237 ]

قال: لا نكاح فاضلا إلا بولي وشهود، كما قال عليه السلام: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد (1). ولا صدقة وذو رحم محتاج. المسألة السابعة والأربعون: [ حكم نكاح المتعة ] نكاح المتعة، ولا يختلف الشيعة الإمامية في إباحة هذا العقد المسمى في الشريعة ب‍ (نكاح المتعة)، وإنما تميز من غيره بأنه نكاح مؤجل عليه غير مؤبد، والتمييز بانتفاء الشهادة عنه، لأن الشهادة قد ينتفى من النكاح المؤبد فيصح وإن لم يكن متعة، ولو أشهد بالنكاح المؤجل لكان متعة وإن حضره الشهود. والدليل على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة وفي إجماعها الحجة، وأيضا قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء (أحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) (2). وأباح نكاح المتعة بصريح لفظها الموضوع لها في الشريعة، لأن لفظ الاستمتاع والمتعة إذا أطلق في الشريعة لم يرد إلا هذا العقد المخصوص المؤجل، ولا يحمل على المتلذذ، ألا ترى أنهم يقولون: فلان يرى إباحة نكاح المتعة، وفلان يحظر نكاح المتعة، لا يريدون بذلك العقد اللذة، وإنما يريدون بذلك العقد المؤجل. وأيضا فلا خلاف أن نكاح المتعة كان في أيام النبي صلى الله عليه وآله ومعمولا به، ولا يقم دليل شرعي على حظره والنهي عنه، فيجب أن يكون مباحا.

(1) وسائل الشيعة: 3 / 478 ح 1.
(2) سورة النساء: 24.

[ 238 ]

المسألة الثامنة والأربعون: [ جواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها ] نكاح المرأة على عمتها وخالتها جائزان إذا رضيت العمة والخالة بذلك. والحجة على صحة المذهب: إجماع الفرقة المحقة عليه، وعموم آيات النكاح في القرآن، كقوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (1) ولم يستثن عمة ولا خالة. فإن احتج بقوله عليه السلام (لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها) (2) فهو خبر واحد ضعيف، ونحمله على حظر ذلك إذا لم يقع الرضا منهما. المسألة التاسعة والأربعون: [ وقوع الطلاق بشاهدين عدلين ] إن الطلاق لا يقع إلا بشاهدين عدلين. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة. ولأن الله تعالى قال (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف فأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله) (3) فجعل الشهادة شرطا في الفرقة التي هي الطلاق لا محالة. فإن قيل: إنما شرط الشهادة في الرجعة في قوله (فأمسكوهن بمعروف).

(1) سورة النساء: 3.
(2) وسائل الشيعة: 14 / 304 ح 1.
(3) سورة الطلاق: 2.

[ 239 ]

قلنا: هذا غلط، لأن الأمر والشهادة ملاصق لذكر الفرقة، وإليها أقرب من ذكر الرجعة، ورد الكلام إلى الأقرب أولى من رده إلى الأبعد، على أنه ليس بمتناف أن يرجع إلى الرجعة والفرقة معا، فيتم مرادنا. على أن الأمر بالشهادة يقتضي ظاهره الوجوب وأن يكون شرطا، ولم يقل أحد من الأمة أن الشهادة في الرجعة واجبة وأنها شرط فيه. وقد اختلفوا في كونها شرطا في الطلاق، فنفاه قوم، وأثبت (1) قوم، فيجب أن يكون الأمر بالشهادة الذي ظاهره يقتضي الوجوب مصروفا إلى الطلاق دون الرجعة التي قد اجتمعت الأمة على أنه ليس بشرط فيها. المسألة الخمسون: [ وقوع الطلاق بالألفاظ المخصوصة ] إن الطلاق لا يقع بغير لفظ مخصوص. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة على أن الطلاق لا يقع إلا بهذا اللفظ الصريح دون غيره، وإجماعها هو الحجة. ولأن الطلاق حكم شرعي، ويجب أن نرجع فيه إلى ما يشرع لنا من لفظه دون ما لم يشرع، ولا خلاف في أن المشروع في الفرقة بين الزوجين لفظ الطلاق المصرح دون الكنايات التي معناه.

(1) ظ: أثبته.

[ 240 ]

المسألة الحادية والخمسون: [ الطلاق بشرط لا يقع ]. إن الطلاق لا يقع بشرط على كل حال. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه. ولأن المشروع في الطلاق أن يكون بغير شرط، ولا خلاف أن الطلاق المشروط غير مشروع، وما ليس بمشروع لا حكم له في الشريعة. المسألة الثانية والخمسون: [ الطلاق ليس بيمين ] إن الطلاق لا يقع بيمين ولا هو يمين. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه، لأن الطلاق أيضا لم يشرع لنا على جهة اليمين، وما ليس بمشروع فلا حكم له في الشريعة. المسألة الثالثة والخمسون [ الطلاق الثلاث غير صحيح ] وإن الطلاق الثلاث لا يقع إلا بعد رجعتين من المطلق من الثلاث والاثنين والواحدة، ومن لم يراجع فلا طلاق له. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة. وأيضا فإن المسنون في الطلاق على الطلاق بأن يكون بعد رجعة، وإدخال الطلاق على الطلاق من غير رجعة

[ 241 ]

خلاف السنة والمشروع في الطلاق، وإذا كان الطلاق حكما شرعيا لم يشرع فيها لا حكم له. المسألة الرابعة والخمسون: [ شرائط الظهار ] وأن الظهار لا يقع إلا بشرط الطلاق من الاستبراء والشاهدين والنية واللفظ المخصوص، وأن يكون غير مشروط. وأجمعت الإمامية على أن شروط الظهار كشروط الطلاق، فمتى اختل شرط من هذه لم يقع ظهار، كما لا يقع الطلاق. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة. المسألة الخامسة والخمسون: [ التخيير في الطلاق جائز ] إن التخيير باطل لا يقع به فرقة وكذلك التمليك. وهذا سهو من قائله، لأن فقهاء الشيعة الإمامية يفتون بجواز التخيير، وأن الفرقة تقع به، مشحونة به أخبارهم ورواياتهم عن أئمتهم عليهم السلام متظافرة فيه. وقد تبينوا في مصنفاتهم بقية هذا التخيير، فقالوا: إذا أراد الرجل أن يخير امرأة اعتزلها شهرا، وكان ذلك على طهر من غير جماع في مثل الحال التي لو أراد أن يطلقها فيها طلقها، ثم خيرها فقال لها: قد خيرتك أو قد جعلت أمرك إليك، ويجب أن يكون قولك بشهادة، فإن اختارت نفسها من غير أن تتشاغل بحديث من قول أو فعل كان يمكنه أن لا تفعله، صح اختيارها.

[ 242 ]

وأن اختارت بعد تشاغلها بفعل لم يكن اختيارها ماضيا، فإن اختارت في جواب قوله لها ذلك وكانت مدخولة وكان تخييره إياها عن غير عوض أخذه منها، كانت كالمطلقة الواحدة التي هي أحق برجعتها في عدتها، وإن كانت غير مدخول بها فهي تطليقة بائنة، وإن كان تخييره إياها عن عوض أخذه منها، فهي بائن، وهي أملك بنفسها. وإن جعل الاختيار إلى وقت بعينه، فاختارت قبله، جاز اختيارها، وإن اختارت بعده لم يجز. وروى ابن بابويه عن عمر بن أذينة عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: إذا خيرها وجعل (1) أمرها بيدها في غير قبل عدة من غير أن يشهد شاهدين فليس بشئ، فإن خيرها وجعل أمرها بيدها بشهادة شاهدين في قبل عدتها فهي بالخيار ما لم يفترقا، فإن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق برجعتها، وإن اختارت زوجها فليس بطلاق (2). ولم نذكر هذا الخبر احتجاجا بأخبار الآحاد التي لا حجة في مثلها. وإنما أوردناه ليعلم أن المذهب في جواز التخيير بخلاف ما حكي، والروايات في هذا الباب كثيرة ظاهرة، ولولا الاطالة لذكرناها. وقد ذكر أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمي (رحمه الله): إن أصل التخيير هو أن الله تعالى أنف لنبيه صلى الله عليه وآله على (3) مقالة قالتها بعض نسائه، وهي قول بعضهن: أيرى محمد أنه إذا (4) طلقنا لا نجد أكفاءنا من قريش يتزوجنا (5)، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يعتزل نساءه

(1) في المصدر (أو جعل) وكذا قوله من بعد (وجعل).
(2) من لا يحضره الفقيه 3 / 335 ح 2.
(3) في المصدر: في. (4) في المصدر: لو.
(5) في المصدر: يتزوجونا.

[ 243 ]

تسعة وعشرين ليلة فاعتزلهن، ثم نزلت هذه الآية (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سرحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) (1) فاخترن الله ورسوله، فلم يقع الطلاق، ولو اخترن أنفسهن لبن، انقضت الحكاية من ابن بابويه (2). ولست أدري ما السبب في إنكار من أنكر المتخير للمرأة، وهل هو إلا توكيل في الطلاق، فالطلاق مما يجوز الوكالة، فإن (3) فرق بين أن يوكل غيرها في طلاقها ويجعل إليه إيقاع فرقتها، وبين أن يوكل نفسها في ذلك. المسألة السادسة والخمسون [ عدة الحامل أقرب الأجلين ] وأن عدة الحامل المطلقة أقرب الأجلين وعدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين: وهذه المسألة قد أشبعنا الكلام فيها في المسائل الأولى، وأوردنا ما فيه كفاية لمن تأمله. المسألة السابعة والخمسون [ الرجعة في الطلاق الثلاث في مجلس واحد ] وإن وجب الرجعة لمن يطلق ثلاثا في وقت واحد، كما يجب إن طلق

(1) سورة الاحزاب: 28.
(2) من لا يحضره الفقيه 3 / 334.
(3) ظ: فلا.

[ 244 ]

واحدة أو اثنتين، إنما قلنا بجواز الرجعة من تلفظ بالطلاق الثلاث في وقت واحد، لأنه في حكم ما طلق إلا واحدة فله الرجعة. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه. المسألة الثامنة والخمسون [ حكم المطلق ثلاثا في مجلس واحد ] إذا تلفظ بالطلاق الثلاث في وقت واحد وتكملت الشروط، هل يقع واحدة أم لا يقع شئ؟. والصحيح من المذهب الذي عليه العمل والمعتمد أنه يقع واحدة، لأنه قد تلفظ بالواحدة، وإنما زاد على ذلك بما جرى مجري اللغو مما لا حكم له. وكيف يجوز ألا يقع شئ من طلاقه وقد تلفظ بالطلاق الموضوع للفرقة وتكاملت الشروط المعتبرة في الطلاق؟ وكيف يخرجه من أن يكون لفظه بالطلاق مؤثرا وأنه ضم إلى ذلك ما كان ينبغي إلا بصيغة من لفظه ثانية وثالثة. المسألة التاسعة والخمسون [ أقل الحمل وأكثره ] إن أقل ما يخرج الحمل حيا مستهلا لستة أشهر، وأكثره تسعة أشهر. وهذه المسألة مما قد استوفينا الكلام عليها في الجواب عن المسائل الأولى، فلا معنى للإعادة.

[ 245 ]

المسألة الستون [ أحكام العتق ] إن العتق لا يقع بشرط ولا يمين، ولا يكون إلا بقصد لوجه الله تعالى في ذلك. والحجة: إجماع الفرقة المحقة عليه، ولأن العتق إذا وقع على هذا الوجه وقعت الحرية بالاجماع من الأمة. وإذا وقع العتق على خلاف الشروط التي ذكرناها فلا إجماع على حصول الحرية. ولا دليل قاطع أيضا يدل على ذلك، فوجب أن يكون الملك مستمرا. المسألة الحادية والستون [ ما لو ابتدأ الخصمين بمحضر الحاكم ] إن الخصمين إذا ابتدء الدعوى بحضرة (1) الحاكم ولم يقع له العلم بالمبتدأ منهما، إن الواجب عليه أن يسمع قول الذي على يمين صاحبه، ويجري الآخر مجرى الصامت والمسبوق إلى الدعوى، ثم ينظر في دعوى الآخر. والحجة في هذه المسألة: إجماع الفرقة الطائفة المحقة. ويجوز أيضا أن تكون العادة جارية في مجلس الحكم أن يكون مجلس المدعي على يمين المدعى عليه فإذا اشتبه الأمر في الدعوى والسبق إليها، جاز الرجوع إلى هذه العادة.

(1) محضر (خ ل).

[ 246 ]

المسألة الثانية والستون [ شهادة الابن لأبيه وبالعكس ] وأن شهادة الابن لأبيه جائزة إذا كان عدلا، وشهادته عليه غير جائزة على جميع الأحوال. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة. وأيضا فإن الله تعالى يقول: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) (1) وإذا كان الابن عدلا مرضيا دخل في عموم هذا القول. فإن قيل: فينبغي أن يدخل في عموم هذا القول أيضا شهادته عليه. قلنا: الظاهر يقتضي ذلك، لكن خرج بدليل قاطع فأخرجناه. المسألة الثالثة والستون [ حكم حانث النذر ] من نذر لله تعالى شيئا من القرب، فلم يفعله مختارا، فعليه كفارة. فإن كان صياما في يوم بعينه فأفطره من غير سهو ولا اضطرار، فعليه ما على مفطر يوم من شهر رمضان وإن كان غير صيام، فعليه ما يجب في كفارة اليمين، وهذا صحيح. والحجة فيه: إجماع الفرقة المحقة عليه.

(1) سورة البقرة: 282.

[ 247 ]

المسألة الرابعة والستون [ كيفية اليمين ] لا يمين إلا بالله تعالى، أو يعلقها باسم من أسمائه. والحجة على صحة هذا المذهب: إجماع الفرقة عليه. وأيضا فإن من حلف بالله تعالى لا خلاف في انعقاد يمينه، ومن حلف بغير الله تعالى، فلا إجماع على انعقاد يمينه، ولا دليل يوجب القطع على أنها منعقدة. المسألة الخامسة والستون [ حكم اليمين ] من حلف بالله تعالى على فعل أو ترك وكان خلاف ما حلف عليه أولى في الدين أو الدنيا ما لم يكن معصية بفعل الأولى، لم يكن عليه كفارة. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة، وأيضا فإن اليمين المنعقدة هي التي توجب الاستمرار على موجبها، ومتى لم يكن لها الحكم لم تكن منعقدة وقد علمنا أن من حلف على أن يفعل معصية، أو أن يفعل ما خلافه أولى في الدين من العدول عن نافلة، أو فعل مندوب في الدين إليه، فغير واجب عليه الاستمرار على هذه اليمين. وإذا لم تكن منعقدة فلا كفارة فيها، لأن الكفارة تابعة لانعقاد اليمين.

[ 248 ]

المسألة السادسة والستون [ حرمة الطحال وما ليس له فلس ] إن الطحال من الشاة وغيرها حرام. المسألة السابعة والستون وإن الجري والمارماهي وكل ما لا فلس له من السمك حرام. المسألة الثامنة والستون [ ما يحرم من الطير ] وأن ما لا قانصة له من الطير حرام. المسألة التاسعة والستون وأن ما كان صفيفه أكثر من دفيفه من الطير حرام. المسألة السبعون [ حرمة الفقاع ] وأن الفقاع حرام كالخمر. فإن هذه الخمس مسائل الحجة فيها إجماع الطائفة.

[ 249 ]

فإن قيل: كيف يكون الفقاع حراما وهو غير مسكر؟ قلنا: ليس التحريم مقصورا على الاسكار، ألا ترى أن الدم ولحم الخنزير لا يسكران، وكذلك الجرعة من الخمر والتحريم مع ذلك ثابت. المسألة الحادية والسبعون [ حد السارق ] وإن قطع السارق من أصول الأصابع الأربع، ويترك الابهام من الراحة. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه، ولأن هذا القدر الذي قلنا بقطعه حقيق أنه مراد بالآية (1)، وما عداه والانتهاء إلى الكسع (2) أو المرافق مما قالته الخوارج غير متناول الآية له، ولا دليل يوجب القطع بتناوله، فوجب أن يكون فيما ذهبنا إليه. المسألة الثانية والسبعون أنه إن عاد السارق، قطع من أصل الساق، ويبقى له قدر يعتمد عليه في الصلاة. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة.

(1) وهي قوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) سورة المائدة: 38.
(2) ظ: الرسغ: بضم الراء جمع أرساغ وأرسغ، وهو المفصل ما بين الساعد والكف.

[ 250 ]

المسألة الثالثة والسبعون [ أحكام حد الزاني ] إن البكر إذا زنا جلد، فإن عاد جلد ثلاث دفعات، فإن عاد رابعة قتل. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة. المسألة الرابعة والسبعون وأن العبد في الزنا يحد، ثم يقتل في الثانية من فعلاته (1). والحجة في ذلك: إجماع المتقدم. المسألة الخامسة والسبعون وأن شارب الخمر يقتل في الثالثة. والحجة في ذلك: الإجماع. المسألة السادسة والسبعون [ حكم من ضرب امرأة فاطرحت ] إن من ضرب امرأة فألقت نطفة فعليه عشرون دينارا، فإن ألقت علقة فعليه

(1) خ: قلاته، والظاهر: في الثامنة من فعلاته، قال في الانتصار [ 256 ]: والعبد يقتل في الثامنة.

[ 251 ]

أربعون دينارا، فإن ألقت مضغة فعليه ستون مثقالا، فإن ألقت عظما مكتسيا لحما فعليه ثمانون دينارا، فإن ألقت جنينا لم تلجه الروح فعليه مائة مثقال. فالحجة في هذا الترتيب والتفصيل: إجماع الشيعة الإمامية عليه. المسألة السابعة والسبعون [ إفزاع المجامع وعزله ] فإن من أفزع رجلا فعزل عن عرسه، فعليه عشر دية الجنين. وصورة هذه المسألة: أن يهجم رجل على غيره وهو مواقع، فيفزعه ويعجله عن إنزال الماء في الفرج، فيعزل بحكم الضرورة، فيجب عليه ما ذكرناه. والحجة فيه: إجماع الإمامية. المسألة الثامنة والسبعون [ أحكام القصاص والديات ] وأن الاثنين لذا قتلا واحدا أو أكثر من اثنين، أن أولياء الدم مخيرون بين ثلاث: أما أن يقتلوا القاتلين ويردوا فضل دياتهم، أو يختاروا واحدا فيقتلون بقتيلهم ويوفى من بقي من القتلة إلى أولياء المقاد منه الفاضل من الدية بحساب رؤوسهم، أو يقبل (1) الدية فتكون بينهم سهاما متساوية. والحجة على هذا التفصيل: إجماع الفرقة المحقة عليه بهذا الشرع والبيان.

(1) ظ: أو يقبلوا.

[ 252 ]

المسألة التاسعة والسبعون وإن ثلاثة قتلوا واحدا، فتولى أحدهم القتل وأمسك الآخر وكان الآخر عينا، فإن الحكم قتل القاتل وحبس الماسك حتى يموت وسمل عين الناظر. والحجة على هذا: حكم الفقهاء من الفرقة. المسألة الثمانون من قطع رأس ميت فعليه مائة دينار يغرمه لبيت المال. والحجة فيما ذكرناه: الإجماع المتكرر ذكره. فإن تعجب المخالفون من إيجاب غرامة في قطع عضو ميت لا حس ولا حياة فيه. فالجواب عن تعجبهم: إن هذه الغرامة لم تجب لما يرجع إلى الميت في نفسه من الجناية عليه، لأن الموت قد أزال عنه حكم الجنايات في نفسه، وأنما مثل بميت وكانت جناية في الدين من حيث أقدم على ما نهى الله عنه وأجزي على إباحة ما حظره. فمن ها هنا وجبت عليه الغرامة لا لما ظنه، ويجري ذلك مجرى الكفارات التي في حقوق الله تعالى خاصة. المسألة الحادية والثمانون إن الرجل إذا قتل امرأة، كان أولياؤها مخيرون بين القود ورد فضل الدية على أهل القاتل، وهي (1) نصف دية الرجل، وهذا صحيح.

(1) ظ: وهو.

[ 253 ]

والحجة فيه: الإجماع المتقدم، ولأن نفس المرأة ناقصة القيمة عن نفس الرجل. المسألة الثانية والثمانون وإذا قتل الرجل امرأة واختار الأولياء قتله بها، فقد قتلوا نفسا تزيد قيمتها على قيمة نفس المقتولة، فلا بد من رد الفضل على أولياء المتقول، لأن ذلك هو العدل. المسألة الثالثة والثمانون من وجد مقتولا، فحضر رجلان فقال أحدهما: أنا قتلته عمدا، وقال الآخر: أنا قتلته خطأ. إن أولياء المقتول مخيرون بين الأخذ للمقر بالعمد أو المقر بالخطأ، وليس لهم قتلهما جميعا، ولا إلزامهما الدية جميعا. والحجة على ذلك: ما تقدم من إجماع الفرقة المحقة. المسألة الرابعة والثمانون من وجد مقتولا فأعترف رجل بقتله عمدا، ثم حضر آخر فدفعه عن إقراره وأقر هو بقتله، فصدقه الأول في إقراره على نفسه ولم تقم بينة على أحدهما، أنه يدرأ عنهما القتل والدية ويؤدي المقتول من بيت المال. والحجة على ذلك: هو ما تقدم ذكره من إجماع الفرقة.

[ 254 ]

المسألة الخامسة والثمانون [ ديات أهل الكتاب ] وأن ديات أهل الكتاب ثمانمائة درهم للحر البالغ الذكر، والأنثى أربعمائة درهم. ودية المجوس ثمانمائة درهم، وكذلك دية ولد الزنا. والحجة على ذلك كله: الإجماع المتقدم. المسألة السادسة والثمانون [ أحكام الإرث ] لا يرث مع الوالدين أو أحدهما أحد من خلق الله تعالى إلا الولد والزوج والزوجة. والحجة على ذلك: الإجماع المتكرر. ولأنه لا خلاف بين الأمة في اعتبار القربى في من يرث بالنسب، ومعلوم أن الأبوين أقرب إلى ولدهما من الأخوة، لأن الأخوة إنما يتقربون إلى الميت بالوالد، ومعلوم أن من تقرب بنفسه أولى ممن تقرب بغيره. فبطل قول مخالفينا في توريث الأخوة مع الأم. وأيضا فإن الله تعالى أجرى الأم مجرى الأب في نص القرآن وصريحه، وجعل لهما غاية في الميراث وأهبطهما إلى غاية أخرى، ولم يفترق بينهما في الحكم فكما ليس لأحد من الأخوة والأخوات مع الوالد نصيب، وكذلك لا نصيب لهم مع الوالدة.

[ 255 ]

المسألة السابعة والثمانون من مات وخلف والدين وبنتا، فلابنته النصف وللأبوين السدسان، وما يبقى يرد على البنت والوالدين بقدر سهامهم. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه، وأيضا فإن الله تعالى لما قسم المواريث وبين مقاديرها جعلها تابعة للقربى، ففرض للأقرب أكثر ما فرضه للأبعد، كفرضه للأخ من الأب والأم المال كله، وللأخت الواحدة للأب وللأم النصف، وفرض للإخوة من الأم الثلث، وللواحدة السدس. فإذا بقي من الميراث بعد السهام المنصوص عليها بشئ (1)، وجب أن يقسم على ذوي القربات بحسب قرابتهم وبقدر سهامهم. ويشبه ذلك من خلف مالا وورثة فأقسموا (2) المال بينهم على قدر سهامهم، ثم وجد بعد ذلك الميت ما (3) لم تقع القسمة عليه، فلا خلاف في أنه يقسم هذا اليتامى (4) كما قسم الأول ويقدر سهامهم. وأيضا فمن أبي الرد وأنكره وادعى أن الفاضل على السهام، يرد إلى بيت المال ويقيم بيت المال مقام العصبة، يعترف بأن الميت إذا مات وكان له عصبة أشتات، كان أحقهم بالمال أقربهم إلى الميت، فقد اعتبر كما ترى فيما يفضل عن السهام القربى، ونحن نعلم أن ذوي الأرحام والأنساب أحق بالميت وأقرب إليه من بيت المال، فيجب أن يكون أحق بفاضل السهام.

(1) ظ: شئ.
(2) ظ: فاقتسموا.
(3) ظ: للميت مال لم تقع.
(4) ظ: الثاني.

[ 256 ]

المسألة الثامنة والثمانون من مات وخلف بنتين وأحد أبويه وابن ابن، فإن للبنتين الثلثين، وللأب أو الأم السدس، وما بقي يرد على البنتين والأب والأم خاصة، وليس لابن الابن شئ. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة. ولأن البنات والوالدين أقرب إلى الميت من ابن ابنه، ويعتبر فيمن يرث بالقرابة الكيفية للقرابة وقربها وكما ليس لابن الابن شئ مع الابن، كذلك لا شئ له مع البنات أو البنات لأن البنات أولاد كالذكور. المسألة التاسعة والثمانون لا يحجب الأم عن الثلث إلى السدس الأخوة من الأم خاصة، وإنما يحجبها الأخوة من الأب والأم أو من الأب. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة. فإن قالوا: فقد أطلق الله تعالى فقال (فإن كان له إخوة فلامه السدس) (1) ولم يفرق بين أحوال الأخوة في كونهم من أب أو أم. قلنا: هذا عموم تخصيصه الدليل الذي ذكرناه. ولا خلاف بيننا في أن هذا العموم مخصوص، لأن اطلاقه يقتضي دخول الكفار والمماليك، وأنتم لا تحتجبون الأم عن الثلث إلى السدس بالأخوة الكفار أو المماليك.

(1) سورة النساء: 11.

[ 257 ]

المسألة التسعون وأنه لا يرث مع الولد ذكرا كان أو أنثى أحد من خلق الله تعالى ألا الأبوان والزوج والزوجة. وهذا أيضا في الإجماع الذي ذكرناه وهو الحجة فيه. وأيضا فقد ثبت بالاجماع أنه ليس للإخوة والأخوات مع الولد الذكر نصيب، وما منع مع وجود الذكر من نصيب له هو مانع من وجود الأنثى، لأنهما جميعا ولدان في الميراث وينزلان منزلة واحدة. المسألة الحادية والتسعون [ أحكام الحبوة ] وأن الولد الأكبر يفضل على من دونه من الأولاد الذكور الوارث، بالسيف والمصحف والخاتم، إن كان ذلك في التركة أو شيئا منه، ولا يفضل بغيره إن لم يكن. وتحقيق هذه المسألة: أن أصحابنا يرون اختصاص الذكر الأكبر بما يخلف الميت من السيف والمصحف والخاتم، وقد روت بذلك أخبار معروفة ويقوى عندي أن لا نترك عموم الكتاب بأخبار الآحاد، والله تعالى يقول (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف) (1).

(1) سورة النساء: 11.

[ 258 ]

وظاهر هذا الكلام يقتضي بطلان هذا التخصيص. والأولى عندي أن يكون هذا التخصيص معناه أن يفرد بهذه الأشياء الولد الأكبر وتحسب عليه من نصيبه، لأنه أحق بها من النساء والأصاغر، وليس في الأخبار المروية أنه يختص بها ولا تحسب عليه. فإن قالوا: المشهور من قولهم أنهم يفضلونه بذلك، وهذا لفظ أخبارهم، وإذا حسب قيمة ذلك فلا تفضيل. قلنا: التفضيل ثابت على كل حال، لأنه إذا خص بتسليم ذلك إليه وأفرد به ومنع غيره منه فقد فضل به وإن حسب عليه. المسألة الثانية والتسعون [ ولد الصلب يحجب من دونه ] وأن ولد الصلب يحجب من دونه سفلا، ذكرا كان أو أنثى. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة، ولأنه لا خلاف في أن ولد الصلب يحجب من دونه، لأنه ولد، وكذلك الأنثى. المسألة الثالثة والتسعون [ الزوج يرث من الزوجة ] وأن المرأة إذا توفيت وخلفت زوجا، لم تخلف وارثا سواه من عصبة ولا ذي رحم، إن المال كله له نصفا بحقه والباقي بالرد. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه. وأيضا فإن الزوج عند

[ 259 ]

عدم وارث هذه المرأة وعصبتها قد جرى مجرى العصبة لها، وسبيله سبيل ولد الملاعنة لما انتفى منه أبوه الذي هو عصبته ومن جهة عاقلته، فبقي لا عصبة له ولا عاقلة، فجعلت عصبة أمه عصبة يعقلون عنه. وكذلك هذه المرأة التي لا عصبة لها ولا ذو رحم غير زوجها وضعت موضع ولدها الذي يعصب أبوه عصبتها. المسألة الرابعة والتسعون [ المرأة لا ترث من الرباع ] إن المرأة لا ترث من الرباع شيئا، ولكن تعطى حقها بالقيمة من البناء والآلات. والذي أقوله في هذه المسألة ويقوى عندي أن المرأة لا تعطى من الرباع شيئا، وإن أعطيت عوضا من قيمته من غيرها، لأنها معرضة للأزواج ويسكن في رباع الميت من غيره من تسخط عشيرة زوجها، فإذا أعطيت حقها من قيمة الرباع وصلت إلى الحق، وزال ثقل اسكان الغرباء مساكن المتوفى. وجرى ذلك مجرى ما قلناه في تفضيل الولد الأكبر بالخاتم والسيف. وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قد جعل لها الربع من التركة ثم الثمن، ولم يستثن شيئا، فلا يجوز تخصيص ذلك إلا بدليل قاطع. والخبر المروي: بأنها لا تورث من الرباع (1). يجوز أن يكون محمولا على ما ذكرناه.

(1) وسائل الشيعة 17 / 518 ح 2 رواه الكليني في فروع الكافي 7 / 128 ح 5.

[ 260 ]

المسألة الخامسة والتسعون [ إرث الأخوة والأخوات ] وأنه لا إرث للإخوة والأخوات من الأب خاصة إذا كان إخوة وأخوات لأب وأم. وأحدهم في ذلك يجري مع أحدهم مجرى جماعتهم. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه. وأيضا ما منع من توريث الأخ للأب، والأم يمنع من توريث الأخت من الأب مع الأخت للأب والأم. المسألة السادسة والتسعون [ توريث الرجال والنساء بالنسب ] وأن توريث الرجال والنساء بالنسب، وباطل قول من ورث الرجال دون النساء. والحجة في ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه. وأيضا ظاهر الكتاب، قال الله تعالى (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (1) فجعل كما ترى المواريث بين الرجال والنساء، ولم يخص الرجال منها بشئ دون النساء. وقد كانت الجاهلية تورث الرجال دون النساء، فمن ذهب إلى ذلك فقد أخذ بسنة الجاهلية. وقد عول القوم على خبر ضعيف مطعون على راويه، فهو خبر واحد،

(1) سورة النساء: 7.

[ 261 ]

وأخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا، لأن العمل تابع للعلم على ما بيناه في صدر جواب هذه المسائل، وخص بهذا الخبر أيضا الذي لا يوجب علما ظواهر الكتاب الموجبة للعلم. على أن مخالفينا قد خالفوا هذا الحديث، وورثوا الأخت بالتعصيب وليست بذكر ولا رجل. فإن أقاموا الأخت مقام الأخ فورثوها بالتعصيب، فقد خالفوا أولا ظاهر الحديث. لأن الخبر اقتضى أن يكون بقية الفرائض للذكور دون الإناث. وإذا جاز لنا أن نخصه ونستعمله في بعض المواضع، كميت خلف أختين لأم وابن أخ وابنة أخ لأب وأم وأخا لأب، فإن للأختين من الأم فريضتين وهو الثلث وما بقي فالأولى ذكر وهو الأخ من الأب دون ابن الأخت وابنة الأخ، لأنه أقرب منهما ببطن. وكذلك إن خلف الميت امرأة وعما وعمة وخالا وخالة وابن أخ وأخا، فللمرأة الربع وما بقي فالأولى ذكر وهو الأخ أو ابن الأخ وسقط الباقون. وهذه المسألة ليست مما تفرد بها الإمامية، فقد خالف في العصبة جماعة من المتقدمين والمتأخرين، كابن عباس (رحمه الله) وغيره. المسألة السابعة والتسعون [ ميراث من مات وخلف ابنة ابن وابن عم ] من مات وخلف ابنة ابن وابن عم، فميراثه لبنت ابنه خاصة، وليس لابن العم شئ. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه. وأيضا فإن ولد البنت ولد على الحقيقة للميت، فهي أقرب إليه من ابن العم، وقد سماها الله تعالى

[ 262 ]

ولدا في مواضع من الكتاب في قوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) (1). وأجمعت الأمة أن زوجة ابن ابنه محرم على جده، لأنه بهذه الآية ابن ومحرم عليه نكاح زوجة جده، وقال الله تعالى (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (2) وابن البنت أقرب إلى جده من ابن العم. المسألة الثامنة والتسعون [ حكم إرث ابن الأخ مع الجد ] وأن ابن الأخ مع الجد يقوم مقام الجد. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة، ليس لأحد أن يطعن في هذا الحكم بأن الجد أقرب إلى الميت من ابن الأخ، لأن ابن الأخ له بما ورثناه ميراث من سمى الله تعالى له سهما، فهو أقوى سهما من الجد الذي لا يرث إلا بالرحم. المسألة التاسعة والتسعون [ إرث ولد الملاعنة ] وأن ابن الملاعنة ترثه أمه دون أبيه، ويرثه من قرب إليه من جهتها، ولا يرث أبوه ولا قرابته من جهة أبيه.

(1) سورة النساء: 22.
(2) سورة الأنفال: 75.

[ 263 ]

ولو أقر به الأب بعد إنكاره وأكذب نفسه بعد الملاعنة، لم يكن له أن يرثه، وكان للابن خاصة أن يرثه. والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه. المسألة المائة [ إرث المطلقة في مرض بعلها ] وأن المطلقة في مرض بعلها إذا مات فيه، ترثه ما بينه وبين سنة ما لم تتزوج أو يصح بعلها. وهذه المسألة قد بيناها في جواب المسائل الواردة قبل هذه، فلا طائل في إعادتها. المسألة الواحدة والمائة [ كيفية توريث الخنثى ] إن توريث الخنثى يعتبر بالمبال، فإن خرج من حيث يخرج للرجل ورث ميراث الرجال، وإن جرى من الموضعين معا نظر الأغلب منهما وورث عليه، وإن تساوى ما يخرج من الموضعين أعتبر بعدد الأضلاع، فإن استوى عددها ورث ميراث النساء، وإن اختلف ورث ميراث الرجال. والحجة على هذا الحكم: أيضا هو إجماع الفرقة المحقة.

[ 264 ]

المسألة الثانية والمائة وأن ما ليس له ما للرجال ولا النساء يورث بالقرعة. والاجماع المتقدم الحجة فيه. المسألة الثالثة والمائة [ توريث رأسين على حقو واحد ] وأن الشخصين إذا كانا على حقو واحد يعتبران بالنوم، فإن نام أحدهما واستيقظ الآخر فهما اثنان، وإن ناما معا فهما واحد. والحجة في ذلك: الإجماع المتقدم ذكره. المسألة الرابعة والمائة [ حكم إرث المملوك ] لا يرث المملوك من الحر. والحجة على ذلك: الإجماع المتقدم ذكره. المسألة الخامسة والمائة وأنه لا إرث للمملوك من حر. والحجة على ذلك. أن الحر إذا مات وخلف مالا وأما مملوكة أو أبا مملوكا

[ 265 ]

أو ذا رحم مملوك، فالواجب أن يشترى المملوك من المال ويعتق ويورث باقي التركة. والحجة على ذلك: إجماع أهل الحق عليه، لأن المملوك لا يملك شيئا في حال رقه، فكيف يرث؟ والميراث تمليك. المسألة السادسة والمائة وأن المكاتب إذا مات ذو رحم له من الأحرار وترك مالا أنه يرث منه بحساب ما عتق منه. المسألة السابعة والمائة إذا مات المكاتب وله وارث من الأحرار، ورثا (1) منه قرابته بحساب ما عتق وورث الباقي مكاتبه. وهاتان المسألتان مما قد بيناهما وأوضحناه في جواب المسائل الأولى، فلا معنى لتكراره. المسألة الثامنة والمائة [ إرث الكفار والمجوس ] الكافر إذا مات وخلف والدين وولدا كفارا وله ابن عم من المسلمين، أن تركته لقرابته من المسلمين خاصة.

(1) ظ: ورث.

[ 266 ]

والحجة على ذلك: إجماع الفرقة المحقة، لأن الكفار بكفرهم قد صاروا كالمعدومين المفقودين، فكان هذا الميت لا وارث له إلا المسلم، فيختص هو بميراثه. وهذه المسألة ليست مما تفرد بها الإمامية، بل أكثر الفقهاء على مذهبهم فيها. المسألة التاسعة والمائة وأن ميراث المجوس عن جهة النسب الصحيح دون النكاح الفاسد. والحجة في ذلك: الإجماع المتكرر، وليس هذه المسألة مما يتفرد بها الإمامية، بل يواقف عليها الشافعي ومن المتقدمين الحسن والزهري والأوزاعي. المسألة العاشرة والمائة [ لا عول في الفرائض ] إن الفرائض لا تعول. وليس هذه المسألة مما تنفرد بها الإمامية، لأن ابن عباس قد نفى العول، وقوله في ذلك مشهور، وهو أيضا مذهب داود الاصفهاني. وإيضاح هذه المسألة وتحقيقها: أن تكون السهام المسماة في الفريضة يضيق عنها المال ولا يتسع لها، كامرأة خلفت ابنتين وأبوين وزوجا، فللزوج الربع وللبنتين الثلثان وللأبوين السدسان. وهذا مما يضيق المال عنه، لأن المال لا يجوز أن يكون له ثلثان وسدسان وربع، والله تعالى أعدل وأحكم من أن يفرض في مال لا يتسع له المال، لأن ذلك سفه وعبث. وعندنا في هذه المسألة أن للأبوين السدسان وللزوج الربع وما بقي

[ 267 ]

للابنتين. ومخالفونا الذين يذهبون إلى العول يجعلون للزوج الخمس ثلاث أسهم من خمسة عشر سهما، بخلاف الإجماع، لأن الزوج لا يزاد على النصف ولا ينقص. وإنما أدخلنا النقصان على البنات خاصة، لأن الأمة مجمعة على أن الابنتين منقوصتان في هذه المسألة عن حقهما المسمى لهما، ولا تجمع على دخول النقصان على ما عداهما في ذلك، ولا خلاف ولا دليل يدل عليه، فإذا ضاقت المسألة عن السهام أدخلنا النقص على من أجمعت الأمة على نقصه ووفرنا منهم سهم من عنده. فإن قيل: فالله تعالى قد جعل للبنتين الثلثان وللواحدة النصف، فكيف نقصتهما من حقهما؟ قلنا: لا يمنع من تخصيص هذا الظاهر بالاجماع، وإذا أجمعت الأمة على دخول النقص على البنات، كان ذلك دليلا على أنه ليس للبنتين ولا للواحدة النصف والثلثان على كل حال. والكلام في هذه المسألة طويل، وهذه جملة كافية، وسنبسطه في مسائل الخلاف إنشاء الله تعالى. تم بحمد الله وحسن توفيقه والحمد لله رب العالمين.

[ 269 ]

(6) جوابات المسائل الميافارقيات

[ 271 ]

بسم الله الرحمن الرحيم نحن - أطال الله بقاء سيدنا الشريف الأجل المرتضى علم الهدى ذي المجدين، وأدام أيامه، وحرس عزه، وثبتت وطأته، وكبت أعداءه وحسدته - في ديار منآخمة (كذا) لدار الكفر، وقل ما نجد من يوثق بدينه وأمانته، في أخذ أعلام ديننا منه، وبنا أمس حاجة إلى أن يفتينا - حرس الله نعمته - في مسائل قد سطرناها، أكثرها موجود في كتب أصحابنا، ولكنا نؤثر أن نرى خطه الشريف، نعتمده ونعول عليه، وما نلتمس إلا الفتوى بغير دليل، لا أخلانا الله منه برحمته. مسألة أولة [ عدالة إمام الجماعة ] الصلاة جماعة والفضل فيها، وهل يجوز خلف عدم الموثوق بدينه أم لا؟ الجواب: صلاة الجماعة فيها فضل كثير وثواب كبير، إذا وثقنا باعتقاد المؤتم به،

[ 272 ]

وصحة دينه وعدالته. لأن إمامة الفاسق عند أهل البيت عليهم السلام لا يجوز. مسألة ثانية [ أحكام صلاة الجمعة ] صلاة الجمعة هل يجوز أن يصلي خلف المؤالف والمخالف جميعا؟ وهل هي ركعتان مع الخطبة تقوم مقام أربع؟ الجواب: صلاة الجمعة ركعتان من غير زيادة عليها، ولا جماعة إلا مع إمام عادل، أو من ينصبه الإمام العادل، فإذا عدم ذلك صليت الظهر أربع ركعات. ومن اضطر إلى أن يصليها مع من لا يجوز إمامته تقية، وجب عليه أن يصلي بعد ذلك ظهرا أربعا. مسألة ثالثة [ أحكام صلاة العيدين ] صلاة العيدين بخطبة، أو غير خطبة أربع ركعات، أو ركعتان بتسليمة واحدة أو اثنتين. وهل يقع التكبير في الاثنتين الأولتين أو في الأربع؟ وإذا عدم الموافق هل يجوز خلف المخالف؟ الجواب: صلاة كل من العيدين ركعتان، لا بد من الخطبة في العيدين، تكبر في

[ 273 ]

الأولى خمس تكبيرات زائدات، وتضاف إليهن تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع سبعا. وتكبر في الثانية ثلاثة تكبيرات زائدات، يكن مع تكبيري الافتتاح والركوع خمسا. والقراءة في الركعتين معا قبل التكبير. مسألة رابعة [ وقت صلاة الظهر والعصر ] صلاة الظهر والعصر هل يجوز أن يصليهما عند زوال الشمس بغير أن يفصل بينهما بغير السجدة والسبحة التي هي ثمان ركعات؟ وهل يجوز فيها أذان واحد وإقامتان أم لا يجوز ذلك إلا بأذانين وإقامتين؟ فإن كان وقتهما واحدا فما السبب الموجب لأن فاتت مولانا أمير المؤمنين عليه السلام العصر حتى ردت له الشمس. الجواب: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر خاصة، فإذا مضى مقدار ما يؤدي فيه أربع ركعات، اشتراك الوقتان بين الظهر والعصر، إلى أن يبقى من النهار ما يؤدي فيه أربع ركعات، فيخرج وقت الظهر ويختص ذلك الوقت للعصر فمن صلى الظهر في أول الوقت، ثم صلى عقيبها بلا فصل، كان مؤديا للفرضين معا في وقتها. ومن أراد الفضيلة وزيادات الثواب، صلى بين الظهر والعصر النوافل المسنونة. فأما الأذان والإقامة فليس بمفروضين على تحقيق المذهب، بل هما مسنونان وإن كانت الإقامة أوكد من الأذان وأشد استحبابا، فمن أراد الفضيلة أذن وأقام

[ 274 ]

لكل واحدة من الصلاتين. ويجوز أن يؤذن ويقيم دفعة واحدة لهما، كما يجوز أن يترك الأذان والإقامة فيهما. فأما أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) فلا يجوز أن يكون فاتته صلاة العصر لخروج وقتها، لأن ذلك لا يجوز لكماله صلوات الله عليه، وإنما فاتته فضيلة أول الوقت، فردت عليه الشمس ليدرك الفضيلة، ولا يجوز غير ذلك. مسألة خامسة [ وقت صلاة المغرب والعشاء ] هل بين عشاء المغرب والآخرة فرق غير الأربع ركعات النافلة؟ وأول صلاة المغرب لسقوط القرص أم إذا بدت ثلاثة أنجم لا ترى بالنهار؟ الجواب: إذا غربت الشمس دخل وقت صلاة المغرب من غير مراعاة لطلوع النجم فإذا مضى من الوقت مقدار ما يؤدي فيه ثلاث ركعات، اشتراك الوقت بين صلاة المغرب وبين صلاة عشاء الآخرة. فإذا بقي من انتصاف الليل مقدار ما يؤدى فيه أربع ركعات مضى وقت المغرب واختص ذلك الوقت للعشاء الآخرة. وإذا انتصف الليل فاتت العشاء الآخرة. والأفضل لمن يريد الفضيلة ويريد الثواب أن يصلي نوافل المغرب بين صلاة المغرب وبين فرض العشاء الآخرة، لأنها من السنن المؤكدة.

[ 275 ]

مسألة سادسة [ تعيين صلاة الوسطى ] المعرفة للصلاة الوسطى والدليل عليه. الجواب: الصلاة الوسطى عند أهل البيت عليهم السلام هي صلاة العصر. والحجة على ذلك: إجماع الشيعة الإمامية عليه. وقد روي أن في قراءة ابن مسعود (رحمه الله تعالى): (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) (1). وإنما سميت (وسطى) لأنها بين صلاتين من صلاة النهار تقدمت عليها، وصلاتين من صلاة الليل تأخرت عنها. مسألة سابعة [ ما يجوز عليه السجود ] على ماذا يجوز السجود عليه؟ وأي شئ يتوقى السجود عليه؟ الجواب: لا يجوز السجود إلا على الأرض بعينها إذا كانت طاهرة، أو على ما أنبتته، إلا أن يكون مأكولا كالثمار، أو ملبوسا كالقطن والكتان، ولا ما اتخذ منهما.

(1) وسائل الشيعة 3 / 6 ح 1.

[ 276 ]

ولا بأس بالسجود على القرطاس الخالي من الكتابة، ويكره على المكتوب فيه لشغل القلب بقراءته. مسألة ثامنة [ حكم التسليم في الصلاة ] التسليم هل هو واحدة تجاه القبلة أم اثنتان عن يمين وشمال؟ الجواب: التسليم عندنا واجب، ويسلم المصلي الواحدة يستقبل بها القبلة وينحرف بوجهه قليلا إلى جهة يمينه إن كان منفردا أو إماما. وإن كان مأموما سلم من يمينه وشماله، إلا أن يكون شماله خالية من أحد، فيقتصر على يمينه. مسألة تاسعة [ استحباب القنوت في الصلاة ] القنوت في جميع الفرائض أم في صلاة معلومة، وهل هو قبل الركوع أو بعده؟ الجواب: القنوت مستحب غير مفروض، وإن كان في الفرض أشد استحبابا، وهو في صلاة الجهر بالقراءة أشد تأكيدا أو (1) استحبابا، ويرفع يديه للقنوت، ويكبر للقنوت تكبيرا مفردا.

(1) ظ: و.

[ 277 ]

مسألة عاشر [ التكبيرات السبع في مفتتح الصلاة ] التكبيرات السبع عند التوجه في الفرض خاصة أم في الفرض والنوافل؟ الجواب: التكبير السبع للدخول في الصلاة إنما يستعمل في الفرض دون النوافل، وهي مسنونات غير مفروضات. ويكفي للدخول في الصلاة، فرضا كان أو سنة، تكبيرة واحدة، وهي التحريمة التي يحرم بعدها، ما لم يكن محرما من الأفعال والأقوال. مسألة حادية عشر [ صلاة الوتيرة ] الركعتان من جلوس بعد فريضة العتمة تتربع أم تتورك؟ الجواب: قد روي في فعل هاتين الركعتين التربع. وروي أن يفعلا جميعا فعلا مطلقا، لم يشترط فيه تربع ولا تورك، فالمصلي مخير فيها بين التربع والتورك، وأي الأمرين فعل جاز.

[ 278 ]

مسألة ثانية عشر [ كيفية غسل الوجه في الوضوء ] غسل الوجه عند الوضوء باليد اليمنى أم باليدين جميعا؟ الجواب: المفروض إيصال الماء إلى الوجه على سبيل الغسل، والظاهر من القرآن يدخل فيه غسل الوجه باليد اليمنى دون اليسرى، وفعل المسنون أولى من غيره. مسألة ثالثة عشر (وجوب المسح ببلة اليد) المسح على الرأس والرجلين بفاضل ماء اليد اليسرى أم بماء مجدد. الجواب: المفروض في مسح الرأس والرجلين أن يكون ببلة اليد من غير استيناق ماء مجدد، فمن استأنف ماء جديدا لهما لم يجزه ذلك ووجبت عليه الإعادة، فإن لم يجد في يده بلة يمسح بها رأسه ورجليه، فقد روي أنه يأخذ من بلة شعر لحيته أو حاجبه (1). فإن لم يجد ذلك استأنف الوضوء.

(1) وسائل الشيعة 1 / 287.

[ 279 ]

مسألة رابعة عشر (السؤال عن الرجوع إلى الكتب الثلاثة) ما يشكل علينا من الفقه نأخذه من رسالة علي بن موسى بن بابويه القمي، أو من كتاب الشلمغاني، أو من كتاب عبيد الله الحلبي؟ الجواب: الرجوع إلى كتاب ابن بابويه وإلى كتاب الحلبي أولى من الرجوع إلى كتاب الشلمغاني على كل حال. مسألة خامسة عشر (عدم وجوب " محمد وعلي خير البشر " في الأذان) هل يجب في الأذان بعد قول " حي على خير العمل " محمد وعلي خير البشر؟ الجواب: إن قال " محمد وعلي خير البشر " على أن ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان جاز، فإن الشهادة بذلك صحيحة، وإن لم يكن فلا شئ عليه. مسألة سادسة عشر (بدعة " الصلاة خير من النوم " في الأذان) من لفظ أذان المخالفين يقولون في أذان الفجر " الصلاة خير من النوم "،

[ 280 ]

هل يجوز لنا أن نقول ذلك أم لا؟ الجواب: من قال ذلك في أذان الفجر، فقد أبدع وخالف السنة، وإجماع أهل البيت عليهم السلام على ذلك. مسألة سابعة عشر (الأئمة عليهم السلام حي يشاهدوننا) مولانا أمير المؤمنين عليه السلام حي يشاهدنا ويسمع كلامنا أم ميت؟ الجواب: الأئمة الماضون عليهم السلام، والمؤمنون ينعمون ويرزقون، فإذا زيرت قبورهم، أو صلي عليهم، أبلغهم الله ذلك، أو أعلمهم به، فكانوا بالاجماع له سامعين مشاهدين. مسألة ثامنة عشر (الإمام علي عليه السلام يحضر عند كل ميت) قد روي أن سيدنا رسول الله ومولانا أمير المؤمنين وآلهما عليهم السلام يحضران عند كل ميت وقت قبض روحه في شرق الأرض وغربها (1)، ونؤثر أن نكون من ذلك على يقين.

(1) راجع بحار الأنوار 6 / 188.

[ 281 ]

الجواب: قد روي ذلك، والمعنى فيه: أن الله يعلم المحتضر ويبشره إذا كان من أهل الإيمان بما له من الحظ والنفع لموالاته وتمسكه بمحمد وعلي، فكأنه يراهما، وكأنهما حاضران عنده، لأجل هذا الاعلام. وكذلك إذا كان من أهل العداوة، فإنه يعلمه بما عليه من الضرر بعداوتهما والعدول عنهما. فكيف يجوز أن يكون شخصان يحضران على سبيل المحاورة والحلول في الشرق والغرب عند كل محتضر، وذلك محال. مسألة تاسعة عشر (هل الأئمة عليهم السلام يتفاضل بعضهم على بعض؟) الأئمة في الفضل سواء بعد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أم يتفاضل بعضهم على بعض. الجواب: الفضل في الدين لا يقطع عليه إلا بالسمع القاطع. وقد روي أن الأئمة عليهم السلام مساوون في الفضل (1). وروي أن لكل إمام أفضل ممن يليه سوى القائم عليه السلام (2)، فإنه أفضل من المتقدمين عليه. فالأولى التوقف في ذلك، فلا دليل قاطع عليه.

(1) بحار الأنوار 25 / 356 ح 4 عن كمال الدين.
(2) بحار الأنوار 25 / 358 ح 9 عن بصائر الدرجات.

[ 282 ]

مسألة عشرون (تساوي الحسن والحسين عليهما السلام في الفضل) هل بين السيدين الحسن والحسين فرق في الفضل أم هما سواء؟ الجواب: الصحيح تساويهما في الفضل، ولا يفضل أحدهما على الآخر بلا دليل عليه ولا طريق، فلا تعلق بذلك تكليف، فينصب لنا دليل عليه. مسألة حادية وعشرون (الأئمة عليهم السلام عالمون بالغيب) كل الأئمة عليهم السلام يخبرون بالشئ قبل كونه أم لا؟ الجواب: ليس من شرط الإمامة الإخبار عن الشئ قبل كونه، لأن ذلك معجز. وقد يجوز إظهار المعجزات على أيدي الأئمة عليهم السلام، وقد يجوز ألا يظهر على أيديهم. إلا أنا قد علمنا بالأخبار الشائعة أنهم عليهم السلام أخبروا بالغائبات، فعلمنا أن الله تعالى قد أطلعهم على ذلك.

[ 283 ]

مسألة ثانية وعشرون (متى يظهر الحجة عليه السلام) لصاحب الزمان عليه السلام يوم معلوم يظهر فيه؟ وهل يشاهدنا أم لا؟ الجواب: ليس يمكن نعت الوقت الذي يظهر فيه صاحب الزمان عليه السلام، وإنما يعلم على سبيل الجملة أنه يظهر في الوقت الذي يأمن فيه المخافة، وتزول عنه التقية. وهو عليه السلام شاهد لنا ومحيط بنا، وغير خاف عليه شئ من أحوالنا. مسألة ثالثة وعشرون (المحارب لعلي عليه السلام كافر) صاحب جيش البصرة والاعتقاد فيه وفي غيره، وكيف كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ الجواب: قتال أمير المؤمنين عليه السلام بغي وكفر جار مجرى قتال النبي صلى الله عليه وآله، لقوله " ص ": حربك يا علي حربي وسلمك سلمي (1). وإنما يريد أن أحكام حروبنا واحدة. فمن حاربه عليه السلام ومات من غير توبة، قطعنا على أنه ما كان في وقت

(1) رواه جماعة من أعلام القوم كما في إحقاق الحق 6 / 440 منهم الخوارزمي في المناقب ص 76.

[ 284 ]

من الأوقات مؤمنا وإن أظهر الإيمان، لأن من كان مؤمنا على الحقيقة في الباطن لا يجوز أن يكون على ما كان القوم عليه، لأدلة ليس هنا موضع ذكرها. مسألة رابعة وعشرون (تفضيل الأنبياء على الملائكة) أيما أفضل الأنبياء أم الملائكة؟ الجواب: الأنبياء أفضل من الملائكة. والدليل على ذلك إجماع الشيعة الإمامية عليه، وإجماعهم حجة، لأنه لا يخلو هذا الإجماع في كل زمان من إمام معصوم يكون فيه. مسألة خامسة وعشرون (لولا النبي والأئمة لما خلق السماء والأرض) ذهب القوم في أن الله تعالى لو لم يخلق محمدا وأهل بيته لم يخلق سماء ولا أرضا ولا جنة ولا نارا ولا الخلق. الجواب: وقد وردت رواية بذلك. والمعنى فيها: أن الله تعالى إذا علم المصلحة لسائر المكلفين في نبوة النبي صلى الله عليه وآله وإبلاغه لهم الشرائع، وأن أحدا لا يقوم في ذلك مقامه.

[ 285 ]

وكذلك الأئمة عليهم السلام من ولده عليه السلام على نسقهم، لو لم يخلق هؤلاء لما كان خلق لأحد ولا تكليف لبشر للمعنى الذي ذكرناه. مسألة سادسة وعشرون (حقيقة الكفر والشرك والايمان) في كتاب التكليف عن علي عليه السلام أنه قال: من عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد المعنى بحقيقة المعرفة فهو مؤمن حقا (1). الجواب: لا شبهة في أن من عبد الاسم دون المعنى عابد غير الله تعالى كافر، ومن عبد الاسم والمسمى كان مشركا لعبادته مع الله تعالى غيره، فوجب أن تكون العبادة لله تعالى وحده خالصة وهو المسمى. مسألة سابعة وعشرون (حقيقة التوحيد) روي: أن الناس في التوحيد على ثلاثة أقسام: مثبت، وناف، ومشبه. فالمشبه مشرك، والنافي مبطل، والمثبت مؤمن. تفسير ذلك؟

(1) راجع بحار الأنوار 4 / 153.

[ 286 ]

الجواب: المراد هنا بالمثبت من أثبت الشئ على ما هو عليه واعتقده على ما هو به. والنافي مبطل، لأنه بالعكس من ذلك. فأما المشبه فهو من اعتقد أن لله تعالى شبيها، وذلك مشرك لا شبهة في شركه. مسألة ثامنة وعشرون (حكم إرث الأخوان) الأخ من الأب يرث مع الأخ من الأم، وكذلك مع الأخ من الأب والأم. الجواب: إذا اجتمع إخوة من أب وأم مع أخوة من الأم، كان للإخوة من الأم الثلث والباقي للإخوة من الأب والأم، فإن كان أخا واحدا، أو أختا واحدة من أم معها أخ لأب، أو أخت لأب، كان للأخ أو الأخت من الأم السدس والباقي للأخ من الأب أو الأخت. فإذا اجتمع إخوة لأب مع إخوة لأب وأم، كان المال كله للإخوة من الأب والأم، ولا حظ لولد الأب خاصة فيه. مسألة تاسعة وعشرون [ ثوب المصاب بالمني ولم يعرف ] الثوب إذا أصابته الجنابة ولم يعرف المكان تجوز الصلاة فيه؟

[ 287 ]

الجواب: إذا عرف مكان الجنابة من الثوب غسل ذلك الموضع، وإن لم يعرف بعينه غسل الثوب جميعه، ولم تجز الصلاة قبل الغسل. مسألة ثلاثون [ إصابة الثوب بالكلب الناشف ] إذا أصاب الثوب كلب ناشف يصلي فيه أو لا؟ الجواب: لا تتعدى نجاسة الكلب مع نشافة جلده إلى ما يماسه من ثوب أو بدون ثوب، وإنما تتعدى مع النداوة والبلل في أحدهما. وأما مع نشافتهما فلا تتعدى النجاسة. مسألة حادية وثلاثون [ كفارة المجامع أهله في نهار رمضان ] من جامع أهله في شهر رمضان بالنهار ما يجب عليه وما كفارته؟ الجواب: يجب على المجامع في شهر رمضان نهارا القضاء والكفارة جميعا بلا خلاف والكفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد من طعام، وهو مخير بين الثلاث أي شئ منها.

[ 288 ]

المسألة الثانية وثلاثون [ لا تجوز الصلاة في ثوب أصابه خمر ] الثوب يصيبه الخمر هل تجوز الصلاة فيه أم لا؟ الجواب: لا تجوز الصلاة في ثوب فيه خمر. ونجاسة الخمر أغلظ من سائر النجاسات لأن الدم وإن كان نجسا فقد أبيح لنا أن نصلي في الثوب إذا كان فيه دون قدر الدرهم من الدم، والبول قد عفي عنه فيما يرشش عند الاستنجاء كرؤوس الأبر. والخمر ما عفي عنه في موضع من المواضع عن شئ منها. المسألة الثالثة والثلاثون [ حكم من غاب عن أهله سنتين ] القول في رجل تزوج امرأة ودخل بها، ثم غاب عنها سنتين، ثم وضعت ولدا وادعت أنه من الزوج، هل يصدق قولها في ذلك؟ ويلحق الولد بالزوج أم لا؟ وما يجب عليها في ذلك. الجواب: لا يلحق الولد بالزوج الغائب، لأن الفراش الذي عناه النبي صلى الله عليه وآله بقول (الولد للفراش (1)) معدوم، لأن الفراش عبارة من مكان الوطي،

(1) وسائل الشيعة 14 / 565 ح 1.

[ 289 ]

والوطي هاهنا متعذر فلا فراش، فالولد غير لاحق. هذا إذا كانت غيبته زائدة على الحمل. مسألة رابعة وثلاثون [ عدم جواز الترحم للأقارب الكفار ] هل يجوز للمؤمن الاستغفار والترحم لوالديه وأقاربه إذا كانوا مخالفين؟ الجواب: لا يجوز الاستغفار ولا الترحم الكفار وإن كانوا أقارب، لأن الله تعالى قد قطع على عقاب الكفار، وأنه لا شفاعة فيهم، ولا يجوز أن نسأل فعل ما علمنا وقطعنا على أنه لا يفعله. مسألة خامسة وثلاثون [ عدم جواز اعطاء الفطرة والزكاة للمخالفين ] الفطرة والزكاة لضعفاء المؤمنين خاصة أم لسائر الضعفاء عامة؟. الجواب: لا يجوز إخراج فطرة ولا زكاة ولا صدقة إلى مخالف يبلغ به خلافه إلى الكفر، فمن أخرج زكاة أو فطرة إلى من هذه صفته وجب عليه الإعادة. وقد تجاوز أصحابنا ذلك، فحرموا إخراج الزكاة إلى الفاسق وإن كان مؤمنا.

[ 290 ]

مسألة سادسة وثلاثون [ عدم انعقاد اليمين على المعصية ] القول في من يحلف على معصية الله عز اسمه بالمصحف من قتل وما شاكله فأمكنه ذلك فتركه فزعا من الله تعالى، ما الذي يجب عليه لليمين؟. الجواب: لا تنعقد اليمين على فعل معصية، ومن حلف بالله تعالى أنه يفعل شيئا من المعاصي لم تنعقد يمينه. ولا يجب عليه الكفارة إذا لم يفعل ذلك، لأن الحنث يلزم مع انعقاد اليمين، ولا يجب مع عدم انعقادها. مسألة سابعة وثلاثون [ هل زوج علي عليه السلام ابنته لفلان ] القول في تزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته، وما الحجة؟ وكذلك بنات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله. الجواب: ما زوج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته بمن أشير إليه، إلا على سبيل التقية والاكراه، دون الايثار والاختيار، وقد روي في ذلك (1) ما هو مشهور، فالتقية

(1) راجع الطرائف ص 76، وذخائر العقبى عن مناقب أحمد ص 121، وابن المغازلي في المناقب ص 108، البحار 42 / 97.

[ 291 ]

تبيح ما لولاها لم يكن مباحا. فأما النبي صلى الله عليه وآله فإنما زوج من أشير إليه في حال كان فيها مظهرا للايمان، وإنما تجدد بعد ذلك ما تجدد. فإن قيل: أليس عند أكثركم أن من مات على كفره فلا يجوز أن يكون قد سبق منه ايمان. قلنا: هكذا نقول، ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله أنكح من وقعت الإشارة إليه قبل أن يعلمه الله تعالى بما يكون في المستقبل، فإنا غير عالمين بتاريخ هذا الاعلام وتقدمه وتأخره. مسألة ثامنة وثلاثون [ ثواب زيارة قبور الأئمة عليهم السلام ] ما روي عن الثواب في الزيارة؟. الجواب: إن في زيارة قبور الأئمة عليهم السلام فضلا كبيرا، تشهد به الروايات، وأجمعت عليه الطائفة، والروايات لا تحصى. وروي أن من زار أمير المؤمنين عليه السلام كان له الجنة (1). وروي أن من زار الحسين عليه السلام محصت ذنوبه كما يمحص الثوب في الماء، ويكتب له بكل خطوة حجة، وكلما رفع قدمه عمرة (2).

(1) وسائل الشيعة: 10 / 296 ح 10.
(2) وسائل الشيعة: 10 / 318 فيه روايات كثيرة تدل على ذلك.

[ 292 ]

مسألة تاسعة وثلاثون [ من يجب عليه التقصير ] التقصير في الصلاة والصيام واجب لمن يسافر في طاعة الله تعالى مثل الحج والجهاد والزيارة وغير ذلك، أم خاص للتاجر والجدي (1) وكل مسافر؟. الجواب: التقصير إنما يجب على من كان سفره ليس بمعصية، سواء كان مباحا أو طاعة ومن كان سفره ليس بمعصية، سواء كان مباحا أو طاعة. ومن كان سفره أكثر من حضره فلا تقصير عليه، ولا تقصير على المتصيد. مسألة أربعون [ استحباب التختم باليد اليمنى) التختم في اليدين أم في اليمين وحدها؟. الجواب: المسنون في الخاتم أن يكون في اليمين، مع الاختيار وعدم التقية، وإن أضاف إلى اليمين اليسار جاز. ولا يجوز الاقتصار على اليسار من غير تقية.

(1) كذا في النسخة.

[ 293 ]

مسألة حادية وأربعون [ المعول في معرفة أوائل الشهور ] الهلال يغم في بلادنا كثيرا أو يخفى علينا، فهل له حساب يعول عليه غير رأي العين، واليوم الذي يرى فيه هو منه، أو من الشهر المتقدم. الجواب: المعول في معرفة أوائل الشهور وأواخرها على رؤية الهلال دون الحساب فإذا رأي الهلال ليلة ثلاثين فهو أول الشهر. فإن غم فالشهر ثلاثون. ولا تعويل إلا على ذلك، دون ما يدعيه أصحاب العدد، فإذا رأي الهلال في نهار يوم، فذلك اليوم من الشهر الماضي دون المستقبل. مسألة ثانية وأربعون [ حكم لحم الأرنب ] لحم الأرنب حلال أم حرام؟. الجواب: لحم الأرنب حرام عند أهل البيت عليهم السلام وقد وردت روايات (1) كثيرة بذلك ولا خلاف بين الشيعة الإمامية فيه، والأرنب عندهم نجس لا يستباح صوفه.

(1) راجع وسائل الشيعة: 16 / 316.

[ 294 ]

مسألة ثالثة وأربعون [ حرمة شرب الفقاع ] شرب الفقاع [ حلال أم حرام؟ ]. الجواب: عند الشيعة الإمامية حرام، يجري في التحريم مجرى الأشربة المحرمة وإن لم يكن في نفسه مسكرا، فليس التحريم واقعا على الاسكار. ومن شرب الفقاع وجب عليه عندهم الحد، كما تجب على من شرب وسائر الأشربة المسكرة. مسألة رابعة وأربعون [ حلية المتعة ] المتعة هل تجوز في وقتنا هذا أم لا؟ وبمن تكون؟ وما شروطها بمؤالف أو مخالف وذمي، وهل للولد ميراث غيره من الأولاد أم لا؟. الجواب: المتعة مباحة من زمن رسول الله صلى الله عليه وآله إلى وقتنا هذا، وما تغيرت إباحتها إلى حظر. ويجب أن يتمتع بالمؤمنات دون المخالفات، وقد يجوز عند عدم المؤمنات

[ 295 ]

أن يتمتع بالمستضعفات اللواتي لسن بمعاندات، وقد يجوز عند الضرورة التمتع بالذمية. ومن شروطها الذي لا بد منه: تعيين الأجل والمهر من غير إبهام لهما. والولد لاحق، وهو يرث أباه، كما يرثه أولاده من غير متعة. فأما المتمتع بها فلا ميراث لها إن شرط في العقد ذلك، وإن لم يشرطه كان لها الميراث. مسألة خامسة وأربعون [ حرمة اللعب بالشطرنج ] لعب الشطرنج والنرد. الجواب: اللعب بالشطرنج والنرد محرم محظور، واللعب بالنرد أغلظ وأعظم عقابا. ولا قبحة عند الشيعة الإمامية في اللعب بشئ منها على وجه ولا شيب (1). مسألة سادسة وأربعون [ ما يحرم ويحل لبسه من الجلود ] لبس وبر الثعلب والأرانب وما يجري مجراه، وهل يجوز الصلاة فيه أم لا؟ الجواب: لا يجوز لبس جلود الثعالب والأرانب وما اتخذ من أوبارهما، لا قبل

(1) هذه العبارة كذا في النسخة، وهي مجملة.

[ 296 ]

الذبح ولا بعده. والحجة على ذلك: إجماع الشيعة الإمامية خاصة عليه. مسألة سابعة وأربعون [ لبس ما يتخذ من جلود الغنم ] ما يلبس من الفرو والفراء الحمراء؟ الجواب: ما اتخذ من جلود الغنم فروا بعد الذكوة بالذبح يجوز لبسه قبل الدباغ إذا كان خاليا من نجاسة الدم وبعد الدباغ. ولا خلاف في ذلك بين المسلمين. مسألة ثامنة وأربعون [ حكم لبس القز والخز ] لبس القز والخز. الجواب: أما القز والابريسم محرم لبسهما على الذكور دون الإناث، إذا كان الثوب منسوجا بالقز خالصا من غير أن يخالطه شئ من القطن والكتان. فأما الخز فيجوز لبسه بعد الذكاة للذكور والإناث على كل حال.

[ 297 ]

مسألة تاسعة وأربعون [ تحليل المولى أمته للغير ] القول في المحلل والمحللة موجود في كتاب التكليف، وهو أن يكون للرجل والمرأة أمة فتحلها بغير مدة معلومة وسترجعها (كذا) منه (1)، هل ذلك جائز أم لا؟ الجواب: قد روي ذلك (2). والمعنى في هذا التحليل الذي وردت به الرواية: أن تعقد المرأة على أمتها والرجل على جاريته عقد متعة، لأن إباحة المرأة لا تكون إلا في عقد المتعة. وقد يجوز نكاح المتعة بلفظ الإباحة والتحليل، كما يجوز بلفظ الاستمتاع والنكاح. مسألة خمسون [ توريث أم الولد ] أمهات الأولاد يقسمن في الميراث أم لا؟ الجواب: أمهات الأولاد عندنا على جملة الرق ما خرجن عنه بالولد، ويقسمن في الميراث، ويجعلن في نصيب أولادهن، فيعتقن عليهن. ويجوز عندنا بيع أم الولد بعد موت ولدها.

(1) كذا في النسخة والظاهر: وهو أن يكون للرجل أو المرأة أمة فيحلها بغير مدة معلومة ويسترجعها منه.
(2) راجع وسائل الشيعة: 14 / 532.

[ 298 ]

مسألة حادية وخمسون [ جواز تملك السبايا ونكاحهن ] المسبيات في هذا العصر يجوز استملاكهن ونكاحهن أم لا؟ الجواب: يجوز تملك السبايا ونكاحهن وإن كان سباهن غير الإمام المحق، لأن أئمتنا عليهم السلام قد رخصوا لشيعتهم في ذلك، إرفاقا بهم وتسهيلا عليهم، لأن المحنة يخطر (1) ذلك فلا يكادون ينفكون منها في أكثر الزمان، فيكون غليظة شديدة. مسألة ثانية وخمسون [ حكم زكاة الغلاة ] الزكاة في الغلة هي بعد حاصل السلطان ومؤنة القرية أم لا في الأصل؟ الجواب: تجب الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، إذا بلغ ما يحصل لمالك الأرض في خاصته خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع تسعة أرطال. ففي ذلك إذا بلغه العشران كان يسقى سيحا، وإن كان يسقى بالدوالي والنواضح ففيه نصف العشر. وما زاد على الخمسة أوسق فبحساب ذلك، وليس فيما دون الخمسة أوسق زكاة.

(1) ظ: تختطر.

[ 299 ]

مسألة ثالثة وخمسون [ من حلف على ترك المعصية ] ما يجب على من حلف ألا يشرب الخمر، أو يركب معصية ثم فعل؟ الجواب: يجب على من فعل ذلك كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة. وهو مخير بين هذه الكفارات الثلاث، فمن لم يجد منها شيئا كان عليه صيام ثلاثة أيام. مسألة رابعة وخمسون [ إسلام الذمي له مرأة ذمية ] المرأة الذمية تكون تحت الذمي، فيسلم الرجل، هل تنفك بالاسلام أم تبقى على حالها في حاله؟ الجواب: ما ينفسخ النكاح بين الذمي وزوجته الذمية بإسلام الزوج، بل النكاح بينهما باق على حاله، بلا خلاف بين الأمة.

[ 300 ]

مسألة خامسة وخمسون [ حكم تزويج الهاشمية ] ما يجب على المؤمن إذا كان عربي النسب وتزوج امرأة علوية هاشمية؟ الجواب: إذا كان العربي من قبيل غير مرذول من القبائل، ولا مستنقص فإن في بعض القبائل من العرب من هذه صفته، فليس بمحظور عليه نكاح الهاشميات. وإنما يكره ذلك سياسة وعادة وإن لم يكن محظورا في الدين. مسألة سادسة وخمسون [ حلية الوطي دبرا وقبلا ] هل يؤخذ بما يروى عن مالك في النساء ومن (1) لم يطابقه في ذلك من الشيعة؟ الجواب: مباح للزوج أن يطأ زوجته في كل واحد من مخرجيها، وليس في ذلك شئ من الحظر والكراهة. والحجة في ذلك: إجماع الإمامية عليه، وقوله تعالى (فأتوا حرثكم

(1) لعل (من) استفهامية.

[ 301 ]

أنى شئتم) (1)، وأن الشرع يقتضي التمتع بالزوجة مطلقا من غير استثناء لموضع دون آخر. مسألة سابعة وخمسون [ القرآن منزل غير مخلوق ] القرآن منزل أو مخلوق؟ الجواب: القرآن كلام الله تعالى أنزله وأحدثه تصديقا للنبي صلى الله عليه وآله، فهو مفعول. ولا يقال: إنه مخلوق. لأن هذه اللفظة إذا أطلقت على الكلام أوهمت أنه مكذوب، ولهذا يقولون: هذا كلام مخلوق، فقال الله تعالى (إن هذا إلا اختلاق) (2) يريد الكذب لا محالة. مسألة الثامنة والخمسون [ أي الأعمال أفضل ] أي الأعمال أفضل؟ الجواب: معنى قولنا في العمل أنه أفضل، أنه أكثر ثوابا من غيره. وليس يعلم

(1) سورة البقرة: 223.
(2) سورة ص: 7.

[ 302 ]

أي الأعمال أكثر ثوابا من غيره على التحقيق، إلا علام الغيوب تعالى، أو من أطلعه على ذلك. وما يروى في ذلك من أخبار الآحاد لا يعول عليه. مسألة تاسعة وخمسون [ لزوم العمل مع الاعتقاد ] الاعتقاد أفضل بغير عمل، أو العمل بغير اعتقاد؟ الجواب: أما العمل بغير اعتقاد فلا ثواب عليه ولا فائدة فيه، لأن من صلى ولا يعتقد وجوب الصلاة والقربى بها إلى الله تعالى، فلا صلاة له ولا خير فيما فعله. والجمع بين الاعتقاد والعمل هو النافع المقصود. وانفراد الاعتقاد عن عمل خير على كل حال وإن خلا من عمل، وليس كذلك العمل إذا خلا من الاعتقاد. مسألة ستون [ مسألة الرجعة ] الاعتقاد في الرجعة عند ظهور القائم عليه السلام وما في (1) الرجعة؟ الجواب: معنى الرجعة أن الله تعالى يحيي قوما ممن توفي قبل ظهور القائم عليه

(1) خ ل: ما هي.

[ 303 ]

السلام من مواليه وشيعته، ليفوز بمباشرة نصرته وطاعته وقتال أعدائه، ولا يفوتهم ثواب هذه المنزلة الجليلة التي لم يدركها، حتى لا يستبدل عليهم بهذه المنزلة غيرهم، والله تعالى قادر على إحياء الموتى، فلا معنى لتعجب المخالفين واستبعادهم. مسألة حادية وستون [ المسلم يرث الكافر ] المسلم يرث النصراني إذا كان من أولي الأرحام؟ الجواب: عندنا أن المسلم يرث الكافر، وإنما الكافر لا يرث المسلم. وليس في الخبر الذي يروونه من أهل الملتين ألا يتوارثون (1) حجة، لأن التوارث تفاعل وإذا ورثناهم ولم يرثونا فما توارثنا. مسألة ثانية وستون [ العمة ترث مع العم ] هل العمة ترث مع العم؟

(1) ظ: يروونه من أن أهل الملتين لا يتوارثون.

[ 304 ]

الجواب: عند الشيعة الإمامية أن العمة ترث مع العم، ولها نصف نصفه (1)، لا خلاف بين الشيعة الإمامية في ذلك، لأنها تشارك العم في قرابته ودرجته فما يقول المخالف من ذكر العصبة لا محصول له. مسألة ثالثة وستون [ إرث الخال والخالة مع الأعمام ] الخال والخالة لهما نصيب مع الأعمام من الميراث؟ الجواب: يرث الخال والخالة مع الأعمام نصيب الأم، وهو الثلث. لأن قرابتهما من جهة الأم، وللخالة نصف سهم الخال. والأعمام يرثون نصيب الأم (2)، وهو الثلث (3)، لأن قرابتهم من جهة الأب. مسألة رابعة وستون [ إرث أولاد الأخت ] أولاد الأخت يرثون إذا كانوا أقرب الأهل؟

(1) ظ: نصيبه.
(2) ظ: الأب.
(3) ظ: الثلثان.

[ 305 ]

الجواب: أولاد الأخت يرثون إذا لم يكن معهم في الميراث من هو أحق منهم ومن هو أعلى درجة. ويجري أولاد الأخت إذا انفردوا بالميراث مجرى أولاد الأخ إذا انفردوا به. مسألة خامسة وستون [ جواز الوطي قبل غسل الحيض ] الحائض إذا مضت سبعة أيام وطهر الموضع من أذى هل يجوز للرجل وطئها قبل غسل رأسها وبدنها أم لا؟ الجواب: إذا انقطع دم الحائض ونقي الموضع من الصفرة والكدرة، جاز لزوجها أن يطأها وإن لم تغسل. ولا فرق في ذلك بين أن يكون انقطاعه لأكثر الحيض أو لأقله، بخلاف ما يقول أبو حنيفة، لأنه يوافقنا في جواز الوطي عند انقطاع الدم وإن لم يقع الغسل، إلا أنه يفرق بين انقطاعه لأكثر الحيض أو لأقله، فيجوز الوطي إذا كان الانقطاع في أكثر الحيض، ولا يجوز إذا كان لأقله.

[ 306 ]

مسألة سادسة وستون [ حكم الخمس ] الخمس مفروض لآل الرسول وعليهم (1) في الغنيمة في بلاد الشرك، أم في جميع المكاسب والتجارة والعقار والزرع، أو لم يجب ذلك منهم (2) في هذا العصر؟ الجواب: الخمس واجب في كل الغنائم المستفادة بالغزو من أموال أهل الشرك. وهو أيضا واجب فيما يستفاد من المعادن والكنوز ويستخرج من البحار. ويجب أيضا في كل ما فضل من أرباح التجارات والزراعات والصناعات عن المؤنة والكفاية من طول سنة على الاقتصاد. وسهم الله تعالى الذي أضافه إلى نفسه، وسهم الرسول صلى الله عليه وآله وهذان السهمان بعد الرسول للإمام القائم مقامه، مضافا إلى سهم الإمام الذي يستحقه بالقربى وباقي السهام ليتامى آل محمد عليهم السلام ولمساكينهم وأبناء سبيلهم. فكأنه يقسم على ستة أسهم: ثلاثة منها للإمام عليه السلام، وثلاثة منها لآل الرسول عليه وعليهم السلام. وهذا الحق إنما جعل لهم عوضا عن الصدقة، فإذا منعوه في بعض الأزمان حلت لهم الصدقة مع المنع من هذا الحق والله الموفق للصواب. تمت المسائل وأجوبتها والله ولي الحمد والتوفيق.

(1) ظ: عليهم السلام.
(2) ظ: لهم.

[ 307 ]

(7) جوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة

[ 309 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ علة الحاجة إلى الإمام في كل زمان ] أما جواب المسألة الأولى من الأدلة التي لا يدخلها احتمال ولا مجاز، وجوب جنس الإمامة من الرئاسة في كل زمان. فقال: الذي يدل على ذلك إنما يعلم ضرورة باختيار العادات أن الناس متى خلوا من رئيس مهذب نافذ الأمر باسط اليد يقود الجاني ويؤدب المذنب، لشاع بينهم التظالم والتقاسم والأفعال القبيحة. وأنه متى دعاهم من هذه صفته كانوا إلى الارتداع والانزجار ولزوم المحجة المثلى أقرب... ومن كلفهم وأراد منهم فعل الواجب وكره فعل القبيح لا بد أن يلطف بهم بما هو مقرب من مراده مبعد من سطوحه (1)، فيجب أن لا يخلهم من إمام في كل زمان. فما جواب من قال: كل علة لكم في هذا ونحوه يقتضي إعزازه وكف أيدي الظلمة وإرشاده الضلال وتعليم الجهال، ويكون حجة الله ثابتة، وله في

(1) ظ: سطوته.

[ 310 ]

تلك الحادثة حكم مع غيبته خلاف الحكم مع ظهوره، فألا أجزتم أن يتأخر الحكم فيها إلى يوم القيامة، ليتولى الله تعالى حكمها. ونحن نعلم أن هذه الأحكام لا تتلاقى (1) ولا تحتمل الانتظار، لأنه يموت الظالم والمظلوم، ويبطل الحق المطلوب، وينقرض الناس ولم يزل أخلاقهم (2) ولا أنصفوا ممن ظلمهم، فقد أداكم اعتلالكم إلى إيجاب ظهوره بإعزازه وانشذ منه وكف أيدي الظلمة عنه، أو تجويز الاستغناء عنه ما بيناه. الجواب: إعلم أن كل مسألة تتعلق بالغيبة من هذه المسائل، فجوابها موجود في كتابنا (المقنع في الغيبة) وفي الكتاب (الشافي) الذي هو نقض كتاب الإمامة من الكتاب المعروف ب‍ (المغني)، ومن تأمل ذلك وجده إما في صريحهما أو فحواهما. فأما إلزامنا على علتنا في الحاجة إليه، وجواب إعزازه، وكف أيدي الظلمة عنه ليظهر ويقع الانتفاع به والإعزاز وكف أيدي الظلمة على ضربين: أحدهما لا ينافي التكليف ويكون التكليف معه باقيا، والضرب الآخر ينافي التكليف. وأما ما لا ينافي التكليف أن ما يكون بإقامة الحجج والبراهين والأمر والنهي والوعظ والزجر، والألطاف القوية لدواعي الطائفة المصارفة عن المعصية، وقد فعل الله تعالى ذلك أجمع على وجه لا مريب عليه. وأما الضرب الثاني وهو المنافي للتكليف كالقهر والقسر والاكراه والالجاء،

(1) ظ: لا تتلافى.
(2) ظ: أخلافهم.

[ 311 ]

فالثواب الذي انقرض (1) بالتكليف هو التعريض له، يسقط مع ذلك، فكيف يفعل لأجل التكليف ما يسقط الفرض به وينقصه. والذي مضى في خلال السؤال من الحكاية عنا المقبول فإن في الحوادث ما الحكم فيه عن غيبة الإمام عليه السلام يخالف الحكم مع ظهوره. باطل لا نذهب إليه ولا قال منا به قائل، وحكم الله في الحوادث الشرعية مع غيبة الإمام وظهوره واحد غير مختلف. فإن قيل: ألا جاز أن يكون الحق في بعض المسائل أو الحوادث عند الإمام عليه السلام والناس في حال الغيبة في ذلك الأمر على باطل، ولو زالت التقية عنه لبين الحق وأوضحه. قلنا: قد أجبنا عن هذا السؤال في كتابنا في (الغيبة) و (الشافي) و (الذخيرة) وكل كلام أمليناه فيما يتعلق بالغيبة، بأن الحق في بعض الأمور لو خفي علينا وكانت معرفته عند الإمام الغائب، لوجب أن يظهر ويوضح ذلك الحق ولا تسعه التقية والحال هذه. وقلنا: إن ذلك لو لم يجب لكنا مكلفين بما لا طريق لنا إلى علمه، وذلك لاحق بتكليف ما لا يطاق في القبح. وجرينا في الجواب بذلك على طريقة أصحابنا، فإنهم عولوا في الجواب عن هذا (2) السؤال على هذه الطريقة. والذي يقوى الآن في نفسي ويتضح عندي أنه غير ممتنع أن يكون عند إمام الزمان - غائبا كان أو حاضرا - من الحق في بعض الأحكام الشرعية ما ليس عندنا، لا سيما مع قولنا بأنه يجوز أن يكتم الأمة كلها شيئا من الدين، حتى

(1) ظ: الغرض.
(2) في الأصل: هذه.

[ 312 ]

لا يروونه من الحجة في رواية. ولا يكون تكليفنا بمعرفة ذلك الحق تكليفا بما لا يطاق، لأنا نطيق معرفة ذلك الحق الذي استند بمعرفة الإمام من حيث قدرنا إذا كان غائبا لحوقه على إزالة خوفه، فإنه كان حينئذ يظهر ويبين ذلك الحق. وإذا كنا متمكنين من ذلك فهو متمكن (1) من معرفة الحق. ألا ترى أنا نقول: إن الله تعالى قد كلف الخلق طاعة الإمام والانقياد له والانتفاع به، وذلك كله منتف في حال الغيبة، فالتكليف له مع ذلك ثابت، لأن التمكن منه فينا قائم من حيث تمكننا من إزالة تقية الإمام ومخافته، فأي فرقة بين الأمرين. فإن قيل: فإذا كنتم تجيزون أن يكون الحق عنده في بعض المسائل وخاف عنا، ولم توجبوا ما أوجبه أصحابكم، من أن ذلك لو جرى لوجب ظهور الإمام على كل حال، ولم يبح التقية أو سقوط التكليف في ذلك الأمر المعين، فما الأمان لكم من أن يكون الحق في أمور كثيرة خافيا عنكم ومستندا بمعرفة الإمام، ويكون التكليف علينا فيه ثابتا للمعنى الذي ذكرتموه، وهو التمكن من إزالة خوف مبين هذا الحق لنا. قلنا: يمنع من تجويز ذلك إجماع طائفتنا وفيه الحجة، بل إجماع الأمة على أن كل شئ كلفناه من أحكام الشريعة على دليل وإليه طريق نقدر - ونحن على ما نحن عليه - على أصابته، ونتمكن مع غيبة الإمام وظهوره من معرفته. ولولا هذا الإجماع لكان ما قلتموه مجوزا. وهذا الإجماع الذي أشرنا إليه لا شبهة فيه، لأن أصحابنا الإمامية لما منعوا من كونه حق في حادثة كلفنا معرفة حكمها خفي عنا وهو عند إمام الزمان

(1) ظ: تمكن.

[ 313 ]

عليه السلام. وعللوا ذلك بأن هذا التقدير مزيل لتكليف العلم بحكم تلك الحادثة، قد اعترفوا بأن ذلك لم يكن، وإنما عللوه بعلة غير مرضية، فالاتفاق منهم حاصل على الجملة التي ذكرناها، من أن أحكام الحوادث والعلم بالحق منها ممكن مع غيبة الإمام، كما هو ممكن مع ظهوره. فأما إلزامنا تأخر حكم بعض الحوادث باستمرار تقية الإمام المتولي لها إلى يوم القيامة، فلا شبهة في جواز ذلك وطول زمانه كقصره في أن الحجة فيه على الظالم المانع للإمام من الظهور، لاستيفاء ذلك الحق وإزالة تلك المظلمة والإثم محيط، ولا حجة على الله تعالى ولا على الإمام المنصوب. فأما موت الظالم قبل الانتصاف منه وهلاك من الحد في جنبه قبل اقامته عليه فجائز، وإذا جرى ذلك بما عرض من منع الظالمين من ظهور من يقوم بهذه الحقوق المؤاخذون بإثم ذلك. والله تعالى ينتصف للمظلوم في الآخرة ويستوفي العقاب الذي ذلك الحد من جملته في القيامة كما يشاء. ولا بد لمخالفينا في هذه المسألة من مثل جوابنا إذا قيل لهم ما تقولون في هذه الحقوق والحدود التي لا يستوفيها الإمام إذا قصر أهل الحل والعقد لإمام يقوم بها، أو أقاموا إماما ولم يمكن من التصرف وحيل بينه وبينه، أو ليس هذا يوجب عليكم فوت هذه الحقوق، وتعطل هذه الحدود إلى يوم القيامة. فلا بد لهم من مثل جوابنا. إعزاز (1) الإمام وكف الأيدي عنه، فقد قلنا فيه ما وجب بعكس هذا السؤال على المخالف، فنقول لهم: كل علة لكم في وجوب الإمامة من طريق السمع، فإنه لا بد منها ولا غنى عنها يوجب عليكم إعزاز الإمام، حتى لا يضام ولا يمنع من التصرف والتدبير وكف الأيدي الظالمة عنه، وما رأيناه تعالى

(1) ظ: وأما إعزاز.

[ 314 ]

فعل ذلك عند منع الأئمة من التصرف فلا بد لهم من مثلا جوابنا. المسألة الثانية [ ما الحجة على من جهل الإمام واشتبه النص عليه ] وما جوابه أيضا أن قال ناصرا لما تقدم منه في تجويز الاستغناء عن الإمام، ما حجة الله تعالى على من جهل الإمام واشتبه عليه موضع النص. وقال: فإن قلتم: حجة العقل والنقل ولا بد لكم من الاعتراف بذلك. قيل لكم: إن ذلك كاف بنفسه غير محتاج إلى إمام عليه السلام. قال: فلا بد من نعم. فيقال لهم: فلم ما كان ذلك في كل ما له من حق كائنا ما كان؟ فإن قالوا: النقل مختلف والحجج متعارضة. قيل لهم: أنتم تعلمون أنكم تقدرون على إجابة هذا السائل المسترشد عن النص والإمام، بحجة فيه لا مخالف فيها، وبنقل متفق عليه لا تنازع فيه تجاهلتم وسئلتم في ذلك فلا تجدون إليه سبيلا. وإن قالوا: ولكن لا يتساوى الحق والباطل. قيل لهم: فقولوا ذلك في كل مختلف فيه واستغنوا عن إمام. الجواب: إعلم أن هذا الاعتراض دال على أن المعترض به لم يحصل عنا علة الحاجة العقلية إلى الإمام، وإنما يحوج الناس في كل زمان وعلى كل وجه إلى رئيس، ليكون لهم لطفا لهم في العدول عن القبائح العقلية والقيام بالواجبات العقلية، وأنهم مع تدبيره وتصرفه يكونون أقرب إلى ما ذكرناه، ولم يحوجهم إليه ليعلموا من

[ 315 ]

جهة الحق فيما عليه دليل منصوب، إما عقلي أو سمعي. فمن اشتبه عليه حق يتعلق بالامامة، فالحجة عليه ما نصبه الله تعالى على ذلك الحق، من دليل يوصل إلى العلم به، إما عقلي أو شرعي. وهكذا نقول في كل حق كائنا ما كان أن عليه دليلا وإليه طريقا. وليس الحجج في ذلك متكافئة، كما مضى في الكلام، كما أنه ليس في أدلة العقول على التوحيد والعدل والنبوة الحجج متقابلة متكافئة. والحق في كل ذلك مدرك لكل من طلبه من وجهه وسلك إليه من طريقه. وقد بينا في كتابنا (الشافي) في أن هذا القول لا يوجب الاستغناء عن الإمام في الأحكام الشرعية المنقولة، يجوز أن يعرض ناقلوها أو أكثرهم عن نقلها، إما اعتمادا أو شبهة، فيكون الحجة حينئذ في بيان الإمام لذلك الحكم، ويجري الإمامة والحال هذه مجرى النبوة في..... من الإمامة ما لا يمكن استفادته إلا من جهته. المسألة الثالثة [ كيفية العلم إلى الأحكام الشرعية غير المعلومة ] وما جوابه أن قال ويقال لهم: ما الحكم في صاحب حق يعلم من نفسه أنه ليس ينوي للإمام سوءا وأنه مطيع له متى قام وظهر وحقه مشكل، يعرفه هو ويجهله من عليه الحق، وقول الأمة مختلف فيه، ومن عليه الحق أيضا حسن الرأي في الإمام عازم على طاعته، وليس يصح له أن عليه حقا، ولو صح له لأداه، وهو لا يحتمل التأخير، لأن تأخير (1) بقية الغرماء يطالبونه بتوزيع ماله

(1) ظ: لأن بقية.

[ 316 ]

عليهم ولا مال له غيره أصح حق هذا أم بطل؟ وقال فإن قالوا: يمكنه أن يصل إلى الإمام ويسأله فيرجع إلى قوله أشيع هذا عنهم، وعلم بطلان ذلك من قولهم، يتعذر (1) قدرتهم عليه في المدة الطويلة من الزمان فضلا عن حال يضيق فيها الخناق ويلج الغرماء. وإن قالوا: يمكنه أن يعرف الحق أله أم عليه؟ قيل لهم: إذا كان هذا ممكنا بحجة سمعية وإن اختلف فيه، فلم لا جاز مثله في سائر الشرائع؟ وإن قالوا: يتأخر حكم هذه المسألة عن دار التكليف ويلزم صاحب الحق الكف عنه، ولا شئ على من منعه، ويكون العوض على الله سبحانه. قيل لهم: فجوزوا أصل ذلك أيضا فيما أشكل أمره، ويكون كل ما لم يتضح الحجج السمعية فيه بمنزلة ما لم يرد فيه سمع. الجواب: جواب هذه المسألة مستفاد من جوابنا في المسألتين المتقدمتين عليها. وقد بينا أنه لا حكم لله تعالى في الحوادث الشرعية إلا وعليه دليل، إما على جملة أو تفصيل. وفرض هذه المسألة على الأصل الذي بيناه باطل، لأنه فرض فيها أن من عليه الحق لا طريق إلى العلم بأن الحق عليه، وقد بينا أن الأمر بخلاف ذلك. فإن قيل لنا: هذه مكابرة، لأنا نعلم أن الحوادث غير متناهية، فأحكامها إذن غير متناهية، ونصوص القرآن محصورة متناهية، وما تروونه عن أئمتكم عليهم السلام الغالب عليه بل أكثره وجمهوره الورود من طريق الآحاد التي

(1) ظ: بتعذر.

[ 317 ]

لا يوجب علما، وعندكم خاصة أن العمل تابع للعلم دون الظن. وفيكم من يتجاوز هذه الغاية فيقول: إن أخبار الآحاد مستحيل في العقول أن يتعبد الله تعالى بالعمل بها. ولو كانت أيضا هذه الأخبار أو بعضها متواترا، لكانت أيضا محصورة متناهية، فكيف يستفاد منها العلم بأحكام الحوادث (1) لا تتناهى. قلنا: نصوص القرآن وإن كانت متناهية، فقد تدل ما يتناهى في نفسه على حكم حوادث لا تتناهى. ألا ترى أن النص إذا ورد بأنه لا يرث مع الوالدين والولد أحد من الوارث (2) إلا الزوج والزوجة. فقد دل هذا النص وهو محصور على ما لا ينحصر من الأحكام، لأنه يدل على نفي ميراث كل نسيب أو قريب بعدا من (3) ذكرناه وهم لا يتناهون. ولما قال الله تعالى (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (4) استفدنا من هذا اللفظ وجوب ميراث دون الأباعد، والأباعد لا يتناهون، فقد استفدنا من متناه ما لا يتناهى. وعلى هذا معنى الخبر الذي يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب، فتح لي كل باب منها ألف باب (5). فعلى هذه الجملة لا تخلو الحادثة الشرعية التي تحدث من أن يكون حكمها مستفادا من نصوص القرآن، إما على جملة أو تفصيل، أو من خبر متواتر يوجب

(1) ظ: حوادث.
(2) ظ: الوارث.
(3) ظ: ممن.
(4) سورة الأنفال: 75.
(5) رواه القندوزي في ينابيع المودة ص 77 ط إسلامبول.

[ 318 ]

العلم، وقلما يوجد ذلك في الأحكام الشرعية. أو من إجماع الطائفة المحقة التي هي الإمامية، فقد بينا في مواضع أن إجماعها حجة. فإن فرضنا أنه لا يوجد حكم هذه الحادثة في كل شئ ذكرناه، كنا فيها على حكم الأصل في العقل، وذلك حكم الله تعالى فيها إذا كانت الحال هذه. وقد بينا في جواب مسائل الحلبيات هذا الباب، وشرحناه وأوضحناه، وانتهينا فيه إلى أبعد غاياته، وبينا كيف السبيل إلى العلم بأحكامه، ما لم يجر له ذكر في كتبها مما لم يتفق فيه ولا اختلفت ولا خطر ببالها، بما هو موجود في كتب المخالفين، أو بما ليس بموجود في كتبهم، فهو أيضا كثير. وهذه الجملة التي عقدناها تنبيه على ما يحتاج إليه في هذا الباب وتزيل الشبهة المفترضة. المسألة الرابعة [ كيفية العمل بالأحكام المختلف فيها ] ما جوابه إن قال ويقال لهم: أنتم شيعة الإمام وخواصه ولا حذر عليه منكم، فكيف تعملون الآن إذا حدثت حادثة يختلف فيها الأمة وأشكل الأمر عليكم، أتصلون إلى الإمام ويستلزمه مع تحقق معرفته وعصمته (1). فإن قالوا: نعم كان من الحديث الأول، وعرف حال من ادعى هذا، وزال اللبس في أمره. وإن قالوا: نعمل على قول من يروي لنا عن الأئمة المتقدمين. قيل لكم: فإن لم تكن تلك الحادثة فيما فيه نص عنهم.

(1) لعل أسقط: وعصمته يجيب.

[ 319 ]

فإن قالوا: لا يكون ذلك، لأن لهم في كل حادثة نصا كان من عرق قدر فروعهم وكتب فقههم عالما ببطلان هذه الدعوى، لأن كتب أصحاب أبي حنيفة معلوم حالها ورأسا (1) يحدث مسائل غير مسطورة لهم، حتى يحتاج إلى القياس على ما عرفوا. وإن قالوا: نقيس على ما روي لنا عنهم، تركوا أصلهم وقولهم في إبطال القياس. وقيل لهم: فنحن نقيس على ما روي لنا عن نبينا صلى الله عليه وآله فنستغني فإن اختلفتا (2) عن إمام. وقيل لهم: مع ذلك أليس النقلة إليكم ليسوا معصومين، فإذا جاز أن يعملوا بخبر من ليس بمعصوم وسعوا (3) بنقلهم، فألا جاز أن يعلم صحة ما روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله بنقل من يثق به، فيستغني عن إمام. وكذلك إن قالوا من أهل (4) الإمام بالحادثة ونستعلم ما عنده. قيل لهم: أليس إنما نراسل عمن ليس بمعصوم، فإذا جاز أن تقوم الحجة لقول من ليس بمعصوم، فلم لا جاز ذلك في سائر أمر الدين ولا فصل. الجواب: قد مضى جواب هذه المسألة مستقصى في جواب المسألة التي قبلها، وقد بينا كيف يجب أن يعمل الشيعة في أحكام الحوادث فيما اتفقت الطائفة

(1) ظ: وربما.
(2) ظ: إن اختلفنا.
(3) ظ: وثقوا.
(4) لعل المراد: نراسل.

[ 320 ]

عليه أو اختلف، وكان عليه نص أو لم يكن، فأغنى ما ذكرناه عما حكي عنا مما لا نقوله ولا نذهب إليه من استعمال القياس أو مراسلة المعصوم. وإذا كنا قد بينا كيف الطريق إلى معرفة الحق في الحوادث، فما عداه باطل لا نقوله ولا نذهب إليه. المسألة الخامسة [ علة استتار الإمام وكيفية التوصل إلى أحكامه ] وما جوابه إن قال قائل إن الله تعالى أباح كثيرا من أنبيائه عليهم السلام الاستتار من أعدائه حسب ما علمه من المصلحة في ذلك، ولم يقتض حكمته إظهارهم، إذ ذاك بالقهر والإعزاز، ولا التخلية بينهم وبين أعدائهم الضلال. فكان سبب ما فات من الانتفاع بهم من قبل الظالمين لا من قبل الله سبحانه. قيل لكم: ولا سواء غيبة من غير شريعة تقررت يجب سعيدها وإمضاؤها وإزالة الشبهة عنها، والابانة عن عقابها، وكون هذه الغيبة بعد ظهور شائع ذائع قد ارتفع الريب، وانقطع العذر به، للمعلوم به ضرورة وحسا، وغيبة بعد شريعة تقررت يجب فيها ما تقدم ذكره من غير ظهور تشاكل ذلك الظهور في حكمه، لينقطع العذر به. فكيف يجوز أن يبيح الله تعالى للإمام الغيبة والاستتار، كما أباح بمن قبله وتمسك عن تأييدهم، والصفات مختلفة، والأسباب متضادة، وتدل أبنا (كذا) كم رفعتم عذر الإمام، وضيعتموه في الاستتار، لو أطبقت شيعته والنقلة عن آبائه على الضلال وأوجبتم عليه إذ ذاك الظهور ليصدق بالحق على كل حال، وذلك قولكم عند إلزامكم استغناء خصومكم بالنقلة، وإن كانوا غير معصومين

[ 321 ]

كاسفناكم (كذا) (1) بتغليبكم إذا كانوا كذلك. وما ذاك إلا لاختلاف الأسباب على ما بيناه. ولو وجب ذلك لوجب مثله على الأنبياء المستترين في حال استتارهم عن الأنام، وقد كانوا إذ ذاك مطبقين على الضلال. وبعد: فكيف أوجبتم ظهوره ورفعتم عذره عند ذاك على شرط التأييد له من الله تعالى، والمنع لإعدائه من الوصول، أم على وجه التخلية بينه وبينهم. فإن كان على شرط التأييد، فكيف أوجبتم تأييده عند ذلك ولم توجبوه عند استمرار الظلم وعدم حقية الحكم، وارتفاع العلم به، والنص عليه على وجه ينقطع به العذر، ويرتفع الخلاف فيه بين الكل، وتعطيل الحدود وحدود المعضلات والمشكلات. وإن كان على وجه التغرير منه بنفسه، فكيف وجب تغريره بها في ذلك، ولم يجب في هذا، وكيف يجب عليه من ذلك ما لم يجب على الأنبياء في حال الاطباق على الضلال، فهم على جملة التقية والاستتار قالوا أولا مهرب من الذي أردناه إلى ما قلناه ولا جوزناه. فقولوا ما عندكم فيه وأقربوه بالدليل الذي يتميز من الشبهة وبيانها في المعنى والصفة لنعمة منكم إنشاء الله تعالى. الجواب: أما الفرق بين تشريع استتار نبي بخوف من أمته، وبين استتار إمام الزمان، بأن النبي صلى الله عليه وآله قد تبين شريعته وأداها وأوضحها ومهدها في النفوس، فاستتاره غير قادح في طريق العلم بالحق.

(1) كذا في النسخة.

[ 322 ]

وليس كذلك استتار الإمام عليه السلام، لأن الأمر في الأحكام في حال غيبته مشكل غير متمهد ولا متقرر فغير صحيح والأمر بالعكس منه. لأن إمام الزمان عليه السلام لم يغب إلا وشريعة الرسول عليه السلام قد أديت ومهدت وتقررت، وأدى الرسول من ذلك ما وجب عليه، وبين الأئمة بعده من لدن وفاته إلى زمان الإمام الغائب (على جماعتهم الصلاة والسلام) من شريعته ما وجب بيانه، وأوضحوا المشكل وكشفوا الغامض. فاستوى الأمران في جواز الغيبة مع الخوف على النص ما روى كثير من المعتزلة يذهبون إلى أن الله تعالى لو علم أن النبي عليه السلام الذي بعثه ليؤدي الشريعة ما لا يمكن علمه إلا من جهة يخصه الله على نفسه، ويقتلونه إن أدى إليهم ما حمله، وعلم أنه ليس في المعذور ما يصرفهم عن قتله من لطف وما يجري مجراه مما لا ينافي التكليف. فإن الله تعالى يسقط عن أمته التكليف الذي ذلك الشرع لطف فيه، ويجرون ذلك مجرى أن يعلم تعالى أن النبي المبعوث يكتم الرسالة لا يؤديها، وليس الأمر على ما ظنوه. وبين (1) الأمرين واضح لا يخفى على متأمل، لأن بعثه من لا يؤدي ويعلم من جهته أنه لا يتم الرسالة سد على الأمة طريق العلم بما هو مصلحة لها في الشرائع. [ و ] ليس كذلك إذا أخافوه على نفسه فاستتر وهو مقيم بين أظهرهم، لأنهم والحال هذه يتمكنون من معرفة ما هو لطف لهم من الشرائع، بأن يزيلوا خوفه ويؤمنون، فيظهر لهم ويؤدي إليهم. ففوت المعرفة هاهنا من جهتهم، وفي القسم الأول من جهة غيرهم على وجه لا يتمكنون من إزالته. فما النبوة في هذه المسألة إلا كالإمامة، ومن فرق

(1) ظ: وبون.

[ 323 ]

بينهما فقد ضل عن الصواب، وكيف يذهب عما ذكرناه ذاهب. وقد علمنا أن النبي صلى الله عليه وآله إذا حمل الرسالة، ولم ينعم أمته النظر في معجزه، واشتبه عليهم الأمر في صدقه: فكذبوه لا يقول أحد أن الله تعالى يسقط عن أمته التكليف فيما كان ما يؤديه لطفا فيه ويقتلون (1) في إسقاطه غير واجب، بأن اشتباه الحق عليهم في صدقه لا يخرجهم من أن يكونوا متمكنين من العلم بما فيه مصلحتهم من جهته، إنما أتوا من قبل تقصيرهم، ولو شاؤا لا صابوا الحق وعرفوا من جهة المصلحة. وهذا الاعتلال صحيح، وهو قائم في المسألة التي ذكرناها، لأن الأمة مع استتار النبي عليه السلام عنهم لخوفه على نفسه، يتمكنون من معرفة ما يحتاجون إليه من جهته، بأن يؤمنوه ويزيلوا مخافته. ولهذا يقول أهل الحق: إن اليهود والنصارى مخاطبون بشريعتنا مأمورون بكل شئ أمرنا به منها. فإذا قيل لنا: كيف يصح من اليهودي والنصراني وهو على ما هو عليه من الكفر الصلاة أو الصيام؟. كان جوابنا: إنه يقدر على الإيمان والمعرفة بصدق الرسول، فيعلم مع ذلك صحة الشريعة ووجوبها عليه، فيفعل ما أمر به. ولأنا نقول: إن تكليف الشريعة سقط عنه مع الكفر، للتمكن الذي أشرنا إليه، وهو قائم في الموضع الذي اختلفنا فيه. وعلى هذا الذي ذكرناه هاهنا يجب الاعتماد، فهو المحقق المحصل. وما مضى في آخر المسألة من الكلام في كيفية التأييد للإمام عليه السلام ومنع الأعداء منها، وهل يجب القطع على وجوب ظهوره على كل حال؟ إدا أطبق الخلق على ضلال، إلى آخر ما ختمت به المسألة. فقد مضى بيان الحق

(1) كذا في الأصل.

[ 324 ]

فيه في كلامنا، والفرق بين الصحيح فيه والباطل، فلا وجه لا عادته. المسألة السادسة [ علة عصمة الإمام عليه السلام ] ثم قال لا زال التوفيق بأقواله وأفعاله مقرونا: والذي يدل على عصمة الإمام أن علة الحاجة إليه هي جواز الخطأ وفعل القبيح من الأمة. قال: فليس يخلو الإمام من أن يكون يجوز عليه ما جاز على رعيته أو لا يجوز ذلك عليه. قال: وفي الأول وجوب إثبات إمام له، لأن علة الحاجة إليه موجودة فيه وإلا كان ذلك نقصا للعلة، وهذا يؤدي إلى إثبات ما لا يتناهى من الأئمة، أو الانتهاء إلى إمام معصوم، وهو المطلوب. وهذا كلام تشهد العقول الخالصة من أحكام الهوى بشرف معانيه وكثرة فائدته مع الايجاز فيه، لكن الحاجة إلى إسقاط ما يغني من الطعون غير موجودة عنها مندوحة. فما جواب من قال: قد تقدم فيما مضى من الكلام وجوه تدل على الاستغناء عن الإمام، سواء كان معصوما أو غير معصوم، إلا فيما وردت الشريعة بالحاجة إليه فيه. وقال: نحن نعلم أن الدلالة قد قامت على أن المعرفة بالله سبحانه غير مستفادة من جهته ولا من جهة الرسول عليه السلام. وذاك لأن العلم بصدقه لا يصح إلا بعد استكمال العلم والمعرفة بمرسله. وذلك لأنه ليس للمعجز الظاهر على يده حظ في المعرفة بمن أيده به

[ 325 ]

أكثر من إفادته أنه مبرز في القدرة على من عجز عنه وليس يفيد ذلك حكمته لأن سعة القدرة غير مؤدية إلى حكمة القادر. وكذلك لو صدقه قولا لم يكن تصديقه له دليلا على صدقه، إلا بعد العلم بأن مصدقه حكيم لا يسفه، وعالم لا يجهل، وغني لا يحتاج، لأن من يجوز ذلك عليه يجوز منه تصديق الكاذب وتكذيب الصادق، جهلا بقبح ذلك أو حاجة إلى فعله. فسقط أن يكون قول الرسول أو الإمام عليهما السلام طريقا إلى معرفة الله سبحانه، وبقي أن يكون مجئ الرسل بالشرائع والأئمة المستخلفين بعدهم داخل (1) في باب الألطاف. وإذا كان الإمام كذلك أمر الأمر بإقامته (2) من مصالح الدنيا، وأكثر ما فيه أن يكون كبعض الألطاف الشرعية، وما هذه سبيله لا يؤخذ بقياس عقل، بل هو كأصول الصلاة والزكاة وغيرهما. وإذا كانت كذلك، فجائز أن يستوي عند الله تعالى إيجابها وإسقاطها، فلا يتعبدنا بها، وأكثر ما في ارتفاعه مشقة في التكليف وتأخر بعض الحقوق، إلا أن يتولى الله تعالى الحكم بين عباده. وإن كان قد يمكن أن يكون بالضد من ذلك، فيكون ترك نصبه وإمامته تسهيلا وتيسيرا ونقصا من التكليف. فقد بان وجه الاستغناء عنه في المعرفة بالله سبحانه وقعي أنه إنما ينقل شريعة غيره، فلو أتى شئ (3) من قبله لم يقبل منه، وجرى مجرى الأمير والحاكم

(1) ظ: داخلا.
(2) لعل: كان أمر إمامته من.
(3) كذا في النسخة والظاهر: وبقي أنه إنما ينقل شريعة غيره فلو أتى بشئ الخ

[ 326 ]

وغيرهما ممن يكون تابعا لما حد له. فكما لا يجب عصمة هؤلاء فكذلك لا يجب عصمته. فأما الرسول صلى الله عليه وآله فهو حجة فيما لا يعلم إلا من جهته، فلا بد من أن يكون معصوما. وقال: فإن قالوا: لو لم يكن معصوما لجاز أن يبغي للدين الغوائل، ويبذر الأموال، ويستدعي إلى الضلال. قيل لهم: من فعل شيئا من ذلك لم يكن إماما ووجب صرفه والاستبدال به. فإن قالوا: يمكن (1) منعه إذا إمتنع وعن. قلنا لهم: إنما هو واحد واحد، فكيف تقاد جميع الأمة. فإن قالوا: أتممالاه (كذا) (2) الظلمة ومعونة الفسقة. قلنا: فعصمة الإمام لم يرفع ما خضتم، وإنما يجب أن يكون أهل البأس والنجدة والأموال والقوة معصومين، وإلا خرجوا مع غير الإمام على المسلمين، ولا ينفع عصمة الإمام وحده شيئا. فإن قالوا: ليس هذا أردنا، ولكن لو لم يكن معصوما جاز أن يعيش المسلمين فما لم يظهر (3)، بأن يصلي بهم جنبا أو يحامي حسدا، أو يسرق شيئا خفيا وغير ذلك. قيل لهم: هذا يجوز في الأمير والحاكم ومعلم الصبيان والقصاب الوكيل، ومن تزوجه ومتزوج إليه، لئلا يسرق الأمير بعض الفئ، والحاكم أموال الوقوف والأيتام، ويضرب المعلم الصبي لأن أباه أخر عنه أجره، ولئلا يذبح

(1) لعل: لا يمكن.
(2) كذا في النسخة ولعل. يساعده.
(3) ظ: يغش المسلمين فيما لم يظهر.

[ 327 ]

الشاة القصاب بعد حنفها، ولئلا يطأ الرجل امرأته وهي حائض، أو يستدعيها إلى بدعة، أو يواطئ الخنا واللصوص فيفتح لهم الذريب ليلا. فإن قالوا: فوق أيدي هؤلاء الإمام لا يد فوق يده. قيل لهم: إنما تكلمنا فيما يخفى ولا يظهر ولا يبلغ الإمام. وبعد فإن الإمام إنما يكون له يد بالدين ما استقام، فإذا فسق فكل يد فوق يده إن أردتم اليد التي تكون بالدين وإن أردتم التي تكون بمعونة الظلمة، فقد عاد الأمر إلى أنه يجب أن يكون أهل البأس والنجدة والأموال معصومين، وصارت المفسدة إنما هي بأقدارهم وتمكنهم، لأنهم إن لم يخرجوا مع هذا خرجوا مع غيره، فالقياس إذن يقتضي ألا يمكن الله أحدا ولا يبسط له في القدرة، لئلا يفعل ذلك. وقال: فإن قالوا: الاقتدار والتمكين تكليف. قلنا: والعقد لهذا تكليف مجدد، وليس يجب على الله منعه من المعصية، ولا أن يكلف إلا من علم أنه لا يعصي، كما لا يجب ذلك في سائر التكليفات. ولولا أن قول النبي صلى الله عليه وآله حجة على غيره لم يجب ذلك فيه. الجواب: أما دليلنا على وجوب عصمة الأئمة فقد حكي عنا في هذه المسألة على الوجه الصحيح الذي رتبناه عليه ب‍ (ثم)، وعقبه بكلام ليس باعتراض عليه في نفسه، لكنه اعتراض في وجوب الإمامة وجهة الحاجة إلى الإمام وهذا غير متعلق بدليل العصمة، لأن الكلام في وجوب الإمامة غير الكلام في صفات الإمامة. ثم ما طعن به على وجوبه غير صحيح، لأن المعرفة بالله تعالى وأنها لا يستفيد من جهة نبي ولا إمام علم يوجب بحق الإمام، فمتى (1) يرجع إلى حصول

(1) في هامش النسخة: نسي.

[ 328 ]

المعارف من جهته. بل أوجبناها لما قد تقدم بيانه من تعين الرئاسة لطفا في ارتفاع القبائح العقلية وفعل الواجبات العقلية. ومعلوم ضرورة أن الظلم والضيم إذ هما معللان مع وجود الرئيس القوي اليد النافذ الأمر، يقعان ويكثران مع فقده أو ضعف يده، وهذه إشارة إلى ما لا يمكن جحده ولا دفعه. وقد كان ينبغي لمن أراد أن يطعن في جهة وجوب الإمامة أن يتشاغل بما اعتمدنا عليه، لا بذكر المعرفة بالله تعالى وحكمته وعدله، فإن ذلك مما لم نعول عليه قط في وجوب الإمامة. فإذا كنا قد بينا جهة حاجة إلى الرئاسة عقلية لازمة لكل من كلف على كل حال، فقد سقط قول من يدعي أنها يجري مجرى الألطاف الشرعية والمصالح الدنيوية. فأما ما جرى في آخر هذا الكلام من قياس الإمام على الأمير أو الحاكم، وأنه كما لا يجب عصمتهما لا يجب عصمته فهذا لعمري هو كلام على دليلنا في وجوب العصمة وإن كان من بعد. والفرق بين الإمام وخلفائه من أمير وغيره في وجوب العصمة أما فإنما (1) أوجبنا عصمة الإمام من حيث لو لم يكن معصوما يوجب عصمته إلى إمام، كما احتاج إليه من هذه صفته، وفي علمنا بأنه لا إمام له ولا يد فوق يده، دلالة على أنه معصوم وعار من الصفة المفتقرة إلى إمام، وهي ارتفاع العصمة وجواز المعاصي. ولما جاز في الأمير ومن عداه أن يكون غير معصوم، كان له إمام يأخذ على يده، وهو إمام للكل، فبان الفرق بين الإمام والأمير.

(1) كذا في النسخة.

[ 329 ]

فأما ما تلى هذا الكلام به من التفرقة بين الرسول والإمام، بأن الرسول حجة فيما لم يعلم إلا من جهته، فذلك وجبت عصمته. فأول ما فيه أن انفراد الرسول بعلمه يقتضي عصمة ليست موجودة في الإمام لا يدل على نفي العصمة عن الإمام، لأنه غير ممتنع فرضا وتقديرا أن يكون في عصمة الإمام علة أخرى غير هذه العلة. وإنما يبقى الكلام في اقتضاء هذه العلة الموجودة مع الإمام عصمة، وقد بينا ذلك. ولو ساغت هذه الطريقة الباطلة لساغ المبطل أن يقول: قد ثبت أن الظلم قبيح لكونه ظلما، فيجب أن لا يكون الكذب قبيحا، لأنه ليس بظلم، فكيف يشتركان في القبح مع اختلافهما فيما اقتضاه فما يلزم في ذلك من الفساد لا يحصى. وبعد: فالعلة التي عللوه (1) بها عصمة الرسول موجودة في الإمام، لأنا قد بينا أن الإمام قد يكون حجة فيما لا يعلم إلا من جهته، إذا كتم الحق وانقطع النقل الذي هو حجة، فلم يبق إلا العصمة. فأما ما استوقف بعد هذا من أن الإمام لو لم يكن معصوما ليبغي للدين أهله الغوائل، وغش في كذا، وأخطأ في كذا، مما لا نقوله ولا نعول عليه في وجوب عصمة الإمام. ويلزم المعول على ذلك عصمة الأمراء والحكام، وكذلك خليفة الإمام أو النائب عنه (2). ومن استدل بهذه الطريقة التزموه وركبوه وأخطأ (3). وقد بينا الفرق بين الأمرين، وأن عصمة خلفاء الإمام غير لازمة على العلة

(1) ظ: عللوا.
(2) في الأصل: أو نائب عنه.
(3) ظ: وأخطاؤه.

[ 330 ]

الصحيحة التي اخترناها واعتمدناها. وما بنا حاجة في الاعتلال في عصمته بعلة فاسدة يلزم عليها كل أمر فاسد. وهذا كله مبين مشروح في كتابنا (الشافي). فإن قالوا: لا نسلم لكم أنكم (1) لا يد فوق يد الإمام على الإطلاق، لأن الإمام إذا عصى فللأمة أن يستبدل به. قلنا: لا خلاف بين الأمة في أن الإمام قبل أن يفعل ما يوجب فسخ إمامته لا إمام له ولا طاعة عليه، فلو كان غير معصوم في هذه الحالة لا يحتاج (2) إلى إمام فيها، لأن العلة المحوجة إليه قائمة فيه في هذه الحال. وقد علمنا أنه لا إمام له في هذه الإمامة (3) ولا طاعة لأحد عليه، فيجب أن يكون معصوما. ألا ترى أن رعية الإمام في جميع أحوالهم يحتاجون إلى إمام قبل وقوع المعصية منهم وبعدها، وفي زمان الصلاح والاستقامة وضدهما. لأن علة الحاجة موجودة فيهم على كل حال. والإمام على مذاهب خصومنا يجري في ارتفاع العصمة عنه مع حسن ظاهره واعتلال طريقته بمجرى صالح الأمة وعدولها، ومن هو منهم على ظاهر السلامة وخير الاستقامة. فكيف احتاج هؤلاء إليه مع استقامة ظاهره؟ وكيف انتظر في انبساطه إليه عليه؟ ووجوب طاعته لغيره أن يقع منه القبائح، ولم ينتظر في رعيته مثل ذلك. وهذه نكتة عجيبة لا انفصال للمخالف عنها.

(1) ظ: أنه.
(2) ظ: لا احتاج.
(3) ظ: الحالة.

[ 331 ]

المسألة السابعة [ عدم حاجة المعصوم إلى أمير ] هذه المسألة متضمنة لإنكار حاجة المعصوم إلى أمير، كأمير المؤمنين عليه السلام في حياة الرسول صلى الله عليه وآله والحسن والحسين في حياة أبيهما (صلوات الله على جماعتهم)، إذ كنا نعلل الحاجة إليه بجواز الخطأ على المحتاج. وقد أجبنا عن هذه الشبهة وأوضحناها في جواب المسألة التاسعة من المسائل الواردة في سنتنا هذه، وقلنا هناك فيها ما يستغني عن إعادته هاهنا، فإننا استوفيناه وحققنا، ونقرب الآن مثلا يزيل العجب عن هذا الموضع. قد علمنا أن من لا يحسن الكتابة مثلا يفتقر إلى من يعلمه إياها، فلو سألنا عمن احتاج في تعلم الكتابة إلى رجل بعينه لم احتاج إليه؟ وما علة حاجته إليه [ ما كان جوابه إلا أن علة حاجته إليه (1) ] فقد علمه بالكتابة. ثم فرضنا أن رجلا غيره حد (2) العلم بالكتابة احتاج إلى هذا الكاتب في تعليمه أحكام الفقه التي هو يحسنها، مضافا إلى الكتابة. وقيل لنا: علة الحاجة إلى هذا (3) الكتابة قد ارتفعت عن فلان، فكيف احتاج مع فقد العلم إليه؟ لما كان الجواب الأمثل ما أجبنا به في العصمة، وكنا نقول: علة الحاجة

(1) كذا في النسخة والظاهر زيادتها.
(2) ظ: فقد.
(3) ظ: هذه.

[ 332 ]

إليه في الكتابة مفقودة، والحاجة إليه فيها مرتفعة، وغير ممتنع مع ارتفاع علة هذه الحاجة أن يثبت علة حاجة أخرى إليه، فيكون محتاجا لعلة أخرى، ولا ينقص ذلك كون العلة الأولى علة. وقد بينا أيضا أن وجود الحكم بوجود العلة وارتفاعه بارتفاعها إنما يجب إذا وجب في العلة الحقيقية، دون ما هو مشبه بالعلل ومستعار له هذا الاسم، والنظر في كلامنا بحيث أشرنا إليه يغني عن استيناف جواب هاهنا. المسألة الثامنة [ علة جحد القوم النص على أمير المؤمنين عليه السلام ] فيما أورده عند السؤال له من أبعاد (1) الخصوم عصيان القوم الذين جحدوا النص فيه، مع طاعتهم المتقدمة فيما هو أشق على الأنفس منه. وذاك أنه (حرس الله مدته) قال: وأما التعجب من طاعتهم للنبي صلى الله عليه وآله في قتل الأبناء والأباء. فهو تعجب في غير موضعه، لأن لقائل أن يقول: إنهم أطاعوه من قبل في قتل النفوس وبذل الأموال لما علموا وجوب طاعته عليهم، ولم يدخل عليهم شبهة فيه ولم يطعه بعضهم فإنه لا يمكن ادعاء ذلك على جميعهم في طريق النص، لدخول الشبهة عليهم فيه وإن اختار (2) النص كلها الجلي منها والخفي يمكن دخول الشبهة على من يمعن النظر في المراد بها ويخفى عليه الحق حتى يعتقد بالشبهة أنها لا تدل على النص ولا يستفاد منها.

(1) ظ: استبعاد.
(2) ظ: أخبار.

[ 333 ]

ومن دخلت عليه الشبهة فاعتقد أنه لم ينص على إمام بعده، فهو لا يطيع من يدعي إمامته بالنص، لأنه يعتقد أن في طاعته معصية للرسول صلى الله عليه وآله وخروج عن طاعته. وهذا لا ينافي بذله نفسه وقتله أباه وابنه في طاعة الرسول صلى الله عليه وآله، لأنه إنما يبذل ذلك ويتحمل المشاق فيه لما اعتقد أنه طاعة له عليه فأما إذا اعتقد أنه معصية له فهو بحكم إيجابه على نفسه طاعة الرسول يمتنع منه ولا يدخل فيه. فما جواب من قال: إن مفهوم هذا الكلام يدل على أن الجحد من هذه الفرقة التي جحدت النص لم يقع إلا بالشبهة دون العناد. وهذا يدل على أن أعذارهم لم تكن انقطعت بعرفان مراد الناقص (1) وغرضه، وهذا لا يكون إلا التقصير من المخاطب لهم في أفهامهم. وإذا كنا قد استدللنا على أنه عليه السلام لم يرد بخبر تبوك (2) والغدير إلا للنص ونحن لم نخص سماعها (3)، ولا رأينا الإشارات التي قربهما (4) بها موضحة لمراده مولدة لبيانه، فأحرى ألا يخفى ذلك على من سمعه ورآه. فأما النص الجلي أيضا فيبعد أخفاء مراده أيضا فيه على مستمعيه بعدا زيد على بعده فيما تقدم ذكره. ولئن لم يكن الأمر هكذا ليكونن التقصير في الأفهام راجعا على النبي صلى الله عليه وآله، وقد نزهه الله عن ذلك، لأن ما يشتبه مراد المتكلم به فيه

(1) ظ: الناص.
(2) وهو الخبر المتواتر بين الفريقين من قوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
(3) ظ: سماعهما.
(4) ظ: قرنهما.

[ 334 ]

على سامعيه اشتباه تبلغ بهم إلى حد يجوزون. مع أنه متى اعتقد مكلف أن القول الدال عندنا على الإمامة، واللاحق بالأدلة التي لا يدخلها احتمال ولا مجاز دال على ذلك، كان عاصيا للرسول صلى الله عليه وآله مع تخصيصه بمشاهدة الآثار المؤكدة لبيانه، دون من صفته هذه، إلى أن يخرج عن حد المكلفين، ويسقط عنه الملامة في شئ من أمور الدين أقرب، بل ذلك أولى وهو فيه واجب، وليس القوم عندنا هكذا. فلا يبقى إلا أنهم قد فهموا ثم عصوا بعد البيان عنادا وتركا. هذا ما قد عرفناه من فائدة لفظ (النص) في لسان العرب، وأنه الإظهار والابانة، ولذلك شواهد منها قولهم (قد نص قلوصه) إذا أبانها بالسير وأبرزها من جملة الإبل، ونص فلان مذهبه: إذا أبانه وأظهره. وقول امرئ القيس: وجيد كجيد الريم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل فثبت أنه القول المنبئ عن المقول فيه على سبيل الإظهار والابانة. وقد اشتهرت مذاهب الطائفة أن رؤساء جاحدي النص لم يزالوا منذ سمعوه جاحدين له، لانطوائهم في حياة النبي صلى الله عليه وآله على النفاق حتى أخبر الله عز وجل عنهم بأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وأي حاجة بنا إلى التسليم للخصم أنهم أطاعوه من قبل فيما عدده من الانفاق بدنيا، وعصوا في النص بالشبهة، وهو لا يناسبها ما قد استمر في مذهبنا ومع التمكن من جهل الأفعال التي يموهون بحسن ظاهرها على ما يطابق ذلك لأن الله تعالى قد أخبر أنه لا يقبل إنفاقهم، إذ كانوا يفعلونه كارهين، وأخبر أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى.

[ 335 ]

والعقول دالة على أن اتباعه في الخروج عن وطنه وأوطانهم قد يمكن أن يكون لمعنى دنيوي، وأنهم قد علموا أو رأوا أمارات تدل على أنه صلى الله عليه وآله سيظهر على العرب وتولى دولته على الدول، فاتبعوه في حال الضراء، ليحظوا بالتقدم في الذكر والصب (1) والحظ منه في حال السراء، ويتوصلون بذلك إلى مرادهم، مع أمنهم به عند ظهوره على أنفسهم. وهذا كله مستقر في رؤساء جاحدي النص والسابقين إلى السقيفة والمتعاقدين فيها وقبلها على إزالة الحق من أهله، ومن سواهم فيمكن أيضا أن يكونوا جحدوا النص أيضا عنادا، بل ذلك الواجب في كل صحابي سمع أو رأى، ومال بعد ذلك إلى الدنيا ولحقته حمية الجاهلية الأولى، والأفعال التي عد أنهم فعلوها. وجوز بها ما استبعده الخصم، مثل ارتدادهم (2) من ارتد عن الدين، ومنع الزكاة، وقتل عثمان، وقتل أمير المؤمنين عليه السلام، وقتل الحسين عليه السلام، وخلع الحسن عليه السلام من قبله، غير متوجه شئ منها إلى رؤساء جاحدي النص، لبراءتهم في الظاهر منها. وإن كان الدليل عندنا قائما على أن القوم غير مخلصين من تبعات ذلك، لكونهم فاتحين لطريقة موضحين لسبيله. فقد بان أن دخول الشبهة في النص على مثلهم وعلى مثل طلحة والزبير أيضا غير جائزة، لأن طلحة والزبير لم يكونا من الشأن عن النبي صلى الله عليه وآله على حد يخفى عليهما معه مراده. فالشبهة إذن بمن سوى هؤلاء أولى، وأولى الناس بها من لم يطرق سمعه

(1) ظ: الصيت.
(2) ظ: ارتداد.

[ 336 ]

النص، ولا سمع المعارضة فيه. ولم أر الجواب مشتملا على تقسيم الجاحدين للنص وسعي تسليم الأفعال التي نزه الخصم بها بحسن ظاهرها عن أن يكون صدرت عن الرؤساء، وهم متدينون بها متحققون فيها الاخلاص لله سبحانه، بل على تسليم طاعتهم فيها، لارتفاع الشبهة عنهم في طاعة الرسول وعصيانهم في النص، لدخول الشبهة عليهم فيه، ويرث استزادة البيان منه، ومعرفة رأيه فيما اعتمدت عليه، وما أولاه بذلك مثابا إنشاء الله تعالى. الجواب: إعلم أن جحد النص على أمير المؤمنين (ع) عندنا كفر، والصحيح - وهو مذهب أصحاب الموافاة منا - أن من علمنا موته على كفره، قطعنا على أنه لم يؤمن بالله طرفة عين، ولا أطاعه في شئ من الأفعال، ولم يعرف الله تعالى ولا عرف رسوله صلى الله عليه وآله. وأن الذي يظهره من المعارف أو الطاعات من علمنا موته على الكفر إنما هو نفاق وإظهار لما في الباطن بخلافه. وفي أصحابنا من لا يذهب إلى الموافاة، ويجوز في المؤمن أن يكفر ويموت على كفره، كما جاز في الكافر أن يؤمن ويموت على إيمانه. والمذهب الصحيح هو الأول، وقد دللنا على صحته في كلامنا المفرد على الوعيد، وفي كتاب (الذخيرة). وعلى هذه الجملة ما أطاع على الحقيقة من جحد النص، ومات على جحوده النبي صلى الله عليه وآله في شئ من الأشياء، وإنما كان إظهار الطاعة نفاقا. وليس يمكن أن نقول: إن كل من عمل بخلاف النص بعد النبي صلى الله عليه

[ 337 ]

وآله كان في أيامه عليه السلام منافقا غير عارف به، لأن في من عمل بخلاف النص من عاد إلى الحق وتاب من القول بخلاف النص. وفيهم من مات على جحده، فمن مات على جحوده هو الذي نقطع على أنه لم يكن قط له طاعة ولا ايمان. ومن لم يمت على ذلك لا يمكن أن نقول بذلك فيه. وقولنا الذي حكي عنها (1) المتضمن أن جاحدي النص إنما أطاعوا النبي صلى الله عليه وآله في قتل النفوس، لما علموا أن ذلك واجب، ولما اشتبه عليهم مراده بالنص لم يطيعوه فيه. يجب أن يكون محمولا على أن من جحد النص ابتداءا، ثم اعتقده انتهاء وقبض على اعتقاده، هو الذي أطاع في قتل النفوس، للعلم بأنه طاعة، ولم يطلع (2) في النص للجهل بحاله ودخول الشبهة عليه، ومن جحد النص واستمر على جحوده إلى أن مات. كان معنى قولنا أنه أطاع في قتل النفس وتحمل المشاق، أنه أظهر الطاعة كما أظهر التصديق بالنبوة والعلم بصحتها، وإن لم يكن كذلك معتقدا ولم يظهر الطاعة في النص، كما أظهرها في غيره بجهله به ودخول الشبهة عليه، وهذا هو التحقيق لهذه الثلاثة. والذي جرى في أثناء المسألة من أنهم لو كانوا لم يعرفوا النص لشبهة دخلت عليهم، لكانوا معذورين غير ملومين، لكان التقصير عائدا على النبي صلى الله عليه وآله لم يفهمهم مراده، وتأكيد ذلك بما أكد به بعد شديد من سنن الصواب، واعتراض لا يعترض بمثله من توسط هذه الصناعة. لأن من قصر فيما نصب الله تعالى عليه من الأدلة إذا نظر فيما أفضى به

(1) ظ: عنا.
(2) ظ: ولم يطع.

[ 338 ]

نظره إلى العلم دخلت عليه الشبهات، حتى اعتقد الباطل وعدل عن الحق، يكون ملوما غير معذور. وكيف لا يكون كذلك؟ وله طريق إلى العلم، عدل بتقصيره عنه فاللوم [ عليه ] لا على ناصب الدليل. وهذا القول الفاسد يقتضي أن كل كافر بالله تعالى وجاهل بصفاته وعدله وحكمته، وشاك في نبوة أنبيائه وكتبه، معذور غير ملوم، ويكون اللوم عائدا على من نصب هذه الأدلة المشبهة التي يجوز أن تقع الشبهة في مدلولها. وهذه الطريقة الفاسدة تقتضي أن تكون المعارف كلها ضرورية، وإلا فالشبهة متطرقة، واللوم عمن ذهب عن الحق جانبا موضوعا. وإذا نصب الله تعالى على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام من الأدلة ما يجري مجرى ما نصبه على معرفته ومعرفة صدق رسله وصحة كتبه، فقد أنصف وأحسن. وإذا كنا لا ننسب المخالفين في المعارف كلها إلى العناد ودفع ما علموه ضرورة ونقول: إن الشبهة أمنهم (1) في جهلهم بالحق ونلومهم غاية اللوم ولا نعدهم، فغير منكر أن يكون دافعوا النص بهذه المثابة. ويريد من تأكيد الله تعالى للنص والطريق إلى معرفته أكثر مما فعله الله تعالى في طريق معرفته وعدله وحكمته وصدق رسله وسائر المعارف. وقد كنا رتبنا في كتابنا (الشافي) وغيره ما يجب اعتماده في قسمة أحوال النص وأحوال سامعيه ومعتقد الحق أو الباطل فيه. وقلنا: إن النص على ضربين: موسوم بالجلي، وموصوف بالخفي. وأما الجلي: فهو الذي يستفاد من ظاهر لفظه النص بالامامة، كقوله عليه

(1) ظ: منهم.

[ 339 ]

السلام (هذا خليفتي من بعدي) (1) و (سلموا على علي عليه السلام بأمرة المؤمنين) (2). وليس معنى الجلي أن المراد منه معلوم ضرورة، بل ما فسرناه. وهذا الذي سميناه (الجلي) يمكن دخول الشبهة في المراد منه وإن بعدت، فيعتقد معتقد أنه أراد بخليفتي من بعدي بعد عثمان، ولم يرد بعد الوفاة بلا فصل. وهذا التأويل هو الذي طعن به أبو علي الجبائي عليه مع تسليم الخبر. وقال قوم: إنه أراد خليفتي في أهلي لا في جميع أمتي. ويمكن أن يقال في خبر التسليم بإمارة المؤمنين، أنه أراد حصول هذه المنزلة له بعد عثمان، كما يهنأ (3) الوصي في حال الوصية بهذه المرتبة، وإن كانت تقتضي التصرف في أحوال مستقبله، ويسمي في الحال وصيا وإن لم يكن له التصرف في هذه الحال. وأما النص الخفي: فهو الذي ليس في صريحة لفظه النص بالامامة، وإنما ذلك في فحواه ومعناه، كخبر الغدير، وخبر تبوك (4)، والذين سمعوا هذين النصين من الرسول على ضربين: عالم بمراده عليه السلام، وجاهل به. فالعالمون بمراده يمكن أن يكونوا كلهم عالمين بذلك استدلالا وبالتأمل. ويجوز أن يكون بعضهم على (5) من شاهد الحال وقصد الرسول عليه السلام إلى خطابه بيانه ومراده ضرورة.

(1) رواه جماعة من أعلام القوم، راجع إحقاق الحق 15 / 197.
(2) رواه جماعة من أعلام القوم، راجع إحقاق الحق 15 / 222.
(3) ظ: يهنأ.
(4) وهو خبر المنزلة المتواتر بين الفريقين.
(5) ظ: علم.

[ 340 ]

ثم إن هؤلاء العاملين على ضربين: فمنهم من عمل بما علم واتبع ما فهم، وهم المؤمنون المتحققون. ومنهم من أظهر أنه غير عالم ولم يعمل بما علم، وهم الضالون المبطلون. وليس معنى قولنا (علم) أنه عليه السلام واجب الطاعة مستحق للإمامة، لأن ذلك لا يجوز أن يعلم قط من هو جاهل بالله تعالى وبالنبوة على ما تقدم ذكره. وإنما قولنا (علم) أنه استدل أو اضطر إلى أن النبي صلى الله عليه وآله قصد بذلك القول إلى إيجاب إمامته والنص عليه، وليس العلم بذلك علما بأنه إمام. ألا ترى أن كل مخالف لنا في الملة يعلم ضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله قصد إلى إيجاب صلوات وعبادات، وليس ذلك علما منه بوجوب هذه العبادات، بل بأن مدعيا ادعى إيجابها. فأما الجاهلون: فعلى قسم واحد، وهم الذين انفاذوا أين (1) ما لم يكن لشبهة إلى الباطل، وعدلوا عن الحق ضلالا عن طريقه، وهم بذلك مستحقون لغاية الوزر واللوم. ولسنا ندري ما الذي حمل من لج من بعض أصحابنا في القطع على أن جاحدي النص كلهم كانوا معاندين لم يعدلوا عن الحق بشبهة من غير فكر من غير هذا القاطع فيما يثمره هذا القول من الفساد. ونظن أن الذي حمل على ذلك أحد أمرين: إما أن يكونوا اعتقدوا أن من ضل عن الحق لشبهة دخلت عليه معذور غير ملوم ولا مستحق للعقاب، وأن المستحق للذم والعقاب هو الذي عدل عنه مع العلم. وهذه غفلة شديدة ممن ظن ذلك، وإلا لوجب أن يكون من ذهب عن الحق

(1) ظ: انقادوا أين.

[ 341 ]

بالشبهة في التوحيد والعدل والنبوة معذورا، لأنه ما علم ما انصرف عنه [ إلا ] بالشبهة الداخلة عليه. والأمر الآخر أن يكونوا اعتقدوا أن جحد النص والعمل بخلافه مع العلم به أعظم وزرا وأوفر عقابا من عقاب الذي لم يعمل به لجهله ودخول الشبهة عليه. وهذا أيضا غلط شديد، لأن من عرف النص وعمل بخلافه، إنما يعاقب على ذنب واحد، وهو العمل بخلاف ما وجب عليه منه، ولا يعاقب على جهله به. ومن جهل النص ثم عمل بخلافه يعاقب على جهله به وعمله بخلافه، فعقاب المخالفين في النص إذا كانوا إنما عدلوا عن العمل به بالشبهة، مع قيام الدليل وإيضاح الطريق، أعظم عقابا وأوفر لوما وذما. وما يجري الذاهب إلى ما ذكرناه إلا مجرى أبي علي الجبائي، لأنه كان يذهب إلى أن الأنبياء لا يجوز أن يقع منهم المعاصي مع العلم بأنها معاصي. ويحتمل معصية آدم عليه السلام على أنها وقعت منه، لأنه ظن أن المنهي يتناول عين الشجرة لا جنسها، ولو علم أنه منهي عن الجنس لما يقدم على المعصية. فقلنا لأبي علي: إنك قصدت أن تنزيه (1) النبي عليه السلام عن الإقدام بالمعصية مع العلم بأنها معصية، فأضفت إليه معصيتين، وهذه معصية يتقياق (كذا) (2) إلى معصية في التناول في عقاب معصيتين وذمهما أكثر من عقاب معصية واحدة، وقلة التأمل يذهب بصاحبها كل مذهب ويركب مع كل مركب. والذي مضى في خلال المسألة في اعتبار اشتقاق لفظ (النص) وأنه من

(1) ظ: أن تنزه.
(2) كذا في النسخة، ولعل الصحيح: يتناهى.

[ 342 ]

الإظهار، والاستدلال عليه بالبيت وغيره، وأن الإظهار للشئ ينافي دخول الشبهة. غير صحيح، لأن ما أظهر بنصب دليل عليه وطريق موصل إليه، من شاء سلك ووصل إلى العلم به. يقال: إنه قد نص عليه واستظهر وأظهر وإن جاز دخول الشبهة في المقصر على (1) النظر. ألا ترى عقابنا (2) لقوله إن الله تعالى قد نص على أنه لا يرى بالأبصار، بقوله جل وعز (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) (3) ومع ذلك فقد دخلت الشبهة في هذا النص على القائلين بالرؤية. حتى ذهب الأشعري إلى أن هذه الآية دليل على أنه تعالى يرى بالأبصار، ولم تخرج هذه الآية من أن تكون نصا، وإن اشتبه الأمر فيها على من لم يمعن النظر فيها، ولا يمكن أحدا أن يقول إن تقصيرا وقع منه تعالى في الأفهام. وكذلك نقول كلنا: إن الله تعالى قد نص في كتابه (4) على وجوب مسح الأرجل في الطهارة دون غسلها، والشبهة مع ذلك داخلة على جميع مخالفينا، حتى اعتقدوا أن الآية توجب الغسل دون المسح، ولم يخرج مع ذلك من أن يكون نصا على المسح، ولا كانوا معذورين في العدول عن الحق، من حيث اشتبه عليهم الأمر فيه. وكذلك نقول: الله تعالى قد نص على كثير من الأحكام المطابقة لمذهبنا في كتابه وصريح خطابه، وإن ذهب المبطلون في هذه النصوص عن الحق للشبهة،

(1) خ ل: عن.
(2) ظ: حقا بنا نقوله.
(3) سورة الأنعام: 103.
(4) بقوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) سورة المائدة: 6.

[ 343 ]

ولم تخرج النصوص من كونها نصوصا، ولا كان من خالف معذورا. وما مضى في المسألة من أن إظهار دافعي النص لاتباع الرسول صلى الله عليه وآله إنما كان للأغراض الدنيوية والتوصل بذلك إليها، فلا شبهة في أنه لا بد حينئذ من غرض، وإذا لم يجز أن يكون لهم غرض ديني، فليس إلا غرض دنيوي. إلا أنا قد بينا أن ذلك غير واجب في كل دافع للنص، بل في الداخلين الذين قبضوا على دفعه. ولم ننكر أيضا أن يكون في الجماعة من علم مراد النبي صلى الله عليه وآله بكلامه في حال النص ضرورة، لكنا منعنا من القطع على ذلك، وأن الجماعة كلها لا بد أن تكون كذلك. فأما طلحة والزبير فهما في دفع النص كغيرهما ممن يجوز أن يكون دفعه للشبهة، كما يجوز أن يكون دفعه مع العلم بمراد النبي صلى الله عليه وآله، والقطع على ذلك فيهما يتعذر كما يتعذر في غيرهما. والذي يقطع على علمهما به ومكابرتهما فيه ما أنكراه من بيعته عليه السلام بالامامة، ودعواهما أنهما كانا مكرهين وبينهما عليه في حربهما له. وليس إذا تعذر دخول الشبهة في موضع تعذر في غيره. وهذا كلامنا أطلناه، وبعضه كاف لما رأينا الايثار ببسطه وتحقيقه وتفصيله تاما. المسألة التاسعة [ علة قعود علي عليه السلام عن المنازعة لأمر الخلافة ] قال (حرس الله مدته) عقيب جوابه عن قول من أوجب أن يفعل أمير

[ 344 ]

المؤمنين عليه السلام عند العدول عنه، مثل فعل هارون عليه السلام لما ضل قوم موسى عليه السلام، بعبادة العجل، إذ كان من رسول الله صلى الله عليه وآله بمنزلته من موسى عليه السلام، وإلا نقص عن مثل ما نعلمه من الوعظ والزجر والانكار، حسب ما حكاه الله سبحانه عنه في قوله (يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري) (1). وأنه لو فعل ذلك لوجب على الله سبحانه أن يجعله مستفيضا متعذرا إخفاؤه وكتمانه، لقطع العذر به، كما فعل فيما قال هارون عليه السلام، وأن انتفاء ذلك دليل على بطلان ما يذهب إليه أن هارون عليه السلام إنما وعظ وأنكر وزجر لما لم يكن عليه من ذلك خوف على نفس ولا دين. فمن أين لكم أن أمير المؤمنين عليه السلام كان غير خائف من ذكره ذلك؟ وما أنكرتم أن يكون المعلوم ضرورة أنه عليه السلام مع ما جرى من خلاف الرسول صلى الله عليه وآله في عقد الإمامة لا بد أن يكون خائفا من إظهار الحق والموافقة عليه، لأن من صمم على مخالفة نبيه واطراح عهده لا ينجع فيه وعظ، ولا ينفع معه أذكار. وإنما ذلك من مكلفه ضار له غير نافع لأحد. قال: وفي هذه كفاية، فما جواب من قال: بأي حجة فرقتم بينه وبين هارون عليه السلام في حصول الخوف له وارتفاعه عن ذلك؟ وبأي دليل نفيتم ذلك عن هارون عليه السلام؟ والله عز وجل يحكي عنه أنه قال لأخيه موسى (يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) (2).

(1) سورة طه: 90.
(2) سورة الأعراف: 150.

[ 345 ]

وأي شاهد على خوف هارون عليه السلام آكد من هذا، ومع ذلك فلم يهمل ما تقدم ذكره لما رأى ما أنكره واعتمد الانكار بالقول، لتعذر الانكار عليه بالفعل. قال: ولو قال: ما قلتموه من أنه عليه السلام علم أن الوعظ والزجر والانكار لا ينجع، لما رأى من التصميم على مخالفة النبي صلى الله عليه وآله والاطراح لعهده، فكان ذلك مقيما لعذره في الامساك عنه مستمرا، لوجب بمثله أن يكون هارون عليه السلام قد أمسك أيضا، لما رأى من التصميم على المخالفة، والاطراح للعهد، والأشراك بالله سبحانه، والعبادة لمن ذوذ (كذا)، (1) والخلاف في هذا إن لم يزد على الخلاف في جحد الناس، فما يقصر عنه بل الأولى به. والظاهر الزيادة عليه وإن كان المعنى واحدا، لأن من جحد الإمامة فقد عصى الرسول صلى الله عليه وآله وجحده ومن أمره بالنص عليها، فينبغي أن لا يقصر الخوف منهم من خوف أمير المؤمنين عليه السلام عن هؤلاء. بل لو قال قائل: إن كشفه للأمر بالقول على مقتضى قولكم أن كثيرا منهم بالشبهة كان يؤذن لائحه بالنجاح لم يبعد، لأن الشبهة إذا انكشف (2) عن هذه الطائفة وجب له نصرتهم ومعونتهم، كما تحملوا المشاق في حياة النبي فيما هو أعظم مشقة من ذلك. ولو قال: إن خوف أمير المؤمنين عليه السلام كان أقل من خوف هارون على مقتضى قولكم أن النبي صلى الله عليه وآله أخبره أنه لن يموت حتى بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين لم يبعد. فقولوا مما عندكم فيه لنعلمه إنشاء الله تعالى.

(1) ظ: لمن دونه. والخلاف.
(2) ظ: انكشفت.

[ 346 ]

الجواب: إعلم إنا كنا قد ذكرنا فيما سلف من كتبنا أن المانع لأمير المؤمنين عليه السلام من المنازعة في الأمر لمن استبد به عليه ووعظه له وتصريحه بالظلامة منه، يمكن أن يكون وجوها: أولهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعلمه أن الأمة ستغدر به بعده، وتحول بينه وبين حقه، وأمره بالصبر والاحتساب والكف والموادعة، لما علمه عليه السلام من المصلحة الدينية في ذلك، ففعل عليه السلام من الكف والامساك ما أمر به. وهذا الوجه لا يمكن ادعاؤه في هارون عليه السلام، فلذلك تكلم وذكر ووعظ. وثانيهما: أنه عليه السلام أشفق من ارتداد القوم، وإظهار خروجهم عن الاسلام، لفرط الحمية والعصبية. وهذا فساد ديني لا يجوز المتعرض، لما يكون سببا فيه ودائما (1) إليه. وليس ذلك في هارون عليه السلام، لأنه يمكن أن يقال أنه ما علم أن في خطابه للقوم وإنكاره مفسدة دينية. وثالثهما: أنه عليه السلام خاف على نفسه وأهله وشيعته، وظهرت له أمارات الخوف التي يجب معها الكف عن المجاهدة والمناظرة. ولم ينته هارون في خوفه إن كان خاف إلى هذه الحال. وما حكي في الكتاب عنه عليه السلام من قوله (إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) (2) لا يدل على أنه انتهى في الخوف إلى تلك المنزلة فللخوف مراتب متفاوتة.

(1) ظ: دائبا.
(2) سورة الأعراف: 150.

[ 347 ]

ويجوز أن يكون هارون عليه السلام آمنه الله تعالى من القتل بالوحي، فإنه كان نبيا يوحى إليه، فأقدم على ذلك القول. وأما الجمع بين أمير المؤمنين عليه السلام وهارون في العلم بتصميم القوم على الخلاف واطراح العهد، فكيف لم يستويا في الوعظ والزجر؟ فالجواب عنه: أنهما وإن استويا في العلم بالتصميم، فغير ممتنع أن يكون مع أمير المؤمنين عليه السلام يأس من الرجوع منهم إلى الحق، لم يكن مع هارون عليه السلام مثله، وخوف على نفس (1) الناكثين والقاسطين والمارقين وإن أمن من الموت له في نفسه عليه السلام، فهو غير مؤمن له من وقوع ذلك بأهله وشيعته، وغير مؤمن أيضا من الذل والاهتضام، وهما شر من القتل وأثقل على النفوس. المسألة العاشرة [ سبب اختلاف دلائل الأنبياء عليهم السلام ] وأجاب - أجاب الله فيه صالح الأدعية في الدنيا والآخرة - عن الخبر الوارد عن ابن السكيت، وقد سأل الرضا عليه السلام عن سبب اختلاف دلائل الأنبياء، فأخبره أن كلا منهم جار (2) بجنس ما كان الأغلب على أهل عصره، فبرز فيه على كافتهم وخرق عاداتهم (3). بأنه خبر واحد وذكر حكم الآحاد، وأنها غير مؤثرة في أدلة العقول. ثم تبرع بتأوله على ما يطابق القول بالصرفة فقال: إن العرب إذا تأملوا

(1) في هامش النسخة: وخبره على قتال. ولعل الظاهر: وخوف على تنافس.
(2) ظ: جاء.
(3) بحار الأنوار 11 / 70 والحديث منقول هنا بالمعنى.

[ 348 ]

فصاحة القرآن وبلاغته، ووجدوا ما يتمكنون منه في عاداتهم من الكلام الفصيح يقارب ذلك مقاربة يخرجه من كونه خارقا لعادتهم فيه، وأحسوا نفوسهم بتعذر المعارضة، مع شدة الدواعي إليها وقوة البواعث عليها، علموا أن الله تعالى خرق عاداتهم، بأن صرفهم عن المعارضة التي كانت لولا الصرف متأتية. وهذا التأويل يقتضي أن المعجزة وخرق العادة، وسياقة الحديث لا يتضمن أنهم عجزوا، لأنهم صرفوا عما كان من شأنهم معارضته، بل لأنه برز عليهم كتبريز النبيين المتقدمين على أممهما فيما جاء به. الجواب: إعلم أن الذي تبرعنا بتأويل هذا الخبر عليه مستقر لا مطعن فيه، لأن كل واحد من الأنبياء لها اتين من أهل عصره، بأنه (1) تجانس ما تخافوا يتعاطونه اتين النبي صلى الله عليه وآله بإنزال القرآن عليه وإملائه [ أن من رام عليه وإعلائه ] (2) أن من رام معارضته من العرب، نعرف عنها مجرى الأمر على ذلك. وهذه أمانة له عليه السلام منهم ويبرز عليهم، لأنه لم يجر عادتهم بمثل ذلك، كما لم يجر مثل آيات الأنبياء المتقدمين، والمعجز هاهنا الخارق للعادة وإن كان الصرف عن المعارضة، فلهذا الصرف تعلق بالقرآن، من حيث كان صرفا عن معارضته. ويحمل لفظ الخبر الذي هو فاق منهم من عند الله تعالى من القرآن بما زاد به عليهم، وبرز على كافتهم، وأعجزهم عن الاتيان بمثله على أن المعنى ما زاد بالصرف عن معارضته عليهم، وبرز بذلك على كافتهم. ولفظة (أعجزهم)

(1) ظ: بآية.
(2) كذا في النسخة والظاهر زيادتها.

[ 349 ]

عن الاتيان بمثله بمذهب الصرفة أشبه وأليق، لأن ذلك يقتضي أنه لو لم يعجزهم عن الاتيان بمثله يفعلوا. ولو كان في نفسه معجزا ما جاز أن يقال: وأعجزهم عن معارضته. لأن معارضته في نفسها متعذرة، على أن قوله عليه السلام لا بد لكل منا من تأويله على ما يطابق مذهبه، والقول محتمل غير صريح في شئ بعينه. فمن ذهب إلى أن للاعجاز تعلق بالفصاحة تناولها (1) على أن المراد الفصاحة دون ألفاظه ومعانيه وحروفه. ومن ذهب إلى أن المعجز هو النظم، حمل ذلك على أن المراد به زاد نظمه عليهم. وصاحب الصرفة يقول: إنما زاد بالصرف عن معارضته عليهم. ويكفي أن يكون في هذا الخبر بعض الاحتمال المطابق مذهب الصرفة. فإذا قيل: فأي مناسبة بين الصرفة وبين ما كان يتعاطاه القوم من الفصاحة، وليس نجد على مذهبهم هاهنا مناسبة، كما وجدناها في آيتي موسى وعيسى عليهما السلام. قلنا: وأيضا مناسبة، لأنهم لما صرفوا عن معارضة القرآن بما يضاهيه في الفصاحة، صار عليه السلام كأنه زاد عليهم التي كانوا بها يدنون وإليها ينسون (2)، صار كتعذر مساواة السحرة بمعجزة موسى عليه السلام، وإن كان تعذر ذلك لأنه في نفسه غير مقدور لهم وهذا إنما تعذر للصرف عنهم حسب والتعذر مختلف والتعدد حاصل، فمن هاهنا حصلت المناسبة بين المعجزات.

(1) ظ: تعلقا بالفصاحة بتأويله.
(2) ظ: يدينون وإليها ينسبون.

[ 350 ]

المسألة الحادية عشر [ بحث فيما ورد في المسوخ ] تأول سيدنا (أدام الله نعمائه) ما ورد في المسوخ مثل الدب والفيل والخنزير وما شاكل ذلك، على أنها كانت على خلق جميلة غيره منفور عنها، ثم جعلت هذه الصور المسيئة على سبيل التنفير عنها، والزيادة في الصد عن الانتفاع بها. وقال: لأن بعض الأحياء لا يجوز أن يصير حيا آخر غير، وإذا أريد بالمسخ هذا فهو باطل، وإن أريد غيره نظرنا فيه. فما جواب من سأل عند سماع هذا عن الأخبار الواردة عن النبي والأئمة عليهم السلام بأن الله تعالى يمسخ قوما من هذه الأمة قبل يوم القيامة كما مسخ في الأمم المتقدمة. وهي كثيرة لا يمكن الاطالة بحصرها في كتاب. وقد سلم الشيخ المفيد (رحمه الله) صحتها، وضمن ذلك الكتاب الذي وسمه ب‍ (التمهيد) وأحال القول بالتناسخ وذكر أن الأخبار المعول عليها لم يرد إلا بأن الله تعالى يمسخ قوما قبل يوم القيامة. وقد روى النعماني كثيرا من ذلك، يحتمل النسخ والمسخ معا، فمما رواه ما أورده في كتاب (التسلي والتقوى) وأسنده إلى الصادق عليه السلام حديث طويل، يقول في آخره: وإذا احتضر الكافر حضره رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وجبرئيل وملك الموت. فيدنو إليه علي عليه السلام، فيقول: يا رسول الله إن هذا كان يبغضنا أهل البيت فأبغضه.

[ 351 ]

في ذلك، واستقصاء القول فيه إنشاء الله تعالى. فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأبغضه. فيقول جبرئيل لملك الموت: إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيته فأبغضه وأعنف به، فيدنو منه ملك الموت. فيقول: يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك، أخذت أمان براءتك تمسكت بالعصمة الكبرى في دار الحياة الدنيا. فيقول: وما هي؟ فيقول: ولاية علي بن أبي طالب. فيقول: ما أعرفها ولا أعتقد بها. فيقول له جبرئيل: يا عدو الله وما كنت تعتقد؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول له جبرئيل: أبشر يا عدو الله بسخط الله وعذابه في النار، أما ما كنت ترجو فقد فاتك، وأما الذي كنت تخافه نزل بك. ثم يسل نفسه سلا عنيفا، ثم يوكل بروحه مائة شيطان كلهم يبصق في وجهه ويتأذى بريحه. فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب النار، يدخل إليه من فوح ريحها ولهبها. ثم إنه يؤتى بروحه إلى جبال برهوت. ثم إنه يصير في المركبات حتى أنه يصير في دودة، بعد أن يجري في كل مسخ مسخوط عليه، حتى يقوم قائمنا أهل البيت، فيبعثه الله ليضرب عنقه، وذلك قوله (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل) (1). والله لقد أتي بعمر بن سعد بعد ما قتل، وأنه لفي صورة قرد في عنقه سلسلة، فجعل يعرف أهل الدار وهم لا يعرفونه. والله لا يذهب الدنيا حتى يمسخ عدونا مسخا ظاهرا حتى أن الرجل منهم لي مسخ في حياته قردا أو خنزيرا، ومن ورائهم عذاب غليظ ومن ورائهم جهنم وساءت مصيرا.

(1) سورة غافر: 11.
(2) أورد الرواية بتمامها عن الرسالة في البحار 45 / 312 - 313.

[ 352 ]

والأخبار في هذا المعنى كثيرة قد جازت عن الآحاد، فإن استحال النسخ وعولنا على أنه الحق بها، ودلس فيها وأضيف إليها، فماذا يحيل المسخ؟ وقد صرح به فيها وفي قوله (أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وجعل منهم القردة والخنازير) (1) وقوله (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) (2) وقوله (ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم) (3). والأخبار ناطقة بأن معنى هذا المسخ هو إحالة التغيير عن بنية الانسانية إلى ما سواها. وفي الخبر المشهور عن حذيفة أنه كان يقول: أرأيتم لو قلت لكم أنه يكون فيكم قردة وخنازير، أكنتم مصدقي؟ فقال رجل: يكون فينا قردة وخنازير؟! قال: وما يؤمنك لا أم لك (4). وهذا تصريح بالمسخ. وقد تواترت الأخبار بما يفيد أن معناه: تغيير الهيئة والصورة (5). وفي الأحاديث: أن رجلا قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) وقد حكم عليه بحكم: والله ما حكمت بالحق. فقال له: اخسأ كلبا، وأن الأثواب تطايرت عنه وصار كلبا يمصع بذنبه (6). وإذا جاز أن يجعل الله جل وعز الجماد حيوانا، فمن ذا الذي يحيل جعل حيوان في صورة حيوان آخر. رعاني الرأي لسيدنا الشريف الأجل (أدام الله علاه) في إيضاح ما عنده

(1) سورة المائدة: 60.
(2) سورة البقرة: 65.
(3) سورة يس: 67.
(4) راجع الدر المنثور 2 / 295.
(5) أورد العلامة المجلسي جملة منها في البحار 76 / 220 - 245.
(6) يمصح بذنبه: أي يحركه، كأنه يتملق بذلك.

[ 353 ]

الجواب: إعلم أنا لم نحل المسخ، وإنما أحلنا أن يصير الحي الذي كان إنسانا نفس الحي الذي كان قردا أو خنزيرا. والمسخ أن يغير صورة الحي الذي كان انسانا يصير بهيمة، لا أنه يتغير صورته إلى صورة البهيمة. والأصل في المسخ قوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين) وقوله تعالى (وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت). وقد تأول قوم من المفسرين آيات القرآن التي في ظاهرها المسخ، على أن المراد بها أنا حكمنا بنجاستهم، وخسة منزلتهم، وايضاع أقدارهم، لما كفروا وخالفوا، فجروا بذلك مجرى القرود التي [ لها ] هذه الأحكام، كما يقول أحدنا لغيره: ناظرت فلانا وأقمت عليه الحجة حتى مسخته كلبا على هذا المعنى. وقال آخرون: بل أراد بالمسخ أن الله تعالى غير صورهم وجعلهم على صور القرود على سبيل العقوبة لهم والتنفير عنهم. وذلك جائز مقدور لا مانع له، وهو أشبه بالظاهر وأمر عليه. والتأويل الأول ترك للظاهر، وإنما تترك الظواهر لضرورة وليست هاهنا. فإن قيل: فكيف يكون ما ذكرتم عقوبة؟ قلنا: هذه الخلقة إذا ابتدأت لم تكن عقوبة، وإذا غير الحي المخلوق على الخلقة التامة الجميلة إليها. كان ذلك عقوبة. لأن تغير الحال إلى ما ذكرناه يقتضي الغم والحسرة. فإن قيل: فيجب أن يكون مع تغير الصورة ناسا قردة، وذلك متناف. قلنا: متى تغيرت صورة الانسان إلى صورة القرد، لم يكن في تلك الحال انسانا، بل كان انسانا مع البنية الأولى، واستحق الوصف بأنه قرد لما صار على

[ 354 ]

صورته، وإن كان الحي واحدا في الحالين. ويجب فيمن مسخ قردا على سبيل العقوبة أن يذمه مع تغير الصورة على ما كان منه من القبائح، لأن تغير الهيئة والصورة لا يوجب الخروج عن استحقاق الذم، كما لا يخرج المهزول إذا سمن عما كان يستحقه من الذم. وكذا السمين إذا هزل. فإن قيل: فيقولون إن هؤلاء الممسوخين تناسلوا، وأن القردة في أزماننا هذه من نسل أولئك. قلنا: ليس يمتنع أن يتناسلوا بعد أن مسخوا، لكن الإجماع على أنه ليس شئ من البهائم من أولاد آدم ولولا هذا الإجماع لجوزنا ما ذكروا على هذه الجملة التي قررناها لا ينكر صحة الأخبار الواردة من طرقنا بالمسخ لأنها كلها تتضمن وقوع ذلك على من يستحق العقوبة والذم من الأعداء والمخالفين. فإن قيل: أفتجوزون أن يغير الله تعالى صورة حيوان جميلة إلى صورة أخرى غير جميلة بل مشوه منفور عنها أم لا تجوزون ذلك؟ قلنا: إنما أجزنا في الأول ذلك على سبيل العقوبة لصاحب هذه الخلقة التي كانت جميلة، ثم تغيرت. لأنه يغتم بذلك ويتأسف، وهذا الغرض لا يتم في الحيوان الذي (1) ليس بمكلف، فتغير صورهم عبث، فإن كان في ذلك غرض يحسن لمثله جاز.

(1) في الأصل: التي.

[ 355 ]

المسألة الثانية عشر [ الكلام في كيفية إنذار النمل ] هذه المسألة تضمنت الاعتراض على تأويلنا السابق فيما حكاه تعالى عن النملة والهدهد بقوله. أما الكلام فيما يخص الهدهد فقد استقصيناه في جواب المسائل الواردة في عامنا هذا، وأجبنا عن كل شبهة ذكرت فيه، ولا معنى لإعادته. فأما الاستبعاد في النملة أن تنذر باقي النمل بالانصراف عن الموضع، والتعجب من فهم النملة عن الأخرى، ومن أن يخبر عنها بما نطق القرآن به، من قوله (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) (1). فهو في غير موضعه، لأن البهيمة قد تفهم عن الأخرى بصوت يقع منها، أو فعل كثيرا من أغراضها. ولهذا نجد الطيور وكثيرا من البهائم يدعو الذكر منها الأنثى بضرب من الصوت، يفرق بينه وبين غيره من الأصوات التي لا تقتضي الدعاء. والأمر في ضرب الحيوانات وفهم بعضا عن بعض مرادها وأغراضها بفعل يظهر أو صوت يقع، أظهر من أن يخفى، والتغابي عن ذلك مكابرة. فما المنكر على هذا أن يفهم باقي النملة من تلك النملة التي حكي عنها ما حكى الانذار والتخويف فقد نرى مرارا نملة تستقبل أخرى وهي متوجهة إلى جهة، فإذا حاذتها وباشرتها عادت عن جهتها ورجعت معها.

(1) سورة النمل: 18.

[ 356 ]

وتلك الحكاية البليغة الطويلة لا تجب أن تكون النملة قائلة لها ولا ذاهبة إليها، وأنهما لما خوفت من الضرر الذي أشرف النمل عليه، جاز أن يقول الحاكي لهذه الحال تلك الحكاية البليغة المرتبة، لأنها لو كانت قائلة ناطقة ومخوفة بلسان وبيان لما قالت إلا مثل ذلك. وقد يحكي العربي عن الفارسي كلاما مرتبا مهذبا ما نطق به الفارسي وإنما أشار إلى معناه. فقد زال التعجب من الموضعين معا، وأي شئ أحسن وأبلغ وأدل على قوة البلاغة وحسن التصرف في الفصاحة من أن تشعر نملة لباقي النمل بالضرر لسليمان وجنده بما تفهم به أمثالها عنها، فتحكي هذا المعنى الذي هو التخويف والتنفير بهذه الألفاظ المونقة والترتيب الرائق الصادق. وإنما يضل عن فهم هذه الأمور وسرعة الهجوم عليها من لا يعرف مواقع الكلام الفصيح ومراتبه ومذاهبه. تمت المسائل وأجوبتها، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، حسبنا الله ونعم الوكيل.

[ 357 ]

جوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة

[ 359 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله. المسألة الأولى [ معنى توصيف الله تعالى بالإدراك ] في نفي كون الله مدركا، قال الذاهبون إلى ذلك: لو كان له سبحانه مثل صفة المدرك منا لم تقتضيها (1) إلا كونه تعالى حيا، كما أن ذلك هو المقتضي لها فينا، ولم يخل من أن يقتضي ذلك بشرط الحاسة وإعمال محل الحياة، أو من (2) غيرهما. والأول مستحيل على الله عز وجل، فيستحيل باستحالته عليه الادراك. والثاني يقتضي أن يصح إدراكنا المدركات من غير أن نعمل محل الحياة

(1) ظ: لم تقض.
(2) الظاهر زيادة (من).

[ 360 ]

لأن ما اقتضى ذلك حاصل فينا، وهو كوننا أحياء، ومعنى الحي في الشاهد سواء، إذ ليس يؤثر زيادة الحياة فيما أشركنا فيه من كوننا أحياء، كما لا يؤثر زيادة العلم فيما أشركنا فيه من كوننا عالمين ولا معتبرة (1) ولا كونه عز وجل حيا لذاته يؤثر في تغير صفته. ولا يسوغ القول بأن حلول الحياة يقتضي وقوع الادراك بها، لأن أعمال محل الحياة والحواس إما أن يحتاج إليهما في حصول صفة الدرك، أو لا يحتاج إليهما في ذلك. فإن كان المدرك يستحيل عليه الحواس، فيجب أن لا يحتاج إليها من يصح عليه الحواس، لأن ما ليس بشرط لا يدخله في أن يكون شرطا صحته على الموصوف. الجواب: إعلم أن الصفة لا تجوز أن تقتضي أخرى إلا بعد أن يكون الموصوف بهما واحدا، ولهذا لم يجز أن يقتضي صفة لزيد صفة لعمرو من حيث لم يكن الموصوف بهما واحدا، وكون الحي منا حيا صفة يرجع إلى جملته لا إلى أجزائه. يدل على ذلك أن أجزاء الحي وإن حلتها الحياة، فليس كل جزء منها حيا من حيث كانت هذه صفة ترجع إلى الجملة. وليس كذلك الحركة، لأن كل جزء من المتحرك محله الحركة متحرك في نفسه، لرجوع هذه الصفة إلى المحل. وقد علمنا أن حكم المحل مع الجملة، كحكم زيد مع عمرو، في أنه لا يجوز أن يوجب ما يرجع حكمه إلى المحل حكما للجملة. كما لا يجوز أن يوجب الصفة المختصة بزيد صفة مختصة بعمرو.

(1) كذا في النسخة.

[ 361 ]

ولما كان انتفاء الآفات عن الحواس وصحتها واستقامتها حكما يرجع إليها ولا يتعداها، جرى مجرى الحركة في أن حكمها مقصور على محلها من غير تعد إلى الجملة، فلم يجز أن يكون لانتفاء الآفات عن الحواس، فابر (1) من كون المدرك مدركا. ولما كان كونه حيا صفة يرجع إلى من يرجع إليه كونه مدركا، جاز أن يؤثر في كونه مدركا، لأنه إذا كان لا بد مؤثرة (2) ومقتضى لكونه مدركا، ولم يجز أن يكون صفات الحاسة مقتضية لذلك، فلم يبق إلا أن المتقضي هو كونه حيا، لأن أحدنا يقف كونه مدركا على كونه حيا وصحة حواسه. وإذا بطل أن يكون ما يرجع إلى الحواس مقتضيا لما ذكرنا، فليس المقتضي [ إلا ] هو كونه حيا. فأما كون صحة الحاسة شرطا هو فينا دونه تعالى، لاختصاص ما يقتضي كونه شرطا بنا واستحالته عليه تعالى. وإنما قلنا أن هذا الشرط يختص بنا، فلا يتعدى إليه، لأن أحدنا لو كان حيا لنفسه أو حيا بحياة معدومة، أو حيا بحياة لا يحله، لم يجب اشتراط صحة الحواس في كونه مدركا. ولما كان حيا بحياة، فصار محل الحياة آلة له في إدراك المدركات، إما بمجرد كونه محلا للحياة، أو بأن يحتاج المحل إلى صفة زائدة على كونه محلا للحياة، ككونه عينا، أو أنفا، أو أذنا. فقد عاد الأمر إلى أن اشتراط صحة الحواس وانتفاء الآفات عنها، إنما هو لأمر يرجع إلى الحياة ومحلها، فمن كان حيا لا بحياة بل بنفسه، مستغن عن هذا الشرط، لاستحالة مقتضيه فيه.

(1) كذا في النسخة ولعل: تأثير.
(2) ظ: من مؤثر ومقتض.

[ 362 ]

وليس يمتنع أن يتخصص الشرط بحي دون حي، وإنما يمتنع ذلك في المقتضي، لأن المقتضي هو المؤثر في الحقيقة، والشرط ليس بمؤثر وإن كان الحكم واقفا عليه. ولهذا جاز أن يكون الشرط غريبا من الموصوف وأجنبيا منه. ولا يجوز في المقتضي أن يكون كذلك وهما هو (1) نظير لهذه المسألة ومسقط للشبهة فيها. إنا كنا نقول: إن المقتضي لصحة الفعل هو كون القادر قادرا، ونحن نعلم أن أكثر أفعالنا يقف صحتها منا على وجود آلات وجوارح، ومن (2) لم يتكامل صفاتها لم يصح الفعل منا، وإن كان أحدنا قادرا. ألا ترى أن البطش لا يتم منا إلا بجوارح، والكتابة والنساجة لا يصحان إلا بآلات مخصوصة. وليس يحتاج القديم تعالى في صحة الأفعال منه إلى أكثر من كونه قادرا فقد خالفناه في الشرط وإن وافقناه في المقتضي، لما خالفناه في الوجه المقتضي للشرط فينا، وهو كون أحدنا قادرا بقدرة، لأن كونه قادرا على هذا الوجه هو السبب في حاجته في كثير الأفعال إلى الجوارح والآلات. ولما كان القديم تعالى قادرا بنفسه لا بقدرة، استغنى عن الآلات والجوارح، كما استغني في كونه مدركا عن الحواس وصحتها. فبان بهذه الجملة الجواب عن جميع ما تضمنه هذه المسألة، وإنا لا نقول على الإطلاق أن صحة الحواس وانتفاء الآفات عنها شرط في كون المدرك مدركا كما لا نقول على الإطلاق بأن ذلك ليس بشرط. بل نقول: إنه شرط فيما كان حيا بحياة، للعلة التي ذكرناها وأوضحناها

(1) الظاهر زيادة (هما هو) ولعل المراد أن المقتضي والمقتضي متحدان وأنهما غير غريبين.
(2) ظ: ومتى.

[ 363 ]

وليس بشرط فيمن لم يكن بهذه الصفة، واختلاف المشروط ما بيناه جائز بحسب الاختلاف في مقتضيها ومستدعيها، وهذا واضح. وهذا الكلام قد استقصيناه وأشبعناه في كتابنا المعروف ب‍ (المختصر) والكتاب المعروف ب‍ (الذخيرة) وانتهينا فيه إلى أبعد مراميه وآخر أقاصيه. وفي هذه الجملة المذكورة هاهنا كفاية. المسألة الثانية [ الاستدلال بالشاهد على الغائب ] في الاستدلال بالشاهد على الغائب قالوا ما تريدون بقولكم إن الحي الذي لا آفة به، أو يستحيل عليه الآفات، يجب أن يدرك المدرك إذا حضره؟ فإن قلتم: نريد بذكر الآفة فساد الآلات والحواس. قيل لكم: أفتعدون فقد الحواس من الآفات أم لا؟ فإن قلتم: لا. قيل لكم: كيف يكون فسادها آفة مانعة من الرؤية، ولا يكون عدمها مانعا من ذلك، إن جاز ذلك فجوزوا أن يدرك الواحد منا مع فقد الحاسة. وهذا يكشف عن فساد هذا الترتيب، إذ يشترطون في المشاهد شيئا ليس هو في الغائب وكان يجب لانتفاء هذا [ في ] الغائب، ألا تتوصلوا إلى إثبات هذه الصفة فيه بشرط ليس فيه، بل في الشاهد دونه تعالى.

(1) الصحيح: الملخص

[ 364 ]

الجواب: نفرض السؤال إنا إذا قررنا بأن عدم الحاسة آكد من فسادها في انتفاء الادراك وارتفاعه. قيل لنا: فيجب أن يكون القديم تعالى غير مدرك، لأنه لا حاسة له. والجواب عن هذا: إن فقد الحاسة إنما كان مخلا بالإدراك فيمن كان يحتاج إلى الحواس في الادراك كالواحد منا. وأما من لا يحتاج إلى الحواس في الادراك كالقديم تعالى، فلا يجب أن يكون فقد الحواس فيه مخلا بكونه مدركا. ألا ترى أن فساد الجوارح والآلات في الواحد منا يخل بكثير من أفعاله التي نحتاج فيها إلى تلك الجوارح والآلات، ولما كان فساد الآلة أو الجارحة في أحدنا مخلا بفعله، كان فقد الجارحة أو الحاسة آكد وأبلغ في الاخلال بصحة ذلك الفعل. وقد علمنا أن القديم تعالى لا جارحة له ولا آلة، ولا يجب لذلك أن يتعذر الفعل عليه، لأن وجود الآلة والحاسة، أو صحتهما إنما كانا شرطا في القادر بقدرة دون القادر لنفسه، وهذا مما تقدم بيانه في المسألة الأولى. فأما ذكر الشاهد والغائب فهو في غير موضعه، لأنا لا نوجب في الغائب كل ما نوجبه في الشاهد، إلا إذا اشتركا في العلة والموجب أو المقتضي. فأما على غير ذلك، فلا نلحق الغائب بالشاهد. ألا ترى أن أحدنا لا يكون فاعلا إلا بعد أن يكون جسما مؤلفا من جواهر مركبا وبعد أن يكون له رأس. وكلنا نثبت أن القديم تعالى يكون فاعلا وإن لم يكن بهذه الصفات، فقد خالفنا بين الشاهد والغائب، لما اختلف الأسباب والعلل. ولما لم يكن

[ 365 ]

أحدنا مفتقرا في كونه فاعلا إلا إلى كونه جسما مؤلفا، لم يجب أن نثبت كل فاعل بهذه الصفة. ولما كان أحدنا مفتقرا في كونه فاعلا إلى كونه قادرا، أثبتنا [ أن يكون ] كل فاعل في غائب وشاهد قادرا. وهذا أيضا مما بيناه وشرحناه في الكتابين المتقدم ذكرهما. المسألة الثالثة [ كونه تعالى مريدا ] في نفي كونه تعالى مريدا، قالوا: ليس يمتنع أن يكون الشرط في اقتضاء صفة الحي منا كونه مريدا هو كونه جسما يصح عليه المسرة، لأن في إرادة ما يدعو إليه الداعي ما يقتضي المسرة. ولذلك قلتم: إن تقديم الارادة يقتضي تعجيل المسرة، فلا يمتنع أن تكون الارادة المقارنة للفعل إن صح أنها تقارن أن تقتضي زيادة المسرة، لأن الشئ لا يجوز أن يكون في تعجيله تعجيل المسرة، وليس فيه نفسه مسرة، ولأن ما لا مسرة فيه لا بتعجيل (1) المسرة بتعجيله. وإذا لم يؤمن ذلك لم يكن لكم طريق يقطع به على إثبات صفة المريد وليس يجب أن يعرف العلة التي بها وقعت صحة الارادة على كون المريد جسما كما لا يجب أن يعلم ما لأجله كانت صفة الذات فيه تعالى تقتضي كونه عالما. الجواب: أول ما نقوله في هذه المسألة: إنا لا نطلق القول بأن كون الحي منا حيا

(1) ظ: لا تتعجل.

[ 366 ]

مقتض لكونه مدركا ومريدا، لأن ذلك يقتضي لكونه مؤثرا فيه، كما نقوله في اقتضاء كونه حيا لكونه مدركا. وإنما الصحيح أن نقول: كون الحي منا حيا يصحح كونه مريدا وكارها، والصحيح غير الاقتضاء. فإن قيل: فما المقتضي لكونه مريدا. قلنا: ورود الارادة بحيث يختص به غاية الاختصاص، إما أن يكون في قلبه كالواحد منا أو لا في محل، كالقديم تعالى. إلا أن للسائل أن يقول: ما أنكرتم أن يكون الشرط في الصحيح الذي ذكرتموه كونه جسما يصح عليه المسرة؟ والجواب: أنه لا نسبة بين كون الحي مريدا وبين كونه جسما يصح عليه المسرة، ولا تعلق لذلك بعضه ببعض، فكيف شرط في الصفة بما لا وجه لاشتراطه ولا جهة معقولة لتعلق تلك الصفة به؟ ولما اشترطنا في كون أحدنا مدركا صحة حواسه، ولم نشترط في كل مدرك، أحلنا على وجه معقول يختص بنا قد تقدم بيانه. فأما المسرة وهي السرور، والسرور هو اعتقاد منفعة تصل إلى المسرور، أو اندفاع ضرر عنه. ولهذا أحلنا أن يكون تعالى مسرورا من حيث لا يجوز عليه المنافع ولا المضار، وليس في إرادة ما يدعو إليه الداعي نفسها منفعة. وهذا غلط، لأن المنفعة لا تكون إلا مدركة، وما لا يدرك لا يصح أن يكون نفعا، والارادة غير مدركة. أو نقول: إن الارادة لا تتعلق إلا بما فيه نفع للمريد. وهذا باطل، لأن المريد قد يريد ما يضره وما ينفعه وما ليس بضرر ولا نفع. ألا ترى أنه قد يريد ما يعتقد أنه ينفعه، وهو على الحقيقة ضار له، وقد يلجأ إلى فعل ما عليه فيه مضرة فيريده، لأن الملجئ إلى الفعل يلجئ إلى

[ 367 ]

إرادته، والملجئ مريد لما يفعله. ألا ترى أحدنا إذا الجئ هربا من السبع إلى العدو على الشوك والخسك فهو مريد لذلك العدو وإن كان مضرا به. ومن قال: إن كون الحي منا مريدا مشروط بكونه جسما، ومنع من كونه تعالى قادرا من حيث لم يكن جسما، فإذا وقعت المحاسبة على أنه لا تعلق لكونه قادرا بكونه جسما، ولا مناسبة، نقل ذلك إلى كونه مريدا. والذي يوضح ما ذكرنا أن كون أحدنا مشتهيا لما كان لا يصح إلا على من يجوز عليه الانتفاع، لأن الشهوة لا تتعلق إلا بالمنافع، لم يجعل كون الحي حيا مطلقا مصححا لكونه مشتهيا، بل قلنا إن كونه حيا بحياة هو المصحح لكونه مشتهيا، ولم نقل مثل ذلك في تصحيح كون الحي لكونه قادرا عالما، من حيث لم نجد فيه ما وجدناه في كونه مشتهيا. فكذلك القول في كون الحي مريدا، أن المصحح له هو كونه حيا مطلقا دون كونه جسما، كما قلنا في كونه قادرا عالما. والذي اعتمده القوم في منع تقدم إرادة القديم تعالى على فعله غريبا (1) تضمنه السؤال من تعجيل المسرة، بل قالوا: إن تقدم الارادة فينا يقتضي توطين النفس وتخفيف الكلفة في الفعل المراد. وهذا الوجه لا يليق به تعالى، فلا وجه لتقديم إرادته. فأما ما ختمت به المسألة من أنه لا يجب أن يعرف ما لأجله وقعت صحة الارادة على كون المريد جسما، كما لا يجب أن يعلم ما لأجله كانت صفة الذات فيه تعالى تقتضي كونه عالما. فغير صحيح، لأن كون الحي منا حيا إذا كان مصححا لصفات كثيرة، منها

(1) ظ: غير ما تضمنه.

[ 368 ]

كونه قادرا وعالما ومريدا وناظرا ومشتهيا ومنتفعا ومستضرا، أو وجدنا (1) بعض هذه الصفات يصححها كونه حيا بغير شرط وبإقرار (2) ومنتفعا ومستضرا، لأن الشرط في ذلك يرجع إلى ما يقتضي كونه جسما. فأما كونه ناظرا، فالشرط في تصحيحها (3) لا يكون عالما بالمنظور فيه. ولهذا استحال أن يكون القديم تعالى ناظرا لوجوب [ كونه ] عالما لنفسه بكل المعلومات. وألحقنا صحة كونه مريدا بكونه قادر وعالما، وأن المصحح لهذه الصفة كونه حيا بالإطلاق. فإن ادعى مدع أن الشرط فيه كونه جسما، كما قلنا في الشهوة والمنفعة لم يكن لنا بد من أن نقول لهذا المدعي من عود هذه الصفة إلى الجسمية، واقتضاء صفته تعالى الذاتية لكونه عالما لا يشبه ما نحن فيه، لأنا ما عللنا اقتضاء كوننا عالمين وقادرين بمصحح هو الحياة، وإنما عللنا لما شرطنا في المصحح الذي هو كوننا أحياء ما لم نشترطه في آخر، ومثل ذلك لا بد من بيان وجهه. المسألة الرابعة [ مسائل تتعلق بالإرادة ] واعترضوا قولنا ليس يخلو ما خلقه الله تعالى في الانسان من العقل والسهو والقبيح ونفور النفوس من الحسن، مع أنه سبحانه لم يلجأه ولا أعياه من أن يكون تعالى فعل ذلك لغرض [ أو لغيره ] والثاني عبث، فيجب الأول، ولا غرض

(1) ظ: ووجدنا.
(2) ظ: وبعضها كونه حيا بشرط ككونه قادرا ومنتفعا الخ.
(3) ظ: تصحيحه أن يكون عالما.

[ 369 ]

في ذلك إلا أنه سبحانه أراد بذلك أن يطيع فيستحق الثواب. فإن (1) قالوا: لم زعمتم أن الأغراض هي الارادة، وما أنكرتم أنه تعالى فعل ذلك لغرض، والمعنى فيه أنه فعله للتعريض للثواب واستحقه المكلف بفعل الطاعة. وقالوا: فإن قلتم: فعل ذلك للتعريض للثواب يفيد الارادة، لأن قول القائل (دخلت الدار لأسلم على زيد) معناه أنني قصدت السلام على زيد. قيل لكم: ذلك لا يجب أن يفيد الارادة عندكم، وذلك لأنكم تقولون: إن الله تعالى خلق المنافع في الدنيا لينتفع بها الحيوان، ولم يرد انتفاعهم إذ هو مباح، والله تعالى لا يريد المباح في دار التكليف. وقالوا: فإن قلتم: قد أراد المنافع، فلهذا ساغ لنا أن نقول ما قلناه. قيل لكم: إنما أردنا أن نبين لكم أن قولنا لكذا لا يفيد الارادة لما دخلت عليه اللام لا محالة. وقد بان ذلك في قولكم أراد خلق المنافع لينتفع بها. قالوا أيضا: إن الله عز وجل إنما يؤلم الأطفال للمصلحة وللغرض، لأنه لو أولمهم للمصلحة فقط كان قبيحا، ومع ذلك لم يرد العوض في ذلك الوقت، ولا يجوز أن يريد من المكلف في ذلك الوقت فعل ما [ فيه ] الألم لمصلحة فيه، وإنما أراد ذلك عند نصب الدلالة العقلية والسمعية فقد بان أن لفظة اللام لا تفيد إرادة ما دخلت عليه لا محالة. قالوا: ثم يقال لكم: ما تريدون بقولكم خلقنا والشهوات فينا لغرض. فإن قلتم: نريد أنه أراد بذلك فعل الثواب. قيل: ليس من قولكم، لأن الارادة عندكم غير متقدمة للمراد.

(1) ظ: بأن.

[ 370 ]

وإن قلتم: نريد بذلك أنه تعالى خلقنا لنستحق الثواب. قيل: أفليس قد دخلت لفظة اللام ما ليس بمراد، لأن الاستحقاق ليس بفعل فيراد. قالوا: وإن قلتم: خلقنا وأراد بخلقنا فعل الارادة. قيل (1): الارادة للطاعة متقدمة على هذا الوقت، لأنه إنما أراد منا الطاعة حين أمرنا، ولو كان عز وجل قد أراد منا الآن الطاعة، لكان قد أراد الطاعة لنستحق للثواب، ولأن إرادته حسنة، وإلا لم يحسن الارادة للطاعة، وفي ذلك دخول لفظة اللام على ما لم يرد. وقالوا: فإن قلتم لنا: ما تريدون أنتم بقولكم إن الله تعالى خلقنا على صفة المكلفين لنستحق الثواب أو لنفعل الطاعة. قلنا: نريد بذلك الداعي، لأن قول القائل: دخلت الدار لأسلم على زيد. هو الذي دعاني إلى ذلك، إما بأن اعتقد حسنه، أو أن فيه منفعة، أو دفع مضرة يبين ذلك. أما لو تصورنا أن لنا في السلام على زيد فائدة ودعانا ذلك إلى دخول الدار وإلى السلام عليه، فدخلنا وسلمنا ونحن ممنوعون من الارادة، لكنا قد دخلنا الدار للسلام على زيد. وقالوا: فإن قلتم: كيف يكون استحقاقنا للثواب داعيا إلى خلقنا على معنى أن العلم به وتحسين لتأتينا على الطاعة وعظيم المنفعة فيه ينهو إلى خلقنا وخلق ما لا يتم الطاعة إلى يوم الاستحقاق عليها إلا معه، فيكون خالقا لنا لذلك، كما تقولون أنه يكون خالقا لنا ومريدا لخلقنا لذلك. ولو أنا فرضنا أن الله تعالى خلقنا على صفة المكلفين، وكان الداعي إلى ذلك ما ذكرناه من غير إرادة لما كان خلقة أيانا عبثا لا لغرض، فكيف يكون ذلك عبثا ولداعي الحسن فعله.

(1) في الأصل قبيل.

[ 371 ]

الجواب: إعلم أنني لما تصفحت هذه المسائل المتوالية المتعلقة بالإرادة المبنية على نفي كونه تعالى مريدا، لم أجد فيها حجة، مع قوله (أدام الله عزه) أن الذين تعلقوا بها لو أثارها دور وستقف. وحرض على الكلام فيما يتعلق بالإرادة ونفيها عن الله تعالى وإثباتها. وقد كان يجب فيمن كان مشغوفا بشئ أن يعرف ما قد قيل فيه من الحجج والطرق، ويفهم الأغراض فيها، ولا يذهب عنها جانبا، وإن كانت له شبهة في الحق كانت قوية، ولم أجود هذه المسائل المتعلقة بالإرادة. إلا أني قد أجبت في الكتب عنه، وزاده أصحابنا على نفوسهم (1) عند الكلام في الارادة، أو ما هو مبني على ما لا نذهب إليه ولا نقول به ولا يقتضيه أصولنا، فكأن المتعرض ظن من مذاهبنا غير صحيح، فاعترض عليه ما ليس بصحيح. وقد بينا في الكتاب (المخلص) (2) خاصة الكلام في أنه تعالى مريد مشروحا مستقصى، وزدنا على أنفسنا من الزيادات ما لا يهتدي إليه المخالفون، وأجبنا عنه باليمن (3) الواضح. وذكرنا أيضا في الكتاب المعروف ب‍ (الذخيرة) طرفا من ذلك قويا. وإذا كان الغرض في هذه نفي كونه تعالى مريدا، فيجب أن يقدم الأدلة على ذلك ويوضحها وشيوخها ذي (4) الأصل الذي عليه المعمول، ومع تمهده

(1) في الهامش: تقويتهم.
(2) الصحيح: الملخص.
(3) ظ: بالبيان.
(4) كذا في الأصل.

[ 372 ]

يسهل حل كل شبهة ودفع كل اعتراض. واعلم أن من خالفنا في كونه تعالى مريدا على ضربين، فمنهم من ينفي حال المريد عنه [ أو عنه ] (1) تعالى، ويدعي أن الحال التي يشير إليها يكون المريد مريدا لبيت (2) حالا زائدة على الأحوال المعقولة لنا، من كوننا عالمين أو ظانين أو معتقدين. ومنهم من يثبت هذه الحال زائدة على أحوالنا المعقولة، ويبقى كونه تعالى مريدا لشئ محضة، ويدعي استحالته فيه تعالى دوننا. وهو أبو القاسم البلخي ومن وافقه. والذي يدل على أن حال المريد متميزة من أحوال الحي أن أحدنا يجد نفسه عند قصده إلى الأمر وعزمه عليه على صفة متجددة لم يكن من قبل عليها ويعلم ذلك من نفسه ضرورة. ولهذا قلنا في الكتب: إن حال المريد معلومة ضرورة، وإنما الشك واقع في تمييزها من باقي أحوال الحي. وما العلم بكونه مريدا في التجلي والوضوح إلا كالعلم بأنه مدرك ومعتقد، فلا سبيل إلى رفع ما لم يعلم من هذه الحال. وإنما الكلام على المخالف في تمييزها من سائر أحوال الحي. ولا شبهة في تمييز هذه الحال التي أشرنا إليها من كونه حيا وقادرا ومدركا، ما أشبه ذلك من الأحوال. وإنما الشبهة في تمييزها من الدواعي التي هي العلم والاعتقاد والظن. والذي يدل على تمييز هذه الحال من الدواعي أن أحدنا قد يكون عالما بحسن الفعل وكونه إحسانا وإنعاما، ومع ذلك فلا يجد نفسه على هذه [ الحال ]

(1) كذا في النسخة والظاهر زيادتها.
(2) ظ: لست.

[ 373 ]

التي أشرنا إليها، وقد يتجدد كونه على الحال التي سمينا من كان عليها بأنه مريد وإن كان علمه بكون الفعل إحسانا (1) ومتقدما غير متجدد، وذلك القول في قضاء الدين داع إلى فعله. وقد يتقدم كونه عالما بهذه الصفة الداعية إلى الفعل وإن لم يكن مريدا، بل ربما كان كارها. ومما تبين انفصال هذه الصفة من الداعي متقدم (2) لهذه الصفة. ألا ترى أن علم أحدنا بأن الطعام يشبعه وهو جائع داع له إلى الأكل، فإذا علم ذلك أراد الأكل ثم فعله، فالداعي متقدم للإرادة، وهي تالية له ومطابقة كما أن الفعل تال للإرادة. وأجود ما قيل في هذا الموضع مما لم يخطر ببال المخالفين لنا في هذه المسألة، وإنما هو شئ زدناه على نفوسنا وأجبنا عنه، أن يقال: ما أنكرتم أن يكون الحال التي أشرتم إليها وسميتموها بأنها حال المريد هي راجعة إلى الدواعي، إلى (3) أنه ليس كل داع يؤثرها (4) ويحصل معه، بل يجعل هذه الحال هي الصالحة عند قوة الدواعي وبلوغها إلى الحد الذي لا بد معه من وقوع الفعل عقيبها، فلا يمكنكم أن تقولن (5): أنه قد يكون كذلك ولا يفعل الفعل، لأنكم تذهبون إلى أن الفعل يجب عند هذه الحال. والذي يحل هذه الشبهة: إنا قد علمنا أن أمورا متغايرة قد تتساوى في

(1) لعل الواو زائدة.
(2) ظ: المتقدم.
(3) ظ: إلا.
(4) ظ: يؤثر في الفعل.
(5) ظ: تقولوا

[ 374 ]

بلوغ الغرض الذي قد انتهت الدواعي إليه في القوة إلى الحد الذي لا بد من الفعل معه، ومع هذه الحال فإنه لا يجد نفسه على الحال التي أشرنا إليها إلا مع أحدها، والكل متساوي في تعلق الدواعي، لوجب (1) أن يجد هذه الحال مع الأمور المتغايرة. فلما اختصت هذه الحال مع عموم متعلق الدواعي، علمنا أنها متميزة من أحوال الدواعي. ألا ترى أن أحدا إذا دعاه الجوع الشديد إلى الأكل ومن (2) قويت دواعيه إليه على وجه لا بد معه من وقوع الأكل معه، قد يكون بين يديه رغفان كثيرة قربها من يده قرب واحد وصفاتها في أنفسها واحدة، فقصد إلى أحد دون باقيها، ويجد نفسه على كل حال مريدا مع بعضها دون سائرها، وإن كانت الدواعي القوية فتتعلق بالجميع تعلقا واحدا. فلو رجعت حال الارادة إلى حال الدواعي، لكان يجد نفسه قاصدا إلى الجميع ومريدا لأكل [ الجميع ]، كما أنه يجد نفسه عالما بأن كل رغيف يسد جوعته ويزول مضرته وهذا واضح. على أن قوة الدواعي إنما هي كيفية الحال التي يجب عنها، والكيفية وإن اختلفت فغير مقتضية لاختلاف الجنس والنوع. وأحدنا إذا تجدد كونه قاصدا إلى الشئ ومريدا له بعد تقدم دواعيه إليه، يجد نفسه على جنس لم يكن عليه من قبل. ويفرق بين ما يجد نفسه عليه إذا قويت دواعيه بعد ضعف وزادت بعد تقدم بقضائها (3)، والواحد منا يجد نفسه إذا أدرك بعد أن لم يكن مدركا أنه على جنس صفة لم يكن له من قبل.

(1) خ ل: يوجب.
(2) الظاهر زيادة (من).
(3) ظ: نقصانها.

[ 375 ]

فلو جاز أن يجعل هذه الصفة كيفية للأخرى، جاز ذلك في الادراك وفي سائر الصفات، وأن يؤد ما يجده إلى الكيفيات دون جنس الصفات، وهذا يفضي إلى الجهل، وإذا صح أن حال المريد منفصلة من سائر أحواله، بطل قول من نفي هذه الحال فينا وفيه تعالى. فأما البلخي فطريق الرد عليه أن نقول له: قد وافقنا على إثبات حال المريد لنا وتمييزها من باقي أحواله. وإذا كان المصحح لهذه الصفة كونه حيا، كما أن المصحح لكونه قادرا عالما كونه حيا، وجب أن يصح كونه تعالى مريدا، كما صح كونه قادرا عالما. وقد دللنا في جواب المسألة الأولى والثانية والثالثة من هذه المسائل على أن المصحح ما ذكرناه دون ما يرجع إلى جسميته وإلى الحواس. وأما قول البلخي في بعض كلامه: إن المريد هو القاصد بعينه إلى أحد الضدين اللذين خطرا بباله. فتعلل منه بالمحال، لأن المريد هو القاصد كما قال، إلا أن ذكر القلب والخطور لا معنى له، لأن الواحد منا وإن كان ذا قلب محله إرادته، فليس يجب في كل مريد أن يكون كذلك. وإذا عارض البلخي معارض فقال له: لا يصح أن يكون القديم تعالى عالما لأن العالم منا هو الذي يعتقد بقلبه ما علمه. أي شئ، ليت شعري كان يقول له؟ وهل يقيد (1) ذلك إلا بما أفسدنا كلامه؟ والذي يدل من بعد هذه الجملة على أنه تعالى مريد وجوه: أولها: إنا قد علمنا أن من حق العالم بما يفعله إذا فعله لغرض يخصه، وكان محلا بينه وبين فعل الارادة في قلبه أن يكون مريدا له، لأن [ ما ] يدعو

(1) ظ: يفسد.

[ 376 ]

إلى الفعل يدعو إلى إرادته. فقد ثبت أنه تعالى فعل العالم بغرض بخص العالم بداعية إلى الخلق العالم يدعوه إلى فعل إرادة خلقه، والمنع من الارادة يستحيل عليه تعالى، فلا بد من كونه مريدا لخلق العالم. وإنما شرطنا الشرطين اللذين ذكرناهما، لأن الارادة يفعلها أحدنا وإن لم يردها بإرادة أخرى، من حيث أن الداعي إليها هو الداعي إلى المراد، ولا ينفرد بداع يخصها. ألا ترى أن من دعى الداعي إلى الأكل، فإنه يفعل إرادة للأكل وإن كان لا يريد هذه الارادة، لأن داعي الأكل هو داع فيها داعي يخصها ومن أشرف على الجنة وأعجزه الله تعالى من أفعال القلوب، أو فعل فيه إرادة ضرورية لدخول النار لا يقع منه إلا دخول الجنة وإن لم يكن مريدا لدخولها، لأنه ممنوع من هذه الارادة. وثانيها: أنه قد ثبت كونه تعالى مخبرا وأمرا ومخاطبا، والكلام لا يقع على هذه الوجوه لوجوده، ولا حدوثه ولا جنسه ولا سائر أحواله، فلا بد من أن يكون على هذه الصفة التي يجوز أن يكون عليها تارة، ولا يكون أخرى لأمر من الأمور. وقد بينا أن صفاته كلها لا تؤثر في ذلك ولا صفات فاعله من كونه حيا ومدركا وعالما وقادرا ومشتهيا وناظرا، لأن المعلوم الواضح أن هذه الصفات لا تؤثر في وقوع الخطاب على تلك الوجوه، فيعلم لا محالة أن المؤثر هو كونه مريدا. وهذه الدلالة مستقصاة في الكتاب (الملخص) ومنتهى فيه إلى غايتها. وثالثها: أنه تعالى قد خلف فينا الشهوات المتعلقة بالقبائح، وتقرأ على المحسنات، ومكننا من فعل كل ما تشتهيه، ولم يعينا (1) بالحسن عن القبيح

ظ: ولم يمنعا.

[ 377 ]

لا يجوز أن يكون فعل ذلك لغير غرض لأنه عبث، ولا لغرض هو الاغراء بالقبيح لقبح ذلك، فلم يبق إلا أن يكون الغرض فيه التعريض فيه للثواب، بأن يفعل الواجب ويمتنع من القبيح، فلا بد من كونه مريدا لهذا الوجه دون غيره، وإلا لم يتخصص ما فعله لهذا الغرض دون غيره مع احتماله للكل. ورابعها: أنه تعالى لو لم يقصد بإيلام أهل النار والعقاب المستحق، لكان ظالما. وكذلك ما فعله بأهل الجنة من الثواب لا بد أن يقصد به فعل المستحق عليه منه، لأنه لا يكون مختصا بهذه الوجه (1) مع احتماله لغيره إلا بمخصص. وما يرد على هذين الدليلين الأخيرين ويعترض به عليهما يأتي في الكلام على ما جري في أثناء المسائل الواردة. ونعود إلى تصفح ما في المسألة: أما الالزام لنا أن يكون خلقه لنا لينفعنا بالثواب لا يقتضي الارادة، بل يكفي فيه الداعي إلى ذلك. فهو غير صحيح، لأنا قبل كل شئ لا نقول أن خلقه تعالى لنا لينفعنا، إنما كان بهذه الصفة لأجل أنه تعالى يريد منا الطاعة التي نستحق بها الثواب، لأنه تعالى في ابتداء خلقه للمكلف وقبل أن يكمل، قد خلقه لهذا الوجه، وهو في تلك الحال ما كلفه للطاعة ولا أرادها منه، فلا بد من أمر يقتضي توجه هذا الخلق إلى هذه الجهة التي عيناها من بين سائر الجهات التي يحتمل الخلق له يكون مخلوقا لها، وليس ذلك إلا إرادته تعالى كونه خلقا لهذا الوجه دون ما عداه من الوجوه. لأن الارادة عندنا تتعلق بالمرادات على وجوه مختلفة، وليست خارجة (2) في التعلق مجرى القدرة، بل تجري مجرى الاعتقادات. ولهذا تختلف الإرادتان

(1) ط: بهذا الوجه.
(2) ظ: جارية.

[ 378 ]

ومتعلقهما واحد إذا اختلف وجها تغايرهما. وقد اختلف هاهنا كلام الشيوخ: فقال قوم: يجب أن يريد إحداث الخلق بإرادة مفردة، ثم يريد بإرادة أخرى إحداثه لينتفع. وقال آخرون وهو الصحيح: أنه يكفي إرادة واحدة لإحداثه على هذا الوجه. ومن الذي قال: إن الأغراض هي الارادات حتى مكلف ومسألة الرد لذلك، ثم لو سلم لهم وإن كان غير صحيح، وأن الداعي والأغراض كافية في كون الفعل واقعا لها، ليس (1) قد بينا في كلامنا أن الداعي إلى الفعل داع إلى فعل الارادة له، وأنه لا يجوز أن يفعل أحد منا فعلا لغرض يخصه. وهو غير ممنوع من الارادة إلا ويفعل إرادة له، وأن ذلك معلوم ضرورة. فيجب على كل حال أن يكون تعالى مريدا لما فعله من خلقنا الذي غرضه فيه أن ينفعنا بالثواب في حال خلقه لنا، وقبل تكليفنا الطاعة التي نستحق بها الثواب. وقد مضى في خلال هذه المسألة من المسائل لأنه (2) عكس القضية، وقال: إرادة الطاعة متقدمة لهذا الوقت. وفي هذا عكس، فإن إرادته تعالى منا الطاعة إنما هي تحصل بوقت أمره تعالى لنا به وتكليفنا إياها، وهذا متأخر لا محالة عن الخلق، بل متأخر عن حال إكمال العقل المتأخر عن زمان الأحداث والخلق. وما مضى في أثناء المسألة من أنه تعالى خلق الحيوان الذي ليس بمكلف لينفعهم (3) بالفضل والغرض وإن كان تعالى ما أراد انتفاعهم، صحيح، وله

(1) ظ: أليس.
(2) ظ: أنه.
(3) ظ: لينفعه، وكذا انتفاعه.

[ 379 ]

أمثلة ظاهرة لا تحصى قد أوردناها في كتابنا. منها أن أحدنا يضع الماء على الطريق، لينتفع به المارة في ذلك الطريق وإنما يكون وضعه للماء متوجها إلى جهة انتفاع الناس به بالإرادة المتناولة له على هذا الوجه. ولا يجوز أن يكون المؤثر في إرادته بشرب (1) المارة في الطريق له، لأنه لا يريد ذلك، وإن كان وضعه للماء متوجها إلى هذا الوجه دون غيره. وقد يبحث أحدنا مائدة ليأكل هو وغيره من الناس عليها الطعام، ولا يجب أن يكون في حال بحثه لها مريدا من نفسه ومن غيره الأكل، وإنما توجه بحثها إلى هذه الجهة دون غيره بالإرادة المتناولة لتجارتها لهذا الوجه. وكذلك قد يخيط قميصه ليلبسه ولا يكون في حال خياطته مريدا لنفسه، ولو كان كذلك لوجد نفسه مريدا في الحال للبس. وكذلك قد يغرس نخلة أو شجرة وهو يماله من ثمرتها، وهو في حال الغرس لا يريد أكله منها ولا أكل غيره أيضا، وإنما كان الأغراس لهذا الوجه للإرادة المتناولة له على هذا الوجه. فأما ما مضى في المسألة من أن الله تعالى يؤلم الأطفال للمصلحة والغرض - إلى قوله: - فقد بان أن لفظة اللام لا تفيد إرادة ما دخلت عليه، فلا شبهة في أن الغرض بالفعل الذي قصد به إليه لا يوجب تعلق الارادة بذلك الغرض. فكيف ظن علينا أنا نذهب إلى ذلك حتى وقع التشاغل بالكلام عليه، وقد قلنا أن الغرض إذا كان هو الداعي إلى الفعل، فلا بد من إرادة يتناول الفعل عند حدوثه، حتى يكون لها مفعولا لهذا الوجه ومتوجها غيره. وقد بينا في كتاب (الذخيرة) وغيره أن الله تعالى لا يفعل الآلام بالأطفال

(1) ظ: شرب.

[ 380 ]

للعوض، وإن كان الغرض لا بد منه. وإنما الغرض في فعل الآلام بهم المصلحة ثم الغرض، ليخرج من كونه ظلما. وقد بينا مرادنا بقولنا (خلقنا وخلق الشهوات فينا لغرض) فلا معنى لتقسيم علينا غير صحيح وللأمة على ما نذهب إليه. فأما ما مضى في المسألة من قول السائل: فما تريدون أنتم بقولكم إن الله تعالى خلقنا على صفة المكلفين لنستحق الثواب - إلى آخر الكلام. فالجواب عنه قد مضى. ولا شبهة في أن علمه بانتفاعنا بالتعريض للثواب والانتفاع به داع له تعالى إلى خلقنا. إلا أنا قد بينا أن ذلك إن كان هذا الداعي، فلا بد من إرادة يكون بها هذا الفعل الذي هو الإحداث متوجها إلى هذا الوجه. وبينا أن ما دعى إلى الفعل يدعو إلى فعل إرادته، فإنه لا يجوز أن يكون من ليس ممنوع (1) من الارادة بفعل الفاعل للداعي من غير أن يريد، وأن ذلك معلوم ضرورة. ولا شبهة في أنه لو خلقنا وداعيه إلى خلقنا انتفاعنا بالثواب، وقدرنا أنه لا إرادة له تتناول خلقنا، لم يكن خلقه إيانا عبثا، لأن العبث ما لا غرض فيه. ولكن قد بينا أنه من المحال أن يدعوه الداعي إلى خلقنا لهذا الغرض وهو لا يريد خلقنا، إذا لم يكن ممنوع من الارادة، إلا أنه لا يجوز أن يقال في ممنوع من الارادة إذا فعل فعلا دعاه إليه داع أنه فعله لهذا، لأن هذا القول يقتضي أن يفعله توجها نحو ذلك الداعي، وهذا لا يكون إلا بالإرادة على ما تقدم بيانه. ثم يقال للمعترض بهذه الاعتراضات: كيف يكون خلق الله تعالى لنا؟ لينفعنا إنما أثر فيه داعيه، وهو علمه بكون انتفاعنا إحسانا البتة وإنعاما علينا،

(1) ظ: ممنوعا من الارادة يفعل الفعل للداعي - الخ.

[ 381 ]

وصار خالقا لهذا الداعي من غير إرادة لصاحب (1) الخلق ويؤثر فيه. وكيف يجوز أن يؤثر في فعل الحادث؟ حتى يجعله على بعض الوجوه أمر متقدم بل قديم، لأن الله تعالى عالم فيما لم يزل بحسن الاحسان. وإذا كان هذا الداعي هو المؤثر في أن خلقنا إنما هو الاحسان فقد أثر الأمر المتقدم في حال متجددة وهذا محال. ثم يلزم على هذا أن لو خلقنا الله تعالى وأراد مضرتنا، أن يكون خالقا لنا للانتفاع بالثواب، لأن الداعي إذا كان هو المؤثر في وقوع الفعل على الوجه الذي وقع عليه ولا يحتاج إلى إرادة، فلا فرق بين انتفاعها ووجودها غير مطابقة للداعي. ويلزم على هذا أن يكون لأحدنا إذا كان عالما بحسن الاحسان إلى زيد - وهو داع قوي إلى نفعه والاحسان إليه - أن يكون متى أعطاه درهما ولم يقصد لهذه العطية إلى الاحسان، أن يكون محسنا إليه، لأن داعي الاحسان حاصل، وهو المؤثر على ما ظنه مخالفونا. ويلزم أيضا أن لو قصد بإعطائه الدرهم غير وجه الاحسان من باقي الوجوه وهي كثيرة، أن يكون محسنا بذلك، لأن داعي الاحسان وهو المؤثر ثابت وهذا حد لا يبلغه محصل. فإن قيل: فهو لا يعطيه الدرهم على وجه غير الاحسان الابداع له إليه وهو المؤثر في عطيته. قلنا: إذا كان هناك داعيان مختلفان، فلم صارت هذه العطية المؤثر فيها أحدهما دون الآخر، وكل الداعيين (2) مؤثر على هذا القول، كان في وقوع الفعل على وجه دون آخر.

(1) ظ: تصاحب الخلق وتؤثر فيه.
(2) ظ: الداعيين.

[ 382 ]

المسألة الخامسة [ كيفية تعلق العقاب بالكفار في الآخرة ] واعترضوا قولنا أنه تعالى لو لم يرد بإيلام الكافرين في الآخرة ما يستحقونه من العقاب، ما انفصل ذلك من الظلم، وذلك لا يجوز. فإن قالوا: لم زعمتم أن ذلك لا ينفصل من الظلم إلا بالإرادة، وما أنكرتم أن ينفصل منه؟ إذ قوله لعلمه باستحقاقه له، فدعاه ذلك إلى فعله، كما أن هذا الداعي هو الذي فعل الارادة عندهم لعقابهم، وإذا كان هو الداعي إلى الارادة فهو الداعي إلى المراد، إذ كان الداعي إلى أحدهما هو الداعي إلى الآخر. قالوا: ثم يقال لكم: ما تريدون بقولكم قصد بإيلامهم ما يستحقون؟ فإن قلتم: عنينا بذلك إرادة الاستحقاق. قيل: ليس الاستحقاق بفعل فيراد. وإن قلتم: عنينا بذلك أنه أراد إيلامهم لأجل الاستحقاق قيل لكم: زدتم بقولكم لأجل الاستحقاق إرادة أخرى، وليس هذا من قولكم، وقد بينا أن الاستحقاق لا يراد. وإن قلتم: عنينا أنه أراد إيلامهم لأجل الاستحقاق. قيل لكم: فقد جعلتم المخصص هو كون الاستحقاق داعيا إلى الارادة، لأنه لو أراد إيلامهم فقط لم ينفصل من الظلم، وإنما ينفصل من الظلم بوقوع الارادة لأجل داعي الاستحقاق [ و ] في ذلك وقوع الكفاية بداعي الاستحقاق في التميز من الظلم. قالوا: فأيتين ذلك أنه سبحانه لو أراد إيلامهم للاستحقاق لما ذكروه لم يفعل هذه الارادة [ إلا ] لأنه عالم بحسنها وبحسن الايلام لما حسنت الارادة

[ 383 ]

[ له ] فبان أنه لا بد من الرجوع إلى هذا العلم، فما تنكرون أن يقف حسن الايلام عليه. قالوا ذلك الجواب عن قولكم: إن الثواب لا يتميز من التفضل إلا بأن يقصد به الاستحقاق، أو يقصد به وجه التعظيم. قالوا: على أن قولكم يقصد به وجه التعظيم لا يغني قصد إيجاد المنافع وقصد فعل التعظيم الذي هو القول وما يجري مجراه، ولسنا نسلم أن للمنافع وجوها غير مقارنة للتعظيم. الجواب: إعلم إنا قد بينا في الكلام المتقدم المسألة بلا فصل ما يبطل هذه الشبهة المذكورة في المسألة، لأن الكلام في أنه تعالى خلق الخلق لينفعهم، نظير الكلام في أنه تعالى أولم الكفار لما يستحقونه من العقاب. وقد بينا أن الداعي مجردة لا يؤثر في الارادة [ التي ] ادعى إليها حتى يجعلها على وجه دون آخر، وإنما الارادة قد بينا أن علمه عن النفع بالثواب لا يقتضي أن يكون خلقه لا لهذا الغرض، دون إرادة لصاحب خلق الخلق. فعلم أن علمه تعالى باستحقاق الكفار العقاب غير كاف في كون الايلام لهم في الآخرة مفعولا بهم لهذا الوجه دون الذي ذكره في هذه المسألة، يقتضي أن يكون الله تعالى المستحق للعقاب ظلما، لأنه إذا كان المخرج للضرر لكونه ظلما هو علم فاعله بأن المفعول به مستحق لذلك وإن لم يقصد إليه، فلا يصح إذن أن يظلم مستحق الضرر، وهذا يؤدي إلى أن أحدنا لا يصح أن يظلم أحدا قد تقدم استحقاقه للمضار لهذه العلة التي ذكرناها. وكان ينبغي أن يكون مستحقو الحدود في الدنيا والمضار بها، ليصح أن

[ 384 ]

يظلمهم ظالم، لأن العلم يستحيل ظلم مستحق لضرر، وهذا جاهل بلغ اليد. فكان يجب أيضا فيمن له دين على غيره، أن لا يصح ممن عليه العطية شيئا من ماله على وجه الاحسان والتفضل، لأنه إذا كان عليه بوجوب الدين الذي عليه داعيا إلى فعله، وهو كاف في كون العطية قضاء للدين ومؤثرا فيها من دون إرادة فلا بد من وجوب ما ذكرناه. وأن ذكرنا كل ما يلزم على هذا الموضع من الشناعات والمحالات إطالة، وفي هذا القدر كفاية. وقد بينا مرادنا بقولنا (أنه فعله للاستحقاق) و [ ما ] فسرناه أغنى عن تفسيره بما لا نذهب إليه، لأن الضرر فعل يمكن وقوعه على وجوه من جملتها الاستحقاق، فإنما يكون مفعولا للاستحقاق بإرادة متناول فعله على هذا الوجه. ولهذا لا نقول: إن كل [ ما ] يفعله البهائم والأطفال، ومن لا يصح منه الارادة والقصد لا يكون إلا بصفة الظلم، لأنه ضرر يعرى من إرادة تصرفه إلى بعض وجوه الحسن، أما الاستحقاق أو النفع أو دفع الضرر. والقول في الثواب وأنه لا يتميز من الفضل إلا بأن يقصد به وجه الاستحقاق كالقول فيما تقدم، لأن الثواب نفع والنفع قد يقع على وجوه، إما غير مقصود به إلى شئ، فيكون عبثا. وقد يكون متفضلا، فكيف ينصرف إلى جهة الاستحقاق دون التفضل ألا يقصد إلى ذلك، وهب تمكنوا من أن يقولوا أنه يكون الاستحقاق به على هذا الوجه. فإن قيل: تعري النفع من التعظيم يقتضي كونه إحسانا قلنا قد يتعرى من التعظيم ويكون عبثا، وقد يتعرى إيصال أحدنا النفع إلى غيره من التعظيم، فيحتمل أن يكون عبثا أو فرضنا، وإنما بالإرادة تقع على وجه دون آخر.

[ 385 ]

ثم لو قارن المنافع التعظيم وقصد بها إلى التفضيل أليس ما كان إلا تفضلا وإن قارنه التعظيم الذي قد جعلتم مقارنته له دلالة على أنه ثواب والتعظيم، وإن كان لا يحسن مقارنة إلا للمستحق فقد تقدر فعل مع المستحق، فإنه يقدر على أن يفعله كذلك وإن كان منه قبيحا. المسألة السادسة [ تأثير الارادة في الأفعال المستندة إلى الدواعي ] قالوا: ولو تصورنا واقفا بين الجنة والنار مضطرا إلى إرادة دخول النار وهو عالم بما فيها من المضرة وبما في الجنة من المنفعة لما جاز أن يدخل النار بل يدخل الجنة. وهذا يدل على أنه لا تأثير للإرادة إذا لم تستند إلى الداعي، فإذا ثبت ذلك لم يحل كون الباري تعالى مريدا أزلا، أما مع الداعي أو يجب أن يمنع الداعي. وهذا الأخير يقتضي أن يكتفي بالداعي في تخصيص الأفعال بالأوقات، وقد استندت الارادة إليه إن كانت إرادته غير تابعة للداعي لم عليكم أن يوحدونا (1) إرادة غير تابعة للدواعي، ومع ذلك يؤثر في تقديم الأفعال وتأخيرها. الجواب: إن الواقف بين الجنة والنار إذا كان مضطرا إلى إرادة دخول النار، مع علمه بما فيها من المضرة وما في الجنة من المنفعة لا يدخل النار، على ما مضى

(1) كذا في الأصل.

[ 386 ]

في المسألة، لأن الارادة إنما تؤثر في الأفعال إذا استندت إلى الدواعي، ولا تؤثر إذا كانت ضرورية. إلا أنا لا نقول في هذا الذي ذكرنا حاله: أنه دخل الجنة لأجل علمه بما فيها من النفع الذي هو الداعي، لأن فعله الذي هو الدخول لا يصح أن يقال أنه فعل لكذا إلا بإرادة يصاحبه. وهذا ممنوع عن الارادة. وقد بينا أن الداعي غير كاف في وقوع الأفعال على الوجوه التي تقع عليها، فلم يبق إلا أن يقال: إذا جاز أن يفعل من ذكرتم حاله الدخول بالداعي من غير إرادة، فألا جاز في القديم مثل ذلك. والجواب: إن الممنوع من الإرادة إنما اكتفى بالداعي في وقوع الفعل لأنه غير متمكن من الإرادة، وإلا فالداعي إلى دخول الجنة هو بنفسه داع إلى إرادة دخول الجنة، وإذا امتنع من فعل إرادة الدخول مانع كان الداعي كافيا في وقوع الفعل. إلا أنا لا نقول: وإن وقع الدخول أنه فعل الداعي الذي هو النفع المعلوم حصوله في الجنة، لأن هذا القول يقتضي أن الدخول فعل لهذا الوجه، وإنما يكون كذلك بالإرادة بالداعي على ما بيناه، ومن كان ممنوعا من الإرادة لا يقال أنه فعل لكذا، وقد تقدم شرح هذه النكتة وبيانها. المسألة السابعة [ الدليل على كونه تعالى مريدا ] ومما يدل على ذلك أن كونه تعالى مريدا لا يخلو من أن يكون [ يتبع ] الداعي ولا يتبع الداعي، فإذا استحال كلا الأمرين استحال كونه على صفة

[ 387 ]

المريد منا. وإنما قلنا أنه لا يجوز أن [ لا ] يتبع الداعي بتة، لأنه لو لم يتبعه لكان مريدا لنفسه أو المعنى قد تم أولا متعلل بوجه من الوجوه. وكل ذلك بطل بما قد ذكرتم في مواضعه. ولو يتبع الداعي لكان إما أن يكون حصل مريدا لداع أو لا لداع، والثاني باطل، لأنه عبث، ولأن ما يتبع الدواعي لا يجوز أن يقع من العالم به إلا لداع كسائر الأفعال. ولو حصل لداع لم يخل من أن يكون الداعي راجعا إلى الفعل، أو إلى المفعول به، أو إلى الفاعل، ولا يجوز أن يرجع إلى الفعل، بأن يكون مؤثرة فيه، لأنها لو أثرت فيه لأثرت في وجوده، أو في وقوعه على وجه دون وجه. ولو أثرت في وجوده لكانت أما أن تؤثر فيه، بأن يحصل للفعل بها، أو بأن تدعوا إليه وتبعث عليه، فالأول يكفي فيه كون القادر قادرا، والثاني يكفي فيه الداعي. ألا ترى أنا لو تصورنا حصول الداعي مع القدرة من غير إرادة يصح وقوع الفعل، ولذلك وقعت الإرادة من غير إرادة، ولا يجوز أن يؤثر في وقوع الفعل على وجه دون وجه، لأن إرادة الحدوث لا تؤثر في ذلك. لأنا قد بينا أنه ليس يقع الفعل على وجه يؤثر بالإرادة وغيرها، وأن المرجع بالأمر والخبر إلى الصيغة مع الدواعي، وبيان ذلك في مواضعه يغني عن إيراده الآن. وليس يفعل في الإرادة غرض يرجع إلى المفعول له، إلا أن يقال: إن الحي يسر إذا أراد الله فعل المنافع لينتفع بها، وهذا الغرض يكفي فيه أن يعلم أن نفعه داعيه إلى الفعل، وإن لم يكن هناك إرادة.

[ 388 ]

على أن أصحابنا يقولون: إن الله تعالى أراد انتفاع الخلق بالمنافع فيمكن أن يقال: إن الغرض بذلك سروره. وإنما يقولون: إنه أراد إحداث المنافع للانتفاع ويعنون كداعي الانتفاع. وهذا رجوع إلى الداعي، لأنه سبحانه لو أراد وإحداث المنافع لا ينتفع بها لم تحصل المسرة إن حصلت بذلك، فإنما تحصل بالداعي لا بالإرادة. على أن هذا الغرض ليس بحاصل في خلق المنافع للبهائم. وأما الأغراض الراجعة إلى الفاعل، فهي أن ليس بالإرادة، يتعرض (1) بها من تعجيل الفعل إلى الانسان يجد (2) ذلك من نفسه وهو يستحيل في الله. ولهذا لا يريد الانسان في حال الفعل، لأنه لا يجوز الاعتياض مما هو موجود، وأيضا فإن الإرادة كالطلب للفعل، ولا يجوز طلب الموجود. وعلى هذه المسألة كلام كثير، قد اعترض دليل الخبر والأمر والنهي، وقد أضربت عليه من ذكره لأجل انتشار الكلام، ولحضر بعض ما رووه (3) وأورد بعضه لفظا ومعنى، وعالي الرأي له في تأمله والأنعام بما عنده إنشاء الله تعالى، وذكر ما عنده فيه من أهم الأمور، لأن سوقه هاهنا - أعني بلاد مصر والشام - نافعة جدا، والقائلون به قد كثروا أيضا. والله بعونه يورد على وليه من جهته ما يكون للشبهة حاسما، وله من يسلطها عليه عاصما، ووليه الآن يستأنف الأسؤلة عن مهمات ينتجها فكره لفظا ومعنى، ولم نجد لغيره في معناها قولا فمن ذلك.

(1) خ ل: يتعوض.
(2) في النسخة: يحد.
(3) خ ل: ردوه.

[ 389 ]

الجواب: إعلم أن كونه تعالى مريدا تابع للداعي لا محالة، لأن ما دعاه تعالى إلى أفعال يدعوه إلى فعل الإرادة لها. لأنا قد بينا أن داعي الفعل والإرادة واحد لأن ما دعى زيدا إلى الأكل يدعوه إلى فعل إرادة الأكل. وهذه الإرادة مؤثرة في الفعل، لأنه بها ومن أجلها يقع على وجه دون آخر. ألا ترى هذا الفعل إنما يكون مفعولا لأجل الداعي ومتوجها غيره (3) بالإرادة، لأنا قد بينا أنه لا يكفي في كون الفعل مفعولا للداعي، أن يعلم الفاعل للداعي وإن لم يقصد بالفعل ذلك الوجه. وهذه الإرادة المؤثرة لا تجوز أن تكون هي إرادة الحدوث المجرد، بل إرادة حدوثه على ذلك الوجه المخصوص ولا يلزم على هذا أن تحتاج الإرادة إلى إرادة، لأن الإرادة لا تقع على وجوه مختلفة، فتحتاج إلى ما يؤثر في وقوعها على بعض تلك الوجوه. وليس كذلك الفعل، لأنه قد يقع على وجوه مختلفة فإذا حصل في بعضها فلا بد من مؤثر في وقوعه على ذلك الوجه. وقد ذكرنا هذا المعنى ووضح وضوحا يزيل كل شبهة. فأما ذكر الخبر والأمر ودعوى رجوع كونهما كذلك إلى الصيغة والداعي فمن البين الفساد، فلا يجوز أن يكون لها حظ في هذه الصفات: لأنها توجد مع فقدها. ألا ترى أن صيغة الخبر والأمر تقع من الهاذي والمجنون وتقع صيغة الأمر من المتعدد المبيح والمتحدي.

(1) ظ: دون غيره.

[ 390 ]

وأما الداعي فلا يجوز أن يكون هو المؤثر لكون الكلام خبرا أو أمرا أو خطابا لمن هو خطاب له. وما به علمنا أن الداعي هو المخصص لها ببعض الجهات، بمثله يعلم أن الداعي لا حظ له في كون الخطاب على بعض الصفات التي وقع عليها مع احتماله كان لغيرها. ونحن نعيد طرفا من ذلك فنقول: لو كان الداعي هو المؤثر في كون الخطاب على ما يقع عليه من الوجوه المختلفة، لوجب أن يكون من دعاه الداعي إلى أن يأمر بأمر يتساوى في الغرض فيه والداعي إليه شخصان اسم كل واحد زيد، إلا أن أحدهما زيد بن عبد الله، والآخر زيد بن محمد، فقال: يا زيد أفعل كذا لا يكون هذا القول متوجها إلى واحد منهما، لأنه ليس بأن يتوجه إلى زيد بن عبد الله بأولى من أن يوجه إلى زيد بن محمد. والداعي الذي قيل أنه المؤثر يتعلق بهما على حد سواء، فكيف يكون هذا القول أمرا لأحدهما دون الآخر، الداعي يتميز ويخصص. فعلمنا أن الإرادة هي المؤثرة والمخصصة، لأنها تتعلق بكونه أمرا لشخص دون غيره. والقول في الخبر وكل الخطاب يجري على ما ذكرناه، إذا تساوت الدواعي ووقع الخبر أو الخطاب مختصا بشخص دون غيره. وبعد: فإن الأمر بما يكون عندنا أمرا بشئ بعينه لإرادة الأمر ذلك المأمور به وليس يجري مجرى الخبر في أنه يكفي فيه إرادة كونه خبرا ولا يختص بشخص دون آخر، من أن المؤثر فيه إرادة تخصصه بذلك الشخص، وقد دللنا على ذلك في (الملخص) و (الذخيرة) وكثير من كتبنا. فنقول على هذا: كيف يكون قول القائل: أفعل كذا أمرا بذلك الفعل. فإذا قيل للداعي إلى أن أمرته. قلنا: فإن دعاني إلى أن آمر بفعل مخصوص من قيام أو صلاة لنفع يعود

[ 391 ]

علي أو على المأمور، والداعي هو المؤثر عندكم، فيجب أن يكون أمرا بذلك الفعل وإن لم أرده، بل وإن كان كرهته غاية الكراهة، لأن الإرادة على هذا المذهب الذي نحن متكلمون على فساده لم يكن أمرا لها ومن أجلها، وإنما كان أمرا للداعي، وهو ثابت، فيجب أن أكون على هذا أمرا بما أكرهه ولا أريده، ومعلوم فساد ذلك. وقد كنا قلنا: إن الدواعي قد تكون متقدمة سابقة، وأحكام الأفعال والأقوال متجددة، فكيف يؤثر أحوالا متجددة معان متقدمة؟ وقد تكون الدواعي ضرورية، فكيف يؤثر الضروري الذي ليس من فعلي. وما يفيد به هذا المذهب كثير، والكفاية واقعة بما اقتصرنا عليه. المسألة الثامنة [ بيان قوله عليه السلام: سلوني قبل أن تفقدوني ] ما جواب من قال: لو سلم لكم أن القول الذي أفصح به أمير المؤمنين عليه السلام على رؤوس الاشهاد، وهو (سلوني قبل أن تفقدوني) يدل بظاهره وفحواه على أنه عليه السلام مشتمل على جميع علوم الدين، وأنه غير مخل بشئ منها. وفرض ذلك من طريق النظر دون ما يذهب إليه خصومكم، من أن مراده عليه السلام كان الإخبار عن تقدم قدمه فيه ووفور حظه منه، لكان ظاهر هذا المقال يدل على أنه لا يوجد بعد فقد عينه عليه السلام من الزمان من ينوب منابه، ويسد مسده في الاجابة عن جميع السؤال. إذ لو كان عالما بوجود من يجري مجراه عليه السلام إذ ذاك لما حذر من

[ 392 ]

ترك سؤاله هذا التحذير والأخص على سكت التغرير بتركه والتفريط ولا جعل فقده علة بعدم من ينوب منابه، ودليل عليه. وفي ذلك دليل على أن الذي فرضت لكم صحته وسلم لكم تسليم تفريط إذ لو كان حقا لما يناقص (1)، لأنكم توجبون واحدا هذه صفته في كل زمان. وإذا دل ظاهر قوله الذي حكيناه الآن على خلو الزمان بعده ممن يجري مجراه، سواء كان مشتملا على جميع علوم الدين، أو موفور الحظ منها، انتقض أصلكم وبان فساده. ودل القول على أن مراده (عليه السلام) كان الإخبار مما ذهبنا إليه من وفور حظه من العلم لا الإحاطة به. ثم سار (2) نفسه: فإن قال فإن قلتم: إنا ننصرف عما يقتضيه ظاهر هذا اللفظ بالأدلة المعقولة القاطعة على وجود معصوم في كل زمان إلى أنه (عليه السلام) أراد نفي تمكن من ينوب منابه، لا نفيه وعدم المصلحة له في الاجابة لأمر يرجع إلى العباد ولا عدمه، وذلك مطابق ما نذهب إليه ولا ينافيه. قيل لكم: أول ما في هذا مع ما فيه من النزاع الشديد، أن العصمة عندكم من الإمام لا توجب استكمال المعصوم العلوم في أول أحوالها، وذلك لأنكم توجبونها للمعصوم (3) كونه إماما قبل كونه كذلك ولا تغنونه بها عن الحاجة إلى إمام زمانه، فكتبكم بذلك مملوءة. ثم إن تأويلكم هذا إذا نحوتم التطبيق بينه وبين مذهبكم، يدل على أنه عليه السلام هو لو سئل في الحال التي نطق فيها بهذا الكلام على رؤوس الاشهاد

(1) ظ: يناقض.
(2) ظ: سأل.
(3) في الهامش: للمعلوم.

[ 393 ]

عن الذي تذهبون إليه من ضلال المتقدمين عليه وكفرهم في باطن الحال، لم يتمكن من الاجابة عنه وإظهار الأدلة عليه. وقد رويتم عنه (عليه السلام) رواية حملتموها على وجه التقية منه، والإخبار على طريق الإشارة منه، وأنه (عليه السلام) كان غير متمكن من الحكم بجميع ما يراه من الأحكام، وهي قوله (عليه السلام) لقضاته (أقضوا بما كنتم تقضون، حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي) وأنه أشار إلى الذين مضوا على طاعته دون غيرهم من الخلفاء. ثم قال: وإن قلتم: أنه (عليه السلام) أراد به أن ينصب بعدي من يجري مجراه مصيبي (1)، فيتعين عليه الاجابة عن جميع السؤال لتعينها علي كان ذلك بطل (2) أيضا، لأن الحسن (عليه السلام) قد نصب بعده، وبويع كما بويع له، فقد كان يجب أن يكون تعليقه عدم الفائدة على مقتضى قولكم هذا ينفي تمكن الحسن (عليه السلام) لا يقصد عينه (عليه السلام). وبعد: فعليكم في هذا المقال سؤال من وجه آخر يقدح في العصمة التي توجبونها له (عليه السلام)، وهو أنا: نعلم بحكم العقول السليمة من الهوى والسهو الداخل على صاحبها أنه لا يسوغ لمن يعلم أنه غير متمكن من الاجابة عن جميع ما يسأل عنه أن يعطي ذلك من نفسه بهذا المقال على رؤوس الاشهاد إلا بسهو يعترضه أو هوى يلحقه، يهون عليه التغرير بنفسه. فكل هذا يدل على بطلان ما تذهبون إليه من وجود واحد معصوم كامل في العلوم في كل زمان، ويسفر عن أنكم لا تتمسكون في ذلك إلا بشبه لمظنون أنها مستمرة في العقول، وهي باطلة بما ذكره الآن يطول، ونضع الاعتماد الآن

(1) ظ: في منصبي.
(2) ظ: باطلا.

[ 394 ]

في أبطالها على ما اقتضاه هذا الصريح الصحيح من المعقول المنقول. الجواب: إعلم أن قول أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: سلوني قبل أن تفقدوني فإن بين جنبي علما جما لو وجدت له حملة (1). يدل على اشتماله على علوم الدين دقيقها وجليلها، وعلى كل ما يجوز أن يسأل عنه سائل، ويسترشد إليه جاهل. لأن معنى هذ الخبر لو كان هو الدلالة على قوة حظه من العلم، ووفور نصيبه منه، لكان متعرضا هذا القول المطلق لأن يسأل عما لا يعلمه وينخجل. وهذا تقرير (2) وركوب خطر، يجل (عليه السلام) عنه، وهو من (3) هذا الذي تقدم من ذوي اللبابة. على أن يقول وهو متقدم القدم في المعلومات وليس بمحيطة بها (سلوني قبل أن تفقدوني) يدل على التحذير من فوت النفع بأجوبته مع فقده (عليه السلام). وأن مفهوم الكلام يقتضي أنه (عليه السلام) لا ساد مساده (4) ولا قائم في العلم مقامه لأنه لو كان يليه من هو في العلم مساو له، لكان لا معنى للتحذير. وتأويل هذا الخبر الذي يرفع الشبهة فيه أن الإمام في كل زمان إنما يجب بحكم إمامته أن يكون عالما بجميع علوم الدين، حتى لا يشذ منه شاذ وليس يجب بحكم الإمامة أن يكون عالما بالغائبات والكائنات من ماضيات ومستقبلات وإذا خص الله تعالى الإمام بشئ من هذه العلوم، فعلى سبيل الكرامة والتفضيل والتعظيم.

(1) نهج البلاغة ص 280.
(2) ظ: تغرير.
(3) ظ: ومن هذا.
(4) ظ: مسده.

[ 395 ]

وقد بينا في مسألة منفردة أمليناها قديما واستقصيناها، أنه غير واجب في الإمام أن يكون عالما بالسرائر والضمائر وكل المعلومات، على ما ذهب إليه بعض أصحابنا. وأوضحنا أن هذا المذهب الحبيب (1) يقتضي كون الإمام عالما لنفسه حتى يصح أن يعلم ما لا يتناهى من المعلومات، لأن العالم بعلم - والعلم لا يتعلق على التفصيل إلا بمعلوم واحد - لا يجوز أن يعلم إلا معلومات متناهية العدد. وإذا صحت هذه الجملة، لم يمتنع أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) أكمل علوما من إمام بعده، وإن كان من ناب منابه منهم (عليهم السلام) كاملا لجميع علوم الدين والشريعة التي تقتضيها شروط الإمامة، وإنما زادت علومه (عليه السلام) على علومهم في أمور خارجة عن ذلك، كالغائبات والماضيات وأسرار السماوات، فخوف (عليه السلام) من فوت هذه المزية في العلوم بفقده. وهذا الذي ذكرناه يغني عما تمحل ذكره في المسألة، ثم بين فساده. المسألة التاسعة [ الوجه في الحاجة إلى الإمام ] إذا كانت العلة موجبة للحكم، وهي التي يجب الحكم بوجودها ويرتفع بارتفاعها، وكانت العلة التي لها احتاج المكلفون إلى الإمام المعصوم بجواز (2) السهو عليهم وإمكان وقوع الخطأ منهم. ثم أحوجنا المعصوم (عليه السلام) من ذلك

(1) ظ: العجيب.
(2) ظ: جواز.

[ 396 ]

إلى الإمام لغير هذه العلة، أفليس قد أخرجناها عن كونها علة لإيجابنا المعلول مع ارتفاعها؟ فما الجواب عن ذلك؟ وعن قول من قال لا فرق بين لزوم المناقضة بذلك لمن قال به؟ وبين لزومها لمن قال إن العلة في كون المتحرك متحركا حلول الحركة فيه، ثم أوجب تحرك بعض المحال لغير حلول الحركة فيه. الجواب: إن الصحيح المجرد أن نقول: الوجه في الحاجة إلى الإمام يكون لفظا (1) لارتفاع الخطأ، أو تعليله هو فقد العصمة وجواز الخطأ، لمن (2) احتاج مع وفوره وعصمته إلى إمام فلم يحتج إليه ليكون لفظا (3) في ارتفاع خطبه (4). وإنما احتاج إليه لمعان أخر خارجة عن هذا الباب كتعليمه وتفهيمه، لأن الحاجة إلى الإمام مختلفة، فلا يمتنع أن يكون لها علل مختلفة، وبهذا التقدير قد زالت المناقضة وسقطت الشبهة. ثم نعود إلى ما في المسألة من كلام جرى على غير وجهه. أما العلة في الحقيقة فهي كل ذات أوجب لغيرها حالا يجب الحركة، وهي ذات لكون المتحرك متحركا وهي حال له، فإيجاب العلم الذي يوجد في قلوبنا وهو ذات كوننا عالمين، وهي حال لنا. وإذا قلنا فيما ليس بذات أنه علة، أو لا يوجب حالا وإنما يقتضي حكما،

(1) ظ: لطفا.
(2) ظ: ومن.
(3) ظ: لطفا.
(4) ظ: خطأه.

[ 397 ]

فعلى طريق التنبيه واسم للعلة (1) في العلل الشرعية، إنما كان مستعارا لما ذكرناه وكون الرعية غير معصومين، أو جواز الخطأ عليهم، ليس بجواز (2) أن يكون علة على الحقيقة، وإنما هو وجه احتيج إلى الإمام من أجله، فأجريناه استعارة مجرى العلة فيه، فكيف يلزم فيه أن الحكم يوجد بوجوده ويرتفع بارتفاعه، وهذا إنما يصح ويجب للعلل الحقيقية. ألا ترى أنا كلنا نقول: إن كون الظلم ظلما علة في قبحه، وليس يجب أن يرتفع القبح عند ارتفاع كون الفعل ظلما، لأن الكذب قبيح وإن لم يكن ظلما وكذلك تكليف ما لا يطاق. وكذلك رد الوديعة كونه رادا لها علة في وجوبه، وليس يجب إذا ارتفعت هذه العلة أن يرتفع الوجوب، لأنه قد شارك رد الوديعة [ كونه رد الوديعة (3) ] في الوجوب ما ليس له هذه الصفة، كقضاء الدين وشكر النعمة. فقد بان أنا لو عللنا الحاجة إلى الإمام بارتفاع العصمة، ولم نورد عزيز الذي ذكرناه لم يلزمنا أن ينفي (4) الحاجة عمن ليس بمعصوم، لأن العلل قد يخلف بعضها بعضا على ما ذكرناه. وقد زاد أهل التوحيد والعدل على هذه الجملة التي ذكرناها، فقالوا: ليس يمتنع أن يجب الحكم على الحقيقة في موضع ويجب في مكان آخر مع ارتفاعها. ومثلوا ذلك بأن العلم الموجود في قلوبنا يوجب كوننا [ عالمين ] بالمعلومات. وقد وقع حسب للقديم تعالى مثل هذه الأحوال بأعيانها ولا علم

(1) ظ: العلة.
(2) ظ: بجائز.
(3) كذا في النسخة والظاهر زيادتها.
(4) ظ: ننفي.

[ 398 ]

له. إلا أنهم قالوا: القديم تعالى وإن وجب كونه عالما بما نعلمه (1) وإن لم يحتج إلى وجود علم يكون فيه عالما، فهو عالم لنفسه لا لعلة توجب كونه عالما. قالوا: وليس يمتنع أن يجب مثل الحكم الواجب من علة لا لعلة، وإنما الممتنع أن يجب الحكم عن العلة الحقيقية، ثم يجب عن علة أخرى مخالفة لها. قالوا: ولذلك لما وجب كون أحدنا عالما عند وجود العلم، لم يجز أن يشاركه في كونه عالما من يجب له هذه الصفة عن علة أخرى هي غير العلم. وقد بسطنا هذا الكلام في مواضع من كتبنا واستوفيناه، وفي هذا القدر منه كفاية. المسألة العاشرة [ وجه طيب الولد وخبثه ] إذا كانت الطائفة (حرسها الله) مجمعة على أن مناكح الناصبة حرام إذا (2) لم يخرجوا من أموالهم ما وجب عليهم فيها من حقوق الإمام، ولا حللهم بما يتعلق بالنكاح من ذلك، كما حلل (عليه السلام) أولياءه. وكانت أيضا مجمعة على ذكر فساد المولد علامة على عدم اختيار صاحبه الأيمان، وإن كان مستطيعا له، وكان أنها في ولد الزنا معروفا بإجماعها عليه.

(1) ظ: بما يعلمه لم يحتج إلى وجود علم يكون به عالما.
(2) ظ: إذ.

[ 399 ]

وعلى ما كان ابن عباس (رضي الله عنه) يقوله ويعلن به وهو (ما أحب عليا إلا رجل طاهر الولادة، ولا أبغضه رجل إلا وشارك أباه الشيطان في أمه، وهو ولد الزنا إلى يوم القيامة) (1). وعلى قول النبي صلى الله عليه وآله من قبل: بوروا أولادكم بحب علي (2) وقد ذكره ابن دريد في الجمهرة، فمن وجدتموه له محبا فهو لرشده، ومن وجدتموه له مبغضا فهو لزنية. أفليس قد صار فساد المولد العلامة على فساد المذهب، وفساد المذهب علامة على فساد المولد، فكيف يصح مع هذا أن يخرج من مخالف للحق وناكب عنه من يعتقده ويدين به ويقبض عليه؟ فكيف يمكن نفي ذلك، مع إجماعها أيضا على أن المؤمن قد يلد كافرا، وأن الكافر قد يلد مؤمنا، حتى تأولت قول الله تعالى (تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي (3)) على ذلك. والعيان يقتضيه، والعلم بمحمد بن أبي بكر ومن جرى مجراه يؤكده، والامتناع من تركنا قول من علمنا إياه ناصبا، وعن إخراج حق الإمام ناكبا، إذا اعتقد الحق وأظهره، ومؤاخاتنا له وحبنا إياه يؤكد ذلك. وقد كان يجب إلا بعد (4) بمن جاءنا موافقا لنا، إذا كنا عالمين بخلاف الله، وأنه كان مسافحا لامتناعه من إخراج حقوق الإمام (عليه السلام) إليه، مع أنه لم يحلله منها. فلينعم بما عنده في ذلك واضحا جليا إنشاء الله تعالى.

(1) رواه جماعة من أعلام القوم عن ابن عباس، راجع إحقاق الحق 7 / 225.
(2) نهاية ابن الأثير 1 / 161.
(3) سورة آل عمران: 27.
(4) ظ: ألا نعتد.

[ 400 ]

الجواب: إعلم أن طيب الولد وخبثه لا تعلق له بالحق من المذاهب أو الباطل منها، وكل قادر عاقل مكلف فيمكن من إصابة الحق والعدول عنه، غير أن العامي في أصحابنا معشر الإمامية أن ولد الزناء لا يكون مؤمنا ولا نجيبا، وإن عولوا في ذلك على أخبار آحاد، فلكأنهم متفقون عليه. فحملنا ذلك على أن قلنا: غير ممتنع أن يعلم الله في كل ولد زنية أن لا يكون محقا، وأنه لا يختار اعتقاد الحق، وإن كان قادرا عليه متمكنا منه فصار كونه مولودا من زنية علامة لنا على اعتقاده الباطل ومجانبة الحق. وقد كنا أملينا في بعض المسائل من كلامنا الجواب عن سؤال المخالف لنا في هذا الموضع، إذ قال لنا: فتجويزي عيانا من يولد من زنية نجيبا معتقدا للحق، فإنها (1) بشروط الإيمان. وذكرنا في ذلك وجهين. أحدهما: أنه ليس في كل من أظهر الإيمان واعتقاد الحق، يكون مبطنا وعليه منطويا. فغير ممتنع عن أن يظهر الإيمان واعتقاد الحق والقيام بالعبادات أن يكون منافقا، فيجوز على هذا أن نحكم بنفاق كل من علمناه مولودا من زنية إذا كان مظهر الحق. والوجه الآخر: أنه قد يجوز فيمن يظهر أنه مولود عن زنية وعن غير عقد صحيح، أن يكون في الباطن الذي لا نعلمه ولم يظهر لنا ما ولد إلا عن عقد صحيح. وإذا جوزنا ذلك، جوزنا على من هو على الظاهر من زنية أن يكون في الباطن ولد عن عقد صحيح. فأما الناصب ومخالف الشيعة فأنكحتهم صحيحة، وإن كانوا كفارا ضلالا وليس يجب إذا لم يخرجوا ما وجب عليهم من حقوق الإمام، أن يكون عقود

(1) خ ل: فإنما.

[ 401 ]

أنكحتهم فاسدة، لأن اليهود والنصارى مخاطبون عندنا بشرائعنا ومعبدون - بعباداتنا - وهم غير مخرجين من أموالهم هذه الحقوق وعقود أنكحتهم صحيح (1). وكيف يجوز أن نذهب إلى فساد عقود أنكحة المخالفين؟ ونحن وكل من كان قبلنا من أئمتنا (عليهم السلام) وشيوخنا نسبوهم إلى آبائهم، ويدعوهم إذا دعوهم بذلك، ونحن لا ننسب ولد زنية إلى من خلق من مائه ولا ندعوه به. وهل عقود أنكحتهم إلا كعقود قيناتهم؟ ونحن نبايعهم ونملك منهم بالابتياع، فلولا صحة عقودهم لما صحت عقودهم [ تابعهم (2) ] في بيع أو إجارة أو رهن أو غير ذلك. وما مضى في المسألة من ذكر محمد بن أبي بكر وغيره من المؤمنين النجباء يؤكد ما ذكرناه، وهذا مما لا شبهة فيه. المسألة الحادية عشر [ كيفية نزول القرآن ] ما القول عنده فيما ذهب إليه أبو جعفر ابن بابويه (رضي الله عنه) من أن القرآن نزل جملة واحدة على النبي صلى الله عليه وآله إلى أن يعلم به جملة واحدة، وانصرف على قوله سبحانه (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة (3)) الآية، إلى أن العلم به جملة واحدة، انتفى على الذين حكى

(1) ظ: صحيحة.
(2) كذا في النسخة والظاهر زيادتها.
(3) سورة الفرقان: 32.

[ 402 ]

الله سبحانه عنهم هذا لا عنه (عليه السلام) بقول الله تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن (1)). وذلك على مقتضى ثبوت هذه الصفة للعموم المستغرق يدل على ما ذهب إليه، إذ ظاهره أقوى من الظاهر المتقدم. ولو تكافئا في الظاهر، لوجب تجويز ما ذهب إليه، إلا أن يصرف عنه دليل قاطع يحكم على الآيتين جميعا، وليس للعقل في ذلك مجال، فلا بد من سمع لا يدخله الاحتمال. ويلزم تجويز ما ذهب إليه أيضا على مقتضى ثبوت هذه الصورة مشتركة بين العموم والخصوص على سواء. وقد جاءت روايات إن لم يوجب القطع بهذا الجائز أوجبت ترجيحه ونحوها، يقتضي أن الله سبحانه أنزل القرآن على نبيه صلى الله عليه وآله جملة واحدة، ثم كان جبرئيل (عليه السلام) يأتيه عن الله سبحانه، بأن يظهر في كل زمان ما يقتضيه الحوادث والعبادات المشروعة فيه، وأشهد على ذلك بقوله تعالى (ولا تعجل بالقران من قبل أن يقضي إليك وحيه وقل رب زدني علما (2)). فإن يكن القطع بذلك صحيحا على ما ذهب إليه أبو جعفر (رضي الله عنه) أنعم بذكره وتصرفه، وإن يكن عنده باطلا تطول بالإبانة عن بطلانه وكذب روايته، وإن كان الترجيح له أولى ذكره، وإن كان الصحيح عنده تكافي الجائزين نظره إنشاء الله تعالى. الجواب: أما إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه وآله في وقت واحد أو في أوقات

(1) سورة البقرة: 185.
(2) سورة طه: 114.

[ 403 ]

مختلفة، فلا طريق إلى العلم به إلا السمع، لأن البيانات العقلية لا تدل عليه ولا تقتضيه. وإذا كان الغرض بإنزال القرآن أن يكون علما للنبي صلى الله عليه وآله ومعجزا لنبوته وحجة في صدقه، فلا حجة في هذا الغرض بين أن ينزل مجتمعا أو متفرقا. وما تضمنه من الأحكام الشرعية فقد يجوز أن تكون مترتبة في أزمان مختلفة، فيكون الاطلاع عليها والاشعار بها مترتبين في الأوقات بترتيب العبادات. وكما أن ذلك جائز، فجائز أيضا أن ينزل لله تعالى جملة واحدة على النبي صلى الله عليه وآله، وإن كانت العبادات التي فيه تترتب وتختص بأوقات مستقبلة وحاضرة. والذي ذهب إليه أبو جعفر ابن بابويه (رحمه الله) من القطع على أنه أنزل جملة واحدة، وإن كان عليه السلام متعبدا بإظهاره وأدائه متفرقا في الأوقات. إن كان معتمدا في ذلك على الأخبار المروية التي رواها فتلك أخبار آحاد لا توجب علما ولا تقتضي قطعا، وبأزائها أخبار كثيرة أشهر منها وأكثر، تقتضي أنه أنزل متفرقا، وإن بعضه نزل بمكة وبعضه بالمدينة، ولهذا نسب بعض القرآن إلى أنه مكي وبعضه مدني. وأنه صلى الله عليه وآله كان يتوقف عند حدوث حوادث، كالظهار وغيره، على نزول ما ينزل إليه من القرآن، ويقول صلى الله عليه وآله: ما أنزل إلي في هذا شئ. ولو كان القرآن أنزل جملة واحدة لما جرى ذلك، ولكان حكم الظهار وغيره مما يتوقف فيه معلوما له، ومثل هذه الأمور الظاهرة المنتشرة لا يرجع عنها بأخبار الآحاد خاصة.

[ 404 ]

فأما القرآن نفسه فدال على ذلك، وهو قوله تعالى (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة (1)) ولو كان أنزل جملة واحدة لقيل في جوابهم قد أنزل على ما اقترحتم، ولا يكون الجواب كذلك (لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (2)). وفسر المفسرون كلهم ذلك بأن قالوا: المعنى إنا أنزلناه كذلك أي متفرقا يتمهل (3) على أسماعه، ويتدرج إلى تلقيه. والترتيل أيضا إنما هو ورود الشئ في أثر الشئ، وصرف ذلك إلى العلم به غير صحيح، لأن الظاهر خلافه. ولم يقل القوم لولا أعلمنا بنزوله جملة واحدة، بل قالوا: لولا أنزل إليك جملة واحدة، وجوابهم إذا كان أنزل كذلك أن يقال: قد كان الذي طلبتموه، ولا يحتج لإنزاله متفرقا بما ورد بنزوله في تمام الآية. فأما قوله تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن (4)) فإنما يدل على أن جنس القرآن نزل في هذا الشهر، ولا يدل على نزول الجميع فيه. ألا ترى أن القائل يقول: كنت أقرا اليوم القرآن، وسمعت فلانا يقرأ القرآن، فلا يريد جميع القرآن على العموم، وإنما يريد الجنس. ونظائره في اللغة لا تحصى، ألا ترى أن العرب يقول: هذه أيام أكل فيها اللحم، وهذه أيام أكل فيها الثريد، وهو لا يعني جميع اللحم وأكل الثريد على العموم، بل يريد الجنس والنوع.

(1) سورة الفرقان: 32.
(2) نفس الآية.
(3) في الهامش: ليتمون.
(4) سورة البقرة: 185.

[ 405 ]

وقد استقصيت هذه النكتة في مواضع كثيرة من كلامي. فأما قوله تعالى (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه (1)) فلا ندري من أي وجه دل على أنه أنزل جملة واحدة وقد كان أنه (رحمه الله) يبين وجه دلالته على ذلك. وهذه الآية بأن تدل على أنه ما أنزل جملة واحدة أولى، لأنه تعالى قال (قبل أن يقضى إليك وحيه) وهذا يقتضي أن في القرآن منتظرا ما قضى الوحي به وقوع منه، فإن نزول (2) ذلك على أن المراد به قبل أن يوحى إليك بأدائه، فهو خلاف الظاهر. وقد كنا سئلنا إملاء تأويل هذه الآية قديما، فأملينا فيها مسألة مستوفاة، وذكرنا عن أهل التفسير فيها وجهين، وضممنا إليهما وجها ثالثا تفردنا به. وأحد الوجهين المذكورين فيها: أنه كان عليه السلام إذا نزل عليه الملك بشئ من القرآن قرأه مع الملك المؤدي له إليه قبل أن يستتم الأداء حرصا منه عليه السلام على حفظه وضبطه، فأمر عليه السلام بالتثبت حتى ينتهي غاية الأداء، لتعلق الكلام بعضه ببعض. والوجه الثاني: أنه صلى الله عليه وآله نهي أن يبلغ شيئا من القرآن قبل أن يوحى إليه بمعناه وتأويله وتفسيره. والوجه الذي انفردنا به: أنه صلى الله عليه وآله نهي عن أن يستدعي من القرآن ما لم يوح إليه به، لأن ما فيه مصلحة منه لا بد من إنزاله وإن لم يستدع، لأنه تعالى لا يدخر المصالح عنهم وما لا مصلحة فيه لا ينزله على كل حال، فلا معنى للاستدعاء ولا تعلق للآية بالموضع الذي وقع فيه.

(1) سورة طه: 114.
(2) ظ: تنزيل.

[ 406 ]

المسألة الثانية عشر [ سبب القول بأن الشهداء أحياء ] كيف يصح مع استحالة ورود السمع بما ينافي المعلوم استدلالا يرد عنا؟ فإن المعلوم ضرورة، وعلم الضرورة أقوى لكونه من الشبهة أبعد وأقصى. وقد نهى الله سبحانه عن القول بأن الشهداء أموات، وأخبر أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقال بعد ذلك (فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (1). هذا مع العلم حسا ومشاهدة بموتهم، وكون أجسادهم طريحة لا حياة فيها مثل جسم مولانا الحسين عليه السلام، وكونه بالطف طريحا، وبقاء رأسه مرئيا محمولا أياما، وقد انضاف إلى هذا العلم الضروري شهادات الحجج عليهم السلام بأن الجسم الطريح جسمه والرأس المحمول رأسه. وكذلك القول في حمزة وجعفر عليهما السلام وأن الكبد المأكولة كبد حمزة، واليدين المقطوعتين يدا جعفر وقول النبي صلى الله عليه وآله: قد أبدله بهما جناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة (2)، وروي أنه صلى الله عليه وآله قال يوما: لقد اجتاز بي جعفر يطير في زمرة من الملائكة (3). فإن كانت هذه الحياة المأمور بالقطع عليها على الفور، فهو دفع للضرورات وتكذيب المشاهدات والشهادات والمتناقضة نفسها، وإن كانت على التراخي وفي المعاد العام، ففيه بطلان ما اتفقت الطائفة (حرسها الله عليه) بأن المسلم عند

(1) سورة آل عمران: 170.
(2) جامع الأصول: 6 / 17.
(3) بحار الأنوار: 22 / 273 - 276.

[ 407 ]

قبورهم مسموع الكلام مردود عليه الجواب، ولذلك يقولون عند زياراتهم: أشهد أنك تسمع كلامي وترد جوابي. وذلك واجب المضي على ظاهره، لأن الانصراف عنه مع خروجه عن الاستحالة بحياتهم المقطوع عليها غير جائز، وإنما ينصرف عن الظواهر إذا استحالت، أو منع منها دليل، فلينعم بما عنده في جميع ذلك مشروحا مبينا أعظم الله ثوابه وأكرم مآبه. الجواب: إعلم أنه ليس في القول بأن الأئمة والشهداء والصالحين بعد أن يموتوا ويفارقوا الحياة في الدنيا أحياء عند ربهم يرزقون، مدافعة لضرورة ولا مكابرة لمشاهدة، لأن الإعادة للحي منا إلى جنة أو نار أو ثواب أو عقاب، لا تفتقر إلى إعادة جميع الأجزاء التي يشاهدها الأحياء منا دائما. وإنما يجب إعادة الأجزاء التي تتعلق بها بنية الحياة، والتي إذا انقضت (1) خرج الحي منا أن يكون حيا، وليس كل ما نشاهده من الأحوال (2) هذا حكمه. ألا ترى أن الحي منا لو قطعت أطرافه، كيده أو رجله أو أنفه أو أذنه، لا يخرج من أن يكون حيا. [ يجري ] مجرى أجزاء السمين التي إذا زالت بالهزال، لم يخرج من أن يكون حيا، ولا يضرب أحكامه في مدح وذم أو ثواب وعقاب. وليس يجري ذلك مجرى قطع رأسه أو توسيطه، لأنه يخرج بقطع الرأس والتوسط من أن يكون حيا، فالاعادة على هذا الأصل الذي ذكرناه إنما تجب

(1) ظ: انتقصت.
(2) ظ: الأجزاء.

[ 408 ]

للأجزاء التي إذا انتقصت خرج الحي من أن يكون حيا. وليس نمنع إعادة الأجزاء من جسم ميت، وإن شاهدناه في رأي العين على هيئة الأولى، ووجدنا أكثر أعضائه وبنيته باقية، لأن المعول على تلك الأجزاء التي هي الحي على الحقيقة، فإذا أعادها الله تعالى وأضاف إليها أجزاء أخر غير الأجزاء التي كانت في الدنيا لأعضائه، جرى ذلك مجرى السمن والهزال والأبدال يد بيد، فلا مانع إذن من أن يكون حيا متنعما في النعيم والثواب وإن كنا نرى جسمه في القبر طريحا. وهذا يزيل الشبهة المعترضة (1) في هذا الباب التي السبب في اعتراضها قلة العلم بدقائق هذه الأمور وغوامضها وسرائرها. ومما يشهد لما ذكرناه ما روي في جعفر الطيار عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله من أن الله تعالى أبدله بيديه المقطوعتين جناحين يطير بهما في الجنة. وقد كنا أملينا قديما مسألة مفردة في تأويل قوله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا (2)) استوفينا الكلام فيها. وذكرنا في كتابنا المعروف بالذخيرة الكلام في كيفية الإعادة، وما يجب إعادته وما لا يجب ذلك فيه واستوفيناه والجملة التي ذكرناها هاهنا كافية لمن تصفحها. المسألة الثالثة عشر [ حول الحديث المروي في الكافي في قدرة الله تعالى ] ما القول فيما رواه الكليني في كتاب التوحيد من جملة كتابه الذي صنفه

(1) في الهامش: المعتزلة.
(2) سورة آل عمران: 169.

[ 409 ]

ولقبه ب‍ (الكافي) من أن هشام بن الحكم سأل الصادق (عليه السلام) عن قول الزنادقة له: أيقدر ربك يا هشام على أن يدخل الدنيا في قشر البيضة من غير أن يصغر الدنيا ولا يكبر قشر البيضة؟ وأن الصادق (عليه السلام) قال له: يا هشام أنظر أمامك وفوقك وتحتك وأخبرني عما ترى. وأنه قال: أرى سماءا وأرضا وجبالا وأشجار وغير ذلك، وأنه قال له: الذي قدر أن يجعل هذا كله في مقدار العدسة - وهو سواد ناظرك - قادر على ما ذكرت. وهذا معنى الخبر وإن اختلف بعض اللفظ (1). وكيف يصح من الإمام المعصوم تجويز المحال؟ ولا فرق في الاستحالة بين دخول الدنيا في قشر البيضة وهما على ما هما عليه، وبين كون المحل أسود أبيض ساكنا متحركا في حال. وهل يجئ من استحالة الإحاطة بالجسم الكبير من الجسم الصغير مقابلة سواد الناظر لما قابله؟ مع اتصال الهواء والشعاع بينه وبينه، وأين حكم الإحاطة على ذلك الوجه من حكم المقابلة على هذا الوجه. وهل لإزالة معرة هذا الخبر الذي رواه هذا الرجل في كتابه وجعله من عيون أخباره سبيل بتأويل يعتمد عليه جميل؟ الجواب: إعلم أنه لا يجب الاقرار بما تضمنه الروايات، فإن الحديث المروي في كتب الشيعة وكتب جميع مخالفينا، يتضمن ضروب الخطأ وصنوف الباطل، من محال لا يجوز أن يتصور، ومن باطل قد دل الدليل على بطلانه وفساده، كالتشبيه والجبر والرؤية والقول بالصفات القديمة.

(1) أصول الكافي 1 / 79 ح 4.

[ 410 ]

ومن هذا الذي يحصي أو يحصر ما في الأحاديث من الأباطيل. ولهذا وجب نقد الحديث بعرضه على العقول، فإذا سلم عليها عرض على الأدلة الصحيحة، كالقرآن وما في معناه، فإذا سلم عليها جوز أن يكون حقا والمخبر به صادقا. وليس كل خبر جاز أن يكون حقا وكان واردا من طريق الآحاد يقطع على أن المخبر به صادقا. ثم ما ظاهره من الأخبار مخالف للحق ومجانب للصحيح على ضربين، فضرب يمكن فيه تأويل له مخرج قريب لا يخرج إلى شديد التعسف وبعيد التكلف، فيجوز في هذا الضرب أن يكون صدقا. فالمراد به التأويل الذي خرجناه. فأما ما لا مخرج له ولا تأويل إلا بتعسف وتكلف يخرجان عن حد الفصاحة بل عن حد السداد، فإنا نقطع على كونه كذبا، لا سيما إذا كان عن نبي، أو إمام مقطوع فيهما على غاية السداد والحكمة والبعد عن الألغاز والتعمية. وهذا الخبر المذكور بظاهره يقتضي تجويز المحال المعلوم بالضرورات فساده وإن رواه الكليني (رحمه الله) في كتاب التوحيد، فكم روى هذا الرجل وغيره من أصحابنا (رحمهم الله تعالى) في كتبهم ما له ظواهر مستحيلة أو باطلة، والأغلب الأرجح أن يكون هذا خبرا موضوعا مدسوسا. ويمكن فيه تخريج على ضرب من التعسف، وهو أن يكون الصادق (عليه السلام) سئل عن هذه المسألة بحضرة (1) قوم من الزنادقة والملحدين للانبياء (2) الذين لا يفرقون بين المقدور والمستحيل، فأشفق (عليه السلام) أن يقول أن هذا ليس بمقدور

(1) خ ل: بمحضر.
(2) خ ل: الأغبياء.

[ 411 ]

لأنه يستحيل، فيقدر الأغبياء أنه (عليه السلام) قد عجزه تعالى، ونفي عن قدرته شيئا مقدورا، فأجاب به وأراد أن الله تعالى قادر على ذلك لو كان مقدورا، ونبه على قدرته على المقدورات بما ذكره من العين، وأن الادراك يحيط بالأمور الكثيرة، وإلا فهو (عليه السلام) أعلم بأن ما أدركه بعيني ليس بمنتقل إليها ولا حاصل فيها، فيجري مجري دخول الدنيا في البيضة. وكأنه (عليه السلام) قال: من جعل عيني على صفة أدرك معها السماء والأرض وما بينهما لا بد أن يكون قادرا على كل حال مقدور، وهو قادر على إدخال الدنيا في البيضة لو كان مقدورا، وهذا أقرب ما يؤل عليه هذا الخبر الخبيث الظاهر. المسألة الرابعة عشر [ حول قول إبراهيم: هذا ربي ] ما جواب من اعترض ما أورده (حرس الله مدته) في كتابه الموسوم ب‍ (التنزيه) (1) من تجويزه أن يكون قول إبراهيم (عليه السلام) للنجم والشمس والقمر (هذا ربي) (2) أول وقت تعين فرض التكليف للنظر عليه وأنه قال ذلك فارضا له مقدرا، لا قاطعا ولا معتقدا، فلما رأى أفول كل واحد منها رجع عما فرض وأحال ما قدر. فقال: الذاهب إلى هذا لا ينفك من أن يلزمه أحد أمرين، وهما القول بأن تحيز هذه الكواكب وحركاتها لا تدل على حدوثها، كما تدل على (3) أفولها،

(1) تنزيه الأنبياء ص 20 ط النجف.
(2) سورة الأنعام: 76 - 78.
(3) ظ: عليه.

[ 412 ]

إذ لو دل لما أهمل القطع به على حدوثها، والرجوع عما فرضه فيها إلى حين أفولها، واستدلاله بذلك عليه. والقول بأن إبراهيم (عليه السلام) في حال كمال عقله قصر عن المعرفة، بأن التحيز والحركات تدل على الحدوث. وإلى أي الأمرين ذهبتم كان قادحا في معتمد لكم لأن الذهاب إلى الأول يقدح في دلالة الحركات والتحيز عندكم على الحدوث. والثاني يقدح فيما تذهبون إليه من عصمة الأنبياء قبل النبوة وبعدها، وفي إهمال القطع بالأدلة المثمرة للعلم بالمطلوب، تغرير من المهمل لذلك، والتغرير بالنفس قبيح. وما أدري كيف يكون الغيبة بعد الظهور دليلا على الحدوث والظهور بعد الغيبة غير دليل عليه، وقد تقدم الظهور بعد الغيبة عنده على الغيبة بعد الظهور، وشفع ذلك التحيز والحركة، بل العلم بذلك مقارن للعلم بالظهور. ولا أدري كيف يسوغ أن لا يعلم أعلم الأنبياء من دلالة هذه الأمور ما يعلمه النبي، أو من علم حرارة، أم الرجوع منه واجب. الجواب: إعلم إنا قد تكلمنا في كتابنا الموسوم ب‍ (تنزيه الأنبياء والأئمة صلوات الله على جماعتهم) على تأويل هذه الآية، وأجبنا فيها بهذا الوجه الذي حكي في السؤال وبغيره. والوصل الذي يجب تحقيقه أن النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام لا يجوز أن يخلف عارفا بالله تعالى وأحواله وصفاته: لأن المعرفة ليست ضرورية، بل مكتسبة بالأدلة فلا بد من أحوال يكون غير عارف ثم تجدد له المعرفة.

[ 413 ]

إلا أن نقول: إن المعرفة لا يجوز أن تحصل إلى النبي أو الإمام، إلا في أقصر زمان يمكن حصولها فيه، لأن المعصية لا تجوز عليه قبل النبوة أو الإمامة كما لا تجوز عليه بعدها. وقد روي أن إبراهيم عليه السلام ولد في مغارة، وأنه ما كان رأى السماء ثم تجددت رؤيته لها، فلما رأى ما لا تعهده ولا تعرفه من النجم ولم يره متجدد الطلوع بل رآه طالعا ثابتا في مكانه، من غير أن يشاهده غير طالع ثم طالعا. فقال فرضا وتقديرا على ما ذكرناه (هذا ربي) فلما أقل واستدل بالأفول على الحدوث علم أنه لا يجوز أن يكون إلها. وجرى ذلك في القمر والشمس. ولو كان علم تجدد طلوعه كما علم تجدد أفوله، لاستدل على حدوثه بالطلوع، كما استدل بالأفول. لا (1) إنا قد فرضنا أنه لم يعلم ذلك. ومن الجائز أن يكون عالما به على الوجوب لمن شاهد السماء من طلوع الكواكب ثم تجدد طلوعه فيها. وقد زال بهذا البيان الذي أوضحناه الشك في الجواب الذي اختار في الكتاب المشار إليه، لأنه بنى على أنا فرقنا في دلالة الحدوث بين طلوع متجدد وأفول متجدد، وقد بينا أن (2) ما فرقنا بين الأمرين، وكيف نفرق بين ما فرق فيه. المسألة الخامسة عشر [ الدليل على عدم نسخ شريعة نبينا (ص) ] بم لم يحصل لنا المزية على اليهود (لعنهم الله) إذا اعتصموا من إلزامنا

(1) ظ: إلا.
(2) ظ: أنا.

[ 414 ]

إياهم جواز نسخ شريعتهم بمثل ما نعتصم به من أن تأييدها معلوم من ديننا ومجمع عليه بيننا، وقابلونا في هذه الدعوى على النسوان (1)، وقالوا: إذا جعلتم ظهور معجز دالا على بطلان ما ادعيناه من أن ذلك لنا، أفيجب قبل ظهور المعجز ألا يكون إلى بطلان ما ذكرناه أننا نعلمه من ديننا طريق معلوم صار إليه طريق. فإن قلتم: لا يجب ذلك، بل قد كان إليه قبل ظهور المعجز طريق ما ذكروه (2) وبينوا أن مثله غير لازم لكم. وإن قلتم لم يكن إليه من قبل طريق، ثم صار إليه طريق كانت الحجة حينئذ للعباد على الله سبحانه لا له عليه. ولزمكم أن تجوزوا حصول طريق فيما بعد حالكم هذه تعلمون به بطلان ما ادعيتموه من تأييد شرعكم. الجواب: إعلم أن المعول في أن شريعة نبينا صلى الله عليه وآله مؤبدة لا تنسخ إلى قيام الساعة، على أنه قد علم مخالف وموافق ضرورة من دينه أنه كان يدعي ذلك ويقضي به ويجعل شريعته عليه السلام بذلك المزية على الشرائع المتقدمة. فإن الملحد الدهري والثنوي المازي (3) واليهودي والنصراني. يعلمون هذا من حاله، وأنه عليه السلام كان يدعيه، كما يعلم ذلك المسلمون المتبعون. وإذا دل المعجز على صدقه وصحة نبوته، ثبت بهذين الأمرين أن شرعه مؤبد. وليس يمكن اليهود أن تدعي أن العلم بتأييد شرعها، وأن نبيها موسى عليه السلام. معلوم من دينه ذلك، كما ادعاه المسلمون، لأن العلم الضروري

(1) ظ: النبوات.
(2) ظ: فاذكروه.
(3) ظ: المانوي.

[ 415 ]

يجب الاشتراك فيه، وما يشارك اليهود في هذا العلم إذا ادعوه أحد من مخالفيهم، لأن النصارى يخالفهم في ذلك، كما يخالفهم المسلمون فيه، ويتقول (1) عن نفوسهم العلم بما ادعوا العلم به. وكذلك الملحدون والبرهميون النافون للنبوات. وكل هؤلاء مشاركون للمسلمين في العلم بأن نبيهم عليه السلام أبد شرعه وادعى أنه لا ينسخ، فبطل أن يكونوا متساوين للمسلمين في الحكم الذي ذكرناه. وإذا قيل لنا: فمن أين علمتم كذبهم في هذه الدعوى - أعني أن شريعتهم لا تنسخ - إذا لم تعلموا صحتها، فليس كل شئ لم يعلم صحته قطع على كذب راويه. قلنا: من حيث كذبهم نبينا عليه السلام ودعاهم إلى شريعة هي ناسخة لكل شرع تقدم، وقد علمنا صدقه بالمعجزات الباهرة. فلم يبق آخر المسألة من أنا إذا كنا نعلم كذب اليهود فيما يدعونه من تأبيد شرعهم بقول نبينا صلى الله عليه وآله، فقيل بعينه، ثم بأي شئ كان يعرف ذلك. والجواب أن طريق معرفة ذلك نبوة كل نبي بعد موسى عليه السلام دعى إلى نسخ شريعته، كعيسى عليه السلام وما يجري مجراه. المسألة السادسة عشر [ كلام حول قول الكهنة وإخباراتهم ] ما تقول فيما اشتهر من أنه كان في العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه

(1) ظ: ويتقولون.

[ 416 ]

وآله كهنة يخبرون بالغائبات، وبما يكون قبل كونه من الأمور الحادثات، وأن مادتهم كانت من مردة الجن المسترقة للسمع من الملائكة. وأن السماء لم يكن حرست برمي النجوم بعد، وأن ذلك حدث عند مولد النبي صلى الله عليه وآله. والشاهد عليه قول الله تعالى حكاية عن الجن (إنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا * وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) (1). وقد قال بعض الكهنة في دلالته على النبي صلى الله عليه وآله بعد كلام طويل: وهذا هو البيان، أخبرني رئيس الجان. وروي له شعر وهو: يا آل كعب من بني قحطان أخبركم بالمنع والبيان لمنع السمع الجان بثاقب في كف ذي سلطان من أجل مبعوث عظيم الشان يبعث بالتنزيل والفرقان وبالهدى وفاضل القرآن محيوا به أعاظم الأوثان وقد نسب النبي صلى الله وآله عند أخباره بالغائبات، فقال الله تعالى: (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون) (2) وهل فيما كان من ذلك استفساد للعباد، أو قدح في دلائل النبوات مع كون الكهنة عليها دالين ولها غير مذعنين. الجواب: إعلم أن الذي يحكى عن الكهان من الأخبار من الغائبات، كسطيح الكاهن

(1) سورة الجن: 10.
(2) سورة الحاقة: 42.

[ 417 ]

ومن يجري مجراه، لم يرد مورد الحجة، وإنما وردت به أخبار شاذة ضعيفة سخيفة لا توجب علما ولا ظنا وما يرد هذا المورد لا يلتفت عليه، فضلا عن أن يصدق به، والكهانة غير مستندة إلى أصل، ولا لها طريق في مثله شبهة. وشبهة المنجمين فيما يدعونه من العلم بالأحكام، كأنها أقوى وهي باطلة، وقد كشف العلماء عن فضائحهم، ودلوا على بطلان أقوالهم. وقد كنا أملينا منذ سنوات في جواب مسائل سئلنا عنه مسألة استوفينا فيها الكلام على المنجمين، وبينا من طرق قريبة واضحة بطلان طريقهم الذي يدل على صحة ما ذكرناه. وأن الأخبار عن الغيوب مما ينفرد الله تعالى بعلمه، ولا يجوز أن يعلمه كاهن ولا منجم، أنه قد ثبت به خلاف (1) بين المسلمين أن إحدى معجزات نبينا صلى الله عليه وآله الإخبار عن الغائبات الماضيات والكائنات، وأنه أدل دليل بانفراده على صحة نبوته. ولو كانت الكهانة صحيحة، إما باستراق السمع الذي قيل، أو بغيره من التخمين والترجيم، لما كان الخبر عن الغيوب معجزا ولا خارقا للعادة، ولا دالا على نبوة، وقد علمنا خلاف ذلك. فأما القافة الذين يلحقون الأبناء بالآباء والقرابات بقراباتهم، فلهم على ذلك أمارات من الخلق والصور والشمائل، يستدلون بها، فيصيبون على الأكثر والكاهن لا أمارة له ولا طريقة يستند ما يخبر به إليها. وإنما نسب عليه السلام إلى الكهانة، لإخباره عن الغيوب، وعد ذلك في جملة آياته ومعجزاته، فلما وجدوا أخباره عنها صدقا نسبوه إلى الكهانة.

(1) ظ: لأنه قد ثبت أنه لا خلاف.

[ 418 ]

فإن قيل: إذا كنتم تقولون في أن الإخبار عن الغائبات من جملة المعجزات على إجماع المسلمين، وإجماع المسلمين إنما يكون حجة إذا ثبت أنه عليه السلام نبي صادق، فقد تعلق كل أحد من الأمرين بصاحبه، فإن ادعيتم أن الإخبار عن الغيب إذا كانت صادقة كانت خارقة للعادات، مع ما يدعى للكهنة ذهبوا أن الذي يحكى عن الكهنة لا يقطع عليه، أليس هو مجوزا على كل حال إما بأن يكون من جهة الحس، والذي يحكى من استراقهم السمع، أو على وجه آخر. والجواب عن هذا السؤال: إنا إذا علمنا صحة نبوته (عليه السلام) بالقرآن، وما جرى مجراه من الآيات الباهرات، وعلمنا صحة الإجماع من بعد ذلك، ووجدناهم مجمعين على أن الإخبار عن الغائبات من جملة آياته ومعجزاته وأنه خارق للعادة، علمنا بطلان كل تجويز كل قبل (1) ذلك في كل كاهن أو غيره، وهذا بين لمتأمله. المسألة السابعة عشر [ حول آية: ولكم في القصاص حياة ] إذا كان جواز بقاء المقتول ظلما حيا لو لم يقتل وجواز موته في الحال بدلا من قتله في العقول على سواء. فهل يدل قول الله تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) (2) على أن المقتول ظلما كان لو لم يقتل يبقى حيا يكون ذلك إخبارا منه عن إقامة

(1) ظ: كل تجويز قيل ذلك.
(2) سورة البقرة: 179.

[ 419 ]

الحدود على القاتلين، يبقي تعالى به الحياة على آخرين. وإخباره تعالى لا يكون إلا حقا وصدقا، لاستحالة الجهل والكذب عليه تعالى، ولأن ذلك يدل على أن بتعطيل الحدود يقدم كثير من المكلفين على القتل، ولولا ذلك لما أقدم القاتل عليه، ولبقي المقتول حيا بدلالة هذا السمع. الجواب: إعلم أن المقتول كان يجوز أن يعيش لولا القتل بخلاف قول من قطع على موته لا محالة لولا القتل، وكان يجوز أن يميته الله تعالى لولا القتل، بخلاف قول من ذهب إلى أنه لولا القتل كان يجب بقاؤه حيا لا محالة. وقد دللنا على ذلك في كتبنا وأمالينا وبيناه في كتاب (الذخيرة) وانتهينا إلى غايته. وأقوى ما دل على صحة هذه الجملة أن الله تعالى قادر على تبقيته حيا وعلى أماتته معا، وبوقوع القتل لا يتغير القدرة على ذلك، فيجب أن يكون الحال بعد القتل كهي قبله. فأما قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) فالمعنى فيه أن من خاف أن يقتل على قتل يقل إقدامه على القتل، ويصرفه هذا النقل عن قتل يؤدي إلى ذهاب نفسه وتلفها، وإذا قل القتل استمرت الحياة. فإذا قيل: أليس قد جوزتم أن يموت المقتول لو لم يقتل، فكيف يستمر حياته لولا القتل، وأنكم قد جوزتم هذا.؟ قلنا: المقتول على ضربين: أحدهما المقتول الذي معلوم أن تبقيته مصلحة فلولا القتل لبقي حيا. والضرب الآخر معلوم أن تبقيته مفسدة، فلولا القتل لا ميت، وإذا كان القصاص على ما ذكرناه صادقا على القتل بغير حق بقي حياة

[ 420 ]

كل مقتول، علم الله تعالى أن تبقيته حيا مصلحة. ولولا القصاص لم يكن ذلك، فبان وجه قوله (ولكم في القصاص حياة). المسألة الثامنة عشر [ حول آية السامري والإشكالات الواردة ] إذا كان إتيان (1) الله تعالى الآية بمن يعلم أنه يستفسد بها العباد ويدعوهم لأجلها إلى الضلال والفساد، مستحيلا في العقول لما يؤدي إليه من انسداد الطريق إلى معرفة الصادق من الكاذب عليه، ولكون ذلك وهنا في حكمته تعالى وعلم بالقبح وغناه عنه. فكيف جاز أن يمكن السامري من أخذ القبضة التي فعل الله تعالى الخوار في العجل عند إلقائه لها فيه، وقد كان مغويا لاتباعهم (2) بني إسرائيل له بطاعتهم إياه وقبولهم منه وإذعانهم إليه. وقد نطق القرآن بذلك في قوله سبحانه (فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار، فقال هذا إلهكم وآله موسى) (3) إلى آخر القول، وقال سبحانه حكاية عن موسى عليه السلام (فما خطبك يا سامري قال * بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول وكذلك سولت لي نفسي) (4). وجاءت الأخبار بأنه أخذ هذه القبضة من تحت قدمي الملك، وقال: إنه رآه وقد وطئ مواتا فعاش.
(5)

(1) خ ل: إيتاء (2) ظ: لاتباع.
(3) سورة طه: 88.
(4) سورة طه: 95.
(5) الدر المنثور 4 / 305.

[ 421 ]

وكيف ساغ تمكينه من ذلك؟ فقد استدعى به بني إسرائيل إلى الضلال وكان معلها (كذا) (1) كونه منه بهذه القبضة لله تعالى. وهل يجئ من كون ذلك قادحا في حكمة الله سبحانه؟ كون العقول دالة على بطلان ما دعى إليه. وفعل الاية مع المبطل من فاعلها سواء كان ما ادعى إليه جائزا في العقول، أو في حيز المحال، لأنها ينوب في التصديق له مناب قوله (قد صدقت الرؤيا) (2). وإذ لا فرق بين تصديقه فعلا وقولا، ومن صدق كاذبا فليس بحكم (3). وهل يجئ من ذلك ما يمكن بتجويزه من تقدم القاء القبضة والخوار من دعوى السامري. وأي فرق بين كون ذلك الذي ادعاه شافعا للخوار وبين تقدمه له؟ في قبح تمكينه منه، مع العلم أنه يستند به لكون القبضة والإلقاء معلومين للناس من جهته وصنعه. وليس يجري ذلك مجرى ما يشاهده الناس من أن يتقدم على دعواه داع إلى الباطل أو يتأخر عنها، لأن ذلك لا يكون معلوما وقوعه منه وحصوله من فعله، كما حصل القاء القبضة معلوما من جهة السامري، وشفع إلقاءه لها الخوار الذي وقع الفتنة به. فلينعم بما عنده في ذلك. الجواب: إعلم أن العلماء قد تأولوا هذه الآية على وجهين، كل واحد منهما يزيل المعترضة فيها.

(1) كذا في النسخة.
(2) سورة الصافات: 105.
(3) ظ: بحكيم.

[ 422 ]

أحدهما - وهو الأقوى والأرجح - أن يكون الصوت المسموع من العجل ليس بخوار على الحقيقة، وإن أشبه في الظاهر ذلك. وإنما احتال السامري بأن جعل في الذي صاغه من الحلي على هيئة العجل فرجا ومنافذ وقابل به الريح، فسمعت تلك الأصوات المشبهة للخوار المسموعة من الحي وإنما أخذ القبضة (1) التراب من أثر الملك وألقاها فيما كان سبك من الحلي ليوهمهم أن القبضة هي التي أثرت كون العجل حيا مسموع الأصوات، وهذا مسقط للشبهة. والوجه الآخر: أن الله تعالى كان أجرى العادات في ذلك الوقت، بأن من أخذ مثل تلك وألقاها في شئ فعل الله تعالى فيه الحياة بالعادة، كما أجرى العادة في حجر المقناطيس، بأنه إذا قرب من الحديد فعل الله تعالى فيه الحركة إليه. وإذا وقعت النطفة في الرحم فعل الله تعالى فيها الحياة. وعلى الجوابين معا ما فعل الله تعالى آية معجزة على يد كذاب ومن ضل عن القوم عند فعل السامري، إنما أتى من قبل نفسه. أما على الجواب الأول أنه كان ينبغي أن يتنبه على الحيلة التي نصبت حتى أوهمت أنه حي وأن له خوار، وإذا لم سخت (2) عن ذلك فهو القاصر. وعلى الجواب الثاني قد كان يجب أن يعلم أن ذلك إذا كان مستندا إلى عادة جرت بمثله، فلا حجة فيه وليس بمعجزة. ولم يبق مع ما ذكرناه شبهة.

(1) ظ: قبضة.
(2) ظ: وإذا لم يبحث.

[ 423 ]

المسألة التاسعة عشر [ حول تكلم هدهد سليمان (عليه السلام) وكيفية عذابه ] ما يحيل لكون هدهد سليمان عليه السلام عاقلا من طريقة العقول؟ ليسوغ الانصراف عن ظواهر ما حكاه الله تعالى عنه من الأقوال والأفعال الدالة بظاهرها القوي أنه ذو عقل يساوي عقول المكلفين. وأقوى ذلك قول سليمان عليه السلام (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين) (1) وهذا وعيد عظيم لا يجوز توجهه إلى غير ملوم على الخطأ المقصور فهمه عن فهم المكلفين. وكيف يجوز أن يوجب عليه مثل ذلك؟ لعدم البرهان المبين، وهو الحجة الواضحة التي يقيم عذره، ويسقط الملامة عنه، وقد كان له أن يذبحه من غير هذا الشرط على مقتضى ما أجاب به سيدنا (حرسه الله تعالى) من قبل، أن ذلك كان مباحا له. فلولا أن العذاب هاهنا والذبح جاريان مجرى العقاب، لما اشترطه في وجوبها (2) عليه عدم البرهان وفي سقوطها عند حصوله. وهذا يدل على أنه ذو عقل يوجب التكليف له، ولولا ذلك ما حسن هذا الوعيد العظيم على هذا الشرط والترتيب. ويدل على ذلك أيضا أن سليمان عليه السلام أهله لحمل كتابه والاعادة عليه بما يراه من القوم وما يقولون بقوله (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم

(1) سورة النمل: 21.
(2) ظ: وجوبهما، وكذا سقوطهما.

[ 424 ]

تول عنهم فانظر ماذا يرجعون) (1) ولو اعن (2) أحدنا من يقصر عقله عن عقل المكلفين على مثل هذا المهم العظيم لكان سفيها. وقوله من قبل (أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين) إلى قوله (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) (3) وما في هذا القصص من جودة اعتباره وحسن تدبيره، كقوله (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض) (4) الآية. فهل يسوغ الانصراف عن هذه الظواهر الغريبة بغير دلالة عقلية تحيل أن يعطي الله سبحانه العقل حيوانا مثله، وما أولاه (كبت الله أعداءه) يذكر ما عنده في ذلك إنشاء الله. الجواب: إنا قد كنا ذكرنا في جواب المسائل الأولى الواردة في معنى ما حكي عن النملة والهدهد ما قد عرف ووقف عليه. ونحن نجيب الآن عما في هذا السؤال المستأنف، ونزيل هذه الشبهة المعترضة، وأول ما نقوله: إن في الناس من ذهب إلى أنه لا يجوز أن يكون الهدهد وما أشبهه من البهائم كامل العقل، وهو على ما هو عليه من الهيئة والبنية، وعد ذلك في جملة المستحيل وهذا ليس بصحيح [ و ] لا دلالة عقلية تدل على ذلك. ومن أين لنا أن بنية قلب الهدهد وما جرى مجراه لا تحتمل العلوم التي

(1) سورة النمل: 28.
(2) ظ: أمن.
(3) سورة النمل: 22.
(4) سورة النمل: 25.

[ 425 ]

هي كمال العقل، وإذا كان العقل من قبل (1) العلوم والاعتقادات، وقلب البهيمة يحتمل الاعتقادات لا محالة، بل كثيرا من العلوم وإن لم يكن تلك العلوم عقلا. فأي فرق بين العلم الذي هو عقل، وبين العلم الذي ليس بعقل في احتمال القلب له؟ وما احتمل الجنس الذي هو الاعتقاد، لا بد أن يكون محتملا للنوع الذي هو العلوم. فإن قيل لنا: على هذا فإذا جوزتم أن يكون البهائم - وهي على ما هي عليه - في قلوبها علوم هي كمال العقل، والتكليف تابع لكمال العقل، فألا جوزتم أن تكون مكلفة وهي على ما هي عليه، كما جوزتم أن تكون عاقلة. قلت: الصحيح أن نقول: إن ذلك جائز لولا الدلالة على خلافه، والمعول في ذلك على إجماع المسلمين على أن البهائم ليست بكاملة العقول ولا مكلفة وهذا أيضا معلوم من دين النبي صلى الله عليه وآله، ولهذا روي عنه عليه السلام أنه قال: جرح العجماء جبار (2). وإنما أراد أن جنايات البهائم لا شئ فيها. ولا اعتبار بقول طائفة من أهل التناسخ بخلاف ذلك، لأن أصحاب التناسخ لا يعدون من المسلمين، ولا ممن يدخل قوله في جملة الإجماع، لكفرهم وضلالهم وشذوذهم من البين. وإنما قلنا إن الهدهد الذي خاطبه سليمان عليه السلام وأرسله بالكتاب لم يكن عاقلا، لأن اسم الهدهد في لغة العرب وعرف أهلها اسم لبهيمة ليست بعاقلة

(1) ظ: قبيل.
(2) نهاية ابن الأثير 3 / 182.

[ 426 ]

كما أنه اسم لما كان على صورة مخصوصة وهيئة معينة. فلو كان ذلك الهدهد عاقلا لما سماه الله تعالى، وهو يخاطبنا باللغة العربية هدهدا، لأن هذا الاسم وضع لما ليس بعاقل. وإجراؤه على من هو عاقل خروج عن اللغة، فأحوجنا اتباع هذا الظاهر إلى أن نتأول ما حكى عن هذا الهدهد من المحاورة، ونبين كيفية انتسابه إلى ما ليس بعاقل. وقد قلنا في ذلك وجهين ذكرناهما في جواب المسائل الأولى: أولهما: أن ليس يكون ما وقع منه قول، ولا نطق بهذا الخطاب المذكور، وإنما كان منه ما يدل على معنى هذا الخطاب، أو ضيف الخطاب إليه مجازا، وهو على مذهب العرب معروف، قد امتلأت به أشعارها وكلامها، فمنه قول الشاعر: امتلأت (1) الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني ونحن نعلم أن الحوض لا يقول شيئا، وأنه لما امتلأ ولم يبق فيه فضل لزيادة، صار كأنه قائل (حسبي) فلم يبق في فضل لشئ من الماء. وقد تحاوروا هذا في قول الشاعر: وأحصت لذي بال حين رأيته وكبر للرحمن حين رآني فقلت له أين الذي عهدتهم بحينك في خصب وطيب زمان فقال حصل واستودعوني بلادهم ومن ذا الذي يبقى على الحدثان له بهذه المعاني المحكية عند رؤيته خاليا من أهله، حكى ما استفاده من هذه المعاني عنه توسعا وتفاضحا. والوجه الآخر: أن يكون وقع من الهدهد كلام منظوم له هذه المعاني المحكية عنه بالهام الله تعالى له ذلك، على سبيل المعجزة لسليمان عليه السلام،

(1) ظ: امتلي.

[ 427 ]

كما جعل من معجزته فهمه لمنطق الطير وأغراضها في أصواتها. وليس بمنكر أن يقع الكلام الذي فيه بعض الأغراض ممن ليس بعاقل ولا مكلف. ألا ترى أن الصبي الذي لم يبلغ الحلم ولا دخل في التكليف قد يتكلم بكلام فيه أغراض مفهومة وكذلك المجنون. وليس يجب إذا حكى الله تعالى عن الهدهد ذلك الكلام المرتب المتسق أن يكون الهدهد نطق على هذا الترتيب والتنضيد، بل يجوز أن يكون نطق بما له ذلك المعنى، فحكاه الله تعالى بلفظ فصيح بليغ مرتب مهذب. وعلى هذا الوجه يحكي العربي عن الفارسي، والفارسي عن العربي، وإن كان العربي (1) لا ينطق بالعربية. وعلى هذا الوجه حكى الله تعالى عن الأمم الماضية من القبط وغيرهم، وعن موسى عليه السلام وفرعون، ولغتهما لغة القبط ما حكاه من المراجعات والمحاورات، وهم لم ينطقوا بهذه اللغة، وإنما نطقوا بمعانيها بلغتهم، فحكاه الله تعالى باللغة العربية وعفتها وقدسها. وهذا مزيل العجب من نطق الهدهد بذلك الكلام المرتب، لأنه لا يمتنع أن يكون ما نطق به بعينه، وإنما نطق بماله معناه. فإن قيل: فقد رجعتم في الجوابين معا عن مطلق (2) القرآن، لأن حمل القول المحكي على أن المراد به ما ظهر من العلامات والدلالات، على ما أنشدتموه من الشعر مجاز غير حقيقة. وكذلك إضافة القول المترتب إلى من لم يقله من ترتيبه، وإنما قال ما له معناه أيضا مجاز، فقد هربتم من مجاز إلى مجاز، من أنكم إمتنعتم من أن تسموا هدهدا عاقلا كاملا بمخالفة اللغة، وأنه عدول عن

(1) ظ: الفارسي.
(2) ظ: منطق.

[ 428 ]

مقتضاها، فما أجبتم به أيضا بهذه الصفة. قلنا: الفرق بين الأمرين واضح، فإن العادة قد جرت للعرب بما ذكرناه في الجواب الأول من المجاز، وهو في كلامهم وأشعارهم ظاهر شائع، حتى كاد يلحق بالحقيقة، وما جرت عادتهم باسم الهدهد وما أشبهه من البهائم شخصا عاقلا مكلفا على سبيل الافادة ولا التلقيب، فعدلنا عن مجاز [ غير ] معهود ولا مألوف إلى مجاز معهود مألوف. وأما الجواب الثاني فلا نسلم أنه مجاز، ولا فيه من الاستعارة، لأن من حكى معاني كلام غيره بلغة أخرى، أو على ترتيب آخر بعد أن لا يتجاوز تلك المعاني ولا يتعداها، وإن عبر عنها بغير تلك العبارة لا يقول أحد أنه متجوز ولا مستعير. فبان الفرق بين الموضعين. فإن قيل: قد شبهتم شيئا وبما لا يشبهه، لأن القائل: امتلاء الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني إنما مراده امتلاء حتى لو كان ممن يقول لقال كذا، وكذلك الجبل إنما حكي عنه ما لو كان قائلا لقاله، وقوله (وشكي إلي بعبرة وتحمحم) أي فهمت من بعيره (1) وحمحمته التألم والشكوى، فأين نظير ذلك في الهدهد. قلنا: مثل هذا قائم في الحكاية عن الهدهد، لأن سليمان عليه السلام لما رأى أن الهدهد إنما ورد إليه من مدينة سبأ حكي عنه ما لو كان قائلا لقاله من أحوالها وصفة ملكها، ومعلوم أن الأمر كذلك، لأن الهدهد لو كان قائلا لقال، وقد عاين ذلك الملك (إنني علمت ما لم تعلم وأني وجدت امرأة تملكهم ولها عرش عظيم (2)) والعرش هاهنا هو الملك أو الكرسي الذي حكيناه

(1) ظ: عبرته.
(2) عبرته.
(2) سورة النمل: 23 والآية كذا: إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم.

[ 429 ]

وقد جاء في القرآن وأخبار النبي صلى الله عليه وآله لذلك نظائر كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى حكاية عن السماء والأرض (قالتا أتينا طائعين (1)) والمعنى لو كانتا مما يقولان لقالتا. وقوله جل اسمه (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا (2)) أنها لو كانت (3) يشفقن ويأبين لأبين ويشفقن. وقوله (لو كتبت القرآن في أهاب ثم ألقي في النار لما احترق) (4) وعلى هذا معناه وتقديره: لو كانت النار لا تحرق شيئا لجلالته وعظيم قدره لكانت لا تحرقه. ولا يجعل على هذا الوجه سليمان (عليه السلام) مستفيدا من الهدهد خبر سبأ، بل كان سليمان (عليه السلام) بذلك عالما قبل حضور الهدهد، فلما حضر الهدهد بعد غيبته وعلم أنه من تلك البلدة ورد أضاف إليه من القول والخبر ما لو كان مخبرا لقاله، كما قيل في الحوض والجبل. فإن قيل: ألا جوزتم أن يكون الله تعالى فعل في الهدهد كلاما هذه صفته، وكذلك في النملة. قلنا: إضافة القول إليهما دونه تعالى يمنع من ذلك، والقائل هو فاعل القول دون محله. فأما قوله (لأعذبنه عذابا شديدا) فالعذاب هو الألم والضرر، وليس

(1) سورة فصلت: 11.
(2) سورة الاحزاب: 72.
(3) ظ: كن.
(4) نهاية ابن الأثير 1 / 83.

[ 430 ]

[ يجري ] مجرى العقاب الذي لا يكون إلا على سبب متقدم ولا يكون مبتدءا. ألا ترى أنهم يقولون ابتدأه بالعذاب، ولا يقولون ابتدأه بالعقاب. وقد يبيح الله تعالى من إيلام البهائم ما تضمن هو العوض عنه، كما أباح ركوبها والحمل عليها وأن ألمها ويثق عليها (1) وأباح ذبحها. وقد روي أن العذاب الذي ذكره سليمان (عليه السلام)) إنما كان نتف ريشه. وليس قوله (لأعذبنه ولأذبحنه) وعيدا على ما جرى في المسألة، لأن القائل قد يقول وهو غير متوعد: إن كان كذا ذبحت شاتي، وإن لم يطر طائري إلى الموضع الفلاني ذبحته. لأنه مخير في أوقات هذا الذبح المباح، وكان (عليه السلام) يخبر عن ذبح الهدهد أو نتف ريشه إن لم يعلم من حاله ما يصرفه عن هذا الداعي، فلما علم وروده من تلك الجهة، انصرف عن داعي الذبح أو الأيام (2). ومعي (3) (سلطان مبين) أي يأتي بأمر يصرفني عما عزمت عليه، فكأنه حجة وسلطان. وسليمان (عليه السلام) لم يجعل على الحقيقة الهدهد رسولا متحملا لكتاب، ولا قال له: اذهب بكتابي هذا ألقه إليهم، ثم تول فانظر ماذا يرجعون، بل لما ظهر منه (عليه السلام) ما فيه معاني هذه الحكاية وفوائدها، جاز على مذهب العرب أن يضاف إليه أنه قال ذلك. ألا ترى أن أحدنا قد يكتب كتابا مع طائر، ويرسله إلى بعض البلدان، ليعرف أخبار تلك البلدة وأحوالها، فيجوز أن يقول هذا ويحكي عنه غيره أنه أرسل يريد الطائر، وقال: عرفني ما في ذلك البلد وصف لي أحوال كذا

(1) كذا في الأصل.
(2) ظ: الايلام.
(3) ظ: ومعنى.

[ 431 ]

وأخبار كذا، ويجعل ما هو غرضه كأنه ناطق به وما يوصل به إلى هذا الغرض، كأنه رسول مخاطب بالتي سئل. ولذلك يقول الفصيح منهم ركبت فرسي أو جملي، فقلت له: اذهب بي إلى البلد الفلاني وأسرع بي إليه وهو ما قال شيئا، وأن المعنى ما ذكرناه. ومن أنس بفصيح كلام العرب ولطيف إشاراتها وسرائر فصاحاتها، تمهدت هذه الأجوبة التي ذكرناها تولية وتحققها لمطابقة طريقة القوم و مذاهبهم. المسألة العشرون [ تأويل آية (لن يستنكف المسيح) وغيرها ] ما جواب من استشهد على أن الملائكة أفضل من الأنبياء (عليهم السلام) بقوله سبحانه (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون) (1) من حيث أن هذا الكلام المقصود به التعظيم والرفعة، يدل على أن المذكور أفضل من الأول وأشهر في الفضل، وأنه لو كان دونه لم بجز استعماله. ويدل على أن القائل إذا كان حكيما لا يجوز أن يقول: لن يستنكف الوزير أن يأتيني ولا الحارس، بل ينبئ عمن هو أجل وأعلى، فقال: لن يستنكف الوزير أن يأتيني ولا الملك. وهذا يوجب كون الملائكة أفضل من المسيح (عليه السلام)، سيما وليس المراد في قوله (المقربون) الإخبار عن قرب المكان، لاستحالة ذلك عليه سبحانه، وإنما المراد قرب المنزلة في الثواب وعظمها، ووصفهم بذلك يدل على التعظيم.

(1) سورة النساء: 172.

[ 432 ]

وليس لأحد أن يقول: إن ذلك المقال قد يستعمل في المتماثلين في الفضل لأنه ليس في الأمة قائل به، وإنما الأمة قائلان: قائل يقول الأنبياء أفضل وقائل يقول الملائكة أفضل. وليس يصلح كما بينا التنبيه في مثل هذا المقال بالمفضول بل بالأفضل. وقد تقدم في ذلك قول من يقول إنما ثنى بذكرهم لأنهم عبدوا المسيح عليه السلام، لأن ذلك لا يؤثر فيما قد بينا أن العرف في الكلام يقتضيه، وكذلك الظاهر. وقوله تعالى (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول أني ملك) (1) يدل على عظم حال الملك. وقوله تعالى (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا إلا ملك كريم) (2). وقوله تعالى حكاية عن إبليس (لعنه الله) (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) (3) يدل على عظم حال الملك، وأنه المعلوم له ولهما، ولولا ذلك ما رغبهما في أمرهما أفضل منه، ولكان الله سبحانه قد أنكر عليه. فليتطول بما عنده في ذلك مثابا إنشاء الله تعالى. الجواب: أما قوله تعالى (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة

(1) سورة هود: 31.
(2) سورة يوسف: 31.
(3) سورة الأعراف: 20.

[ 433 ]

المقربون) فإنه لا يدل على فضل الملائكة على الأنبياء من وجوه ثلاثة: أولها: أنه غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة (عليهم السلام) أفضل وأكثر ثوابا من المسيح عليه السلام، وإن كان المسيح أفضل وأكثر ثوابا من كل واحد من الملائكة، وهو مسألة الخلاف. ولم يقل تعالى: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا جبرائيل ولا ميكائيل. فيدل على أن المؤخرة ذكره أفضل، وأن جبرائيل أفضل من المسيح بل قال (ولا الملائكة المقربون) وهذا لفظ يقتضي جماعتهم. ولا يمتنع أن يكون الجمع من الملائكة أفضل من كل واحد من الأنبياء (عليهم السلام). والجواب الثاني: إن المؤخر في مثل هذا الخطاب المذكور في الآية لا بد من أن يكون إما أفضل من المقدم، أو مقارنا له في الفضل. ولا يجوز أن [ لا ] يكون مقارنا له في الفضل. ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول القائل: لن يستنكف الأمير أن يزورني ولا الحارس، ويحسن أن يقول: لن يستنكف الأمير الفلاني أن يزورني ولا الأمير الفلاني إذا كانا مقارنين ومدانيين في الفضل. وكذلك لن يستنكف الأمير ولا الوزير للمقارنة. والجواب الثالث: أنه من الجائز أن يكون الله تعالى خاطب بهذه الآية قوما كانوا يعتقدون فضل الملائكة على الأنبياء، فأجرى الخطاب على اعتقاداتهم كما قال تعالى (ذق إنك أنت العزيز الكريم (1)) ونحن عند قومك ونفسك، وكما قال تعالى (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا) (2) وقد يقول أحدنا لغيره: لن يستنكف أبي أن يفعل كذا ولا أبوك، وإن اعتقد القائل أن أباه

(1) سورة الدخان: 49.
(2) سورة طه: 97.

[ 434 ]

أفضل من أبي المخاطب للمعنى الذي ذكرناه. وأما قوله تعالى (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول أني ملك) فلا يدل على تفضيل الملائكة عليه، لأن الغرض في كلامه نفي ما لم يكن عليه، لا التفضيل بين الأحوال. لأن أحدنا لو ظن به أنه على صفة وليس عليها جاز أن ينفيها عن نفسه على هذا الوجه، وإن كان في نفسه على أحوال هي أفضل من تلك الحال، وإنما اتفق في الحالتين المنفيتين اللتين هما علم الغيب واستحفاظه خزائن الله إن كان فيها فضل. وليس ذلك مما ينفع فيما نفاه، وهذه أن يكون مما لا فضل فيه، أو مما فيه فضل يزيد فضله في نفسه عليه. والذي يبين عن ذلك أنه قال عقيب ذلك في سورة هود خاصة (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا) (1) ونحن نعلم أن هذه منزلة غير جليلة، وهو على كل حال أرفع منها وأعلى، فألا كان انتفاؤه من الملائكة جاريا هذا المجرى. فأما الحكاية عن النسوة اللاتي شاهدن يوسف عليه السلام فأعجبهن حسنه (ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم) (2) فإنه لا يدل أيضا على فضل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام من وجهين: أحدهما: أنهن ما نسبنه إلى الملائكة تفضيلا في ثواب حال الملائكة على حال الأنبياء عليهم السلام، ولا خطر ذلك ببالهن ولكن حسنه وكمال خلقته أعجبهن نفين (3) عنه البشرية التي لم يعهدن فيها مثله ونسبوه إلى أنه ملك،

(1) هود: 31.
(2) سورة يوسف: 31.
(3) خ ل: لنفوا، والظاهر: فنفين.

[ 435 ]

لأن الملك يقال: إنه إذا تجسد وتصور فإنه يتصور بأحسن الصور. وأما الوجه الآخر: إن اعتقاد النسوة ليس بحجة، لأنهن قد اعتقدن الباطل والحق، فلو وقع منهن ما يدل صريحا على تفضيل الملائكة على الأنبياء لم تكن حجة. وأما ترغيب إبليس لآدم وحواء عليهما السلام في أن يصيرا ملائكة بأن يتناولا من الشجرة، فغير دال أيضا على خلاف مذهبنا. وليس بمنكر أن يريد بقوله (إلا أن تكونا ملكين) أن المنهيين عن تناول الشجرة هم الملائكة دونكما، كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلانا. وإنما يعني أن المنهي هو فلان دونك، ولم يرد بقوله أن تكون أن تصير فلانا وتنقلب خلقتك إلى خلقة فلان. فمن ين للمخالف أن قوله تعالى (إلا أن تكونا ملكين) المراد أن ينقلبا ويصيرا دون ما ذكرناه. وإذا كان اللفظ محتملا فلا دلالة في الآية. وقد كنا أملينا مسألة مفردة في تفضيل الأنبياء على الملائكة، استقصينا الكلام فيها، وقلنا في استدلالهم علينا هذا الذي حكيناه: إن إبليس إنما رغبهما في أن ينتقلا إلى صفة الملائكة وخلقها. وهذه الرغبة لا تدل على أن الملائكة أفضل منهما في الثواب الذي فيه الخلاف. ألا ترى أن المنقلب إلى خلقة غيره، لا يجب أن يصير على مثل ثوابه بالانقلاب إلى صورته وخلقته، كما رغبهما أن يكونا من الخالدين. وليس الخلود مما يقتضي مزية، وإنما هو نفع عاجل، فلا يمتنع أن تكون الرغبة منهما أن يصيرا ملكين على هذا الوجه. وذكرنا أيضا في تلك المسألة وجها مليحا غريبا يلزم المعتزلة، وهم مخالفونا

[ 436 ]

في هذه المسألة، وهو أن نقول لهم: بم تدفعونا أن يكونا اعتقدا أن الملك أفضل من النبي، وغلطا في ذلك، وهو منهما ذنب صغير، لأن الصغائر تجوز عندكم على الأنبياء. فمن أين لكم أن اعتقاد آدم عليه السلام لا بد أن يكون على ما هو عليه؟ مع تجويزكم الصغائر عليه، وهذا مما لا يوجدون فيه فصلا. المسألة الحادية والعشرون [ تحدي القرآن بقوله (فأتوا بسورة من مثله) ] قال لي قائل وقد أسى: إذا كنتم معشر المسلمين تظنون الآن من نفوسكم أن من أتاكم بمثل سورة من سور القرآن صغيرة كانت أو كبيرة، كانت الحجة له لا عليه. فها أنا أورد لكم مثل سورة (إنا أعطيناك الكوثر) على وجهين: أحدهما (لقد أتيناك المفخر، فتهجد به واشهر، واصبر فعدوك الأصغر). والآخر (لقد أنذرناك المحشر، وشددنا أزرك بحذر، فاصبر على الطاعة توجر). فقلت له: الأول كلام أبدل بكلام في معناه، فقال: وما الذي تخرجه عن المعارضة وإن كان كذلك، مع أن الثاني على غير هذه الصفة، وقد صحت فيه الفصاحة والنظم اللذان وقع التحدي بهما. ثم ذكر (قل يا أيها الكافرون) وادعى أنها لبعيدة من الفصاحة. وسيدنا (فسح الله في مدته) لينعم بما عنده في ذلك، وبإيضاح خروج ذلك عن المعارضة، هذا إن كان قوله (فأتوا بسورة من مثله) يوجب تخييرهم طوال السور وقصارها.

[ 437 ]

وهل يجوز أن يكون القول بقيد سورة يختارها هو عليه، أو يكون هذا القول قبل نزول القصار، أو يكون الهاء راجعة في هذا المكان عليه عليه السلام وهو لأن مثله من (1) لم يستفد من المخلوقين العلم والحظ لا يأتي بذلك ولا أولاه، بالإجابة عن هذه الشبهة، فلما يرد من عنده المزية القوية الراجحة، لا أعدمه الله تعالى التوفيق وقع (2) به كل ضال وزنديق. الجواب: إعلم أن الذي يعلم أن هذا الذي حكي في المسألة من الكلام المسجوع ليس بمعارضة للقرآن، وأن معارضته لا تتأتى في أنف الزمان، كما لا تتأتى في سالفه. أن من المعلوم ضرورة أن الذين تحدوا بالقرآن من فصحاء العرب وبلغائهم وخطبائهم وشعرائهم كانوا على المتأخرة لو كانت متأتية غير ممنوعة أقدر وبها أبصر وأخبر. فلما وجدناهم مع التصريح والتعجيز وتحمل الضرر الشديدة في مفارقة الأديان والأوطان والربانيات والعبادات فقدوا (3) عن المعارضة ونكلوا عن المقابلة علمنا أن من يأتي بعدهم عنها أعجز ومنها أبعد. وإن كل شئ تكلفه بعض الملحدين في هذه الأزمان القريبة وادعوا أنه معارضة ليس بواقع، لأن ما يقدر عليه أهل زماننا هذا من كلام فصيح ذلك السلف، عليه أقدر و [ ما ] أعجز عنه ذلك السلف، فمن يأتي بعدهم أولى بالعجز. وهذا دليل في نفي المعارضة، وما يحتاج معه إلى تصفح المعارضات

(1) ظ: ممن.
(2) ظ: وقمع.
(3) ظ: قعدوا، أو بعدوا.

[ 438 ]

وتأملها وبيان قصور منزلتها عن منزلة القرآن. فأما هذا الكلام المسطور المحكي في المسألة كلام لا فصاحة له ولا بلاغة فيه، ولا يتضمن معنى دقيقا ولا جليلا، فكيف يعارض به ويقابل ما هو في غاية الفصاحة والكلفة والتحمل فيه ظاهر. وأين قوله (لقد أتيناك المفخر) من قوله (إنا أعطيناك الكوثر)؟ وأين قوله (فتهجد لله وأشهر) من قوله (فصل لربك وانحر)؟ وأين قوله (فاصبر فعدوك الأصغر) من قوله (إن شانئك هو الأبتر)؟ ومن له أدنى علم بفصاحة وبلاغة لا يعد هذا الذي تكلف وأمارات الكلفة والهجنة فيه بادية فصيحا ولا بليغا بل ولا صحيحا مستقيما. فأما (الكوثر) فقد قيل: إنه نهر في الجنة. وقيل: إن الكوثر النهر بلغة أهل السماوة. وقيل: إن الكوثر إنما أراد به الكثير، فكأنه تعالى قال: إنا أعطيناك الخير الكثير. وهو أعجب التأويلين إلي، وأدخل في أن يكون الكلام في غاية الفصاحة، فإن العبارة عن الكثير بالكوثر من قوي الفصاحة. وقوله (فصل لربك وانحر) أن استقبل القبلة في نحرك، وهو أجود التأويلات في هذه اللفظة من أفصح الكلام وأبلغه وأشده اختصارا، والعرب تقول: هذه منازل تتناحر. أي تتقابل. وقال بعضهم: أبا حكم هل أنت عم مجالد وسيد أهل الأبطح المتناحر فأما قوله (إن شانئك هو الأبتر) فمن أعجب الكلام بلاغة واختصارا وفصاحة، وكم بين الشاني والعدو في الفصاحة وحسن العبارة. وقيل: إن الأبتر هو الذي لا نسل له ولا ذكر له من الولد، وأنه عني بذلك العاص بن وابل السهمي. وقيل: إن الأبتر هاهنا هو المنقطع الحجة والأمل والخير، وهو أحب إلي وأشبه بالفصاحة.

[ 439 ]

فهذه السورة على قصرها كما تراها في غاية البلاغة إذا انتقدت وركية تنبع كل فصاحة إذا اختبرت. ومن لم يقدر على هذا الاختيار والاعتبار، فيكفيه في نفي المعارضة والقدرة عليها ما قدمناه من الدليل على سبيل الجملة. فأما قوله تعالى (فأتوا بسورة من مثله) فداخل فيه الطوال والقصار من غير تعيين على سورة يقع الاختبار عليها منه عليه السلام من غير تفرقة بين القصار والطوال. ولا خلاف بين المسلمين في ذلك، لأن التحدي أولا وقع بجميع القرآن في قوله تعالى (قال لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) ثم وقع الاقتصار على سورة واحدة فقال تعالى (فأتوا بسورة من مثله) ولم يفرق بين طويلة وقصيرة. والهاء في قوله (مثله) راجعة إلى القرآن لا إليه عليه السلام بلا شك والأمر (1) به. فأما سورة الكافرين وادعائه (2) من جهل في حالها أنها بعيدة من الفصاحة والذي يكذب هذه الدعوى على خلوها من الفصاحة ولقالوا له كيف يعد زيادة فصاحة قراءتك على فصاحتنا، وهذه السورة خالية من الفصاحة، فقد وافقوا على ما هو دون ذلك، وهم للفصاحة أنقد وبمواضعها أعلم. وإنما يجهل فصاحة هذه السورة من لم يعرف، فظن أن تكرار الألفاظ فيها لغير فائدة مجددة، والأمر بخلاف ذلك. وقد بينا في كتابنا المعروف ب‍ (غرر الفرائد) أن هذه السورة وإن تكررت فيها الألفاظ، فكل لفظ منها تحته معنى مجدد، وأن المتكرر ليس هو على وجه التأكيد الذي ظنه الأغبياء، وبينا فوائد كل متكرر من ألفاظها، ومن فهم ما قلناه فيها علم أنها في سماء الفصاحة والرجاحة.

(1) ظ: ولامرية.
(2) ظ: وادعاء.

[ 440 ]

المسألة الثانية والعشرون [ حكم نذر صوم اليوم المصادف للعيد ] ما قوله (حرس الله مدته) فيمن نذر أن يصوم يوما يبلغ فيه مرادا، واتفق كون ذلك اليوم يوم عيد أو يوما قد تعين صومه عليه بنذر آخر. هل يجزيه صوم اليوم الذي قد تقدم وجوب صومه عليه بالنذر المتقدم عن صوم يجعله بدلا منه إذا اتفق في النذر الثاني أم لا؟ وهل يسقط عنه صوم اليوم الذي اتفق أنه يوم عيد بغير بدل أم ببدل. الجواب: من نذر صوم يوم قدوم فلان، فاتفق قدومه في يوم عيد فالواجب فطر ذلك اليوم، لأنه عيد ولا قضاء عليه. والوجه فيه: أنه نذر معصية، وقد أجمعت الطائفة أنه لا نذر في معصية، ورووا عن أئمتهم أيضا ذلك صريحا في روايات مشهورة. وسواء كانت المعصية المنذور فعلها أو المنذور فيها، لأنه لا فرق في امتناع انعقاد النذر بين أن يقول: إن قدم فلان شربت خمرا أو ركبت محرما، وبين أن يقول: إن شربت خمرا أو زنيت بفلانة فعلي أن أتصدق بكذا. وإذا كان صوم يوم العيد معصية بلا شبهة، وتعلق نذره به، فلم ينعقد نذره وإذا لم ينعقد فلا قضاء ولا كفارة، لأنهما إنما يلزمان في نذر منعقد. فإذا قيل: فهو لم يعلم أن ذلك اليوم يوم عيد، فيكون نذره متعلقا بمعصيته. قلنا: هو وإن لم يعلم بذلك، فهو في نفسه معصية، وقد تعلق نذره بمعصية

[ 441 ]

وإن كان لا يعلم، ونذر المعصية على الإطلاق لا يجوز وجرى ذلك مجرى أن يقول: إن جامع فلان فلانة في اليوم الفلاني فعلي صدقة فلانية، واتفق أنه جامعها زنا وحراما، فإن نذره لم ينعقد، لأنه تعلق بمعصية وإن لم يعلم. وأما المسألة الأخرى وهي إذا نذر صوم يوم عليه ببعض الشروط، واتفق حصول ذلك الشرط في يوم قد تعين عليه صومه بنذر متقدم لنذره هذا، فالأولى أن لا قضاء عليه، لأن نذره تعلق بما يستحيل فلم ينعقد، وإذا لم ينعقد فلا قضاء. وإنما قلنا إنه مستحيل، لأن صوم ذلك اليوم قد تعين صومه بنذر سابق يستحيل أن يجب بسبب آخر، فكأنه نذر ما يستحيل وقوعه، وجرى مجرى أن تعلق نذره باجتماع الضدين. والذي يكشف عن استحالة ما نذره أنه إذا قال: علي أن أصوم يوم قدوم فلان، فكأنه نذر صوم هذا اليوم على وجه يكون صومه مستحقا بقدوم ذلك القادم. وهذا اليوم الذي فرضنا أنه متعين صومه بسبب متقدم يستحيل فيه أن يستحق صومه بسبب آخر من الأسباب. وهذا بين. المسألة الثالثة والعشرون [ امتناع أمير المؤمنين (ع) عن محو البسملة في معاهدة النبي (ص) ] ما جواب من قدح في عصمة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بما جاء مستفيضا في امتناعه على النبي صلى الله عليه وآله من محو (بسم الله الرحمن الرحيم) من المكاتبة العام المعاصات بسهيل بن عمرو، حتى أعاد النبي صلى الله عليه وآله وترك يده عند محوها.

[ 442 ]

فقال: ليس يخلو من أن يكون قد علم أن النبي صلى الله عليه وآله لا يأمر إلا بما فيه مصلحة، ويقتضيه الحكمة والبينات (1)، وأن أفعاله عن الله سبحانه وبأمره أو لم يعلم. فإن كان يعلم ذلك، فلم خالف مع ما علم؟ وإن كان لم يعلمه، فقد جهل ما يدل عليه العقول من عصمة الأنبياء من الخطأ، وجوز المفسدة فيما أمر به النبي صلى الله عليه وآله لهذا إن لم يكن قطع بها. وهل يجوز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام توقف عن قبول الأمر لتجويزه أن يكون أمر النبي معتبرا له ومختبرا، مع ما في ذلك لكون النبي صلى الله عليه وآله عالما بإيمانه قطعا، وهو خلاف مذهبكم، ومع ما فيه من قبح الأمر على طريق الاختبار بما لا مصلحة في فعله على حال. فإن قلتم: إنه جوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قد أضمر محذوفا يخرج الأمر به من كونه قبيحا. قيل: لكم: فقد كان يجب أن يستفهمه ذلك ويستعلمه منه، ويقول: فما أمرتني قطعا من غير شرط أضمرته أولا. فقولوا ما عندكم في ذلك. الجواب: إن النبي صلى الله عليه وآله لما أمر أمير المؤمنين بمحو اسمه المضاف إلى الرسالة، وإثباته خاليا عن هذه الاضافة، على ما اقترحه سهيل بن عمرو، الذي كانت الهدنة معه نفر من ذلك واستكبره واستعظمه، وجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله إنما قال أفعل ذلك مرضيا لسهيل، وإن كان لا يؤثره ولا يريد فعله، بل يؤثره التوقف عنه. فتوقف حتى يظهر من النبي صلى الله عليه وآله ما يدل على أنه لذلك مؤثر، وأنه أمر في الحقيقة محو ما كتب، فصبر أمير المؤمنين

(1) ظ: السياسات

[ 443 ]

عليه السلام على ذلك على مضض شديد. وقد يثقل على الطباع ما فيه مصلحة من العبادات، كالصوم في الحر، والغسل بالماء في الزمهرير. وقد روي أن عمر بن الخطاب قام في تلك الحال إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: ألست نبي الله؟ فقال له: بلى. فقال: أو لسنا بالمسلمين؟ فقال عليه السلام: بلى. فقال: فلم تعطي هذه الدنية من نفسك؟ فقال: ليست بدنية أنها خير لك. فقال: أفلست قد وعدتنا بدخول مكة فما بالنا لا ندخلها؟ فقال عليه السلام له: أو عدتك بدخولها العام. فقال عمر: لا. فقال عليه السلام: فتدخلها. ويروى عن عمر أنه قال: ما شككت منذ أسلمت إلا يوم صالح رسول الله صلى الله عليه وآله أهل مكة، فإنني قلت له: كذا وكذا. وساق الحديث (1). فأما ما مضى في أثناء المسألة من أنه كان يجب مع الشك أن يستفهم، فقد فعل عليه السلام ما يقوم مقام الاستفهام من التوقف، حتى ينكشف الأمر. وقد بان بتوقفه الأمر واتضح، وهو عليه السلام ما كان قط شاكا في أن الرسول لا يوجب قبيحا ولا يأمر بمفسدة، وإنما لما تعلق ما ظهر من صورة الأمر بفعل تنفر منه النفوس وتحيد عنه الطباع، جوز عليه السلام ألا يكون ذلك القول أمرا فتلاه بتوقفه، وذلك منه عليه السلام غاية الحكمة ونهاية الاحتياط للدين. نجزت المسائل الطرابلسيات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الأكرمين.

(1) رواه مسلم في صحيحه 1 / 94 وراجع القصة والكلام حولها كتاب الطرائف ص 440.

[ 444 ]

لفت نظر: بالرغم من الجهود المبذولة في التصحيح المطبعي وإخراج الرسائل عارية عن الإخطاء، فقد عثرنا على أغلاط بعد إكمال طبع المجموعة نرجو العفو والإغماض من القارئ الكريم والتصحيح حيث ما يرونها، ونحن أحلناها للمراجع الأخرى. وأهمها ما وقع من الخطأ في عنوان الرسالة السابعة في ص 307 والصحيح جوابات المسائل الطرابلسيات الثانية.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية