الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مسائل الناصريات - على بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى

مسائل الناصريات

تأليف علم الهدى السيد على بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى
355 - 436 ه‍ تحقيق مركز البحوث والدراسات العلمية


[ 2 ]

اسم الكتاب: مسائل الناصريات المؤلف: السيد الشريف المرتضى التحقيق: مركز البحوث والدراسات العلمية الناشر: رابطة الثقافة والعلاقات الاسلامية مديرية الترجمة والنشر المطبعة: مؤسسة الهدي تاريخ النشر: 1997 م / 1417 ه‍ ق عدد النسخ: 3000 شابك: 7 - 55 - 6177 - 964 469 - 7716 - 55 - 7: ISBN العنوان: الجمهورية الاسلامية في ايران / طهران ص. ب: 6187 / 55141 حقوق الطبع محفوظة

[ 3 ]

مسائل الناصريات تأليف علم الهدى السيد على بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى 355 - 436 ه‍ تحقيق مركز البحوث والدراسات العلمية

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف بريته وخاتم رسله محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله) الطيبين الطاهرين وعلى صحبه المنتجبين. إعلم أن الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية قد كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وانظارهم خلافا لابد من وقوعه. ولا يخفى على اهل العلم والمعرفة ما للابحاث المقارنة من فوائد جمة، واهمية كبيرة في تطوير الدراسات الاسلامية والابحاث العلمية، وذلك بالاستفادة من التلاقح الفكري، والقضاء على النعرات الطائفية وابعادها عن مجال البحث العلمي، والحد من تأثير العوامل التي تساعد على التفرقة والتشتت، واطلاع اصحاب المذاهب كل على وجهة نظر المذهب الآخر. فالخلافي المطلع على اسلوب البحث المنهجي، البعيد عن التعصب، يمكنه التغلب على عواطفه المشبعة بالشوائب، والتحكم بآرائه وأفكاره. وقد أتعب الكثير من الفقهاء - على اختلاف مذاهبهم - أنفسهم الزكية في الخوض بكتابة الأبحاث الفقهية المقارنة والخلافية، والظهور على مسرح الأبحاث بأفكار صائبة ثاقبة. فالفقه المقارن: هو جمع آراء المجتهدين في شتى المسائل الفقهية على صعيد واحد من دون إجراء موازنة بينها، أما الخلاف بينها: فهو جمع الآراء الفقهية المختلفة

[ 6 ]

وتقييمها والموازنة بينها بالتماس أدلتها وترجيح بعضها على بعض. ويمكن ان يعد الكتاب الماثل بين يديك - عزيزنا القاري - احدى المصنفات التي جادت به يراعة علم من أعلام الهدى في القرنين الرابع والخامس الهجري السيد الجليل أبو القاسم علي بن الحسين المعروف بالشريف المرتضى رضوان الله تعالى عليه، حيث اختار مجموعة من المسائل الفقهية في ابواب مختلفة من كتاب جده الناصر، واستوفى البحث فيها بعد أن أقام الأدلة والبراهين والحجج الساطعة على مذهبه، وتقوية رأيه الذي اعتمده، فكان موافقا لبعضها، ومخالقا للبعض الأخر. وبالوقت الذى يقدم مركز البحوث والدراسات العلمية بقم المشرفة هذا الكتاب يسره ان يقدم خالص شكره وتقديره للاخوة الأعزاء الذين بذلوا قصارى جهدهم في تحقيق وتصحيح هذا الكتاب الشريف، وإخراجه بحلة قشيبة، سائلا المولى العلي القدير أن يوفقنا وجميع العاملين المخلصين لما فيه الخير والصلاح إنه خير مدعو ومسؤول. مركز البحوث والدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية 3 / شعبان / 1417 ه‍

[ 7 ]

بين يدي الترجمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين. وبعد، لما كان من المتعارف عند تحقيق الكتاب أن يصدر الكتاب بتعريف للمؤلف، حاولت أن اشير إلى مقاطع من حياة الشريف المرتضى رحمه الله بما يناسب حجم هذا الكتاب، فأقول: كان الشريف الأجل المرتضى رضوان الله تعالى عليه علما من أعلام الهدى، وأحد أبرز علماء القرن الرابع الهجري، والمثل البارع في الورع والزهد والحلم والتقى، وكيف لا يكون كذلك وهو ذو المجدين، وغصن الدوحة المحمدية، ولد ونشأ في بيت كان للمعرفة الإسلامية فيه أكثر من سمة. لقد امتاز الشريف المرتضى رحمه الله بحسب سامي، ونسب عالي مما زاده فخرا وعزا وسؤددا. نسبه من ابيه على بن الشريف أبى أحمد الحسين بن موسى بن محمد الأعرج ابن الملقب أبا سبخة ابن إبراهيم ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق

[ 8 ]

ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام السبط الشهيد بكربلاء الحسين ابن الإمام علي بن ابي طالب عليهم أفضل التحية والسلام. قال العمري بعد أن ذكر نسبه الشريف المتقدم: " وهذا البيت أجل بيت لبني الكاظم (عليه السلام) اليوم " (1). نسبه من امه امه السيدة الجليلة العلوية فاطمة بنت الناصر الصغير (2) الحسن ابن أبي الحسين أحمد الناصر الكبير صاحب جيش ابيه بن علي بن الناصر لدين الله أبي محمد الحسن (3) بن أبي الحسن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين السبط الشهيد ابن الإمام أمير المؤمنين عليهم السلام. ولادته ونشأته ولد الشريف المرتضى في دار والده الواقعة بمحلة باب المحمول، من محال الجانب الغربي الموسوم بالكرخ من مدينة السلام بغداد في شهر رجب من السنة الخامسة والخمسين بعد الثلاثمائة للهجرة النبوية، في أيام خلافة المطيع لله

(1) المجدي في انساب الطالبين: 125.
(2) توفى أبو محمد الحسن الناصر الصغير ببغداد سنة ثمان وستين وثلاثمائة، المجدي في انساب الطالبين: 155.
(3) الناصر لدين الله الحسن بن علي بن الحسن... له تصانيف كثيرة في العلوم، وكان جامعا لعلم القرآن والكلام والفقه، توفى بآمل في شعبان سنة (304) أربع وثلاثمائة هجرية، وله أربع وسبعون سنة، ومشهده بآمل مشهور مزور.

[ 9 ]

العباسي، وقيل: سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. إرتضع من ثدي الإيمان والشرف والسؤدد، من امه الكريمة فاطمة، حيث عنت بتربيته وتربية أخيه الشريف الرضي عناية بالغة، خصوصا عندما احسنت بعظمة المسؤولية المطروحة على عاتقها مباشرة في عصر غيبة والدهما الشريف في منفاه، وذلك بحكم الجائرين والمتسلطين آنذاك، نجد هذه السيدة الجليله قصدت بنفسها شيخ الطائفة الإمامية وزعيمها الفقيه المتكلم، ابن المعلم الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبري، ملتمسة منه أن يتولى تعليمهما. قال ابن أبي الحديد: حدثني فخار بن معد العلوي الموسوي رحمه الله قال: رأى المفيد أبو عبد الله محمد بن النعمان الفقيه الإمام كأن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين عليهما السلام صغيرتين فسلمتهما إليه وقالت له: علمهما الفقه. فانتبه متعجبا من ذلك، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا، دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر وحولها جواريها وبين يديها ابناها محمد الرضي وعلي المرتضى صغيرين، فقام إليها وسلم عليها، فقالت له: أيها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما لتعلمهما الفقه، فبكى أبو عبد الله، وقص عليها المنام، وتولى تعليمهما الفقه، وأنعم الله عليهما، وفتح لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا، وهو باق ما بقي الدهر " (1). ودعت هذه الام الحنونة رضوان الله تعالى عليها دار الحياة الفانية بعد ان اطمأنت على ولديها، وقرت عيناها بهما، وذلك في شهر ذي الحجة الحرام من السنة الخامسة والثمانين بعد الثلاثمائة، حيث كان عمر الشريف المرتضى آنذاك

(1) شرح نهج البلاغة 1: 41.

[ 10 ]

ثلاثين عاما، وعمر أخيه الشريف الرضي ستا وعشرين عاما، وقد رثاها الشريف الرضي بقصيدة همزية تبلغ " 68 " بيتا، مطلعها: - أبيكك لو نقع الغليل بكائي * واقول لو ذهب المقال بدائي واعوذ بالصبر الجميل تعزيا * لو كان بالصبر الجميل عزائي الى ان قال: - إن الذي أرضاه فعلك لا يزال * ترضيك رحمته صباح مساء صلى عليك وما فقدت صلاته * قبل الردى وجزاك أي جزاء لو كان يبلغك الصفيح رسائلي * أو كان يسمعك التراب ندائي لسمعت طول تأوهي وتفجعي * وعلمت حسن رعايتي ووفائي كان ارتكاضي في حشاك مسببا * ركض القليل عليك في أحشائي (1) أما والده الشريف الحسين رضوان الله تعالى عليه، فقد: " كان سيدا عظيما مطاعا، كانت هيبته أشد من هيبة الخلفاء، خاف منه عضد الدولة فاستصفى أمواله، وكانت منزلته عند بهاء الدولة أرفع المنازل، ولقبه بالطاهر، والأوحد، وذي المناقب، وكان فيه كل الخصال الحسنة " (2). ووصفه العمري بقوله: " أبو أحمد الموسوي، وكان بصريا، أجل من وضع على كتفه الطيلسان، وجر خلفه رمحا - اريد اجل من جمع بينهما - وهو نقيب نقباء الطالبين ببغداد، يلقب الطاهر، ذا المناقب، وكان قوي المنة، شديد العصبية، وكانت لأبي أحمد مع عضد الدولة سير، لأنه في حيز بختيار بن معز الدولة،

(1) ديوان الشريف الرضي 1: 26 - 30.
(2) قاله ابن تغري بردي في النجوم الزاهره 4: 223.

[ 11 ]

فقبض عليه وحبسه في القلعة 7 وولى على الطالبين أبا الحسن علي بن أحمد العلوي العمري، فولى على الطالبين أربع سنين، فلما مات عضد الدولة خرج أبو الحسن العمري إلى الموصل " (1). بقى رضوان الله تعالى عليه سجينا، بعيدا عن ابنائه، إلى ان مات عضد الدولة البويهي سنة 372 هجرية، فأطلق ولده شرف الدولة سراح الشريف أبي أحمد الحسين، فرجع إلى بلده معززا مكرما، إلى أن وافته المنية، ليلة السبت لخمس بقين من جمادي الأولى سنة، أربعمائة للهجرة، فالتحق بالرفيع الأعلى عن سبع وتسعين سنة، ودفن في داره اولا، ثم نقل جثمانه الطاهر إلى مشهد جده الإمام الحسين عليه السلام بمدينة كربلا، وورى جسده الطاهر في رواق الروضة المقدسة عند جده إبراهيم بن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام). كان لفقد الوالد الأثر البالغ على الشريفين المرتضى والرضي، وأحزنهما اشد الحزن، فعبر كل منهما عن لوعة مصابه بقصيدة له، فجاء رثاء الشريف المرتضى بمرثيته الرائعة التي بلغت 42 بيتا مطلعها: - ألا يا قوم للقدر المتاح * وللأيتام ترغب عن جراحي إلى أن قال: - سلام الله تنقله الليالي * ويهديه الغدو إلى الرواح على جدث تشبث من لؤي * بينبوع العبادة والصلاح فتى لم يرو الا من حلال * ولم يك زاده غير المباح ولا دنست له ازر بعار * ولاعلقت له راح براح

(1) المجدي في نسب الطالبين: 124 - 125.

[ 12 ]

خفيف الظهر من " حمل " الخطايا * وعريان الصحيفة من جناح مسوق في الامور الى هداها * ومدلول على باب النجاح من القوم الذين قلوبهم * بذكر الله عامرة النواحي بأجسام من التقوى مراض * لمبصرها وأديان صحاح بني الآباء قوموا فاندبوه * بألسنة بما تثني فصاح وان شئتم له عقرا مشلوا * نفوس ذوي اللقاح عن اللقاح أصابك كل منهمر دلوح * وحامل كل مثقلة رداح ورواك الغمام الجون يسري * بطئ الخطو كالابل الرزاح تراب طاب ساكنه فباتت * تأرج فيه أنفاس الرياح غني أن تجاوره الخزامى * وتوقد حوله سروج الأقاحي " (1) أما الشريف الرضي فقد رثاه بقصيدة ميمية رائعة بلغت 89 بيتا مطلعها: - وسمتك حالية الربيع المرهم * وسقتك ساقية الغمام المرزم وغدت عليك من الحيا بمودع * لا عن قلي ومن الندى بمسلم قد كنت أغذل قبل موتك من بكى * فاليوم لى عجب من المتبسم وأذود دمعي أن يبل محاجري * فاليوم اعلمه بما لم يعلم لا قلت بعدك للمدامع كفكفي * من عبرة ولو أن دمعي من دمي إن ابن موسى والبقاء إلى مدى * أعطى القياد بمارن لم يخطم ومضى رحيض الثوب غير مدنس * وقضي نقي العود غير موصم

(1) ديوان الشريف المرتضى 1: 346 - 349، وقد أورد ابن الجوزي في المنتظم 7: 248 بضعة أبيات من هذه القصيدة لا تخلو من التصحيف والتحريف.

[ 13 ]

وحماه أبيض عرضه وثنائه * ضم اليدين الى بياض الدراهم إلى أن قال سبع وتسعون اهبتين لك العدا * حتى مضوا وغبرت غير مذمم لم يلحقوا فيها بشأوك بعد ما * أملوا فعاقهم اعتراض الأزلم إلا بقايا من غبارك أصبحت * غصصا واقذاء لعين أو فم إن يتبعوا عقبيك في طلب العلى * فالذئب يعسل في طريق الضيغم (1) ألقابه وكنيته اشتهر رحمه الله تعالى بألقاب منها: السيد، والشريف، والمرتضى وذي المجدين، وعلم الهدى. ذكر الشهيد في اربعينه: " نقلت من خط السيد العالم صفي الدين محمد بن محمد الموسوي رحمهالله في المشهد المقدس الكاظمي في سبب التسمية الشريف المرتضى ب‍ " علم الهدى " أنه مرض الوزير أبو سعيد محمد بن آشين بن عبد الصمد سنة عشرين واربعمائة، فرأى في منامه أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وهو يقول له: قل لعلم الهدى يقرأ عليك حتى تبرأ. فقال يا امير المؤمنين ومن علم الهدى؟ فقال: على بن الحسين الموسوي. فكتب الوزير إليه بذلك، فقال المرتضى: الله الله في امري، فإن قبولي لهذا اللقب شناعة علي، فقال الوزير ما كتب اليك الا بما لقبك به جدك أمير المؤمنين عليه السلام، فعلم القادر الخليفة بذلك، فكتب إلى المرتضى: تقبل يا على بن الحسين ما لقبك به جدك أمير المؤمنين؟ قال: فقبل

(1) ديوان الشريف الرضي 2: 290 - 296.

[ 14 ]

وأسمع الناس (1). وكانت كنيته: أبو القاسم. سماته الخلقية وصفاته الخلقية إتصف الشريف المرتضى رحمه الله بسمات وشمائل أشار إليها بعض من أرخ له بقوله: " كان رحمه الله ربع القامة، نحيف الجسم، أبيض اللون، حسن الصورة، فصيح اللسان، يتوقد ذكاء، مد الله له في العمر فنيف على الثمانين، وبسط له‌في المال والجاه والنفوذ ". إشتهر رضوان الله تعالى عليه بالبذل والعطاء، وكظم الغيظ عن الأعداء والحساد، وقد استفاض عنه إنفاقه على مدرسته العلمية التى تعهد بكفاية طلابها مؤونة ومعاشا، حتى انه وقف قرية من قراء تصرف مواردها على قراطيس الفقهاء والتلاميذ، وانه كان يجرى الجرايات والرواتب الشهرية الكافية على تلامذته وملازمي درسه مثل: الشيخ الطوسي، فقد كان يعطيه اثنى عشر دينارا في الشهر، ويعطي القاضي عبد العزيز بن البراج ثماتية دنانير وغيرهما، وذلك بفضل ما يرد عليه من دخل أملاكه الخاصة التي قدر ريعها بأربعة وعشرين ألف دينار في السنة (2). قال السيد علي خان: " وكان يلقب بالثمانيني، لأنه أحرز من كل شئ ثمانين، حتى أن مده عمره كانت ثمانين سنة وثمانين أشهر. وذكر أبو القاسم بن فهد الهاسمي في تاريخه إتحاف الورى بأخبار ام القرى

(1) الأربعين: (مخطوط)، وعنه في الدرجات الرفيعة: 459 - 460، وروضات الجنات 4: 285.
(2) انظر الدرجات الرفيعة: 460، معجم الادباء 13: 154، روضات الجنات 4: 286.

[ 15 ]

في حوادث سنة تسع وثمانين وثلاثمائة قال: فيها حج الشريف المرتضى والرضي، فاعتقلهما في أثناء الطريق ابن الجراح الطائي، فأعطياه تسعة آلاف دينار من أموالهما (1). وكذلك وفر الشريف المرتضى لطلاب العلوم على اختلاف مذاهبهم وأهوائهم مكتبة ضخمة ضمت ثمانين ألف مجلدا في مختلف العلوم والمعرفة. مكانته العلمية أوضحت لنا المصادر التاريخية منزلة الشريف المرتضى رضوان الله تعالى عليه العلمية، ووصفته لنا وصفا كافيا يغني عن التطويل في البيان، نشير إلى بعض ما جاء في هذه المصادر، منها: وصفه تلميذه الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله: " متوحد في علوم كثيرة، مجمع على فضله، مقدم في العلوم مثل: علم الكلام، والفقه، وأصول الفقه والأدب، والنحو، والشعر، ومعاني الشعر، واللغة وغير ذلك " (2). وقال العمري النسابة في وصفه: " فأما علي، فهو الشريف المرتضى علم الهدى، أبو القاسم، نقيب النقباء، الفقيه النظار المصنف، بقية العلماء، وأوحد الفضلاء رأيته رحمه الله فصيح اللسان يتوقد ذكاء " (3). ووصفه النجاشي بعد ذكر نسبه الشريف بقوله: " أبو القاسم المرتضى حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلما،

(1) المصادر السابقة: 462.
(2) الفهرست: 99.
(3) المجدي في أنساب الطالبين: 125.

[ 16 ]

شاعرا، أديبا، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا " (1). وقال ابن داود الحلي فيه: " أفضل أهل زمانه وسيد فقهاء عصره، حال فضله وتصانيفه شهير قدس سره (2) وقال ياقوت الحموي بعد أن ذكر نسبه الشريف: " نقيب العلويين، أبو القاسم، الملقب بالمرتضى علم الهدى، السيد المشهور بالعلم، المعروف بالفهم " (3). وقال الخطيب البغدادي بعد سرد نسبه الشريف: " كان يلقب المرتضى ذا المجدين، وكانت إليه نقابة الطالبين، وكان شاعرا كثير الشعر، متكلما، له تصانيف على مذهب الشيعة، وحدث عن سهل بن أحمد الديباجي، وأبى عبد الله المرزباني، وأبي الحسن بن الجندي، كتبت عنه " (4). وقال المحقق الكركي: " الشريف المرتضى علم الهدى، ذي المجدين، أعظم العلماء في زمانه، الفائز ببعد المرتبة في أوانه، علي بن الحسين الموسوي قدس الله روحه، فانه مع ما اشتهر من جلالة قدره في العلوم، وانه في المرتبة التي تنقطع أنفاس العلماء على أثرها، وقد اقتدى به كل من تأخر عنه من علماء أصحابنا بلغنا أنه كان في بعض دول الجور ذا حشمة عظيمة، وثروة جسيمة، وصورة معجبة... وانه قد كان له ثمانون قرية " (5). وقال عبد الله أفندي في وصفه أيضا: " السيد الأجل المرتضى الحسينى الموسوي علم الهدى، والباحث عن كل العلوم باليد الطولى، والمقدم في أصناف

(1) رجال النجاشي 2: 103.
(2) رجال ابن داود: 137.
(3) معجم الادباء 13: 147.
(4) تاريخ بغداد 11: 402 - 403.
(5) قاطعة اللجاج (المجموعة اللولى): 280.

[ 17 ]

الصناعة عنه اولي النهى " (1). وقال ابن حجر بعد كلام متهافت: " قال ابن حزم: كان المرتضى من كبار المعتزلة الدعاة، وكان اماميا، وكان يكفر من زعم أن القرآن بدل، أو زيد فيه أو نقص منه... قال يحيى بن طي الحلبي: هو اول من جعل داره دار العلم وقدرها للمناظرة، ويقال: إنه امر ولم يبلغ العشرين، وكان قد حصل على رئاسة الدنيا والعلم، مع العمل الكثير في اليثير، والمواظبة على تلاوة القرآن، وقيام الليل وإفادة العلم، وكان لا يؤثر على العلم شيئا مع البلاغة وفصاحة اللهجه... ويقال: إن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي كان يصفه بالفضل، حتى نقل عنه انه قال: كان الشريف المرتضى ثابت الجأش، ينطق بلسان المعرفة، ويردد الكلمة المسددة، فتمرق مروق السهم من الرمية " (2). وقال السيد علي خان الشيرازي: " وقد كان الشريف المرتضى رحمه الله أوحد زمانه فضلا، وعلما، وفقها، وكلاما، وحديثا، وشعرا، وخطابة، وكراما، وجاها، الى غير ذلك... قال ابن بسام الأندلسي في أواخر كتاب الذخيرة في وصفه: " كان الشريف إمام أئمة العراق بين الاتفاق والاتفاق، إليه فزع علمائها، ومنه أخذ عظمائها، صاحب مدارسها، وجماع شاردها وآنسها، ممن سارت اخباره وعرفت به أشعاره، وحمدت في دين الله مأثوره وآثاره إلى تواليفه في الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين ما يشهد انه فرع ذلك الاصل الاصيل، ومن أهل ذلك البيت الجليل " (3).

(1) رياض العلماء 4: 14.
(2) لسان الميزان 4: 223 - 224.
(3) الدرجات الرفيعة: 458 - 466.

[ 18 ]

وقال السيد محمد باقر الخوانساري: " مهد المرتضى رحمه الله في كتبه النظرية الكلامية والفقهية، فإنه الذي فتح ابواب التدقيق والتحقيق، وستأمل في الأدلة وتشقيقها النظر الدقيق، وأوضح طريقة الإجماع، واحتج بها في اكثر المسائل... وقد كان رحمه الله مع ذلك أعرف الناس بالكتاب والسنة ووجوه التأويل في الآيات والروايات، فإنه لما سد باب العمل بأخبار الآحاد، اضطر إلى استنباط الشريعة من الكتاب والأخبار المتواترة، والمحفوفة بقرائن العلم، وهذا يحتاج الى فضل اطلاع على الاحاديث، وإحاطة باصول الاصحاب، ومهارة في علم التفسير، وطريق استخراج المسائل من الكتاب، والعامل بأخبار الآحاد في سعة من ذلك " (1). وقال في موضع آخر: " فعن الشيخ أبي جعفر محمد بن يحيى بن مبارك بن مقبل (معقل) الغساني الحمصي أنه قال: " ما رأيت رجلا من العامة إلا وهو يثني عليه، وما رأيت من يبخسه إلا من يزعم أنه من طائفته " (2). مشايخه في الدرس والرواية أشارت المصادر التاريخية التي ترجمت للشريف المرتضى رضوان الله تعالى عليه إلى عدد ممن أخذ منهم مختلف العلوم، وحمل الرواية عنهم في كتبه المصنفة في مختلف الفنون، واستفاد من ملازمة العديد من العلماء آنذاك، مما جعله موسوعيا في شتى العلوم، منهم: 1 - أبو نصر، عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة بن حميد بن نباتة

(1) روضات الجنات 4: 290.
(2) المصدر نفسه 4: 292.

[ 19 ]

التميمي، كان أحد الشعراء المحسنين المجودين، وكان جزل الكلام، فصيح القول، ولد سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، والمتوفى سنة خمس وأربعمائة. وقد اكدت المصادر أن الشريف المرتضى وأخوه الشريف الرضي وهما طفلان أخذا العربية والنحو واللغة، والتصريف، والمعاني والبيان والبديع عن هذا الشاعر الأديب (1). 2 - الشيخ الجليل أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد وابن المعلم، كان أحد أئمة الفقه والكلام، إنتهت إليه رئاسة الامامية في عصره، وتوفى ببغداد يوم الخميس في الثاني أو الثالث من شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وأربعمائة (2). تقدمت الاشارة إلى الرؤية التي شاهدها الشيخ المفيد في تعليمه وأخيه الشريف الرضي رحمهما الله. 3 - أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى بن عبيد الكاتب 7 المعروف بالمرزباني، كان راوية للأخبار ومن أئمة الأدب والشعر، ولد سنة ست وتسعين ومائتين، وتوفى ببغداد سنة 384 عن ثمان وثمانين سنة، روى عنه كثيرا في أماليه (3). 4 - سهل بن أحمد بن عبد الله الديباجي المولود سنة 289 والمتوفى سنة 380 هجرية (4).

(1) المنتظم لأبن الجوزي 15: 108.
(2) تاريخ بغداد 3: 231.
(3) المنتظم لأبن الجوزي 14: 372. وتاريخ بغداد 3: 136، و 11: 402.
(4) تاريخ بغداد 9:: 121، 11: 402، وفيه انه توفى (330) ثلاثين وثلاثمائة 7 وهذا من سهو الناسخ.

[ 20 ]

5 - أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى الدقاق المعروف بإبن جنيقا بالنون كما ذكره الخطيب البغدادي، وهو جد أبي يعلي بن الفراء لامه، روى عنه في الأمالي، قال أبو علي البرداني: " قال لنا القاضي أبو يعلي: الناس يقولون جنيقا بالنون وهو غلط، انما هو جليقا باللام، روى عنه الازهري والعقيقي، وكان صحيح السماع، ثبت الرواية. ولد سنة 318، وتوفى سنة 390 هجرية " (1). 6 - أبو الحسن، أحمد بن عمران بن الجندي النهشلي البغدادي، ولد سنة 306، ومات سنة 396 هجرية. 7 - الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه، أخ الشيخ الصدوق، كان جليل عظيم الشأن في الحديث، يروي عن أبيه وأخيه، ويروي عنه الشريف المرتضى بلا واسطة، وكذلك النجاشي (2). 8 - أبو الحسن (الحسين) علي بن محمد الكاتب. 9 - أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين ابن محمد بن يوسف الوزير المغربي المتوفى سنة 418 هجرية على ما استفاده عبد الله أفندي في رياض العلماء (3). 10 - أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، المعروف بالشيخ الصدوق المتوفى سنة 381 هجرية، كما ورد ذلك في الاجازات. 11 - أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري الشيباني المتوفى سنة 385

(1) تاريخ بغداد 10: 377.
(2) رجال الشيخ الطوسي: 485.
(3) رياض العلماء 2: 146.

[ 21 ]

هجرية، روى عنه الكثير من الأصول والمصنفات (1). 12 - علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار الكاتب. 13 - أبو الحسين احمد بن محمد بن علي الكوفي الكاتب، روى عنه كتاب الكافي عن مؤلفه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (2). 14 - أبو القاسم علي بن حبشي الكاتب التلعكبري. 15 - الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي المتوفى سنة 377 هجرية، أخذ عنه علوم النحو والقراءات. تلامذته لما كان الشريف المرتضى رحمه الله قدضرب بسهم وافر من العلوم، وما ضمته مكتبته العامرة من المصنفات في سائر المعارف الاسلامية، وما يجري في داره من المناظرات العلمية، جعل المختلفون إلى مجلسه والمستمعون إليه كثيرون، أذكر ما اشتهر منهم: 1 - شيخ الطائفة، أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، الفقيه الأصولي، والمحدث الشهير. كان رحمه الله خليفة استاذه المرتضى في كل الفنون، قدم العراق سنة 408 هجرية، وبغى ببغداد، وتتلمذ فيها نحوا من الخمس سنين على الشيخ المفيد، ونحوا من ثمان وعشرين سنة على الشريف المرتضى، وبقى الشيخ بعد الشريف المرتضى أربعا وعشرين سنة، إثنتي عشرة سنة منها في بغداد، ثم انتقل الى النجف الاشرف على أثر فتنة حدثت في بغداد سنة 449، بعد ان كبست

(1) رجال الشيخ الطوسي: 485.
(2) رجال الشيخ الطوسي: 450.

[ 22 ]

فيها داره في الكرخ، وأحرق ما فيها، وتوفى في مدينة النجف الأشرف عام 460 هجرية وكان عمره خمسا وسبعين سنة (1). 2 - الشيخ أبو يعلي، حمزة بن عبد العزيز الطبرستاني الديلمي الملقب ب‍ (سلار) المتوفى عام 448 أو 463 هجرية (2)، وقد شارك الشيخ أبو العباس النجاشي في غسل السيد المرتضى كما صرح النجاشي بذلك في ترجمته. 3 - الشيخ أبو الصلاح، تقي الدين بن النجم الحلبي، كان خليفة المرتضى في البلاد الحلبية (3). 4 - الشيخ أبو القاسم عبد العزيز بن النحرير بن عبد العزيز المعروف بالقاضي ابن البراج، كان خليفة استاذه المرتضى والطوسي في البلاد الشامية إلى أن توفى سنة 481 هجرية (4). 5 - الشيخ أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي، المتوفى سنة 449 هجرية (5). 6 - السيد عماد الدين أبو الصمصام ذو الفقار، بن محمد بن معبد بن الحسن بن أبى جعفر المروزي الملقب بحميدان، كان فقيها، عالما، متكلما، وقد عمر أكثر من مئة وخمس عشرة سنة (6).

(1) الفهرست للطوسي (المقدمة): ط.
(2) فهرست منتجب الدين: 224 ومعالم العلماء: 169، والخلاصة: 86، رجال ابن داود: 104.
(3) رجال الطوسي: 457، معالم العلماء، 65، رجال ابن داود: 58، الخلاصة: 28.
(4) معالم العلماء: 115.
(5) فهرست منتجب الدين: 100.
(6) فهرست منتجب الدين: 62.

[ 23 ]

7 - الشيخ أبو عبد الله، جعفر بن محمد بن أحمد بن العباس الرازي الدوريستي - نسبة الى دوريست قرية من قرى الرى - توفى في حياة السيد المرتضي (1)، فرثاه بقصيدة عينية مضمونة تقع في ستين بيتا. 8 - الشيخ أبو الحسن، سليمان بن الحسن بن سليمان الطهرشتي الديلمي (2). 9 - الشيخ أبو الحسن، محمد بن محمد بن أحمد البصروي، نسبة الى بصري قرية دون عكبرا، سكن بغداد، وتوفى فيها سنة 443 ه‍، له منه إجازة سنة 417 ه‍، 10 - الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن التبان المتوفى سنة 419 ه‍، ذكره السيد المرتضى في كتابه الانتصار، ومن أجله الف رسالة التبيانيات، وقد رثاه السيد المرتضى عندما توفى بقضيدة قافية مفتوحة تبلغ 53 بيتا. 11 - الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين بن أحمد النيسابوري الخزاعي المتوفى في حياة استاذه السيد المرتضى (3)، فرثاه بقصيدة رائية تبلغ 51 بيتا. 12 - السيد أبو يعلي، محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري، صهر الشيخ المفيد، وخليفته، والجالس بعد وفاته مجلسه، توفى ستة 463 ه‍، والمشارك للشيخ النجاشي في غسل السيد المرتضى ايضا. 13 - الشيخ أبو محمد، عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين النيسابوري الخزاعي الحافظ، المعروف بالمفيد النيسابوري، نزيل الري (4). 14 - الشيخ أبو الحسين هبة الله بن الحسين المعروف ب‍ (ابن الحاجب)

(1) رجال الطوسي: 450.
(2) فهرست منتجب الدين: 67.
(3) فهرست منتجب الدين: 32.
(4) فهرست منتجب الدين: 75.

[ 24 ]

المتوفى عام 428 هجرية، وقد رثاه استاذه المرتضى بقصيدة دالية في 39 بيتا. 15 - القاضي أبو القاسم، أحمد بن علي ب‍ أحمد بن العباس النجاشي، المولود سنة 372 والمتوفى سنة 450 هجرية، وهو الذي تولى غسل السيد المرتضى رحمه الله بمساعدة الشريف أبو يعلي محمد بن الحسن الجعفري وسلار بن عبد العزيز كما صرح بذلك في ترجمة السيد المرتضى من رجاله. 17 - أبو الحسن، محمد بن أبي الغنائم علي بن أبي الطيب محمد المعروف بالنسابة العمري صاحب كتاب المجدي، كان يسكن البصرة 7 وقصد بغداد عدة مرات، آخرها سنة 425، وكان حيا سنة 443 هجرية. 18 - أبو الفرج يعقوب بن إبراهيم البيهقي، راوية ديوانه، وأجاز له السيد رواية جميع ديوانه في ذي القعدة الحرام سنة 403 هجرية. 19 - الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي الحلواني (2). 20 - السيد تقي بن طاهر الهادي الحسني النقيب الرازي (3). 21 - السيد نجيب الدين أبو محمد، الحسن بن محمد بن الحسن الموسوي (4). 22 - القاضي عز الدين، عبد العزيز بن كامل الطرابلسي.

(1) رجال الطوسي: 458.
(2) رجال ابن داود: 27.
(3) فهرست منتجب الدين: 44.
(4) فهرست منتجب الدين: 49.

[ 25 ]

23 - الشيخ أبو بكر أحمد بن الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463، كتب عنه (1). 24 - الشيخ أبو الفضل ثابت بن عبد الله بن ثابت اليشكري (2). 25 - الشيخ أبو الفرج المظفر بن علي بن الحسين الحمداني (3). 26 - الشيخ أبو المؤيد موفق بن أحمد المكي الخوارزمي (4). 27 - الشيخ زربي بن عين كان من غلمان السيد المرتضى، وله كتاب عيون الأدلة في الكلام يقع في 12 جزءا (5). 28 - السيد الحسين بن الحسن بن زيد الجرجاني يروي عن السيد المرتضى كما في تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 4: ص 290. 29 - الشيخ القاضي أبو المعالي أحمد بن قدامة (6). مؤلفاته ذكر الشيخ الطوسي في الفهرست ما لفظه: " له من التصانيف ومسائل البلدان شئ كثير يشمل على ذلك فهرسته المعروف غير أني أذكر أعيان كتبه وكبارها منها: 1 - الشافي في الإمامة وهو نقض كتاب الإمامة من كتاب المغني لعبد الجبار

(1) تاريخ بغداد 11: 402.
(2) فهرست منتجب الدين: 45.
(3) فهرست منتجب الدين: 101.
(4) فهرست منتجب الدين 303 و 353.
(5) معالم العلماء: 187.
(6) فهرست منتجب الدين: 99.

[ 26 ]

بن أحمد وهو كتاب لم يصنف مثله في الإمامة. (طبع). 2 - كتاب ملخص في الاصول لم يتمه. (أسماه النجاشي الملخص في أصول الدين). 3 - كتاب الذخيرة في الاصول. (طبع). 4 - كتاب جمل العلم والعمل. (طبع عدة مرات). 5 - كتاب الغرر والدرر، (وأسماه غرر الفرائد ودرر القلائد وهو المعروف ب‍ أمالي المرتضى، طبع عدة مرات). 6 - كتاب التنزيه، (وأسماه النجاشي تنزيه الانبياء والائمة عليهم السلام، طبع عدة مرات). 7 - المسائل الموصلية الأولة الثلاثة، وهى: مسألة في الوعيد، مسألة في إبطال القياس، ومسألة في الاعتماد (الاعتقاد). 8 - مسائل اهل الموصل الثانية. (تسع مسائل. طبعت). 9 - مسائل أهل الموصل الثالثة. (مائة وعشرة مسألة، طبعت). 10 - كتاب المقنع في الغيبة.
11 - كتاب مسائل الخلاف في الفقه، لم يتمه. 12 - كتاب مسائل الانفرادات في الفقه، (وأسماه النجاشي مسائل انفرادات الامامية وما ظن انفرادها به، وسمى بالانتصار أيضا، طبع عدة مرات). 13 - مسائل الخلاف في أصول الفقه لم يتمها. 14 - مسائل منفردات في أصول الفقه. 15 - كتاب الصرفة في إعجاز القرآن، (وأسماه النجاشي الموضح عن جهة

[ 27 ]

إعجاز القرآن). 16 - كتاب المصباح في الفقه لم يتمه. 17 - المسائل الطرابلسية الاولية. (سبع عشرة مسألة). 18 المسائل الطرابلسية الثانية. (عشرة مسائل طبعت). 19 - المسائل الحلبية الأولية. 20 - المسائل الحلبية الآخرة. 21 - مسائل أهل مصر قديما في الطيف. 22 - مسائل أهل مصر أخيرا. 23 - المسائل الديلمية. 24 - المسائل الناصرية في الفقه. 25 - المسائل الطوسية لم يتمها. 26 - المسائل الجرجانية. 27 - ديوان شعر يزيد على عشرين ألف بيت، (طبع). 28 - كتاب البرق. 29 - كتاب الطيف والخيال. (طبع عدة مرات). 30 - كتاب الشيب والشباب. (وأسماه النجاشي الشهاب في الشيب والشباب، طبع). 31 - كتاب تتبع الأبيات التي تكلم عليها ابن جني في اثبات المعاني للمتنبي. 32 - كتاب النقض على ابن جني في الحكاية والمحكي. 33 - تفسير قصيدة السيد الحميري رحمه الله المذهبة.

[ 28 ]

34 - مسائل مفردات نحوا من مائة مسألة في فنون شتى. 35 مسائل كثيرة في نصرة الرؤية وإبطال القول بالعدد. 36 - كتاب الذريعة في أصول الفقه. (طبع). 37 - المسائل الصيداوية. قال الشيخ: قرأت هذه الكتاب أكثرها عليه وسمعت سائرها يقرأ عليه دفعات كثيرة (1). وذكر النجاشي جملة من كتبه (2) نذكرها مع حذف المقدم ذكره: 38 - تفسير سورة الحمد وقطعة من سورة البقرة. 39 - تفسير قوله تعالى: " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ". 40 - الكلام على من تعلق بقوله: " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ". 41 - تفسير قوله: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ". 42 - كتاب تقريب الأصول. 43 - الرد على يحيى بن عدي. 44 - كتاب الرد على يحيى بن عدي أيضا في اعتراضه دليل الموحدين في حدوث الأجسام. 45 - الرد عليه في مسألة سماها طبيعة المسلمين.

(1) الفهرست: 99.
(2) رجال النجاشي 2: 103 - 104

[ 29 ]

46 - مسألة في كونه تعالى عالما. 47 - مسألة في الإرادة. 48 - مسألة أخرى في الإرادة. 49 - مسألة في التوبة. 50 - مسألة في الولاية من قبل السلطان، وفي بعض الفهارس (مسألة في قتل السلطان). 51 - مسألة في التأكيد. 52 مسألة في دليل الخطاب. 53 - المصباح في الفقه. 54 - شرح مسائل الخلاف. 55 - مسألة في المتعة. 56 - المسائل المحمديات، خمس مسائل. 57 - المسائل البادرائيات أربع وعشرون مسألة. 58 - المسائل الرمليات سبع مسائل. 59 - المسائل التبانية عشرة مسائل طبعت، ثلاث مسائل سأل عنها السلطان. 69 - كتاب الوعيد، لعله المتقدم في رقم 7. 61 - تفسير قصيدته. كما أن تلميذه الشيخ محمد بن محمد البصروي كتب أول فهرس لمؤلفات استاذه الشريف المرتضى قدس سرهمها الى سنة 417 هجرية وفيه صورة اجازة المرتضى برواية هذا الفهرست، ننقله نصا كما ورد مقدمة ديوان المرتضى لرشيد

[ 30 ]

الصفار (1). فهرس تأليفات السيد الأجل المرتضى رضى الله عنه بسم الله الرحمن الر رحيم كتب سيدنا الأجل المرتضى علم الهدى ذي المجدين أبي القاسم علي بن الحسين بن موسى (بن محمد بن موسى) بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - صلوات الله عليهم أجمعين - وقدس الله روحه الزكية: " تفسير سورة الحمد ومائة وخمس وعشرين آية من سورة البقرة ". تفسير قوله تعالى: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا... " الآية. معنى قوله تعالى: " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم... " الآية. مسألة على من تعلق بقوله تعالى: " ولقد كرمنا بني آدم... " الآية. " مسألة على ان الملائكة أفضل من الإنبياء عليهم السلام ". " المسائل المحمديات " وهى خمس، أولها: " ولقد بوأنا لإبراهيم مكان البيت " الآية. ثانية: ما معنى ما يقال عند استلام الحجر " أمانتي أديتها... الى آخر الكلام... ". ثالثة: ما روى عن النبي عليه وآله السلام " إن القلوب أجناد مجنده... الخبر "

(1) ديوان الشريف المرتضى ج 1: 126 - 132.

[ 31 ]

رابعة: " أنبئوني بأسماء هؤلاء... الآية... ". خامسة: " فتلقى آدم من ربه كلمات... الآية... " " المسائل البادريات "، وهى اربع وعشرون مسألة: الأولة: مسألة عن قوله تعالى: " فأسألوا اهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ". ثانية: " الفرق بين المعرفة والعلم " ثالثة: " ما الشبهة وضدها؟ ". رابع ء: " ويضع عنهم اصرهم... الآية... ". خامسة: " فيما يجب فيه الخمسه " (ولعلها الخمس). سادسة: " عن اليمين وعن الشمال عزين ". سابعة: " إنماانت منذر ولكل قوم هاد ". ثامنة: " وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كماآمن السفهاء... " الآية تاسعة: قول العالم عليه السلام: " من كانت له حقيقة ثابتة لم يقم على شبهة هامدة... الخبر الى آخره... ". عاشرة: قول العالم عليه السلام: " يا مفضل " من وان الله بغير سماع من صادق أكرمه الله البتة... إلى آخر الخبر... " (ولعله من دان...) حادية عشرة: " ليلة القدر وما روى من تنزل الأمر ". ثانية عشرة: " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم... " الآية. ثالثة عشرة: " ما معنى الأمام في اللغة والشرع ". رابعة عشرة: " هل التأويل ينسخ التنزيل ام لا؟ ".

[ 32 ]

خامسة عشرة: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا... " الآية. سادسة عشرة: قول العالم عليه السلام: " على الإسلام يتناكحون ويتوارثون على الإيمان يثابون ". سابعة عشر: " قول العالم عليه السلام: إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وانما ورثوا أحاديث من أحاديثهم... الخبر بطوله ". ثامنة عشرة: قول امير المؤمنين (عليه السلام): " إن الناس آلوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ثلاثة " (لعلها إلا ثلاثة). تاسعة عشرة: " الولاية ما هي؟ وهل هي قول وعمل، أم قول بلا عمل؟ ". العشرون: قول النبي (صلى الله عليه وآله): " إنى مخلف فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي ". حادية وعشرون: " الذين جعلوا القرآن عضين ". ثانية وعشرون: ما روى عن العالم (عليه السلام) " إنا لله عز وجل أوحى الى آدم إنى قد قضيت نبوتك، واستكملت، أيامك، فاعمد الى الأسم الأكبر وآيات علم النبوة فاجعله عند ابنك شيت... الخبر بطوله... ". ثالثة وعشرون: " أو من كان ميتا فأحييناه ". رابعة وعشرون: " أفمن كان على بينة من ربه... " الآية. " كتاب الملخص " ناقص. " كتاب الذخيرة ". " كتاب جمل العلم والعمل ". " المسائل الموصليات " وهى ثلاث: " مسألة في احكام الاعتماد ". " مسألة في الوعيد ". " مسألة في القياس ".

[ 33 ]

" مسألة في الرد على يحيى بن عدى النصراني (1) فيما يتناهي ". " مسألة رد بها أيضا على يحيى بن عدى في اعتراضه دليل الموحدين في " حدوث الأجسام ". " مسألة على يحيى أيضا في طبيعة الممكن ". " المسائل المصريات الأول " وهى خمس: الأولي: " هل العلوم ان يحصل للعاقل عند ادراك المدركات، الطريق إليها الإدراك أو بجريان العادة "؟. الثانية: " هل الطريق بالعلم بأن لنا أفعالا لا يمكن أن يكون طريقا بان النار فاعلة ". الثالثة: " هل جميع الدلائل تدل من حيث يستند الى علوم ضرورية أو الدلائل على ضربين "؟ الرابعة: " هل يجوز أن تقع الأفعال من العقلاء لأجل الدواعي والصوارف ويمتنع لاجلها ولا يعلم العاقل نفس الداعي والصارف؟ ". الخامسة: " الكلام في كيفية مضادة السواد للبياض ". " المسائل المصرية الثانية " وهى تسع. " الثالثة وهى المسائل الرمليات " وهى سبع: 1 - مسألة في الصنعة والصانع.
2 - مسألة في الجوهر وتسميته جوهرا في العدم.
3 - مسألة في عصمة الرسول (عليه الصلاة والسلام) من السهو.
4 - مسألة في الإنسان.

(1) في روضات الجنات: 385، الأنصاري المنطقي، والأنصاري محرفة عن النصراني.

[ 34 ]

5 - مسألة في المتواترين 6 - مسألة رؤية الهلال 7 - مسألة في الطلاق والإيلاء " المسائل الطبرية مائتان وسبع " " كتاب تقريب الأصول للأعز " " مسألة في كونه عالما ". " مسألة في الإرادة " " المسائل الموصلية الثانية " " المسائل الفارقية " وهى مائة " المسائل البرمكية " وهى خمس، وهى الطوسية " المسائل التبانية " وهى عشر " مسألة في تذكر " (كذا في الأصل) " مسألة في قوله تعالى: ان الله لا يغفر أن يشرك به " " مسألة في التوبة " " كتاب الموضح في جهة إعجاز القرآن وهو الصرفة ". " كتاب تنزيه الأنبياء (عليهم السلام) " " كتاب جواز الولاية من جهة الظالمين " " كتاب الشافي في الامامة " " كتاب المقنع في الغيبة " " كتاب الخلاف في اصول الفقه " ناقص " كتاب التأكيد " " كتاب في دليل الخطاب "

[ 35 ]

" المسائل الطرابلسية الأول " وهى سبع عشرة " المسائل الثانية الطرابلسية " وهى عشر " المسائل الثالثة الطرابلسية " وهى خمس وعشرون " المسائل الجبلية " (ولعلها الحلبية) والأول، وهى ثلاث، والثانية وهى ثلاث والثالثة وهى ثلاثون " ثلاثون مسألة: المسائل الدمشقية، وهى الناصرية " مسألة في الولاية من قبل الظالمين " مسألة في الإمامة في دليل الصفات " " جواب الكراجكي في فساد العدد " " المسائل الواسطية " وفي مائة مسألة " المسائل المستخرجات وهى كتاب شرح مسائل الخلاف في الفقه " ناقص " كتاب المصباح في الفقه " ناقص " مسألة في نكاح المتعة " " كتاب الشيب والشباب " " كتاب طيف الخيال " " كتاب البرق " " كتاب الإنتصار لما أجمعت عليه الإمامية " " كتاب الغرر والفوائد " " تفسير القصيدة الميمية من شعره " " تفسير الخطبة الشقشقية " " تفسير القصيدة السيد البابية "

[ 36 ]

والحمد لله رب العالمين وسلامه على محمد وآله الطاهرين. حكاية ما وجد بخط البصروي يلتمس الإجازة عما تضمنه فهرست كتب المرتضى رضى الله عنه. بسم الله الر حمن الر رحيم خادم سيدنا الأجل المرتضى ذي المجدين، أطال الله بقائه، وأدام الله تأييده ونعمته، وعلوه ورفعته، وكبت أعدائه وجدته (كذا) [ ولعلها وحسدته ] يسأل الانعام بإجازة ما تضمنه هذا الفهرست المحروس، وما صح يصح عنده، وما يتجدد ان شاء الله من ذلك، والرأى العالي سموه " كذا " [ ولعلها لسموه ] في الإنعام به - ان شاء الله تعالى -. حكاية ما وجد بخط المرتضى: " قد أجزت لأبي الحسن محمد بن محمد بن البصروي - أحسن الله توفيقه - جميع كتبي وتصانيفي وأمالي ونظمي ونثري ما ذكر منه في هذه الأوراق وما لعله يتجدد بعد ذلك، وكتب علي بن الحسين الموسوي في شعبان من سنة سبع عشرة وأربعمائة " (1). كما أن ابن شهر آشوب ذكر له في معالم العلماء وغيره من أصحاب المصنفات الرجالية عدة من الكتب والمؤلفات له تكرر ذكرها في الفهارس المتقدمة تركناها خوقا من الأطالة.

(1) قال الدكتور حسين محفوظ في صدر هذه الرسالة المكتوبة بخطه: وهى التى استنسخها (حسبما تستوجبه الأمانة العلمية) موافقة للأصل المخطوط ولم أعمد إلى تصحيح أغلاطها وإعجام المهل من ألفاظها، وهى أول مجلد يحتوي على طائفة من آثار السيد ومن هذا الفهرست (فهرست تأليفات) نسخة أخرى رأيتها بزنجان عند شيخ الاسلام.

[ 37 ]

وفاته ومدفنه توفى المرتضى رحمه الله لخمس بقين من شهر ربيع الاول من السنة السادسة والثلاثين بعد الأربعمائة ببغداد، وتولى غسله وتكفينه النجاشي وأبو يعلي محمد ابن الحسن الجعفري وسلار بن عبد العزيز، وصلى عليه ابنه في داره، ودفن فيها عشية ذلك اليوم، ثم نقل بعد ذلك إلى كربلاء، ودفن بجوار جده ابراهيم بن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام). وحين نصل الى خاتمة الحديث عن الشريف المرتضى، لابد أن نصف الكتاب الذي من أجله قدمت هذه الصفحات، فنقول: المسائل الناصريات هي عبارة عن 207 مسألة، إستلها الشريف المرتضى، من فقه الناصر الكبير - جده لامه - شرحها وصححها واستدل على صحتها من الكتاب والسنة، وقد طبعت لأول مرة على الحجر ضمن الجوامع الفقهية وذلك سنة 1272 هجرية، ثم طبعت ايضا في بيروت عام 1410 هجرية ضمن سلسلة الينابيع الفقهية. وقد أشار الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية سماحة آية الله الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني حفظه الله الى بعض النكات والملاحظات العامة الجديرة بالاشارة والذكر، أفردناها تحت العنوان التالي: " في رحاب الناصريات ". وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين محمد مهدي نجف

[ 38 ]

في رحاب الناصريات بسم الله الر حمن الر رحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين وبعد: لقد مررت على كتاب الناصريات للشريف المرتضى رحمه الله تعالى وسجلت بعض الملاحظات ألخصها هنا للقارئين والباحثين عسى أن ينفعهم: 1 - هذا الكتاب الذي الفه مؤلفه وفاء لجده الناصر على الرغم من اختلاف المذهب بينهما، يتجلى فيه روح التفاهم والتسالم بين عالمين امامى وزيدي يستطيع أن يكون نموذجا صالحا للباحثين في الصعيد الفقه المقارن.
2 - لا يقصر الكتاب بايراد المسائل الخلافية بين الامامية والزيدية فحسب بل يحوي جل الخلافات الفقهيه على مستوى المذاهب، ويبدو أنه تلخيص لكتاب مسائل الخلاف للمرتضى نفسه الذى كرر التحويل عليه في الناصريات (1) - وليس بمتناول ايدينا - ولو وقفنا عليه لعلمنا مقدار اعتماد الشيخ الطوسي عليه والأخذ عنه في كتابه " مسائل الخلاف " المطبوع.
3 - وربما يوجد في الناصريات أقوال للمذاهب الفقهية لا توجد في غير هذا الكتاب كما هو الحال في مسائل الخلاف للطوسي وهذا مهم جدا في الكتابين.
4 - نحن لم نقف على اصل كتاب الناصر، والسيد لم يلتزم بايراد جميع

(1) الناصريات كما في المسائل المرقمة من الكتاب الماثل بين يديك: 5، 13، 25، 32، 35.

[ 39 ]

الكتاب في الناصريات، بل اكتفى بفقرات منه، كان له تعليق عليه، وغض النظر عن غيرها، وينبغي التفتيش عن اصل الكتاب، وهل هو موجود الآن عند الزيدية؟ أم فقد ككثير من مواريثهم عبر الزمان.
5 - لم يركز السيد في الناصريات على نقاط الخلاف بين المذاهب، بل صرح في كثير من المسائل بالوفاق وقال " هذا مذهبنا " أو " هذا هو الصواب " أو نحو ذلك وعندي فهرس لمسائل الخلاف والوفاق نكتفي بذكر نموذج منها، ونحول الباقي على موضعها في الكتاب. أما مسائل الوفاق مع الزيدية فعددها بالتقريب - حسب ما أحصيت - واحد وثمانون مسألة (1) وهذا نموذج منها: " المسألة الحادية والثلاثون: المسح على الرجلين الى الكعبين هو الفرض " قال السيد: " وهذا صحيح، وعندنا ان الفرض في الرجل المسح دون الغسل، فمن غسل لم يجزه، وقد روى القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين... " (2). " المسألة الرابعة والثلاثون: لا يجوز المسح على الخفين مع القدرة على غسل الرجلين، ومن مسح مقلدا أو مجتهدا ثم وقف على خطائه وجب عليه إعادة الصلاة ". قال السيد: " هذا صحيح ولا يجوز عندنا المسح على الخفين ولا

(1) - لاحظ المسائل المرقمة: 1، 2، 3، 5، 7، 8، 11، 12، 15، 16، 17، 19، 20،، 24 25، 28، 30، 31، 33، 35، 38، 40، 42، 42، 51، 52، 58، 59، 66، 70، 72، 75، 79، 84، 82، 84، 87، 88، 89، 91، 92، 93، 96، 97، 98، 102، 103، 108، 112، 120، 122، 124، 126، 128، 129، 134، 138، 140، 141، 142، 145، 149، 157، 159، 160، 162، 163، 169، 171، 177، 180، 181، 182، 183، 185، 189، 192، 193، 194، 196، 197.
(2) أنظر المسألة: 31.

[ 40 ]

الجوربين ولا الجرموقين في سفر ولا حضر مع الاختيار وقد وافقنا في ذلك جماعة من السلف منهم صحابة وتابعون " (1). واما مسائل الخلاف فكثيرة، بل أكثر من مسائل الوفاق، وهى تقارب 96 مسألة (2). والعجب أن المعروف عن الزيدية كالإمامية قول " حى على خير العمل " في الأذان والإقامة، مع أنه لا يوجد ذكر منه في الكتاب أصلا، فلا يعلم منه أن الزيدية موافقون للإمامية فيها أو مخالفون لهم. وهذا نموذج من تلك المسائل الكثيرة: " المسألة الرابعة: الماء إذا خالطه طاهر فغير إحدى صفاته لا يجوز الوضوء به " قال: " الصحيح عندنا أن الماء إذا خالطه بعض الاجسام الطاهرة - من جامد أو مائع - فلم يثخن به، ولا اعتبار في الغلبة بظهور اللون، أو الطعم، أو الرائحة، بل بغلبة الأجزاء على حد يسلبه إطلاق الماء، ووافقنا على ذلك أبو حنيفة... ". " المسألة السادسة: ولا يجوز الوضوء بالماء المستعمل " قال السيد " وعندنا ان الماء المستعمل في تطهير الأعضاء والبدن الذي لا نجاسة عليه، إذا جمع في

(1) - انظر المسألة: 34.
(2) - لاحظ المسائل المرقمة: 4، 6، 10، 18، 14، 17، 22، 23، 26، 27، 31، 46، 47، 48، 49، 50، 53، 56، 57، 58، 60، 61، 63، 64، 65، 67، 68، 70، 74، 76، 78، 82، 94، 95، 99، 100، 101، 104، 105، 106، 107، 108، 110، 111، 114، 115، 116، 117، 118، 119، 122، 123، 123، 125، 130، 131، 133، 135، 136، 137، 139، 143، 144، 146، 147، 148، 150، 151، 152، 153، 155، 156، 157، 158، 164، 165، 167، 172، 174، 175، 176، 178، 179، 184، 186، 187، 189، 199، 200، 201، 204، 295، 206، 207.

[ 41 ]

إنا نظيف كان طاهرا مطهرا. ووافقنا في ذلك الحسن، والنخعي، والزهري، والثوري، ومالك، وداود... " 6 - استدل السيد لكثير من المسائل مع انه لم يحك دليلا عن المصنف، وقد يكون استدلال دقيقا جدا، نذكر نموذجا منه: قال: " وحد الكر ما وزنه الف ومائتا رطل بالرطل المدني، والرطل المدني مائة وخمسة وتسعون درهما - ثم نقل آراء الآخرين وقال: دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه، قوله تعالى: " وانزلنا من السماء ماء طهورا " (1)، وقد علمنا ان الماء الكثير إذا خالطه نجاسة فلم يتغير أحد أوصافه، لم يخرجه من ان يكون منزلا من السماء، ومن أن يكون مستحقا لهذا الوصف، فيجب أن يكون الحكم المقترن بهذا الاسم لازما له ما لزمه هذا الاسم. وقد روى أصحاب الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبيثا " وردت الشيعة الإمامية عن أئمتها (عليهم السلام) بألفاظ مختلفة، ووجوه مختلفة: إن الماء إذا بلغ كرا لم ينجسه ما يقع فيه من النجاسة إلا بأن يغير أحد أوصافه. وأجمعت الشيعة الإمامية عليه وإجماعها هو الحجة فيها. واما الكلام في تصحيح الحد الذي ذكرنا من الكر وتعينه بالأرطال، فالحجة في صحة إجماع الامامية عليه واجماعهم هو الحجة. وايضا فان الشافعي الذي يخالفنا في تحديده بقلتين، مذهبنا أولى من مذهبه، لأن القلة اسم مشترك بين اسماء مختلفة، كقلة الجبل، والجرة، ويستعمل أيضا في ذروة كل شئ واعلاه وفي غير ذلك. والكر يتناول شيئا واحدا، فإن

(1) - الفرقان: 48.

[ 42 ]

اختلف مقاديره في البلدان وعادات اهلها فالتحديد به أولى... " (1). إلى غير ذلك وهى كثيرة جدا في الكتاب.
7 - استدل السيد كثيرا - كما رأينا في المسألة السابقة - باجماع الإمامية، أو الشيعة الإمامية ويصرح بأن اجماعها هو الحجة (2)، أو باجماع الفرقة أو الفرقة المحقة (3). وهذا معروف منه ومن الشيخ الطوسي ومن عاصرهما أو تأخر عنهما، ولا ندري هل استدل بالاجماع استادهما الشيخ المفيد ومن تقدمه أم لا فليلاحظ، والشئ الذي يلف النظر أن السيد المرتضى في " الناصريات " ربما يستدل بإجماع أهل البيت - بدل اجماع الامامية - فقال في عدم جواز إمامة الفاسق: " هذا صحيح وعليه اجماع اهل البيت (عليهم السلام) كلهم على اختلافهم، وهذه من المسائل المعدودة التي يتفق أهل البيت (عليهم السلام) كلهم على اختلافهم عليها " (4). وقال في مسألة " التكبير على الجنازة خمس تكبيرات ": " دليلنا على صحة ما ذهبنا اليه‌الاجماع المتردد ذكره، بل اجماع اهل البيت كلهم " (5) ويبدو منه أن إجماع اهل البيت (عليهم السلام) عنده شئ وراء إجماع الامامية، " إجماع أهل البيت " تعبير شايع عند الزيدية، ولعل السيد تأثر بهم، أو قاله مسايرة معهم.
8 - وقد يصرح السيد بعدم وقوفه على نص للإمامية، ففي مسألة أنه لا فرق في - الطهارة - بين ورود الماء على النجاسة أو العكس قال: " لا أعرف فيها نصا لأصحابنا ولا قولا صريحا - ثم يذكر قول الشافعي بالفرق ومخالفة ساير الفقهاء له

(1) - انظر المسألة المرقمة: 2.
(2) - انظر المسألة المرقمة: 2، 8، 14، 81، 83، 114.
(3) - انظر السألة المرقمة: 14، 52، 78.
(4) - انظر المسألة المرقمة: 98 لا (5) - انظر المسألة المرقمة: 144.

[ 43 ]

وقال -: " ويقوي في نفسي عاجلا - الى أن يقع التأمل لذلك - صحة ما ذهب إليه الشافعي، والوجه فيه أنا لو حكمنا بنجاسة الماء القليل الوارد على النجاسة لأدى ذلك الى أن الثوب لا يطهر من النجاسة إلا بإيراد كر من الماء عليه، وذلك يشق، فدل على ان الماء إذا ورد على النجاسة لا يعتبر فيه القلة والكثرة كما يعتبر فيما ترد النجاسة عليه " (1). وقال عند قول المصنف: " تكبيرة الافتتاح من الصلاة، والتسليم ليس منها ": " لم أجد لأصحابنا الى هذه الغاية نصا في هاتين المسئلتين ويقوي في نفسي أن تكبيرة الافتتاح من الصلاة، وأن التسليم ايضا من جملة الصلاة، وهو ركن من أركانها، وهو مذهب الشافعي، ووجدت بعض أصحابنا يقول في كتاب له إن السلام سنة غير مفروض، ومن تركه متعمدا لا شئ عليه " (2). وهذا دليل على سبق طرح بعض المسائل الفرعية في فقه الزيدية، - كما في فقه أهل السنة - قبل طرحه في الإمامية. وهذا باب يلجه من له علاقة بتاريخ الفقه وبمعرفة سير المسائل المطروحة في الفقه.
9 - وقد يكذب السيد نسبة قول إلى بعض الفقهاء، وهذا دليل على معرفته التامة بآراء الآخرين وانصافه فيهم، قال في مسألة بول الصبي بعد نقل الآراء فيها: " ومن حكى عن الشافعي أنه ليس بنجس فقد وهم عليه " (3).
10 - وربما يختار السيد قولا وينسبه إلينا، وهو خلاف إجماع الإمامية،

(1) - انظر المسألة المرقمة: 4.
(2) - انظر المسألة المرقمة: 82، وكذا قال فيمن لا يجد ماء ولا ترابا: " وليس لأصحابنا في هذه المسألة نص صريح، و 54، وكذا 64.
(3) - انظر المسألة المرقمة: 13.

[ 44 ]

قول المصنف: " لا يجوز إزالة النجاسات بشئ من المايعات، سوى الماء المطلق "، قال: " عندنا أنه يجوز إزالة النجاسة بالمايع الطاهر وإن لم يكن ماء " (1) وقد جاء عن المحقق الكتاب في الهامش قوله: لا يخفى أنه لم يوافقه أحد من علمائنا على ما ذهب إليه منذ زمنه وإلى يومنا هذا ". وإني أظن ان السيد رحمه الله تعالى كان بخلده قول الشيخ الصدوق بجواز التوضي بماء الورد (2، فطبقه على ازالة النجاسة بغير الماء، لكنه قول خاص بالصدوق، ولم يقل به غيره - حسب ما نعلم -.
11 - عادة السيد في هذا الكتاب رعاية الأدب مع الآخرين، فلا ينسب قولهم الى البدعة ولا يهاجمهم بما يزعجهم - كما فعل في ساير كتبه، ولا سيما في الشافي - وهذا عمل ينبغي الاقتداء به وبتلميذه الفاضل الشيخ الطوسي رحمه الله في سبيل التقريب بين المذاهب، إلا أن مصنف الكتاب قد نسب قولا إلى البدعة وجرى عليه المرتضى، قال: " المسألة التاسعة والستون: التثويب - وهو قول: " الصلاة خير من النوم " - في صلاة الصبح بدعة " وقال المرتضى: " هذا صحيح، وعليه إجماع أصحابنا، وقد اختلف الفقهاء في التثويب ما هو؟ (3). - إلى أن قال -: " وما لا ذم في تركه، ويخشى في فعله أنه بدعة ومعصية يستحق به الذم فتركه أولى وأحوط في الشريعة ". وقد قال في المسح على الرجلين: " وعندنا أن الفرض في الرجل المسح دون الغسل، فمن غسل لم يجزه " فلم يأت بكلمة " البدعة " هنا ولا في غيرها من

(1) - انظر المسألة المراقمة: 22.
(2) - المقنع (الجوامع الفقهية): 48.
(3) - الناصريات انظر المسألة المرقمة: 69، 70.

[ 45 ]

المسائل الخلافية الحساسة بين الامامية وأهل السنة.
12 - وقد أطال البحث في بعض تلك المسائل الخلافية اللآتي تعد فارقة بين الفريقين: مثل المسح على الرجلين (1)، وفي وقت الظهر والعصر (2)، وفي أن تكبير الافتتاح جزء الصلاة (3)، وفي القرائة بالفارسية (4)، وفي القنوت في الصلوات (5)، وفي التكلم في الصلاة ناسيا أو متعمدا (6)، وفي اعتبار الشهادة في صحة النكاح، وكذلك الولي (7)، وفي عدم انعقاد النكاح بلفظ الهبة (8)، وفي عدم وقوع الطلاق بغير السنة، وبطلان الطلاق ثلاثا في مجلس واحد (9)، وفي العود في الظهار (10)، وفي أن الفرائض لا تعول (11)، وفي الشهادة بشاهد ويمين (12).
13 - يصرح السيد في بعض المسائل على أنه لا يطرح على أصولنا: قال المصنف: " المسألة الخامسة والمائتان، إذا اخطأ الإمام في بعض احكامه أو نسيه، لم تفسد إمامته " فقال المرتضى: " هذه المسألة لا تتقدر على مذاهبنا، لأنا نذهب إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما من كل زلل وخطأ كعصمة الأنبياء -

(1) - انظر المسألة المرقمة: 31.
(2) - انظر المسألة المرقمة: 72، 73.
(3) - انظر المسألة المرقمة: 82، 88.
(4) - انظر المسألة المرقمة: 86، 87.
(5) - انظر المسألة المرقمة: 92، 93.
(7) - انظر المسألة المرقمة: 151 150.
(8) - انظر المسألة المرقمة: 152، 153.
(9) - انظر المسألة المرقمة: 161، 163.
(10) - انظر المسألة المرقمة: 169، 170.
(11) - انظر المسألة المرقمة: 190، 191.
(12) - انظر المسألة المرقمة: 198، 198.

[ 46 ]

إلى أن قال: - وإنما يقع تفريع هذه المسألة على أصول من لا يشترط العصمة في الإمامة... " (1). وقال عند قول المصنف: " لا يخالف الإمام المتأخر الإمام المتقدم ": " هذه المسألة إنما تتفرع على غير أصولنا، لأن من أصولنا أن الإمام معصوم، وأنه لا يحكم بالاجتهاد الذي يجوز ان يقع الخلاف فيه، بل بانص والعلم، وعلى هذين الأصلين لا يجوز أن يخالف الإمام الثاني الإمام الأول، لأنه إذا خالفه لابد أن يكون أحدهما مخطئا، والخطأ لا يجوز على الأئمة حسب ما قدمناه " (2).
14 - يبدو أن آراء الامامية في كثير من المسائل أسهل من آراء الزيدية. وهذا باب ينبغى الخوض فيه بالموازنة بين آراء المذاهب الإسلامية، حتى نرى أن أي المذاهب التزم السهولة التى بنيت الشريعة عليها، كما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: " بعثت على الشريعة السمحة السهلة ". فيلاحظ في الكتاب مسائل نجاسة المذي (3) ونجاسة كل دم (4)، وغسل الأناء من ولوغ الكلب والخنزير (5)، وتخليل اللحية في الوضوء (6)، وغسل العذار فيه (7)، والدلك في الوضوء (8)، وفعل الكبيرة حدث (9)، الى غيرها.

(1) - انظر المسألة المرقمة: 150.
(2) - انظر المسألة المرقمة: 207.
(3) - انظر المسألة المرقمة: 184.
(4) - انظر المسألة المرقمة: 15.
(5) - انظر المسألة المرقمة: 21.
(6) - انظر المسألة المرقمة: 26.
(7) - انظر المسألة المرقمة: 27.
(8) - انظر المسألة المرقمة: 32.
(9) - انظر المسألة المرقمة: 36.

[ 47 ]

15 - وأخيرا: ينبغي دراسة المذهب الزيدي أنه إلى أي حد تأثر بالمذهب الحنفي - كما هو المشهور - أو بمذاهب أخرى، وأنه إلى أي مذاهب أقرب، وما هو أخذه باقوال أهل البيت (عليهم السلام). أما بعد فالرجاء أن يكون هذا الكتاب فاتحة خير لما يريد مركز البحوث والدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية نشره في مجال الفقه المقارن، والأحاديث المشتركة الى غيرها من الأعمال القيمة في سبيل التقريب على المسنوى العلمي في جميع المجالات العلمية بإذن الله تعالى. وفرض على عاتقنا الشكر لكل من يعمل في هذا المركز من الأساتذة الأفاضل والهيئة العلمية المشرفة على تلك الأعمال، ولا سيما عميد المركز سابقا وحاليا العلامة الشيخ محمد مهدي نجف، حفظ الله الجميع ووفقهم لبسط روح التقريب بين أتباع المذاهب الأسلامية ولجمع شمل الأمة، أخذ الله بأيدينا وهدانا لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين. 18 جمادى الثانية 1417 ه‍ - محمد واعظ زاده الخراساني الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

[ 48 ]

وصف النسخ المعتمدة اعتمدنا في تحقيق الكتاب على النسخ التالية: 1 - النسخة المحفوظة في خزانة المكتبة جامعة (دانشكاه) طهران العامة العامرة ضمن مجموع. مجهولة الناسخ والتاريخ، جاء في آخرها ما نصه: كتبت هذه النسخة من نسخة وجدت في خزانة كتب الحضرة الشريفة المقدسة الغروية (صلوات الله على الساكن بها)، وكانت نسخة عتيقة صحيحة، تاريخ كتابتها في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وخمسماية، وفي اكثر صفحاتها كانت هذه اللفظة أعني " بلغ العرض " مكتوبة. رمزنا لها بالحرف " د ".
2 - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة جامعة (مدرسة عالى) الشهيد مطهري العامة العامرة بطهران ضمن مجموع تحت رقم 2533. ويبدو أن النسخة كتبت من نفس النسخة العتيقة الصحيحة الموجودة في الحضرة المقدسة الغروية والتي تقدمت الأشارة إليها بخط آخر، مجهولة الناسخ تم الفراغ من نسخها سنة 1248 هجرية. رمزنا لها بالحرف " ط ".
3 - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى السيد النجفي المرعشي العامة العامرة بقم تحت رقم 4364. كتبها السيد تقي بن السيد محمد رضا الموسوي، وفرغ من نسخها في يوم

[ 49 ]

الجمعة الثالث عشر من شهر شوال عام 1236 هجرية. ناقصة الأول. رمزنا لها بالحرف " ن ".
4 - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة مجلس الشورى العامة العامرة بطهران ضمن مجموع. مجهولة الناسخ والتاريخ، من خطوط القرن الثاني عشر الهجري، في 33 ورقة، 29 * 5 / 18 سم، في كل صفحة 31 سطر * 14 سم. رمزنا بالحرف " م ".
5 - كما اعتمدنا على النسخة المطبوعة على الحجر، والموجودة ضمن الجوامع الفقهية، كتبها محمد رضا بن الميرزا عبد الله الخونساري وفرع من كتابتها سنة 1276 هجرية. رمزنا لها بالحرف " ج ".

[ 51 ]

نموذج للصفحة الاولى من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة جامعة (دانشكاه) طهران العامة العامرة ضمن مجموع، رمزنا لها بالحرف (د).

[ 52 ]

نموذج للصفحة الأخيرة من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة جامعة (دانشكاه) طهران العامة العامرة ضمن مجموع، رمزنا لها بالحرف (د).

[ 53 ]

نموذج للصقحة الأولى من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة جامعة (مدرسة عالى) الشهيد مطهري العامة العامرة بطهران ضمن مجموع تحت رقم 2533، التي رمزنا لها بالحرف (ط).

[ 54 ]

نموذج للصفحة الأخيرة من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة جامعة (مدرسة عالى) الشهيد مطهري العامة العامرة بطهران ضمن مجموع تحت رقم 2533، التي رمزنا لها بالحرف (ط).

[ 55 ]

نموذج للصفحة الأولى من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى السيد النجفي المرعشي العامة العامرة ضمن مجموع تحت رقم 4364 والتي رمزنا لها بالحرف (ن).

[ 56 ]

نموذج للصفحة الأخيرة من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى السيد النجفي المرعشي العامة العامرة ضمن مجموع تحت رقم 4364 والتي رمزنا لها بالحرف (ن).

[ 57 ]

نموذج للصفحة الأولى من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة مجلس الشورى العامة العامرة بطهران ضمن مجموع، رمزنا لها بالحرف (م).

[ 58 ]

نموذج للصفحة الأخيرة من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة مجلس الشورى العامة العامرة بطهران ضمن مجموع، رمزنا لها بالحرف (م).

[ 59 ]

نموذج للصفحة الأولى من النسخة الحجرية والمطبوعة ضمن الجوامع الفقهية والتي رمزنا لها بالحرف (ج).

[ 60 ]

نموذج للصفحة الأخيرة من النسخة الحجرية والمطبوعة ضمن الجوامع الفقهية والتي رمزنا لها بالحرف (ج).

[ 61 ]

مقدمة المؤلف: الحمد لله (1) (2) على ما خص وعم من نعمه وظهر وبطن من مننه (3) وإياه نسأل الزيادة في اليقين ولزوم محجة الدين التي لا يضل سالكها ولا يهتدي تاركها وان يجعل أفضل صلاته وتحياته غادية رائحة على خير خلقه سيدنا محمد نبيه وعترته، ما اضاء نهار، وأسبل قطار. ومن بعد: فان المسائل المنتزعة (4) من فقه الناصر (5) رحمه الله وصلت وتأملتها (6) واجبت المسؤول (7) من شرحها وبيان وجوهها وذكر من يوافق ويخالف فيها.

(1) قال بدر الدين بن أمير الدين الحوثي اليماني الزيدي الحسني: قد كتبت الحواشي لتخريج ما نسب الى الناصر في هذا الكتاب من كتب الزيدية، وعندنا سند لكتب الناصر المعروفة عند الزيدية، وسند لكتبنا التي أنقل منها هذا التخريج، وهي مشهورة متداولة بين الزيدية ومؤلفوها من أئمة الزيدية، ولهم تراجم في كتب الزيدية وغيرها، فنقلت من البحر وهو البحر الزخار تأليف الامام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى خمسة مجلدات ذكر فيه جمعا كبيرا من الخلافات والحجج، ونقلت فيه من شرح التجريد تأليف الامام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني وهو في مذهب الامام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم وجده القاسم الرسي الحسني أحد أئمة الزيدية يذكر قولهما، ويحتج له، ويرد على المخالفين، ونقلت مرة من أمالي أخيه الامام أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني.
(2) في " د " و " ط ": أحمد الله.
(3) في " د " و " ط ": من هبته.
(4) في " د " و " ط ": المتنوعة.
(5) في " ج " و " م ": الناصرية.
(6) في " د " و " ط ": وتأملت.
(7) في " د " و " ط ": الى المسؤول..

[ 62 ]

وأنا بتشييد علوم هذا الفاضل البارع كرم الله وجهه أحق واولى، لانه جدي من جهة والدتي، لانها فاطمة بنت أبي محمد الحسن (1) بن أحمد أبي (2) الحسين صاحب جيش ابيه الناصر الكبير أبي محمد الحسن (3) بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي السجاد زين العابدين ابن الحسين السبط (4) الشهيد ابن امير المؤمنين صلوات الله عليه، و (5) الطاهرين من عقبه عليهم السلام والرحمة والناصر: كما تراه من أرومتي، وغصن من أغصان دوحتي، وهذا نسب عريق في الفضل (6) والنجابة والرئاسة. اما أبو محمد الحسن (7): الملقب بالناصر ابن أبي (8) الحسين أحمد، الذى شاهدته وكاثرته، وكانت وفاته ببغداد في سنة ثمان وستين وثلاث مائة، فانه كان خيرا فاضلا دينا، نقي السريرة جميل النية حسن الاخلاق، كريم النفس وكان معظما مبجلا مقدما في أيام معز الدولة وغيرها رحمه الله (9) لجلالة نسبه ومحله في نفسه، ولانه كان ابن خالة بختيار عز الدولة فإن أبا الحسين أحمد والده تزوج كنز حجر بنت

(1) في " د ": أبي محمد.
(2) في " د " و " ط ": ابن الحسين.
(3) في " د " و " ط ": أبي محمد الحسن بن الحسين بن علي... وفي " م ": أبي محمد الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر وفي " ج ": أبي محمد الحسين بن أحمد بن الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن عمر، ولكن الصحيح ما أثبتناه في المتن.
(4) في " د " و " ط ": السيد.
(5) في " ط ": وعلى آله الطاهرين. (6) في " د " و " ط ": بالفضل.
(7) في " د " و " ط " و " ج ": الحسين.
(8) كلمة " أبي " ساقطة من " م ".
(9) في " د " و " ط ": رحمهما الله..

[ 63 ]

سهلان السالم (1) الديلمي، وهى خالة بختيار وأخت زوجة معز الدولة ولوالدته هذه بيت كبير في الديلم وشرف معروف وولي أبو محمد الناصر - جدي الادنى - النقابة على العلويين بمدينة السلام عند اعتزال والدي رحمه الله لها سنة اثنتين (2) وستين وثلاث مائة. فأما أبو الحسين احمد بن الحسن (3) فانه كان صاحب جيش أبيه وكان له فضل وشجاعة ونجابة (4) ومقامات مشهورة يطول ذكرها وأما أبو محمد الناصر الكبير وهو: الحسن (5) بن علي، ففضله في علمه وزهده وفقهه أظهر من الشمس الباهرة وهو الذي نشر الاسلام في الديلم حتى اهتدوا به بعد الضلالة، وعدلوا بدعائه عن الجهالة، وسيرته الجميلة اكثر من ان تحصى، واظهر من ان تخفى، ومن أرادها أخذها من مظانها. فأما أبو الحسن (6) علي بن الحسين (7) فإنه كان عالما فاضلا. وأما الحسن (8) بن علي فإنه كان سيدا مقدما مشهور الرئاسة. وأما علي بن عمر الاشرف، فإنه كان عالما، وقد روى الحديث. وأما عمر بن علي بن الحسين ولقبه الاشرف، فإنه كان فخم السيادة، جليل القدر والمنزلة في الدولتين معا الاموية والعباسية وكان ذا علم، وقد روي عنه

(1) في " ج ": كساء وفي " م ": كسالم.
(2) في " د " و " ط " و " ج ": اثني.
(3) في " د " و " ط ": أحمد بن الحسين وهو خطأ واضح.
(4) لا يوجد " نجابة " في " ط " و " د ".
(5) في " ط " و " د ": الحسين عليه السلام وهو خطأ.
(6) في " د " و " ط ": أبو الحسين.
(7) بين القوسين ساقط من " د " و " ط " والصواب: علي بن الحسن.
(8) كذا في " م " وفي غيرها: " الحسين " وهو خطأ..

[ 64 ]

الحديث. وروى أبو الجارود زياد بن المنذر، قال: قيل لابي جعفر الباقر عليه السلام: أي إخوتك أحب إليك وأفضل؟ فقال عليه السلام: " اما عبد الله فيدي التي أبطش بها - وكان عبد الله أخاه لابيه وأمه - وأما عمر فبصري الذي أبصر به، وأما زيد فلساني الذي أنطق به، واما الحسين فحليم يمشي على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (1). وأنا الآن مبتدئ بالكلام على المسائل، وإيضاح الحق منها (2)، ومن الله استمد المعونة وحسن التوفيق، فما يظفر بهما إلا من أعطاه، ولا يملكها سواه، وهو حسبنا ونعم الوكيل

(1) لم نعثر عليه، في فطانه قال المامقاني: ونقله الحائري عن الناصريات قائلا: وهذا الخبر وإن كان مرسلا إلا أن ظاهر ايراد السيد (رض) كونه قطعيا. تنقيح المقال 2 / 200.
(2) أي عند المؤلف (ح)..

[ 65 ]

كتاب الطهارة

[ 67 ]

المسألة الاولى: قال الناصر رحمه الله: " إذا وقعت النجاسة في ماء يسير نجس، تغير بها أو لم يتغير ". قال الشريف الاجل المرتضى علم الهدى رحمه الله: هذا صحيح، وهو مذهب الشيعة الامامية وجميع الفقهاء، وإنما خالف في ذلك مالك (1) والاوزاعي (2) وأهل الظاهر (3) وراعوا في نجاسة الماء - القليل منه والكثير - تغير أحد أوصافه من طعم، أو لون، أو رائحة (4). والحجة في صحة مذهبنا: إجماع الشيعة الامامية، وفي إجماعهم عندنا الحجة،

مثل هذا عن الناصر عليه السلام عند الزيدية في اليمن حكاه الامام المهدي في البحر ج 1 ص 32. (ح). (1) أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الحميري المدني الاصبحي، ولد سنة 93 هجرية، وطلب العلم وهو حدث، فأخذ عن جمع كثير منهم: الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، ونافع، والزهري، وسعيد المقبري، وحدث عنه: ابن المبارك، والقطان، وابن مهدي، وابن وهب وغيرهم، توفي في سنة 179 ه‍ انظر: سير أعلام النبلاء 8: 48 / 1193، تذكرة الحفاظ 1: 207 / 199، تهذيب التهذيب 10: 5 / 3، طبقات الفقهاء للشيرازي: 42.
(2) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الاوزاعي الدمشقي، إمام أهل الشام، ولد في بعلبك سنة 88 ه‍ رحل الى طلب العلم والحديث، فأخذ عن عطاء بن أبي رباح، وقتادة، وربيعة، والزهري وجعفر بن محمد الصادق عليه السلام وغيرهم، وحدث عنه: مالك، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وأبو إسحاق الفزاري وآخرين، توفي سنة 157 ه‍ انظر: تهذيب التهذيب 6: 216 / 487، العبر للذهبي 1: 227، وفيات الاعيان 3: 127 / 361 تذكرة الحفاظ 1: 178 / 177، رجال الشيخ الطوسي 231 / 133.
(3) أهل الظاهر: هؤلاء جماعة ينتحلون مذهب داود بن علي الاصبهاني، فإنهم يجرون النصوص على ظاهرها، ويلغون ما سوى ذلك من الرأي والتأويل والقياس، ومن أكابرهم القاضي الجزري، وابن حزم الاندلسي. انظر: الملل والنحل 1: 187، الانساب للسمعاني 4: 99، الفهرست لابن النديم: 271.
(4) بداية المجتهد 1: 24، المجموع شرح المهذب 1: 113، المحلى بالآثار 1: 141، أحكام القرآن للجصاص 5: 205، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13: 42..

[ 68 ]

وقد دللنا على ذلك في غير موضع من كتبنا (1). وأيضا قوله تعالى: (ويحرم عليهم الخبائث) (2) وقوله تعالى: (والرجز فاهجر) (3)، وقوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم " (4). وهذه الظواهر تقتضي تحريم النجاسة من غير مراعاة لتغير الاوصاف التي هي الطعام واللون والرائحة. المسألة الثانية: " إن وقعت النجاسة في ماء كثير لم ينجس، ما لم يتغير أحد أوصافه، والكثير ما بلغ قلتين فصاعدا " (5). قد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقالت الشيعة الامامية: ان الماء الكثير لا ينجس بحلول النجاسة فيه إلا بأن يغير لونه أو طعمه أو رائحته. وحد الكثير عندهم ما بلغ كرا فصاعدا. وحد الكر ما وزنه ألف ومائتا رطل بالرطل المدني، والرطل المدني مائة وخمسة وتسعون درهما. وقال أبو حنيفة (6) وأصحابه: كل ماء تيقنا حصول النجاسة فيه، أو غلب في

(1) منها في الانتصار: 6. (2) سورة الأعراف: الآية 157.
(3) سورة المدثر: الآية 5.
(4) سورة المائدة: الآية 3.
(6) حكي عن الناصر تحديد القليل بما دون القلتين وحكي في البحر ج 1 ص 32 الاجماع عليه (ح).
(6) أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، ولد سنة 80 ه‍ وتفقه على الامام الصادق عليه السلام وحماد بن أبي =.

[ 69 ]

ظننا ذلك، فهو نجس لا يجوز استعماله، قليلا كان الماء أو كثيرا، تغيرت صفاته أو لم تتغير (1). وراعى مالك والاوزاعي والشافعي (2) وأهل الظاهر في الماء القليل والكثير تغير الاوصاف (3). وراعى الشافعي القلتين، فما بلغه المقدار عليها لم ينجس عنه، وما نقص عنها نجس (4). وقال الحسن بن صالح بن حي (5): إذا كان الماء أقل من كر وحلته نجاسة نجس،

= سليمان روى عن عطاء بن أبي رباح، وعامر الشعبي، وقتادة، والزهري، ونافع، وأخذ عنه خلق كثير منهم: الحسن بن زياد اللؤلؤي، وزفر بن الهذيل، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبو يوسف القاضي، توفي في سنة 150 ه‍ ببغداد. انظر: تاريخ بغداد 13: 323 / 7297، العبر للذهبي 1: 214، ميزان الاعتدال 4: 265 / 9092، وفيات الاعيان 5: 405 / 765، البداية والنهاية 10: 110. (1) اللباب في شرح الكتاب 1: 20، فتح القدير 1: 64، أحكام القرآن للجصاص 5: 204، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13: 42.
(2) كلمة " الشافعي " ذكرت في النسخة الحجرية فقط، والشافعي: هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس ابن عثمان بن شافع القرشي المطلبي المكي، ولد بغزة سنة 150 ه‍ أخذ العلم عن عمه محمد، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس، وعبد العزيز بن الماجشون وغيرهم، وحدث عنه الحميدي، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل، والبويطي وآخرون، مات سنة 204 ه‍ انظر تهذيب الاسماء واللغات 1: 44 / 2، طبقات الشافعية لابن هداية: 2، تهذيب التهذيب 9: 23 / 39، حلية الاولياء 9: 63 / 415.
(3) بداية المجتهد 1: 24، الاستذكار لابن عبد البر 1: 203، المجموع شرح المهذب 1: 110، المغني لابن قدامة 1: 25.
(4) المجموع شرح المهذب 1: 112، حلية العلماء 1: 80، أحكام القرآن للجصاص 5: 205، وفي " د " و " ط " (فما بلغه المقدار عليه ما لم ينجس عنه) والعبارة مضطربة.
(5) أبو عبد الله الهمداني الثوري، فقيه معروف، من كبار علماء بعض فرق الزيدية المندثرة، روى عن أبيه، وعبد الله بن دينار، وسلمة بن كهيل، وسماك بن حرب وجماعة، وروى عنه وكيع بن الجراح، وأبو نعيم، وعبيد الله بن موسى وآخرون. مات سنة 167 ه‍ انظر طبقات الفقهاء للشيرازي: 66، تهذيب التهذيب 2: 248 / 516، العبر للذهبي 1: 249، سير أعلام النبلاء 7: 361 / 134، الفرق بين الفرق: 33..

[ 70 ]

وإذا كان كرا لم ينجس (1) وحد الكر بأنه ثلاثة آلاف رطل (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (3). وقد علمنا أن الماء الكثير إذا خالطته نجاسة فلم يتغير أحد (4) أوصافه، لم يخرجه من أن يكون منزلا من السماء ومن أن يكون مستحقا لهذا الوصف، فيجب أن يكون الحكم المقترن بهذا الاسم (لازما له ما لزمه هذا الاسم) (5). وقد روى أصحاب الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (6). وروت الشيعة الامامية عن أئمتها عليهم السلام بألفاظ مختلفة، ووجوه مختلفة: ان الماء إذا بلغ كرا لم ينجسه ما يقع فيه من نجاسة، إلا بأن يغير أحد أوصافه (7). وأجمعت الشيعة الامامية على هذه المسألة، وإجماعها هو الحجة فيها. وأما الكلام في تصحيح الحد الذي ذكرناه من الكر وتعينه بالأرطال، فالحجة في صحته إجماع الامامية عليه وإجماعها هو الحجة.

(1) الخلاف للشيخ الطوسي 1: 190 مسألة 147، وانظر أحكام القرآن للجصاص 5: 205.
(2) حكاه عنه العلامة الحلي في منتهى المطلب 1: 40، وذكره السيد المرتضى أيضا في الانتصار: 8.
(3) سورة الفرقان: الآية 48.
(4) كلمة " أحد " محذوفة في " د " و " ط ".
(5) ما بين الهلالين ليس في " د " و " ط ".
(6) الخلاف للشيخ الطوسي 1: 174 مسألة 127، منتهى المطلب 1: 34، عوالي الآلي 2: 16 / 30 ولم نعثر على الحديث بلفظه في المجاميع الحديثية للجمهور سوى ما حكاه الجزري مرسلا عن ابن سيرين كما في النهاية 4: 162.
(7) انظر الكافي 3: 2 / 2، من لا يحضره الفقيه 1: 8 / 12، التهذيب 1: 39 / 107، الاستبصار 1: 6 / 1 - 3..

[ 71 ]

وأيضا فإن الشافعي الذي يخالفنا في تحديده بقلتين، مذهبنا أولى من مذهبه، لأن القلة اسم مشترك بين أسماء (1) مختلفة، كقلة الجبل، والجرة، ويستعمل أيضا في ذروة كل شئ وأعلاه، وفى غير ذلك. والكر يتناول شيئا واحدا فإن اختلفت مقاديره في البلدان وعادات أهلها فالتحديد به اولى. فان قيل قد روى الشافعي ما يزيل الاحتمال في ذلك، وهو قوله: بقلال هجر (2) (3). قلنا: قد ذكر أهل العلم أن التحديد بقلال هجر من جهة الراوي (4)، وأنه ليس من لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن الاشتراك باق مع هذا اللفظ لأن قلال هجر اسم مبهم يحتمل سائر ما تقدم ذكره. فأما الكر وإن كان مختلفا في مقاديره (5)، فليس يختلف ما يقع عليه هذا الاسم كاختلاف ما يقع عليه اسم القلة ويجري الكر في ما يتناوله مجرى قولنا: " رجل " في أنه يقع على أمر (6) واحد غير مختلف في حقيقته وإن اختلف الرجال في الطول، والقصر والعلم، والجهل، والاوصاف المختلفة ويجري اسم القلة مجرى قولنا: " شئ " في اختلاف ما يتناوله على أننا نتمكن من استعمال خبر القلتين ونحمله على الجرتين الكبيرتين اللتين

(1) في (ن) و (م): " أشياء " بدل: " أسماء ".
(2) هجر: قال الامام النووي: هجر بفتح الهاء والجيم قرية بقرب المدينة، وليست هجر البحرين، المجموع 1: 121.
(3) المجموع شرح المهذب 1: 121، الأم 1: 18، الاستذكار لابن عبد البر 1: 204، السنن الكبرى للبيهقي 1: 263.
(4) نصب الراية 1: 110 - 111، المحلى بالآثار 1: 157.
(5) في (د) و (ط): تقاديره.
(6) في (د) و (ط): " امرئ " بدل: " أمر "..

[ 72 ]

تبلغ ما تسعانه مقدار الكر، وأصحاب القلتين لا يمكنهم استعمال خبر الكر، لانه لا نعرف شيئا من الأكرار تبلغ خمس مائة رطل. فإن قيل: ولا نعرف أيضا كرا يبلغ ألفا ومائتي رطل. قلنا: الاكرار مختلفة في البلدان وقد ذكر الناس اختلافها ومبالغها في عادات أهلها، وقالوا في الكر السليماني: إنه سدس وعشر العدد (1)، فإنه ألف وتسع مائة رطل وعشرون رطلا بالبغدادي، فإذا نقصنا من ذلك الرطل المدني والعراقي قارب المبلغ الذي ذكرناه، فمن ادعى أن الذي حددنا (2) به الكر غير معروف، مبطل على كل حال. المسألة الثالثة: " ولا فرق بين ورود الماء على النجاسة وبين ورود النجاسة على الماء. هذه المسألة لا أعرف فيها نصا لأصحابنا ولا قولا صريحا ". والشافعي يفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورودها عليه، فيعتبر القلتين في ورود النجاسة على الماء ولا يعتبر في ورود الماء على النجاسة (3). وخالفه سائر الفقهاء في هذه المسألة، ويقوى في نفسي عاجلا - إلى أن يقع

(1) في (د) و (ط): " المعدل " بدل " العدد ".
(2) في (د) و (ط): حدد. ذكرها في البحر عن (ه‍) أي القاسمية والناصرية أي أتباع القاسم والناصر عموما ج 1 ص 33 (ح).
(3) المجموع شرح المهذب 1: 138، حلية العلماء 1: 88، بداية المجتهد 1: 26، الاستذكار لابن عبد البر 1: 196.

[ 73 ]

التأمل لذلك - صحة ما ذهب إليه الشافعي والوجه فيه: أنا لو حكمنا بنجاسة الماء القليل الوارد على النجاسة، لادى ذلك إلى أن الثوب لا يطهر من النجاسة إلا بايراد كر من الماء عليه، وذلك يشق، فدل على أن الماء إذا ورد على النجاسة لا يعتبر فيه القلة والكثرة كما يعتبر فيما ترد النجاسة عليه. المسألة الرابعة: " الماء إذا خالطه طاهر فغير احدى صفاته لا يجوز الوضوء به ". الصحيح عندنا: أن الماء إذا خالطه بعض الاجسام الطاهرة - من جامد أو مايع - فلم يثخن به (1)، ولم يخرج عن طبعه وجريانه ويسلبه إطلاق اسم الماء عليه، فإن الوضوء به جائز، ولا اعتبار في الغلبة بظهور اللون، أو الطعم، أو الرائحة، بل بغلبة الاجزاء على حد يسلبه اطلاق اسم الماء، ووافقنا على ذلك أبو حنيفة (2). وراعى الشافعي، ومالك في ذلك تغير الاوصاف من لون، أو طعم، أو رائحة، وزعما أن احد أوصاف الماء متى تغير - ولو باليسير من الطاهر - لم يجز الوضوء به (3). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه مع إجماع الفرقة المحقة، قوله تعالى: (فلم تجدوا

وهذه حكاها في البحر عن القاسمية والناصرية ج 1 ص 31 (ح). (1) في (د) و (ط): فلم ينجس به.
(2) اللباب في شرح الكتاب 1: 19، الهداية للمرغيناني 1: 18، حلية العلماء 1: 78.
(3) الأم 1: 20، كفاية الأخيار 1: 6، المجموع شرح المهذب 1: 103، بداية المجتهد 1: 27.

[ 74 ]

ماء فتيمموا) (1) فنقلنا من الماء عند فقده إلى التراب من غير واسطة، والماء الذي خالطه يسير من زعفران يطلق عليه اسم الماء، ولا ينتقل مع وجوده إلى التراب. وأيضا قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) (2) عام في كل مائع يتأتى الاغتسال به، إلى أن يقوم دليل على إخراج بعضها. وليس لأحد أن يدعي: ان يسير الزعفران إذا خالطه الماء سلبه إطلاق اسم الماء، وذلك أن إطلاق الاسم هو الاصل، والتقييد داخل عليه وطار بعده، كالحقيقة والمجاز، فمن ادعى زوال الاطلاق في الماء فعليه الدليل. وبعد: فإنهم يقولون في ذلك إنه ماء وقع فيه زعفران ولا يضيفونه إليه كما يضيفون الماء المعتصر من الزعفران إليه. ومما يدل على ان تغير احد الاوصاف لا معتبر به: أن الماء الذي يجاوره الطيب الكثير كالمسك وغيره، قد تتغير رائحته بمجاورة الطيب، ومع هذا فلا خلاف في جواز الوضوء به. المسألة الخامسة: " ولا يجوز الوضوء بشئ من الأنبذة ". عندنا: أن الوضوء بشئ من الأنبذة لا يجوز، لا النية منها، ولا المطبوخة ولا النقيعة، وهو مذهب مالك والشافعي، وأبي يوسف (3) وأحمد بن حنبل (4)

(1) سورة النساء، الآية: 43.
(2) سورة المائدة، الآية: 6. قد شملت هذه المسألة الرابعة (ح).
(3) أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الانصاري الكوفي، قاضي القضاة، ولد سنة 113 ه‍ تفقه على أبي حنيفة =.

[ 75 ]

وداود (5) (6). وأجاز أبو حنيفة التوضؤ بنبيذ التمر المطبوخ الشديد عند عدم الماء (7). وقال محمد بن الحسن (8): يتوضأ به ويتيمم مع فقد الماء، وأوجب الجمع بينهما في السفر (9). دليلنا على صحة مذهبنا مع الاجماع المقدم ذكره، بل إجماع أهل البيت عليهم السلام:

= وسمع أبا إسحاق الشيباني، وسليمان التيمي، ويحيى بن سعيد الانصاري، وعطاء بن السائب وطبقته، وحدث عنه ابن معين، وأحمد بن حنبل وجماعة، له عدة تصانيف منها: الاصل، والخراج، وأدب القاضي وغيرها، توفي سنة 182 ه‍ انظر هداية العارفين 2: 536، العبر للذهبي 1: 284، مفتاح السعادة 2: 211، تاريخ بغداد 14: 242 / 7558، رجال الطوسي: 337 / 60، وفيات الاعيان 6: 378 / 824.
(4) أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الذهلي الشيباني، ولد سنة 164 ه‍ واتجه الى طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، فرحل الى الاقطار، وكتب عن شيوخها، وأخذ عن الشافعي، وأبي يوسف القاضي، وسفيان بن عيينة وغيرهم، توفي سنة 241 ه‍ انظر طبقات الحنابلة 1: 4، الكنى والالقاب للقمي 1: 268، غاية النهاية في طبقات القراء 1: 112 / 515، البداية والنهاية 10: 340.
(5) أبو سليمان داود بن علي بن خلف الاصبهاني البغدادي، إمام أهل الظاهر، كان مولده سنة 200 ه‍ وقيل سنة 202 ه‍ سمع من سليمان بن حرب، ومسدد، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور وطبقتهم، وحدث عنه ابنه محمد، وأبو الطيب الديباجي، وأبو نصر السجستاني، وأبو سعيد الحسن بن عبيد الله، له كتب منها: الايضاح، والافصاح، والدعوى والبينات وغيرها، توفي سنة 270 ه‍ انظر: لسان الميزان 2: 422 / 1842، طبقات الفقهاء للعبادي: 58، تذكرة الحفاظ 2: 572 / 597، طبقات الفقهاء للشيرازي: 76.
(6) المدونة الكبرى 1: 4، المجموع شرح المهذب 1: 92 - 93، المغني لابن قدامة 1: 9، المحلى بالآثار 1: 195.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 88، الاصل للشيباني 1: 75، بداية المجتهد 1: 34، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13: 51.
(8) أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، ولد بواسط سنة 132 ه‍ ونشأ بالكوفة، وأخذ عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، والثوري، ومالك، والاوزاعي وغيرهم، وله كتاب الجامع الصغير، الاصل، الحجة على أهل المدينة وغيرها، توفي سنة 189 ه‍ انظر: الجرح والتعديل للرازي 7: 227 / 1253، ميزان الاعتدال 3: 513 / 7374، تاريخ بغداد 2: 172، المجروحين للبستي 2: 275.
(9) الاصل للشيباني 1: 74 - 75..

[ 76 ]

قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (1) فنقلنا من الماء إلى التراب من غير واسطة، وابو حنيفة يخالف هذا الظاهر، لانه يجعل بينهما واسطة هي النبيذ. وليس له أن يقول: إن في النبيذ ماء، فمن وجده كان واجدا للماء، ولا يجوز انتقاله إلى التراب وذلك أن ليس كل شئ كان فيه ماء يطلق اسم الماء عليه، لان الخل، وماء الورد، وسائر المائعات فيها ماء ولا يطلق عليها اسم الماء ويتيمم مع وجودها. على أنه لو تناول النبيذ اسم الماء لدخل تحت الآية [ كدخول الماء المطلق، ووجبت مساواة النبيذ الماء في حكم الاية ] (2)، ويلزم جواز الوضوء بالنبيذ مع وجود الماء لانه جار مجراه، وقد أجمعوا على خلاف ذلك. على أن الانبذة المسكرة عندنا نجسة، ولا يجوز الوضوء بها وهى نجسة، وما ليس بمسكر منها فما دل على أن المائعات كالخل وما أشبهه لا يجوز الوضوء بها يدل على أنه لا يجوز الوضوء به. وقد استقصينا في كتابنا مسائل الخلاف بين سائر الفقهاء (3) الكلام في أنه لا يجوز الوضوء بالانبذة، وتكلمنا على خبر ليلة الجن (4) ووصفناه، فمن اراد

(1) سورة النساء، الآية: 43، والمائدة، الآية: 6.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من (د) و (ط).
(3) الكتاب غير متوفر لدينا، وسيأتي منه (قده) الاحالة على هذا الكتاب في كثير من استدلالاته. لاحظ على سبيل المثال الصفحات: 13، 25، 42.
(4) وقد جاء في بعض ألفاظ هذا الخبر كما عن السنن الكبرى للبيهقي: " عن ابن مسعود قال: أتانا رسول الله عليه السلام فقال: إني قد أمرت أن أقرأ على إخوانكم من الجن، ليقم معي رجل منكم، ولا يقم معي رجل في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، فقمت معه ومعي إداوة من ماء... الى أن قال رسول الله عليه السلام لابن مسعود: هل معك من وضوء؟ قلت: لا. قال: فماذا في الإداوة؟ قلت: نبيذ. قال: تمرة حلوة وماء طيب. ثم توضأ وأقام الصلاة... الى آخره. =

[ 77 ]

الاستقصاء وجده هناك. المسألة السادسة: " ولا يجوز الوضوء بالماء المستعمل ". وعندنا ان الماء المستعمل في تطهير الاعضاء والبدن الذي لا نجاسة عليه، إذا جمع في إناء نظيف كان طاهرا مطهرا، ووافقنا في ذلك الحسن (1) والنخعي (2) والزهري (3) والثوري (4) ومالك، وداود (5).

= قال النووي في مقام رده على هذه الروايات في كتابه (المجموع) ما نصه: ولقد أحسن وأنصف الامام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي إمام الحنفية في الحديث، والمنتصر لهم، حيث قال في أول كتابه: إنما ذهب أبو حنيفة ومحمد الى الوضوء بالنبيذ اعتمادا على حديث ابن مسعود، ولا أصل له، فلا معنى لتطويل كتابي بشئ فيه. انظر: المجموع شرح المهذب 1: 95، والسنن الكبرى للبيهقي 1: 9، سنن الترمذي 1: 147 / 88، سنن أبي داود 1: 21 / 84، سنن ابن ماجة 1: 135 / 384، سنن الدارقطني 1: 78 / 16، مصنف ابن أبي شيبة 1: 25. حكاه في البحر عن أكثر القاسمية والناصرية ج 1 ص 34 (ح). (1) أبو سعيد الحسن ابن أبي الحسن يسار البصري، يقال مولى زيد بن ثابت، من فقهاء التابعين، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، نشأ بالمدينة، ثم صار كاتبا في دولة معاوية لوالي خراسان الربيع بن زياد، حدث عن عثمان، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، وخلق، وحدث عنه ابن عون، ويونس، ومالك بن دينار وأمم سواهم، مات بالبصرة سنة 110 ه‍ انظر: طبقات المفسرين للداودي 1: 150 / 144، حلية الاولياء 2: 131 / 169، طبقات الفقهاء للشيرازي: 68، تهذيب التهذيب 2: 231 / 488.
(2) أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي اليماني، الفقيه التابعي، مفتي أهل الكوفة، روى عن خاله، ومسروق، وأبي زرعة، وشريح القاضي وغيرهم، وروى عنه الحكم بن عتيبة، وسماك بن حرب وسليمان الاعمش وخلق سواهم، مات سنة 96 ه‍ انظر تهذيب الكمال 2: 233 / 265، الكنى والالقاب للقمي 3: 211، وفيات الاعيان 1: 25، تذكرة الحفاظ 1: 73.
(3) أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي المدني، ولد سنة 50 ه‍ عده الشيخ =.

[ 78 ]

وقد قيل: إن مالكا كرهه بعض الكراهية (6). وقال أبو حنيفة وأصحابه إن الماء المستعمل لا يجوز الوضوء به (7) واختلفوا في نجاسته. فقال أبو يوسف: هو نجس وروي مثل ذلك عن أبي حنيفة (8) والصحيح من قول أبي حنيفة أنه طاهر غير مطهر، وهو قول محمد بن الحسن (9) وقال الشافعي إنه طاهر وغير مطهر أيضا (10)، وقد حكى عنه عيسى بن أبان (11) أنه طاهر مطهر (12)، وذلك غير معمول عليه.

= الطوسي في أصحاب الامام علي بن الحسين عليه السلام، روى عن أبي عمر، وعبد الله بن جعفر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك وغيرهم، وعنه الاوزاعي، والليث، ومالك، وسفيان بن عيينة وأمم سواهم، مات في شهر رمضان سنة 124 ه‍ انظر: التاريخ الكبير للبخاري 1: 220 / 693، العبر للذهبي 1: 158، البداية والنهاية 9: 354، طبقات الفقهاء للشيرازي: 35، رجال الطوسي: 101 / 5.
(4) أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ولد في خلافة سليمان بن عبد الملك سنة 96 ه‍ وقيل سنة 97، عده الشيخ الطوسي في أصحاب الامام الصادق عليه السلام، روى عن الاعمش، وأبي حصين، والاوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وحفص بن غياث وغيرهم. مات سنة 161 ه‍ انظر: تهذيب التهذيب 4: 99 / 199، تهذيب الاسماء واللغات 1: 22 / 215، رجال الطوسي: 212 / 162، وفيات الاعيان 2: 386 / 366.
(5) المغني لابن قدامة 1: 18، المحلى بالآثار 1: 182، المدونة الكبرى 1: 4، المجموع شرح المهذب 1: 151، نيل الاوطار للشوكاني 1: 28، إرشاد الساري 1: 269.
(6) بداية المجتهد 1: 28، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13: 48.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 46، الهداية للمرغيناني 1: 19 - 20.
(8) اللباب في شرح الكتاب 1: 23، الهداية للمرغيناني 1: 20، المبسوط للسرخسي 1: 46.
(9) المبسوط للسرخسي 1: 46، الهداية للمرغيناني 1: 19 - 20، اللباب في شرح الكتاب 1: 23، الاصل للشيباني 1: 25.
(10) المجموع شرح المهذب 1: 151.
(11) أبو موسى عيسى بن أبان بن صدقة بن عدي البغدادي، تلميذ محمد بن الحسن، كان من أصحاب الحديث ثم =.

[ 79 ]

والدليل على صحة مذهبنا: الاجماع المقدم ذكره. وأيضا قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) (13) وهذا عموم في المستعمل وغيره، لان الاستعمال لا يخرجه عن كونه منزلا من السماء. وأيضا قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (14) والواجد للماء المستعمل واجد لما يتناوله اسم الماء. وأيضا قوله تعالى: (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (15) فأجاز عز وجل الدخول في الصلاة بعد الاغتسال، ومن اغتسل بالماء المستعمل يتناوله اسم المغتسل بلا شبهة. ولا معنى لخلاف من يخالف في أن إطلاق اسم الماء لا يتناول المستعمل، ويدعي أنه بالاستعمال قد خرج عن تناول الاسم له. وذلك أن الوصف للماء بأنه مستعمل وصف غير مؤثر فيه، ولا مخرج له من تناوله لاسم الماء المطلق ويجري في ذلك مجرى الماء المشمس والمبرد والمسخن. ومما يدل على أن بالاستعمال لم يخرج عن تناول اسم الماء المطلق حتى يصير في حكم ماء الورد وماء الباقلاء، أنه لو شربه من حلف أنه لا يشرب ماء لحنث باتفاق، ولو شرب ماء الورد لم يحنث وقد استقصينا هذه المسألة أيضا في مسائل الخلاف.

= غلب عليه الرأي، حدث عن إسماعيل بن جعفر، وهشيم، ويحيى بن أبي زائدة، وعنه الحسن بن سلام وغيره، توفي سنة 220 أو 221 ه‍ انظر: الفهرست لابن النديم: 258، هدية العارفين 1: 806، الجواهر المضية 1: 401، سير أعلام النبلاء 10: 440 / 141.
(12) حلية العلماء 1: 97، المجموع شرح المهذب 1: 150.
(13) سورة الأنفال، الآية: 11.
(14) سورة النساء، الآية: 43.
(15) سورة النساء، الآية: 43..

[ 80 ]

المسألة السابعة: " لا يجوز التوضؤ بالماء المغصوب " وتحقيق هذه المسألة إنه لا خلاف بين الامة في أن استعمال الماء المغصوب قبيح لا يجوز في الشريعة لانه تصرف في ملك الغير بلا إذنه. وليس المراد بقولهم: إنه يجوز التوضؤ به أو لا يجوز هذا المعنى، بل المراد بذلك: هل يكون من توضأ بالماء المغصوب، وفعل قبيحا بتصرفه فيه، واستحق العقاب والذم، مزيلا لحدثه ومستبيحا بذلك الصلاة، أو لا يكون كذلك؟ (1). وعندنا أن الوضوء بالماء المغصوب لا يزيل الحدث، ولا يبيح الصلاة، وخالف سائر الفقهاء في ذلك وادعوا: أن الوضوء به مجز ومزيل الحدث، وإن كان قبيحا (2). والدليل على صحة مذهبنا: الاجماع المتقدم ذكره، وأيضا فقد دل الدليل على أن الوضوء عبادة وقربة، ومما يستحق به الثواب، ولا يجوز التقرب إلى الله تعالى واستحقاق الثواب منه بالمعاصي ولا خلاف أن الوضوء بالماء المغصوب معصية وقبيح وحرام. وأيضا فلا خلاف في أن نية القربة والعبادة في الوضوء مسنونة مندوب إليها، ولا يجوز أن يتقرب إلى الله تعالى بالمعاصي والقبائح.

حكاها في البحر عن القاسمية والناصرية ج 1 ص 37 (ح). (1) في (د) و (ط): لذلك.
(2) انظر المغني لابن قدامة 1: 63، المجموع شرح المهذب 1: 247.

[ 81 ]

المسألة الثامنة: " ولا يجوز التحري في الاواني وإن كانت جهة (1) الطاهر أغلب ". وهذا صحيح وإليه ذهب أصحابنا. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز التحري في الإناءين، ويجوز في ما عدا ذلك إذا كانت الغلبة للطاهر (2) وأجاز الشافعي التحري في الإناءين، وفي ما زاد على ذلك (3). دليلنا على المنع من التحري في الآنية التي يتيقن نجاسة أحدها: قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (4)، وإنما عنى بالوجود القدرة على الماء الطاهر والتمكن منه، ومن لا يعرف الشئ بعينه ولا يميزه فليس يتمكن منه ولا واجد له، ولانه تعالى لم يذكر التحري في الآية بل أمر باستعمال الماء عند وجوده، والتراب عند فقده من غير أمر بالتحري، فمن أوجبه فقد زاد في الظاهر ما لا يقتضيه. المسألة التاسعة: " سؤر السباع نجس " (* *). الصحيح عندنا أن سؤر جميع البهائم من ذوات الاربع والطيور - ما خلا الكلب

(1) في (د) و (ط) " حجة " بدل " جهة ". حكاها في البحر عن الناصر ج 1 ص 39 (ح).
(2) انظر: أصول السرخسي 2: 14، حلية العلماء 1: 104، المجموع شرح المهذب 1: 181، المغني لابن قدامة 1: 50.
(3) الأم 1: 25، المجموع شرح المهذب 1: 180، حلية العلماء 1: 103، المهذب للشيرازي 1: 9.
(4) سورة النساء، الآية: 43، المائدة، الآية: 6. (* *) حكاها في البحر عن الناصر ج 1 ص 39 (ح).

[ 82 ]

والخنزير - طاهر يجوز الوضوء به. ويكره سؤر ما يأكل الجيف والميتة من هذه الجملة، وكذلك يكره سؤر الجلال، وبمثل ذلك قال الشافعي (1). وقال مالك: أسآر جميع الحيوان طاهر (2) وهو مذهب أهل الظاهر (3). وقال أبو حنيفة وأصحابه: سباع ذوات الاربع كلها نجسة، وكذلك أسآرها، ما خلا الهر فإن سؤرها طاهر، إلا أن الوضوء به مكروه وإن فعل أجزأ (4) ولم يكره أبو يوسف سؤر الهر (5). وأما سؤر جميع سباع الطير، وحشرات الارض كالفأرة، والحية، وما أشبهها، فيجري عندهم مجرى سؤر الهر في كراهية الوضوء به (6). دليلنا على كراهية سؤر ما ذكرناه وجواز الوضوء، قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (7). وقوله تعالى: (وينزل من السماء ماء ليطهركم به) (8)، وقد علمنا أن شرب البهائم منه لا يخرجه من أن يكون منزلا من السماء، فيجب بقاؤه على أصل الطهارة.

(1) المجموع شرح المهذب 1: 172، حلية العلماء 1: 313.
(2) بداية المجتهد 1: 29، الاستذكار لابن عبد البر 1: 258، المدونة الكبرى 1: 5، حلية العلماء 1: 313، المحلى بالآثار 1: 140، المجموع شرح المهذب 2: 580، المبسوط للسرخسي 1: 48.
(3) المحلى بالآثار 1: 138، حلية العلماء 1: 313، المغني لابن قدامة 1: 41، الاستذكار لابن عبد البر 1: 261.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 48، شرح فتح القدير 1: 95، الهداية للمرغيناني 1: 23.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 51، الهداية للمرغيناني 1: 23.
(6) اللباب في شرح الكتاب 1: 29، الهداية للمرغيناني 1: 23، الاصل للشيباني 1: 32.
(7) سورة الفرقان، الآية: 48.
(8) سورة الانفال، الآية: 11..

[ 83 ]

وقد روى أصحاب الحديث نقلا مستفيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل فقيل له: أيتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: " نعم وبما أفضلت السباع " (1). فأما نفي كراهية سؤر الهر، فالدليل عليه ما روي عن كبشة بنت كعب بن مالك (2) أنها قالت: دخلت على أبي قتادة (3) فسكبت له وضوءا، فأتت الهر فشربت منه، فأصغى (4) لها الإناء، فنظرت إليه فقال: أتعجبين يا بنة أخي! سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " الهر ليس بنجس " (5). وهذا صريح في نفي كراهية سؤرها. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يصغي لها الإناء، وكان يتوضأ بسؤرها (6).

(1) السنن الكبرى للبيهقي 1: 249، سنن الدارقطني 1: 62 / 2 و 3، مسند الشافعي (ضمن كتاب الأم) 8: 446، نصب الراية 1: 136.
(2) في (م) و (ج) " كسبة " بدل " كبشة ". وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه، وهي: كبشة بنت كعب بن مالك الانصارية السلمية، امرأة ابن أبي قتادة، روت عن أبي قتادة الانصاري، وروت عنها بنت أختها أم يحيى حميدة بنت عبيد. انظر: أسد الغابة 5: 537، تهذيب التهذيب 12: 475 / 2878، تهذيب الكمال 35: 290 / 7916، الثقات لابن حبان 3: 357 و 5: 344.
(3) الحارث بن ربعي الانصاري السلمي، شهد بدرا وأحدا وما بعدها، وكان يعبر عنه بفارس النبي صلى الله عليه وآله وسلم روى عن النبي ومعاذ بن جبل، وعمر وغيرهم، وروى عنه أنس وجابر وسعيد بن كعب وآخرون، مات بالمدينة سنة 54 ه‍ وصلى عليه أمير المؤمنين عليه السلام. انظر: الكنى والالقاب 1: 146، الاصابة في تمييز الصحابة 4: 158 / 921، رجال الطوسي: 16 / 10، الاستيعاب في معرفة الاصحاب 4: 161، معجم رجال الحديث 4: 194 / 2468.
(4) أصغى الإناء: أماله وحرفه على جنبه ليجتمع ما فيه. لسان العرب 14: 461 مادة (صغا) وفي (د) و (ط) و (ج): اكفا.
(5) سنن أبي داود 1: 19 / 75، سنن ابن ماجة 1: 131 / 367، سنن الترمذي 1: 153 / 92، الموطأ 1: 22 / 13، سنن الدارقطني 1: 70 / 22، السنن الكبرى للبيهقي 1: 245، مسند أحمد 5: 303، جامع الاصول 7: 102 / 5075.
(6) انظر: سنن أبي داود 1: 20 / 76، سنن الدارقطني 1: 66 / 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 245، مستدرك الوسائل 1: 220 / 408 و 409..

[ 84 ]

المسألة العاشرة: " سؤر المشرك نجس ". عندنا أن سؤر كل كافر - بأي ضرب من الكفر كان كافرا - نجس لا يجوز الوضوء به. وأجاز الوضوء بذلك أبو حنيفة وأصحابه (1). وحكى الطحاوي (2) عن مالك في سؤر النصراني والمشرك أنه لا يتوضأ به (3). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الفرقة المحقة قوله تعالى: (إنما المشركون نجس) (4)، وفي هذا تصريح بنجاسة أسآرهم. وروى عبد الله بن المغيرة (5) عن سعيد الاعرج (6) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام

حكى المهدي في البحر عن الناصر أنه يقول بنجاسة الكافر في ج 1 ص 12 وذكر في الاسآر أن الخلاف في سؤر الكافر تابع للخلاف فيه (ح). (1) الاصل للشيباني 1: 78.
(2) أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الازدي المصري الطحاوي، ولد سنة 239 ه‍ بطحا قرية من صعيد مصر، كان أولا على مذهب الشافعي ثم تحول الى مذهب الحنفية لمسألة جرت له مع خاله أبي إبراهيم إسماعيل المزني، سمع الحديث من يونس بن عبد الاعلى، وهارون بن سعيد الايلي، وإبراهيم ابن أبي داود، وأبي بكرة بكار بن قتيبة القاضي وغيرهم، وروى عنه ابنه علي، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، وعبد العزيز الجوهري وآخرون، مات سنة 321 ه‍ له من الكتب: إختلاف الفقهاء، أحكام القرآن، معاني الآثار، الوصايا، وغيرها، انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 120، لسان الميزان 1: 274 / 836، العبر للذهبي 2: 11، الانساب للسمعاني 4: 53، مرآة الجنان 2: 281.
(3) انظر: المدونة الكبرى 1: 14.
(4) سورة التوبة، الآية: 28.
(5) أبو محمد البجلي الكوفي، مولى جندب بن عبد الله بن سفيان، من أصحاب الامامين الكاظم والرضا عليهما =.

[ 85 ]

عن الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني، فقال: " لا " (7). المسألة الحادية عشر: " سؤر الحمار طاهر ". الصحيح عندنا طهارة سؤر الحمار، وجواز الوضوء به، وهو قول مالك، والاوزاعي، والشافعي، وأهل الظاهر (8). وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري: لا يجوز الوضوء به (9). وأوجب أبو حنيفة عند عدم الماء المتيقن طهارته الجمع بين الوضوء بسؤر الحمار والتيمم (10). دليلنا على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة عليه، والخبر الذي رويناه قبل

= السلام، عده الكشي من أصحاب الاجماع، وأكد على وثاقته النجاشي وقال: إنه لا يعدل به أحد في جلالته ودينه وورعه. انظر: رجال الكشي: 556 / 1050، رجال الطوسي: 355 / 21 و 379 / 4، رجال النجاشي: 215 / 561.
(6) أبو عبد الله سعيد بن عبد الرحمن (عبد الله) الاعرج السمان التيمي مولاهم، كوفي، ثقة، روى عن الامامين أبي عبد الله، وموسى بن جعفر عليهما السلام، وروى عنه إسحاق بن عمار، وعبد الله بن المغيرة، وعلي بن النعمان، ومحمد بن هيثم التميمي وغيرهم. انظر: رجال العلامة: 80 / 6، رجال النجاشي: 181 / 477، معجم رجال الحديث 8: 105 / 5099، تنقيح المقال 2: 27 / 4845.
(7) الكافي 3: 11 / 5، التهذيب 1: 223 / 638، الاستبصار 1: 18 / 36. وهو مذهب الهادوية وفي مجموع زيد بن علي أنه إذا لم يكن لعاب أجزأ التطهر به (ح).
(8) المدونة الكبرى 1: 5، المجموع شرح المهذب 1: 172، المحلى بالآثار 1: 138، المغني لابن قدامة 1: 42.
(9) الاصل للشيباني 1: 253، الهداية للمرغيناني 1: 24.
(10) الاصل للشيباني 1: 128، الهداية للمرغيناني 1: 24، اللباب في شرح الكتاب 1: 29، المبسوط للسرخسي 1: 50، شرح فتح القدير 1: 102..

[ 86 ]

هذه المسألة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إجازته الوضوء بما أفضلت الحمار (1). وليس لهم أن يحملوا لفظة " الحمر " على الوحشية لان ذلك تخصيص للعموم بغير دليل، ولان من حرم سؤر الحمار الاهلي إنما بناه على تحريم لحمه، وعندنا أن لحمه مباح فسؤره تابع للحمه. المسألة الثانية عشر: " كل حيوان يؤكل لحمه، فبوله وروثه طاهر ". هذا صحيح، وهو مذهب مالك، والثوري، وزفر (2) والحسن بن حي (3). وقال محمد بن الحسن في البول خاصة بمثل قولنا، وخالفنا في الروث (4). وقال أبو حنيفة، وابو يوسف، والشافعي: بول ما يؤكل لحمه وروثه نجس، كنجاسة ذلك مما لا يؤكل لحمه (5).

(1) سنن الدارقطني 1: 62 / 2 و 3، السنن الكبرى للبيهقي 1: 249، نصب الراية 1: 136، مسند الشافعي (ضمن كتاب الأم) 8: 446 وقد تقدم في صفحة 19. وهذا حكاه في البحر ج 1 ص 8 عن العترة أي القاسمية والناصرية ورمزهم فيه هكذا (ه‍) في البحر كله (ح).
(2) أبو الهذيل زفر بن الهذيل بن قيس العنبري الفقيه، صاحب أبي حنيفة، كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي والقياس، عده الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الامام الصادق عليه السلام، توفي بالبصرة سنة 158 ه‍ عن ثمان وأربعين سنة. انظر: لسان الميزان 2: 476 / 1919، طبقات الفقهاء للشيرازي: 113، طبقات ابن سعد 6: 387، وفيات الاعيان 2: 317، رجال الطوسي: 201 / 96.
(3) بداية المجتهد 1: 82، المحلى بالآثار 1: 170، حلية العلماء 1: 306، المجموع شرح المهذب 1: 549، شرح فتح القدير 1: 181.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 54 و 61، الاصل للشيباني 1: 30، حلية العلماء 1: 306.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 54، الاصل للشيباني 1: 30، 37، المجموع شرح المهذب 2: 549، بداية المجتهد 1: 82.

[ 87 ]

الدليل على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة عليه. وما رواه البراء بن عازب (1) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " ما أكل لحمه فلا بأس ببوله " (2). وفى خبر آخر " لا بأس ببوله وسلحه " (3) وروى حميد (4) عن أنس (5): " أن قوما من عرينة " (6) قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فاستوخموها (7) فانتفخت أجوافهم، فبعثهم إلى لقاح الصدقة ليشربوا من أبوالها (8).

(1) البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الانصاري الاوسي الحارثي، يكنى أبا عمارة، وقيل: أبا عمرو أو أبا عامر، من أعيان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين علي عليه السلام، غزا مع النبي أربع عشرة غزوة، وشهد مع الامام علي الجمل وصفين والنهروان، مات بالكوفة سنة 72 ه‍ انظر: أسد الغابة 1: 171، رجال الطوسي: 8 / 3، 35 / 2، تهذيب التهذيب 1: 372، معجم رجال الحديث 3: 275 / 1653، الاصابة في تمييز الصحابة 1: 146 / 618.
(2) سنن الدارقطني 1: 128 / 3، السنن الكبرى للبيهقي 2: 413، كنز العمال 9: 368 / 26550.
(3) سنن الدار قطني 1: 128 / 6.
(4) أبو عبيدة حميد بن أبي حميد الطويل الخزاعي مولاهم، أحد التابعين البصريين، روى عن أنس ابن مالك، والحسن البصري، وبكير بن عبد الله المزني وغيرهم، وعنه ابن أخته حماد بن سلمة، والسفيانان، والقطان، وعبد الله السهمي وآخرون، مات سنة 143 ه‍ وقيل سنة 142 ه‍ انظر: تهذيب التهذيب 3: 34 / 65، العبر للذهبي 1: 194، الجرح والتعديل للرازي 3: 219 / 961.
(5) أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر الانصاري الخزرجي خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولد قبل عام الهجرة بعشر سنين، روى عن أبي بكر، وعمر وعثمان وجماعة، وعنه الحسن، وابن سيرين، والشعبي، وأبو قلابة وآخرون، توفي سنة 93 ه‍ وقيل غير ذلك. انظر: أسد الغابة 1: 127، سير أعلام النبلاء 3: 395 / 296، الاصابة في تمييز الصحابة 1: 71، رجال الطوسي: 3 / 5.
(6) عرينة: كجهينة قبيلة عربية من بجيلة من قحطان، انظر معجم قبائل العرب 2: 776، الانساب للسمعاني 8: 435.
(7) في (د): " فاستوبوها " بدل " فاستوخموها ".
(8) صحيح البخاري 2: 632 / 1403، صحيح مسلم 3: 1296 / 1671، سنن الترمذي 1: 106 / 72، سنن =.

[ 88 ]

فلو كان بولها نجسا لما جاز ذلك. وقوله عليه السلام (1) لعمار رحمه الله: " إنما يغسل الثوب من البول، والدم، والمني " (2). فدل ظاهره على ما ذكرناه، لان لفظة " إنما " يقتضي ظاهرها التخصيص ونفي الحكم عما عدا المذكور. فإن قيل: ففي الخبر ذكر البول. قلنا: ظاهره يدل على أنه لا يغسل من الروث، ولم يقل أحد من الامة أن الروث طاهر والبول نجس، وبالخبر يعلم طهارة الروث، وبالاجماع يعلم أن البول مثله، فيحمل ذكر البول في الخبر على أن المراد به ما لا يؤكل لحمه. المسألة الثالثة عشرة: " وبول الصبي الذي لم يطعم نجس كبوله إذا طعم ". الصحيح في تقرير (3) هذه المسألة: أنه لا خلاف بين العلماء في نجاسة أبوال بني آدم صغيرهم وكبيرهم، وإنما اختلفوا في بول الصبي قبل أن يطعم، فأوجب قوم فيه

= النسائي 7: 95، سنن ابن ماجة 2: 861 / 2578، سنن أبي داود 4: 131 / 4367، سنن الدارقطني 1: 131 / 1، مسند أحمد 3: 107 و 205. (1) أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر بن مالك المذحجي العنسي، حليف بني مخزوم، وهو وأبوه وأمه من السابقين، روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه: " عمار ملئ إيمانا الى مشاشه " وقال: " ثلاثة تشتاق إليهم الجنة: علي، وسلمان، وعمار " ومناقبه وفضائله كثيرة جدا، استشهد بصفين سنة 37 ه‍ انظر: أسد الغابة 4: 43، الاستيعاب في معرفة الاصحاب 2: 476، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 512 / 5704، مجمع الرجال 7: 113، رجال الطوسي: 24 / 33.
(2) سنن الدارقطني 1: 127 / 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 14. وهذا حكاه في البحر ج 1 ص 19 عن العترة أي القاسمية والناصرية (ح).
(3) في النسخ: " تقدير ".

[ 89 ]

الغسل كبول الكبير وذهب آخرون إلى أن الغسل لا يجب، وإنما يجب الرش والنضح، ومن حكي عن الشافعي أنه ليس بنجس، فقد وهم عليه (1). وعندنا: أن بول الغلام الصغير لا يجب غسله من الثوب، بل يصب عليه الماء صبا، فإن كان قد أكل الطعام وجب غسله، وجائز أن يغسل الثوب من بوله على كل حال. وقال الشافعي بمثل مذهبنا، ونص على أنه يكفي فيه الرش (2). وقال الاوزاعي: لا بأس ببول الصبي ما دام يشرب اللبن ولا يأكل الطعام (3)، ومعنى هذا القول من الاوزاعي أنه لا بأس بترك غسله، والعدول إلى النضح والرش. وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وابن حي: بول الصبي والصبية كبول الرجل، يجب غسل الجميع ولم يفرقوا (4). فأما الذي يدل على نجاسة بول الصبي ما روي عنه عليه السلام من قوله: " استنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه " (5) ولم يفصل بين بول الصغير والكبير. وقوله عليه السلام لعمار: " إنما يغسل الثوب من البول والدم والمني " (6) ولم يفصل. وأما الذي يدل على خفة بول الرضيع، وجواز الاقتصار على صب الماء

(1) انظر: الاستذكار لابن عبد البر 2: 67.
(2) مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 111، المجموع شرح المهذب 2: 590، المغني لابن قدامة 1: 734، نيل الاوطار 1: 58.
(3) المجموع شرح المهذب 2: 590، الاستذكار لابن عبد البر 2: 67، حلية العلماء 1: 322.
(4) الفتاوى الهندية 1: 46، الاستذكار لابن عبد البر 2: 67، حلية العلماء 1: 322، المغني لابن قدامة 1: 735، المجموع شرح المهذب 2: 590.
(5) سنن الدارقطني 1: 128 / 7، كنز العمال 9: 347 / 26375.
(6) سنن الدارقطني 1: 127 / 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 14.

[ 90 ]

والنضح فهو إجماع الفرقة المحقة. وما رواه أمير المؤمنين (1) عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " يغسل من بول الجارية، وينضح (2) من بول الصبي ما لم يأكل الطعام " (3). وروت لنا لبابة بنت الحارث (4) أن النبي صلى الله عليه السلام أخذ الحسين بن علي (5) عليه السلام

(1) الامام أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهره على ابنته فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وأبو السبطين الامام الحسن والامام الحسين، أول القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا وأشدهم يقينا وأخوفهم لله، والاحاديث في فضله ومناقبه كثيرة، غزيرة جدا، حتى روى الجويني الشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لو أن الغياض أقلام، والبحر مداد، والجن حساب، والانس كتاب، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب " ولد سلام الله عليه في مكة المكرمة، في الكعبة المشرفة قبل البعثة باثنتي عشرة سنة، وقتل سنة 40 في شهر رمضان، ضرب ليلة تسع عشرة، وقبض ليلة إحدى وعشرين. انظر: أسد الغابة 4: 16، الاصابة في معرفة الصحابة 2: 507 / 5688، تاريخ بغداد 1: 133 / 10، تذكرة الحفاظ 1: 10 / 4، طبقات ابن سعد 3: 19، أعيان الشيعة 1: 323، فرائد السمطين 1: 16.
(2) النضح: الرش. لسان العرب 2: 618 مادة (نضح) وفي (د) و (ط) ينضح على.
(3) انظر: السنن الكبرى للبيهقي 2: 415، سنن الدارقطني 1: 129 / 2 - 3، سنن أبي داود 1: 103 / 377، كنز العمال 9: 524 / 27261.
(4) ورد في (ج): " روت لباب بنت الجون ". وفي الاصول الاخرى: " زينب بنت الجون " وهو تصحيف، والصحيح ما أثبت، وهي لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم الهلالية أم الفضل، زوج العباس بن عبد المطلب وأم أكثر بنيه، وأخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويقال إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يزورها ويقيل عندها. انظر أسد الغابة 5: 539، الاصابة في تمييز الصحابة 4: 483 / 1448، الاستيعاب في معرفة الاصحاب 4: 398، رجال الطوسي: 33 / 14.
(5) سيد الشهداء الامام أبو عبد الله الحسين ابن الامام علي بن أبي طالب عليه السلام، ثالث أئمة أهل البيت الطاهرين، وثاني السبطين وسيدي شباب أهل الجنة، أمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، ولد بالمدينة في الثالث من شعبان، قيل: لخمس خلون منه، سنة ثلاث أو أربع من الهجرة، وقد وردت في فضله ومناقبه أحاديث كثيرة عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها قوله: " حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الاسباط ". و " من أحب أن ينظر الى أحب أهل الارض الى أهل السماء فلينظر الى الحسين " استشهد عليه السلام يوم عاشوراء سنة 61 هجرية في كربلاء من أرض العراق. أنظر: سير أعلام النبلاء 3: 280 / 282، الاصابة =.

[ 91 ]

فأجلسه في حجره فبال عليه. قالت: فقلت له صلى الله عليه وآله وسلم: لو أخذت ثوبا، وأعطيتني إزارك لأغسله. فقال عليه السلام: " إنما يغسل من بول الانثى وينضح على بول الذكر " (1). وقد استقصينا أيضا هذه المسألة في مسائل الخلاف غاية الاستقصاء. المسألة الرابعة عشر: " المني نجس وكذلك المذي " (* *). أما المني فعندنا أنه نجس يجب غسله من البدن والثوب، فأما المذي فعندنا أنه طاهر. ووافقنا على نجاسة المني خاصة، مالك، وأبو حنيفة وأصحابه، لان أبا حنيفة وأصحابه (2) وإن وافقوا في نجاسته، فإنهم يوجبون غسله رطبا، ويجزئ عندهم فركه يابسا (3).

= في معرفة الصحابة 1: 332 / 1724، مروج الذهب 3: 64، ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ ابن عساكر، أسد الغابة 2: 18. (1) سنن أبي داود 1: 102 / 375، سنن ابن ماجة 1: 174 / 522، السنن الكبرى للبيهقي 2: 414، مسند أحمد 6: 339، كنز العمال 9: 367 / 26501. حكاها في البحر ج 1 ص 9 عن القاسمية والناصرية في مني الآدمي (ح). (* *) هذا ذكره في البحر واطلقه، لم يستثن إلا بعض الامامية فقال في ج 1 ص 10: والودي والمذي نجسان إلا عن بعض الامامية، فظاهره اتفاق من عداهم على نجاسته (ح).
(2) المدونة الكبرى 1: 21، بداية المجتهد 1: 84، الاستذكار لابن عبد البر 1: 359، المبسوط للسرخسي 1: 81، اللباب في شرح الكتاب 1: 51، الهداية للمرغيناني 1: 35، الفتاوى الهندية 1: 46، حلية العلماء 1: 308، المحلى بالآثار 1: 135.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 81، اللباب في شرح الكتاب 1: 51، الفتاوى الهندية 1: 44، حلية العلماء 1: =

[ 92 ]

وقال الثوري: يفرك، وإن لم يفرك أجزأت الصلاة فيه (1). وقال ابن حي: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب، وتعاد منه إذا كان على الجسد. وكان يفتي مع ذلك بفركه من الثوب إذا كان يابسا ويغسله إذا كان رطبا (2). وقال الشافعي: المني طاهر، ويفرك من الثوب فإن لم يفرك فلا بأس (3). والذي يدل على نجاسة المني إجماع الشيعة الامامية ولا خلاف بينها في ذلك. ويدل أيضا عليه قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان) (4)، وروي في التفسير أنه تعالى أراد بذلك إنزال الاحتلام (5) فدلت الآية على نجاسة المني من وجهين: أحدهما: قوله تعالى: (ويذهب عنكم رجز الشيطان) الرجز والرجس والنجس بمعنى واحد. يدل على ذلك قوله تعالى: (والرجز فاهجر) (6) وأراد به عبادة الاوثان، فعبر عنهما تارة بالرجز وأخرى بالرجس، فثبت أن معناهما واحد وإذا سمى الله تعالى المني رجسا ثبتت نجاسته. والوجه الثاني من دلالة الآية أنه تعالى أطلق عليه اسم التطهير، والتطهير لا

= 308 - 309، المحلى بالآثار 1: 135. (1) الاستذكار لابن عبد البر 1: 359، (2) الاستذكار لابن عبد البر 1: 359 حلية العلماء 1: 309 نيل الاوطار للشوكاني 1: 66.
(3) المجموع شرح المهذب 2: 553، حلية العلماء 1: 307، المغني لابن قدامة 1: 736، الاستذكار لابن عبد البر 1: 360 فتح العزيز 1: 188.
(4) سورة الانفال، الآية: 11.
(5) التفسير الكبير للرازي 15: 133، أحكام القرآن للجصاص 3: 375، مجمع البيان 4: 808 - 809 وفي (ط) و (د) أنه الاحتلام.
(6) سورة المدثر، لآية: 5..

[ 93 ]

يطلق في الشرع إلا لإزالة النجاسة أو غسل الاعضاء الاربعة. ويدل على ذلك أيضا ما رواه عمار بن ياسر رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " انما يغسل الثوب من البول، والدم، والمني " (1). وهذا يقتضي وجوب غسله، وما يجب غسله لا يكون إلا نجسا، وقد نبه على نجاسته من وجه آخر وهو الجمع بينه وبين النجاسات كالدم والبول. فأما المذي فعندنا: أنه ليس بنجس، ولا ينقض الوضوء. وخالفنا جميع الفقهاء في ذلك (2)، إلا أن مالكا قال في المذي: إنه إن خرج على وجه يخالف العادة وزاد على المعتاد، لم ينقض الوضوء (3). والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة وأيضا فالمذي مما يعم البلوى به ويكثر ويتردد ظهوره، فلو كان نجسا وحدثا لتظاهر الخبر بذلك على وجه لا يمكن دفعه، ولعلم ضرورة من دينه عليه السلام كما علم في نظائره من البول، والغائط، وما جرى مجراهما. وأيضا فإن الاصل الطهارة، والنجاسة إنما تعلم بالشرع على سبيل التجدد، ولم ينقطع عذر بالشرع يوجب العلم في أن المذي نجس وأنه ينقض الوضوء. وقد روى أصحابنا من طرق مختلفة بأنه طاهر لا ينقض الوضوء (4). وخبر عمار - الذي تقدم ذكره - يدل على طهارته، لانه روي عنه عليه السلام: أن

(1) السنن الكبرى للبيهقي 1: 14، سنن الدارقطني 1: 127 / 1، كنز العمال 9: 349 / 26385.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 67، الام 1: 55، المجموع شرح المهذب 2: 144 و 552، حلية العلماء 1: 218 - 219، القوانين الفقهية لابن جزي: 34، الاستذكار لابن عبد البر 1: 301 و 305.
(3) المدونة الكبرى 1: 10 - 11، بداية المجتهد 1: 35، الاستذكار لابن عبد البر 1: 306.
(4) انظر: - على سبيل المثال -: الكافي 3: 39 / 1 و 3، تهذيب الاحكام 1: 21 / 52، الاستبصار فيما اختلف من الاخبار 1: 91 / 291.

[ 94 ]

الثوب لا يغسل إلا من أشياء مخصوصة، ليس فيها المذي. المسألة الخامسة عشرة: " الدم كله نجس ". عندنا: أن دم السمك طاهر، لا بأس بقليله وكثيره في الثوب، وكذلك ما لا دم له سائل نحو البراغيث والبق، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه (1). وقال مالك في دم البراغيث: إنه إذا تفاحش غسل، وإذا لم يتفاحش لا بأس به (2). وقال: يغسل دم السمك والذباب (3). وسوى الشافعي بين الدماء كلها في النجاسة (4). فأما دليلنا على طهارة دم السمك (5) فهو بعد إجماع الفرقة المحقة قوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه) (6) يقتضي إباحة ظاهرة (7)، وإباحة لكل سمك وطهارة لجميع أجزائه، لان التحليل يقتضي الإباحة من جميع الوجوه.

ذكر في البحر عن الاكثر نجاسة الدم السافح عند الاكثر ج 1 ص 16 ثم حكى عن الناصر في ص 17 تحديد غير السافح بمثل رؤوس الابر وحب الخردل فكأنه يرخص في غير السافح المذكور (ح). (1) اللباب في شرح الكتاب 1: 23، الهداية للمرغيناني 1: 19، شرح فتح القدير 1: 183، المبسوط للسرخسي 1: 86، أحكام القرآن للجصاص 1: 152.
(2) المدونة الكبرى 1: 21، الاستذكار لابن عبد البر 2: 38، أحكام القرآن للجصاص 1: 152.
(3) المدونة الكبرى 1: 21، مواهب الجليل 1: 98، أحكام القرآن للجصاص 1: 152.
(4) المجموع شرح المهذب 2: 555، مغني المحتاج 1: 78، حلية العلماء 1: 309، أحكام القرآن للجصاص 1: 152.
(5) في (ن) و (ج) إضافة: والذباب.
(6) سورة المائدة، الآية: 96.
(7) ما أثبتناه من (د) وفي باقي الاصول: طاهرة..

[ 95 ]

ويدل عليه أيضا قوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) (1) فأخبر تعالى أن ما عدا المسفوح ليس بمحرم، ودم السمك ليس بمسفوح فوجب ألا يكون محرما. ويدل على ذلك أيضا: أنه لا خلاف في جواز أكل السمك بدمه من غير أن يسفح منه، فلو كان نجسا لما جاز ذلك، ألا ترى أن سائر الدماء لما كانت نجسة لم يجز أكل الحيوان التي هي فيه، إلا بعد سفحها. وأيضا فلا خلاف في جواز أكل اللحم الذي قد بقي في عروقه أجزاء من الدم، فإنه لا يجب أن ينتفى (2) ذلك بالغسل، لانه ليس بدم يسفح، وكذلك دم السمك. وأيضا فقد اتفقوا على أن الدم الباقي في العروق بعد الذكاة طاهر، لا يجب غسله، لانه باق في العروق بعد الذكاة ويجوز أكله (3)، وكذلك دم السمك. المسألة السادسة عشرة: " الخمر نجسة، وكذلك كل شراب يسكر كثيره ". لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر، إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم (4). والذي يدل على نجاستها قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والانصاب

(1) سورة الانعام، الآية: 145.
(2) أي يخرج. انظر: مجمع البحرين 1: 418 مادة (نفا).
(3) المجموع شرح المهذب 2: 557، أحكام القرآن للجصاص 1: 152، و 3: 296. حكى هذا في البحر عن القاسمية والناصرية ج 1 ص 10 (ح). (4) المجموع شرح المهذب 2: 563، حلية العلماء 1: 313، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 288..

[ 96 ]

والأزلام رجس من عمل الشيطان) (1) وقد بينا (2) أن الرجس والرجز بمعنى واحد في الشريعة. فأما الشراب الذي يسكر كثيره: فكل من قال إنه محرم الشرب، ذهب إلى أنه نجس كالخمر. وإنما يذهب إلى طهارته من ذهب إلى إباحة شربه (3). وقد دلت الادلة الواضحة على تحريم كل شراب أسكر كثيره، فوجب ان يكون نجسا، لانه لا خلاف في أن نجاسته تابعة لتحريم شربه. المسألة السابعة عشرة: " كل حيوان ليس له دم سائل فإنه لا ينجس بالموت، [ ولا ينجس الماء ] " (4). وهذا صحيح عندنا: أن كل ما لا نفس له سائلة كالذباب، والجراد، والزنابير، وما أشبهها، لا ينجس بالموت ولا ينجس الماء إذا وقع فيه، قليلا كان أو كثيرا، وأبو حنيفة وافقنا في هذه المسألة (5) وكذلك مالك (6).

(1) سورة المائدة، الآية: 90.
(2) مر ذلك في المسألة 14 وأيضا في الانتصار: ص 15.
(3) المجموع شرح المهذب 2: 564، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 295 و 10: 131، المغني لابن قدامة 10: 341.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من (ط) و (د). هذه حكاها في البحر مؤلفه الامام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى أحد أئمة الزيدية ج 1 ص 14 - 15 وظاهره حكاية الاجماع عليها (ح).
(5) الهداية للمرغيناني 1: 19، المبسوط للسرخسي 1: 51، اللباب في شرح الكتاب 1: 22، حلية العلماء 1: 311.

[ 97 ]

وللشافعي فيها قولان: قال في القديم: إنه لا ينجس الماء (1). وفى الجديد إنه ينجسه (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: (لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) (3) وظاهر هذه الآية يقتضي أنه لا يحرم من المطعومات إلا ما تضمنت ذكره، ولم تتضمن ذكر ما وقع فيه بعض ما لا نفس له سائلة من الطعام والشراب، فوجب أن يكون مباحا، فلو كان نجسا لما أبيح أكله وشربه، ولا يلزمنا ما أخرجناه من عموم هذه الآية من المحرمات الكثيرة، لان الدليل اقتضى ذلك ولا دليل فيما اختلفنا فيه يقتضي العدول عن ظاهر الآية. فإن قيل قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) (4) وقوله في الآية التي تعلقتم بها (إلا أن يكون ميتة) فدل على بطلان ما ذكرتموه. قلنا: ليس الامر على ما ظننتم، لانه غير مسلم أن اسم الميتة بالاطلاق يتناول ما لا نفس له سائلة من البعوض والبق إذا مات، والتعارف يمنع من ذلك، على أن تحريمه تعالى الميتة إنما المراد به الافعال في عين الميتة دون غيرها من أكل، وبيع،

(6) الاستذكار لابن عبد البر 1: 212، المدونة الكبرى 1: 4 - 5، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13: 46، حلية العلماء 1: 311. (1) المجموع شرح المهذب 1: 127، الأم 1: 18، حلية العلماء 1: 86، مغني المحتاج 1: 23، فتح العزيز 1: 163.
(2) المجموع شرح المهذب 1: 127، فتح العزيز 1: 163، حلية العلماء 1: 87، الأم 1: 18، المبسوط للسرخسي 1: 51، الهداية للمرغيناني 1: 19.
(3) سورة الأنعام، الآية: 145.
(4) سورة المائدة، الآية: 3..

[ 98 ]

وتصرف، وانتفاع، والماء الذي تجاوره الميتة ليس بميتة، فيجب أن يكون موقوفا في طهارته أو نجاسته على الدلالة، ولم يعدده الله تعالى في المحرمات من المطعومات، فيجب أن يكون طاهرا. وأيضا فقد روى أبو هريرة (1) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله " (2). وذلك عموم في الحي والميت، فدل على أن حصولها في الماء لا ينجسه، ولان المقل يوجب الموت ألا ترى أنه إذا مقلها في طعام شديد الحرارة فإنها تموت في الحال. ولم يفصل عليه السلام بين الحار والبارد [ فلو كان موتها يوجب النجاسة لم أمر عليه السلام بمقلها مع علمه بأنه يوجب موتها؟ ] (3). وفى خبر آخر، روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " كل طعام أو شراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فهو الحلال أكله، وشربه، والوضوء منه " (4).

(1) أبو هريرة: إختلف الناس في اسمه، فقيل عبد الرحمن، وقيل عمير، وقيل عبد شمس، وقيل غير ذلك، وينسب الى دوس وهي قبيلة يمانية، أسلم بعد فتح خيبر سنة سبع للهجرة فصحب النبي مدة ثلاث سنين، بعثه عمر واليا على البحرين سنة 21، ثم عزله بعثمان بن أبي العاص الثقفي، توفي سنة 57 ه‍ وقيل سنة 58 ه‍ وقيل غير ذلك، انظر: طبقات ابن سعد 2: 362 و 4: 325، الاصابة في تمييز الصحابة 4: 202 / 1190، تذكرة الحفاظ 1: 32 / 16، المعارف لابن قتيبة: 177.
(2) سنن أبي داود 3: 365 / 3844، صحيح البخاري 7: 263 / 674، سنن ابن ماجة 2: 1159 / 3505، سنن الدارمي 2: 99، السنن الكبرى للبيهقي 1: 252، مسند أحمد 2: 229، الاستذكار لابن عبد البر 1: 212 وفي الجميع " فليغمسه " نعم رواه بلفظه ابن قدامة في المغني 1: 39. فليمقله: أي فليغمسه. انظر: جمهرة اللغة 2: 975 " مادة: مقل ".
(3) ما بين المعقوفين ليس في (ط) و (د).
(4) سنن الدارقطني 1: 37 / 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 253..

[ 99 ]

المسألة الثامنة عشرة: " كل حيوان لا يؤكل لحمه فلا حكم لذكاته، وموته وذكاته سواء ". الصحيح عندنا خلاف ذلك لان ما لا يؤكل لحمه مما ليس بكلب ولا خنزير، ولا إنسان تؤثر فيه الذكاة وتخرجه من أن يكون ميتة ولو مات حتف أنفه لم تجر مجرى خروج نفسه بالذكاة، وهو مذهب أبي حنيفة (1). وقال الشافعي: ما لا يؤكل لحمه لا يلحقه الذكاة، وموته وذكاته سواء (2). دليلنا على صحة ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه. وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " دباغ الاديم ذكاته " (3). وفي بعض الاخبار: " ذكاة الاديم دباغه " (4)، فأقام الذكاة مقام الدباغ، فاقتضى ذلك أن ما يعمل الدباغ في تطهيره يعمل الذكاة فيه.

حكاها في البحر عن الهادي ولا فرق بين رقم الهادي ورقم القاسمية والناصرية إلا قليل، إذ رقم الهادي هكذا (ه‍) ورقم العترة أي القاسمية والناصرية هكذا (ه). فلا يبعد التصحيف من الناسخ لان المسألة مظنة ذلك وإن أصله (ه). والله أعلم ومحلها في البحر ج 1 ص 24 وذكرها المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني في شرح التجريد في باب اللباس والمؤيد بالله من أئمة الزيدية وكتابه المذكور في مذهب الهادي والقاسم من أئمة الزيدية (ح). (1) الهداية للمرغيناني 1: 21، اللباب في شرح الكتاب 3: 230، شرح فتح القدير 1: 83 - 84، المجموع شرح المهذب 1: 245.
(2) الأم 1: 23، حلية العلماء 1: 120، المجموع شرح المهذب 1: 245.
(3) سنن الدارقطني 1: 45 / 13، السنن الكبرى للبيهقي 1: 21.
(4) مسند أحمد 3: 476..

[ 100 ]

المسألة التاسعة عشرة: " شعر الميتة طاهر، وكذلك شعر الكلب والخنزير " (* *). هذا صحيح وهو مذهب أصحابنا (1) وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه (2). وقال الشافعي: إن ذلك كله نجس (3). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر، قوله تعالى: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) (4) فامتن علينا بأن جعل لنا في ذلك منافع، ولم يفرق بين الذكية والميتة فلا يجوز الامتنان بما هو نجس لا يجوز الانتفاع به. وأيضا فإن الشعر لا حياة فيه، ألا ترى أن الحيوان لا يألم بأخذه منه كما يألم بقطع سائر أعضائه. وأيضا لو كان فيه حياة لما جاز أخذه من الحيوان في حال حياته والانتفاع به، كما لا يجوز ذلك في سائر أجزائه. ويقوي ذلك ما روي عنه عليه السلام من قوله: " ما بان من البهيمة وهى حية، فهو ميتة " (5).

هذه نسبها في البحر ج 1 ص 14 الى القاسمية والناصرية ولكنه استثنى الكلب والخنزير والكافر (ح). (* *) هذا حكاه في البحر عن الناصر ج 1 ص 12 في الكلب والخنزير (ح). (1) مذهب أصحابنا خلاف ذلك إذ لم يقل أحد منهم بطهارة شعر الكلب والخنزير، فتأمل. انظر: تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي 1: 60 مسألة 19، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة 1: 139، جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام 5: 331.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 21، اللباب في شرح الكتاب 1: 24.
(3) الأم 1: 23، المجموع شرح المهذب 1: 243، فتح العزيز 1: 300، حلية العلماء 1: 113.
(4) سورة النحل، الآية: 80.
(5) أحكام القرآن للجصاص 1: 150، سنن أبي داود 3: 111 / 2858، سنن الترمذي 4: 62 / 1480، =.

[ 101 ]

والشعر يبين منها في حال حياتها ولا يكون ميتة، لانه لو كان ميتة كان بمنزلة سائر أجزائها، ويمنع الانتفاع به، وإذا ثبت أن الشعر، والصوف، والقرن لا حياة فيه لم يحله الموت، وإذا لم يحله الموت كانت حياته بعده كحياته قبله. وليس لهم ان يتعلقوا بقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) (1) فإن اسم الميتة يتناول الجملة بسائر أجزائها، وذلك أن الميتة اسم لما يحله الموت، والشعر لا يحله الموت كما لا تحله الحياة ويخرج عن الظاهر. وليس لأحد أن يقول: إن الشعر والصوف من جملة الخنزير والكلب، وهما نجسان. وذلك أنه لا يكون من جملة الحي إلا ما تحله الحياة وما لا تحله الحياة ليس من جملته وإن كان متصلا به. المسألة العشرون: " جلد الميتة لا يطهر بالدباغ ". هذا صحيح، وعندنا أنه لا يطهر جلد الميتة بالدباغ. وخالف سائر الفقهاء في ذلك (2) إلا ما روي عن احمد بن حنبل، فإنه منع من

= سنن ابن ماجة 2: 1072 / 3216، مسند أحمد 5: 218، سنن الدارقطني 4: 292 / 83، السنن الكبرى للبيهقي 1: 23 وفيه: " ما قطع ". (1) سورة المائدة، الآية: 3. حكاها في البحر عن أكثر القاسمية والناصرية ج 1 ص 23 قال المؤيد بالله في شرح التجريد ج 1 ص 30 (مخطوطة) وهو مذهب القاسم والناصر وهو المروي عن جعفر بن محمد عليه السلام والاظهر فيه أنه إجماع أهل البيت (ح).
(2) اللباب في شرح الكتاب 1: 24، الهداية للمرغيناني 1: 20، حلية العلماء 1: 110، المجموع شرح المهذب =

[ 102 ]

طهارة جلد الميتة بالدباغ (1). الدليل على صحة مذهبنا: الاجماع المتقدم ذكره. وأيضا قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) (2) واسم الميتة يتناول الجلد قبل الدباغ وبعده. وأيضا ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال قبل موته بشهر: " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " (3) وهذا صريح في نصرة مذهبنا، ويقضي على ما يروونه عنه عليه السلام من قوله: " أيما إهاب دبغ فقد طهر " (4) لان خبرهم متقدم وخبرنا متأخر. وخلاف من يخالف في أن اسم الإهاب يتناول الجلد قبل الدباغ وبعده لا يتناوله (5) لا يلتفت إلى مثله، فإنه قول من لا يحصل، ولا خلاف بين أهل اللغة في أن اسم الإهاب يتناول الجلد في سائر حالاته (6).

= 1: 215 و 217، أحكام القرآن للجصاص 1: 142، نيل الاوطار 1: 73، المحلى بالآثار 1: 132، بداية المجتهد 1: 80. (1) المغني لابن قدامة 1: 55، الشرح الكبير (ضمن كتاب المغني) 1: 64، التحقيق في اختلاف الحديث: 47، التنقيح لابن عبد الهادي: 47، حلية العلماء 1: 111، المجموع شرح المهذب 1: 217، المبدع في شرح المقنع 1: 70، الفتاوى الكبرى 1: 44.
(2) سورة المائدة، الآية: 3.
(3) سنن أبي داود 4: 67 / 4128، سنن الترمذي 4: 194 / 1729، سنن ابن ماجة 2: 1194 / 3613، سنن النسائي 7: 175، مسند أحمد 4: 310.
(4) سنن الترمذي 4: 193 / 1728، سنن ابن ماجة 2: 1193 / 3609، سنن الدارقطني 1: 48 / 24، كنز العمال 9: 418 / 26766.
(5) في (د) و (ط) " وهذه لا يتناوله ". انظر: المجموع شرح المهذب 1: 215، سنن أبي داود 4: 67 ذيل الحديث 4128 باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، الصحاح للجوهري 1: 89، تاج العروس 2: 40 (مادة: أهب).
(6) انظر: العين للخليل 4: 99، معجم مقاييس اللغة 1: 149، مجمع البحرين 2: 10 (مادة أهب).

[ 103 ]

المسألة الحادية والعشرون: " ليس في غسل الاناء من ولوغ الكلب والخنزير عدد محصور، وإنما يجب غسله إلى ان يتيقن التطهير والتنظيف ". الصحيح عندنا: أن الاناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات اولاهن بالتراب. وقال أبو حنيفة: لا تحديد في غسله، كما لا تحديد في إزالة سائر النجاسات (1). وقال الشافعي: يغسل سبعا إحداهن بالتراب (2) وذهب مالك إلى أن الغسل ليس بواجب لكنه مستحب، فإن استعمل لا يكون إلا سبعا، وهو مذهب داود (3). وقال الحسن بن حي (4): يغسل سبعا والثامنة بالتراب (5). فأما الذي يدل على نجاسته بعد الاجماع المتقدم ذكره، فهو أن الاخبار

حكى في البحر ج 1 ص 20 عن العترة أي القاسمية والناصرية أنه يكفي التثليث من ولوغ الكلب ولم يذكر الخنزير (ح). (1) المبسوط للسرخسي 1: 48، الاستذكار لابن عبد البر 1: 259، المجموع شرح المهذب 2: 580، حلية العلماء 1: 318، المغني لابن قدامة 1: 45، بداية المجتهد 1: 31، الشرح الكبير (ضمن كتاب المغني) 1: 286.
(2) المجموع شرح المهذب 2: 580، حلية العلماء 1: 317، فتح العزيز 1: 260، فتح الباري لابن حجر 1: 221، الأم 1: 19.
(3) المدونة الكبرى 1: 5، مقدمات ابن رشد 1: 61، الاستذكار لابن عبد البر 1: 258 و 261، المحلى بالآثار 1: 123، حلية العلماء 1: 313، المجموع شرح المهذب 2: 580.
(4) في بعض المصادر المتوفرة عندنا جاء اسم الحسن البصري بدل: الحسن بن حي وفي بعضها أطلق.
(5) المغني لابن قدامة 1: 45، الشرح الكبير 1: 286، فتح الباري 1: 222، سبل السلام 1: 30، نيل الاوطار 1: 46 الجوهر النقي (ضمن سنن البيهقي) 1: 241..

[ 104 ]

المتظاهرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " أنه أمر بغسل الاناء إذا ولغ فيه الكلب " (1) والامر يقتضي الوجوب، والغسل لا يكون إلا من نجاسة. وفى بعض الاخبار: " أمرنا بإراقة الماء " (2). وكل ذلك يدل على النجاسة. فمما روي فيه: ما رواه أبو هريرة من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاثا، أو خمسا أو سبعا " (3). وروى عبيد بن عمير (4): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات " (5). والذي يدل على أن تحديدنا بالثلاث أولى مما زاد على ذلك: أنه لا خلاف بين أصحاب التحديد في وجوب الثلاث، ومن زاد على هذا العدد كان عليه الدليل، ولا حجة بقطع العذر فيما زاد على ذلك. ولانا نتمكن من استعمال أخبارهم بحمل ما زاد على الثلاث على الندب، وهم لا يتمكنون من استعمال أخبارنا، لان الاقتصار على الثلاث لا يجوز عندهم بحال.

(1) انظر - على سبيل المثال -: صحيح البخاري 1: 145 باب 130، إذا شرب الكلب في إناء، صحيح مسلم 1: 234 باب 27 حكم ولوغ الكلب.
(2) انظر: صحيح مسلم 1: 234 / 89، سنن النسائي 1: 53، سنن الدارقطني 1: 66 / 16 و 17، السنن الكبرى للبيهقي 1: 239.
(3) سنن الدارقطني 1: 65 / 13 و 14، السنن الكبرى للبيهقي 1: 240.
(4) أبو عاصم عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد الليثي، الجندعي، المكي، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، روى عن أبيه، وعمر، وأبي موسى الاشعري، وأبي هريرة. وروى عنه ابنه عبد الله، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، مات سنة 68 ه‍ انظر: أسد الغابة 3: 353، تذكرة الحفاظ 1: 50 / 28، تهذيب التهذيب 7: 65 / 148، الجرح والتعديل 5: 409 / 1896.
(5) سنن الدارقطني 1: 66 / 17، السنن الكبرى للبيهقي 1: 242، وفيهما: عن عبيد بن عمير عن أبي هريرة..

[ 105 ]

المسألة الثانية والعشرون: " لا يجوز إزالة النجاسات بشئ من المائعات، سوى الماء المطلق ". عندنا: أنه يجوز إزالة النجاسة بالمائع الطاهر وإن لم يكن ماء (1)، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف (2). وقال محمد، وزفر، ومالك، والشافعي: لا يجوز ذلك (3). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المقدم ذكره، قوله تعالى: (وثيابك فطهر) (4) فأمر بتطهير الثوب ولم يفصل بين الماء وغيره. وليس لهم أن يقولوا: إنا لا نسلم أن الطهارة تتناول الغسل بغير الماء. لان تطهير الثوب ليس هو بأكثر من إزالة النجاسة عنه، وقد زالت بغسله بغير الماء مشاهدة، لان الثوب لا يلحقه عبادة.

حكاها في البحر عن أكثر القاسمية والناصرية ج 1 ص 29 (ح). (1) لا يخفى أنه لم يوافقه أحد من علمائنا على ما ذهب إليه منذ زمنه والى يومنا هذا. انظر: الخلاف 1: 59 مسألة (8) مختلف الشيعة 1: 222، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة 1: 59، جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام 1: 315 وغيرها.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 96، اللباب في شرح الكتاب 1: 50، الفتاوى الهندية 1: 41، شرح فتح القدير 1: 169، المجموع شرح المهذب 1: 95، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13: 51، الميزان الكبرى 1: 110، رحمة الامة في اختلاف الأئمة (ضمن الميزان الكبرى) 1: 4.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 96، بداية المجتهد 1: 85، المجموع شرح المهذب 1: 95، حلية العلماء 1: 70، شرح فتح القدير 1: 170.
(4) سورة المدثر، الآية: 4..

[ 106 ]

وأيضا ما روي عنه عليه السلام في المستيقظ من النوم: " لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها " (1) فأمر بما يتناوله اسم الغسل ولا فرق في ذلك بين سائر المائعات. وأيضا حديث عمار رضي الله عنه وقوله عليه السلام: " إنما يغسل الثوب من المني والدم " (2) وهذا عموم فيما يسمى غسلا. وأيضا حديث خولة بنت يسار (3)، أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب فقال عليه السلام: " حتيه ثم اقرصيه، ثم اغسليه " (4) ولم يذكر الماء. وليس لهم أن يقولوا: إن إطلاق الامر بالغسل ينصرف إلى ما يغسل [ به ] في العادة ولا يعرف في العادة إلا الغسل بالماء دون غيره. وذلك أنه لو كان الامر على ما قالوه لوجب ألا يجوز غسل الثوب (5) بماء الكبريت والنفط وغيرهما، مما لم تجر العادة بالغسل به، فلما جاز ذلك ولم يكن معتادا بغير خلاف - علم أن المراد بالخبر ما يتناوله اسم الغسل حقيقة من غير اعتبار العادة.

(1) صحيح مسلم 1: 233 / 87، سنن أبي داود 1: 25 / 103 - 105، سنن النسائي 1: 6 - 7، مسند أحمد 2: 241، سنن الدارقطني 1: 49 / 2، السنن الكبرى للبيهقي 1: 45 و 47.
(2) تقدم تخريجه في المسألة 12 فراجع.
(3) خولة بنت يسار روت حديث الحيض عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنها علي بن ثابت، ولم تترجم بأكثر من هذا. انظر: الاصابة في تمييز الصحابة 4: 294 / 380، أسد الغابة 5: 447.
(4) لم نعثر على هذا النص في المصادر المتوفرة عندنا، والذي وجدناه من هذا الطريق قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اغسليه وصلي فيه)، انظر: سنن أبي داود 1: 100 / 365، السنن الكبرى للبيهقي 2: 408، مسند أحمد 2: 364.
(5) في (ج): " البول " بدل " الثوب "..

[ 107 ]

المسألة الثالثة والعشرون: " يجب الاستنجاء من كل خارج من السبيلين سوى الريح، فإن الاستنجاء من خروجها سنة حسنة وفضل ". عندنا: أن الاستنجاء من البول والغائط واجب، فمن تعمد تركه لم يجز صلاته، وبذلك قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه: الاستنجاء غير واجب (2). واختلفت الرواية عن مالك في وجوب الاستنجاء ونفي وجوبه، والاشبه أنه موافق لابي حنيفة في نفي وجوبه (3). فأما الريح فلا استنجاء فيها لا واجبا ولا ندبا، وهو مذهب سائر الفقهاء (4). والذي يدل على وجوب الاستنجاء بعد الاجماع المتقدم ذكره، ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم للغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط وبول، وليستنج بثلاثة أحجار " (5)

هذه المسألة ذكرها في البحر ج 1 ص 51 عن العترة أي القاسمية والناصرية، وأما الاستنجاء من الريح فحكى عن أكثر الأئمة أنه مستحب (ح). (1) الأم 1: 36، حلية العلماء 1: 206، المجموع شرح المهذب 2: 95، فتح العزيز (ضمن كتاب المجموع) 1: 456.
(2) اللباب في شرح الكتاب 1: 54، الهداية للمرغيناني 1: 37، شرح فتح القدير 1: 187، أحكام القرآن للجصاص 3: 366، حاشية على مراقي الفلاح للطحاوي 1: 29.
(3) المدونة الكبرى 1: 7، الاستذكار لابن عبد البر 1: 173، حلية العلماء 1: 206.
(4) المدونة الكبرى 1: 7، المجموع شرح المهذب 2: 96، مواهب الجليل 1: 286، المغني لابن قدامة 1: 140.
(5) سنن النسائي 1: 38، سنن ابن ماجة 1: 114 / 313، السنن الكبرى للبيهقي 1: 91، كنز العمال 9: 362 / 26466..

[ 108 ]

وأمره عليه السلام على الوجوب. وأيضا ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاثة أحجار " (1) وفي لفظ آخر: " لا يجزي أحدكم دون ثلاثة أحجار " (2). وأما الريح: فلو كان فيها استنجاء واجب أو مستحب - مع عموم البلوى بها، وكثرة حدوثها ووقوعها - لوجب أن يكون النقل به متظاهرا، كما تظاهر في غيره. وأيضا فالاصل أنه لا عبادة، والشرع طار متجدد، وقد علمنا أن الاستنجاء من الريح شرع، فمن ادعاه فعليه الدلالة، ولا دلالة كافية له في ذلك. المسألة الرابعة والعشرون: " النية شرط في صحة الوضوء ". وعندنا: أن الطهارة تفتقر إلى نية، وضوء كانت، أو تيمما، أو غسلا من جنابة، أو حيض، وهو مذهب مالك، والشافعي، وربيعة (3)، وأبي ثور (4)، وإسحاق بن

(1) سنن النسائي 1: 44، سنن ابن ماجة 1: 115 / 316، سنن الدارقطني 1: 54 / 1، كنز العمال 9: 511 / 27202، صحيح مسلم 1: 224 ذيل حديث 57.
(2) أحكام القرآن للجصاص 3: 367. حكى في البحر ج 1 ص 55 عن القاسمية والناصرية أن النية في الوضوء فرض واحتج بما يفيد أنها شرط (ح).
(3) ربيعة بن أبي عبد الرحمن أبو عثمان التيمي المدني، مولى آل المنكدر، ويقال له ربيعة الرأي، روى عن أنس ابن مالك، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد وغيرهم، وعنه مالك، وسفيان الثوري، والاوزاعي، والليث ابن سعد، وأبو ضمرة وآخرون، مات سنة 136 ه‍ انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 37، الجرح والتعديل للرازي 3: 475 / 2131، ميزان الاعتدال 2: 44 / 2753، تذكرة الحفاظ 1: 157 / 153، العبر 1: 183.
(4) أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي ويكنى أبا عبد الله أيضا، كان على مذهب أهل الرأي =.

[ 109 ]

راهويه (1)، وداود، وابن حنبل (2). وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: إن الطهارة بالماء لا تفتقر إلى النية (3). وقالوا جميعا إلا زفر: إن التيمم لا بد فيه من نية (4). وقال الحسن بن حي: يجزي الوضوء والتيمم جميعا بغير نية (5). دليلنا بعد الاجماع المقدم ذكره، قوله تعالى: (يا أيها (6) الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) (7) الآية. وتقدير الكلام: فاغسلوا للصلاة، وإنما حذف ذكر الصلاة اختصارا. وهكذا مذهب العرب، لانهم إذا قالوا: إذا أردت لقاء الامير فالبس ثيابك،

= حتى قدم الشافعي العراق فاختلف إليه واتبعه، حدث عن سفيان بن عيينة، وأبي معاوية، ووكيع وطبقتهم، وعنه أبو داود، وابن ماجة، ومحمد بن إسحاق وخلق، مات في صفر سنة 240 ه‍. انظر: تذكرة الحفاظ 2: 512 / 528، تاريخ بغداد 6: 65 / 3100، ميزان الاعتدال 1: 29 / 8، وفيات الاعيان 1: 26 / 2، طبقات الشافعية لابن هداية الله: 5. (1) أبو يعقوب إسحاق بن أبي الحسن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، سمع جرير بن عبد الحميد الرازي، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وأبا معاوية، وعبد الرزاق بن همام وطبقتهم، وروى عنه محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، وأبو عيسى الترمذي، وخلق يطول ذكرهم، ولد سنة 166 ه‍ توفي سنة 238 ه‍ انظر: العبر 1: 426، طبقات الفقهاء للشيرازي: 78، تذكرة الحفاظ 2: 433 / 440، تاريخ بغداد 6: 345 / 3381.
(2) بداية المجتهد 1: 8، المجموع شرح المهذب 1: 312، المغني لابن قدامة 1: 91، حلية العلماء 1: 128، أحكام القرآن للجصاص 3: 336.
(3) الهداية للمرغيناني 1: 13، المبسوط للسرخسي 1: 72، المجموع شرح المهذب 1: 313، الاصل للشيباني 1: 52 - 53، أحكام القرآن للجصاص 3: 336، بداية المجتهد 1: 8، حلية العلماء 1: 128، المغني لابن قدامة 1: 91.
(4) بداية المجتهد 1: 68، المجموع شرح المهذب 1: 313.
(5) بداية المجتهد 1: 68، المجموع شرح المهذب 1: 313، حلية العلماء 1: 129.
(6) حيث تحذف ألف يا النداء الداخلة على (أي) و (أية) و (أهل).
(7) سورة المائدة، الآية: 6..

[ 110 ]

وإذا أردت لقاء العدو فخذ سلاحك، وتقدير الكلام: فالبس ثيابك للقاء الامير، وخذ سلاحك للقاء العدو. والغسل لا يكون للصلاة إلا بالنية، لان بالنية يتوجه الفعل إلى جهة (1) دون غيرها. وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " الاعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى " (2) وقد علمنا أن الاعمال قد توجد أجناسها من غير نية، فوضح أن المراد بالخبر أنها لا تكون قربة شرعية مجزية إلا بالنيات. وقوله عليه السلام: " إنما لامرئ ما نوى " يدل على أنه ليس له ما لم ينو. هذا حكم اللغة العربية، ألا ترى أن القائل إذا قال: " إنما لك درهم "، فقد نفى أن يكون له أكثر من درهم. والذي يدل على صحة ما ذكرناه في لفظة (إنما) أن ابن عباس (3) كان يذهب إلى جواز بيع الدرهم بالدرهمين نقدا ويأبى نسية (4). وخالفه في ذلك وجوه الصحابة، واحتجوا عليه بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع

(1) في (م): " وجهة " بدل " جهة ".
(2) صحيح البخاري 1: 92 / 53، صحيح مسلم 3: 1515 / 155، سنن الترمذي 4: 154 / 1647، سنن أبي داود 2: 269 / 2201، سنن النسائي 1: 58، سنن ابن ماجة 2: 1413 / 4227، السنن الكبرى للبيهقي 7: 341، التهذيب 4: 186 / 518 - 519، أمالي الشيخ الطوسي 2: 231.
(3) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو العباس القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يسمى البحر، لسعة علمه، وحبر الامة، وجاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لكل شئ فارس وفارس القرآن عبد الله بن عباس) والاخبار الدالة على مدحه وملازمته للامام علي ومن بعده للامامين الحسن والحسين عليهم السلام كثيرة، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات بالطائف سنة 68 ه‍ انظر: سفينة البحار 2: 150، معجم رجال الحديث 10: 229 / 6943، وفيات الاعيان 3: 62، أسد الغابة 3: 192، رجال الطوسي 22 / 6 و 46 / 3.
(4) بداية المجتهد 2: 195، حلية العلماء 4: 153، سنن الترمذي 3: 543..

[ 111 ]

الذهب بالذهب والفضة بالفضة (1). فعارضهم بقوله عليه السلام: " إنما الربا في النسيئة " (2). فجعل هذا الخبر دليلا على أنه لا ربا إلا في النسيئة. وقول ابن عباس حجة فيما طريقه اللغة، وبعد فإن المخالفين له في هذه المسألة لم يمنعوه عن قوله من طريق اللغة، بل من جهة غيرها، فدل ذلك على ما ذكرناه. وقد استقصينا هذه المسائل غاية الاستقصاء، وانتهينا فيها إلى أبعد الغايات في (مسائل الخلاف). المسألة الخامسة والعشرون: " المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل جميعا ". هذا صحيح، وهو مذهبنا، ومذهب الحسن البصري، والزهري، وربيعة، ومالك، والشافعي، والليث بن سعد (3) والاوزاعي (4).

(1) انظر: صحيح مسلم 3: 1210 / 80 و 1211 / 82، سنن النسائي 7: 280، سنن الترمذي 3: 542 / 1241، السنن الكبرى للبيهقي 6: 141. وفي (ط) و (د): " عن بيع الذهب والفضة ".
(2) صحيح مسلم 3: 1218 / 102، سنن النسائي 7: 281، سنن ابن ماجة 2: 758 / 2257، السنن الكبرى للبيهقي 6: 141، مسند أحمد 5: 208 و 209، كنز العمال 4: 115 / 9814. هذه حكاها في البحر عن الناصر ج 1 ص 61 (ح).
(3) الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث مولى خالد بن ثابت، روى عن عطاء، والزهري، ونافع، وابن أبي مليكة وخلق كثير، روى عنه ابن المبارك، وابن وهب، وابن شعيب وغيرهم، ولد سنة 94 ه‍ ومات سنة 175 ه‍. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 224 / 210، الجرح والتعديل للرازي 7: 179 / 1015، العبر 1: 266، سير أعلام النبلاء 8: 136 / 1195.
(4) حلية العلماء 1: 138، المغني لابن قدامة 1: 102، المجموع شرح المهذب 1: 362، بداية المجتهد 1: 10، =.

[ 112 ]

وذهب إسحاق بن راهويه، وابن أبي ليلى (1) إلى أنهما واجبان في الوضوء والغسل معا (2). وذهب ابن حنبل، وأبو ثور إلى أن الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة غير واجبة فيهما (3). وقال داود: الاستنشاق واجب في الوضوء دون المضمضة، ولا يجبان في غسل الجنابة (4). وذهب الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه - في بعض الروايات عن الليث بن سعد - إلى أنهما واجبان في الغسل من الجنابة غير واجبين في الوضوء (5). والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتقدم ذكره: ما روي عن أم

= المحلى بالآثار 1: 296، نيل الاوطار 1: 173، مغني المحتاج 1: 57، المدونة الكبرى 1: 15، الاستذكار لابن عبد البر 1: 158. (1) أبو عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الانصاري الكوفي، ومن أصحاب الرأي، تولى القضاء بالكوفة وأقام حاكما ثلاثا وثلاثين سنة، ولي لبني أمية ثم لبني العباس، تفقه على الشعبي وعطاء، ونافع، وعمرو بن مرة وطائفة، وحدث عنه شعبة، وسفيان، ووكيع، وأبو نعيم وخلائق، ولد سنة 74 ه‍ وتوفى سنة 148 ه‍ انظر: ميزان الاعتدال 3: 613 / 7825، وفيات الاعيان 4: 179 / 564، طبقات الفقهاء للشيرازي: 64، المعارف لابن قتيبة: 494.
(2) المجموع شرح المهذب 1: 363، المغني لابن قدامة 1: 102، نيل الاوطار 1: 172، بداية المجتهد 1: 10، الاستذكار لابن عبد البر 1: 158.
(3) المغني لابن قدامة 1: 102، المجموع شرح المهذب 1: 363، نيل الاوطار 1: 172، الاستذكار لابن عبد البر 1: 159.
(4) المحلى بالآثار 1: 296، الاستذكار لابن عبد البر 1: 159، المجموع شرح المهذب 1: 363.
(5) أحكام القرآن للجصاص 3: 375، المبسوط للسرخسي 1: 62، الهداية للمرغيناني 1: 12 و 16، اللباب في شرح الكتاب 1: 9 و 14، الاستذكار لابن عبد البر 1: 158، المحلى بالآثار 1: 296، المدونة الكبرى 1: 15، حلية العلماء 1: 139..

[ 113 ]

سلمة (1) رضي الله عنها أنها قالت قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه (2) في الغسل من الجنابة؟ فقال عليه السلام: " إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من الماء، وتفيضي الماء عليك، فإذا أنت فعلت ذلك فقد طهرت " (3). فبين عليه السلام إن الإجزاء واقع بغير المضمضة والاستنشاق. وأيضا إن الاصل أنه لا واجب من هذه الشرعيات وإيجاب المضمضة والاستنشاق شرع، فمن ادعاه كان عليه الدليل، ولا دليل في ذلك يقطع العذر. وقد سقط بهذه الجملة إذا تؤملت خلاف كل ما حكينا خلافه في هذه المسائل، ومن أراد الاستقصاء رجع إلى ما أمليناه في (مسائل الخلاف) فإن الكلام في هذه المسألة مستقصى هناك. المسألة السادسة والعشرون: " تخليل اللحية واجب، كثيفة (4) كانت أو رقيقة ". الصحيح عندنا: أن الأمرد وكل من لا شعر له على وجهه يجب عليه غسل

(1) أم سلمة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها بعد أبي سلمة بن عبد الاسد، هاجرت الهجرتين الى الحبشة ثم الى المدينة المنورة، وفضائلها كثيرة معروفة، توفيت بعد واقعة كربلاء. انظر: تنقيح المقال 3: 72، الاستيعاب في معرفة الاصحاب 4: 421 و 454، أسد الغابة 5: 588، طبقات ابن سعد 8: 86، رجال الطوسي: 32 / 2.
(2) في (ط) و (د) و (م): " أو انقضه ".
(3) صحيح مسلم 1: 259 / 58، سنن ابن ماجة 1: 198 / 603، سنن النسائي 1: 131، سنن الدارقطني 1: 114 / 15، السنن الكبرى للبيهقي 1: 178.
(4) في (د) و (ط): " كثة " بدل " كثيفة ". هذه المسألة حكاها في البحر عن القاسمية والناصرية ج 1 ص 61 (ح)..

[ 114 ]

وجهه، وحد الوجه من قصاص شعر الرأس إلى محادر الذقن طولا، وما دارت السبابة والابهام والوسطى عرضا. فمن كان ذا لحية كثيفة تغطي بشرة وجهه، فالواجب عليه غسل ما ظهر من بشرة وجهه وما لا يظهر مما تغطيه اللحية لا يلزمه إيصال الماء إليه ويجزيه إجراء الماء على اللحية من غير إيصاله إلى البشرة المستورة. ووافقنا الشافعي في ذلك إلا في حد الوجه، فإنه حده في كتاب (الأم) بأنه من قصاص شعر الرأس وأصول الأذنين إلى ما أقبل من الذقن واللحيين (1). وحده المزني (2): بأنه من منابت شعر رأسه وأصول أذنيه، ومنتهى اللحية، إلى ما أقبل من وجهه وذقنه (3). وقال أبو حنيفة: يلزمه غسل ما ظهر من الوجه ومن اللحية ربعها (4). وقال أبو يوسف: يلزمه إمرار الماء على ما ظهر من بشرة الوجه، فأما ما غطاه الشعر فلا يلزمه إيصال الماء إليه، ولا إمراره على الشعر النابت عليه (5).

(1) الأم 1: 40.
(2) أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني المصري، صاحب الشافعي ومن أكبر أنصاره وناشري مذهبه حتى قال الشافعي في حقه: المزني ناصر مذهبي، وله في المذهب كتب كثيرة منها: المختصر، الجامع الكبير والجامع الصغير، والمبسوط والمنثور وغيرها، كانت ولادته سنة 175 ه‍ ووفاته سنة 264 ه‍ انظر: طبقات الشافعية لابن هداية: 5، طبقات الفقهاء للشيرازي: 79، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1: 58 / 3، وفيات الاعيان 1: 217 / 93.
(3) مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 94.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 80، شرح فتح القدير 1: 13، الفتاوى الهندية 1: 4، أحكام القرآن للجصاص 3: 343، المغني لابن قدامة 1: 101، حلية العلماء 1: 142، وفي نسخة (د): " يلزمه غسل الوجه ".
(5) المبسوط للسرخسي 1: 80، أحكام القرآن للجصاص 3: 343، حلية العلماء 1: 143.

[ 115 ]

وقال أبو ثور: يلزمه غسل بشرة الوجه، وإن كان الشعر قد غطاها (1). وأشار المزني في بعض كتبه إلى هذا (2). والذى يدل على أن تخليل اللحية الكثيفة وإيصال الماء إلى البشرة لا يلزم، بل يكفي إجراء الماء على الشعر النابت، بعد إجماع الفرقة المحقة قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) (3) والذي يواجه هو اللحية دون البشرة، لان الشعر قد غطاها، فبطلت المواجهة فيها. وأيضا لا خلاف في أن الوجه اسم لما يقع المواجهة به، وإنما الخلاف وقع في أنه هل كلما يواجه به وجه، أم لا؟ وقد علمنا أن باطن اللحية وبشرة الوجه المستورة بالوجه ليس مما يواجه به، فلا يلزم التخليل. فأما الحجة على أبي حنيفة وأبي يوسف فهي قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) ومن غسل بعض بشرة وجهه، وبعض ما على البشرة من شعر لحيته، لم يغسل جميع وجهه، والآية تقتضي غسل جميع الوجه. وأما الدليل على صحة حدنا في الوجه: فهو بعد الاجماع المقدم ذكره، أنه لا خلاف في أن ما اعتبرناه في حدنا هو من الوجه ويجب غسله، وإنما الخلاف فيما زاد عليه، ومن ادعى زيادة على المجمع عليه كان عليه الدليل.

(1) المجموع شرح المهذب 1: 374.
(2) حكاه عنه في المجموع شرح المهذب 1: 374.
(3) سورة المائدة، الآية: 6..

[ 116 ]

المسألة السابعة والعشرون: " غسل العذار (1) واجب بعد نبات اللحية كوجوبه قبل نباتها ". هذا غير صحيح، والكلام فيه قد بيناه في تخليل اللحية، والكلام في المسألتين واحد، لأنا قد بينا أن الشعر الكثيف إذا علا البشرة انتقل الفرض إليه (2). المسألة الثامنة والعشرون: " يدخل المرفقان في الوضوء " (* *). وهذا صحيح، وعندنا أن المرافق يجب غسلها مع اليدين، وهو قول جميع الفقهاء إلا زفر بن الهذيل وحده. وحكي عن أبي بكر بن داود الاصفهاني (3) مثل قول زفر في هذه المسألة (4).

(1) العذار: جانب اللحية التي يتصل أعلاها بالصدغ وأسفلها بالعارض. انظر: مجمع البحرين 3: 398 (مادة: عذر). هذه لم يخصها بالذكر في البحر ولعله تركها بناء على أنه من اللحية (ح).
(2) في (د): " لا ينقل الفرض ". (* *) وهذه حكاها عن الاكثر في البحر ج 1 ص 63 وذكرها المؤيد بالله في شرح التجريد ج 1 في باب الوضوء وروى فيها حديثا مسندا من طريق الناصر عليه السلام (ح).
(3) أبو بكر محمد بن داود بن علي الاصبهاني الظاهري، أحد أئمة الظاهرية، جلس في حلقة أبيه بعد وفاته، وتصدر للفتيا بعده، حدث عن أبيه، وعباس الدوري، ومحمد بن عيسى المدائني وطبقتهم وروى عنه =.

[ 117 ]

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الفرقة المحقة. وأيضا قوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) (5) ولفظة (إلى) قد تستعمل في الغاية، وتستعمل أيضا بمعنى مع، وكلا الامرين حقيقة. قال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) (6) أراد - بلا خلاف - مع أموالكم. وقال تعالى حاكيا عن عيسى عليه السلام: (من أنصاري إلى الله) (7) أراد مع الله. ويقول العرب: ولي فلان الكوفة إلى البصرة، وإنما يريدون مع البصرة من غير التفات إلى الغاية. ويقولون ايضا: فعل فلان كذا، وأقدم على كذا هذا إلى ما فعله من كذا وكذا، وإنما يريدون مع ما فعله. وبعد فإن لفظة (إلى) إذا احتملت الغاية، واحتملت أن تكون بمعنى مع، فحملها على معنى مع أولى، لانه أعم في الفائدة، وأدخل في الاحتياط لفرض الطهارة. وشبهة من أخرج المرافق من الوضوء أنه جعل (إلى) للغاية والحد، وظن أن الحد لا يدخل في المحدود.

= نفطويه، والقاضي أبو عمر محمد بن يوسف وجماعة، صنف كتبا عديدة منها: الزهرة، والفرائض، والوصول الى معرفة الاصول وغيرها، كانت ولادته سنة 255 ه‍ ووفاته سنة 297 ه‍ انظر: تاريخ بغداد 5: 256 / 2750، طبقات الفقهاء للشيرازي: 148، وفيات الاعيان 4: 259 / 604، سير أعلام النبلاء 13: 109 / 2295.
(4) حلية العلماء 1: 145، أحكام القرآن للجصاص 3: 344، المجموع شرح المهذب 1: 385، المغني لابن قدامة 1: 107، الاستذكار لابن عبد البر 1: 165، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 87.
(5) سورة المائدة، الآية 6.
(6) سورة النساء، الآية: 2.
(7) سورة الصف، الآية: 14..

[ 118 ]

وهذا ليس بصحيح، لأنا قد بينا أن لفظة (إلى) مشتركة بين الغاية وغيرها، ولو حملت على الغاية لكان دخول المرافق واجبا، لانه أولى في باب الاستظهار للفرض والاحتياط له، ولان الحدث قد حصل يقينا فلا يجوز إسقاطه بالشك، وإذا كان دخول الغاية والحد وخروجهما مشكوكا فيه، وجب إدخال المرافق له مع الشك وحصول اليقين. المسألة التاسعة والعشرون: " لا يجوز الغسل من المرفق إلى الكف " وعندنا: الصحيح خلاف ذلك، وأن الابتداء من المرفقين إلى أطراف الأصابع. ويكره استقبال الشعر والابتداء بالأصابع، وفى أصحابنا من أوجب ذلك وذهب إلى أنه متى ابتدأ بالأصابع وانتهى إلى المرفقين لم يرتفع (1). ومن عدا فقهاء الشيعة يجعل المتوضئ مخيرا بين الابتداء بالأصابع أو المرفق، ولا يرى لأحد الامرين مزية على الآخر. دليلنا على صحة مذهبنا الاجماع المتقدم ذكره. وأيضا ما روي عنه عليه السلام من أنه توضأ مرة مرة وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " (2) فلا يخلو من أن يكون ابتدأ بالمرافق أو الأصابع، فإن كان ابتدأ

لم أجدها للناصر عليه السلام ومذهب الهادوية جواز الوجهين (ح). (1) المراسم لسلار: 37، وحكاه العلامة الحلي عن ابن أبي عقيل وجماعة. لاحظ: مختلف الشيعة 1: 276.
(2) سنن ابن ماجة 1: 145 / 420، أحكام القرآن للجصاص 3: 364، السنن الكبرى للبيهقي 1: 80، مجمع الزوائد 1: 239، مسند أبي يعلى الموصلي 9: 448 / 5598، تاريخ بغداد 11: 28، اتحاف السادة المتقين 2: 360.

[ 119 ]

بالمرفق فهو الذي ذهبنا إليه، وإن كان بالأصابع فيجب أن يكون على موجب ظاهر الخبر: أنه من ابتدأ بالمرفق لا يقبل صلاته، وأجمع الفقهاء على خلاف ذلك، ولا اعتبار بمن تجدد خلافه في هذه المسألة فأوجب الابتداء بالأصابع، لان الاجماع سابق له، ولانه بنى ذلك على أن (إلى) بمعنى الغاية والحد، وأن الحد خارج عن المحدود وقد بينا (1) اشتراك هذه اللفظة. المسألة الثلاثون: " فرض المسح متعين بمقدم الرأس والهامة (2) إلى الناصية. هذا صحيح وهو مذهبنا، وبعض الفقهاء يخالفون في ذلك، ويجوزون المسح مع الاختيار على أي بعض كان من الرأس (3). والدليل على صحة مذهبنا: الاجماع المقدم ذكره، وأيضا فلا خلاف بين الفقهاء في أن من مسح على مقدم الرأس فقد أدى الفرض وأزال الحدث، وليس كذلك من مسح مؤخر الرأس فما عليه الاجماع أولى. وأيضا فإن الحدث متيقن، وإزالته بمتيقن أولى، ومن مسح على مقدم رأسه أزاله بيقين وليس كذلك من يمسح غير هذا الموضع.

(1) كما مر في المسألة السابقة.
(2) في نسخة (م): " وانتهاؤه " بدل " والهامة ". حكاها في البحر عن الناصر ج 1 ص 64 (ح).
(3) حلية العلماء 1: 148، المجموع شرح المهذب 1: 398، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 89، الاستذكار لابن عبد البر 1: 169، الشرح الكبير 1: 135 - 136.

[ 120 ]

المسألة الحادية والثلاثون: " المسح على الرجلين إلى الكعبين هو الفرض ". وهذا صحيح، وعندنا أن الفرض في الرجل المسح دون الغسل، فمن غسل لم يجزه. وقد روي القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين كابن عباس رحمه الله وعكرمة (1)، وأنس، وأبي العالية (2) والشعبي (3)، وغيرهم (4). وكان الحسن بن أبي الحسن البصري يقول بالتخيير بين المسح والغسل، وهو مذهب محمد بن جرير الطبري (5) وأبي علي الجبائي (6) (7).

والذي حكاه عن الناصر في البحر ج 1 ص 67 الجمع بين الغسل والمسح (ح). (1) عكرمة بن عبد الله المدني، مولى عبد الله بن عباس، أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن الحر العنبري فوهبه لابن عباس، روى عن جماعة من الصحابة كابن عباس وعائشة وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم وروى عنه الشعبي والزهري وعمرو بن دينار وأبو إسحاق السبيعي وعاصم الأحول وثور بن يزيد وآخرون، مات سنة 107 ه‍ بالمدينة. انظر: طبقات الحفاظ: 37 / 85، تذكرة الحفاظ 1: 95 / 87، وفيات الاعيان 3: 265 / 421، طبقات ابن سعد 2: 385، سير أعلام النبلاء 5: 12 / 635.
(2) أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري مولى امرأة من بني رياح بطن من تميم، أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين، روى عن عمر وابن مسعود والامام علي عليه السلام وعائشة وطائفة، وعنه قتادة، وخالد الحذاء، والربيع بن أنس، وداود بن أبي هند وطائفة، توفي سنة 93 ه‍. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي: 70، تذكرة الحفاظ 1: 61 / 50، سير أعلام النبلاء 4: 207 / 466، العبر 1: 108.
(3) أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار الشعبي، كوفي تابعي، كانت ولادته أثناء خلافة عمر على ما قيل، ويقال إنه أدرك خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عن الامام علي عليه السلام وأبي هريرة، والمغيرة، وعدة من كبراء الصحابة، وروى عنه الاعمش، وأشعث بن سوار، وأبو حنيفة، وإسماعيل بن أبي خالد وخلق، توفي سنة ثلاث أو أربع ومائة. انظر: الكاشف للذهبي 2: 54 / 2553، العبر 1: 127، تذكرة الحفاظ 1: 79 / 76، وفيات الاعيان 3: 12 / 317.
(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 349، المبسوط للسرخسي 1: 8، المجموع شرح المهذب 1: 418، بداية المجتهد 1: 15، الاستذكار لابن عبد البر 1: 179، مقدمات ابن رشد 1: 53، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 92، التفسير الكبير للرازي 11: 161، مجمع البيان 3: 255.
(5) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب أبو جعفر الطبري، صاحب التفسير والتاريخ الشهيرين، وأحد =

[ 121 ]

وقال من عدا من ذكرناه من الفقهاء: إن الفرض هو الغسل دون المسح (8). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (9). وأوجب على الوجوه - بظاهر اللفظ - الغسل، ثم عطف الأيدي على الوجوه، وأوجب لها بالعطف مثل حكمها فصار كأنه قال: واغسلوا وجوهكم واغسلوا أيديكم. ثم أوجب مسح الرؤوس - بصريح اللفظ - كما أوجب غسل الوجوه كذلك، ثم عطف الارجل على الرؤوس، فوجب أن يكون لها في المسح مثل حكمها بمقتضى العطف، ولو جاز أن يخالف في الحكم المذكور الرؤوس الارجل، جاز أن يخالف

= أئمة العلماء، ولد بآمل سنة 224 ه‍، وطاف في الاقاليم في طلب العلم ثم استوطن بغداد وأقام بها الى حين وفاته سنة 310 ه‍. سمع أحمد بن منيع البغوي، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن حميد الرازي، ومحمد بن عبد الملك وخلقا كثيرا، وحدث عنه محمد بن عبد الله الشافعي، ومخلد بن جعفر، وأحمد بن كامل القاضي وغيرهم. انظر: الكنى والالقاب 1: 241، تاريخ بغداد 2: 162 / 589، معجم الادباء 18: 40 / 17، لسان الميزان 5: 100 / 344.
(6) أبو علي هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد المعروف بالجبائي أحد كبار أئمة المعتزلة ولد سنة 235 ه‍ أخذ العلم عن أبي يوسف يعقوب الشحام البصري، وعنه أخذ الشيخ أبو الحسن الاشعري، له كتاب التفسير والجامع والرد على أهل السنة، مات في شعبان سنة 303 ه‍. انظر: الانساب للسمعاني 2: 17، المنتظم لابن الجوزي 13: 164 / 2120، الملل والنحل 1: 78 / 12.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 8، المجموع شرح المهذب 1: 417، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 92، التفسير الكبير للرازي 11: 161، مجمع البيان 3: 255، حلية العلماء 1: 155، التنقيح لابن عبد الهادي 1: 100، بداية المجتهد 1: 15، المغني لابن قدامة 1: 121.
(8) الاستذكار لابن عبد البر 1: 179، المبسوط للسرخسي 1: 8، المجموع شرح المهذب 1: 417، حلية العلماء 1: 154، المغني لابن قدامة 1: 120.
(9) سورة المائدة، الآية: 6.

[ 122 ]

حكم الأيدي في الغسل الوجوه. وروى أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه توضأ ومسح على قدميه ونعليه (1). وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح على رجليه (2). وروي عنه أيضا أنه قال: " إن في كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل " (3) وقد روي مثل ذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " ما نزل القرآن إلا بالمسح " (4) وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: غسلتان ومسحتان (5) وهذه الاخبار التى ذكرناها مما رواها مخالفونا من الفقهاء وسطروها في كتبهم، فليس لهم أن يقولوا: إنا ما نعرفها. فأما ما نختص بروايته في وجوب مسح الرجلين فهو أكثر من السيل والليل، ومن أن تحصى كثرة (6). وليس لأحد أن يحمل خفض الرؤوس على المجاورة، كما قالوا: جحر ضب

(1) أحكام القرآن للجصاص 3: 351.
(2) التهذيب 1: 63 / 22، الوسائل 1: 295 باب 25 من أبواب الوضوء ح 6.
(3) سنن ابن ماجة 1: 156 / 458، مصنف ابن شيبة 1: 32 / 14، الدر المنثور للسيوطي 2: 262.
(4) التهذيب 1: 63 / 24، الوسائل 1: 295 باب 25 من أبواب الوضوء ح 8.
(5) مسند أحمد 6: 358، سنن الدارقطني 1: 96 / 5، السنن الكبرى للبيهقي 1: 72، الدر المنثور للسيوطي 2: 262، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 92.
(6) الكافي 3: 29 / 2 و 31 / 9، علل الشرائع 289 / 2، الاستبصار 1: 64 / 189 و 191، التهذيب 1: 63 / 172، 173، 174، 175 و 92 / 246..

[ 123 ]

خرب، لأن ذلك باطل من وجوه: أولها: أنه لا خلاف بين أهل اللغة في أن الإعراب بالمجاورة شاذ نادر لا يقاس عليه، وإنما ورد في مواضع لا يتعدى إلى غيرها، وما هذه صورته لا يجوز أن يحمل كتاب الله تعالى عليه. وثانيها: أن كل موضع أعرب بالمجاورة مفقود فيه حرف العطف الذي تضمنته الآية، ولا مجاورة مع حرف العطف لانه حائل بين الكلامين، مانع من تجاورهما، ألا ترى أنه لما أن أعربوا جحر ضب خرب بالمجاورة كان اللفظان متجاورين متقاربين من غير حائل بينهما. وكذلك قول الشاعر:.... كبير أناس في بجاد مزمل (1) لأن المزمل من صفات الكبير لا البجاد، فلما جروه بالمجاورة كان اللفظان متجاورين بلا حائل من العطف وثالثها: أن الاعراب بالجوار إنما يستحسن بحيث ترتفع الشبهة في المعنى، ألا ترى أن الشبهة زائلة في كون خرب من صفات الضب، وأنه من صفات الجحر. وكذلك لا شبهة في أن الوصف بمزمل راجع إلى الكبير لا إلى البجاد، وليس هكذا الآية، لأن الارجل يصح أن يكون فرضها المسح، كما يصح أن يكون الغسل، والشك واقع فلا يجوز إعرابها بالمجاورة مع وقوع اللبس والشبهة. فإن قيل: كيف اعتمدتم على القراءة بالجر في الارجل، وقد قرئت بالنصب، والنصب موجب لغسل الارجل؟ قلنا: القراءة بالنصب أيضا يقتضي المسح، لأن موضع الرؤوس في العربية

(1) عجز بيت لامرئ القيس. كما في مغني اللبيب لابن هشام 2: 699، لسان العرب 11: 311..

[ 124 ]

موضع نصب بوقوع الفعل الذي هو المسح، وإنما جرت الرؤوس بالباء الزائدة، وعلى هذا لا ينكر أن يعطف الارجل على موضع الرؤوس لا لفظها فينتصب، وإن كان الفرض فيها المسح كما كان في الرؤوس، والعطف على الموضع جائز مشهور عند أهل العربية. ألا ترى أنهم يقولون لست بقائم ولا قاعدا، فينصبون قاعدا على موضع قائم لا لفظه. وكذلك يقولون: حشيت بصدره وصدر زيد. وأن زيدا في الدار وعمرو، فرفع عمرو على الموضع، لأن أن وما عملت فيه في موضع رفع. ومثله قوله تعالى: (ومن يضلل الله فلا هادي له ويذرهم) (1) بالجزم على موضع فلا هادي له لأنه موضع جزم. قال الشاعر: معاوي إننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا (2) فنصب الحديد على الموضع. وقال الآخر: هل أنت باعث دينار لحاجتنا * أو عبد رب أخا عون بن مخراق وإنما نصب عبد رب، لأن من حق الكلام: هل أنت باعث دينارا، فحمل على الموضع لا اللفظ.

(1) سورة الاعراف، الآية: 186. قال في مجمع البيان ج 4 ص 774: قرأ أهل العراق: ويذرهم بالياء والجزم كوفي غير عاصم والباقون ونذرهم بالنون والرفع.
(2) لعقبة بن حارث الاسدي، مجمع البحرين 2: 370، أحكام القرآن للجصاص 3: 350. شرح ابن عقيل 2: 120..

[ 125 ]

وهذه المسألة أيضا مما استقصيناه واستوفينا الكلام فيه في مسائل الخلاف، فمن أراد بلوغ الغاية في معنى هذه الآية رجع إلى الموضع الذي ذكرناه. المسألة الثانية والثلاثون: " الدلك شرط في صحة الوضوء ". عندنا: أن إمرار اليد على الجسد في غسل الجنابة غير واجب وكذلك في الوضوء، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والاوزاعي، والشافعي (1). وقال مالك: لا يجزيه حتى يدلك ما يغسله ويمر يده عليه، وهو مذهب الزيدية (2). دليلنا بعد اجماع الفرقة المحقة قوله تعالى: (حتى تغتسلوا) (3). وقوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) (4). ولا شبهة في أنه يسمى مغتسلا وإن لم يدلك بدنه ويمر يده عليه. وقوله عليه السلام: " أما أنا فأفيض على رأسي، وسائر بدني، فإذا فعلت ذلك فقد

هذا من الغسل عند أهل المذهب ولذلك لم يذكروا اشتراط الدلك (ح). (1) المبسوط للسرخسي 1: 44 - 45، المجموع شرح المهذب 2: 185، بداية المجتهد 1: 45، المغني لابن قدامة 1: 218، الشرح الكبير 1: 214، مغني المحتاج 1: 74، إرشاد الساري 1: 315، الاستذكار لابن عبد البر 1: 330.
(2) بداية المجتهد 1: 45، الاستذكار لابن عبد البر 1: 329، إرشاد الساري 1: 315، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 210، شرح الازهار 1: 85، المنار في المختار 1: 60 - 61، نيل الاوطار 1: 277، المغني لابن قدامة 1: 218.
(3) سورة النساء، الآية: 43.
(4) سورة المائدة، الآية: 6..

[ 126 ]

طهرت " (1). فبين وقوع الكفاية والطهارة بهذا الغسل دون إمرار اليد. وقوله عليه السلام لأم سلمة: " إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي الماء عليك، فإذا أنت فقد طهرت " (2) وقوله عليه السلام: " إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك " (3). ومن اغتسل ولم يمر يده، قد أمس الماء جلده. المسألة الثالثة والثلاثون: " التوالي واجب في أحد الوجهين ". عندنا: أن الموالاة واجبة بين الوضوء، ولا يجوز التفريق، ومن فرق بين الوضوء بقدر (4) ما يجف معه غسل العضو الذي انتهى إليه، وقطع الموالاة منه في الهواء المعتدل وجب عليه إعادة الوضوء، وهو القول المتقدم للشافعي، وبه قال الاوزاعي في بعض الروايات، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وابن حنبل (5).

(1) صحيح البخاري 1: 178 / 247، صحيح مسلم 1: 258 / 54، سنن ابن ماجة 1: 190 / 575، السنن الكبرى للبيهقي 1: 176، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 169 / 282.
(2) صحيح مسلم 1: 259 / 58، سنن الدارقطني 1: 114 / 15، سنن النسائي 1: 131، السنن الكبرى للبيهقي 1: 178، سنن ابن ماجة 1: 198 / 603، سنن أبي داود 1: 65 / 251، سنن الترمذي 1: 176 / 175، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 170 / 284.
(3) سنن الدارقطني 1: 187 / 6، السنن الكبرى للبيهقي 1: 179، أحكام القرآن للجصاص 3: 339، كنز العمال 9: 593 / 27567، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 172 / 288. لم أجده للناصر عليه السلام وحكى في البحر ج 1 ص 75 عن القاسمية والناصرية أن التفريق لا يبطل الوضوء (ح).
(4) في (د) مقدار، وفي (م): " بمقدار " بدل: " بقدر ".
(5) المجموع شرح المهذب 1: 451 و 454 - 455، المغني لابن قدامة 1: 128، حلية العلماء 1: 157..

[ 127 ]

وقال مالك، وابن أبي ليلى، والليث بن سعد: من فرق متعمدا وجب عليه أن يستأنف وإن فرق لعذر جاز أن يبني عليه (1). والتفريق المتعمد عنده: أن يغسل وجهه ولا يغسل يديه، مع وجود الماء وتمكنه منه، حتى يجف الماء على وجهه والتفريق بالعذر أن ينقلب الماء، أو يجد منه دون الكفاية، فيتشاغل بطلب الكفاية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز تفريق الوضوء، وهو مذهب سعيد بن المسيب (2)، وعطاء (3)، والحسن، والثوري، وداود، وبه قال الشافعي في الجديد، وروي أيضا عن الاوزاعي (4). دليلنا على وجوب الموالاة بعد الاجماع المتكرر ذكره، ما روي عنه عليه السلام من

(1) المدونة الكبرى 1: 15، بداية المجتهد 1: 18، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 98، حلية العلماء 1: 157، المبسوط للسرخسي 1: 56.
(2) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، القرشي المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه، سمع أمير المؤمنين عليا عليه السلام وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبا هريرة، وزيد بن ثابت، وأم سلمة، وعائشة، وروى عنه الزهري، وقتادة، يحيى بن سعيد الانصاري. ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر. مات سنة 94 ه‍ بالمدينة. انظر: سير أعلام النبلاء 4: 217 / 469، تهذيب التهذيب 4: 74 / 145، وفيات الاعيان 2: 375 / 262، الجرح والتعديل 4: 59 / 262، تذكرة الحفاظ 1: 54 / 38، حلية الاولياء 2: 161 / 170.
(3) عطاء بن أبي رباح أبو محمد بن أسلم القرشي، مفتي أهل مكة، ومحدثهم، روى عن عائشة، وأم سلمة، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد وآخرين، وعنه أبو حنيفة، وأبو إسحاق، والاوزاعي، وعمرو بن دينار وآخرون. ولد في خلافة عثمان ومات سنة 114 بمكة. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 98 / 90، ميزان الاعتدال 3: 70 / 5640، طبقات ابن سعد 2: 386، طبقات الفقهاء للشيرازي: 44، وفيات الاعيان 3: 261 / 419.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 56، المجموع شرح المهذب 1: 454، حلية العلماء 1: 156 - 157.

[ 128 ]

أنه توضأ مرة مرة وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " (1) فلا يخلو من أن يكون عليه السلام والى بين الوضوء أو لم يوال، فإن لم يكن والى أدى ذلك إلى أن الوضوء مع الموالاة لا تقبل الصلاة به، وهذا خلاف الاجماع، فثبت أنه عليه السلام والى وبين أن خلافه لا يجوز. وروى أبو داود (2) في كتاب السنن عنه عليه السلام أنه رأى رجلا توضأ، وفى قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره عليه السلام بأن يعيد الوضوء والصلاة (3). ومن قال إن الامر على الفور وهو الظاهر في الشريعة يمكن أن يستدل بالآية (4) على وجوب الموالاة وأنه بعد غسل وجهه مأمور على الفور بغسل يديه، وكذلك باقي الاعضاء.

(1) سنن ابن ماجة 1: 145 / 420، السنن الكبرى للبيهقي 1: 80، مجمع الزوائد 1: 239، مسند أبي يعلى 9: 448 / 5598، أحكام القرآن للجصاص 3: 364.
(2) أبو داود سليمان بن الاشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الازدي السجستاني، صاحب كتاب " السنن "، رحل الى خراسان والعراق والجزيرة والشام والحجاز ومصر، سمع أبا الوليد الطيالسي، وأبا عمر الضرير، ومسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، وشيخه أحمد بن حنبل، وحدث عنه الترمذي، والنسائي، وابنه أبو بكر بن أبي داود، وأبو عوانة وغيرهم. ولد سنة 202 ه‍ وتوفي سنة 275 ه‍. انظر: تذكرة الحفاظ 2: 591 / 615، وفيات الاعيان 2: 404 / 272، الجرح والتعديل للرازي 4: 101 / 456، تهذيب التهذيب 4: 149 / 298، سير أعلام النبلاء 13: 203 / 2355.
(3) سنن أبي داود 1: 45 / 175.
(4) سورة المائدة، الآية: 6..

[ 129 ]

المسألة الرابعة والثلاثون: " لا يجوز المسح على الخفين مع القدرة على غسل الرجلين، ومن مسح مقلدا أو مجتهدا ثم وقف على خطائه وجب عليه إعادة الصلاة ". هذا صحيح، ولا يجوز عندنا المسح على الخفين، ولا الجوربين، ولا الجرموقين، في سفر ولا حضر مع الاختيار، وقد وافقنا في ذلك جماعة من السلف منهم صحابة وتابعون (1). واختلفت الرواية عن مالك، فروى ابن القسم (2) عنه أنه ضعف المسح على الخفين، وحكى ابن المنذر (3) عن بعض أصحاب مالك: أن الذي استقر عليه مذهب مالك أنه لا يجوز المسح على الخفين. وقد روي عنه جوازه، إلا أنه لم يحد في ذلك حدا كما حد غيره من الفقهاء وسوى بين المقيم والمسافر (4).

حكى في البحر عن العترة جميعا أنه لا يجزئ ج 1 ص 69 (ح). (1) الاستذكار لابن عبد البر 1: 273، بداية المجتهد 1: 19، المبسوط للسرخسي 1: 97 - 98، نيل الاوطار 1: 222، التفسير الكبير للرازي 11: 163.
(2) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي، المصري، الفقيه المالكي، صاحب " المدونة "، روى عن مالك، وبكر بن مضر، ونافع بن أبي نعيم القاري، وابن عيينة وغيرهم، وعنه ابنه موسى، وسعيد بن عيسى، وسحنون، والحارث بن مسكين وغيرهم. ولد سنة 131 ه‍ ومات سنة 191 ه‍ انظر: العبر 1: 307، تهذيب التهذيب 6: 227 / 503، تذكرة الحفاظ 1: 356 / 346، وفيات الاعيان 3: 129 / 362.
(3) إبراهيم بن المنذر أبو إسحاق الحزامي الاسدي، المدني، روى عن مالك، وسفيان بن عيينة، والوليد بن مسلم وطبقتهم، وعنه البخاري، وابن ماجة، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي وآخرون، مات سنة 236 ه‍ انظر: تذكرة الحفاظ 2: 470 / 482، ميزان الاعتدال 1: 67 / 222 تهذيب التهذيب 1: 145 / 300.
(4) المدونة الكبرى 1: 41، الاستذكار لابن عبد البر 1: 272، بداية المجتهد 1: 19، المجموع شرح المهذب 1: 476، حلية العلماء 1: 160، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 100، التفسير الكبير للرازي 11: 163..

[ 130 ]

وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والاوزاعي، وابن حي، والشافعي، وداود: بالمسح على الخفين (1). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر قوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (2). فأوجب تعالى ايقاع المسح على ما هو رجل على الحقيقة وقد علمنا أن الخف لا يسمى رجلا في لغة ولا شرع ولا عرف، كما أن العمامة لا تسمى رأسا والبرقع لا يسمى وجها. وليس لهم أن يعترضوا بقول القائل: وطأت كذا برجلي وإن كان لابسا للخف، لان ذلك مجاز واتساع بلا خلاف، والمجاز لا يحمل عليه الكتاب إلا بدليل قاهر. ويدل على ذلك أيضا ما روي عنه عليه السلام من أنه توضأ مرة مرة وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " (3). ولا خلاف أنه أوقع الفعل في تلك الحال على الرجل دون الخفين، فوجب مطابقة الخبر ولا يجوز إيقاعه على غيرهما. وليس لأحد أن يدعي في الآية وهذا الخبر جميعا: أنهما إنما يتناولان من كان ظاهر الرجل دون لابس الخف، لأن ذلك تخصيص العموم بغير دليل. ويدل على ذلك أيضا ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من أنه قال: " نسخ

(1) المبسوط للسرخسي 1: 97 - 98، الأم 1: 48، الاستذكار لابن عبد البر 1: 275، المجموع شرح المهذب 1: 476، حلية العلماء 1: 160، مغني المحتاج 1: 63، بداية المجتهد 1: 19، المغني لابن قدامة 1: 283.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
(3) سنن ابن ماجة 1: 145 / 420، السنن الكبرى للبيهقي 1: 80، مسند أبي يعلى 9: 448 / 5598، مجمع الزوائد 1: 239، أحكام القرآن للجصاص 3: 364، تاريخ بغداد 11: 28.

[ 131 ]

الكتاب المسح على الخفين " (1). ورواية أخرى: " ما أبالي أمسحت على الخفين أو على ظهر عير بالفلاة " (2). ولم نر أحدا من الصحابة خالفه في ذلك، أو اعترض قوله بإنكار مع ظهوره. وروي عن ابن عباس أنه قال: سبق كتاب الله المسح على الخفين (3)، ولم ينكر ذلك عليه أحد. وروي عن عائشة (4) أنها قالت: لأن تقطع رجلاي بالمواسي أحب إلي من أن أمسح على الخفين (5)، ولم نعرف رادا لقولها أو منكرا عليها. فأما الاخبار التي رووها من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح على خفيه، وأباح المسح على الخفين (6) فلا يعارض ظاهر الكتاب، لأن نسخ الكتاب أو تخصيصه بها - ولا بد من أحدهما - غير جائز. ولنا أيضا على سبيل الاستظهار أن نتقبلها ونحملها على ظاهر الضرورة، إما لبرد شديد يخاف منه على النفس أو الاعضاء أو لعدو مرهق، والضرورة تبيح ذلك عندنا.

(1) السنن الكبرى للبيهقي 1: 272، مصنف ابن أبي شيبة 1: 213 / 3، في المصادر: " سبق " بدل، " نسخ ".
(2) التحقيق في اختلاف الحديث 1: 156.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 1: 213 / 4، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 156، السنن الكبرى للبيهقي 1: 273.
(4) عائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة، تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة بسنتين بعد وفاة خديجة عليها السلام، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبيها وعمر وسعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة، وروى عنها أبو هريرة، وأبو موسى، وابن عباس، وعروة، وسعيد بن المسيب وغيرهم ماتت سنة 58 ه‍. انظر: العبر 1: 63، أسد الغابة 5: 501، تذكرة الحفاظ 1: 27 / 13 سير أعلام النبلاء 2: 135 / 119، الاصابة في تمييز الصحابة 4: 359.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 1: 214 / 10، نصب الراية 1: 174، التفسير الكبير للرازي 11: 163.
(6) انظر: صحيح البخاري 1: 158 / 196 - 199، صحيح مسلم 1: 227 - 228 / 72 - 75، سنن أبي داود 1: 36 / 149، جامع الاصول 7: 228 / 5269، أحكام القرآن للجصاص 3: 353..

[ 132 ]

وهذه المسألة أيضا مما استقصيناه في (مسائل الخلاف) فمن أراد استيفاءها أصابه هناك. فأما من مسح مقلدا أو مجتهدا إذا وقف على خطئه بعد ذلك، فلا شبهة في أنه يجب عليه إعادة الصلاة لأنه ما أدى الفرض لأن الله تعالى اوجب عليه تطهير رجليه فطهر غيرهما. المسألة الخامسة والثلاثون: " النوم بمجرده حدث، ولا يعتبر أحوال النائم ". وهذا صحيح، وعندنا أن النوم الغالب على العقل والتمييز ينقض الوضوء، على اختلاف حالات النائم من قيام وقعود وركوع وسجود، ووافقنا على ذلك المزني (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا وضوء من النوم إلا على من نام مضطجعا أو متوكئا فأما من نام قائما، أو راكعا، أو ساجدا، أو قاعدا، سواء كان في الصلاة أو غيرها فلا وضوء عليه (2).

حكى في البحر عن الناصر أنه لا ينقض الوضوء في الصلاة ج 1 ص 88 ولعله تصحيف لأن رقم الناصر (ن) ورقم زيد بن علي (ز) وقد ذكر زيد بن علي في مجموعه أنه لا ينقض في الصلاة فلا يبعد أن الاصل (ز) وذكر المؤيد بالله في شرح التجريد أن النوم المزيل للعقل على أي حال كان ينقض الطهارة ذكره لمذهب الهادي قال وهو مذهب سائر أهل البيت عليهم السلام (ح). (1) مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 96، حلية العلماء 1: 184، المجموع شرح المهذب 2: 17، الاستذكار لابن عبد البر 1: 192.
(2) الاصل للشيباني 1: 57، المبسوط للسرخسي 1: 78، المجموع شرح المهذب 2: 18، حلية العلماء 1: 184، نيل الاوطار 1: 240..

[ 133 ]

وروي عن أبي يوسف: إن تعمد النوم في السجود فعليه الوضوء (1). وقال ابن حي، والثوري: لا وضوء إلا على من نام مضطجعا، وهو مذهب داود (2). وقال مالك: من نام ساجدا أو مضطجعا يتوضأ، ومن نام جالسا فلا وضوء عليه إلا أن يطول، فيفرق في القاعد بين القليل من النوم والكثير، وهو مذهب ابن حنبل (3). وقال الليث: إذا تصنع النوم جالسا فعليه الوضوء، ولا وضوء على القائم والجالس إذا غلبهما النوم (4). وقال الشافعي: من نام في غير حال القعود وجب عليه الوضوء، فأما من نام قاعدا فإن كان زائلا غير مستوي الجلوس لزمه الوضوء، وإن كان متمكنا من الارض، فلا وضوء عليه (5). وروي عن الاوزاعي أنه قال (6): لا وضوء من النوم، فمن توضأ منه ففضل أخذ به، وإن تركه فلا حرج. ولم يذكر عنه الفصل بين أحوال النائم (7). وقد حكي عن قوم من السلف نفي الوضوء من النوم، كأبي موسى الاشعري (8)، وعمرو بن دينار (9)، وحميد الاعرج (10) (11).

(1) الاصل للشيباني 1: 58، المبسوط للسرخسي 1: 79، الاستذكار لابن عبد البر 1: 190، المحلى بالآثار 1: 213.
(2) الاستذكار لابن عبد البر 1: 190، المحلى بالآثار 1: 213.
(3) الاستذكار لابن عبد البر 1: 190، بداية المجتهد 1: 37، المدونة الكبرى 1: 9 - 10، حلية العلماء 1: 185، المغني لابن قدامة 1: 166 - 167، وفي نسخة (ط): " ففرق في القاعد... ".
(4) الاستذكار لابن عبد البر 1: 191، وفي نسخة (ط) وفي المصدر: " اتضع "، وقال محقق المصدر: في الاصل: تصنع، وهو تحريف.
(5) المجموع شرح المهذب 2: 17، الاستذكار لابن عبد البر 1: 191، نيل الاوطار 1: 240.
(6) كلمة " قال " ساقطة من (ج) و (م).
(7) الاستذكار لابن عبد البر 1: 190.
(8) أبو موسى عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الاشعري، استعمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع معاذ =.

[ 134 ]

ومتى دللنا على وجوب الوضوء من الاستغمار (12) في النوم على طريق العموم، فقد رددنا على جميع المخالفين في هذه المسألة. دليلنا على ذلك: الاجماع المتقدم ذكره، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية (13). وقد نقل أهل التفسير جميعا أن المراد بالآية: إذا قمتم من النوم (14)، وأن الآية وردت على سبب معروف يقتضي تعلقها بالنوم فكأنه تعالى قال: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم فتوضأوا، وهذا يوجب الوضوء من النوم على الاطلاق. وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: " العينان وكاء السه، فمن نام

= على اليمن، وولاه عمر إمرة الكوفة والبصرة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب عليه السلام ومعاذ، وابن مسعود، وعمار، وابن عباس وغيرهم، وروى عنه أولاده وأبو بردة، وأبو سعيد الخدري وآخرون، توفي سنة 44 ه‍. انظر: أسد الغابة 3: 245، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 359، سير أعلام النبلاء 2: 380 / 188، العبر 1: 52، تهذيب التهذيب 5: 317 / 625.
(9) أبو محمد عمرو بن دينار الاثرم الجمحي مولاهم المكي، سمع من ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وأنس بن مالك، وعبد الله بن جعفر وغيرهم، حدث عنه ابنه جريج، والزهري، وسفيان الثوري، والحمادان وآخرون. مات سنة 126 ه‍. انظر: ميزان الاعتدال 3: 260 / 6367، تهذيب التهذيب 8: 26 / 45، تذكرة الحفاظ 1: 113 / 98، طبقات ابن سعد 5: 479، العبر 1: 163.
(10) أبو صفوان حميد بن قيس المكي الاعرج، المقرئ. روى عن مجاهد، وعطاء وروى عنه سفيان بن عيينة، ومالك والزنجي، توفي سنة 130 ه‍. انظر: ميزان الاعتدال 1: 615 / 2341، لسان الميزان 7: 205 / 2783، الجرح والتعديل للرازي 3: 227 / 1001، وفي نسخة (ط) و (د): " حميد بن الاعرج ".
(11) الاستذكار لابن عبد البر 1: 192، حلية العلماء 1: 183، المبسوط للسرخسي 1: 78، المغني لابن قدامة 1: 164 - 165، نيل الاوطار 1: 239.
(12) في نسخة (م): " الاستقرار ".
(13) سورة المائدة، الآية: 6.
(14) أحكام القرآن للجصاص 3: 331، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 82، التبيان للطوسي 3: 448..

[ 135 ]

فليتوضأ " (1). وفي خبر آخر: " العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء " (2). وأيضا ما رواه صفوان بن عسال المرادي (3) أنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، ليس من الجنابة، لكن من بول، وغائط، ونوم " (4). وظاهر هذه الاخبار تدل على وجوب الوضوء من كل نوم، من غير مراعاة لاختلاف الاحوال. وليس لأحد أن يصرف ذكر النوم في الاخبار التي ذكرناها إلى المعهود المألوف، وهو نوم المضطجع دون القائم والراكع، ويدعي أن القائل إذا قال: فلان قد نام، لا يعقل من اطلاقه إلا النوم المعتاد دون غيره، وذلك أن الظاهر يقتضي عموم الكلام وتعلقه بكل من يتناول الاسم، وتعلقه بنوم دون نوم تخصيص للعموم بلا دلالة. وبعد: فغير مسلم أن القائل إذا قال: " نام فلان " أنه يفهم من إطلاقه الاضطجاع، وإن فهم ذلك في بعض الاحوال فبقرينة هو دلالة. على أنه لا خلاف بيننا وبين من راعى اختلاف الاحوال في النوم، أن

(1) سنن الدارقطني 1: 161 / 5، سنن أبي داود 1: 52 / 203، سنن ابن ماجة 1: 161 / 477، السنن الكبرى للبيهقي 1: 118، نصب الراية 1: 45.
(2) سنن الدارقطني 1: 160 / 2، مسند أحمد 4: 97، سنن الدارمي 1: 184، أحكام القرآن للجصاص 3: 333، نصب الراية 1: 46، كنز العمال 9: 342 / 26350.
(3) صفوان بن عسال بن زاهر بن عامر، المرادي، سكن الكوفة، له صحبة، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه ابن مسعود، وعبد الله بن سلمة، وزر بن حبيش. انظر: أسد الغابة 3: 24، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 189 / 4080، تهذيب التهذيب 4: 376 / 750، الجرح والتعديل للرازي 4: 420 / 1845.
(4) سنن الترمذي 1: 159 / 96، سنن ابن ماجة 1: 161 / 478، سنن النسائي 1: 83، سنن الدارقطني 1: 133 / 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 114..

[ 136 ]

قوله عليه السلام: " من نام فليتوضأ " (1) يتناول نوم المضطجع في كل وقت من ليل أو نهار، ولا يختص بالأوقات المعهودة فيها النوم، حتى يدعي مدع أنه يختص بليل أو بوسط نهار، لأن ما عدا ذلك من أوقات النهار ليس بمعهود فيه النوم، فكما إنا نحمله على عموم الأوقات التي يقع فيها النوم، ولا يراعى ما يعهد فيه النوم، فكذلك يحمل على جميع الاشكال والهيئات التي ينام النائم عليها، ولا يراعى في ذلك عادة مألوفة. وأيضا ما روته عائشة عنه عليه السلام أنه قال: " من استجمع نوما فعليه الوضوء " (2). وفى خبر آخر: " إذا استثقل أحدكم نوما فليتوضأ " (3). وأما الاخبار التي رووها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفي الوضوء من النوم (4)، فإنا نحملها - إذا تقبلناها - على نوم لا استثقال معه، وإنما هو تهويم وسنة خفيفة، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة لنا وعلينا في (مسائل الخلاف). المسألة السادسة والثلاثون: " فعل الكبيرة حدث ". هذا غير صحيح عندنا وعند جميع الفقهاء (5)، بلا خلاف في نفيه (6)، وعلى هذا إجماع الفرقة المحقة، بل إجماع الأمة كلها، ومن تجدد خلافه في ذلك فالاجماع قد

(1) مر تخريجه آنفا في هذه المسألة.
(2) تلخيص الحبير 1: 118، فتح العزيز 2: 21.
(3) لم نعثر عليه.
(4) سنن أبي داود 1: 52 / 202، سنن الدارقطني 1: 159 / 1 و 160 / 4، السنن الكبرى للبيهقي 1: 121. وهذا حكاه المؤيد بالله في شرح التجريد عن القاسم والناصر ومثله في البحر ج 1 ص 89 - 90 (ح).
(5) المغني لابن قدامة 1: 168 - 169، الأم 1: 35، المجموع شرح المهذب 2: 61، الشرح الكبير 1: 193.
(6) في (ط) و (د): " في نفسه "..

[ 137 ]

سبقه. ولا ينقل أحد من الرواة أن فعل المعاصي في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو في أيام الصحابة والتابعين حدث، وقد اختلفوا في كثير من الاحداث عد حدثا في نفسه وأنه ينقض الطهر. وبعد: فقد بينا أن ما تعم به البلوى ويتكرر حدوثه لا بد من إيراد بيان حكمه موردا يقطع العذر ويثلج الصدر وعلى هذا عولنا في أن مس الذكر لا ينقض الوضوء. ولو كان فعل المعصية حدثا في نفسه لوجب أن يرد ذلك ورودا يقطع العذر، ويوجب العلم، ويشترك فيه الخاص والعام، كما وجب في أمثاله. على أن الامة مجمعة على أن الاحداث كلها ما خرجت من البدن، ثم اختلفوا فيما يخرج من السبيلين، فراعى قوم كونه معتادا، وفرق بينه وبين ما ليس بمعتاد (1) ولا أحد منهم أثبت حدثا ينقض طهرا لا يخرج من البدن، ولا يعترض على هذه الجملة النوم، والجنون، والاغماء، لأن ذلك كله إذا غلب على التمييز لا يؤمن معه خروج الخارج من السبيلين، الذي هو الحدث، فجعلوا ما لا يؤمن معه الحدث حدثا في نفسه والمعاصي خارجة عن هذه الجملة، فكيف يجعل أحداثا؟! على أنه يلزم على هذا المذهب أن يكون من عصى باعتقاد مذهب فاسد لا يصح وضوؤه ما دام مصرا على هذه المعصية، لأن الدليل قد دل على أن جنس الاعتقاد لا يبقى وإنما يستمر كون المعتقد معتقدا باعتقادات يجددها في كل حال، وإذا كان من ذكرناه يجدد في كل حال اعتقادات هي معاص وكبائر لم يصح له وضوء، وهذا يوجب ألا تصح الصلاة ولا الوضوء ممن هذه حاله، وقد علم خلاف ذلك.

(1) الاستذكار لابن عبد البر 1: 199 - 200، المجموع شرح المهذب 2: 8، المغني لابن قدامة 1: 164.

[ 138 ]

وأيضا فإن المصر على المعاصي هو الذي يجدد مع الذكر لها العزم على فعلها، والعزم على المعصية معصية وهذا يوجب ألا يصح وضوء مصر على المعاصي ولا صلاته، ولا أحد من الامة يبلغ إلى هذه الحال. المسألة السابعة والثلاثون: " كل حركة كانت معصية نقضت الوضوء ". والكلام في هذه المسألة هو الكلام الذي تقدمها، فلا معنى لإعادته. المسألة الثامنة والثلاثون: " لا تزول طهارة متيقنة بحدث مشكوك (* *) ". هذا صحيح، وعندنا أن الواجب البناء على الاصل، طهارة كان أو حدثا، فمن شك في الوضوء وهو على يقين من الحدث، وجب عليه الوضوء، ومن شك في الحدث وهو على يقين من الوضوء، بنى على الوضوء وكان على طهارته، وهو مذهب الثوري، والاوزاعي، وابن حي، وأبي حنيفة وأصحابه، والشافعي (1). وقال مالك: إن استولى الشك وكثر منه بنى على اليقين - مثل قولنا - فإن لم يكن كذلك وشك في الحدث بعد يقينه بالوضوء، وجب أن يعيد الوضوء (2).

قد ذكر الامام القاسم بن محمد من أئمة الزيدية في كتابه الاساس عن الناصر أن كل عمد كبيرة، دخلت هذه المسألة في التي قبلها (ح). (* *) ذكرها في البحر عن العترة القاسمية والناصرية ج 1 ص 80 (ح). (1) المبسوط للسرخسي 1: 86، الاستذكار لابن عبد البر 2: 239، المجموع شرح المهذب 2: 63 - 64، المغني لابن قدامة 1: 193.
(2) الاستذكار لابن عبد البر 2: 239، المدونة الكبرى 1: 14، المغني لابن قدامة 1: 193.

[ 139 ]

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتكرر ذكره. وأيضا ما رواه عبد الله بن زيد الانصاري (1) قال: شكي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرجل يخيل إليه الشئ وهو في الصلاة. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " لا ينفتل عن صلاته حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا " (2). وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا كان أحدكم في المسجد، فوجد ريحا بين إليتيه فلا ينصرف، حتى يجد ريحا أو يسمع صوتا " (3). وفى خبر آخر: " إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة، فينفخ بين إليتيه فيقول: أحدثت، احدثت، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا " (4). وكل هذه الاخبار توجب اطراح الشك والبناء على اليقين، ولم يفرق في جميعها بين أن يعرض ذلك مرة أو مرارا. وتعلقهم بقوله عليه السلام: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " ليس بشئ، وهذا الخبر دليلنا في المسألة، لأن ما يريبه الشك، والذي لا يريبه هو اليقين، فيجب أن يعمل على اليقين وهو الوضوء، ويطرح الشك.

(1) أبو محمد عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب المازني، الانصاري، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث الوضوء وغيره، وروى عنه ابن أخيه عباد بن تميم، وسعيد بن المسيب، ويحيى بن عمارة وغيرهم، قتل بالحرة سنة 63 ه‍. انظر: أسد الغابة 3: 167. الاصابة في تمييز الصحابة 2: 312 / 4688، سير أعلام النبلاء 2: 377 / 186، تهذيب التهذيب 5: 196 / 386.
(2) صحيح البخاري 1: 132 / 134، صحيح مسلم 1: 276 / 98، سنن أبي داود 1: 45 / 176، السنن الكبرى للبيهقي 1: 161، جامع الاصول 7: 195 / 5215.
(3) صحيح مسلم 1: 276 / 99، سنن الترمذي 1: 109 / 75، السنن الكبرى للبيهقي 2: 254، جامع الاصول 7: 194 / 5214، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 153 / 251.
(4) سنن أبي داود 1: 45 / 177، مسند أحمد 3: 96، كنز العمال 1: 251 / 1269، بتفاوت. سنن النسائي 8: 230، السنن الكبرى للبيهقي 5: 335، مسند أحمد 3: 112، مجمع الزوائد 1: 238، نصب الراية 2: 471، جامع الاصول 10: 179 / 7674..

[ 140 ]

المسألة التاسعة والثلاثون: " خروج المني من غير شهوة لا يوجب الاغتسال " عندنا أن خروج المني يوجب الاغتسال على جميع الوجوه واختلاف الاحوال، بشهوة ودفق أو بغير ذلك، وقبل الغسل أو بعده، وسواء بال قبل ذلك أو لم يبل، وهو مذهب الشافعي (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه: المني لا يوجب الاغتسال، إلا أن يخرج على وجه الدفق والشهوة (2). ثم اختلفوا فيمن جامع واغتسل، ثم خرج منه شئ، فقال أبو حنيفة ومحمد: إن كان ذلك بعد البول فلا غسل عليه، وإن كان قبل البول فعليه الغسل (3). وقال أبو يوسف: ليس عليه غسل بال أو لم يبل، إذا خرج بعد الدفقة الاولى، وبه قال مالك (4). دليلنا بعد الاجماع المتكرر ما روي عنه عليه السلام من قوله: " الماء من الماء " (5). وظاهر ذلك يقتضي إيجاب الغسل من الماء على اختلاف أحواله، واسم الماء يتناول المني - عرفا وشرعا - في أنه حمل جميع الفقهاء هذا الخبر على أن المراد به

حكاه في البحر ج 1 ص 98 عن أكثر القاسمية والناصرية (ح). (1) المجموع شرح المهذب 2: 139، حلية العلماء 1: 217، فتح الوهاب: 18، المبسوط للسرخسي 1: 67.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 67، الهداية للمرغيناني 1: 16، اللباب في شرح الكتاب 1: 16، المجموع شرح المهذب 2: 139، حلية العلماء 1: 218.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 67، المجموع شرح المهذب 2: 139، حلية العلماء 1: 219.
(4) المصادر السابقة.
(5) صحيح مسلم 1: 269 / 80، 81، سنن ابن ماجة 1: 199 / 607، سنن أبي داود 1: 56 / 217، سنن النسائي 1: 115، السنن الكبرى للبيهقي 1: 167، نصب الراية 1: 81، جامع الاصول 7: 273 / 5306.

[ 141 ]

المني. وأيضا ما روي من أن أم سلمة قالت: يا رسول الله! إذا رأت المرأة الماء تغتسل؟ فقال عليه السلام: " نعم إذا رأت الماء " (1)، ولم يفرق بين الاحوال، فوجب أن يكون على عمومه. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يقول: " إنما الغسل من الماء الاكبر " (2) وأيضا فقد اتفقنا على أن النائم إذا خرج منه المني لزمه الغسل، ذكر الاحتلام أو لم يذكره، وجائز أن يكون المني خرج في حال النوم من غير شهوة، وهذا يدل على أن الاعتبار في وجوب الاغتسال إنما هو خروج المني. المسألة الاربعون: " إلتقاء الختانين يوجب الاغتسال وإن لم يكن معه إنزال ". هذا صحيح، وعندنا أن الختانين إذا التقيا وغابت الحشفة وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل، وهو مذهب جميع الفقهاء إلا داود فإنه اعتبر في وجوب الغسل الإنزال (3).

(1) صحيح البخاري 1: 186 / 273، صحيح مسلم 1: 251 / 32، سنن ابن ماجة 1: 197 / 600، سنن الترمذي 1: 209 / 122، السنن الكبرى للبيهقي 1: 167، الموطأ 1: 51 / 85.
(2) الكافي 3: 48 / 1، التهذيب 1: 120 / 316، الاستبصار 1: 109 / 362. حكاه في البحر عن العترة القاسمية والناصرية ج 1 ص 99 وذكر المؤيد بالله في شرح التجريد أنه لا خلاف فيه إلا بين الصدر الاول (ح).
(3) الاستذكار لابن عبد البر 1: 346 - 347، بداية المجتهد 1، 48، حلية العلماء 1: 216، المجموع شرح المهذب =.

[ 142 ]

والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتقدم ما رواه الزهري، عن سهل ابن سعد (1) أنه أخبره: أن أبي بن كعب (2) [ قال: ] (3) " رخص في بدو الاسلام للمجامع أن يتوضأ، ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالغسل (4) ". وأيضا فقد كانت الصحابة اختلفت في هذا الباب، فقال جمهورهم بمثل ما حكيناه من مذهبنا، وقالت الانصار: الماء من الماء، فأرسلوا بأبي سعيد الخدري (5) إلى عائشة فسألها، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا التقى الختانان وغابت

= 2: 136، المغني لابن قدامة 1: 203، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 167، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 205. (1) أبو العباس سهل سعد بن مالك بن خالد الانصاري، الخزرجي، الساعدي، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بن كعب، وعاصم بن عدي، وعنه ابن عباس، وابن شهاب الزهري، وأبو هريرة وغيرهم، توفي سنة 91 ه‍. انظر: أسد الغابة 2: 366، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 88 / 3533، تهذيب التهذيب 4: 221 / 441، سير أعلام النبلاء 2: 422 / 306.
(2) أبو المنذر أبي بن كعب بن قيس بن أبي بن زيد من بني النجار، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه أبو أيوب الانصاري، وابن عباس، وسهل، وأبو هريرة، وأبو موسى وغيرهم. مات في المدينة سنة 22 ه‍. انظر: أسد الغابة 1: 49، الاصابة في تمييز الصحابة 1: 19 / 32، سير أعلام النبلاء 1: 389 / 88، تنقيح المقال 1: 44 / 260، رجال الطوسي: 4 / 16. (3) أثبتناه من المصدر.
(4) سنن الدارقطني 1: 126 / 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 165، نصب الراية 1: 83، سنن ابن ماجة 1: 200 / 609.
(5) أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان، الخدري الانصاري، المدني، من فقهاء الاصحاب، شهد بيعة الرضوان، والخندق وغيرها من المشاهد كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وشهد معه النهروان، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والامام علي بن أبي طالب عليه السلام وعنه مجاهد، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب وغيرهم. مات بالمدينة سنة 74 ه‍. انظر: أسد الغابة 2: 289، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 35 / 3196، تاريخ بغداد 1: 180 / 19، رجال الطوسي: 20 و 43، سير أعلام النبلاء 3: 168 / 260..

[ 143 ]

الحشفة وجب الغسل " فعلته أنا ورسول الله، فاغتسلنا (1). ورجعوا إلى قولها. وقال عمر (2): إن خالف أحد بعد هذا جعلته نكالا، وقال لزيد بن ثابت (3): لو أفتيت بعد هذا بخلافه لأوجعتك (4). وأيضا فإن التابعين أجمعوا بعد الاختلاف المتقدم من الصحابة على ما كررناه، وسقط حكم الاختلاف المتقدم. والاجماع بعد الخلاف على أحد القولين يزيل حكم الخلاف، ويصير القول إجماعا. المسألة الاحدى والاربعون: " الوضوء قبل الغسل فرض، وبعده نفل ". والصحيح عندنا خلاف ذلك، والذي نذهب إليه أنه يستباح بغسل الجنابة * (هامش 9 *: (1) السنن الكبرى للبيهقي 1: 164، سنن ابن ماجة 1: 199 / 608.
(2) أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح القرشي العدوي، استخلفه أبو بكر، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبي بكر، وأبي بن كعب، وعنه أولاده، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود وخلق كثير، ولد بعد الفجار باربع سنين وقتل سنة 23 ه‍. انظر: شذرات الذهب 1: 177، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 518 / 5736، أسد الغابة 4: 52، تذكرة الحفاظ 1: 5 / 2.
(3) أبو سعيد زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الانصاري الخزرجي، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه ابنه خارجة وأنس، وابن عمر، وطاووس، وعروة وآخرون. توفي سنة 45 ه‍. وقيل غير ذلك. انظر: أسد الغابة 2: 221، تذكرة الحفاظ 1: 30 / 15، سير أعلام النبلاء 2: 426 / 191، طبقات الفقهاء للشيرازي: 15، العبر 1: 53.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 69، الاستذكار لابن عبد البر 1: 344، المغني لابن قدامة 1: 203، شرح الزرقاني على الموطأ 1: 96. لعله أراد الوضوء الذي هو أول الغسل ولكن قد حكى مثل ما هنا عن الناصر في البحر ج 1 ص 108 وجعله وضوء الصلاة ويحتمل أن الناصر يجعل الوضوء في أول الغسل يجزي للصلاة كما يؤخذ له من المسألة السابعة والخمسين (ح)..

[ 144 ]

الصلاة، وإن لم يجدد المغتسل وضوء، وهو مذهب جميع الفقهاء (1). دليلنا على صحة قولنا بعد إجماع الفرقة المحقة قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (2) فمنع الجنب من الصلاة، وجعل الاغتسال الحد والغاية، فيجب لمن اغتسل أن تحل له الصلاة. وأيضا ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للغسل من الجنابة؟ فقال عليه السلام لها: " لا بل يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثياث، ثم تفيضي الماء عليك، فإذا أنت قد طهرت " (3). فأطلق القول بطهارتها عند إفاضة الماء، فدل على أنه يجوز لها استباحة الصلاة، لأن من يجب عليه الوضوء لا يقال له أنه قد طهر على الاطلاق. فإن تعلق من خالفنا في ذلك بأن الله تعالى أمر المحدث بالوضوء، بقوله: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) إلى قوله: (وأرجلكم إلى الكعبين)، ثم أمر الجنب بالغسل بقوله: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) (4) فمن كان محدثا جنبا وجب عليه الأمران جميعا. قلنا له: أما الآتيان لا حجة لكم فيهما، لأن الله تعالى لما قال: (إذا قمتم إلى الصلاة) لم يكن بد من إضمار (5) حدث يتعلق به وجوب الوضوء، لأن الوضوء

(1) الاستذكار لابن عبد البر 1: 327، مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 97، المجموع شرح المهذب 2: 186، المغني لابن قدامة 1: 218، سنن الترمذي 1: 180.
(2) سورة النساء، الآية: 43.
(3) تقدم تخريجه، فراجع.
(4) سورة المائدة، الآية: 6.
(5) في (ج): " احتمال ".

[ 145 ]

لا يجب بالقيام إلى الصلاة ولا بإرادة القيام إليها. وليس مخالفونا بأن يضمروا (وأنتم محدثون على كل حال) بأولى منا إذا أضمرنا (وأنتم محدثون الحدث الذي لا ينضم إليه الجنابة)، لأن لفظ الظاهر لا يقتضي قولهم ولا قولنا، وإنما يكون حجة لهم ولنا بالاضمار الذي ليس هو لفظ الآية، فإذا لا حجة في ظاهرها لهم. وإذا قمنا مقامهم في الاضمار وهو (1) دليلهم، سقط استدلالهم بها، على أن إضمارنا أولى من إضمارهم بالأدلة التي تقدمت. المسألة الثانية والاربعون " يجزي في الوضوء والغسل ما أصاب البدن من الماء ولو مثل الدهن ". قد روى أصحابنا عن أئمتهم عليهم السلام مثل هذا اللفظ بعينه (2). والذي يجب أن يعول عليه أن الله تعالى أمر في الجنابة بالاغتسال، وفي الطهارة الصغرى بغسل الوجه واليدين، فيجب أن يفعل المتطهر من الجنابة والمتوضي ما يسمى غسلا، ولا يقتصر على ما يسمى مسحا ولا يبلغ الغسل. فأما الاخبار الواردة " بأنه يجزيك ولو مثل الدهن " (3)، فإنها محمولة على

(1) في (ج) و (د): " وهي ". لعله عليه السلام يعني ما يسيل على الجلد من جزء الى جزء ولا يشترط في الغسل أن يقطر والدليل على هذا ما حكاه في البحر في غسل الرأس عن الناصر أنه يجزى لانه مسح وزيادة فدل على الفرق عنده اللهم إلا أن يكون هذا الاحتجاج إنما هو من صاحب البحر احتج به للناصر فلا دلالة (ح).
(2) التهذيب 1: 138 / 385، الاستبصار 1: 122 / 414.
(3) الكافي 3: 21 / 2، التهذيب 1: 138 / 387.

[ 146 ]

دهن يجري على العضو ويكثر عليه، حتى يسمى غسلا، ولا يجوز غير ذلك. المسألة الثالثة والاربعون: " ومن اغتسل من جنابة فيها إنزال قبل أن يبول، صح اغتساله وطهر في الحالة، فإذا بال فعليه إعادة الاغتسال ". قد بينا (1) في مسألة خروج المني بشهوة وغير شهوة، وما يجب بيانه في هذا الباب: بأن خروج المني يوجب الغسل قبل البول أو بعده، فإن لم يخرج المني فلا غسل لأجل البول. فإن كان المراد في هذه المسألة بقوله: إذا بال فعليه إعادة الغسل، لأنه إذا بال بولا يخرج معه مني مشاهد فهو صحيح، وقد دللنا عليه. وإن لم يرد ذلك فالكلام غير صحيح، لأن البول إذا لم يقترن بالمني فلا يجب غسل، لأن البول لا يوجب الغسل، وإنما يوجبه خروج المني.

لم أجده عن الناصر ولكن روى المؤيد بالله في شرح التجريد من طريق الناصر عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا جامع الرجل فلا يغتسل حتى يبول وإلا تردد بقية المني فكان منه داء لا دواء له " (ح). (1) تقدم منه (قده) ص: 66، فراجع..

[ 147 ]

المسألة الرابعة والاربعون: " غسل الاحرام واجب في إحدى الروايتين وهو سنة في رواية أخرى (1) " الصحيح عندي أن غسل الإحرام سنة، لكنها مؤكدة غاية التأكيد، فلهذا اشتبه الامر فيها على أكثر أصحابنا، واعتقدوا أن غسل الإحرام واجب (2) لقوة ما ورد في تأكيده. والذي يدل على أنه غير واجب أن الوجوب إنما يعلم شرعا، والاصل نفي الوجوب، فمن ادعى ذلك فعليه الدليل، ولا دليل في ذلك يقطع العذر. المسألة الخامسة والاربعون: " غسل الاستحاضة التي تتميز أيام حيضها من طهرها لكل صلاتين فضل لا فرض (* *) ". الذي عندنا أن المستحاضة إذا احتشت بالقطن نظر، فإن لم يثقب الدم القطن، ولم يظهر عليه، كان عليها تغيير ما تحتشي به عند كل صلاة، وتجدد الوضوء لكل صلاة. وإن ثقب الدم القطن ورشح عليه ولم يسل عنه، كان عليها تغييره عند كل صلاة، وتغتسل لصلاة الفجر خاصة، وتصلي باقي الصلاة بوضوء تجدده عند كل صلاة.

قال المؤيد بالله في شرح التجريد: وروي عن الناصر أنه قال بوجوبه (اه‍) وحكى في البحر وجوبه عن الناصر ج 2 ص 298 (ح). (1) في (ط) و (م) و (د): " في الرواية الاخرى ".
(2) انظر مختلف الشيعة 1: 315. (* *) هذا رواه في البحر عن الاكثر وذكر الخلاف للامامية ولم يذكر الناصر وجوز استحباب الغسل (ح).

[ 148 ]

فإن ثقب الدم ما تحتشي به وسال، فعليها أن تصلي صلاة الليل والغداة بغسل، والظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء الآخرة بغسل. وقال الشافعي، والثوري في المستحاضة: أنها تتوضأ لكل صلاة فريضة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: تتوضأ لوقت كل صلاة (1). وقال مالك، والليث، وداود: ليس على المستحاضة وضوء، إلا أن مالكا يستحبه (2). فأما الذي يدل على صحة هذا الترتيب الذي رتبناه وحكيناه عن أصحابنا فهو إجماع الفرقة المحقة عليه. وأما الذي يبطل قول من أسقط الوضوء عنها، فهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش (3): إغسلي عنك الدم وتوضئي لكل صلاة (4) فأمرها بالوضوء، وأمره عليه السلام على الوجوب. وروى عدي بن ثابت (5)، عن أبيه، عن جده قال: " المستحاضة تتوضأ لكل

المجموع شرح المهذب 2: 535، حلية العلماء 1: 302، فتح العزيز 2: 433 - 435، الاستذكار لابن عبد البر 2: 50، المغني لابن قدامة 1: 355، المبسوط للسرخسي 1: 84، وفي (د): لوقت كل صلاة. (1) المبسوط للسرخسي 1: 84، المجموع شرح المهذب 2: 535، فتح العزيز 2: 437، والعبارة ساقطة من (د).
(2) الاستذكار لابن عبد البر 2: 50، بداية المجتهد 1: 61، المجموع شرح المهذب 2: 535، المغني لابن قدامة 1: 355.
(3) فاطمة بنت أبي حبيش قيس بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي الاسدية، القرشية، من المهاجرات، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث الاستحاضة، وعنها عروة بن الزبير. انظر: أسد الغابة 5: 518، تهذيب التهذيب 12: 469 / 2861، الاصابة في تمييز الصحابة 4: 381 / 835.
(4) صحيح مسلم 1: 262 / 62، سنن الدارقطني 1: 212 / 37 - 38، سنن أبي داود 1: 80 / 298، السنن الكبرى للبيهقي 1: 344، نصب الراية 1: 203.
(5) عدي بن ثابت بن قيس بن الخطيم الانصاري، الكوفي، عالم الشيعة، حدث عن أبيه، وجده لأمه عبد الله =.

[ 149 ]

صلاة " (1) وهذه الاخبار تبطل خلاف مالك، وداود، وتبطل أيضا مذهب أبي حنيفة، لانه أمر فيها بالوضوء لكل صلاة والصلاة غير وقت الصلاة. وأما الذي يبطل مذهب من يرى أن غسل المستحاضة فضل لا فرض فيه، فهو أنه مأمور به، والامر بظاهره يقتضي الوجوب، والقول بأنه فضل إخراج الأمر عن ظاهره. المسألة السادسة والاربعون: " التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرسغين ". الصحيح من مذهبنا في التيمم: أنه ضربة واحدة للوجه وظاهر الكفين، وهو مذهب أوزاعي، ومالك، وقول الشافعي القديم (2) إلا أن مالكا والشافعي لا يقتصران على ظاهر الكف، بل على الظاهر والباطن فيما أظن، ولا يتجاوزان الرسغ (3). وذهب أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: إلى أنه ضربتان، ضربة للوجه

= ابن يزيد الخطمي، والبراء بن عازب، وسعيد بن جبير وآخرون، وحدث عنه أبان بن تغلب، والاعمش، وشعبة وآخرون. مات سنة 116 ه‍ انظر: تهذيب التهذيب 7: 149 / 330، ميزان الاعتدال 3: 61، سير أعلام النبلاء 5: 188 / 694، العبر 1: 144. (1) سنن أبي داود 1: 80 / 297، السنن الكبرى للبيهقي 1: 347، نصب الراية 1: 202. حكى هذا في البحر عن الناصر ج 1 ص 127 بلفظ الى الزندين (ح).
(2) المجموع شرح المهذب 2: 210 - 211، حلية العلماء 1: 230 - 231، أحكام القرآن للجصاص 4: 27، الاستذكار لابن عبد البر 2: 12، نيل الاوطار 1: 332.
(3) الاستذكار لابن عبد البر 2: 11، حلية العلماء 1: 238 - 239..

[ 150 ]

وضربة لليدين إلى المرفقين (1). وذهب الزهري إلى أنه ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المناكب (2). وقال الحسن بن حي، وابن أبي ليلى: أنه ضربتان، يمسح بكل واحدة منهما وجهه ويديه (3). فأما الذي يدل على صحة ما اخترناه من أنه ضربة: فهو الحديث المروي عن عمار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " التيمم ضربة للوجه والكفين " (4). وروي عنه أيضا أنه قال: أجنبت فتمعكت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك. فقال عليه السلام: " إنما يكفيك هذا "، وضرب بيديه على الارض ضربة واحدة، ثم نفضهما ومسح بهما وجهه وظاهر كفيه (5). ويدل أيضا على ما ذكرناه: أنه لا خلاف فيما اخترناه أنه ضربة واحدة، ولا بد منها على مذهب الكل، فمن ادعى ما زاد على الضربة فقد ادعى شرعا زائدا وعليه الدليل، وليس في ذلك ما يقطع العذر ويوجب العلم.

(1) أحكام القرآن للجصاص 4: 27، المبسوط للسرخسي 1: 106 - 107، الهداية للمرغيناني 1: 25، المجموع شرح المهذب 2: 210، حلية العلماء 1: 230، الاستذكار لابن عبد البر 2: 12.
(2) أحكام القرآن للجصاص 4: 27، الاستذكار لابن عبد البر 2: 13، المبسوط للسرخسي 1: 107، حلية العلماء 1: 231، نيل الاوطار 1: 334.
(3) أحكام القرآن للجصاص 4: 28، الاستذكار لابن عبد البر 2: 13.
(4) سنن الدارقطني 1: 182 / 28، سنن الترمذي 1: 268 / 144، سنن أبي داود 1: 89 / 327، مسند أحمد 4: 263، سنن الدارمي 1: 190، أحكام القرآن للجصاص 4: 28.
(5) صحيح البخاري 214 1 / 334، مصنف ابن أبي شيبة 1: 159، سنن النسائي 1: 166 و 169 و 170، سنن أبي داود 1: 88 / 323 و 324، سنن ابن ماجة 1: 188 / 569 و 570، أحكام القرآن للجصاص 4: 28..

[ 151 ]

وبهذا أيضا يحتج في الاقتصار على ظاهر الكفين، وقد استقصينا هذه المسألة غاية الاستقصاء في مسائل الخلاف. المسألة السابعة والاربعون: " وتعميم الوجه واليدين واجب ". أن يكون التيمم عاما في العضوين وهو مبني على التخفيف؟. هذا غير صحيح، وقد بيناه في المسألة التي قبل هذه ودللنا عليه، وكيف يجوز ألا ترى أن الوضوء في اربعة أعضاء، والتيمم في عضوين، وما كان موضوعا على التخفيف لا يساوي رتبة المغلظ، وقد أجمع أصحابنا على أن التيمم في الوجه إنما هو من قصاص الشعر إلى طرف الانف، وفي ظاهر الكفين دون باطنهما، ودون ما يتجاوز ذلك (1). المسألة الثامنة والاربعون: " لا يجوز التيمم إلا بالصعيد الطيب، الذي يرتفع منه غبار وينبت فيه الحشيش، ولا يكون سبخة (* *) ". والذي يذهب إليه أصحابنا: أن التيمم لا يكون إلا بالتراب أو ما جرى مجرى التراب مما لم يتغير تغيرا يسلبه اطلاق اسم الارض عليه، ويجوز التيمم بغبار

حكى في البحر عن العترة الناصرية والقاسمية وجوب تعميم الوجه واليدين وإلا لم يصح (ح). (1) المقنعة للمفيد: 62، الكافي في الفقه لأبي الصلاح الحلبي: 136، المراسم لسلار: 54، الوسيلة لابن حمزة: 72، النهاية للطوسي: 49، مختلف الشيعة 1: 426. (* *) حكى هذه المسألة في البحر عن العترة القاسمية والناصرية ج 1 ص 118 (ح)..

[ 152 ]

الثوب وما أشبهه إذا كان ذلك الغبار من التراب أو ما يجري مجراه. وقال الشافعي: التيمم بالتراب وما أشبهه من المدر والسبخ، ولم يجز التيمم بالنورة والزرنيخ والجص (1). وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بالتراب، وكل ما كان من جنس الارض، وأجازه بالزرنيخ والكحل والنورة، وأجاز التيمم بغبار الثوب وما أشبهه (2). وقال أبو يوسف: لا يجوز التيمم إلا بالتراب أو الرمل خاصة (3). وأجاز مالك التيمم بكل ما أجازه أبو حنيفة، وزاد عليه بأن أجازه من الشجر وما جرى مجراه (4). دليلنا على صحة مذهبنا: الاجماع المتقدم ذكره، ونزيد عليه قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا) (5) والصعيد هو التراب. وحكى ابن دريد (6) في كتاب (الجمهرة) عن أبي عبيدة معمر بن المثنى (7): أن

(1) الأم 1: 66 - 67، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 98، المجموع شرح المهذب 2: 213، حلية العلماء 1: 232، مغني المحتاج 1: 96.
(2) أحكام القرآن للجصاص 4: 29، المبسوط للسرخسي 1: 108، الهداية للمرغيناني 1: 25، الاستذكار لابن عبد البر 2: 9، اللباب في شرح الكتاب 1: 31.
(3) أحكام القرآن للجصاص 4: 29، اللباب في شرح الكتاب 1: 32، المبسوط للسرخسي 1: 108، الاستذكار لابن عبد البر 2: 10، حلية العلماء 1: 232.
(4) الاستذكار لابن عبد البر 2: 9، بداية المجتهد 1: 72، المغني لابن قدامة 1: 248، المجموع شرح المهذب 2: 213، حلية العلماء 1: 232، كفاية الاخيار 1: 35.
(5) سورة النساء، الآية: 43.
(6) أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الازدي، اللغوي البصري، ولد بالبصرة سنة 223 ه‍. له تصانيف منها " الجمهرة في اللغة "، حدث عن أبي حاتم السجستاني، والرياشي، وابن أخي الاصمعي وغيرهم، وعنه أبو سعيد السيرافي وأبو الفرج الاصبهاني، وعيسى بن الوزير وطائفة. مات سنة 321 ه‍. =.

[ 153 ]

الصعيد هو التراب الخالص الذي لا يخالطه سبخ (8). وقول أبي عبيدة حجة في اللغة. والصعيد لا يخلو أن يراد به التراب أو نفس الارض وقد حكي (9) أنه يطلق عليها ويراد ما تصاعد على الارض. فإن كان الاول فقد تم ما أردناه، وإن كان الثاني لم يدخل فيه ما يذهب إليه أبو حنيفة، لأن الكحل والزرنيخ لا يسمى أرضا بالاطلاق، كما لا يسمى سائر المعادن من الذهب والفضة والحديد بأنه أرض. وإن كان الصعيد ما يصاعد على الارض (10)، لم يخل من أن يكون ما تصاعد عليها ما هو منها وتسمى باسمها، أو لا يكون كذلك. فإن كان الاول فقد دخل فيما ذكرناه، وإن كان الثاني فهو باطل، لانه لو تصاعد على الارض شئ من التمر (11) والمعادن، أو مما هو خارج عن جوهر الارض، فإنه لا يسمى صعيدا بالاجماع. وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " جعلت لي الارض مسجدا وترابها

= انظر: سير أعلام النبلاء 15: 96 / 2933، وفيات الاعيان 4: 323 / 637، تاريخ بغداد 2: 195 / 621، الكنى والالقاب 1: 284.
(7) أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي، البصري، اللغوي، ولد سنة 110 ه‍، له عدة تصانيف، وحدث عن هشام بن عروة، وأبي عمرو بن العلاء وطائفة، وحدث عنه علي بن المغيرة، وأبو عثمان المازني، وأبو حاتم السجستاني، مات سنة 210 ه‍. انظر: وفيات الاعيان 5: 235 / 731، العبر 1: 359، تاريخ بغداد 13: 252 / 7210، سير أعلام النبلاء 9: 445 / 1500.
(8) جمهرة اللغة لابن دريد 2: 654، كلمة " سبخ " محذوفة من (ط) و (د).
(9) حكاه ابن منظور في لسان العرب 3: 254 " مادة صعد ".
(10) في (ط) و (د): " ما تصاعد من الارض ".
(11) في (ط) و (د): " الثمر "..

[ 154 ]

طهورا " (1). وأيضا فقد علمنا أنه إذا تيمم بما ذكرناه استباح الصلاة بالاجماع، وإذا تيمم بما ذكره المخالف لم يستبحها بإجماع وعلم، فيجب أن يكون الاحتياط والاستظهار فيما ذكرناه. ولك أيضا أن تقول أنه على يقين من الحدث، فلا يجوز أن يستبيح الصلاة إلا بيقين، ولا يقين إلا بما ذكرناه دون ما ذكره المخالف. المسألة التاسعة والاربعون: " لا يجوز التيمم بتراب نجس، ولا مستعمل ". أما التراب النجس فلا خلاف في أن التيمم به لا يجوز، كما لا يجوز الوضوء بالماء النجس. وأما التراب المستعمل فيجوز التيمم به، كما يجوز الوضوء بالماء المستعمل، وقد دللنا على ذلك فيما مضى، وإنما بنى من منع من التيمم بالتراب المستعمل ذلك على المنع بالوضوء بالماء المستعمل، وقد دللنا على جواز الوضوء بالماء المستعمل وأوضحناه. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) (2) ولم يفرق بين أن يكون الصعيد مستعملا أو غير مستعمل.

(1) دعائم الاسلام 1: 120 - 121، صحيح مسلم 1: 371 / 522، سنن الدارقطني 1: 176 / 2، السنن الكبرى للبيهقي 1: 213، نصب الراية 1: 158. اما المتنجس ففي البحر أنه لا يجزى رواه عن الاكثر إذا تغير بالنجاسة وعن أكثر العترة أي القاسمية والناصرية إذا لم يتغير ج 1 ص 119 (ح).
(2) سورة المائدة، الآية: 6..

[ 155 ]

المسألة الخمسون: " استعمال التراب في أعضاء التيمم شرط في صحة التيمم ". وعندنا أن ذلك ليس بشرط، وهو مذهب أبي حنيفة (1). والشافعي يذهب إلى اعتبار تعلق التراب باليد ويقول: لا بد من ممسوح به (2). والدليل على صحة ما اخترناه أنه تعالى أمر بالتيمم بالصعيد الطيب ولم يشترط فيه بقاء التراب على اليد، فيجب ألا يكون شرطا. وأيضا ما روي عنه عليه السلام من أنه نفض يديه قبل أن يمسح بهما وجهه ويديه (3). وهذا يدل على أن بقاءه على اليد ليس بشرط. وأيضا ليس يجوز تعلق التراب باليد من ذهب إلى الضربة الواحدة، لانه معلوم أنه إذا مسح وجهه لم يبق فيهما من التراب بعد ذلك ما يمسح به يديه. وتعلق الشافعي في أنه لا بد من ممسوح به، بقوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) (4) (5)، لان " من " هنا مبني لابتداء الغاية وليست

لعله يعني المسح وقد ذكر في البحر الاجماع عليه (ح). (1) المبسوط للسرخسي 1: 107، شرح فتح القدير 1: 113، بداية المجتهد 1: 72، حلية العلماء 1، 232.
(2) الأم 1: 67، المجموع شرح المهذب 2: 238، حلية العلماء 1: 232، كفاية الاخيار 1: 36، أحكام القرآن للجصاص 4: 30.
(3) صحيح البخاري 1: 214 / 334، مصنف ابن أبي شيبة 1: 159، سنن أبي داود 1: 88 / 323 - 324، سنن النسائي 1: 165 و 169 و 170، سنن ابن ماجة 1: 188 / 569 - 570، أحكام القرآن للجصاص 4: 28.
(4) سورة المائدة، الآية: 6.
(5) المجموع شرح المهذب 2: 214، 238، فتح العزيز 2: 318، بداية المجتهد 1: 72، الجامع لأحكام القرآن =.

[ 156 ]

للتبعيض، وعند جميع النحويين من البصريين أن " من " لا يكون إلا لابتداء الغاية (1). المسألة الحادية والخمسون: " لا يجوز فعل الصلاة بالتيمم إلا في آخر وقتها ". هذا صحيح، وعندنا زيادة على ذلك: أن التيمم لا يجوز استعماله إلا في آخر وقت الصلاة، وفي الحال التي يتعين فيه الفرض ويتضيق، ومن تيمم قبل ذلك لم يجزه. وجميع الفقهاء يخالفونا في هذه الجملة، إلا أن أبا حنيفة يستحب تأخيره (2)، والشافعي يستحب تقديمه في أول الوقت، وقد روي عنه قول آخر وهو: استحباب تأخيره كما يقول أبو حنيفة (3). ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة: يجوز التيمم قبل دخول الوقت (4). وقال الشافعي، ومالك: لا يجوز إلا بعد دخول وقت الصلاة (5).

= للقرطبي 5: 239. (1) مغني اللبيب لابن هشام 1: 419، كلمة " لابتداء " ساقطة من (ط) و (د). ذكر المسألة في البحر ثم حكى عن العترة أنه لا يجزى أول الوقت يعني قبل آخر الوقت لان احتجاجه يفيد ذلك ج 1 ص 123 (ح).
(2) الهداية للمرغيناني 1: 26، اللباب في شرح الكتاب 1: 33، شرح فتح القدير 1: 120.
(3) مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 100، المجموع شرح المهذب 2: 261، حلية العلماء 1: 248، المغني لابن قدامة 1: 243.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 109، المجموع شرح المهذب 2: 243، حلية العلماء 1: 242، بداية المجتهد 1: 69، نيل الاوطار 1: 329.
(5) المجموع شرح المهذب 2: 243، حلية العلماء 1: 242، الأم 1: 62، بداية المجتهد 1: 69، نيل الاوطار 1: 329..

[ 157 ]

دليلنا على صحة مذهبنا: اجماع الفرقة المحقة، وأيضا فإن التيمم إنما أبيح للضرورة والحاجة، ولا يجوز استعماله قبل تحقق الضرورة وتأكيد الحاجة، ألا ترى أن أكل الميتة لما أبيح (1) للضرورة، ولم يجز استعماله إلا عند تأكيدها؟! المسألة الثانية والخمسون: " السعي في طلب الماء واجب ". وهذا صحيح، وطلب الماء واجب عندنا، ولا يجوز التيمم قبل الطلب، ووافقنا على ذلك الشافعي (2). وقال أبو حنيفة وأصحابه: الطلب غير واجب (3). دليلنا على صحة مذهبنا: اجماع الفرقة المحقة، وأيضا فإن تحقيق الكلام في هذه المسألة وتقريره يقتضي الاجماع على أن الطلب واجب، وإنما يبقى الكلام في كيفية الطلب، لأنا نقول لأصحاب أبي حنيفة: خبرونا عمن لم يجد ماء بحضرته (4)، وكان بين يديه إناء مغطى الرأس يجوز أن يكون فيه ماء، أتوجبون عليه كشفه ومعرفة ما فيه، أم لا توجبون ذلك؟. فإن قالوا: لا يجب عليه كشف الاناء، وجائز له التيمم، لانه غير واجد الماء ولا عالم به.

(1) كلمة " لما ابيح " ساقطة من (د) و (ط). حكاها في البحر عن العترة القاسمية والناصرية ج 1 ص 113 (ح).
(2) الأم 1: 62، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 99، المجموع شرح المهذب 2: 249، حلية العلماء 1: 244، المغني لابن قدامة 1: 236، بداية المجتهد 1: 68.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 108، الهداية للمرغيناني 1: 28، شرح فتح القدير 1: 125، اللباب في شرح الكتاب 1: 35، المجموع شرح المهذب 2: 249، بداية المجتهد 1: 68، المغني لابن قدامة 1: 236.
(4) في (د) و (ط): " ما يختص به " بدل " ماء بحضرته "..

[ 158 ]

قلنا لهم: هذا مما لا نظنكم ترتكبونه، ولا أحد من الامة يجوزه، وقد صرح أبو يوسف، ومحمد: بأن من لم يكن معه ماء يطمع في أن يعطيه رفيقه وجب عليه سؤاله وطلب الماء منه، ولم يجز له التيمم إلا بعد أن ييأس ويمنعه الرفيق (1)،. وهذا قول من لا يحسن (2) ما فرضناه وحققناه. فإن فرقوا بين طلب الماء من الرفيق وبين كشف الاناء، بأن قالوا: هو متحقق لوجود الماء مع الرفيق وليس يتحقق أن الماء في الاناء. قلنا: لا فرق بين الامرين، لانه وإن تحقق وجود الماء مع الرفيق، فإنه لا يتحقق بذله له وتسليمه إليه، وإنما يطمع في ذلك، ويجوز أن يفعل وألا يفعل على سواء، وكذلك الاناء المغطى، لانه يطمع في أن يكون فيه ما يجوزه وليس بآيس منه، فيجب عليه طلبه منه. فإن أوجبوا كشف الاناء المغطى وطلب الماء منه، فقد أوجبوا الطلب عند الطمع في وجود الماء، وإنما يبقى كيفية الطلب وغايته وحده، وسقط الخلاف في هذه المسألة. المسألة الثالثة والخمسون: " يصلي بتيمم واحد صلوات كثيرة ما لم يحدث أو يجد الماء في إحدى الروايتين، ولا يصلي بتيمم واحد إلا فريضة واحدة في الرواية الاخرى ". عندنا: أن المتيمم يجوز له أن يصلي بتيمم واحد من الفرض والنوافل ما يشاء،

(1) الاصل للشيباني 1: 111، المبسوط للسرخسي 1: 115، الهداية للمرغيناني 1: 27 - 28.
(2) في (د) و (ط) و (ن): " يجيز " بدل " يحسن ". وهكذا ذكر في البحر قولين للناصر ج 1 ص 121 (ح).

[ 159 ]

ما لم يحدث أو يجد الماء وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، والثوري (1). وقال مالك: لا يصلي المتيمم بتيمم واحد صلاتي فرض، ولا يصلي فرضا ونافلة إلا أن يكون الفرض قبل النافلة، وكان التيمم لصلاة الفجر عنده يلزمه أن يعيد التيمم بين فرضين إذا صلى ركعتي النافلة (2). وقال الشافعي: لا يجمع المتيمم بين فرضين ويصلي الفرض كله، والنافلة، وصلاة الجنازة، بتيمم واحد (3). وقال شريك (4): يتيمم لكل صلاة (5). الدليل على صحة مذهبنا: الآية (6)، فإنه تعالى أوجب الطهارة على القائم إلى الصلاة إذا وجد الماء، ثم عطف عليه بالتيمم عند فقد الماء، والصلاة اسم جنس، فكأنه قال: إن الطهارة بالماء إذا وجدتموه يجزيكم لجنس الصلاة، وإذا فقدتموه أجزأكم التيمم لجنسها. وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء " (7).

(1) المبسوط للسرخسي 1: 113، الاستذكار لابن عبد البر 2: 19، بداية المجتهد 1: 75، المجموع شرح المهذب 2: 294، حلية العلماء 1: 263، المغني لابن قدامة 1: 266.
(2) الاستذكار لابن عبد البر 2: 18، بداية المجتهد 1: 75، حلية العلماء 1: 263، المحلى بالآثار 1: 356.
(3) مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 99، المجموع شرح المهذب 2: 293 - 294، حلية العلماء 1: 263، الاستذكار لابن عبد البر 2: 18، المغني لابن قدامة 1: 266.
(4) أبو عبد الله شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، القاضي، ولد ببخارى سنة 95 ه‍. سمع سلمة بن كهيل، وسماك، وعاصم الاحول وغيرهم، وعنه عبد الله بن المبارك، وأبو نعيم، وإسحاق الازرق وغيرهم، مات سنة 177 ه‍ بالكوفة. انظر: وفيات الاعيان 2: 464 / 291، تهذيب التهذيب 4: 293 / 587، سير أعلام النبلاء 8: 200، تاريخ بغداد 9: 279 / 4838، العبر 1: 270.
(5) الاستذكار لابن عبد البر 2: 19، المحلى بالآثار 1: 356.
(6) سورة المائدة، الآية: 6.
(7) أحكام القرآن للجصاص 4: 17، نصب الراية 1: 148..

[ 160 ]

وقوله عليه السلام لأبي ذر رضي الله عنه: " التراب كافيك ولو الى عشر حجج " (1). وظاهر هذين الخبرين يدل على قيام التيمم مقام الطهارة بالماء، وأنه يستباح به ما يستباح بها. المسألة الرابعة والخمسون: " فإن وجد الماء بعد ما فرغ من صلاته، وهو في بقية من وقتها، وجب عليه إعادتها (2)، فإن وجده بعد مضي وقتها فلا إعادة عليه (* *) ". وهذا الفرع لا يشبه أصل من ذهب إلى أن الصلاة بالتيمم لا يجوز إلا في آخر الوقت، وإنما يجوز أن يفرع هذا الفرع من يجوز الصلاة في وسط الوقت، أو قبل تضييق الوقت. وقد بينا أن ذلك لا يجوز، فلا معنى لهذا الفرع على مذهبنا، ومذهب من وافقنا في أن الصلاة لا تجوز إلا في آخر الوقت على ما اختير (3) وحكي في هذه المسألة.

(1) أحكام القرآن للجصاص 4: 17، تلخيص الحبير (ضمن كتاب المجموع) 2: 337، الاستذكار لابن عبد البر 2: 4.
(2) في (د) و (ط): " أعادها " بدل " وجب إعادتها ". حكاها في البحر عن الناصر: إن وجد الماء في بقية من الوقت أدرك فيها الصلاة والوضوء (ح). (* *) حكى هذه في البحر ج 1 ص 113 عن العترة القاسمية والناصرية (ح).
(3) في (د) و (ط): " اخبر " بدل " اختير "..

[ 161 ]

المسألة الخامسة والخمسون: " ومن لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا، وجب عليه أن يصلي بغير طهارة، فإن وجد الماء والتراب بعد مضي وقتها، فلا إعادة عليه ". وليس لأصحابنا في هذه المسألة نص صريح، ويقوى في نفسي أنه إذا لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا فإن الصلاة لا تجب عليه، وإذا تمكن من الماء أو من التراب النظيف قضى الصلاة وإن كان الوقت قد خرج، وهو مذهب أبي حنيفة، وفي بعض الروايات عن محمد (1)، وفي رواية أخرى عنه: أنه يصلي ويعيد (2). وقال الشافعي، وأبو يوسف: يصلي بغير طهارة ثم يقضي (3). الدليل على صحة ما اخترناه: قوله تعالى: (ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (4) فمنع من فعل الصلاة مع الجنابة إلا بعد الاغتسال. وأيضا قوله عليه السلام: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " (5). والطهور هو الماء عند وجوده، والتراب عند فقده، وقد عدمهما جميعا فوجب

ذكرها في البحر ج 1 ص 122 عن العترة القاسمية والناصرية ولم يذكر القضاء، ومعنى وجوبها وصحتها سقوط القضاء (ح). (1) الاصل للشيباني 1: 112، المبسوط للسرخسي 1: 116، المغني لابن قدامة 1: 251، نيل الاوطار 1: 338.
(2) الاصل للشيباني 1: 125، المبسوط للسرخسي 1: 123.
(3) الام 1: 68، المجموع شرح المهذب 2: 278، الاصل للشيباني 1: 112، المبسوط للسرخسي 1: 116.
(4) سورة النساء، الآية: 43.
(5) صحيح مسلم 1: 204 / 224، سنن الترمذي 1: 5 / 1، سنن أبي داود 1: 16 / 59، سنن ابن ماجة 1: 100 / 271 - 274، سنن النسائي 1: 88.

[ 162 ]

أن لا تكون له صلاة. وليس للمخالف أن يتعلق بقوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس (1) إلى (2) قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار) لانه تعالى إنما أمرنا (3) بإقامة الصلاة، وهذه ليست بصلاة لأنها بغير طهارة ولا يتناولها الاسم. المسألة السادسة والخمسون: " فإن وجد ماء يكفيه لوجهه ويده غسلهما، ولا تيمم (4) عليه (* *) ". هذا قول واقف، لأن من وجد من الماء ما يكفيه لوجهه ويده فغسلهما، كيف يستبيح (* * *) الصلاة وهو ما أكمل الطهارة بالماء، التي هي في أربعة أعضاء ولا

(1) سورة الاسراء، الآية: 78.
(2) كذا في النسخ، والظاهر: " و " بدل " الى ". سورة هود، الآية: 114.
(3) في (ط) و (د) و (م): " أمر " بدل " أمرنا ".
(4) في (ط) و (د): " ولا يتيمم ". (* *) ذكر في البحر ج 1 ص 117 فيمن يضره أنه إذا توضأ مرتين بنية أنه من الوضوء وغسل الجنابة فهو كالمتوضي ولا يتيمم وحكى عن الناصر أنه إن غسل أكثر جسده فلا يتيمم وإلا يتيمم (اه‍) (ح). (* * *) لعل الناصر يرى أن الوضوء من الغسل وأنه يجزي عن وضوء الصلاة لا مضافا الى الغسل، فلذلك أجزأ لانه قد فعله وسقط عنه التيمم لانه قد وجد ماء لبعض الطهارة لعموم قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء) فلا يصدق عليه أنه لم يجد ماء فلا يشرع له، ولو كان يرى أن غسل وجهه ويده بعض من الوضوء لا من الغسل ويرى أن الوضوء قبل الغسل لا جزءا منه في أوله لما خفي عليه أنه يجب التيمم بدلالة آية سورة النساء، لانه حين غسل وجهه ويده للوضوء صار عادما للماء للغسل كله وهو جنب فكيف يخفى هذا على الناصر فظهر أنه إنما اسقط التيمم بناء على أن الوضوء في حق الجنب جزء من الغسل. تمت (ح)..

[ 163 ]

تيمم؟! وإنما اختلف الفقهاء فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه لجميع أعضائه، فعندنا أن من كانت هذه حاله يجب عليه التيمم، ولا يستعمل الماء الذي لا يكفيه، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، والمزني (1). وقال الشافعي: يستعمل الماء فيما يكفيه من أعضائه ويتيمم (2)، فكأنه يوجب الجمع بين التيمم وبين ما يكفي من الماء لغسله من أعضائه. ولم يقل أحد إنه إن وجد من الماء ما يكفيه لبعض الاعضاء استعمله فيها ولم يتيمم، والاجماع سابق لهذا القول الحادث. فأما الدليل على صحة قولنا في المسألة التي حكيناها فهو الآية (3)، وأنه تعالى أوجب التيمم عند عدم الماء، وإنما عنى بقوله الماء الكافي لها لا محالة، فصار وجود ما لا يكفي كعدمه. ألا ترى أنه إذا وجد ما يخاف العطش إن استعمله في وضوئه، وجب عليه التيمم، من حيث كان ما معه من الماء ما وجوده كعدمه في أن الطهارة ما فرضت عليه.

(1) الاصل للشيباني 1: 110 - 111، المبسوط للسرخسي 1: 113، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 100، حلية العلماء 1: 252 - 253.
(2) الأم 1: 66، مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 100، حلية العلماء 1: 252، المجموع شرح المهذب 2: 268.
(3) سورة المائدة، الآية: 6..

[ 164 ]

المسألة السابعة والخمسون: " ولو أجنب رجل في شدة البرد، وخشي من الاغتسال ولم يخش من الوضوء، توضأ وصلى ولا تيمم (1) عليه " ء. وهذا أيضا غير صحيح، وهو خلاف إجماع الفقهاء، لانه متى خشي في الاغتسال على نفسه يجب عليه التيمم الذي هو فرضه عند زوال فرض الطهارة بالماء. والوضوء في الاعضاء الاربعة لا يزيل حدث الجنابة، ولا يقوم مقام الاغتسال، فكيف تستباح الصلاة مع حدث الجنابة؟! وهذا مما لا شبهة في مثله. المسألة الثامنة والخمسون: " أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره غير مقدر (* *) في إحدى الروايتين، ويعتبر صفات الدم، وفي الرواية الاخرى أكثره عشرة أيام ". عندنا: أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وبه قال أبو حنيفة

(1) في (ج) و (د): " ولا يتيمم ". وهذه كالتي قبلها بل هي التي حكاها عن أكثر العترة وقال يتوضأ مريتين، وإنما سبق الى ذهني عادم الماء لتشابه المسألتين ولعل دليله عليه السلام قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فسقط بقية الغسل ولم يجب عليه التيمم، لانه لم يشرع عنده لبعض الطهارة إنما بدل الكل ووجبت عليه الصلاة كما تجب على الحالة إذا عدم الماء والتراب (ح). (* *) ذكره عن الناصر في البحر ج 1 ص 132 (ح)..

[ 165 ]

وأصحابه، والثوري (1). وقال الشافعي، والاوزاعي: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما (2). وحكى الطحاوي عن مالك: أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، وهو مذهب داود (3). وروى غير الطحاوي عن مالك، أنه كان لا يجعل لأقله حدا، ويجعل الحد في أكثره خمسة عشر يوما (4). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، وأيضا ما رواه القاسم بن محمد (5) عن أبي أمامة (6) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام ". وهذا نص صريح في موضع الخلاف.

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 23، الاصل للشيباني 1: 458، الهداية للمرغيناني 1: 30، اللباب في شرح الكتاب 1: 42، المبسوط للسرخسي 3: 147، المجموع شرح المهذب 2: 380، المغني لابن قدامة 1: 320، الشرح الكبير 1: 321.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 23، حلية العلماء 1: 281، المجموع شرح المهذب 2: 380، الاستذكار لابن عبد البر 2: 58، المغني لابن قدامة 1: 321، الشرح الكبير 1: 321.
(3) الاستذكار لابن عبد البر 2: 57، أحكام القرآن للجصاص 2: 23، المحلى بالآثار 1: 410.
(4) الاستذكار لابن عبد البر 2: 58، المدونة الكبرى 1: 49، بداية المجتهد 1: 51.
(5) أبو محمد القاسم بن محمد بن أبي بكر القرشي التيمي، سمع عمته عائشة، وابن عباس، وابن عمر وطائفة، وعنه ابنه عبد الرحمن، والزهري، والشعبي، وريبعة الرأي وخلق. مات سنة 107 ه‍. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 96 / 88، العبر 1: 132، سير أعلام النبلاء 5: 53 / 644، طبقات الفقهاء للشيرازي: 27.
(6) أبو أمامة صدي بن عجلان بن وهب الباهلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشهد صفين مع علي أمير المؤمنين روى عن النبي صلى الله عيله وآله وسلم وعلي أمير المؤمنين عليه السلام وعمر، وعثمان، ومعاذ، وعنه سليمان بن حبيب، وشداد، وأبو سلام الاسود، ومكحول وغيرهم. مات سنة 86 ه‍ انظر: تهذيب التهذيب 4: 368 / 734، العبر 1: 101، سير أعلام النبلاء 3: 359. أحكام القرآن للجصاص 2: 23، نصب الراية 1: 191، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 197 / 334، الدر المنثور 1: 258..

[ 166 ]

وروى أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " أقل الحيض يكون ثلاثا وأربعا وخمسا ولا يجاوز عشرا (1). وأيضا فإن المقادير التي تتعلق بحقوق الله تعالى لا تعلم إلا من جهة التوقيف والاجماع، مثل المقادير، والحدود، وركعات الصلاة وقد علمنا أن من الثلاثة إلى العشرة متيقن على أنه حيض، وما نقص عن الثلاثة وزاد على العشرة مختلف فيه، فلا يثبت إلا من طريق التوقيف. وأيضا فإن هذه الامور العامة البلوى بها دائمة للنساء، فلو كان ما دون الثلاثة وفوق العشرة حيضا لنقل نقلا متواترا يوجب العلم، كما وردت أمثاله. المسألة التاسعة والخمسون: " اقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام ". هذا صحيح واليه نذهب. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والشافعي، وابن حي: إن أقل الطهر خمسة عشر يوما (2). وأما مالك ففي إحدى الروايات عنه أنه لم يوقت (3)، وفي رواية عبد الملك بن

(1) سنن الدارقطني 1: 209 / 20 - 21، نصب الراية 1: 192، السنن الكبرى للبيهقي 1: 322، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 197 / 336. حكاه في البحر عن العترة أي القاسمية والناصرية ج 1 ص 133 (ح).
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 30، المبسوط للسرخسي 3: 154 - 155، فتح العزيز 2: 412، المجموع شرح المهذب 2: 376 و 380، بداية المجتهد 1: 51، المغني لابن قدامة 1: 323، الاستذكار لابن عبد البر 2: 57.
(3) المدونة الكبرى 1: 51، أحكام القرآن للجصاص 2: 30، حلية العلماء 1: 282، فتح العزيز 2: 412، المجموع شرح المهذب 2: 380..

[ 167 ]

حبيب (1) عنه: أن الطهر لا يكون أقل من عشرة أيام (2). وعند الاوزاعي يكون الطهر أقل من خمسة عشر يوما، ويرجع فيه إلى مقدار طهر المرأة قبل ذلك (3). وحكي عن الشافعي أنه قال: إن علم أن طهر المرأة أقل من خمسة عشر يوما جعل القول قولها (4). وحكى ابن أبي عمران (5)، عن يحيى بن أكثم (6): أن أقل الطهر تسعة عشر يوما، واحتج بأن الله تعالى جعل عدد كل حيضة وطهر شهرا، والحيض في العادة أقل من الطهر، فلم يجز أن يكون الحيض أقل من خمسة عشر يوما، فوجب أن يكون حيضا وباقي الشهر طهرا وهو تسعة عشر يوما، لأن الشهر يكون تسعة

(1) أبو مروان عبد الملك بن حبيب السلمي، المالكي، صنف كتبا عديدة منها: " فضائل الصحابة " و " تفسير الموطأ " و " الواضحة " و " غريب الحديث " فعرض كتبه على عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، ومطرف، وعبد الله بن نافع الزبيري، وروى عنه محمد بن وضاح، ومطرف بن قيس وبقي بن مخلد وآخرون. مات سنة 238 ه‍. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 136، تهذيب التهذيب 6: 347 / 739، سير أعلام النبلاء 12: 102، العبر 1: 427.
(2) بداية المجتهد 1: 51، الميزان الكبرى 1: 139، حلية العلماء 1: 282، فتح العزيز 2: 412.
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 30.
(4) المصدر السابق.
(5) أبو جعفر أحمد ابن أبي عمران موسى البغدادي شيخ الحنفية في مصر وقاضيها، واستاذ أبي جعفر الطحاوي حدث عن محمد بن سماعة، وعاصم بن علي، وبشر بن الوليد، وتفقه على أصحاب أبي يوسف، ومحمد. صنف كتاب الحج، مات سنة 280 ه‍ انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 118، سير أعلام النبلاء 13: 334 / 152، شذرات الذهب 2: 175.
(6) أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن قطان بن سمعان التميمي المروزي، سكن بغداد، وسمع عبد الله بن مبارك وسفيان بن عيينة وآخرون، وعنه البخاري، وأبو حاتم الرازي والترمذي، وغيرهم. مات سنة 242 ه‍. انظر: تاريخ بغداد 14: 191، سير أعلام النبلاء 12: 5، مروج الذهب 4: 21، العبر 1: 439..

[ 168 ]

وعشرين يوما (1). والذي يدل على صحة مذهبا: إجماع الفرقة المحقة، وأيضا فلا خلاف في أن عشرة أيام طهر، وإنما الخلاف فيما زاد على ذلك، فمن ادعى زيادة على المتفق عليه وجب عليه دليل قاطع للعذر، موجب للعلم، وليس يجد المخالف ما هذه صفته. المسألة الستون: " الصفرة إذا رؤيت قبل الدم الاسود فليست بحيضة، وإن رؤيت بعده فهي حيضة (2)، وكذلك الكدرة ". عندنا: أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وليستا في أيام الطهر حيضا من غير اعتبار لتقديم الدم الاسود وتأخره، وهو مذهب أبي حنيفة، ومحمد، ومالك، والشافعي، والليث، وعبد الله بن الحسن (3) (4). وقال أبو يوسف: لا تكون الكدرة حيضا إلا بعد أن يتقدمها الدم (5).

(1) الاستذكار لابن عبد البر 2: 58، أحكام القرآن للجصاص 2: 30، حلية العلماء 1: 282. ذكر في البحر ج 1 ص 131 - 132 روايتين عن الناصر الاولى: أنها في وقت إمكان الحيض حيض مطلقا، الثانية: مثل ما هنا (ح).
(2) في (د) و (ط) و (م): " حيض " بدل " حيضة ".
(3) عبيد الله بن الحسن العنبري، البصري، القاضي، روى عن خالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وهارون بن رياب وغيرهم، وعنه ابن مهدي، وخالد بن حارث، ومعاذ بن معاذ وغيرهم. مات سنة 168 ه‍ انظر، تهذيب التهذيب 7: 7 / 12، الجرح والتعديل 5: 312 / 1483.
(4) الاستذكار لابن عبد البر 2: 29، أحكام القرآن للجصاص 2: 32 - 33، المدونة الكبرى 1: 50، بداية المجتهد 1: 54 - 55، المجموع شرح المهذب 2: 395، المبسوط للسرخسي 3: 150.
(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 33، الاستذكار لابن عبد البر 2: 29، المجموع شرح المهذب 2: 395 - 396، المبسوط للسرخسي 3: 150، حلية العلماء 1: 283.

[ 169 ]

وذهب بعض أصحاب داود: إلى أن الصفرة والكدرة ليستا بحيض على وجه (1). دليلنا بعد الاجماع المتقدم: ما روي عن عائشة أنها قالت: كنا نعد الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيضا ".
(2) والظاهر أنها لا تقول ذلك من قبل نفسها، بل بتوقف منه عليه السلام. وروي عنها: أنها ما كانت تصلي حتى ترى البياض خالصا (3). ومعنى ذلك: حتى ترى الخرقة بيضاء، ليس فيها صفرة ولا كدرة. وروي عن أسماء (4) مثل ذلك (5). وروي عن أبي هريرة أنه قال: " أول الحيض أسود، ثم رقيق، ثم صديد، ثم اصفر (6)، فجعل الصفرة من جملة الحيض ". المسألة الاحدى والستون: " الحيض لا يكون مع الحمل (7) ". عندنا: أن الحامل قد يكون معها الحيض كالحائل، وهو مذهب مالك، والليث،

(1) المحلى بالآثار 1: 389، الاستذكار لابن عبد البر 2: 29، حلية العلماء 1: 283. (2) المجموع شرح المهذب 2: 388، نيل الاوطار 1: 345.
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 33، الاستذكار لابن عبد البر 2: 28، الموطأ 1: 59 / 97، كنز العمال 9: 624 / 27712.
(4) أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة زوجة الزبير بن العوام، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنها ابناها عبد الله وعروة، وعبد الله بن عباس، وعباد بن عبد الله بن الزبير. ماتت سنة 73 ه‍ بمكة. انظر: أسد الغابة 5: 392، الاصابة في تمييز الصحابة 4: 229، الاستيعاب (بهامش الاصابة) 4: 232، سير أعلام النبلاء 2: 287.
(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 33.
(6) لم نعثر عليه. حكاه في البحر ج 1 ص 134 عن الناصر وزيد والهادي وعبد الله بن الحسن وأحمد بن عيسى (ح).
(7) في (د) و (ط) و (م) و (ن): " الحبل " بدل " الحمل "..

[ 170 ]

والشافعي (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والاوزاعي، وابن حي، وعبد الله بن الحسن: إن الحامل لا تحيض (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: إجماع الفرقة المحقة المتقدم ذكره. وأيضا قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) (3) ولفظ النساء عام في الحوامل وغير الحوامل، فلو لم يكن الحيض مما يجوز أن يكون من جميع النساء، ما علق هذا الوصف على اسم النساء، وفي تعليقه عليه دلالة على أنه مما يجوز أن يكون من جميع النساء. وأيضا قوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش: " إذا كان دم الحيض أسود فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلي " (4) ولم يفرق بين أن تكون حائلا أو حاملا.

(1) الاستذكار لابن عبد البر 2: 32، الموطأ 1: 60 / 100 - 101، بداية المجتهد 1: 54، المجموع شرح المهذب 2: 386، المغني لابن قدامة 1: 371.
(2) المبسوط للسرخسي 212 3، الاستذكار لابن عبد البر 2: 32 - 33، بداية المجتهد 1: 54، المجموع شرح المهذب 2: 386، المغني لابن قدامة 1: 371.
(3) سورة البقرة، الآية: 222.
(4) سنن أبي داود 1: 75 / 286 و 82 / 304، سنن الدارقطني 1: 206 / 3 و 4 و 5 و 6، سنن النسائي 1: 123 و 185، السنن الكبرى للبيهقي 1: 325، في المصادر: " فتوضئي " بدل " فاغتسلي ".

[ 171 ]

المسألة الثانية والستون: " المستحاضة تجمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد، وبين العشاءين بوضوء واحد، ويرتفع حيضها بدخول وقت الصلاة ". والكلام في هذه المسألة قد بيناه وفرغناه في مسألة تقدمت هذا الموضع (1)، وبينا الموضع الذي يجب فيه على المستحاضة الوضوء لكل صلاة، والموضع الذي يجب عليها فيه الغسل في كل يوم، وأوضحناه ولا معنى لإعادته. المسألة الثالثة والستون: " أقل النفاس ليس بمقدر، وأكثره أربعون يوما، ولو انقطع دمها عقيب الولادة، واستمر الانقطاع إلى قبل الاربعين بيوم أو يومين، ثم رأت الدم، كان الدم الثاني نفاسا كالاول (* *) ". عندنا أن الحد في نفاس المرأة أيام حيضها التي تعهدها، وروي: أنها تستظهر

حكى هذا في البحر ج 1 ص 143 عن العترة فقال: مسألة (العترة والاوزاعي) وتوضا لوقت كل صلاة ولها الجمع والنفل والقضا بوضوء واحد (ح). (1) راجع المسألة: (45). (* *) حكاه في البحر عن العترة ج 1 ص 146 وحكى هناك عن الناصر أن أكثره أربعون ولم يحك عن الناصر مسألة عوده في خلال الاربعين أنه دم نفاس بل حكي عنه هناك أنه يكره وطؤها قبل تمام النقاء طهرا يعني عشرا (اه‍) (ح)..

[ 172 ]

بيوم أو يومين، وروي في أكثره ثمانية عشر يوما (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والليث: أكثر النفاس أربعون يوما (2). وقال الاوزاعي: نعتبرها بنساء أمهاتها وأخواتها وإن لم يكن لها نساء فأكثره أربعون يوما (3). وقال مالك، وعبد الله بن الحسن، والشافعي: أكثره ستون يوما (4). ثم رجع مالك عن هذا، وقال يسأل الناس عنه وأهل المعرفة (5). وحكى الليث: أن من الناس من يقول: سبعون يوما (6). وحكي عن الحسن أيضا أنه قال: أكثر النفاس خمسون يوما (7). فأما أقل النفاس عندنا فانقطاع الدم. دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم ذكره. وأيضا فإن الاتفاق حاصل على أن الايام التي تقر بأنها النفاس يلحقها حكم النفاس، ولم يحصل فيما زاد على ذلك اتفاق ولا دليل، والقياس لا يصح إثبات المقادير به، فيجب صحة ما اعتمدناه.

(1) المقنعة للمفيد: 57، من لا يحضره الفقيه 1: 55 / 18 - 19.
(2) المبسوط للسرخسي 3: 210، الهداية للمرغيناني 1: 34، المجموع شرح المهذب 2: 524، حلية العلماء 1: 299، المغني لابن قدامة 1: 358.
(3) الاستذكار لابن عبد البر 2: 64.
(4) المدونة الكبرى 1: 53، الاستذكار لابن عبد البر 2: 64، المجموع شرح المهذب 2: 524، حلية العلماء 1: 299، بداية المجتهد 1: 53.
(5) المدونة الكبرى 1: 53، الاستذكار لابن عبد البر 2: 64، المجموع شرح المهذب 2: 524، بداية المجتهد 1: 53.
(6) الاستذكار لابن عبد البر 2: 64، المجموع شرح المهذب 2: 524، حلية العلماء 1: 299.
(7) الاستذكار لابن عبد البر 2: 64، المجموع شرح المهذب 2: 524، حلية العلماء 1: 299.

[ 173 ]

وأيضا ولك أن تقول: إن المرأة داخلة في عموم الامر بالصلاة والصوم، وإنما يخرجها في الايام التى حددناها الاجماع، ولا اجماع ولا دليل فيما زاد على ذلك، فيجب دخولها تحت عموم الاوامر، ولو لم يكن مذهبنا إلا أن فيه استظهارا للفرض والاحتياط له وأخبارهم بخلاف ذلك لكفى. المسألة الرابعة والستون: " ولو ولدت توأمين كان النفاس من مولد (1) الآخر منهما ". لست أعرف لأصحابنا نصا صريحا في هذه المسألة، والذي يقوى في نفسي أن النفاس يكون من مولد الاول. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، بمثل ذلك (2). وقال محمد، وزفر: من مولد الآخر (3). الدليل على صحة ما قويناه: أن النفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة، بدلالة أنها لو رأت الدم قبل الولادة لم يكن نفاسا، ولو رأته بعد الولادة ولم يبق في بطنها ولد كان نفاسا، فعلم أن دم النفاس هو دم خارج عقيب الولادة، وقد وجد دم على هذه الصفة، فوجب أن يكون نفاسا، ولا يمنع كون أحد الولدين باقيا في بطنها من

(1) في (ط) و (د) و (م): " ولو ولدت يومين.... من مولدها الآخر منهما ". ذكر المسألة في البحر عن بعض أئمة الزيدية عن أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني وشيخه أبي العباس أحمد ابن إبراهيم الحسني أحد كبار علماء الزيدية ولم يحكها عن الناصر (ح).
(2) المبسوط للسرخسي 3: 212، الهداية للمرغيناني 1: 34، المجموع شرح المهذب 2: 526، وقد ورد في النسخ: " ومحمد " بعد " أبو يوسف ".
(3) المصادر السابقة..

[ 174 ]

أن يكون نفاسا. وأيضا لا يختلف أهل اللغة في أن المرأة إذا ولدت، وخرج الدم عقيب الولادة، فإنه يقال: قد نفست، ولا يعتبرون بقاء ولد في بطنها، ويسمون الولد منفوسا. قال الشاعر: إذا نفس المنفوس من آل خالد * بدا كرم للناظرين مبين فسمى الولد منفوسا، ومحال أن يكون الولد منفوسا إلا والأم نفساء، والدم نفسه يسمى (1) نفسا ألا ترى أنهم يقولون: كلما له نفس سائلة فحكمه كذا وكذا، يعنون به كلما له دم سائل، وإذا كان الدم وقع عليه اسم النفس وجب أن يكون خروجه عقيب الولادة نفاسا على كل حال.

(1) في (د) و (ط): " فسمي "..

[ 175 ]

كتاب الصلاة

[ 177 ]

المسألة الخامسة والستون: " الاذان فرض على الكفاية ". وقد اختلف قول أصحابنا في الأذان والإقامة، فقال قوم: إن الأذان والإقامة من السنن المؤكدة في جميع الصلوات وليسا بواجبين، وإن كانا في صلاة الجماعة وفى الفجر والمغرب، وصلاة الجمعة أشد تأكيدا (1)، وهذا الذي أختاره وأذهب إليه. وذهب بعض أصحابنا إلى أن الأذان والإقامة واجبان على الرجال خاصة دون النساء، في كل صلاة جماعة في سفر أو حضر، ويجبان عليهم جماعة وفرادى في الفجر والمغرب، وصلاة الجمعة والإقامة دون الأذان يجب عليهم في باقي الصلوات المكتوبات (2). وذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق إلى أن الأذان والإقامة مسنونان غير واجبين (3). وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنهما من فرائض الكفايات (4). وذهب مالك إلى قريب من هذا، إلا أنه قال: إذا ترك الأذان أعاد في الوقت (5). واختلفت الحكاية عن أبي حنيفة، فحكى عنه بعض المحصلين في كتابه: أن

حكاها في البحر عن العترة القاسمية والناصرية ج 1 ص 183 (ح). (1) المقنعة للمفيد: 97.
(2) مختلف الشيعة 2: 119.
(3) المجموع شرح المهذب 3: 82، المغني لابن قدامة 1: 427، بداية المجتهد 1: 109، مغني المحتاج 1: 133، السراج الوهاج: 37 (4) المجموع شرح المهذب 3: 80، حلية العلماء 2: 35، مغني المحتاج 1: 134، السراج الوهاج: 37.
(5) الاستذكار لابن عبد البر 2: 84، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 225..

[ 178 ]

مذهبه مثل مذهب الشافعي في أن الأذان والإقامة مسنونان غير واجبين (1). ووجدت بعض أصحاب أبي حنيفة يصرح بوجوب ذلك (2). وذهب ابن خيران (3)، والاصطخري (4)، إلى أن الأذان مسنون في سائر الصلوات، إلا في الجمعة فإنه من فرائض الكفايات فيها (5). وذهب الاوزاعي إلى أن الأذان ليس بواجب والإقامة واجبة قال: فإن يصلى بغير إقامة نظر، فإن كان الوقت باقيا لزمه أن يقيم ويصلي، فإن خرج الوقت فلا شئ عليه (6). وقال أهل الظاهر: الأذان والإقامة واجبتان لكل صلاة (7)، فمنهم من يقول: أنهما واجبان ومشروطان في صحة الصلاة، وأنفرد داود بأن قال: إنما يجب ذلك في صلاة الجماعة دون صلاة الانفراد (8). والدلالة على صحة ما اخترناه: أن الاصل نفي الوجوب، فمن ادعاه فعليه

(1) الهداية للمرغيناني 1: 41، اللباب في شرح الكتاب 1: 59، شرح فتح القدير 1: 209.
(2) الاصل للشيباني 1: 133، شرح فتح القدير 1: 209.
(3) أبو علي الحسين بن صالح بن خيران، البغدادي، تفقه عليه جماعة. مات سنة 320 ه‍ انظر: تاريخ بغداد 8: 53 / 4118، وفيات الاعيان 2: 133 / 182، سير أعلام النبلاء 15: 58، طبقات الشافعية لابن الهداية: 15.
(4) أبو سعيد الحسن بن أحمد الاصطخري، الفقيه الشافعي، ولد سنة 244 ه‍، وكان قاضي قم وولي الحسبة ببغداد، سمع سعدان بن نضر وعدة، وعنه محمد بن المظفر، والدارقطني، وابن شاهين وآخرون. صنف كتابا في أدب القضاء، مات سنة 328 ه‍. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 90، وفيات الاعيان 2: 74 / 158، سير أعلام النبلاء 15: 250.
(5) المجموع شرح المهذب 3: 80، حلية العلماء 2: 35.
(6) الاستذكار لابن عبد البر 2: 99، المجموع شرح المهذب 3: 82، حلية العلماء 2: 36.
(7) المحلى بالآثار 2: 166، الاستذكار لابن عبد البر 2: 99، حلية العلماء 2: 36، بداية المجتهد 1: 109.
(8) المحلى بالآثار 2: 163، 164، 166، المجموع شرح المهذب 3: 82..

[ 179 ]

الدليل الموجب للعلم. ولأنه لا خلاف في أن الاذان والاقامة مشروع ومسنون، وفيهما فضل كثير، وإنما الخلاف في الوجوب، والوجوب زائد على الحكم المجمع عليه فيهما، فمن ادعاه فعليه الدليل لا محالة. وبعد فإن الاذان والاقامة مما يعم البلوى به، ويتكرر فعله في اليوم والليلة، فلو كان واجبا حتما لورد وجوبه وورد مثله فيما يوجب العلم ويرفع الشك. ويدل أيضا على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء " (1) فالأمين متطوع بالأمانة، وليس بواجب عليه. المسألة السادسة والستون: " التكبير في أول الاذان أربع مرات ". هذا هو الصحيح عندنا، ووافقنا عليه أبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وابن حي (2). وحكى الحسن بن زياد (3) عن أبي يوسف: أنه يقول في أول الاذان والاقامة:

(1) كنز العمال 7: 592 ح 20407، تلخيص الحبير (المطبوع مع المجموع) 3: 193. مسند الشافعي (ضمن كتاب الأم) 8: 455. حكاه في البحر ج 1 ص 190 عن الناصر (ح).
(2) المبسوط للسرخسي 1: 129، الحجة للشيباني 1: 76، اللباب في شرح الكتاب 1: 59، المجموع شرح المهذب 3: 93، حلية العلماء 2: 39، الاستذكار لابن عبد البر 2: 81.
(3) أبو علي الحسن بن زياد اللؤلؤي، الكوفي، البغدادي، صاحب أبي حنيفة وتفقه عليه، وحدث عنه، وعن ابن جريج، وعنه محمد بن سماعة القاضي، وشجاع، وابن جريج وغيرهم. مات سنة 204 ه‍. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: 115، تاريخ بغداد 7: 314 / 3827، ميزان الاعتدال 1: 491 / 849، لسان الميزان 2: 208 / 927.

[ 180 ]

الله اكبر مرتين (1). والدليل على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة عليه، وأيضا فإن الاحتياط والاستظهار فيه. وأيضا حديث أبي محذورة (2) أن النبي صلى الله عليه وآله سلم لقنه الاذان، فقال في أذانه: (الله أكبر أربع مرات (3). وفى حديث عبد الله بن زيد (4) الذي رأى الاذان في المنام: " الله أكبر أربع مرات " (5). المسألة السابعة والستون: " والتهليل في آخره مرة واحدة ". الصحيح عندنا أن التهليل في آخر الاذان مرتان، وفى آخر الاقامة مرة

(1) المبسوط للسرخسي 1: 129، حلية العلماء 2: 39.
(2) أبي محذورة أوس بن معير بن لوذان القرشي الجمحي المكي، مؤذن المسجد الحرام، وصاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسلم بعد حنين روى عن البني صلى الله عليه وآله وسلم وعنه ابنه عبد الملك، والاسود النخعي، وأبو سلمان المؤذن وغيرهم. مات سنة 59 ه‍. انظر: تهذيب التهذيب 12: 243 / 1018، أسد الغابة 5: 292، الاصابة في تمييز الصحابة 4: 176 / 1018، سير أعلام النبلاء 3: 117.
(3) سنن الدارقطني 1: 237 / 3، سنن أبي داود 1: 137 / 502 و 503، سنن ابن ماجة 1: 234 / 708 و 709، سنن النسائي 2: 4 - 6، السنن الكبرى للبيهقي 1: 392 - 293.
(4) أبو محمد عبد الله بن زيد بن ثعلبة الخزرجي الانصاري، صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشهد العقبه وبدرا والمشاهد. روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه ابنه محمد، وسعيد بن المسيب. مات سنة 32 ه‍. انظر: تهذيب التهذيب 5: 197 / 387، أسد الغابة 3: 165، الاستيعاب (بهامش الاصابة) 2: 311.
(5) سنن أبي داود 1: 135 / 499، سنن ابن ماجة 1: 232 / 706، سنن الدارمي 1: 268، السنن الكبرى للبيهقي 1: 390 و 391. حكى في البحر ج 1 ص 191 عن الناصر زيادة تهليل، أي ثان تمت (ح)..

[ 181 ]

واحدة. الدليل على أنه مرتان في الاذان: الاجماع المتقدم ذكره، وأن فيه الاحتياط والاستظهار. ويمكن أن يستدل على ذلك أيضا بما رواه حماد (1)، عن إبراهيم، عن الاسود (2)، عن بلال (3): أنه كان يثني الاذان ويثني الاقامة (4). وروي عن سويد بن غفلة (5) قال: سمعت بلالا يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى (6).

(1) أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان الاشعري مولاهم، صاحب إبراهيم النخعي، روى عن أنس بن مالك، والحسن البصري، وسعيد بن جبير وغيرهم. وعنه ابنه إسماعيل، وسفيان، وشعبة، وأبو حنيفة وآخرون، مات سنة 120 ه‍. انظر: ميزان الاعتدال 1: 595 / 2253، تهذيب التهذيب 3: 14 / 15، طبقات ابن سعد 6: 322. (2) أبو عمرو الاسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلما ولم يره، روى عن علي عليه السلام، وأبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وحذيفة، وبلال، وعائشة، وعنه ابنه عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي وآخرون مات سنة 75 ه‍. انظر: تهذيب التهذيب 1: 299 / 625، أسد الغابة 1: 88، تذكرة الحفاظ 1: 50 / 29، العبر 1: 86.
(3) بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان من السابقين الاولين، شهد بدرا والمشاهد كلها، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه أبو بكر، وأسامة بن زيد، والبراء بن عازب وآخرون مات سنة 18 ه‍ بدمشق. انظر: رجال الطوسي: 8 / 4، تهذيب التهذيب 1: 441 / 931، أسد الغابة 1: 206، الاستيعاب (بهامش الاصابة) 1: 141، سير أعلام النبلاء 1: 347.
(4) سنن الدارقطني 1: 242 / 34، نصب الراية 1: 269.
(5) أبو أمية سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي الكوفي، شهد اليرموك، روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي عليه السلام وابن مسعود، وبلال وآخرون وعنه إبراهيم النخعي، والشعبي، وأبو إسحاق وآخرون مات سنة 81 ه‍. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 53 / 36، تهذيب التهذيب 4: 244 / 488، سير أعلام النبلاء 4: 69، العبر 1: 93.
(6) التحقيق لابن الجوزي 1: 239 / 406..

[ 182 ]

وروى عنه أنه قال: إن بلالا أذن بمنى صوتين صوتين، وأقام مثل ذلك (1). والاطلاق بأن الاذان مثنى مثنى يقتضي تثنية جميع ألفاظه، ومن ألفاظه التهليل في آخره، ولا يلزمنا الإقامة على ذلك، لأنا خصصنا لفظ التهليل من الاقامة بدليل، وأخرجناه عن التثنية بالاجماع، وإلا فلفظ الأخبار يقتضيه. المسألة الثامنة والستون: " لا يجوز أذان الفجر قبل طلوع الفجر ". قد اختلفت الرواية عندنا في هذه المسألة: فروي أنه يجوز الأذان لصلاة الفجر قبل الفجر خاصة (2)، وروي أنه لا يجوز، وهو الصحيح عندنا. وقال أبو حنيفة، ومحمد، والثوري: لا يؤذن للفجر قبل طلوع الفجر (3). الدليل على صحة مذهبنا: أن الاذان دعاء إلى الصلاة وعلم على حضورها، لا يجوز قبل وقتها لانه وضع الشئ في غير موضعه. وأيضا ما روي: (4) " أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعيد الأذان (5).

(1) سنن الدارقطني 1: 242 / 32، التحقيق لابن الجوزي 1: 239 / 406. حكى في البحر ج 1 ص 184 عن الناصر أنه لا يجزي واحتج له بما يقتضي أنه لا يجوز (ح).
(2) المقنعة للمفيد: 98.
(3) الحجة للشيباني 1: 71، المبسوط للسرخسي 1: 134، الفتاوى الهندية 1: 53، المغني لابن قدامة 1: 421.
(4) في (د) و (ط): " من أن ".
(5) سنن الدارقطني 1: 245 / 53 و 55، التحقيق لابن الجوزي 1: 245 / 416، السنن الكبرى للبيهقي 1: 383..

[ 183 ]

وروى عياض بن عامر (1)، عن بلال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: " لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر كذا " ومد يده عرضا (2). وليس لأحد أن يحمل اسم الاذان هاهنا على الاقامة، ويستشهد بما روي عنه عليه السلام من قوله: " بين كل أذانين صلاة " (3) يعني الاذان والاقامة، وذلك أن إطلاق اسم الاذان لا يتناول الاقامة، فلا يجوز حمله عليها إلا بدلالة. المسألة التاسعة والستون: " التثويب في صلاة الصبح بدعة ". هذا صحيح وعليه إجماع أصحابنا، وقد اختلف الفقهاء في التثويب ما هو: فقال الشافعي: التثويب هو أن يقول بعد الدعاء إلى الصلاة: " الصلاة خير من النوم " مرتين في مقبل الاذان (4). وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: التثويب هو أن يقول بعد الفراغ من الأذان: " حي على الصلاة، حى على الفلاح " مرتين (5). وحكي عن محمد أنه قال في كتبه: كان التثويب الاول " الصلاة خير من

(1) عياض بن عامر بن الاسلح العامري الجزري، تهذيب التهذيب 4: 280 / 557.
(2) سنن أبي داود 1: 147 / 534، نصب الراية 1: 283، كنز العمال 7: 696 / 20975، تلخيص الحبير 1: 179.
(3) صحيح مسلم 1: 573 / 304، صحيح البخاري 1: 312 / 592، سنن أبي داود 2: 26 / 1283، نصب الراية 2: 141 - 142، تلخيص الحبير 2: 13. حكى في البحر ج 1 ص 192 عن القاسمية والناصرية أنه بدعة (ح).
(4) مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 105، المجموع شرح المهذب 3: 91، حلية العلماء 2: 40، المغني لابن قدامة 1: 420، وفي (ط) و (د): " في تقبل الاذان ".
(5) الهداية للمرغيناني 1: 41، شرح فتح القدير 1: 215، المغني لابن قدامة 1: 420..

[ 184 ]

النوم " بين الاذان والاقامة، ثم أحدث الناس بالكوفة " حي على الصلاة، حي على الفلاح " مرتين بين الاذان والاقامة، وهو حسن (1). وذهب الشافعي الى أن التثويب مسنون في صلاة الصبح دون غيرها (2). وحكي عنه أنه قال في الجديد: هو غير مسنون (3). وقال النخعي: هو مسنون في أذان سائر الصلوات (4). الدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم: أن التثويب لو كان مشروعا، لوجب أن يقوم دليل شرعي يقطع العذر على ذلك، ولا دليل عليه، المحنة بيننا وبين من خالف فيه. وأيضا فلا خلاف في أن من ترك التثويب لا يلحقه ذم، لانه إما أن يكون مسنونا على قول بعض الفقهاء، وغير مسنون على قول البعض الآخر، وفى كلا الامرين لا ذم على تاركه، وما لا ذم في تركه ويخشى في فعله أن يكون بدعة ومعصية يستحق بها الذم فتركه أولى وأحوط في الشريعة. المسألة السبعون: " الاقامة مثنى مثنى كالاذان ". هذا صحيح، وهو مذهب أصحابنا كلهم، ووافق عليه أبو حنيفة وأصحابه،

(1) الاصل للشيباني 1: 130، حلية العلماء 2: 40، المبسوط للسرخسي 1: 130.
(2) المجموع شرح المهذب 3: 94، حلية العلماء 2: 40، مغني المحتاج 1: 136، السراج الوهاج: 37.
(3) المجموع شرح المهذب 3: 92، 97، الام 1: 104، التحقيق لابن الجوزي 1: 248.
(4) حليه العلماء 2: 41، المجموع شرح المهذب 3: 98. ذكر في البحر أن الإقامة مثنى وذكر عن الناصر أن التكبير في أولها أربع ج 1 ص 196 (ح).

[ 185 ]

الثوري، وابن حي (1). وقال الشافعي، ومالك: الاقامة فرادى إلا في قوله قد قامت الصلاة (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر ذكره: ما رواه عبد الله بن زيد الانصاري: أنه كان بين النائم واليقظان إذ أتاه آت وعليه ثوبان أخضران، قام على جذم الحائط (3) فقال: الله اكبر، الله اكبر، إلى آخره. قال عبد الله: ثم مكث هنيئة فأقام مثل ذلك، إلا أنه زاد في آخره: قد قامت الصلاة. فأتى عبد الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بذلك، فقال له: " لقنها بلالا " (4). وروى حماد عن إبراهيم، عن الاسود، عن بلال: أنه كان يثني الاذان والاقامة (5). وروي عن سويد بن غفلة أنه قال: سمعت بلالا يؤذن مثنى مثنى (6). وروي عنه أنه قال: إن بلالا أذن بمنى صوتين صوتين، وأقام مثل ذلك (7). وروى محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة (8)، عن أبيه، عن جده قال قلت:

(1) المبسوط للسرخسي 1: 129، اللباب في شرح الكتاب 1: 59، الاصل للشيباني 1: 129، الاستذكار لابن عبد البر 2: 81، حلية العلماء 2: 40، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 227.
(2) حلية العلماء 2: 40، المجموع شرح المهذب 3: 94، الاستذكار لابن عبد البر 2: 80، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6: 227.
(3) اراد بقية الحائط أو قطعة من الحائط. (النهاية لابن الاثير 1: 252).
(4) سنن أبي داود 1: 140 / 507، سنن الدارقطني 1: 242 / 31، سنن الدارمي 1: 268 - 269.
(5) سنن الدارقطني 1: 242 / 34، نصب الراية 1: 269، وفي (ط) و (د): أنه " كان يثني مثنى مثنى ".
(6) التحقيق لابن الجوزي 1: 239 / 406.
(7) التحقيق لابن الجوزي 1: 239 / 406، سنن الدارقطني 1: 242 / 32.
(8) محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي المكي المؤذن، روى عن أبيه، عن جده في الاذان، وعنه الثوري، =.

[ 186 ]

يا رسول الله! علمني سنة الأذان. قال فمسح مقدم رأسه فقال، " تقول: الله اكبر، الله اكبر، إلى آخره. قال وعلمني الاقامة مرتين مرتين، الله اكبر، الله اكبر، اشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، مرتين، أسمعت؟ وكان أبو محذورة لا يجز ناصيته، لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح عليها (1). فإن عارضوا بما رواه أبو هريرة من أنه صلى الله عليه وآله وسلم " أمر أبا محذورة أن يشفع الاذان ويوتر الاقامة " (2). وبما رواه أنس بن مالك " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بلالا أن يشفع الاذان، ويوتر الاقامة (3). فالجواب عن ذلك: أن المراد بالخبر أن يأتي بجميع الاذان مثنى، وبجميع الاقامة وترا، لانها سبع عشرة كلمة، وذلك وتر لانه فرد، ولم يرد أفراد كل كلمة منها.

= وأبو قدامة الحارث بن عبيد. انظر: تهذيب التهذيب 9: 282 / 525، ميزان الاعتدال 3: 631 / 7888. (1) سنن أبي داود 1: 136 / 500 - 501، باختلاف يسير مع ما في المتن وفي نسخة (ج) و (ن)، إضافة: " حي على خير العمل، حي على خير العمل " بعد " حي على الفلاح ".
(2) سنن الدارقطني 1: 239 / 12.
(3) صحيح مسلم 1: 286 / 2 و 3 و 5، صحيح البخاري 1: 307 / 573، سنن أبي داود 1: 138 / 508، سنن النسائي 2: 3 (قريب منه)، سنن الدارقطني 1: 239 / 15، السنن الكبرى للبيهقي 1: 413..

[ 187 ]

المسألة الحادية والسبعون: " يؤذن للفائتة ويقيم لها ". على ما بيناه من قبل (1) أن الاذان والاقامة مسنونان فيما يؤدي، والمستحب في القضاء أن يأتي به مثل الاداء، والاذان والاقامة في قضاء الفوائت أيضا مسنون. وقال أبو حنيفة وأصحابه: من فاتته صلاة فإنه يصليها بأذان وإقامة (2). وقال محمد في الاملاء: من فاتته صلوات كثيرة، فإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق فحسن، فإن أذن وأقام لكل واحدة فحسن (3). وقال مالك، والاوزاعي، والشافعي: تصلى كل واحدة بإقامة من غير أذان (4). وروي عن الشافعي في القديم: أن الاذان والاقامة مسنونان في الفوائت ايضا (5). قال الثوري: ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة (6). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر ذكره. ثم ما رواه أبو قتادة، وعمران بن حصين (7)، وأبو هريرة، وجبير بن مطعم (8):

حكاه في البحر ج 1 ص 187 عن الناصر في الاذان وعن العترة في الاقامة (ح). (1) في المسألة الخامسة والستين.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 42، المبسوط للسرخسي 1: 136، الفتاوى الهندية 1: 55.
(3) الاستذكار لابن عبد البر 1: 111.
(4) الاستذكار لابن عبد البر 1: 111، المدونة الكبرى 1: 62، حلية العلماء 2: 36، المجموع شرح المهذب 3: 85، المغني لابن قدامة 1: 429.
(5) حلية العلماء 2: 37، المجموع شرح المهذب 3: 85.
(6) الاستذكار لابن عبد البر 1: 111، نصب الراية 1: 29.
(7) عمران ابن حصين بن عبيد بن خلف أبو نجيد الخزاعي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسلم عام خيبر وغزا مع =.

[ 188 ]

" أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نام هو وأصحابه بالوادي، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، فأمر بالرحيل، فلما خرج من الوادي قعد حتى استعلت الشمس، ثم أمر بلالا فأذن، وصلى ركعتي الفجر، ثم أمره فأقام فصلى صلاة الفجر " (9). فإن قيل: روى سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بلالا فأقام بهم الصبح (10). قلنا ليس في الخبر أنه لم يؤذن. وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (11) ومن سنة تلك الصلاة المنسية كان الاذان والاقامة، فكأنه قال: فليصلها على جميع أحوالها من فريضة وسنة.

= النبي صلى الله عليه وآله وسلم غزوات، وولي قضاء البصرة، روى عن النبي صلى الله عيله وآله وسلم وعن معقل بن يسار، وعنه ابنه نجيد، الحسن، ومحمد بن سيرين، وعامر الشعبي، وخلق مات سنة 52 ه‍. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 29 / 14، أسد الغابة 4: 137، تهذيب التهذيب 8: 111 / 220، سير أعلام النبلاء 2: 508.
(8) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فداء أسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر، وقيل يوم الفتح، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه سليمان بن صرد، ونافع بن جبير، وعبد الرحمن بن عوف، مات سنة 58. انظر: تهذيب التهذيب 2: 56 / 102، سير أعلام النبلاء 3: 95، العبر 1: 62.
(9) سنن أبي داود 1: 119 / 437 و 121 / 443، السنن الكبرى للبيهقي 1: 404، جامع الاصول 5: 190 / 3247 و 195 / 3249 و 197 / 3252.
(10) صحيح مسلم 1: 471 / 309، سنن أبي داود 1: 118 / 435، السنن الكبرى للبيهقي 1: 403.
(11) صحيح مسلم 1: 471 / 309، سنن أبي داود 1: 118 / 435، سنن النسائي 1: 294، سنن الترمذي 1: 334 / 177 و 178، سنن الدارمي 1: 280.

[ 189 ]

المسألة الثانية والسبعون: " آخر وقت الظهر حين تصير القامة مثلها في إحدى الروايتين، وحين تصير مثليها في الرواية الاخرى ". والذي يذهب إليه أنه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر بلا خلاف، ثم اختص أصحابنا بأنهم يقولون: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر معا إلا أن الظهر قبل العصر (1). وتحقيق هذا الموضع: أنه إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر بمقدار ما يؤدى اربع ركعات، فإذا خرج هذا المقدار من الوقت اشترك الوقتان. ومعنى ذلك أنه يصح أن يؤدى في هذا الوقت المشترك الظهر والعصر بطوله، على أن الظهر متقدمة للعصر، ثم لا يزال في وقت منهما إلى أن يبقى إلى غروب الشمس مقدار أداء أربع ركعات، فيخرج وقت الظهر، ويخلص هذا المقدار للعصر، كما خلص الوقت الاول للظهر، وهو مذهب مالك (2). وروي عنه أنه قال: إن وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شئ مثله، فإذا صار ذلك دخل وقت العصر، ثم يشتركان في الوقت إلى غروب الشمس (3). وعن أبي حنيفة في آخر وقت الظهر ثلاث روايات روي عنه في الاصل: أنه

هذا موافق لما عند الزيدية في وقت الظهر ولم أجد روايته عن الناصر عليه السلام وأما مصير ظل القامة مثليها فليس من مذهبهم بل هو عندهم آخر وقت العصر في حالة الاختيار، نعم وبعض الزيدية يقول: الاوقات ثلاثة فالظهر والعصر عنده كما ذكر المرتضى عن أصحابه (ح). (1) مختلف الشيعة 2: 6 - 7.
(2) بداية المجتهد 1: 97، الاسذكار لابن عبد البر 1: 41، حلية العلماء 2: 16.
(3) الاستذكار لابن عبد البر 1: 41، أحكام القرآن للجصاص 3: 251 - 252.

[ 190 ]

إذا صار ظل كل شئ مثله (1). رواية أخرى: أنه إذا صار ظل كل شئ مثليه (2). وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي، والثوري، وابن حي: آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شئ مثله (3). وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس (4). وروي عن الشافعي مثل قوله (5)، وفى رواية أخرى: آخر الوقت إذا صار ظل كل شئ مثليه (6). والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتقدم، قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار) (7) يعني الفجر والعصر، وطرف الشئ ما يقرب من نهايته، ولا يليق ذلك إلا بقول من قال: وقت العصر ممتد إلى قرب غروب الشمس، لان مصير ظل كل شئ مثله أو مثليه يقرب من الوسط، ولا يقرب إلى الغاية والانتهاء. ولا معنى لقول من حمل الآية على الفجر والمغرب، لان المغرب ليس هو في طرف النهار، وإنما هو طرف الليل، بدلالة أن الصائم يحل له الافطار في ذلك الوقت، والافطار لا يحل في بقية النهار.

(1) الاصل للشيباني 1: 144، المبسوط للسرخسي 1: 142، أحكام القرآن للجصاص 3، 251.
(2) أحكام القرآن للجصاص 3، 251، الاصل للشيباني 1: 145، اللباب في شرح الكتاب 1: 55، شرح فتح القدير 1: 193، الاسذكار لابن عبد البر 1: 40، المبسوط للسرخسي 1: 142.
(3) المجموع شرح المهذب 3: 21، أحكام القرآن للجصاص 3، 251، اللباب في شرح الكتاب 1: 56، لاستذكار لابن عبد البر 1: 40.
(4) الاصل للشيباني 1: 145، شرح فتح القدير 1: 195.
(5) المجموع شرح المهذب 3: 26، حلية العلماء 2: 16.
(6) المجموع شرح المهذب 3: 28، حلية العلماء 2: 16. (7) سورة هود، الآية: 114.

[ 191 ]

وأيضا فإن قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) (1)، فظاهر هذا الكلام يقتضي أن وقت الظهر ابتداؤه من دلوك الشمس وهو زوالها، وأنه يمتد إلى غسق الليل، وخرج منه بالدليل والاجماع وقت غروب الشمس، فبقي ما قبله. وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إنما أجلكم في أجل ما خلا من الامم، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس " (2). وظاهر هذا القول يقتضي التناهي في قصر هذه المدة، ولا يليق ذلك إلا بمذهبنا دون مذهب الشافعي، وأبي حنيفة. نظير هذا الخبر في إفادة قصر المدة، ما روي من قوله عليه السلام: " بعثت والساعة كهاتين " (3) وأشار صلى الله عليه وآله وسلم بالسبابة والوسطى. وأيضا ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر في الوقت الذى صلى فيه العصر بالامس (4). وهذا يقتضي أن الوقت لهما (5) جميعا. ومن ادعى أن هذا الخبر منسوخ وأنه كان قبل استقرار المواقيت، فقد ادعى ما لا برهان عليه. وأيضا ما رواه ابن عباس عنه عليه السلام " من أنه جمع بين الصلاتين في الحضر لا

(1) سورة الإسراء، الآية: 78.
(2) كنز العمال 12: 156 / 34463، سنن الترمذي 5: 141 / 2871، مجمع الزوائد 10: 311، تاريخ الطبري 1: 7، أحكام القرآن للجصاص 3: 252.
(3) تاريخ الطبري 1: 9، صحيح مسلم 2: 592 / 43، جامع الاصول 5: 679، كنز العمال 14: 190 / 38330، سنن النسائي 3: 189.
(4) الاستذكار لابن عبد البر 1: 39، السنن الكبرى للبيهقي 1: 367.
(5) في (د) و (ن): أن الوقت وقت لهما.

[ 192 ]

لعذر " (1)، وهذا يدل على اشتراك الوقت. وليس لأحد أن يحمل هذا الخبر على أنه صلى الظهر في آخر وقتها وصلاة العصر في أول وقتها، لأن هذا ليس يجمع (2) بين الصلاتين، وإنما هو فعل كل صلاة في وقتها، وذكر العذر في الخبر يبطل هذا التأويل، لان فعل الصلاة في وقتها المخصوص بها لا يحوج إلى عذر. ويدل أيضا على ما ذهبنا إليه: ما روي عن النبي صلى الله وآله وسلم من قوله: " من فاتته صلاة العصر حتى غربت الشمس فكأنما وتر أهله وماله " (3)، فعلق الفوات بغروب الشمس، وتعلقه به يدل على أن الوقت ممتد إلى الغروب. وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " لا يخرج وقت صلاة ما لم يدخل وقت صلاة أخرى " (4)، وهذا يدل على أنه إذا لم يدخل وقت صلاة أخرى - وهي المغرب - فإنه لا يخرج وقت صلاة العصر. فأما الاخبار التي رواها أصحابنا في الأقدام والأذرع (5)، وتمييز وقت الظهر والعصر قدمان أو ذراعان ليقع التنفل والتسبيح والدعاء في هذا الزمان، وهذا هو الافضل والاولى، فجعلت الأقدام والأذرع حدا للفضل لا للجواز.

(1) سنن الترمذي 1: 354 / 187، صحيح مسلم 1: 489 / 49 و 490 / 50، سنن النسائي 1: 290.
(2) الظاهر: " بجمع ".
(3) صحيح مسلم 1: 436 / 201، جامع الاصول 5: 205 / 3267، صحيح البخاري 1: 288 / 519، سنن النسائي 1: 238، السنن الكبرى للبيهقي 1: 445، مسند أحمد 2: 134. (4) انظر: أحكام القرآن للجصاص 3: 253 (قريب منه).
(5) من لا يحضره الفقيه 1: 140 / 649 و 653، التهذيب 2: 24 / 67، الاستبصار 1: 250 / 899..

[ 193 ]

المسألة الثالثة والسبعون: " للمغرب وقتان كسائر الصلوات ". عندنا أن أول وقت المغرب مغيب الشمس، وآخر وقتها مغيب الشفق الذي هو الحمرة، وروي ربع الليل (1)، وحكى بعض أصحابنا: أن وقتها يمتد إلى نصف الليل (2). وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، ومالك، والثوري، وابن حي: لصلاة المغرب أول وآخر كسائر الصلوات (3). وقال الشافعي: ليس للمغرب إلا وقت واحد (4). دليلنا بعد الاجماع المتقدم، قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) (5) وقيل في الدلوك: إنه الزوال (6)، وقيل: إنه الغروب (7)، وهو عام لهما (8) جميعا، فحصل: وقت المغرب ممتد إلى غسق الليل، والغسق اجتماع الظلمة، وإذا ثبت

عند كثير من الزيدية للمغرب وقتان الاول الاختياري الى ذهاب الشفق والثاني الاضطراري بقية الليل إلا ما يسع العشاء آخر الليل وحكى في البحر ج 1 ص 155 قولا للناصر أن وقت المغرب ممتد الى الفجر (ح). (1) مختلف الشيعة 2: 20.
(2) مختلف الشيعة 2: 20، الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 494.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 144، الهداية للمرغيناني 1: 38، شرح فتح القدير 1: 195، المجموع شرح المهذب 3: 34، بداية المجتهد 1: 97، الاستذكار لابن عبد البر 1: 44.
(4) الأم 1: 92، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 104، المجموع شرح المهذب 3: 29 و 34، أحكام القرآن للجصاص 3: 258، بداية المجتهد 1: 97، الاستذكار لابن عبد البر 1: 44، المغني لابن قدامة 1: 390.
(5) سورة الإسراء، الآية: 78.
(6) أحكام القرآن للجصاص 3: 251، الاستذكار لابن عبد البر 1: 85، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10: 303. وفي (ط) و (د): " المغرب " بدل " الغروب ".
(7) نفس المصدر السابق.
(8) الموجود في النسخ: " علمهما ".

[ 194 ]

أن وقت المغرب يمتد إلى وقت اجتماع الظلمة، فقد وضح أن لها وقتين. وأيضا ما رواه أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن للصلاة أولا وآخرا، وإن أول وقت المغرب إذا غابت الشمس، وآخره حين يغيب الشفق (1). وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه صلى المغرب في اليوم الاول حين غابت الشمس، وصلى في اليوم الثاني حين كاد الشفق أن يغيب (2). وأيضا ما روي من أنه عليه السلام قال: " إنما التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى " (3)، وهذا الخبر يقتضي أن صلاة المغرب لا تفوت إلا بعد دخول العشاء الآخرة، والمخالف يقول بفوته قبل ذلك. وليس لهم أن يحتجوا بما روي عنه عليه السلام " من أنه أحل المغرب في اليوم الاول حين غابت الشمس، وفى اليوم الثاني حين غابت الشمس وقتا واحدا لم يزل عنه (4). وذلك أن فعلهما في اليومين في وقت واحد لا يدل على أنه لا وقت لها غيره، لانه روي أنه عليه السلام " صلى العصر في اليومين جميعا قبل إصفرار الشمس " (5)، ولم يدل ذلك على أن ما بعد اصفرارها ليس بوقت العصر. ولا لهم أيضا أن يتعلقوا بما روي عنه عليه السلام من قوله: " بادروا بصلاة المغرب

(1) سنن الترمذي 1: 283 / 151، مسند أحمد 2: 232، كنز العمال 7: 358 / 19257، السنن الكبرى للبيهقي 1: 376.
(2) صحيح مسلم 1: 428 / 176، جامع الاصول 5: 207 / 3270، سنن الدارقطني 1: 264 / 30.
(3) صحيح مسلم 1: 473 / 311، السنن الكبرى للبيهقي 1: 376، سنن أبي داود 1: 121 / 441، سنن النسائي 1: 294، سنن الدارقطني 1: 386 / 12، جامع الاصول 5: 199 / 3256.
(4) سنن الدارقطني 1: 261 / 18، نيل الاوطار 1: 380، جامع الاصول 5: 212 و 213 / 3273، أحكام القرآن للجصاص 3: 259.
(5) أحكام القرآن للجصاص 3: 257..

[ 195 ]

وطلوع النجوم " (1). وذلك أن هذا حث على تقديم صلاة المغرب في أول الوقت، وتقديم الصلاة في أول الوقت عندنا الافضل والاولى. المسألة الرابعة والسبعون: " الشفق الذي يدخل بغيبوبته وقت العشاء، البياض في إحدى الروايتين، والحمرة في الرواية الاخرى ". والصحيح عندنا: أن الشفق هو الحمرة دون البياض، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد (2). وقال أبو حنيفة: الشفق هو البياض (3). الدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم، ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " الشفق الحمرة " (4). وروي عن ابن عمر (5) أنه قال: إنما الشفق الحمرة (6).

(1) سنن الدارقطني 1: 260 / 13، كنز العمال 7: 385 / 19414، مسند أحمد 5: 415. وهذه الرواية هي التي ذكرها في البحر عن الناصر ج 1 ص 156 (ح).
(2) المجموع شرح المهذب 3: 38، 42، حلية العلماء 2: 18، الاصل للشيباني 1: 145، الحجة للشيباني 1: 7، للباب في شرح الكتاب 1: 56، الهداية للمرغيناني 1: 39، أحكام القرآن للجصاص 3: 258، الاستذكار لابن عبد البر 1: 93.
(3) الاصل للشيباني 1: 145، الحجة للشيباني 1: 8، اللباب في شرح الكتاب 1: 56، الهداية للمرغيناني 1: 39، أحكام القرآن للجصاص 3: 258، شرح فتح القدير 1: 196.
(4) سنن الدارقطني 1: 269 / 2 و 3 و 4، السنن الكبرى للبيهقي 1: 373.
(5) أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، العدوي المكي، ولد سنة ثلاث من المبعث. =.

[ 196 ]

وروى النعمان بن بشير (7): " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة (8). يعني لثلاثة من الشهر، والقمر يسقط ليلة الثالثة قبل غيبوبة البياض. وقد حكى أهل اللغة: أن الشفق الحمرة (9)، وحكي عن بعضهم: أنه البياض (10). والاقرب أنه في اللغة يقع عليهما جميعا. ويبقى الكلام في معنى هذه اللفظة في الشرع، وبأي شئ يتعلق حكم خروج وقت المغرب، ودخول وقت العشاء الآخرة؟ وقد استدل الشافعي على أن الشفق الذي يخرج بغيبوبته وقت المغرب، ويدخل وقت العشاء الآخرة، هو الحمرة دون البياض: بما رواه جابر (11)، من أن

= روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبيه، وأبي بكر، وعلي عليه السلام، وأبي ذر، وبلال، ومعاذ، وعائشة وغيرهم، عنه الحسن البصري وطاووس، وسعيد بن المسيب، والزهري وآخرون. مات سنة 74 ه‍. انظر: الاصابة في تمييز الصحابة 2: 347، تذكرة الحفاظ 1: 37 / 17، وفيات الاعيان 3: 28 / 321، سير اعلام النبلاء 3: 203، العبر 1: 83.
(6) سنن الدارقطني 1: 269 / 4، أحكام القرآن للجصاص 3: 258، السنن الكبرى للبيهقي 1: 373، كنز العمال 7: 393 / 19457. والرواية غير موجودة في (ط) و (د).
(7) هو أبو عبد الله النعمان بن بشير بن ثعلبة الانصاري الخزرجي كان والي الكوفة وحمص من قبل معاوية، سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورى عنه ابناه محمد، وبشير، والشعبي، وسماك وآخرون. مات سنة 64 ه‍. انظر: أسد الغابة 5: 22، الاصابة في تمييز الصحابة 3: 559 / 8728، الطبقات الكبرى 6: 53، سير اعلام النبلاء 2: 411.
(8) سنن الدارقطني 1: 269 / 1، السنن الكبرى للبيهقي 1: 373.
(9) معجم مقايس اللغة 3: 198، الصحاح للجوهري 4: 1501، لسان العرب 10: 180.
(10) معاني القرآن للفراء 3: 251، لسان العرب 10: 180.
(11) أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، الانصاري المدني، الخزرجي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهد بدرا وثماني عشرة غزوة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحد السابقين، وكان من أصحاب الامام أمير المؤمنين، والامام الحسن، والامام الحسين، والامام علي بن الحسين، والامام محمد الباقر عليهم السلام. توفي سنة 78 ه‍ - =..

[ 197 ]

سائلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مواقيت الصلاة؟ فقال: " لو صليت معنا " فذكر الخبر إلى أن قال: " وصلى العشاء قبل غيبوبة الشفق " (1). ولا يجوز أن يكون المراد بذلك قبل غيبوبة الشفق الذي هو الحمرة، لان فعل الصلاة في ذلك الوقت لا يجوز إجماعا، فثبت أن المراد به قبل الشفق الذي هو البياض. وهذا الخبر لا يصلح أن يستدل به، لان فعل العشاء الآخرة قبل غيبوبة الشفق الذي هو الحمرة عندنا (2) جائز، بل يجوز عندنا أن يصلي العشاء الآخرة عقيب المغرب بلا فصل وهو مذهب مالك (3) وإنما لا يجوز ذلك على مذهب الشافعي، وأبو حنيفة. المسألة الخامسة والسبعون: " أفضل الاوقات في الصلوات كلها أولها ". هذا صحيح وهو مذهب أصحابنا، والدليل على صحته بعد الاجماع المتقدم، ما رواه ابن مسعود (4) قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: ما أفضل الاعمال؟ قال فقال:

= انظر: أسد الغابة 1: 256، الاصابة في تمييز الصحابة 1: 213 / 1026، رجال الشيخ الطوسي 12، 37، 66، 85، 111، رجال العلامة الحلي: 34، تنقيح المقال 1: 199، معجم رجال الحديث 4: 11 / 2018. (1) الأم 1: 93، فتح العزيز 3: 27، حلية العلماء 2: 18.
(2) في (ط) و (د): " وعندنا ".
(3) المدونة الكبرى 1: 115. وهذا حكاه في البحر ج 1 ص 160 عن العترة (ح).
(4) أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل، حليف بني زهرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخادمه، شهد بدرا والمشاهد بعدها، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن عمر، وسعد بن معاذ، وعنه ابناه، وامرأته، وأبو رافع، وجابر، وأنس وآخرون. مات سنة 32. انظر: أسد الغابة 3: 256، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 368 / 4954، سير اعلام النبلاء 1: 461، الكنى والالقاب 1: 407..

[ 198 ]

" الصلاة في أول وقتها " (1). وروت أم فروة (2): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أفضل الاعمال عند الله الصلاة في أول وقتها " (3). وأيضا تقديم الصلاة في أول وقتها احتياط للفرض أولا. وأما الجواب عن تعلقهم بما روي عنه عليه السلام من قوله: " أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للاجر " (4) فهو أن المراد بذلك: أنه لا يصلي إلا بعد أن يوقن بإسفار الفجر، وهو طلوعه، ولم يذكر إسفار النهار. المسألة السادسة والسبعون: " وقت صلاة الليل (5)، من حين يذهب ثلث الليل إلى مطلع الفجر ". عندنا أن وقت صلاة الليل بعد انتصافه، وكلما قرب من الفجر كان افضل. والدليل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتقدم: أن صلاة الليل بعد انتصاف الليل، وفى أواخره أشق منها في ثلثه، والمشقة يزيد بها الثواب، ويكثر لها الجزاء، فما

(1) السنن الكبرى للبيهقي 1: 434، الاستذكار لابن عبد البر 1: 91.
(2) أم فروة: هي جدة القاسم بن غنام البياضي، الانصارية من المبايعات سمعت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث، نظر: أسد الغابة 5: 607، الطبقات الكبرى 8: 303.
(3) سنن أبي داود 1: 115 / 426، سنن الترمذي 1: 319 / 170، السنن الكبرى للبيهقي 1: 434، كنز العمال 7: 286 / 18900.
(4) سنن الترمذي 1: 289 / 154، سنن الدارمي 1: 277، سنن النسائي 1: 272، مسند أحمد 4: 142، السنن الكبرى للبيهقي 1: 457.
(5) في (ط) و (د) و (ن): " الوتر " بدل " الليل ". ذكر في البحر ج 2 ص 39 أن أفضل النفل بالليل بعد نصف الليل ومن جعل الليل أثلاثا فالثلث الاوسط ولم ينسبه عن الناصر ولا غيره (ح).

[ 199 ]

ذكرناه من الوقت أولى. المسألة السابعة والسبعون: " ولا بأس بقضاء الفرائض عند طلوع الشمس، وعند استوائها، وعند غروبها ". هذا صحيح، وعندنا أنه يجوز أن يصلي في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها كل صلاة لها سبب متقدم، وإنما لا يجوز أن يبتدئ فيها النوافل، ووافقنا على ذلك الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يجوز فعل الصلاة التي لها سبب في وقتين من جملة المنهي عنه، وهو ما بعد الصبح إلى حين تطلع الشمس، وما بعد العصر إلى أن تغرب، ولا يجوز في الاوقات الثلاثة التي نهي عنها لأجل الوقت، وهي حال طلوع الشمس، واستوائها للزوال، وحال غروبها، إلا عصر يومه إذا فاتت، فيجوز أن يصليها في وقت الغروب (2). دليلنا بعد الاجماع المتكرر قوله تعالى: (أقم الصلاة " (3)، والظاهر يتناول جميع الاوقات، ولا يلزم على ذلك فعل النوافل في الاوقات المنهي عنها، لانه خرج بدليل. وما روي عنه عليه السلام من قوله: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (4)، ولم يفصل بين وقت وآخر.

وحكى هذا في البحر ج 1 ص 165 عن الناصر (ح). (1) حلية العلماء 2: 180، الاستذكار لابن عبد البر 1: 138، المجموع شرح المهذب 4: 171، المغني لابن قدامة 1: 755، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 113.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 40، حلية العلماء 2: 181، الاستذكار لابن عبد البر 1: 141، المجموع شرح المهذب 4: 171، شرح فتح القدير 1: 207 و 208، الاصل للشيباني 1: 149 و 150، وفي (ط) و (د) المغرب.
(3) سورة الإسراء، الآية: 78.
(4) سنن النسائي 1: 294، سنن الترمذي 1: 334 / 177، السنن الكبرى للبيهقي 2: 456، الاستذكار لابن عبد البر 1: 115..

[ 200 ]

وما روي من أن قيس بن قهد (1) صلى بعد الصبح فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ما هاتان الركعتان "؟ فقال: ركعتا الصبح (2). فلو لم يكن جائزا لأنكر عليه. فإن تعلقوا بقوله عليه السلام: " لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " (3). الجواب عنه: أن ذلك عام في الصلوات التي لها أسباب والتي لا أسباب لها، وأخبارنا خاصة في جواز ما له سبب (4). المسألة الثامنة والسبعون: " ولا بأس بالتطوع بعد الفجر وبعد العصر ". عندنا أنه لا يجوز التطوع بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس، إلا في يوم الجمعة خاصة، ولا يجوز التطوع بعد صلاة العصر، ووافقنا على ذلك الشافعي (5). وخالفه أبو حنيفة في جواز التنفل وقت الزوال من يوم الجمعة (6). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه من منع التنفل في الاوقات التي ذكرناها: ما

(1) قيس بن عمرو بن سهل، الانصاري، المدني، وأن قهد لقب عمرو، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه قيس بن أبي حازم، وابنه سعيد بن قيس، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي. انظر: تهذيب التهذيب 8: 358 / 715، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 2: 357 / 5888.
(2) سنن الدارقطني 1: 383 / 9، السنن الكبرى للبيهقي 2: 456، كنز العمال 8: 91 / 22040.
(3) صحيح البخاري 1: 300 / 552، سنن النسائي 1: 276، مسند أحمد 5: 165، جامع الاصول 5: 259 / 3339، السنن الكبرى للبيهقي 2: 452.
(4) التهذيب 2: 266 / 1059، الكافي 3: 292 / 3، من لا يحضره الفقيه 1: 316 / 1433 و 315 / 1428. حكاه في البحر عن الناصر ج 1 ص 167 - 168 (ح).
(5) حلية العلماء 2: 182، الاستذكار لابن عبد البر 1: 140، المجموع شرح المهذب 4: 175، 176.
(6) المجموع شرح المهذب 4: 177، الهداية للمرغيناني 1: 41، المبسوط للسرخسي 1: 151.

[ 201 ]

روي عنه عليه السلام من قوله: " لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " (1). وفى حديث الصباح: أنه نهى عن الصلاة في وقت الطلوع، واستواء الشمس، وغروبها (2). وأما الدليل على جواز ذلك في يوم الجمعة خاصة: فهو بعد إجماع الفرقة المحقة، ما رواه أبو هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة نصف النهار حين تزول الشمس، إلا يوم الجمعة (3). المسألة التاسعة والسبعون: " وللمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر ما بين زوال الشمس إلى غروبها، وبين العشاءين ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر ". قد بينا مذهبنا في أوقات هذه الصلوات ودللنا عليه، ولا معنى لتكراره، والاجازة للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر ما بين زوال الشمس إلى غروبها كأنه ينقض القول بأن وقت الظهر متميز من وقت العصر، وتحديد كل واحد منهما بحد لا يدخل فيه الآخر، لانه ليس للمسافر أن يصلي الصلاة في غير وقتها، كما أن

(1) تقدم في المسألة السابقة.
(2) صحيح البخاري 1: 299 / 548، جامع الاصول 5: 255 / 3335، السنن الكبرى للبيهقي 2: 454، سنن النسائي 1: 277.
(3) مسند الشافعي: 63، كنز العمال 7: 418 / 19597، وفي (ط) و (د): " حين تزول الشمس ". حكى هذا في البحر عن العترة ج 1 ص 169 ثم حكى عن الناصر أنه لا يجوز الجمع إلا في عرفه ومزدلفة فلعله أراد أن للناصر قولين (ح).

[ 202 ]

ليس للحاضر ذلك. المسألة الثمانون: " من أخطأ القبلة وعلم به قبل مضي وقت الصلاة فعليه إعادتها، فإن علم بعد مضي وقتها فلا إعادة عليه ". هذا صحيح، وعندنا أنه إذا تحرى في القبلة فأخطأ ثم تبين له الخطأ، أنه يعيد ما دام في الوقت ولا إعادة عليه بعد خروج الوقت. وقد روي: أنه إن كان خطاؤه يمينا أو شمالا أعاد ما دام الوقت باقيا، فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، فإن استدبر القبلة أعاد على كل حال (1). والاول هو المعول عليه، ووافقنا في ما ذهبنا إليه مالك (2). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن صلاته ماضية ولا إعادة عليه على كل حال (3). وقال الشافعي في الجديد: إن من أخطأ القبلة ثم تبين له خطاؤه لزمه إعادة الصلاة (4). وقوله في القديم مثل قول أبي حنيفة (5).

حكاه عن الناصر في البحر إذا تحرى القبلة ج 1 ص 209 (ح). (1) تهذيب الاحكام 2: 45 / 12 - 18.
(2) المدونة الكبرى 1: 92 - 93.
(3) اللباب في شرح الكتاب 1: 64، الهداية للمرغيناني 1: 45، فتح القدير 1: 237، المجموع شرح المهذب 3: 243، حلية العلماء 2: 74.
(4) المجموع شرح المهذب 3: 243، حلية العلماء 2: 74، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 106، كفاية الاخيار 1: 59، الأم 1: 114.
(5) المجموع شرح المهذب 3: 225، حلية العلماء 2: 74، كفاية الاخيار 1: 59..

[ 203 ]

ودليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المقدم ذكره قوله تعالى: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (1) فأوجب التوجه على كل مصل إلى شطر البيت، فإذا لم يفعل ذلك كان الامر عليه باقيا، فيلزمه الاعادة. فإن قيل: الآية تقتضي وجوب التوجه على كل مصل، وليس فيها دلالة على أنه إذا لم يفعل لزمه الاعادة. قلنا: لم نحتج بالآية على وجوب القضاء، وإنما بينا بالآية وجوب التوجه على كل مصل، فإذا لم يأت بالمأمور به فهو باق في ذمته فيلزمه فعله. وليس لأحد أن يقول: هذه الآية إنما يصح أن يحتج بها الشافعي، لانه يوجب الاعادة على كل حال، في الوقت وبعد خروج الوقت، وأنتم تفصلون بين الامرين، وظاهر الآية يقتضي ألا فصل بينهما، فلا دليل لكم على مذهبكم في الآية. قلنا: إنما أمر الله تعالى كل مصل للظهر - مثلا - بالتوجه إلى شطر البيت ما دام في الوقت، ولم يأمره بالتوجه بعد خروج الوقت، لانه إنما أمر بأداء الصلاة لا بقضائها، والاداء ما كان في الوقت، والقضاء ما خرج عن الوقت، فهو إذا تحرى القبلة وصلى إلى جهة، ثم تبين له الخطأ، وتيقن أنه صلى إلى غير القبلة وهو في الوقت لم يخرج عنه، فحكم الامر باق عليه، ووجوب الصلاة متوجها إلى القبلة باق في ذمته، وما فعله غير مأمور به، ولا يسقط عنه الفرض، فيجب أن يصلي ما دام في الوقت الصلاة المأمور بها، وهي التي تكون إلى جهة الكعبة، لانه قادر عليها ومتمكن منها، وبعد خروج الوقت لا يقدر على فعل المأمور به بعينه، لانه قد فات بخروج الوقت، والقضاء في الموضع الذى يجب فيه إنما يعلمه بدليل غير دليل وجوب الأداء، وهذا

(1) سورة البقرة، الآية: 144 و 150.

[ 204 ]

الموضع قد بيناه في مسائل أصول الفقه (1). وليس لأحد أن يقول: إن المصلي في حال اشتباه القبلة عليه لا يقدر على التوجه إلى القبلة، فالآية مصروفة إلى من يقدر على ذلك. لان هذا القول تخصيص لعموم الآية بغير دليل، ولانه إذا تبين له الخطأ في الوقت فقد زال الاشتباه، فيجب أن تكون الآية متناولة له، ويجب أن تفعل للصلاة إلى جهة القبلة. فإن تعلقوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه " (2). والجواب عن ذلك: أنا نقول: إن خطأه مرفوع، وإنه غير مؤاخذ به، وإنما تجب عليه الصلاة بالامر الاول، لانه لم يأت بالمأمور به. فإن تعلقوا بما روي: من أن قوما أشكلت عليهم القبلة لظلمة عرضت فصلى بعضهم إلى جهة وبعضهم إلى غيرها، وعلموا ذلك، فلما أصبحوا ورأوا تلك الخطوط إلى غير القبلة وقدموا من سفرهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فسكت، ونزل قوله تعالى: (فأينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله) (3). فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أجزتكم صلاتكم " (4). والجواب عن ذلك: أنا نحمل هذا الخبر على أنهم سألوه عليه السلام عن ذلك بعد

(1) الذريعة الى اصول الشريعة 1: 116 - 120.
(2) عوالي اللآلي 1: 232 / 131، سنن الدارقطني 4: 171 / 33، سنن ابن ماجة 1: 659 / 2043، 2045، السنن الكبرى للبيهقي 7: 356، كنز العمال 12: 155 / 34458.
(3) سورة البقرة، الآية: 115.
(4) سنن الدارقطني 1: 271 / 3 و 4، سنن الترمذي 2: 176 / 345، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 256 / 429، السنن الكبرى للبيهقي 2: 10، وفيه: " أجزأت "..

[ 205 ]

خروج الوقت، وهذا صريح في الخبر، لانه كان سؤالهم بعد قدومهم من السفر، فلم يأمرهم عليه السلام بالاعادة، لان الاعادة على مذهبنا لا تلزم بعد خروج الوقت. وأصحاب الشافعي يتأولون الخبر على أنه كان في صلاة التطوع (1)، ويروون عن ابن عمر أنه قال: نزلت هذه الآية في التطوع خاصة (2). والتأويل الذي ذكرناه يغني عن هذا. المسألة الحادية والثمانون: " لا تجوز الصلاة في الدار المغصوبة، ولا في الثوب المغصوب (* *) ". هذا صحيح، وهو مذهب جميع أصحابنا والمتكلمين من أهل العدل إلا الشاذ منهم، فإن النظام (3) خالف في ذلك وزعم أنها مجزئة (4)، ويذهبون إلى إن الصلاة في

(1) المجموع شرح المهذب 3: 243 - 244.
(2) سنن الترمذي 5: 189 / 2958، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2: 80. حكاه في البحر ج 1 ص 218 عن العترة جميعا يعني آل رسول الله كلهم (ح). (* *) حكاه في البحر عن العترة ج 1 ص 213 (ح).
(3) أبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هاني البصري، المتكلم، من أئمة المعتزلة، وانفرد بآراء خاصة تابعته فيها فرقة من المعتزلة سميت " النظامية " له عدة تصانيف، منها كتاب " الطفرة " و " الجواهر والاعراض " و " حركات أهل الجنة " مات سنة 231 ه‍. انظر: تاريخ بغداد 6: 97 / 3131، سير اعلام النبلاء 10: 541، معجم المؤلفين 1: 37، الكنى والالقاب 3: 253.
(4) المعتمد في اصول الفقه 1: 181..

[ 206 ]

الدار المغصوبة لا تجزئ، والى ذلك ذهب أبو علي، وأبو هاشم (1)، ومن عداهما من المحققين المدققين (2). وقال سائر الفقهاء: إن الصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب مجزئة (3). الدليل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المقدم ذكره، وأيضا فإن من شرط الصلاة أن تكون طاعة وقربة ولا خلاف في هذه الجملة، وكونها مؤداة في الدار المغصوبة يمنع من ذلك، ألا ترى أن عاقلا لا يجوز أن يتقرب إلى الله تعالى بما يعلمه قبيحا ومعصية؟! وأيضا فإن من شرط الصلاة، أن ينوي بها إذا كانت واجبة أداء الواجب، وكونها في الدار المغصوبة يقدح في النية ويمنع منها. ولا شبهة في أن الصلاة في الدار المغصوبة قبيحة ومعصية، ومن يظن من الفقهاء خلاف ذلك ويعتقد أنها طاعة ويزعم أن فعله لها منفصل من الغصب له، فقد فحش خطاؤه، لان العقل دال على قبح تصرف الغاصب في الدار، لانه ظلم، ويجري تصرفه في الدار مجرى تصرفه في المال المغصوب، وصلاته في الدار ليس سوى تصرفه فيها. ألا ترى أن قيامه وقعوده وركوعه وسجوده يمنع صاحب الدار من تصرفه فيها، فقد صار من جملة الغصب هذا التصرف. ولا فرق بين أن يقوم في الدار ويقعد بغير إذن مالكها، وبين أن يجعل فيها متاعا، فلو كان قعوده ليس بغصب لكان شغل الدار بالمتاع ليس بغصب.

(1) أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمد الجبائي. كان هو وأبوه من كبار المعتزلة، عالم بالكلام، وأخذ عن والده، له تصانيف منها " الجامع الكبير " و " الشامل " و " تذكرة المعالم " و " العدة " توفي سنة 321 ه‍ - ببغداد. انظر: وفيات الاعيان 3: 183 / 383، تاريخ بغداد 11: 55 / 5735، سير اعلام النبلاء 15: 63، ميزان الاعتدال 2: 618 / 5061.
(2) المجموع شرح المهذب 3: 164، المستصفى 1: 77 - 78، المعتمد في اصول الفقه 1: 181.
(3) المجموع شرح المهذب 3: 164، حلية العلماء 2: 60، المغني لابن قدامة 1: 722، المبسوط للسرخسي 1: 206، الشرح الكبير 1: 479..

[ 207 ]

وقد تعلق قوم في إجزاء الصلاة في الدار المغصوبة: بأن الصلاة تنقسم إلى فعل وذكر، والفعل فيها وإن يتناول الذكر فالذكر لا يتناولها، ولا يمتنع أن تجزئ وإن وقعت في الدار المغصوبة، من حيث وقع ذكرها طاعة وإن كان فعلها معصية، ولا يمتنع أن يتوجه بنيته إلى الذكر دون الفعل. والجواب عن هذه الشبهة: أن الذكر لا يخلو من وجهين: إما أن يكون تابعا للفعل الذي هو الصلاة، فيكون هو المعتمد والذكر كالشرط له، أو يكون مجموعهما صلاة، ولا يمكن غير ذلك. فإذا صح ما قررناه، فنيته يجب أن تنصرف إلى جملة الصلاة التي هي فعل وذكر، وقد بينا أن كونها معصية تمنع من ذلك. وذكر بعض محصلي من تكلم في أصول الفقه: أن الصلاة في الدار المغصوبة من حيث استوفى شروطها الشرعية فيجب أن تكون واقعة على وجه الصحة، وأن كانت معصية لحق صاحب الدار، وزعم أن الفعل يختص بوجهين حل على (1) الفعلين المنفصلين، وادعى أن نية المصلي واعتقاده يتوجهان نحو الوجه الذي يتكامل معه الشروط الشرعية، دون الوجه الذي يرجع إلى حق صاحب الدار. وهذا غير صحيح، لانه بنى كلامه على أن الصلاة في الدار المغصوبة قد استوفيت شروطها الشرعية، وقد بينا أن الامر بخلاف ذلك، لان من شروطها الشرعية كونها طاعة وقربة، ومن شروطها الشرعية نية أداء الواجب بها إذا كانت الصلاة واجبة، وهذا لا يتم في الدار المغصوبة، فبطل كونها مستوفية للشروط الشرعية، وبعد فإن نية المصلي تنصرف إلى جملة الصلاة وجميعها، ولا يجوز أن يكون شطر منها معصية وقبيحا.

(1) في (م) و (ط) و (د) و (ن): " محل " بدل " على ".

[ 208 ]

فأما الصلاة في الثوب المغصوب فلا يمكن أن يقال فيه ما قلناه في الصلاة في الدار المغصوبة، ومن يوافقنا في أن الصلاة فيه غير جائزة، يعتمد على أنه منهي عنه، وأن النهي يقتضي الفساد ونفي الإجزاء. وهذا ليس بمعتمد، لانا قد بينا في مسائل أصول الفقه: أن النهي بظاهره ومجرده لا يقتضي فساد المنهي عنه ونفي إجزائه (1). والصحيح في وجه المنع من الصلاة في الثوب المغصوب: أنا قد علمنا أن أجزاء الفعل وتعلق الاحكام الشرعية به إنما يعلم شرعا، والاصل في الفعل اللاشرع (2)، فمن ادعى إجزاء الصلاة في الثوب المغصوب فقد أثبت شرعا، ويلزمه إقامة دليل شرعي عليه، وليس في أدلة الشرع ما يقتضي ذلك. وأيضا فإن الصلاة في ذمة المكلف بلا خلاف، وإنما يجب أن يعلم سقوطها من ذمته حتى تبرأ ذمته، وقد علمنا أنه إذا أداها في ثوب مملوك فقد تيقن براءة ذمته، وقد علمنا سقوط الفرض عنه، وإذا أداها في ثوب مغصوب فلا يقين ببراءة ذمته، فيجب نفي جوازه. المسألة الثانية والثمانون: " تكبيرة الافتتاح من الصلاة والتسليم ليس منها (* *) ". لم أجد لأصحابنا إلى هذه الغاية نصا في هاتين المسألتين، ويقوى في نفسي أن

(1) الذريعة الى اصول الشريعة 1: 180 - 181.
(2) في (ج) و (م): " الشرع ". لم أجده (ح). (* *) حكى في البحر ج 1 ص 280 عن الناصر أنه مسنون واحتج له بحديث فيه: " ثم احدث قبل التسليم فقد تمت صلاته " (ح).

[ 209 ]

تكبيرة الافتتاح من الصلاة، وأن التسليم أيضا من جملة الصلاة، وهو ركن من أركانها، وهو مذهب الشافعي (1). ووجدت بعض أصحابنا يقول في كتاب له: إن السلام سنة (2) غير مفروض ومن تركه متعمدا لا شئ عليه (3). وقال أبو حنيفة: تكبيرة الافتتاح ليس من الصلاة، والتسليم ليس بواجب ولا هو من الصلاة، وإذا قعد قدر التشهد خرج من الصلاة بالسلام والكلام وغيرهما (4). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه من أن تكبيرة الافتتاح من الصلاة: أنه لا خلاف في أن نية الصلاة إما تتقدم عليه بلا فصل أو تقارنه، على الاختلاف بين الفقهاء في ذلك، ونية الصلاة لا تجب مقارنتها إلا لما (5) هو من الصلاة لتؤثر فيه، وما ليس من الصلاة فلا يجب أن تتقدم عليه ولا تقارنه، وفي وجوب مقارنة النية أو التقديم لتكبيرة الافتتاح دليل على أنها من جملة الصلاة. وأيضا فلا يكون من الصلاة إلا ما كان شرطه استقبال القبلة، لان استقبال القبلة إنما هو شرط في الصلاة دون غيرها من الافعال، ولا يلزم على هذا الاذان والاقامة، لان الاذان والاقامة مستحب فيهما استقبال القبلة، وليس بواجب فيهما.

(1) المجموع شرح المهذب 3: 289 و 481، حلية العلماء 2: 89 و 132، مغني المحتاج 1: 150 و 177، الأم 1: 121، الاستذكار لابن عبد البر 2: 134، كفاية الاخيار 1: 64 و 69. (2) في (ج): " أن السلام ليس من الصلاة الواجب، وهو سنة... ".
(3) كما في المقنعة: 139.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 35، الهداية للمرغيناني 1: 46 - 47، اللباب في شرح الكتاب 1: 66 - 67، الاصل للشيباني 1: 9، حلية العلماء 2: 132، الاستذكار لابن عبد البر 2: 137.
(5) في (ط) و (ن) و (د): " بما هو من الصلاة فلا يجب أن تتقدم عليه... "..

[ 210 ]

وأيضا لو لم تكن تكبيرة الافتتاح من الصلاة، ما كان الوضوء شرطا فيه، لان الوضوء إنما هو شرط في أفعال الصلاة دون ما هو خارج عنها. فإن قيل: إنما هو شرط فيه الوضوء لان الصلاة عقيبه بلا فصل، فلو وقع بغير وضوء لدخل في أول جزء من الصلاة بغير وضوء. قلنا: ليس الامر كذلك، لانا لو فرضنا رجلا مستقبلا للقبلة وعلى يمينه حوض عال يقدر أن يتناول منه الماء بغير مشقة، فابتدأ بأول التكبير ومد بقوله: (الله) صوته، وهو في حال امتداد صوته يتوضأ من ذلك الماء، حتى يكون فراغه من آخر الوضوء قبل أن يختم لفظ التكبير بحرف أو حرفين، فمعلوم أن هذا جائز (1)، فعلمنا أن الوضوء شرط في التكبير نفسه لا للتعذر (2) من وقوع الصلاة عقبه بغير وضوء. فإن تعلق المخالف بقوله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) (3) فجعله مصليا عقيب الذكر، لان الفاء للتعقيب، والذكر الذي يكون عقيبه الصلاة وهو ذكر الافتتاح، فلو كان من الصلاة لكان مصليا معه، والله تعالى جعله مصليا عقيبه. والجواب عن ذلك: أنا لا نسلم أن المراد بالذكر تكبيرة الافتتاح، بل لا نمنع أن يراد به الاذكار التي يؤتى بها قبل الصلاة من الخطبة والاذان. على أن أصحابنا يذهبون إلى أنه مسنون للمصلي أن يكبر تكبيرات قبل تكبيرة الافتتاح التي هي الفرض، وليست هذه التكبيرات من الصلاة، فيجوز أن يحمل الذكر الذي تضمنته الآية على هذه التكبيرات (4).

(1) كذا في النسخ، والظاهر: غير جائز.
(2) في (ط): " للتحرز ".
(3) سورة الاعلى، الآية: 14 و 15.
(4) المقنعة للمفيد: 103 و 104، المختلف 2: 188، النهاية للطوسي: 69 و 70..

[ 211 ]

فإن قالوا: ليس يخلو المصلي من أن يدخل في الصلاة بابتداء التكبير أو عند الفراغ منه، ولا يجوز أن يدخل في الصلاة بابتدائه، لان الاجماع متى لم يأت بالتكبير على التمام لا يدخل في الصلاة، فثبت أنه إنما يدخل بالفراغ منه، وإن كان ابتداء التكبير وقع خارج الصلاة فكيف يصير بعد ذلك منها؟ قلنا: ليس يمتنع أن يكون الدخول في الصلاة إنما يكون بالفراغ من التكبير، ثم تبين بذلك أن جميع التكبير كان من الصلاة، كما أن عندهم أن التسليم ليس من الصلاة، ولو ابتدأ بالسلام فإنه لا يخرج بذلك من الصلاة، فإذا فرغ منه تبين عندهم أن جميعه وقع خارج الصلاة. وكذلك إذا قال: بعتك هذا الثوب، لم يكن ذلك بيعا، فإذا قال المشتري: قبلت، صار الايجاب والقبول بمجموعهما بيعا. فأما الدلالة على وجوب السلام: فهو ما روي عنه عليه السلام من قوله: " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " (1) فلما قال: " وتحليلها التسليم " دل على أن غير التسليم لا يكون تحليلا لها. وأيضا ما رواه سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسلم في الصلاة عن يمينه وعن شماله (2)، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (3)، فوجب اتباعه في ذلك. وأيضا فكل من قال أن التكبير من الصلاة، ذهب إلى أن السلام واجب وأنه

(1) سنن أبي داود 1: 16 / 61، سنن الدارقطني 1: 360 / 4، سنن الترمذي 1: 8 / 3، السنن الكبرى للبيهقي 2: 380، كنز العمال 7: 428 / 19632، جامع الاصول 5: 428 / 3583 و 429 / 3584.
(2) مجمع الزوائد 2: 145، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 366 / 614.
(3) سنن الدارقطني 1: 273 / 2 و 346 / 10، سنن الدارمي 1: 286، وتلخيص الحبير 2: 122، مسند الشافعي (ضمن كتاب الأم) 8: 464، السنن الكبرى للبيهقي 2: 345..

[ 212 ]

منها، وهذه الطريقة دلالة على وجوب السلام، وأنه من الصلاة. ويدل أيضا على أن السلام من الصلاة ما رواه عبد الله بن مسعود قال: ما نسيت من الاشياء فلم أنس تسليم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة عن يمينه وشماله. " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " (1). وأيضا ما روته عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسلم في الصلاة عن يمينه وشماله " السلام عليكم ورحمة الله " (2). وأما ما تعلق به المخالف بما رواه عبد الله بن مسعود: أنه علمه التشهد ثم قال: " إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك " (3). وبخبر أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم الاعرابي الصلاة، ولم يذكر التسليم (4). والجواب عن خبر ابن مسعود: أنه روي في بعض الاخبار أن عبد الله بن مسعود هو القائل: إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك " (5)، وليس من كلامه عليه السلام. على أن ظاهر الخبر متروك بإجماع، لانه يقتضي أن صلاته تتم إذا أتى بالشهادة، وبالاجماع أنه قد بقى عليه شئ وهو الخروج، لان الخروج عندهم يقع بكل مناف للصلاة، فبطل التعلق بالظاهر. والجواب عن خبر أبي هريرة: أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلمه التسليم، لانه كان يحسنه،

(1) سنن الدارقطني 1: 357 / 6، جامع الاصول 5: 409 / 3564، سنن النسائي 3: 64، نصب الراية 1: 431، التحقيق في اختلاف الحديث: 365 / 611.
(2) سنن الدارقطني 1: 358 / 7، سنن الترمذي 2: 90 / 296، نصب الراية 1: 433، جامع الاصول 5: 412 / 3569.
(3) سنن الدارقطني 1: 353 / 12 - 13 و 354 / 14، سنن أبي داود 1: 254 / 970، نصب الراية 1: 425.
(4) السنن الكبرى للبيهقي 2: 372.
(5) السنن الكبرى للبيهقي 2: 174 و 175، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 355 / 595، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1: 174.

[ 213 ]

ويجوز أن يكون ذلك قبل فرض السلام. ومما يجوز الاستدلال به على من خالف من أصحابنا في وجوب السلام أن يقال: قد ثبت - بلا خلاف - وجوب الخروج من الصلاة كما ثبت وجوب الدخول فيها، فإن لم يقف الخروج منها على السلام دون غيره، جاز أن يخرج بغيره من الافعال المنافية للصلاة كما يقول أبو حنيفة (1)، وأصحابنا لا يجوزون ذلك، فثبت وجوب السلام. المسألة الثالثة والثمانون: " فرض الافتتاح متعين بقوله (2): " الله أكبر "، لا يجزي غيره مع القدرة عليه ". هذا صحيح، وهو مذهب جميع أصحابنا، ووافقنا على أن الصلاة لا تنعقد إلا بقوله: الله أكبر والله أكبر الشافعي (3). وقال أبو حنيفة، ومحمد: ينعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم والتفخيم، ويجوز الاقتصار عندهما على مجرد الاسم، وهو أن يقول: الله ولا يأتي بالصفة (4). * (هامش 9 *: (1) الاستذكار لابن عبد البر 2: 215، حلية العلماء 2: 132، المجموع شرح المهذب 3: 481، (2) في (ط) و (ن) و (د): " بقول ". حكاه في البحر ج 1 ص 239 عن الناصر (ح).
(3) الأم 1: 122، المجموع 3: 292، حلية العلماء 2: 89، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 107، الاستذكار لابن عبد البر 2: 137، بداية المجتهد 1: 125.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 35 - 36، اللباب في شرح الكتاب 1: 67، الهداية للمرغيناني 1: 47، شرح فتح القدير 1: 247، حلية العلماء 2: 89، الاصل للشيباني 1: 14..

[ 214 ]

وقد روي عنه رواية أخرى: أنه لا بد من الصفة (1). وقال أبو يوسف: تنعقد بألفاظ التكبير، مثل قوله: الله أكبر، والله المتكبر، ولا ينعقد بغير ألفاظ التكبير (2). وحكي عن الزهري أنه قال: تنعقد الصلاة بمجرد النية (3). دليلنا الاجماع المتقدم ذكره، وأيضا فإن الصلاة في ذمته ولا تسقط عنه إلا بيقين، ونحن نعلم أنه إذا افتتحها بقوله: " الله أكبر " أجزأت الصلاة وسقطت عن ذمته، وإذا افتتحها بغير ذلك فلا يقين في سقوطه عن الذمة ولا علم، فيجب الاقتصار على اللفظ الذي تيقن معه إجزاء الصلاة وبراءة الذمة منها. وأيضا ما رواه رفاعة بن مالك (4): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر " (5). وأيضا فما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمر الله، ثم يكبر " (6). وفي خبر آخر: " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها

(1) المبسوط للسرخسي 1: 36.
(2) اللباب في شرح الكتاب 1: 67، المبسوط للسرخسي 1: 36، الهداية للمرغيناني 1: 47، حلية العلماء 2: 90، الاصل للشيباني 1: 14، 15، وفي (ن) بعد قوله: " الله أكبر " زيادة: " وأكبر الله ".
(3) حلية العلماء 2: 89، المجموع شرح المهذب 3: 290.
(4) رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان، أبو معاذ الزرقي، شهد بدرا، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبي بكر، وعبادة بن الصامت، وعنه ابناه عبيد ومعاذ، وابن أخيه يحيى بن خلاد بن رافع، وابنه علي بن يحيى، شهد مع علي عليه السلام الجمل وصفين، مات سنة 41 ه‍ -. انظر: تهذيب التهذيب 3: 243 / 530، الطبقات الكبرى 3: 596، أسد الغابة 2: 178، رجال الطوسي 19 / 3، 41 / 3.
(5) سنن أبي داود: 1: 227 / 857، المغني لابن قدامة 1: 505، الشرح الكبير (ضمن كتاب المغني) 1: 505.
(6) مسند الشافعي (ضمن كتاب الأم) 8: 456..

[ 215 ]

التسليم " (1) وليس لأحد أن يقول: أن التكبير هو كل لفظ قصد به التعظيم والتفخيم، والتسبيح والتهليل من جملة ذلك، والخبر عام في الكل. وذلك أن التسبيح والتهليل لا يسمى في عرف الشرع بأنه تكبير، بل له اسم مخصوص به، ولا يعرف أحد أن أهل الشرع يسمون من قال: (سبحان الله) أو (لا إله إلا الله) أنه مكبر، وأنه فعل تكبيرا، هذا هو العرف الذي لا يمكن المحيد عنه، وكما لا يسمى التكبير تسبيحا كذلك لا يسمى التسبيح تكبيرا هاهنا. فإن قيل: من جملة التكبير وألفاظه قول: " الله الاكبر " وقد أجازه الشافعي (2). وأنتم تمنعون منه! قلنا: المعهود في الشرع فيما يسمى تكبيرا، أن يأتي باللفظ الذي قد اعتيد استعماله في ذلك، وهو قوله: " الله أكبر " ولا مراعاة في ذلك بالاشتقاق الذي تستوي فيه جميع هذه الالفاظ، وليس بمعهود في من يصلي أو يكبر في غير الصلاة أن يقول: " الله الكبير " أو " الله الاكبر ". على أن الخبر إذا اقتضى أن التسبيح والتهليل والتحميد لا يجوز أن يفتتح به الصلاة لم يجز في لفظة " الله الكبير " لان كل من قال أنها لا تفتتح بالتسبيح والتهليل، يقول إنها لا تفتتح بلفظ " الله الكبير " على أنا نقول للشافعي: ليس يخلو ما يفتتح به الصلاة من أن يكون القصد فيه اللفظ أو المعنى، فإن كان القصد فيه اللفظ فيجب ألا يجزئ إلا اللفظ المخصوص

(1) تقدم تخريجه في المسألة السابقة.
(2) المجموع شرح المهذب 3: 292، حلية العلماء 2: 89، المغني لابن قدامة 1: 505، الأم 1: 122، مختصر المزني (كتاب الأم) 8: 107..

[ 216 ]

المسنون، وهو قوله: " الله أكبر " وليس هذا مذهبك أيها الشافعي! لانك تجيزه بالاكبر. وإن كان الاعتبار بالمعنى وهو التفخيم والتعظيم فيلزم عليك (الله العظيم) و (الله الجليل) وكل لفظ فيه تعظيم لله. فإن قال: لا فرق في اللفظ إذا كان المعتبر به بين قول القائل: (الله أكبر) وقوله: (الله الاكبر) لأن لفظ (الاكبر) لفظ (أكبر) وزيادة، فلا يخل بالمعنى. قلنا: معلوم اختلاف اللفظين وإن أحدهما يخالف في الصورة صاحبه، وإذا كان المقصد اللفظ لم يجز غيره، وإن كان في معناه أن يدخل حرف في حروفه. المسألة الرابعة والثمانون: " يجب القراءة في الركعتين الاولتين ". عندنا أن القراءة في الركعتين الاوليتين واجب، ولا يجوز الاخلال بها، وأما الركعتان الآخرتان فهو مخير بين القراءة وبين التسبيح، وأيهما فعل أجزأه. وقال الشافعي: القراءة واجبة في كل ركعة (1). وقال مالك: تجب القراءة في معظم الصلاة، فإن كانت الصلاة ثلاث ركعات قرئ في الركعتين، وإن كانت أربعا قرئ في ثلاث (2). وقال أبو حنيفة: فرض القراءة في ركعتين من الصلاة، فإن كانت من الاولتين وقعت عن فرضه، وإن تركها فيهما لزمه أن يأتي بها في الأخيرين (3).

حكاه في البحر عن الناصر ج 1 ص 244 (ح). (1) المجموع شرح المهذب 3: 360، حلية العلماء 2: 105، الأم 1: 129، المغني لابن قدامة 1: 525، الشرح الكبير (ضمن كتاب المغني) 1: 525.
(2) المدونة الكبرى 1: 65، الاستذكار لابن عبد البر 2: 144، حلية العلماء 2: 105.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 221، اللباب في شرح الكتاب 1: 92 حلية العلماء 2: 105، أحكام القرآن =.

[ 217 ]

وقال الحسن: تجب القراءة في ركعة واحدة (1). دليلنا على صحته: الاجماع المتكرر ذكره، وأيضا ما رواه رفاعة بن مالك: من أن رجلا دخل المسجد فصلى قرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم جاء فسلم عليه. فقال له عليه السلام: " أعد صلاتك فإنك لم تصل ". فقال: علمني كيف أصلي؟ فقال: " إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ فاتحة الكتاب، ثم اركع وارفع حتى تطمئن قائما " وذكر الخبر إلى أن قال: " هكذا فاصنع في كل ركعة " (2). فإن قيل: فأنتم لا توجبون القراءة في كل ركعة، وإنما هذا دليل الشافعي! قلنا: نحن نوجب القراءة في كل ركعة لكن في الاولتين على سبيل التضييق، وفي الآخرتين على سبيل التخيير، وكون الشئ مخيرا فيه وله بدل لا يخرجه من أن يكون واجبا. وأيضا قوله تعالى: (فاقرأوا ما تيسر من القرآن) (3) وظاهر هذه الآية يقتضي عموم الامر الذي هو على الوجوب لكل الاحوال، الذي من جملتها الصلاة، فوجب أن تكون القراءة واجبة في الاولتين تضييقا وفي الآخرتين أيضا، إلا أنه لما قام الدليل على أن التسبيح في الاخيرتين يقوم مقام القراءة قلنا: إن إيجاب القراءة فيهما على سبيل التخيير وكون الشئ مخيرا فيه لا يخرجه من أن يكون واجبا، ومن الدخول تحت ظاهر الآية.

= للجصاص 1: 20. (1) المجموع شرح المهذب 3: 361، حلية العلماء 2: 105، المبسوط للسرخسي 1: 18.
(2) سنن أبي داود 1: 227 / 856 - 861، سنن الترمذي 2: 100 / 302 نصب الراية 1: 366، جامع الاصول 5: 420 / 3577، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 337 / 557.
(3) سورة المزمل، الآية: 20.

[ 218 ]

وأيضا فما رواه عبد الله بن أبي قتادة، (1) عن أبيه: " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الظهر في الاولتين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب، وكذلك العصر (2). وإذا ثبت أنه عليه السلام كان يقرأ في كل ركعة، وجب علينا أن نقرأ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (3). وليس للمخالف أن يتعلق بما روي عنه عليه السلام من قوله: " لا صلاة إلا بقراءة " (4) و إن الظاهر يقتضي إجزاء الصلاة بالقراءة في ركعة (5) واحدة. وذلك أن المقصد بهذا الخبر ايجاب القراءة في الصلوات على الجملة، فأما الموضع الذي تجب فيه القراءة فغير مقصود بهذا الخبر، وإنما يستفاد بدليل آخر المسألة الخامسة والثمانون: " وجوب القراءة متعين بفاتحة الكتاب، وغير متعين بالسورة الاخرى ". عندنا: أنه لا يجزئ في الركعتين الاولتين إلا بفاتحة الكتاب، ووافق الشافعي

(1) أبو إبراهيم عبد الله بن أبي قتادة الانصاري، المدني السلمي، روى عن أبيه، وجابر، وعنه ابناه، وزيد بن أسلم، ومحمد بن قيس المدني وجماعة. مات سنة 99 ه‍. انظر: تهذيب التهذيب 5: 315 / 619، الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 274.
(2) صحيح البخاري 1: 367 / 733، سنن أبي داود 1: 212 / 798، سنن النسائي 2: 165، السنن الكبرى للبيهقي 2: 193، جامع الاصول 5: 338 / 3446.
(3) سنن الدارقطني 1: 273 / 2 و 346 / 10، سنن الدارمي 1: 286، السنن الكبرى للبيهقي 2: 345، مسند الشافعي (ضمن كتاب الأم) 8: 464، تلخيص الحبير 2: 122.
(4) جامع الاصول 5: 328، صحيح مسلم 1: 297، مسند أحمد 2: 308، نصب الراية 2: 147، (5) في (د) و (ط) و (ن): " في كل ركعة ". حكاه في البحر ج 1 ص 244 عن العترة (ح)..

[ 219 ]

على ذلك، وزاد إيجاب قراءة الفاتحة في كل ركعة لمن أحسنها (1). وقال أبو حنيفة: قراءة الفاتحة ليس بشرط، فإذا قرأ آية من القرآن أجزأه (2). وعنه رواية أخرى أنه قال: إذا أتى بما يقع عليه اسم القراءة أجزأه وإن كان أقل من آية (3) والمشهور الاول. وقال أبو يوسف: إن قرأ آية طويلة أجزأه، وإن قرأ آيات قصارا ما يجزئه إلا ثلاث آيات (4). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد، ما رواه عبادة بن صامت: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " (5). فإن قيل: هذا يقتضي وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، ولا يجوز (6) غيرها. قلنا: ليس كذلك، لان قوله: " لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " إنما يدل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة في الجملة، من غير تفصيل الركعات، وأبو حنيفة يجوز صلاة ليس في شئ منها الفاتحة، فالخبر دليل عليه. وأيضا ما رواه أبو هريرة من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج " (7).

(1) المجموع شرح المهذب 3: 361، حلية العلماء 2: 105، الأم 1: 129.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 19، الهداية للمرغيناني 1: 54، شرح فتح القدير 1: 289، حلية العلماء 2: 101.
(3) الفتاوى الهندية 1: 69، شرح فتح القدير 1: 291، اللباب في شرح الكتاب 1: 77.
(4) اللباب في شرح الكتاب 1: 77، الهداية للمرغيناني 1: 54، حلية العلماء 2: 101.
(5) صحيح مسلم 1: 295 / 34، سنن أبي داود 1: 217 / 822، سنن الترمذي 2: 25 / 247 و 117 / ذيل 311، سنن النسائي 2: 137 و 138، مسند أحمد 5: 314، السنن الكبرى للبيهقي 2: 38، سنن الدارقطني 1: 321 / 17، نصب الراية 1: 365.
(6) في (ن) و (م): " لا يجزي ".
(7) مسند أحمد 2: 478، السنن الكبرى للبيهقي 2: 38 و 167، كنز العمال 7: 443 / 19700، حلية الاولياء =.

[ 220 ]

فإن قيل: الخداج: الناقص، يقال له: خدجت الناقة، إذا أتت بولد ناقص، فالصلاة العارية من الفاتحة ناقصة، إلا أنها تجزي. قلنا: ليس هي عندكم ناقصة، لانه مخير بين الفاتحة وغيرها. فإن قيل: قوله تعالى: (فأقرأوا ما تيسر من القرآن) (1) فهو مخير بين الفاتحة وغيرها. قلنا: الآية مجملة وأخبارنا (2) مفسرة مبينة فالعمل عليها أولى. وليس لهم أن يقولوا: هذا نسخ الآية. وذلك أن البيان والتفسير ليس بنسخ، ولو قال الله تعالى: فاقرأوا ما تيسر من القرآن وهو فاتحة الكتاب صح، ولو كان يقتضي النسخ لما صح أن يضم إلى اللفظ في الصريح. فإن تعلقوا بما روي عنه عليه السلام من أنه قال: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو بغيرها " (3). فالجواب عنه: أنه قيل إن هذه الزيادة غير معروفة في الخبر، ولو ثبتت لكان التأويل: لا صلاة إلا بالفاتحة لمن يقدر عليها، أو بغيرها ممن لا يقدر عليها.

= 10: 31، مسند أبي عوانة 2: 127 و 128. (1) سورة المزمل، الآية: 20.
(2) الكافي 3: 317 / 28، التهذيب 2: 147 / 576، الاستبصار 1: 310 / 1152.
(3) نصب الراية 1: 367، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 319 / 526..

[ 221 ]

المسألة السادسة والثمانون: " لو قرأ بالفارسية بطلت صلاته ". وهذا هو الصحيح عندنا. وقال الشافعي: العبارة عن القرآن بالفارسية وغيرها من اللغات ليس بقرآن، ولا تجزي به الصلاة بحال (1). وقال أبو حنيفة: تجزي به الصلاة (2). واختلف أصحابه في أنه قرآن أم في معناه، فمنهم من يقول: إنه قرآن (3)، ومنهم من يقول: إنه ليس بقرآن ولكنه في معناه (4). وقال أبو يوسف، ومحمد: إن كان يحسن القرآن بالعربية لم يجزه غيرها، وإن كان لا يحسنه أجزأ (5). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر قوله تعالى: (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) (6). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (7).

حكاه في البحر عن العترة ج 1 ص 252 أنها لا تجزي بالمعنى (ح). (1) المجموع شرح المهذب 3: 379، حلية العلماء 2: 110، التفسير الكبير للفخر الرازي 1: 209، المبسوط للسرخسي 1: 37.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 37، الاصل للشيباني 1: 252، الفتاوى الهندية 1: 69 الهداية للمرغيناني 1: 47، الاستذكار لابن عبد البر 2: 137.
(3) لم نعثر عليه.
(4) حاشية رد المحتار 1: 485، الاصل للشيباني 1: 252.
(5) الاصل للشيباني 1: 252، المبسوط للسرخسي 1: 37، الهداية للمرغيناني 1: 47، الفتاوى الهندية 1: 69.
(6) سورة المزمل، الآية: 20.
(7) صحيح مسلم 1: 295 / 34، سنن أبي داود 1: 217 / 822 سنن الترمذي 2: 25 / 247، سنن النسائي =.

[ 222 ]

والاحتجاج بالآية والخبر صحيح إذا سلموا لنا أن من عبر عن القرآن بالفارسية فلا يقال له قرآن. وإن لم يسلموا ذلك وادعوا أنه قرآن، استدللنا على فساد قولهم بقوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) (1). وقوله عز وجل: (نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) (2). وأيضا فإن القرآن ليس بأدون حالا من الشعر، ولو أن معبرا عبر عن قصده من الشعر بالفارسية لما سمى أحد ما سمعه بأنه شعر، فبأن لا يقال ذلك في القرآن أولى. وأيضا فإن إعجاز القرآن في لفظه ونظمه، فإذا عبر عنه بغير عبارته لم يكن قرآنا. فإن تعلق المخالف بقوله تعالى: (إن هذا لفي الصحف الاولى صحف إبراهيم و موسى) (3) وبقوله تعالى: (وإنه لفي زبر الاولين) (4) والصحف الاولى لم تكن بالعربية، وإنما كانت بلغة غيرها. فالجواب عن هذا: أنه تعالى لم يرد أن القرآن كان مذكورا في تلك الكتب بتلك العبارة، وإنما أراد أن حكم هذا الذي ذكر في القرآن مذكور في تلك الكتب. وقيل أيضا إنه أراد صفة محمد صلى الله عليه آله وسلم وذكر شريعته ودينه في الصحف

= 2: 137 - 138، مسند أحمد 5: 314، السنن الكبرى للبيهقي 2: 38، سنن الدارقطني 1: 321 / 17، نصب الراية 1: 365. (1) سورة يوسف، الآية: 2.
(2) سورة الشعراء، الآية: 193 و 195.
(3) سورة الاعلى، الآية: 18 و 19.
(4) سورة الشعراء، الآية: 196..

[ 223 ]

الاولى (1). فإن قيل: قد حكى الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال: (رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) (2) وعن غيره من الامم الماضية، ونحن نعلم أنهم لم يقولوا ذلك بهذه العربية، وإنما قالوه بلغاتهم المخالفة لها، إلا أنه لما حكى المعنى أضاف الاقوال إليهم، وهذا يقتضي أن من عبر عن القرآن بالفارسية تكون عبارته قرآنا. قلنا: لا أحد من الناس يقول إن من غير الكلام بما يوجد فيه معناه يكون قائلا له بعينه، وإنما يكون قائلا لما معناه معنى هذا الكلام وفائدته فائدته، فظاهر الامر متروك لا محالة. المسألة السابعة والثمانون: " الطمأنينة بعد الاستواء من الركوع والسجود واجبة ". هذا صحيح وهو مذهب أصحابنا، واليه ذهب الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: ليس ذلك بواجب (4). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم، ما روي من قوله عليه السلام في خبر رفاعة: " ثم ليكبر وليركع حتى يطمئن راكعا " ثم قال في آخر الخبر: " فإذا فعل ذلك

(1) هذه العبارة متكررة في النسخ، والصحيح ما أثبتناه.
(2) سورة نوح، الآية: 26. حكى هذا في البحر عن العترة في الركوع ج 1 ص 257، والسجود ص 270 (ح).
(3) المجموع شرح المهذب 3: 410، حلية العلماء 2: 119، الأم 1: 135، بداية المجتهد 1: 137، المغني لابن قدامة 1: 547.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 49، حلية العلماء 2: 119، بداية المجتهد 1: 137..

[ 224 ]

فقد تمت صلاته " (1). فجعل تمام الصلاة يتعلق بالطمأنينة في الركوع. فإن قالوا: قال الله تعالى: (اركعوا واسجدوا) (2) والركوع في اللغة هو الانحناء (3)، والطمأنينة ليست مشروطة في تعلق الاسم. قلنا: إنما أوجب الله تعالى فقال (4) الركوع إيجابا مطلقا، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بين كيفية السجود في الخبر الذي ذكرناه. ومما يدل على وجوب الطمأنينة في السجود قوله عليه السلام في خبر رفاعة: " لا تقبل صلاة امرئ - إلى أن قال: - ثم ليسجد فيمكن جبهته من الارض حتى تطمئن مفاصله " المسألة الثامنة والثمانون: " القعدة الاخيرة واجبة ". هذا صحيح، وعندنا أن الجلوس واجب، والتشهد الاخير واجب، وكذلك التشهد في نفسه، وهو مذهب الشافعي (5).

(1) سنن أبي داود 1: 226 / 856، 857، سنن الترمذي 2: 100 / 302، نصب الراية 1: 366، جامع الاصول 5: 420 / 3577.
(2) سورة الحج، الآية: 77.
(3) صحاح اللغة للجوهري 3: 1222، تاج العروس 21: 122.
(4) كذا في النسخ، والظاهر زيادة " فقال ". حكاه في البحر ج 1 ص 279 عن الناصر (ح).
(5) المجموع شرح المهذب 3: 462، حلية العلماء 2: 129، الاستذكار لابن عبد البر 2: 253، بداية المجتهد 1: 132..

[ 225 ]

وقال أبو حنيفة: الجلوس واجب، والتشهد غير واجب (1). وقال الزهري، ومالك، والاوزاعي، والثوري: لا يجب واحد منهما (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد، ما رواه ابن مسعود قال: كنا نقول إذا جلسنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: السلام على الله قبل عباده، السلام على فلان، السلام على فلان. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات الطيبات " (3) إلى آخر التشهد، فأمر بالتشهد، وأمره على الوجوب. وأيضا في خبر آخر عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علمه التشهد ثم قال: " إذا قضيت هذا فقد قضيت صلاتك " (4). المسألة التاسعة والثمانون: " السجود على سبعة أعضاء شرط في صحة الصلاة ". هذا صحيح وهو مذهبنا، واليه ذهب الشافعي، وهو أصح قوليه (5)، وقد روي

(1) الاستذكار لابن عبد البر 2: 254، المجموع شرح المهذب 3: 462، حلية العلماء 2: 129، بداية المجتهد 1: 132.
(2) المجموع شرح المهذب 3: 462، حلية العلماء 2: 129، المغني لابن قدامة 1: 571، بداية المجتهد 1: 132.
(3) سنن أبي داود 1: 254 / 968، سنن ابن ماجة 1: 290 / 899، مسند أحمد 1: 431، كنز العمال 7: 477 / 19863، حلية الاولياء 7: 179.
(4) السنن الكبرى للبيهقي 2: 174، نصب الراية 1: 425، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 355 / 595. ذكر وجوبه في البحر عن الناصر ج 1 ص 266 (ح).
(5) المجموع شرح المهذب 3: 427، مغني المحتاج 1: 169، حلية العلماء 2: 122، الأم 1: 136، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 107، المغني لابن قدامة 1: 555..

[ 226 ]

عنه رواية ضعيفة أن ذلك لا يجب (1). وقال أبو حنيفة: إن ذلك غير واجب (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع الذي راعيناه، ما رواه ابن عباس قال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يسجد على سبع، يديه وركبتيه وأطراف أصابعه وجبهته " (3). وقد قال عليه السلام: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (4). وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " أمرت أن أسجد على سبعة: اليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، والجبهة " (5). وروي عن خباب بن الارت (6) قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا (7). فإن تعلقوا بقوله: (اركعوا واسجدوا) (8).

(1) المجموع شرح المهذب 3: 427، مغني المحتاج 1: 169، المغني لابن قدامة 1: 555.
(2) اللباب في شرح الكتاب 1: 70، المبسوط للسرخسي 1: 34، الهداية للمرغيناني 1: 50، شرح فتح القدير 1: 263، المغني لابن قدامة 1: 555، الاصل للشيباني 1: 210.
(3) تجده مع اختلاف يسير في صحيح البخاري 2: 383 / 765، صحيح مسلم 1: 354 / 230، سنن النسائي 2: 209، مسند الشافعي (ضمن كتاب الأم) 8: 458.
(4) تقدمت مصادره في المسألة " 84 ".
(5) سنن أبي داود 1: 235 / 889، صحيح مسلم 1: 354 / 230 قريب منه.
(6) أبو يحيى خباب بن الارت بن جندلة بن سعد التميمي، من السابقين الاولين، شهد بدرا والمشاهد بعدها، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه أبو أمامة الباهلي، ومسروق، وأبو وائل، وابنه، مات بالكوفة سنة 37 ه‍. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 164، أسد الغابة 2: 98، تهذيب التهذيب 3: 115 / 254.
(7) صحيح مسلم 1: 433 / 189، مسند أحمد 5: 108، مجمع الزوائد 1: 306 قريب منه.
(8) سورة الحج، الاية: 77..

[ 227 ]

وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للاعرابي: " ثم اسجد " (1). فالجواب عن ذلك: أن ذلك كله كالمجمل، لم يبين فيه كيفية السجود، والخبر الذي رويناه قد ثبت فيه كيفية السجود فهو أولى. فإن تعلقوا بما رواه ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " مثل الذي يصلي وهو عاقص شعره، مثل الذي يصلي وهو مكتوف " (2) فشبه عاقص الشعر بالمكتوف، وصلاة عاقص الشعر جائزة، ولا يجب عليه الاعادة، فكذلك المكتوف. والجواب عن ذلك: أن صلاة المكتوف إنما تجوز وإن لم يضع يديه على الارض لتعذر وضعهما عليه، والعذر يسقط الفرض، وإنما يوجب ذلك في حال القدرة والاختيار. المسألة التسعون: " لا يجوز السجود على كور العمامة ". هذا صحيح، وهو مذهبنا، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك (4). دليلنا: الاجماع المتقدم، وأيضا في خبر رفاعة: " ثم يسجد فيمكن جبهته من

(1) سنن أبي داود 1: 226 / 856، سنن الترمذي 2: 102 / 302، نصب الراية 1: 366 جامع الاصول 5: 420 / 3577.
(2) مسند أحمد 1: 316، صحيح مسلم 1: 355 / 232، سنن أبي داود 1: 174 / 647، سنن النسائي 2: 215 و 216، السنن الكبرى للبيهقي 2: 109، كنز العمال 7: 516 / 20034، نيل الاوطار 2: 386. ذكره في البحر عن الناصر ج 1 ص 268 (ح).
(3) المجموع شرح المهذب 3: 425، فتح القدير 3: 456.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 50، شرح فتح القدير 1: 265، حلية العلماء 2: 122، المجموع شرح المهذب 3: 425..

[ 228 ]

الارض، حتى تطمئن مفاصله " (1)، فظاهر الخبر يقتضي أنه ما لم يمكن جبهته من الارض لا تقبل الصلاة. وروى ابن عباس أنه قال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء: اليدين، والركبتين، والقدمين، والجبهة " (2) ومن سجد على كور العمامة لم يسجد على الجبهة. فإن تعلقوا بما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم " أنه سجد على كور العمامة وبعض الجبهة " (3). فجوابنا: إن هذا خبر ضعيف (4) عند أهل النقل، على أنه لا حجة فيه، لانه قد ذكر فيه السجود على الجبهة وهو الفرض، وما انضاف إلى ذلك من كور العمامة لا اعتبار به، لانه ما وقع الاقتصار عليه. المسألة الحادية والتسعون: " يصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد الاول ". هذا صحيح، وهو مذهبنا، وعندنا أن التشهد الاول واجب كوجوب التشهد الثاني، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجبة، ووافقنا في وجوب التشهد الاول الليث، وأحمد، واسحاق (5)، وخالف باقي الفقهاء.

(1) سنن أبي داود 1: 227 / 858، جامع الاصول 5: 420 / 3577، التحقيق في اختلاف الحديث 1: 337 / 557. (2) صحيح مسلم 1: 354 / 227، سنن النسائي 2: 209، مسند الشافعي (ضمن كتاب الأم) 8: 458، تلخيص الحبير 1: 251.
(3) سنن أبي داود 1: 177 / 660، السنن الكبرى للبيهقي 2: 106.
(4) في (ن) و (م) و (ج): " مضعف ". لم أجده عن الناصر ورواه في البحر عن مالك ويمكن أنه تصحيف لأن رمز مالك (ك) ورمز الناصر (ن) (ح).
(5) المغني لابن قدامة 1: 571، المجموع شرح المهذب 3: 450، حلية العلماء 2: 125 و 129..

[ 229 ]

وقال أبو حنيفة: التشهدان جميعا غير واجبين (1). وقال الشافعي: الثاني واجب والاول ليس بواجب (2)، وأوجب الشافعي في التشهد الاخير الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم (3). وقال مالك، والثوري، والاوزاعي (4)، وأبو حنيفة: ليست بواجبة (5). دليلنا بعد الاجماع المتكرر ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (6) وقد كان عليه السلام يتشهد التشهدين جميعا لا محالة، وإذا وجب التشهد الاول وجبت الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه كوجوبها في الاخير، لان كل من أوجب الاول أوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومما يدل على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (7) فأمر بالصلاة عليه، وأجمعنا على أن الصلاة عليه لا تجب في غير الصلاة، فلم يكن موضعا يحمل عليه إلا الصلاة، وهذا الخبر يقتضي وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التشهدين معا.

(1) المغني لابن قدامة 1: 571، المجموع شرح المهذب 3: 450، حلية العلماء 2: 129، نيل الاوطار 2: 314، فتح العزيز 3: 503.
(2) المجموع شرح المهذب 3: 450 و 462، حلية العلماء 2: 129، الأم 1: 143، فتح العزيز 3: 503.
(3) الأم 1: 140، المجموع شرح المهذب 3: 463 و 467، حلية العلماء 2: 129، أحكام القرآن للجصاص 5: 243، مغني المحتاج 1: 173.
(4) كلمة " الاوزاعي " ساقطة من (د) و (ط).
(5) حلية العلماء 2: 129، الهداية للمرغيناني 1: 52، المبسوط للسرخسي 1: 29، فتح القدير 1: 275، المجموع شرح المهذب 3: 467، فتح العزيز 3: 503، نيل الاوطار 2: 321، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 14: 235.
(6) سنن الدارقطني 1: 273 / 2 و 346 / 10، تلخيص الحبير 2: 122، السنن الكبرى للبيهقي 2: 345، مسند الشافعي (ضمن كتاب الأم) 8: 464، سنن الدارمي 1: 286.
(7) سورة الاحزاب، الآية: 56..

[ 230 ]

وروت عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا تقبل (1) صلاة إلا بطهور والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم (2). المسألة الثانية والتسعون: " كل صلاة يجهر فيها بالقراءة فإنه يقنت فيها ". هذا (3) صحيح، وعندنا أن القنوت مستحب في كل صلاة، وهو فيما يجهر فيه بالقراءة أشد تأكيدا. وقال الشافعي: إن القنوت في الصبح مسنون (4). وروي عنه أنه قال: يقنت في الصلوات كلها عند حاجة المسلمين إلى الدعاء (5). وقال أبو حنيفة وأصحابه، وابن شبرمة والثوري - في رواية الليث -: إنه لا قنوت في الفجر ولا غيرها (6). وكان ابن أبي ليلى، ومالك، وابن حي، يرون القنوت في الفجر (7). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم قوله تعالى: (وقوموا لله

(1) في (د) و (ط) و (م): " لا يقبل الله ".
(2) سنن الدارقطني 1: 355 / 4، تلخيص الحبير 1: 262، نيل الاوطار 2: 322. ذكره في البحر عن الناصر ج 1 ص 261 قال ورجع عنه في العشاء (ح).
(3) في (ج): " وهو " بدل " هذا ".
(4) المجموع شرح المهذب 3: 494، حلية العلماء 2: 134، فتح العزيز 3: 415، البحر الزخار 2: 259.
(5) المجموع شرح المهذب 3: 494، حلية العلماء 2: 135، المحلى بالآثار 3: 60.
(6) المبسوط لسرخسي 1: 165، الهداية للمرغيناني 1: 66، المغني لابن قدامة 1: 787، المحلى بالآثار 3: 60.
(7) المغني لابن قدامة 1: 787، البحر الزخار 2: 258، المحلى بالآثار 3: 60..

[ 231 ]

قانتين) (1) وهذا أمر فيه، عام لسائر الصلوات. فإن قيل: هذا نهي عن الكلام في الصلاة، ومعنى قانتين ساكتين. وقيل: إن القنوت هو طول القيام في الصلاة، بدلالة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " أفضل الصلاة طول القنوت " (2) يعني طول القيام. قلنا: لا يعتبر بمعنى هذه اللفظة في اللغة، والمعتبر بمعناها في الشريعة، والمفهوم في الشريعة من قولنا القنوت: هو الدعاء المخصوص، كما أنه لا يعتبر بمعنى لفظة الصلاة في اللغة، وإنما يعتبر بمعناها في الشريعة. ونحن نحمل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " أفضل الصلاة طول القنوت " على أنه أراد به الدعاء أيضا، لان طول الدعاء والتضرع إلى الله تعالى عبادة مستحبة. ويدل على القنوت في صلاة الصبح ما رواه أنس، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقنت في الصبح إلى أن فارق الدنيا " (3). فإن تعلق المخالف بما روي عن عمر أنه قال: " قنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهرا، ثم ترك (4). قيل: المراد بهذا أنه قنت في سائر الصلوات غير الصبح ثم ترك ذلك.

(1) سورة البقرة، الآية: 238.
(2) صحيح مسلم 1: 520 / 164، السنن الكبرى للبيهقي 3: 8، كنز العمال 7: 435 / 19657، جامع الاصول 5: 394 / 3534، سنن الترمذي 2: 229 / 387، الدر المنثور 1: 306، أحكام القرآن للجصاص 2: 156.
(3) سنن الدارقطني 2: 39 / 9، نصب الراية 2: 131، نيل الاوطار 2: 395، الدر المنثور 1: 307، السنن الكبرى للبيهقي 2: 201.
(4) لم نعثر على رواية عمر، ولكن روى ابن مسعود (أن النبي عليه السلام قنت في صلاة الفجر شهرا ثم تركه) انظر: نصب الراية 2: 126 و 127..

[ 232 ]

ويجوز حمله أيضا على أنه كان يدعو على أقوام بأعيانهم ثم ترك ذلك (1)، على أن أنسا روى عنه أنه عليه السلام قنت فثبت، والمثبت أولى. المسألة الثالثة والتسعون: " من أحدث في صلاته (2) أو سبقه الحدث بطلت صلاته ". هذا صحيح واليه يذهب أصحابنا، وهو مذهب الشافعي في قوله الجديد (3). وقال في القديم: تبطل الطهارة ولا تبطل الصلاة فيبني عليها، وهو قول مالك، وأبي حنيفة (4). وقال المحصلون من أصحاب أبي حنيفة: إن القياس عندهم ألا يبني على صلاته، لان انصرافه من الصلاة ومشيه وغسله الاعضاء أفعال تنافي الصلاة، فتركوا القياس للأثر (5). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر: أن الصلاة في الذمة بيقين، فلا تسقط عنها إلا بيقين، وقد علمنا أن الحدث إذا سبقه ولم يعد الوضوء والصلاة،

(1) يؤيد ما روى عن أنس أنه قال: " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قنت شهرا يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه " سنن النسائي شرح السيوطي 2 / 204 باب ترك القنوت.
(2) في (ط) و (د) و (ن) في صلاة. ذكره في البحر عن أكثر العترة أي أكثر الناصرية والقاسمية (ح).
(3) حلية العلماء 2: 151، المجموع شرح المهذب 4: 74 - 75، بداية المجتهد 1: 183 المحلى بالآثار 3: 65 - 66.
(4) حلية العلماء 2: 151، الاصل للشيباني 1: 168، المبسوط للسرخسي 1: 169، المجموع شرح المهذب 4: 74، بداية المجتهد 1: 183.
(5) الاصل للشيباني 1: 168، المبسوط للسرخسي 1: 169..

[ 233 ]

بل توضأ وبنى - على ما يقوله أصحاب أبي حنيفة - فإن ذمته ما برئت بيقين، وإذا أعاد فقد تيقن براءة ذمته، فوجب الاعادة. وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة فينفخ بين إليتيه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا " (1) وهذا الحدث الذي كلامنا (2) فيه قد سمع الصوت، ووجد الريح، فيجب انصرافه عن الصلاة. فإن قالوا: نحن إذا أوجبنا عليه أن ينصرف من الصلاة ليتوضأ، ثم يبني على ما فعله، فقد قلنا بموجب الخبر. قلنا: الخبر يقتضي انصرافه عن الصلاة، وأنتم تقولون: ما انصرف عنها بل هو فيها وإن تشاغل بالوضوء. وأيضا فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا صلاة إلا بطهور " (3) ومن سبقه الحدث فلا طهور له، فوجب ألا يكون في الصلاة وأن يخرج بعدم الطهور عنها. وأيضا ما رواه أبو داود بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، وليتوضأ، وليعد صلاته (4). فإن قالوا: نحمل ذلك على العمد أو على الاستحباب. قلنا: ظاهر الخبر يتناول العمد وغير العمد، ولا يجوز أن نخصه إلا بدليل، وظاهر الامر الوجوب، ولا نحمله على الاستحباب إلا بدليل.

(1) السنن الكبرى للبيهقي 2: 254، مسند أحمد 3: 96، مجمع الزوائد 1: 242، كنز العمال 1: 252.
(2) في (م): " كلامه ".
(3) السنن الكبرى للبيهقي 2: 255، مسند أحمد 2: 57، مجمع الزوائد 1: 227، أحكام القرآن للجصاص 4: 19.
(4) سنن أبي داود 1: 53 / 205 و 263 / 1005..

[ 234 ]

فإن احتجوا بما رواه ابن أبي مليكة (1) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا قاء أحدكم في الصلاة أو رعف فلينصرف وليتوضأ وليبني على صلاته ما لم يتكلم " (2). فالجواب عن ذلك: أن هذا خبر ضعيف مطعون فيه، وقد قيل فيه ما هو مشهور، ونحن نقول بموجبه، لان القئ والرعاف عندنا ليس بحدثين ينقضان الوضوء، فجاز معهما الانصراف لغسل النجاسة، والبناء على الصلاة، وليس كذلك باقي الاحداث الناقضة للوضوء. المسألة الرابعة والتسعون: " من تكلم في صلاته ناسيا أو متعمدا بطلت صلاته ". الذي يذهب إليه أصحابنا أن من تكلم متعمدا بطلت صلاته، ومن تكلم ناسيا فلا إعادة عليه وإنما يلزمه سجدتا السهو. وقال الشافعي: من تكلم في صلاته ناسيا أو جاهلا بتحريم الكلام لم تبطل صلاته (3). وقال مالك: كلام الناسي لا يبطل الصلاة وكذلك كلام العامد إذا كان فيه

(1) أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، القرشي التيمي المكي، قاضي مكة زمن الزبير، ومؤذن الحرم، روى عن جده، وعائشة، وأم سلمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عباس، وابن عمر وطائفة. وعنه عمرو بن دينار، وأيوب، ونافع، والليث بن سعد وخلق. مات سنة 117 ه‍. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 101 / 94، تهذيب التهذيب 5: 268 / 523.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 1: 142، سنن الدارقطني 1: 153 / 11، نصب الراية 1: 38 - 39، سنن ابن ماجة 1: 385 / 1221. ذكره في البحر عن العترة ج 1 ص 290 في المعتمد ولم يذكر خلافا للناصر في الناسي (ح).
(3) المجموع شرح المهذب 4: 85، مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 110، حلية العلماء 2: 152، المغني لابن قدامة 1: 701، الاستذكار لابن عبد البر 2: 225..

[ 235 ]

مصلحة للصلاة (1). وقال أبو حنيفة: كلام العمد والسهو ومن يجهل تحريم الكلام يبطل الصلاة (2). وقال النخعي: جنس الكلام يبطل الصلاة عمده وسهوه (3). دليلنا على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة بعد الاجماع المتقدم ما روي عنه عليه السلام: " رفع عن أمتي النسيان وما استكرهوا عليه " (4) ولم يرد رفع الفعل لأن ذلك لا يرفع، وإنما أراد رفع الحكم، وذلك عام في جميع الاحكام إلا ما قام عليه دليل. فإن قيل: المراد رفع الاثم. قلنا: الإثم يدخل في جملة الاحكام، واللفظ عام للجميع. وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " (5) وما ذكر الكلام، فدل على أنه ليس بحدث يقطع الصلاة. وقد استدل الشافعي بخبر ذي اليدين: (6)، أن أبا هريرة روى أنه عليه السلام صلى بأصحابه العصر، فسلم في الركعتين الاولتين. فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أو نسيت يا رسول الله؟

(1) الاستذكار لابن عبد البر 2: 225، بداية المجتهد 1: 122، المدونة الكبرى 1: 135، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 215، حلية العلماء 2: 153، المغني لابن قدامة 1: 701.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 170، الهداية للمرغيناني 1: 61، شرح فتح القدير 1: 344، اللباب في شرح الكتاب 1: 85، البحر الزخار 2: 290، بداية المجتهد 1: 122.
(3) المجموع شرح المهذب 4: 85، المغني لابن قدامة 1: 701، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 215.
(4) السنن الكبرى للبيهقي 7: 357، الدر المنثور 1: 377.
(5) السنن الكبرى للبيهقي 2: 254، مسند أحمد 3: 96، مجمع الزوائد 1: 242، كنز العمال 1: 251 / 1269.
(6) ذو اليدين: إسمه الخرباق من بني سليم، عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين وشهده أبو هريرة، لما قال: للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أقصرت الصلاة (الحديث). انظر: أسد الغابة 2: 145، الاصابة في تمييز الصحابة 1: 489 / 2481..

[ 236 ]

فأقبل على الناس فقال: " أصدق ذو اليدين "؟ فقالوا: نعم. وفي خبر آخر: " أنه أقبل على أبي بكر (1) وعمر خاصة فقالا: نعم (2) فأتم ما بقي من صلاته، وسجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم (3) (4). فموضع الاستدلال: أنه عليه السلام تكلم في الصلاة ناسيا، وتكلم بعد ذلك وهو يعتقد أنه خرج من الصلاة، ثم أتم وبنى على صلاته، فدل على أن الكلام مع النسيان لا يبطل الصلاة، وعند أبي حنيفة أن هذا الكلام يبطل الصلاة (5). فإن قيل: هذه القصة كانت في صدر الاسلام، حيث كان الكلام مباحا في الصلاة ثم نسخ. قلنا: إباحة الكلام في الصلاة قبل الهجرة ثم نسخ بعدها، ألا ترى أن عبد الله بن مسعود قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أرض الحبشة فسلمت عليه، فلم يرد علي. ثم قال: " وإن مما أحدث الله ألا يتكلموا في الصلاة " (6).

(1) أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة بن عامر القرشي التيمي، ولد بعد عام الفيل بسنتين، رافق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغار، تولى الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه عمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، مات سنة 13 ه‍. انظر: أسد الغابة 3: 205، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 341 / 4817، المعارف لابن قتيبة: 167، تذكرة الحفاظ 1: 2، رجال الطوسي: 22 / 2.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 2: 367.
(3) السنن الكبرى للبيهقي 2: 335، صحيح مسلم 1: 403 / 97، سنن الدارقطني 1: 366 / 1، سنن الدارمي 1: 351، سنن الترمذي 2: 247 / 339، سنن النسائي 3: 22 - 24، مسند أحمد 2: 459 - 460، سنن أبي داود 1: 264 / 1008، الموطأ 1: 93 / 58، نصب الراية 2: 67 - 68.
(4) الام 1: 147 - 148.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 61، شرح فتح القدير 1: 344، المبسوط للسرخسي 1: 170، اللباب في شرح الكتاب 1: 85، الاستذكار لابن عبد البر 2: 226، بداية المجتهد 1: 122.
(6) سنن أبي داود 1: 243 / 924، سنن النسائي 3: 19، نصب الراية 2: 69، جامع الاصول 5: 485 / 3689، السنن الكبرى للبيهقي 2: 356، مسند الشافعي (ضمن كتاب الام) 8: 650 و 651..

[ 237 ]

وهذه القصة كانت بعد الهجرة، لأن أبا هريرة أسلم بعد الهجرة بسبع سنين، على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجد للسهو، ولو كان الكلام مباحا لم يسجد. وفي بعض الاخبار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أقبل على الناس وسألهم أومأوا أن نعم ولو كان الكلام مباحا لتكلموا (1). فأما ذو اليدين فكان يعتقد أن الصلاة قد قصرت، وأنه قد خرج من الصلاة، لأن الظاهر من أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها تقع موقع الصحة فاعتقد ذلك، فلم تبطل صلاته بالكلام. وأما ما روي في بعض الروايات أن ذا اليدين قال: بل نسيت (2) وهذا يدل على أنه ما اعتقد قصر الصلاة وأنه تكلم عامدا، فالجواب عنه: أنه يجوز أن يكون قوله: بل نسيت في ظني وتقديري، لأن القطع هناك غير ممكن، ولم يعلم أن الظن هاهنا يقوم مقام العلم. ويمكن أيضا أن يكون ذو اليدين قد أعاد الصلاة وحده، لانه تكلم عامدا، وإن لم ينقل ذلك الينا. فأما باقي الناس الذي سألهم عليه السلام فقال: " أحقا ما يقول ذو اليدين " - أبو بكر، وعمر خاصة على بعض الروايات - (3) فالصحيح أنهم أومأوا أن نعم ولم يتكلموا، وقد يقال فيمن أومأ أن نعم أنه قال: نعم. وروي في هذا الخبر أن الناس أومأوا أن نعم، لما سألهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(1) سنن أبي داود 1: 65 / 1008، سنن الدارقطني 1: 366 / 1، جامع الاصول 5: 539، الاستذكار لابن عبد البر 2: 223 و 231.
(2) سنن أبي داود 1: 265 / 1008، سنن الدارقطني 1: 366 / 1، جامع الاصول 5: 539.
(3) السنن الكبرى للبيهقي 2: 367..

[ 238 ]

وقال قوم: إن ذلك الكلام كان إجابة لسؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك لا يبطل الصلاة (1). واستدلوا بأنه عليه السلام مر على أبي وهو يصلي فقال: " السلام عليك يا أبي ". فالتفت ولم يرد عليه وخفف الصلاة ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ما منعك أن ترد علي "؟ قال: كنت أصلي الصلاة. قال: أوما علمت أن فيما أوحي إلي (يا أيها الذي آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (2) (3). والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يأمر بذلك مع أنه مبطل للصلاة. فإن تعلقوا بما رواه عبد الله بن مسعود: من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " وإن مما احدث الله ألا يتكلموا في الصلاة " (4) وهذا عام في السهو والعمد في الصلاة. والجواب عن ذلك: أن هذا نهي وتكليف، والنهي لا يتناول الساهي، لأن السهو يبطل التكليف، واختص بالعامد والذي يمكنه الاحتراز من الفعل، ولو كان ظاهره عاما لخصصناه بالعامد للأدلة المتقدمة. وبمثل هذا يجيب من اعتمد على ما روي عنه عليه السلام من قوله: " الكلام يبطل الصلاة، ولا يبطل الوضوء " (5).

(1) الاستذكار لابن عبد البر 2: 224.
(2) سورة الانفال، الآية: 24.
(3) سنن الترمذي 5: 143 / 2875، الدر المنثور 1: 4.
(4) جامع الاصول 5: 485 / 3689، سنن أبي داود 1: 243 / 924، سنن النسائي 3: 19، نصب الراية 2: 69، مسند الشافعي (ضمن كتاب الام) 8: 650، الاستذكار لابن عبد البر 2: 228.
(5) سنن الدارقطني 1: 174 / 59، تلخيص الحبير 1: 281..

[ 239 ]

المسألة الخامسة والتسعون: " من سلم تسليمتين في غير موضعهما بطلت صلاته ". أما من سلم تسليمة واحدة أو تسليمتين في غير موضعهما من الصلاة متعمدا كانت صلاته باطلة، لانه قد تكلم عامدا في الصلاة والكلام المتعمد فيها يبطلها. فإن سلم ساهيا تسليمة أو تسليمتين في غير موضعهما فعندنا أنه يبني على صلاته ولا يفسد الصلاة مع النسيان، ويسجد سجدتي السهو. وقال أبو حنيفة: إن تكلم ساهيا بطلت صلاته (1) على ما حكيناه قبل هذه المسألة. وقال أبو جعفر الطحاوي: كان رأي عمر أن يقول: إن السلام أيضا يفسد الصلاة (2). وقال مالك، والشافعي: من سلم أو تكلم ساهيا بنى (3). وقال الثوري في رواية: إن سلام الناسي يفسد الصلاة، (4) وفي رواية أخرى: أنه لا يفسد (5). وقال الحسن بن حي، وعبيد الله بن الحسن العنبري: لا يفسد الصلاة السلام

ذكر المسألة في البحر لمذهب الهادي يحيى بن الحسين ولم يذكر للناصر وفاقا ولا خلافا وحكى عن الناصر في ج 1 ص 281 أن التسليم ليس من الصلاة إذ يخرج به كالحدث والكلام في صلاته (اه‍) (ح). (1) الهداية للمرغيناني 1: 61، شرح فتح القدير 1: 344، المبسوط للسرخسي 1: 170، اللباب في شرح الكتاب 1: 85، الاستذكار لابن عبد البر 2: 226، بداية المجتهد 1: 122، البحر الزخار 2: 290.
(2) لم نعثر عليه.
(3) حلية العلماء 2: 152، المغني لابن قدامة 1: 702، الاستذكار لابن عبد البر 2: 225. (4) انظر الاستذكار لابن عبد البر 2: 226.
(5) لم نعثر عليه..

[ 240 ]

ناسيا (1). فأما الذي يدل على أن من سلم متعمدا في الصلاة تسليمة أو اثنتين في غير موضعهما فإن صلاته تفسد، وإن كان في ذلك إصلاح لصلاته - وهو خلاف مالك - بعد الاجماع المتقدم، ما رواه زيد بن أرقم (2) قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل: (وقوموا لله قانتين) (3) فأمرنا بالسكوت في الصلاة (4). وأيضا حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: قدمت من أرض الحبشة فوجدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة، وكانوا يسلمون على المصلي (5) فترك السلام قبل خروجي إلى أرض الحبشة، فسلمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرد السلام علي، فأخذني ما قدم وحدث. فلما فرغ من صلاته قال: " إن الله تعالى يحدث من أمره ما شاء، وإن فيما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة " (6). وأيضا حديث معاوية بن الحكم (7): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لكن صلاتنا هذه لا

(1) نقل في المغني عن الحسن أنه لا يرى به بأسا، المغني لابن قدامة 1: 711.
(2) زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان الخزرجي الانصاري، غزا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع عشرة غزوة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن علي عليه السلام وشهد معه صفين، وكان من خواصه، وعنه ابن عباس، وأنس ابن مالك، وأبو عمرو الشيباني، ومحمد بن كعب، وابن أبي ليلى وغيرهم. مات بالكوفة، سنة 65 ه‍ انظر: تهذيب التهذيب 3: 340 / 727، أسد الغابة 2: 219، الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 18، العبر 1: 76.
(3) سورة البقرة، الآية: 238.
(4) السنن الكبرى للبيهقي 2: 248، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 214، الاستذكار لابن عبد البر 2: 229.
(5) في (د): زيادة: " فيرد السلام ".
(6) سنن أبي داود 1: 243 / 924، سنن النسائي 3: 19، نصب الراية 2: 69، السنن الكبرى للبيهقي 2: 356، جامع الاصول 5: 485 / 3689، مسند الشافعي (ضمن كتاب الأم) 8: 650 - 651.
(7) معاوية بن الحكم السلمي، كان ينزل المدينة ويسكن في بني سليم، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه ابنه كثير، =.

[ 241 ]

يدخل فيها شئ من كلام الناس " (1). وهذه الاخبار كلها تدل على أنه لا فرق بين ما هو إصلاح الصلاة وبين غيره. فأما الذي يدل على أنه من سلم ناسيا فإن صلاته لا تفسد وأنه يبني على صلاته ويسجد سجدتي السهو، فهو كل شئ دللنا عليه في المسألة التي قبل هذه المسألة على أن من تكلم ناسيا في الصلاة لا تفسد صلاته. وأيضا فإن السلام أخص حالا من الكلام، وإذا كان من تكلم ناسيا في الصلاة لا تفسد صلاته، فالاولى أن يكون السلام بهذه الصفة. وخبر ذي اليدين - الذي تقدم ذكره (2) - يدل على أن من سلم ناسيا لا تبطل صلاته، لانه روى أن النبي صلى الله عليه وآله سلم في الركعتين الاولتين ساهيا من الظهر أو العصر، ثم بنى على صلاته. المسألة السادسة والتسعون: " ومن زاد في صلاته سجدة مقصودة غير مسهو عنها بطلت صلاته ". هذا صحيح، ولا خلاف فيه بين أصحابنا، ولا بين المسلمين.

= وعطاء بن يسار، وأبو سلمة. انظر: تهذيب التهذيب 10: 185 / 382، أسد الغابة 4: 384. (1) سنن النسائي 3: 14 - 17، مسند أبي عوانة 2: 141، السنن الكبرى للبيهقي 2: 249، تلخيص الحبير 1: 280.
(2) تقدم في المسألة الرابعة والتسعين. ذكر في البحر ج 1 ص 345 أنها تفسد الفريضة في سجدة التلاوة، ولم يذكر للناصر خلافا ولا وفاقا، ولكنه ذكره للمزني على ظاهر الرمز وهو (ني) فيحتمل أنه تصحيف (ح)..

[ 242 ]

المسألة السابعة والتسعون: " من أم قوما بغير طهارة بطلت صلاته، وصلاة المؤتمين ". هذا صحيح، واليه يذهب أصحابنا، فأما بطلان صلاته ووجوب الاعادة فلا خلاف فيهما، والاقوى في نفسي على ما يقتضيه المذهب: أن تجب الصلاة على المؤتمين به أيضا على كل حال. وقد وردت رواية بأنهم يعيدون في الوقت، ولا إعادة عليهم بعد خروج الوقت (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا صلى الامام وهو جنب بقوم لم تنعقد للامام صلاة، وإذا لم تنعقد صلاته لم تنعقد للمأموم صلاة، ووجب عليه وعليهم الاعادة (2). وقال الشافعي: إذا صلى الجنب أو المحدث بقوم فصلاته في نفسه باطلة سواء علم بحدثه أو لم يعلم، والمأمومون إن علموا بحاله بطلت صلاتهم، وإن لم يعلموا لم تبطل، وكذلك كل موضع بطلت فيه صلاة الامام لم يتعد ذلك البطلان إلى صلاة المأمومين، إلا أن يعلموا ببطلان صلاته ويستديموا الإيتمام به (3).

حكاها في البحر عن العترة ج 1 ص 314 (ح). (1) انظر: الاستبصار 1: 433 / 1671، التهذيب 3: 40 / 140 قال الشيخ: فهذا خبر شاذ مخالف للاخبار كلها وما هذا حكمه لا يجوز العمل به.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 180، الهداية للمرغيناني 1: 58، فتح العزيز 4: 324، حلية العلماء 2: 201، المحلى بالآثار 3: 131.
(3) المجموع شرح المهذب 4: 256، حلية العلماء 2: 201، المحلى بالآثار 3: 131، الام 1: 194 و 195، مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 116، بداية المجتهد 1: 159، فتح العزيز 4: 324..

[ 243 ]

وقال مالك: إن كان الامام علم بذلك لزم المأموم الاعادة، وإن لم يكن علم لم يلزمهم (1). وقال عطاء: إن كان الامام جنبا أعاد المأموم بكل حال، وإن كان محدثا فإن ذكر في الوقت أعاد، وإن ذكر بعد خروج الوقت لم يعد (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره، وأيضا فإن هذه المسألة مبنية على أن صلاة المأموم متضمنة لصلاة الامام، تفسد بفسادها. والدليل على صحة ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " الامام ضامن " (3) فلو كان مصليا لنفسه، ولم تكن صلاة المأموم معقودة بصلاته، لما كان الامام ضامنا. ويدل أيضا على ذلك قوله عليه السلام: " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بخمسة وعشرين درجة " (4) فلو كان كل واحد مصليا لنفسه ولم تكن صلاة المأمومين متعلقة بصلاة الامام لما استحقوا هذه الفضيلة. ولا يمكن أن يقال: إن الفضيلة إنما هي الاجتماع، وذلك أنه لو اجتمعوا وصلوا وحدانا لما استحقوا هذه الفضيلة. فإن قيل: لو كانت صلاة المأموم متعلقة بصلاة الامام لوجب إذا فسدت صلاة المأموم أن تفسد الصلاة الامام.

(1) بداية المجتهد 1: 159، حلية العلماء 2: 201، المحلى بالآثار 3: 131، فتح العزيز 4: 324.
(2) حلية العلماء 2: 201، المحلى بالآثار 3: 133.
(3) سنن أبي داود 1: 142 / 517، سنن الترمذي 1: 402 / 207، مسند أحمد 2: 232، مجمع الزوائد 2: 2، كنز العمال 7: 591 / 20403.
(4) صحيح البخاري 1: 319 / 611، صحيح مسلم 1: 450 / 246، سنن الترمذي 1: 421 / 216، سنن النسائي 2: 103، مسند أحمد 2: 486، السنن الكبرى للبيهقي 3: 59 - 60، الموطأ 1: 129 / 2..

[ 244 ]

قلنا: صلاة الامام غير متعلقة بصلاة المأموم، ولهذا لم تفسد بفسادها، وليس كذلك المأموم لان صلاته متعلقة بصلاة الامام بما بيناه. والذي يفرق بين الامرين: أن الامام لو علم بأن المأموم محدث لم يمنع ذلك من صحة صلاته، ولو علم المأموم أن إمامه محدث لم تصح صلاته، وكذلك لو سها المأموم لم يلزم الامام حكم سهوه، ولو سها الامام لزم المأموم حكمه. فإذا ثبت أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الامام وبطلت صلاة الامام بطلت صلاة المأموم. فإن احتجوا بما رواه أبو هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالناس جنبا فأعاد ولم يعيدوا " (1). فالجواب عنه: أن هذا معارض بما رواه سعيد بن المسيب: " بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالناس جنبا فأعاد وأعادوا " (2) وهذه الرواية أولى من روايتهم، لانها تثبت الاعادة وتلك تنفيها. المسألة الثامنة والتسعون: " لا يجوز إمامة الفاسق ". هذا صحيح، وعليه إجماع أهل البيت كلهم على اختلافهم، (3) وهذه من المسائل المعدودة التي يتفق أهل البيت كلهم على اختلافهم عليها. والدليل على صحتها الاجماع المذكور، وأيضا قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى

(1) لم نعثر عليه نصا، وقريب منه ما رواه سنن الدارقطني 1: 361 / 1.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 2: 400، سنن الدارقطني 1: 364 / 9. حكى في البحر أنها لا تجزئ الصلاء خلفه عن العترة ج 1 ص 11 - 12 ولكنها في فاسق التصريح (ح).
(3) الفقيه 1: 248 / 1111، التهذيب 3: 31 / 109، الخصال: 604 / 9..

[ 245 ]

الذين ظلموا فتمسكم النار) (1) وتقديم الامام في الصلاة اتباع له، وركون إليه، وسكون إلى أمانته، والظاهر يمنع منه، وكيف لا يكون ذلك ركونا ولا سكونا وقد ضمن صلاة المؤتمين به، على ما روي في الخبر: " أن الامام ضامن " (2) وأيضا فإن الفضل يعتبر في باب الامام على ما روي في الخبر: " يؤمكم أقرؤكم " (3) على سياق الخبر الدال على اعتبار الفضيلة في الامامة، والفسق نقص عظيم في الدين، ولا يجوز أن يتقدم الفاسق البر التقي. [ و ] إذا اعتبر في الامامة الفضل في العلم والقراءة وما جرى مجراهما، وقدم الافضل في ذلك كيف لا يعتبر الفضل في الدين والثواب؟! فإن تعلقوا بما روي عنه عليه السلام من قوله: " صلوا على من قال لا إله إلا الله، وخلف من قال لا إله إلا الله " (4). فالجواب عنه: أنه أراد من قال ذلك ولم يكن فاسقا بالادلة التي ذكرناها. المسألة التاسعة والتسعون: " من صلى وحده خلف الصفوف بطلت صلاته ". الذي يذهب إليه أصحابنا: أن من دخل المسجد فلم يجد مقاما له في الصفوف

(1) سورة هود، الآية: 113.
(2) كنز العمال 7: 591 / 20403، سنن أبي داود 1: 142 / 517، سنن الترمذي 1: 402 / 207، المستدرك للحاكم 1: 337، مجمع الزوائد 2: 2، مسند أحمد 2: 232.
(3) السنن الكبرى للبيهقي 3: 125، سنن أبي داود 1: 161 / 590، نصب الراية 2: 25، جامع الاصول 5: 579 / 3822.
(4) مجمع الزوائد 2: 67، سنن الدارقطني 2: 56 / 3 و 4، تاريخ بغداد 11: 293 / 6070. ذكرها في البحر عن الناصر واستثنى العذر كضيق المكان وامتناع الجذب ج 1 ص 322 (ح)..

[ 246 ]

أجزأه أن يقوم وحده محاذيا لمقام الامام، وانعقدت صلاته في مقامه هذا، وبذلك قال الشافعي (1). وقال النخعي، وحماد، وابن أبي ليلى: لا تنعقد صلاته (2). وقال أحمد واسحاق: تنعقد صلاته، ثم يترقب مجئ رجل آخر، فإن جاءه ووقف معه أجزأت الصلاة، وإن لم يجئ وركع الامام دخل في الصف، فإن لم يفعل بطلت صلاته (3). دليلنا: الاجماع المتكرر ذكره، وأيضا ما روي عن أبي بكر (4) أنه دخل المسجد وهو يلهث، فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الركوع، وركع خلف الصف، ثم دخل مع الناس في الصف، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته قال: " أيكم أحرم خلف الصف "؟ فقلت: أنا، فقال: " زادك الله حرصا، ولا تعد " (5). فلو لم تكن صلاته انعقدت لأمره بإعادتها. فإن قيل: قد نهاه عن العود. قلنا: إنما نهاه عن أن يعود إلى التأخر عن الصلاة، أو نهاه أن يدخل المسجد

(1) حلية العلماء 2: 212، المجموع شرح المهذب 4: 298، المغني لابن قدامة 2: 41، الشرح الكبير 2: 64.
(2) المجموع شرح المهذب 4: 298، المغني لابن قدامة 2: 41، الشرح الكبير 2: 63.
(3) المجموع شرح المهذب 4: 298، المغني لابن قدامة 2: 41، حلية العلماء 2: 213، الشرح الكبير 2: 63.
(4) في المصادر: " أبي بكرة " وهو نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي البصري، وهو أخو زياد بن أبيه لأمه، نزل يوم الطائف الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بكرة، فأسلم وكني أبا بكرة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه أولاده، والحسن البصري، وابن سيرين وآخرون. مات سنة 52 ه‍. انظر: أسد الغابة 5: 151 الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 15، العبر 1: 58.
(5) سنن أبي داود 1: 182 / 684، مسند أحمد 5: 39 و 42 صحيح البخاري 1: 370 / 740، سنن النسائي 2: 118، السنن الكبرى للبيهقي 2: 90 و 3: 106، مجمع الزوائد 2: 76، تلخيص الحبير 1: 284، كنز العمال 7: 513 / 20018، جامع الاصول 5: 638 / 3905..

[ 247 ]

وهو يلهث، لان المصلي مأمور بأن يأتي الصلاة وعليه السكينة والوقار. فإن تعلقوا بما روي: من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى فرأى رجلا يصلي خلف الصف، فلما فرغ من صلاته وقف عليه حتى أتم صلاته ثم قال: " أعد صلاتك، فإنه لا صلاة لمن تفرد خلف الصف " (1). قلنا: وقوفه عليه السلام حتى أتم صلاته دليل على صحتها وإجزائها، ولو كانت باطلة لم يقف على تمامها. ويجوز أن يحمل أمره له بالاعادة على الاستحباب بالادلة المتقدمة. المسألة المائة: " إذا سبق المؤتم الامام بتسليمتين بطلت صلاته، وإن سبق بتسليمة واحدة لم تبطل ". عندنا أنه إذا سها المأموم فسبق الامام بتسليمة أو اثنتين لم تبطل صلاته، وإن تعمد سبقه إلى التسليم بطلت صلاته. والذي يدل على ذلك الاجماع المتكرر ذكره، وأيضا فإن السهو غير مؤاخذ به وقد سقطت أحكامه لما دللناه عليه من قبل. والذي يدل على ذلك أن التعمد هاهنا يبطل الصلاة، لانه يخرجه من الاقتداء بالامام فتبطل صلاته لذلك.

(1) موارد الظمآن للهيثمي: 115 / 401. ذكرها في البحر للقاسمية ولم يذكر للناصر خلافا ج 1 ص 320 (ح)..

[ 248 ]

المسألة الحادية والمائة: " سجدتا السهو للزيادة قبل التسليم، وللنقصان بعد التسليم ". عندنا أن سجدتي السهو بعد التسليم على كل حال، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى (1). وقال مالك: إن كانتا للنقصان فموضعهما قبل التسليم، وإن كانتا عن زيادة بعد السلام (2). وقال الشافعي: سجدتا السهو قبل السلام، سواء كانتا لنقصان أو لزيادة (3). دليلنا: الاجماع المتكرر، وأيضا ما رواه عمران بن الحصين، والمغيرة بن شعبة (4)، وسعد بن أبي وقاص (5): " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجد سجدتي السهو بعد السلام " (6).

الذي حكى في البحر عن الصادق والناصر أنهما للنقصان قبله وللزيادة بعده ج 1 ص 340 (ح). (1) الهداية للمرغيناني 1: 74، المبسوط للسرخسي 1: 219، شرح فتح القدير 1: 434، المجموع شرح المهذب 4: 155، بداية المجتهد 1: 196، المغني لابن قدامة 1: 674.
(2) المدونة الكبرى 1: 135، بداية المجتهد 1: 196، المجموع شرح المهذب 4: 155، المغني لابن قدامة 1: 674.
(3) المجموع شرح المهذب 4: 155، المغني لابن قدامة 1: 674، بداية المجتهد 1: 196.
(4) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن قيس الثقفي، أسلم عام الخندق، ولاه عمر بن الخطاب البصرة، ولم يزل عليها حتى شهد عليه بالزنا، فعزله، ثم ولاه الكوفة، وأقره عثمان عليها، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه أبو أمامة الباهلي وقيس بن أبي حازم، ومسروق، ونافع. مات سنة 50 ه‍. انظر: أسد الغابة 4: 406، الاصابة في تمييز الصحابة 3: 452 / 8179، تهذيب التهذيب 10: 234 / 4730، سير اعلام النبلاء 3: 21.
(5) أبو إسحاق سعد بن مالك بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي، أحد الستة أهل الشورى، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخولة بنت الحكيم، وعنه أولاده، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر. مات سنة 55 ه‍ -. انظر: أسد الغابة 2: 290، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 33 / 3194، تذكرة الحفاظ 1: 22 / 9، سير اعلام النبلاء 1: 92.
(6) السنن الكبرى للبيهقي 2: 344، نصب الراية 2: 168، سنن ابن ماجة 1: 384 / 1215..

[ 249 ]

وروى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا شك أحدكم فليتحر للصواب، ثم السلام، ثم يسجد سجدتين " (1). وروى عبد الله بن جعفر (2) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من شك في صلاة فليسجد سجدتين بعد ما يسلم " (3). وروى ثوبان (4) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " وفي كل سهو سجدتان بعد ما يسلم (5). المسألة الثانية والمائة: " من شك في الاولتين استأنف الصلاة، ومن شك في الاخيرتين بنى على اليقين ". هذا مذهبنا وهو الصحيح عندنا، وباقي الفقهاء يخالفونا في ذلك، ولا يفرقون

(1) صحيح مسلم 1: 400 / 89، سنن أبي داود 1: 268 / 1020، سنن النسائي 3: 28، كنز العمال 7: 470 / 19824، نصب الراية 2: 167.
(2) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الهاشمي القرشي، كان حليما جوادا يقال له: قطب السخاء، أول مولود ولد في الاسلام بأرض الحبشة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعمه علي بن أبي طالب عليه السلام وعن أمه أسماء، وعنه أولاده اسماعيل واسحاق ومعاوية، وأبو جعفر الباقر عليه السلام توفي سنة 80 ه‍ -. انظر: أسد الغابة 3: 133، تهذيب التهذيب 5: 149، العبر 1: 91.
(3) مسند أحمد 1: 205، نصب الراية 2: 168، كنز العمال 7: 470 / 19825.
(4) هو أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفره وحضره الى أن توفي صلى الله عليه وآله وسلم روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعنه جبير بن نفير، وراشد بن سعد، وأبو أسماء الرحبي وغيرهم. مات سنة 54 ه‍ -. انظر: الاصابة في تمييز الصحابة 1: 204 / 967، أسد الغابة 1: 249، تهذيب التهذيب 2: 28.
(5) سنن أبي داود 1: 273 / 1038، سنن ابن ماجة 1: 385 / 1219، مسند أحمد 5: 280، السنن الكبرى للبيهقي 2: 337. حكاه في البحر عن الناصر ج 1 ص 338 ولم يذكر عنه حكم الشك في الآخرتين (ح)..

[ 250 ]

بين الشك في الاولتين والاخيرتين (1) وما كان عندنا أن أحدا ممن عدا الامامية يوافق على هذه المسألة. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه فيها: الاجماع المتكرر، وأيضا فإن الركعتين الاوليين أوكد من الأخريين من وجوه. منها: أن الاولتين واجبة في كل صلاة من الصلوات الخمس، وليس كذلك الاخريان. ومنها: أن تكبيرة التحريم التي بها يدخل في الصلاة في الاولتين دون الاخيرتين. ومنها: أنهم أجمعوا على وجوب القراءة في الاولتين، ولم يجمعوا في الاخيرتين على مثل ذلك، لان الشيعة الامامية توجب القراءة في الاولتين دون الاخيرتين، والشافعي يوجبها في الكل (2)، فقد أوجبها لا محالة في الاولتين. وأبو حنيفة يوجبها في ركعتين من الصلاة غير معينتين (3)، فهو على التحقيق موجب لها في الاولتين لكن على التخيير. ومالك يوجب القراءة في معظم الصلاة (4) فهو موجب لها في الاولتين على ضرب من التخيير. فصح أن الاجماع حاصل على إيجاب القراءة في الاولتين وهذه مزية، فجاز لاجل هذه المزية ألا يكون فيها سهو، وإن جاز في الآخرتين.

(1) المجموع شرح المهذب 4: 106، حلية العلماء 2: 160.
(2) المجموع شرح المهذب 3: 360، المغني لابن قدامة 1: 525، الشرح الكبير 1: 525، الاستذكار لابن عبد البر 2: 144، بداية المجتهد 1: 128، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1: 119، الأم 1: 129.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 221، اللباب في شرح الكتاب 1: 92، حلية العلماء 2: 105، المحلى بالآثار 2: 268.
(4) بداية المجتهد 1: 128، المجموع شرح المهذب 3: 361، المبسوط للسرخسي 1: 18..

[ 251 ]

وأيضا فإن إيجاب اعادة الاولتين مع الشك فيهما استظهار للفرض واحتياط له، وذلك أولى وأحوط من جواز السهو فيهما. المسألة الثالثة والمائة: " يصلي المريض الذي لا يستطيع الصلاة من قعود وعلى جنبه الايمن ". الذي يذهب إليه أصحابنا - وما أظن فيه خلافا من باقي الفقهاء - أن المريض تجب عليه الصلاة على قدر طاقته وقدرته، فمن لم يستطع إلا الصلاة على الجنب الايمن تعين ذلك عليه، ومن شق ذلك عليه واستطاع على جنبه الآخر وجب ذلك المستطاع وسقط ما لا يستطاع. وقد أسقط الله مع عدم القدرة كل فريضة، وأوجب ما هو في الطاقة، وذلك أظهر من أن يخفى. المسألة الرابعة والمائة: " من ترك الصلاة في حال فسقه ثم تاب فلا إعادة عليه ". عندنا أن من ترك الصلاة في حال فسقه ثم تاب فليصل ما فاته وتركه، واجب عليه، ولا خلاف بين جميع الفقهاء في هذا الموضع، وإنما اختلفوا في غيره وهو

ذكر في البحر الخلاف فيمن لم يستطع القعود هل يصلي على جنب أو مضطجعا ولم يحك عن الناصر شيئا (ح). (* *) ذكره في البحر فيمن ترك الصلاة عمدا ج 1 ص 172. وقد روى الناصر عليه السلام في البساط عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " فإن تأخير الصلاة عن وقتها كفر " قلت: فلعله بنى على أن ترك الصلاة كفر تجبه التوبة والله أعلم (ح)..

[ 252 ]

المرتد: هل يقضي بعد رجوعه إلى الاسلام ما تركه في حال الردة من الصلاة والصيام؟. فقال الشافعي: إن المرتد يلزمه قضاء ذلك. وهو الصحيح عندنا (1). وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال الردة (2). فأما الفاسق إذا تاب فلا خلاف في وجوب قضاء ما تركه في حال فسقه. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه في المرتد: الاجماع المتقدم ذكره، بل إجماع المسلمين كلهم، وأن هذا الخلاف حادث متجدد، ولا اعتبار بمثله، وقد سبقه الاجماع. ويمكن أن يستدل على ذلك أيضا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (3) والنسيان عبارة عن معنيين أحدهما: النسيان الذي هو ضد العمد، والآخر: عن ترك الشئ على وجه العمد كقوله (4) تعالى: (نسوا الله فنسيهم) (5) فعلى هذا يكون الخبر دلالة على وجوب القضاء لجميع ما تركه المرتد. فإن قيل: نحمله على النسيان الذي هو ضد العمد. قلنا: اللفظة محتملة للامرين فنحمله عليهما، على أنا لو حملناه على ضد العمد

(1) المجموع شرح المهذب 3: 4، حلية العلماء 2: 8، مغني المحتاج 1: 130.
(2) حلية العلماء 2: 8، المجموع شرح المهذب 3: 4، المحلى بالآثار 2: 15.
(3) صحيح مسلم 1: 471 / 309، سنن الترمذي 1: 334 / 177 سنن الدارمي 1: 280، سنن أبي داود 1: 118 / 435، سنن النسائي 1: 294، الاستذكار لابن عبد البر 1: 115.
(4) في (ط) و (د): " لقوله ".
(5) سورة التوبة، الآية: 67..

[ 253 ]

دون ما هو الترك لكان فيه دلالة، لانه إذا وجب القضاء بالترك على وجه النسيان فإن وجوبه على وجه العمد أولى. وأيضا فليس الفاسق بأسوأ حالا من المرتد، فإذا وجب على المرتد - بالادلة المعروفة - قضاء ما فاته في حال ردته فالفاسق بذلك أولى، لأن الفاسق ليس ينتهي إلى مساواة الردة. المسألة الخامسة والمائة: " ومن شرع في التطوع ثم أفسده لزمه القضاء ". وعند أصحابنا: أن من شرع في صلاة التطوع أو صوم التطوع ثم أفسده لا يلزمه القضاء. وقال مالك: إن خرج بعذر لا قضاء عليه، وإن خرج بغير عذر فعليه القضاء (1). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر ذكره، وأيضا ما روته أم هانئ بنت أبي طالب (2) قالت: جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح، وجلست

لم أجده ولعل دليله أن الدخول فيه عدة به فيحرم الاخلاف لقوله تعالى: (بما أخلفوا الله ما وعدوه) (ح). (1) المدونة الكبرى 1: 205، بداية المجتهد 1: 322، حلية العلماء 3: 212، المجموع شرح المهذب 6: 394.
(2) أم هاني: اسمها فاختة بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، الهاشمية، بنت عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخت علي بن أبي طالب عليه السلام، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنها مولاها أبو مرة، وأبو صالح، وابنها وابن ابنها هارون، وجعدة المخزومي، والشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء، ومجاهد وآخرون وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة. انظر: أسد الغابة 5: 624، الطبقات الكبرى لابن سعد 8: 47، تهذيب التهذيب 12: 507 / 2994، سير اعلام النبلاء 2: 311، الاستيعاب (بهامش الاصابة) 4: 503.

[ 254 ]

فاطمة عليها السلام (1) على يساره، فأتته الوليدة بشراب فشرب، ثم ناولني فشربت. فقلت: يا رسول الله! إني كنت صائمة، فكرهت أن أرد سؤرك. فقال عليه السلام: " إن كنت تقضين يوما مكانه، وإن كان تطوعا فإن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضي " (2). وأيضا ما روته أم هانئ عنه عليه السلام أنه قال: " الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر " (3). وهذا التخيير بين الامرين يوجب التساوي بينهما، فإنه لا قضاء على المفطر، لانه لو وجب الصيام بالدخول لما أسند الصوم إلى اختياره. كما لا يقال لمن صام يوما من شهر رمضان: أنه إن شاء صام وإن شاء أفطر. وأيضا فإن وجوب القضاء شرع وإيجاب في الذمة، والاصل براءة الذمة وأن لا حرج، فمن منع من ذلك فعليه الدليل القاطع للعذر، ولا دليل فيه.

(1) فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوجة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وأم الحسن والحسين عليهما السلام سيدة نساء العالمين القرشية، الهاشمية، ومناقبها كثيرة منها قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام: " إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك "، ولدت بعد البعثة بخمس سنوات، روت عن أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنها عليها السلام ابناها الحسن والحسين عليهما السلام، وأم سلمة، وسلمى أم رافع، توفيت بعد أبيها بخمسة وتسعين يوما على المشهور، ودفنت ليلا بالمدينة. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 8: 19، الاصابة في تمييز الصحابة 4: 379 سير اعلام النبلاء 2: 118، المستدرك على الصحيحين 3: 167 / 4730، كنز العمال 13: 674 / 37725، مجمع الزوائد 9: 203.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 4: 277، مسند أحمد 6: 424، سنن الترمذي 3: 109 / 731، سنن الدارقطني 2: 174 / 8 و 12، سنن أبي داود 2: 329 / 2456.
(3) سنن الترمذي 3: 109 / 732، مسند أحمد 6: 341، السنن الكبرى للبيهقي 4: 276، سنن الدارقطني 2: 175 / 14، أحكام القرآن للجصاص 1: 296..

[ 255 ]

المسألة السادسة والمائة: " وجود الخوف شرط في جواز القصر في السفر ". عندنا أن القصر ليس مشروطا بالخوف في السفر، وهو قول جميع الفقهاء على اختلافهم في وجوب القصر أو التخيير فيه. الدليل على ذلك: الاجماع المتقدم ذكره، بل إجماع الفقهاء كلهم فما نعرف فيه خلافا، وما يتجدد من الخلاف فلا اعتبار به. وأيضا ما رواه يعلى بن منية (1) قال: قلت لعمر بن الخطاب: أباح الله القصر في الخوف، فأين القصر في غير الخوف؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألته صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " (2).

حكاه في البحر عن الناصر ج 2 ص 42 (ح). (1) في بعض النسخ: " منبه " ولكن في المصادر: يعلى بن أمية: قال ابن أبي عبيدة ويكنى بأبي خالد المكي حليف قريش، ومنية: اسم والدته، قيل شهد الطائف وحنينا وتبوك مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستعمله عمر على نجران، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن عمر وعنه أولاده صفوان، ومحمد، وعثمان، وعطاء، ومجاهد وغيرهم. مات سنة 47 ه‍. انظر: تهذيب التهذيب 11: 350 / 672، أسد الغابة 5: 128، الاصابة في تمييز الصحابة 3: 668 / 9358.
(2) صحيح مسلم 1: 478 / 4، سنن أبي داود 2: 3 / 1199، مسند أحمد 1: 25 سنن الترمذي 5: 227 / 3034، سنن ابن ماجة 1: 339 / 1065، سنن النسائي 3: 116 و 117، السنن الكبرى للبيهقي 3: 141، تلخيص الحبير 1: 59، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 361..

[ 256 ]

المسألة السابعة والمائة: " ولا يجوز الافطار في السفر إلا عند الضرورة ". عندنا أن الافطار في السفر المباح هو الواجب الذي لا يجوز الاخلال به، فمن صام في السفر الذي ذكرناه وجب عليه القضاء، ووافقنا على ذلك أبو هريرة (1) وقال أبو حنيفة: الصوم في السفر أفضل من الافطار (2). وقال الشافعي: هو مخير بين الصوم والفطر، إلا أن الصوم أفضل (3). وقال مالك، والثوري: الصوم في السفر أحب الينا ممن قوي عليه (4). وروي عن ابن عمر أنه قال: الفطر أفضل (5). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر ذكره قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (6) وظاهر هذا الكلام يقتضي أن السفر والمرض يجب معهما القضاء، ولا يجوز معهما الصوم. فإن قالوا: في الآية ضمير، وإنما يريد فمن كان مريضا أو مسافرا فأفطر فعدة من أيام أخر. قلنا: الاضمار خلاف الظاهر، فمن ادعاه بلا دليل لم يتلفت إلى قوله، وإنما أثبتنا

لم أجده وقال في البحر رخص فيه للسفر إجماعا يعني في الافطار (ح). (1) المحلى بالآثار 4: 403 و 304، نيل الاوطار 4: 305.
(2) المبسوط للسرخسي 3: 92، أحكام القرآن للجصاص 1: 267.
(3) المجموع شرح المهذب 6: 264 و 265، حلية العلماء 3: 174.
(4) بداية المجتهد 1: 306، الجامع لأحكم القرآن للقرطبي 2: 280، المدونة الكبرى 1: 201، حلية العلماء 3: 174، أحكام القرآن للجصاص 1: 267.
(5) المحلى بالآثار 4: 403، نيل الاوطار 4: 305، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2: 280.
(6) سورة البقرة، الآية: 184.

[ 257 ]

في قوله: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام) (1) ضميرا، وهو ملحق بدليل، ولا دليل في الموضع الذي اختلفنا فيه. ويدل على ذلك أيضا ما روي عنه عليه السلام: " ليس من البر الصيام في السفر " (2). وأيضا ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " فاقبلوا صدقته " (3) وهذا أمر، وظاهر الامر على الوجوب. وأيضا ما روي عنه عليه السلام: " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " (4). فإن احتجوا بما روي أن حمزة بن عمرو الاسلمي (5) سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصوم في السفر؟ فقال: " إن شئت فصم، وإن شئت فافطر " (6). والجواب عنه: أنا نحمل ذلك على إباحة صوم التطوع بالادلة التي ذكرناها. فإن قيل: أفليس قد رويتم أنه: " ليس من البر الصيام في السفر "؟

(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(2) سنن أبي داود 2: 317 / 2407، سنن النسائي 4: 176 و 177، سنن ابن ماجة 1: 532 / 164، سنن الترمذي 3: 90 / 710، مسند أحمد 3: 319 و 5: 434، السنن الكبرى للبيهقي 4: 242، سنن الدارمي 2: 9، مجمع الزوائد 3: 161، أحكام القرآن للجصاص 1: 266.
(3) صحيح مسلم 1: 478 / 4، سنن أبي داود 2: 3 / 1199، مسند أحمد 1: 25، سنن الترمذي 5: 227 / 3034، سنن النسائي 3: 116 - 117، سنن ابن ماجة 1: 339 / 1065، السنن الكبرى للبيهقي 3: 141.
(4) تلخيص الحبير 2: 205، تاريخ بغداد 11: 383، كنز العمال 8: 505 / 23854.
(5) الموجود في النسخ: " قرة " ولكن في المصادر: حمزة بن عمرو الاسلمي هو: أبو صالح عمرو بن عويمر الاسلمي المدني، صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبي بكر، وعمر، وعنه ابنه، وسليمان بن يسار وأبو سلمة، وأبو مراوح وغيرهم. مات سنة 61 ه‍. انظر: تهذيب التهذيب 3: 28 / 46، أسد الغابة 2: 50، رجال الطوسي: 15.
(6) صحيح مسلم 2: 789 / 103، سنن النسائي 4: 185 - 186، سنن الترمذي 3: 91 / 711، سنن ابن ماجة 1: 531 / 1662، سنن الدارمي 2: 9، السنن الكبرى للبيهقي 4: 243، الموطأ 1: 295 / 24، مسند أحمد 6: 46 و 193.

[ 258 ]

قلنا: لو تركنا وظاهر هذا الخبر لمنعنا في السفر من صوم الواجب والتطوع معا، لكنا أخرجنا التطوع بدليل، ويبقى الواجب داخلا تحت الظاهر. المسألة الثامنة والمائة: " وأقل الاقامة عشرة أيام ". هذا صحيح واليه يذهب أصحابنا، وقد قال بعضهم: إن أقل الاقامة خمسة أيام (1). والاظهر الاشهر هو القول الاول، ووافقنا على ذلك الحسن بن صالح (2). وقال الشافعي: مدة الاقامة التي تنقطع بها أحكام السفر أربعة أيام، غير يوم الدخول ويوم الخروج، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور (3). وقال سعيد بن جبير: إذا أقام أكثر من خمسة عشر يوما أتم، فما كان أقل من خمسة عشر يوما فما دونها قصر (4). وقال أبو حنيفة: أذا نوى المسافر إقامة خمسة عشر يوما أتم الصلاة، وإن كان أقل من ذلك قصر، وهو أحد الروايات عن ابن عمر (5).

حكاه في البحر ج 2 ص 45 عن الناصر (ح). (1) مختلف الشيعة 2: 113.
(2) حلية العلماء 2: 234، المجموع شرح المهذب 4: 365، المحلى بالآثار 3: 217.
(3) المجموع شرح المهذب 4: 364، حلية العلماء 2: 233، بداية المجتهد 1: 173، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 357، المغني لابن قدامة 2: 132، البحر الزخار 3: 46.
(4) المجموع شرح المهذب 4: 365، المغني لابن قدامة 2: 132، المحلى بالآثار 3: 217، (5) المبسوط للسرخسي 1: 236، اللباب في شرح الكتاب 1: 106 و 107، الاصل للشيباني 1: 266، الحجة للشيباني 1: 170 و 172، الهداية للمرغيناني 1: 81، المغني لابن قدامة 2: 132، أحكام القرآن للجصاص 3: 235..

[ 259 ]

وفي رواية أخرى عنه: أنها ثلاثة عشر يوما (1). وفي رواية ثالثة: أنها إثنا عشر يوما، وهو قول الاوزاعي (2). وقال ربيعة: يوم وليلة (3). وقال الحسن: إذا دخل المسافر بلدا أتم (4). وعن عائشة أنها قالت: إذا وضع المسافر رحله أتم (5). دليلنا: الاجماع المتقدم ذكره. ويمكن أن يستدل على ذلك أيضا بما رواه مجاهد (6)، عن ابن عباس، وابن عمر قالا: إذا قدمت بلدا وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم به خمسة عشر يوما فأكمل الصلاة (7). ولم يرو عن أحد من السلف خلافهما. فإن قيل: هذا خلاف مذهبكم، لانكم تقولون: أن المدة عشرة أيام. قلنا من قال: إن المدة عشرة أيام يوجب التمام لخمسة عشر يوما

(1) لم نعثر عليه.
(2) المجموع شرح المهذب 4: 364، حلية العلماء 2: 234، نيل الاوطار 3: 256، البحر الزخار 3: 46.
(3) المجموع شرح المهذب 4: 365، بداية المجتهد 1: 174، مقدمات ابن رشد 1: 157، نيل الاوطار 3: 256، البحر الزخار 3: 46.
(4) المجموع شرح المهذب 4: 365، بداية المجتهد 1: 174، البحر الزخار 3: 46، نيل الاوطار 3: 256.
(5) المجموع شرح المهذب 4: 365، البحر الزخار 3: 46، نيل الاوطار 3: 256.
(6) أبو الحجاج مجاهد بن جبر المخزومي المكي، مولى قيس بن السائب المخزومي، أحد أئمة التفسير، روى عن الامام علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عباس، وقرأ عليه القرآن، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وعائشة وآخرون، وعنه عكرمة، وطاووس، وقتادة، والاعمش، وعطاء وآخرون. مات سنة 102 ه‍ -. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 92 / 83، تهذيب التهذيب 10: 38 / 68، طبقات الفقهاء للشيرازي: 45.
(7) أحكام القرآن للجصاص 3: 236..

[ 260 ]

لدخول العشرة فيها، وهذا الخبر يبطل قول الشافعي في الاربعة أيام على كل حال. فإن احتج المخالف بما رواه عطاء الخراساني (1) عن سعيد بن المسيب قال: من أجمع على إقامة أربع وهو مسافر أتم الصلاة (2). فالجواب عنه: أن هشيما روي عن داود بن أبي هند (3)، عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقام المسافر خمسة عشر يوما (4) أتم، فتعارضت الروايتان عن سعيد ابن المسيب وسقطتا. ويمكن أن يحمل الخبر على غير ظاهره، وأن المراد: أن من أجمع على مقام أربعة أيام بعد إجماعه على إقامة ستة أتم. المسألة التاسعة والمائة: " إذا صلى المسافر خلف المقيم أتم ". عندنا: أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم سلم في الركعتين الاولتين

(1) أبو أيوب عطاء بن أبي مسلم البلخي الخراساني نزيل بيت المقدس، كثير الارسال عن الصحابة، سمع من ابن بريدة، وروى عن الزهري، وسعيد بن المسيب، وعنه ابنه عثمان، وأبو حنيفة، ومالك والثوري، والاوزاعي. مات سنة 135 ه‍ -. انظر: العبر 1: 182، ميزان الاعتدال 3: 73، الطبقات الكبرى 7: 369، تهذيب التهذيب 7: 190 / 395.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 3: 217، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 357، المحلى بالآثار 3: 217.
(3) أبو بكر داود بن أبي هند دينار البصري، ولد في سرخس وهو أحد فقهاء البصرة، أخذ عن الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وعنه شعبة، وابن علية، ويزيد بن هارون، وغيرهم. مات سنة 140 ه‍ -. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 146، الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 255، طبقات الفقهاء للشيرازي: 74.
(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 236، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 357، المحلى بالآثار 3: 216. حكاه في البحر عن زيد والباقر وأحمد بن عيسى ولم يذكر الناصر لوفاق ولا لخلاف (ح)..

[ 261 ]

وانصرف. وقد روي أنه يجوز أن يجعل الركعتين الآخرتين تطوعا (1). وقال الشعبي، وداود، وطاوس (2): يجوز له القصر وإن اقتدى بمقيم (3). وقال الشافعي: إذا اقتدى المسافر بمقيم في الصلاة لزمه التمام، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، والثوري (4). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم ذكره، قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) (5)، وهذا ضارب في الارض، وله حكم المسافر بلا خلاف، فيجب أن يلزمه التقصير. وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " صلاة السفر ركعتان " (6) وهذا مسافر ولا يلزمه صلاة المقيم. فإن احتجوا بما روي من قوله عليه السلام: " إنما جعل الامام ليؤتم به " (7) وأن ظاهره يقتضي اتباعه في جميع أفعال الصلاة بكل حال.

(1) التهذيب 3: 165 / 356، الاستبصار 1: 425 / 1640.
(2) أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني، أحد الاعلام التابعين، سمع ابن عباس، وأبا هريرة، وروى عنه مجاهد، وعمرو بن دينار، والزهري، ومجاهد وغيرهم. مات سنة 106 ه‍ -. انظر: وفيات الاعيان 2: 509 / 306، تذكرة الحفاظ 1: 90، طبقات الفقهاء للشيرازي: 50.
(3) المجموع شرح المهذب 4: 357 - 358، المغني لابن قدامة 2: 128.
(4) المجموع شرح المهذب 4: 355 و 357، حلية العلماء 2: 230، الأم 1: 190، الهداية للمرغيناني 1: 81، شرح فتح القدير 2: 12، المغني لابن قدامة 2: 128.
(5) سورة النساء، الآية: 101.
(6) مسند أحمد 1: 37، سنن ابن ماجة 1: 338 / 1063 و 1064، تاريخ بغداد 10: 37، كنز العمال 7: 546 / 20185.
(7) صحيح مسلم 1: 309 / 86، سنن أبي داود 1: 165 / 605، سنن النسائي 2: 83، جامع الاصول 1: 352 / 137..

[ 262 ]

فالجواب: أن هذا المسافر مقتد بالمقيم في فرضه، ولا يجب فيما زاد عليه مما ليس من فرضه للادلة التي ذكرناها. المسألة العاشرة والمائة: " يصلي في الخوف بالطائفة الاولى ركعة، وبالطائفة الثانية ركعة، ويسلم بالطائفتين جميعا، ويصلي المغرب بالطائفة الاولى ركعة، وبالثانية ركعتين ". عندنا أن كيفية صلاة الخوف هي أن يفرق الامام أصحابه فرقتين: فرقة يجعلها بإزاء العدو تدافعه، وفرقة خلفه، ثم يكبر ويصلي بمن ورائه ركعة واحدة، فإذا نهض إلى الثانية صلوا لانفسهم ركعة أخرى، وهو قائم يطول القراءة، ثم جلسوا فتشهدوا وسلموا ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم، فجاءت الفرقة الاخرى فلحقوا الامام قائما في الثانية، فاستفتحوا الصلاة وأنصتوا القراءة (1) فإذا ركع ركعوا بركوعه وسجدوا بسجوده، فإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ركعة اخرى وهو جالس، ثم جلسوا معه فسلم بهم وانصرفوا بتسليمه، ووافقنا على هذا الترتيب والتحديد الشافعي (2). ووافق مالك عليه إلا في موضع واحد وهو أنه قال: إذا صلى بالطائفة الثانية

حكاه في البحر عن الناصر ج 2 ص 50 (ح). (1) في (ن) " لقراءته ".
(2) المجموع شرح المهذب 4: 408، الام 1: 243، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 122. 123، حلية العلماء 2: 246، كفاية الاخيار 1: 98..

[ 263 ]

ركعة فإنه يسلم ولا ينتظرهم، حتى يسلم بهم (1). وقال أبو حنيفة: يفرقهم فرقتين، فيحرم بفرقة، وتقف الاخرى في وجه العدو، فيصلي بالتي خلفه ركعة، فإذا قام إلى الثانية انصرفت الطائفة التي خلفه فوقفت في وجه العدو وهم في الصلاة ثم تأتي الطائفة الاولى فيصلي بهم الركعة الثانية ويسلم، ثم تنصرف هذه الطائفة فتقف في وجه العدو وهم في الصلاة، ثم تأتي الطائفة الاولى إلى موضع الصلاة، فيصلون لانفسهم الركعة الثانية ويرجعون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الاخرى فتصلي الركعة الثانية (2). الدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد قوله تعالى: (فإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتات طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) (3). ظاهر القرآن يقتضي أن الطائفة الثانية تصلي مع الامام جميع صلاتها، وعند مخالفينا من أصحاب أبي حنيفة أنها تصلي معه النصف، فقد خالف الظاهر لانه تعالى قال: (فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم) فيجب أن يكون المراد بذلك سجود الطائفة الاولى في الركعة الثانية، يدل عليه إضافة السجود إليهم، والصلاة التي يشترك فيها الامام والمأموم تضاف إلى الامام وإلى الامام والمأموم، ولا تضاف إلى المأموم وحده لانه تابع. ومما يقوي أن الترتيب الذي ذكرناه في هذه الصلاة أقوى مما ذهب إليه غيرنا:

(1) بداية المجتهد 1: 179 و 180، حلية العلماء 2: 247.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 89، شرح فتح القدير 2: 62، اللباب في شرح الكتاب 1: 123، حلية العلماء 2: 248 - 249.
(3) سورة النساء، الآية: 102..

[ 264 ]

أن فيه تسوية بين الطائفتين من وجهين: أحدهما: أن الامام يحرم بالطائفة الاولى ويسلم بالطائفة الثانية، فيحصل للاولى فضيلة الاحرام وللثانية فضيلة التحليل، وعلى قولهم يحرم بالاولى ولا يسلم بالثانية. والوجه الثاني: أن الطائفة الاولى لما صلت مع الامام حرستها الطائفة الاخرى وهي غير مصلية لتساويها في حالة الحراسة في غير صلاة، وعلى قولهم تحرسها في الصلاة. وأيضا فإن الصلاة التي يذهب المخالف إليها تشتمل على أمور تبطل بمثلها الصلاة، منها المشي الكثير، والافعال الكثيرة، واستدبار القبلة، وأن الطائفة الاولى إذا صلت ركعة انتظرت فراغ الامام، والانتظار الكثير يبطل الصلاة. المسألة الحادية عشرة والمائة: " صلاة العيدين واجبة على الكفاية، يكبر فيها سبعا في الاولى مع تكبيرة الافتتاح والركوع، وخمسا في الاخيرة مع تكبيرة القيام وتكبيرة الركوع، فيواصل بين القراءتين، وإن شاء واصل بين التكبيرتين ". الذي يذهب إليه أصحابنا في صلاة العيدين أنها فرض على الاعيان وتكامل

الذي في البحر ج 2 ص 55 عن الناصر أنها سنة مؤكدة والتكبير كما ذكر المذهب عند زيدية اليمن اتباع الهادي ولم يحكه في البحر عن الناصر وحكى عن الناصر أنه يوالى بين القراءتين أي يقدم التكبير في الاولى والقراءة في الثانية ج 2 ص 61 - 62 (ح)..

[ 265 ]

الشروط التي تلزم معها صلاة الجمعة من حضور السلطان العادل، واجتماع العدد المخصوص، إلى غير ذلك من الشرائط. وهما سنة تصلى على الانفراد عند فقد الامام، أو اختلال بعض الشرائط. ويكبر في الاولى سبعا من جملتها تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع، وتكون قراءته عقيب تكبيرة الافتتاح وقبل باقي التكبيرات، وفي الثانية يكبر خمسا فيها واحدة عند قيامه وقبل قراءته، ثم أربع من جملتهن تكبيرة الركوع، ويقرأ عقيب تكبيرة القيام وقبل باقي التكبيرات. ووافقنا أصحاب أبي حنيفة بأن صلاة العيدين واجبة على الاعيان (1)، وقالوا في عدد التكبيرات: إنهن خمس في الركعة الاولى وأربع في الركعة الثانية منها تكبيرة الركوع، وقالوا: أنه يوالي بين القراءتين، كأنه كان يقرأ في الاولى بعد التكبير وفي الثانية قبل التكبير (2). وقال الشافعي: صلاة العيدين ليست بواجبة، ويكبر عنده في الركعة الاولى سبعا سوى تكبيرة الافتتاح والركوع، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة القيام والركوع، ويقرأ في الركعة الاولى والثانية بعد التكبير (3). وقال مالك: يكبر في الاولى سبعا سوى (4) تكبيرة الافتتاح (5). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه في وجوب صلاة العيدين وترتيبها الذي

(1) المبسوط للسرخسي 2: 37، البحر الزخار 3: 54.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 38، الاصل للشيباني 1: 372، اللباب في شرح الكتاب 1: 116.
(3) الأم 1: 270، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 125، المجموع شرح المهذب 5: 2 - 17، المغني لابن قدامة 2: 238.
(4) في (ط) و (د) و (م) و (ن): " مع " بدل " سوى ".
(5) المدونة الكبرى 1: 169، بداية المجتهد 1: 222..

[ 266 ]

شرحناه: إجماع الطائفة الذي تقدم ذكره. وأيضا فلا خلاف في أن من صلى على الترتيب الذي رتبناه وحسب ما أداه إليه اجتهاده يكون ذلك مجزيا عنه، وإنما الخلاف فيمن خالف هذا الترتيب، فلا إجماع على إجزائه، ولا دليل أيضا غير الاجماع عليه، فوجب أن يكون الترتيب الذي ذكرناه أولى وأحوط للاجماع على إجزائه. المسألة الثانية عشرة والمائة: " صلاة الكسوف ركعتان، يركع في كل ركعة خمسا ويسجد سجدتين ". إلى هذا المعنى يذهب أصحابنا في صلاة الكسوف، والعبارة الصحيحة عن ذلك أن يقال: إن هذه الصلاة عشر ركعات وأربع سجدات، خمس وسجدتان ثم خمس وسجدتان، كأنه يفتتح الاولى بالتكبير والقراءة ثم يركع خمسا ثم يسجد سجدتين، فإذا قام قرأ ثم يركع خمسا ويسجد سجدتين، ثم يتشهد ويسلم، ولا يقول: سمع الله لمن حمده إلا في الركعتين اللتين بينهما السجود. وقال الشافعي: صلاة الكسوف ركعتان كصلاة الصبح (1) (2). الدليل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم ذكره، والدليل الثاني الذي

حكاه في البحر عن العترة جميعا ج 2 ص 72 (ح). (1) في المصادر نسبة القول لأبي حنيفة لا الشافعي، وهو الظاهر من الاخبار التي يرويها أبو حنيفة من أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى في كسوف الشمس ركعتين، وانظر: الانتصار: 174.
(2) اللباب في شرح الكتاب 1: 119، الهداية للمرغيناني 1: 88، شرح فتح القدير 2: 52 - 53، المحلى بالآثار 3: 312، حلية العلماء 2: 318 المبسوط 2: 74..

[ 267 ]

ذكرناه في المسألة التى تتقدم هذه المسألة: وهو الاجماع على إجزاء ترتيبنا، ولا إجماع ولا حجة في إجزاء ترتيبهم. وأيضا ما رواه أبي بن كعب قال: انكسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بهم، فقرأ سورة من الطوال وركع خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم قام إلى الثانية فقرأ سورة من الطوال وركع خمس ركعات وسجد سجدتين، وجلس عليه السلام كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى تنجلي (1). فأما الاخبار التي يرويها أبو حنيفة: من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى في كسوف الشمس ركعتين (2)، فنحملهما على أنهما ركعتان كما قلناه، ثم إن في كل ركعة ركوعا زائدا على ما بيناه المسألة الثالثة عشر والمائة: " صلاة الاستسقاء ركعتان كهيئة النوافل ". عندنا أن صلاة الاستسقاء ركعتان، يجهر فيهما بالقراءة على صفة صلاة العيد وعدد تكبيرها وهيئتها، ووافقنا على ذلك الشافعي (3). وذهب مالك، والزهري، والاوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد إلى أنهما كصلاة

(1) سنن أبي داود 1: 307 / 1182.
(2) سنن أبي داود 1: 310 / 1193 و 311 / 1195، السنن الكبرى للبيهقي 3: 331 - 332، سنن النسائي 3: 127. حكاه في البحر عن الناصر ج 2 ص 78 - 79 (ح).
(3) مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 127، المجموع شرح المهذب 5: 73، حلية العلماء 2: 324، مغني المحتاج 1: 323، كفاية الاخيار 1: 97..

[ 268 ]

الصبح (1). وعن أبي حنيفة روايتان: أحدهما: أنه يصلي ولكن منفردا، والاخرى: أنه لا يصلي، بل يدعو (2). الدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه ابن عباس قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستسقيا فصلى ركعتين كما يصلى في العيدين (3). وأما الدليل على أنها تصلى جماعة فما رواه أبو هريرة قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما مستسقيا فصلى بنا ركعتين، بلا أذان ولا إقامة " (4). المسألة الرابعة عشرة والمائة: " يكبر على الجنازة خمس تكبيرات، ولا يرفع يديه في شئ منها ". الصحيح عندنا: أن عدد تكبيرات الجنازة خمس، يرفع يديه في الاولى منها، ووافقنا في أن التكبيرات خمس عبد الرحمن بن أبي ليلى (5).

(1) المدونة الكبرى 1: 166، اللباب في شرح الكتاب 1: 121، الهداية للمرغيناني 1: 88، الاصل للشيباني 1: 449، المبسوط للسرخسي 2: 76.
(2) اللباب في شرح الكتاب 1: 120، الاصل للشيباني 1: 447، المبسوط للسرخسي 2: 76، حلية العلماء 2: 324.
(3) السنن الكبرى للبيهقي 3: 347، سنن النسائي 3: 156، 157.
(4) السنن الكبرى للبيهقي 3: 347. حكاه في البحر ج 2 ص 118 عن العترة جميعا يعني إجماع أهل البيت وحكى عن العترة منع الرفع لليدين في التكبيرات إلا الاولى، فعلى الخلاف في الرفع عند تكبيرة الاحرام (ح).
(5) بداية المجتهد 1: 240، المبسوط للسرخسي 2: 63، البحر الزخار 3: 118..

[ 269 ]

وقال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والثوري، وابن حي، والشافعي: عدد تكبيرات الجنازة أربع تكبيرات (1). واختلفوا في رفع اليدين، فقال أبو حنيفة وأصحابه، وابن حي، والثوري في الروايتين عنه: لا ترفع الايدي في تكبيرات الجنازة إلا الاولى (2). وقال الشافعي ومالك في إحدى الروايتين: إنه يرفع في كل تكبيرة (3). وفي رواية أخرى عن مالك: أنه يرفع في الاولى دون الباقيات (4). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد ذكره، بل إجماع أهل البيت كلهم (5). وأيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: " كان زيد بن أرقم يصلي على جنائزنا ويكبر أربعا، فلما كان ذات يوم كبر خمسا، فقيل له في ذلك، فقال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (6). فإن قيل: لسنا نمنع من أن يكون عليه السلام قد كبر خمسا، لكن آخر ما صلى قد كبر أربعا، والمتأخر من فعله قد كبر أربعا.

(1) المبسوط للسرخسي 2: 63، الهداية للمرغيناني 1: 92، شرح فتح القدير 2: 86، اللباب في شرح الكتاب 1: 130، بداية المجتهد 1: 240، المجموع شرح المهذب 5: 229، حلية العلماء 2: 346، البحر الزخار 3: 118.
(2) المجموع شرح المهذب 5: 232، حلية العلماء 2: 348، البحر الزخار 3: 119.
(3) حلية العلماء 2: 348، المجموع شرح المهذب 5: 231، البحر الزخار 3: 119.
(4) المدونة الكبرى 1: 176، بداية المجتهد 1: 241، البحر الزخار 3: 119.
(5) الكافي 3: 181 / 1 و 4 و 5، التهذيب 3: 315 / 975، الاستبصار 1: 474. انظر: احاديث الباب.
(6) صحيح مسلم 2: 659 / 72، سنن أبي داود 3: 210 / 3197، سنن الترمذي 3: 343 / 1023، سنن النسائي 4: 72، جامع الاصول 6: 216 / 4304..

[ 270 ]

قلنا: هذه دعوى لا دليل عليها، ومن أين لكم أن المتأخر هو الاربع دون الخمس؟. وأيضا فقد علمنا أنه إذا كبر خمسا فقد فعل الواجب بلا خلاف وبرئت ذمته، وليس هكذا إذا كبر أربعا، فصارت الخمس أولى، لان الذمة تبرأ منها على يقين. فإن احتجوا بما رووه عن ابن عباس أنه قال: " آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جنازة فكبر أربعا " (1). فالجواب: أنا نتأول ذلك على أن المراد به أنه عليه السلام كبر أربعا وواحدة سلم معها.

(1) نصب الراية 2: 267، سنن الدارقطني 2: 72 / 2، السنن الكبرى للبيهقي 4: 37، مجمع الزوائد 3: 35.

[ 271 ]

كتاب الزكاة

[ 273 ]

المسألة الخامسة عشر والمائة: " تجب الزكاة في الاموال يوم تستفاد ". الذي يذهب إليه أصحابنا أن الزكاة لا تجب في الدراهم والدنانير والمواشي إلا بالحول، وهو مذهب جميع الفقهاء (1). وقال ابن عباس، وابن مسعود: إذا استفاد مالا زكاه في الحول (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد ذكره. وأيضا ما رواه أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (3). وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث السعاة في كل حول دفعة (4). فدل على أن الزكاة تجب في كل حول دفعة. وأيضا فالاجماع منعقد بعد ابن عباس وابن مسعود على هذه العدة، ولا اعتبار بما يتجدد من الخلاف بعد الاجماع.

حكاه عن الناصر في البحر ج 2 ص 141 (ح). (1) المجموع شرح المهذب 5: 361، المغني لابن قدامة 2: 495، الهداية للمرغيناني 1: 96.
(2) المجموع شرح المهذب 5: 361، المغني لابن قدامة 2: 496 - 497.
(3) سنن الدارقطني 2: 91 / 5، نصب الراية 2: 328، السنن الكبرى للبيهقي 4: 95، تلخيص الحبير 2: 156، كنز العمال 6: 323 / 15861، سنن ابن ماجة 1: 571 / 1792.
(4) الخرايج والجرايح 2: 563 / 21..

[ 274 ]

المسألة السادسة عشرة والمائة: " ما زاد على نصاب الذهب والفضة يجب فيه ربع العشر ". الذي يذهب إليه أصحابنا: أنه لا زكاة فيما زاد على نصاب الدنانير الذي هو عشرين دينارا حتى تبلغ الزيادة أربعة دنانير، فإذا بلغت ذلك ففيها عشر دينار. وكذلك لا زكاة فيما زاد على نصاب الدراهم الذي هو مائتا درهم، حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما، فإذا بلغت ذلك ففيها درهم واحد، وعلى هذا الحساب. ووافقنا على ذلك أبو حنيفة (1). وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي: ما زاد على النصاب في الورق (2). والدنانير ففيه الزكاة على حساب ما يجب في النصاب (3). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم: ما رواه معاذ بن جبل (4): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " في مائتي درهم خمسة دراهم، وليس في الزيادة شئ حتى تبلغ

حكاه في البحر ج 2 ص 194 عن الناصر والهادي والقاسم (ح). (1) المبسوط للسرخسي 2: 189، اللباب في شرح الكتاب 1: 146، الهداية للمرغيناني 1: 103، شرح فتح القدير 2: 159.
(2) في (م): " على نصاب الورق ".
(3) اللباب في شرح الكتاب 1: 147، بداية المجتهد 1: 263، المجموع شرح المهذب 6: 16 - 17، الهداية للمرغيناني 1: 103.
(4) أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الانصاري الخزرجي المدني، أسلم في العقبة وصحب النبي صلى الله وآله وسلم شهد بدرا والمشاهد كلها، بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى اليمن عاملا عليها ومعلما لأهلها، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه عمر، وابنه عبد الله، وأبو موسى الاشعري، وأنس، ومسروق، مات سنة 17 ه‍ -. أنظر: الطبقات الكبرى 7: 387، الاصابة في تمييز الصحابة 3: 426 / 8037، رجال الطوسي 27 / 5، أسد الغابة 4: 376، تذكرة الحفاظ 1: 19 / 8، تهذيب التهذيب 10: 169 / 349..

[ 275 ]

أربعين درهما " (1). وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " هاتوا زكاة الرقة من كل أربعين درهما درهما " (2). فحصره بعدد يدل على أن ما عداه بخلافه. فإن احتج المخالف بما يروى عنه أنه قال: " في الرقة ربع العشر " (3). فالجواب عنه: أن خبرهم عام، وخبرنا مخصص له. المسألة السابعة عشر والمائة: " هل في عروض التجارة زكاة؟ ". ليس عندنا أن الزكاة تجب في عروض التجارة. وقال مالك: إن كان إنما يبيع العرض بالعرض فلا زكاة حتى يقبض ماله، وإن كان يبيع بالعين والعرض فإنه يزكي، وإن لم يكن ممن يريد التجارة واشترى أشياء يريد نفعها وبقيت عنده حتى مضت أحوال فلا زكاة عليه، فإذا باع زكى زكاة واحدة (4). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كانت العروض للتجارة ففيها الزكاة إن بلغت قيمتها النصاب، وهو قول الثوري، والاوزاعي، وابن حي، والشافعي (5).

(1) سنن الدارقطني 2: 93 / 1.
(2) سنن أبي داود 2: 101 / 1574، سنن الترمذي 3: 16 / 620، جامع الاصول 4: 586 / 2667.
(3) جامع الاصول 4: 594 / 2671، الموطأ 1: 259، سنن أبي داود 2: 97 / 1567. حكى وجوبها عن العترة في البحر ج 2 ص 155 (ح).
(4) المدونة الكبرى 1: 254، 255، بداية المجتهد 1: 277، 278.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 105، المبسوط للسرخسي 2: 190، المجموع شرح المهذب 6: 47، المغني لابن قدامة =.

[ 276 ]

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره. وأيضا فإن الاصل ألا زكاة ولا حق في الاموال، فمن أثبت ذلك فعليه دليل يقطع العذر ويوجب العلم. وأيضا قوله [ تعالى ]: (ولا يسألكم أموالكم) (1) فظاهر هذه الآية يقتضي أنه لا حق في المال على العموم، وإنما أوجبنا ما أوجبناه من ذلك بدليل اضطرنا إلى تخصيص العموم، فمن ادعى زكاة في عروض التجارة فهو مخصص للآية بغير دليل. ومما يعتمد عليه في ذلك من أخبار الآحاد لا يغني، لان أخبار الآحاد لا يخص بها القرآن. وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة " (2) وهذا عام في عروض التجارة وغيرها. فإن احتج المخالف عن وجوب الزكاة في عروض التجارة بقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم) (3) وبقوله: (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) (4). فذلك عموم نخصه بالادلة التي ذكرناها، على أن هاتين الآيتين يعارضهما قوله: (لا يسألكم أموالكم) (5) ويبقي سائر ما احتججنا به من الادلة.

= 2: 623، الشرح الكبير 2: 622. (1) سورة محمد، الآية: 36.
(2) صحيح مسلم 2: 675 / 8، 9، صحيح البخاري 2: 618 / 1369 سنن أبي داود 2: 108 / 1595، جامع الاصول 4: 623 / 2708.
(3) سورة التوبة، الآية: 103. (4) سورة الذاريات، الآية: 19.
(5) سورة محمد، الآية: 36..

[ 277 ]

المسألة الثامنة عشر والمائة: " ويضم الذهب إلى الفضة، وهما إلى عروض التجارة لإكمال النصاب ". عندنا: أنه لا يضم ذهب إلى فضة، ولا فضة إلى ذهب، ولا نوع إلى غير جنسه في الزكاة، بل يعتبر في كل جنس النصاب بنفسه، وهو قول الشافعي (1). وذهب الثوري، والاوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه: إلى أنه يضم الجنس إلى غيره (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر ذكره: أن الاصل أنه لا حق في الاموال، فمن أوجب في ذهب لم يكمل نصابه إذا هو انضم إليه ورق الزكاة فقد اوجب حقا في الذمة، فعليه الدليل، لان الاصل بخلاف قوله. وأيضا ما رواه جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ليس فيما دون خمس أواق صدقة " (3) فنفى الصدقة عن الورق إذا لم يبلغ خمسة أواق، ولم يفصل بين أن يكون معه ذهب أو لم يكن. المسألة التاسعة عشر والمائة: " وإذا كثرت الابل ففي كل خمسين حقة " (* *). الذي نذهب إليه: أن الابل إذا كثرت وزادت على مائة وعشرين أخرج من

حكاه في البحر ج 2 ص 151 عن العترة وحكى هناك عن الهادي والقاسم والناصر أن الضم بالتقويم (ح). (1) المجموع شرح المهذب 6 % 18، حلية العلماء 3: 90، المغني لابن قدامة 2: 594.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 192، اللباب في شرح الكتاب 1: 149، المجموع شرح المهذب 6: 18.
(3) صحيح مسلم 2: 675 / 6، جامع الاصول 4: 590 / 2669. (* *) حكى في البحر ج 2 ص 161 عن الناصر في كل أربعين وفي كل خمسين حقة (ح)..

[ 278 ]

كل خمسين حقة، ومن كل أربعين بنت لبون، ووافقنا عليه الشافعي (1). وقال مالك: إذا زادت على إحدى وتسعين فلا شئ فيها حتى تبلغ مائة وثلاثين، ثم تجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة (3). وقال أبو حنيفة: إذا زادت على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة (في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض مثل ابتداء الفريضة (3). وقال ابن جرير الطبري: رب المال بالخيار بين ما قلناه وبين ما قاله أبو حنيفة (4). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم ذكره: ما رواه أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا زادت الابل على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة " (5). فإن عارضوا بما روي عنه عليه السلام من قوله: " إذا زادت الابل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة في كل خمس شاة " (6). فالجواب عنه: أنا نحمل هذا الخبر على وجهين من التأويل: أحدهما: أن معنى استئناف الفريضة أنها صارت على جهة واحدة بعد أن كانت

(1) المجموع شرح المهذب 5: 400، حلية العلماء 3: 36، المغني لابن قدامة 2: 450، أحكام القرآن للجصاص 4: 360.
(2) بداية المجتهد 1: 267، المدونة الكبرى 1: 307، 308، حلية العلماء 3: 36.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 151، اللباب في شرح الكتاب 1: 139، حلية العلماء 3: 36، الاصل للشيباني 2: 2، المجموع شرح المهذب 5: 400. (4) المجموع شرح المهذب 5: 400، 401، حلية العلماء 3: 37.
(5) جامع الاصول 4: 590 / 2670، سنن أبي داود 2: 98 / 1568، سنن ابن ماجة 1: 573 / 1798، سنن الترمذي 3: 17 / 621، السنن الكبرى للبيهقي 4: 87، نصب الراية 2: 343.
(6) السنن الكبرى للبيهقي 4: 92 - 94، نصب الراية 2: 345..

[ 279 ]

على جهات مختلفة، ويكون القول بأن في كل خمس شاة من جهة الراوي لا من جهة نقله، كأن الراوي فسر لفظ الاستئناف وظن على ما قاله دون ما بيناه. والوجه الثاني: أن يريد: أنه إذا استفاد مالا زائدا على مائة وعشرين في أثناء الحول فإنه يستأنف به الفريضة، ولا يبني على جواز حول الاصل. المسألة العشرون والمائة: " ما بين أربعين من البقر إلى الستين عفو لا شئ فيها ". هذا صحيح وهو مذهب أصحابنا، ووافقنا على ذلك الشافعي، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وبه يقول أبو يوسف، ومحمد (1). وفي الرواية الاخرى عن أبي حنيفة قال: لا شئ فيها حتى تبلغ خمسين، فإذا بلغتها ففيها مسنة وتبيع (2). وعنه رواية ثالثة: أنه إذا زادت واحدة ففيها بحساب الاربعين (3). دليلنا: الاجماع المتردد، وأيضا فإن الاصل نفي الحقوق عن الاموال، فمن ادعى فيما بين الاربعين إلى الستين حقا واجبا، فعليه دليل شرعي يقطع العذر.

ذكر في البحر أنه لا يلزم وكأنه عطف على المسألة التي قبلها عن العترة لأنه جعله بحرف العطف (ح). (1) المجموع شرح المهذب 5: 416، المبسوط للسرخسي 2: 187، اللباب في شرح الكتاب 1: 141، الاصل للشيباني 2: 62، المغني لابن قدامة 2: 468. أحكام القرآن للجصاص 4: 359.
(2) أحكام القرآن للجصاص 4: 359.
(3) الاصل للشيباني 2: 61 - 62، المبسوط للسرخسي 2: 187، اللباب في شرح الكتاب 1: 141، المغني لابن قدامة 2: 469، حلية العلماء 3: 15، أحكام القرآن للجصاص 4: 359..

[ 280 ]

وأيضا ما رواه ابن عباس عنه عليه السلام أنه قال: " لا شئ في الاوقاص " (1)، والوقص يقع على ما بين النصابين وظاهر قوله عليه السلام يقتضي أنه لا شئ فيه. المسألة الحادية والعشرون والمائة: " في قليل العسل وكثيره الخمس، لانه من جنس الفئ ". لا عشر عندنا في العسل ولا خمس، ووافقنا على ذلك الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إذا وجد العسل في غير أرض الخراج ففيه العشر، وهو مذهب أحمد وإسحاق (3) دليلنا بعد الاجماع المتقدم ذكره: ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " لا تأخذ العشر إلا من أربعة: من الحنطة، والشعير، والكرم، والنخل " (4). وأيضا فإن الاصل ألا حق في الاموال، فمن أثبت حقا في العسل إما خمسا أو غيره فعليه إقامة الدليل ولا دليل.

(1) سنن الدارقطني 2: 94 / 2، السنن الكبرى للبيهقي 4: 99. حكاه في البحر ج 2 ص 174 عن الناصر (ح).
(2) المجموع شرح المهذب 5: 455، حلية العلماء 3: 74، المبسوط للسرخسي 2: 216، المغني لابن قدامة 2: 577، أحكام القرآن للجصاص 4: 362.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 216، اللباب في شرح الكتاب 1: 152، الهداية للمرغيناني 1: 110، المغني لابن قدامة 2: 577، الاصل للشيباني 2: 161، أحكام القرآن للجصاص 4: 363.
(4) كنز العمال 6: 326 / 15873، مجمع الزوائد 3: 75، المستدرك على الصحيحين 1: 558 / 1459، سنن الدارقطني 2: 98 / 15..

[ 281 ]

المسألة الثانية والعشرون والمائة: " ولا زكاة في مال الصبي في أحد القولين ". الصحيح عندنا أنه لا زكاة في مال الصبي من العين والورق، فأما الضرع والزرع فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى أن الامام يأخذ منه الصدقة (1). وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا زكاة في مال اليتيم على العموم (2). وقال ابن أبي ليلى: في أموالهم الزكاة، فإن أداه الوصي عنهم وإلا فهو ضامن (3). وقال الاوزاعي، والثوري: إذا بلغ الصبي دفع الوصي إليه ماله، وأعلمه ما دخل فيه من الزكاة، فإن شاء زكى وإن شاء لم يزك (4). وقال مالك، والشافعي، وابن حي، والليث: في مال اليتيم الزكاة (5). وقال ابن شبرمة: لا زكاة في الذهب والفضة من ماله، وفي الابل والبقر والغنم الصدقة (6). ولا خلاف في وجوب العشر في أرضه.

حكى في البحر ج 2 ص 142 عن الناصر أنه يلزمه العشر دون غيره من الزكاة (ح). (1) المقنعة: 238، المهذب لابن البراج 1: 168، مختلف الشيعة 3: 151.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 162، الاصل للشيباني 2: 45، الهداية للمرغيناني 1: 96، اللباب في شرح الكتاب 1: 127، حلية العلماء 3: 10.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 162، المجموع شرح المهذب 5: 331، المغني لابن قدامة 2: 493، حلية العلماء 3: 9.
(4) المغني لابن قدامة 2: 493، حلية العلماء 3، 9.
(5) الأم 2: 30، المجموع شرح المهذب 5: 331، حلية العلماء 3: 9، مغني المحتاج 1: 409، المدونة الكبرى 1: 249 - 250، بداية المجتهد 1: 251، المغني لابن قدامة 2: 493.
(6) المجموع شرح المهذب 5: 331..

[ 282 ]

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره، وأيضا فإن الاصل نفي الحقوق عن الاموال، فمن ادعى في مال اليتيم حقا فعليه الدليل، والاصل ألا حق في ماله. وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم " (1) وفي إيجاب الزكاة في ماله إثبات جري القلم عليه. فإن قيل: أنتم توجبون في مال الصبي العشر، وضمان الجنايات ونحوها. قلنا: كل هذا خرج بدليل، والظاهر بخلافه. فإن احتجوا بما رواه عبد الله بن عمر (2) أنه قال: من ولي يتيما له مال فليتجر، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة (3). الجواب عن ذلك: ما قيل: من أن المراد بالصدقة في هذا الخبر النفقة، لان النفقة تسمى صدقة. شاهده ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " نفقة الرجل على عياله صدقة (4). ويقوي هذا التأويل أنه قال: " حتى تأكلها "، وأشار إلى جميع المال، وزكاة المال لا تأتي على جميع المال، والنفقة تأتي على جميعها.

(1) جامع الاصول 3: 506 / 1823، سنن أبي داود 4: 141 / 4403، السنن الكبرى للبيهقي 6: 84 و 206. (2) في المصادر: " عبد الله بن عمرو بن العاص ".
(3) السنن الكبرى للبيهقي 6: 2، سنن الدارقطني 2: 110 / 1، تلخيص الحبير 2: 331.
(4) كنز العمال 6: 419 / 16344، سنن الترمذي 4: 303 / 1965، مجمع الزوائد 3: 120..

[ 283 ]

المسألة الثالثة والعشرون والمائة: " في يسير ما أخرجته الارض وكثيره العشر أو نصف العشر، إلا البر، والشعير، والتمر، والزبيب، والأرز إذا كان في بلاد يقتاته أهلها، حتى يبلغ كل جنس منها لشخص واحد في سنة واحدة خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع خمسة أرطال " (* *). وثبت عندنا: أنه لا زكاة فيما تنبت الارض على اختلاف أنواعه إلا الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، دون ما عدا ذلك. وقال الشافعي: لا شئ في المزروعات إلا فيما يقتات ويدخر كالحنطة، والشعير، والأرز، والذرة، والباقلا، والحمص، واللوبياء، وما يخرج من الشجر كالعنب، والرطب فقط (1). وقال أبو حنيفة، وزفر: كلما أخرجته الارض ففيه العشر، إلا الحطب، والحشيش (2). وقال أبو يوسف، ومحمد: لا تجب إلا فيما له ثمرة باقية، ولا شئ في الخضراوات (3).

حكى في البحر ج 2 ص 169 عن الناصر أنه يعتبر النصاب في التمر والزبيب والبر والشعير أي لا غيرها ولم يذكر الارز (ح). (* *) حكى اعتبار الوزن عن الناصر في البحر ج 2 ص 170 (ح). (1) المجموع شرح المهذب 5: 456، حلية العلماء 3: 83، الأم 2: 37.
(2) الاصل للشيباني 2: 162، المبسوط للسرخسي 3: 2، الهداية للمرغيناني 1: 109 - 110، المغني لابن قدامة 2: 550.
(3) الاصل للشيباني 2: 163، المبسوط للسرخسي 3: 2، المجموع شرح المهذب 5: 456، حلية العلماء 3: 84..

[ 284 ]

وعندنا أن النصاب معتبر في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، ولا زكاة في شئ منها حتى يبلغ خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع تسعة أرطال. ويخرج منه العشر إن كان سقي سيحا أو بالسماء، فإن سقي بالغرب (1) والدوالي والنواضح فنصف العشر. واعتبر الشافعي النصاب في الحبوب والثمار كلها، وهو أن يبلغ كل صنف منها خمسة أوسق، غير أنه خالفنا في الصاع فذهب إلى أنه: خمسة أرطال وثلث، ووافقه مالك في ذلك (2). ووافقنا أبو يوسف، ومحمد، في نصاب الحبوب، في إنه خمسة أوسق (3). وقال أبو يوسف: الصاع خمسة أرطال وثلث، كما قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة، ومحمد: الصاع ثمانية أرطال (5). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه في إنه لا عشر إلا في الاصناف التي ذكرناها بعد الاجماع المتقدم: ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " لا تأخذ العشر إلا من أربعة: من الحنطة، والشعير، والكرم، والنخل " (6). وأيضا فإن الاصل نفي وجوب الزكاة عن الاموال، فمن ادعى فيما نفينا عنه

(1) الغرب: الراوية التي يحمل عليها الماء. والغرب: دلو عظيمة من مسك ثور. لسان العرب ج 1 (مادة غرب) وفي نسخة (م): " قرب " بدل " غرب ". (2) المجموع شرح المهذب 5: 457 و 6: 128، الأم 2: 37، المدونة الكبرى 1: 342، بداية المجتهد 1: 273.
(3) الاصل للشيباني 2: 163، المبسوط للسرخسي 3: 3.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 117، المبسوط للسرخسي 3: 113.
(5) المصدر السابق.
(6) السنن الكبرى للبيهقي 4: 125، نصب الراية 2: 389، كنز العمال 6: 326 / 15873، مجمع الزوائد 3: 75، المستدرك على الصحيحين 1: 558 / 1457 و 1459، سنن الدارقطني 2: 98 / 15..

[ 285 ]

الزكاة حقا فعليه الدليل والاصل معنا. وأما الدليل على اعتبار النصاب وهو خمسة أوسق: فهو الاجماع المتردد ذكره، وأيضا فإن ما نقص عن الاوساق التي ذكرناها الاصل ألا حق فيه، فعلى مدعي الحق فيما نقص عن النصاب الذي اعتبرناه الدليل. وأيضا ما رواه أبو سعيد الخدري من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة ولا زكاة " (1). قلنا: العشر زكاة، بدليل ما رواه عتاب بن أسيد (2): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أن يخرص الكرم كما يخرص النخل، ثم يؤدى زكاته زبيبا كما يؤدى زكاة النخل تمرا (3). وأيضا فمما يدل على المسألة: ما رواه عمرو بن شعيب (4)، عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ما سقته السماء ففيه العشر، وما سقي بنضح أو غرب ففيه نصف

(1) جامع الاصول 4: 587 / 2668، السنن الكبرى للبيهقي 4: 84 و 107، صحيح مسلم 2: 674 / 4 و 5، سنن النسائي 5: 39، سنن الدارقطني 2: 99 / 19 و 20.
(2) عتاب بن أسيد: هو أبو عبد الرحمن بن أبي العيص بن أمية الاموي، القرشي، أسلم يوم الفتح، وولاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على مكة عندما خرج الى حنين، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب مات سنة 13 ه‍ -. انظر: أسد الغابة 3: 358، تهذيب التهذيب 7: 82 / 191، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 451 / 5391، الطبقات الكبرى 5: 446.
(3) سنن أبي داود 2: 110 / 1603، سنن الدارقطني 2: 132 / 16، كنز العمال 6: 329 / 15886، السنن الكبرى للبيهقي 4: 122.
(4) أبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي، فقيه أهل الطائف ومحدثهم، روى عن أبيه فأكثر، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وطاووس وجماعة، وحدث عنه قتادة، وعطاء، والاوزاعي وآخرون. مات سنة 118 ه‍ -. انظر: تهذيب الكمال 22: 64 / 4385، سير اعلام النبلاء 5: 165 / 687، تهذيب التهذيب 8: 43 / 80، تهذيب الاسماء واللغات 1: 27 / 18..

[ 286 ]

العشر إذا بلغ خمسة أوسق " (1). فإن احتجوا بما يروى عنه عليه السلام أنه قال: " فيما سقت السماء العشر (2) ". قلنا: هذا خبر عام، والخبر الذي رويناه يخصصه، بل سائر ما ذكرناه من الادلة مخصص له. فأما الذي يدل على أن الصاع تسعة أرطال بعد الاجماع المتكرر ذكره، أنه لا خلاف في أن من أخرج - وقد وجب عليه صاع - تسعة أرطال فقد برئت ذمته مما وجب عليه بيقين، وليس كذلك إذا أخرج ثمانية أو خمسة وثلث، فإذا كان الواجب فيما يثبت بيقين في الذمة أن يتيقن سقوطه عن الذمة وجب في الصاع ما حددناه، لان من أخرجه تيقن براءة ذمته. فإن قيل: إذا كنتم توجبون في الصاع ما حددتموه من طريق الاحوط والاولى أفليس إذا أخرج تسعة أرطال بنية الوجوب واعتقد وجوب الفعل فقد فعل ما لا يؤمن كونه قبيحا من اعتقاد ونية؟ قلنا: ما اوجبنا ما حددناه في الصاع من حيث الاولى، بل لتيقن براءة ذمته كما تيقن اشتغال ذمته قبل الاداء، ولا طريق إلى اليقين ببراءة الذمة إلا بما ذكرناه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإن قيل: إذا ثبت أن الصاع في الفطرة تسعة أرطال، فمن أين أنه في صدقة نصاب الحبوب كذلك؟ قلنا: لان احدا ما فرق بين الامرين، ولان الصاع إذا ثبت مبلغه في موضع من

(1) السنن الكبرى للبيهقي 4: 121 مع اختلاف في السند.
(2) سنن الدارقطني 2: 129 / 5 - 6، السنن الكبرى للبيهقي 4: 130، جامع الاصول 4: 588 / 2668، كنز العمال 6: 328 / 15880..

[ 287 ]

المواضع فكذلك مبلغه في كل موضع. المسألة الرابعة والعشرون والمائة: " لا تحل الصدقة لقوي مكتسب ". هذا صحيح عندنا أن من كان مكتسبا محترفا لقدر كفايته وقادرا لصحته وقوته على الاكتساب فهو كالغني في أن الصدقة لا تحل له. وقال الشافعي: الاستغناء بالكسب يقوم مقام الاستغناء بالمال، إذا كان ذلك يقوم بالكفاية (1). وقال أبو حنيفة: لا يحرم الكسب أخذ الصدقة، وإنما تحرمها أن يكون معه مائتا درهم فصاعدا أو قيمتها (2). دليلنا: الاجماع المتقدم ذكره. وأيضا ما روي: أن رجلين أتيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسألانه الصدقة، فصعد بصره فيهما وصوبه ثم قال: " إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب " (3). وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة قوي " (4).

ذكر في البحر ج 2 ص 175 عن الناصر تفسير الفقير ولم يذكر هذه المسألة إلا للشافعي (ح). (1) المغني لابن قدامة 2: 523، 524، المجموع شرح المهذب 6: 190.
(2) اللباب في شرح الكتاب 1: 157، المغني لابن قدامة 2: 524، الهداية للمرغيناني 1: 114، شرح فتح القدير 2: 215.
(3) سنن أبي داود 2: 118 / 1633، سنن النسائي 5: 99 - 100، جامع الاصول 4: 662 / 2756، مسند أحمد 5: 362، نصب الراية 2: 401، مجمع الزوائد 3: 92.
(4) سنن أبي داود 2: 118 / 1634، سنن النسائي 5: 99، جامع الاصول 4: 661 / 2754، مسند أحمد 2: 192 و 389، سنن الترمذي 3: 42 / 652..

[ 288 ]

المسألة الخامسة والعشرون والمائة: " من ملك خمسين درهما حرمت عليه الزكاة في أحد القولين ". الاولى على مذهبنا أن تكون الصدقة محرمة على كل مستغن عنها، ومن ملك خمسين درهما أو دونها فهو قادر على أن يكفي نفسه ويسد خلته، فلا تحل له الصدقة لانه ليس بمضطر إليها. وراعى أبو حنيفة في تحريم الصدقة ملك النصاب، وهو مائتا درهم، أو عشرون دينارا (1). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره. وأيضا فلا خلاف في أن من ذكرناه يستحق الصدقة والزكاة، ومن أعطاه برأت ذمته منها، وليس كذلك ما يقوله المخالف، وليس إذا جعل الله تعالى للزكاة نصابا - لم يوجب فيها عما نقص عنه - وجب أن يكون ذلك النصاب معتبرا في تحريم الصدقة.

لم أجده عن الناصر وهو في مجموع زيد بن علي عن علي عليه السلام (ح). (1) اللباب في شرح الكتاب 1: 157، المغني لابن قدامة 2: 524، الهداية للمرغيناني 1: 114، شرح فتح القدير 2: 215..

[ 289 ]

كتاب الصيام

[ 291 ]

المسألة السادسة والعشرون والمائة: " إذا رئي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية ". هذا صحيح وهو مذهبنا، واليه ذهب أبو حنيفة، ولم يفرق بين رؤيته قبل الزوال وبعده، وهو قول محمد ومالك والشافعي (1). وقال أبو يوسف: إن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وبعد الزوال لليلة المستقبلة (2). وقال أحمد: في آخر الشهر مثل قوله، وفي أوله مثل قول من خالفنا احتياطا للصوم (3). دليلنا: الاجماع المتقدم ذكره. وأيضا ما روي عن أمير المؤمنين، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وأنس أنهم قالوا: " إذا رئي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية " (4) ولا مخالف لهم. المسألة السابعة والعشرون والمائة: " شهر رمضان قد يكون تسعة وعشرين يوما " (* *). هذا صحيح، واليه يذهب جميع أصحابنا إلا شذاذا (5) لا اعتبار بقولهم، وهو

حكاه في البحر عن الصادق (م) والباقر (م) والقاسم ولم يذكره للناصر ولا خلافه ولكن حكاه المؤيد بالله في شرح التجريد عن الناصر في هلال شوال (ح). (1) أحكام القرآن للجصاص 1: 256، شرح فتح القدير 2: 242، حلية العلماء 3: 180، بداية المجتهد 1: 293 - 294، وفي المصادر: لليلة المستقبلة.
(2) أحكام القرآن للجصاص 1: 256، المغني ابن قدامة 3: 100، بداية المجتهد 1: 294، حلية العلماء 3: 180.
(3) المغني لابن قدامة 3: 99 - 100، حلية العلماء 3: 180 مع اختلاف عما في المتن.
(4) أحكام القرآن للجصاص 1: 256، في المصدر: لليلة المستقبلة. (* *) حكاه في البحر عن الاكثر وذكر الخلاف فيه للامامية فقط (ح).
(5) أنظر: من لا يحضره الفقيه 2: 110 / 470 - 473.

[ 292 ]

مذهب جميع الفقهاء، ومن خالف في هذه المسألة فقد سبقه الاجماع. والذي يبطل قوله: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى الاهلة وعلق الاحكام بها في الصوم والفطر برؤية الهلال. وقال عليه السلام: " صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " (1). وهذا كله يبطل قول أصحاب العدد، ومن ادعى أن شهر رمضان لا يكون إلا ثلاثين يوما. وقد أملينا في هذه المسائل كتابا مفردا استقصينا الكلام فيه، فمن أراد الاستيفاء يرجع إليه. المسألة الثامنة والعشرون والمائة: " صوم يوم الشك أولى من إفطاره ". هذا صحيح، واليه يذهب أصحابنا. وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا صام يوم الشك تطوعا، أو قضاءا، أو نذرا كان عليه جزاؤه، ولم يكره له ذلك (2). وقال الشافعي: يكره يوم الشك إلا أن يوافق عادة، ويذهب إلى أنه إن صامه عن نذر أو قضاء أو كفارة سقط به الفرض (3).

(1) سنن الدارقطني 2: 168 / 3. سنن النسائي 4: 135، السنن الكبرى للبيهقي 4: 247، صحيح البخاري 3: 68 / 168. حكاه في البحر عن الناصرية (ح).
(2) الهداية للمرغيناني 1: 120، المبسوط للسرخسي 3: 63.
(3) المجموع شرح المهذب 6: 399، المبسوط للسرخسي 3: 63..

[ 293 ]

وقال أحمد: إن كان صحو فمكروه صومه، وإن كان غيم لم يكره. وروي ذلك عن ابن عمر (1). وقال الحسن، وابن سيرين (2): التأسي بالامام، إن صام صاموا وإن أفطر أفطروا (3). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره. وأيضا قوله تعالى: (وأن تصوموا خير لكم) (4) وهذا عام في سائر الايام. وأيضا فإنه يوم في الحكم من شعبان، بدلالة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " وإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين " (5) فجاز صومه بنية شعبان. فأما ما يحتج به المخالف بما رواه أبو هريرة أنه عليه السلام نهى عن صوم ستة أيام في السنة: اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، ويوم الفطر، ويوم الاضحى، وأيام التشريق (6). وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم " (7).

(1) المغني لابن قدامة 3: 4 و 12، حلية العلماء 3: 178، المجموع شرح المهذب 6: 403، 405.
(2) أبو بكر محمد بن سيرين الانصاري، البصري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، أحد فقهاء البصرة، روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وأنس بن مالك وغيرهم، وعنه هشام بن حسان، وخالد الحذاء، وجرير وآخرون، مات سنة 110 ه‍ انظر: الطبقات الكبرى 7: 193، وفيات الاعيان 4: 181 / 565، المعارف: 195، تاريخ بغداد 5: 331 / 2857.
(3) المجموع شرح المهذب 6: 403، حلية العلماء 3: 179.
(4) سورة البقرة، الآية: 184.
(5) صحيح البخاري 3: 68 / 168، سنن الدارقطني 2: 162 / 26، سنن النسائي 4: 136، السنن الكبرى للبيهقي 4: 205، جامع الاصول 6: 268 / 4378.
(6) سنن الدارقطني 2: 157 / 6، مجمع الزوائد 3: 203.
(7) سنن الدارقطني 2: 157 / 5، سنن أبي داود 2: 300 / 2334، سنن النسائي 4: 153، سنن ابن ماجة =.

[ 294 ]

والجواب عن جميعه: أنا نحمل هذه الاخبار على أنه إن صامه بنية شهر رمضان، للادلة المتقدمة. المسألة التاسعة والعشرون والمائة: " ويفسد الصيام كل ما يصل إلى جوف الصائم بفعله وبالوطء ودواعيه إذا اقترن بالانزال ". هذا صحيح، ويجب أن يشرط فيه الاعتماد، ولا خلاف فيما يصل إلى جوف الصائم من جهة فمه إذا اعتمد أنه يفطره، مثل الحصاة، والخرزة، وما لا يؤكل ولا يشرب. وإنما يخالف في ذلك الحسن بن صالح، وقال: إنه لا يفطر (1)، وروي نحوه عن أبي طلحة (2)، والاجماع متقدم ومتأخر عن هذا الخلاف، فسقط حكمه. فأما الحقنة: فلم يختلف في أنها تفطر.

= 1: 527 / 1645، جامع الاصول 6: 350 / 4507. حكى في البحر عن العترة أن الحقنة غير مفسدة، وحكى أيضا عن العترة أن ما وصل الجوف من غير الحلق لا يفطر أي لأنه لم يؤكل ج 2 ص 252، وحكى هناك عن الناصر أن من أخرج من فمه الريق ثم رده وازدرده أعني ابتلعه أفطر كالحصاة، وذكر أن الامناء لشهوة يفسد الصوم وحكى عن العترة ولو عن النظر كاللمس. وحكى عن الناصر: إن أمنى عن تفكير أفسد ج 2 ص 251 وحكى عن الناصر روايتين فيمن وطأ ناسيا يفطر ولا يفطر ج 2 ص 250 وحكى الاجماع على أن وطي المراة في القبل يفطر وحكى عن الناصر أنها لا تلزم فيه الكفارة ج 2 ص 249 (ح). (1) المجموع شرح المهذب 6: 317، المغني لابن قدامة 3: 36، حلية العلماء 3: 195، البحر الزخار 3: 251.
(2) أبو طلحة زيد بن سهل بن أسود بن حرام الانصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها، وهو أحد النقباء. روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه ابنه عبد الله، وأنس بن مالك، وزيد بن خالد وجماعة، توفي سنة 32 ه‍. انظر: الاستيعاب (بهامش الاصابة) 1: 549، رجال الطوسي 20 / 5، أسد الغابة 2: 232، تهذيب التهذيب 3: 357 / 755..

[ 295 ]

وقال الحسن بن حي، لا يفطر ما يصل من غير الفم (1). وقال مالك: إن كان كثيرا أفطره، وإن كان قليلا لم يفطره (2). والاجماع سابق لخلاف الحسن بن صالح، ومتأخر عنه. فأما تفرقة مالك بين الكثير والقليل فغير صحيح، لان ما يفطر لا يفرق بين قليله وكثيره. فأما الوطي فلا خلاف في أنه يفسد الصيام. فأما دواعيه التي يقترن بها الانزال فأنزل غير مستدع للانزال لم يفطر، وهو مذهب الشافعي (3). وقال مالك: إن أنزل في أول نظرة أفطر ولا كفارة عليه، وإن كرر حتى أنزل أفطر وعليه الكفارة (4). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم ذكره، وأيضا فإن الاحتراز من النظر لا يمكن في الاغلب، فرفع عنه وعما يحصل منه بقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (5) ولهذا لو طار الذباب ودخل في حلقه لم يفسد صومه.

(1) المجموع شرح المهذب 6: 320، البحر الزخار 3: 252، حلية العلماء 3: 194.
(2) المدونة الكبرى 1: 197.
(3) الأم 2: 109، المجموع شرح المهذب 6: 322، الوجيز 1: 102.
(4) المدونة الكبرى 1: 199، المجموع شرح المهذب 6: 322، حلية العلماء 3: 204.
(5) سورة الحج، الآية: 78..

[ 296 ]

المسألة الثلاثون والمائة: " من أفطر في شهر رمضان متعمدا فلا كفارة عليه في إحدى الروايتين، وعليه الكفارة في الرواية الاخرى ". الذي يذهب إليه أصحابنا: أن من تعمد الاكل، والشرب، والجماع قضى وكفر. و [ يدل عليه بعد ] الاجماع المتقدم أنه لا خلاف في أن من أفسد صومه فأكل وشرب فقد تعلق على ذمته حق لله تعالى، وأجمعوا على أنه إذا قضى وكفر برئت ذمته، ولا إجماع على براءة ذمته متى قضى ولم يكفر، ولا دليل يثمر (1) اليقين، فيجب أن يكفر لتبرأ ذمته بيقين، كما اشتغلت بيقين. وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " من أفطر في شهر رمضان فعليه ما على المظاهر " (2). فإن قيل: لفظ المظاهر بالاطلاق لا يتناول العامد وغيره، وهو عام فيهما وعلى العامد كفارة وعلى المفطر مثلها (3). وأيضا فقد روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أفطرت في شهر رمضان. فقال عليه السلام: " أعتق رقبة " (4) فخرج كلامه مخرج الجواب لسؤال السائل وصار السؤال مضمرا في الجواب، فكأنه قال عليه السلام: إعتق رقبة لانك أفطرت.

عدم لزوم الكفارة فيمن وطأ حكاه في البحر عن الناصر ج 2 ص 249 (ح). (1) في (د) و (ط): " يتم " بدل " يثمر ".
(2) سنن الدارقطني 2: 190 / 52. نصب الراية 2: 449، السنن الكبرى للبيهقي 4: 229.
(3) كذا في جميع النسخ، والعبارة مضطربة.
(4) سنن أبي داود 2: 313 / 2392. سنن الدارمي 2: 11. الموطأ 1: 296 / 28، صحيح مسلم 2: 782 / 83، نصب الراية 2: 450، مجمع الزوائد 3: 168..

[ 297 ]

المسألة الحادية والثلاثون والمائة: " من فسق وترك الصيام ثم تاب فلا قضاء عليه ". عندنا: إن القضاء واجب على من ذكره، ولا خلاف بين الفقهاء كلهم في هذه المسألة. وقد بينا الكلام فيها فيما تقدم عند ذكر من ترك الصلاة في حال فسقه ثم تاب، واستوفيناه (1)، والاجماع متقدم للخلاف في هذه المسألة. المسألة الثانية والثلاثون والمائة: " من شرع في الصوم ثم أفسده لزمه القضاء " (* *). عندنا: أن القضاء لا يلزم من شرع في صوم التطوع ثم أفسده. وقد بينا الكلام في ذلك والادلة عليه فيما تقدم في مسألة من شرع في صلاة التطوع ثم أفسدها (2). المسألة الثالثة والثلاثون والمائة: " لا يجوز التفريق في قضاء صوم شهر رمضان إلا من عذر " (* * *). عند أصحابنا: أنه مخير بين التفريق والمتابعة في قضاء صوم شهر رمضان.

لم أجده (ح). (1) انظر: الى المسألة رقم 104، من كتاب الصلاة. (* *) ذكره في البحر عن زيد والداعي ويحتمل التصحيف لان رقم زيد (ز) ورقم الناصر (ن) ج 2 ص 258 (ح).
(2) انظر: الى المسألة رقم 105، من كتاب الصلاة. (* * *) حكاه في البحر عن الناصر ج 2 ص 259 وما قال فيه: إلا من عذر (ح)..

[ 298 ]

وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي (1). وقال مالك، والثوري، وابن حي: يقضيه متتابعا أحب إلينا، فإن فرق أجزأه (2). وروي عن ابن عمر: أن التتابع شرط، وهو قول النخعي، وداود (3). دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد، قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (4) والعدة تقع على المتتابع والمتفرق، وأيضا فإن التتابع حكم شرعي زائد على وجوب القضاء على الجملة، فالاصل ألا شرع، فمن أثبته فعليه الدليل. وأيضا ما رواه نافع (5) عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من كان عليه شئ من قضاء رمضان إن شاء صامه متتابعا، وإن شاء صامه متفرقا " (6). فإن قالوا: قد أمرنا بالقضاء في الآية أمرا مطلقا، والامر المطلق على الفور. قلنا: إذا سلمنا ذلك كان التعلق به باطلا لانه لو كان الامر بالقضاء على الفور لكان يجب متى أمكنه القضاء أن يتعين الصوم فيه حتى لا يجزي سواه، ولا خلاف في أنه يؤخر القضاء، وإنما الخلاف في تتابعه بعد الشروع فيه

(1) المجموع شرح المهذب 6: 367، المبسوط للسرخسي 3: 75، حلية العلماء 3: 208.
(2) المدونة الكبرى 1: 213، المغني لابن قدامة 3: 88.
(3) المغني لابن قدامة 3: 88، المجموع شرح المهذب 6: 367، حلية العلماء 3: 208، المحلى بالآثار 4: 408.
(4) سورة البقرة، الآية: 184.
(5) أبو عبد الله نافع العدوي المدني، الفقيه، مولى عبد الله بن عمر. روى عنه، وعن عائشة، وأبي هريرة، وأم سلمة، وأبي لبابة، وعنه ابن جريج، والاوزاعي، ومالك، والليث مات سنة 117 ه‍ -. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 99 / 92، تهذيب التهذيب 10: 368 / 743، العبر 1: 147.
(6) سنن الدارقطني 2: 193 / 74، الدر المنثور 1: 192..

[ 299 ]

المسألة الرابعة والثلاثون والمائة: " لا اعتكاف إلا بصوم ". عندنا: أن الصوم من شرط صحة الاعتكاف. ووافقنا على ذلك أبو حنيفة، ومالك (1). قال والشافعي: يصح الاعتكاف بغير صوم وفي الاوقات التي لا يصح فيها الصوم، مثل يوم النحر، والفطر، والتشريق (2). دليلنا بعد الاجماع المتقدم: قوله تعالى: (وأنتم عاكفون في المساجد) (3) والاعتكاف: لفظ شرعي مفتقر إلى بيان، والله تعالى لم يبينه في كتابه، واحتجنا إلى بيان من غيره، فلما وجدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعتكف إلا بصوم كان فعله ذلك بيانا للجملة المذكورة في الآية وفعله إذا وقع على وجه البيان كان كالموجود في أوجه الآية. وأيضا ما رواه هشام بن عروة (4)، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا اعتكاف إلا بصوم " (5). وروي عن عمر أنه قال: يا رسول الله إني نذرت أن اعتكف يوما في الجاهلية.

حكى في البحر إجماع العترة أي آل الرسول على أن الصوم شرط في الاعتكاف ج 2 ص 267 (ح). (1) المبسوط للسرخسي 3: 115. المدونة الكبرى 1: 225، المجموع شرح المهذب 6: 487، بداية المجتهد 1: 327، حلية العلماء 3: 218.
(2) المجموع شرح المهذب 6: 487 - 488. المبسوط للسرخسي 3: 115، حلية العلماء 3: 218.
(3) سورة البقرة، الآية: 187.
(4) أبو المنذر هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي المدني، ولد سنة 61 ه‍ -، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، سمع من أبيه، وعمه، ومحمد بن المنكدر، ومالك بن أنس، وحدث عنه شعبة، والثوري. مات سنة 145 ه‍ -. انظر: وفيات الاعيان 6: 80 / 781، سير اعلام النبلاء 6: 34، تاريخ بغداد 14: 37 / 7383.
(5) الدر المنثور 1: 202، كنز العمال 8: 531 / 2403، السنن الكبرى للبيهقي 4: 317، سنن الدارقطني 2: 199 / 4..

[ 300 ]

فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " اعتكف وصم " (1). ومعنى قول عمر: " في الجاهلية " أنه نذر قبل فتح مكة في حال كان أهلها في الجاهلية، وليس معناه أنه نذر في حال الشرك، لاتفاقهم على أنه من نذر في حال الكفر أن يعتكف لم يلزمه بعد الاسلام شئ. فإن احتج المخالف بما يرويه ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه " (2). فالجواب عنه: أنه يحتمل أن يريد به: ليس على المعتكف في شهر رمضان صوم آخر لاجل الاعتكاف. المسألة الخامسة والثلاثون والمائة: " من شرع في الاعتكاف ثم أفسده لزمه القضاء ". الذي نقوله في هذه المسألة: ليس يخلو الاعتكاف من أن يكون واجبا بالنذر، أو تطوعا، فإن كان واجبا لزمه مع إفساده القضاء، وإن كان تطوعا لم يلزمه القضاء، لان التطوع لا يجب عندنا بالدخول فيه، وقد تكلمنا في ذلك فيمن دخل في صلاة تطوع أو صوم تطوع ثم أفسدهما.

(1) سنن أبي داود 2: 334 / 2474، سنن الدارقطني 2: 200 / 9.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 4: 319. سنن الدارقطني 2: 199 / 3. لم أجده وقد مر نظيره (ح)..

[ 301 ]

كتاب الحج

[ 303 ]

المسألة السادسة والثلاثون والمائة " الاستطاعة هي الزاد وصحة البدن ". عندنا: أن الاستطاعة التي يجب معها الحج صحة البدن، وارتفاع الموانع، والزاد والراحلة، وزاد كثير من أصحابنا (1) أن يكون له سعة يحج ببعضها ويبقي بعضها لقوت عياله (2). وقال الشافعي في استطاعة الحج مثل قولنا بعينه، واعتبر صحة الجسم والتمكن من الثبوت على الراحلة، والزاد، ونفقة طريقه إلى حجه ذاهبا وجائيا إن كان السفر من بلده، ونفقة عياله مدة غيبته (3). وروي عن ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير (4)، والحسن البصري، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وإسحاق: اعتبار الزاد، والراحلة، وصحة الجسم، والتمكن من الثبوت على الراحلة (5).

حكى في البحر أن الراحلة ليست من الاستطاعة لمن قدر على المشي عن الناصر ج 2 ص 283 فاما الزاد فحكى عن الاكثر أنه شرط وجوب ص 282 (ح). (1) في (م): " كثير من الناس ".
(2) المختلف 4: 6.
(3) المجموع شرح المهذب 7: 67، كفاية الاخيار 1: 134 - 135.
(4) أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الاسدي الوالبي، مولاهم الكوفي، المقرئي، الفقيه، أحد الأعلام التابعين، وقد صحب الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام وسمع ابن عباس، وعدي بن حاتم وابن عمر وطائفة، وعنه عطاء بن السائب، والاعمش، وأيوب وخلق، قتله الحجاج ظلما سنة 95 ه‍ -. انظر: حلية الاولياء 4: 272 / 275، الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 256 وفيات الأعيان 2: 371 / 261، تذكرة الحفاظ 1: 76 / 73، رجال الطوسي: 90.
(5) المغني لابن قدامة 3: 169، الشرح الكبير (ضمن كتاب المغني) 3: 169، بداية المجتهد 1: 331، اللباب في شرح الكتاب 1: 178، الهداية للمرغيناني 1: 135، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4: 147، أحكام القرآن للجصاص 2: 308..

[ 304 ]

وقال مالك: إن الراحلة لا يعتبر بها (1) وجوب الحج، ومن أطاق الحج لزمه الحج ماشيا. فأما الزاد فلا يعتبر القدرة عليه وحصوله، بل إن كان ذا صنعة يمكنه الاكتساب بها في طريقه لزمه الحج، وإن لم يكن ذا صنعة وكان يحسن السؤال وجرت عادته به لزمه أيضا الحج، فإن لم تجر عادته به لم يلزمه (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر ذكره: أنه لا خلاف في أن ما حاله من ذكرناه أن الحج يلزمه، فمن ادعى أن الصحيح الجسم إذا خلا من سائر (3) الشرائط التي ذكرناها يلزمه الحج فقد ادعى وجوب حكم شرعي في الذمة وعليه الدليل، لان الاصل براءة الذمة. وأيضا قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (4). والاستطاعة في عرف الشرع وعهد اللغة أيضا عبارة عن تسهيل الامر وارتفاع المشقة فيه، وليست بعبارة عن مجرد القدرة. ألا ترى أنهم يقولون: ما أستطيع النظر إلى فلان، إذا كان يبغضه ويمقته ويثقل عليه النظر إليه، وإن كانت معه قدرة على ذلك. وكذلك يقولون: لا استطيع شرب هذا الدواء، يريدون إنني أنفر منه ويثقل علي. وقال الله تعالى: (إنك لن تستطيع معي صبرا) (5) وإنما أراد هذا المعنى لا محالة.

(1) في (ج): " في " بدل " بها ".
(2) بداية المجتهد 1: 331، مواهب الجليل 2: 492، المغني لابن قدامة 3: 169.
(3) في (ج): " جامع " بدل " سائر ".
(4) سورة آل عمران، الآية: 97.
(5) سورة الكهف، الآيات: 67 - 72 - 75..

[ 305 ]

فإذا تقرر ما ذكرناه، وكان الصحيح الجسم يشق عليه المشي الطويل إلى الحج لم يكن مستطيعا له في العرف الذي ذكرناه، وكذلك من وجد الراحلة ولم يجد نفقة لطريقه ولا لعياله يشق عليه السفر ويصعب (1) وتنفر نفسه لا يسمى مستطيعا، فوجب أن تكون الاستطاعة ما ذكرناه، لارتفاع المشاق والتكلف معه. ومما يدل على بطلان مذهب مالك أيضا، ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (2) فقيل له: يا رسول الله ما الاستطاعة؟ فقال: " الزاد والراحلة " (3). المسألة السابعة والثلاثون والمائة: " الامر بالحج على التراخي ". الذي يذهب إليه أصحابنا: أن الامر بالحج على الفور، ووافقنا على ذلك أبو يوسف، ورواه عن أبي حنيفة (4) ووافق المزني (5) عليه. وقال الشافعي: الحج على التراخي (6). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم ذكره: أن الامر المطلق - وإن

(1) في (د) و (ط) " يضعف " بدل " يصعب ".
(2) سورة آل عمران، الآية: 97.
(3) سنن الترمذي 3: 177 / 813 و 5: 209 / 2998، سنن الدارقطني 2: 215 - 218. سنن ابن ماجة 2: 967 / 2897، السنن الكبرى للبيهقي 4: 330. لم أجده (ح).
(4) الهداية للمرغيناني 1: 134، شرح فتح القدير 2: 323، بداية المجتهد 1: 333.
(5) المجموع شرح المهذب 7: 103.
(6) الأم 2: 129، المجموع شرح المهذب 7: 103، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 159، حلية العلماء 3: 243..

[ 306 ]

لم يكن من مذهبنا أنه يوجب فورا ولا تراخيا في أصل وضع اللغة، وذهبنا إلى أنه على الوقف - فقد قطع الشرع العذر بوجوب حمل الامر المطلق على الفور، كما قطع العذر بحمله على الوجوب، وإن كان في وضع اللغة لا يقتضي ظاهره وجوبا ولا ندبا. وقد دللنا على هذه الجملة في مواضع من كلامنا في أصول الفقه، وبينا أن الصحابة والتابعين، ثم تابعي التابعين والى وقتنا هذا - يحملون أوامر الشرع في الاحكام الشرعية من كتاب وسنة على الوجوب والفور، وأن أحدا منهم لا يتوقف في ذلك طلبا لدليل فصار هذا العرف الشرعي موجبا لحمل الاوامر الشرعية على الفور (1)، وقد أمر الله تعالى بالحج أمرا مطلقا فيجب أن يكون محمولا على الفور. وايضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: من وجد من الزاد والراحلة ما يبلغه الحج فلم يحج، فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا (2). المسألة الثامنة والثلاثون والمائة: " والعمرة واجبة من جهة الاستطاعة كالحج ". الصحيح عندنا: أن العمرة إنما تجب في العمر مرة واحدة، وما زاد على ذلك فهو فضل، وهو قول الشافعي في أصح قوليه، وذهب إلى ذلك الثوري، وأحمد، وإسحاق (3).

(1) الذريعة الى أصول الشريعة 1: 53.
(2) سنن الترمذي 3: 176 / 812، جامع الاصول 3: 6 / 1269، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4: 153، نصب الراية 4: 410. حكاه في البحر عن الناصر ج 2 ص 235 (ح).
(3) المجموع شرح المهذب 7: 7، حلية العلماء 3: 230، المغني لابن قدامة 3: 173، بداية المجتهد 1: 334..

[ 307 ]

وقال مالك، وأبو حنيفة: إنها غير واجبة (1). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المذكور، قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) (2)، والامر بالاتمام يقتضي الامر بالابتداء. وروي عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال: " نعم "، فقلت: فما ذلك الجهاد؟ قال: " الحج والعمرة " (3). المسألة التاسعة والثلاثون والمائة: " لا تصح العمرة في الشهر إلا مرة واحدة ". الذي يذهب إليه أصحابنا أن العمرة جائزة في سائر أيام السنة، وقد روي: أنه لا يكون بين العمرتين أقل من عشر أيام (4)، وروي: أنها لا تجوز إلا في كل شهر مرة واحدة (5). وقال الشافعي: تجوز العمرة في السنة مرتين وأكثر (6). وحكي عن مالك أنه قال: لا تجوز إلا دفعة (7)، وهو قول سعيد بن جبير، والنخعي، وابن سيرين (8).

(1) بداية المجتهد 1: 334 - 335، المبسوط للسرخسي 4: 58.
(2) سورة البقرة، الآية: 196.
(3) سنن الدارقطني 2: 284 / 214 - 215، سنن ابن ماجة 2: 968 / 2901، نصب الراية 3: 148. لم أجده (ح).
(4) الكافي 4: 534 / 1 - 3، التهذيب 5: 434 / 1507 - 1508.
(5) المصدر السابق.
(6) المجموع شرح المهذب 7: 147، حلية العلماء 3: 252، المغني لابن قدامة 3: 175، بداية المجتهد 1: 338. (7) المدونة الكبرى 1: 374، بداية المجتهد 1: 338، حلية العلماء 3: 253.
(8) المغنى لابن قدامة 3: 175، المجموع شرح المهذب 7: 149، حلية العلماء 3: 253..

[ 308 ]

دليلنا على جواز فعلها على ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما " (1). ولم يفصل عليه السلام بين أن يكون ذلك سنة أو سنتين، أو شهرا أو شهرين. المسألة الاربعون والمائة: " ميقات أهل المدينة الشجرة، وميقات أهل العراق العقيق ". هذا صحيح واليه يذهب أصحابنا ويقولون: إن ميقات أهل العراق وكل من حج من المشرق معهم على طريقهم بطن العقيق، أوله المسلخ، وأوسطه غمرة، وآخره ذات عرق، والافضل أن يكون إحرام من حج من هذه الجهة من المسلخ. ورأيت الشافعي يوافق على هذا ويقول: إن إحرام أهل المشرق من المسلخ أحب إلي (2). وباقي الفقهاء يقولون: ميقات أهل العراق ذات عرق (3). فأما ميقات أهل المدينة فلا خلاف في أنه مسجد الشجرة، وهو ذو الحليفة. دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم ذكره. وأيضا ما رواه ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقت لأهل الشرق العقيق (4)، والعقيق أبعد من ذات عرق.

(1) صحيح مسلم 2: 983 / 437، سنن الترمذي 3: 272 / 933، سنن النسائي 5: 112 - 115، السنن الكبرى للبيهقي 4: 343، مجمع الزوائد 3: 278، الموطأ 1: 346 / 65. ذكره في البحر عن الشافعي احتياطا ج 2 ص 288 وحكى عن العترة أن ذات عرق للعراقي (ح).
(2) الأم 2: 150، مختصر المزني (ضمن كتاب الام) 8: 161، بداية المجتهد 1: 336.
(3) المغني لابن قدامة 3: 207، بداية المجتهد 1: 336، الهداية للمرغيناني 1: 136، حلية العلماء 3: 27.
(4) نصب الراية 3: 13، سنن الترمذي 3: 194 / 832. سنن أبي داود 2: 143 / 1740..

[ 309 ]

فإن تعلقوا بما روي من أنه عليه السلام وقت لأهل المشرق ذات عرق (1). فالجواب عنه إنا نقول: إنه ميقات لكنه آخر ميقات أهل العراق، والميقات الاول أفضل لانه أسبق (2). المسألة الحادية والاربعون والمائة: " التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من القران والافراد ". هذا صحيح واليه يذهب أصحابنا. وقال الشافعي في قوله الجديد: التمتع أفضل من الافراد، وله قول قديم: إن الافراد أفضل (3). وقال أحمد، وأصحاب الحديث: التمتع أفضل (4). وقال أبو حنيفة وأصحابه: القران أفضل من الجميع (5). دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم ذكره: أن التمتع بالعمرة إلى الحج مشقته أكثر، وكلفته أوفر، والثواب على قدر المشقة فثبت أن التمتع أفضل. فإن احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجته حج مفردا أو قارنا - على ما اختلفت به

(1) سنن الدارقطني 2: 235 - 237. السنن الكبرى للبيهقي 5: 27، 28، نصب الراية 3: 12 - 14.
(2) في (د) و (ط): " أشق " بدل " أسبق ". حكى هذا في البحر عن الباقر والصادق وأحمد بن عيسى واسماعيل وموسى ابني جعفر ولم يذكر الناصر (ح).
(3) المجموع شرح المهذب 7: 151 و 152، حلية العلماء 3: 259، أحكام القرآن للجصاص 1: 356. (4) المغني لابن قدامة 3: 232، الشرح الكبير 3: 232، حلية العلماء 3: 259.
(5) المبسوط للسرخسي 4: 25، الحجة للشيباني 2: 1، الهداية للمرغيناني 1: 153. اللباب في شرح الكتاب 1: 196، أحكام القرآن للجصاص 1: 356..

[ 310 ]

الرواية - (1)، وهو عليه السلام لا يفعل إلا الافضل، فلو كان التمتع أفضل لما عدل عنه. فالجواب عنه: إنا لو سلمنا أنه عليه السلام لم يحج متمتعا كان لنا أن نقول: إنه لم يتمتع لعذر أو لخوف فوت الحج، على أنه عليه السلام قد يفعل الافضل من الافعال وغير الافضل. المسألة الثانية والاربعون والمائة: " وقت الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها ". هذا صحيح، ويجوز عندنا أن ترمي النساء والخائف بالليل. وقال الشافعي: يجوز رمي جمرة العقبه ليلة النحر بعد نصف الليل (2). وقال أبو حنيفة: لا يجوز قبل طلوع الشمس (3). وقال الشافعي: لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال (4). وقال أبو حنيفة: إذا رمى في اليوم الثالث قبل الزوال أجزأه (5). دليلنا بعد الاجماع المتقدم ذكره على جواز الرمي بالليل: ما روته عائشة من " أنه صلى الله عليه وآله وسلم أرسل ليلة النحر أم سلمة فرمت قبل الفجر ثم أفاضت " (6).

(1) صحيح البخاري 2: 655 / 1464، صحيح مسلم 2: 875 / 122، سنن ابن ماجة 2: 988 / 2964، نصب الراية 3: 101. كونه من الضحى حكاه عن العترة واحتج بحديث " حتى تطلع الشمس " ولم يقل في البحر " الى الغروب " بل ذكر أن آخر وقت أدائه فجر ثاني النحر ولم يذكر خلافا للناصر ولا وفاقا (ح).
(2) المجموع شرح المهذب 8: 180.
(3) بداية المجتهد 1: 365، المجموع شرح المهذب 8: 180.
(4) المجموع شرح المهذب 8: 282، مغني المحتاج 7: 507.
(5) أحكام القرآن للجصاص 1: 395.
(6) سنن أبي داود 2: 194 / 1942، السنن الكبرى للبيهقي 5: 133..

[ 311 ]

فإن قيل: إنه قد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه رمى من ضحى يوم النحر (1) وقال: " خذوا عني مناسككم " (2). قلنا: قد بينا أن المستحب الرمي في هذا الوقت، وإنما نجيزه في غيره للخائف والنساء. المسألة الثالثة والاربعون والمائة: " القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ". أما لفظة القارن عندنا فلا تقع إلا على من قرن بإحرامه سوق الهدي، وعندنا أن من ساق هديا مقترنا بإحرامه فعليه طوافان بالبيت وسعي واحد بين الصفا والمروة، فإن كان القارن في المسألة المذكورة التي حكيناها (من ساق الهدي مقترنا بإحرامه) فقد زيد فيها سعي ليس بواجب عندنا، وعلى من ادعى شرعا زائدا الدليل. فإن كان يراد بالقارن ما يريده جميع الفقهاء - من أنه الجامع بين الحج والعمرة في إحرام واحد، فعندنا أنه لا يجوز الجمع بينهما في إحرام واحد، بل لا بد من إفراد العمرة من الحج، والتمتع (3) بالعمرة إلى الحج هو الذي يحرم أولا بالعمرة، ويطوف للعمرة ويسعى ثم يحرم للحج ويطوف لحجته ويسعى. فإن كان المراد في المسائل بالقارن هو المتمتع فقد عبر عن الشئ بخلاف عبارته، ولعمري أن المتمتع بالعمرة إلى الحج مع إفراد العمرة من الحج يجب عليه طوافان وسعيان: طواف وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجته.

(1) صحيح مسلم 2: 945 / 314، سنن الترمذي 3: 241 / 894، سنن أبي داود 2: 201 / 1971، سنن النسائي 5: 270، جامع الاصول 3: 278 / 1573.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 5: 125، نصب الراية 3: 55. حكاه عن الناصر في البحر ج 2 ص 278 (ح).
(3) الأصح: المتمتع..

[ 312 ]

فأما الدليل على أن القارن هو السائق للهدي - لا يجب عليه طواف زائد على طواف المفرد: فهو إجماع الطائفة وفيه الحجة، وقد بينا أن من ادعى في هذا الموضع سعيا زائدا فعليه الدليل. المسألة الرابعة والاربعون والمائة: " من أخطأ في قتل الصيد فلا شئ عليه ". عندنا: أن من قتل صيدا متعمدا قاصدا فنقض إحرامه كان عليه جزاءان، وإن قتله خطأ أو جهلا فعليه جزاء واحد. وقال الشافعي: لا فرق في وجوب جزاء الصيد إذا فعله بين العمد والنسيان، وهو قول باقي الفقهاء غير أنهم لا يوجبون في العامد جزاءين (1) كما أوجبناه. والذي يدل على أنه يلزم المخطئ في قتل الصيد الجزاء: الاجماع المتقدم ذكره، وأظن أن لا خلاف فيه بين باقي الفقهاء. المسألة الخامسة والاربعون والمائة: " من أوصى بالحج حج من جميع ماله بمنزلة (* *) الدين إن كان صرورة، فإن كان قد حج فمن الثلث ". هذا صحيح، والدليل على صحته إجماع الطائفة، لانه إذا مات وعليه الحج فقد

ذكر المسألة في البحر ولم ينسبها الى الناصر ولا خلافا ج 2 ص 316 (ح). (1) المجموع شرح المهذب 7: 300، المغني لابن قدامة 3: 531، بداية المجتهد 1: 373، الهداية للمرغيناني 1: 169. (* *) حكاه عن الناصر في البحر ج 2 ص 295 (ح)..

[ 313 ]

مات وفي ذمته دين الله يجب قضاؤه، فعلى وصيه أن يخرج من ماله ما ينصرف إلى من يحج عنه، فإن تبرع متبرع بالحج عنه لم يخرج الوصي من ماله شيئا. فأما من حج فلا شئ عليه ولا في ذمته من الحج لله تعالى، وما وصى به إنما تبرع وتصرف (1)، ويجب أن يكون ذلك من ثلثه. المسألة السادسة والاربعون والمائة: " الاستئجار على فعل الحج والعمرة جائز ". الذي نذهب إليه أنه يجوز الاستئجار على الحج عن المعضوب (2)، والميت، وإذا حج الاجير يستحق الاجرة المسماة، وسقط الفرض عن المحجوج عنه، ووافقنا على ذلك الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستئجار على الحج، فإذا استأجر من يحج عنه فالحج عن الفاعل له والثواب له، وإنما يحصل للمستأجر ثواب نفقته (4). والذي يدل على جواز النيابة في الحج وسقوط الفرض عن المحجوج عنه بعد الاجماع المتردد - ما روي من أن امرأة من خثعم أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال عليه السلام: " نعم ".

(1) في (ط) و (د): " يتبرع ويصرف " / لم أجده عن الناصر عليه السلام (ح). (2) المعضوب: الضعيف، (الصحاح 1: 184).
(3) الأم 2: 135، حلية العلماء 3: 245، المجموع شرح المهذب 7: 120 - 139، مغني المحتاج 1: 468 - 469، المغني لابن قدامة 3: 180.
(4) المبسوط للسرخسي 4: 158، المغني لابن قدامة 3: 180، المجموع شرح المهذب 7: 139..

[ 314 ]

قالت: فهل ينفعه ذلك؟ فقال: " نعم، كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه " (1). المسألة السابعة والاربعون والمائة: " من نذر حجة وعليه حجة الاسلام أجزأته حجة واحدة ". عندنا: أن من نذر حجة وعليه حجة الاسلام فلا بد من أن يحج حجتين، ولا يسقط عنه الفرضان بحجة واحدة. الدليل على ذلك: أن النذر سبب للوجوب، ووجوب الحج بالنذر يخالف سببه سبب الحج الاول الاصلي، ولا يسقط الواجبان بفعل أحدهما. وليس يجري هذا مجرى ما يتداخل من الكفارات والحدود، فيسقط بعضه بفعل بعض، لان تلك عقوبات، فجاز أن يسقط بعضه بفعل بعض، وليس كذلك الواجبات التي هي مصالح وعبادات.

(1) صحيح مسلم 2: 973 / 407، صحيح البخاري 3: 47 / 113، سنن الترمذي 3: 267 / 928، سنن أبي داود 2: 161 / 1809، السنن الكبرى للبيهقي 4: 328، ليست في المصادر الجملة الاخيرة. لم أجده (ح)..

[ 315 ]

كتاب النكاح

[ 317 ]

المسألة الثامنة والاربعون والمائة: " أم المرأة لا تحرم بمجرد العقد ". عندنا: أن أمهات النساء يحرمن بالعقد على بناتهن بمجرد العقد من غير اعتبار بالدخول، ووافقنا على ذلك جميع فقهاء الامصار (1). وروي خلاف في هذه المسألة عن مجاهد، وابن الزبير (2) وأنهما قالا: لا يحرمن إلا بعد الدخول (3). دليلنا: الاجماع المتقدم ذكره. وأيضا ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص (4) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها، ولم تحرم عليه بنتها " (5). فإن تعلقوا بقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله: (وأمهات

لم أجده عن الناصر (ح). (1) أحكام القرآن للجصاص 3: 69، المبسوط للسرخسي 4: 199، المجموع شرح المهذب 16: 217، المغني لابن قدامة 7: 472، بداية المجتهد 2: 34.
(2) عبد الله عروة بن الزبير بن العوام القرشي، الاسدي، ولد سنة 26 ه‍ -. أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. روى عن أبيه، وأخيه عبد الله، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وتفقه عليها، وحكيم بن حزام، وعنه أولاده، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والزهري. مات سنة 94 ه‍. انظر: وفيات الاعيان 3: 255 / 416، تذكرة الحفاظ 1: 62، تهذيب التهذيب 7: 163 / 352، طبقات الفقهاء للشيرازي: 26.
(3) أحكام القرآن للجصاص 3: 69، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 106، المجموع شرح المهذب 16: 217.
(4) أبو محمد عبد الله بن عمرو العاص السهمي القرشي، أسلم قبل أبيه، وكان مع معاوية في صفين، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبيه، وأبي بكر، وعمر، ومعاذ، وعنه أنس بن مالك، وأبو أمامة وسعيد بن المسيب، وعروة مات سنة 63 ه‍. أنظر: تذكرة الحفاظ 1: 41، الطبقات الكبرى لابن سعد 4: 261، رجال الطوسي: 23.
(5) السنن الكبرى للبيهقي 7: 160، كنز العمال 16: 326 / 44747..

[ 318 ]

نساءكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) (1) فشرط في تحريم أمهات النساء والربائب الدخول. فالجواب عنه: أن رجوع الشرط إلى الامرين يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، ولا خلاف في رجوعه إلى الربائب. وقد روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: أبهموا ما أبهم الله (2). وروي أيضا أنه قال: تحريم أمهات النساء مبهم (3). فإما أن يكون قاله تفسيرا أو توقيفا، فإن قاله توقيفا فالمصير إليه واجب، وإن قاله تفسيرا من قبل نفسه فلم يخالفه مخالف. المسألة التاسعة والاربعون والمائة: " الزنا لا يوجب تحريم المصاهرة ". الذي يذهب إليه أصحابنا أنه من زنا بإمرأة جاز له أن يتزوج بأمها وابنتها، سواء كان الزنا قبل العقد أو بعده. وهو مذهب الشافعي، والزهري، والليث، ومالك، وربيعة (4). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا زنا بإمرأة حرمت عليه أمها وبنتها، وهو قول الثوري، والاوزاعي (5).

(1) سورة النساء، الآية: 23.
(2) المغني لابن قدامة 7: 472، المبسوط للسرخسي 4: 199، الشرح الكبير 7: 475، البحر الزخار 4: 32.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 106. حكاه في البحر عن العترة ج 3 ص 37 (ح).
(4) المجموع شرح المهذب 16: 219، حلية العلماء 6: 376، بداية المجتهد 2: 34.
(5) أحكام القرآن للجصاص 3: 52 - 53 المبسوط للسرخسي 4: 204، بداية المجتهد 2: 34..

[ 319 ]

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد ما روي عنه عليه السلام من قوله: " لا يحرم الحرام الحلال " (1). وفي خبر آخر: " لا يفسد الحرام الحلال، وإذا فجر رجل بامرأة فلا عليه أن ينكح أمها وبنتها " (2)، وهذا نص في موضع الخلاف. فإن قيل في الخبر الاول (لا يحرم الحرام الحلال) أنتم تذهبون إلى خلاف ذلك وتقولون: إن من تلوط بغلام فأوقبه لم تحل له أمه ولا أخته ولا بنته أبدا. قلنا: ظاهر الخبر يدخل فيه ما عارضتم به، وإنما أخرجنا منه المتلوط بدليل، ولا دليل على ما اختلفنا فيه يوجب تخصيص الظاهر. المسألة الخمسون والمائة: " الشهادة معتبرة في صحة النكاح في أحد القولين، وكذلك الولي (* *)، وفي الرواية الاخرى هما مستحبان ". الذي يذهب إليه أصحابنا أن الشهادة ليست بشرط في صحة النكاح، وينعقد النكاح من دونها، وإن كانت الشهادة أفضل وأولى. وقد حكي عن بعض الصحابة الموافقة لنا في أن الشهادة ليست بشرط في النكاح، والى ذلك ذهب داود (3).

(1) أحكام القرآن للجصاص 3: 54، السنن الكبرى للبيهقي 7: 168، كنز العمال 16: 326 / 44742، سنن الدارقطني 3: 268 / 88 - 89 - 90، مجمع الزوائد 4: 268، سنن ابن ماجة 1: 649 / 2015.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 7: 169، كنز العمال 16: 327 / 44750. حكاه في البحر عن العترة ج 3 ص 27 (ح). (* *) حكاه في البحر عن العترة ج 3 ص 23 (ح).
(3) المجموع شرح المهذب 16: 175، حلية العلماء 6 % 365، المغني لابن قدامة 7: 339، البحر الزخار 4: 27..

[ 320 ]

فأما الولاية فعندنا أن المرأة العاقلة البالغة تزول عنها الولاية في بضعها، ولها أن تزوج نفسها، وأن توكل من يزوجها. وقال أبو حنيفة، والشافعي وسائر الفقهاء سوى مالك -: إن الشهادة شرط في النكاح (1). وقال مالك: من شرط النكاح ألا يتواصوا بالكتمان فإن تواصوا بذلك لم يصح وإن حضرت الشهود، فإن لم يتواصوا به صح وإن لم تحضر الشهود (2). وقال أبو حنيفة: إذا زوجت المرأة العاقلة نفسها بغير إذن وليها جاز النكاح، فإن كان الزوج كفؤا لها لم يكن للولي أن يعترض عليها، وإن لم يكن كذلك فله أن يفرق بينهما (3). وقال أبو يوسف، ومحمد: يقف النكاح على إجازة وليها، فإن أجازه جاز، وإن لم يجزه وكان كفؤا لها أجازه الحاكم (4). وقال الشافعي: لا ينعقد النكاح إلا بولي ذكر على أي صفة كانت المنكوحة (5). دليلنا على أن الشهادة ليست بشرط في النكاح بعد الاجماع المتردد: أن الاصل ألا شرط، لان الشرط شرع وحكم زائد فمن ادعاه كان عليه الدليل. وأيضا قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (6).

(1) المبسوط للسرخسي 5: 30، الهداية للمرغيناني 1: 190، المجموع شرح المهذب 16: 175، حلية العلماء 6: 365 - 266، بداية المجتهد 2: 17، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 79.
(2) بداية المجتهد 2: 17 - 18، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 79، المدونة الكبرى 2: 193.
(3) المصدر السابق.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 101، المبسوط للسرخسي 5: 10.
(5) المجموع شرح المهذب 16: 150، حلية العلماء 6: 323، مغني المحتاج 3: 147.
(6) سورة النساء، الآية: 3..

[ 321 ]

وقوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) (1) ولم يشرط الشهادة، فمن ادعى أنها مشروطة فقد خالف الظاهر وعليه الدليل. فإن تعلقوا بما روي عنه من قوله عليه السلام: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " (2). فالجواب عنه: أن النفي محذوف في الكلام، وليس لهم بأن يضمروا في أن النفي وقع على الإجزاء بأولى منا إذا أضمرنا أنه وقع على الفضل، ويجري مجرى قوله عليه السلام: " لا صدقة وذو رحم محتاج " (3) وقوله: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " (4). فأما الدليل على أن المرأة العاقلة لها أن تزوج نفسها بعد الاجماع المتقدم قوله تعالى: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) (5) فأضاف عقد النكاح إليها، فدل على أن لها أن تتولاه. وأيضا قوله تعالى: (فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا) (6) فأضاف التراجع وهو عقد مستقبل اليهما. وأيضا قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في انفسهن بالمعروف) (7) فأباح فعلها في نفسها من غير شرط الولي.

(1) سورة النور، الآية: 32.
(2) سنن الدارقطني 3: 225 / 21، السنن الكبرى للبيهقي 7: 111، مجمع الزوائد 4: 286، نصب الراية 3: 167، كنز العمال 16: 308 / 44637.
(3) من لا يحضره الفقيه 2: 38 / 166، عوالي اللآلئ 2: 73 / 194.
(4) سنن الدارقطني 1: 420 / 1 و 2، السنن الكبرى للبيهقي 3: 57، 111، 174، نصب الراية 4: 413، كنز العمال 7: 650 / 20737.
(5) سورة البقرة، الآية: 230.
(6) سورة البقرة، الآية: 230.
(7) سورة البقرة، الآية: 234..

[ 322 ]

فإن قيل: في الآية اشتراط المعروف، فدلوا على أن المرأة إذا زوجت نفسها قد فعلت معروفا ولم تأت منكرا، فإن مخالفكم يقول: إن تزويج الولي لها هو المعروف المراد. قلنا: لا يجوز أن يكون المراد باشتراط المعروف عقد الولي عليها لا عقد نفسها لا يكون فعلا منها في نفسها، والله تعالى أباح ذلك لها أن تفعله بنفسها، ولا يجوز أن يراد به عقد الولي عليها. وأيضا قوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) (1) فأضاف العقد اليهن ونهى الاولياء عن منعهن من ذلك. وأيضا ما رواه ابن عباس عنه عليه السلام أنه قال: " الايم أحق بنفسها من وليها " (2) ومخالفنا يزعم أن وليها أحق بها من نفسها. وأيضا ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب أم سلمة رحمة الله عليها فقالت: ليس أحد من أوليائي حاضرا. فقال عليه السلام: " ليس أحد من أوليائك حاضرا ولا غائبا إلا ويرضى بي ". ثم قال لعمر بن أبي سلمة (3) - وكان صغيرا -: " قم فزوجها " (4) فقد تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغير ولي.

(1) سورة البقرة، الآية: 232.
(2) صحيح مسلم 2: 1037 / 66، سنن أبي داود 2: 232 / 2098، سنن الدارقطني 3: 241 / 72 - 73، سنن الترمذي 3: 416 / 1108، سنن ابن ماجة 1: 601 / 1870، سنن الدارمي 2: 138، السنن الكبرى للبيهقي 7: 115.
(3) أبو حفص عمر بن أبي سلمة بن عبد الاسد المخزومي القرشي المدني، ربيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة، شهد مع الامام علي بن أبي طالب عليه السلام الجمل، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمه أم سلمة، وعنه ابنه، وسعيد بن المسيب، وعروة، وقدامة، وثابت البناني وآخرون، مات سنة 83 ه‍. انظر: أسد الغابة 4: 79، تهذيب التهذيب 7: 401 / 759، تاريخ بغداد 1: 194 / 32.
(4) سنن النسائي 6: 81، جامع الاصول 11: 410 / 8947..

[ 323 ]

فإن احتج المخالف بما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " أيما امرأة أنكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل (1). فالجواب عنه: أن هذا خبر مطعون عليه، مقدوح فيه بما هو معروف في الكتب، وتأويله إذا كان صحيحا - أن يحمل على الأمة إذا تزوجت بغير إذن مولاها، فإن الولي والمولى بمعنى واحد، وقد روي في بعض الروايات: " أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها " (2). فإن قيل في الخبر ما يمنع من حمله على الأمة، وهو قوله: " فإن دخل بها فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها " (3) فالمهر لا يكون للأمة بل للمولى. قلنا: يجوز أن يضاف إليها للعلقة التي بينه وبينها وإن كان ملكا للمولى، كما قال عليه السلام: " من باع عبدا وله مال " (4) فأضاف المال إلى العبد وإن كان للمولى. فإن تعلقوا بما روي من أنه قال: " لا نكاح إلا بولي " (5). فعندنا أن المرأة إذا زوجت نفسها فذلك نكاح بولي، لان الولي هو الذي يملك الولاية للعقد، ومن يدعي أن لفظ الولي لا يقع إلا على الذكر مبطل، لانه يقع على الذكر والانثى، لانه يقال: رجل ولي، وأمرأة ولي، كما يقال: (وصي) فيهما.

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 103، سنن الدارقطني 3: 221 / 10، سنن الترمذي 3: 407 / 1102، السنن الكبرى للبيهقي 7: 105، كنز العمال 16: 309 / 44643، مسند أحمد 6: 66، مجمع الزوائد 4: 285.
(2) سنن أبي داود 2: 229 / 2083، أحكام القرآن للجصاص 2: 103، السنن الكبرى للبيهقي 7: 105، مسند أحمد 6: 166.
(3) سنن أبي داود 2: 229 / 2083، السنن الكبرى للبيهقي 7: 105، مسند أحمد 6: 66 و 166، مجمع الزوائد 4: 285.
(4) سنن أبي داود 3: 268 / 3435، سنن الترمذي 3: 546 / 1244، جامع الاصول 1: 602 / 447.
(5) سنن أبي داود 2: 229 / 2085، سنن الدارقطني 3: 219 / 4، سنن الدارمي 2: 137، السنن الكبرى للبيهقي 7: 107، مجمع الزوائد 4: 286، سنن االترمذي 3: 407 / 1101..

[ 324 ]

المسألة الحادية والخمسون والمائة: " وينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين في إحدى الروايتين ". وأما الذي يذهب إليه أصحابنا: فهو أن النكاح لا يفتقر في صحته إلى الشهادة، وإذا شهد النساء مفردات أو مع رجل لم يخل ذلك بصحته لانه لا يفتقر إلى الشهادة، فوجود من ليست له صفة الشاهد كعدمه. غير أنا نقول: إنه لا يقبل في النكاح شهادة النساء، كما لا يقبل في الطلاق والحدود. وقال أبو حنيفة: النكاح ينعقد بشهادة رجل وامرأتين (1). وقال الشافعي: لا ينعقد (2). وإذا كان مذهبنا هو ما تقدم من أن النكاح لا يفتقر إلى الشهادة وينعقد من دونها فلا معنى للكلام في الخلاف الذي حكيناه بين أبي حنيفة [ والشافعي ] فأنا بمعزل عنه. المسألة الثانية والخمسون والمائة: " وينعقد النكاح بلفظ الهبة " (* *). عندنا: أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة، وإنما ينعقد النكاح المؤبد بأحد لفظين: إما النكاح أو التزويج.

جعلها في البحر قولين للناصر ج 3 ص 27 (ح). (1) المبسوط للسرخسي 5: 32، الهداية للمرغيناني 1: 190، حلية العلماء 6: 366، الميزان الكبرى 2: 111.
(2) المجموع شرح المهذب 16: 198، حلية العلماء 6: 366، المغني لابن قدامة 7: 341، الميزان الكبرى 2: 111، مغني المحتاج 3: 144. (* *) في البحر ينعقد بكل لفظ تمليك يعني بنية التزويج ولم يحك عن الناصر (ح)..

[ 325 ]

فأما نكاح المتعة فينعقد بما ينعقد به المؤبد من الالفاظ وقوله: أمتعيني نفسك، وأوجريني أيضا. ووافقنا الشافعي على أن النكاح لا ينعقد إلا باللفظين اللذين ذكرناهما (1). وقال أبو حنيفة: ينعقد النكاح بكل لفظ يقتضي التمليك كالبيع، والهبة، والتمليك، فأما ما لا يقتضي التمليك كالرهن والاباحة فلا ينعقد به، وفي الاجارة عنده روايتان أصحهما أنه لا ينعقد بها (2). وقال مالك: أن ذكر المهر مع هذه الالفاظ انعقد، وإن لم يذكره لم ينعقد (3). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد، وأيضا قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) (4) فجعل النكاح بلفظ الهبة من جملة ما خص الله تعالى به نبيه عليه السلام، فثبت أنه مخصوص بذلك. وليس لأحد أن يحمل قوله تعالى: (خالصة لك) على أن المراد به سقوط المهر. وذلك أن الكناية بقوله: (خالصة لك) يجب رجوعه إلى مذكور متقدم، والذي تقدم ذكره هو الموهوبة وقبول نكاحها دون سقوط المهر، فيجب عود الكناية إلى ما ذكرناه.

(1) المجموع شرح المهذب 16: 210، حلية العلماء 6: 368، المغني لابن قدامة 7: 429، بداية المجتهد 2: 5.
(2) المبسوط للسرخسي 5: 59، الهداية للمرغيناني 1: 189 - 190، شرح فتح القدير 3: 105، اللباب في شرح الكتاب 3: 10.
(3) المجموع شرح المهذب 16: 210، المغنى لابن قدامة 7: 429، الشرح الكبير (ضمن كتاب المغني) 7: 371.
(4) سورة الاحزاب، الآية: 50..

[ 326 ]

وليس لاحد أن يقول: لفظ الهبة يقتضي سقوط البدل (1)، فقوله: (وهبت نفسها) يقتضي سقوط المهر، وتعود الكناية إليه، وذلك أن الكناية يجب عودها إلى اللفظ دون المعنى، على أنا نحمل الكناية على أنها عائدة إلى الامرين فلا تنافي بينهما، ويقف مجمل الكناية على ما ذكرتم لا يفيد تخصيص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما ليس لغيره، لان غيره قد ينكح بلا مهر، وهو العبد إذا زوجه سيده بأمته، فإن المهر لا يجب هاهنا في الابتداء والانتهاء. وليس له أن يقول: إن المراد ب‍ (خالصة لك) أنك إذا قبلت نكاحها صار خالصا لك. وذلك أن هذا التأويل يبطل أيضا الاختصاص، لان غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا تزوج امرأة خلصت له دون كل أحد. وأيضا فإنه لا خلاف في أن النكاح ينعقد بما ذهبنا إليه من اللفظ، فمن ادعى أنه ينعقد بزائد على ذلك فقد ادعى شرعا يزيد على ما أجمعنا عليه فتلزمه الدلالة دوننا. فإن تعلق المخالف بما روي: من أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت لك نفسي. فقال عليه السلام: " ما لي في النساء من حاجة ". فقام إليه رجل فقال: زوجنيها يا رسول الله. فقال: " ملكتكها بما معك من القرآن " (2).

(1) في (ج) " سقوط المهر ".
(2) سنن أبي داود 2: 236 / 2111، سنن الترمذي 3: 421 / 1114، السنن الكبرى للبيهقي 7: 144، سنن الدارمي 2: 142..

[ 327 ]

وإذا ثبت جوازه بلفظ التمليك ثبت بلفظ الهبة، لان أحدا لا يفصل بين الامرين. والجواب عن هذا الخبر بعينه ما روي: أنه عليه السلام قال له: " زوجتكها "، وقيل: إن الراوي غلط في نقله " ملكتكها " فأقل ما في الباب أن نتوقف مع الاشتباه، فلا يكون في الخبر دليل لهم. فإن تعلقوا: بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان له أن يعقد النكاح بلفظ الهبة لا محالة، فيجب أن يجوز (1) ذلك لغيره، لقوله تعالى: (فاتبعوه) (2) وقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (3). فالجواب عن ذلك: أنا إنما أمرنا بإتباعه في الافعال الواجبات والمندوبات دون المباحات، والنكاح مباح جار مجرى الاكل والشرب اللذين لم نؤمر بإتباعه فيهما، على أن ذلك لو كان عموما لاخرجنا غيره منه بالادلة التي ذكرناها. المسألة الثالثة والخمسون والمائة: " الكفاءة معتبرة في النكاح والكفؤ في الدين وفي النسب روايتان ". الذي يذهب إليه أصحابنا أن الكفاءة في الدين معتبرة، لانه لا خلاف بين الامة في أنه لا يجوز أن يزوج المرأة المسلمة المؤمنة بالكفار. وأما الكفاءة في النسب فليست شرطا في النكاح، ولم يختلف الفقهاء في أن عدم

(1) في (ج): " أن يكون ".
(2) سورة الانعام، الآية: 153.
(3) سورة الاحزاب، الآية: 21. أفاد في البحر أنهما قولان للناصر في اعتبار كفاءة النسب وعدمه ج 3 ص 49 (ح)..

[ 328 ]

الكفاءة لا يبطل النكاح، إلا ما حكي عن ابن الماجشون (1)، فإنه ذهب إلى أنها شرط في صحته (2). وقال أبو حنيفة، والشافعي: إذا زوجت المرأة نفسها بغير كفؤ (3) كان لاوليائها أن يفسخوا ذلك العقد، لانها أدخلت عليهم عارا ونقصا، فإن رضي أحد الاولياء بذلك العقد الذي هو مع غير كفؤ ولم يرض الباقون لم يكن لباقي الاولياء أن يعترضوا على ذلك ولا يفسخوه (4). وقال أبو يوسف، والشافعي: للاولياء (5) أن يفسخوه ويعترضوا فيه (6). وشرائط الكفاءة عند الشافعي ست: التساوي في النسب، والحرية، والصناعة، والسلامة من العيوب والدين، واليسار على أحد الوجهين (7). وذهب أبو حنيفة إلى أن الشرائط أربع، وأخرج الصناعة واليسار (8). وقال أبو يوسف: هي خمس، فزاد الصناعة (9).

(1) أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون التيمي، الفقيه صاحب مالك، مفتي أهل المدينة في زمانه، روى عن أبيه، ومالك، وإبراهيم بن سعد وغيرهم، وعنه أبو الربيع، وعبد الملك بن حبيب الفقيه المالكي، وعلي بن حرب الطائي وغيرهم. مات سنة 212 ه‍. انظر: تهذيب التهذيب 6: 361: الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 442، ميزان الاعتدال 2: 658، وفيات الاعيان 3: 166 / 377.
(2) المجموع شرح المهذب 16: 185، البحر الزخار 4: 50.
(3) في (د) و (ط): " كفولها ".
(4) الهداية للمرغيناني 1: 201، شرح فتح القدير 3: 187، المبسوط للسرخسي 5: 25 - 26، المجموع شرح المهذب 6: 185، حلية العلماء 6: 350، أحكام القرآن للجصاص 2: 101.
(5) في (م): " لباقي الاولياء ".
(6) المبسوط للسرخسي 5: 26، المجموع شرح المهذب 16: 186، حلية العلماء 6: 350.
(7) المجموع شرح المهذب 16: 182 - 187، حلية العلماء 6: 351 - 352، مغني المحتاج 3: 165 - 167، المغني لابن قدامة 7: 374.
(8) انظر: الهداية للمرغيناني 1: 202 - 202، شرح فتح القدير 3: 188 - 190.
(9) المصدر السابق..

[ 329 ]

والذي يحتاج إليه أن يدل على أنه لا اعتبار بالنسب في الكفاءة وصحة العقد، والذي يدل على ذلك الاجماع المتكرر ذكره. وأيضا ما روي من أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر فاطمة بنت قيس (1) أن تنكح أسامة بن زيد (2) (3) ولم يكن كفؤا لها، لانه مولى وهي حرة عربية. وأيضا ما روي من أن سلمان (4) خطب إلى عمر بنته فأنعم له بذلك (5) وكان سلمان عجميا، فدل على أن الكفاءة في النسب غير معتبرة. وأيضا قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) (6) وكل ظاهر في القرآن يقتضي الامر بالنكاح هو خال من الاشتراط في النسب.

(1) فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية، الفهرية، كانت من المهاجرات الاول، طلقها زوجها ثلاثا فتزوجت بأسامة بن زيد بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنها الشعبي، وأبو سلمة، والنخعي والقاسم بن محمد بن أبي بكر وآخرون. ماتت في زمن معاوية. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 8: 273، أسد الغابة 5: 526، تهذيب التهذيب 12: 471 / 2865.
(2) أبو محمد أسامة بن زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جيش فيه أبو بكر وعمر، وعمره ثماني عشرة سنة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبيه، وأم سلمة وعنه ابناه الحسن ومحمد وابن عباس وأبو هريرة وأبو عثمان النهدي وأبو وائل وغيرهم. مات سنة 58 ه‍ انظر: الاصابة في تمييز الصحابة 1: 31 / 89، الطبقات الكبرى لابن سعد 4: 61، تهذيب التهذيب 1: 182 / 391.
(3) صحيح مسلم 2: 1114 / 36، سنن أبي داود 2: 285 / 2284، سنن الترمذي 3: 441 / 1135، مسند أحمد 6: 412، سنن الدارمي 2: 135، أحكام القرآن للجصاص 2: 128.
(4) أبو عبد الله سلمان الفارسي مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلته عظيمة أول الاركان الاربعة، وكفى في فضله قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " سلمان منا أهل البيت " ومن حواريي أمير المؤمنين عليه السلام روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعنه أنس، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو عثمان النهدي، وأم الدرداء وغيرهم، مات سنة 36 ه‍. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 318، أسد الغابة 2: 328، تهذيب التهذيب 4: 1214 / 233، رجال الطوسي: 20، 43، الخلاصة: 84، معجم رجال الحديث 8: 186.
(5) المبسوط 5: 23، وحكاه في البحر الزخار 4: 50 عن اصول الاحكام.
(6) سورة النور، الآية: 32..

[ 330 ]

فإن قيل: هو أيضا خال من اشتراط الدين. قلنا: إنما اشترطنا الدين بالدليل والاجماع، وإلا فالظاهر لا يقتضي اشتراطه. المسألة الرابعة والخمسون والمائة: " ويقف النكاح على الفسخ والاجازة في أحد القولين، ولا يقف في القول الآخر ". هذا صحيح ويجوز أن يقف النكاح عندنا على الاجازة، ووافقنا على ذلك أبو حنيفة (1). وقال الشافعي: لا يصح النكاح الموقوف على الاجازة، سواء كان موقوفا على إجازة الزوج أو الولي أو المنكوحة (2). وقال مالك: يجوز أن يقف العقد مدة يسيرة، وإن تطاولت المدة بطل (3). دليلنا على صحة ذهبنا إليه: الاجماع المتردد، وما رواه ابن عباس: أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت: أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم (4). وهذا يدل على أن النكاح يقف على الاجازة والفسخ. وأيضا ما روي في خبر آخر: أن رجلا زوج ابنته وهي كارهة، فجاءت إلى

(1) المبسوط للسرخسي 5: 2 - 15، شرح فتح القدير 3: 198، الهداية للمرغيناني 1: 203، المجموع شرح المهذب 16: 154، اللباب في شرح الكتاب 3: 21.
(2) المجموع شرح المهذب 16: 154، المغني لابن قدامة 7: 410.
(3) المجموع شرح المهذب 16: 154.
(4) السنن الكبرى للبيهقي 7: 117، سنن أبي داود 2: 232 / 2096، جامع الاصول 11: 463 / 9012..

[ 331 ]

النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: زوجني أبي - ونعم الأب - من ابن أخيه يريد أن يرفع بي خسيسته. فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرها إليها. فقالت: أجزت (1) ما صنع بي أبي، وإنما أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من أمر النساء شئ (2). وروي في بعض الاخبار أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: أجيزي ما صنع أبوك " (3). وأبوها ما صنع إلا العقد، فدل على أنه كان موقوفا على الاجازة. فإن قيل: لما زوجها أبوها غير كفؤ لها كان لها حق الفسخ، وأراد بقوله: " أجيزي " أي لا تفسخي. قلنا: إبطال حق الفسخ لا يكون إجازة للعقد، لان العقد جائز مع بقاء حق الفسخ. فإن تعلقوا بما روي عنه عليه السلام من قوله: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل " (4) فقالوا: أنتم تقولون إن هذا العقد كان صحيحا لا يبطل بل يقف على الاجازة. فالجواب: أن الولي إذا أجاز هذا العقد كان صحيحا ولم يعر من إجازة الولي، ولم يرد عليه السلام أن العقد إذا تعرى في حال وقوعه من إذن الولي كان باطلا، بل أراد تعريه من إذنه على كل حال، والمرأة إذا عقدت على نفسها ثم أجاز الولي فهو عقد

(1) في (ن) " اخترت ".
(2) سنن النسائي 6: 87، جامع الاصول 11: 464 / 9014، سنن ابن ماجة 1: 602 / 1874، السنن الكبرى للبيهقي 7: 118، مسند أحمد 6: 136.
(3) لم نعثر عليه.
(4) سنن الدارمي 2: 137، سنن الدارقطني 3: 221 / 10، سنن أبي داود 2: 229 / 2083، سنن الترمذي 3: 407 / 1102، أحكام القرآن للجصاص 2: 103، مسند أحمد 6: 66، مجمع الزوائد 4: 285..

[ 332 ]

بإذن الولي. المسألة الخامسة والخمسون والمائة: " لا يجوز نكاح الصغار إلا بالآباء ". عندنا أنه يجوز أن ينكح الصغار الآباء والاجداد من قبل الآباء، فإن عقد عليهن غير من ذكرناه كان العقد موقوفا على رضاهن بعد البلوغ. وقال الشافعي: الاب والجد يملكان الإجبار (1) على النكاح، ومن عداهما من الاقارب لا يجوز (2). وقال أبو حنيفة: يجوز للاخ، وابن الاخ، والعم، وابن العم أن يزوجوا الصغار (3). ورووا عنه: أن كل من ورث بالتعصيب ملك الإجبار (4). وفي رواية أخرى عنه: أن كل من ورث ملك الإجبار عصبة كان أو غير عصبة (5). وقال ابن أبي ليلى، وأحمد بن حنبل: الأب يجبر دون الجد (6) وقال المالك: الأب

حكى في البحر عن الناصر أن تزويج غير الأب والجد موقوف فلا يصح ج 3 ص 56 (ح). (1) في (ط) و (د) " الاجتياز "، وفي (م) " الاخبار ".
(2) المجموع شرح المهذب 16: 168، أحكام القرآن للجصاص 2: 342، المبسوط للسرخسي 4: 213 - 219، بداية المجتهد 2: 7.
(3) المجموع شرح المهذب 16: 168، أحكام القرآن للجصاص 2: 342، حلية العلماء 6: 337، بداية المجتهد 2: 7.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 198، شرح فتح القدير 3: 172، المبسوط للسرخسي 4: 220.
(5) لم أقف على هذا القول في المصادر المتوفرة. (6) المغني لابن قدامة 7: 382، حلية العلماء 6: 337..

[ 333 ]

يجبر البكر الكبيرة والصغيرة والجد يجبر الصغيرة دون الكبيرة (1). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم: ما رواه عبد الله بن عمر قال: زوجني خالي قدامة بن مظعون (2) بنت أخيه عثمان بن مظعون (3)، فأتى المغيرة بن شعبة أمها فأرغبها في المال، فمالت إليه وزهدت في. فأتى قدامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أنا عمها ووصي أبيها، زوجتها من عبد الله بن عمر، وقد عرفت فضله وقرابته، وما نقموا منه إلا أنه لا مال له. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إنها يتيمة فإنها لا تنكح إلا بإذنها " (4). فموضع الاستدلال منه: أن قدامة وهو عمها زوجها، فأبطل النبي صلى الله عليه وآله وسلم نكاحها، وعلل بأن اليتيمة لا تنكح إلا بإذنها، فدل على أنه لا ولاية للعم على بنت أخيه من طريق الإجبار. فإن قيل: كانت بالغة، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " إنها يتيمة " معناه أنها قريبة العهد باليتم. قلنا: إن اليتيم اسم لغير البالغة شرعا ولغة، أما الشرع فقوله عليه السلام: " لا يتم بعد الحلم " (5)، وأما اللغة: فإن أهلها لا يطلقون اسم اليتيم على البالغ الذي قد اكتهل أو

(1) حلية العلماء 6: 336 - 337.
(2) أبو عمرو قدامة بن مظعون بن وهب القرشي الجمحي من السابقين، له صحبة وشهد بدرا، ولاه عمر على البحرين ثم عزله عنها، مات سنة 30 ه‍ -. انظر: أسد الغابة 4: 198، الجرح والتعديل للرازي 7: 127، الاصابة في تمييز الصحابة 3: 228، رجال الطوسي: 26.
(3) أبو السائب عثمان بن مظعون بن حبيب الجمحي القرشي أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا وصحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشهد بدرا، وتوفي بعدها في السنة الثانية من الهجرة، ودفن بالبقيع. انظر: أسد الغابة 3: 385، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 464 / 5453، العبر 1: 4.
(4) سنن الدارقطني 3: 230 / 37، السنن الكبرى للبيهقي 7: 120.
(5) كنز العمال 3: 178 / 6045، تاريخ بغداد للخطيب 5: 299، نصب الراية 3: 219، مجمع الزوائد 4: 226..

[ 334 ]

قد شاب. ومعنى قوله: " إلا بإذنها " أنها لا تنكح إلا بعد أن تبلغ فيكون لها إذن، ولم يرد بذلك إثبات الإذن في الحال. المسألة السادسة والخمسون والمائة: " من تزوج امرأة وسمى لها مهرا ثم مات قبل أن يدخل بها، فلها نصف ما سمى لها ". الذي يذهب إليه أصحابنا: أن من سمى لامرأة مهرا ومات عنها قبل الدخول فلها جميع المهر، لان الموت يجري مجرى الدخول في إيجابه كمال المهر، وعلى ذلك إجماع جميع الفقهاء بلا خلاف بينهم، ومن خالف في ذلك فالحجة عليه تقدم الاجماع بخلافه. المسألة السابعة والخمسون والمائة: " النكاح جائز وإن لم يذكر المهر، ولا مهر لها إذا لم يسم لها مهرا " (* *). عندنا: أن عدم ذكر المهر لا يخل بالنكاح، ومن تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا، فإن دخل بها كان عليه مهر مثلها، فإن طلقها قبل أن يدخل بها فليس لها عليه مهر،

حكاه في البحر عن الناصر ج 3 ص 117 (ح). (* *) لعله يعني إذا لم يدخل بها بل ماتت أو طلق فإن دخل بها وجب مهر المثل بالدخول، ومعنى هذا حكاه في البحر ج 3 ص 118 (ح)..

[ 335 ]

ولها (1) عليه متعة. واتفق الفقهاء على جواز النكاح بغير مهر يسمى، إلا أن مالكا يقول: إنه إذا شرط ألا مهر لها فالنكاح فاسد، فإن دخل بها صح النكاح ولها المهر لمثلها (2). ولا خلاف في أن المرأة إذا لم يسم لها مهرا ثم وقع الدخول بها فإن لها مهر مثلها. واختلف الفقهاء في وجوب المتعة فيمن طلقت ولم يسم لها مهرا: فقال أبو حنيفة وأصحابه: المتعة واجبة للتي طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا، فإن دخل بها فإنه يمتعها ولا يجبر عليها، وهو قول الثوري، والحسن بن حي (3) وزعم الاوزاعي أن أحد الزوجين إذا كان مملوكا لم تجب المتعة، وإن طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا (4). وقال ابن أبي ليلى، وأبو الزناد (5): المتعة ليست بواجبة (6)، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل لا يجبر عليها (7).

(1) في (ج): " ولها في النكاح عليه ".
(2) انظر: المدونة الكبرى 2: 241 و 243.
(3) الهداية للمرغيناني 1: 205، شرح فتح القدير 3: 211، حاشية المحتار 3: 110، المبسوط للسرخسي 5: 82، بداية المجتهد 2: 96، أحكام القرآن للجصاص 2: 137.
(4) المجموع شرح المهذب 16: 390، حلية العلماء 6: 512، أحكام القرآن للجصاص 2: 137.
(5) أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، من أئمة الاجتهاد، وفقيه أهل المدينة، وكان كاتبا لبني أمية، روى عن أنس، وأبي أمامة، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين عليه السلام، وعروة بن الزبير وآخرون. وعنه ابناه، وصالح بن كيسان، والاعمش، وهشام بن عروة وآخرون. مات سنة 130 ه‍ انظر: تهذيب التهذيب 5: 178 / 352، ميزان الاعتدال 2: 418 / 4301، رجال الطوسي: 96 / 11.
(6) زاد في (ج): " المتعة - وإن طلقها قبل الدخول ولم يسم مهرا - ليست بواجبة ".
(7) أحكام القرآن للجصاص 2: 137..

[ 336 ]

ولم يفرقوا بين المدخول بها وغير المدخول بها، وبين من سمي لها ولم يسم. وقال مالك، والليث: لا يجبر أحد على المتعة سمى لها أم لم يسم، دخل بها أو لم يدخل، وإنما هو مما ينبغي أن يفعله ولا يجبر عليها (1). وقال الشافعي: المتعة واجبة لكل مطلقة، ولكل زوجة إذا كان الفراق من قبله، إلا التي سمى لها وطلق قبل الدخول (2). فأما الذي يدل على أن خلو عقد النكاح من ذكر مهر لا يفسده فهو بعد الاجماع المتردد قوله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) (3) والطلاق لا يقع إلا في النكاح الصحيح، فلو لم يكن النكاح صحيحا مع فقد ذكر المهر لكان الطلاق باطلا، ولا فرق في عدم ذكر (4) المهر بين السكوت عنه وبين أن يشرط ألا مهر. والذي يدل على وجوب المتعة قوله تعالى: " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين) (5). وفي آية أخرى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا) (6). وظاهر الامر يقتضي الوجوب.

(1) بداية المجتهد 2: 96، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4: 200، المجموع شرح المهذب 16: 390، أحكام القرآن للجصاص 2: 137.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 137، حلية العلماء 6: 510، مغني المحتاج 3: 241.
(3) سورة البقرة، الآية: 236.
(4) كلمة " ذكر " ساقطة من (ط) و (د).
(5) سورة البقرة، الآية: 236.
(6) سورة الاحزاب، الآية: 49..

[ 337 ]

المسألة الثامنة والخمسون والمائة: والبرص لا يرد به النكاح ". عندنا: أن البرص مما يرد به النكاح، وكذلك العمى والجذام والرتق، وغير ذلك من العيوب المعدودة المسطورة، ومتى رضي الزوج بشئ من ذلك لم يكن له الرد بعده، ووافقنا على ذلك الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا يثبت الخيار في النكاح لاجل العيب (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المقدم، ما رواه أبي بن كعب قال: تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بامرأة من غفارة، فلما خلا بها رأى بكشحها بياضا، فقال: " ضمي إليك ثيابك، والحقي بأهلك " (3). وفي بعض الاخبار فرد نكاحها، وقال: " دلستم علي " (4). فإن قيل: يحتمل أن يكون طلقها وردها. قلنا: هذا تعليق الحكم بغير السبب المنقول، على أن الرد صريح في الفسخ، وهو كناية عن الطلاق، وحمل اللفظ على ما هو صريح فيه أولى.

أفاد في البحر أنه قول للناصر ج 3 ص 60 ومفهومه أن قولا خلافه (ح). (1) المجموع شرح المهذب 16: 268، حلية العلماء 6: 403، مغني المحتاج 3: 202، كفاية الاخيار 2: 37، بداية المجتهد 2: 50.
(2) المبسوط للسرخسي 5: 95، اللباب في شرح الكتاب 3: 24 - 25، حلية العلماء 6: 404، الميزان الكبرى 2: 115.
(3) السنن الكبرى للبيهقي 7: 257، نيل الاوطار 6: 298، سبل السلام 3: 260.
(4) مجمع الزوائد 4: 300، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 153..

[ 338 ]

المسألة التاسعة والخمسون والمائة: " والعنة يرد بها النكاح ". هذا صحيح، والذي يقوله أصحابنا أن المرأة إذا تزوجت بزوج على أنه سليم فظهر أنه عنين انتظرت به سنة، فإن أمكنه الوطء ولو مرة فهو أملك بها، وإن لم يصل إليها في مدة السنة كان لها الخيار، ووافقنا على هذا الترتيب الشافعي (1). وقال الحكم (2) وداود: لا تأثير للعنة في النكاح (3). دليلنا بعد الاجماع المتردد ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " يؤجل العنين سنة فإن وطئ وإلا فرق بينهما (4). وروي عن عمر مثل ذلك بعينه، وعن ابن مسعود، والمغيرة مثله بعينه (5)، فقد صار إجماعا من الصحابة لانه لم يكن مخالفا (6) لما ذكرناه.

حكاه في البحر عن الناصر والباقر والصادق وزيد وأحمد بن عيسى والداعي والمؤيد بالله والامام يحيى بن حمزة ج 3 ص 64 (ح). (1) المجموع شرح المهذب 16: 277 و 282، حلية العلماء 6: 407 - 408، مغني المحتاج 3: 205.
(2) أبو محمد الحكم بن عتيبة الكندي مولاهم الكوفي، شيخ الكوفة، صاحب سنة وأتباع، ومن فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان فيه تشيع، زيدي، بتري، روى عن إبراهيم، والنخعي، والقاضي شريح، وأبي وائل وسعيد بن جبير وخلق، وعنه مسعر، والاوزاعي، والاعمش، وأبو عوانة وآخرون، مات سنة 115 ه‍ -. انظر: أسد الغابة 1: 117، تهذيب التهذيب 2: 372 / 756، رجال الطوسي 86، 114، 117، تنقيح المقال 1: 358، 360.
(3) المجموع شرح المهذب 16: 279، حلية العلماء 6: 408، المحلى بالآثار 9: 205، المغني لابن قدامة 7: 603.
(4) التهذيب 7: 431 / 1719، الاستبصار 3: 249 / 894، السنن الكبرى للبيهقي 7: 227، كنز العمال 16: 570 / 45911.
(5) سنن الدارقطني 3: 305 / 221 - 224. 306 / 225 - 226، السنن الكبرى للبيهقي 7: 226 - 227، كنز العمال 16: 570 / 45910.
(6) كذا في النسخ والظاهر " مخالف " بناء على أن " يكن " تامة..

[ 339 ]

فإن قيل: روي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إن زوجي طلقني فبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير (1)، وإنما أنا معه مثل هدبة الثوب، فقال عليه السلام: " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ (2) لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " (3) فأخبرته المرأة بعنة زوجها ولم يجعل لها الفسخ. قلنا: إنما لم يجعل عليه السلام لها الفسخ لان الزوج لم يقر بالعنة وهي إنما تثبت بإقراره وعلى أن الزوج لم يكن عنينا وإنما كان ضعيف الجماع بدلالة قوله عليه السلام حتى تذوقي عسيلته، ولا يكون ذلك، إلا مع التمكن من الجماع. المسألة الستون والمائة: " ولو ادعت امرأة أنها أرضعت الزوجين فرق بينهما ". الذي يقوله أصحابنا: إن شهادة النساء في الرضاع مقبولة على الانفراد، وفي الولادة أيضا. وبذلك قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: تقبل في الولادة، ولا تقبل في الرضاع

(1) عبد الرحمن بن الزبير بن باطا القرظي، له صحبة، هو الذي تزوج الامرأة التي طلقها رفاعة القرظي (الحديث). انظر: أسد الغابة 3: 292، تهذيب التهذيب 6: 155 / 355.
(2) رفاعة بن سموأل القرظي من بني قريظة، وهو الذي طلق امرأته ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، وطلقها قبل أن يدخل بها فأرادت الرجوع الى رفاعة (الحديث). انظر: أسد الغابة 2: 181، الاصابة في تمييز الصحابة 1: 518 / 2669.
(3) صحيح البخاري 7: 85 / 187، صحيح مسلم 2: 1055 / 1433، سنن النسائي 6: 146، مسند أحمد 6: 37، السنن الكبرى للبيهقي 7: 333، مجمع الزوائد 4: 340. حكى في البحر عن العترة أن البينة رجلان ولم يحك عن الناصر كفاية النساء وحكى عن غيره كفاية اربع نسوة وقيل امرأتين ولم يذكر عن أحد كفاية امراة وقد ذكر الهادي في الاحكام مثل كلام الناصر وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثا في ذلك (ح).
(4) المجموع شرح المهذب 20: 256، حلية العلماء 8: 278..

[ 340 ]

والعيوب وقال الشافعي: لا تقبل في الرضاع أقل من أربع نسوة. وقال مالك: تقبل امرأتان، وقال الزهري، والاوزاعي: تقبل واحدة ويستحب اصحابنا أن تقبل في الرضاع شهادة المرأة الواحدة تنزيها للنكاح عن الشبهة واحتياطا فيه والدليل على ذلك بعد الاجماع المتقدم ذكره: ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للرجل الذي سئل عن المرأة التي أخبرتها عن الذي قال أنا أرضعتها وإياه فقال عليه السلام: " دعها كيف وقد شهدت السوداء ".

[ 341 ]

كتاب الطلاق

[ 343 ]

المسألة الحادية والستون والمائة: " لا يقع الطلاق بغير السنة في أحد القولين ". هذا صحيح، عندنا: أن الطلاق لا يقع إلا على الوجه المسنون المشروع، وهو أن يطلق زوجته طلقة واحدة في طهر لا جماع فيه، والشهادة معتبرة في الطلاق، وهذا معنى قولنا: طلاق السنة، فإن خالف في شئ لم يقع طلاقه. ووافقنا باقي الفقهاء في أن الطلاق في الحيض أو في طهر فيه جماع بدعة، لكنهم ذهبوا إلى وقوعه، ووافقنا مالك وأبو حنيفة على أن الطلاق الثلاث في حال واحدة محرم، إلا أنهما يذهبان إلى أنه يقع (1). وقال الشافعي: الطلاق الثلاث غير محرم (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد ذكره. وأيضا فإن وقوع الطلاق إنما هو إثبات حكم شرعي، وقد ثبت أن هذه الاحكام تحصل وتثبت عند وقوع الطلاق على وجه السنة، فمن ادعى ثبوتها مع الطلاق البدعي فقد ادعى شرعا زائدا فعليه الدليل. وأما الذي يدل على أن الطلاق الثلاث في الحال الواحدة بدعة وغير مسنون فهو قوله تعالى: (الطلاق مرتان) (3) وظاهر هذا الكلام الخبر والمراد به الامر، لانه لو لم يكن كذلك لكان كذبا، فكأنه تعالى قال: (فطلقوهن مرتين، ولو قال ذلك

حكاه في البحر عن الناصر ج 3 ص 154 (ح). (1) المبسوط للسرخسي 6: 4 - 57، الهداية للمرغيناني 1: 227، بداية المجتهد 2: 63، المجموع شرح المهذب 17: 87، حلية العلماء 7: 22.
(2) المجموع شرح المهذب 17: 84 - 86، مغني المحتاج 3: 311، السراج الوهاج: 421، بداية المجتهد 2: 63، أحكام القرآن للجصاص 2: 75.
(3) سورة البقرة، الآية: 229..

[ 344 ]

لم يجز إيقاع تطليقتين بكلمة واحدة، لان جميعها في كلمة واحدة فلم يطلق مرتين، كما أن من اعطى درهمين دفعة واحدة فلم يعطهما مرتين. فإن قيل: فهذا يقتضي جواز إيقاع الطلقتين في طهر واحد وأنتم تأبون ذلك. قلنا: إذا ثبت وجوب تفريق الطلقتين، فلا أحد يذهب إلى وجوب تفرقهما في طهرين إلا وأوجب تفرقهما في طهر واحد. وأيضا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: كان الطلاق الثلاث على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وصدرا من أيام عمر طلقة، فقال عمر: لقد تعجلتم أمرا كان فيه أناة، وألزمهم الثلاث (1). وأيضا ما روي عن ابن عمر أنه قال: طلقت امرأتي وهي حائض ثلاثا، فأمرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أراجعها (2). وأيضا ما روي عن ابن عمر، من أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: " مره فليراجعها ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء " (3) فأمر صلى الله عليه وآله وسلم بالفصل بين التطليقتين بحيضة وطهر، ومخالفنا لا يوجب ذلك. وفي خبر آخر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لابن عمر: ما هكذا أمرك ربك، وقد

(1) صحيح مسلم 2: 1099 / 15، سنن الدارقطني 4: 46 / 137، السنن الكبرى للبيهقي 7: 336، جامع الاصول 7: 597 / 5757.
(2) صحيح البخاري 7: 82 / 181، سنن الترمذي 3: 478 / 1175، سنن الدارقطني 4: 5 / 6، سنن أبي داود 2: 255.
(3) صحيح مسلم 2: 1093 / 1، سنن أبي داود 2: 255 / 2179، سنن الدارقطني 4: 6 / 7، سنن النسائي 6: 138، الموطأ 2: 576 / 53، أحكام القرآن للجصاص 2: 62..

[ 345 ]

أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر، وطلقها لكل قرء " (1) وهذا أيضا يمنع من إيقاع الثلاث في طهر واحد. وأما تعلق من خالفنا بأن الطلاق الثلاث واقع بدعة بما رواه سهل بن سعد الساعدي قال: لاعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين العجلاني (2) وزوجته، فلما تلاعنا قال الزوج: إن أمسكتها فقد كذبت عليها، هي طالق ثلاثا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا سبيل لك عليها " (3). وموضع الاستدلال منه: أن العجلاني كان قد طلق في وقت لم يكن له أن يطلق فيه، فطلق ثلاثا، فبين له النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم الوقت، وأنه ليس له أن يطلق في هذه الحالة، ولم يبين له حكم العدد، ولو كان محرما لبينه. والجواب عنه: أنه لا دلالة للشافعي في هذا الخبر، لانه يذهب إلى أن الفرقة كانت واقعة بلعان الزوج، وإنما قال: هي طالق ثلاثا بعد ما بانت منه وصارت أجنبية، فلم يكن لقوله حكم. فإن ألزمنا وجوب الإنكار على عويمر العجلاني لانه اعتقد جواز إيقاع الثلاث في كلمة واحدة. أجبناه: بأنه كان يعتقد بأن طلاقه يلحقها بعد اللعان، وعندك أنه لا يلحقها،

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 77، السنن الكبرى للبيهقي 7: 330، نصب الراية 3: 220، مجمع الزوائد 4: 336.
(2) عويمر بن أبيض العجلاني الانصاري، صاحب اللعان الذي رمى زوجته بشريك بن سمحاء فلاعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما، وذلك في شعبان سنة تسع لما قدم من تبوك. انظر: أسد الغابة 4: 158، تهذيب التهذيب 8: 155 / 315.
(3) صحيح مسلم 2: 1129 / 1، صحيح البخاري 7: 104 / 230، أحكام القرآن للجصاص 2: 86 و 95، سنن النسائي 6: 171، السنن الكبرى للبيهقي 7: 399، الموطأ 2: 566 / 34..

[ 346 ]

لانها أجنبية بعد اللعان، ولم ينكر صلى الله عليه وآله وسلم ذلك عليه بعد ذلك. وفي ترك إنكار هذا هو عذرنا في ترك إنكار الاول. وقوله عليه السلام: " لا سبيل لك عليها " (1) ليس بإنكار وإنما هو إخبار لانها صارت أجنبية منه، وهو محتمل لانها صارت أجنبية باللعان أو بالطلاق. فإن إحتج من يذهب إلى أن الطلاق الثلاث يقع سنة كان أو بدعة بما روي في حديث ابن عمر أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ فقال: " إذا عصيت ربك وبانت منك امرأتك " (2). فالجواب عنه أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أرأيت لو طلقتها ثلاثا "، لا تصريح فيه بأنني أفعل ذلك في حالة واحدة أو كلمة واحدة، ويجوز أن يكون المراد: أنني أطلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار بعد تخلل المراجعة، فقد يسمى من طلق امرأته ثلاثا في أطهار ثلاثة أنه مطلق ثلاثا، كما يسمى بذلك من طلق ثلاثا بكلمة واحدة. فإن قيل: أي فائدة على هذا الجواب في قوله: " عصيت ربك " وفي أي شئ عصى إذا كان الترتيب ما رتبتموه؟ (3). قلنا: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم من زوجة ابن عمر الخير والبر والموافقة له، وأنه متعد للصواب في فراقها، فتكون المعصية من حيث فارق خيرا موافقا بغير استحقاق. والوجه الآخر: أن إخراج الزوج نفسه من التمكن من مراجعة المرأة مكروه له، ومن طلق ثلاثا في ثلاثة أطهار لا تحل له هذه المرأة إلا بعد نكاحها لغيره، وهو

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 95.
(2) صحيح مسلم 2: 1094 / 3، سنن الدارقطني 4: 28 / 77.
(3) في (ج): " ما رأيتموه "..

[ 347 ]

لا يدري مما ينقلب به قلبه، ولهذا حمل العلماء قوله: (فطلقوهن لعدتهن) (1) بأنه أراد به الواحدة ليملك المراجعة بدلالة قوله: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) (2) ومن أبان زوجته بالتطليقات الثلاث في الاطهار الثلاثة والمراجعة بينها فقد حرمها على نفسه إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، ويكره له ذلك. والجواب الثاني في معنى الخبر: هو أن يحمل قوله: " بانت زوجتك " إذا خرجت من العدة، فإن المطلق ثلاثا بلفظ واحد تبين بالثلاث وهي بدعة، وإنما تبين له أن يطلق واحدة. فإن قيل: ليس في الخبر أن زوجتك تبين بعد انقضاء العدة، والظاهر أنها تبين في الحال. قلنا: إذا كان الظاهر ما ادعيته فلنا أن نعدل عنه إلى إضمار فيه وزيادة عليه للادلة التي قدمناها، كما نفعل ذلك في كتاب الله تعالى، فيترك (3) ظواهره ويزيد فيه الزيادات للادلة القاطعة. فإن تعلقوا بما روي أن عبد الرحمن (4) طلق امرأته " تماضر " ثلاثا (5). فالجواب عنه: أنه ليس في الخبر أنه طلقها بلفظ واحد وفي حالة واحدة، ويجوز أن يكون طلقها في أطهار ثلاثة يخللها مراجعة على ما تقدم ذكره، وهذه

(1) سورة الطلاق، الآية: 1.
(2) سورة الطلاق، الآية: 1.
(3) في (ط) و (د): " فيؤول ".
(4) أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد بن الحارث الزهري القرشي، أسلم وصحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشهد بدرا وسائر المشاهد، استخلفه عمر على الحج سنة روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن عمر، وعنه ابن عمر، وأنس بن مالك، وأبو سلمة، والمسور بن مخرمة. مات سنة 32 ه‍ -. انظر: الاصابة في تمييز الصحابة 2: 416 / 5179، أسد الغابة 3: 313، الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 124، رجال الطوسي: 22.
(5) سنن الدارقطني 4: 12 / 33..

[ 348 ]

الطريقة يمكن أن تسلك في كل خبر يتعلقون به يتضمن وقوع طلاق ثلاث، فقد نبهنا على طريق الكلام فيه. المسألة الثانية والستون والمائة: " الطلاق لا يتبع الطلاق، حتى يتخلل بينهما المراجعة في أحد القولين ". هذا صحيح، وهو الذي نذهب إليه، وقد دللنا على أن الطلاق إذا وقع عقيب الطلاق من غير رجعة كان بدعة، وبينا أن الطلاق البدعي لا يقع ولا حكم له في الشرع، وفي ما مضى من ذلك كفاية. المسألة الثالثة والستون والمائة: " إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثا لم تطلق إلا واحدة " (* *). هذا صحيح وهو الذي يذهب إليه أصحابنا، وقد قال الشاذ منهم: أن الطلاق الثلاث لا يقع شئ منه (1). والمعول على ما قدمناه. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد ذكره. وأيضا فإن من قال لزوجته: أنت طالق ثم قال ثلاثا، وتكاملت شرائط

حكى في البحر عن الناصر القول بوقوعه من دون تخلل الرجعة ج 3 ص 175 لظاهر قوله تعالى: (الطلاق مرتان) قلت: فعلى هذا يكون عنده غير بدعي (ح). (* *) قال المؤيد بالله في شرح التجريد في مسألة وقوع الطلاق ولو متعددا طلقة واحدة قال: وهو المشهور عن الناصر (ا ه‍) (ح). (1) مختلف الشيعة: 586 (الهجري)..

[ 349 ]

الطلاق كلها من طهر لا جماع فيه وشهادة واختيار، وقد تلفظ بالواحد التي سنت له، وإنما أتبعها بلفظة " ثلاثا "، فلغى ما أتبعها به وسقط، وجرى مجرى أن يقول: أنت طالق ويتبعه بلفظ لا حكم له في الشريعة، مثل أن يقول: دخلت الدار وأكلت الخبز وما جرى مجرى ذلك. وقد علمنا أنه إذا أتبع هذه اللفظة وهي قوله: " أنت طالق " بكل لفظ لا يؤثر حكما في المطلقة فإن حكم اللفظة الاولى باق وواقع، ولا تأثير لما أتبعها به. فإن قيل: لم يسن له أن يقول لها: " أنت طالق " ثم يقول، " ثلاثا " فيجب أن لا يقع طلاقه. قلنا: ولم يسن له أن يقول لها: " أنت طالق " ثم يشتمها، أو يقذف غيرها، ومع ذلك فلو فعل خلاف ما سن له وبما يكون به عاصيا لم يخرج اللفظة الاولى من وقوع الطلاق بها ونفوذ حكمها. ومما يدل أيضا على ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: " الطلاق الثلاث على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر، وصدرا من أيام عمر طلقة واحدة، فقال عمر: لقد تعجلتم أمرا كان لكم فيه أناة، وألزمهم الثلاث (1) ". المسألة الرابعة والستون والمائة: " وإن قال لأربع نسوة له: إحداكن طالق، فالاحتياط أن يطلق كل واحدة منهن، ثم يراجعهن جميعا ". عندنا أنه إذا لم يعين الطلاق في واحدة من نسائه حتى تتميز من غيرها لم يقع الطلاق.

(1) صحيح مسلم 2: 1099 / 15، سنن الدارقطني 4: 46 / 137، السنن الكبرى للبيهقي 7: 337، جامع الاصول 7: 597 / 5757. لم أجده عن الناصر (ح)..

[ 350 ]

وإذا قال لأربع نسوة أو أقل منهن: إحداكن طالق، فكلامه لغو لا حكم له. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وعثمان البتي (1) والليث: إذا لم ينو واحدة بعينها - حين قال فإنه يختار أيتهن شاء، فيوقع الطلاق عليها والباقيات نساؤه (2). وقال مالك: إذا لم ينو واحدة بعينها طلق عليه جميع نسائه (3). وقال الشافعي: إذا قال لامرأتيه: " إحداكما طالق ثلاثا " منع منهما حتى يتبين، فإن قال: لم أرد هذه، كان إقرارا منه بالاخرى (4). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر ذكره. وأيضا فإن المسنون في الطلاق المشروع فيه أن يسمي المطلقة ويشير إليها بعينها، ويرفع الجهالة في أمرها، وإذا قال: إحداكن طالق فما ميز، ولا فرق، ولا بين، فهو بخلاف المشروع في الطلاق، وإنما يعرف وقوع حكم الطلاق بأن يشرع لنا، فإذا كان لا يشرع في ذلك ولا حكم له فلا تقع الفرقة به. فأما ما يذهب إليه من يقول: إن الجميع يطلقن فبعيد من الصواب، وما ذهب إليه من قال إنه يطلق واحدة لا بعينها هو أقرب إلى الحق على كل حال. وإنما كان مذهب مالك بعيدا من الصواب لان المطلقة واحدة وإن كانت بغير عينها، فكيف يجوز إيقاع الطلاق على الجميع؟

(1) أبو عمرو عثمان بن مسلم البتي البصري، كوفي استوطن البصرة، من أصحاب الرأي، روى عن أنس بن مالك، والشعبي، وعنه شعبة، ويزيد بن زريع، والثوري، وابن علية، وخلق. مات سنة 143 ه‍. انظر: تهذيب التهذيب 7: 145 / 321، ميزان الاعتدال 3: 59 / 5580، تقريب التهذيب 2: 14.
(2) شرح تنوير الابصار (في هامش حاشية رد المحتار) 3: 291، الفتاوى الخانية 1: 452، المغني لابن قدامة 8، 429.
(3) المجموع شرح المهذب 17: 250، حلية العلماء 7: 117، المغني لابن قدامة 8: 429.
(4) المجموع شرح المهذب 17: 246 - 250، حلية العلماء 7: 117، مغني المحتاج 3: 304، السراج الوهاج: 418..

[ 351 ]

وليس هذا مثل أن يطلق امرأة بعينها ثم ينساها، لان التحريم هناك تعلق بعين، وهاهنا تعلق لا بعين. المسألة الخامسة والستون والمائة: " الخلع فرقة بائنة، وليست كل فرقة طلاقا كفرقة الردة واللعان ". عندنا: أن الخلع إذا تجرد عن لفظ الطلاق بانت به المرأة وجرى مجرى الطلاق في أنه ينقص من عدد الطلاق. وهذه فائدة اختلاف الفقهاء في أنه طلاق أو فسخ، لان من جعله فسخا لا ينقص به من عدد الطلاق شيئا، فتحل له وإن خلعها ثلاثا. وقال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والثوري، والاوزاعي، والبتي، والشافعي في أحد قوليه: إن الخلع تطليقة بائنة (1). وللشافعي قول آخر: أنه فسخ (2)، وروي ذلك عن ابن عباس، وهو قول أحمد، وإسحاق (3). الدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره.

ذكر في البحر أنه قول للناصر فكأن له قولين ج 3 ص 178 (ح). (1) أحكام القرآن للجصاص 2: 95، المبسوط للسرخسي 6: 171، المجموع شرح المهذب 17: 15، بداية المجتهد 2: 69، الهداية للمرغيناني 2: 13، اللباب في شرح الكتاب 3: 64، المغني لابن قدامة 8: 180، المدونة الكبرى 2: 335، الأم 5: 211، حلية العلماء 6: 541، مغني المحتاج 3: 268 وفي (ن) و (م): " تطليقة ثانية " وفي (ط) و (د): " تطليقة ثابتة ".
(2) المجموع شرح المهذب 17: 15، بداية المجتهد 2: 69، المغني لابن قدامة 8: 180، حلية العلماء 6: 541، مغني المحتاج 3: 268.
(3) المجموع شرح المهذب 17: 15، بداية المجتهد 2: 69، المغني لابن قدامة 8: 180، حلية العلماء 6: 541..

[ 352 ]

ويدل على ذلك أيضا ما روي: من أن ثابت بن قيس (1) لما خلع زوجته بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بلفظ الطلاق. فلما خالعها قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إعتدي "، ثم التفت إلى أصحابه وقال: هي واحدة " (2). فهذا دلالة على أنه طلاق وليس بفسخ، على أن الفسخ لا يصح في النكاح ولا الإقالة. المسألة السادسة والستون والمائة: " والمختلعة لا يلحقها الطلاق ". وهذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا وهو مذهب الشافعي (3). وقال أبو حنيفة، والثوري، والاوزاعي: يلحقها الطلاق ما دامت في العدة (4). وقال الحسن، ومالك: يلحقها الطلاق عن قرب. فمالك يقول: إذا خالعها فوصل بالطلاق الخلع، فإن لم يصل به لم يلحقها. والحسن يقول: إن طلقها في المجلس لحق، وإن تفرقا عن المجلس تم طلق لم يلحقها (5).

(1) ثابت بن قيس: أبو محمد بن شماس بن مالك بن امرئ القيس الخزرجي، المدني خطيب الانصار، شهد أحدا وما بعدها، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه أولاده، وأنس بن مالك، وابن أبي ليلى، قتل يوم اليمامة سنة 12 ه‍. انظر: تهذيب التهذيب 7: 11 / 17، أسد الغابة 1: 229، رجال الطوسي: 11.
(2) سنن أبي داود 2: 269 / 2229، سنن الترمذي 3: 491 / 1185. ذكره في البحر تفريعا على المسألة الماضية أي على كونه فسخا متصلا بالمسألة (ح).
(3) المجموع شرح المهذب 17: 31، المغني لابن قدامة 8، 184، الأم 5: 213، حلية العلماء 6: 553، البحر الزخار 4: 180.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 96، المبسوط للسرخسي 6: 175، المغني لابن قدامة 8: 184، حلية العلماء 6: 554، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 147.
(5) بداية المجتهد 2: 96، المجموع شرح المهذب 17: 31، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 147، حلية العلماء 6: 554..

[ 353 ]

دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد: أن الطلاق لا يقع عندنا عقيب الطلاق إلا بعد رجعة، فأما أن يقع طلاق على مطلقة بغير رجعة تتخلل فغير صحيح، وقد دللنا قبل هذه المسألة على هذا الموضع. وإذا كان الخلع طلاقا بائنا فلا يجوز أن يقع في المختلعة طلاق، إلا بأن يعقد عليها عقدا جديدا، لان الطلاق على ما تقدم لا يتبع الطلاق. فأما الشافعي فهو وإن وافقنا في هذه المسألة، فإنه يسلك في نصرة مذهبه طرقا من القياس معروفة، فيقول: إذا كانت المختلعة لا يستباح وطؤها إلا بنكاح جديد ولا يلحقها الطلاق كالاجنبية، ولا خصائص النكاح من اللعان، والظهار، والإيلاء، والرجعة، والتوارث مرتفعة عن المختلعة فلا يلحقها الطلاق (1). المسألة السابعة والستون والمائة: " لا يأخذ الزوج إلا ما أعطاها، أو دون ما أعطاها ". عندنا: أنه يصح أن يخلع امرأة على أكثر مما قد أعطاها وأقل منه، وعلى كل قدر (2) تراضيا به، وإنما يقول أصحابنا في المباراة: إنه لا يجوز على أكثر مما أعطاها. وقال الشافعي: يجوز الخلع بالمهر الذي عقد عليه النكاح، وأكثر منه وأقل (3). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كان النشوز من قبل المرأة جاز له أن يأخذ منها ما أعطاها ولا يزداد، فإن كان النشوز من قبله لم يحل له أن يأخذ منها شيئا، فإن

(1) الأم 5: 213. حكاه في البحر ج 3 ص 183 عن الناصر (ح).
(2) في (د) و (ط) و (ن): " شئ " بدل " قدر ".
(3) الأم 5: 215، المجموع شرح المهذب 17: 8، بداية المجتهد 2: 67، مغني المحتاج 3: 265، السراج الوهاج: 402، الشرح الكبير 8: 192..

[ 354 ]

فعل جاز في الفتيا (1). وقال الزهري، وأحمد، وإسحاق: لا يصح إلا بقدر المهر (2). والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتقدم قوله تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) (3) ولم يفرق بين القليل والكثير. وأما تعلقهم بحديث خولة (4) أنها لما شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حال زوجها، فقال: " أتردين عليه حديقته "؟ فقالت: نعم، فأمره أن يأخذ منها ما ساق إليها ولا يزيد عليه. فالجواب عنه: أن ذلك إنما جاز لان الزوج لم يطلب أكثر من الحديقة ورضي به، لانه روي في هذا الخبر أنه قال: يا رسول الله إنى دفعت إليها حديقة هي خير مالي، فاردد بها علي، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أتردين عليه حديقته "؟ فقالت: نعم، وإن شاء زدته، فأمره أن يأخذ منها ما ساق إليها، ولا يزيد عليه (5)، لانه رضي بذلك. وإنما الخلاف إذا تراضى الزوجان على أكثر من المهر.

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 91، الهداية للمرغيناني 2: 14، اللباب في شرح الكتاب 3: 64، الميزان الكبرى 2: 119.
(2) المجموع شرح المهذب 17: 8، المغني لابن قدامة 8: 175، الشرح الكبير 8: 193.
(3) سورة البقرة، الآية: 229.
(4) في المصادر أن اسمها " حبيبة " أو " جميلة " والظاهر أن " خولة " اسم أمها، راجع شرح الزرقاني على الموطأ 3: 185.
(5) سنن ابن ماجة 1: 663 / 2057، كنز العمال 6: 185 / 15279، صحيح البخاري 7: 93 / 198، أحكام القرآن للجصاص 2: 93، سنن الدارقطني 3: 255 / 39، سنن النسائي 6: 169. لم يذكر " خولة " في المصادر..

[ 355 ]

المسألة الثامنة والستون والمائة: " ولا يكون الزوج مؤليا حتى يدخل بأهله ". هذا صحيح وهو الذي يذهب إليه أصحابنا، وباقي الفقهاء يخالفون فيه (1). والذي يدل على صحة ما ذكرناه: الاجماع المتردد ذكره، وأيضا أنه لا خلاف في أن حكم الإيلاء شرعي، وقد ثبت بلا خلاف في المدخول بها، ومن أثبته في غير المدخول بها فقد أثبت حكما شرعيا زائدا على ما وقع عليه الاجماع، فعليه الدليل. فإن تعلقوا بقوله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم) (2) فإن اللفظ عام لجميع النساء المدخول بهن وغير المدخول بهن. فالجواب: أن اللفظ لو كان عاما على ما ادعى لجاز تخصيصه بدليل، كيف وفي اللفظ ما يدل على التخصيص بالدخول بها، لانه تعالى قال: (فإن فاؤوا) والمراد بالفئة العود إلى الجماع بلا خلاف، وإنما يعاود الجماع من دخل بها واعتاد جماعها وهذا واضح. المسألة التاسعة والستون والمائة: " العود في الظهار هو إرادة المماسة " (* *). ليس لاصحابنا نص صريح في تعيين ما به العود (3) في الظهار والذي يقوى في

حكاه في البحر عن الناصر ج 3 ص 243 (ح). (1) الأم 5: 283، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 301، المجموع شرح المهذب 17: 296، المغني لابن قدامة 8: 525، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 107.
(2) سورة البقرة، الآية: 226. (* *) حكاه في البحر عن العترة ج 3 ص 233 (ح).
(3) في (ن) و (ط) و (د): " ماهية العود "..

[ 356 ]

نفسي أن العود هو إرادة استباحة ما حرمه الظهار من الوطء، وإذا كان الظهار اقتضى تحريما فأراد المظاهر دفعه فقد عاد. وإلى هذا الذي ذكرناه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (1) وبين أبو حنيفة عن حقيقة مذهبه بأن قال: إن كفارة الظهار لا تستقر في الذمة بحال، ولكن قيل للمظاهر: إذا أردت أن ترفع التحريم وتستبيح الوطء فكفر، وإن لم ترد أن تطأ فلا تكفر، فإن وطأ ثم لم يكفر لم تلزمه الكفارة، ولكن يقال له عند الوطء الثاني مثل ذلك (2)، وجرى ذلك مجرى قولهم: إذا أردت أن تصلي تطوعا فتطهر، لان الطهارة شرط في صحة (3) الصلاة من غير أن تكون واجبة عليهم، كذلك قيل: إذا أردت أن تستبيح الوطء الذي حرمته بالظهار فقدم العتق، ليس لأن العتق يجب في ذمته، استباح الوطء أو لم يستبحه. وقال الشافعي: العود هو أن يمسكها زوجة (4) بعد الظهار، مع قدرته على الطلاق (5). وذهب مالك، وأحمد إلى أن العود هو العزم على الوطء (6). وذهب الحسن، وطاووس، والزهري إلى أن العود هو الوطء (7). وذهب داود إلى: أن العود هو تكرار لفظ الظهار (8).

(1) المبسوط للسرخسي 6: 224 و 225، المجموع شرح المهذب 17: 359، اللباب في شرح الكتاب 3: 68، حاشية رد المحتار 3: 469، البحر الزخار 4: 233.
(2) أحكام القرآن للجصاص 5: 303، المجموع شرح المهذب 17: 359، حلية العلماء 7: 174 - 175.
(3) في (م): " استباحة " بدل " الصحة ".
(4) في (ن): " زوجها ".
(5) أحكام القرآن للجصاص 5: 303، المجموع شرح المهذب 17: 359، بداية المجتهد 2: 105، حلية العلماء 2: 173.
(6) بداية المجتهد 2: 105، الجامع لأحكام القرآن 17: 280، المغني لابن قدامة 8: 575، حلية العلماء 7: 174.
(7) أحكام القرآن للجصاص 5: 303، المغني لابن قدامة 8: 575، حلية العلماء 7: 174، البحر الزخار 3: 233.
(8) المحلى بالآثار 9: 193، بداية المجتهد 2: 105، المغني لابن قدامة 8: 576، البحر الزخار 4: 233..

[ 357 ]

وذهب مجاهد إلى أن الكفارة تجب بمجرد الظهار، ولا يعتبر العود (1). والدليل على بطلان قول مجاهد: إن الله تعالى جعل العود شرطا في وجوب الكفارة، فقال تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة) (2) فشرط العود (3) فمن أسقطه أسقط نصف الآية. وأما الذي يبطل مذهب مالك وأحمد في أن العود هو العزم على الوطء: فهو أن موجب الظهار هو تحريم الوطء لا تحريم العزيمة، فيجب أن يكون العود هو الاستباحة، ولا يكون العود هو العزيمة، على أن العزيمة لا تأثير لها في سائر الاصول ولا تتعلق بها الاحكام ولا وجوب الكفارات، ولان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ان الله تعالى عفا لامتي عما حدثت به نفوسها ما لم يتكلموا به، أو يعملوا به " (4). وأما الذي يدل على فساد قول من ذهب إلى أن العود هو الوطء: فهو ظاهر الكتاب، لان الله تعالى قال: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) (5) فلو كان العود هو الوطء لما أمر بإخراج الكفارة قبله. فأما الذي يبطل مذهب الشافعي في أن العود هو إمساكها على النكاح: فهو أن الظهار لا يوجب تحريم العقد وترك الفرقة وإمساك المرأة، فيكون العود هو إمساكها على النكاح، لان العود إنما يقتضي الرجوع إلى أمر يخالف موجب الظهار، فدل ذلك على أن العود هو استباحة الوطء ورفع ما حرمه الظهار منه. وأيضا قوله تعالى: (ثم يعودون لما قالوا) (6) ولفظ " ثم " يقتضي التراخي فمن جعل

(1) حلية العلماء 7: 173.
(2) سورة المجادلة، الآية: 3.
(3) في (ج): " وشرط "، وفي (ط) و (د): " بشرط ".
(4) أحكام القرآن للجصاص 5: 305، سنن ابن ماجة 1: 658 / 2040، مشكل الآثار 2: 251.
(5) سورة المجادلة، الآية: 3.
(6) سورة المجادلة، الآية: 3..

[ 358 ]

العود هو البقاء على النكاح فقد جعله عائدا عقيب القول بلا تراخ، وذلك بخلاف مقتضى الآية. وأما الكلام على من ذهب إلى أن العود هو أن يعيد القول مرتين فإجماع السلف والخلف قد تقدم على خلاف هذا القول، ومن جدد خلافا قد سبقه الاجماع لم يلتفت إلى خلافه. فإن قال: إنما قلت ذلك لانه تعالى قال: (ثم يعودون لما قالوا)، فظاهر ذلك يقتضي العود في القول، لا في معناه ومقتضاه. قلنا: أما الظاهر فلا يدل على قول من ذهب إلى أن العود هو إعادة القول مرتين، لانه تعالى قال: (ثم يعودون لما قالوا) الظاهر يقتضي العود في نفس القول لا في مثله، وإنما يضمر من ذهب إلى هذا المذهب لفظة المثل، وليست في الظاهر، فقد عدل عن الظاهر لا محالة، ومن حمله على ما ذكرناه فقد فعل الاولى، لان الظهار إذ اقتضى تحريم الوطء فمن آثر رفع هذا التحريم واستباحة الوطء فقد عاد فيما قاله، لانه قال ما اقتضى تحريمه وعاد يرفع تحريمه، فمعنى يعودون لما قالوا أي: يعودون للقول فيه كقوله عليه السلام: " العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " (1) وإنما هو عائد في الموهوب لا الهبة. وكقوله: " اللهم أنت رجاؤنا " أي مرجونا. وقال تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) (2) يعني الموقن به. وقال الشاعر: وإني لا رجوكم على بطء سعيكم * كما في بطون الحاملات رجاء (3) يعني مرجوا.

(1) صحيح البخاري 3: 329، صحيح مسلم 3: 1241 / 8، سنن الترمذي 3: 592 / 1298، سنن ابن ماجة 2: 798 / 2386، سنن الدارقطني 3: 43 / 178، نصب الراية 4: 126.
(2) سورة الحجر، الآية: 99.
(3) أحكام القرآن للجصاص 5: 304..

[ 359 ]

المسألة السبعون والمائة: " المتوفى عنها زوجها تعتد من يوم يبلغها نعي الزوج، وكذلك المطلقة ". الذي يذهب إليه أصحابنا: أن الرجل إذا طلق امرأته وهو غائب عنها ثم ورد الخبر عليها بذلك وقد حاضت من يوم طلقها إلى ذلك الوقت ثلاث حيض - فقد خرجت من عدتها ولا عدة عليها بعد ذلك، وإن كانت حاضت أقل من ثلاث احتسبت من العدة وثبت عليها تمامها. وإذا مات عنها في غيبته ووصل خبر وفاته إليها وقد مضت مدة اعتدت لوفاته من يوم بلوغ الخبر بالوفاة، ولم تحتسب بما مضى من الايام. وفي أصحابنا من لم يفرق بين المطلقة وبين المتوفى عنها زوجها في الغيبة، وإنما يراعي في ابتداء العدة وقت وقوع الطلاق، أو الموت (1). إلا أنه يراعي هذا القائل: أن يكون ما بين البلدين مسافة يمكن العلم معها بوقت الوفاة أو الطلاق. فإذا كانت كذلك ثبت على ما تقدم، وراعت في العدة ابتداء الوفاة، فإن كانت المسافة لا يحتمل معها أن تعلم المرأة بالحال إلا في الوقت الذي علمت به، اعتدت من يوم يبلغها عدة كاملة. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك، وابن سيرين، والثوري، وابن حي، والليث، والشافعي: عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها محسوبة من يوم الطلاق،

حكاه عن الناصر في العاقلة غير من أجلها وضع حملها ج 3 ص 211 (ح). (1) مختلف الشيعة: كتاب الطلاق: 614..

[ 360 ]

ويوم الوفاة (1). وقال ربيعة: في الوفاة من يوم يأتيها الخبر، وهو قول الحسن البصري (2). وروي عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر أنه من يوم مات ويوم طلق (3). والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع من القول الاول الذي حكيناه باتفاق الفرقة عليه، ولا اعتبار بالشاذ. ووجه الفرق بين المطلقة والمتوفى عنها زوجها أن المعتدة من الطلاق لا يجب عليها حداد، وإنما يجب أن تمتنع من الأزواج وهي وإن لم تعلم بطلاق زوجها ممتنعة من العقد عليها، فلم يضرها في مرور زمان العدة عليها فقد علمها. وليس كذلك المعتدة عن الوفاة، لان الواجب عليها الحداد وهي عبادة، ولا يكفي فيها مرور الزمان. ويمكن أن يستدل على ذلك أيضا بقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) (4). والتربص يقتضي قولا يقع من جهتين (5) ولا يجوز أن يكون المراد به مرور الزمان، لأن مرور الزمان من غير علم ولا تعمد لا يسمى تربصا.

(1) المبسوط للسرخسي 6: 31 - 39، المجموع شرح المهذب 18: 154، الهداية للمرغيناني 2: 30، المغني لابن قدامة 9: 189، المدونة الكبرى 2: 429، حلية العلماء 7: 357، مغني المحتاج 3: 391 - 397، السراج الوهاج: 451 - 454.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 121 المغني لابن قدامة 9: 190.
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 120 - 121، المجموع شرح المهذب 18: 154، المغني لابن قدامة 9: 189.
(4) سورة البقرة، الآية: 234.
(5) في (ط) و (د): " جهتهن "..

[ 361 ]

فإن قيل: فقد قال الله تعالى: (والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء) (1). فأضاف التربص إليهن، وأنتم تقولون إن مرور الزمان في المطلقة يكفي، قلنا: لو خلينا والظاهر لقلنا في الامرين قولا واحدا، لكن قام الدليل (2) على أن المطلقة يكفي فيها مرور الوقت، وحملنا قوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن) (3) على من علمت بوقت طلاقها منهن ولم يخف عليها. المسألة الحادية والسبعون والمائة: " إذا تزوجت المرأة في عدتها ودخل بها زوجها الثاني فرق بينهما، وتعتد من الاول، ثم من الثاني ". هذا صحيح، وذهب إلى مثله الشافعي فقال: إذا طلق الرجل امرأته ونكحت في عدتها غيره ووطئها الثاني وهما جاهلان بتحريم الوطء فإن عليها العدة للثاني وبقية العدة للاول، ولا تتداخل العدتان (4). وقال أبو حنيفة: تتداخل العدتان، فتأتي المرأة بثلاثة أقراء بعد مفارقتها للثاني، ويكون ذلك عن بقية عدة الاول وعن عدة الثاني (5). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: أن العدة حق لكل واحد من الزوجين، فلا

(1) سورة البقرة، الآية: 228.
(2) في (ط) و (د) و (ن) زيادة: " وحصل الاجماع ".
(3) سورة البقرة، الآية: 228. حكى في البحر عن العترة أنها تستبرأ من الثاني كالعدة ثم تتم الاولى ج 3 ص 225 (ح).
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 134، المجموع شرح المهذب 18: 192 - 193، المغني لابن قدامة 9: 121، مغني المحتاج 3: 392.
(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 134، المبسوط للسرخسي 6: 41، المجموع شرح المهذب 18: 152، الهداية للمرغيناني 2: 30، المغني لابن قدامة: 121..

[ 362 ]

مداخلة بينهما، وإنما (1) لم يملك الزوج إسقاط العدة لان فيها حقا لله تعالى وليست بحق خالص للآدمي. وأيضا فعلى ما قلناه إجماع الصحابة، لانه روي: أن امرأة نكحت في العدة ففرق بينهما أمير المؤمنين عليه السلام وقال: " أيما امرأة نكحت في عدتها فإن لم يدخل بها زوجها الذي تزوجها فإنها تعتد من الاول ولا عدة عليها للثاني، وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، وتأتى ببقية العدة عن الاول، ثم تأتي عن الثاني بثلاثة أقراء مستقبلة " (2). وروي مثل ذلك عن عمر بعينه (3). وان طليحة (4) كانت تحت رشيد الثقفي (5) فطلقها، فنكحت في العدة، فضربها عمر وضرب زوجها بخفقة وفرق بينهما، ثم قال: " أيما امرأة نكحت في عدتها فإن لم يدخل بها زوجها الذي تزوجها فإنها تعتد عن الاول، ولا عدة عليها للثاني وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، وأتت ببقية عدة الاول ثم تعتد عن الثاني، ولا تحل له أبدا (6)، ولم يظهر خلاف لما فعل فصار إجماعا.

(1) في (ط) و (د): " وإن ".
(2) المجموع شرح المهذب 18: 152، المغني لابن قدامة 9: 122، مختلف الشيعة: 619.
(3) مختلف الشيعة: 619، المدونة الكبرى 2: 442، الموطأ 2: 536 / 27.
(4) طليحة بنت عبد الله، كانت عند رشيد الثقفي فطلقها ونكحت في عدتها، وقيل إنها بنت عبيد الله. انظر: أسد الغابة 5: 496، الاصابة في تمييز الصحابة 4: 355، الاستيعاب (بهامش الاصابة) 4: 355.
(5) رشيد الثقفي: ليس له في كتب التراجم ترجمه خاصة به، نعم ذكره بعضهم ضمن ذكره لزوجته طليحة وطلاقه لها. انظر: الاصابة في تمييز الصحابة 4: 355، أسد الغابة 5: 496.
(6) انظر: المصدر السابق..

[ 363 ]

كتاب البيوع

[ 365 ]

المسألة الثانية والسبعون والمائة: " من باع بأكثر من سعر يومه مؤجلا فقد أربى ". هذا غير صحيح، وما أظن أن بين الفقهاء خلافا في جواز ذلك، وإنما المكروه أن يبيع الشئ بثمنين، بقليل إن كان الثمن نقدا، وبأكثر منه نسيئة. فإذا تراضى المتبايعان بالثمن فإن كان بأكثر من سعر اليوم صح العقد بينهما عليه نقدا ونسيئة، لان التأجيل قد يدخل الثمن مع التراضي كما يدخله التعجيل، وإنما يحمل مع الاطلاق على التعجيل. المسألة الثالثة والسبعون والمائة: " البيع لا يلزم بحصول الايجاب والقبول ما لم يتفرق المتبايعان بأبدانهما عن مكانهما " (* *). هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا، وهو مذهب الشافعي (1). وقال مالك، وأبو حنيفة: يلزم البيع بالايجاب والقبول، ولم يعتبر التفريق بالابدان (2). دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر: ما رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

حكاه في البحر عن زين العابدين والناصر والمنصور بالله والامام يحيى بن حمزة ج 3 ص 341 (ح). (* *) حكاه في البحر عن الصادق والباقر وزين العابدين والناصر (ح). (1) الأم 3: 4، المجموع شرح المهذب 9: 184، بداية المجتهد 2: 169، المغني لابن قدامة 4: 6، حلية العلماء 4: 15. (2) المجموع شرح المهذب 9: 184، بداية المجتهد 2: 168 - 169، الهداية للمرغيناني 2: 21، المغني لابن قدامة 4: 6، حلية العلماء 4: 16..

[ 366 ]

أنه قال: " المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، إلا بيع الخيار " (1). وفي بعض الاخبار: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " (2). وإنما يسمى المتبايعان بهذا الاسم بعد وجود التبايع بينهما إليه اسم مشتق من فعل كالقتل والضرب. وليس لأحد أن يحمل لفظ المتبايعين على المتساومين، ألا ترى أن قائلا لو قال: إن بعت هذا العبد فهو حر، ثم ساومه رجل فيه لم يعتق عليه. وليس لأحد أن يحمل التفرق المذكور في الخبر على الافتراق بالاقوال، لان العبارة بالافتراق والاجتماع عن الكلام مجازا، وإنما ذلك حقيقة في الاجسام ومستعار في الاعراض، ولان الحالة التي يشيرون إليها من حصول الايجاب والقبول هي حالة اجتماع لا افتراق، لانهما يختلفان في الثمن والمثمن قبل تلك الحال، ثم يجتمعان عليه ويعقدان البيع، فهي حالة اجتماع لا افتراق. وليس لأحد أن يعارض ما حكي عن أبي يوسف من حمله ذلك على افتراق الابدان، وهو أن يقول أحد العاقدين: بعتك هذا العبد، ولصاحبه أن يقبل، فإن افترقا قبل القبول وتمام البيع لم يكن له أن يقبل بعد ذلك وانفسخ الايجاب، وذلك أنا قد بينا أن اسم المتبايعين لا يقع عليهما إلا بعد الايجاب والقبول وحصولهما معا، فما تأوله أبو يوسف بخلاف الظاهر. وقد تعلقوا بما روي عنه عليه السلام أنه قال: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا ولا يحل له

(1) صحيح البخاري 3: 137 / 362، الموطأ 2: 671 / 79، أحكام القرآن للجاص 3: 139، السنن الكبرى للبيهقي 5: 268.
(2) صحيح البخاري 3: 136 / 359، صحيح مسلم 3: 1164 / 47، سنن الترمذي 3: 548 / 1246، السنن الكبرى للبيهقي 5: 269، جامع الاصول 1: 435 / 244..

[ 367 ]

أن يفارقه خشية أن يستقيله " (1). فأثبت الاستقالة في المجلس، والاستقالة إنما تثبت في عقد لازم. والجواب: أن المراد أنه لا يحل له أن يفارقه خشية أن يفاسخه ما ثبت له من خيار المجلس، فعبر عن الفسخ بالاستقالة. يدل على ما ذكرناه وجهان: أحدهما: أنه ذكر أمرا يجب أن يفوت بالتفرق والإقالة لا يفوت بالتفرق، وإنما الفسخ بحكم خيار المجلس يفوت بالتفرق. والثاني أنه نهاه عن المفارقة خوفا من الاستقالة، والاستقالة غير منهي عنها، لان الاقالة غير واجبة، وإنما المنهي عنه هو مفارقة المجلس خوف الفسخ لحق الخيار، لانه منهي عن أن يفارق صاحبه بغير إذنه ورضاه ليلزم العقد بذلك. المسألة الرابعة والسبعون والمائة: " يجوز بيع المدبر وأم الولد ". الذي يذهب إليه أصحابنا: أن بيع المدبر جائز، وأما أم الولد فإنما يجوز بيعها بعد موت ولدها. ووافقنا في جواز بيع المدبر من حاجة وغير حاجة الشافعي، وعثمان البتي (2). وقال أبو حنيفة وأصحابه، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن: لا يجوز بيع

(1) أحكام القرآن للجصاص 3: 139. حكى جواز بيع المدبر في البحر ج 3 ص 309 عن الناصر وكذا جواز بيع أم الولد ج 3 ص 309 - 310 (ح). (2) الأم 8: 16، المجموع شرح المهذب 9: 244، بداية المجتهد 2: 387، المغني لابن قدامة 12: 316، حلية العلماء 6: 185..

[ 368 ]

المدبر. وقال مالك: لا يجوز بيع المدبر، فإن باع مدبرة فأعتقها المشتري فالعتق جائز وينتقض التدبير والولاء للمعتق (1). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر ذكره. وأيضا ما رواه جابر: أن رجلا من الأنصار أعتق عبدا له عن دبر منه، فاحتاج فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " من يشتريه مني " فاشتراه نعيم بن عبد الله (2) بثمانمائة درهم، فدفعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه (3). فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك التدبير مقيدا، مثل أن يقول: إن مت من مرضي هذا فأنت حر لانه قد روي عن أصحاب أبي حنيفة أنهم أجازوا بيع المدبر إذا كان التدبير مقيدا (4). قلنا: التدبير في الخبر مطلق، ولا نحمله على المقيد إلا بدليل، على أن حمله على المطلق يفيد الحكم في موضع الخلاف، وحمله على المقيد لا يفيده. فإن قيل: نحمله على أنه عليه السلام أجره فنقل ابتياعه على أنه باع منافعه. قلنا: حقيقة البيع يقتضي بيع الرقبة، فحمله على بيع المنافع عدول باللفظ عن

المبسوط للسرخسي 7: 179، بداية المجتهد 2: 387، الهداية للمرغيناني 2: 67، اللباب في شرح الكتاب 3: 120. (1) بداية المجتهد 2: 387، حلية العلماء 6: 185.
(2) نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد عوف القرشي العدوي النحام، له صحبة، أسلم قبل عمر، ولكنه لم يهاجر إلا قبيل فتح مكة، روى عنه نافع، ومحمد بن إبراهيم، قتل يوم اليرموك. انظر: الاصابة في تمييز الصحابة 3: 567 / 8776، أسد الغابة 5: 32، الطبقات الكبرى لابن سعد 4: 138.
(3) صحيح البخاري 8: 547 / 1565، صحيح مسلم 3: 1289 / 58، مسند أحمد 3: 369، سنن الترمذي 3: 523 / 1219، السنن الكبرى للبيهقي 4: 178، نصب الراية 3: 285.
(4) المجموع شرح المهذب 9: 244، اللباب في شرح الكتاب 3: 121، حلية العلماء 6: 185..

[ 369 ]

حقيقته بلا دلالة. فإن قيل: كيف يبيعه بغير إذن مالكه؟ قلنا: يحتمل أن يكون استأذنه لكن ذلك لم ينقل، لانه لم يكن مقصودا، وإنما المقصود جواز بيع المدبر، على أنه باعه في الدين، وللامام أن يبيع في الدين من غير استئذان صاحب الملك. فأما أم الولد، فجميع فقهاء الامصار في هذا الوقت يخالفون فيه ويمنعون من بيعها (1). وقد وافقنا على جواز بيع أمهات الاولاد جماعة من السلف وأجازوا بيعهن، ولم يفرقوا بين حياة الولد وموته كما فرقنا (2). والذي يدل على جواز بيع أم الولد الاجماع المقدم ذكره. وأيضا فإن أم الولد رق للمولى ولم تخرج بالولد عن ملكه. الدليل على صحة ذلك: أنه إذا وطئها فإنما يطأها عند جميع الأمة بملك اليمين، وإذا كانت في ملكه فبيع ما يملك جائز، وكل خبر يروونه في تحريم بيع أمهات الاولاد، حملناه على النهي عن بيعهن مع بقاء الاولاد. المسألة الخامسة والسبعون والمائة: " معرفة مقدار رأس المال شرط في صحة السلم ". ما أعرف لأصحابنا إلى الآن نصا في هذه المسألة، إلا أنه يقوى في نفسي: أن رأس مال السلم إذا كان معلوما بالمشاهدة مضبوطا بالمعاينة لم يفتقر إلى ذكر صفاته

(1) المبسوط للسرخسي 7: 149، المجموع شرح المهذب 16: 39، مختصر المزني (ضمن كتاب الأم) 8: 443، بداية المجتهد 2: 389، المغني لابن قدامة 12: 492.
(2) المبسوط للسرخسي 7: 149، بداية المجتهد 2: 389، المغني لابن قدامة 12: 492. أشار إليه في البحر عن الناصر ج 3 ص 398 (ح)..

[ 370 ]

ومبلغ وزنه وعدده، وهو المعمول عليه من قول الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: إذا كان رأس مال السلم مكيلا، أو موزونا أو مما يباع عددا فلا بد من ضبط صفاته، وإن كان مما عدا ذلك جاز ألا يضبط صفاته (2). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (3) فأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السلم على هذه الصفة ولم يشترط سواها، فثبت ما قلنا. وليس للمخالف أن يقول: إن السلم ربما انفسخ بأن يتعذر تسليمه فيحتاج أن يرجع المسلم إلى بدل (4) الثمن، فإذا كان جزافا فلا يمكن الرجوع إلى بذله لجهالته، فافتقر صحة العقد إلى ضبط صفات الثمن، حتى إن ثبت له حق الرجوع أمكنه ذلك. وذلك بأن هذا باطل بالاجارة، لانه عقد غير مبرم بل هو مراعى، وربما انهدمت الدار قبل استيفاء المنافع فتنفسخ الإجارة، ويثبت للمستأجر الرجوع على المؤاجر بالأجرة، ولم يشرط في الإجارة أن تكون الأجرة مضبوطة الصفات، والعقود مبنية على السلامة والظاهر دون ما يخاف طروه. ألا ترى أن من باع شيئا بثمن معلوم بالمشاهدة صح البيع، وإن جاز أن يخرج المبيع مستحقا، فيثبت للمشتري على البائع حق الرجوع ببدل الثمن، ومع ذلك لم

(1) المجموع شرح المهذب 13: 144 - 145، بداية المجتهد 2: 203، حلية العلماء 4: 377، مغني المحتاج 2: 104، السراج الوهاج: 205.
(2) الهداية للمرغيناني 3: 71، شرح فتح القدير 6: 221، بداية المجتهد 2: 203، اللباب في شرح الكتاب 2: 43 و 44، الفتاوى الهندية 3: 178، حلية العلماء 4: 377.
(3) صحيح البخاري 3: 181 / 481، صحيح مسلم 3: 1226 / 127، سنن أبي داود 3: 275 / 3463، سنن ابن ماجة 2: 765 / 2280، سنن الدارقطني 3: 3 / 4، سنن النسائي 7: 290، سنن الترمذي 3: 602 / 1311.
(4) في (ج): " بذل "، وكذا فيما بعده..

[ 371 ]

يشترط ضبط صفات الثمن. المسألة السادسة والسبعون والمائة: " وإذا كان رأس المال عرضا لم يصح سلم ". هذا غير صحيح، ويجوز عندنا أن يكون رأس المال في السلم عرضا غير ثمن من سائر المكيلات والموزونات، ويجوز أن يسلم المكيل في الموزون والموزون في المكيل فيختلف جنساهما، وما أظن في ذلك خلافا بين الفقهاء. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد. وأيضا ما رواه عبد الله بن عباس: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من أسلف فليسلف بكيل معلوم ووزن معلوم الى أجل معلوم " (1). ولم يفرق في ذلك بين صفة الثمن، فثبت جواز ما بيناه.

حكاه في البحر عن الناصر ج 3 ص 398 (ح). (1) تقدم تخريجها في المسألة السابقة بتفاوت يسير..

[ 373 ]

كتاب الشفعة

[ 375 ]

المسألة السابعة والسبعون والمائة: " لا يستحق البائع الشفعة بالجوار ". الذي يذهب إليه أصحابنا: أن أحدا لا يستحق الشفعة بالجوار من مؤمن ولا فاسق، وإنما يستحقها بالمخالطة، وهو مذهب الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: الشفعة بالجوار إذا لم يكن بين الملك طريق نافذ، وإنما مقتضى المسألة أن الفاسق لا يستحق الشفعة بالسبب الذي يستحق به غير الفاسق الشفعة (2). ونحن ندل على أن الشفعة لا تستحق بالجوار على أن الفاسق كالمؤمن في استحقاق الشفعة. وأما المسألة الاولى: فالدليل عليها الاجماع المتردد. وأيضا ما رواه جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الشفعة فيما لم تقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " (3). فإن تعلقوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " الجار أحق بسقبه " (4) (5). وفي خبر آخر: " الجار أحق بدار جاره " (6). فالجواب عن ذلك: أن في الخبر إضمارا، وإذا أضمروا أنه أحق في الأخذ

حكى في البحر عن العترة أن الجوار سبب ولم يحك الخلاف عن الناصر ج 4 ص 8 وحكى عن الناصر أنه لا ينقض الحكم بالشفعة بالجوار لأن المسألة ظنية ج 4 ص 9 (ح) (1) المجموع شرح المهذب 14: 304، حلية العلماء 5: 266.
(2) المبسوط للسرخسي 14: 94، الهداية للمرغيناني 4: 24، اللباب في شرح الكتاب 2: 106، حلية العلماء 5: 266.
(3) صحيح البخاري 3: 287 / 714 - 715، سنن أبي داود 3: 285 / 3514، السنن الكبرى للبيهقي 6: 102 - 103، مسند الشافعي (ضمن كتاب الأم) 8: 646، جامع الاصول 1: 581 / 415.
(4) سنن أبي داود 3: 286 / 3516، سنن ابن ماجة 2: 834 / 2495، سنن الدارقطني 4: 223 / 70 - 71، سنن النسائي 7: 320، سنن الترمذي 3: 653، مجمع الزوائد 4: 158، نصب الراية 4: 174.
(5) السقب بفتح السين والقاف هو القرب. انظر: " الصحاح 1: 148 ".
(6) سنن أبي داود 3: 286 / 3516، سنن الترمذي 3: 650 / 1368، جامع الاصول 1: 583 / 416، بتفاوت يسير..

[ 376 ]

بالشفعة، أضمرنا نحن أنه أحق بالعرض عليه، لان ما قلناه جميعا ليس في الظاهر، وليس أحدهما أولى من الآخر. وأيضا قد يجوز أن يريد بالجار الشريك، وقد يقع اسم الجار على الشريك لغة وشرعا. أما الشرع فروى عمرو بن الشريد (1) عن أبيه قال: بعت حقا لي في أرض فيها شريك، فقال شريكي: أنا أحق بها، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: " الجار أحق بسقبه " (2)، فسمى الشريك جارا. وأما اللغة: فإن الزوجة تسمى جارة لمشاركتها الزوج في العقد. قال الأعشى (3): أيا جارتي بيني فإنك طالقه (4) وليس لأحد أن يقول: إنما سمينا الزوجة جارة لقربها من الزوج ومجاورتها له، لانها تسمى بذلك وإن كانت بالمشرق وهو بالمغرب. فأما استحقاق الفاسق الشفعة بالسبب الذي يستحق به من ليس بفاسق فصحيح لا شبهة فيه، وأما الكافر عندنا لا يستحق الشفعة على المؤمن. ولعل من ذهب إلى أن الفاسق لا يستحق الشفعة على المؤمن، ذهب إلى أنه كافر بفسقه. وليس كل فسق كفرا، والفاسق عندنا في حال فسقه مؤمن يجتمع له الايمان والفسق ويسمى باسمهما، وكل خطاب دخل فيه المؤمنون دخل فيه من جمع بين الفسق والايمان، وكيف

(1) أبو الوليد عمرو بن الشريد بن سويد الثقفي، اصله من الحجاز وكان من التابعين، روى عن أبيه، وأبي رافع، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وعنه محمد بن ميمون، وبكير بن الاشج، والزهري وإبراهيم بن ميسرة وغيرهم. انظر: تهذيب التهذيب 8: 43 / 79، الجرح والتعديل للرازي 6: 238.
(2) تقدم تخريجه.
(3) أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل الاعشى الاسدي، من شعراء الجاهلية، كان يتردد على الاشراف ويمدحهم، وهو أول من سأل بشعره. انظر: الاغاني 8: 74، الشعر والشعراء: 135، طبقات فحول الشعراء 1: 65.
(4) الصحاح 2: 618، تاج العروس 10: 479..

[ 377 ]

لم يبطل فسقه حقوقه كلها من دين ووديعة وثمن مبيع وغير ذلك وأبطل حقه من الشفعة؟! المسألة الثامنة والسبعون والمائة: " كل حيلة في الشفعة وغيرها من المعاملات التي بين الناس فإني أبطلها ولا أجيزها ". هذا غير صحيح، لان من احتال في بيع الدراهم بأن ضم إليها صفح الحديد وما أشبهه صح عقد بيعه، لاخراجه ما فعله من الصفة التي تناولها النهي، لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما نهى عن بيع الفضة بالفضة (1) وإذا ضم إليها غيرها فقد خرج عن هذه الصفة. وكذلك إذا أقر الرجل بسهامه من دار فوهبها له ولم يأخذ منه عن ذلك ثمنا وأعطاه ذلك الموهوب شيئا على سبيل الهدية والهبة سقط حق الشفعة عن هذا الموهوب، لانه عقد بغير عوض، ولم يلزم فيه الشفعة لخروجه عن الصفة التي تستحق معها الشفعة. ولسنا نمنع من قصد بهذه الحيل إلى إبطال الحقوق أن يكون آثما مستحقا للعقاب، وإن كان عقده صحيحا ماضيا، وما نعرف خلافا بين محصلي الفقهاء في ذلك. فإن قال: ألستم تروون أن من فر من الزكاة بأن سبك الدراهم والدنانير سبائك حتى لا تلزمه الزكاة، وما جرى هذا المجرى من فنون الهرب من الزكاة - أن الزكاة تلزمه ولا ينفعه هربه؟ قلنا: ليس نمنع أن يكون لزوم الزكاة - من هرب من الزكاة (2) لسبك السبائك وما أشبهها - لم تجب بالسبب الاول الذي يجب له فيه في الاصل الزكاة، لان الزكاة

هذا الكلام رواه في البحر عن الناصر ج 4 ص 23 (ح). (1) صحيح البخاري 3: 160 / 437، سنن النسائي 7: 280، سنن الترمذي 3: 542 / 1241، سنن الدارمي 2: 259، السنن الكبرى للبيهقي 5: 282.
(2) " من هرب من الزكاة " ساقط من (ن) و (ج)..

[ 378 ]

لا تجب عندنا فيما ليس بمضروب من العين والورق، وأن تكون الزكاة إنما تلزمه هاهنا عقوبة على فراره من الزكاة، لان هذه العين في نفسها يستحق فيها الزكاة. ويمكن أن يكون ما ورد من الرواية في الامر بالزكاة لمن هرب من الزكاة، هو على سبيل التغليظ والتشديد، لا على سبيل الحتم والايجاب. المسألة التاسعة والسبعون والمائة: " ولو اشترى رجلا ثلاثة أقطاع أرضين من مواضع شتى بصفقة واحدة فللشفيع في أحدهما أن يأخذ جميعها، وليس له تفريق الصفقة ". هذا غير صحيح، لان للشفيع أن يأخذ من هذه الاقطاع ماله فيه حق الشفعة، دون غيرها مما لا حق له فيه، وما أظن في ذلك بين الفقهاء خلافا. وإنما الخلاف بينهم في الرجل يشتري دارين صفقة واحدة، وللدارين معا شفيع واحد، هل له أن يأخذ إحدى الدارين دون الاخرى؟ فقال أبو حنيفة: إما أن يأخذ الجميع أو يترك الجميع، وليس له أن يفرق الصفقة (1). وقال زفر: له أن يأخذ احداهما دون الاخرى (2). والوجه في المسألة الاولى ظاهر، لان حق الشفعة إنما يثبت له في إحدى الدارين، فكيف يأخذ أخرى بغير حق يجب له عليها؟ وليس كذلك المسألة الثانية، لان حق الشفعة قد ثبت في الدارين معا.

هذا من إبطال الحيلة وقد مر (ح). (1) المبسوط للسرخسي 14: 159، الفتاوى الهندية 5: 175، المحلى بالآثار 8: 25.
(2) المبسوط للسرخسي 14: 159..

[ 379 ]

كتاب الرهن

[ 381 ]

المسألة الثمانون والمائة: " الرهن غير مضمون على المرتهن ". عندنا: أن الرهن غير مضمون على المرتهن، فمتى تلف فمن مال الراهن، وهو مذهب الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: هو مضمون على المرتهن بأقل الامرين من قيمته أو الحق الذي هو مرهون به (2) فإن تلف سقط أقل الامرين (3). وقال إسحاق بن راهويه: المرهون مضمون عليه بكمال قيمته (4). وقال الحسن، وشريح (5) والشعبي، والنخعي: يسقط بتلف الرهن الحق الذي للمرتهن (6). وقال مالك: إن تلف بأمر ظاهر كالعبد يموت والدار تحترق - فهو من ضمان الراهن، وإن ادعى المرتهن تلفه بأمر باطن لم تقبل دعواه وعليه قيمته (7).

حكاه عن الناصر في البحر الزخار ج 4 ص 113 (ح). (1) الأم 3: 170، المجموع شرح المهذب 13: 249، أحكام القرآن للجصاص 2: 263، المغني لابن قدامة 4: 442، بداية المجتهد 2: 275.
(2) في (ن) و (ج): " عليه " بدل " به ".
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 262، المبسوط للسرخسي 21: 64 - 65، اللباب في شرح الكتاب 2: 55، الهداية للمرغيناني 4: 128.
(4) المجموع شرح المهذب 13: 250، بداية المجتهد 2: 275.
(5) أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس الكندي، الكوفي القاضي، استقضاه عمر على الكوفة، ثم علي عليه السلام من بعده، روى عن الامام علي عليه السلام وعمر، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعنه الشعبي والنخعي، ومحمد ابن سيرين. مات سنة 78 ه‍ انظر: وفيات الاعيان 2: 460 / 290، أسد الغابة 2: 394، تذكرة الحفاظ 1: 59.
(6) المجموع شرح المهذب 13: 250، المغني لابن قدامة 4: 442.
(7) بداية المجتهد 2: 275، أحكام القرآن للجصاص 2: 263، المغني لابن قدامة 4: 442..

[ 382 ]

الدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد (1). ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " لا يغلق الرهن من راهنه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه " (2) أراد بالغنم الزيادة وبالغرم النقصان والتلف. فإن قيل: أراد بالغرم نفقته ومؤونته. قلنا: نحمله على الامرين (3). فإن تعلقوا بما روي: من أن رجلا رهن فرسا عند غيره فنفق فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك - يعني المرتهن فقال: " ذهب حقك " (4)، ومعلوم أنه لم يرد ذهاب حقه من الوثيقة، لان ذلك معلوم مشاهدة، فثبت أنه أراد ذهاب حقه من الدين. فالجواب عنه: أن المراد ذهاب حقك من الوثيقة، يدل على ذلك وجهان: أحدهما: أنه وحد الحق، ولو أراد ذهاب الدين والوثيقة معا لقال: ذهب حقاك. والوجه الثاني: أن عند أبي حنيفة أن الدين إنما يسقط إذا كان مثل قيمة الرهن أو أقل، وإذا كان أكثر فإن ما زاد على قيمة الرهن لا يسقط (5). فلو كان المراد سقوط حقه من الدين، لكان عليه السلام يفصل، ولم يفعل ذلك.

(1) في (ج) و (م): " بعد الاجماع المتردد ما روى... ".
(2) سنن الدارقطني 3: 33 / 133، أحكام القرآن للجصاص 2: 265، المراسيل لأبي داود 143 / 165، السنن الكبرى للبيهقي 6: 39، نصب الراية 4: 319، حلية الاولياء 7: 315.
(3) لا يوجد في (ج) و (م) من قوله: " فإن قيل... الى هنا ".
(4) المراسيل لأبي داود 143 / 165، أحكام القرآن للجصاص 2: 264، السنن الكبرى للبيهقي 6: 41، نصب الراية 4: 321.
(5) المبسوط للسرخسي 21: 64 - 65، اللباب في شرح الكتاب 2: 55، الهداية للمرغيناني 4: 128، بداية المجتهد 2: 275..

[ 383 ]

فدل على أن المراد سقوط حقه من الوثيقة، لان ذلك يسقط على كل حال، وليس سقوط حق الوثيقة من المعلوم عند التلف مشاهدة كما ذكر، لان حقه من ذلك لا يسقط بتلف الرهن، وهو إذا أتلفه الراهن أو أتلفه أجنبي فإن القيمة تؤخذ ويجعل رهنا مكانه، فقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الرهن إذا تلف من غير جناية يسقط حق الوثيقة بذلك. المسألة الحادية والثمانون والمائة: " ولو أعتق الراهن العبد المرتهن لم ينفذ عتقه " هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا، ووافق في ذلك الشافعي على الصحيح من أقواله (1). وقال أبو حنيفة: ينفذ العتق، فإن كان موسرا ضمن قيمته ويكون رهنا مكانه، وإن كان معسرا سعى العبد في قيمته إن كانت أقل من الدين ورجع به على الراهن (2). الدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر، وأيضا فإن الرهن وثيقة في يد المرتهن، ومحبوس على ماله، وفي عنقه فسخ للرهن وإسقاط لحق الوثيقة، والراهن لا يملك فسخ عقد الرهن.

حكاه عن الناصر في البحر ج 4 ص 119 (ح). (1) حلية العلماء 4: 443، مغني المحتاج 2: 130، بداية المجتهد 2: 277، المغني لابن قدامة 4: 399.
(2) حلية العلماء 4: 443، المغني لابن قدامة 4: 399، اللباب في شرح الكتاب 2: 59، الهداية للمرغيناني 4: 146..

[ 384 ]

فإن تعلقوا بما روي عنه عليه السلام: " لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم " (1) والرهن مملوك الراهن فينبغي أن ينفذ عتقه. فالجواب عنه: أن المشهور من هذا الخبر: " لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم " (2). وعلى هذه الرواية لا يتناول موضع الخلاف إلا بدليل الخطاب، وليس بصحيح، على أنا نحمل اللفظ الذي رووه (3) على الملك الذي ليس هو بمرهون بالادلة التي ذكرناها.

(1) سنن أبي داود 2: 258 / 2190، جامع الاصول 7: 611 / 5771.
(2) نصب الراية 3: 278، سنن الترمذي 3: 486 / 1181، مشكل الآثار 1: 281، جامع الاصول 7: 611 / 5771، الدر المنثور 5: 208، مسند أحمد 2: 190، بتفاوت يسير.
(3) في نسخة (ط): " ردوه "..

[ 385 ]

كتاب الغصب

[ 387 ]

المسألة الثانية والثمانون والمائة: " من اغتصب بيضة فحضنها فأخرجت فرخا، أو حنطة فزرعها فنبتت فالفرخ والزرع لصاحبهما دون الغاصب ". هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا. والدليل عليه الاجماع المتكرر. وأيضا فإن منافع الشئ المغصوب لمالكه دون الغاصب، لانه بالغصب لم يملكه، فما تولد من الشئ المغصوب فهو للمالك دون الغاصب، وهذا صحيح (1). المسألة الثالثة والثمانون والمائة: " ومن اغتصب أرضا فزرعها، فعليه أجرتها ونقصانها، وتسليم عينها إلى صاحبها " (* *). هذا صحيح وهو مذهبنا، وبمثله صرح الشافعي، لانه قال: إذا غصب رجل أرضا فزرعها ببذر من عنده فالزرع للغاصب، لانه عين ماله، وإنما تغيرت صفته واختلفت، فيجب على الغاصب أرش ما نقصت الارض بالزراعة إن حصل بها نقص، لان ذلك حصل بفعله، وعليه أجرة مثلها مدة مقامها في يده، لانه قد انتفع بها بغير حق فصار غاصبا للمنفعة، فلزمه ضمانها.

حكى معناه في البحر عن الناصر ج 4 ص 181 (ح). (1) في نسخة (د) و (ط) " واضح ". (* *) ضمان النقصان حكاه في البحر عن الناصر ج 4 ص 180 ووجوب الرد حكى معناه عن الناصر في ج 4 ص 178 ووجوب الاجرة والمنافع حكاه عن الناصر في ج 4 ص 177 (ح)..

[ 388 ]

بها بغير حق، فصار غاصبا للمنفعة، فلزمه ضمانها. وأما إذا غصب أرضا ولم يزرعها وأقامت في يده مدة فعليه ضمان نقص إن حدث بها، وعليه ضمان أجرة مثله أيضا، لانه فوت صاحبها منفعتها بغير حق (1). وهذه الوجوه التي ذكرها الشافعي في الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه واضحة. ويدل على صحة مذهبنا زائدا على ذلك الاجماع المتقدم ذكره. المسألة الرابعة والثمانون والمائة: " إذا تلف المغصوب في يد الغاصب وكان من ذوي الامثال فعليه أكثر قيمته في أيام كونه في يده ". الذي نذهب إليه: أن المغصوب إذا كان تلف في يد الغاصب وكانت له أمثال موجودة ورضي المغصوب أن يأخذ المثل، كان على الغاصب أن يعطيه ذلك، وإلا فالقيمة. وقد روي أنه يلزمه أكثر قيمته مدة أيام الغصب (2) وإنما قيل ذلك احتياطا واستظهارا، لانه إذا اختلف قيمته في أيام الغصب فالاولى أن يأخذ بالأزيد للاحتياط والاستظهار.

(1) المجموع شرح المهذب: 14: 257 - 258، حلية العلماء 5: 235 - 236، المغني لابن قدامة 5: 378. ذكره في البحر عن الناصر في المثلي إذا عدم مثله فأما القيمي فلا خلاف بينه وبين أهل المذهب أنه يضمن بأوفر القيم لأنه لا إشكال فيه إنما الاشكال في المثلي لوجوب رد مثله فحين عدم المثل وطلبه صاحبها تعينت القيمة فوقع الخلاف في القيمة حينئذ فقيل قيمته يوم الطلب وقيل قيمته يوم عدم المثل وقيل يوم الغصب وقال الناصر عليه السلام: أوفر القيم من يوم الغصب الى يوم الطلب وظاهر تفريع كلام الناصر على عدم المثل أن كلامه فيه لا في المثلي مع وجود المثل ولم يذكر في البحر خلافا لأحد في وجوب تسليم المثل مع وجوده (ح).
(2) لم نعثر على رواية بهذا المضمون، نعم قال به الشافعي (كما في المجموع شرح المهذب 14: 234 و 254 و 265) وذهب إليه الشيخ (ره) في الخلاف 3: 415 المسألة 29..

[ 389 ]

كتاب الديات

[ 391 ]

المسألة الخامسة والثمانون والمائة: " في الحارصة بعير، وفي الدامية بعيران (* *)، وفي الباضعة ثلاثة من الابل " (* * *). هذا صحيح، والشجاج عندنا ثمان: الحارصة: وهي التي تخدش وتشق الجلد، وفيها بعير واحد. والدامية: وهي التي تصل إلى اللحم ويسيل منها الدم، وفيها بعيران. والباضعة: وهي التي تبضع اللحم وتنزل فيه، وفيها ثلاثة أباعر (1). والسمحاق: وهي التي تقطع اللحم حتى تبلغ إلى الجلدة الرقيقة المغشية للعظم، وفيها أربعة أباعر. والموضحة: وهي التي تقشر الجلدة وتوضح عن العظم، ففيها خمسة أباعر. والهاشمة: وهي التي تهشم العظم، وفيها عشرة أباعر. والناقلة: وهي التي تكسر العظم كسرا تفسده، فيحتاج معه الانسان إلى نقله من مكانه، ففيها خمسة عشر بعيرا. والمأمومة: وهي التي تبلغ إلى أم الدماغ، ففيها ثلث الدية، ثلاث وثلاثون بعيرا، أو ثلث الدية من العين أو الورق على السواء، لان ذلك يتحدد (2) فيه الثلث ولا يتحدد في الابل والبقر والغنم

حكاه في البحر عن الناصر ج 5 ص 293 قال وعنه حكومة وحكى عن الناصر أن في السمحاق اربع من الابل ج 5 ص 293 وحكى عن الناصر في المتلاحمة حكومة وهي أعمق من الباضعة (ح). (* *) لم أجده (ح). (* * *) لم أجده (ح). (1) في (م) و (ط) و (د): " ابعر "، وكذا فيما بعده.
(2) في نسخة (م) و (ن): " يتجدد "..

[ 392 ]

وفي بعض ما ذكرناه خلاف بين الفقهاء، وفيه وفاق يطول شرحه. فإن الشافعي يذهب إلى أن الشجاج عشر، ويذكر أنه ليس قبل الموضحة من الشجاج قصاص، ولا أرش مقدر، وإنما يجب فيها حكومة، ويوافق على أن في الموضحة خمسة من الابل، وفي الهاشمة عشرة (1). والحجة فيما شرحناه من مذهبنا إجماع الفرقة المحقة الذي تقدم ذكره. المسألة السادسة والثمانون والمائة " في مني الرجل يفزع (2) عن عرسه حين يهم به، ولم يفرغ عشرة دنانير ". فإن أفرغ وألقت النطفة، ففيها عشرون دينارا. وفي العلقة أربعون، وفي المضغة ستون، وفي العظم ثمانون دينارا، وفي الجنين مائة دينار، وجراح الجنين في بطن أمه على حساب مائة دينار. وهذا الترتيب في الجنايات المذكورة شئ تختص به الشيعة الامامية وهو صحيح إلا في الجناية على الجنين، فإنه ذكر ثمانون دينارا (3). والصحيح أنه مائة مثقال إذا لم تلج الجنين الروح. والحجة في صدر هذا الترتيب، الاجماع المقدم ذكره.

(1) المجموع شرح المهذب 19: 63 - 64، حلية العلماء 7: 554 - 556، مغني المحتاج 4: 26 و 58، السراج الوهاج: 496.
(2) في نسخة (ط) و (د): " يفرغ ". لم أجده (ح).
(3) المقنعة للمفيد: 762..

[ 393 ]

المسألة السابعة والثمانون والمائة: " ولا يقتل اثنان بواحد، ولو أن عشرة قتلوا رجلا واحدا لقتل واحد بخيار أولياء الدم، وأخذ من الباقين تسعة أعشار الدية، فيدفع إلى أولياء المقتص منه ". الذي يذهب إليه أصحابنا أنه: إذا اشترك اثنان على قتل نفس على العمد كان أولياء الميت مخيرين بين أن يقتلوا الاثنين ويؤدوا إلى ورثتهما دية كاملة، فيقسمونها بينهم نصفين، أو يقتلوا واحدا منهما ويؤدي الباقي من القاتلين إلى ورثة صاحبه نصف الدية، أو يقبلوا الدية فيكون بين القاتلين سهاما متساوية وكذلك القول في الثلاثة أو أكثر إذا قتلوا الواحد. وروي وفاقنا على هذا المذهب عن ابن الزبير، ومعاذ بن جبل، والزهري، ومحمد بن سيرين (1). وذهب داود، وربيعة إلى: أن القود لا يجب على أحد القتلة إذا اشتركوا، وإنما تجب الدية (2). وذهب إلى أن الجماعة تقتل بالواحد: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، ومالك، والاوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، والشافعي (3).

حكاه في البحر عن الناصر ج 5 ص 218 (ح). (1) المجموع شرح المهذب 18: 369، حلية العلماء 7: 457، المغني لابن قدامة 9: 366، بداية المجتهد 2: 395.
(2) المجموع شرح المهذب 18: 369، حلية العلماء 7: 457، المغني لابن قدامة 9: 366، بداية المجتهد 2: 395.
(3) أحكام القرآن للجصاص 1: 180، المجموع شرح المهذب 18: 369، حلية العلماء 7: 456، اللباب في شرح الكتاب 3: 150، المغني لابن قدامة 9: 366، بداية المجتهد 2: 395، مغني المحتاج 4: 20..

[ 394 ]

وذكر الشافعي في هذا تفصيلا فقال: إن الجماعة إذا قتلت واحدا عمدا فإن القصاص يجب على جماعتهم بوجود شرطين: أحدهما: أن يكون كل واحد من الجماعة مساويا للمقتول، حتى لو انفرد بقتله قتل به. والثاني: أن يكون كل واحد منهم فعل به فعلا يجوز أن يموت منه لو وجد منفردا، فإذا وجد هذان الشرطان وجب القصاص على الجماعة (1)، وولي المقتول بالخيار بين ثلاثة أشياء: إن شاء قتل الجميع، وإن شاء عفا عن الجميع وأخذ الدية، وإن شاء عفا عن البعض وقتل البعض. دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، وأيضا ما رواه جويبر، عن الضحاك من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا يقتل اثنان بواحد " (2). فإن قيل: يحمل ذلك على أنه لا يقتل اثنان بواحد إذا كان أحدهما خاطئا. قلنا: هذا تخصيص، وإضمار لما ليس في الظاهر. فإن قيل: فأنتم تقتلون الاثنين بواحد إذا اختار ذلك ولي الدم وبذل دية الآخر. قلنا: الظاهر يمنع من قتل الاثنين بواحد على كل حال، وإذا أخرجنا ما نذهب إليه في بذل الدية من الظاهر بقي ما عداه حجة على من خالفنا، وهو المقصود. فإن تعلقوا بقوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة) (3) فلو كان القود لا يجب في حال الاشتراك لكان كل من أحب قتل غيره شارك آخر في قتله، وسقط القود عنهما، فبطل المعنى الذي نبه في الآية عليه.

(1) المجموع شرح المهذب 18: 369، المغني لابن قدامة 9: 366.
(2) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة بهذا الإسناد، ولكن الرواية موجودة في الجعفريات: 125 بسند آخر.
(3) سورة البقرة، الآية: 179..

[ 395 ]

والجواب: إن هذه الآية إنما يجب أن يستدل بها على داود، وربيعة، لانهما ينفيان قتل الجماعة بالواحد على كل حال. فأما نحن وهم فنقتل الجماعة - إذا اختار ولي الدم ذلك - وبذل الدية على ما شرحناه. والتحذير بالقتل ووجوب القصاص - المذكوران في الآية - باقيان على مذهبنا، وليس يجوز أن يستدل على صحة مذهبنا بقوله تعالى: (النفس بالنفس) (1) و (الحر بالحر) (2) لان لهم أن يقولوا: المراد ههنا بالنفس جنس النفس لا العدد، فما قدمناه أولى. المسألة الثامنة والثمانون والمائة: " من وجد قتيلا في مدينة، أو قرية، أو محلة لا يعرف قاتله فالدية من بيت مال المسلمين ". الذي يذهب إليه أصحابنا: أن من وجد قتيلا في مدينة أو قرية لا يعرف قاتله بعينه كانت ديته على أهل تلك القرية، فإن وجد بين قريتين، ألزمت ديته لأهل أقرب القريتين إلى مكانه، فإن كانت المسافة متساوية، كانت ديته على القريتين بالسوية. فأما الموضع الذي يلزم فيه الدية لبيت مال المسلمين فهو قتيل الزحام في

(1) سورة المائدة، الآية: 45.
(2) سورة البقرة، الآية: 178. حكى في البحر عن الناصر أنه إن ادعى على معينين ولا بينة فعليهم اليمين ولا دية إذا حلفوا فإن لم يدع على معينين فالدية على بيت المال ج 5 ص 297 (ح)..

[ 396 ]

أبواب الجوامع وعلى القناطر والجسور، وفي الاسواق، وفي استلام الحجر الاسود، وزيارات قبور الأئمة عليهم السلام، فإن دية من ذكرناه على بيت مال المسلمين، وإن لم يكن للمقتول ولي يأخذ ديته سقطت الدية عن بيت مال المسلمين، وإنما كانت الدية ههنا على بيت مال المسلمين دون القتيل في القرية، لان القتيل في المواضع التي ذكرناها لا حجة للعلم بقاتله، ولا للظن به، والأمارات كلها مرتفعة، وليس كذلك قتيل القرية والمدينة، لان كونه قتيلا فيها، أمارة بالعادة على أن بعض أهلها قتلوه.

[ 397 ]

كتاب الايمان

[ 399 ]

المسألة التاسعة والثمانون والمائة: " من حلف على فعل معصية أو ترك واجب فلا كفارة عليه ". هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا. وخالف ساير الفقهاء على ذلك، وألزموا الكفارة (1). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد: أن الله تعالى قد أوجب على الحالف إذا انعقدت يمينه الوفاء بها، وأن لا يحنث فيها، وقد علمنا أن من حلف على أن يفعل معصية، أو يترك واجبا، فليس يجب عليه الاستمرار على حكم يمينه، ولا الوفاء بها، بل يجب عليه تجنب المعصية، وفعل الواجب. فعلمنا أن يمينه غير منعقدة، وإذا لم تكن منعقدة فلا حنث، ولا كفارة، لان الكفارة تتبع انعقاد اليمين. فإن قيل: لا نسلم أن معنى انعقاد اليمين هو أنه يجب عليه الاستمرار على ما حلف عليه والوفاء به، بل نقول: إن اليمين منعقدة وإن كان الوفاء بها غير لازم، ونفس انعقاد اليمين بأنه (2) يلزم في الحنث فيها الكفارة. قلنا: هذا كلام غير محصل لانه متى لم يكن معنى انعقاد اليمين لزوم الوفاء بها والبقاء على حكمها لم يكن لانعقادها معنى معقول.

لم أجده ولكن حكى في البحر عن الناصر ج 4 ص 242 أنه لا كفارة على من حنث ناسيا أو مخطئا فهو أقرب الى أن يقول: لا كفارة على من حنث بأمر الله (ح). (1) المغني لابن قدامة 11: 215، المجموع شرح المهذب 18: 91، مغني المحتاج 4: 325، السراج الوهاج: 573، اللباب في شرح الكتاب 4: 9.
(2) الظاهر زيادة " بأنه "..

[ 400 ]

فأما قولهم: إن معنى الانعقاد هو أن يلزم في الحنث فيها الكفارة فباطل، لان الحنث إنما يتبع انعقاد اليمين، ويبنى على صحة انعقادها، وكذلك وجوب الكفارة، فكيف يفسر انعقاد اليمين بما هو مبني عليه وتابع له؟! والذي يدل على أن ما انعقدت عليه اليمين يجب الوفاء به والاستمرار على حكمه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) (1). فلو انعقدت اليمين على المعصية لوجب الوفاء بها بظاهر هذه الآية وقوله تعالى: (ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها) (2) يدل على وجوب الوفاء باليمين المنعقدة، وقد علمنا أن من حلف على فعل معصية يجب عليه نقض يمينه لا الوفاء بها، فدل على أنها غير منعقدة.

(1) سورة المائدة، الآية: 1.
(2) سورة النحل، الآية: 91..

[ 401 ]

كتاب الفرائض

[ 403 ]

المسألة التسعون والمائة: " الفرائض لا تعول، ولو مات رجل وخلف أبوين وبنتين وزوجة فللزوجة الثمن، وللابوين لكل واحد منهما السدس، وما بقي فللبنتين ". هذا صحيح، وذهب أصحابنا - بلا خلاف - أن الفرائض لا تعول. ووافقنا على ذلك ابن عباس، وداود بن علي الاصفهاني (1) وخالفنا باقي الفقهاء (2). وتحقيق هذه المسألة: أن تكون السهام المسماة في الفرائض يضيق عنها المال ولا يتسع لها، كامرأة خلفت ابنتين وأبوين وزوجا، فللزوج الربع، وللبنتين الثلثان، وللابوين السدسان. وهذا مما يضيق عنه المال، لانه لا يجوز أن يكون للمال ثلثان وسدسان وربع. وعندنا في هذه المسألة: أن للابوين السدسين، وللزوج الربع، وما بقي فللبنتين، ومخالفونا الذين يذهبون إلى العول يجعلون للزوج الخمس ثلاثة أسهم من خمسة عشر، وللابوين السدسان، أربعة من خمسة عشر، وللبنتين الثلثان، ثمانية من خمسة عشر. فقد نسب مخالفونا في العول إلى الله تعالى ما لا يليق بحكمته وعدله وجميل

حكاه في البحر عن الناصر ج 5 ص 356 (ح). (1) المجموع شرح المهذب 16: 92 - 94، بداية المجتهد 2: 346، المغني لابن قدامة 7: 25، البحر الزخار 6: 356، حلية العلماء 6: 290، المحلى بالآثار 8: 279، المبسوط للسرخسي 29: 161، فتح الباري 12: 19.
(2) المبسوط للسرخسي 29: 161، المغني لابن قدامة 7: 25، المجموع شرح المهذب 16: 92 - 94، البحر الزخار 6: 356، بداية المجتهد 2: 346، مغني المحتاج 3: 34، حلية العلماء 6: 289..

[ 404 ]

صفاته، لانه لا يجوز أن يفرض في المال ما لا يتسع المال له، فذلك سفه وعبث. ولان الله تعالى فرض للابوين السدسين في هذه المسألة وأعطاهما أربعة من خمسة عشر، وهذا خمس وثلثا عشر لا سدسان وفرض للزوج الربع، أعطوه ثلاثة من خمسة عشر، وهذا خمس لا ربع. وفرض للبنتين الثلثين، فأعطوهما ثمانية من خمسة عشر، وهذا ثلث وخمس لا ثلثان. فإن قالوا: فلم أدخلتم النقصان في هذه المسألة على البنتين دون الجماعة، والله تعالى قد سمى للبنتين الثلثين، كما جعل للواحدة النصف. قلنا: المعتمد في إدخال النقص على نصيب البنتين في هذه المسألة وما شاكلها من المسائل التي يدعى فيها العول: أنا نقصنا من أجمعت الامة على نقصانه من سهامه وهما البنتان، لانه لا خلاف - بين من أثبت العول ومن نفاه - في أن البنتين منقوصتان ههنا عن سهامهما التي هي الثلثان، وليس كذلك من عد البنتين من الابوين والزوج، لان الامة ما أجمعت على نقصانهم ولا قام على ذلك دليل، فلما اضطررنا إلى النقصان وضاقت السهام عن الوفاء نقصنا من وقع الاجماع على نقصانه، ووفرنا نصيب من لا دليل على وجوب نقصانه، فصار هذا الاجماع دليلا على أنه ليس للبنتين الثلثان على كل حال وفي كل موضع، فخصصنا الظاهر بالاجماع، ووفينا الباقين في هذه الفريضة بظواهر الكتاب التي لم يقم دليل على تخصيصها. وفي أصحابنا من يقول في هذا الموضع (1): إن الله تعالى إنما فرض للبنتين الثلثين مع الابوين فقط إذا لم يكن غيرهم، فإذا دخل في هذه الفريضة الزوج تغيرت

(1) أنظر: مختلف الشيعة: 730، نقله عن الفضل بن شاذان..

[ 405 ]

الفريضة التي سمي فيها الثلثين للبنتين، كما أنه لو كان مكان الزوج ابن لتغيرت القسمة، ولم يكن للابنتين الثلثان. وقالوا أيضا: إن الزوج والزوجة جعل لهما في الكتاب فرضان أعلى وأسفل، وحطا من الأعلى إلى الأدون، وكذلك جعل للابوين فرضان، أحدهما أعلى وهو الثلثان للاب والثلث للام، ثم بين أنهما إذا حجبا عن ذلك حطا إلى السدس، وفرض للابنة النصف، وللابنتين الثلثين، ولم تحط البنات من فريضة إلى أخرى، فيجب إدخال النقص على سهام من لم يلحقه نقص ولا حط من رتبة إلى أخرى، وتوفر نصيب من نقص وحط من رتبة عليا إلى سفلى، حتى لا يلحقه نقص بعد آخر فيكون ذلك إجحافا به. وقالوا أيضا: أجمع المسلمون على أن المرأة لو خلفت زوجا وأبوين وابنين كان للزوج الربع، وللابوين السدسين، وما بقي فللابنين، فيجب أن يكون ما بقي أيضا بعد نصيب الزوج والابوين للبنتين، كما لو كان مكانهما ابنان، لأنه (1) لا يجوز أن تكون البنتان أحسن حالا من الابنين، وهو تعالى يقول: (للذكر مثل حظ الانثيين) (2). وفي هذا الذي حكيناه عن أصحابنا نظر، والمعول على ما قدمناه وتفردنا به. وقد روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (3)، قال: جلست إلى ابن

(1) في النسخ: " أنه " والاصح ما أثبتناه.
(2) سورة النساء، الآية: 11.
(3) أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الهذلي المدني، من أعلام التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، لقي خلقا كثيرا من الصحابة، روى عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وسهل بن حنيف، وعنه أبو الزناد والزهري وغيرهما، توفي بالمدينة سنة 98 ه‍. وقيل غير ذلك. انظر: وفيات الاعيان 3: 115، الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 250، سير اعلام النبلاء 4: 475..

[ 406 ]

عباس فجرى ذكر الفرائض والمواريث. فقال ابن عباس: سبحان الله أترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا وثلثا وربعا. فقال له زفر بن الأوس البصري (1): يا بن عباس فمن أول من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب - لما التقت عنده الفرائض ودافع بعضها بعضا - قال: والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر، فما أجد شيئا هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص وأدخل على كل ذي حق حق ما دخل عليه من عول الفريضة، وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر الله ما عالت فريضة. فقال له زفر بن أوس: فأيها قدم الله وأيها أخر الله؟ فقال ابن عباس: كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلى أخرى فهو ما أخر ولها ما بقي. وأما ما قدم الله، فكل فريضة إذا زالت عن فرضها الأعلى فإلى فرض أدنى. فأما ما قدم الله فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله رجع إلى الربع لم يزله عنه شئ. والزوجة لها الربع، فإذا زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شئ، إلا أن يكن عددا فيكون ما نصيب واحدة بينهن. والأم لها الثلث، فإذا زالت عنه صارت إلى السدس لا يزيلها عنه شئ فهذه الفرائض التي قدم الله.

(1) زفر بن أوس بن الحدثان البصري المدني، يقال: أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يعرف له رواية ولا صحبة، روى عن أبي السنابل قصة سبيعة، وعنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. انظر: أسد الغابة 2: 204، تهذيب التهذيب 3: 282 / 611..

[ 407 ]

وأما ما أخر ففريضة البنات والأخوات لهن النصف والثلثان، وإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلا ما يبقى، فإذا أجمع ما قدم الله وما أخر بدئ بمن قدم الله فأعطي حقه كملا، فإن بقي شئ كان لمن أخر، وإن لم يبق شئ فلا شئ له. فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته والله (1). فأما ما يتعلق به المخالفون، من تشبيه مسائل العول بمن مات وعليه لجماعة مبالغ من المال مختلفة، وما يخلفه من المال يضيق عن جميع حقوقهم، فإنه لا خلاف في أن كل واحد من الغرماء يضرب بسهمه في التركة على قدر مبلغ حقه، فإنه لا يدخل النقصان على بعضهم دون بعض. فالجواب عنه: أن الغرماء بخلاف أهل السهام في الميراث، لان الغرماء لهم مال معين على الميت، فإن اتسعت التركة للكل يستوفى، وإن ضاقت عنه فالمال الموجود بينهم على قدر سهامهم، بخلافه، وهذه سنة جاهلية، لانهم كانوا يورثون الرجال دون النساء، وقال الله تعالى: (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (2) فبين أن الميراث يستحق بقربى الرحم، ولم يخص النساء دون الرجال. فإن عولوا في مذهبهم هذا الذي نحن في الكلام عليه على الخبر المروي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " يقسم المال على أهل الفرائض، فما تركت فلأولي ذكر قرب " (3).

(1) السنن الكبرى للبيهقي 6: 253، أحكام القرآن للجصاص 3: 22، الكافي 7: 79 / 3، تهذيب الاحكام 9 248 / 963، من لا يحضره الفقيه 4: 187 / 656.
(2) سورة الانفال، الآية: 75.
(3) صحيح مسلم 3: 1234 / 4، سنن أبي داود 3: 122 / 2898، جامع الاصول 9: 624 / 7421، كنز العمال 11: 4 / 30373. بتغيير يسير في بعض ألفاظه..

[ 408 ]

وفي خبر آخر: " ما أبقت الفرائض فلأولي ذكر " (1). وفي رواية أخرى: " فلأولي عصبة ذكر " (2). وفي رواية أخرى: " فلأولي رجل ذكر عصبة " (3). فالجواب عنه: أن هذا خبر مقدوح في روايته وطريقه بما هو معروف، ومع هذا فإنه يخالف ظاهر الكتاب الذي تلوناه، والعمل بالكتاب أولى من العمل به. وأيضا فإن ابن عباس الذي أسند هذا الخبر إليه خالف مضمون الخبر، وقوله في نفي العصبة مشهور معروف (4) وراوي الحديث إذا خالفه كان قدحا في الحديث. على أن مخالفينا في مسألة العصبة يناقضون ويخالفون الأخبار التي رووها في التعصيب، فيذهبون في بنت وأخ وأخت إلى أن للبنت النصف وما بقي فبين الأخ والأخت للذكر مثل حظ الانثيين، فقد خالفوا بهذه القسمة النص، لانه لا نصيب للأخ والأخت مع الولد. وخالفوا أيضا الاحاديث التي رووها في التعصيب، لانهم أعطوا الأخت مع العصبة الذكر، وأحاديث التعصيب تقتضي أن يعطوا البنت النصف، والباقي للأخ، لانه أولي عصبة رجل قرب، وما كان ينبغي أن يعطوا الأخت شيئا. ويخالفون أيضا أخبار التعصيب فيمن ورثته بنت وابن ابن وبنت ابن، فيشركون بين ابن الابن وبنت الابن في النصف.

(1) صحيح مسلم 3: 1233 / 2، صحيح البخاري 8: 555 / 1583.
(2) أحكام القرآن للجصاص 3: 25 - 27 - 143، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 167.
(3) سنن الدارقطني 4: 71 / 11، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 71، أحكام القرآن للجصاص 3: 143. بتغيير يسير.
(4) أحكام القرآن للجصاص 26 3، السنن الكبرى للبيهقي 6: 233، المبسوط للسرخسي 29: 157، فتح الباري 12: 19..

[ 409 ]

ويخالفون أيضا أخبارهم في بنت وأخت وعم، ويسقطون العم - وهو أولي عصبة ذكر - ويعطون الأخت. ومما يقال لهم: إذا جاز أن يكون للاخوات وهن بنات الاب الثلثان، وإذا (1) كان الابن أحق بالتعصيب من الاب، والاب أحق بالتعصيب من الاخ، وأخت الابن أحق بالتعصيب كثيرا من أخت الأخ. فإذا قالوا: إنما جعلت الاخت عصبة عند عدم الاخ. قيل لهم: يلزمكم أن تجعلوا البنت عصبة عند عدم الابن. فإن قالوا: البنت لا تعقل عن أبيها. قلنا: والاخت قد جعلتموها عصبة مع البنات وإن كانت لا تعقل. فإن قالوا: نحن نخص الحديث الوارد - بأن الذي ينفي الفرائض لأولي عصبة ذكر ويستعمله في بعض المواضع دون بعض - للادلة الموجبة لذلك. قلنا: نحن إذا سلمنا أحاديث العصبة يمكنا أن نحملها على الخصوص في بعض المواضع الموافقة لمذهبنا، كرجل مات وخلف أختين لأم، وابن أخ وبنت أخ لأب وأم، وأخا لأب، فإن الاختين من الأم فريضتهما الثلث، وما بقي فلأولي ذكر قرب، وهو الأخ من الأب، دون ابن الأخ وبنت الأخ، لانه أقرب منهما ببطن. وكذلك لو خلف الميت امرأة وعما وعمة وخالا وخالة، وابن الاخ أو أخا، فللمرأة الربع وما بقي فلأولي ذكر، وهو لا يدخل النقصان على بعض دون بعض لتساوي أحوالهم، وليس كذلك مسائل العول، لانا قد بينا أن في أصحاب الفرائض من لا يجوز أن ينقص من سهم مفروض وفيهم من هو أولى أن ينقص، فخالفت حالهم حال الغرماء.

(1) الظاهر زيادة: " وإذا "..

[ 410 ]

على أن الغرماء إذا ضاقت التركة عن استيفاء مالهم فأخذ ذلك الموجود بقدر حصصهم لا يقول أحد من الأمة أن كل واحد منهم قد أخذ جميع دينه الذي على الميت، بل يقول أخذ بعضا. ومخالفونا في مسألة العول يقولون: إن الزوج قد أخذ الربع، والابوين السدسين، والبنتين الثلثين، فيسمون الشئ بما لا يطابق معناه، وأحد لا يقول في غريم كان له ألف على الميت فأخذ مائة لضيق التركة، أنه قد أخذ ألفا. فأما ما يدعونه على أمير المؤمنين عليه السلام من أنه كان يقول بالعول، وأن سائلا سأله وهو يخطب على المنبر عن ابنتين وأبوين وزوجة؟ فقال: " صار ثمنها تسعا " (1). فالجواب: أن هذا الخبر مطعون عليه عند أصحاب الحديث مقدوح في روايه، ولو سلم من كل قدح لكان خبرا واحدا لا يوجب قطعا ولا علما. على أنه يتضمن بما لا يليق به عليه السلام، لان سائلا سأله عن ميراث المذكورين في المسألة، وأجاب عن حال الزوجة، ولم يجب عن ميراث البنتين والابوين، وإغفال ذلك غير جائز على مثله عليه السلام. وقد قيل في هذا الخبر - إن صح -: يجوز أن يكون المراد به: صار ثمنها تسعا عند من يرى العول ويذهب إليه على سبيل التهجين له والذم (2)، كما قال تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) (3) أي عند قومك وأهلك. وقيل أيضا: يجوز أن يكون أراد الاستفهام فأسقط حرفه، كما روي عن ابن

(1) تهذيب الاحكام: 9: 257، المجموع شرح المهذب 16: 94، المبسوط للسرخسي 29: 164، البحر الزخار 6: 356.
(2) أنظر: تهذيب الاحكام 9: 258.
(3) سورة الدخان، الآية: 49..

[ 411 ]

عباس في قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة) (1) في أنه أراد أفلا اقتحم العقبة؟ (2). وكما قال عمر بن أبي ربيعة (3): ثم قالوا تحبها؟ قلت بهرا * عدد القطر والحصى والتراب (4) وأراد الاستفهام فحذف حرفه استغناء بظهوره. المسألة الحادية والتسعون والمائة: " لا يرث الجد مع الولد، ولا ولد الولد وإن سفل ". هذا صحيح واليه يذهب أصحابنا والفقهاء يخالفون فيه (5). وفي أصحابنا من ذهب إلى خلافه، وأعطى الجد سهما مع ولد الولد (6)، وهو خطأ ممن ذهب إليه. والذي يدل على صحة ما ذكرناه: إجماع الطائفة عليه. وأيضا فإن ولد الولد ولد للميت، ويستحق هذه التسمية على سبيل الحقيقة،

(1) سورة البلد، الآية: 11.
(2) أنظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 20: 66 ما لفظه، وقال.... وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام.
(3) عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي القرشي، وأبو الخطاب، الشاعر المشهور، لم يكن في قريش أشعر منه، ولد سنة 23 ه‍، في الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب فسمى باسمه، وغزا في البحر فأحرقوا السفينة فاحترق في حدود سنة 93 ه‍. أنظر: وفيات الاعيان 3: 436 / 490، الاغاني 1: 28، الشعر والشعراء 348، الاعلام للزركلي 5: 52.
(4) الصحاح 2: 598، تاج العروس 10: 261، لسان العرب 4: 82. لم أجده وإنما حكى في البحر عن الناصر سقوط الجدات مع الابن ج 5 ص 341 وحكى هناك أن البنت تسقط العصبات ولم يذكر إسقاطها للجدات (ح).
(5) المجموع شرح المهذب 16: 70، حلية العلماء 6: 304، بداية المجتهد 2: 43، المبسوط للسرخسي 29: 180.
(6) من لا يحضره الفقيه 4: 208 / 705..

[ 412 ]

على ما استدل (1) عليه - بمشيئة الله وعونه - في المسألة التي تلي مسائلنا هذه. وإذا ثبت أن ولد الولد يعمهم اسهم (2) الولد، وكان الجد بلا خلاف لا يرث مع الولد، فلا يجوز أن يرث مع أولاد الاولاد وهم أولاد على الحقيقة. فإن قيل: إذا كان أولاد ولد الميت وإن سفلوا أولادا على الحقيقة، فيجب أن يكون الجد أبا على الحقيقة، لانه لا يجوز أن يكون لزيد ولد إلا وهو له والد، وإذا كان الاجداد آباء على الحقيقة كان أولاد الاولاد أولادا على الحقيقة، فيجئ من ذلك أن يكون قوله تعالى: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس) (3) متناولا للآباء والاجداد، وهذا خلاف الاجماع. قلنا: لو تركنا والظاهر لحكمنا بأن قوله تعالى: (ولابويه) يقع على الآباء والاجداد، لكن أجمعت الامة على أنه يتناول الآباء دون الاجداد، فقلنا بذلك بالاجماع، وخصصنا ظاهر الكتاب، ولا يجوز إذا خصصنا هذا الموضع بالاجماع أن نخص الظواهر التي تتناول الاولاد مع عمومها لولد الولد بغير دليل، فبان الفرق بين الامرين. المسألة الثانية والتسعون والمائة: " ولو مات رجل وخلف بنت بنت وزوجة فللزوجة الثمن كما لو ترك بنتا ". هذا صحيح واليه يذهب أصحابنا، وخالف باقي الفقهاء فيه، فذهبوا إلى أن ولد

(1) في (ط) و (د): " سندل ".
(2) كذا، والظاهر: " اسم الولد ".
(3) سورة النساء، الآية: 11. لم أجده (ح)..

[ 413 ]

البنت لا يحجبون (1). وفي بعض المتقدمين من لم يحجب بولد الابن كما لم يحجب بولد البنت، وفقهاء الاعصار إلى الآن يحجبون بولد الابن وإن سفل. والدليل على هذه المسألة بعد الاجماع المتقدم: أن ولد البنت يقع عليهم اسم الولد، كما أن ولد الابن يقع عليهم هذا الاسم، وجميع ما علق الله تعالى من الاحكام بالولد فإنه قد عم به ولد الولد، كقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) إلى قوله: (وبنات الاخ وبنات الاخت... وحلائل أبنائكم) (2). وقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن... أو أبناء بعولتهن) (3) فعم الحكم بذلك أولاد الاولاد بظاهر الاسم وعموم اللفظ. وإذا كان أولاد البنت يقع عليهم اسم الولد كوقوعه على ولد الابن، حجبوا الزوجة من الربع إلى الثمن، كما يحجب أولاد الابن. فإن قيل: ولد الولد يقع عليهم اسم الولد على سبيل المجاز لا الحقيقة. قلنا: هذا إقرار بلا برهان، وإذا وقع اسم الولد على ولد الولد فالظاهر أنه حقيقة، لان الاصل في الاستعمال الحقيقة، والمجاز طار عليها، ومن ادعى المجاز في لفظ مستعمل فعليه الدليل، لانه عادل عن الظاهر. فإن قيل: لو حلف رجل بالطلاق أن لا ولد له لم يحنث إلا أن ينويهم، فدل ذلك على أنه مجاز، فلو كانت حقيقة لحنث من غير نية. قلنا: يحنث عندنا وإن لم يكن له نية، لان اسم الولد واقع على ولد الولد حقيقة.

(1) المغني لابن قدامة 7: 93، الشرح الكبير 7: 127، اللباب في شرح الكتاب 4: 189.
(2) سورة النساء، الآية: 23.
(3) سورة النور، الآية: 31..

[ 414 ]

المسألة الثالثة والتسعون والمائة: " بنت وأخ لأب وأم فالمال كله للبنت ". هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا لا خلاف بينهم فيه، وخالف في ذلك باقي الفقهاء، فورثوا الاخ مع البنت للتعصيب (1). وكان ابن عباس رحمه الله ينكر القول في العصبة، ويذهب إلى مذهبنا فيه، وقوله في ذلك مشهور (2)، ووافقه جابر بن عبد الله الانصاري (3). وقيل: إن ابن الزبير كان يقضي بخلاف العصبة (4). قال إبراهيم النخعي أيضا - في رواية الاعمش (5) عنه - كان يذهب إلى ذلك (6). والذي يدل على أن للبنت المال كله دون الاخ الاجماع المتقدم. وأيضا فإن البنت وإن كان لها اسم النصف، فإنها تستحق النصف الآخر دون الاخ بالقربى، لانها أقرب إلى الميت من أخيه بلا شبهة، لانها تتقرب بنفسها والاخ

حكى في البحر عن الناصر أن البنت تسقط العصبات ج 5 ص 341 (ح). (1) مغني المحتاج 3: 18، السراج الوهاج: 326، المبسوط للسرخسي 29: 157، الفتاوى الهندية 6: 452، بداية المجتهد 2: 342، المغني لابن قدامة 7: 6.
(2) أحكام القرآن للجصاص 3: 26، السنن الكبرى للبيهقي 6: 233، المبسوط للسرخسي 29: 157، فتح الباري 12: 19.
(3) لم نعثر عليه.
(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 26، المحلى بالآثار 8: 268، المجموع شرح المهذب 16: 82.
(5) سليمان بن مهران الاسدي الكاهلي الكوفي، أبو محمد المعروف بالاعمش، ولد سنة 61 ه‍. وسكن الكوفة، وأصله من الري، وكان معروفا بالفضل والثقة، روى عن إبراهيم التيمي، وأبي وائل، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وعنه أبو إسحاق السبيعي، والحكم بن عتبة، وسفيان الثوري وغيرهم مات سنة 148 ه‍. انظر: تاريخ بغداد 9: 3 / 611، وفيات الاعيان 2: 400 / 271، تذكرة الحفاظ 1: 145، الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 342، تهذيب التهذيب 4: 195 / 386، رجال الطوسي: 206.
(6) السنن الكبرى للبيهقي 6: 233، المجموع شرح المهذب 16: 82..

[ 415 ]

يتقرب بالجد فقرابتها أقرب، ولا شبهة في أن من يرث بالقربى والنسب يعتبر فيه قرب القرابة. فإن قالوا: يورث الاخ بالتعصيب. قلنا: لا حجة لكم فيما ذهبتم إليه من التعصيب، وقولكم بالتعصيب خارج عن الكتاب والسنة لان الله تعالى يقول: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (1) فلم يجعل للرجال من الميراث شيئا دون النساء، ومن ذهب إلى توريث العصبة خالف هذا الظاهر وعم (2) الاخ وابن الاخ. وفي أصحابنا من حمل خبر التعصيب - إن صح - على أن المراد ب‍ " ما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر " أي أولي من ذكره الله تعالى من قرابة الميت، ويستحق بالقربى ميراثه، ويكون لفظة " ذكر " هاهنا فعلا ماضيا لا اسما كما ذهبوا إليه (3). وقد روى أبو سلمة (4) خبر أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من ترك مالا فلأهله " (5) وهذا يدل على أن خبر العصبة إنما أراد به الأهل، من غير تخصيص لذكر من أنثى.

(1) سورة النساء، الآية: 7.
(2) في النسخ: " وعمل " والظاهر ما أثبتناه. وقوله: وابن الاخ " ساقط من (ط) و (د).
(3) لم نقف عليه في المصادر المتوفرة.
(4) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني اسمه كنيته، وقيل: عبد الله، وقيل إسماعيل، كان من التابعين، روى عن أبيه، وأم سلمه، وأبي هريرة، وابن عباس، وروى عنه ابنه عمر، وعروة، والشعبي، وأبو الزناد وغيرهم، مات بالمدينة سنة 94 ه‍. وقيل 104 ه‍. انظر: تهذيب التهذيب 12: 127 / 536، تذكرة الحفاظ 1: 63، طبقات الفقهاء للشيرازي: 31، سير اعلام النبلاء 4: 287.
(5) سنن الترمذي 4: 360 / 2090، مسند أحمد 2: 450، سنن أبي داود 3: 137 / 2954، مجمع الزوائد 4: 227، نصب الراية 4: 59..

[ 416 ]

وروى أبو عمر غلام ثعلب (1) عن ثعلب (2) قال: قال ابن الأعرابي (3): العصبة جميع الأهل من الرجال والنساء، وقال: هذا معروف عند العرب مشهور (4). وقال الخليل (5) في كتاب (العين): العصبة مشتقة من الأعصاب، وهي التي تصل بين أطراف العظام، وهذا الاشتقاق يقتضي أن البنات كالبنين وأولادهن في اللحمة بالميت والاتصال به (6).

(1) محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر البغوي، المعروف بغلام ثعلب، ولد سنة 261 ه‍. أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين، ولازم ثعلبا زمانا فعرف به ونسب إليه وأكثر من الاخذ عنه، سمع من موسى بن سهل، وأحمد بن عبيد الله، ومحمد بن يونس، وروى عنه ابن مندة، والقاضي بن المنذر، وأبو الحسن الحمامي، مات سنة 345 ه‍. انظر: وفيات الاعيان 4: 329 / 638، البداية والنهاية 11: 245، تاريخ بغداد 2: 356، سير اعلام النبلاء 15: 508.
(2) أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار النحوي الشيباني بالولاء، المعروف بثعلب، ولد سنة مأتين للهجرة، كان إمام الكوفيين في النحوي واللغة، وكان ثقة صالحا مشهورا بالحفظ، سمع ابن الاعرابي، والزبير بن بكار، وروى عنه الاخفش الاصغر، وأبو بكر، وابن الانباري، وأبو عمر الزاهد وغيرهم، وصنف كتبا منها: " المصون " في النحوي، مات سنة 291 ه‍. انظر: وفيات الاعيان 1: 102 / 43، مروج الذهب 4: 284، تذكرة الحفاظ 2: 666، روضات الجنات 1: 210. (3) أبو عبد الله محمد بن زياد الكوفي المعروف بابن الاعرابي مولى بني هاشم، ولد سنة 150 ه‍. كان أحد العالمين باللغة والمشهورين بمعرفتها، وكان يحضر مجلسه خلق كثير يملي عليهم، وأخذ عن أبي معاوية الضرير والقاسم بن معن، وأخذ عنه أبو العباس ثعلب، وابن السكيت، وإبراهيم الحربي وغيرهم، ومن تصانيفه " النوادر " و " الالفاظ "، مات سنة 231 ه‍. انظر: وفيات الاعيان 4: 306 / 633، تاريخ بغداد 5: 282 / 2781.
(4) لم أقف على هذا القول في المصادر المتوفرة.
(5) أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري، منشئ علم العروض، وشيخ النحاة، ولد سنة 100 ه‍ -، حدث عن أيوب السختياني وعاصم الاحول، وأخذ عنه سيبويه، والاصمعي وآخرون، له كتب منها: " العين " في اللغة، مات سنة 170 ه‍. على المشهور بالبصرة أنظر: وفيات الاعيان 2: 244 / 220، سير اعلام النبلاء 7: 429، البداية والنهاية 10: 166.
(6) أورد الخليل لغة العصبة في كتاب العين، ولكنه لا يتفق مع ما نقله السيد (ره) في المتن لاحظ العين 1: 308 - 309..

[ 417 ]

المسألة الرابعة والتسعون والمائة: " بنت وابن ابن المال كله للبنت كما لو ترك ابنا وابن ابن ". هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا، وخالف الفقهاء كلهم فيه (1). والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم. وأيضا قد دللنا على أن البنت كالابن في تناول اسم الولد لهما على الحقيقة، وإذا كانت ولدا للمتوفى فلم يرث معها ولد الولد لنزوله عنها بدرجة، كما لا يرث ابن الابن مع الابن. المسألة الخامسة والتسعون والمائة: " خال وخالة: المال بينهما نصفان " (* *). هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا، وأبو حنيفة وأصحابه يوافقونا على توريث ذوي الارحام، إلا أنهم لا يسوون بين الخال والخالة في القسمة كما سوينا (2). وخالف الشافعي، ومالك في توريث ذوي الارحام (3).

حكى في البحر عن الناصر أن البنت تسقط العصبات ج 5 ص 341 (ح). (1) البحر الزخار 6: 342، مغني المحتاج 3: 14، أحكام القرآن للجصاص 3: 15. (* *) هذا هو المذهب للهادوية اتباع الهادي عليه السلام أنه لا يفرق بين الذكر والانثى في ذوي الارحام وذكره في البحر ولم يذكر فيه للناصر قولا ج 5 ص 355 (ح).
(2) المبسوط لسرخسي 30: 3، 19، 20، اللباب في شرح الكتاب 4: 200، حلية العلماء 6: 262، المجموع شرح المهذب 16: 56، بداية المجتهد 2: 337.
(3) المجموع شرح المهذب 16: 55، حلية العلماء 6: 261، بداية المجتهد 2: 337، الموطأ 2: 518، الجامع =.

[ 418 ]

وكان يذهب إلى توريث ذوي الارحام من الصحابة عمر بن الخطاب، وعائشة، وأبو هريرة (1). الدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد، قوله تعالى: (وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (2) وأيضا قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب) (3). فظاهر هذه الآية يقتضي توريث الإناث، وذوي الارحام قرابات فوجب توريثهم. وأيضا ما رواه سهل بن حنيف (4) عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الله تعالى ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له " (5). وأيضا ما رواه المقدام بن معديكرب (6)، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من ترك

= لأحكام القرآن للقرطبي 8: 59، المغني لابن قدامة 8: 83.
(1) المجموع شرح المهذب 16: 56، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8: 59، المغني لابن قدامة 7: 83.
(2) سورة الانفال، الآية: 75.
(3) سورة النساء، الآية: 7.
(4) سهل بن حنيف الاوسي الانصاري أبو ثابت، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثبت يوم أحد لما انهزم الناس، وصحب علي بن أبي طالب عليه السلام حين بويع له، واستخلفه على المدينة لما سار الى البصرة، وشهد معه صفين، وولاه بلاد فارس، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وزيد بن ثابت، وعنه ابناه، وأبو وائل، وابن أبي ليلى مات سنة 38 ه‍ بالكوفة. انظر: أسد الغابة 2: 364، تهذيب التهذيب 4: 220 / 439، سير اعلام النبلاء 2: 325.
(5) سنن الدارقطني 4: 85 / 53، سنن الترمذي 4: 367 / 2103، سنن ابن ماجة 2: 914 / 2737، مسند أحمد 1: 28، السنن الكبرى للبيهقي 6: 214.
(6) أبو يحيى المقدام بن معديكرب الكندي، وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كندة نزل حمص، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعاذ بن جبل، وخالد بن الوليد، وأبي أيوب الانصاري، وعنه ابنه يحيى، وخالد بن معدان، والشعبي، وشريح، مات بالشام سنة 87 ه‍. انظر: أسد الغابة 4: 411، الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 415، سير اعلام النبلاء 3: 327، تهذيب التهذيب 10: 255، الإصابة في تمييز الصحابة 3: 455 / 8184..

[ 419 ]

كلا فإلي، ومن ترك مالا فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه " (1). وأيضا ما روي من أن ثابت بن الدحداح (2) مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعاصم بن عدي (3): " هل تعلم له نسبا في العرب؟ ". فقال: يا رسول الله كان رجلا أبيا، فتزوج عبد المنذر أخته، فولدت له أبا لبابة (4). فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ميراثه لابي لبابة، وهو ابن أخته (5). وهذا يقتضي توريث ذوي الارحام. فإن احتج المخالف بما رواه أبو أمامة الباهلي: من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن الله

(1) سنن أبي داود 3: 123 / 2899، سنن الترمذي 4: 367 / 2103، نصب الراية 4: 59، جامع الاصول 9: 618 / 7408، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8: 60.
(2) ثابت بن الدحداح ويقال: الدحداحة بن نعيم بن غنم، يكنى أبا الدحداح، كان في بني أنيف أو في بني عجلان، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهد أحدا، وكان يدعو المسلمين الى نصرة دينهم بعد أن أوقع المشركون فيهم الهزيمة روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. انظر: أسد الغابة 1: 221، الاصابة 1: 191، الاستيعاب في معرفة الاصحاب 1: 195.
(3) أبو عبد الله عاصم بن عدي بن العجلان البلوي، حليف بني عمرو، سيد بني العجلان، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: لم يشهد بدرا، وهو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعويمر العجلاني فنزلت قصة اللعان، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه عامر الشعبي، وابنه، مات سنة 45 ه‍. انظر: أسد الغابة 3: 75، سير اعلام النبلاء 1: 321، تهذيب التهذيب 5: 43 / 80.
(4) أبو لبابة بشير بن عبد المنذر، وقيل: اسمه رفاعة، شهد العقبة وسار مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى بدر فرده الى المدينة فاستخلفه عليها، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعمر بن الخطاب، وروى عنه ولداه، وعبد الله بن عمر، وسالم، ونافع وغيرهم، مات في خلافة علي عليه السلام انظر: أسد الغابة 5: 284، تهذيب التهذيب 12 235 / 989، الاصابة في تمييز الصحابة 4: 168، رجال الطوسي: 9.
(5) السنن الكبرى للبيهقي 6: 215، سنن الدارمي 2: 381، أسد الغابة 5: 185..

[ 420 ]

قد أعطى كل ذي حق حقه " (1) فموضع الدليل: أن الله تعالى بين فرض من له حق في الكتاب، والعمة والخالة وغيرهما من ذوي الارحام ما ذكر فرضهم في الكتاب، فلا حق لهم. والجواب: أن الله تعالى قد بين حقهم في الكتاب - وإن كان على سبيل الجملة دون التفصيل - بقوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون) (2) الآية، وبقوله تعالى: (وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (3). فإن تعلقوا بما رواه عطاء بن سيان (4) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعي إلى جنازة رجل من الانصار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما ترك؟ " فقالوا: ترك عمته وخالته. فقال: " اللهم رجل ترك عمته وخالته " فلم ينزل عليه شئ. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا أجد لهما شيئا " (5). والجواب: أن هذا الحديث منقطع الاسناد، يضعف الاحتجاج به، وبعد: فيحتمل أن يريد به عليه السلام لا أجد (6) لهما شيئا معينا محدودا كما حدد نصيب غيرهم. ومما يجوز أن يستدل به على توريث ذوي الارحام: أن ذوي الارحام لهم

(1) سنن أبي داود 3: 296 / 3565، سنن الترمذي 4: 376 / 2120، مسند أحمد 5: 267، سنن ابن ماجة 2: 905 / 2713، السنن الكبرى للبيهقي 6: 215.
(2) سورة النساء، الآية: 7.
(3) سورة الانفال، الآية: 75.
(4) الظاهر أنه تصحيف، والصحيح - كما في سنن البيهقي - عطاء بن يسار وهو: عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني القاص، مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم روى عن معاذ بن جبل، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأبي هريرة وغيرهم، وروى عنه أبو سلمة، وعمرو بن دينار، وزيد بن أسلم مات سنة 103 ه‍. وقيل غير ذلك. أنظر: تهذيب التهذيب 7: 194 / 400، الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 173، تذكرة الحفاظ 1: 90، سير اعلام النبلاء 4: 448.
(5) السنن الكبرى للبيهقي 6: 212.
(6) في (ط) و (م): " لا أحد "..

[ 421 ]

نسب وإسلام، ولجماعة المسلمين الاسلام فقط، فذوي الارحام أحق من بيت المال لاجتماع السنن لهم (1). المسألة السادسة والتسعون والمائة: " عم وخال: المال بينهما، للعم الثلثان وللخال الثلث ". هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وورثوا العم دون الخال بالتعصيب الذي قد بينا فساده. دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد. وأيضا فإن من ورث العم في هذه المسألة دون الخال إنما اعتبر العصبة، وقد بينا فساد التعلق بالعصبة. وإذا كانت قرابة العم من الميت كقرابة الخال من الميت - لان العم أخو أبيه، والخال أخو أمه - وجب أن يورث كل واحد منهما سهم من تقرب به، فيرث العم سهم الأب وهو الثلثان، ويرث الخال سهم الأم وهو الثلث. المسألة السابعة والتسعون والمائة: " نحن نرث المشركين ونحجبهم " (* *). هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا، وروي القول بمثل مذهبنا عن معاوية بن أبي سفيان (2) ومعاذ، ومحمد بن الحنفية (3) ومسروق (4) وعبد الله بن معقل المزني (5).

(1) في (ط) و (د): " لاجماع المسلمين لهم ". لم أجده (ح). (* *) لم أجده على اطلاقه وحكى في البحر عن الناصر أن المسلم يرث من الذمي ج 5 ص 395 (ح). (2) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الاموي، أبو عبد الرحمن، أسلم يوم الفتح، وكان هو وأبوه من =.

[ 422 ]

وسعيد بن المسيب (6). وخالف باقي الفقهاء في ذلك وقالوا: إن المسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم (7). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد، وظاهر آيات المواريث في الكتاب، لانه تعالى قال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) (8) ولم يخص مؤمنا من كافر.

= المؤلفة قلوبهم، ولم يزل واليا على ما كان أخوه يتولاه بالشام خلافة عمر، فلما استخلف عثمان جمع له الشام جميعه، ولم يزل كذلك الى أن قتل عثمان فانفرد بالشام، ولم يبايع عليا عليه السلام، فكانت واقعة صفين بينه وبين علي عليه السلام مشهورة مات سنة 60 ه‍. انظر: أسد الغابة 4: 385، الاصابة في تمييز الصحابة 3: 433، تاريخ بغداد 1: 207، سير اعلام النبلاء 3: 119.
(3) أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام الهاشمي القرشي المعروف بابن الحنفية، ولد لثلاث بقين من خلافة عمر، ونشأ في كنف أبيه وشهد حروبه، وكان كثير العلم والورع، روى عن أبيه، وابن عباس، وعنه أولاده، وابن أخيه محمد، وعطاء، والمنهال، توفي سنة 73 ه‍. انظر: وفيان الاعيان 4: 169 / 559، الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 91، تهذيب التهذيب 9: 315، حلية الاولياء 3: 174.
(4) مسروق بن الاجدع بن مالك الهمداني الوادعي الكوفي أبو عائشة، من فقهاء التابعين ومن المخضرمين الذين أسلموا في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم روى عن علي عليه السلام وأبي بكر، وعمر، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب وغيرهم، وروى عنه الشعبي، وإبراهيم النخعي، ومكحول، مات سنة 62 ه‍. أنظر: تهذيب التهذيب 10: 100 / 206، أسد الغابة 4: 354، سير اعلام النبلاء 4: 63، رجال الكشي: 97، تاريخ بغداد 13: 232، طبقات الفقهاء للشيرازي 59.
(5) عبد الله بن معقل بن مقرن، أبو الوليد المزني الكوفي، تابعي ثقة من خيار التابعين، روى عن أبيه وعلي عليه السلام وابن مسعود، وعنه أبو إسحاق السبيعي، وزناد بن أبي مريم، وأبو إسحاق الشيباني وغيرهم، مات سنة 88 ه‍. انظر: تهذيب التهذيب 6: 36 / 70، سير اعلام النبلاء 4: 206.
(6) المجموع شرح المهذب 16: 58، المبسوط للسرخسي 30: 30، المغني لابن قدامة 7: 166، بداية المجتهد 2: 350.
(7) حلية العلماء 6: 262، المجموع شرح المهذب 16: 58، مغني المحتاج 3: 24، المبسوط للسرخسي 30: 30، اللباب في شرح الكتاب 4: 197، المغني لابن قدامة 7: 165 - 166، بداية المجتهد 2: 350.
(8) سورة النساء، الآية: 11..

[ 423 ]

وباقي الآيات علقت المواريث فيها بالأنساب أو الزوجية، وعمت المؤمن والكافر. وأيضا ما رواه أبو الاسود الدؤلي (1): أن رجلا حدثه أن معاذا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " الاسلام يزيد ولا ينقص " (2) فورث معاذ المسلم، وورثه معاوية بن أبي سفيان وقال: كما لا يحل لنا النكاح منهم ولا يحل لهم منا، فكذلك نرثهم ولا يرثونا. فإن تعلق المخالف بما روي عنه عليه السلام من قوله: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " (3). وبخبر آخر: " لا يتوارث أهل ملتين " (4). فالجواب عن ذلك: أن الخبر الاول إذا صح فظاهر القرآن يدفعه، وأخبار الآحاد لا يخص بها القرآن، ولو ساغ العمل بها في الشريعة. ثم يجوز أن يكون المراد به: أن مظهر الاسلام الذي لا يبطنه لا يرث الكافر،

(1) أبو الاسود ظالم بن عمرو الدؤلي البصري، ولد في أيام النبوة، وكان فقيها شاعرا قاضيا بالبصرة، وهو أول من وضع النحو بأمر علي عليه السلام وكان من أصحاب علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين عليهم السلام روى عن علي عليه السلام وعمر، ومعاذ، وأبي ذر، وابن مسعود وغيرهم، وعنه ابنه وعبد الله بن بريدة، مات سنة 69 ه‍. انظر: رجال الطوسي: 46، 69، 75، 95، تهذيب التهذيب 12: 12، العبر 1: 77، سير اعلام النبلاء 4: 81.
(2) سنن أبي داود 3: 126 / 2912، السنن الكبرى للبيهقي 6: 205، جامع الاصول 9: 604 / 7381، كنز العمال 1: 66 / 245، أحكام القرآن للجصاص 3: 36.
(3) صحيح البخاري 8: 563 / 1612، صحيح مسلم 3: 1233 / 1614، سنن أبي داود 3: 125 / 2909، سنن الترمذي 4: 369 / 2107، سنن ابن ماجة 2: 911 / 2729، السنن الكبرى للبيهقي 6: 217، أحكام القرآن للجصاص 3: 38.
(4) سنن أبي داود 3: 126 / 2911، سنن الدارقطني 4: 72 / 16، سنن الترمذي 4: 370 / 2108، سنن ابن ماجة 2: 912 / 2731، مسند أحمد 2: 178، 195، السنن الكبرى للبيهقي 6: 218، نصب الراية 3: 395 - 4: 330، أحكام القرآن للجصاص 3: 38..

[ 424 ]

وقد سمى الله تعالى مظهر الشئ باسم مبطنه، قال الله تعالى: (فتحرير رقبة مؤمنة) (1) لا خلاف بين المسلمين في أن المراد بذلك مظهر الايمان. فإن قيل: هذا يقتضي أن لا يورث مظهر الاسلام الكافر. قلنا: الخبر إنما يدل على حظر أن يرث مظهر الاسلام - من غير إبطانه له - الكافر، فأما الحكم بتوريثه فقد يجوز أن يحكم بأن أظهر الاسلام - ممن يجوز أن يكون مبطنا له، وإن كنا نجوز أن يكون باطنه خلاف ظاهره - بتوريثه للكافر على الظاهر، وإن كان لا يحل لمن يعلم من نفسه إبطان خلاف الاسلام أن يرث الكافر. فأما الخبر الثاني: فالامر فيه واضح، لان التوارث تفاعل، وإذا لم يكن من الجهتين لم يطلق عليه اسم التفاعل، ونحن نقول إن المسلم يرث الكافر ولا يرثه الكافر، فلا توارث بين الملتين (2).

(1) سورة النساء، الآية: 92.
(2) قوله: " فلا توارث بين الملتين " ساقط من (ط) و (د)..

[ 425 ]

كتاب القضاء

[ 427 ]

المسألة الثامنة والتسعون والمائة: " يقضى بشاهد ويمين المدعي إذا كان المدعي عدلا، وإلا لم يقض ". هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا. وقال الشافعي: يقضى بالشاهد واليمين في الاموال (1). وقال أبو حنيفة: لا يقضى به على كل حال (2). دليلنا بعد الاجماع المتردد: ما رواه عمرو بن دينار، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى باليمين مع الشاهد (3) قال عمرو: كان ذلك في الحقوق (4)، وروى هذا الخبر أبو هريرة، وجابر وغيرهما (5). فإن قيل: المراد بالخبر أنه قضى بيمين المدعى عليه وشاهد المدعي. قلنا: هذا تعسف شديد من التأويل، وظاهر الخبر يقتضي أن القضاء كل مجموع الشاهد واليمين، وتأثير كل واحد منهما، وعلى تأويلكم - هذا القضاء إنما يكون

حكى الامام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى أحد أئمة الزيدية في البحر الزخار ج 4 ص 404 عن الناصر: لا يعتد بيمين الفاسق مع شاهده وحجة من أجازه حكاية فعل وهي تحتمل أن الحالف مؤمن ولا يقاس عليه الفاسق للآية (ح). (1) المجموع شرح المهذب 20: 257، حلية العلماء 8: 280، المغني لابن قدامة 12: 10، أحكام القرآن للجصاص 2: 247.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 247، حلية العلماء 8: 280، المغني لابن قدامة 12: 10.
(3) سنن أبي داود 3: 308 / 3608، السنن الكبرى للبيهقي 10: 167 - 168، أحكام القرآن للجصاص 2: 249.
(4) سنن أبي داود 3: 308 / 3609، نصب الراية 4: 96.
(5) سنن الترمذي 3: 627 / 1343 و 628 / 1344 و 1345، سنن أبي داود 3: 309 / 3610، مجمع الزوائد 4: 202، نصب الراية 4: 99، جامع الاصول 1: 185 / 7682، السنن الكبرى للبيهقي 10: 169..

[ 428 ]

باليمين والشاهد لا تأثير له. على أنه قد روى في بعض الأخبار: أنه عليه السلام قضى بيمين وشاهد (1)، وهذا يسقط تأويلهم. فإن قيل: تأويل الخبر أن رجلا باع عبدا وادعى المبتاع أن به أثر عيب فوجب الرد، وذلك لا يثبت بمجرد قوله، بل يحتاج أن يشهد أهل الخبرة بذلك، ثم إن البائع ادعى أنه باع بشرط البراءة من العيب وأنكر المشتري ذلك، فالقول قول المشتري مع يمينه، فإن حلف حكم له الحاكم بالرد، وهذا الحكم إنما كان بالشاهد واليمين. قلنا: العيب لا يثبت بشاهد واحد، وإنما يثبت بشاهدين، وبعد: فإن الخبر يقتضي أنه حكم بشاهد ويمين في قصة واحدة وحكم واحد، وتأويلهم هذا يقتضي أنه حكم بالشاهد في شئ وباليمين في آخر فبطل بذلك. ويدل على ما ذهبنا إليه ما رواه جعفر بن محمد (2) عن أبيه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقضي بشهادة الشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق، وقضى بها علي عليه السلام بالعراق " (3).

(1) صحيح مسلم 3: 1337 / 3، سنن أبي داود 3: 308 / 3608، السنن الكبرى للبيهقي 10: 172، نصب الراية 4: 96، جامع الاصول 10: 184 / 7681.
(2) جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، الامام الصادق أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي المدني سادس أئمة الهدى، ولد سنة 80 ه‍. وقام بالامر بعد أبيه، وانتشر منه العلم، وأخذ الناس عنه معالم دينهم حتى بلغ تلاميذه والراوون عنه أربعة آلاف رجل، واعترف له بالفضل والعلم الخاص والعام، روى عن أبيه، وجده، وعنه مالك، وأبو حنيفة، والسفيانان وخلق كثير، توفي سنة 148 ه‍. بالمدينة ودفن في البقيع. انظر: تذكرة الحفاظ 1: 166، تهذيب التهذيب 2: 88، سير اعلام النبلاء 6: 255، العبر 1: 208.
(3) سنن الترمذي 3: 628 / 1345، سنن الدارقطني 4: 212 / 31، السنن الكبرى للبيهقي 10: 169، نصب الراية 4: 100..

[ 429 ]

وبالاسناد المقدم: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر، وعمر، وعثمان (1) قضوا بالشاهد الواحد مع يمين المدعي " (2). فإن قالوا: في الخبر الاول يحتمل أن يكون الشاهد خزيمة بن ثابت (3) الذي جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهادته بمنزلة شهادة اثنين (4). قلنا: لو كان كذلك لما استحلفه معه. فإن تعلقوا بقوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) (5) وأن هذا يمنع من الشاهد مع اليمين. وربما قالوا: إثبات الشاهد واليمين زيادة في النص، والزيادة في النص نسخ. فالجواب عن ذلك: أن الآية إنما أوجبت ضم الشاهد الثاني إلى الاول وإقامة المرأتين مقام أحد الشاهدين، وليس في الآية نفي العمل بالشاهد واليمين، لان ضم الشاهد الثاني إلى الاول أو جعل المرأتين بدلا من أحدهما أكثر ما يقتضيه أن يكون شرطا في الشهادة، وتعلق الحكم بشرط لا يدل على أن ما عداه بخلافه، لان الشروط قد تخالف بعضها بعضا وتقوم بعضها مقام بعض.

(1) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية الاموي أبو عبد الله، ولد بعد عام الفيل بست سنين، وصحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشهد المشاهد، وتولى الخلافة بعد عمر، وبقى عليها حتى قتل سنة 35 ه‍. روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر، وعمر، وعنه أولاده، ومروان بن الحكم، وابن عمر، وابن الزبير. انظر: أسد الغابة 3: 376، الاصابة في تمييز الصحابة 2: 462، المعارف: 82، رجال الطوسي: 22، تذكرة الحفاظ 1: 8.
(2) سنن الدارقطني 4: 215 / 39، السنن الكبرى للبيهقي 10: 173.
(3) أبو عمارة خزيمة بن ثابت بن الفاكه الانصاري الاوسي، من السابقين الاولين، شهد بدرا وما بعدها، وهو ذو الشهادتين، جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهادته بشهادة رجلين، وشهد مع علي عليه السلام الجمل وصفين، واستشهد في صفين سنة 37 ه‍، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه ابنه، وعمر بن ميمون، وإبراهيم بن سعد. انظر: أسد الغابة 2: 114، الاصابة في تمييز الصحابة 1: 425، رجال الطوسي 19، 40، سير اعلام النبلاء 2: 485.
(4) سنن أبي داود 3: 308 / 3607، مسند أحمد 5: 216، السنن الكبرى للبيهقي 7: 66، نصب الراية 4: 100.
(5) سورة البقرة، الآية: 282..

[ 430 ]

ألا ترى أن القائل إذا قال: (إذا زنى الزاني فأقم عليه الحد) فقد اشترط في إقامة الحد الزنا، فلا يمتنع من أن يجب عليه الحد بسبب آخر من قذف أو غيره، فتناوب الشرط في الاحكام معروف لا يدفعه محصل. وأما قولهم: إن ذلك نسخ، فليس كل زيادة في النص نسخا، وإنما يكون نسخا إذا غيرت حال المزيد عليه وأخرجه (1) من كل أحكامه الشرعية، وقد علمنا أن إقامة الشاهد واليمين مقام الشاهدين لم تغير شيئا من أحكام قبول الشاهدين، بل ذلك على ما كان عليه بأن أضيف إليه مرتبة أخرى. على أنه لو كان الامر على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة - في أن الزيادة في النص نسخ على كل حال (2) من غير اعتبار بما ذكرناه - لما جاز أن يحكم في الزيادة أنها نسخ إلا إذا تأخرت عن دليل الحكم المزيد عليه، فأما إذا صاحبته أو تقدمت عليه لم يكن نسخا، لان اعتبار تأخير الدليل في الناسخ واجب عند كل محصل، فمن أين لهم أن دليل العمل باليمين والشاهد من السنة كان متأخرا عن نزول الآية؟ وما ينكرون أن يكون ذلك مصاحبا أو متقدما؟ فإن تعلقوا بما روي من أن رجلا حضرميا ادعى على كندي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ألك بينة؟ " فقال: لا، فقال: " تريد يمينه؟ " فقال: لا، فقال: " ليس لك إلا شاهدان أو يمينه " (3). فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد إلى ذكر جميع الحجج وشرحها، ألا تراه إنه لم يذكر الشاهد والمرأتين - وإن كان ذلك حجة فيما تداعيا فيه بلا خلاف - وإنما ذكر

(1) في نسخة (ن) و (م): " وأخرجته ".
(2) فواتح الرحموت (في هامش المستصفى) 2: 92.
(3) صحيح مسلم 1: 123 / 223، سنن أبي داود 3: 221 / 3245، سنن الترمذي 3: 625 / 1340، سنن الدارقطني 4: 211 / 26، السنن الكبرى للبيهقي 10: 144، 179..

[ 431 ]

الحجة المعتادة وهي الشاهدان. على أنا نحمل الخبر على أن المراد به: ليس لك إلا شاهدان أو يمينه أو شاهد ويمينك بدليل ما ذكرناه. فإن تعلقوا بما روي عنه عليه السلام من قوله: " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " (1) فأثبت اليمين في جنبة المنكر فمن أثبتها في جنبة المدعي فقد خالف الظاهر فالجواب: أن اليمين التي أثبتها النبي عليه السلام في جنبة المنكر هي يمين على النفي، وتلك اليمين لا تثبت في جنبة المدعي، وإنما تثبت في جنبة المدعي يمين الإثبات، وهذه اليمين غير تلك، ولأنه أيضا أثبت في جنبة المدعى عليه يمينا عليه، وهذه اليمين لا تكون قط في جنبة المدعي وإنما تكون في جنبة المدعى، وإنما تكون (2) في جنبه يمين له.

(1) سنن الدارقطني 4: 218 / 51، 52، السنن الكبرى للبيهقي 10: 252، نصب الراية 4: 95، كنز العمال 6: 187 / 15282.
(2) في نسخة (م): " يكون " بدل " تكون "..

[ 433 ]

مسائل متفرقة

[ 435 ]

المسألة التاسعة والتسعون والمائة: " لا يجوز استيجار الارض بطعام معلوم الكيل ". يجوز ذلك عندنا، وإنما لا يجوز استيجارها بما تخرج من ذلك ويجوز أن لا تخرجه، وليس كذلك الطعام المضمون في الذمة. ووافق على جوازه أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي (1). وروي عن مالك كراهية استيجار الارض بتمر أو حنطة (2). وروى ابن القاسم، عن مالك: أنه لا تكترى الارض بشئ مما تنبت الارض وإن كان لا يؤكل (3) الدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر. والذي ذهب إليه مالك في كراهية ذلك لا وجه له، لانه لا فرق في استيجار الارض بالدراهم والدنانير وبين استيجارها بالحنطة والشعير، ولان عقد الاجارة يتناول منافع الارض دون ما يخرج منها، وإنما اشتبه على مالك فظن أن العقد يتناول الخارج من الارض فقال: لا يجوز ذلك لأنه يجري مجرى أن يستأجر القمح بالقمح الى أجل. [ وهو ] ليس بصحيح، لما ذكرناه من أن العقد لا يتناول الخارج من الارض وإنما يتناول المنافع.

حكى في البحر عن الناصر أنه لا يصح بحب ولم يذكر معلوم الكيل ولكن احتج له بحديث ولا بطعام مسمى ولهذا الشرط فائدة جواز الكراء بنصف الثمر أو ثلثه أو نحو ذلك مع التراضي به وحكى في البحر ثانيا عن الناصر أنه لا تصح إجارة الارض بحب معلوم وإن هذه هي المخابرة المنهي عنها ج 4 ص 38 (ح). (1) كفاية الاخيار 1: 194، المغني لابن قدامة 5: 597، نيل الاوطار 6: 10، بداية المجتهد 2: 220.
(2) الموطأ 2: 712 / 5، المدونة الكبرى 4: 541.
(3) بداية المجتهد 2: 220، المدونة الكبرى 4: 543..

[ 436 ]

المسألة المائتان: " العمرى والرقبى يجريان مجرى العارية إلا إذا قيدتا بذكر العقب ". الذي نذهب إليه: أن الرجل إذا جعل لغيره داره سكنى أو عمرى أو رقبى فان الرقبى تجري مجرى العمرى، كانت له كذلك مدة حياة المالك، ثم هي بعد موت المعطي راجعة الى ورثة المعطي، وتجري مجرى العارية والاجارة التي تملك فيها المنافع دون الرقبة. فإن قال: " هي لك ولعقبك من بعدك " كانت كذلك حياة المعطى ولم يكن لعقب المعطى البيع ولا الهبة، فإذا انقرضوا رجعت إلى المالك. قال الشافعي: إذا قال أعمرتك هذه الدار ولعقبك من بعدك، ثم انقرض هو وعقبه، انتقل ذلك إلى بيت المال كسائر الاموال التي لا وارث لها (1). وقال مالك: تعود إلى المعطي (3). وذهب الشافعي: إلى أن حكم الرقبى كحكم العمرى، وصفتها أن يقول: جعلت لك داري في حياتي فإن مت قبلي رجعت إلي، وإن مت قبلك كانت لك، يرثها منك ورثتك (3).

ذكر في البحر في العمرى ثلاث مسائل. الاولى في المؤبدة فحكى عن العترة أنها هبة. الثانية في المطلقة فحكى عن القاسمية والناصر أنها كالمؤبدة. الثالثة في المقيدة ولو بالعمر فحكى عن القاسمية أنها عارية ولم يذكر عن الناصر فيها خلافا ولا وفاقا وأما الرقبى فحكى عن الناصر أنها عارية كالمقيدة مطلقا ج 4 ص 144 - 145 (ح). (1) الام 4: 66، مغني المحتاج 2: 398، السراج الوهاج: 308، المجموع شرح المهذب 15: 393.
(2) بداية المجتهد 2: 329، المجموع شرح المهذب 15: 395، المغني لابن قدامة 6: 304.
(3) المجموع شرح المهذب 15: 392..

[ 437 ]

وقال أبو حنيفة، ومحمد: الرقبى لا تلزم وللمرقب الرجوع فيها (1). وقال الشافعي في الجديد: إذا قال أعمرتك هذه الدار، ولم يقل ولعقبك من بعدك، يكون لعقبه من بعده، ثم لبيت المال كالقسم الذي ذكرناه، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: يكون للمعمر مدة حياته، فإذا مات عادت إلى المعطي (2). وحكى أبو إسحاق المروزي (3) عن الشافعي في القول القديم مثل قول مالك (4)، وحكي أيضا عنه في القديم أن العمرى تبطل ولا يستحقها المعمر ولا عقبه (5). الدليل على صحة ما ذهبنا إليه ووافقنا عليه مالك: الاجماع المتردد ذكره. وأيضا فإن العمرى إنما هي تمليك المنافع مدة عمر المعطي، وإذا جعلها لعقبه فعلى هذا الوجه، وتمليك المنافع لا يتعدى إلى الرقبة، ولا بد أن يعود عند انقضاء المدة المضروبة إلى المالك، فكيف يجوز ما قاله الشافعي، ووافقه عليه أبو حنيفة. فإن تعلقوا بما رواه جابر من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " فإن أحدا عمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها، لا ترجع إلى الذي أعطاها، لانه أعطى عطاء وقعت فيه

(1) حلية العلماء 6: 64. حلية العلماء 6: 63، المجموع شرح المهذب 15: 391، نيل الاوطار 6: 119، مغني المحتاج 2: 398.
(2) بداية المجتهد 2: 329، حلية العلماء 6: 63، الموطأ 2: 756 / 44، نيل الاوطار 6: 120.
(3) أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي، من أئمة فقهاء الشافعية في عصره، وقد انتهت إليه رئاسة المذهب، أقام في بغداد زمنا طويلا للإفتاء والتدريس، ثم ارتحل الى مصر في أواخر عمره فتوفي بها في سنة 340 ه‍، ودفن بالقرب من تربة الشافعي. انظر: وفيات الاعيان 1: 26، طبقات الفقهاء للشيرازي: 92، تاريخ بغداد 6: 11.
(4) حلية العلماء 6: 62، نيل الاوطار 6: 119.
(5) حلية العلماء 6: 63، المجموع شرح المهذب 15: 391..

[ 438 ]

المواريث " (1). وفي خبر آخر: " لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فسبيله سبيل المواريث " (2). فالجواب عنه: أن العمرى لا ترجع إلى الذي أعطاها قبل انقضاء مدتها وترجع بعد انقضاء المدة كالاجارة، وإنما ورث الوارث هذه المنافع كما يرثون منافع الاجارة، وليس دخول الميراث فيها دلالة على ملك الرقبة دون ملك المنفعة. المسألة الحادية والمائتان: " لا يصير الدين المؤجل (3) حالا بموت من عليه الدين ". هذه المسألة لا أعرف لأصحابنا إلى الآن فيها نصا معينا فأحكيه. وفقهاء الامصار كلهم يذهبون إلى أن الدين المؤجل يصير حالا بموت من عليه الدين. ويقوى في نفسي ما ذهب إليه الفقهاء. ويمكن أن يستدل على صحته بقوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) (4) فعلق تعالى قسمة الميراث بقضاء الدين وإنجازه، فلو تأخر قضاء الدين

(1) صحيح مسلم 3: 1245 / 20، سنن أبي داود 3: 294 / 3554، سنن النسائي 6: 275، جامع الاصول 8: 167 / 6000.
(2) سنن أبي داود 3: 295 / 3556، جامع الاصول 8: 169 / 6000، كنز العمال 16: 642 / 46184.
(3) في (ط) و (د): " للرجل " بدل " المؤجل ". حكى في البحر عن الأئمة القاسم والناصر والمؤيد بالله أن الدين المؤجل لا يحل بموت من هو عليه ج 3 ص 396 (ح).
(4) سورة النساء، الآية: 11..

[ 439 ]

إلى حين حلول الاجل المضروب للدين تأخرت قسمة الميراث، وفي ذلك إضرار بالورثة. وأيضا فإن الدين لو لم يصر حالا بموت من عليه الدين لوجب أن ينتقل الحق من ذمة الميت إلى ذمة الورثة، والحق إذا ثبت في ذمة شخص لم ينتقل إلى ذمة غيره إلا برضى من ثبت له. فإن قيل: ما ذكرتموه يوجب أن خيار الشرط لا يورث، وعندكم أنه يورث. قلنا: خيار الشرط إذا أثبتناه للوارث لم يقض إلى انتقال الحق من ذمة إلى ذمة أخرى، لان الوارث إذا اختار أن يفسخ البيع أرتجع الثمن والمثمن، فلذلك جاز إثباته. ولا يجوز أن يستدل على أن الدين المؤجل يصير حالا بموت من عليه الدين بأن نقول: إن الأجل لا يثبت إلا لمن شرط له، والورثة لم يشرط لهم هذا الأجل، وذلك أن خيار الشرط يثبت للورثة وإن لم يشرط لهم، فالاستدلال بما تقدم أولى. المسألة الثانية والمائتان: " لا أرى أكل ما ذبح وهو يكيد بنفسه " (1). هذا صحيح، والحجة فيه: أن الذي يكيد بنفسه من الحيوان يدخل في عموم ما حرمه الله تعالى من الموقوذة، لان الموقوذة هي التي اشتد جهدها وتعاظم ألمها، ولا فرق بين أن يكون ذلك من ضرب لها أو من ألم يفعلها الله تعالى بها يفضي إلى موتها، وإذا دخلت في عموم هذه اللفظة كانت محرمة بحكم الظاهر.

(1) مثل هذا حكاه أبو طالب أحد أئمة الزيدية في الامالي عن الناصر ولفظه: أن البهيمة إذا كانت تكيد بنفسها لا يجوز ذبحها رواه في آخر باب الترغيب في اكتساب الخير وقال الامام المهدي في البحر ج 4 ص 309 (الناصر وبعض أصحاب الشافعي): ما ادرك وفيه حياة مستقرة بحيث يجوز أنه يعيش يوما أو يومين حل بالتذكية مطلقا لا غير مستقرة كالذي قطعت أوداجه أو نقر على قلبه أو نثر حشوه لتجويز موته بذلك لا بالتذكية فيتعارض الحظر والإباحة انتهى..

[ 440 ]

المسألة الثالثة والمائتان: " لا يحل السمك (1) الذي يصطاده ذمي وكذلك الجراد، لان ذكاتهما صيدهما ". لست أعرف لأصحابنا نصا في هذه المسألة إلى الآن فأعول عليه. ومن ذهب إلى تحريم أكل السمك والجراد إذا صادهما الذمي يعول على أن صيدهما ذكاتهما، وأن العذر قد انقطع بأن الذمي لا ذكاة له ولا تؤكل ذبيحته. غير أن الصيد ليس على الحقيقة، وإنما أجري مجرى الذكاة في الحكم لا في وقوع الاسم. وإذا وقع التحريم بتذكية الذمي وأنه لا ذكاة له فإنما يدخل في ذلك ما يكون حقيقة من الذبح وفري الاوداج ومما لا يكون حقيقة ويسمى بهذه التسمية، فجاز ألا يدخل في الظاهر، إلا بدليل. فعلى من ادعى دخول صيد الذمي للسمك والجراد تحت تحريم ذكاة الذمي فعليه الدليل، وفي هذا نظر وليس هذا موضعه. المسألة الرابعة والمائتان: " لا يجوز أكل الحمار الوحشي " (* *). عندنا أن أكل الحمار الوحشي والأهلي أيضا مباح. ولا أعرف من الفقهاء كلهم خلافا في الحمار الوحشي، وإنما خالفونا في الحمار

(1) ذكره في البحر عن الناصر ج 4 ص 303. ذكر في البحر للناصر قولين أحدهما لا يحل والقول الآخر يحل ج 1 ص 331 (ح). (* *) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 7: 118، أحكام القرآن للجصاص 4: 186 - 187، المجموع شرح المهذب 9: 6..

[ 441 ]

الأهلي (1). دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد قوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) (2). فعدد المحرمات كلها، ونفى أن يكون ما عداها محرما، ولم يذكر الحمار الوحشي ولا الأهلي. ولا يلزم على هذا الاستدلال ما أثبتنا تحريمه وإن لم يدخل في هذه المذكورات في الآية، لان ذلك إنما عدلنا عن الظاهر فيه بدليل قاهر، ولا دليل على إلحاق لحوم الحمير بالمحرمات في الآية. وأيضا قوله تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) (3) ولم يذكر لحوم الحمير. وقد بينا في غير موضع أن لفظة (إنما) تدل على نفي الحكم عما عدا ما تعلق بها، وفرقنا بين قول القائل: (له عندي درهم) وبين قوله: (إنما له عندي درهم). واستدللنا على صحة هذا الطريقة بأن ابن عباس كان يذهب إلى أن الربا يختص النسيئة (4)، واستدل على مذهبه بما روي عنه عليه السلام من قوله: " إنما الربا في النسيئة " (5).

(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 7: 118، أحكام القرآن للجصاص 4: 186 - 187، المجموع شرح المهذب 9: 6.
(2) سورة الانعام، الآية: 145.
(3) سورة النحل، الآية: 115.
(4) تقدم في المسألة الرابعة والعشرون.
(5) صحيح مسلم 3: 1218 / 102، 104، سنن ابن ماجة 2: 759 / 2257، سنن النسائي 7: 281، كنز العمال =.

[ 442 ]

وقول ابن عباس حجة فيما يتعلق باللغة، لأنا رأينا من خالف ابن عباس وناظره على مذهبه هذا لم يرد عليه ما ذهب إليه في لفظة (إنما) ولا خالفه في موجب ما علقه عليها، وإنما طعن على مذهبه من غير هذه الجهة. فصار القول بأن لفظة (إنما) تنفي الحكم عمن عدا من دخلت عليه إجماعا. المسألة الخامسة والمائتان: " إذا أخطأ الإمام في بعض أحكامه أو نسيه لم تفسد إمامته ". هذه المسألة لا تتقدر على مذاهبنا، لأنا نذهب إلى أن الامام يجب أن يكون معصوما من كل زلل وخطأ كعصمة الانبياء عليهم السلام. ولانه لا يجوز من الانبياء ولا الأئمة الكباير ولا الصغاير في أحوال النبوة ولا الإمامة ولا فيما قبلها من الزمان. وقد دللنا على ذلك في كتابنا المعروف ب‍ " تنزيه الانبياء والأئمة " وبسطناه وفرعناه. وإنما يصح تفريع هذه المسألة على أصول من لا يشترط العصمة في الإمامة، ومن لا يشرطها في الإمامة وصحتها يجب أن يقول في هذه المسألة: أن خطأ الامام

= 4: 115 / 9814، السنن الكبرى للبيهقي 6: 141. هذا لا خلاف فيه بين الامامة عندهم قريب من معنى ولاية الفقيه والعقل يحكم بأن اسقاط إمامة الامام بذلك تفويت لمصالح أهم وفتح لباب مفاسد أكبر وأضر على المسلمين لانه يتسلط عليهم الجبارون ولا قائد يدافعون به عن الاسلام وعن المسلمين والله تعالى يقول: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم) (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (ح)..

[ 443 ]

في بعض الامور إن كان كبيرا فلا بد من فساد إمامته، لان الكبائر عندهم تفسد الإمامة إذا ظهرت من الامام، وإن كان ذلك صغيرا لم يفسد إمامته. وهذا تفريع على أصل لا نذهب إليه، فلا معنى للتشاغل به. المسألة السادسة والمائتان: " يغنم ما احتوت عليه عساكر أهل البغي يضرب للفارس بفرس عتيق ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، ويسهم للبرذون سهم واحد ". هذا غير صحيح، لان أهل البغي لا يجوز غنيمة أموالهم وقسمتها كما تقسم أموال أهل الحرب، ولا أعلم خلافا بين الفقهاء في ذلك. ومرجع الناس كلهم في هذا الموضع على ما قضى به أمير المؤمنين عليه السلام في محاربي البصرة، فإنه منع من غنيمة أموالهم، فلما روجع عليه السلام في ذلك قال: " أيكم يأخذ

قال المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني أحد أئمة الزيدية في شرح التجريد في كتاب السير في باب القول في محاربة أهل البغي: ويغنم ما أجلبوا به على المحقين في عساكرهم ولم يحل سبيهم وهو قول أهل البيت عليهم السلام لا أحفظ فيه خلافا إلا ما في السير لمحمد بن عبد الله عليهما السلام ثم قال والاصل في ذلك الاخبار المروية عن أمير المؤمنين في محاربة البغي انتهى. ثم ذكر الروايات منها قوله: وروى الناصر باسناده عن أبي جعفر محمد بن علي عن آبائه عليهم السلام عن علي لما واقف أهل الجمل قال: " يا أيها الناس إني احتج عليكم بخصال ليبلغ الشاهد الغائب في حديث طويل يقول فيه لا تتبعوا موليا ليس بمحتاز الى فئة ولا تستحلوا ملكا إلا ما استعين به عليكم ولا تدخلوا دارا ولا خباء ولا تستحلوا مالا إلا ما جباه القوم أو وجدوه في بيت مالهم الخ "، فأما مسألة ما يعطى للفارس فذكرها المؤيد بالله في أواخر كتاب السير وذكر الخلاف قيل يعطى سهمين وقيل ثلاثة ولم يحك عن الناصر عليه السلام قولا وكذلك مسألة الفرق بين الفرس العتيق والبرذون لم يذكر فيها خلاف الناصر عليه السلام (ح).

[ 444 ]

عائشة في سهمه؟! " (1). وليس يمتنع أن يخالف حكم قتال أهل البغي لقتال أهل دار الحرب في هذا الباب، كما يخالف في أننا لا نتبع موليهم، وإن كان اتباع المولي من باقي المحاربين جائزا. وإنما اختلف الفقهاء في الانتفاع بدواب أهل البغي وبسلاحهم في حال قيام الحرب. فقال الشافعي: لا يجوز ذلك (2). وقال أبو حنيفة: يجوز ما دامت الحرب قائمة (3). وليس يمتنع عندي أن يجوز قتالهم بسلاحهم، على وجه لا يقع التملك له، لأن ما منع من غنيمة أموالهم وقسمتها لا يمنع من قتالهم بسلاحهم لا على وجه التملك له، كأنهم رموا حربة إلى جهة أهل الحق، فيجوز أن يرموا بها على سبيل المدافعة والمقاتلة. فأما استدلال الشافعي بقوله عليه السلام: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " (4)، فليس بصحيح، لانه إنما نفى تملك مال المسلمين وحيازته بغير طيب نفوسهم، وليس كذلك المدافعة والممانعة.

(1) تهذيب الاحكام 6: 155 / 273، علل الشرائع: 154 / 2.
(2) الأم 4: 231، المجموع شرح المهذب 19: 205، حلية العلماء 7: 618، مغني المحتاج 4: 127، السراج الوهاج: 517، المغني لابن قدامة 10: 65.
(3) الهداية للمرغيناني 2: 171، اللباب في شرح الكتاب 4: 155، حلية العلماء 7: 618، المغني لابن قدامة 10: 65.
(4) سنن الدارقطني 3: 26 / 92، مجمع الزوائد 4: 172، تلخيص الحبير 3: 45، السنن الكبرى للبيهقي 6: 100، كنز العمال 1: 92 / 397..

[ 445 ]

وقد استدل أصحاب أبي حنيفة على صحة ما ذهبوا إليه في هذه المسألة بقوله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) (1) قالوا: فأباح القتال عاما، وذلك يشتمل على قتالهم بدوابهم وسلاحهم وعلى قتالهم بدوابنا وسلاحنا، وهذا قريب. المسألة السابعة والمائتان: " لا يخالف الامام المتأخر الامام المتقدم ". هذه المسألة إنما تتفرع على غير أصولنا لأن من أصولنا أن الامام معصوم، وأنه لا يحكم بالاجتهاد الذي يجوز أن يقع الخلاف فيه، بل بالنص والعلم. وعلى هذين الاصلين لا يجوز أن يخالف الامام الثاني الامام الاول لانه إذا خالفه لا بد أن يكون أحدهما مخطئا، والخطأ لا يجوز على الأئمة حسب ما قدمناه. وقد انتهينا من الكلام على المسائل الواردة إلى الحد الذي لا تطويل فيه ولا تقليل، وأوردنا في كل مسألة على اختصار واقتصار ما يكفي في العلم بها، والاطلاع على مكنونها، والتفرقة بين صحتها وباطلها، لأنا لو قصدنا الشرح والبسط والاستيفاء (2) لخرج جواب هذه المسائل في أضعاف كثيرة لما أجبنا به، والزمان يضيق عنه، والشغل يمنع منه، وإيثار سرعة عود جواب المسائل أوجب بلوغ الغاية

(1) سورة الحجرات، الآية: 9. لم أجد وقد نصوا على أنه لا ينقض من أحكام البغاة ما وافق الحق فأما إمام الحق فلا إشكال في أن أحكامه لا تنقض وكل تصرفاته صحيحة لا تنقض إلا بما هو الحكم عنده أي عند الامام وذلك في التطبيق في مثل ما ترتب على شهادة زور أو فقدان بينة ثم تبين الحق فهذا لا إشكال فيه وكذلك التصرفات التي تختلف باختلاف الظروف والاحوال كمصالحة من حاربه الاول لأن الحال اقتضت الصلح (اه‍) (ح).
(2) في (ط) و (د) و (م) زيادة: " والاستقصاء "..

[ 446 ]

في الاختصار. ولم نورد فيما اعتمدناه إلا ما هو طريق للعلم وموجب لليقين، إلا ما استعملناه في خلال ذلك من ذكر الاخبار التي ينقلها الفقهاء ويتداولونها في كتبهم محتجين بها دون الاخبار التي تنقلها الشيعة الامامية. وإنما أوردنا هذه الاخبار وهي واردة من طريق الآحاد - ولا علم يحصل عندها بالحكم المنقول - على طريق المعارضة للخصوم والاستظهار في الاحتجاج عليهم بطرقهم واستدلالاتهم، كما فعلناه مثل ذلك في كتابنا " مسائل الخلاف "، وإن كنا قد ضمنا في ذلك الكتاب إلى الاحتجاج على المخالفين لنا بأخبار الآحاد الاحتجاج عليهم بالقياس على سبيل المعارضة لهم. فإنا لا نذهب إلى صحة القياس في الشريعة، ولا إلى ثبوت الاحكام به، وإنما تثبت الاحكام عندنا بما يوجب العلم ويثمر اليقين وقد دللنا على صحة هذه الجملة في مواضع كثيرة من كتبنا، ولو لا أن هذا الجواب عن المسائل الواردة لا تليق بذلك لذكرناه وما توفيقنا إلا بالله عليه نتوكل وإليه ننيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلواته على خيرته من بريته محمد وآله الطاهرين من عترته وسلم تسليما كثيرا.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية