الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المسائل الصاغانية - الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله، العكبري

المسائل الصاغانية

تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله،
العكبري، البغدادي (336 - 413 ه‍)


[ 2 ]

الكتاب: المسائل الصاغانية المؤلف: الشيخ المفيد (ره) تحقيق: السيد محمد القاضي الطبعة: الاولى التاريخ: 1413 ه‍ ق الناشر: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد المطبعة: مهر صف الحروف: مؤسسة دنا الكمية: 2000

[ 3 ]

الاهداء سيدي يا صاحب العصر. يا من نحظى برعايته. يلذ لي - وأنا أرفع إليك بكلتا يدي جهدي المتواضع - أن أخاطبك: يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين

[ 5 ]

بين يدى الكتاب * المؤلف في سطور * حول الكتاب * محتويات الكتاب * نسخ الكتاب * منهج التحقيق * شكر وتقدير

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وآله الطاهرين المنتجبين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين، من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. المؤلف في سطور * هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي، العكبري، البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد، وبابن المعلم. * ولد سنة 336 ه‍، وقيل: سنة 338 ه‍، في بلدة (عكبرا) (1). * ترعرع في كنف والده الذي كان معلما في واسط، ولذا كان ابنه يكنى بابن المعلم. * انحدر به أبوه إلى بغداد وهو بعد صبي، وبغداد حينذاك حاضرة العلم، و مركز الحضارة وعاصمة العالم الاسلامي كله ومهد العلماء، ومهوى أفئدة المتعلمين.

(1) عكبرا: اسم بليدة من نواحي دجيل، قرب صريفين وأوانا، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ، والنسبة إليها عكبري وعكبراوي. (معجم البلدان 4: 142).

[ 8 ]

* لقبه الرماني ب‍ (المفيد)، لسبب محاجته المعروفة معه، وكان المترجم له يقرء آنذاك على أبي عبد الله الحسين بن علي المعروف ب‍ (جعل) في منزله بدرب رباح. * شيوخه وأساتذته يربون على الخمسين، جلهم من أقطاب المدرسة البغدادية، في الأدب والفقه والحديث وغيرها. * صفاته: كان شيخا، ربعة (1)، أسمر نحيفا، قوي النفس، كثير البر والصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، حسن اللباس، يلبس الخشن من الثياب، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، حسن اللسان والجدل، صبور على الخصم، ضنين السر، جميل العلانية. * كان له مجلس نظر في داره بدرب رباح، يحضره كافة العلماء من سائر الطوائف، يناظر أهل كل عقيدة، زاره ابن النديم صاحب الفهرست في ذلك المجلس و قال عنه: شاهدته فرأيته بارعا. * كان مديما للمطالعة والتعليم، من أحفظ الناس وأحرصهم على التعليم، يدور على حوانيت الحاكة والمكاتب فيتلمح الصبي الفطن فيستأجره من أبويه. * مؤلفاته ومصنفاته ناهزت المائتين أو جاوزتها. * وقعت في أيامه اضطرابات وفتن طائفية في بغداد، وكان من مقتضيات السياسة اللئيمة آنذاك نفي المترجم له من بغداد، ووضعه تحت الإقامة الجبرية خارجها، ونصرة المعتدين عليه. فمن ذلك ما حدث سنة (393 ه‍)، وتكرر في رجب عام (398 ه‍)، وكان إخراج المفيد من بغداد ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، إلى أن شفع فيه

(1) اي مستقيم القامة.

[ 9 ]

علي بن المزيد فأعيد. * توفي في بغداد، في العقد الثامن من عمره المملوء بالكفاح، سنة (413 ه‍)، و شيعه ثمانون ألفا من الباكين عليه. * صلى عليه تلميذه الشريف المرتضى الموسوي، بميدان الاشنان، وضاق بالناس على كبره. * دفن بداره في بغداد، ثم نقل إلى مقابر قريش، فدفن عند رجلي الإمام محمد ابن على الجواد (عليه السلام)، بجنب استاذه الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي، صاحب كتاب (كامل الزيارات). * رثاه الشريف المرتضى، والشيخ عبد المحسن الصوري وغيرهما من الشعراء، و من أروع ما رثي به مرثية مهيار الديلمي، التي جاوزت تسعين بيتا، والتي يقول فيها: ما بعد يومك سلوة لمعلل * مني ولا ظفرت بسمع معذل سوى المصاب بك القلوب على الجوى * فيد الجليد على الحشا المتململ وتشابه الباكون فيك فلم يبن * دمع المحق لنا من المتعمل كنا نعير بالحلوم إذا هفت * جزعا ونهزأ بالعيون الهمل فاليوم صار العذر للفاني أسى * واللوم للمتماسك المتجمل إلى أن يقول: يا مرسلا إن كنت مبلغ ميت * تحت الصفائح قول حي مرسل فلج الثرى الراوي فقل (لمحمد) * عن ذي فؤاد بالفجيعة مشعل من للخصوم اللد بعدك غصة * في الصدر لا تهوي ولا هي تعتلي من للجدال إذا الشفاه تقلصت * وإذا اللسان بريقه لم يبلل من بعد فقدك رب كل غريبة * بكربك افترعت وقولة فيصل

[ 10 ]

ولغامض خاف رفعت قوامه * وفتحت منه في الجواب المقفل من للطروس يصوغ في صفحاتها * حليا يقعقع كلما خرس الحلي يبقين للذكر المخلد رحمة * لك من فم الراوي وعين المجتلي كم قد ضممت لدين آل (محمد) * من شارد وهديت قلب مضلل فليجزينك عنهم من لم يزل * يبلو القلوب ليجتبي وليبتلي ولتنظرن إلى (علي) رافعا * ضبعيك يوم البعث ينظر من عل إلى أن يقول: وهو يصف التشييع ما إن رأت عيناي أكثر باكيا * منه وأوجع رنة من معول حشدوا على جنبات نعشك وقعا * حشد العطاش على شفير المنهل وتنازفوا الدمع الغريب كأنما ال‍ * إسلام قبلك امه لم تثكل يمشون خلفك والثرى بك روضة * كحل العيون بها تراب الأرجل ويختم رائعته بقوله: رقاصة القطرات تختم في الحصا * وسما وتفحص في الثرى المتهيل نسجت لها كف الجنوب ملاءة * رتقاء لا تفصى بكف الشمأل صبابة الجنبات تسمع حولها * للرعد شقشقة القروم البزل ترضي ثراك بواكف متدفق * يروي صداك وقاطر متسلسل حتى يرى زوار قبرك إنهم * حطوا رحالهم بواد مبقل ومتى ونت أو قصرت أهدابها * أمددتها مني بدمع مسبل

[ 11 ]

حول الكتاب لقد كان من جملة مقتضيات الزعامة العامة للإمامية التي بلغها الشيخ المفيد (رحمه الله) في زمانه، وجود نواب له، وممثلين عنه في كثير من النواحي والبقاع في أرجاء المعمورة، حيث تواجد الشيعة الإمامية. ومن البديهي ان النائب يمثل امتدادا طبيعيا لعقيدة المنوب عنه واتجاهاته وانطباعاته عن الأشياء، ويبقى كلما أشكل عليه أمر - من مختلف الميادين - استرشد بموكله، واستمد من توجيهاته، وهكذا كانت نشأة هذا الكتاب، والذي نحن على أبوابه. فالكتاب جملة مسائل وردت شيخنا المفيد (رحمه الله)، أرسلها إليه وكيله من ناحية (صاغان)، وكان قد أدلى بها فقيه الأحناف في ذلك البلد، ولم يكن له بد من إرسالها إلى زعيم الإمامية ليجيب عنها ويشفعها بالأدلة والبراهين. ولا بد من الإشارة إلى نقاط عدة: الأولى: صاغان أو صاغانيان اسم لموضعين: الأول: كورة عظيمة بما وراء النهر، واليها ينسب الحافظ في اللغة الحسن بن محمد ابن الحسن الصاغاني، صاحب كتاب (العباب الزاخر) في اللغة. (1) الثانية: قرية بمرو، أو سكة بها، وهو - أي صاغان - معرب چاغان أو چاغان كوه (2)، ولعلها: هي التي تعرف الآن ب‍ (طاغان) وتقع في الشمال الغربي لمدينة نيشابور، على بعد حوالي (60 كم) منها. وقد تشتبه النسبة بين هذين الموضعين.

(1) تاج العروس 9: 259.
(2) معجم البلدان 3: 389، تاج العروس 9: 260.

[ 12 ]

ومن المرجح أن يكون البلد الثاني هو البلد الذي وردت منه هذه المسائل إلى شيخنا المفيد (رحمه الله)، وذلك لعدة قرائن: الأولى: ورود ابن الجنيد - الجنيدي - نيسابور، واجتماع الفقيه الحنفي - صاحب المسائل - به هناك، كل هذا يناسب قرب (صاغان) من نيسابور. الثانية: ذكر المؤلف (خراسان) من بين بقية البلدان، وذلك عند تعرضه للجهال المنتمين إلى المذاهب الأخرى في - أواخر المسألة الاولى -، وهو ينبئ عن وجود مناسبة، ولا مناسبة إلا كون صاغان من أعمال ذلك الإقليم. الثانية: الذي يغلب على الظن ان الفقيه الحنفي صاحب هذه الأقوال هو: أبو العباس الفضل بن العباس بن يحيى بن الحسين الصاغاني الحنفي، له عدة تصانيف، سمع الحديث بنيسابور، وحدث بخراسان، قدم بغداد حاجا سنة عشرين وأربعمائة، و حدث بها، وسمع منه الخطيب البغدادي. (تاريخ بغداد 2 / 280) ويؤيده: أولا: ان ابا العباس الصاغاني - هذا - هو الفقيه الحنفي الوحيد في ذلك البلد، والمبرز فيه، وأيضا هو من معاصري شيخنا المفيد (رحمه الله)، حيث قدم بغداد سنة 420. ثانيا: اللقاء الذي جرى بين الفقيه الحنفي - صاحب الأقوال - وابن الجنيد في نيسابور يؤيد ذلك أيضا، لأن أبا العباس الصاغاني سمع الحديث بنيسابور، فلعل اجتماعه بالجنيدي كان أيام سماعه الحديث بها. لكن التاريخ المذكور لورود ابن الجنيد نيسابور وهو سنة 340 قد لا يتناسب مع تاريخ مجئ الصاغاني إلى بغداد وهو سنة 420، إذ يلزم منه أن يكون الصاغاني قد دخل بغداد وعمره ناهز المائة أو جاوزها، ودخول معمر - يروم الحج - بغداد وعدم تنبه

[ 13 ]

الخطيب البغدادي أو تنبيهه على ذلك، مع سماعه الحديث منه واجتماعه به، غريب جدا. فيتوجه احتمال التقاء الصاغاني بابن الجنيد بعد وصوله نيسابور بعدة سنوات. علما بأن وفاة ابن الجنيد كانت سنة 380. وأيضا يتوجه احتمال التصحيف أو التحريف لتاريخ ورود ابن الجنيد نيسابور، عن تاريخ متأخر عن ذلك. ثالثا: اهتمام الشيخ المفيد (رحمه الله) في رد هذه الأقوال، ونقضها، وسوق الشواهد الوافرة على بطلانها، وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن قائلها ذو شأن في بلاده أو غيرها، وإلا فما أكثر المشنعين على الشيعة الإمامية؟! وقد سمعت ان أبا العباس الصاغاني هو الفقيه الحنفي الوحيد في هذا البلد. الثالثة: المرسل لهذه المسائل من صاغان إلى الشيخ المفيد (رحمه الله)، فهذا الذي لم أهتد إليه. ولعل دراسة شاملة للشيخ المفيد ولتلامذته ونوابه ومدى نفوذه في الأطراف، هي التي ترشدنا إلى ذلك.

[ 14 ]

محتويات الكتاب قلت: إن هذا الكتاب هو جملة مسائل وردت شيخنا المفيد (رحمه الله)، وهي عشر مسائل من مختلف أبواب الفقه، شنع بها فقيه حنفي على الشيعة الإمامية، وادعى انهم خارجون بها عن الايمان، مخالفون لنصوص القرآن، أعرض هذه المسائل على الترتيب: المسألة الاولى: في نكاح المتعة. المسألة الثانية: عدم بطلان نكاح الذمي إذا أسلمت زوجته. المسألة الثالثة: إعارة الإماء بين الجواز والحرمة. المسألة الرابعة: جواز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها. المسألة الخامسة: الطلاق الثلاث في مجلس واحد طلاق واحد. المسألة السادسة: عدم وقوع الطلاق والظهار موقع اليمين. المسألة السابعة: الزوجة لا ترث من رباع الأرض. المسألة الثامنة: الحبوة للولد الأكبر. المسألة التاسعة: في قتل الرجل المرأة، القصاص ونصف الدية على المقتص. المسألة العاشرة: دية التنكيل بالميت دية الجنين. ولقد كانت أجوبة شيخنا المفيد (رحمه الله) عن هذه المسائل العشر وكافة فروعها غنية ومشبعة بالاستدلال الفقهي الرصين، ولم تكن مصادر استدلاله تتجاوز الأدلة الأربعة المألوفة لدى استنباط الأحكام الشرعية، ألا وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع والعقل. ثم ان شيخنا المفيد (رحمه الله) لم يكتف بالإجابة المشفوعة بالدليل والبرهان، بل أضاف إلى المسائل العشر خاتمة، بين فيها جملة وافرة من فروع الفقه، التي خالف فيها أبو حنيفة مصادر التشريع الإسلامي والحكم الشرعي.

[ 15 ]

نسخ الكتاب توجد لهذا الكتاب عدة نسخ متناثرة هنا وهناك، ولكن الذي تناولته يدي منها أثناء التحقيق ثلاثة: الأولى: نسخة قديمة نفيسة، مجهولة الناسخ والتاريخ، يرقى تاريخها إلى القرن السابع أو الثامن الهجري كتبت بخط النسخ، عليها عدة تملكات، أقدمها تملك علي بن الحسين الولياني بتاريخ غرة محرم سنة 888 ه‍. وتقع النسخة ضمن مجموعة من رسائل الشيخ المفيد، وكلها بخط واحد. في 36 ورقة، والمجموعة في 153 ورقة، مختلفة الأسطر، بمقياس 5 / 24 * 17 سم. وهي من مخطوطات مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي (قدس سره) برقم (255). وقد رمزت لها بحرف (أ) الثانية: مجهولة الناسخ والتاريخ أيضا، يرقى تاريخ نسخها إلى القرن الثالث عشر الهجري، كتبت بخط النسخ، وتقع ضمن مجموعة من رسائل الشيخ المفيد أيضا. في 36 ورقة، والمجموعة في 179 ورقة، 17 سطر، بمقياس 5 / 18 * 12 سم. وهي من مخطوطات مكتبة النجفي المرعشي أيضا، برقم (78)، وقد رمزت لها بحرف (ب). ويبدو لي واضحا ان هذه النسخة كتبت على النسخة الأولى، كما يبدو أن الناسخ كان من أهل المعرفة، حيث نراه قد صحح موارد الخطأ في نسخته، ولم يعتمد كليا على النسخة التي نقل عنها. الثالثة: مجهولة الناسخ والتاريخ، يرقى تاريخها إلى القرن الحادي عشر الهجري، كتبت بخط النسخ، عليها عدة تملكات، أقدمها بتاريخ 1122 ه‍، عليها ختم مربع في وسطه [ اللهم صل على محمد وآل محمد سنة 1094 ]، وتقع هذه النسخة ضمن

[ 16 ]

مجموعة من رسائل الشيخ المفيد أيضا. في 55 صفحة، والمجموعة في 422 صفحة، 23 سطر، بمقياس 3 / 13 * 2 / 26 سم. وهذه النسخة من مخطوطات مكتبة إمام جمعة خوي المهداة إلى المجلس النيابي (شوراى اسلامي) بطهران، تحت الرقم العام 63615، وقد رمزت لها بحرف (ج). وهذه النسخة كسابقتها كتبت على النسخة الأولى، بيد أن ناسخها على ما يظهر لم يكن من أهل المعرفة والفن، فهو يحاول رسم الكلمة التي تعسر قراءتها عليه رسما موافقا للنسخة التي ينقل عنها فهو والحالة هذه يزيد في الطين بلة كما يقال.

[ 17 ]

منهج التحقيق لقد حاولت لدى تحقيقي الكتاب اتباع المنهج التقليدي المألوف لتحقيق النصوص، ويتمثل بالخطوات التالية: 1 اعتمدت في تحقيق نص الكتاب على النسخ الثلاث الخطية المتقدمة الذكر. و لما كانت النسخة الأولى منها هي نسخة الأصل التي كتبت عليها النسختان كما سمعت لم يكن في فرز جميع الاختلافات كبير فائدة، فلذا جعلت النسخة الأولى هي الأصل والنسختان الباقيتان مؤيدات وموضحات لموارد تعذر قراءة النص من النسخة الأولى - وأشرت إلى ذلك في الهامش، وقد لاحظت في النسخة الأولى أخطاء طفيفة صححتها في المتن وأثبت ما هو في المخطوطة في الهامش.
2 - تخريج الآيات القرآنية الواردة في المتن، بذكر اسم السورة ورقم الآية منها. 3 تخريج الأحاديث النبوية وكذلك أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) من المجاميع الحديثية المعروفة المتداولة، بذكر اسم المصدر والجزء والصفحة التي يوجد فيها الحديث، مع الإشارة إلى اختلاف النص عن المصدر - إن وجد. 4 دعم وتوثيق ما ينقله المؤلف - جهد الامكان - من أقوال وآراء الصحابة والتابعين والفقهاء وغيرهم، وذلك بإرجاع أقوالهم وآرائهم إلى المصادر الأولية أو المراجع الثانوية. 5 تعريف بالأعلام الواردين في هذا الكتاب، بذكر موجز عن حياتهم مع الإشارة إلى مصدر أو مصادر الترجمة. فهذا موجز عن خطوات المنهج المتبع لدي عند تحقيق الكتاب، فان أكن قد أحسنت فيه فذلك هو المأمول، وإن تكن الأخرى فلعله يكون بداية وبذرة منتجة لعمل أوسع و لدراسة شاملة عن الكتاب، ومن الله التوفيق والسداد.

[ 18 ]

شكر وتقدير أتقدم بخالص شكري وامتناني للأخ الاكبر سماحة الحجة الفاضل الشيخ محمد مهدي نجف حفظه الله تعالى، حيث كان الباعث لي في هذا العمل مع توجيهاته السديدة، وملاحظاته الصائبة. كما وأتقدم بخالص الشكر وجميل الثناء لأسرة مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، وعلى رأسها سماحة الأخ الفاضل الحجة السيد جواد الشهرستاني حفظه الله، حيث فتحت لي - وبكل رحابة صدر - أبواب مكتبتها العامرة واستفدت من مصادرها القيمة. ولا يفوتني - وأنا في هذه العجالة - أن أتقدم بشكري الجزيل وثنائي العطر لإدارة المؤتمر العالمي للذكرى الألفية للشيخ المفيد، حيث أخذت على عاتقها طباعة هذا الكتاب مع بقية مؤلفات شيخنا المفيد (رحمه الله). وفي الختام أرفع كلتا يدي بالتضرع إلى الباري عزوجل في أن يوفق الجميع لما فيه خير وصلاح الإسلام وأهله، إنه سميع مجيب. محمد السيد كاظم القاضي الطباطبائي 6 / ربيع الأول / 1413 ه‍ المصادف 5 / 9 / 1992 م

[ 20 ]

نموذج للصفحة الاولى من النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي (قدس سره)، ضمن المجموع المرقم 243 والتي رمزت لها بالحرف (أ)

[ 21 ]

نموذج للصفحة الأخيرة من النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي (قدس سره)، ضمن المجموع المرقم 243 والتي رمزت لها بالحرف (أ)

[ 22 ]

نموذج للصفحة الأولى من النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي (قدس سره)، ضمن المجموع المرقم 78 والتي رمزت لها بالحرف (ب)

[ 23 ]

نموذج للصفحة الأخيرة من النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي (قدس سره)، ضمن المجموع المرقم 78 والتي رمزت لها بالحرف (ب)

[ 24 ]

نموذج للصفحة الأولى من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة المجلس النيابي - الشورى الإسلامي - في طهران، ضمن المجموع المرقم 8 وبالرقم العام 63615 والتي رمزت لها بالحرف (ج)

[ 25 ]

نموذج للصفحة الأخيرة من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة المجلس النيابي - الشورى الاسلامي - في طهران، ضمن المجموع المرقم 8 وبالرقم العام 63615 والتي رمزت لها بالحرف (ج)

[ 27 ]

المسائل الصاغانية تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم أبي عبد الله، العكبري، البغدادي (336 - 413 ه‍)

[ 29 ]

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن برحمتك الحمد لله على سبوغ نعمته، وله الشكر على ما خصنا به من معرفته، و هدانا إليه من سبيل طاعته، ووقفنا من الاستبصار بحجته، ورزقنا من التمسك بحبله المتين وعروته، الذين اصطفاهم من خيرته، واجتباهم للحجة على بريته، محمد سيد أنبيائه وصفوته، والأئمة الطاهرين من عترته، عليهم أفضل صلواته ورحمته، وإياه نسأل تمام ما حبانا فيه من كرامته، بالعصمة مما شمل أهل عداوته، من الخذلان بالضلال عن حكمته، والاختلاف في شرع نبيه (صلى الله عليه وآله) والخلاف لسنته، وإن ثبت لنا برأفته ما نستديم به التوفيق في القول والعمل بمعونته، إنه ولي ذلك بلطفه وقدرته. وبعد: فقد وقفت - أدام الله عزك - على ما ذكرت عن شيخ بناحيتك من أصحاب الرأي، وما هو عليه من التحريك في عداوة أولياء الله منهم، والتبديع لهم، فيما يذهبون إليه من الأحكام المأثورة عن أئمة الهدى من آل محمد (عليهم

[ 30 ]

السلام)، وأنه قد لج بذكر عشر مسائل، عزى إليهم فيها أقوالا قصد بها التشنيع، وحكم عليهم فيها بالتضليل، وادعى أنهم خارجون بها عن الإيمان، مخالفون بمقالهم فيها نصوص القرآن. وسألت - بعد ذكرك في كتابك الي على التفصيل والبيان - أن أقفك على الحقيقة من ذلك بما يرفع الريب فيما تعمده من التخرص علينا والبهتان. وأنا مجيبك أيدك الله إلى ما سألت، ومبين عين وجه الحق فيما فصلت وأجملت، وموضح عن القول فيه كما أحببت والتمست. ومبين لك بعد الفراغ من ذلك - بمشيئة الله - أقوالا ابتدعها إمام هذا الشيخ المتعصب على أهل الحق في الأحكام، خالف فيها سائر فقهاء الإسلام، و باين برأيه فيها جميع علماء الأنام، بدعه بهاذوو العقول والأفهام، لتكشف - أيدك الله - بها عن عواره، عند أصحابه المغترين به وأتباعه، وتهتك بها قناع ضلاله، عند المعظمين له بجهالتهم من أشياعه، وتخرسه الفضيحة بها عن الشناعات، التي يلجأ إليها بعجزه - في المناظرة - عن الحجاج بانقطاعه... وبالله التوفيق....

[ 31 ]

المسألة الأولى ذكرت - أيدك الله - عن هذا الشيخ المتفقه عند نفسه لأهل العراق، أنه زعم أن الإمامية تبيح الزنا المحظور في نص التنزيل، من نكاح الاستمتاع، المعقود باشتراط الآجال، وأن قولهم في ذلك خلاف لجماعة فقهاء الأمصار، وقد حرمه الله تعالى في القرآن حيث يقول: (والذين هم لفروجهم حافظون () إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين () فمن ابتغى وراء ذلك فاؤلئك هم العادون) (1). قال: وقد اتفق هذا الفريق - يعني الإمامية - على أن المتمتع بها ليست بزوجة ولا ملك يمين، وفي اتفاقهم على ذلك إقرار بأنهم فيما أباحوه من النكاح ضالون. فصل قلت: وزعم أن الخبر قد ثبت عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: الولد

(1) المؤمنون 5 - 7.

[ 32 ]

للفراش وللعاهر الحجر (1)، وأن الرافضة على ما (2) اتفق على نفي ولد المتعة، فلو كان عن نكاح لثبت بالفراش، وإذا لم يكن نكاح المتعة فراشا فهو سفاح محظور. فأقول: - وبالله التوفيق - إن أول ما افتتح به هذا الشيخ كلامه سفه، و فرية توجب عليه الحد باتفاق، وذلك أنه لا خلاف بين فقهاء الأمة أن حد الزنا ساقط في نكاح الاستمتاع، فالمحلل له منهم يسقطه (3) باعتقاد الإباحة فيه، كما يسقطه من ضروب النكاح الحلال، والمحرم له يسقط الحد فيه للشبهة الرافعة - عنده - للحدود (4)، وهم مجمعون - مع ذلك - على أن من سمى المستمتع زانيا، أو سمى المستمتع بها زانية، كان مفتريا بذلك قاذفا (5)، والقرآن مصرح والسنة معا بإيجاب الحد على المفترين (6)، وهذا ينبئ عن صحة ما حكمنا به على

(1) الموطأ 2: 739، مسند أحمد بن حنبل 2: 239، سنن الدارمي 2: 152، صحيح البخاري 4:، صحيح مسلم 2: 108، سنن أبي داود 2: 282، سنن ابن ماجه 2: 904، سنن الترمذي 3: 463، سنن النسائي 6: 108، من لا يحضره الفقيه 3: 450، تهذيب الأحكام 8: 183.
(2) بياض في أبمقدار كلمة.
(3) في جميع النسخ: يسقط، وما أثبته أنسب.
(4) المدونة الكبرى 6: 202، المغني لابن قدامة 10: 151، الشرح الكبير 10: 177، التفريع لابن الجلاب 2: 48، 49، الكافي لابن عبد البر: 238، الفروع لابن مفلح 6: 74، النتف في الفتاوي 2: 633، بداية المجتهد 2: 434، مغني المحتاج 4: 145، نهاية المحتاج 7: 425، فتح المعين 4: 144، الانصاف 10: 182، كشاف القناع 5: 97، البحر الزخار 6: 146، مجمع الأبهر 1: 595.
(5) المدونة الكبرى 6: 202.
(6) أما من القرآن الكريم فهو قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) النور: 4. وأما السنة ففيها الكثير، منها قوله صلى الله عليه وآله لهلال بن أمية - لما قذف امرأته - (أربعة شهداء، وإلا فحد في ظهرك، يردد ذلك عليه مرارا). سنن النسائي 6: 172. ومنها: ما قضى به أمير المؤمنين (ع) أن الفرية ثلاثة: - يعني ثلاث وجوه - إذا رمى الرجل الرجل بالزنا، وإذا قال إن أمه زانية، وإذا دعي لغير أبيه فذلك حد ثمانون. فروع الكافي 7: 205

[ 33 ]

هذا الشيخ المتعصب من استحقاق العقاب على ما لفظ به من الكلام المحظور. فصل ثم من أعجب الأمور وأطرفها من هذا الخصم، وأدلها على فرط غباوته وجهله، أن أبا حنيفة إمامه، وجميع من أخذ عنه رأيه، وقلده من أصحابه، لا يختلفون في أن العاقد على أمه أو ابنته وأخته، وسائر ذوات أرحامه، ووطئه لهن بعد العقد، مع العلم بصحة نسبه منهن، واعتقاد حظر ذلك عليه، وتغليظه في الشريعة، ليس بزان، من أجل العقد، وأن الحد ساقط عنه لذلك، ومن سماه زانيا به كان مفتريا عنده (1)، ثم شنع على الشيعة بنكاح المتعة الذي شرعه النبي (صلى الله عليه وآله) بإجماع الأمة، واتفق على إباحته آل محمد (عليهم السلام) (2)، وخيار الصحابة الأبرار، ووجوه التابعين بإحسان (3)، و يسمي العاقد له على الأجنبية منه، المباح عقد النكاح عليها له زانيا. إن هذا لبدع من المقال لا يذهب الخلل والتناقض فيه على سليم من الآفات.

(1) المبسوط للسرخسي 9: 85، فتح القدير 5: 35، المحلى 11: 25 3، المغني 10: 149، رحمة الأمة: 152.
(2) وقد استفاضت به أحاديثهم (ع) فمن ذلك حديث زرارة - في الصحيح - قال: جاء عبد الله بن عمير الليثي إلى أبي جعفر (ع) فقال له: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: أحلها الله في كتابه وعلى سنة نبيه صلى الله عليه وآله، فهي حلال إلى يوم القيامة. الحديث (فروع الكافي 5: 449) (3) يأتي تفصيله في ص.

[ 34 ]

فصل فأما احتجاجه بما تلاه من سورة المؤمنين، فإنه لا حجة فيه له على حال، و ذلك أن المستمتع بها زوجة عند جميع الشيعة، ومن دان بإباحتها من مخالفيهم، وما ادعاه عليهم من إنكار ذلك، باطل منه وبهتان ومذهبهم فيه - على اجتماعهم - نقيض دعواه. ولو امتنع منهم ممتنع من التسمية للمستمتع بها بالزوجية - على ما تظنى له - يناف (1) بذلك حكم ما تلاه، لجواز وجود نكاح ثالث ينضم إلى هذين النكاحين في التحليل، ينطق به قرآن أو سنة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، فيقوم ذلك مقام الآية الواحدة في تضمنها للأقسام، ولم يكن ممتنعا باتفاق أهل اللسان أن تنزل الآية على هذا الترتيب، فيكون تقدير الكلام: (والذين هم لفروجهم حافظون () إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) (2). وإذا لم يستحل ذلك في تقدير الكلام، لم يبق في صحته إلا وجوده في آية أخرى من القرآن، أو سنة ثابتة عن النبي (صلى الله عليه وآله). وهو موجود في الموضعين جميعا على البيان، قال الله تعالى: بعد ذكر المحرمات في النكاح (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) (3)، فنطق الذكر الحكيم بإباحة نكاح الاستمتاع على اليقين.

(1) كذا في النسخ، ولعل الصواب (لم يناف).
(2) المؤمنون: 5، 6.
(3) النساء: 24.

[ 35 ]

وثبتت الرواية عن عبد الله بن مسعود (1) و عبد الله بن عباس (2) أنهما كان يقرآن هذه الآية (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) (3)، وهذا ظاهر صريح في نكاح المتعة المخصوص. وأما السنة: فالإجماع ثابت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أطلق نكاح المتعة المشروط بالأجل، وأذن فيه، وعمل به المسلمون في حياته (4)، و ولد منه أولاد في عصره (5)، وفي إجماع الأمة على ذلك بطلان ما تعلق به الخصم في كلامه لما قدمناه. وقد استقصيت الكلام في هذه المسألة في مواضع شتى من أمالي، و أفردت أيضا فيها كتبا معروفات (6)، فلا حاجة بي إلى الإطالة فيه والإطناب.

(1) هو أبو عبد الرحمن، ابن أم عبد الهذلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، وخادمه، أسلم قبل عمر، و حفظ من في رسول الله صلى الله عليه وآله سبعين سورة. (تذكرة الحفاظ: 240) (2) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، الإمام البحر، عالم العصر، أبو العباس الهاشمي، دعا له النبي صلى الله عليه وآله أن يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل. (تذكرة الحفاظ: 240) (3) الكشاف للزمخشري 1: 519، أحكام القرآن لابن العربي 1: 389، الجامع لأحكام القرآن 5: 130، تفسير ابن كثير 1: 474، التفسير الكبير 10: 50، الدر المنثور 2: 484، نيل الأوطار 6: 275.
(4) المغني 7: 57 1، الشرح الكبير 7: 537، الإنصاف 8: 163، وفيه: وعن أحمد: الحكم بالكراهة، كشاف القناع 5: 97، المبسوط 5: 152، أحكام القرآن للجصاص 2: 147، المحلى 9: 519، كتاب النيل 6: 318.
(5) استمتع ابن حريث وابن فلان، كلاهما ولد له من المتعة، زمان أبي بكر وعمر. (كنز العمال 16: 518) سمعت عبد الله بن الزبير يخطب وهو يعرض بابن عباس، يعيب عليه قوله في المتعة، فقال ابن عباس: يسأل أمه إن كان صادقا، فسألها، فقالت: صدق ابن عباس، قد كان ذلك. فقال ابن عباس: لو شئت لسميت رجالا من قريش ولدوا فيها. (مشكل الآثار للطحاوي 3: 24). عير عبد الله بن الزبير عبد الله بن عباس بتحليله المتعة، فقال له: سل أمك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك؟! فسألها، فقالت: ما ولدتك إلا في المتعة. (محاضرات الأدباء 2: 214).
(6) للمؤلف ثلاثة كتب في المتعة، ذكرها النجاشي في رجاله عند تعداده لمصنفات المؤلف، وهي كتابه =)

[ 36 ]

فصل فأما دعواه علينا - في نكاح المتعة - الخلاف على كافة فقهاء الأمصار، فهو من تخرصه الذي قدمنا وصفه فيه بالبهتان، وعيون فقهاء الصحابة والتابعين بإحسان يروون في إباحته ما يلائم مذهب آل محمد (عليهم السلام)، وقد حكى ذلك عنهم من لا يتهم عليهم، من الفقهاء ورواة الأخبار. فذكر أبو علي الحسين بن علي بن يزيد - (1) وهو من جملة فقهاء العامة - في كتابه المعروف بكتاب (الأقضية): أنه قال بنكاح المتعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله): عبد الله بن مسعود (2)، ويعلي بن أمية (3)، و جابر بن عبد الله (4)، وعبد الله بن عباس (5)، وصفوان بن أمية (6)، ومعاوية بن

(= في المتعة، وكتاب الموجز في المتعة، وكتاب المختصر فيها. وقد نقل عنها - كتاب المتعة - المجلسي في البحار، والحر العاملي في وسائل الشيعة. انظر: رجال النجاشي 2: 328، بحار الانوار 100: 305، وسائل الشيعة 21: 10، الذريعة 19: 66. (1) الذي يغلب على الظن أنه: الكرابيسي، رغم أن مترجميه لم يذكروا له هذا المصنف في تعداد مؤلفاته، وهو: الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي، البغدادي، صاحب الشافعي وأشهرهم بانتياب مجلسه، وأحفظهم لمذهبه. له تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه، وكان متكلما، عارفا بالحديث، وصنف في الجرح والتعديل، وأخذ عنه خلق كثير. توفي سنة خمس - وقيل: سنة ثمان - وأربعين ومائتين. (الوافي بالوفيات 12: 430).
(2) وقد تقدمت قراءته للآية الشريفة (فما استمتعتم به منهن إلى أجل).
(3) هو يعلي بن أمية، ابن منية، ومنية أمه، التميمي، حليف قريش، عامل عمر على نجران، له صحبة. (التاريخ الكبير للبخاري 8: 414).
(4) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، أبو عبد الله الأنصاري، الفقيه، مفتي المدينة في زمانه، كان آخر من شهد بيعة العقبة، في السبعين من الأنصار، حمل عن النبي صلى الله عليه وآله الشئ الكثير. (تذكرة الحفاظ: 43) (5) وقد تقدم أنه كان يقرأ (فما استمتعتم به منهن إلى أجل).
(6) صفوان بن أمية بن خلف، أبو وهب الجمحي، له صحبة. (التاريخ الكبير 4: 304)

[ 37 ]

أبي سفيان (1)، وغيرهم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله). وجماعة من التابعين، منهم: عطاء (2)، وطاوس (3)، وسعيد بن جبير (4)، وجابر بن يزيد (5)، وعمرو بن دينار (6)، وابن جريج (7)، وجماعة من أهل مكة والمدينة، وأهل اليمن، وأكثر أهل الكوفة. قال أبو علي: لم يحكم أحد من المسلمين على من تمتع بحد، وعذرهم الفقهاء بما رووا فيها عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه والتابعين.

(1) معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية، أمه هند بن عتبة بن ربيعة، أظهر إسلامه يوم الفتح، حدث عن النبي صلى الله عليه وآله، وكتب له مرات يسيرة. عده ابن حزم الأندلسي ممن ثبت على تحليل المتعة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. (سير أعلام النبلاء 3: 12 2، وانظر المحلى 9: 519) (2) عطاء بن أبي رباح، مفتي أهل مكة ومحدثهم، ولد في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة عمر، و كان أسود مفلفلا، فصيحا كثير العلم، من مولدي الجند. عده ابن حزم ممن ثبت على تحليل المتعة. (تذكرة الحفاظ: 89، المحلى 9: 519) (3) طاوس بن كيسان، أبو عبد الرحمن، اليماني الجندي، كان شيخ أهل اليمن، وبركتهم، ومفتيهم، و كان كثير الحج، فاتفق موته بمكة، قبل يوم التروية بيوم، سنة ست ومائة. عده ابن حزم ممن ثبت على تحليل المتعة. (تذكرة الحفاظ: 90، المحلى 9: 519) (4) سعيد بن جبير الوالبي، مولاهم الكوفي، المقرئ الفقيه، أحد الأعلام، سمع من ابن عباس وعدي ابن حاتم... قتله الحجاج في شعبان، سنة خمس وتسعين، وله تسع وأربعون سنة. وهو من الذين كانوا يقرؤن هذه الآية (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى). (تذكرة الحفاظ: 76، وانظر: تفسير ابن كثير 1: 474) (5) جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبد الله، قال وكيع: مهما شككتم في شئ فلا تشكوا في أن جابرا ثقة. وقال سفيان الثوري لشعبة: لئن تكلمت في جابر الجعفي لأتكلمن فيك. (تهذيب الكمال 4: 465) (6) عمرو بن دينار الحافظ، إمام الحرم، أبو محمد الجمحي، مولاهم المكي الأثرم، ولد سنة ست و أربعين، سمع ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله. (تذكرة الحفاظ: 113) (7) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، فقيه الحرم، أبو الوليد الرومي، الأموي، مولاهم المكي، الفقيه صاحب التصانيف، قال جرير: كان ابن جريج يرى المتعة، تزوج ستين امرأة. وقال الشافعي: استمتع ابن جريج بسبعين امرأة. (تذكرة الحفاظ: 170)، (تهذيب التهذيب 6: 360)

[ 38 ]

ثم ذكر بعض الأخبار في ذلك، فقال: أخبرنا محمد بن عبد عن إسماعيل عن قيس عن عبد الله قال: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن نتمتع من النساء. قال: وأخبرنا عبد الوهاب بن مسعود بن عطا عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا نتمتع على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بملء القدح سويقا، وبالقبضة من التمر. قال: وأخبرنا عبد الوهاب عن ابن جريج عن عطا عن ابن عباس: أنه كان يراها حلالا، ويقرأ (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) (1). وذكر أبو جعفر محمد بن حبيب النحوي (2)، في كتابه المعروف بكتاب (المحبر) من كان يرى المتعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: جابر عن عبد الله الأنصاري، وزيد بن ثابت (3)، وسلمة بن الأكوع السلمي (4)، و

(1) لم أعثر على هذه الأحاديث في مظانها، مضافا إلى فقدان الكتاب الذي ينقل عنه المؤلف، إلا أن مضامينها متواترة، أذكر منها: خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أذن لكم أن تستمتعوا، يعني متعة النساء. (صحيح مسلم: 1022) وعن جابر بن عبد الله: استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر. (صحيح مسلم: 1023) وعن جابر: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق، الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حديث. (صحيح مسلم: 1023) (2) محمد بن حبيب صاحب كتاب (المحبر)، حدث عن هشام بن محمد الكلبي، كان عالما بالنسب و أخبار العرب، موثقا في رواياته، وحبيب أمه، وهو ولد ملاعنة. (تاريخ بغداد 2: 277) (3) زيد بن ثابت بن الضحاك، أبو خارجة الأنصاري، الخزرجي، النجاري، المقرئ، الفرضي، كاتب وحي النبي صلى الله عليه وآله. (تذكرة الحفاظ: 30) (4) سلمة بن الأكوع بن عبد الله بن قشير، أبو عامر، وكان من أشد الناس وأشجعهم راجلا. وهو الذي يقول: كنا في جيش فأتانا رسول رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إنه أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا. (الثقات لابن حبان 3: 167، صحيح مسلم: 1022)

[ 39 ]

عمران بن الحصين الخزاعي (1)، و عبد الله بن مسعود الهذلي، و عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، وأنس بن مالك (2). قال ابن حبيب: والصحيح علي بن أبي طالب (عليه السلام) (3). فصل وإذا كان من عددناه من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتابعين بإحسان يقول بمتعة النساء، ويفتي بتحليلها، ويدين الله بذلك، على ما ذكره ورواه من سميناه، ممن لا يتهم بعصبية للشيعة ولا يشك أهل الخلاف في ثقته وأمانته، وغيرهم من الفقهاء ورواة الأخبار، فكيف يجوز لهذا الشيخ المسرف على نفسه دعوى الإجماع من الفقهاء على تحريمها وخلاف الشيعة في تحليلها؟! لولا أنه لا يستحي من العناد. فصل فأما ما ادعاه علينا من نفي ولد المتعة، فإنه لا حق ببهتانه ومكابرته و

(1) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف، أبو نجيد الخزاعي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، إسلامه وقت إسلام أبي هريرة، له أحاديث عديدة، وكان ممن بعثه عمر بن الخطاب إلى أهل البصرة ليفقههم. (تذكرة الحفاظ: 29) (2) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم، أبو حمزة الأنصاري، النجاري، المدني، خادم رسول الله صلى الله عليه وآله، وله صحبة طويلة وحديث كثير، وكان آخر الصحابة موتا. (تذكرة الحفاظ: 44) (3) المحبر: 289، وفيه: خالد بن عبد الله، بدل (جابر)، وليس فيه عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب (ع)، ولعل نسخة المحبر التي بين أيدينا ناقصة.

[ 40 ]

تخرصه وقدر أمانيه، إذ الإمامية مجمعة على الفتيا بثبوت نسبه، وتعظيم القول في نفيه، المبالغة في إنكار ذلك على فاعله، ومتفقة على تسليم الوراثة له، عن أئمتها من آل محمد (عليهم السلام)، وتأكيد ثبوت النسب من هذا النكاح، وذلك موجود في كتبهم ومصنفاتهم (1)، وأخبارهم، ورواياتهم (2)، لا يختلف منهم اثنان فيه، ولا يشك أحد منهم في صحته، والجهل بذلك من إجماعهم بعد عن الصواب، والإنكار له مع العلم به بهت شديد تسقط معه مكالمة مستعمله، وارتكابه العناد. وأعجب شئ من هذا الباب أن المحرم لنكاح المتعة من مخالفي الشيعة يرى إلحاق ولد المتعة بأبيه، وينكر نفيه عنه، مع إطباقهم على أنه نكاح فاسد، وإنما يلحقون الولد فيه للشبهة - فيما يزعمون - بالعقد (3)، ثم تكون الشيعة التي ترى إباحتها، وتدين الله بتحليلها، وتعتقد صحة النكاح بها، وترى أن استعمالها سنة، تنفي الولد منها، ولا تثبت النسب بها؟! كلا ما يتوهم ذلك إلا مؤوف (4) خارج عن صفة العقلاء

(1) انظر: المقنع: 114، الهداية بالخير: 69، الكافي في الفقه: 298، المقنعة: 498، النهاية للطوسي: 243، الوسيلة: 310، المراسم: 155، السرائر 2: 624، الشرائع 2: 306.
(2) انظر: فروع الكافي 5: 454، 464، من لا يحضره الفقيه 3: 292، تهذيب الأحكام 7: 269، الاستبصار 3: 152.
(3) المغني 9: 58، 10: 151، الشرح الكبير 9: 69، 10: 177، الكافي لابن عبد البر: 238، التفريع 2: 49، كشاف القناع 10: 97، النتف في الفتاوي 2: 632، القوانين الفقهية: 213، المحلى 11: 250. (4) يقال طعام موؤف: أصابته آفة. (لسان العرب 9: 16).

[ 41 ]

فصل ثم قال هذا الشيخ المتفقه عند نفسه: وقد بلغني عن فسوق فقيه (1) الرافضة، ومتكلم لهم من أهل بغداد، كان قد سرق الكلام من أصحابنا المعتزلة، فبان بالفهم من طائفته لذلك، ولفق طريقا في الاحتجاج لفقههم، يسرقه من أصحابنا الفقهاء، أنه ادعى للمتمتعة سمة الزوجة، ليخلص من الحجة عليه في حظرها سمة الزوجة بقوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون () إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) (2). وهذا مذهب أحدثه هذا المتكلم لأصحابه، لم يتقدم في القول به أحد منهم، وحسبه به خروجا عن الإجماع. فصل فيقال له: لسنا نعرف للشيعة فقيها متكلما على ما حكيت عنه من أخذه الكلام من المعتزلة، وتلفيقه الاحتجاج للفقه على طريقة أصحابك، وهذا من تخرصك الذي أسلفت نظائره قبل هذا المكان، وادعاؤك على هذا الرجل المذكور الخروج بما رسم بالمتعة من الزوجية عن الإجماع، لاحق ببهتانك فيما مضى، والمحللون لها من الشيعة وغيرهم لا يختلفون في أنها زوجة، ونكاحها

(1) في أ: بفقه.
(2) المؤمنون: 5، 6.

[ 42 ]

صحيح مشروع في ملة الإسلام، إلا أن يجهل ذلك بعض عامتهم، فلا يكون في جهله للحق عيار على العلماء، فإن كان عندك شئ أكثر من الدعاوي الباطلة والسباب فهلمه، وإلا فالصمت أستر لعيبك الذي فضحك بين الملأ. فصل ثم قال صاحب الكلام: وبعد فإنا نقول له: أيقع بالمتعة طلاق؟ فإن قال: نعم، زالت الشبهة في مكابرته لأصحابه أولا، ثم لسائر الناس، وإن قال: لا، قيل له: كيف تكون زوجة من لا يقع بها الطلاق؟! وهذا معروف من ملة الإسلام. فصل فيقال له: أما المحفوظ من قول محللي المتعة فهو أنها لا يحتاج في فراقها لنكاحها إلى أكثر من حلول الأجل الذي وقع عليه العقد (1)، وأما وقوع الطلاق بها قبل وقوع الأجل فليس عنهم في شئ محفوظ، وسواء قالوا: إنه يقع طلاق أو لا يقع، فإنه لا يلزمهم ما ظننت في الكلام، ولا يخرجون بما يقولونه فيه من الإجماع. وذلك أنهم وإن حكموا بأن الطلاق لا يقع بها، احتجوا فيه: بأن الأجل

(1) انظر: المقنع: 114، الانتصار: 115، الوسيلة: 310.

[ 43 ]

مبين لها باتفاق من دان بتحليلها، ووقوع الطلاق غير محكوم به عليها، لعدم الحجة من الشريعة بذلك في حكمها، وما سبيله الشرع فلا نقتضب (1) إلا منه، ومتى لم يثبت في الشريعة لحوق الطلاق بها، لم يجز الحكم به على حال، و ليس في ذلك خروج عن الإجماع، لأن الأمة إنما أجمعت على وقوع الطلاق الثلاث بالزوجات التي لا ينعقد نكاحهن بالآجال، ولم يجمعوا على أنه واقع بالزوجات كلهن على العموم والاستيعاب، وليس يجوز حمل حكم بعض الزوجات على بعض في ملة الإسلام، لفساد القياس بها، لا سيما فيما لا تعرف له علة توجب الحكم فيعدى بها إلى ما سواه. وإن قالوا: إن الطلاق يقع بها قبل الأجل، لأنها زوجة، أو للاستظهار والاختبار والخروج بالتبرء عما فيه الشبهة من الاختلاف. لم يلزمهم في ذلك شئ يقدره مخالفوهم من الأحوال. ودعوى الخصم في هذا الفصل: أنهم خارجون به عن الإجماع، باطلة، لأنا قد بينا أنه لم يحفظ عنهم فيه ولا في نقيضه مقال، فكيف يكون القول بأحدهما خروجا عن الإجماع؟! اللهم إلا أن يعني بذلك أن القول فيما لم يقل فيه ولا في خلافه شئ يكون مبتدعا، فيلزمه ذلك في كل ما تفرع عن المسائل التي قال فيها برأيه، ولم يكن فيه قول، لإغفاله، أو عدم خطوره لهم ببال، أو لأنه لم يتقدم فيه سؤال. ومتى صار إلى ذلك بدع جميع المتفقهة عنده، وخرج عن العرف فيما يحكم له بالإجماع، أو بخلافه عند الفقهاء.

(1) يقال اقتضب الحديث: انتزعه واقتطعه. (لسان العرب 1: 678)

[ 44 ]

وأقل ما في هذا الباب أن يكون الحكم فيما حدث الآن ولم يحدث فيما سلف خروجا عن الإجماع، وليس له أن ينفصل منا في هذا المعنى بما يذهب إليه من القول بالقياس وإن لم نقل بمثل مقاله فيه فإنا نقول في الشريعة ما يوجبه اليقين منها، والاحتياط للعبادات، فنقول على الحكم في الأشياء بما يقتضيه الأصل، إن كان يدل عليه دليل حظر أو إباحة، من طريق السمع أو العقل، ولا ينتقل ذلك عن حكم شرعي إلا بنص شرعي. وهذه جملة لها تفصيل لا يحتملها (1) هذا المكان، وهي أيضا منصوصة عندنا من طريق الآثار، إذ كنا لا نرى القول بالظن في الأحكام. فصل ثم قال صاحب الكلام: على أنهم إن حملوا أنفسهم على وقوع الطلاق بها، وخالفوا الإجماع، قيل لهم: هذا ينقض أصلكم في عددهن، على ما تذهبوا إليه في ذلك، لأن الله جل اسمه يقول: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (2)، ومن مذهبكم أن المتمتع بهن عددهن قرءان، فقولكم بوقوع الطلاق بهن يقتضي نقض مذهبكم، وقولكم بمذهبكم في عددهن بما (3) وصفناه يناقض حكم القرآن.

(1) في جميع النسخ: يحملها.
(2) البقرة: 228.
(3) (بما) ساقطة من جميع النسخ، وإثباتها أنسب.

[ 45 ]

فصل فيقال له: إنما يجب الحكم بالعموم ما لم يقم دليل على الخصوص، باتفاق القائلين بالعموم من المتكلمين والفقهاء (1)، فأما ما خصه البرهان فالحكم بعمومه بخلاف العقول ودين الإسلام، وهذه الآية مخصوصة عندنا بالسنة عن النبي (عليه السلام). فصل ويقال له: ما تقول في الإماء المنكوحات بعقد النكاح أيقع بهن طلاق؟ فإن قلت: لا، خرجت عن ملة الإسلام، وإن قلت: نعم، ناقضت بحكمك علينا ظاهر القرآن، فإن عدد الإماء من الطلاق - إذا كن يحضن - قرءان، وإن لم يكن من ذوات الحيض للارتياب فشهر ونصف (2)، وذلك مخالف لظاهر قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (3)، فقل ما شئت في هذا المكان، فإنه مسقط لشناعتك علينا فيما احتججت به من عموم القرآن.

(1) المستصفى 2: 98، الإبهاج في شرح المنهاج 2: 140. (2) الأم 5: 216، المغني 9: 92، 98 الشرح الكبير 9: 96، 105، المبسوط للسرخسي 6: 39، شرح فتح القدير 4: 140، المحلى 10: 306، تبيين الحقائق 3: 28، الوجيز 2: 94 - 95، السراج الوهاج: 449.
(3) البقرة: 228.

[ 46 ]

فصل ثم قال هذا الشيخ المتفقه عند نفسه: ومما يقال لهذه الفرقة المبتدعة ما تقولون في الإيلاء، أيقع بالمستمتع بها عندكم؟ فإن قالوا: نعم، كابروا أيضا بالخروج عن أصولهم، وإن قالوا: لا، قيل لهم: كيف تكون زوجة والإيلاء غير واقع بها؟! مع قول الله عز اسمه: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم () وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) (1). فصل فيقال له: لسنا نقول إن المستمتع بها يلحقها الإيلاء، وهذا منصوص عندنا عن أئمتنا (عليهم السلام) (2)، وليس يمنع عدم لحوق الإيلاء بالمتعة أن لا تكون من جملة الأزواج، لأن فيهن عندنا من لا يقع بها الإيلاء، في حال و أحوال، وهي: التي وقع عليها العقد ولم يدخل بها الزوج، فإنه لا يقع بهذا الإيلاء، بالأمر الصحيح والسنة عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3).

(1) البقرة: 226، 227.
(2) لم أعثر على نص بخصوص المورد، ولكنه هو المشهور بين فقهاء الإمامية، انظر الانتصار للمرتضى: 115.
(3) المقنعة: 52 3، المهذب 2: 302، الوسيلة: 335، النهاية للطوسي: 528، المراسم: 160، فقه القرآن للراوندي: 2: 201، وهو قول عطاء، والزهري، والثوري، المغني 8: 524، الجامع لأحكام القرآن 3: 107، ونسبه الزيلعي إلى أبي حنيفة، انظر تبيين الحقائق 2: 261.

[ 47 ]

والمرضع إذا آلى زوجها أن لا يقربها مخافة من حملها، فيضر ذلك بولدها، لانقطاع لبنها (1)، وهي زوجة في الحقيقة. والمريض إذا آلى لصلاح نفسه (2). وهذا مما يوافقنا عليه كثير من مخالفينا في الأصول من متفقهة العامة، و ليس القول به فسادا. فأما التعلق بعموم قوله: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) (3)، ففيه جوابان: أحدهما: أن هذه التسمية لا تطلق على ذوات الآجال من النساء، ومتى لم تستحق لم تدخل تحت اللفظ، فيقضى بها على العموم. والآخر: أنها لو كانت مطلقة عليهن لخرجن من عموم اللفظ، بدليل الآية المتضمن حكم السنة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، والإجماع الذي تعلق به صاحب الكلام. ثم قال: ومما يسألون عنه أيضا في الظهار، أيقع بها أم لا؟ فمهما قالوه في الأمرين خرجوا به من الإجماع.

(1) المقنعة: 523، الانتصار: 143، النهاية للطوسي: 528، المهذب 2: 30 2، المراسم: 160، فقه القرآن للراوندي 2: 202، الكافي لابن عبد البر: 282، بلغة السالك 1: 481، الجامع لأحكام القرآن 3: 107.
(2) الانتصار للمرتضى: 144، الكافي لابن عبد البر: 282.
(3) البقرة: 226.

[ 48 ]

فصل فيقال له: ما تزال تزيد على الدعوى بغير برهان، والحكم بغير بيان، كأنك مطبوع على التخليط والهذيان. عندنا أن الظهار يقع على المستمتع بها (1)، كما يقع على غيرها من الأزواج الحرائر والإماء، وفي أصحابنا من يوقعه على ملك الأيمان (2)، فأي خلاف في هذا الإجماع؟! وهل معك فيه إلا محض الحكم الجائر، والدعوى بغير بيان. فصل قال هذا المتكلم: على أنهم لا يرون وقوع اللعان بين المتمتع والمتمتع بها، فكيف تكون زوجة لزوج لا يقع بينهما عند الفرية وجحد الولد اللعان. قيل له: يكون ذلك إذا تقرر في شريعة الإسلام، وليس معك أن من شرط الزوجية ثبوت اللعان بينهما وعلى كل حال، وإنما يتعلق من أوجب ذلك لعموم قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم). الآية (3)، وليس يمنع قيام دليل تخصيص العام، وقد ثبت الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) من طرق عترته (عليهم السلام) بما يخصص عموم

(1) انظر: الانتصار للمرتضي 11 5، الكافي في الفقه: 298.
(2) المبسوط للطوسي 5: 148.
(3) النور: 6.

[ 49 ]

هذه الآية (1)، مع إجماع الأمة - على اختلافهم - بأن المتمتعة ليس بينها وبين المستمتع لعان. والمحلل لها يسقط ذلك بما ذكرناه من الشرع فيه، والأفراد لهذا الضرب من النكاح مما سواه في خروجه عن الحكم المتعلق بغيره في مقتضى النكاح. ومن حرمها يخرجه من حكم ذلك، لنفي السمة عنه المتعلق بها حكم اللعان (2). وإذا اتفقت الأمة على إسقاط حكم اللعان في نكاح المتعة، وجب تخصيص الظاهر من الآي وإن اختلفت الأمة في تعليل ما أوجب الإسقاط. فصل على أن من لا حد عليه من الأزواج والزوجات لا يصح التلاعن بينهم: بإجماع الأمة أزواج، وأكثر فقهاء العامة لا يرون بين اليهودية والمسلم لعانا (3)، ولا بين الأمة (4) والحر لعانا (5)، وليس يصح بين المنطلق اللسان والخرساء

(1) من هذه الأخبار ما رواه ابن أبي يعفور - في الصحيح - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يلاعن الرجل المرأة التي يتمتع بها. (فروع الكافي 6: 166، تهذيب الأحكام 7: 472) (2) المبسوط للسرخسي 7: 46، بدائع الصنائع 3: 241، اللباب 3: 76، تحفة الفقهاء 2: 219.
(3) الكافي لابن عبد البر: 286، المبسوط للسرخسي 7: 40، بدائع الصنائع 3: 242، حلية العلماء 7: 227، تحفة الفقهاء 2: 219.
(4) في النسخ الثلاث تأنيث (المسلم) و (الحر)، وما أثبته هو الأنسب.
(5) الكافي لابن عبد البر: 286، المبسوط للسرخسي 7: 40، بدائع الصنائع 3: 242، حلية العلماء 7: 227، تحفة الفقهاء 2: 219.

[ 50 ]

والصماء لعان (1)، وإن كان واحد منهما زوجا بالإجماع. فيعلم بذلك أن حكم اللعان غير عام للأزواج. فصل ثم قال هذا الشيخ المعاند: ويقال لهم خبرونا عمن طلق امرأته ثلاثا للعدة، فبانت منه بينونة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، أرأيتم إن تزوجت بعد خروجها من العدة متعة، ثم فارقها المتمتع، وقضت عدتها منه، أتحل بذلك للزوج الأول؟ فمن قولهم لا. وقد قرأت بذلك خبرا أسندوه إلى بعض الطالبيين - وهو جعفر بن محمد - وعليه يعتمدون فيما يذهبون إليه في الأحكام المخالفة لجميع الفقهاء. فيقال لهم: كيف تكون المتمتعة زوجة، والمتمتع بها لا يستحق اسم الزوجية؟! إذ لو استحقها لحلت بنكاحه المطلقة بالثلاث، وبقوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) (2)، اللهم إلا أن يكونوا ممن لا يدين بأحكام القرآن. فصل فيقال له: الأمر في هذا الباب كما وقفت عليه، في الخبر المسند إلى إمام

(1) حلية العلماء 7: 227، بدائع الصنائع 3: 242.
(2) البقرة: 230.

[ 51 ]

المؤمنين وسيد المسلمين - في وقته - وأفضلهم عند الله عزوجل، الصادق المصدق، جعفر بن محمد (عليهما السلام). ونحن لا نرى تحليل المطلقة ثلاثا بنكاح المتعة، للسنة الثابتة بذلك عن صاحب الشريعة (عليه السلام)، لما صحت به الرواية عنه في معناه من جهة عترته الراشدين (عليهم السلام) (1)، وليس يجب ذلك ما حكمت به في نفي سمة الزوجية عن المتمتع، إذ ليس من شرط ثبوت هذه السمة لمستحقها تحليل طلاق العدة بالنكاح، للإجماع على ثبوتها لمن لا يحل به بعد البينونة منه لمطلقها ثلاثا للعدة على شرط الحكم في الإسلام. وهو: الغلام قبل بلوغه الحلم، وإن جامع في الفرج (2). والخصي، وإن لذ من المرأة، ولذت منه (3). والعنين (4). ومن سبق طلاقه أو موته الدخول (5). وهؤلاء الأربعة نفر أزواج على التحقيق، وليس يحللون المرأة المطلقة ثلاثا باتفاق.

(1) فمن ذلك صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل طلق امرأته ثلاثا، ثم تمتع فيها رجل آخر، هل تحل للأول؟ قال: لا. وفي حديث آخر: لا، حتى تدخل فيما خرجت منه. (فروع الكافي 5: 425، تهذيب الأحكام 8: 32).
(2) بداية المجتهد 2: 87، حلية العلماء 7: 133.
(3) كشاف القناع 5: 350، وهو المروي عن أحمد، انظر المغني 8: 475. في ج: وولدت منه.
(4) حاشية الجمل على شرح المنهج 4: 186، كشاف القناع 5: 350.
(5) الأم 5: 248، المجموع 17: 281، المغني 8: 474، الشرح الكبير 8: 49 6، بداية المجتهد 2: 87، بدائع الصنائع 3: 188 المحلى 7: 131، حلية العلماء 7: 131.

[ 52 ]

فإن كانت الشيعة في إثباتها للمتمتع سمة الزوجية، مناقضة للقرآن، أو جاهلة بأحكامه - على ما ادعاه الشيخ الضال - فالأمة بأجمعها رادة للقرآن عنادا وجهلا بمعناه. وإن لم تكن الأمة في ذلك على خلاف القرآن، لتعلقها في خصوصه بسنة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، فكذلك الشيعة غير مخالفة للقرآن، ولا جاهلة بمعناه، بل موافقة لحكمه، عارفة بمقتضاه، وإنما خصت عموم لفظ منه بسنة عن نبيها (عليه السلام)، أداها إليهم عنه عترته الصادقون الأبرار (عليهم السلام). وهذا يسقط شناعتك أيها الشيخ المتعصب بما تعلقت به من ذكر تحليل النكاح، ويبطل ما تخيلته في لزومه الشيعة من الفساد. فصل على أن قوله تعالى: (حتى تنكح زوجا غيره) (1) من باب المجمل - عند كثير من أهل النظر - وليس من العموم في شئ، وهو يجري مجرى قول حكيم - قال لرجل قد أعتق في كفارة القتل عبدا كافرا -: هذالا يجزي عنك و ليس تبرء عهدتك حتى تعتق عبدا غيره. أو قال لعاقد على امرأة عقدا فاسدا: هذا العقد لا يحل لك به النكاح، و إنما يحل بعقد غيره.

(1) البقرة: 230.

[ 53 ]

أو قال لمعتذر إليه: هذا ليس بعذر عندي، إذ تأتي بعذر غيره. وما أشبه هذا من الأقوال المجملة، فإنه لا يعقد بها العموم، بل تحوج المخاطب معها إلى الاستفهام في المراد بها، إن لم يكن قد قرن إليها دليلا عليه. وإذا كان الأمر كما وصفناه، وكانت الامة متفقة على أن الذي يحلل المرأة لمطلقها بالثلاث زوج مخصوص، مما ثبت عن النبي (صلى الله عليه وآله) في صفته من الأخبار، وجب الاقتصار عليه في هذا المعنى، وفسد بعده في الحكم بذلك إلى غيره، ولم يمنع هذا القضاء أن يكون غيره زوجا في الشريعة، مستحقا هذه السمة على الإطلاق، كما لم يمنع الاقتصار على ما يفسر به الحكم ما ضربنا به المثل عنه، من الكلام في العبد، والعقد، والاعتذار، أن يكون ما سوى كل واحد منه في معناه مستقحا لسمته حسب ما بيناه. فصل فأما ما ذكره الشيخ الضال في فصله الذي قد بينا تجاهله فيه من القول: بأنا نعتمد على الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) في الأحكام، فإنه ديننا الذي نتقرب به إلى الله عزوجل، إذ كان الإمام المعصوم، المنصوص عليه من قبل الله عزوجل، المأمور بطاعته في كافة الأنام، مع كونه من سادة العترة الذين خلفهم نبينا (عليه السلام) فينا، وأخبرنا بأنهم لا يفارقون كتاب الله جل اسمه، حكما ووجودا، حتى يردا عليه الحوض يوم المعاد (1).

(1) يشير إلى الحديث المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:

[ 54 ]

إلا أن دعواه علينا الاعتماد على مقالته (عليه السلام) في الأحكام المخالفة لجميع الفقهاء من بهتانه الذي تقدم أمثاله منه في العناد. وذلك أن الفقهاء هم العالمون بالكتاب والسنة، دون أصحابه الجاهلين بها، الدائبين بالعمل على الظن والهوى في دين الله، المقلدين في الأحكام أهل الفسوق والطغيان، العادلين عن معدن الحق ومستقره من عترة نبي الهدى (عليهم السلام)، المتظاهرين لهم بالعداوة والشنئان. فصل مع أنه لو لم يكن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) في الإمامة والعصمة والكمال كما وصفناه، بل كان من جملة الصالحين من ذرية النبي (عليه السلام) لكان الاعتماد عليه في الدين أولى من الاعتماد على النعمان المارق بالإجماع عن الإيمان، ونظرائه المشاركين له فيما ابتدعه، من الخلاف لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، والوفاق للشيطان. ومن لم يسقط لمروقه عن الدين بمفارقة العترة الطاهرة (عليهم السلام)، و اتباع أعدائهم الضلال، مع تحليه باسم الإسلام، فليس ممن يجب عداده في الأحياء، بل هو من جملة الهالكين الأموات.

إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟!. (الجامع الصحيح للترمذي 5: 663)

[ 55 ]

فصل فأما ما قصد به هذا الشيخ الضال من التحقير لشأن الصادق (عليه السلام) بإضافته إلى الطالبيين على الإجمال، فذلك هو اللائق بكفره وجهله وعناده لنبي الهدى، ولذي الحكم، وبغضه لأهل بيته وعصبيته على خاصته وذوي رحمه، وما يضر ذلك بمن أعلى الله شأنه، ورفع في الدين مكانه. ولو قال: في الحكاية عن عبد الله بن عباس - إن هذا شئ قيل عن بعض الهاشمية، لبدت لنا منه عصبيته عليه، وعناده للنبي (صلى الله عليه و آله) فيما دعا الله من تعظيمه، وهل قوله في ذلك إلا كقول من قال (1): - في إضافة حكم النبي (صلى الله عليه وآله) - هذا حكم حكم به بعض العرب، أو قال حكم به رجل من قريش. ولو أن خصومه مع ظهور مذهبهم في أئمته الذين تدين الله ببغضهم - قالوا - فيما يضاف إليهم مقال -: هذا مذهب بعض التيميين، أو قول رجل من العدويين، أو حكم به بعض الأمويين، لما رضي هذا الشيخ الضال بتكفيرهم، دون الفتيا بإباحة دمائهم، وإن كانوا أعذر منه فيما يقوله من ذلك، لتدينهم بالبغض ممن ذكرناه، وتظاهرهم بالبرائة منهم في الدين، وهو لا يصرح بالبرائة منهم في الدين، وهو لا يصرح بالبرائة أيضا من الصادق وآبائه و أبنائه والأئمة الأخيار (عليهم السلام)، وإن عرض بذلك ودل عليه بما ذكرناه عنه فيما مضى، وبينا ضلاله منه، والحق لا تضره عصبية الرجال.

(1) في أ (كقول وقال).

[ 56 ]

فصل ثم قال هذا الشيخ الجاهل: وقد كان وصل إلى نيسابور (1)، في سنة أربعين وثلاثمائة، رجل من هؤلاء الرافضة يعرف ب‍ (الجنيدي) (2)، يدعى معرفة بفقههم، ويتصنع بالنفاق لهم، فسلموا إليه مالا كثيرا ليوصله إلى إمامهم - الذين يدعون وجوده الآن، ويحيلون في ذلك على السرداب وكان يذكر لهم أن بينه وبينه مكاتبة، وأن مستقرة بنواحي الحجاز. وحمل إليه إنسان منهم - كان يعاملني في التجارة أخيرا مرة - سيفا بحلية ثقيلة، له مقدار، وأهدى إليه في خاصته ثيابا، وبره بشئ من ماله، و رأيت جماعة من رافضة نيسابور يكرمونه ويعتقدون فيه الصلاح. فخاطبت معاملي في استحضاره إلى منزله، فحضر، وقايسته فوجدته من أجهل الناس، وأبعدهم عن طريق العلم، وتقرب إلي بوفاق أبي حنيفة في مسائل، وبالقول بالقياس في الأحكام - والرأي، ولم يكن يحسن من ذلك كله شيئا. فعجبت لشدة غباوة هذه الفرقة، ونفاق الجهال عليها، لكن لا عجب! مع ما هم عليه من الضلال عما تقتضيه العقول، وتوفيه شرائع الإسلام، و

(1) نيسابور بفتح أوله، والعامة تسميه (نشاور)، وهي مدينة عظيمة، ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء، ومنبع العلماء، لم - أر فيما طوفت من البلاد - مدينة كانت مثلها. (معجم البلدان 5: 330) (2) هو محمد بن أحمد الجنيد، أبو علي الإسكافي، وجه من وجوه أصحابنا، ثقة جليل القدر، صنف فأكثر، إلا أنه كان يرى القول بالقياس، فتركت لذلك كتبه ولم يعول عليها. (الفهرست للطوسي: 368)

[ 57 ]

اعتمادهم على التقليد، واعتقاد موت الأحياء وحياة الأموات. فصل فقالوا له: لسنا نثق بك فنصدقك فيما تحكيه، ولا نعلم كيف جرت حال الرجل الذي ذكرت وصوله إلى نيسابور، ويغلب في الظن تخرصك فيما ذكرت عنه من قبض مال الإمام، ونحن أعرف به منك لحلوله معنا في البلد و في الجوار، ووقوفنا على كثير من خفي أمره، ولم نسمع عنه قط دعوى مكاتبة الإمام، ولا العلم بمكانه من البلاد. ولو كان ادعى ذلك الموضع - الذي ذكرت - لم يخف ذلك، وتظاهرت به الأخبار، لمواصلة شيعة نيسابور وكثير من شيعة بغداد، ومكاتبتهم بما يتعلق بالديانة والاعتقاد، وكان ذلك ينتشر عن هذا الرجل، في الموافقين وأهل الخلاف، كما انتشر عن غيره، ممن ادعى هذا المقام، كالعمري (1)، وابنه (2)، وابن روح (3) من الثقات (رحمهم الله).

(1) هو أول السفراء في زمان الغيبة، وهو الشيخ الموثوق به، أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري، وكان أسديا، ويقال له: السمان، لأنه كان يتجر في السمن تغطية على الأمر. (الغيبة للطوسي: 214) (2) هو محمد بن عثمان بن سعيد العمري - بفتح العين - الأسدي، يكنى: أبا جعفر، وأبوه يكنى: أبا عمرو، جميعا وكيلان في خدمة صاحب الزمان (عليه السلام) ولهما منزلة جليلة عند هذه الطائفة. (رجال العلامة الحلي: 149) (3) هو الحسين بن روح بن بحر، أبو القاسم، قال ابن أبي طي: هو أحد الأبواب لصاحب الأمر... خرج على يديه تواقيع كثيرة، فلما مات أبو جعفر صارت النيابة إليه، وكثرت غاشيته، حتى كان الأمراء يركبون إليه والوزراء، والمعزولون عن الوزارة والأعيان، وتواصف الناس عقله... (الوافي بالوفيات للصفدي 12: 366)

[ 58 ]

والحلاج (1)، والعزاقري (2)، وأمثالها من المبطلين، المعروفين بالفسق والخروج عن الإيمان. ولسنا ننكر أن يكون قد وصل أهل نيسابور هذا الرجل وأكرموه، و أقاموا بما يجب له من حقوق الإخوان، وقد عرفنا بر القوم له، وما كان يصل إليه من ناحية المشرق بعد عوده إلى بغداد، ما كان يصون به وجهه عن البذلة و مسألة الناس، وليس في هذا عيب له ولا عليه فيه عار. ولو قد ذكرنا حيلة بعضكم على بعض في الأموال، وصغر أنفس مشايخكم - مع غناهم بالكفاية - في الطلب ومسألة الناس، وصلات بعضكم لبعض في عداوة أولياء الله، لأطلنا به الكلام. وشهرتكم في ذلك عند الكافة تغني عن تكلف الأخبار على التفصيل، لا سيما مع القصد إلى الاختصار. فأما شهادتك بجهل الجنيدي، فقد أسرفت بما قلت في معناه وزدت في الإسراف، ولم يكن كذلك في النقصان، وإن كان عندنا غير سديد فيما يتحلى به من الفقه ومعرفة الآثار، لكنه - مع ذلك - أمثل من جمهور أئمتك، و أقرب منهم إلى الفطنة والذكاء. فأما قوله بالقياس في الأحكام الشرعية، واختياره مذاهب لأبي حنيفة و غيره من فقهاء العامة لم يأت بها أثر عن الصادقين (عليهم السلام)، فقد كنا

(1) هو الحسين بن منصور الحلاج، المقتول على الزندقة، وكانت له بداية جيدة، ثم تأله وتصوف، ثم انسلخ من الدين، وتعلم السحر وأراهم المخاريق، أباح العلماء دمه، فقتل سنة إحدى عشرة و ثلاثمائة. (ميزان الاعتدال 1: 548) (2) هو محمد بن علي الشلمغاني، ويعرف بابن أبي العزاقر، له كتب وروايات، كان مستقيم الطريقة، متقدما في أصحابنا، فحمله الحسد لأبي القاسم ابن روح على ترك المذهب والدخول في المذاهب الرديئة، حتى خرجت فيه توقيعات، فأخذه السلطان، وقتله وصلبه. (رجال العلامة الحلي: 254)

[ 59 ]

ننكره عليه غاية الإنكار، ولذلك أهمل جماعة من أصحابنا أمره واطرحوه، و لم يلتفت أحد منهم إلى مصنف له ولا كلام. وهذا يدل على ضد ما ادعيت أيها الجاهل على الشيعة من الغباوة، والتقليد للرجال، لأنه لو كان منهم خمسة نفر كذلك لاعترفنا، به فيما أجبناه من خلاف الحق لسوء الاختيار، وفي اطراحهم له ذلك الإجماع على استرذاله فيه، بيان لذلك فيما حكمت به عليهم من التقليد حسب ما قدمناه. فصل وأما سبك الإمامية باعتقاد موت الأحياء وحياة الأموات، فهو سفه محض، لا نرى مقابلتك عليه، صيانة لأنفسنا عن الدخول في السباب. لكنا نسألك عن الأموات الذين ادعوا - بزعمك - حياتهم، والأحياء الذين اعتقدوا موتهم، من هم من الناس؟ فلا يجد شيئا يتعلق به عليهم في هذا الباب. اللهم إلا أن يذكر الكيسانية (1)، والممطورة (2)، والغلاة (3)، فيبين تعمدك للعناد بإضافة مذاهب فاسدة إلى قوم يبرؤن إلى الله منها، وقد جردوا الحجج

(1) وهم الفرقة القائلة بإمامة محمد بن أمير المؤمنين (ع)، لأنه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة، دون أخويه، ويدعون بقاءه حيا. انظر (فرق الشيعة للنوبختي: 23) (2) هو لقب الفرقة الواقفة على الإمام موسى بن جعفر (ع)، وتعتقد حياته. انظر (فرق الشيعة: 82) (3) هم الذين قالوا بإلهية الأئمة (ع)، وأباحوا محرمات الشريعة، وأسقطوا وجوب فرائض الشريعة، كالبيانية، والمغيرية، والجناحية، والمنصورية، والخطابية، والحلولية، ومن جرى مجراهم. (الفرق بين الفرق: 23)

[ 60 ]

في الرد على القائلين بها، وباينوهم في الظاهر والباطن وعلى كل حال. وتذكر قولهم بوجود ولد (الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا (عليهم السلام)، يعتقدون حياته للآن، وغيبته للتقية الموجبة للاستتار. فتظهر بذلك جهلك ونقصانك، لاعتقادك أنه لم يوجد هذا الشخص في العالم قط، فكيف يكون ميتا فيعتقد القوم حياته؟! أو حيا فيدينون بموته؟! هل هذا إلا اختلاط ممن قاله وهذيان. فصل ثم قال هذا الشيخ الضال: فكان مما قايست هذا الرجل فيه أمر المتعة، و أحكامها عنده، فقال: هي في عقيدتي حلال مع الاضطرار إليها وحرام مع الاختيار. قال: فقلت له: وأي ضرورة تدعو إلى الالتذاذ بالنكاح؟ يدعي الضرورة من يعرف الاختيار والاضطرار. فقال: من الناس من تدعوه الشهوة للجماع وليست له زوجة ولا ملك يمين، ولا يقدر على ابتياع أمة، ولا له طول النكاح غبطة، فإذا لم يستمتع اضطر إلى الفجور. قال: فقلت له: إن دعته شهوته إلى ذلك في بلد لا يجد فيه من يستمتع بها من النساء، ووجد من يطاوعه على الزنا، أيحل له ذلك مع الاضطرار؟. فقال: لا. فقلت له: ولم؟! والضرورة نازلة به، وقد أحل الله تعالى عندها ما حرمه

[ 61 ]

مع الاختيار. قال: ثم قلت له: أرأيت إن دعته الشهوة إلى ذلك في مكان ليس فيه امرأة، ماذا يصنع مع الاضطرار. فقال: يصبر بالضرورة. قال: فقلت له: وإذا دعته الحصورة (1)، أيتلف نفسه؟! أو يمنعها من العمل والعبادات؟!. قال: لا. فقلت له: فيكون بطل قولك: إن الشهوة تضطر إلى ما حرمه الله عزوجل من الجماع مع الاختيار، وبان أنه تخرف في قولك ودعواك. فلم يرد جوابا، وتشاغل بالثناء على أصحابنا القائسين، وقال: فلأجل قولكم بمثل هذا المقال على أصحابي قلت بالقياس، وخالفت أصحابي كلهم في اعتقادهم فيه. فضحكت من تبريه إلي، ومصانعته لي، وحمدت الله على ما أولى. فصل فيقال له: هذه الحكايات جارية مجرى الخرافات، ولسنا من الأخبار ما هذا سبيله عن الناس في شئ، لا سيما والمخبر به عدو متعصب، ظاهر التخرص والافتراء. مع أنه لو كان الجنيدي قد قال بما حكيت عنه، ولم يرد فيه ولم ينقض،

(1) كذا في أ، وفي ب: وإذا صبر عند الحصورة (الضرورة ل)، وفي ج بياض بمقدار كلمة.

[ 62 ]

فهو من جنس ما كنا ننكر عليه من الهذيان، وليس علينا عهدته في غلطه، لما قد بينا خطأه وزايلناه، كما أنك لا عهدة عليك في تجاهل ما اعتزى إلى أبي حنيفة في الفقه، وتصدى للفتيا به، وهو في البهيمية كالحمار، ممن إن ذكرناه طال بذكره الكلام، وحسن العشرة أيضا يمنعنا من تسميتهم، ونقضهم في المصنفات، وذكر حماقاتهم في القول، وجهالتهم في التعليل للأحكام، ولولا ذلك لسمينا من ببغداد منهم جماعة ممن يعتزي أيضا إلى مالك (1)، والشافعي (2)، وداود (3)، فضلا عمن هو مقيم منهم بغيرها من البلاد، لا سيما بأرض خراسان، فإنهم أغمار في معنى البهيمية، وإن كانوا في صورة الناس. فصل قال الشيخ الناصب: ومما استفهمت عن الجنيدي، قولهم: في تسمية المتعة بزوجة.

(1) هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني... أحد الأئمة الأعلام. أخذ القراءة عرضا عن نافع بن أبي نعيم، وسمع الزهري، ونافعا مولى ابن عمر، وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين للهجرة، وحمل به ثلاث سنين! وتوفي في شهر ربيع الأول، سنة تسع و سبعين ومائة. (وفيات الأعيان 4: 135) (2) هو أبو عبد الله محمد بن إدريس القرشي المطلبي، ولد سنة خمسين ومائة بغزة، فحمل إلى مكة لما فطم، فنشأ بها، وأقبل على العلوم، فتفقه بمسلم الزنجي وغيره. توفي أول شعبان سنة أربع ومأتين بمصر، وكان قد انتقل إليها سنة تسع وتسعين ومائة. (تذكرة الحفاظ 1: 361) (3) هو داود بن علي الحافظ، أبو سليمان الأصبهاني البغدادي، فقيه أهل الظاهر، ولد سنة مائتين، سمع عمرو بن مرزوق، والقعنبي، وسليمان بن حرب، قال ابن كامل: مات في رمضان سنة سبعين و مائتين. (تذكرة الحفاظ: 572)

[ 63 ]

فقال: لا نسميها بذلك. قال: قلت: فيقع بها طلاق أو ظهار أو إيلاء أو لعان؟ قال: لا يقع بها شئ من ذلك. قال: قلت: فكيف تستحلون وطئ امرأة ليس لها من الحرمة بالنكاح ما تتعلق به الأحكام مما عددناه؟ فعاد إلى أن يقول: إنما أحللناها عند الاضطرار، كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير للاضطرار. قال: فقلت له: قد مضى الكلام في هذا المعنى، ولا فائدة في تكراره على من لا يعقل معناه، قال: ثم قلت له: فالولد يلحق منها بالرجل؟. فقال: عندنا أنه يشترط ما يمنع عنه، من عزل الماء. قال: فقلت له: فإن لم يشترط ذلك، أيفسد بتركه النكاح؟. فقال لي: في ذلك نظر واجتهاد. قال: فأعرضت عنه حتى انصرف. ثم عاتبت معاملي على اغتراره به، فقال: هو رجل صالح، وليس من أصحاب الكلام. فقلت: يعز علي بما أخرجته عن يدك إليه، ما لو عدت به على نفسك و عيالك، أو صرفته إلى الفقراء، كان أحسن بك وأجمل عند الله عزوجل. فقال: خذ في غير هذا، فإني لا أترك ما أنا عليه بموعظتك، لأنني لا أستنصحك فيها، وإن أستنصحك في غيرها من الأشياء. قال: فقلت له: قد أديت ما يجب علي لك، لكنك من قوم لا ينفع فيهم الوعظ، ولا يرعوون بالعتاب.

[ 64 ]

فصل فيقال له: ما نرى فصلك هذا أكثر من الحكايات الجارية مجرى الأسمار، وأنت متهم فيما ادعيت على الجنيدي من المقال، متهم وظنين في دعواك، وليس ما حكيت عن هذا الرجل مذهبا للشيعة، ومذهبهم في كل فصل ما قدمناه، غير أنك أظهرت ما كان في نفسك من الحسد للمسكين، على ما صار إليه من البر، وغبطته عليه، وودت أنه كان صائرا إليك، فأبى الله إلا أن يحرمك إياه، ورد المعامل لك موعظتك من واقع موقعه، لأنك لم ترد الله عزوجل، ولا صدقت أيضا فيها بل كذبت، فأراه الله تعالى بما وفق له المرء المسلم من المعرفة ببطلانها، والإهمال لها والاطراح.

[ 65 ]

مسألة أخرى ثانية قال هذا الشيخ المتخرص الضال المشنع: ومن قول هذه الفرقة يعني الشيعة أن اليهود يملكون نكاح المسلمات وكذلك النصارى والمجوس، وذلك لزعمهم أن الذمي إذا كانت تحته الذمية فأسلمت، وتركت ما كانت عليه من الكفر، وعملت بشرائع الإسلام، وأقام هو على كفره، فإنه لا فرقة بينهما وهو أملك بها، وهذا خلاف ملة الإسلام. فصل فأقول: - وبالله التوفيق - إن الخصم على سنته في الكذب علينا، والبهتان لنا، وقد أبطل ما حكاه عنا، وقال زورا، والله جل اسمه يؤاخذه بذلك، ويطالبه به. والذي نذهب إليه: أن اليهودية والنصرانية إذا أسلمت وأقام زوجها على دينه في دار الهجرة، لم ينفسخ العقد بينهما بإسلامها، غير أنه يمنع من الدخول عليها نهارا، فإن أسلم حل له ما يحل للأزواج من الزوجات، وإن أقام على ضلاله فالعقد باق لم يهدمه شئ بحجة من

[ 66 ]

الشرع، وإن كان إسلامها قد حظر عليه وطأه والخلوة بها، حسب ما ذكرناه. فصل وقد ثبتت الزوجية عندنا وعند كافة الأمة، لمن لا يحل له وطئ الزوجة، وهو: المظاهر، حتى يكفر عن يمينه. والمرأة تحيض، فلا يحل لزوجها وطؤها، قال الله عزوجل: (يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) (1). فحظر نكاح الحائض على مالك نكاحها، وأباحه إياها بشرط مخصوص. وحظر على المظاهر نكاح زوجته، وإن كان مباحا بشرط الكفارة، و لم يمنع ذلك من ثبوت العقد. والحكم في النفساء كالحكم في الحائض سواء، يحرم وطؤها حتى ينقطع دم نفاسها، وإن كانت زوجة في حكم الأسلام. وهذا يزيل شبهة الخصم في ثبوت العقد لمن قد حظر عليه الوطئ، ويقرب ما ذكرناه إلى نفسه، ويوطنه في قلبه بحكم الشرع.

(1) البقرة: 222.

[ 67 ]

فصل والذي أنكره هذا الشيخ الضال عن الحق، وشنع به على شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وزعم أنه خلاف ملة الإسلام، مشهور عن عمر بن الخطاب (1)، قد حكاه عنه الطبري (2): في كتاب الاختلاف عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقد رواه أصحاب الآثار عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) و نقلته ذريته عنه على وجه لا يقع فيه ارتياب. فصل ثم هو بعينه قول صاحبه النعمان (4)، وقد جهله هذا الشيخ الغبي، وظن أنه خلاف لجماعة الفقهاء. فروى إبراهيم بن إسماعيل بن علية (5) عن أبي حنيفة أنه قال: إذا أسلمت النصرانية وأقام زوجها على دينه، لم يبطل بذلك نكاحه، وكانت له

(1) مصنف عبد الرزاق 6: 84، الحجة على أهل المدينة 4: 9، المبسوط للسرخسي 5: 46، المحلى 7: 313، موسوعة فقه عمر بن الخطاب: 631.
(2) هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير، و له مصنفات مليحة في فنون عديدة، تدل على سعة علمه وغزارة فضله. (وفيات الأعيان 4: 191). وكتابه هذا لم يصل إلينا كاملا، بل قطعة منه ليس فيها الباب الذي ينقل عنه المؤلف.
(3) مصنف عبد الرزاق 6: 84، المحلى 7: 314.
(4) الحجة على أهل المدينة 4: 1، المبسوط للسرخسي 5: 64، حلية العلماء 6: 425، المحلى 7: 313.
(5) جهمي، هالك، كان يناظر، ويقول بخلق القرآن، مات سنة ثمان وعشرين ومائتين. (لسان الميزان 1: 34)

[ 68 ]

زوجة حتى يعرض عليه الإسلام فيأباه، ولو مكث هذا الزوج النصراني إلى عشرين سنة لا يعرض عليه الإسلام، كانت هذه المسلمة زوجته، فإذا عرض عليه فأبى فرق بينهما حينئذ. ثم ناقضه ابن علية في هذا المذهب، وألزمه الفرق بين المستقبل والمستدبر فيها. وهذا مذكور في كتاب ابن علية، الذي ناقض فيه أبا حنيفة، ورد عليه فيما فرق به وأصحابه بين المستقبل والمستدبر في الأحكام. وكذلك حكم اليهودية عند أبي حنيفة. إذ كان لا فرق بين اليهودية والنصرانية في هذا الباب. وقد حكى ابن علية - أيضا عنه - أعني أبا حنيفة - أنه قال: لو أن امرأة كانت تحت رجل من أهل الحرب، وهما جميعا من أهل الكتاب، فأسلم الزوج، فهما على النكاح ما لم تحض ثلاث حيض، فإذا حاضت قد انقطعت العصمة بينهما، قال: وكذلك لو كانت المرأة هي التي أسلمت، فإذا أسلم واحد منهما و خرج إلى دار الإسلام، فقد انقطعت العصمة بينهما. وهذا أقبح عند الجمهور مما شنع به على الشيعة، يخرص القول فيه، و حرفه عنادا أو جهلا. وقد بينا الحكم في ذلك، وأن الذمي من اليهود والنصارى لا يفسخ عقده على زوجته إسلامها، ولكن يمنعه مما هو للمسلم بالزوجية من وطئها. وليس في هذا المعنى شناعة، ولا هو خلاف على الأمة، حسبما تخيله الخصم لجهله، إذ قد قال به إمامه عمر بن الخطاب، وصح عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي لا يمكنه التصريح بتضليله فيما أفتى به وقال، إلا أن يخرج عن

[ 69 ]

ملة الإسلام. فصل فأما المجوسية إذا كانت تحت مجوسي، فأسلمت فإن حكمها يخالف حكم المسلمين عن اليهودية والنصرانية، مع بقاء الزوج على دينه في اليهودية والنصرانية، فيجري إسلامها - في فسخ النكاح - مجرى التطليقة الواحدة، فإن أسلم الرجل المجوسي، والمرأه في عدتها فهو أحق بها، إن لم يسلم حتى تقضي عدتها، فقد ملكت نفسها، وليس له عليها سبيل. وهذا خلاف ما حكاه عنا بغير علم، وشنع به متخرصا للإفك والبهتان.

[ 71 ]

مسألة ثالثة قال الشيخ الجاهل: ومن طريف بدعهم - يعني الإمامية - قولهم: أن الرجل إذا ملك الأمة فله أن يعير فرجها لأخيه في الدين، ولأخيه استعارته منه فجعلوا استعمال التزويج بالعواري، كالأبنية والآلة والأثاث والثياب في استعمالها بالعواري، وهذا أقبح من قول المجوس في وجوه النكاح. فصل فأقول: - وبالله التوفيق، وبه أعتصم - إن هذا الذي حكاه مذهب عطاء بن أبي رياح، وطاوس، وجابر بن يزيد في أصحابهم، ومن ذهب إلى قولهم، و قد جاءت بمعناه دون لفظه رواية من طريق الآحاد عن أهل البيت (عليهم السلام)، وروي عنهم خلاف ذلك من طريق الثقات.

[ 72 ]

فروى الحسين بن سعيد الأهوازي - رحمه الله - (1) في كتابه النكاح عن القاسم بن عروة عن أبي العباس المعروف بالبقباق قال: كان لي جار، يقال له: المفضل بن غياث وكان يأنس بأصحابنا، ويحب مجالستهم، فسألني أن أدخله إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، فأدخلته عليه، فسأله: عن عارية الفرج؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): هو الزنا وأنا إلى الله منه برئ، ولكن لا بأس أن تحل المرأة جاريتها لأخيها أو زوجها أو قريبها (2). فصل وبين الإحلال والعارية فرق في المعنى واللفظ، وفصل في مقتضى الأحكام، فمن خلط المعنيين جميعا، ولم يعرف فرق ما بينهما، فهو بعيد من الصواب. والذي روي عن الصادقين (عليهم السلام) مما شنع به صاحب الكلام يلائم ما (3) رواه أبو العباس البقباق. فروى صفوان عن ابن بكير عن زرارة قال: سألني أبو عبد الله (عليه السلام) من كان يمرض عبد الملك - يعني ابن أعين - ويقوم عليه في مرضه؟

(1) الحسين بن سعيد بن حماد بن سعيد بن مهران من موالي علي بن الحسين (عليهما السلام) الأهوازي، ثقة، روى عن الرضا، وأبي جعفر الثاني، وأبي الحسن الثالث (عليهم السلام)، وأصله كوفي، وانتقل مع أخيه الحسن إلى الأهواز، ثم تحول إلى قم، وتوفي بقم. (الفهرست للطوسي: 104)، (لسان الميزان 2: 284) (2) مستدرك الوسائل 15: 20، نقلا عن المسائل الصاغانية - هذا الكتاب -.
(3) في أزيادة (ذكرنا).

[ 73 ]

فقلت له: جارية امرأته، فقال: هي التي تلي ذلك منه؟ فقلت: نعم، قال: فهل أحلت له ذلك صاحبته؟ قلت: لا أدري، قال: فأتها فاستحل (1) ذلك منها (2). وكان الذي أطلقوه (عليهم السلام) من ذلك هو أن تحل المرأة الرجل النظر إلى جاريتها، وأن تتولى منه في خدمتها ما تتولاه جاريته بملك يمينه، وهذا غير منكر في العقل، ولا محظور في الشرع، لأنه إذا جاز لمالك الجارية أن يهبها و يتصدق بها، جاز أن يهب خدمتها ويبيح ذلك من لا يملكها، فلو أنه أباحه نكاحها، كانت إباحته عقدا عليه، داخلا في عقود النكاح، مع هبة المهر و إسقاطه. فليس ما أنكره الخصم من هذا القول مناقضا بشئ من أحكام الشرع حسبما نقلناه. على أنه يقال لهذا الشيخ الضال: لو نظرت في بدع صاحبك في النكاح، وغيره من الأحكام، لشغلك عن الشناعات على خصومك بما لا شناعة فيه، و لأخرسك عن التخرص بالأباطيل في الحكايات، وقد قال إمامك النعمان في النكاح بما لم يوافقه عليه أحد من أهل الإسلام. فزعم أن شاهدي زور لو تواطئا على الشهادة، بأن رجلا طلق امرأة، الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وشهدا بذلك عليه عند الحاكم، فأجاز الحاكم شهادتهما، لحسن ظنه بهما، وفرق بين الرجل وامرأته، مع إيثاره ما شهدا به عليه، وعلم الله بطلان شهادتهما، وعلما أنفسهما بذلك، يحل لكل

(1) كذا في أ وج، وفي ب (قل لها فاستحل...)، وفي مستدرك الوسائل - نقلا عن هذا الكتاب - (فإنه يحل له ما أحلت ذلك منها).
(2) مستدرك الوسائل 15: 20، نقلا عن المسائل الصاغانية - هذا الكتاب -.

[ 74 ]

واحد منهما العقد على هذه المرأة ووطؤها، وإن كان موقنا أن زوجها لم يطلقها ولا فارقها بحال (1). ورووا عنه: أنه لو عرف الحاكم كذبهما بعد تفريقه بين الزوج والزوجة وتبين أنهما شهدا بالزور، يحل له - إذا انقضت عدتها - أن يعقد عليها عقدة نكاح. فأباح نكاح ذوات الأزواج من غير فراق منهم بالخيار، ولا طلاق لهن على حال، ولا ارتداد عن إسلام. فصل وزعم أن شاهدي زور لو شهدا على رجل له أمة بأنها ابنته، فأحسن الحاكم ظنا بهما فأخرجها عن الرق، وألزمه الحكم بحريتها، وقضى لها بالنسب منه، يحرم على الرجل وطئ هذه الجارية وخرجت عن ملكه - بشهادة الزور - وحرم عليه ما أباحه الله تعالى من وطئها، وبيعها، وعتقها، وحل لكل واحد من الشهود أن يعقد عليها عقدة النكاح، إذا اختارت مناكحته و رضيت به (2). فأباح ما حرم الله، وحظر ما أحل الله وتلاعب بدين الله. هذا سوى تعليقه للإنسان بما تمنع منه شريعة الإسلام، وإيجابه الولد لغير والده، ونفيه عن والده بالنكاح الذي لا يمنع أحد منه بحكم

(1) بدائع الصنائع 7: 15، رد المحتار على الدر المختار 4: 333، شرح فتح القدير 6: 399.
(2) شرح فتح القدير 6: 399، رد المحتار على الدر المختار 4: 333.

[ 75 ]

الإسلام. وذلك في قوله: أن المرأة إذا غاب عنها زوجها، فنعي إليها، وقضت العدة، وتزوجت، وحملت من الزوج وولدت منه، ثم جاء الزوج الأول - وقد مضى على المولود عدة سنين - أن الولد لاحق بالقادم، ومنتف عن الزوج الثاني، وليس للقادم به تعلق (1)، والعلم محيط بأنه من الثاني. وأمثال ذلك كثير، إن قصدنا لإيراده طال به الكلام. ومن كانت هذه مذاهبه - في النكاح - وأقوال أئمته، لم يسع له التشنيع على غيره فيما لا شناعة فيه بحمد الله، ولا يمنع من صحته حكم كتاب ولا سنة ولا إجماع.

(1) المغني لابن قدامة 9: 58، الشرح الكبير 9: 68.

[ 77 ]

مسألة رابعة قال الشيخ الضال: ومما خرجوا به من الإجماع أيضا - يعني أصحابنا الإمامية - تجويزهم الجمع بين المرأة وعمتها، وبنت الأخت وخالتها، نكاحهما جميعا بعقد النكاح مع الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها. ودليل القياس الكاشف عن صحة ذلك، من قبل أنه لو كانت العمة رجلا يحرم عليه أن ينكح بنت أخيه، أو كانت الخالة ذكرا لحرم عليه نكاح بنت أخته، كما حرم الله تعالى الجمع بين الأختين، وكان علة ذلك أنه لو كان إحدى الأختين أخا لحرم عليه وطئ أخته بالشرع، فوجب لذلك تحريم الجمع بينهما في النكاح، وكان حكم المرأة وعمتها وخالتها كذلك بما ذكرناه. فصل وأقول: - وبالله أثق - إن جهالات هذا الشيخ المعاند ظاهرة ومكابرته غير خفية ودعاويه الب 0 اطلة ساقطة، وذلك أنه ادعى الإجماع على الخلاف بين

[ 78 ]

المرأة وعمتها، والجمع بينها وبين خالتها، وهو لا يجد على ذلك اتفاقا من المتقدمين ولا من المتأخرين (1)، سوى النفر الذي قلدهم غوغاء الأمة وطغامها، فصار لهم بذلك سوق في العامة. فأما الصحابة والتابعين، وأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، وكثير من أهل النظر، وأصحاب الظاهر والمحكمة ، فقولهم في ذلك معروف، واختلافهم فيه مشهور. والحديث الذي عزاه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فهو من أخبار الآحاد، والأصل فيه أبو هريرة الدوسي (2) وقد اتهمه عمر بن الخطاب (3)، و نهاه وزجره عن إكثار الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وصرح أمير المؤمنين (عليه السلام) بتكذيبه (4)، وصرحت عائشة بذلك وشهدت عليه (5).

(1) أباح الجمع بينهما عثمان البتي، انظر المحلى 9: 524. * المحكمة فرقة من الخوارج.
(2) نقل البيهقي عن الشافعي: أن هذا الحديث، لم يرو من وجه يثبته أهل الحديث، إلا عن أبي هريرة، و روي من وجوه لا يثبتها أهل العلم بالحديث، قال البيهقي: هو كما قال... (السنن الكبرى للبيهقي 7: 166، فتح الباري 9: 131، عمدة القاري 20: 106) (3) فقد ضربه عمر بالدرة، وقال: قد أكثرت من الرواية، وأحربك أن تكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال له: - أيضا لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أو لالحقنك بأرض دوس. (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 68، سير أعلام النبلاء 2: 600) (4) من ذلك ما أثر عنه (ع) أنه قال: ألا إن أكذب الناس - أو قال: أكذب الأحياء - على رسول الله صلى الله عليه وآله أبو هريرة الدوسي. (شرح نهج البلاغة 4: 68) (5) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 16.

[ 79 ]

فصل مع أن أصحابنا لم يقولوا في هذه المسألة بما خالف ظاهر الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله)، بل قالوا بما لا ينافيه، وهو تجويزهم نكاح المرأة على بنت أختها، ومنعهم من نكاح بنت الأخت وبنت الأخ على العمة والخالة، وهذا مسطور في الرواية عن أئمة الهدى (عليهم السلام) (1)، وليس في مقالهم المسطور في هذا الباب خلاف للخبر على ما بيناه. فإن تعلق متعلق بتجويزهم نكاح المرأة على عمتها إذا أذنت العمة في ذلك، ونكاحها على خالتها بإذن الخالة، وقال: هذه الفتيا تضاد ظاهر الخبر. فالجواب عن ذلك: أن ما ذكرناه في هذا المعنى تخصيص للظاهر، وليس برافع له جملة، ولا مناف لحكمه على كل حال، وليس يمتنع قيام الدلالة على خصوص العموم، وأكثر الشريعة كذلك. والخبر الوارد عن آل محمد (عليه السلام) انه: (ليس للرجل ان ينكح المرأة على عمتها وخالتها إلا بإذن العمة والخالة) (2). يقيد خصوص الخبر المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) لو ثبت عنه ويكون تقدير ذلك: لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها بغير اختيار منهما، ولا يكون المراد فيه النهي عن نكاحها على الإطلاق وفي كل حال.

(1) انظر فروع الكافي 5: 425.
(2) فروع الكافي 5: 425.

[ 80 ]

فصل مع أن العرف يخص اللفظ المعزي إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، و يوجب فيه ما أوجب عن آل محمد (عليهم السلام)، لأن نكاح المرأة على غيرها في الشرع وقبله غير موقوف على إذن الأولى الكبرى، من الاعتراض في نكاح الصغرى وقد أبت، بأنها إن أفسدت النكاح فسد، وإن أمضته ثبت، وليس يمتنع أن يجعل الله تعالى إليها ذلك، بسبب ذلك، لحكمة. فأي عجب فيه لولا غباوة الخصم وقلة تحصيله. فصل ثم يقال له: أخبرنا عن العقد على الصغيرة إذا تولاه غير الأب والوالي والحاكم، ثم بلغت فأمضته، إما يكون ذلك ممضى بإمضائها، وإن أبته فسد عن أصلك، فلا بد من قوله: بلى، فيقال له: فقد صار بعض العقود موقوفا في الصحة والفساد على اختيار المعقود عليه من النساء، ولم يكن في ذلك عجب بما أنكرت أن يكون بعض آخر موقوفا على الصحة والفساد على إمضاء من جعل الله له ذلك في النساء، ولا سيما إذا كان الحظر إنما جعل بسبب الكبرى، ولو لم يكن ورد لما فسد، وليس الجمع بينهما محرما للنسب، وإنما هو لحرمتها، وما يقتضيه الدين من إجلالها وحقها على الصغرى، فإذا تركت الحق ووهبته لم يكن لأحد عليها اعتراض في ذلك، وإن منعت منه كان لها إنكاره ببرهان.

[ 81 ]

فصل ويقال له: ما تقول في الرجل الذي لا زوجة له، يتزوج الأمتين؟ فمن قوله: نكاحه نكاح صحيح. فيقال له: فإن تزوجها على حرة؟. فمن (1) قوله: نكاحه فاسد. فيقال: (2) له: وكيف صار وجود الحرة يفسد العقود الصحيحة بغير وجودها؟! فإن تعلق في ذلك بالنهي من الله تعالى، قيل له: في نكاح الصغرى على الكبرى مثل ذلك، لأن الله نهى عنه مع كراهة الكبرى، وأباحه مع اختيارها وإذنها فيه. ومن سلك في إنكار المشروع من الأحكام مسلك هذا الشيخ الضال، ظهر جهله، وبعده عن الصواب.

(1) في أ: من.
(2) في أ: فقال.

[ 83 ]

مسألة خامسة قال الشيخ الناصب: ومما خالفوا فيه جميع الفقهاء، وارتكبوا البدعة في القول به، ابطال الطلاق الثلاث، والحكم منهم على من طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، بأنها على نكاح المطلق، ولم تبن منه. فأحلوا الفروج لمن حرمه الله عليه، وهو المطلق، وحرموه على من أحله الله له، وهو غير المطلق. والقرآن شاهد بفساد مذهبهم في هذا الباب، قال الله عزوجل: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (1) فجعله ثلاثا، ولم يجعله مفصلا، حسبما اقترحت هذه الفرقة الشاذة. فصل فيقال له: لسنا نراك تعدل عن طريقتك في البهتان في الشناعات، بغير حجة ولا بيان، ومن كانت هذه سبيله في دينه، وحجاجه لخصومه، فقد بان

(1) البقرة: 229.

[ 84 ]

أمره، ووضح لكل ذي عقل جهله. أي إجماع على ما ادعيت، من وقوع الطلاق الثلاث في وقت واحد، والعلماء بالآثار متفقون على أن الطلاق الثلاث كان على عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، وطول أيام أبي بكر، وصدرا من أيام عمر بن الخطاب، واحدة (1)، حتى رأى عمر أن يجعله ثلاثا، وتبين به المرأة بما خوطبت على ذلك. قال: إنما لم أقره على السنة مخافة أن يتتابع فيه السكران والغيران. والرواية مشهورة عن عبد الله بن عباس: انه كان يفتي في الطلاق الثلاث في الوقت الواحد، بأنها واحدة، ويقول: ألا تعجبون من قوم يحلون المرأة لرجل وهي تحرم عليه، ويحرمونها على آخر وهي - والله - تحل له، فقيل له: من هؤلاء يا ابن عباس؟ فقال: هؤلاء الذين يبينون المرأة من الرجل إذا طلقها ثلاثا بفم واحد، ويحرمونها عليه، ويحلونها لآخر وهي - والله - تحرم عليه. والرواية مشهورة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان يقول: إياكم والمطلقات ثلاثا في مجلس واحد، فإنهن ذوات بعول (2). فكيف يكون إجماع الفقهاء على شئ إجماع الأمة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، وأيام أبي بكر، وأكثر أيام عمر، على خلافه، ومن سميناه من وجوه أهل البيت والصحابة على ضده، وأهل بيت محمد (صلى

(1) مشكل الآثار للطحاوي 3: 55، صحيح مسلم 2: 1099، المستدرك على الصحيحين 2: 196، شرح النووي على صحيح مسلم 10: 70، المغني لابن قدامة 8: 244، الشرح الكبير 8: 258، عمدة القاري 20: 233، بداية المجتهد 2: 61.
(2) نوادر أحمد بن محمد بن عيسى: 10 8، فروع الكافي 5: 424، مستدرك الوسائل 15: 302، نقلا عن المسائل الصاغانية.

[ 85 ]

الله عليه وآله) كافة يذهبون إلى نقيضه، وشيخ العامة وقاضيهم الحجاج بن أرطاة (1) يقضي ببطلانه، ويرى أن الطلاق الثلاث في وقت واحد لا يقع منه شئ البتة (2)، وهو قاضي المنصور في طول أيامه، والعمل على حكمه بذلك منتشر بالعراق، والحجاز، وسائر أعمال بني العباس. لولا أن الشيخ الضال لا يستحي من التخرص بما لا يخفى عناده فيه أو جهله على العلماء. فصل وأما تعلقه بقول الله عزوجل: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (3)، فهو شاهد ببطلان مقاله في وقوع الطلاق الثلاث بفم واحد، في وقت واحد، لأن الله تعالى أخبر بأنه يكون في ثلاث مرات، وما يوقعه الإنسان في حال واحد لا يكون في مرتين ولا ثلاثة. ألا ترى أنه من قرأ أية من القرآن مرة واحد، لم يجد القضاء عليه بأنه قد قرأها مرتين، والإجماع حاصل على أنه من قال: (سبحان الله العظيم) مرة واحدة، ثم أتبع هذا القول، بأن قال: ثلاثا، أو أربعا، أو خمسا، لم يكن مسبحا

(1) أبو أرطاة النخعي الكوفي، سمع عطا بن أبي رياح وغيره، وكان من حفاظ الحديث، ومن الفقهاء، استفتي وهو ابن ست عشرة سنة، وولي القضاء بالبصرة... كان يقع في أبي حنيفة، توفي سنة خمسين ومائة بالري. (وفيات الأعيان 2: 55) (2) عمدة القاري 2 0: 233، الإصناف 8: 454، الفتاوي الكبرى لابن تيميه 3: 19.
(3) البقرة: 229.

[ 86 ]

بحسب ما قال، وإنما يكون مسبحا مرة واحدة، والآخر (1) مجمعة على أنه من قال في ركوعه: (سبحان ربى العظيم)، ثم قال: ثلاثا، لم يكن مسبحا ثلاثا في التحقيق، ومن قرأ الحمد واحدة، ثم قال بعدها: ألفا، لم يكن قارئا لها ألفا، بل كان كاذبا فيما أخبر به من العدد. ولا خلاف بين المتفقهة في أن الملاعن لو قال في لعانه (أشهد بالله أربع مرات إني لمن الصادقين) لم يكن شاهدا بها أربع مرات، كما قال الله عزوجل: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) (2)، وإنما يكون شاهدا بها أربع مرات إذا كررها في أربع أحوال على التفصيل دون الإجمال. وإذا كان الأمر على ما وصفناه سقط ما اعتل به الشيخ الضال، وكان شاهدا بفساد مذهبه على ما ذكرناه، وثبت أن القرآن هو الحجة على بطلان مذهبه في الطلاق مع الإجماع الذي وصفناه. والإجماع أيضا منا ومنه على أنه بدعة (3)، مع قول النبي (صلى الله عليه وآله): كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة إلى النار (4). وقوله (عليه السلام): كلما لم يكن على أمرنا هذا فهو رد (5). فقضى (عليه السلام) برد الطلاق إذا كان بدعة، وأبطله لخلاف سنته (عليه السلام).

(1) كذا في جميع النسخ المعتمدة.
(2) النور: 6.
(3) المغني 8: 24 2، الشرح الكبير 8: 258، المحرر في الفقه 2: 51، المبسوط للسرخسي 6: 4، بدائع الصنائع 3: 94، شرح فتح القدير 3: 329، رد المحتار 2: 419، كنز الدقائق: 114، الهداية في شرح البداية 1: 227، تحفة الفقهاء 2: 171.
(4) مسند أحمد بن حنبل 3: 310، صحيح مسلم 2: 592، سنن البيهقي 3: 207، الدر المنثور 3: 612.
(5) صحيح البخاري 3: 91، صحيح مسلم 3: 1344، سنن الدار قطني 4: 227، بأدنى تفاوت.

[ 87 ]

فصل قال الشيخ الناصب: وكيف يمنعون من وقوع الطلاق الثلاث في وقت واحد، والخبر ثابت عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لعمر - وقد سأله عن طلاق ابنه لامرأته، وهي حائض، وكان قد طلقها واحدة - فقال له: مره فليراجعها حتى تحيض وتطهر، ثم إذا شاء طلقها، وإن شاء أمسكها، فقال له عمر: يا رسول الله أرأيت لو طلقها ثلاثا لكانت تبين منه؟ فقال له النبي (عليه وآله السلام): كأن يكون قد عصى ربه وبانت امرأته. فهذا حكم من النبي (صلى الله عليه وآله) بخلاف ما ادعته هذه الفرقة الشاذة في الطلاق. ومن لم يعرف القرآن والسنة فقد ضل عن الإسلام. فصل فيقال له: هذا الحديث لا يثبت عند نقاد الأخبار، ولم يروه إلا الضعفاء من الناس، والثابت في حديث ابن عمر أنه طلق امرأته ثلاثا وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: ليس بشئ، مره فليمسكها حتى تحيض وتطهر فإن شاء أمسكها، وإن شاء طلقها (1).

(1) مسند أحمد بن حنبل 2: 61، صحيح مسلم 2: 1096، سنن ابن ماجه 1: 651، سنن أبي داود 2: 255، جامع الأصول 7: 603، بأدنى تفاوت.

[ 88 ]

فأما ما ورد بغير هذا المعنى من الحديث عن ابن عمر فهو موضوع، وأقل ما في هذا الباب أن يتقابل الحديثان فيسقط بالتقابل، وتثبت الحجة بما أوجبه الكتاب في الطلاق، ودلت عليه السنة حسب ما ذكرناه. فصل مع أنا لو سلمنا ما أراده متفقهة العامة في حديث ابن عمر، من قوله (أرأيت لو طلقها ثلاثا)، لم يناف ما نذهب إليه في الطلاق، ونعتقده في إبطال طلاق البدعة، وذلك أنه لا ينكر أن تكون مسألة عمر عن طلاقه بها ثلاثا وهي طاهر، فأوجب النبي (صلى الله عليه وآله) بينونتها منه بذلك، وحكم عليه بالمعصية في جميع الثلاث، وذلك إنما يوقع من الثلاث واحدة، فإذا أوقعت في طهر بشاهدي عدل، يوجب بينونة المرأة من زوجها بالواحدة، وإن لم يوجبه طلاقا محرما للرجعة. فإذا لم يكن في الزيادة التي ألحقها العامة في الحديث، ووضعوها تخرصا، أن عمر سأل النبي (صلى الله عليه وآله) عن طلاق في حيض، ولا قدر مسألته في إيقاع الثلاث في الطهر، وأن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) فهم ذلك من غرضه فأجابه بحسبه. وفي هذا إبطال ما تعلق به الشيخ الجاهل من الحديث الشاذ، وزعم أنه حجة على أهل الحق بهتا ومكابرة.

[ 89 ]

فصل مع أن حديث ابن عمر من أخبار الآحاد باتفاق العلماء، وليس مما يقطع على الله تعالى بالصدق فيه، وأخبار الآحاد لا يعرض بها على القرآن المقطوع به على الصواب عند الله عزوجل. فصل ومع أن أصحاب الحديث قد رووا عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) ما لم يتنازعوا في صحة سنده، وأنه قال لرافع: أنت الذي تزعم أن ابن عمر طلق امرأته واحدة وهي حائض فردها رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال له نافع: نعم، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): كذبت والله الذي لا إله غيره، أنا سمعت أبا عبد الله بن عمر يقول: طلقت امرأتي ثلاثا وهي حائض، ثم حزنت عليها، فسألت أبي أن يذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله)، فذكره له، فقال له: مره فليمسكها حتى تحيض وتطهر، ثم إن شاء أمسكها من بعد، وإن شاء طلقها (1). وهذا الحديث يقضي على الشيخ الضال بالبهتان فيما ادعاه.

(1) فروع الكافي 6: 161، بأدنى تفاوت.

[ 90 ]

فصل مع أن حديث ابن عمر قد اختلفت ألفاظه، وتضادت معانيه، فلو لم يسقط من جهة أنه خبر واحد، ولا من جهة خلاف مضمون بعضه القرآن والسنة، لكان ساقطا باختلاف ألفاظه، وتضاد معانيه، على ما بيناه. فصل قال الشيخ المعاند: وحديث عويمر بن ساعدة العجلاني يقتضي - أيضا - ببطلان ما حكمت به هذه العصابة المخالفة لفقهاء الأمصار، وذلك أن عويمر بن ساعدة رمى زوجته بالفجور، فلاعن بينها وبينه النبي (صلى الله عليه وآله) فلما شهدت المرأة أربع مرات على كذبه، وتممتها بالخامسة، قال عويمر: إن كنت كذبت عليها فهي طالق ثلاثا، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): قد بانت منك باللعان. ولم ينكر عليه جميع الطلاق الثلاث. فصل فيقال له: سمعت عنك من شيخ جاهل متهور، قلد سلفا له حميرا ولم يتأمل جهالاتهم فيجتنبها، ألست تقول - وأصحابك كافة - أن الطلاق في وقت

[ 91 ]

واحد بدعة، ومعصية لله عز وجل، وتخالف الشافعي في دعواه أنها سنة؟! فلم لم ينكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عويمر فعله البدعة، وخلافه للسنة عندك، وارتكابه المعصية على أصلك؟. فكيف تحتج أنت علينا بذلك، مع مشاركتك لنا في القول بأنها بدعة منكرة؟! وما قال النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينكر على عويمر طلاقه لامرأة، قد بانت منه باللعان إذ لم يكن أنكر ذلك عندك، وما علمت - أيها الجاهل - أن قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعويمر: قد بانت منك باللعان، إنكار لما أقدم عليه من القول بجهالة، وفيما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) من ذلك، ونبه به عويمر على غلطه، كفاية في الإنكار بحسب ما اقتضته الحال، إذ لم يكن عويمر قد عاند فيما قال، وإنما ظن أن ذلك يجوز، فبين له النبي (صلى الله عليه وآله) بطلان ما ظنه فيه، على ما يبين به الحكماء لأصحابهم إذا زلوا على غير العناد.

[ 93 ]

مسألة أخرى سادسة قال الشيخ الناصب: ومن عجيب ما خالفوا فيه الأمة، قولهم: أن الظهار لا يقع موقع اليمين، وأن الرجل إذا قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي إن قربتك، لم يكن عليه حرج أن يقربها، ولا كفارة عليه. وكذلك يقولون في الطلاق، و هذا خلاف ما عليه أهل ملة الأسلام. ثم قال: فيقال لهم: خالفتم الجماعة في الظهار، ورددتم نص القرآن، وما الذي حملكم على إنكار وقوع الطلاق بالأيمان؟ والحالف به متلفظ بطلاق، و هل خلافكم فيما ذكرناه إلا خلاف القرآن والسنة والإجماع. فصل فيقال له: ما نراك تعدل أيها الشيخ الضال عن سنتك في المكابرة والعناد، والتخرص والبهتان، أي إجماع يخرج عنه أئمة الهدي من آل محمد (عليهم السلام)، وأتباعهم في شرق الأرض وغربها، المتدينون بأحكام الكتاب والسنة،

[ 94 ]

المخالفون لأهل البدع والضلال؟! ولأن جاز لك أن تدعي الإجماع في خلافهم، ليجوزن لهم أن يدعوا ذلك في خلافك عليهم، بل هم أولى بالحق في ذلك، لتعويلهم في القول على العترة الطاهرة التى أمر النبي (صلى الله عليه وآله) كافة أمته بالتمسك بها لصوابهم في ذلك وخطئك فيما ادعيت عليهم من خلاف الإجماع. فصل فأما دعواه أن القرآن يشهد بوقوع الظهار بالأيمان، فهي بالضد من ذلك، والقرآن شاهد بما ذهبت إليه الشيعة من عدم وقوع الظهار بالأيمان، قال الله تعالى: (الذين يظاهرون من نسائهم ما هن امهاتهم إن امهاتهم إلا اللائي ولدنهم و إنهم ليقولون منكرا من القول وزورا) (1). فقطع سبحانه على أنه ليقولون المنكر، ويشهدون بالزور في ظهارهم، و لو كان الظهار معلقا بالأيمان لصح أن يخرج الإنسان من قول الزور فيه بوفائه باليمين، وترك الخلاف فيها. وفي قطع الله عزوجل أن المظاهر قائل منكرا وزورا، وإظهاره على كل حال، دليل على أن الظهار ما وقع لغير شرط يخرجه عن الصفة التي حكم الله تعالى بها على المظاهرين قطعا بلا ارتياب.

(1) المجادلة: 2.

[ 95 ]

فصل وأما اليمين بالطلاق فإنها محدثة فيه، وليست من شرع الإسلام، وقد حد الله تعالى في الطلاق حدودا لم يدخل فيها اليمين على حال، ولا فرق بين أن يجري الطلاق مجرى الأيمان، وبين أن يجري النكاح مجراه، وتخرج (1) الأموال عن الأملاك كما تخرج الأزواج عن الإملاك. فيقول له القائل: أنا ناكح فلانة إن كان كذا وكذا، وإن لم يكن كذا وكذا، فتقول له المرأة: قد رضيت بذلك، فينعقد النكاح به عند حلفه في يمينه، كما ينفسخ به عند حلفه في الأيمان. ويقول الإنسان لمجاوره: داري لك إن كنت فعلت كذا وكذا، أو مالي، أو ضيعتي، أو عبدي، أو أمتي، فمتى كان ما حلف عليه ذكرناه، صار الملك لمن سميناه، وانتقل عن ملكه بالأيمان، وهذا باطل بالإجماع، والنظر الصحيح، والاعتبار. فصل ثم يقال له: هل وجدت في كتاب الله سبحانه إيقاع الطلاق بالأيمان؟ أو وجدت ذلك مشروعا في ملة الإسلام؟ فإن ادعى فيه الكتاب أو السنة أكذبه الوجود، وإن أقر بعدمه اعترف بالبدعة فيما صار إليه من الحكم له، وكفانا

(1) في أ: تجري.

[ 96 ]

مؤونة الكلام في معناه. فصل وليس له إلى الحكم به من جهة القياس سبيل، لأنا لا نسوغ له القول بالقياس في الأحكام الشرعيات، ولو شرعنا له ذلك لكان بما أوردنا عليه من جهة القياس مسقط دعواه فيه على البيان... والله ولي التوفيق.

[ 97 ]

مسألة أخرى سابعة قال الشيخ الناصب: ومما خالفت به هذه الفرقة الضالة الأمة كلها، سوى ما حكيناه عنها في النكاح والطلاق والظهار، قولهم في المواريث. فمن ذلك: أنهم منعوا الزوجات ما فرضه الله تعالى لهن في كتابه بقوله: (ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم) (1) فعم جميع التركة بما يقتضي لهن الميراث منها، فقال هؤلاء القوم: إن الزوجات لا ترث من رباع الأرض شيئا. فحرموهن ما أعطاهن الله في كتابه، وخرجوا بذلك من الإجماع، و خالفوا عليه فقهاء الإسلام. فصل فيقال له: لسنا نحصل منك إلا على الإحالات الباطلة، والحكايات

(1) النساء: 12.

[ 98 ]

المدخولة، من أين زعمت أن الشيعة خالفت الأمة في منعها النساء من ملك الرباع، على وجه الميراث من أزواجهن؟ وكافة آل محمد (عليهم السلام) يروون ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويعملون به وراثة لسنته فيه، فأي إجماع تخرج منه العترة وشيعتهم، لولا عنادك وعصبيتك. فأما ما تعلقت به من عموم القرآن، فلو عرى من دليل خصوصه لتم لك الكلام، لكن دل على خصوصه (1) تواتر الشيعة عن أئمة الهدى من آل محمد (عليهم السلام) بأن المرأة لا ترث من رباع الأرض شيئا، لكنها تعطى قيمة البناء والطوب والخشب والآلات، إذ (2) ثبت الخبر عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بذلك (3)، ويجب القضاء بخصوص العموم من الآية التي تعلقت بها. وليس خصوص العموم بخبر متواتر منكرا عند أحد من أهل العلم، لا سيما وأصحابك يخصون العموم وظاهر القرآن بأخبار الآحاد الشاذة (4)، و منهم من يخصه بالمراسيل من الآحاد، وجماعة من أصحابك يخصونه بالظن الفاسد الذي يسمونه قياسا (5)، فكيف تنكر أيها الجاهل - خصوص عموم القرآن بخبر ثبت عن النبي (صلى الله عليه وآله) من جهة عترته الصادقين

(1) في أ: لكن ذلك خصوصه.
(2) في أ: إذا.
(3) كما في صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئا. وفي حديثه الآخر عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام): أن المرأة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض، إلا أن يقوم الطوب والخشب قيمة فتعطى ربعها أو ثمنها... (فروع الكافي 7: 127، 128) (4) الأحكام للآمدي 2: 525، المستصفى 2: 114، الإبهاج 2: 171.
(5) الأحكام للآمدي 2: 536، المستصفي 2: 12 1، الإبهاج 2: 176.

[ 99 ]

(عليهم السلام)، لولا العدول عن الصواب. فصل مع أن للشيعة أن يقولوا: أن الرباع ليست مما تركها الأزواج لجميع الورثة، و إنما قضى عموم القرآن لاستحقاق الزوجة الربع من تركات الأزواج، والثمن، على ما بينه الله عز وجل، وإذا لم يثبت من جهة الإجماع ولا دليل قاطع للعذر أن التربة والرباع من تركات الأزواج للزوجات، بطل التعلق بالعموم في هذا الباب. فصل على أنك أيها الشيخ قد خصصت - وأئمتك من قبلك - عموم هذه الآية، بل رفعتم حكمها في أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) وحرمتموهن من استحقاق بركات ميراثه جملة، وحرمتموهن شيئا منها بخبر واحد ينقضه القرآن. وهو ما رواه صاحبكم عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، فرد على الله قوله: (وورث سليمان داود) (1) وقوله: (فهب لي من لدنك وليا () يرثني ويرث من آل يعقوب

(1) النمل: 16.

[ 100 ]

واجعله رب رضيا) (1)، وخصص عموم قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (2)، وقوله تعالى: (ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن) (3). وقصد بذلك منع سيدة نساء العالمين (عليها السلام) ميراثها من أبيها (صلى الله عليه وآله) مع ما بيناه من إيجاب عموم القرآن ذلك، وظاهر قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (4)، وجعل هذه الصديقة الطاهرة (عليها السلام) في معنى القاتلة الممنوعة من ميراث والدها لجرمها، والذمية الممنوعة من الميراث لكفرها، والمملوكة المسترقة الممنوعة من الميراث لرقها، فأعظم الفرية على الله عزوجل، ورد كتابه، ولم تقشعر لذلك جلودكم، ولا أبته نفوسكم. فلما ورد الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) من جهة عترته الصادقين الأبرار بمنع الزوجات ملك الرباع، وتعويضهن من ذلك قيمة الطوب والآلات والبناء جعلتم ذلك خلافا للقرآن، وخروجا عن الإسلام، جرأة على الله، و عنادا لأوليائه (عليهم السلام). هذا مع أنا قد بينا أنه يجب عليكم إثبات الرباع في التركات المعروفات للأزواج، حتى يصح احتجاجكم بالعموم، فأنى لكم بذلك، ولن تقدروا عليه الا بالدعاوي المعراة من البرهان

(1) مريم: 5، 6.
(2) النساء: 7.
(3) النساء: 12.
(4) النساء: 11.

[ 101 ]

فصل ثم قال هذا الشيخ الضال: فأدى قولهم هذا إلى أن الرجل يخلف ضياعا و بساتين، فيها أنواع من الشجر والنخيل والزروع، تكون قيمتها من مائة ألف دينار إلى أكثر من ذلك، فلا يعطون الزوجات منها شيئا. فهذا قول لم يقله كافر فضلا عن أهل الإسلام. فصل فيقال له: زادك الله ضلالا على ضلالك، وأعمى عينيك كما أعمى قلبك، من أين أدى قولهم إلى ما وصفت؟ إما (1) لأن الضياع - عندك - والأشجار والنخيل والنبات (2)، هي (3) الرباع؟ أم لغير ذلك؟. فإن كان يؤدي إلى ما وصفت لأن الضياع من الرباع، والأشجار والأثمار منها؟ فهذا بلغة الترك - لعله - أو الزنج، وأما بلغة العرب فليس ذلك فيها، بل ليس ذلك لغة من اللغات، وأنت بتهمتك ظننت أن الرباع لما ذكرت من الضياع. ولو عرفت فائدة هذه اللفظة، وما وضعت له، لما أوردت ذكر الضياع والأشجار والبساتين فيما أنكرته على القوم من منع الزوجات تملك الرباع.

(1) (إما) ساقطة من أ.
(2) في ب: الثياب.
(3) (هي) ساقطة من أ.

[ 102 ]

وقد كان ينبغي أن تسأل بعض أهل اللسان عن معنى هذه اللفظة، وعلى ما وضعت، ثم تتكلم على بصيرة، لكنك لم توفق لذلك، وأراد الله تخييبك، و إيضاح جهلك، خذلانا منه لعنادك في الدين. والرباع عند أهل اللغة: هي الدور والمساكن خاصة (1)، فليس لما سواها مدخل فيها. فافهم ذلك إن كان لك عقل تفهم به الأشياء.

(1) العين للخليل 2: 133، لسان العرب 8: 102، القاموس المحيط 3: 24.

[ 103 ]

مسألة أخرى ثامنة قال الشيخ المتعصب: ومن عجائب قولهم في الميراث: أن الرجل إذا مات، وخلف بنين وبنات وزوجات، وكان في البنين (1) واحد منهم أكبرهم، اختص بثياب بدنه وسلاحه وخاتمه ومصحفه، ثم ورث بعد ذلك مع الجماعة مما تبقى، ربما كانت ثياب بدن الرجل وسلاحه وخاتمه ومصحفه معظم تركته، بل ربما لم يخلف غير ذلك، فيقون به الولد الأكبر، ويحرم الباقون ميراثه. وهذا أقبح من قولهم الأول، الذي بينا خروجهم به من الإجماع، مع رده القرآن من قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (2). فصل فيقال له: الجواب عن هذه المسألة كالجواب عن الأولى، والقول فيهما

(1) في (أ): البين.
(2) النساء: 7.

[ 104 ]

واحد، وقد حرف - مع ذلك - قول القوم، ولم يفهمه، وشنعتك بباطل لم تعلمه. الذي تذهب إليه الشيعة في هذه المسألة: أن للولد الذكر الأكبر من جملة ثياب الرجل ما مات وكانت عليه، أو معدة للباسه، دون جميع ثياب بدنه، و من جملة سلاحه سيفه، ومصحفه الذي كان يقرء فيه، وخاتمه (1). خصه الله بذلك على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله) وفي سنته، وليس يمتنع تخصيص القرآن بالسنة الثابتة. ولو منع القوم أن يكون ما عددناه من تركة الميت - لاستحقاق الولد له بالسنة - خارجا عن الميراث، لم يكن للخصم حجة فيما تعلق به من العموم. وإنما جعل الله سبحانه ما سميناه للولد الأكبر، لأنه ألزمه قضاء الصوم عن أبيه، إذا مات وعليه صوم قد فرط فيه، وقضاء ما فرط فيه من الصلاة أيضا. والعقل يجوز ما ذكره القوم، ولا يمنع منه، وقد جاء به الشرع على ما بيناه، وأي عجب في ذلك، وأي منكر فيه. مع أنا قد ذكرنا فيما تقدم أنكم حرمتم الأولاد والزوجات جملة الميراث، مع حكم القرآن بوجوب ذلك لهم، وأخرجتم أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأزواجه، وعصبته، من استحقاق ميراثه، وحرمتموهم تركاته، والقرآن شاهد بضد ذلك، وظاهره قاض بخلافه. فأما ما توهمه علينا أنه إذا لم يترك الرجل إلا ثياب بدنه، وسيفه و مصحفه وخاتمه فإن الولد الأكبر يحوزه، فليس كما توهم، وإنما للولد ذلك إذا كانت هناك تركات سواه، وكان يسيرا في جنب ما خلف الوالد ولو كان في

(1) انظر: فروع الكافي 7: 85، تهذيب الأحكام 9: 276.

[ 105 ]

جملة من هذه الأشياء ماله قدر يعظم، فيصير جملة وافرة من تركته، لما استبد به دون الورثة، والقول في هذا على العادة، وهو أن يترك الرجل تركة، فيكون منها للأكبر ما عددناه لما ذكرناه، من قيامه بما سميناه من الصوم والصلاة عنه إذا فرط فيه قبل وفاته، عوضا له عن ذلك، ولا يكون له إذا لم يترك غيره. فتوهم الشيخ الضال خلاف ما ذكرناه، تيها عن الحق فيه. فصل ويقال له: قد أنكر ضعفاء من أهل القبلة، وكل من خالف الملة، حكم الله عزوجل في العاقلة، وقالوا: كيف يجوز أن يحكم الله على قوم لما يقتلوا و لم يرضوا بالقتل، ولا شاركوا فيه، بالدية، ويعفى القاتل (1) منها؟! ونسبوا ذلك إلى الظلم، وتعلقوا بقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (2)، وقوله: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) (3)، وكانت الحجة عليهم كالحجة عليك فيما أنكرت، والشناعة منهم بالباطل، كالشناعة منك على الشيعة عما وقعت، و تخرصت فيه الباطل، وتوهمت غير الحق في معناه وظننت. وهذا العذر كاف في بطلان ما تعلق به الشيخ الناصب في هذه المسألة، و ما تقدم في الاولى من الكلام متوجه عليه في الجميع (4)... والمنة لله....

(1) في جميع النسخ (العاقل)، وما أثبته أنسب.
(2) الأنعام: 164.
(3) النجم: 4 0.
(4) في جميع النسخ: الجمع، وما أثبته أنسب.

[ 107 ]

مسألة أخرى تاسعة قال الشيخ الضال: ومثل بدعهم التي حكيناها فيما بيناه عنهم، قولهم في (1) الديات، وهو إذا قتل الرجل المرأة، زعموا أن لأهلها أن يقتلوه، وعليهم نصف الدية. فخالفوا بذلك ظاهر القرآن من قوله تعالى: (النفس بالنفس) (2)، و خرجوا به من الإجماع. فصل (3) فيقال له: إن ظاهر القرآن (4) مع القوم، وما ظننت من حكمه معك، فهو ظن باطل، قال الله عزوجل: (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) (5)

(1) (في) ساقطة من أ.
(2) المائدة: 45.
(3) ساقطة من أ.
(4) في جميع النسخ: (ظاهر القرآن مع القوم).
(5) البقرة: 178.

[ 108 ]

فجعل القصاص في التماثل بالأنفس ما تستحق بها من الديات، وقد علمنا أن دية الذكر ألف دينار، ودية الأنثى خمسمائة دينار، وهذا يمنع التماثل فيما يوجب القصاص. كما أن العبد لما كان لا يماثل الحر في ديته، امتنع القصاص بينهما، وكان ظاهر القرآن يقضي بوجوب القصاص لمماثله بما تلوناه. فأما قوله تعالى: (النفس بالنفس) (1) فهو خاص بالإجماع والاتفاق، لأنه لا يقتل السيد بعبده (2) ولا المؤمن بالحربي الكافر، ولا يقتل المسلم عند جمهور الفقهاء بالذمي (3)، ولا يقتل الإنسان بالبهيمة، باتفاق أهل الملل كافة، فضلا عن ملة الإسلام، ونفس البهيم نفس، كما أن نفس الإنسان نفس. وإذا ثبت خصوص هذه الآية بالإجماع، بطل التعلق بعمومها على ما ذكرناه. فأما تسويغنا أولياء المرأة أن تقتل الرجل بشرط أن يؤدوا نصف الدية إلى أوليائه، فمأخوذ مما ذكرناه في حكم القصاص، وبالسنة الثابتة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، المأثورة بعمل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وليس يختلف العامة أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى بذلك، وعمل به (4).

(1) المائدة: 45.
(2) المغني 9: 360، الشرح الكبير 9: 362، كشاف القناع 5: 525، الإنصاف 9: 469، حاشية الجمل على شرح المنهج 5: 21، حلية العلماء 7: 450، الكافي لابن عبد البر: 588، التفريع 2: 216، القوانين الفقهية: 340. (3) المغني 9: 342، الشرح الكبير 9: 361، كشاف القناع 5: 524، الإنصاف 9: 469، الأم 6: 25، المهذب 2: 173، حاشية الجمل 5: 20، الكافي لابن عبد البر: 588، التفريع 2: 216، القوانين الفقهية: 340، حلية العلماء 7: 448.
(4) الأم للشافعي 7: 176، فتح الباري 12: 180، المغني لابن قدامة 9: 378، الشرح الكبير 9: 35 9.

[ 109 ]

وقد ثبت الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: علي أقضاكم (1). وقال: علي مع الحق والحق مع علي، اللهم أدر الحق مع علي حيثما دار (2). وإذا كان الأمر على ما ذكرناه، بطل ما ادعاه الشيخ الضال من خلاف الإجماع في ذلك، إلا أن يخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) من الإجماع، و يحكم على قوله بالشذوذ والخروج عن الإيمان. فينكشف أمره لسائر العقلاء، و تظهر ردته لكافة العلماء، ويبين من جهله ما لا يخفى على أحد من الفقهاء، و كفاه بذلك خزيا.

(1) فتح الباري 8: 136، كشف الخفاء للعجلوني 1: 184.
(2) مجمع الزوائد 7: 235، ربيع الأبرار 1: 528، تاريخ بغداد 14: 321، التفسير الكبير للرازي 1: 205.

[ 111 ]

مسألة عاشرة قال الشيخ الجاهل: ومن عجيب قولهم أيضا في هذا الباب أنهم زعموا: أن الإنسان إذا قطع رأس ميت من الناس، وجبت عليه ديته مائة دينار، وهذا قول لا يعرف له أصل في كتاب ولا سنة ولا قياس، ولا قال به أحد من فقهاء الإسلام. فصل فيقال له: ليس تعجبك من هذا المقال ببدع من جهالاتك، أي منكر فيما حكيت، ولأي أصل خالف من قال هذا، الكتاب أو السنة؟! وكيف يكون ردا للإجماع، وعترة الرسول (عليهم السلام) وأشياعهم في شرق الأرض وغربها قائلون به ومسندون إلى صاحب الشريعة (عليه السلام)؟!. فأما القياس بالشريعة فليس بأصل عندنا، ولا مثمر علما، ولو كان أصلا شاهدا بما ذكرناه في هذا المعنى ووصفناه، وذلك أن في الجنين مائة دينار، وهو

[ 112 ]

الصورة قبل أن تلجها الروح، فإذا مات الإنسان صار إلى حال الجنين في كونه صورة لا روح فيها، وكان حكمها في الدية حكم الجنين. هذا مع ثبوت الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قضى بذلك في الميت خاصة، ورواه عنه عترته الصادقون (عليهم السلام) (1). كما رووا عنه في الجنين مائة دينار، ورووا عنه في النطفة إذا ألقتها المرأة من الضرب ونحوه عشرون دينارا، وفي العلقة أربعون، وفي المضغة ستون دينارا، وفي العظم المكسي لحما ثمانون، وفي الصورة قبل أن تلجها الروح مائة (2). وهذه أخبار ظاهرة مستفيضة عن النبي (صلى الله عليه وآله) من طريق عترته (عليهم السلام)، إنما ضللت عنها وأئمتك لعدولكم عن معدن الحق، و مصيركم إلى الباطل وأهله، واشتغالكم عن حمل الآثار بالرأي والاستحسان، و هجرانكم أمر الله تعالى بصلته وأخذ معالم الدين عنه من عترة نبيكم (عليهم السلام) وتقليدكم الضلال من أعدائهم المتولين للرجال، ولو نظرتم لأنفسكم لما خفي عليكم الصواب. فصل ثم يقال له: أكل أحكام الشريعة مسطورة في ظاهر القرآن، والسنة المجمع

(1) فروع الكافي 7: 347، 348، من لا يحضره الفقيه 4: 121، تهذيب الأحكام 10: 272. (2) فروع الكافي 7: 242، من لا يحضره الفقيه 4: 111، تهذيب الأحكام 10: 281.

[ 113 ]

عليها عن النبي (صلى الله عليه وآله)؟ فإن قال: نعم، بهت وكابر، ورد على كافة العلماء. وإن قال: لا، قيل: فلم أنكرت الحكم في قطع رأس الميت، وإن لم يكن منصوصا في القرآن والسنة المجمع عليها بين أهل الإسلام؟! فلا يجد لذلك دفعا. فهذه أيدك الله جملة ما انطوى عليه كتابك من المسائل التي حكيتها (1) عن هذا الشيخ الناصب وقد أوردتها على وجهها، وبينت جهالاته فيما شنع به منها، وكشفت عن وهي شبهاته فيها، ولو أورد شبهات غير التي احتوى على ذكرها كتابك في الحكاية عنه لنقضناها بحسب ما أبطلنا به الشبهات التي قد وقفنا عليها من كلامك، وفيما أثبتناه من ذلك كفاية لمن تأمله من ذوي العقول... والمنة لله... فصل وأنا بمشيئة الله وعونه أذكر جملا من خلاف إمام هذا الشيخ الناصب على الأمة، وخروجه بها من أحكام الشريعة، ورده بقوله فيها على الكتاب والسنة، ومعتمد في ذلك الإيجاز والاختصار، إذ كان في استيفاء حكاية مذاهب ما ذكرناه مما هو خلاف الإجماع، ومضاد لحكم القرآن، انتشار في المقال، وإضجار لمن قرأه وإملال، وبالله أعتصم من الضلال. فأول ما أبدأ به الخبر عن بدعه في المياه التي يكون بها الطهارات، ثم

(1) في جميع النسخ (حكينا)، وما أثبته أنسب.

[ 114 ]

أحكام الوضوء، والاغتسال، وما يتصل بذلك من أحكام شريعة الإسلام. قال الله سبحانه في ذكر ما يتطهر به العباد لإداء القرب المفترضات، و الطاعات المندوب إليها بالأحكام المشروعات (وأنزلنا من السماء ماءا طهورا) (1) فأخبر أن الذي جعله طهورا للعباد من الأنجاس والأدناس لأداء الصلوات، وإقامة العبادات في الطهارات، هو الماء المنزل من السماء، دون ما سواه مع الاختيار. فزعم إمام الشيخ الضال المعروف بأبي حنيفة النعمان بن ثابت الخزاز أن الطهور قد يكون بالنبيذ المسكر (2)، والموجب على شاربه الحد في ملة الإسلام، النجس العين بحكم القرآن، حيث يقول الله جل اسمه: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) (3) فحكم على الخمر بالنجاسة، نصا لا يختل فهم معناه على ذوي الألباب، وكل مسكر خمر بحكم اللغة التي نزل بها القرآن، والسنة الثابتة عن النبي (صلى الله عليه وآله) حيث يقول: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام (4). فقصد النعمان إلى ما أمر الله باجتنابه لرجاسته، وسوء عاقبته، فدعا إلى القرب به إليه من الطهارات، وإقامة الصلوات والعبادات، وكان بذلك مناقضا لحكم القرآن، وخارجا بما قال فيه عن شريعة الإسلام، وشاذا به عن إجماع العلماء.

(1) الفرقان: 48.
(2) الجامع الصغير: 74، المبسوط للسرخسي 1: 88، بدائع الصنائع 1: 15، حلية العلماء 1: 74.
(3) المائدة: 90.
(4) صحيح مسلم: 1587، سنن أبي داود 3: 327، الجامع الصحيح للترمذي 4: 290، سنن ابن ماجة: 1124.

[ 115 ]

فصل مع أنه لا يختلف أهل التفسير في قوله: (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) (1) أنه أراد شرابا لا يسكر (2)، وزاد ذلك على أن كل مسكر فهو نجس، خارج عن حكم الطهارة. وحكم أبو حنيفة على العلماء بتفسير القرآن، مناقضا لمعنى الآية على ما بيناه. فصل ثم قال الله سبحانه: في التيمم (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا) (3) فأمر بالتيمم عند عدم الماء والضرورة. وزعم النعمان أن من لم يجد الماء، ووجد الخمر الذي هو النبيذ المسكر توضأ به، فأجزاه ذلك عنه (4). وهذا نقيض أمر الله وضده، بلا ارتياب.

(1) الإنسان: 21.
(2) انظر: الكشاف للزمخشري 4: 200، التفسير الكبير للرازي 30: 254، معالم التنزيل للبغوي 5: 501، زاد المسير 8: 440.
(3) المائدة: 6.
(4) الجامع الصغير: 74، المبسوط للسرخسي 1: 88، بدائع الصنائع 1: 15، شرح فتح القدير 1: 103، حلية العلماء 1: 74.

[ 116 ]

فصل وذكر الله التيمم، وحكم ما يتيمم به الإنسان، فقال سبحانه: (فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا) (1)، والصعيد بإجماع أهل اللغة ما علا وجه الأرض من التراب (2). فخالف النعمان هذا النص، وقال: للإنسان أن يتيمم بالنورة والزرنيخ وأشباههما (3)، مما لا يقع عليه اسم الصعيد في اللغة التي نزل بها القرآن، ولم يحتشم من إظهار الخلاف على الله عزوجل، والرد لما تضمنه حكم القرآن. فصل وزعم هذا الرجل: أن الثوب إذا أصابته النجاسة، طهر بغير الماء من المائعات، ردا على الله سبحانه قوله: (وأنزلنا من السماء ماءا طهورا (4)، فجعل الطهر بما لم ينزل من السماء، ولم يستحق سمه الماء، وهذا من الجرأة الظاهرة على الله تعالى، والإقدام المنكر في خلاف ما حكم به في الكتاب والسنة، و شرعه من الحكم للعباد.

(1) المائدة: 6.
(2) انظر: الصحاح للجوهري: 489، المفردات للراغب الأصفهاني: 280، لسان العرب 3: 254.
(3) تحفة الفقهاء 1: 40، المبسوط للسرخسي 1: 108، بدائع الصنائع 1: 54، حلية العلماء 1: 232.
(4) الفرقان: 48.

[ 117 ]

فصل وقال تعالى في الطهارة التي فعلها مفتاح الصلاة: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (1) فرتب الله الطهارة في كتابه، وأدى ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتعليم أصحابه الطهارة، فبدأ بغسل وجهه و يده اليمنى ثم اليسرى، ومسح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به. فرد النعمان ذلك وناقضة، وقال: من توضأ فبدأ بغسل رجليه، وثنى بمسح رأسه، ثم غسل يديه ثم ختم بغسل وجهه، فخالف بذلك ترتيب الله، إذ قدم المؤخر من هذه الأعضاء، وخلط في الترتيب، وغير بعضه أو جميعه، فقد أدى ما وجب عليه، وامتثل أمر الله له فيه، ووافق سنة النبي (صلى الله عليه وآله) (2)، فعاند بذلك في المقال، ورد صريح القرآن، وخالف السنة بلا ارتياب. فصل ثم زعم بعد الذي ذكرناه أنه من كان محدثا ما يوجب الطهارة بالوضوء أو الغسل، فاغتسل عن طريق التبرد أو اللعب، ولم يقصد بذلك الطهارة، ولا نوى

(1) المائدة: 6.
(2) اللباب 1: 11، الهداية 1: 13، تحفة الفقهاء 1: 12، بدائع الصنائع 1: 18، شرح فتح القدير 1: 30.

[ 118 ]

به القربى، أو غسل وجهه على طريق الحكاية، أو اللعب، وغسل يديه لذلك، و مسح رأسه، وغسل رجليه، أو جعل ذلك، علامة بينه وبين امرأة في الاجتماع معه للفجور، أو أمارة على قتل مؤمن أو استهزاء به، فإن ذلك على جميع ما ذكرناه مجز له عن الطهارة (1) التي جعلها الله قربة إليه، وفرض على العبد أن يعبده، ويخلص له النية فيها، بقول جل اسمه: (ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (2) فخالف القرآن نصا، ورد على النبي (صلى الله عليه وآله) في قوله: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرء ما نوى (3). وخالف بذلك العلماء، وشذ عن الإجماع. فصل وفرض الله تعالى الصلاة قربة إليه، وعبادة له، فقال جل اسمه: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) (4)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الصلاة عماد الدين (5). ثم رتب فعلها وعلم أمته صفتها، وسن فيه سننا، وفرض فيها فرائض، وألزم القيام بها بحدودها، ودعا إلى البدار بإتيانها (6) في أول أوقاتها، فقال (عليه

(1) المبسوط للسرخسي 1: 117، بدائع الصنائع 1: 18، حلية العلماء 1: 128.
(2) البينة: 5.
(3) صحيح البخاري 1: 2، صحيح مسلم: 1516، سنن أبي داود 2: 262، سنن النسائي 1: 58.
(4) البقرة: 238.
(5) فردوس الأخبار 2: 56 3، كشف الخفاء للعجلوني 2: 40، كنز العمال 7: 284.
(6) في أ: باديانها، وما أثبته من ب.

[ 119 ]

السلام): الصلاة في أول الوقت رضوان، وفي وسطه غفران وفي آخره عفو الرب (1). فزعم النعمان: أن فرض الصلاة في أواخر الأوقات (2)، ردا على النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا فيما رسمه لأمته وحده. وقال (عليه وآله السلام) في ذكر الصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (3). فزعم النعمان: أن تحريمها التهليل أو التسبيح أو التحميد (4)، وتحليلها إحداث البول أو الغائط على التعمد أو الريح (5). استهزاءا بالشريعة، وردا على صاحب الملة. فصل وقال (عليه السلام): كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج فهي خداج، يقولها ثلاث مرات (6).

(1) الجامع الصحيح للترمذي: 321، بأدنى تفاوت.
(2) بدائع الصنائع 1: 124، اللباب 1: 58، الهداية 1: 40، تحفة الفقهاء 1: 10 2، وفيها: الا في المغرب والظهر في الشتاء. (3) الجامع الصحيح للترمذي 1: 32 1.
(4) اللباب 1: 67، الهداية 1: 47 تحفة الفقهاء 1: 123، المبسوط للسرخسي، 1: 3 5، شرح فتح القدير 1: 246.
(5) اللباب 1: 85، الهداية 1: 60، شرح فتح القدير 1: 334.
(6) صحيح مسلم: 296، 297، سنن أبي داود 1: 216، الجامع الصحيح للترمذي 2: 120، سنن النسائي 2: 135.

[ 120 ]

فزعم النعمان: أنه لا حاجة بالإنسان في صلاة إلى قراءة أم الكتاب، وأنه إذا قال في كل ركعة من صلاة كلمة من القرآن أجزأته صلاته على التمام (1)، ردا على النبي (صلى الله عليه وآله). فصل هذا مع قوله: أن الصلاة قد تكون تامة إن لم يقرأ فيها شئ من القرآن، مع ما قدمناه من قول النبي (صلى الله عليه وآله) في إيجاب قراءة القرآن في الصلاة، وقول الله عزوجل: (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن) (2) وقوله: (فاقرؤوا ما تيسر منه) (3) يريد به في الصلاة على ما أجمع عليه أهل الإسلام (4). فصل وقال الله عزوجل: (قرآنا عربيا غير ذي عوج) (5) فوصف القرآن بالعربية والفصاحة والبيان، وقال: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان

(1) اللباب 1: 77، الهداية 1: 48، تحفة الفقهاء 1: 96، شرح فتح القدير 1: 289.
(2) المزمل: 20.
(3) المزمل: 20.
(4) انظر: الكشاف للزمخشري 4: 179، التفسير الكبير للرازي 30: 187، معالم التنزيل للبغوي 5: 474، زاد المسير 8: 396.
(5) الزمر: 28.

[ 121 ]

الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (1)، وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) (2)، وقال: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (3) فوصف كتابه بالفصاحة، وأخبر عن كلامه بالبيان، وأنه عربي فصيح، لا يشوبه غير العربية من لسان. فزعم النعمان: أن من غير العربية عن معاني القرآن بالفارسية والنبطية أو الزنجية، وأشباه هذه الألسن المخالفة للعربية، فقد تلا القرآن (4)، وجاء به على ما أنزله الله عزوجل، ردا على الله بغير ارتياب، ومكابرة لكافة العقول والأديان. فصل وزعم مع ذلك: أن من قام في صلاته فافتتحها بقول: (سبحان الله والحمد لله) فقد قرأ في صلاته القرآن (5)، فإذا جلس للتشهد فقعد مقداره لا يقول شيئا، ثم أحدث ما ينقض الطهارة متعمدا، فقد أدى فرض الله تعالى عليه من الصلاة (6)، تلاعبا بدين الله، واستخفافا بشرع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتظاهرا بالإلحاد.

(1) النحل: 103.
(2) إبراهيم: 4.
(3) الزخرف: 3.
(4) الهداية 1: 47، تحفة الفقهاء 1: 130، المبسوط 1: 37، شرح فتح القدير 1: 247.
(5) اللباب 1: 77، الهداية 1: 48، تحفة الفقهاء، 1: 96، شرح فتح القدير 1: 289.
(6) الحجة على أهل المدينة 1: 253، اللباب 1: 66، الهداية 1: 46، المبسوط 1: 125.

[ 122 ]

فصل وقد قال الله عزوجل: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (1)، ففرض الزكاة كما فرض الصلاة، وحد لها حدودا معروفات، فقال: في مائتي درهم من الورق خمسة دراهم (2)، وفي عشرين مثقالا من العين نصف مثقال.
(3) فزعم النعمان: أن في مائتي درهم خرقة قيمتها خمسة دراهم، وفي عشرين مثقالا خشبة قيمتها نصف مثقال، استهزاء بشرع الإسلام، وإدغالا في دين أهل الإيمان، وردا على النبي (صلى الله عليه وآله). فصل وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في خمسة من الإبل شاة (4). فزعم النعمان: أن في خمسة من الإبل كلبا أو سنورا، إذا كانت قيمة كل واحد منها قيمة شاة.

(1) البقرة: 43.
(2) الجامع الصحيح للترمذي 3: 16، سنن الدارمي 1: 383، سنن الدارقطني 2: 92.
(3) سنن ابن ماجة 1: 571.
(4) الجامع الصحيح للترمذي 3: 17، سنن الدارمي 1: 382، سنن الدارقطني 2: 113.

[ 123 ]

فصل وقال (عليه السلام): في ثلاثين من البقرة تبيع أو تبيعة. (1) فزعم النعمان: أن فيها كبشا أو شاة. فصل وقال (عليه السلام): في الأربعين من الغنم شاة (2). فزعم النعمان: أن فيها غزالا. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليس في الخضراوات زكاة (3). فزعم النعمان: أن في كل الخضراوات زكاة (4)، إقداما بالرد على النبي (صلى الله عليه وآله).

(1) الجامع الصحيح للترمذي 3: 20، سنن الدارمي 1: 382، سنن الدارقطني 2: 99.
(2) الجامع الصحيح للترمذي 3: 17، سنن الدارمي 1: 381، سنن الدارقطني 2: 114.
(3) الجامع الصحيح للترمذي 3: 30، سنن الدارقطني 2: 95، 96.
(4) اللباب 1: 151، الهداية 1: 109، تحفة الفقهاء 1: 321، الجامع الصغير: 103، المبسوط للسرخسي 3: 20.

[ 124 ]

فصل وقال (عليه السلام): ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة (1). فزعم النعمان: أن في كل قليل وكثير تخرجه الأرض صدقة (2)، عنادا للإسلام. وقال النبي (صلى الله عليه وآله): عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق (3). وقال النعمان: الزكاة في الخيل واجبة (4)، والعفو عنها بدعة، تصريحا بالرد على النبي (صلى الله عليه وآله). فصل وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في صدقة الفطر صاع من تمر، أو صاع من حنطة، أو صاع من شعير (5).

(1) صحيح البخاري 2: 148، الجامع الصحيح للترمذي 3: 22، صحيح مسلم 2: 673، سنن الدارمي 1: 384، سنن الدار قطني 2: 93.
(2) الجامع الصغير: 131، اللباب 1: 150، الهداية 1: 109، تحفة الفقهاء 1: 321، المبسوط 3: 3. (3) الجامع الصحيح للترمذي 3: 16، سنن الدارمي 1: 383، سنن الدار قطني 2: 98.
(4) اللباب 1: 143، الهداية 1: 10 0، تحفة الفقهاء 1: 290، المبسوط 2: 188، وفيها: شرط اجتماع الذكور والاناث.
(5) الجامع الصحيح للترمذي 3: 59، صحيح مسلم 2: 677، سنن الدارمي 1: 392، سنن الدار قطني 2: 140.

[ 125 ]

فزعم النعمان: أن في الصدقة (1) صاعا من أشنان، وربعا من سدر أو سعد، أو أوقية من ماء ورد، أو شئ من سقمونيا، ونحو ذلك مما ليس بينه و بين التمر والحنطة والشعير شبه على حال. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليس في الأوقاص (2) زكاة (3). وزعم النعمان: أن في الأوقاص زكاة مفروضة (4)، خلافا على صاحب الشريعة (عليه وآله السلام). فصل وقال (عليه السلام) لمعاذ حين وجهه إلى اليمن إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى الإسلام، فإن أبوا، فخذ من كل حالم منهم دينارا (5). فزعم النعمان أن على كل حالم قميصا، أو منديلا، أو سراويلا، إذا كان قيمة ذلك دينارا، تلاعبا بالدين، وخلافا على النبي (عليه وآله السلام) (6). وقال: ليس فيما دون مائتي درهم من الورق زكاة (7)، ولا فيما دون

(1) كذا في ب، وفي أ: صدقه.
(2) الوقص: - بالتحريك - ما بين الفريضتين كالزيادة على الخمس من الإبل إلى التسع، ومنهم من يجعل الأوقاص في البقر خاصة. (النهاية لابن الاثير 4: 214).
(3) سنن الدار قطني 2: 168، المعجم الكبير للطبراني 20: 168.
(4) الهداية 1: 99، تحفة الفقهاء 1: 284، المبسوط 2: 187، وعنده أن الأوقاص مخصوصة في البقر.
(5) سنن الدار قطني 2: 102.
(6) هنا في أ زيادة: في الرقة ربع العشر.
(7) سنن الدار قطني 2: 92.

[ 126 ]

عشرين مثقالا من العين زكاة، فإذا حال على الورق والعين حلت الزكاة. فاحتال النعمان لإسقاط الزكاة، ومنع الفقراء من حقوقهم منها، فقال: من كان معه مائتا درهم، وخاف أن يحول عليها الحول فيجب عليه فيها الزكاة، فليستدن عليه ما مقداره درهم واحد إلى أكثر من ذلك، فإذا حال الحول، وعليه الدين سقط عنه زكاة المائتي درهم. وكذلك يفعل في إسقاط الزكاة عن العين. فطرق للناس طريق إسقاط الزكاة استهزاء بالدين، وتخالفا فيه. فصل وثبت الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ليس فيما دون عشرين مثقالا من العين زكاة، ولا فيما دون مائتي درهم من الورق زكاة. فرد النعمان هذا القول على النبي (صلى الله عليه وآله)، وزعم: أن في مائة درهم وعشرة دنانير زكاة (1)، إبداعا في الشريعة، وخلافا على صاحب الملة (عليه السلام). فصل وأسقط رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أرض العشر الخراج. وزعم النعمان: أن فيه خراجا ردا على صاحب الشريعة (عليه وآله السلام).

(1) اللباب 1: 149، الهداية 1: 105، تحفة الفقهاء 1: 266.

[ 127 ]

فصل وأمر الله بالصيام قربة إليه، وفرض صيام شهر رمضان، فقال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (1)، وقال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (2)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى (3). وزعم النعمان: أن من تعمد الخلاف على الله عزوجل، فنوى صيام شهر رمضان في نذر عليه، أجزأه عن صيام شهر رمضان، أو كان عليه كفارة صيام ثلاثة أيام فتعمد أن يصوم ثلاثة أيام من شهر رمضان ينوي بها صيام الكفارة، أجزأه ذلك عن صيام ثلاثة أيام من شهر رمضان، خلافا على النبي (صلى الله عليه وآله) فيما روينا عنه من قوله في هذا الباب. فصل وزعم النعمان: أن من تعمد بلع حصاة وأشباهها، ما لا يغذو الإنسان، و لا يتماع في جوفه وهو صائم أنه لا يفطر بذلك، خلافا على أئمة الإسلام.

(1) البقرة: 18 5.
(2) البينة: 5.
(3) صحيح البخاري 1: 2، صحيح مسلم: 1516، سنن أبي داود 2: 262، سنن النسائي 1: 58، كنز العمال 3: 792.

[ 128 ]

وحج رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع فنزل عليه (عليه السلام): (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) (1)، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) مناديه، فنادى أن يحل كل من لم يسق هديا ويجعلها عمرة، ففعل المسلمون ذلك (2)، وثبتت السنة به. فزعم النعمان: أن التمتع بالعمرة إلى الحج مرغوب فيه، وأن القران هو السنة (3)، خلافا على النبي (صلى الله عليه وآله). فصل وأشعر رسول الله (صلى الله عليه وآله) هديه، وسكب الدم بإصبعه، و سن ذلك لأمته (4). فزعم النعمان أن إشعار البدن مثلة (5)، تبديعا للنبي (عليه السلام). فصل ونهى النبي (صلى الله عليه وآله) أن ينكح المحرم، أو ينكح (6).

(1) البقرة: 196.
(2) صحيح البخاري 2: 174، صحيح مسلم 877، بأدنى تفاوت.
(3) اللباب 1: 196، الهداية 1: 153، تحفة الفقهاء 1: 413، المبسوط 4: 25.
(4) سنن ابن ماجة: 1034، الجامع الصحيح للترمذي 3: 249، صحيح مسلم بشرح النووي 8: 227.
(5) الهداية 1: 157، صحيح مسلم بشرح النووي 8: 228، الجامع الصحيح للترمذي 3: 25، المحلى 7: 112 وفي المبسوط 4: 138 الحكم بالكراهة.
(6) صحيح مسلم: 1030، سنن أبي داود 2: 169، الجامع الصحيح للترمذي 3: 199.

[ 129 ]

فزعم النعمان: أنه لا بأس أن ينكح المحرم، وينكح (1)، خلافا على النبي (صلى الله عليه وآله). فصل وقد حكينا عنه بدعه في النكاح، ما أجمع المسلمون على ضلاله فيه، من قوله بسقوط الحد في نكاح الأمهات، والبنات، والأخوات، والخالات، والعمات، والجدات، وسائر ذوات الأرحام (2). وقوله في: إجازة نكاح من كذب الشهود على أزواجهن في طلاقهن، و تحريم الأمة على سيدها بشهادة الزور، وإلحاق الأولاد بغير آبائهم (3). وإباحة الزنا والمستأجرات عليه من حيث إسقاط الحدود عنهم به (4). وقوله: أنه لا حد على الصحيحة إذا اعترت المجنون يفجر بها، وإن وطأها كما يطء الصحيح (5). وأنه لا حد على المرأة إذا دعت الغلام إلى نفسها، يجامعها في الفرج كما يجامع البالغ بالفجور (6). وأشباه ذلك مما خرج به عن ملة الإسلام، وفارق كافة أهل الملل والأديان.

(1) المبسوط للسرخسي 4: 191.
(2) تقدمت الإشارة إليه في هامش رقم 1 من صفحة 7، فراجع.
(3) تقدمت الإشارة إليه في هامش رقم 1 من صفحة 53، وهامش رقم 1 و 2 من صفحة 54، فراجع.
(4) يشير إلى قول أبي حنيفة: انه لا حد على من استأجر امرأة فزنى بها، انظر: المبسوط.
(5) الهداية 2: 103، المبسوط 9: 54، بدائع الصنائع 7: 34.
(6) الهداية 2: 103، المبسوط 9: 54، 128، بدائع الصنائع 7: 34.

[ 130 ]

فصل وقال الله عزوجل: في الإيلاء (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم () وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) (1). فزعم النعمان: أنه إذا مضى على المولي أربعة أشهر طلقت منه امرأته تطليقة بائنة (2)، وإن لم يتلفظ بطلاقها، ولا أراده، ولا عزم عليه، ولا اختاره، و لا خطر له ببال، ردا لصريح قوله تعالى: (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) (3). فصل وقال سبحانه: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) (4). فزعم النعمان: أنه إذا مضى على المظاهر أربعة أشهر، بانت منه امرأته بتطليقة بائنة، قياسا على الإيلاء، ورادا على الله عزوجل فيما جعل للإنسان من التمسك بامرأته، واستحلال وطئها والكفارة.

(1) البقرة: 226، 227.
(2) اللباب 3: 60، الهداية 2: 11، المبسوط للسرخسي 7: 20.
(3) البقرة: 227.
(4) المجادلة: 3.

[ 131 ]

فصل وزعم النعمان: أن الملاعن إذا تلاعن هو وامرأته ثلاث مرات، فرق الحاكم بينهما، وبانت منه، ردا على الله تعالى في قوله: (والذين يرمون أزواجهم و لم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين () والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين () ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين () والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) (1). فحد الله تعالى في الفرية و حكم اللعان خمس مرات. فزعم النعمان أنه قد يكون حده ثلاث مرات، ابتداعا في الشريعة، وردا لصريح القرآن. فصل وزعم: أن الرجل إذا أنكر حمل امرأته، وقال لها: هذا الحمل ليس مني، وقد جئت به من الزنا، فإنه لا لعان بينه وبينها، ولا حد عليه بذلك، والله تعالى يقول: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم

(1) النور: 6 - 9.

[ 132 ]

الفاسقون) (1)، وذكر سبحانه في قاذفي الزوجات ما قدمناه في حكم اللعان. فخالف النعمان الظاهر في الموضعين جميعا، ولم يستوحش من رد القرآن. فصل وقال النعمان في الشرع بما حظره الله تعالى، فزعم: أن المسلم إذا كان له عبد نصراني، فاشترى العبد خمرا وباعها، أن الابتياع والبيع جائزان، هذا و ابتياع العبد عنده لمولاه وبيعه لا يجوز ذلك منه الا بإذنه. فاباح للمسلمين ما حظره الله عليهم من ابتياع المحرمات، وبيعها، و تملكها، وفارق بذلك جميع العلماء. فصل وقال: أيضا لو أن مسلما أمر نصرانيا أن يشتري له خمرا، فاشترى له ذلك، كان الابتياع له، وكذلك لو باع النصراني خمر المسلم، يصح ذلك لأن النصراني زعم هو الذي عقد البيع والشراء. وهذا صريح بإباحة ما حظره الله عزوجل في كتابه وسنة نبيه عليه

(1) النور: 4.

[ 133 ]

السلام، وخلاف لجميع أمة الإسلام، ولو جاز ما ذكره النعمان في هذا الباب لم يحرج أحد من ابتياع الصلبان والأوثان المحرمات، والميتة والخنازير، وأشباه ذلك من الأنجاس المحرمات، بوساطة من يستحل ذلك من الملحدين، وهذا ضلال عن الدين. فصل وزعم: أيضا لو أن نصرانيا قد استهلك خمرا أو خنزيرا لنصراني مثله، ثم أسلم المستهلك كان عليه قيمة الخمر (1)، ولو أسلم الطالب، ولم يسلم المطلوب كان عليه قيمة الخنزير، ولم تكن عليه قيمة الخمر (2)، تلاعبا بالدين، وقولا منه بغير علم ويقين. فصل وخرج بقوله في الأحكام عن مذاهب كافة المسلمين، فزعم: أن الحكام يحللون بأحكامهم ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويفرقون ما جمع الله، ويجمعون ما فرق الله، ويعطون ما منع الله، ويمنعون ما أعطى الله. من ذلك قوله: في الرجل يملك نكاح امرأة بعقد صحيح ثابت بالإجماع،

(1) المبسوط 11: 104، بدائع الصنائع 7: 167.
(2) المبسوط 11: 104، 105، بدائع الصنائع 7: 167.

[ 134 ]

وقد جعل الله الفرقة بينهما طريقا خاصا عند الفقهاء، وهو أن يطلقها تطليقة، أو يحرمها على نفسه بمقال منه أو فعال، ولم يجعل لإحد سواه أن يكرهه على فراقها من غير أن يحدث شيئا مما ذكرناه. فزعم النعمان: أنه إن تعمد فاسقان شهادة زور عليه بأنه قد طلق امرأته، و هما يعلمان كذبهما في ذلك الباطل فيه، والله عالم به، وزوج المرأة وكثير من الناس، فإنها تصير بذلك على زوجها حراما عند الله وفي حكمه، وتصير لكل واحد من شاهدي الزور حلالا (1). وكذلك لو شهدا على رجل له أمة بأنها ابنته، شهادة زور تعمدا فيها الكذب والعناد، فحكم الحكام بقولهما، حرمت أمة الرجل عليه عند الله وفي حكمه، وحلت لكل واحد من الشاهدين، وورثت الرجل ميراث الأولاد (2). وأشباه ذلك مما قد ذكرنا منه طرفا، وهذا قول لم يجسر عليه الكفار فضلا عن أهل الإسلام. فصل وهو مع هذا يسقط الحدود التي أوجبها الله تعالى، ويعطل الأحكام، و يهون من كبائر الذنوب ما عظم، ويبيح من الأفعال ما حظر الله تعالى، و يسقط الحد عمن وطئ أمهاته وسائر ذوات أرحامه على ما شرحناه في مذهبه

(1) بدائع الصنائع 7: 15، رد المحتار على الدر المختار 4: 333، شرح فتح القدير 6: 399.
(2) شرح فتح القدير 6: 339، رد المحتار على الدر المختار 4: 333.

[ 135 ]

فيما تقدم وحكيناه. ويبطل القود عمن قتل بأقبح القتلات، من الخنق، والتعذيب بضرب السياط، ورض الرؤوس، وطحن الأضلاع وعظام الإنسان كلها بالحجارة (1). فصل وزعم أن الجنايات الموجبة للحدود إذا تقادمت تسقط عن أصحابها الأحكام الواجبات. وقال: في شارب الخمر إذا شهد عليه الشهود العدول بشربها فأحضر و قد ذهبت رائحتها منه، فإنه لا حد عليه، وإن كان ذلك في يوم شربه لها (2)، و كذلك إن شهد الشهود على الإنسان بأنه سكر من شراب غير الخمر، فأحضر وقد ذهب سكره، سقط عنه الحد. وهذا رد على الأمة كلها فيما جرى على الوليد بن عقبة (3) من الحكم حين شهد عليه الشهود بالمدينة أنه شرب الخمر بالكوفة، فأحضر وجلده

(1) بدائع الصنائع 7: 234، وفي الجامع الصغير: 494، رجل غرق صبيا أو رجلا في البحر فلا قصاص عليه.
(2) اللباب 3: 193، الهداية 2: 110، المبسوط 24: 3 2.
(2) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اخو عثمان بن عفان لأمه، نزل فيه قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنباء فتبينوا)، ولاه عثمان الكوفة، فصلى بهم صلاة الصبح أربع ركعات ثم التفت إليهم وقال لهم: هل أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان بذلك عند عثمان، فقال عثمان لعلي (عليه السلام): قم يا علي فاجلده، فجلده عبد الله بن جعفر أربعين أو ثمانين بأمر علي (عليه السلام) وكان يعد عليه... (الاصابة 3: 638، صحيح مسلم بشرح النووي 11: 216).

[ 136 ]

عثمان بن عفان بحضرة أهل الإسلام، ولم ير أحد من المسلمين إسقاط الحد عنه بمضي وقت شربه لها على ما ادعاه النعمان. فصل وقال: في المرأة المسلمة تقدم إلى مصر من أمصار المسلمين ومعها أولاد، لا يعرف أهل ذلك المصر أباهم لغربتهم، فقذفها رجل بالزنا، ونفى أولادها عن أبيهم ونسبهم إلى غير رشدة، أنه لا حد عليه (1)، فأباح قذف المحصنات، ورد كتاب الله تعالى في وجوب الحد على القاذف ردا لا شبهة فيه. فصل وقال: لا أقطع السارق، إذا جئ به بعد مدة من سرقته (2)، وإن علمته سارقا وشهد عليه بذلك الشهود العدول. فصل وقال: إذا نفى الرجل إنسانا مسلما عن أبيه في حال الغضب، جلد الحد،

(1) الهداية 1: 115، بدائع الصنائع 7: 42.
(2) المبسوط 9: 17 1، بدائع الصنائع 7: 46.

[ 137 ]

فإن نفاه في غير الغضب لم يجلد (1). فصل وقال: في السارق يثقب على الرجل المسلم داره، فيسرق منها غنمه و يذبحها في الدار ويخرجها منها مذبوحة، أنه لا قطع عليه، ويملك الغنم المذبوحة، ويضمن قيمتها لصاحبها (2). فصل وقال: لا أقطع في سرقة شئ من الطير، وإن كان قيمته مائة دينار وأكثر من ذلك (3). وقال: لا أقطع في سرقة شئ من الخشب إلا أن يكون بابا معمولا (4). وقال: إذا سرق اللص من الحرز متاعا، فجعله في الثقب وتناوله شريك له في الدعارة واطأه على ذلك، فلا قطع على أحدهما (5).

(1) الهداية 2: 112، بدائع الصنائع 7: 44.
(2) الهداية 2: 131، المبسوط للسرخسي 9: 165.
(3) الهداية 2: 119، تحفة الفقهاء 3: 153، المبسوط 9: 154، بدائع الصنائع 7: 68.
(4) اللباب 3: 205، الهداية 2: 119، تحفة الفقهاء 3: 153، بدائع الصنائع 7: 68.
(5) اللباب: 207، الهداية 2: 124، تحفة الفقهاء 3: 152، المبسوط 9: 147.

[ 138 ]

فصل وقال: إذا سرق اللص شيئا فأحرزه، ثم سرقه من السارق لص آخر، لم يقطع اللص السارق للسرقة، سواء طلب قطعه السارق أو رب المال (1). فصل وقال: من غصب إنسانا من مال فأحرزه، فسرقه منه سارق آخر، قطع به سارقه (2). وقال: لا يقطع من سرق متاعا لغائب عن المصر الذي فيه السرقة، وإنما يقطع من سرق لحاضر، إلا أن يكون المتاع مودعا للغائب فيقطع سارقه. فصل وقال: إذا كانت دار كبيرة فيها مقاصير عدة، على كل مقصورة باب مغلق، فسرق بعض أهل تلك (3) المقاصير من بعض، لم يقطع، إلا أن تكون الدار تجري مجرى الحصن العظيم، والقرية وأشباهها.

(1) المبسوط 9: 145، بدائع الصنائع 7: 80.
(2) المبسوط 9: 144.
(3) في أ: تلك أهل.

[ 139 ]

فصل وقال: إذا سرق اللص دراهم فصاغها حليا، أخذها صاحبها بعينها منه، و إن كان سرق صفرا فجعله قمقما، أو سرق حديدا فجعله درعا، فليس لصاحبه أن يأخذه (1). فصل وقال: إذا سرق اللص ثوبا، فقطعه وخاطه قميصا، يملكه بذلك، ولم يكن لصاحب الثوب أن يأخذه منه (2)، وإن قطعه ولم يخطه، كان لصاحبه أن يأخذه منه (3)، فإن صبغه أسود كان لصاحبه أن يأخذه منه (4). قال: وكذلك إن سرق ثوبا أو قميصا فصبغه أحمر، يملكه بذلك، ولم يكن لصاحبه أن يأخذه منه (5). وقال: إذا سرق اللص سرقات كثيرة، فأتي به الحاكم، قطعه للسرقات كلها، وضمنه إياها، إلا السرقة الأخيرة فإنه لا يضمنها (6). وقال: إذا دخل الحربي دار أهل الإسلام بأمرهم، ثم سرق منهم لم يقطع (7).

(1) المبسوط 11: 100، 101، بدائع الصنائع 7: 148، 149. (2 - 3) تحفة الفقهاء 3: 92، 93، المبسوط للسرخسي 11: 85، بدائع الصنائع 7: 158.
(4) الهداية 2: 13 1، 132، المبسوط 11: 85، بدائع الصنائع 7: 161.
(5) الهداية 2: 131، 132، المبسوط 11: 85، بدائع الصنائع 7: 161.
(6) المبسوط 9: 177.
(7) المبسوط 9: 178.

[ 140 ]

فصل وقال: إذا زنا المسلم في دار الشرك بامرأة من المسلمين، أو سرق مال امرء منهم، أو شرب خمرا، أو فعل ذلك في عسكر أهل البغي، وأتي به الإمام العادل، أدرء عنه الحد (1). فصل وقال: أيضا في الذي يغصب عنزه وغنمه وبقره وإبله وطيوره، فيذبحها ويطبخها أو يشويها، فإنه يملك ذلك بالاستهلاك، وليس لصاحبه إن وجده أن يأخذه، وإنما له قيمته (2). فأباح اللصوص والغاصبين أموال المسلمين بغير طيبة من أنفسهم، وعلى القهر لهم والإكراه، مع قول النبي (صلى الله عليه وآله): لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه (3). وقال: لا قطع على سارق الثمر كله والبقول، ولا في الطير كله، ولا في السمك، ولا في المالح، ولا في شئ يصاد (4).

(1) الباب 3: 192، الهداية 2: 102، المبسوط 9: 99.
(2) المبسوط للسرخسي 11: 86، بدائع الصنائع 7: 148، 158.
(3) مسند أحمد بن حنبل 5: 7 2.
(4) الهداية 2: 119، تحفة الفقهاء 3: 153، المبسوط للسرخسي 9: 154، بدائع الصنائع 7: 68.

[ 141 ]

وقال: في الأخرس الذي يعقل ويفهم بالإشارة ويفهم، إن زنا لم يحد سواء كان محصنا أو غير محصن، وإن سرق لم يقطع، وإن شرب الخمر أو سكر منها أو من غيرها لم يجلد (1)، وهو مع هذا يقتله إذا قتل، ويقطعه إذا قطع، ويجيز بيعه وشراه، وطلاقه، وعتقه. فصل وحكي عنه أنه قال: فيمن حلف بالطلاق انه يطأ زوجته في شهر رمضان نهارا وهما صائمان من غير سفر، ولا مرض، أنه يلف على ذكره حريرة ويجامعها فلا يحنث بذلك، ولا ينقض صومه. فصل قال: ومن حلف بالطلاق الثلاث ليتزوجن في يومه، فعقد على أمه أو أخته أو ابنته، أو على مجوسية أو وثنية، أو امرأة في عدة فقد بر في يمينه. فصل قال: وكذلك لو حلف بطلاق امرأته ليصلين في وقته، وصلى ركعة

(1) بدائع الصنائع 7: 48.

[ 142 ]

واحدة ثم قطعها، أو ركع أو سجد واحدة، كان يبر في يمينه ولا يحنث. فصل قال: ولو حلف ليصبحن صائما، فأصبح صائما ثم أفطر بعد الفجر، لم يحنث في يمينه. وقال: في الرجل يشهد عليه أربعة عدول أنهم رأوه يزني، ويقر فيصدقهم بذلك حسب ما شهدوا به عليه، أنه لا حد عليه، فإن سكت ولم يقر، وأنكر أقيم عليه الحد. وهذا خلاف الأمة. فصل وقال: فيمن زنا بجارية أبيه أو أمه، وقال: ظننت أنها تحل لي، أقيم عليه الحد، ولم يصدق. فصل وهذا في احتياله في أموال المسلمين بغير اختيارهم، واستعمالها، و استمرارها بالمحظور في شريعة الإسلام، الذي ذكرناه في باب عيب الثياب و قطعها وخياطتها، وذبح الحيوان وطبخه، واستهلاكه للأموال.

[ 143 ]

وقوله: أنه من استودع مالا فحركه واتجر به، من غير علم المودع و لا إذنه، فأثمر ذلك المال بالحركة له مثله أو ضعفه، أنه يملك ذلك الربح، و يستحق ذلك الفضل، ولا يملك رب المال منه شيئا. وقوله: المستظرف في هذه المسألة أن من كان عنده مال وديعة لرجل من المسلمين، فأخذ بعضه وخلطه بماله، أنه ضامن لما خلط، غير ضامن لما بقي، فإن رد مثل ما أخذه بعينه إلى مكانه، ثم هلك، ضمن الجميع. فهو مع المعصية أنه لا يضمن، ومع التأدية ورد المال يكون ضامنا. فصل وقوله: في حبس المعسر والمضطر حتى يموت جوعا، ويهلك عياله، و يلجأهم حبسه إلى مسألة الناس بأكفهم، ردا لنص القرآن في قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (1). وإجازته للسفهاء إهلاك أموالهم وإتلافها، ووضعها غير مواضعها، و إيجابه على الحكام تسليمهم أموالهم إل يهم مع ذلك، ورفع الحجر عنهم، مخالف لنص القرآن حيث يقول تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) (2) فأوجب دفع أموالهم إليهم مع الإسراف منهم والتبذير والإهلاك لها، رغم الذي عليه من بصر بها (3)، وعدم

(1) البقرة: 280.
(2) النساء: 6.
(3) كذا.

[ 144 ]

أنس الرشد منهم فيها. وما لا يحصى كثرة من البدع في دين الله والخلاف لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، والرد لما في كتاب الله جل اسمه مما إن ذكرناه طال به الكتاب، وانتشر بشرحه الخطاب، وفيما أثبتناه منه كفاية في معرفة ضلال القوم، و خروجهم بفاحش الخطأ في الحكم، من قول أهل الأديان. فصل فأما قول أبي حنيفة الذي يأتم به هذا الشيخ الضال وأضرابه من الأغمار الكفار - في أصول الدين، فهو أيضا من أسخف مقال، وأبعده عن الصواب. من ذلك قوله: ان لله تعالى ماهية لا يعلمها إلا هو، وأنه يدرك يوم القيامة بحاسة سادسة. وقوله بالجبر والقدر، وصفة الباري بإرادة الظلم، ومحبة جميع القبائح، والقضاء بالفساد في الأرض. وقوله: بخلق القرآن، وخروجه بذلك عن قول السلف الصالح من أهل الإسلام. وقوله: في الإرجاء بما لم يوافقه أحد من أهل القبلة. ومن ذلك قوله: أن الإيمان هو الإقرار في الجملة دون التفصيل، وجوابه و قد سئل في ذلك بمكة، فقيل له: ما تقول في رجل قال: أنا مقر مؤمن أن الله تعالى قد بعث نبيا ختم الرسل، إلا أنني لست أعلم أهو محمد بن عبد الله بن

[ 145 ]

عبد المطلب، أم رجل من الزنج؟ أيكون مؤمنا؟ قال: نعم، يكون مؤمنا. فقيل له: فإن قال: أعلم أن لله بيتا محجوجا، يجب على الناس قصده، إلا أنني لست أعلم أنه بمكة، أو بالهند؟ وقال: هذا مؤمن لأنه قد أقر في الجملة، و إن شك في التفصيل. فصل وحكى عبد الله بن مسلم القتيبي (1) قال: حدثني سهل بن محمد (2)، عن الأصمعي (3)، عن حماد بن زيد (4)، عن يحيى بن مخنف قال: جاء رجل من أهل المشرق إلى أبي حنيفة بكتاب وهو بمكة فعرضه عليه، وكان قد جمعه مما سمعه منه، فرجع عن ذلك أبو حنيفة، فوضع الرجل التراب على رأسه ثم قال: يا معشر الناس أتيت هذا الرجل عام أول فأفتاني هذا الكتاب، فهرقت به الدماء، وأبحت به الفروج، ثم رجع عنه الأن، فقال أبو حنيفة: هذا رأي رأيته، وقد

(1) ابن قتيبة الدينوري، النحوي، اللغوي، الكاتب. نزيل بغداد، كان رأسا في العربية واللغة والأخبار و أيام الناس، ولي القضاء في الدينور سنة ثلاث عشرة ومائتين. وتوفي - بأكل هريسة - سنة سبع و ستين ومائتين. (بغية الوعاة 2: 63).
(2) أبو حاتم السجستاني، النحوي المقرئ. البصري. روى عن الأصمعي وأبي عبيدة معمر بن المثنى... مات سنة (255)، وقيل: سنة خمسين. (تهذيب التهذيب 4: 226).
(3) هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك، أبو سعيد الأصمعي. صاحب اللغة والنحو والغريب، والأخبار والملح. وكان بخيلا ويجمع احاديث البخلاء. مات سنة ست عشرة - وقيل: خمس عشرة - و مائتين، عن ثمان وثمانين سنة. (بغية الوعاة 2: 112، تاريخ بغداد 10: 410).
(4) أبو إسماعيل الأزرق، مولى آل جرير الجهضمي، البصري، سمع ثابتا وأيوب، مات سنة تسع و سبعين ومائة. (التاريخ الكبير للبخاري 3: 25).

[ 146 ]

رجعت عنه، فقال له الرجل: فتؤمني أن لا ترى من قابل شيئا آخر؟ قال: لا أدري كيف يكون هذا، قال الرجل: لكني أدري أن من أخذ عنك فهو ضال (1). وكان الأوزاعي (2) يقول: إنا لا ننقم على أبي حنيفة، وإنا كلنا نرى، ولكن ننقم على أنه يجئ الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) فيخالفه إلى غيره (3). وذكر حماد بن زيد قال: شهدت أبا حنيفة، وقد سئل عن محرم لم يجد أزارا فلبس سراويل؟ فقال: عليه الفدية، فقلت: سبحان الله، حدثنا عمرو بن دينار (4)، عن جابر بن زيد (5)، عن ابن عباس (6)، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المحرم إذا لم يجد إزارا لبس سراويلا، وإذا لم يجد نعلين لبس خفين، فقال: دعنا من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) حدثنا حماد (7) بن أبي سلمان (8) عن إبراهيم النخعي (9) قال: عليه الكفارة (10).

(1) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 51.
(2) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، كان من فقهاء الشام وقرائهم. وكان سبب موته أنه كان مرابطا ببيروت، فدخل الحمام فزلق فسقط وغشي عليه ولم يعلم به أحد حتى مات، وذلك سنة سبع وخمسين ومائة. (الثقات لابن حبان 7: 62).
(3) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 52. (4) تقدمت ترجمته في هامش رقم ص 37.
(5) أبو الشعثاء الأزدي، البصري، أحد الأعلام وصاحب ابن عباس، روى عنه قتادة وأيوب وعمرو بن دينار وطائفة، مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل: غير ذلك. (تذكرة الحفاظ: 72).
(6) تقدمت ترجمته في هامش رقم ص 35.
(7) أبو إسماعيل الكوفي الفقيه، روى عن أنس وغيره، قال العجلي: كوفي ثقة، وكان أفقه أصحاب ابراهيم. وقال النسائي: ثقة ألا انه مرجئ. (تهذيب التهذيب 3: 14).
(8) كذا في النسخ، والصحيح (سليمان) كما في المصادر. انظر المصدر السابق.
(9) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبوعمران الكوفي الفقيه، كان مفتي أهل الكوفة قال ابو نعيم: مات سنة (96). (تهذيب التهذيب 1: 155).
(10) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 52.

[ 147 ]

روى أبو عاصم، عن أبي عوانة (1) قال: كنت عند أبي حنيفة، فسئل عن رجل سرق تمرا؟ فقال: عليه القطع. فقلت: حدثنا يحيى بن سعيد (2)، عن محمد بن يحيى (3)، عن رافع بن خديج (4) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا قطع في ثمر ولا كثر. قال: ما بلغني هذا، ولو بلغني ما أفتيت بخلافه، قلت: فرد الرجل الذي أفتيته، فقال: دعه، فقد جرت به البغال الشهب، قال أبو عاصم: أخاف أن يكون إنما جرت بلحمه ودمه.
(5) وروى علي بن عاصم (6) قال: سمعت أبا حنيفة وقد حكي له عن عبد الله بن مسعود قضية فقال: هذا قضاء الشيطان (7). وقال علي بن عاصم: استتيب أبا حنيفة عن الكفر مرتين. قال: سمعت سفيان الثوري (8) يذكره بما يذكر به الكفار، وسمعته غير مرة

(1) الذي يغلب على الظن انه: الوضاح بن عبد الله اليشكري، أبو عوانة الواسطي، رأى الحسن وابن سيرين. قال عفان: كان أبو عوانة صحيح الكتاب كثير العجم والنقط، وكان ثبتا، وأبو عوانة في جميع حاله أصح حديثا - عندنا - من شعبة. مات سنة ست وسبعين ومائة. (تهذيب التهذيب 11: 103). (1) أبو سعيد الأنصاري البخاري المدني، قاضي المدينة، ثم قاضي القضاة للمنصور. مات بالهاشمية سنة ثلاث وأربعين ومائة. (تذكرة الحفاظ: 137، تهذيب التهذيب 11: 194) (3) محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني، أبو عبد الله المدني الفقيه. روى عن ابيه وعمه واسع ورافع بن خديج وغيرهم، كانت له حلقة في المسجد وكان يفتي. توفي سنة احدى وعشرين ومائة. (تهذيب التهذيب 9: 44 8).
(4) أبو عبد الله الأنصاري، الحارثي، الأوسي، المدني، مات قبل ابن عمر. (التاريخ الكبير للبخاري 3: 299).
(5) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 52.
(6) مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر، سند العراق. مولده سنة خمس ومائة، وتوفي سنة احدى و مائتين. (تذكرة الحفاظ: 316).
(7) تأويل مختلف الحديث: 52، 53، وفيه تفصيل لقضية ابن مسعود.
(8) سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوري، الكوفي، مات سنة احدى وستين.

[ 148 ]

يلعنه، ويقول: ما رأيت أجرأ منه على رد سنن النبي (صلى الله عليه وآله). فصل ولو لم يكن في الدلالة على ضلاله وقلة دينه، وإقدامه على البدع من دين الله، إلا إباحته الخمر، وإسقاطه الحدود، وإباحته الفروج، وإبطاله دماء المسلمين، لكفى، فكيف وقد أضاف إلى ذلك ما ذكرنا منه جملة يستغنى بها عما سواه من بدعه في الدين؟!. وبالله نستعين، وإياه نسأل التوفيق، كما يحب ويرضى إنه قريب مجيب. نجزت المسائل الصاغانية والأجوبة عنها، بحمد الله ومنه، وصلواته على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا، ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية