الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




رسالة في المهر - الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري

رسالة في المهر

تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي
(336 - 413 ه‍) تحقيق الشيخ مهدي نجف


[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم المهر - في اللغة -: ما يلتزم الزوج بأدائه إلى زوجته حين يتم عقد زواجه بها، يقال: مهر المرأة: عين وسمى لها مهرا، ويقال: أمهرها: أعطاها المهر. وتعيين المهر للزوجة سنة بشرية قديمة، لوحظ وجودها عند أكثر الامم والشعوب، وفي أقدم الحضارات البائدة والباقية. ومهما كانت أهداف الالتزام به عند البشر: - هل هو التعبير عن قدرة الزوج على إدارة الزوجة وإعاشتها، حيث يقدم لها هذا المال، فيكشف عن امتلاكه (المهارة) التي تعني الدقة والحنكة والتدبير الامور؟ كي يحصل على الأموال؟! - أو هو إبراز لمشاعر الحب والود والغرام الصادق، بتقديم أثمن ما يمتلكه الإنسان، ليرمز الى تضحيته به على طريق مشاعره تلك؟ - أو هو توفير مالي لمستقبل الزوجة حتى تطمئن عليه، يقدمه لها الزوج، لتعيش معه بهدوء خاطر وراحة بال، حيث تجده يرفع اليد من أجلها عن أنفس ما يتنافس عليه الناس؟

[ 4 ]

- أو هو ترفيع لحرمة الأعراض، أن لا يستهان بها، ولا تبتذل بأرخص الأهواء والشهوات، بينما لها هذه العزة والكرامة؟ فمهما تكن من هذه الأسباب أو غيرها، فإن هذه العادة قد أصحبت من الملتزمات والأعراف الطيبة المحمودة عند كافة الناس، سواء أصحاب الأديان والشرائع، أم غيرهم. والديانات السماوية أقرتها، ولم تعارضها كذلك، إلآ أن الاسلام - دين الحضارة والمدينة - قد نظمها، وأضاف عليها عنصر الأهداف السامية التي يبثها في كل تعاليمه ومعاملاته... فمثلا: نجد أن المهر ربما يكون في الشريعة من غير الأموال ولا الأعيان والبضائع، وإنما مجرد أمر معنوي وفكري وأدبي مثل تعليم القران للمرأة! وقد يكون إطلاق لفظ المهر على مثل هذا خاصا بالشريعة الإسلامية. وكذلك تعليم معالم الدين، والمهارات والحرف، وغير ذلك مما يمكن التراضي به، كما يمكن توفيق تلك الاهداف معه أيضا. أما من حيث الكمية، فلم يحدد الاسلام للمهر حدا معينا من حيث الكثرة والقلة، بل المدار فيه هو رضا الزوجين، فمتى تراضيا على شئ - مهما كان - فهو المهر. وجاءت هذه الحقيقة على لسان أئمة أهل البيت عليهم السلام، بقولهم: (إن المهر ما تراضى عليه الناس). وهذ النص مطلق في ظاهر لفظه، يشمل جميع أنواع النكاح: الدائم منه والمنقطع - الذي يسمى بالمتعة -. وبالرغم من ظهوره في الإطلاق فإن بعض الفضلاء ممن عاصر الشيخ

[ 5 ]

المفيد خص هذا لنص بعقد المتعة، دون غيره من النكاح. ولم يذكر في كلام الشيخ المفيد - ولاغيره - ما يعرف به هذا الشيخ الفاضل، إلا ان الذي يظهر من كلام الشيخ المفيد هو مزيد العناية به، حيث قال فيه: ذلك الشيخ الفاضل. وهذا غلط عظيم من أمثاله، مع ما يرجع إليه من العلم والفهم... من تربى في رياض العلم، ويشار إليه فيما يفتيه من غوامض المسائل في الحلال والحرام. ويقول - في أخر الكلام -: ولا يخلو قوله من وجهين: إما ان يكون زلة منه، فهذا يقع من العلماء، فقد قال الحكيم: (لكل جواد عثرة ولكل عالم هفوة)، وأما أن يكون قدا شتبه عليه، ولو كان هذا من غيره ممن يتزيى بزي أهل العلم لظننا أن غرضه مما أجاب وأفتى به خلاف أهل العلم والفقه، وقلنا: إن مثل هذا - أكثره - يقع من جهة الاستنكاف من الرجوع فيما يشتبه عليه إلى أهل الفضل والفقه، وحاشاة أن يكون بهذه الصفة! إن تصدي الشيخ المفيد للاعتذار لذلك الفاضل بهذه العبارات يدل - بلا ريب - على أنه معترف بفضله، ويكن له التقدير والاحترام. كما أن الشيخ المفيد لم يذكر في هذا الكتاب الوجه الذي دعا هذا الشيخ الفاضل إلى ذلك القول وتخصيصه ذلك الحديث بنكاح المتعة فقط. وأظن أن الذي دعاه إلى ذلك ما وجده في بعض أحاديث الباب، من رواية محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: كم المهر - يعني في المتعة؟ فقال: ما تراضيا عليه إلى ما شاءا من الأجل. رواه الشيخ الطوسي في التهذيب (ج 7 ص 260) الحديث (52). فظاهر هذا الحديث أنه خاص بالمتعة، لقوله: (يعني في المتعة) ولذكره

[ 6 ]

(الأجل) الذي لا يكون مع النكاح الدائم. فدل على ان كفاية ما يقع عليه التراضي في المهر خاص بعقد المتعة، وبهذا الحديث تقيد الروايات المطلقة الواردة في الباب! لكن هذا ليس صحيحا، لأن التقييد بالمتعة بقوله (يعني في المتعة) إنما جاء في سؤال الراوي، ولازم ذلك أن يكون إنما خص سؤاله عن المهر في عقد المتعة؟ فلذا أجابه الإمام عليه السلام بذكر الأجل. ثم إن التقييد إنما يتحقق إذا صب الحكم - في مورد - على المقيد بحيث يكون بيانا للمطلق، ومخرجا له عن شيوعه، بأن يظهر منه عدم إرادة غير المقيد من أفراد المطلق. وليس مجرد تطبيق الحكم على المقيد كافيا في التقييد، لأن ذلك هو مقتضى الإطلاق أيضا، فلا ينافيه حتى يرفعه. والأمر في المقام، من قبيل التطبيق، حيث أن الإمام عليه السلام إنما طبق حكم المطلق، وهو كفاية ما وقع عليه التراضي، على مورد عقد المتعة الذي ورد في سؤال الراوي، وأضاف إليه ما هو لازمه من ذكر الأجل وقد ذكر الشيخ المفيد إطلاق الحديث، واستند لإثباته الى رواية اخرى جاء فيها التصريح بقوله: (الصداق كل ما تراضيا عليه في تمتع أو تزويج غير متعة). لكن لم يرد في كلامه ذكر عن ما افترضناه من احتمال التقييد، ولا الجواب عنه. ويظهر من مضون كلام الشيخ المفيد: أن الشيخ الفاضل المذكور قال بتحديد المهر بقدر معين من الدراهم.

[ 7 ]

فتصدى الشيخ المفيد لرده، منتهجا الطرق التالية: أولا: النصوص الدالة على أن المهر ما تراضى عليه الزوجان، وهي مطلقة لجميع أنواع النكاح. وثانيا: الاستدلال بالمسلمات الفقهية، الدالة على عدم تحديد كمية المهر: مثل: صحة عقد النكاح بمهر من غير الأموال - النقدين - كتعليم المرأة القرآن أو معالم الدين مما لا يقدر بثمن محدد من الدراهم. ومثل: الحكم بالزوجية لمن عقد على امرآة، ولم يفرض لها مهرا معينا، ومات قبل الدخول. وثالثا: الاستناد إلى قاعدة (الأخذ بما وافق القرآن) مدعيا أن عدم تحديد المهر هو الموافق للآية (20) من سورة النساء. ورابعا: الاستناد بما يقع عند العرف، من الاكتفاء في خطبة النكاح بذكر (ما تراضيا عليه) من دون تحديد، وهو عرف ثابت منذ زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث حصل مثله في خطبة تزويجه صلى الله عليه وآله وسلم بخديجة عليها السلام، فيما رواه الأئمة عليهم السلام فيكون هذا العرف حجة باعتبار اتصاله بعصر المعصومين عليهم السلام. وبعد أن يعتذر الشيخ المفيد لذلك الفاضل، ذكر أحاديث أخلاقية عن الأئمة عليهم السلام ترشد إلى نبذ الاستنكاف عن السؤال عما لا يعلمه الجاهل، وتحث على الطلب والتعلم، مثبتا لبعض النصوص النادرة المتون في هذا الصدد. فالكتاب يعتبر جهدا فقهيأ رائعا، ويلقى أضواء على قدرات الشيخ المفيد في محاولاته الفقهية، ويوقفنا على أدوات الاستنباط التي كانت تزاول في

[ 8 ]

طليعة عصر الاجتهاد عند الشيعة الإمامية، على يد مجلاد المذهب الإمام الشيخ المفيد قدس الله سره. ونحمد الله على توفيقه، ونسأله الرضا عنا بفضله وإحسانه وأن يتقبل منا بكرمه وجلاله، إنه ذو الجلال والإكرام. وكتب السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

[ 15 ]

رسالة في المهر تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي (336 - 413 ه‍)

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ذكرت إعجابك - أيها الاخ الفاضل - بجواب ذلك الشيخ الفاضل، حين سئل عن معنى قول الصادق عليه السلام: (ان المهر ما تراضى عليه الناس) (1)؟ أنه ورد في حديث المتعة، ووجوب المهر فيها من درهم الى عشرة دراهم دون مهر النكاح. وهذا غلط عظيم من أمثاله، مع ما يرجع إليه من العلم والفهم، إذ كان هذا القدر لا يشتبه على الجاهل الغوي، والغافل الغبي، فكيف على من تربى في رياض العلم، ويشار إليه فيما يفتيه من غوامض المسائل في الحلال والحرام. وليس في هذا الخبر من لفظة غريبة، أو معنى بديع يحتاج معه الى تفسير، إذ كان ظاهر الخبر يدل على كلا المعنيين، فليس لاحد أن يحمله

(1) روى الشيخ الكليني في الكافي 5: 378 الحديث 1، والشيخ الطوسي في التهذيب 7: 354 الحديث 4 بسنده عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المهر ما هو؟ قال: (ما تراضى عليه الناس).

[ 18 ]

على معنى واحد بلا حجة، يخطئ من حمله على المعنيين جميعا مع ورود الأثر به، وهو مستغن عن إيراد الحجج والشواهد فيه: حدثنا به الشريف الزاهد، أبو محمد، الحسن بن حمزة العلوي (1) قال: حدثنا أحمد بن محمد الدينوري (2)، عن الحسين بن سعيد (3)، عن النضر بن سويد (4)، عن موسى بن بكر (5)، عن زرارة (6)، عن أبي جعفر

(1) الحسن بن حمزة بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، أبو محمد الطبري، ويعرف المرعش. كان من اجلاء هذه الطائفة وفقهائها، قدم بغداد ولقيه شيوخنا في سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ومات في سنة ثماني وخمسين وثلاثمائة. قاله النجاشي في رجاله: 64.
(2) أحمد بن محمد بن اسحاق الدينوري، أبو العباس، روى عن الحسين بن سعيد الاهوازي وغيره، وعنه ابن عقده احمد بن محمد بن سعيد، والحسن بن حمزة العلوي وجماعة. كان حيا سنة ثلاثمائة للهجرة. انظر النجاشي: 60 في ترجمة الحسين بن سعيد الاهوازي.
(3) الحسين بن سعيد بن حماد بن مهران مولى علي بن الحسين عليه السلام، الأهوازي. شارك أخاه الحسن في كتبه الثلاثين المصنفة. وكتب بني سعيد كتب حسنة معمول عليها، أخبرنا بهذه الكتب غير واحد من أصحابنا من طرق مختلفة كثيرة منها: أخبرنا الشريف أبو محمد الحسن بن حمزة بن علي الحسيني الطبري فيما كتب الينا أن أبا العباس أحمد بن محمد الدينوري حدثهم عن الحسين بن سعيد بكتبه وجميع مصنفاته عند منصرفه من زيارة الامام الرضا عليه السلام أيام جعفر بن الحسن الناصر بآمل طبرستان سنة ثلاثمائة. قاله النجاشي في رجاله: 58 - 60 بتصرف.
(3) النضر بن سويد الصيرفي، كوفي، وثقه كل من ترجم له، صحيح الحديث، انتقل الى بغداد. عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الامام الكاظم عليه السلام. انظر النجاشي: 427، رجال الطوسي: 362.
(4) موسى بن بكر الواسطي، ممن روى عن الامام أبي عبد الله الصادق وأبي الحسن موسى عليهما السلام، له كتاب يرويه جماعة. قال الشيخ الطوسي أصله كوفي، واقفي. انظر النجاشي: 407، رجال الشيخ الطوسي: 307.
(5) زرارة بن أعين بن سنسن، أبو الحسن الشيباني، شيخ اصحابنا في زمانه ومتقدمهم، =

[ 19 ]

محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: (الصداق كل شئ تراضيا عليه في تمتع أو تزويج غير متعة) (1). وباسناده عن الحسين (2)، عن فضالة (3)، عن محمد بن مسلم (4)، عن أحدهما إنهما سئلا عن المهر ما هو؟ قال: (ما تراضى عليه الناس) (5). وروي عن أبي جعفر عليه السلام قال: (الصداق ما تراضى عليه الناس من قليل أو كثير فهو الصداق) (6).

= وكان قارئا، فقيها، متكلما، شاعرا، أديبا، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقا فيما يروبه. مات سنة خمسين ومائة. قاله النجاشي في رجاله: 175. (1) رواه الشيخ الكليني في الكافي 5: 378 الحديث 4، ولفظه (الصداق كل شئ تراضى عليه الناس قل أو كثر في متعة أو تزويج غير متعة).
(2) الحسين: هو الحسين بن سعيد الاهوازي المتقدم. قال الشيخ النجاشي في رجاله في ترجمة فضالة ما لفظه: قال لي أبو الحسن البغدادي السورائي البزاز قال لنا الحسين بن يزيد السورائي: كل شئ تراه الحسين بن سعيد عن فضالة فهو غلط، إنما هو الحسين عن اخيه الحسن عن فضالة، وكان يقول ان الحسين بن سعيد لم يلق فضالة، وان أخاه الحسن تفرد بفضالة دون الحسين. ورأيت الجماعة تروي بأسانيد مختلفة الطرق الحسين ابن سعيد عن فضالة والله أعلم.
(3) فضالة بن أيوب الأزدي، عربي صميم، سكن الأهواز، روى عن الامام موسى بن جعفر عليه السلام، وكان ثقة في حديثه، مستقيما في دينه. قاله النجاشي: 310.
(4) محمد بن مسلم بن رباح، أبو جعفر الأوقص الطحان، مولى ثقيف الأعور، وجه أصحابنا بالكوفة، فقيه ورع، صحب أبا جعنر وأبا عبد الله عليهما السلام وروى عنهما، وكان من أوثق الناس. مات سنة خمسين ومائة. قاله النجاشي: 323 - 324.
(5) روى الشيخ الطوسي في التهذيب 7: 260 الحديث 52 وص: 264 الحديث 66 بسنده عن عاصم بن حميد، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام كم المهر؟ - يعنى في المتعة - فقال: (ما تراضيا عليه الى ما شاء من الأجل).
(6) رواه الشيخ الكليني في الكافي 5: 378 الحديث 3 بسنده عن فضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام. ورواه الشيخ الطوسي أيضا في التهذيب 7: 354 الحديث 5 لفظه: (الصداق ما تراضى عليه الناس قليلا كان أو كثرا فهو الصداق).

[ 20 ]

فهذه الأخبار تنطق: بأن كل ما تراضى عليه الزوجان، من قليل أو كثير فهو المهر، لأن كمية المهر تتعلق برضاهما كائنا ما كان، ولأن الله تعالى فرض الصداق ولم يحد فيه حدا بقليل ولا كثير، فما وقع عليه رضاهما كان ذلك يسمى مهرا. أما القليل منه فهو معروف عندنا وعند من خالفنا. أما عند المخالفين، فعند مالك بن أنس (1) قال: (لا أرى أن تنكح المرأة بأقل من ربع دينار) (2). لأن ربع دينار يجب فيه القطع. وعند غيره مثل الثوري (3)، وأبي حنيفة (4) وأصحابه، أنهم قالوا: (لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم) (5).

(1) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث، أبو عبد الله الأصبحي، الحميري، المدني، امام دار الهجرة روى عن عامر بن عبد الله بن الزبير ونعيم بن عبد الله وزيد بن أسلم وغيرهم، وروى عنه الزهري ويحيى بن سعيد الانصاري ويزيد بن عبد الله وجماعة آخرين. مات سنة 179 ه‍. قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب: 10: 5، وطبقات الفقهاء: 42.
(2) المدونة الكبرى، المجلد الثاني، الجز الثالث: 223.
(3) أبو عبد الله، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الكوفي، روى عن أبيه وأبي اسحاق الشيباني، وأبي اسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وغيرهم. وروى عنه جمع كثير، منهم: جعفر بن برقان، وخصيف بن عبد الرحمن وابن اسحاق. مات سنة 161 هجرية. انظر طبقات الفقهاء: 65، وتهذيب التهذيب 4: 111.
(4) أبو حنيفة، النعمان بن ثابت الكوفي، التيمي، مولى بنى تيم الله بن ثعلبة، وقيل: إنه من ابناء فارس. أحد الأئمة الأربعة. رأى أنس بن مالك، وروى عن عطاء بن أبى رباح وعاصم بن أبي النجود، وعلقمة بن مرثد وغيرهم. وروى عنه زفر بن الهذيل وأبو يوسف القاضي، مات سنة 150 هجرية. انظر تهذيب التهذيب 10: 449 - 452.
(5) النتف في الفتاوى 1 / 295، والمبسوط للسرخسي 5: 66.

[ 21 ]

وهو أشبه بالحق، لموافقة قول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: (إني لأكره أن يكون المهر أقل من عشرة دراهم، لكي لا يشبه مهر البغي) (1). وقد صح عند مخالفينا أيضا أن المهر يكون من ثلاثة دراهم إلى عشرة دراهم (2) [ و ] هو مهر التزويج لا مهر المتعة، لأنهم لا يرون المتعة دينا، فكيف يثبتون مهر نكاح لا يرونه؟ فإذا كان الأمر هكذا فلا يبقى إلا ما قلناه، والحمد لله. دليل آخر على أن المهر يتعلق برضاهما كائنا ما كان، لا على كمية المال ومبلغه، ولا على كثرته دون قلته، أنه يقع على غير أجناس المال: الذهب والفضة والحلي، مثل أن تعلم المرأة القرآن ومعالم الدين، أو تزوجها بخاتم، أو ثوب أو سوط، أو عبد، أو أمة، أو حيوان، أو بيت، أو جهاز بيت، وما أشبه ذلك، مما هو مجهول القيمة، إذا رضيت المرأة بذلك، فقد ثبت لها مهر النكاح، ويسمى مهرا. بيان ذلك ما حدثنا به عن بريد (3)، عن أبي جعفر عليه السلام

(1) علل الشرائع 2: 501، وقرب الاسناد: 67.
(2) قال الجصاص في أحكام القرآن 2: 140: (واختلف الفقهاء في مقدار المهر، فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا مهر أقل من عشرة دراهم وهو قول الشعبي وابراهيم في آخرين من التابعين، وقول أبى حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد، وقال أبو سعيد الخدري والحسن وسعيد بن المسيب وعطاء: يجوز النكاح على قليل المهر وكثيره، وتزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب، فقال بعض الرواة قيمتها ثلاثة دراهم وثلث. وقال مالك: أقل المهر ربع دينار، وقال ابن أبي ليلى والليث والثوري والحسن بن صالح والشافعي: يجوز بقليل من المال وكثيره ولو درهم).
(3) أبو القاسم، بريد بن معاوية العجلي، عربي، روى عن ابي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام، ومات في حياة أبي عبد الله عليه السلام، وجه من وجوه أصحابنا، وفقيه أيضا، له محل عند الأئمة، وعن علي بن الحسن بن فضال، قال: مات بريد بن معاوية سنة مائة وخمسين. انظر النجاشي: 112.

[ 22 ]

قال: سألته عن رجل تزوج امرأة على أن يعلمها سورة من كتاب الله؟ فقال: (ما أحب أن يدخل بها حتى يعلمها السورة ويعطيها شيئا. قلت: أيجوز أن يعطيها تمرا أو زبيبا؟ فقال: لا بأس بذلك إذا رضيت به كائنا ما كان) (1). وفي رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال في رجل تزوج امرأة على سورة من كتاب الله ثم طلقها قبان أن يدخل بها [ بم يرجع عليها؟ ] (2)، قال: (يرجع عليها بنصف ما يعلم به مثل تلك السورة) (3) وفي رواية العلاء بن رزين (4)، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاءت امرأة الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: زوجني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من لهذه المرأة؟) فقال رجل: أنا يا رسول الله زوجنيها، فقال: (ما تعطيها؟) فقال: ما لي شئ، فقال: (لا) فأعادت، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلام، فلم يقم غير الرجل أحد، ثم أعادت. فقال رسول الله عليه السلام في المرة الثالثة (أتحسن من القرآن شيئا؟) فقال: نعم، قال: (قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن أن تعلمها اياه) (5). وفي خبر آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (أتحسن

(1) الكافي 5: 380 الحديث 4، وفي التهذيب 7: 367 الحديث 1487 (أو يعطيها).
(2) الزيادة من التهذيب.
(3) الكافي 5: 382 الحديث 14، والتهذيب 7: 364 الحديث 1475.
(4) العلاء بن رزين القلاء، ثقفي، مولى، قاله ابن فضال. وقال ابن عبدة الناسب: مولى يشكر. كان يقلي السويق، روى عن أبي عبد الله عليه السلام، وصحب محمد بن مسلم وفقه عليه، وكان ثقة وجها. انظر النجاشي: 298.
(5) رواه الكليني في الكافي 5: 380 الحديث 5، والشيخ الطوسي في التهذيب 7: 354 الحديث 1444 بألفاظ قريبة منه.

[ 23 ]

القرآن؟) قال: نعم سورة فقال عليه السلام: (علمها عشرين آية) (1). حدثنا عن سهل بن سعد، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل: (تزوجها ولو بخاتم من حديد) (2). وروي عن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة بألف درهم، فأعطاها عبدا له آبقأ وبرد حبرة بالألف التي أصدقها، فقال: (إن رضيت بالعبد، وكانت قد عرفته فلا بأس، إذا هي قبضت الثوب ورضيت بالعبد). قلت: فان طلقها قبل أن يدخل بها؟ قال: (لا مهر لها، وترد عليه خمسمائة درهم، ويكون العبد لها).
(3) وروي عن معلى بن خنيس (4)، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام - وأنا حاضر - عن رجل تزوج امرأة على جارية له مدبرة (5) قد عرفتها المرأة وتقدمت على ذلك، فطلقها قبل أن يدخل بها؟ قال: (أرى أن للمرأة نصف خدمة المدبرة، يكون للمرأة منها يوم وللمولى يوم في الخدمة، فإذا مات الذي دبرها يكون للمرأة يوم في الخدمة، وللمدبرة يوم، فإذا ماتت المرأة فقد صارت المدبرة حرة). قلت: فان ماتت المدبرة قبل الحرة لمن

(1) سنن أبي داود 2: 236 حديث 2112 عن أبي هريرة نحوه.
(2) رواه البخاري في صحيحه 7: 8 و 17 و 24 و 26، ومسلم في صحيحه 2: 1040 باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك من قليل وكثير. وابن ماجة في سننه 1: 608 الحديث 1889، وسنن الدار قطني 3: 250 الحديث 24. وغيرهم من أصحاب السنن.
(3) رواه الشيخ الكليني في الكافي 5: 380 الحديث 6، و 6: 107 الحديث 6. والتهذيب 7: 366 الحديت 1484.
(4) أبو عبد الله، معلى بن خنيس، مولى الامام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام، ومن قبله كان مولى بني أسد، كوفي، بزاز. انظر النجاشي: 417.
(5) المدبرة: هي التي يعلق عتقها بموت سيدها.

[ 24 ]

يكون ميراثها؟ قال: (يكون نصف ما تركت المدبرة للمرأة، لأنها ماتت ونصفها مملوكة لها، ويكون لورثة مولاها الذي دبرها النصف الباقي) (9). وروي عن السكوني (2)، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم السلام في الرجل يتزوج المرأة على وصيفة قال: (لا وكس ولا شطط (3)) (4). وعن رفاعة بن موسى (5)، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا تزوج الرجل المرأة عل الجارية أو الغنم، فان أعطاها الغنم وهي حوامل، أو الجارية وهي حبلى، فتولد الذي عندها (6)، ثم طلقها قبل أن يدخلها، فله نصف الغنم والأولاد، وله نصف قيمة الجارية، ونصف قيمة ولدها. فان كان دفع إليها الغنم وليس بحوامل، فحملن عندها وتوالدن، فانما له

(1) رواه الشيخ الكليني في الكافي 5: 380 الحديث 3، والشيخ الطوسي في التهذيب 7: 367 الحديث 1486 مع اختلاف في اللفظ.
(2) اسماعيل بن أبي زياد مسلم، يعرف بالسكوني الشعيري، روى عنه النوفلي. ذكره النجاشي في رجاله: 26، وذكره ابن ادريس الحلي في السرائر في فصل ميراث المجوسي قائلا: السكوني بفتح السين منسوب الى قبيلة من عرب اليمن وهو عامي المذهب بلا خلاف، وشيخنا أبو جعفر موافق على ذلك. وقال بعاميته العلامة في الخلاصة انظر تنقيح المقال 1: 127.
(3) الوكس: النقص. والشطط: الجور والظلم والبعد عن الحق. النهاية مادة (وكس، وشطط). ورواه ابن مسعود عن النبي أيضا.
(4) الجعفريات: 102 بسنده عن اسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين عليهم السلام.
(5) رفاعة بن موسى الأسدي النخاس، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، كان ثقة في حديثه، مسكونا الى روايته، لا يعترض عليه بشئ من الغمز، حسن الطريقة. له كتاب مبوب في الفرائض قاله النجاشي في رجاله: 166.
(6) في بعض النسخ: فتوالدت عندها.

[ 25 ]

قيمة [ نصف ] (9) الغنم، وليس له من الأولاد شئ. وإن كان دفع إليها الجارية، وليس بها حمل، وحملت عندها، فولدت، فانما له قيمة نصف الجارية ولا شئ له من ولدها). وروي عن عبيد بن زرارة (2)، عن الصادق عليه السلام في رجل تزوج امرأة على رقيق أو غنم، وساقهن إليها، فولدت الرقيق والغنم عندها، ثم طلقها قبل أن يدخلها، قال: فقال: (إن ساقهن إليها حين ساقهن وهن حوامل فله نصف الامهات) (3). وروي عن أبي بصير (4)، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل تزوج امرأة على بيت في دار له، وله في تلك الدار شركاء؟ قال: (جائز له ولها، ولا شفعة لأحد من الشركاء عليها) (5). ومثل هذا أكثر من أن يحصى، وفيما ذكرناه كفاية.

(1) النسخ المعتمدة خالية منها، ولكن سياق الخبر يدل على سقوطها، اضافة الى ذلك ما عليه علماؤنا الأعلام من فتوى فلاحظ.
(2) عبيد بن زرارة بن أعين بن سنسن الشيباني، روى عن أبي عبد الله عليه السلام، ثقة ثقة، عين، لا لبس فيه ولا شك، له كتاب يرويه جماعة عنه. قاله النجاشي في رجاله: 233.
(3) رواه الشيخ الكليني في الكافي 6: 106 الحديث 4، والشيخ الطوسي في التهذيب 7: 368 الحديث 1491 مع اختلاف باللفظ.
(4) أبو بصير، يحيى بن القاسم الأسدي، وقيل: أبو محمد، ثقة، وجيه، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقيل: يحيى بن أبي القاسم، واسم أبي القاسم اسحاق وروى عن أبي الحسن موسى عليه السلام. مات أبو بصير سنة خمسين ومائة. قاله النجاشي في رجاله: 440.
(5) رواه الشيخ الصدوق في الفقيه 3: 47 حديث 165، والشيخ الطوسي في التهذيب 7: 167 و 483 حديث 742 و 1943.

[ 26 ]

ودليل آخر على أن ليس للمهر حد يعقد عليه النكاح - إذا جاوزوا ذلك الحد لا ينعقد المهر، أو عقد النكاح على شئ دون بلوغ ذلك الحد لا ينعقد النكاح والمهر بخلاف السنة - إلا برضا الزوجين. هو: أن الرجل إذا تزوج امرأة، ولم يفرض لها مهرا، فطلقها أو مات عنها قبل أن يدخل بها، فلا مهر لها، وهي امرأته ترثه، ويرثها إن ماتت هي. حدثنا به عن الصادق عليه السلام (1). فلو كان للمهر حد معروف، لوجب على هذا الذي لم يفرض المهر عند عقده النكاح توفير المهر المتعارف بين الناس، وان لم يسمه عند النكاح، كما يلزم المتمتعين شروط المتعة إذا نسوا ذكر بعضها عند عقد النكاح، لأن شروط المتعة معروفة متعارفة بيننا وهذا دليل واضح. والحديث الذي روي عن الصادق عليه السلام انه قال: (ما تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحدة من نسائه، ولا زوج واحدة من بناته، على أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش، الاوقية أربعون درهما، والنش نصف الاوقية عشرون درهما) (2). فكان ذلك خمسمائة درهم، هذا (3) فهو صحيح، واعتقادنا على هذا، وبه نأخذ. وهذا الحديث لا ينقض ما ذكرناه، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعله استحبابا، بل تواضا لله تعالى، ورحمة على أمته، ليؤجر

(1) انظر ذلك في دعائم الاسلام 2: الحديث.
(2) رواه الشيخ الكليني في الكافي 5: 376 بسنده عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام، والشيخ الصدوق في معاني الأخبار: 214، والحميري في قرب الاسناد: 10 عن حماد أيضا، باختلاف يسير في اللفظ.
(3) في المستدرك: بوزننا بدل هذا.

[ 27 ]

المقتدي به، متبعا له، على سبيل الفضل والثواب، لا على سبيل الفرض والوجوب، ولو كان ذلك واجبا لما جاز المهر دون خمسمائة درهم. أما ترى لو أن رجلا تزوج إمرأة على صداق مائة درهم يلزمه أكثر منه، وانه تزوجها على السنة، ولو كان ما فعله صلى الله عليه وآله وسلم واجبا لما تزوجها هذا الذي أمهرها دون الخمسمائة على السنة، وللزمه الخمسمائة. ولما صح أن فوقه ودونه وبدله جائز كله، علمنا أنه هو على سبيل الفضل والثواب، لا على سبيل الفرض والوجوب. وجميع ما شرحناه وبيناه، من إثبات المهر قليلا كان أو كثيرا، ومن أي صنف كان، بعد رضا المرأة، فهو جائز ويسقى مهرا. فإذا لم ترض المرأة إلا بمهر كثير معدود بالغ ما بلغ، بعد رضا الزوج وإلزامه نفسه، فلها ذلك. وللزوج أن يفعل في حاله ما شاء، فقد أباح الله له ذلك في محكم كتابه. وروي عن مجالد (1)، أن عمر بن الخطاب (2) خطب الناس، فقال: لا تغالوا في صداق النساء، فانه لا يبلغني أحد ساق أكثر مما ساق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، فلما

(10) مجالد بن سعيد بن عمير بن بسطام بن ذي مران بن شر حبيل، أبو عمرو، وقيل: أبو سعيد الكوفي، روى عن الشعبي وقيس بن أبي حازم وجبر بن نوف وغيرهم، وعنه روى ابنه اسماعيل، واسماعيل بن أبي خالد، وجرير بن حازم وجماعة. مات سنة 144. انظر تهذيب التهذيب 9: (2) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أبي بكر وابي بن كعب، وروى عنه أولاده وعثمان وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، قتل سنة 23 للهجرة. انظر تهذيب التهذيب 7: 438.

[ 28 ]

نزل عرضت له امرأة من قريش، فقالت: كتاب الله أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله، قالت: فان الله يقول: (وآتيتم إحداهن قنطارأ فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا) (1) فجعل عمر يقول: كل أحد أفقه من عمر، ألا فليفعل الرجل في ماله ما بدا له (2). وهذا يوافق القرآن، وما يوافق القرآن فهو أولى بالاتباع، لقول المصطفى عليه السلام: (أيها الناس قد كثر الكذابة علينا، فأي حديث ذكر مخالف لكتاب الله فلا تأخذوا به فليس منا) حدثنا به عن أبي عبد الله عليه السلام (3). وقال الصادق عليه السلام: (ما أتاكم عنا من حديث لا يصدقه كتاب الله فهو باطل) (4). ولا أدري كيف نسي المسؤول قول الخطباء عند عقدة النكاح في آخر الخطبة: أن المهر ما تراضيا عليه. ولا يظهرون كميته ومبلغه، وهو عادة أكثر

(1) النساء: 20.
(2) ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 284، وعد الشيخ الاميني في الغدير 6: 95 لهذا الخبر طرقا والفاظا عديدة جاوزت حد التواتر فلاحظ. وذكر الزمخشري في الكشاف 1 / 491، و عبد الرزاق في المصنف 6: 160 هذا الخبر بسند آخر وبألفاظ قريبة منه.
(3) لم أعثر على لفظ الحديث في المصادر المتوفرة، وهناك أحاديث بالفاظ قريبة منها ما رواه البرقي في المحاسن والعياشي في التفسير والكليني في الكافي لفظه: عن هشام بن الحكم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبة بمنى: يا أيها الناس ما جاءكم عنى يوافق القرآن فأنا قلته، وما جاءكم عني لا يوافق القرآن فلم أقله. انظر المحاسن 1: 321 الحديث 130، وتفسير العياشي 1: 8 الحديث 1، والكافي.
(4) رواه البرقي في محاسنه 1: 221 الحديث 129، والعياشي في تفسيره 1: 9 حديث 5.

[ 29 ]

وأخبرني عن أحمد بن محمد، عن محمد بن اسماعيل، عن حنان بن سدير، عن الحسين بن المنذر، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا قوم نختلف الى الجبل، والطريق بعيد بيننا وبين الجبل فراسخ، فنشتري القطيع والاثنين والثلاثة، فيكون في القطيع ألف وخمسمائة وألف وستمائة، وألف وسبعمائة شاة، فتقع الشاة والاثنتان والثلاثة، فنسأل الرعاة الذين يجيئون بها عن أديانهم، فيقولون: نصارى، فأي شئ. قولك في ذبائح اليهود والنصارى؟ فقال لي: يا حسين هي الذبيحة، والاسم لا يؤمن عليه إلا أهل التوحيد. ثم ان حنانا لقي أبا عبد الله عليه السلام، فقال: ان الحسين بن المنذر ررى عنك أنك قلت: ان الذبيحة لا يؤمن عليها إلا أهلها، فقال عليه السلام: انهم أحدثوا - فيها شيئا. قال حنان: فسألت نصرانيا، فقلت: أي شئ تقولون إذا ذبحتم؟ فقال: نقول باسم المسيح (1). أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن الحسين ابن عبد الله بمثل معنى الأول (2). وعنه، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن الحسين ابن عبد الله قال: اصطحب المعلى بن خنيس وعبد الله بن أبي يعفور في سفر، فأكل أحدهما ذبيحة اليهود والنصارى، فامتنع الآخر من أكلها، فلما اجتمعا عند أبي عبد الله عليه السلام أخبراه بذلك، فقال عليه

(1) اخرجه الكليني في الكافي 6: 239 الحديث 2 و 3.
(2) اخرجه في الكافي 6: 239 الحديث 6، والفقيه 3: 211 الحديث 975، والتهذيب 9: 66 الحديث 280.

[ 30 ]

السلام: أيكما الذي أبى؟ فقال المعلى: أنا. فقال له: أحسنت (1). أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب عن علي ابن ابراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين الأحمسي، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قال له رجل: أصلحك الله إن لنا جارأ قصابا فيجيئ بيهودي فيذبح له، حتى يشتري منه اليهود، فقال: لا تأكل من ذبيحته ولا تشترى منه (2). وبهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب، عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن اسماعيل، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن قتيبة الأعشى، قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده، فقال له: الغنم يرسل فيها اليهودي والنصراني، فيعرض فيها العارض، فيذبح، أنأكل ذبيحته؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا تدخل ثمنها مالك، ولا تأكلها، فانما هو الاسم، ولا يؤمن عليه إلا مسلم. فقال له الرجل: فما نصنع في قول الله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) (3). فقال أبو عبد الله عليه السلام: كان أبي يقول: إنما هي الحبوب (4).

(1) أخرجه الكليني في الكافي 6: 239 الحديث 7، والشيخ الطوسي في التهذيب 9: 64 الحديث 272، والاستبصار 4: 83 الحديث 313.
(2) اخرجه الطوسي في التهذيب 9: 67 الحديث 283، والاستبصار 4: 84، والكافي 6: 240 الحديث 8. المائدة: 5.
(4) رواه الشيخ الكليني في الكافي 6: 240 الحديث 10، والشيخ الطوسي في التهذيب 9: 64 حديث 270 والاستبصار 4: 81 الحديث 300.

[ 31 ]

وبهذا؟ الاسناد عن محمد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذبائح أهل الكتاب قال فقال: والله ما يكلون ذبائحكم، فكيف تستحلون أكل ذبائحهم، انه هو الاسم ولا يؤمن عليها إلا مسلم (1). وبهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد ابن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي المغرا، عن سماعة، عن أبي ابراهيم موسى بن جعفر قال: سألته عن ذبيحة اليهود والنصارى، فقال: لا تقربوها (2). فهذه جملة مما ورد عن ائمة آل محمد صلى الله عليه وآله في تحريم ذبائح أهل الكتاب، قد ورد من الطرق الواضحة بالأسانيد المشهورة، وعن جماعة بمثلهم - في الستر والديانة والثقة والحفظ والأمانة - يجب العمل، وبمثلهم في العدد يتواتر الخبر، ويجب العمل لمن تأمل ونظر، وإذا كان هذا هكذا ثبت ما قضينا به من ذبائح أهل الكتاب والحمد لله. فأما من تعلق من شذاذ أصحابنا في خلاف مذهبنا بما رواه أبو بصير وزرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن ذبيحة أهل الكتاب فأطلقها (3). فإن لذلك وجهين أحدهما التقية من السلطان، والاشفاق على

(1) الكافي 6: 241 الحديث 16، وانظر تفسير علي بن ابراهيم 1: 163.
(2) رواه الشيخ الكليني في الكافي 6: 239 حديث 5، والشيخ الطوسي في التهذيب 9: 63 احديث 266 والاستبصار 4: 81 الحديث 299 بطريق الحسين بن سعيد عن فصاله عن أبي المغرا باختلاف يسير باللفظ. (3) ليس هذا لفظ الحديث، بل هو نقل لمعنى الحديثين الذين روا هما الشيخ الطوسي قدس =

[ 32 ]

شيعته من أهل الظلم والطغيان، إذ القول بتحريمها خلاف ما عليه جماعة الناصبية وضد لما يفتي به سلطان الزمان، ومن قبله من القضاة والحكام. والثاني ما رواه يونس بن عبد الرحمن عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذبائح أهل الكتاب، فقال: لا بأس إذا ذكروا اسم الله عزوجل، وإنما (1) أعني منهم من يكون على أمر موسى وعيسى (2). فاشترط عليه الاسم وقد بينا أن ذلك لا يكون من كافر لا يعرف المسمى ومتى سمى فانه يقصد به إلى غير الله جل وعز. ثم إنه اشترط أيضا فيه اتباع موسى وعيسى وذلك لا يكون إلا لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وآله واتبع موسى وعيسى عليهما السلام في القبول منه، والاعتقاد لنبوته، وهذا ضد ما توهمه المستضعف من الشذوذ، والله الموفق للصواب. * * * =

سره في التهذيب [ 9: 68 برقم 287 و 292 ] نصهما: الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة عن حمران قال: سمعت ابا جعفر.. وحديث أبي بصير التي تقدمت الاشارة إليه فلاحظ. (1) في الكافي (ولكني).
(2) الكافي 6: 240 - 241 حديث 14.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية