الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المسح على الرجلين - الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري

المسح على الرجلين

تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي
(336 - 413 ه‍) تحقيق الشيخ مهدي نجف


[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تمثل هذه الرسالة واحدة من بحوث الشيخ المفيد الفقهية، وخاصة في مجال الفقه المقارن الذي يتم البحث فيه مع العامة الخالفين لنا في المباني الاصولية والمناهج الفرعية و وحدات الأدلة وطرق الاستدلال بها. والشيخ يعتمد منهجه الرصين للبحث العلمي: 1 - فهو أولا - يوافق الخصم، عند ما يستدل بحديث يرويه كل بطرقه عن النبي صلى الله عليه وآله، فلا يجابهه الشيخ بإنكار الرواية وردها كما لم يعارضه بإنكار مبناه في الاعتماد على أخبار الآحاد، التي لا يعترف الشيخ بحجيتها. فهو يقول للخصم: (أنا أسلم لك العمل بأخبار الآحاد تسليم نظر وإن كنت لا أعتقد ذلك) ووجهته في هذا التصرف ما ذكره. يقوله: (استظهارا في الحجة) يعني إذا ألزمه على مبناه وأبطل مستنده كان ذلك أنجع في الحجة و أحكم في الإلزام. ويقول له أيضا: (نحن سلمنا حديثك، وما رويناه قط، ولا صححه أحد

[ 4 ]

منا، ثم كلمناك عليه... وقد كان يسعنا دفع حديثك في أول الأمر) ويطلب منه الانصاف واتباع نفس الطريقة فيقول: فينبغي لك أن تنصف وترضى لغيرك بما ترضاه لنفسك). وبهذا قرر الشيخ المفيد واحدة من (آداب البحث والمناظرة).
2 - وهو ثانيا ينبه الخصم على عدم صحة (الانتقال في المناظرة) وأصل (الانتقال) هو: ترك الدليل الاول، والاعتراض بشئ أخر. فالمفروض في البحث العلمي أن يكمل المستدل دليله الأول، ويخرج عن عهدته، بجميع فروضه ونقوضه وما يرد عليه، ثم يتركه الى غيره. وقد ذكر الشيخ - بكل هدوء - أمثلة لهذا الانتقال، وأوضح عدم صحته، وبين ما وقع من المستدل من ذلك. ثم إن الشيخ تصدى لرد الخبر الذي استدل به الخصم وهو المنسوب الى النبي صلى الله عليه وآله من قوله: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) بعد أن غسل رجليه في ذلك الوضوء. وقد رده الشيخ بوجهين: 1 - بتحليل الخبر على أساس من ألفاظه ومفرداته، فقال ما معناه: إن اسم الاشارة (هذا) يدل على أن الحكم المذكور وارد على المشار إليه المعين بالإشارة، فالحكم مختصن بما صدر من الرسول صلى الله عليه وآله في تلك القضية والواقعة، ولا يسرى الى غيره، لأن التعدي بحاجة الى دليل من عقل وليس هناك دليل عقلي عليه، وليس هذا أيضا محلا للقياس، لأن اللفظ (هذا) يدل على الخصوصية في المستعمل فيه فلا يمكن شمول غيره. وإذا كان لفظ (هذا) إشارة الى خصوص ما صدر منه في هذا المورد، سواء

[ 5 ]

كان ما وقع منه - من غسل الرجل - جزءا للعمل أو خارجا منه لضرورة التطهير مثلا، كما إذا كانت الرجل محتاجة الى الغسل لإماطة نجاسة ظاهرية أو مانع عن مسح البشرة، ونحو ذلك فان عمل الغسل ودخوله في خصوص هذا العمل لا يدل على دخوله في خصوص فرض الوضوء، لانه أعم كما ذكرنا. ثم إن اطلاق كلمة (الوضوء) على مجموع ما هو داخل في فرض الوضوء، وما هو خارج عنه، باعتبار الجموع أمر متعارف، وفيه من المسامحة العرفية ما هو متداول، لان اللوازم القريبة والمقدمات اللازمة التي يتوقف عليها العمل، تدخل في التعبير به، للمناسبة اللغوية، وإن لم تكن داخلة في حقيقة لفظه.
2 - بالنقض على الخبر، بالاخبار التى تدل على عدم اشتراط غسل الرجلين في الوضوء. وقد نقل الشيخ المفيد تلك الاخبار الناقضة من طرق المخالفين لتكون أتم في الحجة على الخصم وإلزامه بما يلتزم هو به. ثم إن الخصم عمد الى رواية نسبها الى أمير المؤمنين على عليه السلام، و فيها: (انه توضأو مسح على رجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث) وجعلها دليلا على رأيه القائل بأن الغسل واجب في الوضوء، وذلك لأن قوله: (من لم يحدث) معناه: من لم يصدر منه الحدث الناقض للطهارة، فيكون الوضوء المجرد من غسل الرجل، والمحتوى على مجرد المسح وضوءا غير رافع للحدث. ورد الشيخ المفيد بأن ظاهر الرواية: أنه أخبر عن أن الوضوء المشتمل على مسح الرجلين هو الوضوء الذي لم يتغير ولم يدخله إحداث أو تغيير، فيكون الوضوء بغسل الرجلين وضوءأ محدثا مبتدعا، حيث لم يجئ به كتاب ولا

[ 6 ]

سنة، فكان الغاسل بدلا عن المسح محدثا بدعة في الدين. والدليل على صحة هذا التأويل - دون الأول -: انعقاد إجماع الامة على صحة وضوء من أحدث إذا أتى به من لم يحدث، كالمتوضئ تجديدا، وعلى أن من لم يحدث فليس له وضوء خاص به. ثم إن هذا التأويل الثاني، إذا لم يكن متعينأ معلوما، فهو - على الأقل احتمال مفروض في الرواية - وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال على الاحتمال الأول. وهذه الرسالة على صغرها تحتوى على آراء عديدة للشيخ المفيد، هي:
1 - عدم الاعتقاد بالعمل بأخبار الآحاد.
2 - الالتزام بخصوصية المعنى المستعمل فيه الحرف.
3 - أن المجازات يحتاج صحتها الى مناسبات لغوية.
4 - رأيه في تأويل الاخبار وما يصح منه وما لا يصح.
5 - التزامه بالوضوء التجديدي لمن كان على طهارة.
6 - مضافا إلى توضيحه بمعى قواعد المناظرة وآداب البحث وتطبيقها في بحثه هذا. وصدر الرسالة يدل على أن مجلس الشيخ المفيد كان مفتوحأ أمام المخالفين وعلمائهم، ليحضروا ويطرحوا آراءهم بكل حرية، فمثل الشيخ النسفي - (ت 414) الذي كان في عمر الشيخ المفيد - يحضر هذا المجلس ويدخل مع الشيخ المفيد غمار المناقشات العلمية، كما عرفنا. وقد صرح ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية) بهذا حيث قال: (و كان له - أي للشيخ المفيد - مجلس يحضره خلق كثير من العلماء من سائر

[ 7 ]

الطوائف). وهذا يدل على انفتاح علمي، وسمو في روح التعامل الفكري، مضافا إلى ما يستتبعه من إثارة المناقشات العلمية والفكرية المؤدية الى نمو المعرفة و نشرها، وتركيز الحق وتعميقه ووضوحه على المستوى الخاص والعام. كما يدل على الاستعداد التام لدى الشيخ المفيد لخوض بحار العلوم وفي المجلس العام، وهو الأمر الذي يستكشف بوضوح من خلال مناظراته ومجالس بحثه المسجلة، والتي جمع طرفا منها تلميذه السيد الشريف المرتضى في كتاب (الفصول المختارة). والله ولي التوفيق. وكتب السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

[ 8 ]

الصفحة الأولى من نسخة الأصل

[ 9 ]

الصفحة الأخيرة من نسخة الأصل

[ 10 ]

الصفحة الأولى من النسخة (ج)

[ 15 ]

المسح على الرجلين تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي (336 - 413 ه‍)

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ رب يسر ] سأل بعض أهل مجلس الشيخ أبي عبد الله، محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه، أبا جعفر المعروف بالنسفي العراقي (1). فقال له: ما فرض الله تعالى من الوضوء في الرجلين؟ فقال: غسلهما. فقال: ما الدليل على ذلك؟ فقال: قول النبي عليه السلام، وقد توضأ، فغسل وجهه، وغسل ذراعيه، ومسح برأسه وغسل رجليه، وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) (2). فقال له السائل: ما أنكرت على من قال: انه لا حجة لك في الخبر،

(1) أبو جعفر، محمد بن احمد بن محمود النسفي، القاضى. كان من أعيان فقهاء الحنفية، أخذ الفقه عن أبي بكر الرازي. توفى سنة أربع عشرة وأربعمائة (414 ه‍). المنتظم 8: 15، الجواهر المضية في طبقات الحنفية 2: 24، وهدية العارفين 2: 62.
(2) لا أعلم لهذا الحديث بهذا اللفظ في الكتب الحديثية موضعا.

[ 18 ]

لانه من أخبار الآحاد، لا يوجب علما ولا عملا فقال له أبو جعفر: أخبار الآحاد عندي موجبة للعمل، وإن لم تكن موجبة للعلم. وأنا إنما أبني الكلام على أصلي دون أصل المخالف. وتردد الكلام بينه وبين السائل في هذا المعني ترددا يسيرا. فقال الشيخ أبو عبد الله رضي الله عنه: أنا أسم بك العمل بأخبار الآحاد تسليم نظر، وإن كنت لا اعتقد ذلك، استظهارا في الحجة، وأبين أنه لا دليل لك في الخبر الذي تعلقت به، على ما تذهب إليه من فرض غسل الرجلين في الوضوء. وذلك: أن قول النبي عليه السلام - إن صح عنه -: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) مختص الحكم بذلك الوضوء الذي أشار إليه بقوله: (هذا) دون ما عداه من غيره، أو فعل نفسه؟ فالحكم بايجاب ذلك، في أفعال غيره وأفعال نفسه، لما بعد، حكم جائز لا حجة عليه. فلم يبين أبو جعفر معنى هذا الكلام، وقال - على ظن منه خلاف المراد فيه -: الوضوء إسم للجنس المشروع منه، والتعلق بحكمه على العموم حقيقة لامجاز. فقال له الشيخ: هذا كلام من لم يتأمل معنى ما أوردته عليه، وليس العبارة بالوضوء، عن جنس مشروع يمنع مما ألزمتك في التعلق بقول النبي عليه السلام، وثبت أن حكمك به على كل وضوء يحدث ليس بمأخوذ من حقيقة الكلام، وإنما هو دعوى لا تثبت إلا ببرهان بناء في الخبر (1)، ويكون خارجا عنه.

(1) كذا، ولعل الصحيح: (ينافي الخبر).

[ 19 ]

وذلك: أن قول النبي عليه السلام (هذا) لا يقع على معدوم، ولا الاشارة به إلا إلى موجود. وإذا كان الأمر على ما ذكرناه، وجب أن يختص حكمه بنفس ذلك الوضوء الذي أشار إليه النبي عليه السلام، ويكون المراد بالصلاة المذكورة معه ما يقام به دون ما عداها. فمن أين يخرج منه أن ما سوى هذا الوضوء مما يتجدد بفعل النبي عليه السلام؟ أو يكون وضوءا لغيره؟ فحكمه حكمه؟ بقياس عليه، أو بحجة تعقل، أو بمفهوم اللفظ. وإذا لم يكن للقياس في هذا مجال، ولا للعقل فيه مدخل، ولم يفده اللفظ، لم يبق الا الاقتراح فيه، والدعوى له بغير برهان. فقال أبو جعفر: قد ثبت أنه إذا كان حكم وضوء النبي عليه السلام ذلك، وأن الله تعالى لا يقبل صلاته إلا به، وجب أن يكون حكم غيره كحكمه فيه، إذ ليس في الامة من يفرق بين الامرين، فزعم أن للنبي صلى الله عليه وآله وضوءا على انفراده، وللامة وضوء على حياله. فقال الشيخ: هذا ذهاب عن وجه الكلام الذي أوردناه عليك، مع استئنافك إياه، وانتقالك عما كنت معتمدا عليه في الخبر، ويكفي الخصم من خصمه، والنظر أن يضطره الى الانتقال عن معتمده الى غيره، وإظهار الرغبة الى سواه. والذي بعد فان الذي طالبناك به هو أن يكون قوله عليه السلام (هذا وضوء) إشارة الى ذلك الشئ الواقع دون غيره من أمثاله. ولم نسلم لك أن المراد به كل وضوء يحدثه النبي عليه السلام في مستقبل الأوقات فيبنى الكلام على ذلك، ويستدل على مذهبك فيه بما

[ 20 ]

خرجته من الاجماع، فيجب أن تأتي بفصل مما ألزمناك، والا فالكلام عليك متوجه مع انتقالك من دليل الى دليل للاضطرار دون الاختيار. فقال: هذا لا معنى له، لأنه لم يكن النبي عليه السلام في حال من الأحوال، قد أمر بوضوء لا يقبل الله صلاته إلا به، ثم نقل عنه الى غيره، وإذا ثبت ان العبادة له كانت بوضوء استمر على الأحوال والأوقات، لم يلزم ما أدخلت علي من الكلام. فقال الشيخ رحمه الله: وهذا أيضا مما لم يتأمل، وسبق الى وهمك منه ما لم نقصده في الالزام، وذلك انا لم نرد بما ذكرناه في تخصيص وضوء النبي عليه السلام الواقع منه في تلك الحال ما قدرت من أنه كان مفروضأ عليه غسل الرجلين للوضوء دون ما سواه، وإنما أوردنا ذلك على التقدير. فما أنكرت أن يكون غسل النبي عليه السلام رجليه في ذلك الوضوء لإماطة نجس كان بهما، ففعل ذلك لما ذكرناه، دون إقامة فرض الوضوء للصلاة على انفراده مما سميناه، فيكون قوله عليه السلام حينئذ: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) مختصا بذلك الوضوء الذي دخل فيه فرض إماطة النجاسة عن الرجلين، دون ما عداه، وهذا خلاف ظنك الذي أطلت فيه الكلام. فقال أبو جعفر: هذا أيضا غير لازم، اماطة (1) النجاسة لا يطلق عليها وضوء شرعي، وقول النبي عليه السلام: (هذا وضوء) لفظ شرعي يخص نوع الوضوء دون ما عداه. فقال له: الأمر كما وصفت من أنه لا يطلق لفظ الوضوء إذا انفرد

(1) أي ازالة النجاسة. انظر مجمع البحرين 4: 274 مادة (ميط).

[ 21 ]

ذلك مما سواه، لكنه ما أنكرت أن يطلق ذلك على الوضوء المشروع إذا فعل في جملته اماطة نجاسة عن الجسد أو الابعاض (1)، [ و ] لو لم تمط في حال الوضوء أو معه، ووقعت على الانفراد لم يطلق عليها ذلك، فيكون للاتصال من الحكم ما لا يكون للا نفصال، ويكون الاشارة بقوله: (هذا وضوء) الى أكثر الأفعال التي وقعت مما هي وضوء في نفسه، وإن يتخللها ما لا يسمى على الانفراد وضوءا، وهذا معروف في لغة العرب لا يتناكره منهم اثنان. ألا ترى أنهم يسمون الشئ باسم مجاوره، يستعيرون فيه اسم ما دخل في جملته، ويعبرون عنه بحقيقة اللفظ منه وإن تخلل أجزاءه ما ليس منه، ولا خلاف مع هذا بينهم أن السمات قد تطلق على الأشياء بحكم الأغلب، ويحكم عليها بالغلبة وان كان فيها ما ليس من الأغلب، وهذا يبين عن وجه الكلام عليك، وأنك ذهبت عنه مذهبا بعيدا. فقال: لو جاز أن يعبر عن إماطة النجاسة عن الرجل بالوضوء لجاز أن يعبر عن إماطتها عن الثوب بذلك، ويعبر عن السترة في الصلاة بذلك، ويعبر عن التوجه والقبلة بالوضوء، لأن الصلاة [ لا تتم إلا بذلك كما ] (2) لا تتم إلا باماطة النجاسة عن القدمين وغيرهما من الجسد، وهذا ما لا يقوله أحد. فقال الشيخ رضي الله عنه: هذا أيضا كلام على غير ما اعتمدناه، ولو تأملت ما ذكرناه لأغناك عن تكلف هذا الخطاب، وذلك أنا لم نقل أن إماطة النجاسة عن القدمين بغسلهما يقال لها وضوء، ولا حكمنا ان النبي

(1) في نسخة (ج) الانقاص.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

[ 22 ]

عليه السلام قصد ذلك بقوله: (هذا وضوء) ولا عناه، وإنما قلنا إنه عنى الوضوء المشروع مع دخول ما ليس من جنسه ونوعه. وليس كذلك غسل الثوب، لأنه لا يدخل في جملة الوضوء، ولا يتخلل أجزاء الفعل منه، ولو اتفق دخوله بالعرض، وتخلل أجزاء الفعل منه لا سيما على أصلك في ترك موالاة الوضوء، لم يجز أن يعبر عن الوضوء وعنه جميعا بالعبارة عن الوضوء المطلق، كما عبر بذلك عن غسل الرجلين، لما ذكرناه في الفرض من قبل أن لفظ الوضوء في اللغة إنما هو موضوع على تنظيف الجسد، وتحسينه دون غيره، ولذلك قيل: فلان وضئ الوجه، ولم يقولوا: فلان وضئ الثوب، وإن كان الثوب في نفسه، حسنا. فلا ينكر استعمال العبارة فيما ليس بوضوء شرعي مع الوضوء الشرعي، بما وضعت له عبارة الوضوء في الأل، من التحسين للجسد، والتنظيف له. بل لو استعملت هذه العبارة في تنظيف الجسد المفرد من الوضوء الشرعي لكانت جارية على الأصل من اللغة، فكيف إذا وضعت في موضوع الشرع واللغة، وقصد بها ما هي موضوعة له في الشريعة، مع ما تخلله مما يطلق عليه في اللغة، فأما السترة في الصلاة، والتوجه، والقبلة، والنية فليس من هذا في شئ لأمرين: أحدهما: أن كل واحد من هذه لا يتخلل أجزاء الوضوء. والثاني: أنه مما لا يطلق عليه هذه العبارة في مجاز اللغة. * * *

[ 23 ]

فصل فاقتضى بعض الحاضرين الموافقة لأبي جعفر على الانتقال فقال الشيخ رحمه الله: أما الانتقال من أبي جعفر فكثير في هذا المجلس، وأصل الانتقال منه تركه الخبر جانبا (1) الى الاستدلال من مقتضى الخبر، فليسأل عن التعلق بالظاهر منه بعد اعتماده، ثم تركه جانبا الى غيره. فقال أبو جعفر: ليس هذا نقلة عندي، لأنني إنما صرت الى ما صرت إليه عند الزيادة على ما لم يرد في السؤال الأول. فقال الشيخ رضي الله عنه: سواء انتقلت بالزيادة أو بغيرها، فقد خرجت عن حد النظر، وأظهرت الرغبة عما كنت عليه لضعفه عندك، ولجأت الى غيره. وبعد: فكيف نقلتك الزيادة التي تدعيها؟ وإنما طولت بوجه البرهان من الخبر فرمته، فلما لم تجد إليه سبيلا عدلت الى سواه، وهو أنك جعلت قول النبي: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) حكما ساريا علي، فلما بينا بطلان ذلك جعلته خاصا للنبي عليه السلام في وضوء بعينه. فان كنت أجبت السائل عن مسألة عامة فاعتمادك [ على ] خاص الجواب باطل، وان كنت أجبته عن خاص من سؤاله، فقد عدلت عما اقتضاه السؤال بالاتفاق.

(1) في نسخة (ج) خائبا.

[ 24 ]

فقال أبو جعفر: ليس لأحد أن يمنع المجيب عن سؤال عام بجواب خاص ودليل مختص، ولا يعنته (1) بذلك، إذا بنى كلامه فيما يسرى (2) الى العموم عليه. فقال الشيخ رحمه الله: فهذا لو بدأت به أولا كانت لك حجة شبهة (3) وان سقطت، ولكنك لم تفعل ذلك، بل أجبت بجواب عام، فقلت: فرض الله في الأرجل على العموم الغسل، ثم دللت (4) على ذلك عند نفسك بظاهر لفظ النبي عليه السلام فإذا (5) طعنا في دليلك، فركنت (6) الى التعويل على وضوء واحد للنبي عليه السلام، وضممت الى ذلك الاجماع بحسب ما توهمت من إلزامنا لك، فبينا لك خلافه. وبعد، فما الفرق بينك وبين من سئل عن مسألة في شئ مخصوص فأجاب عن غيره؟ ثم دل على شئ سوى ما أجاب به، واعتمد في ذلك؟ فان قال: انما فعلت ذلك لابني عليه ما يكون جوابأ للسؤال فلم يأت بفصل يذكر. * * *

(1) في (ج) يعيبه.
(2) في (ج) يرى.
(3) ليس في نسخة (ج).
(5) في نسخة (ج) فتركها.
(5) في الأصل: دلك.
(6) في الاصل: فانا.

[ 25 ]

ثم قال الشيخ رضي الله عنه: وفرغنا من الكلام على خبرك، ونحن نقابلك بالأخبار التي رواها أصحابك في نقيضه، لنستوي في الكلام معك من هذا الوجه أيضا فما تصنع فيما رواه أصحاب الحديث عن النبي عليه السلام انه (قام على سباطة (1) قوم قائما، ثم استدعى ماء، فجاءه بعض أصحابه باداوة فيها ماء، فاستبرأ، وغسل وجهه وذراعيه، ومسح برأسه، ومسح برجليه وهي في النعلين) (2). وكيف تجمع بين هذا الحديث، وبين مذهبك في أن من لم يغسل رجليه في الوضوء لم يقبل الله صلاته حسب ما رويته في حديثك؟ بل كيف تصنع فيما رواه أصحاب الحديث في نفس حديثك: (ان النبي صلى الله عليه وآله توضأ بالماء ثلاثا ثم غسل رجليه وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به). فقال أبو جعفر: هذان الحديثان لا أعرفهما هكذا، وإنها روينا أن النبي صلى الله عليه وآله بال في سباطة قوم ثم توضأ (3).

(1) السباطة - بضم السين - ملقى الكناسة، الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ وما يكنس من المنازل. النهاية 2: 335 مادة (سبط).
(2) روى مسلم في صحيحة 1: 228 الحديث 73 - 75 عن حذيفة قال: كنت مع النبي (ص) فانتهى الى سباطة قوم فبال قائما، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى تمت عند عقبيه، فتوضأ فمسح على خفيه. وفي الحديث 75 قال: فغسل وجهه ويديه، ومسح براسه، ثم مسح عل الخفين.
(3) تقدم مصدره.

[ 26 ]

وروينا أنه توضأ بالماء ثلاثا وقال: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء خليلي إبراهيم) (1). فقال له الشيخ رحمه الله: ينبغي لك أن تصف وترضى لغيرك بما ترضاه لنفسك. نحن سلمنا حديثك وما رويناه قط، ولا صححه أحد منا، ثم كلمناك عليه، وقابلناك بأخبار رواها شيوخك، فدفعتها بألواح، وقد كان يسعنا دفع حديثك في أول الأمر، ومطالبتك بالحجة على صحته، فلم نفعل. فيجب إذا كنت تعمل بأخبار الاحاد أن تنقاد الى ما تقتضيه، ولا تلجأ في إطراح العمل بها، الى القول بأنك لا تعرفها، فيسقط بذلك عن خصمك قبول ما ترويه إذا لم يعرفه، وهذا إسقاط لنفس احتجاجك، واجتناب لأصله. فقال أبو جعفر: الحديث في أنه توضأ بالماء ثلاثا فلا أعرفه إلا فيما رويته أنا، وأما الرواية عن النبي عليه السلام أنه توضأ ومسح على رجليه، فقد ثبتت، لكنها لم تزد على الرواية بأنه بال. وليس يمتنع أن يتوضأ الانسان وضوءا يمسح فيه رجليه، ويكون وضوءه ذلك عن غير حدث، كما روينا عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه توضأ ومسح على رجليه، وقال: (هذا وضوء من لم يحدث) (2).

(1) حكاه ابن الاثير في جامع الاصول 8: 91 عن النسائي ولم أقف عليه في سننه. وذكر ابن ماجة الحديث في سننه 1: 145 الحديث 419 و 420 بلفظ آخر.
(2) كنز العمال 9: 474 الحديث 27030 عن مسند علي عليه السلام: عن (عن عبد خير قال: رأيت عليا دعا بالماء ليتوضأ فمسح يديه مسحا ومسح على قدميه وقال: هذا وضوء =

[ 27 ]

فقال الشيخ رحمة الله عليه: طالبناك بالانصاف في أخبار الآحاد التي رواها أصحابك، لاحتجاجك بها، لا سيما مع تدينك بايجاب العمل بها، وأريناك ان دفاعك لها يبطل احتجاجك على خصومك، وقد مر عليه، فأجبنا الى ذلك، ثم قبلت أخبارا رويتها أنت من ذلك، ودفعت ما رويناه، وهذا رجوع الى الأول في التحكم والمناقضة. وبعد فان أكثر الذي رويته عن النبي صلى الله عليه وآله في مسح الرجلين يكفي في الحجة عليك، وتأولك له بأنه وضوء عن غير حدث يقابله ان غسل النبي عليه السلام رجليه في ذلك الوضوء انما كان لرفع النجس، فيقابل التأويلان ويتكافأ الاحتجاج الحديثين. فأما روايته عن أمر المؤمنين عليه السلام فهو حجة عليك لا لك، وذلك ان قوله عليه السلام وقد مسح رجليه: (هذا وضوء من لم يحدث) (1) يفيد الخبر عن احداث الغسل الذي لم يأت به كتاب، بل جاء (2) بنقيضه، ولم تأت به سنة، فصار الفاعل له بدلا من المسح المفروض محدثا بدعة في الدين. ولو لم يكن المراد فيه ما ذكرناه على القطع لكفى أن يكون محتملا له، لان الحدث غير مذكور في اللفظ، وانما هو مقدر (3) في التأويل، =

من لم يحدث). ورواه أحمد بن حنبل في مسنده وفي حديث آخر عن النوال بن سبرة قال: أتى على بكوز من ماء، وهو بالرحبة، فأخذ كفا من ماء، وتمضمض واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورجليه، ثم شرب فضل الماء وهو قائم، ثم قال: (هذا وضوء من لم يحدث، هكذا رأيت رسول الله فعل) انظر كنز العمال 9: 474 الحديث 26949 الحديث 27031.
(1) كنز العمال 9: 474.
(2) في نسخة (ج)، جاءهما.
(3) في نسخة (ج) مقدور.

[ 28 ]

فكأنكم تقولون ان المضمر: لم يحدث ما ينقض الوضوء والمقدر عندنا فيه: من لم يحدث غير مشروع في الوضوء. وبقى عليك الحديث الذي روي ان النبي عليه السلام توضأ فمسح على رجليه ولم يفصل فارتج عليه الكلام في قول أمير المؤمنين عليه السلام: (هذا وضوء من لم يحدث) (1) ولجلج فيه، ولم يدر ما يقول، فأضرب عن ذكره صفحا وقال: فأنا اقبل الحديث أيضا ان النبي عليه السلام قام فتوضأ ومسح على رجليه وهما في النعلين. فأقول: انهما كانا في جوربين، والجوربان في النعلين: كما أقول في القراءة بالخفض: انها تفيد مسح الخفين إذا كانت الرجلان فيهما. فصل فقال الشيخ رضي الله عنه: هذا كلام بعيد من الصواب، متعسف في تأويل الاخبار، وذلك ان الراوي لم يذكر جوربين ولا خفين، فلا يجب أن يدخل في الحديث ما ليس فيه. كما انا لما سلمنا حديثك لم ننقص منه ما تضمنه، ولم تزد فيه شيئا يسهل سبيل دفاعك عن الاحتجاج به، ولو قلنا كما قلت ان النبي عليه السلام توضأ ومسح على رجليه وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به) ثم غسلهما بعد ذلك لكنا في صورتك وحالك في الزيادة في الاخبار، بل لو قلنا أنه غسل رجليه أولا ثم استأنف الوضوء، وان لم يرو ذلك الراوي لكان كقولك ان كان في رجليه جوربان لم يذكرهما الراوي، وكنا نحن أولى بالتأويل الذي ذكرناه منك، وفاق

(1) كنز العمال 9: 474.

[ 29 ]

الناس، ولو كان ما قاله صحيحا لأوضحوا ذلك وبينوه. أما قرع سمعه ما فعله أبو طالب حين خطب، لما تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخديجة بنت خويلد بعد أن خطبها إلى أبيها - ومن الناس من يقول الى عمها - فأخذ بعضادتي الباب ومن شاهده من قريش حضور، فقال: الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم، ومن ذرية إسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوبا، وحرما آمنا، يجبى إليه ثمرات كل شئ، وجعلنا الحكام على الناس في بلدنا الذي نحن فيه، ثم إن ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، لا يوزن برجل من قريش إلا رجح، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه، وإن كان في المال قل فان المال رزق حائل، وظل زائل، وله في خديجة رغبة، ولها فيه رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي، وله خطر عظيم، وشأن رفيع، ولسان شافع جسيم، فزوجه ودخل بها من الغد (1). وكذلك روي عن الصادق عليه السلام: أنه حضر وعمومته ومشايخ آل أبي طالب حضروهم، يريدون أن يزوجوا مولى لهم، قال: فجلس عليه السلام وقال: المحمود الله، والمصطفى محمد، وأحق ما بدئ به كتاب الله، يقول الله: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم - الى قوله - واسع عليم) (2) ثم إن فلان بن فلان ذكر فلانة بنت فلان، بذل من الصداق ما تراضيا به، وقد زوجناه على ما أمر الله به: (إمساك بمعروف

(1) رواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 3: 251 الحديث 1198، ومكارم الاخلاق: 234. وروى الكليني في الكافي 5: 374 الحديث 9 الخطبة بألفاظ قريبة (2) النور: 32.

[ 30 ]

أو تسريح باحسان) (1). ولا يخلو قوله من وجهين اثنين: إما أن يكون زلة منه، فهذا يقع من العلماء، فقد قال الحكيم: لكل جواد عشرة ولكل عالم هفوة. وإما أن يكون قد اشتبه عليه. فالأولى أن يقف عند الشبهة فيما لا يتحققه، فقد قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: (الوقوف عند الشبهة خيرمن الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه، ان على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوا به، وما خالف كتاب الله فدعوه). حدثنا به عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن على عليه السلام وذكر الحديث (2). ولو كان هذا من غيره ممن يتزيى بزي أهل العلم، لظننا أن غرضه منه فيما أجاب وأفتى به خلاف أهل العلم والفقه، أو لم يتجه له في الوقت ما يوافق جواب هذا الخبر؟ ونعوذ بالله من زلة اللسان بما لا يسوغ في الشرع، ولم يرد به الأثر عن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام. وقلنا: إن مثل هذا أكثره يقع من جهة الاستنكاف، والرجوع فيما

(1) البقرة: 239.
(2) رواه البرقي في المحاسن 1: 215 حديث 102 و 226 الحديث 150، ورواه العياشي في تفسيره 1: 8 حديث 2، والشيخ الصدوق في أماليه: 221، وروى الشيخ الكليني في الكافي 1: 69 الحديث الاول بسنده عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر الحديث.

[ 31 ]

يشتبه عليه إلى أهل الفضل والفقه، فإن الله تعالى قال في كتابه: (وفوق كل ذي علم عليم) (1) وحاشاه أن يكون بهذه الصفة. ولا ينبغي لنا أن نستنكف بالرجوع الى من هو أعلم منا فيما اشتبه علينا شريفا أو وضيعا، فانه لا يعدله شئ الا أربعة أشياء، وهذا خامسه، فقد قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: (خمسة لو رحلتم في طلبهن [ بالابل ] لانضيتموها ولن تصيبوا بمثلهن: (لا چخاف العبد إلا ذنبه، ولا يرجو العبد إلا ربه، ولا يستحي العالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أدري، ولا يستنكف الجاهل أن يتعلم، والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا ايمان لمن لا صبر له). حدثنا به عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن علي عليه السلام (2). وقال عليه السلام: (قوام الدنيا بأربعة: بعالم مستعمل لعلمه، وجواد لا يبخل بمعروفه، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، فإذا ضيع العالم علمه، وبخل الغني بمعروفه، وباع الفقير آخرته بدنياه، واستنكف الجاهل أن يتعلم، فالويل لهم والثبور الى سبعين مرة) (3). وقال عليه السلام: (لا يكون الرجل عالما حتى يضيف علم الناس

(1) يوسف: 76.
(2) رواه أحمد بن عامر الطائي في صحيفة الامام الرضا عليه السلام: 75 الحديث 178، والصدوق في الخصال 1: 315 الحديث 95، والعيون 2: 44 الحديث 155، وأخرجه في نهج البلاغة باب الحكم: 82 بألفاظ قريبة منه.
(3) رواه الصدوق في الخصال 1: 197 الحديث 5، وكذا في نهج البلاغة: 541 (باب الحكم) برقم: 372، بألفاظ قريبة منه.

[ 32 ]

الى علمه) (1). وقال عليه السلام: (لا يكون العالم عالما حتى لا يحسد من فوقه ولا يستحقر من دونه) (2). وفيما بيناه وشرحناه كفاية لمن ترك الهوى، وأنصف من نفسه. تم الكتاب بحمد الله ومنه * * *

(1 و 2) لم أقف عل هذين الحديثين في الكتب المتوفرة لكن روى البرقي في محاسنه 1: 230 حديث 173 عن علي بن سيف رفعه قال: سئل امير المؤمنين عليه السلام من أعلم الناس؟ قال: من جمع علم الناس الى علمه.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية