الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تحريم ذبائح أهل الكتاب - الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري

تحريم ذبائح أهل الكتاب

تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي
(336 - 413 ه‍) تحقيق الشيخ مهدي نجف


[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم هبط الاسلام - آخر الديانات الإ لاهية - على أرض الحجاز القاحلة، ومنذ اللحظة الاولى كانت لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله، من المتدينين المتواجدين في المنطقة - سواء الحنفاء أم المنتمون إلى الشرائع السماوية السابقة مواقف متميزة. فهم - على ما كانوا عليه من جهل وانحراف - قد كانوا أقرب إلى ما جاء به الإسلام من سائر العرب المشركين، فهم يجتمعون مع هذا الدين الجديد على بعض الخطوط، ويتفقون معه في بعض الألفاظ، ويشتركون معا في بعض المفاهيم، ويلتقون عند بعض النقاط الغيبية. ولقد كانت على أيدي انبياء الله المرسلين عليهم السلام، بذور الدين منتثرة هنا وهناك، وهم بقايا جهودهم عليهم السلام. والملتزمون بالأديان السابقة كانوا على مستويات مختلفة، ولهم إمكانات متفاوتة، وتطلعات متغايرة فالحنيفية الإبراهيمية أقلها عددا وشوكة، واليهودية أشدها تزمتأ وتقوقعا، والمسيحية اكثرها عددا وانفلاتا.

[ 4 ]

ففي مكة كانت الحنيفية محدودة العناصر، في أفراد يشار إليهم بعدد الأصابع، بينهم آباء النبي صلى الله عليه وآله وامهاته، كانوا أسبق المتدينين الى اعتناق الإسلام. إلا أن أهل الديانات الاخرى تلكؤوا في الالتحاق بالدين الجديد، اعتزازا بمواقعهم، أو اغترارا بما عندهم، ولم يقفوا من الاسلام موقفا يتحلى بالانصاف. بينما كان المتوقع أن يبتهجوا بهذه الحركة الإلهية الجريئة التي قام بها نبي الإسلام، مقتحما حصون الجاهلية العربية بما فيها من جهل وشرك وفساد، مناديا في ديارها بالتوحيد والإيمان، متحملا كل الأخطارو الأهوال في هذا السبيل، واضعا لحياته في مهب حقدهم وعدوانهم وهجماتهم العسكرية، وهو يدعو إلى ما يلتزمون به ويؤكد على اصول عقائدهم وقضاياهم. ومن جانب أخر، فإن كتبهم السماوية مشحونة بالتبشير به، فما أحسن هذه الفرصة، كي يلتفوا حوله، ويتكاتفوا معه ليزيحوا الجاهلية بكفرها وعتوها وفسادها من الارض ويثبتوا (كلمة الله العليا) وينشروا الهداية. لكنهم - أي أهل الكتاب - بدلا من ذلك، اتخذوا مواقف عدائية ضد الإسلام، بل، تواطؤوا مع أهل الكفر والشرك، ضد الاسلام ونبيه الكريم صلى الله عليه وآله! ومع كل هذه التصرفات المنافية لأ بسط قواعد الحق، وأوضح مسائل التدين، فإن الاسلام، وعلى صفحات قرآنه، ولسان نبيه، لم يعامل أهل الكتاب إلا بشكل متميز. فقد فتح أمامهم أبواب الحوار الفكري والعقيدي، ودعاهم إلى (كلمة سواء).

[ 5 ]

بينما كانت الدعوة لغيرهم الى الاسلام فقط، بعد الاقناع والتوعية، واختيار حياة الاسلام أو موت الكفر والعناد. أما أهل الكتاب، فكانوا مخيرين بين اختيار الاسلام، أو البقاء على دياناتهم! بشروط المواطنة الصالحة، والالتزام بقوانين الدولة العامة، المعروفة بشروط الذمة. أما بالنسبة إلى عقائدهم وأفكارهم وشرائعهم، فإن الاسلام أكد على الحق منها، ودعا إليه، ورفض ما طالته أيدي التحريف و التجاوز. ومن تلك الأحكام، مسألة (ذبح الحيوان للأكل): فإن شرائع السماء قررت قوانين وشروطا معينة، للحيوان الذي يأكله الإنسان، في نوعيته، وفي كيفية قتله. ومن الشروط الأساسية، أن يذكر اسم (الله) عليه عند ذبحه. وقد وافق أهل الكتاب، شريعة الإسلام، في أصل هذا الشرط ومجمل ما قررته الشريعة. لكن فقهاء المسلمين اختلفوا في (ذبائح أهل الكتاب) هل يحل أكلها للمسلمين، أولا؟ وأساس هذا الخلاف هو: هل أن تسمية أهل الكتاب على ذبائحهم، صحيحة يمكن اعتبارها، أولا؟ فقولهم: (باسم الله) هل يقصدون به: اسم (الإلاه الواحد الأحد، الفرد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوأ أحد) هذا المسمى الذي هو شرط الذبح عند المسلمين؟ بينما أهل الكتاب: النصارى منهم يقولون بالتثليث! واليهود منهم يقولون: (عزير ابن الله) جل وعلا!!

[ 6 ]

فهم لا يعتقدون بالمسمى الذي هو الحق، وإن تلفظوا باسمه، بل هم يكفرون، وإن ادعوا الإيمان، وتميزوا عن الكفار المشركين بهذا الإدعاء، وبالارتباط بشريعة وكتاب، لكن عقائدهم تلك لا تجعل التسمية الصادرة منهم، هي التسمية المطلوبة الصحيحة المشروطة في حلية المذبوح! وليس المراد بالتسمية مجرد اللفظ، وذكر الاسم فقط، من دون إرادة المعنى، والمسمى الحق. وقد ذهب جمهور فقهاء الشيعة الإمامية الى الحكم بحرمة ذبائح أهل الكتاب، ووافقهم بعض فقهاء العامة. أما جمهور فقهاء العامة فيقولون بحلية ذبائح أهل الكتاب وهو مذهب بعض الشيعة، ومستند العامة في ذلك أمران: الأول: أن ظاهر حال أهل الكتاب هو معرفة الله، ووصفه بالتوحيد، فيكتفى بهذا الظاهر، حتى يعلم خلافه. الثاني: قوله تعالى: (وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم) في سورة المائدة (5) الآية: 6. وقد أجاب الشيعة عن ذلك: أما الأول: فبأن اليهود والنصارى - وإن كانوا على ظاهر الاعتقاد بوجود الله، ويقول قوم منهم بتوحيده، إلا أن ذلك يخالف في تفاصيله المعتقد الحق الذي عليه المسلمون، وقد ثبت في كتب العقائد انحرافهم عن الحق، والتزامهم بالباطل، وكفاهم كفرا وخروجا: إنكارهم لنبوة الرسول صلى الله عليه وآله وما جاء به من القرأن وأحكامه. فكيف يلتزم بإيمانهم الاسمي، ومعتقدهم الظاهري في الله، مع أنهم

[ 7 ]

لا يقصدون بهذا الاسم، ما يعتقده المسلمون من الحق!؟ واما الثاني، فقد أجابوا عنه بجوابين: أولا: قال قوم بأن المراد بأهل الكتاب في الأية هم الذين آمنوا بالإسلام ممن كانوا يهودا أو نصارى، وإنما اطلق عليهم اسم (أهل الكتاب) باعتبار صفتهم السابقة كما يطلق المشتق على ما انقضى عنه المبدأ. وثانيا: وقال قوم بأن المراد بالطعام المذكور في الأية هو خصوص الحبوب، من المزروعات، دون اللحوم من الحيوانات، وهذا وارد في بعض الحديث أيضا. هذا، ولكن الدليل الأساسي عند فقهاء، الشيعة هو الأحاديث المتضافرة، الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، الدالة على النهي عن أكل ذبائح أهل الكتاب. هذا موجز ما فصله الشيخ المفيد قدس الله سره في هذه الرسالة، التي تتميز - بعد كونها واحدة من ذخائر تراثنا الغالي - بالمزايا التالية. 1 - فهي واحدة من كتب الشيخ الفقهية على منهج الفقه المقارن فنجده يقدم نظر المخالفين، بكل أدلتهم، وعلى اختلاف الاحتمالات ويفصل الرد عليهم جزءا فجزءا. ثم يستدل على الحق الذي يراه، بالقرآن، حسب ما يدل على ظاهر الألفاظ الواردة فيه، ومفهومها اللغوي العرفي. ثم يستند الى الثوابت الفقهية، التي تعطي القطع بالملاكات والمدارك المعتمدة عند الفقهاء. ثم يرد دعوى توحيد أهل الكتاب الذي استند إليه الخالفون.
2 - يستعمل في رد المخالفين أدلتهم المعتمدة عندهم، وطرق استدلالاتهم

[ 8 ]

الخاصة بهم، وإن لم تكن صحيحة عند المؤلف: مثل ما عمله في الفصل الثالث، حيث رد على القول بجواز ذبائح أهل الكتاب بدعوى التزامهم بالتوحيد. فردهم بأنه قول مخالف لاتفاق العامة أنفسهم، وقول بالفصل بينهم إذ هم لا يفرقون بين من يعتقد التوحيد من أهل الكتاب ومن لا يعتقد ذلك! والقول بالفصل، خلاف الاجماع المركب، لانه خرق له. وفي الفصل السادس، يحاول رد الحكم بحلية ذبائح أهل الكتاب، متمسكا بالقياس الذي يقول به العامة أنفسهم.
3 - احتواؤها على الأحاديث الدالة على الحرمة، وقد ذكر منها عشرة باسانيدها ومتونها، ولهذا أثره في دعم ما ورد في المجاميع الحديثية بالتصحيح. كما أن الشيخ أكد على هذه الأحاديث بأنها مما (ورد من الطرق الواضحة، بالأسانيد المشهورة وعن جماعة بمثلهم - في الستر والديانة والثقة والحفظ والأمانة - يجب العمل، وبمثلهم في العدد يتواتر الخبر). وبهذا النص يمكننا استخلاص آراء الشيخ في المجالات التالية: 1 - المنهج الرجالي الذي اعتمده الشيخ.
2 - رأيه في الخبر المتواتر، وما به يحصل التواتر.
3 - وجوب العمل بالأخبار، إذا كانت مثل هذه في وضوح الطرق واشتهار الاسانيد.
4 - اعتماد الشهرة السندية.
5 - يمكن اعتبار ذلك توثيقا عاما لرواة الأحاديث التي وردت بحرمة ذبائح أهل الكتاب، وعلى الأقل هذه التي ذكرها الشيخ في هذه الرسالة.

[ 9 ]

والذي ينبغي أن نختم به هذه النظرة، هو ما ذهب إليه بعض الشيعة من القول بحلية ذبائح أهل الكتاب، فقد ذهب بعض أصحابنا إلى ذلك استنادا إلى روايات دلت عليه: وقد ختم الشيخ المفيد رسالته بتوجيه تلك الروايات، بعد وصفه لمن تعلق بها ب‍ (شذاذ أصحابنا في خلاف مذهبنا) فذكر لذلك وجهين: الاول: حمل أخبار الحلية على (التقية من السلطان، وإشفاق الإمام عليهم السلام من أهل الظلم والطغيان، إذ القول بتحريمها خلاف ما عليه جماعة الناصبية، وضد لما يفتي به سلطان الزمان، ومن قبله من القضاة والحكام). الثاني: إن التحليل إنما جاء في الحديث لذبيحة من أسلم من أهل الكتاب وأقر بالتوحيد، بقرينة رواية معاوية بن وهب، حيث قال في من حكم بحليه ذبيحته من أهل الكتاب -: أعني من يكون على أمر موسى وعيسى. فإن اتباع موسى وعيسى، بصورة صحيحة، يؤدي إلى اتباع النبي محمد صلى الله عليه والله، والإيمان بشريعته التي اشترط فيها أن يذكر الذابح اسم الله الواحد الذي لا شريك له. أما ما جاء في الرواية الثالثة من روايات التحريم التي أوردها الشيخ، وهي رواية شعيب العقرقو في الذي سمع الإمام الصادق عليه السلام ينهى عن أكل ذبائح أهل الكتاب. قال شعيب: فلما خرجنا من عنده، قال لي أبو بصير: كلها فقد سمعته وأباه - جميعا - يأمران بأكلها. ثم سأل الأمام عن ذلك، فقال: لا تأكلها.

[ 10 ]

قال شعيب: فقال لي أبو بصير: كلها، وفي عنقي. فسأل الامام ثانية، فقال: لا تأكلها. فقال أبو بصير: سله ثالثة. قال شعيب: فقلث: لا أساله بعد مرتين. فالذي يظهر لأول وهلة أن أبا بصير بإظهار رأيه في قبال كلام الإمام عليه السلام - اولا - ثم باصراره على رأيه المخالف ثانيا وثالثا، يعارض مكررا ما يظهر من كلام الإمام عليه السلام في التحريم؟ فيتصور فيه تجاوزه عن حد الأب مع الإمام عليه السلام على أقل الفروض! وقد حاول الحجة المفضال السيد عبد الرسول الشريعتمدار الجهرمي أن يوجه عمل أبي بصير بما ملخصه: أن أبا بصير كان قد سمع الباقر عليه السلام في عصره، وسمع الصادق عليه السلام في أوائل عهده، يأمران بكل ذبائح أهل الكتاب، وحيث أن في تلك الفترة، كان الوضع مؤاتيأ للأئمة عليهم السلام أن يعلنوا عن الحقائق الدينية باعتبارها فترة ضعف بني امية وانشغالهم عن مسائل الدين بأنفسهم فلم يكن ذلك العهد، عهد تقية أو خوف، بل عهد نشر العلم و الاعلان (عن مر الحق) كما في بعض النصوص. فحمل أبو بصير ذلك التحليل على الحكم الواقعي، وحمل ما سعه الآن، وفي نهاية عصر الصادق عليه السلام حيث عاد الملوك إلى سيرتهم الأولى في الضغط على الأئمة عليهم السلام، حمله على التقية والحكم الظاهري، وجعل ما سمعه أولا قرينة على هذا. وهذا التصرف من أبي بصير يعتبر نوعا من إعمال الاجتهاد، والترجيح

[ 11 ]

بين الروايات، في عصر حضور الأئمة عليهم السلام. ويظهر من سكوت الأئمة عليهم السلام عن أبي بصير، وتصرفاته هذه، بل والإصرار على الإرجاع إليه مع علمهم بهذه التصرفات الاجتهادية، يظهر من ذلك رضاهم عليهم السلام بأمثال هذه الاجتهادات، وعدم معارضتهم لها، والتزامهم بإجزاء العمل على طبقها. أقول: هذا ما أفاده السيد المحقق دام ظله في رسالته (حول الاجتهاد و الأخبار). لكن تصرف أبي بصير في نهي الإمام عليه السلام في هذه الرواية بالحمل على التقية غير ممكن: لأن التقية إنما تصدق فيما إذا كان حكم الامام عليهم السلام موافقا للعامة بينما الحكم الأول الذي سمعه أبو بصير هو الموافق للعامة، وما ذكره في رواية شعيب هذه مخالف لهم، فكيف يخفى مثل ذلك على أبي بصير الفقيه الكبير، فيحمل هذا الأخير على التقية. ولذلك نرى الشيخ المفيد - في هذه الرسالة - قد حكم على رواية الجواز بالتقية. والذي أراه أن أبا بصير كان يرى حمل النهي عن الأكل على خصوص بعض الأفراد، أو على الكراهة، عملا بما سمعته من رواية الأمر بالأكل، جمعا بين الحكمين، وعملا بالروايتين. وهذا - أيضا - نوع من إعمال الإجتهاد. فحمل رواية الحل، على ذبائح طائفة من أهل الكتاب، وهم الذين اعتنقوا الإسلام، لقربهم من المراكز الاسلامية الكيرى، أما الذين بقوا على اليهودية

[ 12 ]

والمسيحية فذبائحهم محرمة، كأهل الجبل البعيدين عن المراكز العلمية ويؤيد هذا الحمل رواية معاوية بن وهب - التي أوردها الشيخ أخيرا - المتضمنة لحكم الإمام عليه السلام، وقد سأله عن ذبائح أهل الكتاب؟ فقال عليه السلام: لا بأس، إذا ذكروا اسم الله عزوجل ثم قال عليهم السلام: وإنما أعني منهم من يكون على أمر موسى وعيسى.. فكونهم على أمر موسى وعيسى، يعني اعتقادهم بالحق الذي جاءا به، بما فيه التبشير بدين الاسلام والايمان بنبيه محمد صلى الله عليه وآله. وهذا التوجيه هو الذي ذكره المفيد - كما مر - وجها ثانيا لرواية الجواز، في نهاية هذه الرسالة، التي هي - على اختصارها - أجمع ما ألف حول الموضوع، واحسم كتاب لشفأفة النزاع فيه. ونحمد الله على توفيقه، ونسأله الرضا عنا بفضله وإحسانه والعفو عنا بكرمه وجلاله، إنه ذو الجلال و الإكرام. وكتب السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

[ 17 ]

تحريم ذبائح أهل الكتاب تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي (336 - 413 ه‍)

[ 19 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين. اختلف أهل الصلاة في ذبائح أهل الكتاب، فقال جمهور العامة بإباحتها (1). وذهب نفر من أوائلهم الى حظرها (2).

(1) انظر المدونة الكبرى 2: 67، وبداية المجتهد 2: 436، وأحكام القرآن للجصاص 1: 125، والمبسوط للسرخسي 12: 226، والمحلى 7: 454، والمغني لابن قدامة 11: 36، والمجموع 9: 78.
(2) جاء في المدونة الكبرى 2: 67 (قال ابن القاسم: رأيت مالكأ يستثقل ذبائح اليهود والنصارى ولا يحرمها).

[ 20 ]

وقال جمهور الشيعة بحظرها (1). وذهب نفر منهم إلى مذهب العامة في إباحتها (2). واستدل الجمهور من الشيعة على حظرها بقول الله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (3). قالوا: فحظر الله سبحانه بتضمن هذه الآية، أكل كل ما لم يذكر عليه اسم الله من الذبائح، دون ما لم يرده من غيرها بالاجماع والاتفاق. فاعتبرنا المعني بذكر التسمية أهو اللفظ بها خاصة، أم هو شئ ينضم إلى اللفظ، ويقع لأجله على وجه يتميز به مما يعمه واياه الصيغة من أمثاله في الكلام. فبطل أن يكون المراد هو اللفظ بمجرده، لاتفاق الجميع على حظر ذبيحة كثير ممن يتلفظ بالاسم عليها، كالمرتد وإن سمى

(1) قال العلامة في المختلف 4: 127 (المشهور عند علمائنا تحريم ذبائح الكفار مطلقا، سواء كانوا أهل ملة كاليهود والنصارى والمجوس، أو لا، كعباد الأوثان والنيران وغيرهما. ذهب إليه الشيخان والسيد المرتضى وسلار وابن البراج وابو الصلاح وابن حمزة وابن ادريس). انظر الانتصار: 188، والنهاية: 582، والخلاف 3: 349 مسألة 23، والمراسم: 209، والمهذب 2: 439، والكافي لأبي الصلاح: 277، والوسيلة: 361.
(2) منهم ابن أبي عقيل وابن الجنيد والشيخ الصدوق، لكن شرط الشيخ الصدوق سماع تسميتهم عليها، وساوى بينهم وبين المجوس في ذلك. وابن أبي عقيل صرح بتحريم ذبيحة المجوسي، وخص الحكم باليهود والنصارى، ولم يقيد بكونهم أهل ذمة، وكذلك الآخران. انظر المقنع: 140، المختلف 4: 127.
(3) الأنعام: 121.

[ 21 ]

تجملا (1). والمرتد عن أصل من الشريعة مع إقراره بالتسمية واستعمالها (2)، والمشبه لله تعالى بخلقه لفظا ومعنى، وإن دان بفرضها عند الذبيحة متدينا، والثنوية والديصانية والصابئين والمجوس. تثبت (3) أن المعني بذكرها هو القسم الثاني من وقوعها على وجه يتخصص به من تسمية من عددناه وأمثالهم في الضلال، فنظرنا في ذلك، فأخرج لنا دليل الاعتبار أنها تسمية المتدين بفرضها على ما تقرر في شريعة الاسلام، مع المعرفة بالمسمى المقصود بذكره عند الذبيحة إلى استباحتها، دون من عداه، بدلالة حصول الحظر مع التسمية ممن أنكر وجوب فرضها، وتلفظ بها لغرض له دون التدتن ممن سميناه، وحصوله أيضا مع تسمية المتدين بفرضها إذا كان كافرا يجحد أصلا من الشريعة لشبهة عرضت له، وإن كان مقرا بسائر ما سوى الأصل على ما بيناه، وحظر ذبيحة المشبه وإن سمى ودان بفرضها كما ذكرناه. وإذا صح أن المراد بالتسمية عند الذكاة، ما وصفناه من التدين بفرضها على شرط ملة الاسلام، والمعرفة بمن سماه [ لخروجه من إعتقاد ما يوجب الحكم عليه بجملة من ساير الحياة ] (4). ثبت حظر ذبائح أهل الكتاب، لعدم استحقاقهم من الوصف ما شرحناه، ولحوقهم في المعنى الذي ذكرناه بشركائهم في الكفر من المجوس والصابئين وغيرهما من أصناف المشركين والكفار.

(1) في ب (تجهلا).
(2) انظر المدونة الكبرى 2: 68، والام 6: 164 و 8: 364، والمجموع 9: 79، وبداية المجتهد 2: 436، والوجيز 2: 205، وأحكام القرآن للجصاص 1: 125.
(3) في ب (قلت) ولعل الصحيح: فثبت.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

[ 22 ]

سؤال: فان قال قائل: فان اليهود وغيرهم تعرف الله جل اسمه، وتدين بالتوحيد، وتقربه، وتذكر اسمه على ذبائحها، وهذا يوجب الحكم عليها بأنها حلال. جواب: قيل له: ليس الأمر على ما ذكرت، لا اليهود من أهل المعرفة بالله عزوجل حسب ما قدرت، ولا هي مقرة بالتوحيد في الحقيقة [ كما توهمت ] (1)، وإن كانت تدعي ذلك لأنفسها، بدلالة كفرها بمرسل محمد صلى الله عليه وآله، وجحدها لربوبيته، وإنكارها لالهيته من حيث اعتقدت كذبه صلى الله عليه وآله، ودانت ببطلان نبوته. وليس يصح الاقرار بالله عزوجل في حالة الانكار له، ولا المعرفة به في حالة الجهل بوجوده، وقد قال الله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) (2) وقال: (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما انزل إليه ما اتخذوهم أولياء) (3)، وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (4). ولو كانت اليهود عارفة بالله تعالى، وله موحدة، لكانت به مؤمنة، وفي نفي القرآن عنها الايمان، دليل على بطلان ما تخيله الخصم.

(1) مابين المعقوفين ساقط من (ب).
(2) المجادلة: 22.
(3) المائدة: 81.
(4) النساء: 65.

[ 23 ]

فصل على أن ما يظهره اليهود من الاقرار بالله عز اسمه وتوحيده، قد يظهر من مستحل الخمر بالشبهة، ويقترن إلى ذلك اقراره بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، والتدين بما جاء به في الجملة، وقد أجمع علماء الأمة على أن ذبيحة هذا محرمة، وأنه خارج عن جملة من أباح الله تعالى أكل ذبيحته بالتسمية، فاليهود أولى بأن تكون ذبائحهم محرمة لزيادتهم عليه في الكفر والضلال أضعافا مضاعفة. فصل مع أنه لا شئ يوجب جهل المشبهة بالله عزوجل إلا وهو موجب جهل اليهود والنصارى بالله، ولا معنى يحصل لهم الحكم بالمعرفة، مع إنكارهم لالهية مرسل محمد صلى الله عليه وآله وكفرهم به، إلآ وهو يلزم صحة الحكم على المشبهة بالمعرفة، وإن اعتقدوا أن ربهم على صوره الانسان، بعد أن يصفوه بما سوى ذلك من صفات الله عزوجل، وهذا ما لا يذهب إليه أحد من أهل المعرفة، وإن ذهب علمه على جميع المقلدة. على أنه ليس أحد من أهل الكتاب يوجب التسمية، ولا يراها عند الذبيحة فرضا، وإن استعملها منهم إنسان، فلعادة مخالطة [ من أهل الاسلام، أو التجمل بذلك والاستحباب، وهذا القدر كاف في تحريم ذبايحهم بما قدمناة ] (1).

(1) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

[ 24 ]

فصل مع أن مخالفينا لا يفرقون بين ذبائح اليهود والنصارى، وليس في جهل النصارى بالله عزوجل وعدم معرفتهم به لقولهم بالأيام (1)، والجواهر، والأب، والابن، والروح، والاتحاد شك ولا ريب. وإذا ثبت حظر ذبائح النصارى بما وصفناه، وجب حظر ذبائح اليهود، للاتفاق على أنه لا فرق بينهما في الاباحة والتحريم. فصل وشئ آخر، وهو أنه متى ثبت لليهود والنصارى بالله عزوجل معرفة، وجب بمثل ذلك أن للمجوس بالله تعالى معرفة، ولعبدة الأصنام من قريش ومن شاركهم في الاقرار بالله تعالى معرفة، واعتقادهم بعبادة الأصنام القربة إليه عز اسمه، فان كان كفر اليهود والنصارى لا يمنع من استباحة ذبائحهم لاقرارهم في الجملة بالله تعالى، فكفر من عددناه لا يمنع أيضا من ذلك، وهذا خلاف للاجماع، وليس بينه وبين ما ذهب إليه الخصم فرق مع ما اعتمدناه من الاعتلال. فصل ومما يدل أيضا على حظر ذبائح اليهود وأهل الكتاب وجميع الكفار، أن الله جعل اسمه جعل التسمية في الشريعة شرطا في استباحة الذبيحة،

(1) في بعض النسخ: بالأقانيم.

[ 25 ]

وحظر الاستباحة على الشك والريب، فوجب اختصاصها بذبيحة الدائن بالشريعة، المقر بفرضها، دون المكذب بها، المنكر لواجباتها، إذا كان غير مأمون على نبذها، والتعمد لترك شروطها لموضع كفره بها، والقربة بافساد اصولها، وهذا موضح عن حظر ذبائح كل من رغب عن ملة الاسلام. فصل وشئ آخر، وهو أن القياس المستمر في السمعيات، على مذاهب خصومنا يوجب حظر ذبائح أهل الكتاب من قبل أن الاجماع حاصل على حظر ذبائح كفار العرب، وكانت العلة في ذلك كفرهم، وإن كانوا مقرين بالله عزوجل، فوجب حظر ذبايح اليهود والنصارى لمشاركتهم من ذكرناه في الكفر، وإن كانوا مقرين لفظا بالله جل اسمه على ما بيناه. وشئ آخر، وهو أنا وجمهور مخالفينا نرى إباحة من سها عن ذكر الله من المسلمين لما يعتقد عليه من النية من فرضها (1)، فوجب أن يكون ذبيحة من أبى فرض التسمية محظورة، وإن تلفظ عليها بذكرها، وهذا مما لا محيص عنه. سؤال فان قالوا فما تصنعون في قول الله عزوجل: (اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) (2)

(1) قال القرطبي في تفسير 7: 75 (ان تركها سهوأ أكلا جميعا وهو قول اسحاق ورواية عن احمد بن حنبل). وقال في المصدر السابق: وان تركها عمدا لم يؤكلا، وقاله في الكتاب مالك وابن القاسم وهو قول ابي حنيفة واصحابه والثوري والحسن بن حي وعيسى وأصبغ وقاله سعيد بن جبير وعطاء واختاره النحاس.
(2) المائدة: 5.

[ 26 ]

وهذا صريح في إباحة ذبائح أهل الكتاب. جواب: قيل له: قد ذهب جماعة من أصحابنا إلى أن المعنى في هذه الآية من أهل الكتاب، من أسلم منهم وانتقل إلى الايمان، دون من أقام على الكفر والضلال، وذلك أن المسلمين تجنبوا ذبائحهم بعد الاسلام كما كانوا يتجنبونها قبله، فأخرهم الله تعالى باباحتها، لتغير أحوالهم عما كانت عليه من الضلال. قالوا: وليس بمنكر أن يسميهم الله أهل كتاب وإن دانوا بالاسلام كما سمى أمثالهم من المنتقلين عن الذمة إلى الاسلام، حيث يقول: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليهم وما انزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب) (1) فأضافهم بالنسبة إلى الكتاب وإن كانوا على ملة الاسلام، فهكذا تسمى من أباح ذبيحته من المنتقلين عما لزمه، وإن كانوا على الحقيقة من أهل الايمان والاسلام. وقال الباقون من أصحابنا: إن ذكر طعام أهل الكتاب في هذه الآية يختص بحبوبهم وألبانهم، وما شاكل ذلك دون ذبائحهم، بما قدمنا ذكر من الدلائل وشرحناه من البرهان، لاستحالة التضاد بين حجج الله تعالى والقرآن، ووجوب خصوص الذكر بدلائل الاعتبار، وهذا كاف لمن تأمله. سؤال: فان قال قائل: خبروني عما ذهبتم إليه من تحريم ذبائح أهل الكتاب أهو شئ تأثرونه عن أئمتكم من آل محمد عليهم السلام أم حجتكم فيه ما تقدم لكم من الاعتبار دون السماع [ الشياع ] من جهة

(1) آل عمران: 199.

[ 27 ]

النقل والاخبار؟! جواب: قيل له: عمدتنا في ذلك أقوال أئمتنا الصادقين من آل محمد صلى الله عليه وآله وما صح عندنا من حكمهم به، وإن كان الاعتبار دليلا قاطعا عند ذوي العقول والأديان، فانا لم نصر إليه من ذلك دون ما ذكرناه من الأثر ووصفناه. فان قال: فانني لم أقف من قبل على شئ ورد من آل محمد عليهم السلام في هذا الباب فاذكروا جملة من الروايات فيه لاضيف مفهومه إلى ما قد استقر عندي العلم به من دليل القرآن، على ما رتبتموه من الاستدلال. قيل له: أما إذا آثرت ذلك للبيان، فانا مثبتوه لك والله الموفق للصواب. أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه جميعأ، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن علي ابن ابراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن المفضل بن صالح، عن زيد الشحام قال: سئل الصادق جعفر بن محمد عليه السلام عن ذبيحة الذمي، فقال: لا تأكلها، سمى أم لم يسم (1). أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتاني رجلان أظنهما من أهل الجبل، فسألني أحدهما عن الذبيحة - يعني

(1) أخرجه الشيخ الكليني في الكافي 6 ج 238 الحديث 1، ورواه الشيخ الطوب في التهذيب 9: 65 الحديث 276، والاستبصار 4: 82 الحديث 309.

[ 28 ]

ذبيحة أهل الذمة - فقلت في نفسي: والله لابرد لكما على ظهري، لا تأكل. قال محمد بن يحيى: فسألت أنا أبا عبد الله عليه السلام عن ذبيحة اليهود والنصارى، فقال: لا تأكل (1). أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد ابن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن شعيب العقرقوفي، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام ومعنا أبو بصير وأناس من أهل الجبل يسالونه عن ذبائح أهل الكتاب، فقال لهم أبو عبد الله عليه السلام: قد سمعتم ما قال الله عزوجل في كتابه، فقالوا له: نحب أن تخبرنا أنت. فقال: لا تأكلوها. قال: فلما خرجنا من عنده قال لي أبو بصير: كلها، فقد سمعته وأباه جميعا يأمران بأكلها، فرجعنا إليه فقال لي أبو بصير: سله، فقلت: جعلت فداك ما تقول في ذبائح أهل الكتاب؟ فقال: أليس قد شهدتنا اليوم بالغداة وسمعت؟. قلت: بلى. قال: لا تأكلها. فقال لي أبو بصير: كلها وفي غنقي. ثم قال: سله ثانية، فسألته، فقال لي مثل مقالته الاولى: لا تأكلها. فقال لي أبو بصير: سله ثالثة، فقلت: لا أساله بعد مرتين (2).

(1) رواه الشيخ الطوسي في التهذيب 9: 67 الحديث 286، والاستبصار 4: 84 الحديث 318 باختصار.
(2) اخرجه الشيخ الطوسي في التهذيب 9: 66 الحديث 282، وأخرج في الاستبصار 4: 83 صدر الحديث.

[ 29 ]

أفعال رسول الله صلى الله عليه وآله ظواهر القرآن، وتأولك أنت أقواله، وحملك فعاله على نقيض القرآن، والزيادة في ألفاظ الأخبار ما لم يذكره أحد بحال. على أنه لا يعبر بالجوربين عن الرجلين، ولا بالخفين عنهما في حقيقة اللغة، ولا في مجازها، ولم يرو ذلك أعجمي، فيكون لك تعلق به، بل رواه عربي فصيح اللسان، فبطل أيضا حملك الخبر عليه حسب ما بيناه. فترك الكلام على ذلك كله، وقال: العرب تقول لمن داس شيئا برجله وفيها جورب أو خف: قد داس فلان برجله كذا وكذا، وهذه العامة لكها على ما ذكرناه لا يمتري فيه منهم اثنان. فقال الشيخ: ليس مثالك (1) بنظير لدعواك، وبينهما (2) عند أهل العقول واللغة أعظم الفرقان، وذلك أن الدائس برجله وهي في الجورب أو الخف معد (3) فعل رجله الى الدوس، وليس الماسح على الخوف والجورب معديا فعله الى الرجل بالمسح على الاتفاق، فأي نسبة بين ذلك وبين ما تأولت به الخبر على غير مفهوم اللسان؟. فقال أبو جعفر: والله ما أدري ما التعدي والاعتماد، وهذا من كلام المتكلمين، وانقطع الكلام على إخباره عن نفسه بأنه لم يفهم غرض الكلام.

(1) في نسخة (ج) ببالك.
(2) في نسخة (ج) وسهما. (3 - 4) في نسخة (ج) فعذ.

[ 30 ]

فصل قال الشيخ رحمه الله: وقلت بعد انفصال المجلس لبعض أصحابنا في حل كلام أمير المؤمنين عليه السلام من قوله: (هذا وضوء من لم يحدث) (1) زيادة لم أوردها على الخصم، لانني لم اوثر اتفاقه عليها في الحال، ولم يكن لي فقر. إليها في الحجاج وهي معتدة في برهان الحق - والمنة لله - وذلك ان فوله عليه السلام وقد توضأ فغسل وجهه ويديه الى المرفقين ومسح برأسه ورجليه: (هذا وضوء من لم يحدث) لا يجوز حمله إلا على الوجه الذي ذكرناه، في حكم الوضوء المشروع، الذي لم يحدث فيه ما ليس بمشروع من قبل أنه لو كان على ما تأوله للخصوص من أنه أراد به وضوء من لم يحدث ما يوجب الوضوء، لكان لمن لم يجب عليه الوضوء وضوء مخصوص لا يتعدى الى غيره، كما أن لمن توضأ عن حدث وضوءا مخصوصا لا يجوز تعديه الى سواه. ولما أجمعوا على أن له أن يتعدى ذلك الى غسل الرجلين، ويكون وضؤا لمن لم يحدث، كما يكون المسح وضوأ له، بطل تأويلهم إذ ما يختص لا يقع غيره موقعه، وفي اجماعهم على ما بيناه من أن من لم يحدث ليس له وضوء بعينه مشروع بطلان ما تعلقوا به في تأويل كلام أمير المؤمنين عليه السلام، ودليل صحة ما ذكرناه منه. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وآله الطاهرين وسلم تسليما كثيرا

(1) كنز العمال 9: 474.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية