الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ
 
أ ب ت  ...
الامام علي صوت العدالة الانسانية ـ جورج جرداق


[ 1 ]

عَلي وعَصْرهُ


[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم


[ 3 ]

الامام علي صوت العدالة الانسانية

علي وَالثّورة الفرنسيّة

الجزء الرابع

تأليف

الاستاذ الكبير جورج جرداق

دار ومكتبة

صعصعة

جدّ حفْص مملكة البحرين


[ 4 ]

حقوق الطبع محفوظه

الطبعة الأولى

1423 هـ ـ 2003 م

دار ومكتَبة

صَعْصَعة

جَدّ حَفْص ـ مَملَكة البحرينْ


[ 5 ]

مُلوك وتَفاهات


[ 6 ]


[ 7 ]

المؤامَرَة في الإسلام

إذا ألقيتَ نظرةً على عناصر التاريخ عامةً، منذ أقدم العصور الاجتماعية والسياسية حتى يومنا هذا، أدركتَ أنّ الصراع من أجل السلطان كان أكثر هذه العناصر مصدراً للدسائس والمؤامرات. وليس بين أطماع الإنسان، منذ قامت المجتمعات والدول، ما أَذكى في نفسه الميلَ إلى التآمر مثل السلطان والسيادة. يستوي في ذلك الأفراد، والجماعات دولاً كانت أم أحزاباً أم طوائفَ من نماذجَ شتّى. ولَكَم غرقتْ الشعوب في دمائها من جَرّاء هذا الصراع العنيف الطويل تُذْكيه مطامعُ الرئاسة والسيادة في التاريخ، حتى أنّ شعباً واحداً لم ينجُ من المجازر الرهيبة التي خلقتْها هذه المطامع.

وكانت المجتمعات القديمة أحفلَ مجتمعات التاريخ بمعارك المُلك والسلطان، ذلك لأنّ مغريات السلطة كانت من القوّة بحيثُ تصعب مقاومتها; وبحيث تحمل مَن له بعض الأمل في إدراك الملك، على أنْ يضحّي في سبيله حتى حياته فالملُك في المجتمعات القديمة، ولا سيّما ذات الأنظمة الاستبدادية منها، كان النعمةَ كلّها، والأمرَ كلّه، والإرادة التي لا تُردّ، والسلطة التي لا تُحدّ، والخيراتِ المادّية التي يرتع فيها الأفراد على حساب الألوف والملايين. ثم إنّه مطلَقٌ في كلّ شيء، وغيرُ مسؤول عن شيء، وقد يعتزّ بذاته ويشمخ حتى ليدنو من القدسية. هذا، على ما في نفوس طلاّب الملك


[ 8 ]

في تلك الأعصر السحيقة مِن نذالة وغباء يُشبه غباءَ البهائم في أكثر الأحيان.

وفي سبيل الوصول إلى هذا المُلك إذا كان بعيداً، وفي سبيل المحافظة عليه والقضاء على الطامعين فيه إذا كان قريباً، كانت المؤامرات «السياسية» التي ملأتْ صفحاتِ التاريخ سواداً وأجرتْ دماءَ الشعوب أنهاراً. وإنّه لَُيمْكننا أنْ نلخّص تاريخَ الملوك الأوائل بأ نّه قصة استعداد للقضاء على قريب منافس، أو لإخضاع ملوك أباعدَ يبدو عليهم بعضُ ا لضعف في الحيلة وأساليب المغالبة، أو لقهر شعب يحاول أنْ يتخلّص من جور وطغيان. فتاريخ أولئك الملوك ليس، والحالة هذه، إلاّ حكاية لصوص أدنياء النفوس لا يحملون من القِيمَ والمعاني أكثرَ ممّا تحمل الضّباعُ القذِرة وهي تهاجم فرائسَها في ليالي الشتاء!

غير أنّ هنالك مؤامرات سياسية من نوع آخر يقدّمها لنا التاريخ، وتكمُنُ بواعثُها في النزوعِ إلى استرداد الحرّيات التي قضتْ عليها مؤامراتُ الملوك وإلى رفْع كابوس الظلم أيّاً كان نوعه. فمِن المؤامرات السياسية ما كان شرّاً وما أشبهَ قطْعَ الطرق، وأعني مؤامرات الطامعين في السلطان ولا غايةَ لهم من وراء ذلك إلاّ الرتوع في نعيم المُلك ولو قام على سلسلة من المعارك الدامية والمجازر الرهيبة. ومن المؤامرات السياسية ما كان خيراً وما أشبهَ البطولة، وأعني مؤامرات الطامحين إلى تهديم أركان العبودية واسترجاع الحرّيات المفقودة والثروات المنهوبة. ومصدر هذا النوع من المؤامرات إنّما هو الشعب ذاته.

لقد عرف التاريخ هذين النوعين من المؤامرات السياسية، وإنْ كانت مؤامرات الطغاة هي الأوفر من حيث العدد والأعنف من حيث القسوة وإهراق الدماء.

*


[ 9 ]

أمّا التاريخ العربي، فقد عرف المؤامرات هو أيضاً كما عرفها تاريخ سائر الشعوب. بدأت المؤامرات والمجتمع العربي ما يزال في بدء تكوينه. ومن هذه المؤامرات ما اكتسب طابعاً من العنف مريعاً. ومنها ما انحطّتْ به النفسُ البشريّة إلى الدّرك الأسفل والمنزلةِ المهينة. ولكي نعطيك صورةً عن مؤامرات فظيعة جرتْ في بلاد العرب ولم يكن لها مِن هدف إلاّ هوىً خسيسٌ في نفسِ عَبْد، ولكي نبّرر ما نعتْنا به الملوكَ القُدامى حين قلنا أ نّهم لصوصٌ أدنياء. نروي لك هذا الخبرَ الرهيبَ عن مؤامرة رهيبة، حاكها ملكٌ عربيٌ ورواها المؤرّخون الإغريق والروم والعرب لتكون شاهداً على حقيقة من حقائق التاريخ.

في أواخر القرن الخامس الميلادي كان على دولة كِنْدةَ في نجد الملكُ الحارثُ بن عمرو، جدّ امرىء القيس الشاعر الشهير. ولسبب من الأسباب توافدتْ إليه قبائلُ العرب مِن مُضَرَ وربيعة، وطلبتْ منه أن يولّي عليها مِن أبنائه مَن يحكمها فيُبْطلُ ما كان قائماً بينها من خلاف. ففرّقَ في هذه القبائل أربعةً من أولاده تَوَلّى كلٌّ منهم بعضَها. فرضيتْ أسد وغطَفان بحُجر بن الحارث ـ والد امرئ القيس ـ ملكاً عليها. ورضيتْ قبيلةُ بكر بن وائل، بأخيه شرحبيل بن الحارث. وتولّى معدي كرب بن الحارث، قبائل قيس عيلان جميعاً. أمّا سلمة بن الحارث فقد تولّى قبائل تغلب والنمر ابن قاسط.

ولم تطل حياة أبيهم الحارث فمات بعد ذلك بقليل. وشاءَت المصادفات أن يهرب قبل موته من الحيرة عاصمة المناذرة اللخميّين، وأن يلحق به الملك المنذر المعروف بابن ماء السماء يريد قتْلَه للتسلية والمجد والشرف الرفيع!! فلحق الحارث بأرضِ قبيلة كلب ونجا، فنهب المنذرُ مالَه ومطاياه. وأسَر


[ 10 ]

ثمانية وأربعين نفساً من عائلة ملك كندة وفيهم ابناه عمرو ومالك ـ وهما عمّا امرىء القيس الشاعر ـ فتلهّى بهم المنذر زمناً قليلاً قم قتَلَهم وطرَحهم في العراء للوحش والطير. وقد رثاهم امرؤ القيس بقصيدة موجعة.

وبعد موت الحارث ظلّ أولاده الأربعة على ما ملكوه. فراح المنذر يحيك المؤامرات لقتْلهم تشفّياً وانتقاماً، وإظهاراً لعنجهيّة الملوك الغليظة. فسعى أوّلَ الأمر في الإفساد بينهم مستخدماً في هذا السبيل كلّ وسيلة ممكنة. وما زال بهم حتى أغرى اثنين منهما فتحاربا. أمّا الاثنان فهُهما سلمة أمير تغلب وأخوه شرحبيل أمير بكر. ودارت الدائرة في هذا القتال على شرحبيل فقتُتل. فلمّا علم أخوه سلمة بمقتله جزِعَ جزَعاً عظيماً وأدرك أنّ المنذر بن ما ء السماء إنّما أراد أنْ يقتل بعضُهم بعضاً، فأصبح لا يؤمن على نفسه. وخرج من تغلب والتجأ إل قبيلة بكر، فقال له البكريّون: لا يحكمنا بعد أخيك غيرك. فاغتاظ المنذر لا لأمر إلاّ الهَوس الملوكّي السخيف، فبَعث إلى البكريّين يدعوهم إلى طاعته والدخول في أمره والتخلّي عن كلّ ما ارتضوه لأنفسهم من شؤونهم الخاصّة. وكان من الطبيعيّ أنْ يأبى البكريّون مثْلَ هذا الأمر. فثارتْ نَخْوةُ الجهل والغباوة والمُلك في رأس المنذر وأقسَم بـ «شَرَف أبيه» لَيَسيرنّ إلى البكريّين فإنْ ظفِرَ بهم لَيَذْبحنّهم على قمّة جبل «أوارة» حتى يبلغ الدمُ الحضيض!!

وسار في جموع من أشباهه الأغبياء إلى البكريّين الذين كانوا يقاسون من الفقر والتعاسة والبؤس ما لا مزيد عليه. وبمؤامرة ملكيّة حقيرة دُبّرتْ سَلَفاً، التقوا بجبل «أوارة» فاقتتلوا اقتتالاً شديداً أبدى فيه البكريّون من البسالة والشرف شيئاً كثيراً. وانكشفتْ الواقعة عن هزيمة البكريّين، وأُسر


[ 11 ]

يزيد بن شرحبيل الكندي فأمَرَ المنذرُ بن السماء بقَتله فقُتل، وذُبح معه من البكريّين خلقٌ كثير. وأَسر المنذر مَن بقيَ حيّاً ومَن لم يستطع النجاة مِن البكريّين، ثم أمرَ بذبح الأسرى جميعاً ويبلغون الألوف، فذُبحوا على جبل أوارة المذكور فجعل الدم يجمد فلا يبلغ الوادي كما كان الملك قد أقسم، فقال له كلابُ الزّلْفى والنفاق وكأ نّهم يحرّضونه: «أَبَيْتَ اللعنَ، لو ذبحتَ كلَّ بكْريّ على وجه الأرض لم يبلغ دُمهم الحضيض ولكنْ لو صببْتَ عليه الماء». ففعل الملك، فسال الدم إلى الحضيض. ثم نظر إلى النساء فإذا هنّ كثيراتٌ ملوّعاتٌ أسىً وحزناً، فأمر بهنّ أنْ يُحرقْنَ بالنار وهن على قيد الحياة حرْقاً بطيئاً. وهكذا انتهى أمرُ الكثرة الكثيرة من القبيلة البائسة.

وهنا يتساءَل المرء عمّا يكون عليه أمرُ هؤلاء الملوك في التاريخ، وعمّا تكون عليه مؤامراتهم من البشاعة والنذالة حين يكون وراء هذه المؤامرات حِفاظٌ على مُلك، أو سعيٌ في سبيله، طالَما أنّ الغرور والهَوس وحدَهما أنتجا مثلَ هذه المؤامرة التي انتهتْ بهذه الساعة المريعة.

ومثل هذه المؤامرة في تاريخ العرب قبل الإسلام كثير. وتكاد قصّة حبْك المؤامرات وتنفيذها أن تكون كلّ تاريخ الملوك السّبَأيّين، والحمريين، والغساسنة، والمناذرة.

ثم كانت مؤامراتٌ جاهلية في مطلع الدعوة الإسلامية والمجتمعُ العربي ما يزال بعيداً عن روح هذه الدعوة وعن مقاصدها والاجتماعية. وكان ذلك يوم أئتمرتْ قريش بمحمّد وصَحبْه دفاعاً عن سلطة ونفوذ ومَغْنَم، وتوطيداً لأنظمة اجتماعية وتقاليدَ محليّة ومعتقدات دينيّة تخدم أصحابَ


[ 12 ]

الوجاهات وتجور على العامّة وتستذلّ المستعَفين وتسمّيهم عبيداً أرقّاء!

وقد اتّخذتْ مؤامرات القرشيين الكثيرة على محمّد بن عبدالله دينيّة للتمويه والتضليل، وظهر أصحابها كأنهم يريدون التخلّص من صاحب الدعوة الجديدة دفاعاً عن دينهم ودين آبائهم. وهي في الواقع لم تكن تستهدف إلاّ غايةً سياسيّةً معيّنةً وراءَها غاياتٌ طبَقيّةٌ خالصة. كانت تستهدف القضاء على الدعوة الجديدة لِمَا يترتّب عليها من تحطيم لزعامات قريش الدينية وما تجرّه هذه الزعامات من منفعة وسلطان. وكان من خواصّ الملك السياسي في هاتيك العصور أن يستند إلى الدين، وأن تمتزج السلطتان المدينة والدينية في زعامة واحدة.

وازداد كيد القرشيين وتعاظم سخطهم يوم ترامى إليهم أنّ النبيّ عازمٌ على الهجرة إلى المدينة بعد أن انتقل إليها صحبه. فتجهّم جو مكّة واسودّت قلوب القوم. فاجتمعوا بدار الندوة بمن استطاعوا إاغراءهم من زعماء القبائل العربية الأخرى، وتفاوضوا في أمر الرجل ـ ويعنون به النبيّ ـ وقَرَ عزمُهم على أن يقتلوه مهما كلّف الأمر. وأسندوا أمْرَ تنفيذ الجريمة إلى عدد عظيم من الرجال الأشداء يمثل كلّ منهم قبيلةً معيّنة، كي يتّخذ قتْله صفةً عامّة فلا يكون على أحد منهم مسؤولية قتله ولا يكون لقبيلة، دون أخرى، مثللا هذا «الشرف» في ارتكاب الجريمة. ثم أنّ دم محمّد يفَرّق ـ بهذه الطريقة ـ على القبائل جمعاء فلا يستطيع أنصارُه الاثّئار له منهم جميعاً!

ويُنبئنا تاريخ مطلع الإسلام، أنّ سلسلة المؤامرات القرشية على الرسول وصحبه لم تنتهِ إلاّ بعد أن تمكّن الرسول من أنْ يشقّ طريقه إلى النصر بين


[ 13 ]

صفوف من الأذى والسخرية والانتقام، ويجمع حوله أنصاراً من ذوي الخلق العظيم وأنصاراً كثيرن من المضطَهدين والمستضعفين. فلم تنتهِ المؤامرة، ولم يُلقِ المتآمرون سلاحهم إلاّ ساعة وطّد النبيّ أركان الدعوة الجديدة وكبَتَ ما في نفوس الجماعة من كيد له ولأصحابه.

ثم كانت من جانب المسلمين أنفسهم مؤامراتٌ ولكنّها من نوع آخر. مؤامرات تُساند الخيرَ ضدَ الشّر وضدّ الشعوذة والنفاق. وأهم هذه المؤامرات تلك التي انتهت بمقتل الأسود العَنسيّ. وقصّة ذلك أنّ نجاح الدعوة الإسلامية القائمأ على أساس من العدل والسموّ والتفهّم لروح العصر وعقلية الناس، أغرى بعضَ الناس في ادّعاء النبوة، وفاتَهم أن الينابيع التي استقى منها محمّد بن عبدالله رسالته الجليلة هي غير الادّعاء المجرّد الذي لا يستقون ـ هم ـ إلاّ منه ولا سلاح بأيديهم سواه.

وكان أقوى هؤلاء الأدعياء وأوسعهم نفوذاً، مشعوذٌ بارعٌ يدعن الأسود العنسي. وقد تمكّن العنسيّ مِن أن يجمع حوله خلقاً كثيراً ويسير بهم إلى اليمن حيث يمتدّ نفوذه، فينطلق فيما بعد إلى سائر أنحاء الجزيرة.

ولم يكن غريباً إذ ذاك أن يرتدّ كثيرٌ من أهل اليمن المسلمين، ويلتفّوا حول هذا المشعوذ. فإنّ دينهم كان ما يزال رقيقاً لأ نّهم لم يكونوا على صلات ثابتة بحقيقة الرسول وينبوع الرسالة. ذلك لأنّ بين الحجاز مهد الإسلام واليمن موئل العنسيّ المشعوذ، فلوات وقفاراً. ولمّا كان للشعوذة أنصارٌ في كلّ زمن. فقد خشي النبيّ من محاولة هذه المنافق في أرض لم يكن نور الإسلام قد سطع فيها بعد، خصوصاً بعد أن انشأ الأسودُ العنسي حكومةً في اليمن تُحاول أن تنافس حكومة المدينة في زعامة الجزيرة العربية، فكتب إلى عمّاله في اليمن


[ 14 ]

أن يسعوا في التخلّص من العنسي، وأن يسعوا في ذلك بما يرون. فما كان من العمّال هؤلاء إلاّ أن ائتمروا بالدعيّ وآثروا اغتياله اتقاءً لخطره وبأسه. فاهتدوا إلى منزله ذات ليلة، فدخلوه وقتلوه، وانتهت بذلك نبوءته وانهارت دولته!

*

ثم كانت دولة الخلفاء الراشدين وأول هؤلاء أبو بكر الصدّيق. وكان من المستحيل إذ ذاك أن يتغافل المسلمون عن واقع الجزيرة العربية، وعن الأحقاد والأطماع والأهواء التي كبَتَها الإسلام في صدور الزعماء والنافذين وأصحاب المنافع الشخصية. لذلك لم يكن بدّ من أن تقترن السياسية بالدين والمُلك بالخلافة كي تُضبط الأمور وتخمد أطماع أولئك الزعماء الذين يتربّصون بالإسلام ويتحيّنون الفرصة لاسترجاع وجاهاتهم المنهزمة فإنّ النبي ما كاد يُقبَض حتى أخذت تلك الأطماع والأهواء تتفتح في صدور الوجهاء. فإذا هم يتآمرون على الدعوة التي اعتنقوها تظاهراً، ويرتدّون إلى ما كان من ضلالهم. فإذا بالخليفة الأوّل، وبيده السلطان، يقضي شطراً من سني خلافته في محاربة هؤلاء الخارجين.

واستمرّ التآمر على الإسلام كذلك في عهد عمر بن الخطّاب. فإنّ عمر ما كاد يدفع الإسلام في ميادين جديدة من الظفر، ويوطد أركان الدولة العربية على أنقاض عروش كسرى وقيصر، حتى امتدّت إليه يدٌ أثيمة لتقضي عليه بطعنة قاتلة. وإنّه لمن الصعب علينا أن نثق بأن أسباب مقتل عمر إنّما كانت أسباباً شخصية لا تمتدّ إلى أبعد من حفيظة عليه في نفس قاتله أبي لؤلؤة، فقتَله بهذه الحفيظة.


[ 15 ]

فبالرغم من أنّ أكثر المؤرخين العرب، وأكثر المستشرقين الأجانب يُجمعون على أنّ السبب في مقتل عمر إنّما هو هذه الضغينة في نفس أبي لؤلؤة من أجل خراج درهمين اثنين، بالرغم من ذلك يمكننا أن نشكّ في صحّة هذه الرواية من حيث أسبابها. إذ ليس ببعيد أن يكون مصرع الخليفة الثاني نتيجة مؤامرة مدروسة أتقنَها ونفّذها نفَرٌ من الوجهاء الذين عزّ عليهم أن لا يُطلق عمر أيديهم في نهب أو اختلاس أو نفوذ. والذين يضمرون في أعماق نفوسهم كثيراً من أهواء الزعامة والاستئثار فساءَهم من عمر ألاّ يلين، وإلاّ يصانع، وأن يسحقّ هذه الأهواء وما يمنّون به نفوسهم، فدفعوا إليه بمن يطعنه فيصرعه!

أما ثالث الخلفاء الراشدين، عثمان بن عفان، فهو أيضاً من ضحايا المؤامرة وإن اختلفتْ أسباب المؤامرة التي قُتل بها عن أسباب تلك التي قتل بها عمر. فإنّ عثمان أحاط نفسه ببطانة ظنَنّ بهم الخير، وكان على رأسهم مروان بن الحكم الذي لم يكن «نصحه» له في شتّى الأمور إلاّ شرّاً عليه وعلى المسلمين. وبحكم هذه البطانة السيّئة طُبعتْ سياسة عثمان بطابع الأثَرة والمصلحة العائلية. فإنّه ما كاد يستلم الحكم حتى عزل الولاة والعمال الذين كان عمر قد اختارهم ولقّنهم أصول السيرة العادلة، وجعل مكانهم جماعة من أقربائه وذويه. ثم إنّه استأثر بكلِّ سلطة واتّبع هوى العائلة في تدبير الأمور وتبذير الأموال التي هي ملك الشعب. وأطلق يد عمّاله ـ ومُعْظمهم من أهله ـ في الأمصار فاستبدّوا بها ونكّلوا بأهلها وافسدوا مرافقَها وجمعوا أموالها لأنفسهم حتى كادت الخلافة تتسّم في عهده بطابع المنفعة الخاصة التي تستبيح ما ينهي عنه الإسلام وما يخالف أبسط مبادىء العدالة الاجتماعية.

ولمّا جاءت وفود الأمصار لتشكو إلى عثمان عمّالَه واستبدادَهم وركوبَهم الأهواء، ورجَوه في أن يكون بعهده بعض الإنصاف الذي كان بعهد عمر،


[ 16 ]

وعَدَهم خيراً وصرفهم يحلمون بتحقيق هذه الوعود. ولما كانوا في بعض الطريق إلى ديارهم ضبطوا كتاباً من مروان بن الحكم يأمر به العمّال بقتل زعماء الوفود ساعة يصلون. فارتدّوا إلى المدينة عاصمة الخلافة، وطلبوا من عثمان أنْ يسلّمهم المجرم ـ أي مروان ـ فأبى. وأصرّ زعماء الوفود على طلبهم وأصرّ كذلك عثمان على ألاّ يجيب لهم طلباً. واشتدّ سخط الساخطين وزادات بهم النقمة حتى اضطر الخليفة إلى ملازمة داره.

وسعى علي بن أبي طالب لدى عثمان في أنْ يحسم الخلاف بطريقة يقرّها المنطق فلم يُجِد سعيُه إذ بقي عثمان على هواه فما زاد موقفُ الخليفة الساخطين إلاّ عناداً وإصراراً. وقوي جانبهم حين انضمّ إليهم خلقٌ كثير من المدينة وغيرها. فحاصروا دار الخلافة بضراوة وشراسة; ولمّا تعاظم الخطر على مَن في الدار تخلّى عن عثمان حتى أبناء عائلته الأمويين الذين كانوا السبب في ما صار إليه أمره وأمر المسلمين على ما سيتبيّن لنا في هذا الكتاب. وآثروا أن يهربوا خفيةً إلى الشام حيث ينتظرهم نسيبهم معاوية بن أبي سفيان عامل الخليفة عليها. فيما بقي وَلَدا علي، الحسن والحسين على رأس القوم الذين يلازمون أبواب دار الخلافة لعلّهم يمنعون عن الخليفة الأذى وسوءَ المصير.

وطال الحصار مدة أربعين يوماً وأخصام الخليفة يزدادون ضراوة في الحصار والاثّئار. وطال دفاع المدافعين عنه. ولكن الخليفة الشيخ كان مصيره محتوماً إذ انتهى الحصار بأن تسلّق سورَ الدار جماعةٌ من المتآمرين وفتكوا به.

وبعد ذلك كانت المؤامرة الكبرى في التاريخ العربي!

كالمؤامرة على الإمام عليّ بن أبي طالب، ثمّ على من سار عل ضوئِه من وُلْده وأنصارهم جميعاً، ومِن غير هؤلاء كالأمويّ العظيم عمر بن عبد


[ 17 ]

العزيز الذي سلك في قومه وفي الناس مسلكَ العدالة والحقّ، وشاء أن يكون الناس سواسيةً كأشنان المشط، وأمر بوقْف الفتوح ونهب الأرزاق، فتآمر به قومُه الامويّون وقتلوه!

المؤامرة التي احتضنتْ مؤامرات، وانتهتْ بشقّ المسلمين شقّين كبيرين، وبتنكيل المتآمرين بشيعة عليّ، وباضطهاد الطالبيّين، ونفيهم، وتشريدهم، وتقتيلهم، مدّة تاريخ طويل.

وقبل أن نستعرض تفاصيل المؤامرة الكبرى على عليَّ، لابدّ لنا من إلقاء بعض النور على حقيقةِ البيت الأموي، صاحب المبادرة في هذه المؤامرة، ومن مقابلة موجزة بين فسية الأمويين ونفسية الهاشميين في تلك الحقَب البعيدة ليتسنّى لنا فهم الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى هذا النضال الدامي الطويل بين المسلمين.

* * *


[ 18 ]


[ 19 ]

بَيتَا قريش

* إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مال الله دُوَلاً وعبادَ الله خَوَلاً! النبيّ

* وهؤلاء أَكَلَةُ ا لرُّشا الذين لو وُلّوا عليكم لأظهروا فيكم الغضبَ والفخرَ والتسلُّطَ والجبروت والفساد في الأرض! عليّ

أصاب النبيّ ساعةَ قال: «هلاك أُمّتي على أيدي أُغَيْلِمة من قريش!»

وما أروع هذه الـ «أُغَيلمة» تنطلق من لسان النبيّ لتنصبّ في دار للدسائس والمؤامرات يُقيم فيها خليعٌ مثل يزيد بن معاوية.

بل ما أروع النبيّ وهو يرى إلى خصومه ـ خصومه يومَ جاهدوه دفاعاً عن رئاسة ويومَ أسلموا طمعاً في رئاسة ـ فيَشْخَص بأنظاره إلى أطراف الأفق ثم يقول متألِّماً متحسّراً: «هلاك أمتي على أيدي أُغيلمة من قريش!»

وأصاب النبيّ كذلك ساعةَ نظر في أحوال الأمويين في زمانه وقد عرفهم واحداً واحداً، وسَبَرَ أغوارهم حتى لا يفوته من حقيقتهم خفيٌّ، فأوصلَه


[ 20 ]
الاستنتاجُ المنطقيّ إلى إدراك ما سيكونون علهى، في زمن يأتي من الميل الشديد إلى الاستئثار والتسلّط والاستهانة بكرامة الأحياء، وإلى تداوّل أسباب المنفعة الخاصّة فيما بينهم، فقال في معشر منهم هذا القولَ البصير: «إذا بلغَ بنو العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مالَ الله دُوَلاً وعبادَ الله خَوَلاً!»

أما هؤلاء القوم، أو هؤلاء الـ «أغيلمة القرشيون» فاستعرض معي تاريخ قريش من ناحية النزعة والهوى، تدركهم واحداً واحداً.

يبدأ الخلاف بين الأمويين والهاشميين، ومن هؤلاء بنو طالب، قبل أن يبدأ بينهم النزاع على السلطة ـ مع الفارق العظيم بين النظرتين إلى مفهوم السلطة ـ وقبل أن يكون الإسلام. وهو خلافٌ يأخذ أصولَه العميقة من الفروق البعيدة بين الجماعتين في التربية والنشأة والعمل والمفاهيم العامّة لحقيقة الأشياء، ومن ذلك كلّه فرقٌ عظيم بين الجماعتين في المناقب والأخلاق وأساليب التصرّف والتدبير.

كان الأمويون والهاشميون، في الجاهلية، يشغلون مناصب الرئاسة سواء بسواء. غير أنّ الهاشميين كان نصيبهم أن يكونوا رؤساء دينين على أسلوب الجاهلية في الدين، فيما كان الأمويون أصحاب زعامة سياسية، وأصحاب تجارة ورئاسة مدنية.

ويُجمع المؤرخون من عرب وأجانب، على أنّ الهاشميين لم يكونوا لينهجوا مناهجَ الكَهَنة المشعوذين الذين يبرزون عادةً في الديانات الوثنية القديمة، ويتّخذون من كهاناتهم وسائلَ للتغرير بالسذّج والبسطاء واستغلال إيمانهم على نحو يعود على هؤلاء الكهنة المرائين بالمال والنفوذ وألوان الزعامة التي تنوخّى


[ 21 ]
منفعة أصحابها وإحاطتَتَهم بالعِصْمة وما إليها. بل كانوا على العكس من ذلك، أصحابَ إيمان بربّ البيت وما يحلّل أو يحرّم، وأصحابَ عقيدة أدبية فيها من المروءَات شيءٌ كثير.

وكانوا صادقين في إيمانهم لا يخادعون فيه ولا يواربون. من ذلك أن عبدالمطلّب الهاشمي ـ جد النبي وعليّ بن أبي طالب. أوشك أن يذبح أحد بنيه فَدْيةً لربّ البيت الذي يؤمن به وتحقيقاً لوعد قطَعه على نفسه إذ نذر لَئن عاش له عشرة بنينَ لَينحرن أحدَهم على الكعبة إكراماً لرّبها! ولم يتحلّل من نذره هذا إلاّ بعد أن هداه إيمانه، على لسان عرّافة، إلى أنّ ذبح ابنه لن يرضي ربّ الكعبة.

وكانوا صادقين في عقيدتهم الأدبية وخلاصتها نصرةُ المظلوم ونجدةُ المستغيث ورفْعُ الحيْف عن المظلوم وأخي العوَز والفاقة. من ذلك أ نّهم كانوا الداعين إلى الحِلْف الشهير الذي اتّفقوا عليه مع جماعة من القرشيين. دون الأمويين، وقد جاء فيه: «ليكوننّ مع المظلوم حتى يؤّدوا إليه حقّه، وليأخذنّ أنفسَهم بالتآسي في المعاش والتساهل في المال، وليمنعنّ القويَّ من ظلم الضعيف والقاطنَ من عنْف الغريب».

وقصّة هذا الحلف أنّ رجلاً من قريش اشترى بضاعةً من رجل غريب على أن يدفع له ثمنَها بعد حين. ثم أحجم عن دفع ما عليه اتكالاً على قوّته ونسَبه وموطنه من جهة، وعلى فقر الرجل وضآلة نسَبه وابتعاده عن دياره من جهة أخرى. فما كان من الهاشميين إلاّ أن تنادّوا لنصرة الغريب المظلوم ومعاقبة القُرَشيّ المغتصب، إنصافاً وعدلاً. وكان الحِلفْ الذي أشرنا إليه!

أمّا الأمويون، فلم يكن هذا الحلف من هَواهم، لذلك كانوا حرباً عليه!


[ 22 ]
ولعلّ الزعامة الدينية التي توارثَها الهاشميون في الجاهلية، كانت ممّا يلائم طبائعَهم وأخلاقَهم المثالية. وقد تمكّنت فيهم هذه الميول وهذه الطبائع تراكم من سيرة الآباء في عقول الأبناء، وبما عاش حيّاً في قلوب الأواخر من عقيدة الأوائل وهم عليهم ناشئون. تمكّنتْ هذه الخلائق فيه وتمكّنتْ... حتى بُعث محمدٌ فكان تعبيراً طبيعيّاً عن البيت الهاشمّي، كما كان من بعده عليّ بن أبي طالب.

وإنك لتذهب مع التاريخ جيلاً أو جيلين أو خمسةَ أجيال بعد الإسلام، فيهزّك ما تراه من أنّ أعقاب الأسرة الهاشمية ـ ونحصرها، بعد موت النبيّ، بالطالبيين ـ هم في جمْلتهم صوَرٌ حيّة عن آبائهم من حيث المروءَة، والشجاعة، والصراحة، والصدق، والوفاء، وبلاغة القلب اللسان! ولولا أصالة الشمائل وقوّة الشخصية الإنسانية في هذا البيت لمَا تمتّع أفراده بالمثالية الرائعة، في عصور غلبتْ فيها الأثرةُ والأنانيةُ والملَقُ والانحدارُ في الأخلاق والطبائع. وسبيل الانحدار إيْسَرُ من طريق الصعود أو الثبات، في مثل الأعصر التي تثبتَ فيها الطالبيّون.

*
أما بنو أميّة، فقد كانوا على نقيض ذلك!

كانوا، في الجاهلية، أصحاب تجارة، أو رئاسة سياسية، والتجارة في الجاهلية، أو الرئاسة السياسية، ليست أكثر من عمل جاهد في سبيل المال والنفوذ والسلطان المدني، وحصْرها جميعاً في فرد واحد أو أفراد بيت واحد. ولعلّك لا تجهل السبيل التي لابدّ لأصحاب هذه الأعمال من سلوكها، وأيسُرها الظلم، والاحتكار، والانتفاع عن طريق التلاعب والربا والمماكسة والمداورة والتحيّز والتزييف!


[ 23 ]
لقد اختار الأمويون هذه الأعمال لأ نّها تلائم طبائعَهم. كما اختار الهاشميون أعمالهم تلك التي تلائم خلائقهم أيضاً. وهم إذا لم يكونوا ليختاروها، فقد تمرّسوا بها طويلاً، ونشأوا على أصولها ومعانيها وأشكالها في أخلاق هي أشبه ما تكون بالمساومة على كسب وبالحيلة على نفوذ.

فها هم يقعدون عن نصرة الغريب المظلوم لأنّ في نصرة المظلوم ما يخالف أسلوبَهم في الانتفاع وحيلتهم في الكسب وفيها ما يقوم حجةً عليهم في ما يفعلون.!

وها جدّهم أميّة لا تمنعه مثاليةٌ كمثالية الهاشميين عن أنْ يتعرض للنساء تعرّضاً فيه وجوه المساومة والحيلة من حيث المعنى والمفاد. فإذا تنافَرَ عبد المطلب الهاشيّ ـ جدّ عليّ ـ وحربْ بن أمية ـ جدّ معاوية ـ إلى نفيل بن عديّ، قضى نفيل بن عديّ هذا لعبد المطلب وأكرمَه، ثم قال لحرب بن أمية هذا القول الذي يوجز حقيقة الهاشميين وحقيقة الأمويين في الجاهلية:

أبوك مُعاهرٌ، وأبوه عفٌّ *** وذادَ الفيلَ عن بلد حرامِ

ويقصد نفيل بن عديّ خبرَ والد عبدالمطلب يوم نهض وردَ فيل أبرهةَ الذي أغار به على البيت الحرام. ثم نعَتَ أميّة، والد حرب وأصْل الأمويين، بأ نّه «معاهرٌ» لأنّ أخباره في التعرّض للنساء تشير إلى ما في نفسه من ميول إلى الحيلة والمساومة. ومن أخباره أ نّه تعرّض مرّةً لامرأة من بني زهرة تعرّضاً لا يليق، فضربوه بالسيف وأخطأوا منه المقتل. وكان لأمية هذا غرائب الأخبار في هذا الباب.

وكانت دعوة النبي الهاشمي، فكان أبو سفيان بن حرب الأموي رأسَ أعدائه وقائد قريش ضدّه ورأس المؤامروات و «بطل» أساليب التنكيل بأنصار


[ 24 ]
الدعوة الجديدة! ولو كان خروج أبي سفيان بن حرب على محمّد بن عبدالله مبنيّاً على أساس من العقيدة الدينية أو من الدفاع عن تقاليد روحية وأخلاقية معيّنة، لكان له بعض العذر في ما فعل. لأنّ صاحب العقيدة له من إيمانه وصدقه عاذرٌ مهما كان شأنه ومهما كانت قيمة العقيدة التي يؤمن بها، وقيمة التقاليد الروحية والأخلاقية التي يدفع عنها خطرَ الجديد.

ولكنّ الأمر لم يكن كذلك في قلب أبي سفيان وعلى لسانه. كان الأمر في نظره يدور حول سلطان موروث في بني أميّة، قائم على أركان من التجارة والتحكّم والاستئثار واستعباد الضعفاء، ومهدّد بالزوال على يد صاحب الدعوة الجديدة التي تعصف بمثل هذه الأركان الواهية التي يقوم فيها سلطان بني أميّة.

وظل أبو سفيان، بحكم غريزة المنفعة الذاتية التي يصح أن نسميها الغريزة الأموية ـ في معرض المقابلة مع الشمائل الهاشمية ـ ظلّ أبو سفيان، حتى بعد إسلامه، ينظر إلى الدعوة الإسلامية نظرَتَه إلى انتقال الملك من بني أميّة إلى بني هاشم، دون أن يكون في نفسه من سيرة النبيّ ومن صمود أصحابه وتضحياتهم، ومن معنى الرسالة، أيّ قبس من نور القيم الإنسانية. فهو عندما رأى النبي في غزوة الفتح وحوله كتائب الأنصار، وبين يديه جيش ضخم من المؤمنين تلفّت إلى العبّاس بن عبدالمطلب عمّ النبيّ، وكان بجانبه قائلاً له: «واللهِ يا أباالفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليومَ عظيماً!...»

قال ذلك دون أن يعبُرَ بخاطره معنى واحدٌ من تلك المعاني التي أدركَها الهاشميون إدراكاً بديهياً مباشراً، وجاهدوا في سبيلها، وماتوا!

وكان إسلام بيت أبي سفيان أعسرَ إسلام عُرف بعد فتح مكة، لأ نّه كان


[ 25 ]
في نظر الرجل، وفي نظر زوجته هند بنت عتبة، شيئاً من استسلام المغلوب، نظر أبو سفيان مرّةً إلى النبيّ وهو بالمسجد نظرةَ الحائر وهو يخاطب نفسَه قائلاً: «ليت شعري، بأيّ شيء غلَبَني!!» فأقبل عليه النبيّ وضرب يده بين كتفيه وقال له: «بالله غلبتُك يا أبا سفيان!»

وبالرغم من إكرام النبيّ لأبي سفيان تدليلاً على روح التسامح في نفسه، فقد ظلّ المسلمون يأبون أنْ ينظروا إليه أن يجالسوه، حتى تَوَسل إلى النبيّ أن يجعل ابنه معاوية كاتباً بين يديه لَعلَه يحظى ببعض العطف في نفوس القوم!

ولمّا قُبض الرسول واختلف كبار الصحابة من أنصار ومهاجرين على مبايعة الخليفة، طاب لأبي سفيان هذا الخلافُ وخال أنّ به ممّراً ينفذ منه إلى استعادة سلطانه وبناء أمجاد جديدة على حساب الإسلام. وسعى جاهداً في إذكاء روح المنافسة التي قد تؤول في حسبانه إلى خلاف، فقتال، فتَدخُّل من جانبه. وفي ما كان من خبره وخبر الإمام عليّ بهذه المناسبة، كشفٌ عن جوهر الرجلين وتوضيحٌ لحقيقة الأمويين والهاشميين:

دخل أبو سفيان على عليّ وعمّه العباس بن عبدالمطلب على أثر مبايعة القوم لأبي بكر الصدّيق، وجعل يثيرهما على أبي بكر ويعرض عليهما مساعداته الكثيرة، قائلاً لهما: «يا عليّ! وأنت يا عبّاس! ما بال هذا الأمر في أذلّ قبيلة من قريش وأقلّها؟ ـ يعني قبيلة أبي بكر ـ واللهِ لو شئت لأملأنّها عليه خيلاً ورجالاً وآخذنّها عليه من أقطارها!»

وفات أبا سفيان أ نّه يتحدث إلى عليّ بن أبي طالب الذي يبيع الدنيا بكلمة حقّ، والذي لا يخفى عليه أنّ أبا سفيان لم يغضب لأنّ الخلافة لم تستقرّ في


[ 26 ]
بني هاشم وهي لو استقرّتْ فيهم لانتحرَ كيداً، أو لحَاولَ مع زمرته أن يثيروا الدنيا على الهاشمين. فنظر عليٌّ إليه وقال بهدوء وثقة إيمان:

«لا والله! لا أريد أن تملأها عليه خيلاً ورجالاً، ولولا أنّنا رأينا أبا بكر لذلك أهلاً ما خلّيناه وإياها». وزاده مؤنّباً: «يا أبا سفيان! إنّ المؤمنين قومٌ نَصَحَةٌ بعضهم لبعض. وإنّ المنافقين قومٌ غَشَشَةٌ بعضهم لبعض متخاونون وإنْ قربتْ ديارُهم وأبدانهم!»

بهذه الصلة وسمَ عليّ بن أبي طالب أبا سفيان وأعوانه!

لقد «كان أبو سفيان إقطاعيّاً مُترفاً، من هؤلاء الأرستقراطيين الإقطاعيين المترَفين، الذين يرون لأنفسهم ولطبقتهم شرفاً على الناس، فهم سادةٌ وغيرهم عبيد. وكان ينظر إلى الإسلام من هذه الزاوية على أ نّه حركة نفعية، استخدمتْ مبادئها التطوّرية سلاحاً لا يختلف بروحه عن اصطناع الوثنية في وقتها، للنفع. فهذه المبادىء التي نادى بها محمّد، كالأصنام عنده، إنّما تفرض على العامّة والجماهير من الناس كي يستقيموا للسادة والأشراف، ويخدموا الطبقات النبيلة لا أكثر. والفرق عنده بين الأداتين إنّما هو بنتائجها. فهذه المبادىء أفضل لأ نّها أنفع وأنفذ وأخدم للرؤساء. فإذا لم تخدم الرؤساء، ولم تفرض نفوذَ طبقتهم، بطلَ نفْعُها وذهبتْ فائدتها ووجب تبديلها بالنافع المفيد للنبلاء والرؤساء وطبقتهم(1)».

وحين آلت الخلافة إلى عثمان بن عفّان الأموي، شعر أبو سفيان بأنّ بعض أمجاده العائلية قد عاد إلى الظهور وأخذ يتركز من جديد، «فمشى به


1 ـ حليف مخزوم لصدر الدين شرف الدين، صفحة 156.


[ 27 ]

الحقد الثأري المستفزّ إلى قبر حمزة ـ عمّ النبي وأبي طالب ـ فركله برجله وهو يقول: «انهض. فقد صار إلينا المُلك الذي حاربتّنا عليه» في نزوة جاهلية لا نعرف في النزوات أنبضَ منها بالطيش، ولا أولع منها بالتشفّي(1)».

ولمّا استخلف أوّل الراشدين، وثانيهم، لم يكن في مقدور الأمويين أن يتظاهروا بما في نفوسهم من كيد وترقّب للظروف التي تنتج للخلافة أن تنقلب على أيديهم إلى مُلك. وإنّه من السذاجة الاعتقادُ بأنّ بني أمية كانوا من المؤمنين بمعاني الخلافة وبما يميّزها عن المُلك من طابع الخير.

فإنّ إسلامهم كان ما يزال رقيقاً وقد أسلموا مكرَهين، وإنّ عصبيّتهم الجاهلية كانت ما تزال تشدّهم إلى الوراء. وإنّ ظهور النبوّة في أسرة بني هاشم كان ممّا يثير حفائظهم على منافسيهم القدماء. ولكنّ أبا بكر وعمر لم يكونا من التغافل بحيث يفسحان في المجال أمام الطامعين والعابثين، فسكت الأمويون على مضض، ولبثوا يتحيّنون الفرص لاسترجاع المجد المفقود!

وكانت خلافة عثمان بن عفان الأموي مرحلةً أولى يجوزها بنو أمية لتحقيق مطامعهم، على غير رغبة من الخليفة الشيخ. فهو ما كان يستخلف حتى اجتمع حوله «الشّمْل» وأبعدوه عن كلّ اتّصال مباشر بالشعب. ومنعوا عن الناس أن يوصلوا إليه شكاياتهم. وجعلوا بطانتَه أمويةً خالصة وعلى رأسها مروان بن الحكم الذي كان أوّل من أثار حفيظة المسلمين على المسلمين، وحفيظة الشعب على الخليفة، وأوّل من جاهر ـ عمليّاً ـ بأن


1 ـ حليف مخزوم صفحة 162.


[ 28 ]

المُلك خيرٌ من الخلافة، وبأنّه وقفٌ على بني أميّة وحقٌّ من حقوقهم. وكان ذلك بأنْ حَمَلَ عثمان على عزْل الولاة والعمّال واستبدالهم بعمّال وولاة أمويين. وبأن جَعَلَ الدولة أمويةً خالصةً لا مطمع بخيراتها وأموالها ومناصبها إلاّ لمن كان من أمية أولاً، ومن حزبها ثانياً!

وكان أوّل الغيث... بحراً!

وسيتبيّن لنا في الفصول التالية، مقدار الإثم الذي كانت تنطوي عليه نفس رجل كمروان بن الحكم، ومقدار تعلّقه بالحُكم ولو على رؤوس الضحايا، يوم أشار بإصرار على عامل يزيد بن معاوية في المدينة بأنْ يضرب عنقَ الحسين بن عليّ تخلَّصاً منه. ويوم وبّخه توبيخاً شديداً على أ نّه لم يفعل!

لقد كان مروان بن الحكم رجلاً يبتغي الملك ونعيمه أسوةً بأجداده في الجاهلية. فإنْ لم يكن الملك له ـ هو ـ فلأخذ الأمويين أعوانه وإخوانه وأبناء أُسرته. وكان أسلوبه في إدراك المُلك ـ بمقياس الإنسان لا بمقياس التاجر ـ أسلوباً يدلّ على نفسية غير محبّبة لم يكن المُلك بقادر على تشريفها!

* * *


[ 29 ]

معَاوية وخلفاؤه

* فاقتلْ مَن لقيته ممّن ليس هوَ على مثْل رأيك. وانهبْ أموالَ كلِّ مَن أصبتَ له مالاً ممّن لم يكن له دخلٌ في طاعتنا! معاوية

* كانت نفسية الأمويين مركبةً على الطمع في الغنى إلى حدّ البشم، وحبِّ الفتح بقصْد النهب! كازانوفا

* كان «حلمُ» معاوية يتّسع حتى ليَهبَ ابن العاصِ مصرَ وأهلَها! وكان يضيقُ حتى ليملك على مصر وأهْلِها كلّ حقٍّ لهم في الحياة فيعطيهم هديةً لرجل!! إنّ أبرز الأمويّين لخصائص أميّة في الإسلام إنّما هو معاوية بن أبي سفيان. وأوّل ما يطالعنا من صفات معاوية إذا درسناه درساً دقيقاً أ نّه لم يكن على شيء من إنسانيّة الإسلام وخُلق المسلمين في ذلك العهد الطيّب من عهود الناس. فإذا اعتبرنا الإسلام ثورةً على قديمِ العرب في أكثر مذاهبهم ومنها الأثَرةُ الخالصة، والعملُ للمصلحة الفردية الخالصة، والنظر في أحوال


[ 30 ]
الجماعة على أ نّها قطعانٌ يُغزى بها وتُغزى، وعلى أ نّها مصدرُ قوة وثروة لصاحب الوجاهة والنفوذ والمال، تأكّدَ لنا أنّ معاوية لم يكن على شيء من الإسلام، كما سيتبيّن لنا تفصيلاً في هذا الكتاب. وإذا اعتبرنا الإسلام، من جانب آخر، ديناً يتّجه بأوامره ونواهيه اتجاهاً مباشراً إلى الخُلق الفرديّ والمسلك الشخصي، ويسعى في إصلاح الأفراد عن طريق ربطهم بإرادة السماء وإنذار الكافرين بالنار وتبشير المؤمنين بالجنّة، تأكّد لنا كذلك أنّ معاوية لم يكن على شيء من الإسلام، وقد شهد على نفسه بذلك. فإنّه كان يلبس الحرير ويشرب في آنية من الذهب والفضّة حتى أنكرَ عليه ذلك أبو الدرداء فقال له: إني سمعتُ رسولَ الله يقول إنّ الشارب فيهما لَتُجرجرُ في جوفه نارُ جهنّم. فقال معاوية بالامبالاة: أمّا أنا فلا أرى بذلك بأساً!

فإذا نحن أدركنا تشدّد المسلمين الأوّلين في أمر دينهم وأخبارَهم في الاستشهاد في سبيله، وإنكارَهم كلَّ ما ينهى عنه وتخوّفَهم من الإثم ساعةَ يأثمون، واحترامَهم العظيم لكلِّ كلمة نطق بها الرسول إنْ أمراً وإنْ نهياً، ثمّ رأينا إلى هذه اللامباة يجبَه بها معاويةُ مَن يُنكر عليه عملاً يخالف أمْرَ الرسول ويسوق صاحبَه إلى نار جهنّم تستعرُ في جوفه، وإلى هذه المخالفة الصريحة لإرادة صاحب الشريعة بما يعكسها أو يُبْطل عملَها، أدركْنا أنّ معاوية لم يدخل في جماعة المسلمين بوصفهم قوماً يدينون بعقيدة روحية أخلاقية ذاتِ أوامرَ بالمعروف ونواه عن المنكر كما أ نّه لم يدخل في جماعة المسلمين بوصْفهم جنوداً في ثورة اجتماعية وسياسية تستهدف الاصلاحَ العامّ في مجتمع كانت تسوده الفرديةُ والعصبية منذ حين. فالمهمّ في الأمر ما يراه معاوية لا ما يراه باعثُ تلك الثورة.

وأيّ شيء غير رقّةِ إسلام معاوية يراه القارىء وراء هذه الكلمة العابثة


[ 31 ]
التي أرسلف بها إلى عليّ بن أبي طالب وهو رسولُ القِيمَ الكبرى في نظر أنصاره وخصومه على السواء، قال: أمّا بعد، فاتّقِ اللهَ في دينك يا عليّ!» إنّ في هذه الكلمة يتوجّه بها معاوية إلى عليّ، كلّ العبث وكل الاستهانة بمدلول الكلمات وكل النفسيّة التي تستخدمُ قَيَماً آمن بها المؤمنون لمصلحة رجل لم يكن على شي من هذا الإيمان. وإن معاوية في الإسلام لم يكن اللاّ كأبيه أبي سفيان في الجاهلية: وجيهاً يستعمل الناسَ في خدمته، ويؤوّل أحوالَهم وعقائدَهم وكلّ ما هم فيه تأويلاً يوثِقُ ما يضع في أعناقهم من أغلا ل. وهو لم يُسلم إلاّ مكرَهاً ولم يثبتْ على التظاهر بالإسلام إلاّ مكرَهاً كذلك أو منتفعاً. ومَن أخبرُ بمعاوية ومعنى الإسلام في نفسه من معاصريه أنصاراً وخصوماً! أفلم يتّهموه جميعاً على ما سوف نراه؟ أوَلم يكن عليٌّ أعلمَ الناس به وأصدقَهم تعبيراً عن حقيقته حيث بعث إليه يقول: «فقد سلكتَ مدارجَ أسلافك بادعائك الأباطيل وإقحامك غرورَ المَيْن والأكاذيب؟» أوَ يكون مسلماً في عهد النبي والراشدين من يدّعي الباطلَ ويكذب؟ أوَ يكون من مسلمي ذلك العهد الطيّب مَن يقول له عليٌّ ولأبناء بيته: «وما أسلم مسلمكم إلاّ كرْهاً!»

أمّا بعض مزايا الرجل الطيّبة ـ من حيث المظهر ـ كالحلم والرفق والجود وسعة الصدر، فإنّما هي وسائل لجأ إليها يومَ دلّه ذكاؤه على أ نّها قد تكون أنجح في تبليغه ما يريد بلوغه من ملك وسلطان. وإني أرجّح أن سيرة آبائه ومعاصريه الأمويين، وشعور الناس بضآلة بني أميّة وضآلة أمجادهم الحالية إزاء الدعوة الجديدة، قد جَنَحا به عن قصد وتصميم لأنْ يُلقي على الأنظار ستائرَ من الحلم والجود فلا تنفذ إلى الحقيقة إذا هي استعرضت الأمويين على صعيد الشمائل والكفاءَات!


[ 32 ]
إنّ الحلم والجود لدى معاوية لم يكونا إلاّ طريقاً إلى اصطناع الناس بغية المُلك، وما أسهلَ أنْ يصطنعَ الجود الناسَ! وطريقاً إلى ستْر التالد والطريف من سيّئات الحقيقة الأمويّة.

فأيّ حلم وأيّةُ مروءَة يجد المُطْنبون في مدح معاوية الذي كانت سياسته محصورةً في منطق القاهر مع المقهور وفي تصرّف الوجيه القويّ مع الضعيف البائس، فهي سياسة عنف وقسوة وأثرة وَضَعَ خطوطها لمن جاء بعده عن أميّة فاستغلّوها على أنين الملاين من البشر في أنحاء الأمبراطورية الأمويّة.

أي حلم وأيّةُ مروءَة يجد هؤلاء في معاوية إذ سَيّرَ المجرم بسر بن أرطاة إلى المدينة ليشغب على عليّ وزوّدَه بهذه الوصية: «سِر حتى تمرّ بالمدينة فاطرد الناس وأَخِف مَن مررت به، وانهب أموال كلّ من أَصبتَ له مالاً ممّن لم يكن له دخلٌ في طاعتنا!»

أي حلم وأيّةُ مروءَة يجد هؤلاء في معاوية إذ سَيّرَ سفيان بن عوف الغامدي إلى العراق للشغب على عليّ وزوّدَه بهذه الأقوال: «إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق تُرعب قلوبَهم وتُفرح كلّ مَن له فينا هوىً منهم وتدعو إلينا كلّ من خاف الدوائر. فاقتلْ مَن لقيتَه ممّن ليس هو على مثل رأيك، وأحربْ كلّ ما مررت به من القرى، وأخرب الأموال فإنّ حرب الأموال شبيهٌ بالقتل وهو أوجع للقلب» إلى آخر هذه «النصائح» بقتل الضعفاء والبائسين ممّن لا يريدون أن يحملوا بني أمية على أعناقهم! وقد زوّد معاويةُ السفّاحَ الضحّاك بن قيس الفِهري بمثل هذه الوصايا حين أرسله في غارة على بعض ولايات عليّ. ونفّذ الضحّاك هذه الوصايا كما نفّذها غيره، فنهب وقتل وأكثر من الاعتداء والافتراء!


[ 33 ]
بل أي حلم وأيّةُ مروءَة يجدونها في هذا الرجل وقد قال في الموالي، وهم مئات الألوف من البشر لهم عقولٌ وقلوب وأبدان: «فقد رأيتُ أنْ أقتل ـ منهم ـ شطراً وأدع شطراً لإقامة السوق وعمارة الطريق!» ولو لم يردّه الأحنف بن قيس عن هذه الفعلة لنفّذ ما رأى، ولَقَتَل من الخلق عشرات الألوف ولا ذنبَ لهم إلاّ أ نّهم موالي، ولاسترقّ مئات الألوف واستغلّهم كما تُستَغَل الآلة والبهيمةُ ولا ذنبَ لهم كذلك!

كان معاوية «رفيقاً حليماً كريماً» ساعة يجمعه الزمان بصاحبِ جيش أو نفوذ يخشى خطرَه على عرشه، فإذا قسا عليه ونال منه وقال فيه قولاً كأ نّه السمّ أو أنفذ، ملك نفسَه واسترضى الغاضبَ وقبلَ منه ما يقول. وقد يشتدّ عليه نافذٌ بتوبيخ أليم وهو في حاشيته وبين أعيانه، فإذا به «يرفق ويحلم» خشْيَة البأس، وقد يأمر أُمناءه إذ ذاك بتسجيل كلمة التوبيخ هذه قائلاً لهم: «هذه حكمة فاكتبوها!» أمّا إذا كان المرء لا جيش عنده ولا نفوذ، فإنّ معاوية لا يرفق عند ذاك ولا يحلم، حتى ولو لم يتوجّه إليه بتوبيخ أو تأنيب أو تذكير. وقد يطيب له أنْ يأمر بأنْ «يُقتَل ـ هذا المرء ـ قتلةً لم يُقْتَلها أحدٌ في الإسلام!»

وكان معاوية «رفيقاً حليماً كريماً» ساعة تجمعه المصلحة الخاصّة بمن ينتفع به... فيقبل منه كلّ قول وكلّ عمل شريطةَ أن يسنده في تثبيت ملكه وإن جار، وعند ذاك قد يعطيه مصر وأهلها... ملكاً حلالاً لا ينازعه فيه منازع، على نحو ما أعطاها عمرَو بن العاص!

كان «حلم» معاوية يتّسع حتى ليهب عمَرو بن العاص مِصر وأهلها!! وكان يضيق حتى ليملك على مصر وأهلِها كلّ حقّ في الحياة ويعطيهم هديّة «منه» لشريك له!!


[ 34 ]
أمّا إذا كان هذا هو الحلم والرفق والكرَم، فليس من سفّاح في التاريخ إلاّ وهو حليمٌ رفيقٌ كريم!

والذي يمعن النظرَ في سياسة معاوية يهوله هذا المقدار من قوى الشر والاحتيال التي تألّفَ منها أسلوبُه في أخذ الناس وفي ما سمّاه أنصاره «بناء الدوة» فهو أسلوب مكيافيلّلي خالص لا ينقصه شيء من تفاصيل الميكيافيلية المجرمة. فالنهب والترويع والتقتيل من سياسة معاوية المدروسة. ومنها الوعد والوعيد، وكذلك الفتك بالأبرياء والأحرار، واصطناع الخونة والمأجورين وأهل الأجرام. ومنها استخدام الدعاية في تمثيل السماء أرضاً والأرض سماء. ومنها الاحتيال على كلّ قيمة إنسانية قصْدَ الكسب والاستفادة. ومنها مساومة أصحاب الضمائر السود على حساب الحقّ والعدل. ومنها الاستئناس بمعونة السفّاحين الذين نذروا أنفسهم لخدمة «الأمير» وما تقوم خدمتُه إلاّ بالمهارة في نهب أموال الشعب وكبْت حرّياته وسوق أبنائه عبيداً مطيعين لصاحب السلطان.

وقد شهد معاوية على نفسه مراراً بأنّه لم يُنصف في سياسته ولم يعدل، ولم يقف وقفةً في حياته إلى جانب حقٍّ ظهر أو عدل سطع. ومِن شهادته على نفسه حديثٌ له يدور على جانب من سياسته ثم على نظرته العامّة إلى معنى العدل في الناس وإلى قيمته. حدّث المطرف بن المغيرة بن شعبة قال:

كنت أدخل مع أبي على معاوية فكان أبي يأتيه فتحدث معه ثم ينصرف إلى فيذكر معاويةَ وعقله ويعجب بما يرى منه. وجاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتمّاً، فانتظرتُه ساعةً وظننتُ لأمر حَدَثَ فينا، فقلتُ: مالي أراك مغتمّاً منذ الليلة؟ فقال: يا بنيّ، جئتُ من عند أكفر الناس وأَخبثهم! قلت: وما ذاك؟ قال: قلتُ له وقد خلوتُ به: إنك قد بلغتَ سنّاً يا أميرالمؤمنين فلو


[ 35 ]
أظهرتَ عدلاً وبسطتَ خيراً وقد كبرتَ! ولو نظرتَ إلى إخوتك من بني هاشم فوصلتَ أرحامهم، فواللهِ ما عندهم اليومَ شيءٌ تخافه، وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذِكُره وثوابُه! فقال: هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءَه؟ ملَكَ أخو تيم ـ يعني أبا بكر ـ فعدَلَ وفعلَ ما فعل فما عدا أنْ هلكَ حتى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائلٌ «أبو بكر» وملكَ أخو عديّ ـ يعني عمر ـ فاجتهد وشمّر عشرَ سنين، فما عدا أنْ هلك حتى هلك ذكرُه إلاّ أن يقول قائل «عُمر» وإنّ ابن أبي كبشة ليُصاح به كلّ يوم خمسَ مرّات «أشهد أنّ محمّداً رسول الله صلى الله عليه وآله»، فأيّ عمل يبقى وأيّ ذكر يدوم بعد هذا، لا أبالك;

كان معاوية من الذين نشأوا على كره أصحاب الرسالات السامية بحُكم مولده في بيت أبيه أبي سفيان. ثم أ نّه شهد «مآثر» أبيه وهو يؤلب الجموعَ على صاحب الدعوة ويسير في طليعتهم إلى حرَبه ويوقع بصحبه ويسعى جاهداً في أن يوقع بالرسول ذاته، لتدوم له زعامتُه السياسية ومكاسبُه المادّيأ ويظلّ سيداً على قومه ولو كلّفتْ هذه السيادةُ أن يخسر العربُ عظيماً كمحمّد، وعظماء كصحبه الثائرين على القديم، ويموقراطيةً كروح الرسالة. وهو في ذلك سرّ أبيه الأوّل: أميّة بن عبد شمس.

ولم يكن تأثير والد معاوية في تربيته وتنشئته على هذه الروح التاجرة، وعلى الدفاع عن مجد غابر ومكسب طريف، بأكثرَ من تأثير أمّه هند آكلة الأكباد. ومَن تكون هند هذه؟

لعلّ تاريخ المرأة العربية لم يحفل بصور الأنانية والأثرة والشراسة والخلق العربيد وسائر ما يحفل به تاريخ هند بنت عُتبة زوجة أبي سفيان! فقد كانت هذه المرأة من القساوة بحيثُ يعزّ على أشدّ الرجال ضراوةً وبربريةً أن يكونوا.


[ 36 ]
فحين جعلت قريش تبكي قتلاها وكانوا المعتدين على المسلمين، ناحت نساؤها شهراً كاملاً على هؤلاء القتلى. ثم مشينَ إلى هند زوجة أبي سفيان يقلن لها: ألاَ تبكين مثلَنا على قتْلانا وفيهم أهلُ بيتك؟ فقالت بعناد وقساوة لا تعرفهما المرأة: أبكيهم فيبلغ ذلك محمّداً وأصحابَه فيشمتوا بنا ويشمت بنا نساء بني الخزرج! لا واللهِ حتى أثأر من محمّد وأصحابه! والدهنُ عليَّ حرام حتى نغزو محمّداً! ثم راحت تحرّض الناس على محمّد وأصحابه حتى كانت موقعة أُحد الشهيرة.

أَرأَيتَ كيف أنّ روحاً خشنة تطغى على كيانها فإذا هي لا تحسّ حاجة إلى أنْ تبكي ذويها أُسوةً بسائر النسوة وتلبيةً لنداء القلب الأنثويّ، بل تنظر إلى الأمور بعقليّة مَن ترى الدنيا منازَعةً على بأس، ومغالبَةً على نفوذ، ومجاهدةً من أجل رفعِ لواء!

وحين كان التهيّؤ لموقعة أُحد هذه، أبتْ هند بن عتبة إلاّ أن تسير على رأس فرقة نسائيّة لتحريض الرجال على قتل محمّد وصحبه، وتروي ظمأها لرؤية الدماء تسيل والرجال تُصرَع. وصاحب في وجه مَن يعترض خروج النساء إلى تلك الموقعة تقول: «نعم، نخرج فنشهد القتال!»

وكان لأمّ معاوية ما أرادت، فخرجتْ مع قريش على رأس نسائها وهي على أشد ما يكون عليه الإنسانُ طلباً للثأر وتحريضاً على الانتقام. ولمّا كانت الموقعة الكبرى جعل نساء قريش يمشين خلالَ صفوفها يضربْن بالدفوف والطبول وعلى رأسهنّ هند بن عتبة، وهنّ ينشدن:

وَيْهاً بني عبد الدارْ *** وَيْها حُماةَ الأدْبارْ

ضرْباً بكلّ بتّار


[ 37 ]

وينشدنّ:

إنْ تُقبِلوا نُعانقْ *** ونفرشُ النمّارقْ

إنْ تُدبروا نُفارقْ *** فِراقَ غيرِ وامقْ

وكانت هند قد وعدتْ وَحشيّاً الحبشيّ خيراً كثيراً إنْ هو قتل من المسلمين، ولا سيّما حمزة بن عبد المطلّب عمّ النبيّ وكان نُبْلُه عظيماً وكان حقْدُها عليه يتأجّج. ونكّلتْ قريش بالمسلمين في هذه الموقعة وكادت تطير فرحاً بانتصارها. وكان من قتلاها حمزة قَتَلَه وحشيّ الحبشي بتحريض من هند كما رأينا. وصاح أبو سفيان: «يومٌ بيومِ بدر، والموعد العام المقبل». أمّا زوجته هند فلم يكفِها هذا النصر ولم يكفِها قتلُ حمزة بن عبدالمطلب. بل جمعتْ حولَها النسوةَ القرشيات اللواتي كنّ معها وانطلقتْ بهنّ تمثّل بالقتلى على صورة يعفّ عنها برابرةُ الرجال فكيف النساء. راحت تجدع الآذانَ والأنوف وتجعل لنفسها منها قلائدَ وأقراطاً. ثمّ أ نّها بقرتْ بطنَ حمزة وجذبت بين يديها كبدَه بعنف وحماقة وجعلتْ تلوكها بأسنانها تريد أن تأكلها فلا تستطيع مضغَها وإساغتَها. وقد بلغ من شناعة ما فعلتْ من الفظائع أن تبرّأَ من أعمالها حتى زوجها أبو سفيان، فقال يخاطب أحد المسلمين: «إنّه قد كان في قتلاكم مَثْلٌ، واللهِ ما رضيتُ وما سخِطتُ وما نهيتُ وما أمرتُ!»

ولقّبتْ هند هذه بآكلة الأكباد!

ولمّا أسلم أبو سفيان بن حرب مكرَهاً عند فتْح مكة، كانت هند بنت عتبة تصيح في القوم بعد إسلام زوجها; «اقتلوا الخبيثَ الدّنس الذي لا خير فيه. قُبّح من طليعةِ قوم. هلاّ قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم!» قالت ذلك وهي لا تزِنُ بميزان ما لقيتْ هي وزوجها وابنها وبيتها من رحمة محمّد ابن عبدالله ومن عفوه وسماحه!


[ 38 ]

علي أيدي أبي سفيان هذا، وزوجته هند بنت عتبة هذه، كانت نشأة معاوية! بالإضافة إلى ما في نفسه من خواصّ قومه وآبائه الأولين وأقلّها حبّ الرئاسة والتوصّل إليها عن طريق السياسة المموّهة بالطلاء والخداع والمواربة والاصطناع والتشريد وما إليها جميعاً. إنّه ربيب القوم الذين يصفهم الإمام عليّ بأنهم: «أكَلةُ الرُّشا، المشترون الغادرَ الفاسقَ بأموال الناس; الذين لو وُلّوا على الناس لأظهروا فيهم الغضب والفخر والتسلّط والجبروت والفساد في الأرض!»

ولمّا كانت ولايته على الشام في عهد عمر بن الخطّاب، جعل يعمل بهذه العصبية الجاهلية في الخفاء وتحت ستار كثيف من الدهاء والتملّق.

وبدأ الستار ينكشف عن خداع معاوية في عهد نسيبه عثمان بن عفّان، إذْ جعل يركِّز ولايتَه على أساس من العمل لنفسه ووُلْده دون الخلافة ودون الإسلام. وأحاط الرجل نفسه بالقوّة والثروة. واصطنع الرجالَ على حساب بيت المال وهو للمسلمين لا لأميّة. ولبث يترقّب الفرصةَ ويستعدّ للبقاء الطويل في دولة تكون له وللأمويين من بعده ولا سيّما بنيه. لبث يترقب الفرصة لتحقيق ما أدرك أبوه بالرسالة يوم قال للعباس عمّ النبيّ: «لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً». لتحقيق هذا الإدراك فيه وفي بنيه، لا في ابن أخي العباس الذي لم يسلك إلى الملك طريقاً.

وسنحتْ هذه الفرصة بمقتل عثمان الذي سنرى أنّ لمعاوية نفسه يداً في مقتله، كما كان لنسيبه الأمويّ مروان بن الحكم.

وهنا تبدأ فصولٌ من نبوغ معاوية في الخداع والمواربة. وهنا يبدأ الصراع بين المثالية والاستقامة وصفات الفروسية التي يمثّلها عليّ بن أبي طالب، وبين


[ 39 ]

النزعة إلى السلطان والسياسية المكيافيلية والاصطناع والمماكسة وسائر الصفات التي يمثلها معاوية وقومه، وُرَثاء الخصائص الأموية!

ففيما كان شعار عليّ بن أبي طالب هذا القول: «لا أداهن في ديني ولا أعطي الدينة في أمري» أو هذا القول: «أحببْ لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم، ولا يكوننّ أخوك على الاساءَة أقوى منك على الإحسان» كان شعار معاوية: «إنّ لله جنوداً من العسل». وهو يعني العسل الذي يُداف بالسمّ فيقضي على أخصامه أيّاً كانوا، ليخلّوا أمامه طريق الحكم. وأخصام معاوية هم كل أولئك الذين يعترضون طريقه من أهل الخلق العظيم!

بهذا «العسل» قتل معاوية الحسن بن عليّ. وبالأموال العامة اشترى الناس واصطنع الأنصار والمحاربين. وكان يقول للناس يوم خفّ إلى مكة لـ «يقنعهم ببيعة ابنه يزيد ومعه الجنْد وحقائب الأموال: «وأردتُ أن تقدموا يزيد باسم الخلافة، وتكنوا أنتم تعزلون وتؤمّرون وتجبون المال وتقسّمونه!»

وهو إذا تأفف الناس من يزيد وأبواه يبايعوه، قال لهم متوعداً: «أعذر من أنذر. اني كنت أخطب فيكم فيقوم إليّ القائم منكم فيكذّبني على رؤوس الناس. فأقسم بالله لئن ردّ عليّ أحدُكم كلمة في مقامي هذا، لا ترجع إليه كلمةٌ غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقينّ رجلٌ إلاّ على نفسه!»

وهو إذا عوتب في تبذير مال الشعب الذي كان عليّ بن أبي طالب يحميه للشعب وحده، أجاب بهذا القول الأموي: «الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما آخذ من الله فهو لي، وما تركتُه منه كان جائزاً لي!» أمّا إذا تحرّكت


[ 40 ]

الضمائر والألسن في الناس تطلب منه أن يدَع الناس أحراراً في ما يرون فإنّه يجيب بمثل هذا القول: «ندع الناسَ ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا!»

وعلى مثل هذا الجوّ من الطغيان الفرديّ يعلّق محمد الغزالي صاحب «الإسلام والاستبداد السياسي» بقوله: «إنّ طغيان الفرد في أمّة ما جريمةٌ غليظة، وإنّ الحاكم لا يستمدّ بقاءَه المشروع، ولا يستحق ذرّةً من التأييد، إلاّ إذا كان معبّراً عن روح الجماعة ومستقيماً مع أهدافها». ثم يقول في مكان آخر: «إنّ الاستبداد الأعمى عدوُ الله، وعدوّ رسله، وعدوّ الشعوب وقد ظهر أنّ تفكير المستبدّين واحد على اختلاف العصور، وأ نّهم لا يتركون غرورَهم مهما تلطّف المصلحون معهم».

بمثل هذه السياسة المكيافيلية اغتصب معاوية السلطة وحوّل الخلافة إلى ملك والشورى إلى وراثة في بنيه. وهو في ذلك كلّه تعبيرٌ صميم عن النفيسة الأمويّة في الجاهلية والإسلام.

فإنّ عليّ بن أبي طالب ما كاد يُصرَع بيد ابن ملجم حتى راح معاوية ابن أبي سفيان يعدّ المهالك لكلّ من لا ينادي به خليفةَ ربّ العالمين. وأعلنَ أ نّه لن يدَع الناس في حال من أحوالهم إلاّ إذا كانوا له عبيداً، قائلاً: «ندَع الناسَ ما لم يحولوا بيننا وبين مُلْكنا». أعلن أنّ المُلك له ثمّ لبني أميّة من بعده، وأنّ الناس ليسوا أحراراً إلاّ في التخلّي عن حرّياتهم وحقوقهم في سبيل بني أُميّة وسلطانم. وراح يأخذ الناسَ بالتهمة والشبهة على غير ما عرف الناسُ في السابقين. وأمعن في تقتيل الصحابة والتابعين وغيرهم ممّن يمثّل الرأي العامّ ويسلك مسلكاً صحيحاً صريحاً.

ثمّ إنّه ما استوثق له الأمر حتى جعل يسجلّ الناسَ وما يملكون وراثةً


[ 41 ]

لابنه الخليع يزيد. وهو من أجل هذا «التسجيل» كان يلبس ويخلع من الأردية والأغطية ما يوافق مصلحة هذا الإبن. وإليك صورةً، من ألف صورة ممّا لجأ إليه معاوية لأخذ البيعة ليزيد رغمَ الأنوف. وهي كافيةٌ لأن تدلّك على الأسُس التي قامت عليها خلافة يزيد ومعظم ممن سيليه مَن الأمويين:

عقد معاوية اجتماعاً لوفود الأمصار كي يقسرهم على مبايعة يزيد في حياته فيطمئنّ إلى مصير المُلك. وفيما القوم مجتمعون وبينهم معاوية وابنه، وقف أحد المتزلّفين المنافقين واسمُه يزيد ابن المقفّع، فقال:

أميرالمؤمنين هذا! وأشار إلى معاوية.

ثم قال: فإنْ هلك فهذا! وأشار إلى يزيد.

ثم قال: فمَن أبي فهذا! وأشار إلى سيفه.

فقال له معاوية: اجلسْ فإنّك سيّد الخطباء!

ثم كانت لمعاوية في أهل الحجاز، وقد أبوا مبايعة يزيد بالرغم من الجند والمال، أخبارٌ عِجاب ! فقد هدّدهم يقول: «فأقسم بالله لئن رَدّ عليّ أحدُكم كلمةً في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمةٌ غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه. فلا يبقينّ رجلٌ على نفسه!» وأقام رجلين على رأس كلٍّ من أهل الحجاز وأمَرَ أصاحبَ شرطته قائلاً: «إنْ ذهب رجلٌ منهم يرد كلمةً بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما!»

وراح الأمويون إذ ذاك ينزعون عن مدى تصوّرهم الجاهلي الأوتوقراطي لأنفسهم وللناس، فإذا هم يضربون بالسيف الأعناق التي يأبى بيعة يزيد، وينقشون على أكلف المبايعين علامةَ الاستبداد والاسترقاق.

وكان خلفاء معاوية من أُميّة أكثرَ الخلق ضلالاً به وأَسْيَرَهم على نهجه.


[ 42 ]

ومنهم مَن أضاف إلى سيّئاته دون أنْ يُصيبيهم أيسرُ نصيب من حظ معاوية في الظاهر من الحسنات. لذلك قاسى الناس في أيّامهم الصعاب وحُملوا قسْراً على أن يتركوا أرزاقَهم وأعناقَهم للأمويين وعمّا لهم وكانوا عمّالاً فَجَرَةً خالصين. وقد ساموا سكّانَ البلاد التي احتلّوها أو وُلُوا عليها كلّ خسْف وكلَّ عذاب وأذاقوا غيرَ العرب من الشعوب التي أسلمتْ كلّ هوان وكلّ مذلّة واستعبدوهم أشدّ استعباد. وحطّوا من شأن أهل الذمّة على غير ما يوصي به الإسلام وكان يوصي بهم خيراً وبسائر الخلق. وقتلوا من العرب كلّ مَن لا يريد أن يُطعمهم لحمَه ويُشرَبهم دمَه راضياً مختاراً. وسلّطوا على جميع الناس مَن ينوّع عليهم الضرائب ويزيدها ثمّ يحصّلها بأشدّ ألوان العنف وأبشع صوَر القسوة. ولذلك كلّه كان سعيد بن العاص أحدُ عمّالهم على العراق يقول: «ما السواد إلاّ بستان قريش، ما شئنا أخذنا منه ومنا شئنا تركناه». ولذلك قال عمرو بن العاص لصاحب «أخَنا» عندما سأله عن مقدار ما عليهم من الجزية: «إنّما أنتم خزانةٌ لنا!»

لقد كان همّ الخلفاء الأمويين أن ينهبوا بيوتَ المال نهباً، وأن يوسّعوا لحاشيتهم في كلّ ملك وكلّ إثراء. وراهح عمّالهم على الأمصار يختلسون كلّ ما تقع عليه أيديهم من مال ومتاع، بالإضافة إلى ما كانوا يتقاضونه من المرتبات الضخمة لقاء مساندة الملوك الأمويين في ما يريدون. مثال ذلك أنّ أحد عمّال هشام بن عبدالملك على العراق، واسمه خالد بن عبدالله القسري، كان يتناول من بيت المال مرتباً سنوياً قدره مليون درهم، ويختلس من أموال الناس مائة مليون!

وعلى أيدي بني أميّة انهارت قواعد العدل العلويّ والعدل الإسلامي، وخُلقتْ في المجتمع الطبقيّةُ فأثرى قومٌ وجاع آخرون. واستبدّتْ فئة


[ 43 ]

وظُلمتْ فئات! ففيما كان في الناس مَن لا يأكل الرغيف، كان أحد ملوك بني أميّة يهب ـ من مال الجماعة ـ اثني عشر ألف دينار لمعبد لأنّ تَنَغّمَ معبد يرضيه. وفيما كان الناس يطمحون لأن يعيشوا أحراراً، كان من العبيد والأرقّاء قُبيل خلافة سليمان بن عبدالملك عشرات الألوف. يدلّلك على ذلك أ نّه أعتق، وحده، سبعين ألف مملوك ومملوكة!

وفي عهد بني أمية هذا شمخت العنصرية العائلية والقبلية والقومية على نحو لا يريده الإسلام ولم يوصِ به الإمام. فإذا القيسى غير اليمنيّ في الحقوق. وإذا العربيّ غير الأعجمي! وفي عهد بني أمية كثرَ المترهّلون المقرّبون الذين يأكلون ولا يعملون، أو الذين يُنعم عليهم بيتُ المالك بالوظائف الاسمية فيُفرغ في جيوبهم أموالَ العامّة ويُثيبهم على غير جهد، كما هي الحال في بعض البلدان العربية اليوم! حتى ليخبرنا التاريخ أنّ الوليد بن عبدالملك ألغى من أهل الديوان بشراً كثيراً بلغ عددهم عشرين ألفاً. أضف إلى ذلك جميعاً طريقةَ الأمويين عامّة ـ باستثناء عمرو بن عبدالعزيز ـ في أخذ البلاد بالقسوة والعنف على ما تقدّم. فعبدالملك بن مروان، مثلاً، حكم الدولة حكماً أوتوقراطياً هانت به الأرواح. «أمرَ بردم العيون والآبار في البحرين ليُفقر أهلَها فيلينوا للحكّام(1)». وجعل على الحجاز والعراق ذلك السفّاح الحقير الذي اسمُه الحجّاج بن يوسف.

ومن الطرائف التي تدل على أسلوب عدد من ملوك بني أمّية في النظر إلى قيمة «الرعايا» وفي الاستهتار بمعنى الخلافة ومعنى الشعب على السواء، ما


1 ـ راجع ملوك العرب لأمين الريحاني الجزء الثاني ص 206، وكتاب النكبات للريحاني أيضاً 64.


[ 44 ]

ذكرَه المؤرّخون من أنّ يزيد بن عبدالملك بن مروان، سكرَ يوماً سكراً شديداً وعنده حبابة إحدى جواريه. فلمّا طرب قال: دعوني أطير! فقالت حبابة: على مَن تدَع هذه الأمة؟ قال: عليكِ!

يقول أمين الريحاني، والحديث عن بني أميّة: «أمّا العدل في الرعيّة، العدل الذي هو أساس الملك، فهو ينعكس من الجالس عن العرش. وقد عرفت أرباب العروش ـ الأموية ـ وفيهم العاجز والسفيه والخليع والسكِّير والظالم(1)» ولا نغفل، أخيراً، عن أسلوب بني أميّة المستهجن في شتم علي ابن أبي طالب وبنيه على منابر الأمصار.

أمّا الخليفة الأمويّ العظيم عمر بن عبدالعزيز الذي شرّف سيرتُه المُلكَ في تاريخ الشرق وزادت في شرف الإنسان نفسِه، والذي بدأ سلطتَه برفْع المظالم عن الناس كلّ الناس، وأعاد لكلّ ذي حقٍّ حقّه، وعزل الولاة الجائرين وأبدل بهم وُلاةً عادلين وشدّد عليهم في أخْذ الخلق ليّناً عادلاً رفيقاً، وساوى بين العرب الأعاجم والمسلمين وغير المسلمين مساواةً حقيقيّة لا شكّ فيها، وأمَرَ بوقْف الفتوحات محافظةً على حرّيات الناس وحقوقهم وحياتهم وأسقط كلّ ضريبة عن الناس إلاّ تلك التي يقدّمونها للدولة عن رضىً واختيار، ورفَع شتْمَ عليّ بن أبي طالب وعظّمَ شأنَه وسعى في أنْ يسلك في الناس مسلكَه الجليل، وجرّد الأمراء والوجهاء من المنهوبات وأمرَهم بأن يعملوا فيأكلوا. أمّا هذا الرجل العظيم الحقّ، فقد تآمر به قومُه الأمويّون وأنصارهم فقتلوه فلم يدمْ حكمُه إلاّ قليلاً. وكانوا من قبلُ قد قتلوا معاوية الثاني ابن يزيد لأ نّه صارحَهم بمظالهم وأنكر عليهم استهتارَهم بالحقوق العامّة


1 ـ النكابت ص 70.


[ 45 ]

وخَطّأَ جدّه وأباه، ورغب في العافية. ولَسوف يأتي كلاٌ كثيرٌ في حينه ـ على حقيقة بني أميّة وفي معنى الولاية كما تصوّروا وفعلوا. وإنّه لمن المستغرَب حقّاً أنْ يتصدّى بعضُ الكتّاب المعاصرين للدفاع عن هذه الطغمة من ملوك بني أميّة وعمّالهم وأنصارهم، بأقوال لا تدفع شيئاً ولا تدافع عن شيء ولا تُقنع حتى مَن يقولها. وما هي إلاّ العصبيّة لكلّ قديم لنا تلك التي تدفع أمثالَ هؤلاء الكتّاب لمثل هذا الدفاع المستهجَن الفاشل(1). فَلم يكن معاصروا بني أميّة وشاهدو حُكمهم أعلمَ وأصدق حين قالوا فيهم، بأيّامهم ذاتها، قولاً ينقض مثل هذا الدفاع ويدين بني أُميّة إذانةً صريحة؟

بماذا يجيب هؤلاء المتطوّعون للدفاع عن النفسية الأمويّة، والذهنيّة الأمويّة، والأساليب الأمويّة في الحكم، ساعةَ يستمعون إلى الرواية التالية:

التقى يوماً عبيدة بن هلال اليشكري وأبو حرابة التميمي، فقال عبيدة: يا أبا حرابة، إنّي أسألك عن أشياء أفتصدقني عنها في الجواب؟ قال: نعم! قال عبيدة: ما تقولون في أئمّتكم ـ الأمويين؟ قال أبو حرابة: يُبيحون الدم الحرام! قال: فكيف فعْلُهم في المال؟ قال: يجبونه من غير حِلّه ويُنفقونه في غير وجهه! قال عبيدة: فكيف فعْلُهم في اليتيم؟ قال أبو حرابة: يظلمونه مالَه ويمنعونه حقّه وينكحون أمّه! قال: ويحك يا أبا حرابة، أمثْلُ هؤلاء يُتبع؟ قال: قد أجبتُك فاسمعْ ودعْ عتابي!

وفي قول أبي حرابة هذا «دع عتابي» تصريحٌ ضمنيٌّ بأنّ المرء لا يجرؤ


1 ـ إذا شئت دليلاً على ذلك فارجع إلى التعلقيات الكثيرة التي وضعها الكاتب المصري الدكتور حسين مؤنس في حواشي الصفحات التي يتحدث بها جرجى زيدان في الجزء الثاني من كتابه «تاريخ التمدن الإسلامي» عن مظالم بني أمية وعن حقيقة حكمهم. فهي تعليقات لا تستند إلاّ على عاطفة مع بني أمية، لا تزيد عن ذلك شيئاً.


[ 46 ]

في حكم بني أميّة وعمّالهم على أن يرى رأيه ويقول قولَه!

بماذا يجيب هؤلاء المتطوّعون للدفاع عن بني أميّة ساعةَ يقفون على آراء أهل المدينة في حكامهم الأمويّين بعد أن طردَهم منها أبو حمزة الخارجي وأقبل يسأل الناس عمّا أصابهم على أيدي خلفاء الشام ووُلاتهم فيعترفون بأن الأمويين كانوا يقتلون الآدميّين بالظنّ والشّبهة، ويستحلّون كلّ ما حرّمَه الإسلامُ والعقلُ والضميرُ والنفسُ الكريمة! وممّا جاء في خطبة أبي حمزة هذه الأقوال.

«ألا ترون إلى خلافة الله وإمامة المسلمين كيف أُضيعت حتّى تداوَلَها بنو مروان فأكلوا مالَ الله أكلاً وتلعّبوا بدين الله لعباً واتّخذوا عبادَ الله عبيداً يورث الأكبرُ منهم ذلك الأصغرَ! لقد ملكوا الأمر وتسلّطوا فيه تسلّطَ ربوبيّة بطشُهم بطشُ الجبابرة يحكمون بالهوى ويقتلون على الغضب ويأخذون بالظنّ ويعطّلون الحدود بالشفاعات ويؤمّنون الخوَنَةَ ويعصون ذوي الأمانة ويتناولون الصّدَقةَ من غير فرْضها ويضعونها غيرَ موضعها!»

بماذا يجيب هؤلاء ساعةَ يسمعون الشاعرَ البحتريّ يعبّر عن آراء الناس في حكومة الأمويين وهم على عهد قريب منهم فيقول:

إنّا نكفّر من أُميّة عصبةً *** طلبوا الخلافةَ فجرةً وفسوقاً

والذي ثبت للمتقدّمين من أخبار الأمويين وأسلوبهم الفظّ في الحكم وغايتهم منه ثبت للمتأخرين. وما وثق به المؤرّخون العرب من حدوث المظالم المريعة على أيدي الأمويين وثقَ به المؤرخون الأجانب. وهذا ما يعترف به المدافعون عن بني أميّة من الكتّاب المعاصرين في مصر وغير مصر. مثال ذلك ما يرويه أحدُهم(1) بمعرض «الدفاع» عن اميّة إذ يقول إنّ معظم


1 ـ راجع تعليقات الدكتور حسين مؤنس على ابحاث جرجى زيدان في كتابه «تاريخ التمدن الإسلامي» الجزء الثاني ص 23.


[ 47 ]

المؤرخين في الشرق والغرب يحملون على بني أميّة حملات عنيفة ما عدا يوليوس فلها وزن فله اتّجاهٌ معتدل بعض الشيء. ويلاحظ القارىء أنّ هذا المستشرق الفرد الذي لا يرى رأيَ زملائه في بني أُميّة، إنّما هو «معتدلٌ بعضَ الشيء» لا كلّه! وفي هذا القول اعترافٌ من الكاتب المصريّ نفسه بأنّ المستشرق الفرد لم يجد من الأدلّة ما يمهّد أمامَه طريقَ الدفاع عن الأمويين ليكون معتدلاً كلَّ الشيء لا بعضَه! غيرَ أنّا ندلّ الكاتب المصري المذكور على مستشرق آخر نسيَه ولو فطن له لادرك أنّ في الاوروبيين مَن دافع عن الأمويين كلّ الدفاع لا بعضَه، ونريد به المستشرق الفرنسي لامانس الذي استخدم علمَه الغزير في مآرب خاصّة سنكشف عنها الستارَ في بحث خاصّ... من أبحاث هذا الكتاب!

أمّا العدد الأكبر من المستشرقين فقد صوّروا من الحقيقة الأموية ما لا يرضي المدافعين عن ابن أبي سفيان ووُلْد مروان. وفي طليعة هؤلاء المستشرق الفرنسي كازانوفا الذي يقول: «كانت نفسيّة الأمويين على الاطلاق مركّبة على الطمع في الغنى إلى حدّ البشَم، وحبِّ الفتح بقصْد النهب، والحرْصِ على التسوّد للتمتّع بملذّات الدنيا!»

وعلى كلّ حال فإنّ المؤرّخين العرب والأجانب لم يصفوا النفسَةَ الأموية أكثر ممّا وصفَها ـ بعفويّة خالصة ـ الخليفةُ الأمويّ الوليد بن يزيد ببعض شعره. ففي هذا الشعر ما يُفصح عن الروح التي مارَس بها الأمويّون الزعامَة في الجاهلية والمُلكَ في الإسلام، وعن الذهنيّة التي عالجوا بها في العهدين أحوال الناس. ومنه هذه الأبيات:

فدعْ عنك ادّكارك آلَ سعدى، *** فنحن الأكثرون حصىً ومالاً


[ 48 ]

ونحن المالكون الناسَ قسْراً، *** نسومُهُم المذلّةَ والنِّكالا

ونوردُهم حياضَ الخسْفِ ذُلاً *** وما نألوهُمُ إلاّ خبالاً!

فإذا ردّ هؤلاء الكتّابُ المدافعون عن أُميّة ما قاله المؤرّخون في النفسية الأمويّة والذهينّة الأموية، وما قاله العربُ والفرنجة، والقدامى والمحدَثون، والخاصّة والعامّة، فهل يردّون على الوليد بن يزيد شعرَه هذا؟!


[ 49 ]

كآبة الخيّرين

* إنّ جملةَ الحوادثِ التي عاشَها الحسينُ تقطعُ بأ نّه في مقياس الأخلاق سماءٌ أيّ سماء! وإنّ جملةَ الحوادثِ التي عاشَها يزيدُ تقطع بأ نّه في مقياس الأخلاق أرضٌ تحت أرض! وحسْبُك مأساة كربلاء دليلاً ذا أَلسنة تقولُ وأَيْد تُشير! * وأمّا يزيد فقد كان سِكِّيراً خِمِّيراً يلبسُ الحريرَ ويضرب بالطنابير! ومن الافراد الذين تتمثل فيهم خصائص البيتين كأظهر ما يكون: الحسين ابن عليّ ويزيد بن معاوية. وإذا كانت خصائص الفرد تعبيراً صادقاً عن محيطه الذي نشأ فيه، ففي هذه الصورة العاجلة التي سنرسما لكلٍّ من الحسين ويزيد، إبرازٌ لخصائص المحيطين.

ولد الحسين من فاطمة بنت الرسول وعليّ بن أبي طالب، فأخذه جدّه وكبّر في أذنيه ليسكب في روحِه روحَه ويجعل منه معنى من معاني وجوده، ويعلّمه أنّ لحياته ـ منذُ وُلد ـ مبدأ ولسيرته قاعدةً كليهما من روح


[ 50 ]
الرِّسالة. ثم ليصل كيانَه بكيانه فيرتفع به فوق الضراوة والإساءَة، ويبلغ به آفاقاً واسعة من الخير الكثير والإنسانية المهذّبة والخلق الكريم. لقد اختلجت الحياة اختلاجةً نابعةً من الصفاء المطلق في قلب النبيّ ساعةَ أخذ حفيدَه فهمس في أذنه بهذه الاختلاجة همساً سيحياً في أعماقه وفي دمه صوتاً صريحاً يوجّه ضميره ويسوق خطاه إلى العمل الصالح، فلا تقوى عليه فتونْ الدنيا إذا رافقَها ظلمٌ أو أذىً، ولا تميل به عن الطريق التي هي طريقُ جدّه وأَبيه.

وفي اليوم السابع من مولده أخذه النبي يديه مستبشراً متهلِّلاً وقال: لقد أَسميتُه حسيناً.

وراح الطفل ينمو وفي سريرته روحُ جدّه، وخلجاتُ قلب أبيه، وبذورُ رسالة الخير. وراحت خصائص آبائه الأقربين، وآبائه الأوّلين الذين كان لهم اتّصالٌ مباشرٌ بقِيَم الإنسان المعنوية، وبالضمير المستوثق المطمئن، وبالشعور الداخلي الدافع إلى التلّخص من مهالك الأنانية والفردّية والجشَع، تتجمّع في كيانه وتتَحد وتنمو مع نموّه العضوي. وانتقالُ الخصائص الشعورية والصفات النفسية من الآباء إلى الأبناء قانونٌ طبيعي لا شكّ فيه، شأنه في ذلك شأن انتقال الخصائص المادّية. وهي إذا احتاجت إلى مبرّرات من المعايشة والمساكنة فقد تمّتْ لها هذه المبرّرات.

وعاش الحسين في رعاية جده النبي سبع سنين. ولمّا قُبض النبيّ جعل الصحابة من بعده يقتدون به في حبّ الحسين ولا سيّما وهو يشبه جدّه شبهاً عظيماً في الصفة والشكل على ما يروي مَن شاهدوا النبيّ وسِبْطَه.

وإنّ في الأسماء التي تواكب منشأ الحسين وتنطبع صورُ أصحابها في خياله،


[ 51 ]
فتتّحد صفاتُهم في صفاته اتّحاداً طبيعيّاً بحكم الوراثة ثم بحكم المعايشة والمساكنة، لتمثيلاً رائعاً لِما يراه العلماء المحدثون في فلسفة المنشأ ونموّ الأخلاق. ونأخذ مثلاً على ذلك تمثيل العلاّمة الايطالي «بستالوزي» للمنشأ والتربية. قال:

«تتمثّل لي التربيّة بشجرة مثمرة بجانب جدولِ مياه جار، وما أصلها إلاّ حبّة صغيرة أودع الخالق فيها شكلَ هذه الشجرة وخواصّها وأثمارَها. فلمّا غُرستْ وتعهّدها الزارع بما يساعد الطبيعةَ على عملها، ظهرتْ تلك الحبّة في شكل نبات، ثم نمتْ وترعرعتْ حتى كبرت وأَينعت وأَثمرت، وما هي إلاّ الحبّة الصغيرة مكبّرة نامية.

«وهذه هي الحال في الطفل الذي أودع في الخالقُ تلك القوى التي تنمو وتظهر بالتدريب، فتنمو أعضاؤه وملكاته تدريجاً حتى يصبح من مجموعها وحدة. فيجب على المربّي أنْ يساعد قوى الطفل البدنية والأدبية والعقلية على النموّ الطبيعي، دون استعمال الطرق الصناعية. يجب أن ينمي الإيمانّ، مثلاً، في الطفل لا بواسطة الكلام النظري، بل بما يُنَشّأ عليه الطفلُ بتصديقه الفعلي وروسخ الاعتقاد في نفسه(1)»

ثم وعى الحسين أباه العظيم وعايشَه في استقامته وعدله وحنانه ونصرته للمظلوم وعقابه للظالم ومُبادرِته الأعداءَ بالإحسان. كما عايشَه في مآسيه وشاهد فصولَ شجاعته النادرة المثال إذ كان إلى جانبه في يوم الجمل في موقعة صفّين ومعركة النهروان يتلقّى عنه دروساً في آداب القتال من أجل الخير وفي التضحية بالنفس لرفع الحَيْف عن كافّة الناس.

ومن أروع ما انتظم في نفس الحسين ـ فيما نرى ـ من آثار تلك الروافد من


1 ـ عن كتاب «حياة الحسين» عبدالله العلايلي.


[ 52 ]

الآباء الأقربين والأوّلين تجري وتمدّه بمعاني السموّ وتحيا في أعماقه وتؤلِّف كيانَه، تلك المسحةُ الكئيبة التي لم تفارقه أبداً، والتي كانت في قلبه نتيجةً محتومةً للصراع الذي سمع أخباره عن آبائه الأولين وهم يفادون الحقّ ويصمدون في وجه الباطل، ونتيجةً محتومةً كذلك للصراع الذي شهده طوالَ أيامه بين الصدق والنفاق في أعمال الناس، وبين الصراحة والمواربة، وبين العدالة والانحراف. وكان له من حياة أبيه عاملٌ قويّ على تفجير ينابيع الحزن العميق في نفسه. كما كن له مثل هذا العامل في حياة الأقربين إليه جميعاً.

وُلد الحسين من أمّه ولها من العمر عشرون ربيعاً. وكانت رقيقة القلب كثيرة الحنان. ومن هذه الرقّة وهذا الحنان تولّدتْ في نفسها أمواجٌ من الأسى البعيد القرار يثيره ويفجّره ما كان يصيب أباها وذويها من كيد قريش ومن تمثيلهم بالقتلى من أنصار صاحب الرسالة ومن ذويه. وشاعت الكآبة في نفسها بصورة خاصّة، وبلغ بها الحزنُ والأسى مبلغاً سحيقاً، يوم كانت غزوة أُحُد التي فتك بها القرشيّون بالمسلمين ومثّلوا بقتلاهم. وما كان أوقع منظر والدها النبيّ في نفسها وهو يبكي عمّه حمزة وولده بالتنبّي زيد بن حارثة بدموع ستحيا ذكراها في نفسها حتى الموت.

في غمرة هذا الأسى العميق يصيب فاطمة، كان الحسين ما يزال جنيناً. فإذا بها تورث وليدَها فيما بعد هذه التأثّرات العنيفة والحزنَ المرّ. وكانت آثار هذه الوراثة ظاهرةً في طفولة الحسين وفي شبابه: فقد كان محبّاً للعزلة دائمَ التفكير قليلَ المرح شديدَ الحساسية لأقلّ مظاهر الحزن تُلِمُّ بالآخرين.

ثم إنّه ما كاد يبلغ السابعة من عمره حتى رأى طوائف الناس يبكي جدّه وكان له مصدرَ حبٍّ وحنان عظيمَين. ويرى الوفود تؤمّ بيته والدموع في عيونها والكآبة تطغى على وجوهها وتعقد أَلسنتها.


[ 53 ]

ولبث إلى جانب أمّه وهي معتكفةٌ في بيتها لا تخرج منه أبداً، تستعيد ذكرياتها مع أبيها فتبكيها أشدَّ بكاء، وتبكيه. وما يذكر التاريخ أنّ أم الحسين ضحكتْ مرةً بعد وفاة والدها. وظلّتْ كذلك حتى لحقتْ به. ويُروى أن أنس بن مالك استأذن يوماً على فاطمة وطفق يتوسّل إليها أن ترحم نفسها من هذا الحزن وهذا البكاء، وأن تصبر. فلم تُجبْه إلاّ بهذا القول :

«كيف مكّنك قلبُك أن تسلم للأرض جثّةَ رسول الله؟»

وتفجّعتْ فاطمة. وانطلق أنس بن مالك في بكاء شديد، وانصرف عنها واللوعة تملأ قلبه لِما رأى من لوعتها وحزنها.

وكان الحسين يشهد ذلك كلّه! وكان يشهد أختَه الكئيبةَ الواجمة زينب في مهد الأسى هذا، فينقبض قلبه ويخلو إلى نفسه متحسّراً واجماً!

كان الحسين ينظر إلى أمّه وأخته وكأنه يستشفّ في الغيب البعيد صُوَرَ أحزان يخبّئها القدرُ لهما، وله، ولأبنائهم جميعاً. كان يستشعر أ نّه سيبكي وأُختَه زينب أُمّهما بعد قليل، وأ نّهما سيبكيان والدَهما بعد ذلك، ثم أخاهما الحسن، وأنّ آله جميعاً مُقبلون على سلسلة من المآسي الرهيبة!

وسمع الحسين أمّه، بعد أيام قلائل، توصي شقيقتَه زينب «أن تصحب أخويها الحسن والحسين وترعاهما وتكون لهما من بعدها أُمّاً!»

وتوفّيتْ أُمّه بعد وفاة والدها بثلاثة أشهر. ووقف الحسين يودّعها الوداع الأخير، وينظر إلى زينب وقد وجمتْ من الحزن، وإلى أبيه العظيم يتمهّل عند قبر الزهراء يبكيها مودّعاً كئيب القلب؟

وهكذا نشأ الحسين نشأته الأولى في جوٍّ من الكآبة لا ينتهي!

وكان شابّاً حين وقف على شِباك القوم تُلقَى هنا وهناك في طريق أبيه. وزاده


[ 54 ]

موقفُ عائشة وأنصارِها من الإمام حزناً من جهة، واندفاعاً للوقوف إلى جانب أهل الحقّ من جهة ثانية. كما فجّر في نفسه أمواجاً من العطف على كلّ مظلوم. ثم رأى من غدْر معاوية وعمرو بن العاص وأنصارهما بأبيه ما مسَحَ الدنيا بمسحة جديدة من الكآبة أمام عينيه، وما جعلَ الحياة هزيلة المعنى لديه إنْ لم يندفع في تقويم الاعوجاج بذات الجرأة النادرة التي اندفع بها أبوه.

وتمّتْ له أسباب الأسى يومَ امتدّتْ يدٌ آثمة بالسيف إلى جبين أبيه وهو في المسجد يطلب إلى الله أن يعينه في إصلاح ما فسدَ من السرائر، فما لبث بعدها إلاّ يومين وفارق الدنيا لتقوم من بعده دولةٌ لأهل الجور!

وقُتل أخوه الحسن مسموماً. ثم هاله أن يرى الأمويين وأنصارهم يرمون جنازة أخيه بالسهام. وعرف أنّ معاوية أمرَ بأن يُسبّ أبوه عليٌّ وأخوه الحسن على منابر دولة بني أمية. بل أ نّه سمع معاوية يسبُ أباه بأذنيه.

وراحت أسباب الحزن تتراكم في نفسه من جديد. هذه الأسباب التي ستبلغ منتهاها عدداً وقوّةً، غداً، في كربلاء، حيث ستنعقد الجريمةُ البشعة في قوّاد وجنود أدنياء يرتكبون الأهوالَ مع القلّة القليلة من أخوته وآله وأطفالهم وأنصارهم!

أمّا مأساته هو، فسيترك آثارها لشقيقته زينب وولده زين العابدين.

هذا ما كان من نشأة الحسين إرثاً وتربية; وما كان من أسباب الحزن في نفسه! هذا الحزن الذي لاحَقَه منذ رأى النور كما لاحق جدّه وأمّه وأباه فانطبعتْ به نفسه ولان به خلقُه وجنحتْ به أسبابُه إلى مشاركة الناس آلامهم ومعاندةَ مَن يُلحقون الأذى بالآخرين، حتى الفِداء.


[ 55 ]

وعلى هذه الأصول من الإرث والتربية كان الحسين بن عليّ يقول ويحيا مثلَ هذه الأقوال: «الحلم زينةٌ والوفاء مروءَةٌ والاستكبار صَلَفٌ والسّفَهُ ضعفٌ ومجالسة أهل الفسق ريبة». و «لا تتناول إلاّ ما رأيتَ نفسك له أهلاً». و «لا أرى الحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً!». و «الصدق عزٌّ والكذب عجز!»

*

أمّا يزيد بن معاوية فمن يكون؟

لقد ورث هذا الرجل خصائص البيت الأمويّ في النشأة والمسلك والنظر إلى الأمور وزاد عليها ممّا أفاض الشيطان في خلق الأشرار والتافهين. ولم يرثْ من أبيه حتى هذه الصفات التي ينعتونها بأنها حسنة وهي في الواقع إنّما كانت مجنّدة لخدمة الملك والسلطان. بل قُل أنّ يزيد جامعٌ لسيئات قومه دون ما قد يميّزهم من صفات طيّبا! فليس بين الأمويين مَن قتلتْه لذّتُه كما قتلتِ اللذةُ يزيد، ويروون أ نّه كان يسابق قرداً فسقط عن فرسه سقطةً كان فيها هلاكه. ومن سجعات الأوّلين المعبّرة عن رأي الناس في يزيد هذا القول الطريف: «كان سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير1»

وبقدر ما كان الحسين بن عليّ امتداداً للغرسة النبوية واستمراراً للخُلق العلوي، كان يزيد انحداراً للنفسية السفيانية.

وبقدر ما تراكم في نفس الحسين من أسباب الأسى الذي يُجبَل به نفوسُ الطيّبين في الشدائد التي تحصر الناسَ في طائفتين من ظالمين ومظلومن، تراكم في نفس يزيد من أسباب الوقاحة العابثة القائمة باسبابها ونتائجها إزاء كآبة الخيّرين!


[ 56 ]

نشأ يزيد في بيت إلى الإسلام نظرتَه إلى حركة سياسية من سأنها أن تنقل الرئاسة من أُسرة إلى أُسرة، ولا يعرف للمواطنين من قيمة إلاّ بمقدار ما يكونون جنوداً للحاكم في كلّ حال; ولا يعترف لهم بغاية من وجودهم أبعدَ من أنهم مصادر ثروة لبيت المال الذي تصير محتوياته إلى صاحب السلطان وحده. ولمّا كانت نشأة يزيد في مثل هذا البيت، كان لابدّ له من أنْ يسلك الطريق نفسَها التي سلَكها أهلُه وذووه في الجاهلية والإسلام. أضفْ إلى ذلك أ نّه ترعرع في بيت أبيه الذي تتدفّق عليه أموال المسلمين فتُهدَر على رغائب السلطان ورغائب ذويه. وإذا اجتمعت الثروة إلى الجهل إلى النشأة التي لا تشعر بالمسؤولية، كان البعث وكان المجون. وهكذا عُرف يزيد بالإدمان على شرب الخمر، وعلى اللعب بالكلاب على عادة أهل الغباء من المترفين. وقد تصَرّفَ حين آل إليه الملكُ المغَتصَبُ، على أساس من رغائبه وشهواته الخاصّة فكان يُنهب مواليه وجواريه وندماءَه ومُغنّيه الأموالَ العامّة. وكان يُلبس كلابَ الصيد الكثيرة التي يملكها أساور من الذهب وخلاخل من الفضّة ومنسوجات من ثمين الدِّمَقْس، فيما كانت سياط عمّاله تُلهب ظهور الفقراء لجمع أموال الخراجِ والجزية.

وكانت ولايته ثلاث سنوات وستة أشهر ملأها بالمخزيات التي ترتّبت على سياسة أموية لا تخدم إلاّ شهوات آثمة. فبالإضافة إلى ما ذكرنا من نهجه في الحياة، قتل الحسين بن عليّ وأهله وأنصاره وسبى نساءَهم في السنة الأولى من ولايته. وفي السنة الثانية منها نهب مدينة الرسول لا تردعه حشمةٌ ولا إجلال، وأباحها لجنوده، وقتَلَ من أهلها أحدَ عشر ألفاً فيهم سبعماية من المهاجرين والأنصار أصحاب النبيّ، وانتهك حرمة ألف عذراء أو ما يزيد.

وفيما كان من طبع الحسين أن يحارب الظلمَ والبغْيَ أُسوةً بجدّه وأبيه،


[ 57 ]

ويقول: «لا أرى الحياةَ مع الظالمين إلاّ برَماً»، كان يزيد يُعلي من قدر السفّاحين وأهل الجور والانتقام الرخيص، ويشدّهم إليه ويكافئهم على كل جريمة بشعة يقترفونها. ويوصي بإكرامهم. مثال ذلك أ نّه جلس ذات يوم إلى شرابه وعن يمينه والي الكوفة الحقير عبيدالله بن زياد أحد «أبطال» فاجعة كربلاء، وكان ذلك بعد مقتل الحسين بقليل، فنادى ساقيه يقول:

اسقني شربةً تروّي فؤادي، *** ثم صِلْ فاسْقِ مثلها ابنَ زيادِ

صاحبَ السرِّ والأمانةِ عندي، *** ولتسديد مغنمي وجهادي!

وما أشبه حاله وهو يُكرم مجرماً كعبيدالله بن زياد على هذا النحو، بحال خَلَفِه عبدالمك بن مروان وهو يوصي بنيه بإكرام المجرم الأكبر الحجّاج ابن يوسف!

والخلاصة أ نّه إذا كان «لله جنودٌ من العسل» المداف بالسمّ في عهد معاوية، فإنّ «جنود الله» في عهد يزيد هي السمّ دون أن يكون مدافاً بشيء من العسل! وفي عهد هذا الرجل تبلورت العصبيّةُ الأموية الجاهلية التي جعلتْ من الإسلام نفسه محرِّكاً لهذه العصبيّة. وإنّ حادثةً واحدة في التاريخ لا تدلّ على رجل كان أقلّ حظّاً في المعاني الإنسانية من يزيد بطل مأساة كربلاء! كما أنّ حادثةً واحدة في التاريخ لا تدلّ على رجل كان أعظم خلقاً من الحسين شهيد مأساة كربلاء! فهناك المعاني السود، وهنا جلائل الصفحات! هناك تجارات أميّة، ورئاساتها، وأرقّاؤها، وجلاّدوها وهنا مثاليّة الطالبيّين، وفروسيتهم وأحرارهم، وشهداؤهم!

*

وإذا كان للحوادثِ منطقٌ في تقرير حقيقة من الحقائق لا يرقى إليه منطقُ


[ 58 ]

الاستنتاج، وإذا كان في الوقائع كلُّ برهان قاطع وكلّ دليل، فإنّ جملةَ الحوادث التي عاشها الحسين بن عليّ تقطع بأنّه في مقياس الأخلاق سماءٌ أيّ سماء. وإنّ جملة الحوادث التي عاشها يزيد بن معاوية تقطع بأ نّه في مقياس الأخلاق أرضٌ تحت أرض. وحسبُك مأساة كربلاء دليلاً ذا أَلسنة تقولُ وأيد تُشير. وحسُك، قبل هذه المأساة، حادثةٌ طرَفاها الحسين ويزيد: الحسينُ الذي يجسّم كآبة الخيّرين التي تنمو في نفوس أصحابها على كراهية الظلم حيث يكون الظلم. ويزيد الذي يجسّم وقاحة العابثين التي تنمو في نفوس أصحابها على وهَن الخُلق وميوعة الشخصية والتنكّر لكلّ مسؤولية. وهي في الوقت ذاتها حادثةٌ تعيد إلى الأذهان قصّةَ الحِلْف الذي أشرنا إليه في الفصل السابق، والذي وقف آباء يزيد في الجاهلية موقفَ المُنكرين والأعداء ووقف منه آباء الحسين موقفَ الداعين إليه المؤيّدين له «ليكونوا فيه مع المظلوم حتى يؤدّوا إليه حقّه... ويمنعوا القويّ من ظلم الضعيف والقاطن من عنف الغريب».

أجل، إنّها حادثةٌ طرَفاها الحسين وآله جميعاً، ويزيد والأمويّون إلاّ أقلّهم، وإليك خلاصتها:

سمع يزيد بن معاوية بجمال زينب بنت اسحاق زوجة عبدالله بن سلام القرشي. وكانت من أجمل نساء وقتها وأحسنهنّ أدباً وأكثرهنّ مالاً. ففُتِن بها. فلمّا عيل صبرُه ذكر ذلك لبعض خاصّة أبيه واسمُه رفيق. فذكر ذلك لمعاوية وقال له: إنّ ابنك يزيد قد عيل صبرُه وضاق ذَرْعُه بها.

فبعث معاوية إلى يزيد فاستفسره عن أمره، فبثّ يزيد له شأنَه. فقال معاوية: مهلاً يا يزيد! فقال له: علامَ تأمرني بالمَهَل وقد انقطع منها الأمل؟


[ 59 ]

فقال له معاوية: أكتمْ أمرك يا بنيّ، فإنّ البوح به غير نافعك، والله بالغُ أمره فيك، ولابدّ ممّا هو كائن.

وأخذ معاوية في الاحتيال في تبليغ يزيدَ مُناه. فكتب إلى زوجها عبدالله بن سلام ـ وكان قد استعمله على العراق: أن أقبِلْ حين تنظر كتابي لأمر فيه حظّك إنْ شاء الله، فلا تتأخّر عنه!

فأسرع عبدالله بن سلام وقَدِم، فأنزله معاوية منزلاً كان قد هُيّءَ له.

وكان عند معاوية يومئذ بالشام أبو هُريرة وأبو الدرداء، فقال لهما معاوية:

لقد بلغتْ لي ابنةٌ أُريدُ زواجَها والنظرَ في اختيار مَن يصلح لها زوجاً، لعلّ من يكون بعدي يقتديب فيه بَهدي ويتْبع فيه أثري. فإنّه قد يلي هذا الملْكَ بعدي من يغلب عليه الشيطان فيحمله على حبْس البنات عن الزواج ظلماً، فلا يرون لابنتي كُفءاً ولا نظيراً. وقد رضيتُ لها عبدالله بن سلام القرشي، لدينه وشرفه، وفضله ومروءَته! فقالا له: إنّ أولى الناس برعاية نِعَم الله وشكرها، وطلبِ مرضاته في ما اختصّه، لأنت!

فقال لهما معاوية: فاذكرا له ذلك عنّي! وقد كنتُ جعلتُ لها في نفسي شُورى، غير أنّي أرجو ألاَ تخرج من رأيي إن شاء الله.

فخرج أبو هريرة وأبو الدرداء من عند معاوية، وأتَيا عبدالله بن سلام وذكرا له القصّة.

ثم دخل معاوية على ابنته وقال لها: إذا دخل عليك أبو الدرداء وأبو هريرة، فعرَضا عليك أمْرَ عبدالله بن سلام، وطلبا إليك أنْ تسارعي إلى الأخذ برأيي في الزواج من ابن سلام، فقولي لهما: إنّه كفءٌ كريم، وقريبٌ حميم،


[ 60 ]

غيرَ أ نّه متزوّج من زينب بن اسحق وأخاف أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء، فأتناول منه ما يسخط الله تعالى فيه، فيُعذّبني عليه، ولستُ بفاعلة حتى يفارقها.

فلمّا اجتمع أبو هريرة وأبو الدرداء بعبدالله بن سلام وأخبراه بقول معاوية، ردّهما إليه يخطبُان له منه. فأتَياه. فقال: لقد علمتما رضائي به وحرْصي عليه، وكنتُ قد اخبرتُكما بالذي جعلتُ لها في نفسي من الشُورى; فادخلا عليها واعرضا عليها الذي رأيتْ لها.

فدخلا على ابنة معاوية وأخبراها. فقالت لهما ما قاله أبوها لها. فرجعا إلى ابن سلام وأعلماه بما قالت.

فلمّا ظنّ عبدالله بن سلام أ نّه لا يمنع ابنةَ معاوية منه إلاّ فراقُ زوجته زينب، أشهد الرسولين بطلاقها وأعادهما إلى ابنة معاوية.

فأتَيا معاوية وأعلماه بما كان من فراق عبدالله لزوجته زينب رغبةً في الاتّصال بابنته. فأظهر معاويةُ كراهةَ فِعله وفراقَه لزينب، وقال: ما استحسنتُ له طلاقَ امرأته، ولا احببتُه. فانصرِفا في عافيأ، ثمّ عودا إليها وخُذا رضاها.

فقاما ثم عادا إليه. فأمرهما بالدخول على ابنته وسؤالها عن رضاها، وقال: لم يكن لي أن أُكرهها وقد جعلتُ لها الشُورى في شؤونها الخاصّة. فدخلا عليها فأعلماها بطلاق عبدالله بن سلام امرأتَه. وذكَرا مِن فضْله وحُسن نسَبه. فقالت لهما: إنّه في قريش لرفيع القدر، وقد تعلمان أنّ الأناة في الأمور أرفق لِما يُخاف من المحذور. وإنّي سائلةٌ عنه حتى أعرف دِخْلةَ أمره،


[ 61 ]

وأخبركما بعد ذلك بالذي يزيّنه الله لي، ولا قوّة إلاّ بالله. فقالا: وفّقك الله. وانصرفا عنها حتى إذا جاءَا عبدالله بن سلام وأخبراه بقولها، أنشد قول الشاعر:

فإنْ يكُ صدرُ هذا اليوم ولّى *** فإنّ غداً لِناظرة وقريبُ

وتَحدّث الناس بما كان من طلاق عبدالله زوجتَه زينب، وخطبَته ابنةَ معاوية، ولاموه على مبادرته بالطلاق قبل إحكام أمره وإبرامه لِما يعرفونه من فساد يزيد واحتيال معاوية.

ثم استحثّ عبدالله أبا هريرة وأبا الدرداء فأتَيا ابنةَ معاوية وقالا لها: اصنعي ما انت صانعة واستخيري الله فإنّه يهدي مَن استهداه. فقالت: أرجو أن يكون الله قد خارلي، وقد استقصيتُ أمورَ عبدالله بن سلام حتى عرفتُها كلّ المعرفة، وسألتُ عنه، فوجدتُه غير ملائم ولا موافق لِما أُريد لنفسي. وقد اختلفَ مَن استشرتُه فيه، فمنهم الناهي عنه ومنهم الآمر به، واختلافهم أوّلُ ما كرهتُ.

فملّا بلّغ الرسولان كلامَها عبدَالله بن سلام علم أ نّه مخدوع!

وذاع أمره وفشا في الناس. وقالوا: خدَعه معاوية حتى طلّق امرأته! وإنّما أرادها معاوية لابنه يزيد. وقبّحوا فعْلَه.

وتمّ الفصل الأوّل من مكيدة معاوية استجابةً لرغبة يزيد في الفساد. غير أنّ المقادير أتتْ بخلاف تدبيره. وكان ذلك على يد الحسين بن عليّ الناشيء على سيرة أبيه العظيم في نصرة المظلوم. وإليك ما كان:

لمّا انقضتْ عدّة زينب مطلّقةُ عبدالله بن سلام، وجّه معاويةُ أبا الدرداء إلى العراق خاطباً لها ابنه يزيد. فخرج أبو الدرداء حتى قدم الكوفة وبها


[ 62 ]

يومئذ الحسين بن عليّ. فبدأ أبو الدرداء بزيارة الحسين احتراماً منه لمكانته. فسلم عليه الحسين وسأله عن سبب مقدمه إلى الكوفة. فقال أبو الدرداء:

وجّهني معاوية خاطباً على ابنه يزيد زينبَ بنت اسحاق.

وأخبرَه بفصول الحادثة واحداً واحداً. فقال له الحسين:

لقد كنتُ أردتُ الزواجَ من زينب بنت اسحاق، وقصدتُ الإرسالَ إليها إذا انقضتْ عدُّتها، فلم يمنعني من ذلك إلاّ انتقاء مِثْلِك. فقد أتى الله بك. فاخطب زينب عليّ وعلى يزيد لتختار هي نفسها مَن اختاره الله لها. وهي أمانةٌ في عنقك حتى تؤدّيها إليها. وأُعطيها من المهر مثلَ ما بذل معاويةُ عن ابنه. فقال أبو الدرداء: أفعلُ إن شاء الله.

فلما دخل أبو الدرداء على زينب، قال:

أيتها المرأة! إنّ الله قد خلق الأمور بقدرته وكوّنها بعزّته، فجعل لكلّ أمر قدَراً ولكل قدر سبباً. وليس لأحد من أمر الله مهرب. فكان ممّا قُدِّر عليك فراق عبدالله بن سلام إيّاك. ولعلّ ذلك لا يضرّك. وقد خطبَك يزيدُ بن معاوية والحسين بن عليّ، وقد جئتك خاطباً عليهما فاختاري أيّهما شئتِ!

فسكتتُ زينب طويلاً ثم قالت:

لو أنّ هذا الأمر جاءَني وأنت غائب لأشخصتُ فيه الرُّسل إليك، واتبعتُ فيه رأيَك. فأمّا إذ كنتَ أنت المرسل، فقد فوّضتُ أمري بعد الله إليك وجعلتُه في يديك فاختر لي أرضاهما لديك. فقال : أيتها المرأة، إنّما عَليّ إعلامك، وعليك الاختيار لنفسك. قالت: عفا الله عنك! إنّما أنا ابنة أخيك ولا غِنى لي عنك.

[ 63 ]

فلمّا لم يجد بدّاً من القول والإشارة، قال إنّ الحسين أحبّ إليّ وأرضى عندي!

قالت: قد اخترتُه ورضيته.

وهكذا زوّجتْ نفسها من الحسين. وساق لها الحسين مهْرَها. وبلغ ذلك معاوية فعظُم لديه الأمر ولام أبا الدرداء لوماً شديداً، وقال: مَن يُرسل ذا بَلَه يركب خلاف ما يهوى!

ثمّ عزل معاوية عبدالله بن سلام عن العراق، وقطع عنه جميع روافده، لِما بَلغَه من أ نّه يسيء فيه القولَ ويتّهمه بالخداع والاحتيال. وضاقت الحال بابن سلام في الشام وقلُ ما في يده. فرجع إلى العراق وكان قد استودع زينبَ قبل الطلاق مالاً كثيراً. وظنّ أ نّها ستجْحده لسوء فعْله بها وطلاقها من غير شيء كان منها.

ولمّا قدم العراق لقي الحسين فسلّم عليه ثم قال:

قد علمتَ ما كان من خبري وخبر زينب، وإني كنتُ قد استودعتُها مالاً ولم أقبضه. ثم أثنى عليها وقال له: أُذكر لها أمري واطلبْ إليها أن تردّ عليّ مالي.

فلمّا انصرف الحسين إليها، قال لها: قد قَدِم عبدالله بن سلام، وهو يُحسن الثناء عليك ويمتدح حسن صحبتك وسموّ نفسك وما آنسه قديماً من أمانتك. فسرّني ذلك منه وأعجبني. وذكرَ أ نّه كان قد استودعك مالاً، فأدّى إليه أمانته وردّي عليه مالَه، فإنّه لم يقلْ إلاّ صدقاً ولم يطلب إلاّ حقاً.

فقالت: صدق، استودعني مالاً لا أدري ما هو. فادفعه إليه بطابعه! فأثنى عليها الحسين خيراً، وقال بأدبه الجمّ: ألاَ ادخِله إليكِ حتى تتبرّئي


[ 64 ]

إليه من ماله كما دفَعه إليك؟ ثم لقي عبدالله بن سلام، فقال ما أنكرتْ مالك، وأ نّها زعمت أ نّه ما يزال بطابعك، فادخل إليها وتسلّم مالك منها.

فخجل عبدالله بن سلام من نفسه وقال للحسين: أوَما تأمر مَن يدفعه إليّ؟ قال: لا! بل تقبضه منها كما دفعتَه إليها.

ودخل عليها الحسين وقال: هذا عبدالله قد جاء يطلب وديعته. فأخرجتْ إليه أكياس المال فوضعتْها بين يديه وقالت هذا مالك! فشكرَ وأَثنى!

وخرج الحسين عنهما وخلاّهما وحدهما. وفضّ عبدالله بن سلام أحدَ الأكياس وأفرغ لزينب ممّا فيه وقال: خذي، فهو قليلٌ منّي! فاستعبَرا جميعاً حتى عَلَتْ أصواتُهما بالبكاء أسفاً على ما ابتُليا به. فدخل الحسين عليهما في الحال، وقال برقّة وعطف:

أُشهد الله أنّني طلّقتُها! وأُشهد الله أنّي لم أتزوّجها رغبةً في مالها ولا جمالها، ولكني أردتُ إحلالها لزوجها.

وعرف عبدالله بن سلام منهما أنّ الحسين لم يتزوج زينب إلاّ زواجاً صُوريّاً يقصد منه إبعادَها عن يزيد بن خدعة أبيه، ثم جعلَها حلالاً لزوجها ابن سلام لأنّ الأحكام تقضي بألاّ تعود إليه بعد طلاقها إلاّ إذا زوجّتْ بسواه ثمن طلّقتْ من جديد.

وهكذا بقيت زينب لزوجها الذي خُدع، عفيفةً كما تركها لم يمسسها أثناءَ غيابه بشر.

وسأل عبدالله بن سلام زينبَ أن تصرف إلى الحسين ما كان قد ساقه إليها


[ 65 ]

من مَهر، فأجابته إلى ذلك، فلم يقبل الحسين وقال: الذي أرجوه الثواب خيرٌ لي!

*

قال عليّ بن أبي طالب الهاشمي: فواللهِ ما كنزتُ من دنياكم تبراً، ولا ادّخرتُ من غنائمها وفْراً، ولا أعددتُ لبالي ثوبي طِمراً. ولو شئتُ لاهتديتُ الطريقَ إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ، ولكنْ هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القُرص، ولا عهد له بالشبع! أوَ أَبيت مبطاناً وحولي بطونٌ غرثى وأكبادٌ حرّى! أأقنع بأن يقال أميرالمؤمنين ولا اشاركهم مكارهَ الدهر؟»

وقال عليّ في رسالة منه إلى عامله على الأهواز: «وإنّي أُقسم بالله صادقاً، لئن بلغني أنك خُنت من فيء المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً، لأشدّن عليك شدّةً تدعك قليل الوفْر، ثقيلَ الظهر، ضئيلَ الأمر!»

أما معاوية بن أبي سفيان الأمويّ، فيقول: «الأرض لله وأنا خليفة الله! فما آخذُ من مال الله فهول ي، وما تركتُه منه كان جائزاً لي!!»

وأمّا معاوية وابنه يزيد ومروان بن الحكم الأمويّون، فيُنهبون أنصارَهم أموالَ الشعب تدعيماً لنفوذ وتشييداً لمُلك، ويقطعون الرقاب. ولهم جنودٌ من العسل المداف بالسمُ، أو من السمّ دون العسل!!

وللفريقين أنصار!

* * *


[ 66 ]


[ 67 ]

أنصَار الفَريقين

* واللهِ لو قاتَلونا بسلاحهم وأوصلونا إلى سعَفات هجَر لَعلمْنا أنّنا على حقّ وأ نّهم على باطل! عمّار بن ياسر

* نموت معك!   أنصار الحسين بن عليّ

* كم تهب لنا؟   أنصار يزيد بن معاوية

كان أبرز ما يميّز أنصارَ الطالبيين، وأظهر ما يجمع صفاتهم في واحدة: تلك الأرْيحيّة التي تسمو بالطبائع وتجعل الحياة معنىً من معاني الجهاد في نصرة مظلوم وتغليبِ عقيدة وقدْيةِ حقّ. ولا يعيب هؤلاء أ نّهم قليل، فأصحاب الأريحيّة قليل، ونتاج الأريحيين عظيمٌ جليل! وكثيراً ما تكون القلّة في العدد أدلّ على جلال الهدف وسموّ الغاية. وقد تُطيق النفس الواحدة من جلائل الأمور ما لا تطيقه النفوس في الألوف من الأفراد! ذلك ما تشير إليه حقيقةُ أعوان الطالبيين الثابتين في ما اقتنعوا به وعقدوا عليه النيّة.

فهؤلاء محبّو عليّ بن أبي طالب يُغريهم معاوية بما يغري به أعوانَه من مال ونفوذ ليجاروه في سبّ عليّ وبينه، فيأبون وإنْ عظُم الإغراء. ثمّ ها هو


[ 68 ]
يتوعّدهم بأشدّ العقاب إن لم يفعلوا لعَلّ في العقاب ما هو أشدّ من الإغراء حْملاً على السباب، فيأبون كذلك وإن عظم العذاب!

جلس معاوية بن أبي سفيان يوماً وعنده وجوه الناس، وفيهم الأحنف بن قيس سيد تميم. فدخل رجلٌ من أهل الشام، فقام خطيباً، فكان آخر كلامه أن لَعَنَ عليّاً على عادة أهل الشام في ذلك الزمان وقد أرادها معاوية ومَن حوله، فأطرق الناس جميعاً. وتكلّم الأحنف قال: يا معاوية، إنّ هذا القائل لو علم أنّ رضاك في لَعْن المرسلين لَلَعنهم، فاتّقِ الله، ودعْ عليّاً فقد لقي اللهَ وكان واللهِ ـ ما علمنا ـ الطاهرَ في خُلقه، الميمون النقيبة، العظيم المصيبة.

قال معاوية: يا أحنف، لقد أغضيتَ العين على القذى، وقلتَ بغير ماترى، وايم الله لتَصْعَدن على المنبر فلتَلعنّنه طائعاً أو كارهاً!

فقال الأحنف: إن تعفني فهو خيرٌ، وإن تجبرني على ذلك فواللهِ لا تجري به شفتاي!

فقال معاوية: قمّ فاصعد! قال: امَا واللهِ لأنصفنّك في القول والفعل!

قال معاوية: وما أنتَ قائلٌ إن أنصفتَني؟ قال: أصعد فأحمد الله وأثني عليه، وأصلّي على نبيّه ثم أقول: أيّها الناس، إنّ معاوية قد أمرني أنْ ألعن عليّاً، ألاَ وإن عليّاً ومعاوية اختلفا واقتتلا وادّعى كلّ واحد منهما أ نّه مبغيّ عليه وعلى فئته، فإذا دعوتُ فأمّنوا رحكم الله. ثم أقول:

اللهمّ العنْ أنت وملائكتك وأنبياؤك ورسلك وجميعُ خلقك، الباغيَ منهما على صاحبه، والفئةَ الباغية على المبغيّ ع ليها. آمين يا ربّ العالمين!

فقال معاوية: إذن نعفيك يا أبا بحر؟


[ 69 ]
وقد يلحّ معاوية على أنصار عليّ في التنكرَ له فلا يطيقون على إلحاحه صبراً فيشتمونه هو وبنيه، وعليٌّ في الرمس ومعاوية مِلكٌ شديد البأس طويل اليد.

*
ويذكر التاريخ، باشمئزاز كثير، أنّ معاوية هذا قتل حُجراً بن عديّ الكندي، وأصحابه لأ نّهم كانوا ينكرون سبّ عليّ وأبنائه على المنابر، على ما سيجيء الكلام عليه.

ويشتدّ أنصار عليّ في رعاية عواطف النبل الإنساني التي بذرَها في نفوسهم وتعهّدها وأنماها، لا فرقَ فيهم بين رجل وامرأة أو كبير وصغير. فحين حجّ معاوية في سنة من سنيه سأل عن امرأة من بني كِنانة يقال لها: دارميّة فأخبر بسلامتها، فبعث إليها فجيء بها، فقال: أتدرينِ لِمَ بعثتُ إليك؟ بعثتُ إليك لأسألك: علامَ أحببتِ عليّاً وأبغضتني، وواليتِه وعاديتني؟ قالت: أو تعفيني يا أميرالمؤمنين! قال: لا أعفيك. قالت: أمّا إذْ أبيتَ، فإني أحببتُ عليّاً على عدله في الرعية، وقسْمه بالسويّة. وأبغضتُك على على سفكك الدماء وشقّكَ العصا وجورك في القضاء وحكمك بالهوى.

قال: فلذلك انتفخ بطنك ـ وكانت دارمية كثيرة اللحم ـ فقالت: يا هذا، بهند والله كان يُضرب المثل في ذلك لا بي ـ وهند أمّ معاوية!

فقال لها: يا هذه، هل رأيتِ عليّاً؟ قالت: أي والله لقد رأيتُه. قال: فكيف رأيتهِ؟ قالت: رأيتُه واللهِ لم يفتنه المُلك الذي فتَنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتْك. قال: هل سمعتِ كلامه؟ قالت: نعم والله، كان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت من الصدأ.


[ 70 ]
قال: صدقتِ، فهل لك من حاجة؟ قالت: أو تفعل إذا سألتك؟ قال: نعم. قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلُها وراعيها. قال: فإنْ أعطيتُك ذلك فهل أحُلّ محلّ عليّ؟ قالت: فتىً، ولا كمالِك، سبحان الله! تريد تفضيل عليّ عليه. فأعطاها معاوية ما أرادت، ثم قال لها: أمَا والله لو كان عليّ حيّاً ما أعطاكِ منها شيئاً. قالت: لا والله ولا وَبرَةً واحدة من مال المسلمين!


[ 71 ]
ودخل عديّ بن حاتم الطائي على معاوية بن أبي سفيان وهو خليفة في دمشق، فقال له معاوية: ما فعلت الطرفات ـ يعني أولاده؟ فقال عديّ: قُتلوا مع عليّ بن أبي طالب. قال معاوية: ما أنصفك عليّ، قتَل أولادك أبقى أولاده! قال عديّ: ما أنصفك عليّ إذ قُتل هو وبقيتَ أنت! فقال معاوية: أمَا أ نّه قد بقيتْ قطرةٌ من دم عثمان لا يمحوها إلاّ دمٌ شريف من أشراف اليمن ـ يعرّض بعديّ بن حاتم. فقال عديّ: واللهِ إنّ قلوبنا التي أبغضناك بها لَفي صدورنا، وإنّ أسيافنا التي قاتلناك بها لعَلى عواتقنا. ولئنْ أدنيتَ لنا من الغدر فتراً لندنو إليك الشرّ شبراً. وإنّ حزّ الحلقوم وحشرجة الحيزوم لأهوَن علينا أنْ نسمع منك المساءَة في عليّ بن أبي طالب، فسلّم السيف يا معاوية لباعث السيف! قال معاوية: هذه حكمةٌ فاكتبوها. وسكت!

وخرج معاوية للحجّ، فلمّا كان في المدينة دعا إليه سعد بن أبي وقّاص لمصاحبته، فلبّى دعْوتَه. وإذ انتهيا من أعمال الحجّ دخلا دار الندوة وراحا في حدث طويل، وشاء معاوية أن يعرف إلى أيّ مدىً يسايره هذا الصحابيّ في موقفه من عليّ، وكان قد غَرّه فيه أن لبّى دعوته وخرج معه إلى الحجّ، فشرع في سبّ الإمام، وقال لسعد «متلطفّاً»: ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب ـ يعني عليّ بن أبي طالب؟ فتجهّمت أسارير سعد وقال في حدّة وغضب:

أجلستني في سريرك ثمّ سرعت في سنّ عليّ! والله لأن يكون لي خصلةٌ واحدة من خصال كانت لعليّ أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس. لا أدخل عليك داراً بعد اليوم!

قال ذلك ونفض رداءَه غضباً واستنكاراً وخرج!

ومن أنصار الطالبيين عمرو بن الحَمِق الذي قتلَه زياد بن أبيه بموالاته لعليّ وبعث برأسه إلى معاوية فكان أوّلَ رأس أُهدي في الإسلام. وكذلك


[ 72 ]

امرأةُ عمرو هذا وقد أسمعت معاوية كلاماً قاسياً في سياسته وأسلوبه بأخذ الناس.

ومنهم البطل الشهيد ميثم التمّار ميثم هذا قد عايشَ ابنَ أبي طالب وأدرك مكانته بين صنوف الرجال. وممّا روي أنّ عليّاً كان يقضي بعض أوقاته في دكان ميثم فإذا غاب ميثم لحاجة لم يجد عليّ ما يمنعه من أن يبيع له التمر حتى يعود. ولمّا قُتل عليّ وابنه الحسين وخلا الجو في الكوفة للمجرم عُبَيد الله بن زياد، هدّده بالموت إنْ هو ظلّ على ولائه لابن أبي طالب وقال فيه خيراً وفي عدالته، وأغراه بالخيرات على أيدي أسياده الأمويّين إن هو مشى في ركابهم. وكان أن تكلّم ميثم مرّةً وابن زياد لا يعرفه فأعجب بمنطقه وسداد رأيه وناصع حجّته، فقال له متملّقٌ يدعى عمرو بن حريث: أتعرف هذا المتكلّم أيها الأمير؟ فقال زياد: ومَن هو؟ قال: هذا ميثم الّتمار الكذّاب مولى الكذّاب عليّ بن أبي طالب! فاستوى ابن زياد جالساً وقال لميثم: ما يقول؟ فقال ميثم: كذبٌ، بل أنا الصادق مولى الصادق عليّ بن أبي طالب أميرالمؤمنين حقّاً! فغضب ابنُ زياد وقال له: لَتَبرأنّ من عليٍّ ولتذكرنّ من مساوئه وتتولّى عثمان وتذكر محاسنه أو لأقطعنّ يديك ورجليك ولأصلبنّك! فما كان من ميثم التمّار إلاّ أن امتدح عليّ بن أبي طالب وبكى لذكراه ولِمَا كان من عدله وسماحه وحبّه الصادق العظيم للناس. ثم هاجم ابنَ زياد والأمويين بقول عنيف يشتدّ بالنقمة على الجور وأهله. فأمتلأ ابنُ زياد غيظاً ثم قال له: واللهِ لأقطعنّ يدك ورجليك ولأدَعن لسانك حتى أُكذّبك وأكذّب مولاك! وأمر به في الحال فقُطعتْ يداه ورجلاه ثم أُخرج فأمرَ به أن يصلَب بعد ذلك. فما كان من ميثم إلاّ نادى بأعلى صوته يقول: أيّها الناس، من أراد أن يسمع حديثاً عن عليّ


[ 73 ]

بن أبي طالب فليأتِ إليّ. فاجتمع الناس إليه فراح يحدثّهم عن عليّ. وفيما هو كذلك خرج المتملّق الحقير عمرو بن حريث وهو يريد منزله، فقال: ما هذه الجماعة؟ قالوا: ميثم التمّار يحدّث عن عليّ بن أبي طالب. فانصرف ابنُ حريف مسرعاً حتى بلغ مكانَ ابن زياد فقال له: أصلح الله الأمير، بادر فابعث إلى هذا مَن يقطع لسانَه فإنّي أخشى أن يغيّر قلوبَ أهل الكوفة فيخرجوا عليك! فالتفتَ عبيد الله بن زياد إلى حرّاس فوق رأسه قائلاً لهم: اذهبوا فاقطعوا لسانه! فأتاه الحرّاس فقالوا له: يا ميثم، أخرج لسانك فقد أمَرَنا الأمير بقطعه! فقال ميثم: ألاَ زعمَ ابنُ الفاجرة أ نّه يكذّبني ويكذّب عليّ بن أبي طالب، هاكم لساني فاقطعوه!

ومات ميثم بعد ذلك بقليل، فأمرت الخسّة في نفس ابن زياد بصلبه بعد أن كان قد مات وقُطعت يداه ورجلاه ولسانه!

ومن سلسلة الذين استشهدوا للحقّ وأنكروا الدنيا مع الباطل، رشيد الهجري أحد أصحاب ابن أبي طالب. وقصّته لا تختلف كثيراً عن قصّة ميثم التمّار. فقد دعاه عبيدالله بن زياد إلى البراءة من عليّ، فأبى أن يتبّرأ منه، فقال له: فبأيّ ميتة تريد أن تمموت؟ ثم أمرَ به فقُطعت يداه ورجلاه!

ويكفيك من أنصار عليّ ومن معنى انتصارهم له أ نّهم والوه راضين مختارين وهم لا يطلبون على ذلك أجراً إلاّ أن يكونوا مع الحقّ وأن يموتوا عليه، شأنُهم في هذا الموقف من عليٍّ شأنُ المسلمين الأوَل من المهاجرين والأنصار من محمّد بن عبدالله، وقد عبّرَ واحدٌ من كبار أنصار عليٍّ، وأعني به عمّار بن ياسر، عن حقيقتهم جميعاً إذ قال قبل لقاء الأمويين وأنصارهم بصفّين وهم جيشٌ كثيف: «والله لو قاتلونا بسلاحهم وأوصلونا إلى سعفات هجَر لَعلمنا أنّنا على حق وأ نّهم على باطل!»


[ 74 ]

ولا يختلف أنصار الحسين عن أنصار أبيه في معنى الانتصار له وفي غايته.

فهذا الحسين يقيم ليلتَه الأخيرة في كربلاء وهو لا ينتظر إلاّ الموت بعد ساعات، فيقول لأصحابه القليلي العدد أن يفارقوه، فلماذا يموتون! ويرغب إليهم في أن يُخلّوه تحت جنح ا لليل ويتّخذوا من الظلمة ستاراً دون كلّ عين فلعلّهم يخجلون أن يبتعدوا عنه في ضوء النهار أو لعلّهم يخشون مَن يخشون، وفي ذلك ما فيه من سموّ نفس الحسين. فيأبون جميعاً إلاّ أن يموتوا دونه وكأنهم ينزعون عن قلب واحد ولسان واحد. ويجيبه مسلم بن عوسجة الأسدي بقوله: «أنحن نتخلّى عنك ولم نُعذَر إلى الله في إداء حقّك؟ أمَا والله لا افارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما بقيَ قائمهُ بيدي. ولو لم يكن معي سلاحي لقذفتُهم بالحجارة دونك حتى أموت معك!.

وبرّ بقسمه ومات مع الحسين راضياً مختاراً!.

وهذا حبيب بن مظاهر يدنو من مسلم بن عوسجة وهو ـ أي مسلم ـ يجود بنفسه فيقول له: «لولا أنّي أعلم أنّي في أثرك لاحقٌ بك لاحببتُ أن توصيني حتى أحفظك بما أنت له أهل!» فيجيبه مسلم بهذه الكلمات التي كانت آخر ما قاله: «اوصيك بهذا، رحمك الله، أن تموت دونه!» وأشار بيده إلى الحسين!

وهذا الحرّ بن يزيد الرياحي يتيقّظ ضميرُه ويرغب عن أمجاد الدنيا ساعةَ يستعرض مساوىء يزيد بن معاوية وأنصاره، ونبلَ الحسين وإيمانَ أنصاره وإيثارَهم وفداءَهم. وقصّة ذلك أنّ الحرّ بن يزيد كان من قوّاد بني أميّة الذين وُعدوا بالخيرات إذا هم اشتركوا في قتال الحسين وقضوا عليه وعلى أنصاره.

ووكل إليه، بالذات، عبيد الله بن زياد والي الكوفة أن يقوم بهذه الجريمة


[ 75 ]

البشعة. فما كان منه إلاّ أن أخذ يقترب من معسكر الحسن اقتراباً راب أصحابَه. ثمّ ضرب فرسه وحثّ السيرَ حتى دنا من الحسين يقول له: «... وإني قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي، مؤاسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك!»

ومات بين يديه!

وهؤلاء هم أنصار الحسين جميعاً، بِضع عشرات من الرجال، يقفون في وجه أربعة آلاف، ويلحّ عليهم العطش والضيق، وينتظرون الموت واحداً واحداً وكلّهم اطمئنان إلى نبل الموت وجلال الشهادة!

وقُتل الحسين بن عليّ! واستتبّ الأمر ليزيد بن معاوية وأعوانه!

وذهب الأمل في دولة الطالبيين وفي خيرات الأرض تأتي الناسَ على أيديهم! ولكنّ يقظة الروح الشريف لدى أنصارهم لم تخمد، بل ازدادت وتعاظمت. من ذلك أنّ الحسين بن عليّ يوم نُعي في الكوفة، نهض واليها عبيدالله بن زياد ونادى إلى الصلاة الجامعة. ولمّا صعد إلى المنبر، خطب فقال: «الحمد لله الذي أظهر الحقَّ وأهله، ونصَر أميرالمؤمنين يزيد بن معاوية وحزبَه، وقتَل الكذّابَ بن الكذّاب الحسينَ بن عليّ وشيعتَه!»

فما أتمّ هذا الكلامَ حتى نهض من جانب المسجد شيخٌ عجوز هو عبدالله بن عفيف الأزدي صاحب عليّ بن أبي طالب في موقعتَي الجمل وصفّين، وصاح بالوالي وهو في يوم زهوه وكبريائه وانتصاره على الطالبيين: «يا ابن مرجانة! أتقتل أبناءَ النبيّين وتقوم على المنبر مقامَ الصدّيقين؟ إنّما الكذّاب أنت وأبوك والذي ولاّك وأبوه!»

فما كان الصباح إلاّ والشيخ العجوز مصلوب في ساحة الكوفة!

وهذا الفرزدق الشاعر يصعق بني أميّة بقصيدته الشهيرة في زين العابدين بن


[ 76 ]

الحسين، وبنو أميّة في ذروة سلطانهم، ولا يخشى عقاب الموت! وهو لم يمدح زين العابدين والطالبيين بقصيدته إلاّ مدفوعاً بعاطفة الإعجاب بهم والتشيّع لهم دون أجر من الدنيا أو ثواب.

وقصّة ذلك أنّ هشام بن عبدالله الأمويّ حجّ على عهد أبيه، وطاف بالبيت وجهِدَ أن يستلم الحجَر الأسود فلم يتمكن لكثرة الزحام ووفرة الناس، ولأن الناس لم يُسلكوه إليه طريقاً وكلّهم كارهٌ لبني أميّة. وفيما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين. فطاف بالبيت حتى إذا انتهى إلى الحجر الأسود انشقّت له الصفوف وطأطأ القوم رؤوسهم إجلالاً ومكّنوه من استلام الحجر! فقال رجلٌ من أهل الشام لسيّده هشام بن عبدالملك وليّ عهد أبيه: «مَن هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟» وكان هشام يعرف «من هذا» ولكنه لم يجرء على ذكر اسمه أمام أصحابه خوفاً من أن يرغّبهم فيه، فتَجاهل وقال: «لا أعرفه!» ووقعتْ هذه الكلمة في أذن الفرزدق الشاعر فقال من فوره: «أنا أعرفه!» ثم وقف على مكان مرتفع والحماسة تتلظى في نفسه وقذف كلمَته الخالدة في تاريخ الشعر العربي ومطلعها:

هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأتَه *** والبيتُ يعرفه، والحِلُّ، والحرَمُ

فغضب هشام بن عبدالمك فحبس الشاعر بين مكة والمدينة، فهجاه الشاعر وعرّض ببني أميّة دون أن يخشى على ذلك عقاباً. وممّا قاله في هشام:

يقلّبُ رأساً لم يكن رأسَ سيّد *** وعينٌ له حولاءُ باد عيوبُها

هذا قليلٌ جدّاً من أخبار أنصار الطالبيّين في العهود الأولى للإسلام. ولكنّه قليلٌ يعطيك صورة جليّة عن حقيقة هؤلاء الأنصار الذين صظهر نفوسهم الفداءُ والاستشهاد فكانوا مَن كانوا في مقياس الكرم الإنساني!

*


[ 77 ]

أمّا أولئك، أعوان الأمويّين، ففريقان: فريق اجتذبتْه الرشوة وما أرخصها ثمناً للضمائر التي تباع ! وفريقٌ تمرّس بالخسّة وكرهِ الخيّرين من الناس انتقاماً لنقائصَ في الطبيعةء والمزاج، وتلبيةً لنداء الجريمة المتأصّلة في بعض النفوس!

من الفريق الذي اجتذبته الرشوة كان أنصار أبي سفيان بن حرب، على تباين في مفهوم الرشوة لدى الأفرادَ المختلفين، وعلى تبايّن في نوع الوعود المقطوعة للمرتشين. فمنهم من كان أبو سفيان وصحبه يرشونه بالعطاء. ومنهم من رشوه بإعتاقه من العبودية كوحشيّ الحبشي قاتل حمزة بن عبدالمطلب وقد مرّ ذكره. ومنهم من وُعد بخيرات الجاهلية إذا هو أعانهم في محاربة محمّد فقتلوه وقتلوا أصحابه وثبَت فيهم السلطان!

ومن هذا الفريق أيضاً عمرو بن العاص يد معاوية اليمنى في قتال عليّ بن أبي طالب، وسوف يأتي عليه الكلام في فصل آت.

ومن هذا الفريق جند أهل الشام الذين سيّرهم معاوية لمحاربة عليّ في صفين. وكان هَمّ هؤلاء أن ينصروا من يُجري عليهم الأرزاق من مال الشعب الذي يجمعه وُلاة بني أميّة اغتصاباً وجوراً، ومَن يمنّيهم بالوعود إذا هم انتصروا على عليّ وجيشه.

ومن هذا الفريق أيضاً جند يزيد بن معاوية الذين رشاهم يزيد وعملاؤه إمّا بالعطاء وإمّا بالتأمين على حياتهم. فإنّ الكثيرين منهم كانوا مسوقين سوقاً إلى مقاتلة الطالبين خوفاً من العقاب إذا هم أحجموا وليس لكلّ الناس قوةٌ على التضحية والفداء والأخبار عن هذه الحقيقة تملأ كتب التاريخ. من ذلك أنّ الحسين بن عليّ سأل الفرزدق الشاعر فيما كان في طريقه من مكة إلى الكوفة،


[ 78 ]

قال: كيف أحوال الناس في الكوفة؟ فقال الفرزدق: قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أميّة!

وسأل الحسين مثل هذا السؤال مجمعاً بن عبيد العامري، فقال مجمع: أمّا أشراف الناس فقد أُعظمتْ رشوتُهم ومُلئت غرائرهم، فهم ألب واحد عليك. وأما سائر الناس بعدهم فإنّ قلوبهم تهوي إليك وسيوفهم غداً مشهورة عليك!

أمّا الفريق الفاني من أعوان بني أميّة، وأعني بهم أولئك الذين تمرّسوا بالخسّة وكره أهل الخير من الناس انتقاماً لنقائص في الطبيعة والمزاج، وتلبية لنداء الجريمة المتأصلة في النفوس، فهم كُثر.

هذا الفريق من المجرمين كان لهم بعض العذر في محاربة الطالبيين وموالاة بني أميّة لو أنهم قاتلوا مع أسيادهم في النطاق الذي يفرضه الميدان على المقاتلين. ولكانوا إذ ذاك شيئاً من الفريق الأوّل، عبيد الدنيا، غير أنّ ما يؤخذ عليهم هو تلك القسوة التي تترفع عن مثلها الوحوش الضواري; وذلك الروح الانتقامي الفظيع الذي لا موجب له إلاّ ما في نفوسهم من حقارة وما في قلوبهم من شهوات تنتكس جريمةً مرعبة، وذلك التمثيل الذي تعفّ عنه الحيوانات الدنيا، وتلك الدناءَة في التشفّي من الأطفال وإذلال النّسوة المُعوِلات!

وفي طليعة هؤلاء الجلاّدين أو كلاب الطراد كما أسماهم بعضُ المؤرّخين، السفّاحُ الحقير بُسر بن أرطاة. وقد ينتفع القارىء بأن يعرف قليلاً من سيرة هذا المخلوق الذي يجسّم نفسيّة الفريق الثاني من أنصار الأمويين تجسيماً سليماً، ويمثّل نَمَطاً من الخلق دنيئاً اعتاد المؤرّخون في هذا الشرق التّعِس أن


[ 79 ]

يروه عظيماً، ويعبّر بما عمَل وبما كوفىءَ عن حقيقة سيّدِه وآمرِه معاويةَ تعبيراً أكيداً.

أُولى الصفحات التي خطّها بُسر بن أرطاة في تاريخ أنصار الأمويّين كانت يوم بعثَه معاوية إلى اليمن في جيش كثيف وأمَرَه أن يقتل كلّ مَن كان في طاعة عليّ بن أبي طالب أيّةً كانت حاله في الشقاء والنعيم. وكان ذلك في العهد الذي بدأ معاوية فيه يبعث أنصاره ليُغيروا على أطراف دولة ابن أبي طالب فيروّعوا الناس ويحملوهم على طاعة والي الشام. فامتثل بُسر لأمر معاوية وأغار على اليمن فقتل خلقاً كثيراً وقلّ أن نجا من أهله طفلٌ صغيرٌ أو شيخٌ بائسٌ أو امرأةٌ شقيّة. ومن دناءَاته التي تعفّ عن مثلها الوحوشُ الضواري أ نّه فيما كان عائداً من اليمن إلى الشام التقى طفلين وحيدين، فسأل مَن يكونان فقيل له إنّما ابنا عبيد الله بن عبّاس عمّ النبيّ وعليّ وكان عبيد الله عاملاً لابن أبي طالب على اليمن ـ فهجم عليهما وذبحهما ذبحاً بيده!

وممّا كان يخفر به بُسر هذا أن يروي لمعاوية أخبار فتكه بالشيوخ العاجزين والأطفال. وممّا رواه له على أثر غزوة من غزواته أنه قتل في غزوة واحدة ثلاثين ألفاً وحرق مثلَهم بالنار! وقد قيل في جرائم هذا السفّاح شعرٌ كثير، وممّا قاله يزيد بن مفرغ مشيراً إلى التقتيل والتحريق:

إلى حيثُ سار المرءُ بُسرٌ بجيشهِ *** فقَتّلَ بُسرٌ ما استطاع، وحَرّقا

أمّا سائر الصفحات التي خطّها بسر في تاريخ أنصار الأمويين، فهي إعادةٌ لهذه الصفحة القاتمة السواد.

ومن هؤلاء المجرم زياد بن أبيه الذي أطلق لنفسه العنان في سياسأ التقتيل بالعراق على صورة هائلة مريعة. وقد ولاّه معاوية البصرة بعد أن والاه


[ 80 ]

فاستحلقَه بنسبه وأسماه زياد بن أبي سفيان ليستميله أبداً. فهو ما كاد يُقدم على البصرة حتى ألقى في الناس خطبتَه المعروفة بالتبراء. ثمّ جدّ في تشديد أمرُ الأمويين، وقتَل بالظّنة وعاقب على الشبهة. وما من أمر كان أسهل على أنصار بني أمية وُلاةٌ من تقطيع أيدي المعارضين وأرجُلهم وصلبهم على جذوع النخل، أو سجنهم ونهب أموالهم وهدم دورهم وتشريدهم وامتهانهم أحياءً وأمواتاً. ولم يكن بين ولاة بني أميّة مَن فاق زياد بن أبيه في ذلك إلاّ الحجّاج. ومن خطبته البتراء الدالّة على أسلوبه في أخذ الناس هذه الكلمات العِجاب:

«وإنّي لاقسمُ بالله لآخذنّ الولِيّ بالمولى(1) والمقيمَ بالظاعن(2) والمُقبل بالمُدبر والمطيعَ بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم; حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: «انجُ سعْدُ فقد هلك سعيد(3) أو تستقيم قناتُكم.

«حرامٌ عليّ الطعام والشراب حتى أسوّيها(4) بالأرض هدماً وإحراقاً! إيّاي ودلَجَ الليل فإنّي لا أُؤتي بمُدلج إلاّ سفكتُ دمَه! وايمُ الله، إنّ لي فيكم لصَرعى كثيرةً فليحذر كلّ امرىء منكم أن يكون من صرعاي!*

وفي اليوم الأوّل الذي وليَ فيه زياد أمرَ الكوفة، بعد البصرة، قطع أيدي ثمانين رجلاً من الكوفيين وهو جالسٌ في مكانه على باب المسجد، وراح زياد يتقرّب من معاوية ورهطه بأعمال البطش والتقتيل والتقطيع يصيبُ بها أنصارَ عليّ بن أبي طالب في الكوفة. يقول المدائني: «إنّ زياد بن


1 ـ الولي: السيد، والمولى: العبد.

2 ـ الظاعن: الراحل.

3 ـ مثل يضرب في تتابع الشر.

4 ـ يقصد البصرة.


[ 81 ]

سميّة ـ يريد زياد ابن أبيه ـ كان يتتبّع شيعةَ عليّ في الكوفة وهو بهم عارفٌ لأ نّه كان منهم أيّامَ عليّ، فقتَلهم تحت كلّ حجَر ومدَر، وأخافَهم وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلَبَهم على جذوع النخل، وطردَهم وشرّدهم عن العراق فلم يبقَ به معروفٌ منهم!»

أمّا خبر زياد مع حجر بن عديّ فسوف نرويه في خاتمة هذا الفصل.

ومن كلاب الطراد هؤلاء عبيدالله بن زياد ابن أبيه «بطل» وقعة كربلاء، وقاتل عمرو بن الحمق وميثم التمّار والشيخ العجوز عبدالله بن عفيف الأزدي والألوف من الخلق على الصورة التي ذكرناها. فإنّ ابن زياد هذا لم يكن أهوَن لديه من تقطيع الأيدي والأرجل والصلب والتقتيل والتمثيل بسبب وبغير سبب. يقول مسلم بن عقيل بن أبي طالب فيه: «ويقتل النفسَ التي حرّم الله قتلها على الغضب والعداوة وسوء الظنّ، وهو يلهو ويلعب كأ نّه لم يصنع شيئاً». وقد تمثّلت وحشيّة هذا الجلاّد على أبشع صوَرها يوم تصدّى لمقاتلة الحسين بن عليّ، تمثّلت وقاحتُه ودناءَته على أبشع ما يكون بعد مقتل الحسين!

أمّا شمر بن ذي الجَوْشن، فلا يقلّ خسّةً عن صاحبه ومولاه عبيدالله بن زياد. فقد تميّز هذا المخلوق بما يحمل في نفسه من حقد على جميع الناس الطيّبين، وبانحطاط أسلوبه في الانتقام الذي لا سبب له إلاّ وحشيةٌ أصيلةٌ في نفسه، فقد أمات هذا الوحش عدداً من أطفال الطالبيين عطشاً والماء يجري تحت أنظارهم. وأمر رجاله أن يطأوا بخيولهم جثّةَ الحسين تنفيذاً لتواطوء بينه وبين ابن زياد على التمثيل الشنيع بابن عليّ بن أبي طذالب. فوَطِئُوها مُقبلين ومُدبرين حتى رضّوا صدرَه وظهره، بعد أن خطفوا ما كان عليه من كساء مزّقته الطعون حتى كادوا يتركونه عارياً! وتنفيذاً لأوامر شمر


[ 82 ]

بن ذي الجَوشن هذا، كان الطفل ما يكاد يخرج من خيمته في معسكر الحسين حتى يبادره فرسان الأمويين تمزيقاً بالرماح والسيوف.

وماذا تقول بالحصين بن نمير! فإنّه حين اشتدّ عطش الحسين في كربلاء بعد أن منعوا عنه الماء، دنا من الفرات الجاري أمام عينيه ليطفىء غلّتَه، فما كان من الحصين هذا إلاّ أن رماه بسهم وقع في فمه، حتى امتلأ فمه وراحتاه بالدم الغزير، وانثنى يقهقه بوقاحة المجرمين!

ومن هؤلاء عمر بن سعد بن أبي وقّاص الذي أطاع سيده المجرم عبيدالله بن زياد في وقعة كربلاء وكان أميناً في تنفيذ أوامره وبيده ألاّ ينفّذ وألاّ يطيع. وساق نساء الطالبيين، بعد مقتل الحسين، على جثث القتلى المطروحة في العراء، بعد أن أشهد الجنود على أ نّه أول من رمى أبناء عليٍّ بسهم.

وهذا أحد أصحاب يزيد من أهل الشام، ينظر إلى فاطمة بنت الحسين هي من أجمل خلق الله وأرفعهم خُلقاً، وكانت في الذين ساقهم عبيدالله بن زياد إلى قصر الخلافة الأموية بعد مأساة كربلاء ـ ويقول ليزيد بوقاحة سافرة: هب لي هذه الجارية!

ومن أنصار الأمويّين السفّاح مسلم بن عقبة الذي ارتكب من الفظائع والمنكرات ما لا مزيد عليه. فقد أرسله يزيد بن معاوية على رأس جيش إلى الحجاز، فأطلق العنان لحقده ووحشيّته وراح يُعمل السيف في أهل المدينة جزراً كأنهم الأغنام حتى غرقت الأقدام في الدماء. وأباح المدينة ثلاثة أيام وهتَك حرماتها وقتل رجالها وفتك بنسائها وحطّم عظامَ الأطفال تحت أعين الأمّهات، وحزّ الرقاب على صورة هائلة، ونهَبَ المتاع وهدّم الدور، ولم يُبقِ على أحد ممّن أدركَه من أبناء المهاجرين والأنصار من صحابة محمّد.


[ 83 ]

وقد بلغ مجموع القتلى في هذه الأيام الثلاثة ألفاً وسبعماية من الأنصار والمهاجرين وعشرة آلاف من سائر الرجال; هذا عدا الألوف من النساء والأطفال! وإليك فقرات قلائل من الكتاب الذي أرسله مسلم هذا إلى يزيد بعد انتهاء المجزرة في المدينة الحزينة; وفي هذا الكتاب يفخر مسلم بما جنت يداه، وسوف يلاحظ القارىء عظيمَ نفاقِه ساعةَ يعزو أعماله هذه إلى إرادة ربّ العالمين. قال:

«فإنّي أُخبر أميرالمؤمنين، أبقاه الله، أنّي خرجت من دمشق ونحن على التعبئة التي رأى أميرُالمؤمنين يوم فراقنا بوادي القرى، فرجع معنا مروان بن الحكم وكان لنا عوناً على عدوّنا! وكان، أكرم الله أميرَالمؤمنين، من محمودِ مقامِ مروان بن الحكم وجميل مشهده وشديد بأسه وعظيم نكايته لعدوّ أميرالمؤمنين ما لا إخال ذلك ضائعاً عند إمام المسلمين وخليفة ربّ العالمين إن شاء الله! وسلّم الله رجالَ أميرالمؤمنين فلم يُصب أحدٌ منهم بمكروه، ولم يقُم لهم عدوّهم ساعةً من ساعات نهارهم، فما صلّيتُ الظهر إلاّ في مسجدهم بعد القتل الذريع والانتهاب العظيم، وأوقعنا بهم السيوفَ وقتلنا مَن أشرفَ لنا منهم واتبعنا مُدبرهم وأجهزنا على جريحهم وانتهبناها ـ أي المدينة ـ ثلاثاً كما قال أميرالمؤمنين أعهزّ الله نصرَه... فالحمد لله الذي شفى صدري بقتل أهل الخلاف القديم والنفاق العظيم، فطالما عتَوا وقديماً ما طغوا!»

أمّا سيّد هؤلاء المجرمين من أنصار بني أميّة فالحجاج بن يوسف... ابن جَلاَ وطلاّعُ الثنايا!

سار الحجاج إلى الحجاج بأمر من الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان لمقاتلة عبدالله بن الزبير وأنصاره. وكان من شأنه أن حاصرَ مكة وعبدالله


[ 84 ]

فيها، ثم قصَفها بالمنجنيق ورماها بالنيران حتى هدم جانباً من الكعبة. ولمّا ظفر بخصوم بنى أميّة احتزّ رؤوس كبارهم وبعث بها إلى دمشق. ثم صلب جثمان عبدالله بن الزبير بعد أن قتَله واحتزّ رأسه إمعاناً في التنكيل وتفجيراً لِمَا يتأجّج في نفسه الشرّيرةِ المرّةِ في شرّها من براكين الفظاظة والقسوة والحقد عل الآدميين. ولم يكتفِ بذلك بل خلّى الجثمان على الصليب أياماً طِوالاً، فجاءَته أم عبدالله بنت أبي بكر وكانت عجوزاً مهدمةً حزينة لا تكاد تبصر، فقالت له وهي تشير إلى ابنها المعلّق على الصليب:

أمَا آن لهذا الفارس أن يترجّل ؟

فعبس الحجاج وبَسَر، ونهَر العجوز المسكينة بخشونة ووقاحة، وبالغ في تأنيبها وتوبيخها.

ومكافأةً له على هذه «المآثر» ولاّه عبدالملك بن مروان الحجاز. فراح يمعن في أهله انتقاماً وتنكيلاً وتعذيباً وإذلالاً على صوَر مريعة رهيبة تجعلك تدهش من هذا التصلّب العجيب أمام العذاب الإنساني والمآسي البشرية! والحجاج بن يوسف، كما يصف نفسه، «لجوجٌ لدودٌ حقودٌ حسود» يكره الجنسَ الآدمي ويتميّز بشعور همجيّ قد يحار العلمُ في تفسيره لو سعى فيه.

ثمّ إنّ عبدالملك ما لبث أن ولاّه العراقَ ورمى أهلَهم به لتوطيد «الأمن» وإقرار «السلام». فقدم الحجّاج إلى الكوفة في قليل من الجند لا يتعدّون الاثني عشر. وقبل أن يدرك المدينة العلوية بعثَ أحدَ رجاله يخبر أهلها بقدومه. فما كان منهم إلاّ أن هرعوا إلى المسجد ينتظرونه. وكان اليوم من رمضان.

وفيما كانوا يتحدثون عن استيائهم من قدوم هذا الطاغية إليهم، أدرَكهم


[ 85 ]

وعلى رأسه عمامة خزّ حمراء حجبتْ أكثرَ وجهه ومعه سيفَ وقوس. وواصل سيره ببطء وهو صامتٌ والقوم صامتون، حتى بلغ منبر المسجد فاعتلاه ثم قال: «علَيّ بالناس!» فاجتمع الكوفيّون في المسجد ولبثوا ينظرون إليه باهتمام وصمت شديدين. وأطال الحجاج السكوت وأطال القوم الانتظار. ثم راحوا يتهامسون بكلمات الاستنكار. وتناول أحدهم حصىً يريد أن يرميه بها، فإذا بالحجاج يتكلم، وإذا بالحصى تتناثر من يد حاملها وهو لا يشعر مخافةً ورعباً. قال الحجاج وهو يحسر اللثام عن وجهه، والعيونُ شاخصةٌ إليه:

أنا ابن جَلا وطلاّع الثنايا *** متى أضَع العمامةَ تعرفوني(1)

«إنّي، والله، لأرى أبصاراً طامحة، وأعناقاً متطاولة، ورؤوساً قد أينعت وحان قِطافُها، وإني لَصاحبُها. وكأنّي أنظر إلى الدماء ترقرَق بين العمائم واللحى.

ألاَ وإنّ أميرالمؤمنين نَثَر كِنانتَه وعَجَمَ عيدآنهافوجدني أصلبها عوداً وأشدّها مكسراً، فوجّهني إليكم، ورماكم بي...

أمَا واللهِ يا أهلَ العراق! ومعدنَ الشّقاق والنفاق، ومساوىء الأخلاق! لألحونّكم لحوَ العصا، ولأضربنكم ضربَ غرائب الإبل. فإنكم لكأهل قرية كانت آمنةً مطمئنّة يأتيها رزقُها رَغَداً من كلّ مكان فكفرت بأنعُم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.»

«يا أهلَ العراق، عبيدَ العصا واولاد الإماء! أنا الحجّاج بن يوسف، واللهِ ما أحلِفُ إلاّ وفَيتُ، فأيّاي وهذه الجماعات! أمَا والذي نفسُ الحجّاج في يده، لَتستقيمُنّ على طريق الحقّ، أو لأدَعَنّ لكلّ رجل


1 ـ ابن جلا: رجل يضرب به المثل في شدة البأس. والثنايا جمع الثنية وهي العقبة في الجبل: كناية عمن يقدم على الأمور الصعبة والمشقات دون أن تؤثر في عزمه وعورة المسلك!


[ 86 ]

منكم شغلاً في جسده. فاقبلوا الإنصاف ودعوا الإرجاف قبل أن أُوع بكم إيقاعاً يترك النساء أيامى، والوُلدان يتامى. وإنّي أُقسم بالله لا أجد رجلاً تخَلّف بعد ثلاثة من بَعْث المهلب إلاّ سفكتُ دمه وأنهبتُ ماله وهدمتُ منزله...».

أرأَيت إلى هذا الأسلوب في التهديد والوعيد وإلى هذه الخطّة في المبادرة التي اعتمدها الحجّاج ساعةَ وطئت قدماه أرضَ الكوفة! ثم إلى هذا الاعلان عن سفك الدماء وإنهاب المال وهدم المنازل وقطف الرؤوس التي حان قطافها حتى لكأنّ صاحبنا ينظر، منذ اللحظة الأولى، إلى الدماء تترقرق بين العمائم واللحى؟

ثم هل أمعنتَ النظر في هذه المبادرة لإذلال النفوس ومحاولة تحطيم كل مقاومة معنوية في قلوب أهل العراق «معدن الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، وعبيد العصا وأولاد الإماء!»

ولعلّ أكثر من هذا كلّه في مجال الاستهانة والإذلال والنكاية المرّة، دعوة أهل الكوفة للالتحاق بجيش المهلّب بن أبي صفرة للمحاربة دفاعاً عن بني أميّة وتوطيداً لعرشهم... حتى أنّ مَن تخلّف عن الالتحاق بجيش المهلّب، بعد مضي أيام ثلاثة على بعثه، سُفك دُمه وأُنهب ماله وهُدمت داره!

أمّا هذا التهديد، فقد نفذه الحجاج كلاً، وزاد عليه!

واشتدّ أمر الحجاج على المعارضة. يقول المؤرخون: «وأتى الحجاج، بعد عبيد الله بن زياد قاتل الحسين وآله، فقتلهم ـ أنصارَ عليّ ـ كلَّ قتلة


[ 87 ]

وأخذهم بكلّ ظنّة وتهمة، حتى أن الرجل ليقال له زنديق وكافر أُحب إليه من أن يقال له من أنصار عليّ».

وعلى هذا المبدأ، أخذ الحجاج يعمل. ولم يكن هنالك ما يروي ظماه الشديد الملحّ للتنكيل بالناس وسفك دمائهم وإهدار كراماتهم.

شغل الطاغية أهلَ الكوفة بالاستعداد للقتال أياماً ثلاثة، حتى إذا انقضت بعَثَهم إلى الغزو دون أن يستثني حتى المراهقين من الصبيان. فكانت المرأة تجزع فتجيء إلى ابنها الصبيّ فتضمّه وتقول له: «بأبي» لشدّة خوفها عليه. فسُمّي ذلك الجيش «جيش بأبي». وفي هذه الأثناء جاء الحجاجَ عميرُ بن ضابىء الحنظلي فقال له: أصلح الله الأمير، أنا شيخ كبيرٌ ضعيف، وابني هذا أشبُّ منّي وأتمّ أداةً! فقال الحجّاج: هذا خيرٌ لنا من أبيه. ثم سأله: ومن أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابىء الحنظلي. قال الحجاج: ألست الذي غزا عثمان بن عفان ؟ قال: بلى! قال الحجاج: يا عدوّ الله، وما الذي حملك على ذلك؟ قال: إنّه حبس أبي وكان شيخاً كبيراً ضعيفاً، ولم يطلقه حتى مات في سجنه. فقال الحجاج: أولستَ أنت القائل:

هممتُ، ولم أفعلْ، وكدتُ، وليتني *** تركتُ على عثمانَ تبكي حلائلُه

إنّي لأحسب أنّ في قتلك أيّها الشيخ صلاحَ المِصرَين! إنّ عذرك لواضح، وإنّ ضعفك لبيّن، ولكنّي أكره أن يجترىء بك الناس عليّ. ثم أمر به فضُرب عنقه وأُنهب ماله وهُدمت داره!

وانتشر الخبر في الكوفة فذُعر أهلها وهرعوا إلى المعسكرات مزدحمين حتى ضاق بهم جسرٌ على الفرات مرّوا عليه، فسقط منهم خلقٌ كثير في مياه النهر.


[ 88 ]

وحتى راحوا يرسلون إلى ذويهم من المعسكرات قائلين: «زوّدونا ونحن في مكاننا».

واستعمل على الكوفة رجلاً «دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة» اسمه عبدالرحمن بن عبيد التميمي. ولمّا اطمأنّ إلى الحالة في الكوفة سار منها إلى البصرة وكانت المعارضأ فيها قويّة. فلمّا بلغها خطَبَ أهلَها وتوعّدَهم بخشونة وعنف إن هم لم يلحقوا بالمهلّب بعد ثلاثة أيام، على نحو ما فعل بالكوفة. ولمّا نزل عن المنبر حَدَثَ أن جاءَه شيخٌ عجوز يدعى شريك بن عمرو اليشكري وكان أعور وبه فتق، فقال له: أصلح الله الأمير، إنّ بي فتقاً، وقد عذرَني بشرُ بن مروان ـ شقيق الخليفة ووالي البصرة قبل الحجاج. فأجابه الحجاج: إنّك عندي لصادق. ولكنّه ما لبيث أن أمر بضرب عنقه. فلم يبقَ بالبصرة كبيرٌ أو صغيرٌ إلاّ لحقَ بجيش المهلّب.

ثم إنّ الحجاج كان جالساً إلى مائدته، ذات يوم، يتغذّى مع نفر من أجماعته. فإذا بأحد رجال شرطته قد أتاه بحائك من البصرة، وقال له: أصلح الله الأمير! هذا رجلٌ عاص! فجعل الحائك يرتجف خوفاً وهلعاً، وقال للحجاج: أنشدك الله أيها الأمير في دمي. فواللهِ ما قبتضُ ديوناً قطّ، ولا شهدتُ عسكراً، وإني لحائكٌ أُخذتُ مت تحت الحفّ ـ يعني قصبة الحياكة. فلم يتردد الحجاج لحظةً في أن يأمر بضرب عنق الحائك الذي سجد ساعة أحسّ بالسيف يعلو رقبته، فلحقه السيف وهو ساجد. وتابع الحجاج غداءه. فيما توقّف مؤاكلوه وامتنعوا عن الطعام استنكاراً واشمئزازاً وقد صفرتْ أيديهم واصفرّت وجوهُهم وحدّت أنظارُهم. فالتفت إليهم الحجاج وقال بلهجة غاضبة: «مالي أراكم صفرت أيديم وأصفرّت وجوهكم، وحَدّ


[ 89 ]

نظركم مِن قتل رجل واحد؟ إنّ العاصي يجمع خِلالاً تخلّ بمركزه... والوالي مخيّرٌ فيه، إن شاء قتَل، وإنْ شاء عفا...».

على هذه الصورة كان الحجاج يرى «صلاح المصرين». وما هذه النماذج التي أعطيناها عن أسلوبه في التنكيل بالمعارضة إلاّ من الأشياء العابرة البسيطة التي لا تُذكر في حياة الحجاج إلى جانب تقتيله الجماعات. فلمّا كانت ثورة ابن الجارود عليه، وكان هو السبب فيها، اعتقل معظمَ الثائرين بعد أن ظفر، وقطَع رؤوسهم وأرسلَها إلى المهلّب ليعرضها على الناس ترهيباً لكلّ مَن تحدثه نفسه بن يعصى له أمراً. ثم إنّه راح يجنّد عشرات الألوف من الكوفة والبصرة ليقاتل بهم، دون جُند الشام، أعداءَ بني أميّة في كلّ مكان، فينتقم من شيعة عليّ، ويستخدمهم لاغراضه في وقت معاً. حتى لم يكن في المدينتين صبيٌّ شاربُه إلاّ وكان مُعَداً لأن يُقتل بسيف الحجاج أو بسيوف خصومه!

وتوالت ثورات العراقيين على الحجاج وفظائعه، ولكنّها كانت ضعيفةً متقطعة لا يلبث القائمون بها أن يقعوا في يد الحجاج فريسةً للتعذيب والتنكيل والتقتيل. وامتدّ سيف الحجاج إلى الجماعات يستعرضها ويحصد منها الألوف تلو الألوف. وفاضت سجون العراق بالرجال والنساء حيث يقيمون على المهانة والعذاب انتظاراً لأن يأتي دورهم فيجزرهم سيف الطاغية. وراح الجوع يفتك بمن لم تقع عليه عينُ الحجاج وجندِه بعد. وعاش العراق المعارض في جوٍّ رهيب من الكآبة والمذلّة واليأس.

وازداد هذا الجو عبوساً بعد انتصار الحجاج على ابن الأشعث في معركة الزاوية التي أسر بها الحجاج أحدَ عشر ألفاً من العراقيين خدَعَهم بإعطائهم


[ 90 ]

الأمانَ، ثم قتَلَهم عن بكرة أبيهم. وفي معركة «دير الجماجم» التي وهنت بها عزائم أهل العراق واشتدّ بهم الجوع وانتشر بينهم الطاعون، فوقع الثائرون في قبضة الطاغية فلم يزحم منهم رجلاً واحداً.

ومع ذلك فإنّ «الأمن» لم يسد بالكوفة والبصرة. ولم يركن العراق إلى الهدوء لما أصابه من وهن بفعل هذه المظالم. فراح الحجاج يمعن في التنكيل بمن بقي في عداد الأحياء، ويضيف إلى صرعاه ضحايا جديدة في كل يوم وكلّ ساعة. وكان للحجاج شغفٌ بربريٌّ عجيبٌ في إذلال العراقيين وتحقيرهم وسَحق معنوياتهم قبل أن يضرب أعناقهم. وبالَغَ في هذا الإذلال كما بالغ في إراقة الدماء، حتى بات الناس ولا حديث لهم ساعةَ يتلاقون في المساجد أو المحافل أو الأسواق إلاّ في مَن قتَلَ أمسِ، وفي مَن يصلب اليومَ، وكيف ذُبح فلان، أو كيف اهين قبل مصرعه.

وكانت الكلمة المأثورة عن الحجاج في أمصار العراق، تلك التي كان ينطق بها أبداً ويردّدها في كلّ ساعة كلما نادى إليه رجلاً من العراق: «يا حرسيّ اضرب عنقَه!»

وبلغ به حبُّ الانتقم من أنصار عليّ بن أبي طالب، أ نّه كان يأمر بقتل كلّ مَن دُعي عليّاً أو حسيناً أو سمّي باسم طالبيّ، حتى أنّ البائسين من هؤلاء كانوا يأتونه فيعتذرون له عن أسمائهم. من ذلك أنّ رجلاً وقف للحجاج فقال له: أيّها الأمير، إنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليّاً، وإنّي فقيرٌ بائس وأنا إلى صلة الأمير أحوَج!

وضُرب المثل بجور الحجّاج. وكان الشيعة بصورة خاصة موضوع هذا الجور. وأُحصيَ مَن قتَلَهم مدّةَ ولايته فكانوا مايةً وعشرين ألفاً; وكان في سجونه ساعةَ موته خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة!


[ 91 ]

أمّا الخليفة الأمويّ عبدالملك بن مروان، فقد قال لبنيه ساعةَ حضرته الوفاة: «أكرِموا الحجّاج فإنّه الذي وَطّأ لكم المنابر، ودوّخَ لكم البلا د وأذلّ الأعداء.» وحُفظت الوصيّة، فأقرّه الوليدُ بن عبدالملك بعد موت أبيه على إمارته في العراقين والمشرق!

*

ولن نختم هذا الفصل قبل أن نروي حادثةً غريبةً في بابها، كثيرةً في ما تحمل مِن خصائص الأمويّين والطالبيّين وأنصارِ أولئك وشيعةِ هؤلاء في وقت معاً. وقد خطّتْ هذه الحادثة في التاريخ العربيّ صفحةً هي العظمة كلّها مِن حيثُ ما تحمل مِن معاني السموّ لدى أنصار عليّ بن أبي طالب، وهي الصَغار كلّه مِن حيثُ ما جمَعت من صُورَ الانحدار لدى أنصار الأمويّين.

وموجز هذه الحادثة أنّ حُجرَ بن عُديّ الكنديّ أبى إلاّ أن يظلّ على حبّه لعليّ بن أبي طالب ولِما يمثّله من عظمة الإنسان الحقّ. ولمّا كانت خلافه معاوية اضطرّ حُجر إلى مبايعته أُسوةً بمن حُملوا على المبايعة من الناس. غير أنّ ذلك لم يكن يضطره إلى التنكّر لعليٍّ أو إلى التبرّؤ منه ولا سيّما و هو يسعى لأن يسير في الناس سيرةَ ابن أبي طالب نفسه، فكان صادقاً صريحاً حرّاً محباً للسلم كارهاً للقتال، راغباً في العدالة الاجتماعية حتى أقصى حدودها. ثمّ إنّ السلطان لم يكن في نظره أكثرَ من وسيلة لخدمة الجماعة على نحو ما كان في نظر استاذه العظيم عليّ بن أبي طالب; فإن كان كذلك ماشاه وإن اختلفَ إلى الفساد والمُنكر عاداه أشدّ عداء، وسخط عليه أشدّ سُخط! وكان من الطبيعيّ لرجل كهذا الرجل أن يُنكر ما يلجأ إليه بنو أُميّة من شتم عليٍّ على المنابر، وأنْ يُعلن عن إنكاره ولو أدّى ذلك إلى ما يريده به


[ 92 ]

السلطان! ويُروى أنّ المغيرة بن شعبة وقف ذات مرّة على منبر الكوفة يشتم عليّاً وأصحابه بعد موت الحسن. فما كان من حُجر إلاّ أن نهض وراح يغلظ له القولَ في وجهه، ويطالبه بأن يُنصف الناس ويعدل فيهم ويؤدي عليهم ما أخّر من عطائهم عوضاً عن أن يتابع سيرتَه المنكَرة في شتم على وأصحابه. وآزر حجراً في ذلك كثيرٌ من الناس فاضطرّ المغيرة إلى قطع حديثه والنزول عن المنبر.

وظلّ الأمر كذلك حتى مات المغيرة فخَلِفَه زيادُ بن أَبيه والياً على الكوفة مِن قِبَل معاوية. وكان زياد وحُجر صديقين. إلاّ أ نّه حدث ما أفسد هذه الصداقَة بينهما. وخلاصة ما حدث أنّ عربياً مسلماً قتلَ ذميّاً. فلما رُفع الأمر إلى زياد بن أبيه رفض أَن أن يقتصّ للذميّ القتيل من المسلم، بل اكتفى بأن يقضي بالدّية. فنفر أَهلُ القتيل من ذلك وأَبَوا قبول الدية وقالوا: كنا نُخبَرُ أنّ الإسلام يسوّي بين الناس ولا يفضّل عربيّاً على غير عربي. ولمّا كان حجر بن عديّ مسلماً مؤمناً بنُبل الرسالة التي يقول صاحبها : «الخلقّ كلّهم عيال الله» و «الإنسان أَخو الإنسان أَحبّ أَم كره» و «لا فضل لعربي على أَعجمي إلاّ بالتقوى»; ولمّا كان مؤمناً كذلك بضرورة العدالة التي استشهد علي في سبيلها بعد أَن اتّخذ منها دستوراً لحياته الخاصّة والعامة، فقد أَنكر أشدّ إنكار هذا الاسلوب في القضاء، وغضبَ حتى لا يسيتطيع السكوت، وأَبى إلاّ أن يُعامل المسلم كغير المسلم لا فرقَ بينهما وهما من عيال الله. وسانَدَه في هذه الغضبة معظم المسلمين من شيعة عليّ وراحوا يعدّون للثورة عدّتها حتى يُعدَل فيُساوَى بين الناس في كلّ حال، وفقاً للحقيقة الإسلامية ولوصايا النبيّ والإمام. وخشي زياد وصحبُه الفتنةَ، فأمرَ بمعاقبة القاتل مكرَهاً، ثم كتب إلى معاوية يشكو حُجراً ومؤازريه من أَنصار عليّ.


[ 93 ]

فأجاب معاوية يأمر زياداً بأن ينتظر بُحجرِ وبأصحابه أوّلَ حجّة تقوم عليه وعليهم.

ويطول الحديث في ما كان بعد ذلك من أمر زياد وحُجر وأصحابهما، وما كان من إنذار زياد وتحذيره، ومن معارضة حجر وجماعته لتصرّفات زياد ومقاطتعهم إيّاه في كلّ خطبة يخظبها. ثم كثرت بين الجماعتين التناوشات، إلى أن أمَرَ زياد جماعةً من أهل الكوفة أن يأتوا حُجراً فيردّوه عن طريق المعارضة ويسيروا به في سبيل الموالاة. فعادوا إلى زياد يخبرونه. بأنهم لم يتمكنوا، ولن يتمكنوا، من أن يزعزعوا في حُجر عقيدةً يعتقدها أو رأياً يراه. إذ ذاك أرسل زياد مَن يدعو حجَراً إليه، فامتنع حجر. فأمَرَ الشرطة أن يأتوه به، فامتثل الشرطةُ لامرِه، وكان بينهم وبين أصحاب حُجر قتال، ولكنّهم لم يظفروا به وقد أستخفى عنهم، فثقُلَ الأمرُ على زياد، فأخذ محمّد بن قيس بن الأشعث وهو كبير أنصار حُجر ووجيه كنده، فتوعّده بالسجن، وبأنّه سيمثّل به ثم يقتله إذا هو لم يَسعَ في أن يُؤتى بحُجر إليه.

وأبى حُجر أن يمثّل بصاحبه هذا، فأقبل على زياد بعد أن أُخِذ له الأمان على نفسه ووُعد بأن يُرسَل إلى معاوية فيتقاضيا! وما كان حجرُ بين يدَي زياد حتى أمرَ بسجنه، ثم بطلب ذوي الرأي والقيادة من أصحابه. فاستطاع أن يقبض على بضعة عشر من هؤلاء بعد تنكيل وتقتيل. ثم طلب من أهل الكوفة أن يشهدوا على هؤلاء بشهادة تؤذيهم، ولجأ إلى الترهيب في طلب هذه الشهادة. فشهدَ بعضُهم أنّ حُجراً وأصحابَه يوالون عليّاً ولا يوالون سواه، وأ نّهم يعيبون عثمان بن عفان ويذمّون معاويةَ بن أبي سفيان. غير أنّ هذه الشهادة لم يكتفِ بها زياد فهو يريدها أقطَعَ وأشدّ مَجلبَةَ للمكروه.


[ 94 ]

فشهد أبو بُردة بن أبي موسى الأشعري بأنّ حُجراً وأصحابه «خلعوا الطاعة، وفارقوا الجماعة، وبَرِثوا من خلافة معاوية، وهمّوا بإعادة الحرب». ولمّا كتب بن أبي موسى هذه الشهادةَ طلب زياد إلى أهل الكوفة أن يمضوها فمضاها نحو سبعين منهم ولم يتورّع زياد من الكذب والتزوير إذ أضاف إلى هذه الاسماء، أسماءَ جماعة لم يشهدوا ولم يكونوا حضوراً، ومن هؤلاء شريح القاضي العادل الذي مرّ ذكرهُ في مكان سابق، والذي ما لبث أن بعثَ إلى معاوية يبرّىء من الشهادة المزوّرة، بل ويشهد أنّ حُجراً رجل صالحٌ من خيار الناس.

وسيقَ حجر وأصحابُه إلى معاوية وقرأ كتابَ زياد إليه، وشهادة الشهود في حُجر، ثم كان أن قُرىء الكتاب والشهادة على الناس. ونصح بعض الناس إلى معاوية أن يكتفي بحبسهم، وأشار آخرون عليه بأن يفرّقهم في قرى الشام فلا يعودوا إلى العراق. واستأنى معاوية وكاتَبَ زياداً في أمرهم، وفي جملة ما قاله زياد: إن كانت لك حاجةٌ بالعراق فلا تردّهم إليّ.

وبعد زمن قليل أرسلَ معاوية إلى حجر وأصحابه مَن يعرض عليهم أن يتبَروأوا من عليّ بن أبي طالب ويلعنوه، ويتولوّا عثمان بن عفّان، فمَن فعلَ ذلك منهم بات آمناً على حياته ومَن أبى منهم قُتل.

وعُرضتْ على هؤلاء البراءَة من عليّ فأبوا بعناد وإصرار، فراحوا يقتلونهم واحداً واحداً في قصّة طويلة ترويها كتبُ التاريخ بدموع وآهات. وفي تفاصيليها ما يرفع من قيمة الإنسان ومن شرفه إذ يأبى أن يتبرّأ مِن ضميره ولو لدقائق معدودات أمامَ حفرة الموت، وكان جماعة معاوية قد حفروا لكلٍّ من رهط حجر بن عدَيّ حُفرة بمقياس جسمه أمامَ عينيه يُقتَل ثم يُطرحَ فيها إن لم يتبرّأ من عليّ. وممّا جاء في رواية مقتل هؤلاء أنّ اثنين


[ 95 ]

هالَهما ما رَأَيَا من «السيوف المشهورة والقبور المحفورة والأكفان المنشورة(1)» فطَلبا أن يحملا إلى معاوية فإنّهما يرَيان رأيَه في علي وعثمان كما أظهرا. فحُملا إلى معاوية فيما قُتل الآخرون. أمّا أحدهما فقد أظهر البراءَة من علي بلسانه دون قلبه، وأما الآخر فإنّه لمّا كان أمامَ معاوية وجهاً لوجه، امتدح عليّاً وأَصحابه وشتمَ معاوية وأصحابَه وأَسمعَه في عثمان ما لا يُطيق. فأمرَ معاوية بأن يُساق إلى زياد بن أبيه، ثم بعث إلى زياد يأمره بأن يقتله قتلَةً لم يُقتلها أحدٌ في الإسلام. فما كان من زياد إلاّ أن أمرَ به فدُفن حيّاً!

وأمّا حُجر بن عديّ فقد قال حين قُدّم إلى السيف: «الله بيننا وبين أَمّتنا، شهدَ علينا أهلُ ا لعراق وقتَلَنَا أهلُ الشام!»

لقد كان الأمويّون مِن أبرز مَن يمثّلون الملوكَ في التاريخ وميلَهم إلى الحكم الفردي الإستبدادي وخصائصَهم في الاستئثار والاحتكار وجعل الأرض والناس منهبَةً لهم وعبيداً. وكان عليّ بن أبي طالب وبنوه الأوّلون من أَبرز مَن يمثّلون إنسانيّةَ التفكير وخيريّة العلم وديموقراطية الحُكم وإباحة الأرزاق للشعب وحدَه دون الوجهاء والزعماء والمتنّفذين والمترهّلين. ومن طبيعة الفريقين كانت طبيعة أنصارهم ومحبّيهم. فمال الوجهاء والمستنفعون إلى بني أُمية طمعاً بما يصبُون إليه من مغانم مادّية ومكاسب معيّنة. ومال معهم مِن الناس خلقٌ كثيرٌ لأنّ الناس في ذلك الزمان لم يكونوا قد بلغوا المستوى الذي يمكّنهم مِن معرفة ما ينفعهم أو يؤذيهم في المدى الطويل البعيد، فإذا هم يميلون إلى ما يحسبونه نفعاً لهم وما كان نفعاً إلاّ في المدى القصير القريب، فلا يغيب عنهم رجلٌ خذَلوه وأنكروه كابن أبي طالب، ولا تظهر


1 ـ هذه الكلمات من وصف حجر بن عدي لما أعد له ولصحبه.


[ 96 ]

لهم حقيقةُ مَن والوه ونصروه من خصومه، حتى يندموا على ما فعلوا ندماً كثيراً ولات ساعةَ مندم... فقد غاب وجهُ العدالة الاجتماعية الصافية وظهرت عليها وجوهٌ من المكر والحيلة والجور والحكم الاستبدادي المقيت! ومال إلى ابن أبي طالب وبنيه أنصارٌ ومحبّون كانوا من طبيعتهم ومن خُلقهم فظلّوا على الحقّ وظُلموا ولقُوا من الحكّام والنافذين وأنصارهم الأغبياء كل مُرٍّ من العيش وكلَّ مظلم قاتم كليالي البؤس وسُحبِ الشقاء الطويل، واستشهدوا في هذه الطريق مجرّدين إلاّ عن رغبتهم في العدالة الاجتماعية اسوةً بأستاذهم العظيم عليّ بن أبي طالب!

فكما سمتْ بهذه النفوس إلى الآفاق الصافية من التجرّد والشهامة والحنان والرغبة في ديموقراطية الحكم وعدالة النظام نصرةُ عليّ بن أبي طالب وبنيه السابقين، هبطذت بأولئك الوجهاء إلى الأغوار المرذولة من الأنانيّة والروح التاجرة والقسوة الفاجرة ومساندة الاستبداد والأثَرة نصرةُ بني أُميّة!

وأُشير هذه المرّة أَيضاً إلى «آراء» بعض الكتّاب العرب في أَحوال تاريخنا ورجاله، دون أَن نردّ عليها لأنّ في ما ذكرناه بهذا الفصل ردّاً كثيراً. وقد اخترتُ محمد كرد عليّ نموذجاً لهؤلاء الكتّاب، واخترتُ رأيَه في الأمويّين وأنصارهم نموذجاً لآرائهم في معنى البطولة والعظمة. يقول محمّد كرد عليّ في معاوية وفي السفّاحين الذين بعَثَهم لتقتيل الناس ونهب أرزاقهم وتهديم دورهم وذبح أطفالهم وتحريق نسائهم، توفيراً للمال ينفقه على نفسه وعلى انصاره ثمّ على جنوده الذين يُكثر عطاءَهم من دم الملايين ليحافظوا عليه وعلى ابنه يزيد ونسيبه مروان وأعوانهم النافذين المجرمين، ويساعدوهم على قتل


[ 97 ]

عليّ بن أبي طالب والحسين بن عليّ وعمّار بن ياسر وحُجر بن عديّ وغيرهم من شرفاء الخلق:

«... وأهمّ ما قام به ـ معاوية ـ تنظيم الجيش فضاعَفَ عطاءَه... ووُفِّق إلى استخدام أكبر رجال الإدارة وأعظمهم: زياد بن أبيه، والمغيرة بن شعبة. والضحّاك بن قيس، ومسلم بن عقبة، وبسر بن أرطاة!»

ينعت محمّد كرد عليّ هؤلاء السفّاحين بأنهم «أكبر رجال الإدارة وأعظمهم» في كتاب ألفّفه وأسماه «الإسلام والحضارة العربية» ومن حقّه أن يُظهر براءَة الإسلام من أمثال هؤلاء، وبراءَة كلِّ حضارة عربيّة كانت أو غير عربيّة. يقول هذا القول العجيب دولن أن يحاسب نفسَه عمّا يقول ودون أن ينتصف للقرن العشرين من ظُلّمات التاريخ ودون أن يأبَه لهذه العبارة التي ذكَرَها في الصفحة التالية إذ قال: «إنّ أحد الصّلحاء سئل أيّام معاوية كيف تركتَ الناس؟ فقال: تركتُهم بين مظلوم لا يُنتَصف وظالم لا ينتهي!»

ولكن لماذا يحاسب نفسَه وينتصف للقرن العشرين ويأبه لهذه العبارة وهو الذي يعود فيعلّق على رأي صاحبها قائلاً: «.. كأنّه يريد أن تكون إدارة المُلك على عهد معاوية بن أبي سفيان كما كانت على عهد عمر بن الخطّاب، وفاتَه أنّ لكلَ عصر طريقتَه ورجالَه(1)»

وفات الناس أن أكثر الباحثين في موضوعات الحضارة في أيامنا هذه، هم من العصور الخوالي!

* * *


1 ـ الإسلام والحضارة العربية ج 2 ص 161.


[ 98 ]


[ 99 ]

الذين قتلوا عُثمان


[ 100 ]


[ 101 ]

قبل عثمان

* أيّما عامل لي ظلَم أحداً فبلغتني مظلمتُه فلم اغيّرها فأنا ظلمتُه! عمر بن الخطاب

* وصادَرَ ابنُ الخطّاب عمرَو بن العاص، وأبا هريرة، وخالدَ بن الوليد، ورَدّ الأموال في بيت مال الشعب! لو تجرد المرءُ عن كلِّ هوىً مع الإسلام أو عليه ونظرَ في الأمور نظَراً إيجابيّاً خالصاً، لوثِقَ أنّ الإسلام إنّما كان باعثاً على يقظة عظيمة بعد غفلة عاش فيها العرب فظلّوا ناسين منسيّين أجيالاً طّوالاً. وأ نّه ما تمكّن من هذا البعث إلاّ لأ نّه كان ثورةً اجتماعيّة في الدرجة الأولى. أمّا أبرز ما في هذه الثورة من الناحية الاجتماعية فذلك النظر الكثير الذي نظرَه الإسلام في حال الطبقاتِ غنيِّها وفقيرِها، عزيزِها وذليلها ظالمِها ومظلومِها، فاجتثّ من أسباب هذا التفاوت ما تَقبله المرحلة التاريخيّة التي كان فيها يومذاك وما يَقبله الإطار المكانيّ كذلك، وخفّفَ من وطأة الاستغلال على العرب ما هو في نطاق زمانه، ودرّبَهم على أن يشعروا بأنّهم اخوةٌ متعاونون متكافلون


[ 102 ]
في مجتمع كبير يضمّهم إلى غيرهم من الشعوب ويجعلُ لواحدهم من الفضل على الآخر بمقدار ما يعملُ وما يُحسن.

ولو تجرّد المرءُ عن كلّ هوىً مع المسلمين أو عليهم في عهدهم الأول ونظرَ في أحوالهم نظراً إيجابيّاً خالصاً، لوثِقَ أنّ ذلك العهد القصير إنّما كان من أغنى عهود الإنسانية في شرف النفس والضمير، وفي المشاعر الحيّة التي تجعل من الإنسان الفرد وحدةً كاملةً تجسّ وتفكّر وتقول وتعمل فلا تجد العملَ والقولَ والتفكيرَ والإحساسَ إلاّ وحدةً لا تتجزّأ، ثم في الإخلاص لمبادىء تلك الثورة الاجتماعية إخلاصاً يبلغ حدّ التضحية في أغلب الأحيان.

ولمّا كانت قضية عثمان مرتبطةً أشدّ ارتباط بالجانب الاجتماعي من أحوال المسلمين في عهده وقبلَ عهده، فقد بات من العبث أن نحاول إدراك الاسباب الحقيقية في الفتنة وفي ما كان لها من ذيول وما استَتبعت من مآسي، خارجَ هذا الجانب الاجتماعي، كما أ نّه من العبث ومن الكذب على التاريخ والحقيقة أن نحصر أسبابَ تلك الفتنة وتلك المآسي في عوامل دينيّة خالصة. فإنّ وقائع التاريخ، وشروط الحياة، وأحوال النفوس، تدلّنا على أ نّه ليس ثمّةَ من حركة عامّة قامت باسم دين من الأديان أو ضدّه وكان لها مضمونٌ اجتماعي سواءٌ أكان هذا المضمون واضحاً بيّناً أو مطويّاً خفيّاً.

في السنوات الأولى لبدء الدعوة الاسلامية يبرز أمرٌ شديد الجلاء، هو أنّ أكثريّة المسلمين كانوا من الطبقات المغلوبة على أمرها في الجاهلية، وأن أشدّهم حماسةً للدعوة الجديدة كانوا المرهَقين والمستضعَفين والمظلومين، إلى جانب نفر ممّن مدّهم الله بنور الوجدان فأنصفوا وسانَدوا محمداً وهم غير مستضعَفين، كما يبرز أمرٌ آخرُ شديد الجلاء أيضاً، هو أنّ أكثرية خصوم


[ 103 ]
الدعوة كانوا من الطبقات الغالبة المستغلّة التي يسوءها أن تتبدّل الحال فتُحرَمَ أمجادَها وما هي فيه من استعلاء المترَفين، وأنّ أشدّ الناس حماسةً ضدّ الدعوة الجديدة كانوا أكثرهم مالاً وجاها ونفوذاً واستبداداً! وفي موقف وأنِفوا أن يكونوا ناساً كسائر الناس لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وفي مؤاخاة النبيّ لأولئك المستضعَفين الذين أرادهم أن يكونوا بشراً يَحيون في الأرض ويُرزقون من خيراتها لا آلات يملكها أسيادٌ تافهون ويسيّرونها وفق مآربهم، وفي حبّه واحترامه للعاملين المنتجين، في كلّ ذلك ما يفسّر لنا موقفَ المضطَهدين من دعوته وموقفَ أصحاب الوجاهات. فقد هالَ هؤلاء وطاب لأولئك من النبيّ أن يقول: «الناس كلّهم سواسيةٌ كأسنان المشط»، وأن يرفع من شأن العبيد والمستضعَفين والمظلومين ويساويهم بالأسياد في كلّ حقٍّ وكلّ واجب!

وفي فصل عقدناه بعنوان «قبل الإمام» إيضاحٌ موجز لحقيقة الإسلام من الناحية الاجتماعية ثم لموقفه الثوري من نظُم عصره وأحوال المستبدّين والوجهاء والمستضعَفين والفقراء، فإنْ شئتَ فارجع إليه. وخلاصة ذلك أنّ النبيّ طلع على الناس يومذاك بما لم يعرفوه من قلُ ; فمن سُنَن رسالته أنّ الأسود والأحمر سواء وكذلك العربيّ والأعجمي ولا فضل إلاّ بالعمل. وأنّ المسلم وغير المسلم سواءٌ كذلك لأنّ كلّ مَن آمن بالله فهو مسلمٌ على لسان محمّد وفي قلبه لذلك كان خصماً لكلّ مَن آذى ذميّاً أو أساء إلى إنسان والإنسان أخ الإنسان أحبّ أم كره. ومن سُنَن هذه الرسالة الاساسية رعايةُ الحقّ وانتهاجُ كلّ سبيل إلى العدالة الاجتماعية فلا ظالم في الناس ولا مظلوم ولا


[ 104 ]
قاهر ولا مقهور ولا غنيّ متخَم ولا فقير محروم وما آمَن ـ في مذهب محمد ـ مَن بات شبعانَ وجاره جائع! والمال في سنّته مال الأمة.

وقد عاش النبيّ هذه المبادىء الرفيعة لا يحيد عنها قيدَ شعرة. وكثيراً ما كان يأخذ الأموال التي في قبضة الأغنياء فيوزّعها على المعوزين توزيعاً عادلاً. وكان يمنع على عمّاله أن يقبلوا هدّيةً او يرتشوا بدرهم، ويقدّم الضعيفَ على القويّ في كلّ ما يعرض له من شؤونه وحاجاته، ويسفّه الظالمين ويأخذ على يدهم ويجعلهم عبرة المعتبرين ويحطّ مِن شأن المنافقين، ويدعو الناس جميعاً إلى التعاون الاقتصادي تعاوناً تخفّ به عنهم وطاةُ العوَز والحاجة.

وقد أثّرتْ سيرة النبيّ باصحابه وعمّاله تأثيراً عظيماً حتى لترى عجباً في أخبار أولئك الذين نشأوا في الجاهلية على سنّة آبائهم في أن يُجيزوا لأنفسهم الاستئثارَ بكلّ ما طالته أيديهم ويطلبوا المزيد، فإذا هم من أعدل الناس ومن أشرفهم نفوساً تحت عين محمّد وعلى نور مسلكه. فهذا عبدالله بن رَوَاحة يبعثه النبيّ إلى خيبر وفيها عشرون ألف مقاتل ليقدر عليهم تمرَهم، فيحاول الخيبريّون أن يرشوه فلا يشتدّ عليهم في ما يقدّر من تمورهم فيستأثروا به وحدَهم دون فقراء الناس، فإذا هم يحملون إليه حَلْياً من حلي نسائهم فيقولون: هذا لك وخفّفْ عنّا وتجاوز في ما تقدّر. فيقول عبدالله: ياأهل خيبر، إنكم لمن ابغَض خلق الله عليّ، وما ذاك بحاملي على أنْ أحيف عليكم وأظلمكم. وأمّا ما عرضتم عليّ من الرشوة فإنّها السحت وإنّا لا نأكلها! فيقول أهلُ خَيْبَر: بهذا قامت السماوات والأرض!

وتوفيّ النبيّ والناس بين وجيه يحنّ إلى وجاهته في الجاهلية فلا يستطيع إلى العودة إليها سبيلاً، وراض مطمئنّ إلى إنسانية هذه الثورة وإلى نتائجها العملية يجاهد في سبيلها ولا يتطلع إلى الوراء.


[ 105 ]
واستخلف أبو بكر الصدّيق فظهرتْ في أيّامه نتائج الحنين إلى الوجاهات التي حطّمها الإسلام كما ظهرت نتائج الرضى والاطمئنان. فثار وجهاء القبائل مرتدّين فحارَبهم أبو بكر بالراضين المطئنّين. فتغلّب عليهم وقضى على أحلامهم في العودة إلى ما أعتادوه من حياة الاستغلال والنفوذ والحصول على العيش بدون أيّ نصيب من الجهد. وسار أبو بكر في الناس سيرةً ركّزت في قلوبهم وأذهانهم كثيراً من معاني الخير في رسالة محمد. ونهَجَ منهجاً لا يختلف عن منهج أستاذه فكان يقول : «فإنْ أحسنتُ فأعينوني وإن أسأتُ فقوّموني. الصدق أمانه والكذب خيانة. ولكم عليّ إذا وقع في يدي ـ المال ـ ألاّ يخرج منها إلاّ في حقّه. ولكم عليّ ألاّ أُلقيكم في المهالك. وإذا رغبتم في البعوث فأنا أبو العيال!»

أجل إنّه أبو العيال. وقد بلغ به صدقُ هذا الشعور حدّاً كان معه يحلب للضعفاء ممّن حوله أغنامهم، حتى إذا تولّى شؤون الخلافة سمع ابنةً لبعض هؤلاء تقول: اليومَ لا تُحلَب لنا منائح دارنا! فقال لها في الحال: بل لعمري لأحلبنّها لكم! وظلّ يحلبها. أمّا مسكنه المتواضع، فقد أبى أن يتركه بعد أن وليَ الجماعة كما أبى أن يغير شيئاً من محتوياته القليلة، بل إنّه زاد على ذلك فكان يوزّع ماله الخاصّ على الناس فلا يستبقي لنفسه منه شيئاً. وكان يأمر ولاته بمثل هذا الأمر الذي وجّهَه إلى خالد بن سعيد: «فثبّتِ العالم، وعلّم الجاهل، وعاقب السفيه المترَف». وكان يهدّد بالعزل كلّ مَن تُداخِله نخوةُ الشيطان من الولاة والقواد وممّا قاله ليزيد بن أبي سفيان لمّا وجّهه إلى بعض البقاع السورية: «إني قد ولّيتك لأبلوك وأجرّبك وأخرّجك، فإن أحسنتَ رددتُك إلى عملك وزدتُك، وإن أسأتَ عزلتُك!»

ولم تطل أيام أبي بكر فخَلِفَه عمر بن الخطّاب والناس آخذون بالتعوّد


[ 106 ]
على أنّ الخلافة إنّما قامت لمصالحهم وللانتصاف من الظالم ثمّ لإشاعة العدالة في كلّ أرض. كما أنهم آخذون بالتعوّد على أنّ الإسلام ثورةٌ مستمرّةٌ لا يمكن أن يوقَف مجراها أو تُحوَّل عن طريقها. وفي عهد عمر اتّسعتْ رقعة الدولة فاتّسعتْ أعمال الإدارة وعظمت المهامُ وكثُر بالضرورة عدد الولاة والعمّال وبعدتْ مراكزهم عن عاصمة الخلافة. غير أنّ ابن الخطّاب كان علمُه بمن نأى عنه من عمّاله ورعيّته ـ كما يقول الجاحظ ـ كعلمه بمن بات معه في مهاد واحد، وعلى وساد واحد. فلم يكن له في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي عاملٌ ولا أميرُ جيش إلاّ وعليه له عينٌ لا يفارقه ما وجَدَه. فكانت ألفاظ مَن بالمشرق والمغرب عنده في كلّ مُمسَى ومُصْبَح. وأنت ترى ذلك في كتبه إلى عمّاله وعمّالهم. وكان يشيّع عمّاله وهو يقول لهم: «إنّما استعملتُكم لتقضوا بين الناس بالحقّ وتقسموا بينهم بالعدل».

وكان عمر يثير المظلوم على ظالمه حتى ليجعل طلبَ الاقتصاص من الظالم واجباً من واجبات المظلوم فكان يقول: مَن ظلَمَه عاملُه بمظلمة فلا إذنَ له عليّ إلاّ أنْ يرفعها إليّ حتى أقصّه منه. فيقال له: أرأيتَ إن أدب أميرٌ رجلاً قال مرّةً لعمر: إنّ عاملك فلاناً ضربني مائة سوط. فسأل عمر العاملَ قائلاً: فيمَ ضربتَه؟ فأجاب العامل بما لم يقنع عمر، فما كان منه إلاّ أنْ قال للرجل: قمْ فاقتصّ منه!

وكان عمر يقول: «أيّما عامل لي ظلَم أحداً فبلغتني مظلمتُه فلم أُغيّرها فأنا ظلمتُه!»

وحرّم عمر الهدايا يُؤتى بها إلى العمّال كما حرّمَها النبي. وكتب مرّةً إلى


[ 107 ]
عماله يقول: «أمّا بعد، فإيّاكم والهدايا فإنّها من الرّشا!» وكان لا يستعمل رجلاً لمودّة أو لقرابة، وكان يقول: «مَن استعمل فاجراً وهو يعلم أ نّه فاجر كان مثلَه!» واشتدّ عمرُ بن الخطَاب على القرشيّين لِما يعرف مِن ميل الأكثرية فيهم إلى الاستئثار ومِن حبّهم للثروة، فحبَسهم في أماكنهم لا يخرجون منها ولا يطلبون مالاً ووجاهة!

ولمّا كان عمر على مثْل هذه الشدّة فقد كان معظم عمّاله على سيرته إلاّ من أبى خدمةَ الحقّ فإنّ عمر لا يتلكأ في عزله عند ذاك. كما كان بعض هؤلاء العمّال يخطبون الناسَ بما يخطبهم به ابنُ الخطّاب نفسه ويُضمر من الميل إلى رعاية العدالة مثلَ ما يضمر مولاه. فهذا عمير بن سعيد عاملُ الخليفة الثاني على حمص يعتلي منبراً ويخطب الناسَ يقول: «وليس شدّة السلطان قتلاً بالسيف ولا ضرباً بالسوط ولكن قضاءً بالحقّ؟»

وكيف يرى شدّةَ السلطان بالقتل والضرب مَن يسخط على نفسه إنْ هو آذى إنساناً بكلمة قالها في غير مكانها. فهذا عمير يخلّي حمصَ ويُقبل على ابن الخطّاب فيسأله عمّا عملَه فيقول: بعثتَني حتى أتيتُ البلدَ فجمعتُ صلحاء أهله فوليّتهُم جبايةَ فيئهم حتى إذا جمعوه وضعتُه مواضعَه، ولو نالك منه شيءٌ لأتيتُك به. فيقول عمر: فما جئتَنا بشيء؟ فيقول: لا! فيقول عمر: جدّدوا لعمير عهداً. فيقول عمير: لا عملتُ لك ولا لأحد بعدك، واللهِ ما سلمتُ بل لم أسلم. لقد قلتُ لنصرانيّ: أخزاك الله! فهذا ما عرّضتَني له يا عمر! وإنّ أشقى أيامي يوم خلقتُ معك يا عمر!

وكان عمر يقول للعامل العادل: «أنت أخي وأنا أخوك!» ومَن كانت هذه حقيقته فإنّه يأبى طبعاً أن يستبدّ بالرأي والعمل دون سواه من الناس


[ 108 ]
ذلك لأنّ غايته أن يعمل فيُفيد لا أن يقال إنّه عمِل. هكذا كان ابن الخطّاب يطلب المشورة في كلّ ما يحتمل الخطأ والصواب. وطالما استنجد بعليّ بن أبي طالب يستشيره فيشير عليه وأخبارُه في الاستعانة بعليّ مشهورة. وكذلك أخباره في استشارة أصحابه جميعاً وقد قال يوماً لهم: أَشيروا عليّ ودلّوني على رجل أستعمله في أمر قد دهَمَني فقولوا ما عندكم، فإنّي أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميرَهم كان كأ نّه أميرهم، وإذا كان فيهم هو أميرهم كان كأ نّه واحدٌ منهم! فقالوا: نرى لهذه الصفة الربيع بن زياد الحارثي فنشير على أميرالمؤمنين به. فأحضره وولاّه، فوفق في عمله، فشكر عمر لمن أشاروا عليه بولاية الربيع!

ولطالما شهد عمر بن الخطّاب بما كان لمشورة عليّ وآرائه من فضل عليه في تدبير الأمور ومواجهة الصعاب. أوَليس هو القائل: «لولا عليّ لهلك عمر!» و «لا بارك الله في معضلة لم تحكم فيها، يا أباالحسن!»

ويعرف الناس نصائح عليّ لعمر في الشدائد خصوصاً وفي الوقائع الخطيرة، منها هذه النصيحة التي توجّه بها إلى الخليفة الثاني قبَيْل وقعة «نهاوند» نثبتها هنا شاهداً على مقدار ما كان لعليّ من عظيم الشأن في معاونة عمر، ثم لِمَا فيها من منطق عليّ السديد ونفاذ بصيرته في كلّ معضلة من المعضلات التي يواجهها رجال الدولة وقوّاد الجيوش في الأزمات. قال عليّ يخاطب عمر وكان عمر عازماً على أن يسير بنفسه بالجيش إلى محاربة العجم في وقعة نهاوند:

«إنك إنْ أشخصتَ أهل الشام سارت الرومُ إلى ذراريهم. وإن سيّرتَ أهلَ اليمن خلَفتَ الحبشة على أرضهم. وإن شخصتَ أنت من هذا الحرَم انتفضت عليك الأرض من أقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك أهمّ إليك ممّا قدّامك. وإن العجم إذا رأوك عياناً قالوا: هذا مَلكُ العرب كلّها،


[ 109 ]
فكان أشدّ لقتالهم. اكتب إلى الإمصار يشخص الثالث منهم ويقيم الثلثان!»

فقال عمر: هذا هو الرأي! وعمل بنصيحة عليّ.

وكان همّ عمر ألاّ يُفتَح للناس بابٌ للشكوى وألاّ يُغني أفراداً ويُفقر أمّة. لذلك نراه يصادر عمّاله الذين كانوا يستأثرون بشيء من مال العامّة أو يؤثرون قوماً بالعطاء دون قوم. من ذلك أ نّه صادر عمرو بن العاص عامِلَه على مصر حين بلغَه أنّ عمراً يقتني من المتاع والآنية والرقيق والخيل وغيرها ممّا لم يكن له حين وليَ مصر، فادّعى عمرو إدّعاءً لم يقتنع به ابنُ الخطّاب فصادَره وأخذ منه كلّ ما فاض عن حاجته. وصادرَ كذلك أبا هريرة عامِلَه على البحرين، والنعمانَ بن عديّ عامِلَه على ميسان، ونافعَ بن عمرو الخزاعي عامِلَه على مكّة، ويعلي بن منيّة عامِلَه على اليمن، وسعد بن أبي وقّاص عامِلَه على الكوفة، وخالد بن الوليد عامِلَه على الشام. واشتدّ على خالد بن الوليد وكان عمر قد أمرَه بأن يجعل المالَ من نصيب أهل الحاجة فأعطاه خالدٌ أصحابَ النفوذ وأصحابَ الوجاهة وأصحابَ الفصاحة والشاعرية، فغضب عمرُ على خالد ودعا إليه الذين حصلوا على المال فأخذه منهم وردّه في بيت مال الأمة.

وكان عمر يُطعم أهلَ الحجاز بمال الشام وأهلَ الشام بمال الحجاز إذا دعت الحاجة إلى مثل هذا التدبير. من ذلك ما حدث أيام المجاعة في عام الرمادة إذ رأى عمرُ أنّ الحجازيين يهلكون جوعاً فأمَر عمّاله في مصر والشام والعراق أن يوافوه بكلّ ما في بلادهم من مطعم، فأتته القوافل تحمل المآكل وغيرها من الضرورات، فوسّع على أهل الحجاز وأنقذَهم من الهلاك جوعاً وكان قد قطع الطعامَ عن نفسه أُسوةً بالناس.

ولم يكن عمر يُقيم وزناً لمظاهر العبادة إلاّ إذا رافقَها العمل الاجتماعي


[ 110 ]
الصالح، بل إنّه كثيراً ما كان يقيم وزناً لعمل المرء وإنْ هو لم يتعبّد ولم يُراعِ السنّةَ العامّة في أشكال العبادة. وإليك هذه الرواية نسوقها دليلاً على موقف عمر الصريح هذا:

شهد عند عمر شاهدٌ مرّةً في إحدى القضايا وكانت الشهادة ضرورية للوصول إلى الحكم الصريح. فلمّا مثلَ الشاهد بين يديه سألَه عمر: ائتني بمن يعرفك فأتاه الشاهد برجل، فأثنى الرجل عليه كثيراً، فقال له ابنُ الخطاب: أنت جارُه الأدنى الذي يعرف مدخلَه ومخرجَه؟ قال الرجل: لا! قال عمر: كنتَ رفيقَه في السّفَر الذي يستدَلّ به على مكارم الأخلاق؟ قال الرجل لا! قال عمر: فعاملتَه بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورَع الرجل؟ قال: لا! قال عمر: أظنّك رأيتَه قائماً في المسجد يهمهم بالقرآن، يُخفي رأسه تارةً ويرفعه أُخرى؟ قال الرجل: نعم! فقال عمر: اذهب، فلستَ تعرفه! ثمّ قال للشاهد: اذهب فائتِني بمن يعرفك!

وكان عمر يسعى ابداً في تحطيم الفوارق بين الناس سواءٌ أكانت فوارق مادّية أو وراثيّة. وقد خطبَ مرّةً يقول: إنْ رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوّموني . فأجابه رجلٌ من العامّة قال: لو وجدنا فيك اعوجوجاً لقوّمناه بحدّ سيوفنا. فنظر إليه عمر وقال: الحمد لله الذي جعل في رعيّة عمر مَن يقومه بحد سيفه!

أمّا قصّة «إضربْ ابن الاكرمين» فأشهر من أنْ نضطرّ إلى ذكرها في هذا المقام. وغيرها من القصص المعبّرة عن معنى الولاية أيّام عمر، أشهر.

وإليك الآن بعض أخباره التي تدور جميعاً حول محور واحد من الاهتمام بالناس المتساوين بالحقّ والواجب في دولة ابن الخطّاب القائل: «لو ماتت شاةٌ على


[ 111 ]
شاطىء الفرات لظننتُ أنّ الله سائلُني عنها!» والقائل: «لا يقعَدن أحدُكم عن طلب الرزق ويقول: اللّهمّ ارزقني! فقد علم أنّ السماء لا تمطر ذهباً ولا فضّة، وإنّما يرزق الله الناسَ بعضَهم من بعض!»

*
رأى عمر في السوق إبلاً سِماناً فقال: لمن هذه الإبل؟ فقالوا له: لعبدالله ابن أميرالمؤمنين. فقال: يا عبدالله بن عمر، بخ بخ، ابن أميرالمؤمنين!! فسعى ابنُه عبدالله إليه فقال له عمر: ما هذه الإبل؟ قال عبدالله: إبلٌ اشتريتُها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون. فقال له عمر: يقال ارعوا إبلَ ابن أميرالمؤمنين، اسقوا إبلَ أميرالمؤمنين! يا عبدالله بن عمر اغدُ على رأس مالك واجعل باقيَه في بيت مال المسلمين. ففعل ذلك عبدالله وضمّ جميع أرباحه إلى بيت المال.

وشدّة عمر بالحقّ على أهله وذويه من خصاله المشهورة. فقد كان يجمعهم لدى كلّ مسألة ينهي الناس عنها قائلاً لهم: إني نهيتُ الناسَ عن كذا وكذا وإن الناس ينظرون إليكم نظرَ الطير إلى اللحم، وأُقسم باللهِ لا أجد أحداً منكم فعَلَه إلاّ أَضعفتُ عليه العقوبة!

ومن أخبار عمر أخبارٌ تزخر بالرفق بالناس. من ذلك أ نّه استعمل رجلاً من بني أسد على عمل فجاء الرجل يأخذ عهده ليذهب إلى حيث ولاّه، فلمّا كان بين يديه أقبل أحد أولاد عمر، فأخذه عمر فقبّلَه بحنان، فقال الرجل الأسدي: أتقبّل هذا يا أميرالمؤمنين؟ واللهِ ما قبّلتُ ولداً قطّ! فقال عمر: فأنت واللهِ بالناس أقلُ رحمةً، هاتِ عهدَنا لا تعمل لي عملاً أبداً! واسترد عهده ودفَع الرجلَ الأسدي عن ولاية الناس.


[ 112 ]
ولكنّ عطف عمر على أبنائه هذا العطف لم يكن ليحمله على أن يخالف عدالةَ الإسلام في شيء ممّا يعني هؤلاء الأبناء. وقد رأى الناس في عهده أمراً عجباً كان تجسيماً لهذه العدالة وما تقتضيه. فإنّ أبا لؤلؤة ما كاد يغدر بعمر بن الخطاب حتى سار عُبَيدالله بن عمر إلى بيت الهرمزان الفارسي فوجدَه فيه فقتَله في الحال. وكانت حجّته في ذلك أ نّه علِم بأنّ أبا لؤلؤة كان على صلة وثيقة بالهرمزان وكان كثيرَ الدخول إلى داره كثيرَ الخروج منه، فهما، إذن، متّفقان على قتل عمر. فلمّا كان عمر في حالة بين الموت والحياة وبلغَه ما فعله ابنُه عبيدالله، دعاه إليه ووبّخَه ثمّ أمَرَ الناس بأن يُقاد للهرمزان من ابنه إذا ما مات. أي أ نّه امرَ بأن يُقتَل ابنُه لأ نّه اعتدى فقتَل رجلاً من الناس لم تنبت عليه تهمةٌ ولم يُدِنْه قضاء.

وكان عمر من الرفق بحيث رأى أنّ للحيوان، بوصفه كائناً حيّاً، حقّاً على الناس يوجب عليهم أنْ يخلّوا عنه فيأكل من نبْت الأرض عشباً أخضر ويرتوي ماءً طيّباً. وكان لا يرى مانعاً من أنْ يعاقب رجلاً شرساً حمّل بهيمة ما لا تطيقه من الأحمال الثقيلة. ولمّا وفدَ الأحنف بن قيس على عمر مرّةً، أتى عمر مناخ رواحل الوفد وجعل يتفقّدها ويقول:

«ألاَ اتّقيتم الله في ركابكم هذه! أمَا علمتم أنّ لها عليكم حقّاً؟ ألاَ خلَيتم عنها فأكلتْ من نبت الأرض؟»

وقضى عمر الشطرَ الأكبر من أيام خلافته في تفقّد أحوال الناس في أخبار هي المودّة والحنان الخالصان، وهي رعاية الأب لأبنائه، وهي شرَف الحاكم ومعناه. ولمّا كانت هذه الأخبار كثيرة لا يتّسع لها المجال في هذا الفصل، رأينا أن نوجزها بخبر واحد يدلّ على روحها جميعاً. روى العبّاس بن عبداالمطلّب عم النّبيّ قال:


[ 113 ]

خرجتُ في ليلة حالكة قاصداً أميرَالمؤمنين عمرَ بن الخطّاب رضيَ الله عنه. فما وصلتُ إلى نصف الطريق إلاّ ورأيتُ شخصاً أعرابيّاً جذَبني بثوبي وقال: «الزمني يا عبّاس». فتأمّلت الأعرابيّ فإذا هو أميرالمؤمنين عمر وهو متنكّر. فتقدّمتُ إليه وسلّمتُ عليه وقلت له: «إلى أين يا أميرالمؤمنين؟» قال: «أُريد جولةً بين أحياء العرب في هذا الليل الدامس.» وكانت ليلةَ قرّ. فتبعتُه فسار وأنا وراءَه وجعل يجول بين خيام الأعراب وبيوتهم ويتأمّلها، إلى أن أتينا على جميعها وأوشكنا أن نخرج منها. فنظرنا وإذا هناك خيمةٌ وفيها أمرأةٌ عجوز، وحولها صِبيةٌ يعوِلون عليها ويبكون. وأمامها أثافيّ عليها قدرٌ وتحتها النار تشتعل وهي تقول للصِّبيَة: «رويداً رويداً بَنيّ، قليلاً وينضج الطّعام فتأكلون!»

فوقفنا بعيداً وجعل يتأمّل العجوز تارةً وينظر إلى الأولاد أُخرى . فطال الوقوف. فقلت له: «ياأميرالمؤمنين، ما الذي يوقفك؟ سربنا». فقال: «واللهِ لا أبرح حتى أراها قد صبّت للصّبيَة فأكلوا واكتفوا».

فوقفنا وقد طال وقوفنا جدّاً، ومللنا خوفاً أن تستريب بنا العيون. والصّبيَة لا يزالون يصرخون ويبكون، والعجوز تقول لهم مقالَها: «رويداً رويداً بَنيّ، قليلاً وينضج الطعام فتأكلون».

فقال لي عمر: «ادخل بنا عندها لنسألها». فدخل ودخلتُ وراءَه. فقال لها عمر: «السلام عليك يا خالة». فردّت عليه السلام أحسنَ ردّ. فقال لها: «ما بال هؤلاء الصّبيَة يتصارخون ويبكون؟» فقالت له: «لِما هم فيه من الجوع». فقال لها: «ولِمَ لم تطعميهم ممّا في القدر؟» فقالت: «وماذا في القدر لأطعمهم؟ ليس هو إلاّ علالة فقط إلى أن يضجروا من العويل فيغلبهم النوم. وليس لي شيءٌ لأطعمهم». فتقدّم إلى القدر ونظر إلى ما فيها فإذا هي حصباء وعليها الماء يغلي. فتعجّب من ذلك وقال لها: «ما المراد بذلك؟» فقالت: «أُوهمهم أنّ فيها شيئاً يُطبَخ فيُؤكَل، فأعلِّلهم


[ 114 ]

به حتى إذا ضجروا وغلب النوم عيونهم ناموا. فقال لها عمر: «ولماذا أنتِ هكذا؟» فقالت له: «وأنا مقطوعة لا أخ لي ولي اب ولا زوج ولا قرابة». فقال لها: «لِمَ لمْ تعرضي أمرك على أميرالمؤمنين عمر بن الخطّاب فيجعل لك شيئاً من بيت المال؟» فقالت له: «لا حَيّا الله عمرَ، واللهِ إنّه ظلمَني». فلمّا سمع عمر مقالَها ارتاع من ذلك وقال لها: «يا خالة، بماذا ظلمَك عمر بن الخطّاب؟» فقالت له: «نعم واللهِ ظلمَنا، إنّ الراعي عليه أن يفتّش على حال كلٍّ من رعيّته لعلّه يجد فيها مَن هو مثلي، ضعيف اليد كثير الصّبْيَة، ولا معين ولا مساعد له، فيتولّى لوازمَه ويسمح له من بيت المال بما يقوته وعيالَه أو صِبيَتَه». فقال لها عمر: «ومن أين يعلم عمر بحالك وما أنت به من الفاقه مع كثرة الصّبْيَة؟ كان يجب عليك أن تتقدّمي وتُعلميه بأمرك». فقالت: «لا والله»، إنّ الراعي يجب عليه أن يفتّش على احتياجات رعيّته». فقال عمر: «صدقتِ يا خالة، ولكنْ علّلي الصّبية والساعة آتيك».

ثمّ خرج وخرجتُ معه وكان قد مضى من الليل ثلثُه الأخير، فمشينا والكلاب تنبحنا وأنا أطردها وأذبّها عني وعنه إلى أن انتهينا إلى بيت الذخيرة. ففتَحه وحده ودخل، وأمرني فدخلتُ معه. فنظر يميناً وشمالاً فعمد إلى كيس من الدقيق. فقال لي: «يا عبّاس، حمّله على كتفي». فحمّلْتُه إيّاه ثم قال لي: «احمل أنت هاتيك، جرّةَ السمن». وأشار إلى جرّة هناك فحملتُها وخرجنا، وأقفلَ الباب، وسرنا، وقد أنهار من الدقيق على لحيته وعينيه وجبينه!

فمشينا إلى أن أنصفنا وقد أتعَبَه الحملُ لأنّ المكان كان بعيداً، فعرضتُ نفسي عليه وقلت له: «بأبي وأمّي ياأميرالمؤمنين حَوِّل الكيسَ عنك». فقال: «لا والله، أنت لا تحمل عنّي جرائمي وظلمي يوم الدين. واعلم يا عبّاس أنّ حملَ جبال الحديد وثقلَها خيرٌ من ظلامة كبرتْ أو صغرت ولا


[ 115 ]

سيّما هذه العجوز تُعلّل أولادَها بالحصى. يا له من ذنب عظيم. سر بنا وأسرِع يا عبّاس قبل أن تضجَرَ الصّبيَةُ من العويل فيناموا كما قالت!»

فسار وأسرع وأنا معه، يلهث من التعب إلى أن وصلنا إلى خمية العجوز. فحوّلَ كيس الدقيق عن كتفه ووضعتُ جرّةَ السمن أمامه. فتقدّمَ وأخذَ القدر وكبَّ ما فيها، ووضعَ فيها السمنَ وجعل بجانبه الدقيق. ثمّ نظر فإذا النار كادت تُطفأ. فقال للعجوز: «أَعندكِ حطب؟» قالت: «نعم يا ابني». وأشارت له إليه. فقام عمر وجاء بقليل منه، وكان الحطب أخضر، فوضع منه في النار ووضع القدر، فواللهِ إني رأيتُ دخانَ الحطب يخرج من خلال لحيته ولم يزل هكذا حتى اشتعلت النار وذاب السمنُ وبدأ غليانه. فجعل يحرّك السمنَ بعود في بعود في يده الواحدة، ويخلط من الدقيق مع السمن في يده الأخرى إلى أن نضج، والصِّبيَة حوله يتصارخون.

ثم طلب من العجوز إناءً فأتته به. فجعل يصبّ الطبخَ في الإناء وينفخه ليبرّده ويُلقم الصغار. ولم يزل يفعل هكذا معهم واحداً بعد واحد حتى أتى جميعهم وشبعوا واكتفوا. وقاموا يلعبون إلى أن غلب عليهم النوم فناموا. فالتفتَ عمر عند ذلك إلى العجوز وقال لها: «يا خالة، أنا في قرابة أميرالمؤمنين عمَر وسأذكر له حالك. فأتيني غداً في دار الخلافة فتجديني هناك، فارجي خيراً».

ثم ودّعها عمر فخرج وخرجتُ معه، فقال لي: «يا عبّاس، والله إنّي حين رأيتُ العجوز تعُلّل صِبيَتَها بالحصى حسستُ أنّ الجبال قد زلزلتْ واستقرّت على ظهري. حتى إذا جئتُ وأطعمتُهم بما طبختُه لهم واكتفوا وجلسوا يلعبون ويضحكون، فحينئذ شعرتُ أنّ الجبال قد سقطت عن ظهري».

ثم دخل عمر داره وأمرني فدخلتُ معه وبتنا ليلتنا. ولمّا كان الصباح أتت العجوز فجعل لها ولصِبيتها راتباً من بيت المال تستوفيه شهراً فشهراً.


[ 116 ]

هذه السيرة التي سلكَها النبيّ في الناس، وسلكَها مِن بعده أبو بكر وعمر بن الخطاب، كانت هي الطعنة القاتلة التي وُجّهت فيما بعد ـ بصورة غير مباشرة ـ إلى سياسة عثمان بن عفّان وإلى حكمه. ومعنى ذلك أنّ الناس قد تعوّدوا أن يروا حقوقَهم تصير إليهم، وأن يشهدوا مصيرَ الظالمين من العمّال والوُلاة وكيف يُصادَرون ويُؤخَذ منهم ما ليس لهم فيُردّ على أصحابه، وأن يشعروا بأنّ الحاكم إنّما هو راع لمصالحهم لا مستأثر ولا مستغلّ، وبأنّ القريب والبعيد في الحقّ سواء. ثمّ إنّهم تعوّدوا أن بروا كبال الصحابة كعليّ بن أبي طالب وأبي ذرّ الغفاري وغيرهما، منائرَ حقٍّ وهداية يلجأون إليها في الصعاب، فإذا جميع المسلمين يتعاونون على رفع العوّز عنهم، ورفع الحَيف، واحترامِ حقوقهم في الحياة. فلمّا آلت الخلافة إلى عثمان بطُلَ الحق وساد الجَور، وجاعت أمّةٌ ليبطر في خيراتها الأهلُ والوجهاء، فرأى الناس غيرَ ما عهدوا وغيرَ ما يحبّون، وأحسّوا أنّ ذهينّة جاهليّةً لا تعرف من الإسلام شيئاً قد طغت واستحكمت، فثاروا!

ولكن، إلامَ صارت أحوالُ الناس على أيدي وجهاء الزمان، في عهد عثمان؟

* * *


[ 117 ]

وجَهاء الزَّمان

* لقد فتَنَتِ الغنائمُ العرب. أبو بكر

* كأنِّي بك قد حملتَ بني أميّة على رقاب الناس. عمر

* سيولّون عثمانَ وليحدثنّ البِدَع والأحداث. عليّ

إذا التاجرُ الهنديُّ جاء بفأرة *** من المِسك راحت في مَفارِقِهم تجري

شاعر مجهول

من هذه الاستعراض الخاطف لحقيقة بني أميّة وحقيقة الطالبيين، ثمّ لانصار الفريقين سواءٌ أكان ذلك في الجاهلية أو الإسلام، يبدو لنا أنّ شهوة الرئاسة والمُلك والاستئثار لها أصولٌ وفروع في الأسرة الأموية، وامتداداتٌ بعيدةٌ في أنصارها وأعوآنهاومَن هم مِن طينة أميّة ومن مذهبها.

وقد تَبيّن لنا من قبل أنّ الأمويين وأنصارهم إنّما كانوا حرباً على النبيّ ودعوته بذهنيّة الوجهاء الذين يأبون أن يزحزحهم الجديدُ عن عاداتهم وعن


[ 118 ]
نُظُمهم الاجتماعية التي كانت لا تفيد إلاّ أصحاب التجارات والأموال وكانت تقهر الطبقات الشقيّة البائسة.

وفي أثناء الدعوة، منذ انطلاقها حتى فتح مكة، أسلم وجهاء قريش على اختلاف مهودهم ورغائبهم جميعاً، وكانوا بإسلامهم ثلاثة أقسام فيما نرجّح وفيما تبرّره الحوادث:

قسماً رأى في الإسلام حقّاً وعدلاً فأسلم راضياً مختاراً، وهو القليل القليل بين هؤلاء الوجهاء. ومن هذا القسم طلحة والزبير، وعثمان بن عفّان الذي كان إسلامه طعنةً موجّهةً إلى وجهاء قريش عامّةً والأمويين منهم بصورة خاصّة.

وقسماً كان مُعدّاً لأن يرقب كفّةَ النّصر وكيف تميل فإن كانت مع قريش كان معها وإن مالت مع المسلمين لجأ إليهم وقال ما يقولون، فكأنّه بذلك يريد الإسلام مغنماً له كما أراد الجاهلية، ومن هذا القسم عمرو بن العاص الذي سنروي خبرَ إسلامه في فصل آت نريد به الحقيقةَ عن موقفه من عليٍّ ومعاوية.

وقسماً ثالثاً لم يُسلم إلاّ مُكرَهاً معزولاً عن وجاهاته متربّصاً بالإسلام مترقبّاً العودةَ إلى الجاهلية. ويمثّل هذا القسمَ من الوجهاء أبو سفيان بن حرب والد معاوية، وزعماء القبائل التي ارتدّت بعد موت النبيّ فحارَبهم أبو بكر حرباً ظافرة.

أمّا القسم الأوّل من هؤلاء الوجهاء فقد ظلّ على إسلامه وعلى عهده. ولكنّه كان يخلط بين إسلامه وما في نفسه من رسوبات الوجاهة خلطاً لا يعيهِ ولا يعنيه فيلتبس عليه الأمر، فهو بهذا غير ملوم إلاّ قليلاً.

أمّا القسمان الآخران، فقد كان الجانب الاقتصادي وامتدادتُه الاجتماعية المحوَرَ الذي دارت عليه سياستهما القريبة والبعيدة. فوجهاء هذين القسمين لم


[ 119 ]
يكونوا مرّةً إلاّ لمصالحهم وحدَها. فإمّا أن تتّفق مصالحُهم فيتساندوا جميعاً ويتعاونوا، وإمّا أن تختلف هذه المصالح فيعمل كلٌّ منهم عند ذاك على حِدَة.

أمّا في موضوع الفتنة وفي أسبابها، فإنّ المسؤولية تقع على هؤلاء الوجهاء جميعاً بأقسامهم الثلاثة وإن كان نصيب القسمين الأخيرين منها أوفرَ وأعظم فقد كان من طبيعة هؤلاء أن يستسنحوا الفرصة للمغنَم والمكسب دونما نظر إلى الرسالة الملقاة على عاتق المسلمين يومذاك. وقد بدت بوادر هذا الميل إلى المغنم لدى الوجهاء منذ استخلاف أبي بكر. ومن الحوادث والكلمات المعبّرة عن هذه الحقيقة تعبيراً صريحاً، ما فعلَه خالد بن الوليد وما قاله أبو بكر وعمَر في خالد. وخلاصة الخبر أنّ خالداً قتل مالكَ بن نوَيرة في بعض حروبه اعتداءً وظلماً، ورغبةً في مغنَم غير مشروع وغير مشرّف، فهال الخبرُ أبا بكر وآذاه فقال كلمتَه المشهورة: «لقد فتنت الغنائمُ العرب، وتركَ خالد ما أمرتُه!» ثمّ قدمَ خالد وفي عمامته ثلاثةُ أسهُم فلمّا رآه عمر بن الخطّاب قال: «أرياءً يا عدو الله! أمَا واللهِ إن أمكنَني الله منك لأرجمنّك!» ثمّ تناول عمَرُ الأسهمُ الثلاثةَ من عمامة خالد فكسّرها تحت عينيه وخالدٌ ساكت لا يجرؤ أن يردّ عليه ظنّاً منه أنّ ذلك عن أمر أبي بكر وعن رأيه. فلمّا دخل خالدٌ إلى أبي بر وحدّثَه صدقه أبو بكر فيما حكاه وقِبلَ عذرَه، فراحع عمرُ يحرّض أبا بكر على خالد ويشير عليه أن يقتص منه بدم مالك بن نوَيرة، فقال أبو بكر: «إيها أَيا عُمَر، ما هو بأوّل مَن أخطأ!»

وقد حاول وجهاء العرب الذين فتنتهم الغنائم أن يكونوا لأنفسهم ومطامعهم وحدَها في عهد عمر بن الخطّاب، والأدلّة على ذلك كثيرةٌ لا تحصى ويكفيك منها الآن ما بعَثَ به أحدُ الشعراء إلى ابن الخطّاب يخبره فيه بأن الوجهاء في بعض الأمصار والأقاليم يستأثرون بكلّ مغنَم ويسعون في إخفاء


[ 120 ]
ذلك عنه، وأنّ العامّة مستاؤون من هذا الاستئثار ولهم في كلّ مال حقٌّ فوقَ حقّ الوجهاء فيه. وممّا قاله الشاعر هذه الأبيات الكثيرة التعبير عن أحوال الوجهاء أيامَ الفتوحات وعمّا في نفوس العامّة منهم، والدالّة على ثقة هؤلاء العامّة بأن الانتصاف من الجائر والمستأثر أمرٌ ممكِن، بل إنّه ضرورةٌ وحقّ:

نحجُّ إذا حجّوا، ونغزو إذا غزَوا، *** فانّي لهم وفرٌ ولسنا بذي وفرِ؟

إذا التاجرُ الهنديُّ جاء بفأرة *** من المسك راحت في مفارقِهم تجري!

فدونك مال الله حيثُ وجدته *** سيرضون إنْ شاطرتَهم منك بالشطرِ

أقول: إنّ وجهاء العرب الذين فتنتهم الغنائم حاولوا أن يستأثروا وأن يجوروا في عهد ابن الخطّاب، غير أنّ ابن الخطّاب لم يكن ممّن يجوز في عهدهم مثلُ هذا البَطَر، فأمعنَ في الوجهاء حبساً وعزلاً ومصادرةً واشتدّ عليهم فباتوا لا يجرأون على استغلال أو ظلم أو مُنكَر، على ما بيّنّاه في الفصل السابق.

وكانت خلافة عثمان فاستشرى داءُ الوجاهة وأفلتت المطامعُ من عقالها وتَناصَر الوجهاء بزعامة الأمويين التي كانت تستتر حيناً وتنكشف أحياناً، فعَمّ البلاء من كلّ جانب. ورأى العامّة من وجهاء الزمان في عهد عثمان ما لم يألفوه في عهود السابقين أيامَ النبيّ وأبي بكر وابن الخطّاب! وما الذي هالَ الناسَ في عهد عثمان وأثار النفوس!

لا بأس أن نعود قليلاً إلى كلمة قالها عمر بن الخطّاب لعثمان لنرى مقدارَ ما كان العارفون ينتظرون من وقوع الشرّ والفتنة على أيدي الأمويين وأنصارهم، ومقدارَ ما كانوا يعرفون من حقيقة هؤلاء فيما إذا وُلّوا على الناس. أقبل عمرُ مرّةً على عثمان فقال له: هيهاً إليك! كأنّي بك قد قلّدتك قريش هذا الأمرَ فحملتَ بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس وآثرتهم بالفىء فسارت إليك عصابةٌ من ذئبان العرب فذبحوك على فراشك


[ 121 ]
ذبحاً! واللهِ لئن فعلوا لَتفعلنّ ولئن فعلتَ ليفعلُنّ!» ثم أخذ بناصيته فقال: «فإذا كان ذلك فاذكروا قولي فإنّه كائن!»

ولا بأس أن نعود كذلك إلى كلمة قالها عليّ بن أبي طالب في عثمان والأمويين قبل أن يُستخلف عثمان إظهاراً للحقيقة ذاتها التي رمى إليها عمر بن الخطاب. فمرّةً قال عليّ لعمّه العبّاس: «أمَا أنّي أعلم أنّهم سيولّون عثمان وليحدثنّ البِدَعَ والأحداث، ولئن بقيَ لأذكّرنّك وإن قُتِل أو مات لَيتداولّنها بنو أميّة بينهم!»

فإلى أيّ حدٍّ صدَق قولُ ابن الخطّاب وابن أبي طالب في أيام عثمان؟

*
أوّل ما وليَ عثمان أمرَ الجماعة اصطدم بقضايا معقّدة غاية في التعقيد، فما كان من الأمويين إلاّ أن زادوها تعقيداً عوضاً عن أن يساعدوا في حلّها لو صفَت لهم نيّةٌ أو أجمعوا الرأي على خدمة الإسلام. وزادوا على ذلك أنهم استثمروا ما في نسيبهم الخليفة من لين في الجانب، فراحوا يعملون على أساس من العصبيّة العائليّة والنفوذ الشخصي والاستهتار بالمصالح العامّة واستخدام مرافق الدولة لمنافعهم في الرئاسة والمال وتحويل أنظمة الإسلام الاشتراكية إلى نظام رأسمالي خالص يجعل من الشعب أداةَ إنتاج لهم، وموضوعَ استغلال، ويحوّل الخلافةَ إلى مُلك، ويُلقي إمكانات هذا المُلك في أيديهم وأيدي أعوانهم وعبيدهم خالصةً صريحة. وإليك هذه الحادثة التي تدلّ ـ في جملة الحوادث ـ على موقف الأمويين من الناس في عهد عثمان، وعلى نظرهم لحال الدولة:

بدأ عثمان خلافَته بأن راح يوطّىء بني أميّة رقابَ الناس ويولّيهم الولايات ويُقطعهم القطائع، ثم يحمي مصالحهم ومصالحَ أنصارهم ومَن والاهم حمايةً سافرة، ويجعل المالَ دُوَلةً بين الأغنياء على أسلوب خالص


[ 122 ]
لمصلحة الطبقيّة المادّية التي دكّها الاُسلامُ في حدود زمانه، فإذا الوجهاء ينمون نموّاً ماليّاً غير مألوف، وإذا بالعامّة تنوء تحت أثقالهم وفي أغلالهم.

فها هو يفتح أرمينية فيأخذ الخمسَ كلّه فيهبه لنسيبه مروان بن الحكم فيستنكر الناس هذه البدعة ويقول فيه عبدالرحمن بن الحنبل قولاً ينزع به عن رأي العامّة:

أَحلِفُ بالله ربِّ الأنام *** ما ترك الله شيئاً سُدىً

ولكن خلقتَ لنا فتنةً *** لكي نبتلي بك أو نُبتلَى

فإنّ الأمينين(1) قد بَيّنَا *** منارَ الطريق عليه الهدى

فما أخذا درهماً غِيلةً *** ولا جعلا درهماً في هوى

وأعطيتَ مروانُ خُمسَ البلاد، *** فهيهاتِ سعيُك ممّن سَعى

ثم أقطع مروان فوق ذلك «فَدكا» وهي كلّ إرث فاطمة ابنة النبيّ من أبيها. وزاده فأعطاه مائة ألف درهم من بيت مال العامّة. وطلب منه عبدالله ابن خالد بن أسيد الأموي صلةً فأعطاه أربعماية ألف درهم دون مبرّر لمثل هذا الإسراف في العطاء. ووصل نسيبَه الحكَم بن العاص ـ وكان من أعداء الإسلام وطرَداء النبيّ ـ بصلة بلغت مائة ألف درهم. وكان في المدينة سوقٌ تُعرف بسوق «نهروز» وقَفَها النبيّ على فقراء المسلمين، فأقطعَها عثمان الحرَثَ بن الحكَم شقيقَ مروان. وكان حول المدينة مراع خضراء أباحَها النبي وأبو بكر وعمر لمواشي المسلمين جميعاً، فانتزعها عثمان من أيدي المسلمين ومن أفواه مواشيهم وحَماها وجعَلها وقفاً على ماشية بني أميّة وحدهم. وأعطى عبدالله بن سرح جميعَ ما هو في مُلك المسلمين من فَيء أفريقيا كلّها من مصرَ إلى طنجة مِن غير أن يُشرك فيه أحداً سواه. وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمَرَ فيه لمروان بن الحكم بمائة


1 ـ الامينان: أبو بكر وعمر.


[ 123 ]

ألف فجاءَه زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعَها بين يدي عثمان باكياً فقال عثمان: أتبكي أن وصلتُ رحمي؟ فقال زيد: واللهِ لو أعطيتَ مروان مائة درهم لكان كثيراً! فقال عثمان: ألقِ المفاتيح فإنّا سنجد غيرك! وأتته من العراق أموالٌ كثيرة فوزّعها على بني أميّة. ولمّا زوّجّ الحرثَ بن الحكم ابنتَه عائشة أعطاه مائة ألف فوق ما كان قد أعطاه سابقاً. وقدمت إبل من إبل الصّدَقة من بعض الولايات فوهبَها لصهره الجديد. ثم ولاه صدقات قضاعة فبلغت ثلاثماية ألف ـ أي ثلاثة ملايين ـ فوهبَها له أيضاً(1).

وكلّمَه مرّةً في ذلك نفرٌ من كبار الصحابة في طليعتهم عليّ بن أبي طالب فقال إنّ له قرابةً ورحماً. فقالوا: أَفَما كان لابي بكر وعُمَر قرابةٌ وذوو رحم؟ فقال عثمان: إنّ أبا بكر وعُمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أَحتسب في إعطاء قرابتي! فقالوا: فهَديُهما واللهِ أحبّ إلينا مِن هَديك!

وانتهز الوجهاء هذه الفرصة للإثراء على حاسب الجماعة، «بل ذُللّت لهم في كثير من الأحيان هذه الفرَص على عمد ليُشركوا بالأوزار ويُقعدوا عن المعارضة(2)».

فهذا طلحة بن عبيدالله قد ابتنى بالكوفة قصراً منيفاً عُرف عند العرب بعد ثلاثة قرون بدار الطلحتين على ما جاء في مروج الذهب للمسعودي. وكانت غلّته من العراق وحده كلّ يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك. كان ذلك بالكناس، أمّا بناحية سراة فأكثر ممّا ذكرنا على رواية المسعودي أيضاً. أمّا بالمدينة فقد شيّد طلحة داراً تشبه دار عثمان.

وهذا عبدالرحمن بن عوف يبتني دوراً فيوسعها ويوقف على كلّ مربط له مئةَ فرس، ويملك ألف بعير وعشرةَ آلاف من الغنم، وتبلغ ثروته النقدية ما يوازي الملايين الثلاثة من الدنانير.


1 ـ نهج البلاغة، المجلد 1 ص 98.

2 ـ حليف مخزوم لصدر الدين شرف الدى ص 173.


[ 124 ]

أمّا زيد بن ثابت فيخلّف وراءه من الذهب والفضة ما يُكسّر بالفؤوس على ما جاء في مروج الذهب، ويخلّف من الأموال والضياع ثروة ضخمة.

وهذا يعلى بن أميّة لا يموت إلاّ عن خمسمائة ألف دينار، وعن ديون على الناس الفقراء وعقارات!

أمّا الزبير بن العوّام فيذكر المسعودي أ نّه كان يملك في عهد عثمان ألف عبد وألف أمَة. ويبتني القصور الشاهقة بالبصرة والكوفة ومصر والإسكندرية وحيثُ طالت له باع. أمّا ثروته النقدية، وأمّا خيله وإبله، فحدِّث عنها ما يطيب لك الحديث! ويعلّق المسعودي على هذا بقوله:

«وهذا بابٌ يتّسع ذكره ويكثر وصفُه، في مَن تملّك من الأموال في أيّامه ـ أي أيام عثمان. ولم يكن مثل ذلك عصرُ عمر بن الخطّاب. بل كانت جادّة واضحة وطريقة بيّنة!»

ولم يبقَ أحدٌ من الذين رضي عنهم عثمان والأمويِّون إلاّ أثرى على حساب الجماعة، بل على فقرها وبؤسها. فاقتنى هؤلاء من الضيّاع والأموال ما لا عهد للناس بأن يروه في حوزة الفئة القليلة. وكان لعثمان نفسه من هذه الممتلكات نصيب عظيم. فلقد وجد الناس له عند خازنه ـ وذلك بعد مقتله ـ خمسين ومئة ألف دينار وألف درهم. وكانت قيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مئة ألف درهم. وخلّف إبلاً وخيلاً كثيرة(1). أمّا الجواهر والحلى الكسرويّة التي كانت في بيت المال وهي ممّا أفاءت الفتوح على عمر بن الخطّاب، فقد «رآها الناس تتوهّج في ضوء الشمس كالجمر المتّقد، ولكن على صدور بنات عثمان! ورأوا بها حقوقهم مجمّدة في تجسد هازىء مخيف في أيدي الأسرة الحاكمة(2).


1 ـ راجع كتاب «عثمان» لصادق عرجون.

2 ـ حليف مخزوم ص 165.


[ 125 ]

وممّا جاء في مورج الذهب للمسعودي هذا القول في عثمان: «كان عثمان في نهاية الجود والكرم والبذل... فسلك عمّالُه وكثيرٌ من أهل عصره طريقتَه. وبنى داره في المدينة وجعل أبوابها من الساج والعرعر، واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة».

وأطلق عثمان لأنسبائه بني أميّة يأمرون ويعزلون، ويولّون ويجمعون الأموال ويثرون ويجعلون من أرجاء الدولة الواسعة ميادينَ لنفوذهم وأماكن لتأسيس دولتهم. وكان عنصر السوء الأوّل في ما لجأ إليه عثمان من تدابير، مستشاره ووزيره مروان بن الحكم.

وهكذا كانت سياسة عثمان الماليّة ـ والإدارية ومستلزماتها ـ تشطر الناس شطرين على ما لا عهدَ لهم به: الحكّام والأنسباء وحصّتُهم الثراء والطغيان. والعامّة ونصيُبها الحرمان واحتمال الجور. وقد تركّزت هذه السياسة الرأسمالية الخالصة بعد اقتراح عثمان بنقل الفيء إلى الناس حيث أقاموا من بلاد العرب. فكان التّرف والتبطّل من نصيب الأثرياء الذين أفادوا من هذا التدبير. يقول طه حسين:

«ونشأ عن ذلك أوّلاً أن ظهرتْ الملكيّات الضخمة في العراق وغيره من الأقاليم. فالذين استطاعوا أن ينتفعوا بهذا الإقتراح إنّما هم أصحاب الأموال الضخمة الذين كانوا يستطيعون أن يشتروا من أصحاب الملكيّات الصغيرة ما يملكون. فاشترى طلحة، واشترى مروان بن الحكم، وكثر النشاط المالي في ذلك العام من بيع وشراء واقتراض واستبدال ومضاربة. ثم لم يقتصر ذلك على الحجاز والعراق، وإنّما شمل بلاد العرب كلّها من جهة، والأقاليم المفتوحة كلّها من جهة أخرى. وجدت الاقطاعات الكبيرة الضخمة والضياع الواسعة العريضة من جهة، وقام العاملون من الرقيق والموالي والأحرار من جهة أخرى. فظهرت في الإسلام طبقة جديدة من الناس هي طبقة البلوترقراطية التي تمتاز، إلى ارستقراطيتها التي تأتيها من المولد، بكثرة المال وضخامة الثراء وكثرة الأتباع أيضاً.

«ونشأ عن ذلك ثانياً أن الذين اشتروا الأرض في بلاد العرب عامة وفي الحجاز خاصة، قد أرادوا أن يستغلّوا أرضهم. فاجتلبوا الرقيق وأكثروا من اجتلابه. ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى استحال الحجاز إلى جنة من أجمل جنّات الأرض وأخصبها وأحسنها ثمراً وأعوَدها على أهلها بالغنى وما يستتبع الغنى من الترف والفراغ. وما هي إلاّ أن تنشأ في الحجاز نفسه، في مكة والمدينة والطائف، طبقةٌ من هذه الارستقراطية الفارغة التي لا تعمل شيئاً، وإنّما يعمل لها ما جلبت من الرقيق، والتي تنفق وقتها في فنون اللهو والعبث والمجون. وكانت الفنون التي تنشأ عن الترف والتبطّل، فكان الغناء والإيقاع


[ 126 ]

والرقص والشعر الذي لا يصوّر جدّاً ولا نشاطاً، وإنّما يصوّر بطالةً وفراغاً وتهالُكاً من أجلِ ذلك على اللذّة أو عُكوفاً من أجل ذلك على النفس وتعمّقاً لما ينتابها من الهمّ. وإلى جانب هذه الطبقة الارستقراطية الفارغة، عاش الرقيق الذين كانوا يملكون سادتهم ويدبرون حياتهم. وما يكون في هذه الحياة من النشاط الباطل وما يكون فيها من العواطف والأهواء. ثم إلى جانب السادة الأرقّاء، والأرقّاء السادة، عاشت طبقةٌ أخرى من العرب البادين المحرومين لم تملك قطّ أرضاً في الحجاز لتبيعها بأرض في العراق، ولم تملك قط أرضاً في العراق لتشتري بها أرضاً في الحجاز.

«ونتيجة هذا كلّه أنّ النظام الذي استحدثه عثمان عن رأيه هو أو عن رأي مشيريه، لم يكن له نتائجه السياسية وحدها من نشأة هذه الطبقة الغنيّة المسرِقة في الغنى التي استهوت الناس وفرّقتهم أحزاباً وتنازعت السلطان فيما بينها بفضل هذه التفرقة، وإنّما كانت له نتائجه الاجتماعية أيضاً: فقد بلغ نظام الطبقات غايتَه بحُكم هذا الانقلاب فوُجدت طبقة الارستقراطية العليا ذات الثراء الضخم والسلطان الواسع. ووُجدت طبقةُ البائسين الذين يعملون في


[ 127 ]

الأرض ويقومون على مرافق هؤلاء السادة. ووُجدتا بين هاتين الطبقتين المتباعدتين طبقةٌ متوسطة هي طبقة العامّة من العرب، الذين كانوا يقيمون في الأمصار ويُغيرون على العدوّ، ويحمون الثغور، ويذودون عمّا وراءهم من الناس وعمّا وراءهم من الثراء. وهذه الطبقة المتوسطة هي التي تنازعها الأغنياء ففرّقوها شيعاً وأحزاباً. والذي يتتبع تاريخ المسلمين يلاحظ أنّ الصراع الأوّل إنّما كان بين الأغنياء، ثم بين هذه الطبقة الوسطى وهؤلاء الأغنياء. فأمّا الطبقة الثالثة، طبقة العاملين في الأرض والقائمين على المرافق المختلفة، فلم يظهر أمرُها إلاّ بعد ذلك(1)»

وكان العرب حتى ذلك الحين ما تعوّدوا الأثَرة تطغى على الحكّام وتُوجّه سياستهم وأحكامهم. بل كان ما تعوّدوه تغليب المصلحة العامة في قلوب ذوي السلطان على المنافع الخاصة.

كانوا قد تأثّروا بسيرة النبيّ وعدله وإيثاره الآخرين على نفسه، وتمرسوا بتعظيم شأن السلطة على أ نّها سلطة العامّة لا الخاصّة، وسلطة العدل دون الجور، وسلطة مَن من يُعينون الشعب على مكاره الدهر لا مَن يُعينون على الشعب. وكان تمرّسهم بهذه المفاهيم على أيدي الخليفتين السابقين أبي بكر وعمر بن الخطّاب وعَونهما العظيم علي بن أبي طالب ولم يكن قد استُخلف بعد. ولعلّه كان من سوء حظ عثمان أ نّه جاء وهو على هذه السيرة، بعد عمر بن الخطاب مباشرةً وكان الناس ما يزالون يذكرون ـ في ما يذكرون ـ أن عُعَر حجّ مرّةً فأنفقَ في ذهابه ومجيئه إلى المدينة ستة عشر ديناراً، فقال لولده عبدالله: لقد أسرفنا في نفَقتنا في سفَرنا هذا! فلما طلع عليهم عثمان بهذه السياسة، هالَهم الأمر. وشكوا الخليفة وكرّروا الشكوى. وأظهروا استياءهم من وُلاته وعمّاله الأمويّين ومَن نهَج نهجَهم. وعالَنوا عثمان بأ نّهم لن يتمكنوا من احتمال مظالم هؤلاء الوُلاة وهذه السياسة. وقد


1 ـ عثمان: ص 105 ـ 109.


[ 128 ]
يندم عثمان لبعض أعماله ويصغي إلى شكايات المتذمّرين ويعِدُهم بإقصاء أعوانه وعمّاله. فلا يلبث أعوانه أولئك أن يغلبوه على مشيئته فيبقوا حيث هم، ويُمنعوا في سلب الأموال وفي الاستئثار، ثم في التنكيل بالخصوم نكاية وانتقاماً.

وكثيراً ما كان الولاة يقتلون أعضاء الوفود التي تشكوهم إلى الخليفة ساعةَ تعود هذه الوفود إلى ديارها وقد أخذت وعوداً بالإصلاح فيعود مَن بقوا أحياءَ مِن هؤلاء ويشكون جَور الوُلاة إلى أجلاء الصحابة، فنيصرهم الصحابة عند الخليفة، فيأمر الخليفة بتعيين وال جديد مكانَ الوالي الجائر. فإذا سار هذا الوالي إلى استلام منصبه، سار قبله رسول يحملَ كتاباً للوالي المعزول فيه أمرٌ بقتل الوالي الجديد ساعة يصل، وفيه أمرٌ بقتل الوفد الذي شكاه إلى الخليفة! فيثبت الوالي القديمَ في مكانه وينفّذ ما أمَرَ به مِن قتل، ثم يمعن في مظالمه ونكاياته.

وهكذا سارت سياسة عثمان بوحي الوجهاء وفي مصلحة الوجهاء، وقهرت العامّة قهراً كثيراً راح العامّة يعبّرون عنه بكظم الغيظ حيناً وبالقول أحياناً وكان للشعر نصيبٌ في تصوير حالة البائسين وأحوال المترفين. وكان في الناس نفرٌ ممّن اجتمعَ لهم صفاءُ الوجدان وذكاء القلب وبلاغة اللسان وجلال المكانة في قلوب المسلمين، فهالَهم ما هال العامّة مِن بؤس السواد الأعظم وترَف الفئة القليلة، فراحوا يعارضون سياسةَ البلوتوقراطية هذه التي انتهجَها عثمان والأمويّون وأنصارهم. وكانت معارضتهم نزيهةً شريفةً تترفّع عن كلّ مطمع وكلّ هوى. فماذا كان من شأنهم في عهد الوجاهات؟

* * *


[ 129 ]

التنكيل بالمعارضة

* إذا اختلف الناس كان عمَّار مع الحقّ! النبي

* يا أميرالمؤمنين، إنّ هذا العبد ـ يعني عمّاراً ـ قد ألّبَ عليك الناس! وإنّك إنْ قتلتَه نكّلتَ به مَن وراءَه! مروان

* ما أظلّتِ الخضراء ولا أقلّتِ الغبراء مِن ذي لهجة أصدق من أبي ذَرّ! النبي

* أَشيروا عليَّ في هذا الكذَّاب ـ يعني أبا ذَرّ ـ إمّا أن أضربه أو أحبسه أو أقتله؟ عثمان

رأينا أنّ أعوان عثمانَ وبطانته من الأمويّين وسائر الوجهاء وعلى رأسهم مروان، هم المسؤولون عن كافّة السيئات في الحُكم وأساليبه، وفي السياسة الماليّة في عهد عثمان. وعلى عثمان نفسه مثلُ هذه المسؤولية أيضاً إذ لجأ إليهم


[ 130 ]
ورضيَ عنهم وأمرَ بما يأمرون به ونهى عمّا ينهون عنه فكانوا عليه أرصاداً وكان لهم مطيعاً. وقد مثّلَ عليّ بن أبي طالب حقيقةَ عثمان مع بطانته تمثيلاً لا أصدقَ منه ولا أحكمَ في المنطق، إذ أنزلَ الخليفةَ الثالث مِن بِطانته منزلةَ مَن غصّ مِن طعامه وشرابه بالماء. والغاصّ بالماء كيف يتأتّى له أن تساغ غصَّتُه والماءُ آخر علاج في مثل هذه الغصّة. قال عليّ: «إنّ مَن فسدت بطانتُه كان كمن يغصّ بالماء فإنّه لو غصّ بغيره لأساغ الماءُ غصّتَه!»

وكما أطلقَ عثمان أيدي الأمويّينَ في استغلال النفوذ وأيدي الوجهاء في الاستئثار والاحتكار وجمع المال، أطلقَ أيدي مستشاريه منهم في غلّ حرّية المعارضين من أجلاّء الصحابة والداعين إلى العدالة الاجتماعية بين الناس، وسانَدهم وماشاهم، وكثيراً ما كان يكفيهم التنكيلَ بأصحاب الفكر الحرّ فيُلحق بهم الأذى بمشورة مروان وعن رأيه، ولا ينظر إليهم إلاّ كأعداء يريدون أن يُقصوا عنه خيرَ مروان وخيرَ أخيه الحرَث! لقد عمل عثمان بآراء مستشاريه الأمويّين خاصَّةً في كلّ صغيرة وكبيرة، حتى كان ضحيّتهم وهم الذين استغلّوه في الحُكم راضياً أو غير راض، وتربَّصوا به وألّبوا عليه سرّاً لعلّ الخلافة تكون من نصيب سواه من الأمويّين الطامحين إليها. وساعدَهم في ذلك أنصارُهم جميعاً. وتخلّوا عنه كما تخلّى عنه أنصارهم ساعةَ نوى الثائرون أن يفتكوا به.

لقد أقصى عنه كلّ مَن تصلح بمشورته الأمورُ ويستقيم أمرُ الخلافة بالحقّ، وارتضى لنفسه بطانةً راحت تستشيره ثم تستشيره عليه بالتنكيل بالمصلحين الذين تُلبسهم ثوباً من العداء للخليفة لم يختاره ولم يلبسوه!

ففيما كان رجلٌ مسيءٌ كمروانَ أثيراً لدى عثمان، لم يكن لمثل عليّ بن أبي طالب شيءٌ من الحظوة لديه. وهو لو كان له رأيٌ في سياسة الخلافة عند ذاك لاستطاع بنافذ بصيرته وقوّة حُكمه على الأمور أن يجنّب الخليفة سياسة الأثَرة والاصطناع، ويسيّر الدولة على أساس أثبت وأجدى يقوم على تغليب


[ 131 ]
المنافع العامة ورفع الجور عن الناس. وقد بلغ من آثار هذه الخطوة التي كانت لمروان لدى عثمان، أ نّه لم يكن ينتهي من تدبير مؤامرة أو ارتكاب جريمة، حتى يعود إلى الخليفة ليُفرغ في نفسِه أنّ علي بن أبي طالب وغيره من كبار الصحابة إنّما هم الذين يكيدون له ويثيرون الناس عليه، وأنّ السبيل الوحيد إلى توطيد الأمن وسلامة الخلافة هو أن يقتل عثمانُ هؤلاء الصحابة وفي طليعتهم عليّ، ويحصر الأمرَ، كلّ الأمر في عشيرته الأموية فهُم أقرب الناس إليه وأشدّهم غيرةً على سلطانه!

وفي المؤتمر الذي عقده عثمان للتشاور في شأن الاصلاح بعد أن طغى الفساد، لم يدعُ إليه إلاّ الأمويين وأنصارهم من الذين يشكوهم الصحابة وسائرُ الناس. وحين ألدلى كلٌ منهم برأيه في كيفية الوصول إلى الاصلاح، تَبيّنَ أ نّهم بين راغب في بقاء الحال على ما هي عليه تيسيراً لتنفيذ مؤامرة يدرسها، أو توسيعاً لفرجة يريد اجتيازها إلى مأرب له، وبين راغب في الاصلاح على أساس من الاحتفاظ بولايته ونفوذه. وكان المؤتمرون جميعاً، من خصوم عليٍّ والمؤلّبين عيله الذين يخشون عدلَه على جورهم، وصدقَه على حليتهم، وزهدَه على ترَفهم وإسرافهم، ويموقراطيّتَه على أرستقراطيتهم. ويكفي أن يكون فيهم معاوية بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص!

غير أنّ عليّ بن أبي طالب لم يكن ليقف عند مثل هذه الأمور من إبعاده أو تقريبه. فالذي يعيره عليٌّ اهتمامه هو أن يستقيم الأمر بالعدل ولو وقف منه الخليفةُ وأعوانه موقفَ المخاصمين. وقد ظلّ عليّ حتى الساعة الأخيرة من أيام عثمان ينصح له بأن يعدل فيستقيم له الأمر. فحين اجتمع الناس مرّةً بالسخط على عثمان، لم يجد عي بدّاً من أن يرفق بهؤلاء الناس وبالخليفة في وقت واحد، فأهملَ ما كان من أمر عثمان والأمويّين معه، ودخل علي الخليفة وقال له:

«الناس وراثي وقد كلموني فيك. والله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف


[ 132 ]
شيئاً تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكَه، وما خُصصنا بأمر دونك. وقد رأيتَ وسمعت وصحبت رسول الله(صلى الله عليه وآله)ونلت صهره. وما أبن أبي قحافة ـ يعني أبا بكر ـ بأولى بعمل الحق منك ولا ابن الخطّاب بأولى بشيء من الخير منك. وإنك أقرب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) رحماً. ولقد نلت من صهر رسول الله(صلى الله عليه وآله)ما لم ينالا; ولا سبقاك إلى شيء. فاللهَ اللهَ في نفسك; فإنك، واللهِ، ما تُبَصّرُ من عمىً ولا تُعَلّم من جهل; وإنّ الطريق لواضحٌ بيّن. تعلمُ يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هُديَ وهَدى. وإنّ شرّ الناس عند الله إمامٌ جائر ضلّ وضُلّ به. وإني سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: «يُؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصيرٌ ولا عاذر، فيُلقى في جهنّم».

فلم يستطع عثمان أن يردّ على منطق عليٍّ بمنطق مثله. بل اكتفى بأن يعتذر بأ نّه ما جاء منكراً إذا هو وصل رحماً وقرّب قريباً وأغدق المال على نسيب!

واختلط الحقّ بالباطل والخير بالشرّ. وأمعن الأمويون في الاساءات واستسلم لهم عثمان. وقد أوجز الإمام عليّ، فيما بعد، واقعَ الخلافة آنذاك بقوله في عثمان: «استأثر فأساء الأثرة» ثم في أنسبائه الأمويّين: «وقام معه بنو أميّة يخضمون مالَ الله خصمةَ الإبل نبتةَ الربيع».

وهكذا أعدّ الأمويّون وجماعتهم مصيراً محتوماً لشهيد أثَرَتِهم عثمان، ولم يكن ذلك ليخفي على السيدة نائلة زوج عثمان. ولم يكن خافياً عليها كذلك أنّ عليّ بن أبي طالب إنّما هو أصفى نيّةً وأشدّ إخلاصاً وأرجح عقلاً وأحسن توجيهاً ونصحاً. وكانت إذا طلبت إلى الخليفة أن يستشير عليّاً ويعمل برأيه، انبرت بطانةُ السوء تلتفُ حول عثمان وتزيّن له عكس رأيها، وتقنعه بألاّ يعير المرأةَ انتباهاً فهي ضعيفة الرأي. وقد قال مروان مرةً لعثمان:


[ 133 ]

«واللهِ لإقامةٌ على خطيئة تستغفر الله منها، أجملُ من توبة تخوّف عليها»

إذن فالخطيئة موجودة في سياسة الخلافة باعتراف مروان نفسه، ولكنها أيسَر من التوبة وأجمل! ثم إنّ النصيحة يجب ألاّ تبلغ أذنَي الخليفة إلاّ باسم الخليفة. ولم يكن ليكلمهم باسم الخليفة إلاّ زجراً ونهراً وإصراراً على مُنكر. وفي بعض ذلك ما يكفي لإذكاء الفتنة على عثمان. وقد قال مرّةً لقوم حاصروا الدار: «ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا؟!»

في هذا القول أيضاً ما يدلّ على حقيقة مروان والأمويين في عهد عثمان. فالقوم لا يجتمعون، في نظر مروان، إلاّ لنهب! أمّا المطالبة بحقّ، وأما الرجاء بالحكم العادل ومنع الاغتصاب وإقامة الحدود على الظالمين والعابثين بحقوق الناس; أَمّا هذه الأمور التي من أجلها اجتمع الناس، فلا يمكن أن تكون موضوعاً ذا خطر في نفس مروان وعلى لسانه. ثم أنّ هذه الخلافة مُلكٌ وسلطان. لا رعاية لا شعب ولا محافظة على رسالة. وهي، إلى ذلك، مُلكٌ في بني أميّة طالما استسنحوا الفرصة ليصير إليهم فيستعيدوا به أمجادهم الضائعة، فما لهؤلاء القوم يريدون انتزاع الملك من... مروان؟!

*

ثم إنّ جميع الذين عارضوا الأسلوب الأموي في الحكم وسياسة المال معارضةً نزيهة خالصة، تعرّضوا لغضب عثمان ونقمته بتأثير مروان بن الحكم وغيره من رجال الحاشية. من هؤلاء الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود. ولكي تدرك ما كان للاساءَات التي ألحقها الأمويّون بابن مسعود من أثر في نفوس الناس، لابدّ من أن نعرّف به تعريفاً موجزاً قبل ذكر هذه الاساءَات.

كان عبدالله بن مسعود من أوّل الناس إسلاماً حتى رُوي أ نّه سادس ستّة أسلموا. وهاجر الهجرة الأولى إلى أرض الأحابيش في مَن هاجر إليها. ثم الهجرة الثانية إلى المدينة. ولازم النبيّ فكان في النّفَر الذين أحبّهم محمدٌ حباً


[ 134 ]

كثيراً وأكرمهم لِما هم عليه من صدق وإيمان بالخير. وعَدّه المسلمون الأوّلون من كبار علمائهم ممّا خمل عمرَ بن الخطّاب أيامَ خلافته على أن يبعثه إلى الكوفة معلّماً وهادياً بالرغم من حاجته إليه المدينة. وممّا كتَبهُ عمرُ إلى أهل الكوفة يومَ أرسلَه إليهم: «إني بعثتُ إليكم عبدالله بن مسعود معلّماً ووزيراً، ولَزِمَه تلاميذُ له يتعلمون عنه العلمَ ويهتدون به وقد كثر عددهم وعظُم شأنُهم حتى قال فيهم سعيد بن جُبير: «كان أصحاب عبدالله بن مسعود سُرُجَ هذه القرية ـ يعني الكوفة!» وقد أقرّ له المسلمون بوافر علمه حتى أ نّهم جعلوه مرجع أهل الكوفة في الفتوى والاجتهاد أيّام عُمَرَ لا يرجعون إلى سواه.

وكان ابن مسعود مرجعاً في التفسير كذلك في درجة عبدالله بن عباس في ما يلي درجة عليّ بن أبي طالب. ولابن مسعود تلاميذ في التفسير اشتهر منهم فيما بعد قَتادة ابن دعامة السّدوسي ومسروق بن الأجدع.

وفي القرن الأوّل والثاني للهجرة اشتهرت في العراق «مدرسة الرأي». وكان كثيرٌ من التابعين وتابعيهم من هذه المدرسة ومنهم الحسن البصري. وكان لوجود عبدالله بن مسعود في العراق أثر كبير في خلق التيّارات الحرّة التي أوجدت هذه المدرسة فيما بعد، وذلك لِمَا عُرف به من يل ضدّ الجمود في التفكير خلقَ في تلاميذه وتابعيهم جنوحاً إلى الأخذ بالرأي المصيب. ولبعض الباحثين قولٌ يجعل من ابن مسعود أصلاً من أصول المعتزلة وهم يحتجّون لذلك بأنّ له قولاً يدلّ على أنّ الإنسان حرّ في إرادته يرى الحُسن والقبح العقليّين فيحكم برأيه. وعلى كل حال فقد كان عبدالله بن مسعود في زمانه من أكبر الشخصيّات تأثيراً في الأمصار ومن أجلّ الصحابة في قلوب المسلمين الذين يعرفون ما كان له من منزلة كريمة في نفس النبيّ.

هذا الصحابي الجليل ماذا فعل به عثمان؟


[ 135 ]

كان ابن مسعود ممّن عارضوا سياسة الأمويّين في عهد عثمان وأعلنوا عن استيائهم لا يتهيّبون ولا يتردّدون. وكان يقول بالكوفة كلّ يوم جُمُعة «إنّ شرّ الأمور مُجدَثاتها وكلّ محدَث بِدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار» معرّضاً بعثمان وما أحدَثه من أمور تخدم الأمويّين والوجهاء والأغنياء ولا تخدم المسلمين. ومن أقواله فيه كذلك: «ما يزن عثمان عند الله جناحَ ذباب(1)». وحديث ما رُوي عنه في عثمان يطول. وغضب الوليد بن عقبة ممّا جاء على لسان ابن مسعود في عثمان. وكان الوليد فاجراً خليعاً ولاّه عثمان الكوفةَ على كره من أهلها ومن كافّة المسلمين وهو أخوه لأمّه! فكتب فيه فكتب عثماغن يستقدم ابنَ مسعود عليه. ورُوي أ نّه لمّا خرج من الكوفة إلى المدينة خرج معه الناس يشيّعونه وهم يقولون له: «ارجع فإنّا لا نأمنه عليك» فيقول ابن مسعود: «أمرٌ سيكون».

ودخل ابن مسعود المدينة ليلةَ جُمُعة فلمّا علم عثمان بدخوله جمع إليه الناس في المسجد وقال: أيّها الناس، إنّه قد طرقكم الليلةَ دوَيبة ـ يقصد ابنَ مسعود ـ الخ.» فردّ عليه ابنُ مسعود وردت عليه عائشة وردّ عليه آخرون. ثم أمر به عثمان شُرطتَه وعبيدَة فأخرجوه من المسجد إخراجاً عنيفاً فأخذوه حتى بلغوا بن بابَ المسجد فَجَلَدوا به الأرضَ جلداً شديداً وأمعنوا في ضربه حتى حُمل إلى البيت مكسّرَ الأضلاع مهشّماً. ولم يكتفِ عثمان بهذا المقدار من إهانة الصحابيّ الجليل ومن تكسير أضلاعه على باب المسجد بل أتبع ذلك كلّه بقطع العطاء عنه. وأمعن في الانتقام منه فحرم على الناس عيادتَه في البيت حتى إذا مات وصلّى عليه عمّار بن ياسر ودَفَنه سرّاً، وعلم عثمان بذلك، غضب غضباً كثيراً.

ومن هؤلاء الذين تصدّوا لغضب عثمان وسائر الأمويّين عمار بن ياسر


1 ـ راجع ص 291 من المجلد الأوّل من نهج البلاغة ـ شرح ابن أبي الحديد.


[ 136 ]

وهو من أجلّ مَن عرف التاريخ العربيّ قيمةً إنسانيةً وخُلقاً كريماً. وقد عرف النبيّ قيمةَ عمّار وما هو عليه من عظيم الصفات فأثنى عليه بما يستحقّه وقال في جملة ما قال: «إذا اختلف الناس كان ابن سميّة ـ يعني عمّاراً ـ مع الحقّ!» واختلف الناس كثيراً في صدر الأوّل فكان عمّار مع عليّ بن أبي طالب! وما رآه النبيّ في عمّار رأى مثلَه عليّ. واحبّ المسلمون عمّاراً حبّاً لا ريبة فيه، وعاداه الأمويّون ومَن كانوا على مذهبهم.

كان أوّل من نقمَه عمّار بن ياسر على عثمان أ نّه «جَعَل المال دُوَلَةً بين الأغنياء» كما قال فكان يختلف إليه فينصح له بأن ينهج في الشعب نهجاً عادلاً سليماً، وأن يكفّ عن الانقياد للعصبيّة العائلية وتوطئةِ الأهل والأقربينَ رقابَ الناس. فيخذله عثمان كما يخذل غيرَه من المصلحين. وممّا رُوي أ نّه كان في بيت المال بالمدينة سفطٌ فيه حليٌ وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلّى به بعضَ أهله، فأظهر الناسُ الطعنَ عليه في ذلك وكلّموه فيه بكلِّ كلام شديد حتى أغضبوه، فَخطَبَ فقال: لنأخذنّ حاجتَنا من هذا الفَيء وإن رغمت به أنوفُ أقوام! فقال له عليّ بن أبي طالب: إذن تُمنَع من ذلك ويحال بينك وبينه! فقال عمّار بن ياسر: أُشهِد اللهَ أنّ أنفي أوّل راغم من ذلك! فقال عثمان لعمار: أعلَيّ يا ابن ياسر تجترىء؟ خذوه!

فما كان من مروان بن الحكم إلاّ أن وقف بين عمّار والخليفة قائلاً لعثمان:

ـ يا أميرالمؤمنين، إنّ هذا العبد قد ألّبَ عليك الناس، وإنك إن قتلتَه نَكّلَت به مَن وراءَه!

فسرعانَ ما رأى عثمان رأي مروان، فأخذ عصاه وضرَب بها عمّاراً ضرباً موجعاً، ثمّ أعانه على الرجل غلمانٌ له والحاضرون من بني أميّة فمدّوا عمّاراً على الأرض وأوسعوه ضرباً شديداً، ثمّ وَطِئَه عثمانُ إمتهاناً واستخفافاً وضربَه برجليه. ولم يكفّوا عنه حتى مزّقوا جنابَه وأطرافَه وفتقوا بطنَه


[ 137 ]

وألقوه على جانب الطريق تحت المطر والصقيع والزمهرير والرياح! فإذا هو بين الموت والحياة، أو هو إلى الموت أقرب!

ومِن أجلاّء الصحابة تعرّض لهم عثمان والأمويّون بالأذى الشديد، المصلحُ العظيم أبو ذرّ الغفاري أحد أعلام الحرّية والعدالة في التاريخ، وصديق التاعسين والمستضعَفين، والثائرُ الخيّر، ونصيرُ عليّ بن أبي طالب ورأسُ شيعته.

وإليك هذه النبذة اليسيرة من تاريخ رجل عظيم مِن أجلّ مَن حملت الأرضُ على ظهرها. توضيحاً لحقيقة مَن خاصم سياسةَ عثمان، ثم توضيحاً لسيرة بني أميّة في عهده.

كان أبو ذرّ الغفاري من فقراء الناس في الجاهلية وإن كان سيّد قومه. فلمّا بلغت أُذنيه أخبارُ النبيّ محمد وأخبار الدعوة، هبط مكّةَ وهو ملتفعٌ بعباءَة ممزّقة، وجعل يطوف في أحيائها إلى أن أعياه السير، فاتّخذ عن عمامته وسادةً واضطجع على الأرض في مكان قريب من الكعبة. فمرّ علي بن أبي طالب على مقربة منه فشاهده، فرقّ لحاله ومظهره يدلّ على أ نّه فقيرٌ غريب لا يعرف من الناس أحداً ولا يعرفه أحد. فتعارفا، ثم تحادثا، فدعاه عليّ إلى منزله، ثمّ سار به إلى النبيّ، فسارع أبو ذرّ لقبول الدعوة فكان خامس المسلمين.

وكان أبو ذرّ من الإخلاص والجرأة بحيث وقف في الكعبة وأعداءُ الرسالة من قريش مجتمعون فيها، فسخر من آلهتهم ودعاهم إلى الدين الجديد. وما كان للمسلمين يومذاك مثل هذه الجرأة الغريبة على قريش. فتَدافع القوم إليه حتى أمسكوا به وانقضّوا عليه ضرباً مبرّحاً وتركوه على الأرض طريحاً مُثخناً بالجراح. ثم أ نّه كان من أقرب الصحابة إلى النبيّ بفضل علمه الواسع ورأيه المصيب وحبّه للاصلاح وميله إلى الفقراء والمستضعَفين ودفاعه عنهم.

وظلّ أبو ذرّ موضع الثقة العامّة كما كان موضع ثقة النبي. واحترمه


[ 138 ]

الصحابة وأجلّوه. ورفع عليّ شأنه حتى قال فيه: «إنّه رجل وعى علماً عجزَ عنه الناس».

ولمّا آلت الخلافة إلى عثمان هال أبا ذرّ الأمرُ! إذ كيف يُستخلف عثمان وعلى رأس المسلمين عليّ بن أبي طالب سالعالم العادل الزاهد إلاّ في الحق! غير أ نّه لم يأتِ أمراً وعليٌّ لا يريد الفتنة. ثم ما لبث أن رأى عامّةَ الناس فقراء مهمَلين. ورأى الأمويّين الأرستقراطيين في نعميم. وأدرك أنّ عثمان يستأثر بحقوق الجماعة على النحو الذي ذكرنا في أكثر من مكان. فأنكرَ على هؤلاء جميعاً كنز الأموال واحتكارَ المنافع والغرقَ في الترّف فيما يبيت السواد الأعظم من الناس على الطوى. ثم أعلن عن غضبته على هذه السياسة المنكرة التي ينهجها الأمويون فتزيد في ثراء المترفين وتقضي على الفقراء بالموت جوعاً وتقسم المجتمع العربي إلى طبقتين. وانطلق يخطب الناس قائلاً:

«لقد حَدَثَت أعمالٌ ما أعرفُها. والله ما هي في كتاب الله ولا سنّة نبيّه. والله إنّي لأرى حقّاً يطفأ وباطلاً يحيا وصدقاً مكذّباً، وأثرّة بغير تقى! يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء. وبشّر الذين يكنزون اذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم

«اتخذتُم ستورَ الحرير، ونضائدَ الديباج، وألِقتم الاضطجاع على الصوف الأذربيّ، وكان رسول الله ينام على الحصير، واختُلِفَ عليكم بألوان الطعام وكان رسول الله لا يشبع من خبز الشعير!»

وراح أبو ذرّ يطالب بإنصاف الفئة المحرومة من الفئة الحاكمة الباغية، ويحرّض الفقراء على استرجاع حقوقهم بالقوّة ويحثّ الناس على أن يرفعوا الحاجة عن مجتمعهم ويقضوا على الفقر: أساس الرذيلة وعدوّ الفضيلة. وكان يردّد هذه الكلمات الروائع: «عجبتُ لمن يجد القوتَ في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه». و «إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر: خذني معك!»


[ 139 ]

وقد بلغ كرهُه للأثرَة الأمويّة أن تَرَك الحجاز وجاء إلى الشام كي لا يرى بعينيه إسرافَ عثمان ومروان، فإذا به يرى من أمر معاوية ما يهون لديه أمر الخليفة ومستشاره. رأى أنّ معاوية مُطلق اليد في أموال الخزينة وجهود الشعب ورقاب الناس، فازداد سخطاً وثورة. ولمّا بنى معاوية قصر «الخضراء في الشام بعث إليه أبو ذرّ يقول: «يا معاوية، إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة. وإن كانت من مالك فهي الإسراف».

مثل هذا الرجل الحرّ لم يكن الأمويّون ليرضوا عنه أو يحتملوا وجوده بين الناسا. وقد بلغ الامرُ يمروان أن راح يحرّض عليه عثمان ويُغريه بالتخلّص منه. وبلغ بعثمان أن وكلَ إلى معاوية أمرَ «تأديب» أبي ذرّ! وبلغ بمعاوية أن أخرجه من مجلسه ونهى الناس عن الاجتماع به، وأن خاطَبه بمثل هذا القول العجيب: «يا عدوّ الله، تؤلب الناس علينا وتصنع ما تصنع! فلو كنتُ قاتلاً رجلاً من أصحاب محمد من غير إذنِ أميرالمؤمنين، لقتلتُك». فقال أبو ذرّ: «ما أنا بعدوّ لله ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوّان لله ولرسوله، أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر».

ولم يأبه أبو ذرّ لتهديد معاوية ووعيده. بل واصل نشاطه الاصلاحي في الشام على صورة أخافت معاوية وأقضّت مضجعه. وتأذّى الوجهاء والأغنياء بالشام كما تأذّوا بالمدينة وخافوا على منهوباتهم من أبي ذرّ ومن دعوته، وكثرت عليهم سلاطةُ الفقراء والمحرومين، فباتوا لا يجدون خلاصاً إلاّ أن يذهب عنهم أبو ذرّ ويحبس لسانه عن مخزياتهم. وجاء مخلوقٌ يُدعى جندب بن مسلة الفهري إلى معاوية فقال له بلسان الناصح المُشفِق ونفسيّةِ العبد الأمين:

ـ «إنّ أبا ذرّ لَمُفسِدٌ عليكم الشامَ فتدارَك أهلَه إن كانت لكم حاجة فيه!»

فتَرَدّد في خاطر معاوية أن يقتل أبا ذرّ، ولكنّه خشي غضبة الناس إن هو


[ 140 ]

فعَل. فإنّ ابن أبي سفيان الذي «م يغمد سيفَه وفي قلبه حقدٌ على أحد» كما يقول عنه الحسن البصري، لم يُحجم عمكّا حدّثته به نفسُه من قتل هذا العظيم إلاّ خشيةَ المسلمين لا خشيةَ عثمان كما أدّعى! فكتب إلى عثمان يشاوره في أمره، فأجابه عثمان قائلاً: «احمل أبا ذرّ على أغلظِ مركب وأوعرِهم ابعث به مَع مَن ينخش به نخشاً عنيفاً حتى يقدم به عليّ!»

فعمل معاوية بأمر عثمان، وأركب أبا ذرّ عل قتَب بدون وطاء. فلم يبلغ المدينةَ إلاّ وقد أكل القتب لحمَ فخذيه وانكسر ظهره من السير الطويل الحثيث يحمله عليه من دمشق إلى المدينة حرّاس غِلاظ الأكباد أجلافٌ لم يأذنوا له، على بُعد المسافة، أن يستريح من حَرٍّ أو من عياء، في نهار أو ليل!

دخل أبو ذرّ منهوكاً واهن القوى على عثمان فقال له عثمان في الحال أنت الذي فعلتَ وفعلت! فقال أبو ذرّ: نصحتُك فاستغشَشتني، ونصحتُ صاحبَك ـ يعني معاوية ـ فاستغَشّني. فقال عثمان: كذبتَ، ولكنّك تريد الفتنة وتحبّها وقد أنغلتَ الشامَ علينا! فقال أبو ذكرّ ببساطة وهدوء وثقة: اتبع سنّةَ صحابيك ـ يعني أبا بكر وعمر ـ لا يكن لأحد عليك كلام! قال عثمان: مالك ولذلك لا أُمّ لك؟ فقال أبو ذرّ: واللهِ ما وجدتُ لي عذراً إلاّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر. ثم كثر القول بين الرجلين وأبو ذر يشير إلى أنّ عثمان راكبٌ هواه عاص مسيءٌ إلى عباده. فصرَخ عثمان يقول لمَن في مجلسه:

«أشيروا عليَّ في هذا الشيخ الكذّاب إمّا أن أضربه أو أحبسه أو أقتله، فإنّه فرقّ جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرش الإسلام!»

فامتعض عليّ بن أبي طالب وكان في المجلس. وهالَه أن يوجَه عثمان نفسه مثلَ هذا القول للمصلح الكبير والصحابيّ الجليل على رقّة سنّة. فنظر


[ 141 ]

إلى عثمان قائلاً: يا عثمان، سمعتُ رسول الله يقول: «ما أظلّتِ الخضراء ولا أقلّتِ الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ!»

وراح عثمان ينكّل بأبي ذرّ فحظر على الناس أن يجالسوه أو يكلّموه. ثم خطر له أن يسترضيه، فحاول ذلك على أسلوب أُمويٍّ خالص، إذ بعث إليه بمائتي دينار يستعين بها على فقره، فقال أبو ذرّ لرسول عثمان: «هلى أعطى من المسلمين أحداً مثلَ ما أعطاني؟» فقال الرسول: لا! فقال أبو ذرّ: «فإنما أنا رجلٌ من عامّة المسلمين يسَعُني ما يسَعهم!» وردّ الدنانير إلى عثمان!

ولم يكن في بيت أبي ذرّ حينذاك إلاّ رغيفا شعير قد أتت عليهما أيّام!

وعرض عثمان أبا ذرّ الغفاري على الجلاّدين. ثم ارتأى أن ينفيه إلى «الربذة» وهي مكان قفرٌ لا يعيش فيه حيٌّ من إنسان أو حيوان أو نبت، اللهمّ إلاّ ما كان من نبت العَبَب(1). ولمّا كان موعد رحيله عن المدينة أمرَ عثمان بألاّ يودّعه أحدٌ، إمعاناً في الإهانة والإيلام. فما جَرُؤَ على توديعه إلاّ خمسةٌ هم: عليّ بن أبي طالب، وأخوه عقيل، والحسن والحسين ابنا عليّ، وعمّار بن ياسر. وكان مروان بن الحكم، مصدر المساوىء ورأس الشرور، هو الذي راقب ترحيل ابي ذرّ إلى منفاه، ونفّذ أمر عثمان بمنع الناس من تكليمه أو توديعه أو توديع أحد من زوجته وبنيه. وقد بلغ بمروان الأمرُ أن حاول منعَ عليٍّ ومَن معه من توديع أبي ذرّ. فنَهره عليٌّ وطَردَه إذ بادَرَه بالسوط وهتَفَ يقول: تنَحّ، نحّاك الله إلى النار! ثم نظر إلى أبي ذرّ وقال له مودّعاً:

«يا أذرّ، إنّك غضبتَ لله فارجُ من غضبتَ له. إنّ القوم خافوك على دنياهم، وخفتَهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه واهرب بما


1 ـ العبب: نبات ذو حب ينبت في القفار.


[ 142 ]
خفتَهم عليه. فما أحوَجَهم إلى ما منعتَهم، وما أغناك عمّا منعوك! وستعلم مَن الرابح غداً! ولو أنّ السموات والأرض كانتا على عبد رَتقاً ثم اتّقى الله لَجَعَل الله له منهما مخرجاً! ولا يؤنسنّك إلاّ الحقّ ولا يوحشنّك إلاّ الباطل! فلو قبلتَ دنياهم لأحبّوك. ولو قَرَضت منها لأمِوك!»

ثم قال عليّ لعقيل وعمّار: «ودّعا أخاكما! وقال لولديه الحسن والحسين: «ودِّعا عمّكما!»

وبلغت الحادثة عثمان، فغضب على عليّ!

*

وهنا يتساءَل المرء ومن حقّه أن يتساءَل، لماذا سكت عليٌّ عن مثل هذا الجَور يصيب أَبا ذر رأس شيعته العظيم وكبير أعوانه الثائرين في سبيل الحقوق العامّة. وفي استطاعة عليّ أن يمنع عثمان من نفي أبي ذرّ. وفي أستطاعته أن يُشعلها ثورةً لاهبة على بني أمية وهو صاحب الرأي الوجيه في المسلمين والقول المسموع؟ ثم، ما هو عذره في مثل هذا السكوت؟ وجواباً عن مثل هذا التساؤل الذي توجهتُ به إلى نفسي، كما تَوجّه به الكثيرون غيري إلى أنفسهم على ما ارجّح، لابدّ من القول إنّ في الأمر ما هو واضحٌ كلّ الوضوح، وإنّ فيه ما هوَ غامضٌ كلّ الغموض:

أمّا ما هو غامضٌ فمردّه إلى عصر عليّ وما فاض به من ملابسات خفيّة هي من الدقّة بحيث يعسر علينا في القرن العشرين أن نُحكِم رأينا فيها وأن نعرف نيسجها خيطاً خيطاً. وبحيث يصعب النظر فيها نظراً صادقاً سليماً إلاّ إذا كان الناظر مندمجاً فيها اندماجاً، واعياً كلّ سبب فيها وكلّ نتيجة. وهذا ما لا يتيسّر لنا في هذا الزمن، وما لا يدرك كُنهَه الباحثون والدارسون قديماً وحديثاً، على كثرة ما بحثوا وما درسوا. فقد خفي على هؤلاء جميعاً ما


[ 143 ]

لم يخفَ على عليّ بن أبي طالب من دقائق الشؤون في زمانه، فتتصرّف بمقتضياتها تصرّفاً يعرف، هو، أسبابه ونتائجه.

أمّا ما هو واضحٌ كلّ الوضوح، فخلاصته أنّ عليّاً مفطورٌ على التضحية بكلّ ما هو خاصّ في سبيل ما هو عامّ. تنبئنا بذلك سيرتُه صفحةً صفحة، وتخبرنا به حياته طوراً طوراً. وكان به من روح المحافظة على الرسالة الاسلامية ما يجعل كلّ أمر، مهما بلغت خطورته، هيّناً لديه إزادء ما قد يسيء إلى الرسالة ما يجعله يتحفّظ في أن يعلن ثورةً عليهم أو يأمر باشتباك معهم، دفعاً لِمَا قد يصيب المسلمين على أيديهم عند ذاك من انشقاق.

وهو يعلم علمَ اليقين أنّ من نوايا الأمويين، في خلافه عثمان، التخلّص من الفئة التي قام به الإسلام الصحيح واستمرّ في عافية. أو لم يكن مروان بن الحكم يشير على عثمان، بمناسبة وبغير مناسبة، أن يقتل عليّاً وأبا ذرّ وغيرهما من عظماء المسلمين الذين لا يستطيع مروان ورهطه أن يعبثوا ويفسدوا وهم على قيد الحياة.

ثم، ماذا يُلمّ بالمجتمع العربي من طغيان وفساد إذا تمّت مشيئة مروان؟ أفلَيس من المنطق، إذن، أن يكتفي عليٌّ بموقفه هذا من قضة أبي ذرّ وهو الذي وقف من قضاياه الخاصّة مثل هذا الموقف محافظةً على وحدة الصفوف وعلى ثقة الناس بعضهم ببعض!

ألم يسبق له، من قبل، أن رضيَ من عمر بن الخطاب بعد بيعة السقيفة أن يدخل عليه، وبيتُه كعبة الناس، فيأخذه بحمّالة سيفه إلى بيت الخلافة لمبايعة أبي بكر الصديق، والناسُ حولَه بين متعجّب ومتذمّر وساخط وكلّهخم رهنُ إشارة منه! أوَلم يكن باستطاعته عند ذاك أن يُشعلها ثورةً لاهبة دون هذه المعاملة يبادَر بها وهو ركنُ الإسلام وحصنُ العدالة وقبلة الناس! ولكن، ماذا كان من أمره عند ذاك؟


[ 144 ]

لقد دهش الناس ساعةَ رأوا أنّ عمر يأخذ عليّاً بحمالة سيفه إلى دار الخلافة. ولكنّ دهشهم كان أعظم ساعة نظروا إلى وجه عليّ فإذا هو منبسطٌ مطمئنّ لا يأمر بفتنة ولا يحدّث باشتباك! بل إنّ دهَشهم تعاظم ساعةَ راحوا يصغون إلى ابن أبي طالب يجادلُ القومَ هادئاً رصيناً يُثير ولا يثور، فلا تثبت أمام منطقه للقوم حجّةٌ ولا يصمد لهم برهان!

إذن، فهو على حقٍّ في الموقف الذي اتّخذ. وهو مدركٌ كلّ الإدراك ما له وما عليه. فلماذا يرضى بمثل هذه الحال ومثل هذه المعاملة! حقّاً إنّ دهَش أصحابه لَعظم! غير أنّ أمراً واحداً فاتَهم عند ذاك وهو الأمر الذي لم يفت عليّاً، بل كان مرتكز تفكيره والعلّة الأولى في انبساط وجهه واطمئنانه: لقد ساهم في بناء الإسلام أجلّ مساهمة، فهو لذلك مطمئنّ. وها هو اليوم يدفع من ذاته ثمناً جديداً يقي الرسالة خطراً عظيماً فيما إذا انشقّت الصفوف واشتبك الناس بعضهم ببعض، فهو لذلك مرتاح. وماذا عليه وهو من طينة العظماء الحقيقيّين أهل التضحية، إن هو قام بتضحية جديدة في سبيل الرسالة! أمّا موقفه من قضية أبي ذرّ ساعةَ نفاه عثمان، فمن الواضح أ نّه أشبه بموقفه هذا من قضيّتهِ هو!

*

وماذا كان من أمر أبي ذرّ في منفاه؟

لقد مات الشيخ الجليل جوعاً هو وأمرأته وبنوه، على صورة مروّعة فاجعة هي أحقّ بأن تُبكي الجمادَ وتستشيره عطفَ الجلمود! ويُروى من خبر مأساته في ذلك الفقر «أ نّه بقي ورفيقته، بعد موت أولاده، أيّاماً لا يأكلان شيئاً. ثم قال لها: قومي بنا إلى الكثيب نطلب العَبَب. فصارا إلى الكئيب، والريح تئنّ وتصفر، فلم يجدا شيئاً. فأصاب أبا ذرّ الذهولُ وطفق يمسح العرق الذي ينضح رغمَ البرد الشديد. ونظرت إليه زوجته وإذا بعينيه قد


[ 145 ]

انقلبتا، فبكت! قال: ما يبكيكِ؟ فقالت: مالي لا أبكي وأنت تموت في فلاة من الأرض وليس عندي ثوبٌ يَسَعُنا كَفَناً لي ولا لك، ولابدّ لي من القيام بجهازك. فأشفق الشيخ عليها وقال لها وقلبه يقطر أسىً : فابصري الطريق لعلّ هنالك أحداً من المؤمنين. فقالت: أنّى، وقد ذهب الحاجّ وتقطّعتِ الطريق! فقال، وقد ذَكَرَ كلمةً قالها له الرسول: إذهبي فتبصري، فإن رأيتِ أحداً فقد أراحكِ الله من القلق والعذاب، وإن لم تري أحداً فمدّي الكساءَ على وجهي، وضعيني على قارعة الطريق، وقولي لأوّل رَكب يمرّ بك: «هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله قد قضى نحبَه ولقيَ ربّه فأعينوني عليه!» فأنشأت تهرع إلى الكثيب فتنظر ثم ترجع إليه فتمرضه. فبَينا هي ترسل نظرها الحزين في الأفق الغائم، إذا برجال على رحالهم كأ نّهم الرّخَم تنحب بهم رواحلُهم فألاحتَ ثوبَها، فأقبلوا حتى دنَوا منها فقالوا: يا أمَةَ الله، مالك؟ قالت: امرؤٌ من المسلمين تكفنونه وتُؤجرون فيه. قالوا: ومَن هو؟ قالت: أبو ذرّ الغفاري! قالوا متسائلين، وقد أنكروا لأوّل وهلة أن يموت ذلك الصحابي الجليل وحيداً في الفلاة «صاحب رسول الله؟» قالت: نعم! فقالوا: بآبائنا وأمهاتنا هو! لقد أكرَمَنا الله بذلك. ثم وضعوا سياطهم في نحورها، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه.

فتفرس الشيخُ المحتضر في وجه القوم وقال لهم: «والله ما كذبت، ولو كان عندي ثوبٌ كفناً لي ولامرأتي لم أُكفن إلاّ في ثوب هو لي أو لها. وإني أنشدكم الله أن لا يكفّنني رجلٌ منكم كان أميراً أو عريفاً أو بريداً أو نقيباً». فنظر القوم بعضهم إلى بعض حائرين، إذ لم يكن فيهم أحد إلاّ وقد قارف من ذلك شيئاً، إلاّ فتىً من الأنصار قال له: أنا أكفنك يا عمّ في ردائي هذا الذي اشتريتُه بمال كسبتُه بعمَلي، وفي ثوبين من غزلِ أُمّي حاكتهما لي كي أحرِم فيهما. فقال: أنت الذي تكفني، فثوبك هو الطاهر الحلال. وكأنّ أبا ذر قد أطمأنّ إلى هذا القول وسكن، فأغمض


[ 146 ]

عينيه ولفظ أنفاسه الطاهرة في هدوء وتسليم، بينما كانت السحب تتراكض في السماء كأشباح هائمة والرياح تلعب بالرمال السوافي، كأن بَلقَع «الربذة» الخاوي قد تَحوّل إلى بحر عاصف. ووقف الفتى الأنصاري على قبره فقال: «اللهمّ هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله، عَبِدَك في العابدين، وجاهد فيك المشرِكين، لم يُغيّر ولم يبدّل، لكنّه رأى مُنكراً فغَيّرَه بلسانه وقلبه حتى حُفِيَ ونُفي، وحُرم واحتُقر، ثم مات وحيداً غريباً... اللهمّ فاقصم مَن حَرَمه ونفاه مِن مَهَاجره وحرمِ رسول الله!» فرفعوا أيديهم جميعاً وتنمتوا بحرارة وخشوع: آمين(1)».

مات هذا العظيم وهو يقول: «ما ترك الحقّ لي نصيراً».

وسلامٌ على أبي ذرّ يومَ ثار ويوم مات ويومَ آمنَ بالإنسان وحقّهِ عظيماً كريماً لا يهوله موتٌ ولا تُغريه حياة!

*

وكانت مأساة أبي ذرّ وزجته وأولاده هذه، التي حرّكت القلوب بالعطف على البيت المنكوب، من الأسباب التي أوغرت الصدور على عثمان، فتعاظمت نقمة الناس عليه وعلى أنسائه بني أميّة. أَضف إلى ذلك أن الناس لَيَهولهم هذا التنكيلُ بَمن عارَضوا سياسة الأثَرة والانتفاع العائليّ، فيلقى عظيمٌ كأبي ذرّ مثلَ هذا المصير الرهيب، ويهان الصحابيّان عبدالله بن مسعود وعمّار بن ياسر ويُضرَبان ويُحرَمان، فيما يستولي القاسطون من بني أميّة وذويهم ومَن سار في ركابهم على ما أظلّت السماء من رزق ومال وجاه، وفيما يُكرمّن ومِن حقّهم أن يُبعَدوا.

ومن التنكيل الذي لحقّ بالمعارضة ما جرى للذين جاؤوا إلى المدينة يشكون إلى الخليفة أمرَ الوليد بن عقبة. وخبرُ ذلك أنّ عثمان خلع الصحابيّ سعد بن


1 ـ عيد الغدير: عن كتب التاريخ.


[ 147 ]

أبي وقّاص عن ولاية الكوفة وبعثَ بدله والياً عليها الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمّه. فاستعظم الناس ذلك حتى لتقول الرواية أنّ الوليد لمّا دخل الكوفة مَرّ على مجلس عمرو بن وزارة النخعي، فوقف عمرو هذا فقال: يامعشر بني أسد بِئسَما استقبَلنا به ابنُ عفّان! أمِن عدله أن ينزع عنّا سعدَ بن أبي وقاص الهيّنَ الليّنَ السهلَ القريب، وببعث بدله أخاه الوليد الأحمق الماجن الفاجر قديماً وحديثاً؟! وقال أهلُ الكوفة بعد أن وُلّي عليهم الوليد: «أراد عثمان كرامةَ أخيه بهوان أمّة محمّد»!

واستُعتب عثمان في أخيه كثيراً فلم يعزله ولم يأبه للعاتبين وأكثرهم من الصحابة المصلحين. وكان شأنه مع الوليد شأنه مع سائر أنسبائه لا يرضى فيهم عتباً ولا يقبل رأياً. وفي هذا الرفض كثيرٌ من تصلّب عثمان في خدمة ذويه ومن أنكاره حقّ المعارضين في أن يُسمع لهم قولٌ أو يُعمَل برأي يرونه. وفي العقد الفريد لابن عبد ربّه عن سعيد بن المسيب أ نّه قال، «إنّ عثمان لمّا وليَ كره ولايتَه أصحاب رسول الله، لأنّ عثمان كان كثيراً ما يولّي بني أميّة. وكان يجيء من أُمرائه ما يكره أصحاب رسول الله، فكان يُستَعتَب فيهم فلا يعزلهم».

ولم يسلم الوليد من لسان الحطيئة فقال في هجوه كثيراً جاء في بعضه:

شهدَ الحُطيئةُ يومَ يلقى ربّه *** أنّ الوليد أَحقّ بالغدرِ

نادى وقد نفذت صلاتُهُم *** أأزيدكم ثمِلاً، ولا يدري!

وجاء عثمانَ شهودٌ من الكوفة يشهدون على أخيه الوليد بأمور أتاها وهي تسيئُهم، فأوعدَهم عثمان وتَهَدّدهم عوضاً عن أَن يصغي إلى شكواهم. وضرب الشهود بالسياط، وما من ذنب اقترفوه إلاّ أ نّهم عرضوا له قضيّةً وبسطوا له رأياً وشكوا إليه ما أنكروا من أخيه.


[ 148 ]

أمّا أَشدّ ما سعى الأمويّون في أَن يُلحقوه من الأذى بالمعارضين، أَو مَن أُنزلوا منزلةَ المعارضين لأ نّهم أَرادوا أن تكون الخلافة للناس جميعاً لا لأميّة، فهو ما جرى لابن أبي بكر والمصريّين وهم في طريقهم إلى مصر. وسوف نرجىء الكلام على هذه القضيّة إلى فصل آت لأ نّها تتعلّق مباشرةً بالفتنة، ثمّ لأنّ لبعض الكتّاب رأياً خاصّاً فيها سنعرضه ونقول رأينا فيه.


[ 149 ]

الحقيقة عَن مَقتل عُثمان

* إنّ البلاد قد تمخّضت عليك! عليّ

* واللهِ لأطرحنّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركنّ بطانتَك هذه الخبيثة: مروانَ وابنَ عامر وابنَ أبي سرح. جبلة بن عمرو

* إن كنتم تريدون الجهاد فهلمّوا إلينا فإنّ دين محمّد قد أفسدَه خليفتكم، فاخلعوه! أهل المدينة

انقضت إحدى عشر سنة وبضعة أشهر والناس في نقمة على سياسة عثمان. وتعاظَم استياء الفئات الشعبيّة في الأمصار حتى غدا ثورةً مكظومة. وهالَ المسلمين أن يجدو المفاهيم والمقاييس التي أحسّوها وأحبّوها في عهد النبيّ وخليفتَيه الأوّلَين تنقلب رأساً على عقب. ففيما تعوّدوا أن يروا في الخليفة حامياً لحقوقهم. مدافعاً عنهم، منصفاً لهم من العمّال إذا جاروا أو أساؤوا، إذا بهم يفاجأون بعثمان يسدل الستار على ما ألِفوه من فصول تلك السياسة العادلة ويضع لسياسة الأثَرة أَسُساً لم يعرفوها من قبل ولم يستيغوها من بعد.


[ 150 ]

هال الناسَ استئثارُ البطانة والوجهاء بالمنافع واحتكارُهم للأرزاق وهالَهم هدرُ الحقوق العامّة وازدراء الوفود الشاكية أفراداً وجماعات. وأنِفوا أن تجري تحت أعينهم فصولٌ من إذلال عظماء الصحابة كأني ذرّ وعمّار وابن مسعود. وأنِفوا كذلك أن يُرغَموا على القبول بوُلاة جائرين ويُنزَع من بينهم قسراً وُلاةٌ أحبّوهم ووثِقوا بعدلهم. ولم يرضَ طيّبو المسلمين، فوق ذلك، أن يُجار على أهل الذمّة على أيدي وُلاة عثمان(1) وهم منهم ناسٌ في الناس اخوةٌ متفاهمون. ولم يرضوا كذلك عن تسمّم المجتمع في عهد عثمان بالأثَرة والأنانية وتفضيل مَن أَسمَوه مشروفاً على مَن أَسمَوه شريفاً.

وبدأَ الناس يجرأون على عثمان في آخر عهده جرأَةً ستدفعهم للثورة عليه ولا شكّ، لأنّ أسبابها قائمةٌ في سياسته وكذلك أهدافُها. وكان أوّل وهَن دخل عليه بسبب هذه السياسة أَنّ عثمان مرَّ برجل يُدعى جبلة بن عمرو الساعدي وهو في نادي قومه وفي يده جامعة. فسلّم عثمان فردَ القوم عليه فقال جبلة: «لِمَ تردّون على رجل فعلَ كذا وفعل كذا؟» ثم التفتَ إلى عثمان يقول له: «واللهِ لأطرحَنّ هذه الجامعةَ في عنقك أَو لتتركنّ بطانتَك هذه الخبيثة: مروانَ وابن عامر وابن أبي سرح!».

ومن جرأَة الناس على عثمان في آخر عهده ما رواه ابنُ أبي الحديد إذ قال إنّ الخليفة الثالث خطب يوماً وبيده عصاً كان النبيّ وأبو بكر وعمر يخطبون عليها، فأخذها رجلٌ يُدعى جهجاه الغفاري من يده وكسرها على ركبته. ولم يكن طمع الناس في عثمان على هذه الصورة إلاّ بداية الثورة على سياسته بعد أن تكاثرت أحداثُ مروان وغيرِه من البطانه.

ثمّ ما لبثت هذه الجرأة أن خرجتْ من نطاق الأفراد إلى النطاق الجماعي،


1 ـ راجع التشريع الإسلامي لغير المسلمين ص 116.


[ 151 ]

فكتبَ أهل المدينة إلى مَن بالآفاق يقولون: «إن كنتم تريدون الجهادَ فهلمّوا إلينا فإنّ دين محمّد قد أفسدَه خليفتُكم فاخلعوه».

واختلفتْ قلوب العامّة على عثمان في كلّ أرض. فلم تدخل سنة خمس وثلاثين للهجرة حتى تكاتَبَ أهلُ الأمصار يحرّض بعضُهم بعضاً على التخلّص من الأمويين وخلع عثمان وعزل عمّاله حيث كانوا. واتّصل ذلك بعثمان فكتب إلى أهل الأمصار يسترضيهم. ثم استقدم نفراً من عمّاله فلمّا قدِموا عليه جمَعَهم واستشارَهم. فكان فيهم مَن نصح له بأن يعدل فيلزم طريق أبي بكر وعمر. وكان فيهم مَن جاور وداور فلم يُعطِ الخليفةَ نصيحةً واضحة، كمعاوية. وكان في هؤلاء مَن لا يستحق أن يُدلي برأي لِما في رأيه من هوىً وهوَس، ومن هؤلاء سعيد بن العاص الذي أشار على عثمان يقول: «هذه أمورٌ مصنوعة تُلقى في السرّ فيتحدّث بها الناس، ودواء ذلك السيف!»

وانتهى الاجتماع دون أن يُسفر عمّا يعالج الحالةَ من رأي أو نهج، ذلك لأنّ عمّال عثمان إنّما كان هواهم في سياسته الراهنة لِما يصيبهم بها من مغانم، فلم يُخلصوا النصيحة. أضف إلى ذلك أنّ نفراً من هؤلاء كانوا يسعون في التخلّص من عثمان بالسرّ حيناً وبالجهر على ما سنرويه ونبيّن أسبابَه في فصل آت. ثمّ إنّ مروان كان بالمرصاد لكلّ مَن يشير على الخليفة بتبديل أو تعديل، فلو أخلص الناصحون لعثمان لَمَا أجدتِ النصيحة وفي البطانة مروان.

وكانت الثورة!

ففيما كان الناس في الأقاليم والأمصار في سخط شديد على سياسة الخلافة التي يضع مناهجَها ويوجّهها مروانُ ومَن إليه، أقبل أهلُ مصر على عثمان وهو بالمدينة يشكون له الكثيرَ من عامله على مصر عبدالله بن أبي سرح. فقبل عثمان شكواهم وتَلوّمَ على ابن ابي سرح، ووعد القومَ بإنصافهم منه. ثم


[ 152 ]

كتب إلى عامله ينهاه عن أن يعود إلى تصرّفاته السابقة مع أهل مصر، ويتهدّده إن هو لم يفعل بما جاءَه من أمر. وكان ذلك على كره من مروان الذي خرج من دار الخلافة وردّ القومَ ردّاً عنيفاً، ثم راح يحوّل عثمان عمّا أعطى من عهد.

وغضب ابن أبي سرح لد قراءته كتاب عثمان، وأبى أن يفعل بماجاءه من أمر. وبلغ به الغضب أن قتَل أحدَ أعضاء الوفد المصري الذي حمل الشكوى إلى عثمان. وكان في صلة عبدالله بن أبي سرح بالخليفة ما يَسّرَ له مثلَ هذا التمرّد ومثلَ هذا التصرّف. فهو أخوه من الرضاعة، وبهذه الأخوّة ولاّ مصر.

سخط المريّون أشدّ سخط على ابن أبي سرح بما جرُؤ عليه وبما جنت يداه. فألّفوا وفداً جعل بعضُهم عددَه ألفاً للخروج إلى المدينة ثانيةً. فدخلوا المدينةَ محتلّين ونزلوا المسجدَ ونادى مناديهم في أهل المدينة: «مَن لزِمَ دارَه فهو آمن، ومَن كفّ عنّا أذاه فهو آمن!» ثم اجتمع رؤساؤهم إلى أجلاَء الصحابة يشكون ما جرّه عليهم ابنُ أبي سرح من ويلات، ويأخذون عليه عنفَه وقساوتَه وقتلَه رجلاً منهم لا ذنبَ له إلاّ أ نّه كان في وفد يطالب بحماية وعدل وحقّ. فدخل على عثمان بعضُ الصحابة فكلّموه في شأن أهل مصر. ثم دخل عليه قومٌ كثير كان على رأسهم علي بن أبي طالب الذي خاطبَ عثمان يقو بمنطقه العادل الحكيم:

«إنّما سألوك رجلاً مكانَ رجل، وقد ادّعوا قبله دماً، فاعز له عنهم واقضِ بينهم وبينه فإنّه قد وجب عليه حقٌّ، فأنصِفهم منه!»

فأكدّ عثمانُ العهدَ للقوم وطمأنَهم إلى أ نّه داخلٌ في رضا العامّة. ثم قال لهم: اختاروا رجلاً أُوَلِّهِ عليكم مكانّ ابن أبي سرح. فنظر القوم في الأمر ثم أشاروا عليه قائلين: ولِّ محمّد بن أبي بكر. فولاّه، وأخرجه إلى مصر في جماعة من المهاجرين والأنصار ومعه العهدُ بالولاية.


[ 153 ]

وفيما كان محمّد بن أبي بكر ومرافقوه من المهاجرين والأنصار في بعض طريقهم إلى مصر وقد خلّوا المدينة من ثلاثة أيّام، لحظَ أصحابُ محمد غلاماً أدكنَ اللون على ظهرِ بعير يخبط الأرض على غير هدىً كأ نّه هاربٌ أو طالب. فاستغربوا شأنَ الغلام فسألوه قائلين: ما شأنُك يا غلام؟ فظلّ البعيرُ يخبط الأرض والغلام على ظهره لا يسمع ولا يقول. فكرّرَ أصحابُ محمد السؤالَ. فقال: أنا غلام أميرالمؤمنين وجّهَني إلى عامل مصر. فقال أصحاب محمد:

ـ هذا عامل مصر معنا! قال:

ـ ليس هذا أُريد!

وبلغ محمّداً ما كان من خبر هذا الرسول وأصحابهِ، فنادى به، فأقبل عليه فقال له محمّد:

ـ غلامُ مَن أنت؟ فقال:

ـ غلام أميرالمؤمنين! ثم أنكر قولَه الأوّل، مجيباً:

ـ بل غلام مروان!

ثم راح يُنكر قولاً بقول، فيزعم مرّةً أ نّه غلام عثمان ومرّةً أ نّه غلام مروان! وسأله محمّد:

ـ إلى مَن أُرسلتَ؟ قال:

ـ إلى عامل مصر؟

ـ وبماذا أُرسلتَ إلى عامل مصر؟

ـ برسالة!

ـ وهل تحمل كتاباً بما أُرسلتَ به؟

ـ لا!

وأمر محمّد بتفتيشه ففتشوه، فوجدوا في أحد مطاويه كتاباً من عثمان إلى عبدالله بن أبي سرح عامله على مصر، فدفعوا الكتاب إلى محمد، فجمع محمّد الثويمَ وفتَح الكتاب على مشهد من أصحابه جميعاً وقرأ:


[ 154 ]

«إذا جاء محمّد بن أبي بكر وفلان وفلان فاحتَل لقتلهم وأَبطِل كتابَهم وقرّ على عملك حتى يأتيك رأيي. واحتبس مَن جاء يتظلّم منك ليأتيك في ذلك رأيي إن شاء الله».

وساد القومَ الصمتُ واعتراهم الوجوم! هلى يبّيت أميرُالمؤمنين لرعاياه وعمّاله وأنصاره ومهاجريه وأصحابه مثلَ هذه الرغبة في مثل هذا المصير وهل يجوز القتلُ في قوم لم يأتوا عملاً مُنكراً؟ وهل باتت حياة الناس وفيهم الأخيار والطيّبون، رهينةً بزَوغةِ جنان وفلتةِ لسان وصرّة قلم على قرطاس؟

وختم محمّد بن أبي بكر الكتاب بخواتمِ مَن معه مِن المهاجرين والأنصار ثم ارتأى أن يعودوا جميعاً إلى دار الهجرة حيث يواجهون الصحابة بحقيقة الأمر. فلمّا كانوا في المدينة قرأوا الكتاب عليهم وفيهم عليّ بن أبي طالب. فأقام الصحابةُ على حزن كثير من هذا الكَيد للناس وللإسلام. وأُخبر أهلُ المدينة بخبر الغلام والكتاب فلم يبقَ فيهم أحدٌ إلاّ سخط على عثمان ومروان. فلقد تعوّدوا غيرَ هذا في خلافة الصدّيق وابن الخطّاب. وتعوّدوا غيرَ هذا ممّا لقّنَهم إيّاه الإسلامُ الصحيح وهم حديثو عهد بصاحب الرسالة. لذلك سخطوا كثيراً وأمعنوا في السخط، وتنادوا يتباحثون ويتشاورون ويتذمّرون. وزادهم سخطاً ما كانوا يعرفونه من شؤون دار الخلافة ذلك العهد. ثم زادهم سخطاً كذلك ما تذكّروه عند ذاك مما أصاب أبا ذرّ الغفاري وعبدالله بن مسعود وغيرهما من أجلاّ الصحابة.

وألّف أصحابُ النبيّ في الحال وفداً فيه عمّار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص وعلى رأسه عليّ بن أبي طالب الذي دخل طليعة القوم على عثمان وفي يده الكتابُ ومعه الغلام وبعيره، فقال لعثمان: هذا الغلام غلامك؟ فقال عثمان: نعم! قال: وهذا البعير بعيرك؟ قال: نعم! قال عليّ: وهذا الخاتم خاتمك؟ قال عثمان: نعم! قال عليّ: فأنت كتبتَ الكتاب؟ قال:


[ 155 ]

لا! ثم أطلقَ القسَم قائلاً: واللهِ ما كتبتُ هذا الكتاب ولا أمرتُ به ولا وجّهتُ هذا الغلام إلى مصر قطّ!

وأدرك الصحابةُ أنّ عثمان لا يقول باطلاً. وأمعنوا النظر في الخطّ فإذا هو خطّ مروان لا يقلّ ولا يزيد. وطلبوا إلى عثمان أن يُريهم وجه مروان ليجادلوه في الأمر ويمتحنوه ويعرفوا خبر الكتاب. فأبى عثمان أن يجيبهم إلى هذا الطلب وكان مروان عنده في دار الخلافة. ولم يجرؤ مروان فيندفع من نفسه إلى مجادلة القوم ورفع غضبهم عن الخليفة الذي يحميه. وخرج الصحابة من دار ا لخلافة وهم ساخطون على مروان ناقمون على عثمان متحقّقون من أنّ الخطّ إنّما هو خطّ مستشار الخليفة لا خطّ سواه! وعزموا على ألاّ يُبرئوا الخليفة إلم يدفع إليهم مروان حتى يمتحنهو ويعرفوا حقيقة هذا الكتاب وكيف يأمر صاحبُه بقتل رجال من أصحاب النبيّ بغير حقّ. وقالوا: فإن يكُ عثمان كتبَه عزلناه، وإن يكّ مروان كتَبه على لسانه نظرنا في أمره.

وألحّ الثائرون بصورة خاصّأ في مطالبة عثمان بأن يسلّمهم مروان ليتحققوا ممّا هو فيه. فأبى عثمان ذلك. وتلاحقت الحوادث سريعةً على ما هو معروف في كتب التاريخ. وشاء عليّ بن أبي طالب أن يحسم الخلاف بين الثائرين والخليفة وأن يحقن الدماء. فدخل ثانيةً على عثمان فأشار عليه أن يتكلّم بكلام يسمعه الناس منه ليسكنوا إلى ما يعدهم به من إصلاح، وقال له: «إن البلاد قد تمخّضت عليك ولا آمَن أن يجيء ركبٌ من جهة أخر فتقول لي: يا عليّن، اركب إليهم!» فخرج عثمان فخطب خطبةً وأعطى الناسَ من نفسه التوبة ووعدهم بأن ينزل عند إرادتهم، وإن ينحّي مروان وذويه. فرقّ الناس له وبكوا حتى خضَلوا لحاهم وبكى هو أيضاً.


[ 156 ]

فلمّا نزل عن منبر المسجد وجاء بيتَه وجد مروان وسعداً ونفراً من بني أميّة في منزله قعوداً لم يكونوا قد شهدوا خطبتَه ولكنّها بلغتهم. فلمّما جلس قال له مروان: يا أميرالمؤمنين، أأتكلّم أم أسكت؟؟ فقال عثمان، تكلّم! فقال مروان وكأ نّه يوبّخ: ما زدتَ على أن جرّأت عليك الناس! فقال عثمان وكأ نّه يندم: قد كان من قولي ما كان، وإنّ الفائت لا يُرَدّ. قال مروان: إنّ الناس قد اجتمعوا ببابك أمثال الجبال; أنت دعوتَهم إلى نفسك فهذا يذكر مَظلمة، وهذا يسأل عن نزعِ عامل من عمّالك عنه; هذا ما جنيتَ على خلافتك ولو استمسكتَ وصبرتَ كان خيراً لك. فقال عثمان: فاخرج أنتَ إلى الناس فكلّمهم، فإنّي استحي أن أكلّمهم وأردهم!

وهكذ أفسد مروان ما أصلحَه عليّ. فإنّ هذا الحوار ما كاد ينتهي حتى خرج مروان إلى الناس وقد ركب بعضهم بعضاً من شدّة الازدحام فقال:

«ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم جئتم لنهب! شاهت الوجوه! أتريدون أن تنزعوا مُلكنا من أيدينا؟ اغربوا عنّا، واللهِ إن رمتمونا لنمرّنّ عليكم ماحلاً ولنحلّن بكم ما لا يسرّكم! إرجعوا إلى منازلكم فإنّا والله غير مغلوبين على ما في أيدينا».

فرجع الناس خائبين يشتمون ويهدّدون. وأتى بعضهم عليّاً فأخبره الخبر. وكان باستطاعته ألاّ يعود بالمشورة على عثمان عند ذاك وقد ترك قولَه وسمع قول مروان. ولكنّ عطفَه على الخليفة الشيخ، ورغبته في صلاح ذات البين بين الناس، وما بقيَ في نفسه من أمل في عودة عثمان إلى الصواب، أمورٌ دفعته إلى أن يعود فيدلّ الخليفة على الطريق من جديد. فلمّا جاءَه عثمان ليلاً، برأي زوجته العاقلة السيدة نائلة، ليعتذر إليه ويعِدَه من نفسه الجميل، قال له عليّ: «أبَعْدَما تكلّمتَ على منبر رسول الله وأعطيتَ من نفسك ثم دخلت بيتك فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك؟» فلام عثمان نفسَه. وعاد عليٌّ إلى نصحه قائلاً له: «والله إنّي لأكثر الناس ذبّاً عنك. ولكنّي كلّما جئتُ بشيء أظنّه لك رِضا. جاء مروان بغيره فسمعتَ قوله وتركتَ قولي!»

وصدق قول عليّ. فقد جاء مروان هذه المرّة أيضاً بما أفسدَ على الخليفة كلّ شيء.

وعاد الثائرون إلى المطالبة بتحقيق ما كانوا قد وُعدوا به فأبطَلَه مروان. وعادو إلى المطالبة بتسليمهم مروان ليقاضوه. فتصلّب عثمان في دفاعه عن ابن الحكم وتصلّب الثائرون وأبوا إلاّ امتحان الرجل ومقاضاته. فلمّا تعاظمت ثورة الثائرين هنا وثبتَ عثمان في موقفه هناك عازماً على ألاّ يسلمهم مروان، حاصر الساخطون دار الخلافة وأطالوا الحصار. ومنعوا الخليفة الماء أو يذعن لِمَا يريدون، فأطلَ الخليفة عليهم قائلاً: أفيكم عليّ؟ قالوا: لا! قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا. قال: ألا أحدٌ يبلغ عليّاً فيسقينا ماء؟ فلمّا بلغ ذلك عليّاً اندفع بشهامته المعروفة وتحدّى الثائرين في سبيل مَن منعوا عنه


[ 157 ]

الماء وبعث إليه مع قوم من أنصاره وإخوانه ثلاثَ قرَب مملوءَةً ماء، وأمَرهم أن يوصلوها إلى عثمان ولو دفعوا حياتهم ثمناً لذلك. فصارع حاملوها الثائرين وجرح بعضهم بعضاً حتى أوصلوها.

وهكذا أضاف الإمام فصلاً جديداً من الشهامة العلوية إلى فصول حياته. هذه الشهامة التي جعلته في الذروة من السخط على الاحتكار والاستثمار والظلم وجعلته كذلك في الذروة من العطف على الآدميّين ومنهم عثمان: الإنسان الذي أوقعَه الأمويّون في أشراكهم فأضلّوا سبيلَه إلى القلوب وألقوا في طريقه إلى الإنصاف كلّ ما يصعب اجتيازُه من عقبات، فإذا هو محاصرٌ في دار يبتغي القومُ قتله ويمنعونه الماء الجاري في جنبات الأرض!

إنّهم يريدون دمَ عثمان! هذا ما بلغ عليّاً. فإذا به يخرج من منزله على


[ 158 ]

عجل، ويسوق أمامَه ولديه الحسن والحسين وعبدالله بن عمر بن الخطاب ونفراً من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، حتى إذا كانوا جميعاً على مشهد من الثائرين خطَبوهم ووعدهم وفرّقوهم. ثم دخلوا على عثمان لعلّهم يتفقون على حلّ لهذه العقدة. ولكنّهم لم يتّفقوا. فخرج عليّ من دار الخلافة إلى المسجد الجامع يريد الصلاة. فناداه الناس: يا أباالحسن، تقدّم فصلِّ بالناس. فقال: «لا أصلّي بكم والإمام محصور، ولكني أصلّي وحدي».

ثم غادر المسجد إلى بيته بعد أن أمر ولديه الحسن والحسين بأن يحرسا دار الخلافة عل رأس نفر من أبناء الصحابة ذوي المكانة في قلوب الناس. وقال للحسن والحسين: «إذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدَعا أحداً يصل إليه بمكروه!»

ولم يكن في نيّة الثائرين أن ينالوا عثمان بمكروه. وإنّما كانت غايتهم ساعتذاك أن يستتيبوه فيتوب ويسوموه أن يخلع نفسَه. يدلّك على ذلك أنّ رجلاً يقال له نيار بن عياض وكان من الصحابة، وقف في الصفّ الأمامي من الثائرين واسمَعَ عثمانَ صوتَه وهو يناشده أن يخلع نفسه فيسلم، فبينا هو يسومه خلعَ نفسه رماه كثير بن الصلت الكندي وكان من أصحاب عثمان من أهل داره بسهم فقتلَه. فصاح المصريّون وغيرهم من الثائرين قائلين: ادفعوا لنا قاتل ابن عياض. فقال عثمان: لم أكن لادفع إليكم رجلاً نصَرني فثاروا إلى الباب، فأغلق دونهم; فجاؤوا بنار فأحرقوه وأحرقوا السقيفة التي عليه. ثم راحوا يرمون دارَ الخلافة بالسهام من كلّ مكان حتى خضب الحسن بن عليّ بالدماء وهو على باب الدار يمنع القومَ عن ولوجها بأمر أبيه. وشجّ رأس آخرين من أنصار عليّ. وخشي الثائرون أمرَ بني هاشم ومَن يواليهم من القرشيين إذا هم آذوا الحسن والحسين وقال نفرٌ منهم: «إذا جاءَت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن والحسين، كشف الناس عن عثمان وبطل ما نريد، ولكن مروّا بنا حتى نَتسوّر عليه الدار فنقتله غير أن يعلم أحد».


[ 159 ]

وعملوا بما أجمعوا عليه الرأي. فتسوّر محمّد بن أبي بكر واثنان من أصحابه دار الخليفة من بيت رجل يقال له محمّد بن حزم الأنصاري، حتى إذا بلغوا مكانه وجدوه وإلى جانبه أمرأته نائلة، فوجأة صاحبا ابن أبي بكر بنصالً حادّة حتى قتلاه ثم خرج من حيث دخلوا، وصاحت نائلة: لقد قتلوا أمير المؤمنين! وبلغت الصيحة الحسن والحسين ومن معهما من أبناء الصحابة، فدخلوا الدار فإذا الخليفة مقتول، فأكبّوا عليه يبكون!

أمّا عليّ، الذي لم يكن أقدر على دفع الناس عن عثمان من عثمان نفسه لو استمع إلى نُصح، فإنّه ساعةَ بلغه الخبر راعه ذلك وصاح في المخبر: «تبّاً لكم آخر الدهر!» وهرع إلى دار الخليفة القتيل، غاضباً ساخطاً حتى إذا التقى ولديه الحسن والحسين قال لهما: «كيف قُتل أميرالمؤمنين وأنتما على الباب؟» ثم أشبعهما لطماً وضرباً، وشتم محمد بن طلحة وعبدالله بن الزبير ومَن إليهما من أبناء المهاجرين والأنصار. فبادَره طلحة قائلاً: «مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين! لا تضرب يا أباالحسن ولا تشتم ولا تلعن، لو دَفع مروانَ ما قُتل!»

*

وهكذا فالذين قتلوا عثمان قسمان: قسمٌ ثار للحقّ واستتباب الرجلَ فأبى أن يتوب فحصره في داره ثم قضى عليه، وهو يتألف من الكافّة في الحجاز ومصر والعراق وسائر البلاد. وقسمٌ آخر فتنته الغنائم فكان معه إماماً مطاعاً وخذَله مهيضَ الجناح محاصَراً. أمّا القسم الأوّل فقد سبقَ الكلام عليه وأمّا القسم الثاني فسوف نُرجىء الحديثَ عنه إلى مطلع باب «المؤامرة الكبرى» لاتّصال ما فعل وما أحدث بالكيد لعليٍّ وللمغلوبين على أمرهم الذين جاء الإسلام يرفعهم ممّا كانوا فيه من غبن، فأبى الوجهاء. فاستمرّت الثورة.

أمّا الآن فلنقف قليلاً مع نفر من المؤلّفين المعاصرين لنسمعهم يقولون ويَسمعونا، في أمور وأحداث تتعلّق بأسباب الفتنة ومعناها.


[ 160 ]


[ 161 ]

أقوالٌ وَرُدُود

* وفي الشرق كتّابٌ لا يعنيهم من التاريخ واقعٌ ولا من الحياة حالٌ أو ظرف، فإذا بهم يعلّلون ثورةَ المظلومين على أيام عثمان، ويحصرون أحداثَ عصر بل عصور، بإرادةِ فرد يطوّفُ في الأمصار والأقطار ويؤلّبُ الناس على خليفة ودولة!

تلك هي الأسباب الحقيقيّة في ثورة الجماهير على عثمان وبطانته. وتُضحكك ولا شكّ تعليلاتُ بعض الباحثين إذ يرمون بابحاثهم إلى رفع كلّ مسؤوليّة، عن كلّ مسؤول حقيقيّ في مقتل الخليفة الثالث لئلاّ يأخذ الناسُ عليهم مأخذاً في إيمان! فإذا هم كالذين يسعون في تحويل مجاري المياه من تحت إلى فوق. وأمثال هؤلاء كثير. ومعظمهم يجيزون الغفلة في قرّانهم وإلاّ لَما أجازوا المنطقَ الساذج والرأي المسكين. من هؤلاء مؤلّفُ «عائشة والسياسة»(1). فإنّ صاحبنا هذا وضع كتاباً طويلاً عريضاً ليُقنع قارئه في فصول طويلة عريضة بأنّ السبب الأوّل والأخير في ما آلت إليه أحوالٌ العالم العربي في عهد عثمان، وفي مصرع الخليفة الثالث، ثمّ في ما حدث بعد ذلك من أحداث جِسام، إنّما هو محصورٌ في وجود رجل يدعى عبدالله بن سبأ وفي تصرّفاته!

والنتيجة العملية لمثل هذا الزعم وهذا الافتراء هي أنّ الدولة في عهد عثمان


1 ـ راجع كتاب عائشة والسياسة لسعيد الافغاني.


[ 162 ]

ووزيره مروان إنّما كانت دولةً مثاليّة، وأنّ الأمويّين والولاة والأرستقراطيين إنّما كانوا رُسُلَ العدالة الاجتماعية والإخاء البشري في أرض العرب. غير أنّ رجلاً فرداً هو عبدالله بن سبأ أفسدَ على الأمويين والولاة والأرستقراطيين صلاحَهم وبرّهم إذ جعل يطوف الأمصارَ والأقطار مؤلِّباً على عثمان وأمرائه ووُلاته الصالحين المُصلحين، ولولا هذا الرجل الفرد وطوافُه في الأمصار والأقطار لَعاش الناس في نعيمِ مروان وعدل الوليد وحلم معاوية عيشاً هو الرّغادة وهو الرخاء.

وفي مثل هذا الزَّعم افتراءٌ على الواقع واعتداءٌ على الخَلق ومسايرةٌ ضئيلة الشأن لبعض الآراء، يلفّ ذلك جميعاً منطقٌ ساذج وحجّةٌ مصطنعة واهية. وفيه ماه هو أخطر من ذلك: فيه تضليلٌ عن حقائق أساسية في بناء التاريخ. إذ يحالو صاحب هذا المسعى الفاشل أن يحصر أحداثَ عصر بكامله، بل عصور كثيرة، بإرادة فرد يطوف في الأمصار ويؤّلِّب الناسَ على دولة فيثور هؤلاء الناس على هذه الدولة لا لشيء إلاّ لأنّ هذا الفرد طاف بهم وأثارهم!

أمّا طبيعة الحكم وسياسة الحاكم وفساد النظام الاقتصادي والمالي والعمراني وطغيان الأثَرة على ذوي السلطان، واستبداد الولاة بالأرزاق، وحمل بني أميّة على الأعناق، والميل عن السياسة الشعبية الديموقراطية إلى سياسة عائلية أرستقراطية رأسمالية، وإذلال مَن يضمر لهم الشعبُ التقديرَ والاحترامَ الكثيرين أمثال أبي ذرّ وعمّار بن ياسر وغيرهما، أمّا هذه الأمور وما إليها جميعاً من ظروف الحياة الاجتماعية فليست بذات شأن في تحريك الأمصار وإثارتها على الأسرة الأمويّة الحاكمة ومَن هم في ركابها، في نظر المؤلف المذكور! بل الشأن كلّ الشأن في الثورة على عثمان لعبدالله بن سبأ الذي «يلفت الناسَ عن طاعة الأئمّة ويُلقي بينهم الشرّ» كما يقول المؤلِّف مستشهداً بقول سِوَاه!


[ 163 ]

أليس من الخطر على التفكير أن ينشأ في هذا الشرق مَن يعلِّلون الحوادث العامّةَ الكبرى، المتّصلّة اتِّصالاً مُحكماً وثيقاً بطبيعة الجماعة وأُسُس الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية، بإرادة فرد من عامّة الناس يطوف في البلاد «باذراً للضلالات والفساد ف هذا المجتمع السليم» كما يقول المؤلِّف المذكور، ويعني بـ «هذا المجتمع السليم» مجتمع مروان بن الحكم!!!

أليس من الخطر على التفكير أن نعلّل الثورات الإصلاحية في التاريخ تعليلاً صبيانياً نستند فيه إلى رغبات أفراد في التاريخ شاؤوا أن يُحدثوا «شغَباً» فطافوا الأمصارَ وأحدثوه!!

أنظر كيف يتحدّث مؤلِّف كتاب «عائشة والسياسة» عن خطر عبدالله بن سبأ، أو ابن السوداء كما يسمّيه، وكيف يسعى بصورة لا شعورية في تعظيم معاوية على ضآلة شأنه في مقاييس الرجال، وفي تحطيم أبي ذرّ الغفاري على عظمة شخصيته في كلّ مقياس، وهو بذلك ينزع عن لسانِ أكثر الباحثين الذين يطلبون الجنّة بما يؤلِّفون، يقول:

«لقد طاف ـ عبدالله بن سبأ ـ أقطارَ المسلمين قطراً قطراً. بدأ بالحجاز باثّاً ضلالاته كما تقدّم، ثم انعطف إلى الشام، والشامُ يومئذ بيد بصير بأمره: معاوية بن أبي سفيان فطنّ إلى خطره فأبعده; إلاّ أ نّه على حَذَرِه قد أصابه رشاشٌ من إفساده... لقد قدر، وزرع، وحرّك على معاوية صحابيّاً جليلاً أذعنَ عامّةُ الشاميّين لأقواله، وضاق به ذرعاً معاوية الداهية الحليم، واضطرّ إلى أن يطلب من الخليفة عثمان إخراجه من الشام، ذلك هو أبو ذرّ وحادثه مشهور!»

فالذي يُستخلَص من هذا القول أنّ ولايات الدولة العربية في عهد عثمان كانت في نعيم، وخصوصاً ولاية الشام التي كانت يومذاك بيد «بصير بأمره» هو معاوية. وأنّ أبا ذرّ الغفاري المصلح العظيم لم يكن شيئاً مذكوراً لولا أن يأتيه عبدالله بن سبأ ويوقظه. ثم إنّ عبدالله بن سبأ لم يوقظ أبا ذرّ إلاّ على


[ 164 ]

إفساد وتضليل وتخريب. ذلك لأنّ عبدالله كان ـ في زعم المؤلِّف ـ أصل الفساد والخراب ولم تكن له رغبة من «طوافه في أقطار المسلمين قطراً قطراً» إلاّ فيهما. فبات من الطبيعي عند ذاك أن يسعى أبو ذرّ في ما أراده عبدالله بن سبأ وهو بثّ الضلالات وإلقاء الشرّ بين الناس والميل بهم عن طاعة الأئمّة.

ويشفق المؤلِّف على العرب، والمسلمين، والتاريخ، من مساعي أبي ذرّ في «تأليب الفقراء على الأغنياء وخوف معاوية على الشام منه» حتى «ضاق معاوية الحليم ذرعاً بأبي ذرّ» فأخرجه من الشام رحمةً بالعرب، والمسلمين، والتاريخ!

وبعد، أفلا يذكّرك منطق هذا المؤلف الذي يخاف على الشام من أبي ذرّ فوق ما يخاف منه معاوية، وعلى الأغنياء من الفقراء، وعلى سلامة المجتمع البشري من عبدالله بن سبأ، بمنطقِ حكّامِ التاريخ وأصحاب الذهنيّة التي تزن الوجودَ بميزان الفرد، وتحصر هذا الفرد بشخص الحاكم، وتخشى على الحاكم من هينمات النسيم ولمس الورود، فكلُّ مَن طالَب بحقّ الجماعة في الحياة هو في نظر هذا الحاكم ومَن يليه مُفسِدُ مُشاغب يبثُ الشرّ ويُلفت الناس عن طاعة الأئمّة!»

أَفلا يدهشك أن يدرك المؤرّخون القدامى من أسباب الفتنة ما لا يدركه المحدَثون وآلةُ هؤلاء من ثقافة العصر تفوق آلة أولئك، وعدّتُهم أيسَر من عدّة السابقين، فإذا بصاحب «عائشة والسياسة» يسند أسبابَ الثورة على عثمان إلى طواف ابن سبأ في الأمصار ويقول فيه ما ذكرناه، وإذا بالطبري ومَن هم دونه وفوقه وفي مستواه يعلّلونها تعليلاً صحيحاً ويسندون أسبابَها إلى عوامل مادّية سليمة الشروط، فيقول الطبري في جملة ما يقول، إنّ الذين لا سابقةَ في الإسلام ولا قدمة لا يبلغون مبلغَ أهل السابقة والقدمة في المجالس والرئاسة والحظوة. ثم أ نّهم وهم السّواد الأعظم كانوا يعيبون العطاء


[ 165 ]

ويجعلونه جفوةً لأنّ نصيبهم منه قليل. فكان إذا لحق بهم لاحقٌ من ناشيء أو أعرابي أو محرّر، استحلى كلامَهم، فكانوا في زيادة ـ يقصد الطبقات الناقمة على عثمان ـ وكان الطبقة الراضة في نقصان حتى غلب الشرّ!

ومن الغريب حقّاً أن يقع في مثل هذه الأغلاط في النظر والرأي باحثٌ معاصر آخر كأحمد أمين إذ يرى في أبي ذرّ الغفاري رجلاً ساذجاً يقوده عبدالله بن سبأ ويغريه بآراء مزدكيّة لكي يعينه على خراب البلاد. ومن الأغرب أن يستشهد أحمد أمين على أقتناع أبي ذر بآراء ابن سبأ المزدكيّة بهذا القول الذي رواه الطبري قال: «قام ـ أبو ذرّ ـ بالشام وجعل يقول: يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء، بشِّر الذين يكنزون الذهب والضة الخ(1)». فكيف يرى أحمد أمين أنّ مطالبة الأغنياء بمؤاساة الفقراء رأيٌ مزدكيّ ولا يرى أ نّها رأي إسلامي خالص. ثمّ، ألا يرى اللحمة والانسجام بين قول أبي ذرّ «يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء» وبين ما يليه من قول «بشّر الذين يكنزون الخ» وهو آية قرانية؟! أَولم يكن أبو بكر وعمر يعملان ما يقوله أبو ذرّ فيؤاسيان الفقراء ويأخذان على أيدي الأغنياء؟ فلماذا لم يخترع لهما أحمد أمين مزكيّاً غير ابن سبأ ليقول إنّما تتلمذا له وأخذا عنه آراء مزدكيّة؟

ويؤكّد أحمد أمين في مكان آخر من فجر الإسلام أنّ عبدالله بن سبأ «هو الذي حرّك أبا ذرّ الغفاري للدعوة الاشتراكية، وهو الذي كان مِن أكبر مَن ألّبَ الأمصار على عثمان(2) وحاول أن يفسد على المسلمين دينهم، وبثّ في البلاد عقائد كثيرةً ضارّة. وكان قد طوّف في بلاد كثيرة: في الحجاز والبصرة والكوفة والشام ومصر، فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكيّة العراق أو اليمين، واعتنقها أبو ذر حسن النية في اعتقادها(3)».


1 ـ راجع فجر الإسلام ص 110.

2 ـ فجر الإسلام ص 269.

3 ـ فجر الإسلام ص 110.


[ 166 ]

كلّ هذا ولا يخطر لمؤلف فجر الإسلام أن يطرح على نفسه هذا السؤال: ما هو الجديد الطارىء في آراء أبي ذرّ على الإسلام؟ أفليس من تعاليم الإسلام أنّ للفقراء حقوقاً على الأغنياء وأنّ المسلمين سواء وأنّ كانزي الذهب والفضة إنّما يكنزون ما تُكون به جباههم وجنوبُهم وظهورهم في جهنّم كما تقول الآية القرآنيّة؟ فأيّ جديد مزدكي على المسلمين في هذه الآراء التي حمّلها أبو ذرّ ودافعَ عنها وهو إنّما يدفع بذلك شرّ الذين حارَبهم الإسلامُ وأنذرَهم بنار جهنّم!

ثمّ ما الذي يُعوِزه رجلٌ كأبي ذرّ كان خامسَ المسلمين وصاحبَ النبيّ ورفيقَ الخليفتين الأوّلين ورأسَ شيعة عليّ لكي يُدرك أنّ المال للجماعة يعيشون به لا للأفراد يكنزونه وأنّ هذا المبدأ حقٌّ وواجب؟

وما الذي يعوزه رجلٌ كأبي ذرّ لكي يدرك أنّ مال الجماعة قد استأثرت به القلّة القليلة في عهد عثمان وأنّ للجور دولةً وسلطاناً وأنّ الإسلام غيرُ هذا فعلى المسلمين أن يغيّروا في أرضهم أشياء؟

وأخيراً، هل كان أبو ذرّ بحاجة إلى عبدالله بن سبأ لأن يدلّه ويدلّ المسلمين على أنّ عثمان سلك طرقَ القياصرة والأباطرة في إيثار أقاربه وأنصاره بالحكم والنفوذ والمال، فيدرك أبو ذرّ أنّ الحاكمين قد ضلّوا ويدرك المسلمون أ نّهم محرومون مغبونون، فيثور الغفاري ويثور معه الناس؟!

لقد فطن هؤلاء هؤلا المؤلّفون لعبدالله بن سبأ والمزدكية، ولم يفطنوا لأبي ذرّ والإسلام. وهالَهم «تأليب ابن السوداء الناسَ على الأئمّة» فراحوا يجدون فيه سببَ النقمة على عثمان، ولم يهلهم ما أنكرَه المسلمون على عثمان وما ينكره كلُّ شعب عل كلّ حاكم في كلّ عصر من إيثار الفئة القليلة على الجماعة الكثيرة، ومن استئساد هذه الفئة برأي الحاكم وبعَونه! لهذا راحوا يسألون الساقيةَ الناضبة البعيدة عن مصدر الغيث ولم يسألوا البحر المحيط القريب!


[ 167 ]

ويختلف الباحثون في كثير من الحوادث التي آلت إلى مصرع عثمان. وأبرز هذه الحوادث التي يختلفون فيها قصَّة محمّد بن أبي بكر والكتاب الذي وُجّه من المدينة إلى مصر وفيه أمرٌ للوالي القديم بقتل الوالي الجديد وقد ذكرناها بالتفصيل.

ولنتوقّف قليلاً لكي نرى رأياً في هذه القصَّة التي أثبتها قومٌ وأنكرها آخرون، وأطمأنّ إلى صحّتها باحثون واستغرب وقوعَها باحثون. وأجلّ الآراء التي عرضَها منكرو هذه القصَّة رأي الاستاذ الكبير الدكتور طه حسين صاحب النظرات القيّمة في تاريخ الإسلام والعرب، بل أجلّ مَن رأى وعرَض رأياً في مشكلات الأوّلين. يقول طه حسين في كتابه الفذّ عثمان:

«وهنا تأتي قصة الكتاب الذي يقول الرّواة إنّ المصرين قد أخذوه أثناء عودتهم إلى مصر فكّروا راجعين. فهذه القصَّة فيما أرى ملفّقة من أصلها. وليس أدلّ على ذلك ممّا يقول الرواة أنفسهم من أنَّ أصحاب النبي لم يكادوا يجادلون القوم في كتابهم هذا ويسألونهم كيف علمَ أهلُ الكوفة وأهلُ البصرة بأنّكم قد أخذتم هذا الكتاب وقد ذهب كلّ فريق منكم إلى وجه؟ حتى عجزوا ولم يعرفوا كيف يجيبون، وقالوا: ضعوا هذا الأمر كيف شئتم، فلا حاجة لنا بهذا الرجل. وليس بمعقول ولا بمقبول أن يكيد عثمان للمسلمين هذا الكيد، فيعطي فريقاً منهم الرضا ثم يرسل إلى عامله سرّاً مَن يُبلغه الأمر أن يبطش بهم ويرهقهم من أمرهم عسراً. وليس بمعقول ولا مقبول أن يجترىء مروان على الخليفة فيكتب هذا الكتاب ويُمضيه بخاتمة ويرسله مع غلامه على جمل من إبله. والأمر أيسرُ من هذا. تلقّى أهلُ الأمصار وعداً من إمامهم فاطمأنوا إليه. ثم تبيّنوا أنّ الخليفة لم يصدق وعده، فأقبلوا ثائرين يريدون أن يفرغوا من هذا الأمر وألاّ يعودوا حتى يفرغوا منه، فلما بلغوا المدينة وجدوا أصحاب رسول الله قد تهيّئوا لقتالهم، فكرهوا هذا القتال وانصرفوا كائدين، حتى إذا عرفوا أنّ هؤلاء الشيوخ قد ألقوا سلاحهم


[ 168 ]
وأمنوا في دورهم، كرّوا راجعين فاحتلوا المدينة بغير قتال!».

ليس من قضية في التاريخ أَثبتَها قومٌ بما روّيتْ عليه وهم مُغالون، وأنكرها قومٌ ولو قامت عليها البيّناتُ وهمّ مُغالون كذلك، إلاّ وجاز في أمرها الشكّ والارتياب. وأخصّ بالذكر تلك القضايا التي تخدم أغراضاً حزبية أو تؤيد مذاهب دينية، لدى هذا الفريق من الخَلق أو ذاك. ولا يزول هذا الشكّ إلاّ بشاهد من التاريخ نفسه لا يمكن إنكارُه، أو بتعليل معقول يقوم بنفسه شاهداً ودليلاً. وقضية الكتاب المذكور جديرة بأن تثير لدى الأستاذ الجليل طه حسين فكرةَ الارتياب بصحّتها. ومستَند الارتياب لديه جديرٌ بأن يُسلّم به لولا أمورٌ في الخاطر تعترض مثلَ هذا التسليم.

أمّا ما يراه الاستاذ الجليل من عجز القوم عن أن يجيبوا كيف تَأتّى لاهل الكوفة وأهل البصرة أن يعملوا بأنهم قد أخذوا هذا الكتاب وقد ذهب كل فريق منهم إلى وجه، فليس حجّةً كافية لإنكار خبر الكتاب من أساسه وكان، في كلّ رواية، السببَ المباشر في عدول محمّد بن أبي بكر وأصحابه عن متابعة الطريق إلى مصر والعودة إلى المدينة وقد بعدوا عنها مسيرَ ثلاثةِ أيام أو ما ينيف. وأن يكون القوم قد عجزوا عن أن يجيبوا إجابةً شافية وهم في حنق وسخط واضطراب وثورة، ليس بأمر ثابت كذلك. أمّا الأمر الثابت في كلّ رواية، وفي منطق الحوادث وتسلسلها، فهو أن عثمان ولّى محمد بن أبي بكر، وأخرجه إلى مصر في قوم من المهاجرين والأنصار. وأنّ محمّداً وأصحابه وثقوا بما أعطاهم عثمان من عهد وساروا في طريقهم، ثم ما لبثوا أن قفلوا راجعين قبل أن يبلغوا إلى أرض مصر. فلماذا عادوا؟ ولماذا عادوا حانقين واضطّروا إلى المداورة كي يتمكنوا من دخول المدينة من غير قتال؟ لا يحدّثنا التاريخ ولا الحوادث ولا مُنكرو حدوث القصة، عن سبب غير هذا الكتاب في عودتهم هذه. ثم إنّ المهاجرين والأنصار الذين أوفدهم الخليفة مع محمد بن أبي بكر كي ينظروا بين أهل مصر وابن أبي سرح ويمهّدوا الطريق


[ 169 ]

لابن أبي بكر، لم يكونوا، بحكم المنطق، إلاّ ممّن اجتمعوا على طاعة عثمان. وهم إن لم يكونوا كلّهم من عثمان بمنزلةِ الأنصار والأعوان فقليلُهم كان منه، ولا ريب، بهذه المنزلة. وإذا كانوا كذلك، وهم كذلك، فكيف يُجمعون على تزوير كتاب بلسان الخليفة وهو منه براء. وإذا كان غيرهم قد زوّره فكيف يجمعون على الاعتراف بصحته. وإذا كانت قصّة الكتاب ملفّقةً من أصلها فلم يكن هنالك كتابٌ ولم يرجع محمّد بن أبي بكر وأصحابه إلى المدينة بسببه، بل اخترع قصّتَه المخترعون من الذين حازَبوا على عثمان بعد مقتله، فكيف يعترف الرواة والمؤرخون وفيهم الدكتور طه حسين نفسه، بأنّ أصحاب النبيّ جادلوا القوم في كتابهم هذا وسألوهم كيف علم أهل الكوفة وأهل البصرة بالأمر وقد ذهب كلُّ فريق منهم إلى وجه!

فالكتاب موجودٌ باعتراف طه حسين إذ يقرّ بأنّ أصحاب النبي جادلوهم في أمره وأطالوا الجدل.

ولكن، مَن دسّ هذا الكتاب وكاد هذا الكيدَ لمحمّد بن أبي بكر ومَن معه مِن المهاجرين والأنصار، وكلّ من يناصره ويغاضب ابنَ أبي سرح من أهل مصر؟

يستغرب الدكتور طه حسين أن يصدر مثل هذا الأمر عن عثمان نفسه فيقول: «وليس بمعقول ولا بمقبول أن يكيد عثمان للمسلمين هذا الكيدَ، فيعطي فريقاً منهم الرضا ثم يرسل إلى عامله سرّاً مَن يُبلغه الأمر أن يبطش بهم ويرهقهم من أمرهم عسراً».

هذا قولٌ حقّ. فليس بمعقول ولا بمقبول أن يكيد عثمان للمسلمين هذا الكيد. ولكنّ مزاج عثمان الليّن كان يدفعه أكثر الأحيان لأن يعمل بإرادة بني أبيه بني أميّة. وهُم مَن هُم في الكيد والافتراء والاجتراء. ويُخبرنا تاريخ عثمان أ نّه كان يُفتي بعمل معيّن ثم يعود ويندم حتى يبكي ندماً، ممّا يدل على أن القوم من بني أمية كانوا يلحّون عليه حتى يُخرجوه عن طبعه السليم وخُلقه الرحيم فيفعل ما لا يلبث أن يندم على فعله. من ذلك أ نّه أساءَ


[ 170 ]

إلى أبي ذرّ أشدّ إساءَة، ثم سعى جاهداً في أن يبذل له أبو ذرّ رضاه. ثم ما عتم أن نقم على أبي ذرّ فنفاه وأماته وزوجَه وأولاده الميتةَ المريعة التي تحدثّنا عنها في فصل سابق. ومن ذلك أ نّه أهان الصحابيّ الجليل عبدالله بن مسعود، وأمَرَ به فضُربت به الأرض فدُقّت ضلعهُ، وقُطع عنه العطاء. ثم ما لبث أن اعتذر له واستغفر. ومن أخباره أيضاً أ نّه كان يأمر عليّاً بمغادرة المدينة، ثم يطلب إليه أن يعود إليها ويلزمها، ويفعل ذلك مراراً حتى يقول عليّ: «ما يريد عثمان إلاّ أن يجعلي جملاً ناضجاً بالغرب أُقبلُ وأدبر: بعثَ إليّ أن اخرُج. ثم بعث إليّ أن أَقدِم. ثم هو الآن يبعث إليّ أن اخرج!» وها هو يُطلق يدَ عبدالله بن سرح في مصير أهل مصر، فيقسوا ابن أبي سرح ويُسيء; فيُقبل المصريون عليه في المدينة ويشكون عامَله عليهم، فيخطب عثمانُ الناسَ ويثني على أهل مصر ويعطي التوبةَ ويستغفر ويبكي، ويعطيهم العهدَ بعزل الوالي الجائر. ثم يعود إلى دار الخلافة فإذا بمروان يلوي به عمّا عقد عليه النيّة وعما بذَله من رضا، وإذا الخليفة لا ينفّذ شيئاً مما أعطى من عهد.

وليس أمرُ أبي ذرّ وعبدالله بن مسعود بأيسر لديه من أمر محمّد بن أبي بكر. وليست دعوتهما للاصلاح بأثقلَ على بطانته من تمرّد المصرين على دار الخلافة بالمدينة ودار الولاية بمصر مرّةً بعد مرّة. ثم إنّ ابن أبي بكر من المشنّعين على سياسة عثمان وابنُ أبي سرح من العاطفين عليها. واتّجاه المصريين إلى هنا أو هناك، بسياسة العامل، يقوّي عثمان أو يُضعفه. فليس من المستغرَب على ضوء هذه الحقائق أن يندم عثمان على تولية ابن أبي بكر مكان أبن أبي سرح، وأن يعطي المصريين عهداً وهو خارج من إرادة مروان، ثم ينقض هذا العهد بتأثير مروان ومَن إليه مِن بطانته وذويه. ويعرف العارفون أن نصائح مروان ورهِطهِ للخليفة تكاد تنحصر في دائرة من التعنيف والنفي والتشريد والتقتيل سواءٌ في ذلك الثائرون والمتمردون من أَصحاب محمّد وعامّة الناس.


[ 171 ]

نسوق هذا الحديث لا تبريراً لمن يزعمون أنّ عثمان هو في الواقع صاحب الكتاب، بل توضيحاً لواقع عثمان بين طبعه الرقيق وعاطفته الليّنة الطيّعة، وبين كيدِ مروان وآل الحكَمَ القابضين منه على اليد والعصا. فإذا لم يكن بمعقول ولا بمقبول أن يكيد عثمان للناس على هذه الصورة، فإنّ المعقول والمقبول أن يحمله مروان حملاً على ما يريد ويشتهي.

كلّ هذا ولا نزال نرفض أن يكون عثمان صاحب الكتاب. ذلك لأسباب كثيرة منها أنّا نستبعد أن يُذعن لمشورة مروان في مثل هذا الأمر. ومنها أنّ الأدلّة التي تدين مروان نفسه أثبَت وأوضح. ولنعد إلى حديثنا مع الاستاذ الجليل طه حسين.

يرى طه حسين، كما تبيّن، أنّ قصة الكتاب هذه ملفّقة من أصلها للسببين اللذين تحدثنا عنهما، ثم لسبب ثالث نراه نحن أضعف الأسباب الثلاثة في الإقناع بأنّ القصة مخترَعة. ويقوم هذا السبب بإنكاره روايةَ مَن يسندون هذا الفعلَ لمروان بن الحكم لأ نّه «ليس بمعقول ولا مقبول أن يجترىء مروان على الخليفة فيكتب هذا الكتاب ويمضيه بخاتمة ويرسله مع غلامه على جَمَل من إبله!»

ليس غريباً أن يجترىء مروان على الخليفة فيكتب هذا الكتاب ويرسله مع غلامه. ولكن الغريب أن يستبعد المرءُ مثل هذا الاجتراء من مروان. هذا إذا صحّ أن نسمّي هذا العمل اجتراءً بالنسبة لمروان الذي يرى الملكَ ملكَه والدنيا دنياه والناسَ عبيدَه ومواليه يُحيي منهم مَن يشاء ويُميت من يشاء بغير حساب. ولكي نرى رأيَنا في استغراب الدكتور طه حسين الرواياتِ القائلةَ بأنّ الكتاب إنّما هو من صنع مروان، وأن المؤامرة إنّما هي نتاج منهجه في السياسة وأسلوبه في الحكم ـ وكان هو الحاكم الفعلي في عهد عثمان ـ لابدّ من الاستناد إلى أمور ثلاثة:

أما الأمر الأوّل فالأسانيد التاريخة التي أجمعت ـ على اختلاف مذاهبَ


[ 172 ]

أصحابها في شؤون الخلافة ـ على أنّ عليّاً دخل على عثمان على رأس وفد من الصحابة فيهم عمّار وطلحة والزبير وسعد وهو يحمل بيده الكتاب ومعه الغلام وبعيره، فجادل الخليفة الثالث في شأن الكتاب وبعد حين تَبيّن للصحابة هؤلاء أنّ الخطّ لمروان، فطلبوا أن يمثل مروان أمامهم لامتحانه، فلم يُجبهم عثمان إلى ما طلبوا، فخرجوا مغضَبين. وقد روينا هذا الخبر بالتفصيل في ما سبق فارجع إليه إذا شئت.

أمّا الأمر الثاني فجلاء نظرة مروان إلى خلافة عثمان. هل كان عثمان، في نظر ابن الحكمَ خليفةً كأبي بكر وعمر، أم أمويّاً لابدّ أن يستعيد بنو أميّة على يديه ما أفقدهم أيّاه الإسلام من السلطان على الرقاب واستعباد الناس واسترقاق بني آدم، فما على الفرصة أن تفوتهم وقد آل إليهم الأمر بعد انتظار طويل؟!

إنّ تاريخ مروان يفيض بهذه الروح الأموية التي تدور في نطاقً من خصائصها الجاهلية الخالصة كما تفيض الإسفنجة في قعر اليمّ بالماء. فقضيّة الخليفة في قلبه وعلى لسانه، وفي مدى تصوّره، ليست قضية عثمان القرشي المهاجر الذي والى النبيّ وأخلص للرسالة واختاره عمر بن الخطّاب واحداً من ستّة هم أهل الشورى، ثم انتخبه المسلمون، في ظرف خاص، ليكون الخليفة الثالث ويسير على نهج سلفَيه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. بل إنّ قضية عثمان، في قلب مروان وعلى لسانه، وفي مدى تصوّره، هي قضية عثمان الأموي المنحدر من أسر يجب ألاّ تغرب شمس أَمجادِها بعدَ اليوم!

وقضية الخلافة في قلب مروان وعلى لسانه، وفي مدى تصوّره، ليست حُكماً بعدل، وإنصافاً للمظلوم من الظالم، وسهراً على الحقوق العامة واستمراراً لسيرة النبيّ والصدّيق وابن الخطّاب في الناس، بل هي ملك «أضاعه» أبو بكر وعمر فلم يورثاه وُلدهما، وعلى عثمان الأموي ألاّ


[ 173 ]

«يرتكب الغلطة ذاتها» فيُشعر الناسَ بأن الخلافة منهم وإليهم، وأنّ وجوده إماماً لهم إنّما هو مرتبط بمقدار ما يُبيح للناس من الحرّية وما يحفظ لهم من حقوق ويرفع من كرامات: بل عليه أن يقف منهم موقف «الملك» الحازم من عبيده ورعاياه فلا يترك لهم مجالاً لأن يتذمروا من نقص أن يطمعوا في مزيد! وهو إن عجز عن مثل هذا التسلط بحكم إيمانه ورقّة مزاجه، فمروان له، ينصحه ويُشير عليه لا يترك كبيرةً ولا صغيرة من شؤون «الملك والرعيّة» إلاّ وتمرّ بين يديه. وقد أفضنا في الحديث عن حقيقة مروان وعن مدى تصوّره لشؤون زمانه في فصلَي «بيتا قريش» و «الحقيقة عن مقتل عثمان» فلسنا بحاجة، هنا، لأن نردّد ما أوضحناه، وإنّما هي الإشارة اللازمة في هذا المقام. وما فاتنا أنّ الرجل قال لمن حاصروا دار الخلافة: «ما شأنكم قد اجتمعتم علينا كأنكم جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا؟»

لقد كانت الخلافة ملك مروان الأموي... فليس من حقّ «الرعية» أن يرفعوا وجوههم ليقاضوا «مَلِكهم» في أمورِ معاشِهم وحرّيتهم. فهو مِلكٌ من أميّة وهم ناسٌ عبيد!

ومَن كان ينظر إلى الخليفة والخلافة هذه النظرة، ويصدر بأحكامه عن مثل هذا التصوّر، هل يرضى بأن يُطمِع «الناسَ» في ملك نسيبه عثمان أو ملكه هو لا فرق، فيرضخ «الملك» لِما يريدون ويعزل عاملاً موالياً للأمويين ومُلكهم عن ولاية ذات شأن في المال والرجال وسعة الأرض. مستبدلاً به محمّد بن أبي بكر الناقمَ عليهم في جملة الناقمين، الموالي لعليّ بن أبي طاب زعيم الفئة الخيّرة التي هالَها أن تنحرف حاشيةُ عثمان هذا الانحراف عن مبادىء العدالة الاجتماعية! ثم إننا لا ننسى أنّ الثائرين والمستائين مِن الصحابة ومَن وراءَهم. هم الذين أشاروا على عثمان بتولية ابن أبي بكر، دون أن يُؤخَذ في أمره رأيُ مروان. وما كان مروان ليرضى بهذا «الاعتداء» على سلطانه!


[ 174 ]

وحين يبدو لنا أن حقيقة النظرة المروانية إلى الخلافة تدور في مثل هذا النطاق فلا تجوز نظرَ الأموي الجاهلي إلى مجد انتُزع منه ثم أُعيد إليه، وحين يبدو لنا أنّ حقيقة النظرة المروانية إلى عثمان إنّما هي نظرةُ مَن يرى في الخليفة الثالث ممثّلاً للعنصرة الأموية والزعامة الأموية، يصبح من السهل علينا أن نقبل اجتراء مروان على نسيبه وحاميه عثمان. نقبل هذا الاجتراء على أ نّه في قلب مروان وفي منطقه وعلى لسانه، ليس اجتراءً ولا افتراء، بل حقّاً يمارسه أمويٌّ جاهلي لم يوغل الإسلام في نفسه كثيراً ولا قليلاً، ويوجّهه في الإشارة على نسيبه الخليفة، وفي النصح له على ما يراه ويرغب فيه.

والشواهد التي تدلّ على ما يسمّيه الاستاذ الجليل «اجتراءً» من مروان على عثمان، أكثر ممّا نحتاج إليه في هذا الحديث. فهو الذي أجترأ على أصحاب النبيّ وعلى عثمان ساعةَ أسدى إلى الخليفة نصحه بقتل هؤلاء جميعاً وفيهم عليّ بن أبي طالب وعمّار بن ياسر وأبو ذرّ الغفاري وغيرهم. وهو الذي اجترأ على ابن مسعود وعثمان ساعةَ أصدر أمرَه إلى الخليفة مشيراً إلى ابن مسعود يقول: إنّه أفسد عليك الكوفة فلا تدعه يفسد عليك الشام، فاستجاب عثمان لقوله دون معارضة أو جدال. وهو الذي اجترأ على أبي ذرّ ومودّعيه عليّ وابنيه وأخيه ورفيقه، فما كفّ عن اجترائه حتى لعنَه عليٌّ وساط راحلتَه وكاد يسوطه. وهو الذي اجتراأ على عثمان في أحرج ساعاته بأن قام يردّ الوفود عن دار الخلافة نهراً وزجراً وتعنيفاً على هواه والخليفة سامعٌ ناظر. وهو الذي اجترأ على عمّار وعثمان ساعةَ أمرَ عثمان بقتل عمّار أمراً صريحاً. ومن اجتراء مروان على الخليفة الثالث أكثر من ذلك أيضاً. لقد اجترأ مروان على السيدة نائلة كانت عاقلةً حكيمة تسؤوها سياسةُ مروان وتدفع زوجها إلى الأخذ بنصيحة عليّ بن أبي طالب. ولمّا كانت خطبة عثمان التي أظهر فيها التوبة لوفود الامصار المتذمّرة الشاكية، وأعطاهم العهد على الاصلاح،


[ 175 ]

جاءَه مروان يريد منه أن يرجع عمّا أعطى وأن يردّ ما فات، فبدأ كلامَه بهذا السؤال: يا أميرالمؤمنين; أَأَتكم أم أسكت؟ فقالت نائلة: لا بل تسكت! فأنتم واللهِ قاتلوه ومُيَتّمو أطفاله! إنّه قد قال مقالةً لا ينبغي له أن ينزع عنها! فما كان من مروان إلاّ أن أجابها يقول: وما أنتِ وذاك؟ واللهِ لقد مات أبوكِ وما يُحسن أن يتوضأ! أفليس أجتراء مروان على عثمان بأمر الكتاب وعثمان لا يعلم من أمره شيئاً، بأيسر من اجترائه عليه بإهانة زوجته على مسمع منه؟

وقد عرف الناس في عهد عثمان فصولاً من جرأَة مروان على الخليفة لم يُنكروها ولم يُخفوها، بل حملوها إلى مسامع عثمان توبيخاً وتأنيباً فما استطاعوا بذلك أن يُخرجوه عن رأي مروان. أفلَم يدخل عليّ على عثمان فيكلّمه باسم الجماعة قائلاً: «فلا تكونَنّ لمروانَ سَيّقةً(1) يسوقك حيث شاء بعد جلال السنّ! فإنَك معه كجمَل الظعينة يقاد حيث يُسار به. وإنّي لأراه يُوردك ولا يُصدرك».

وإنّ اجتراء مروان على عثمان كان شيئاً من اجتراء الناس جميعاً عليه في آخر حكمه، كما كان سبباً في اجتراء الناس. فقد مرّ معنا خبرُ عثمان مع جبلة بن عمرو الساعدي، وكيف طلب جبلةُ من الناس ألاّ يردّوا على عثمان سلاماً، وكيف قال له: واللهِ لأطرّحنّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركنّ بطانتّك هذه الخبيثة الخ، فأين ما يستغربه الدكتور طه حسين من اجتراء مروان على الخليفة بأمر الكتاب، من اجتراء جبلة بن عمرو عليه هذا الاجتراءَ العجيب، وهو رجلٌ من عامّة الناس! أوَ لم يكن مروان أدرى الخَلق بلين عثمان، وبما له عليه من سلطان!


1 ـ السيقة: ما استاقه العدو من الدواب.


[ 176 ]


[ 177 ]

المؤامرة الكبرى

* قد أعَدّوا لكلِّ حقٍّ باطلاً، ولكلِّ قائم مائلاً، ولكلِّ حيٍّ قاتلاً، ولكلِّ باب مفتاحاً، ولكِّ ليل مِصباحاً! عليّ




[ 178 ]


[ 179 ]

المحرّضون على عثمان

* إنّهم لَيطلبون حقّاً هم تركوه، ودماً هم سفكوه! عليّ

* ويلي من طلحة! أَعطيتُه كذا وكذا ذهباً وهو يروم دمي! عثمان

* ولكنّك، يا معاوية، أردتَ أن أُقتَل فتقول: أنا وليّ الثأر! عثمان

* أُقتلو نعثلة! عائشة

* واللهِ إنّي كنت لألقى الراعي فأحرّضه على عثمان! عمرو بن العاص

رأينا أنّ الثورة على عثمان بدأت في صفوف العامّة بالمدينة والأقاليم والثغور على السواء وأ نّها كانت أوّل الأمر تذمّراً تتبعه الشكوى، ثم تحوّلت إلى عصيان فحصار فمأساة. ورأينا أنّ الذين عارضوا سياسةَ عثمان ومستشاريه من كبار الصحابة فنكّلَ بهم الخليفة وعمّاله وذووه، إنّما عارضوا نفوراً


[ 180 ]
من الأثَرة وميلاً إلى العدالة ودفاعاً عن الإسلام. ولم يكن هؤلاء يعارضون طموحاً إلى حكم أو طمعاً في مال أو رغبةً في جاه، فهم صفوة المسلمين في أسلم عهد من عهود الإسلام بمسؤليّات هي في نفوسهم أشبهُ بمسؤليّات أصحاب الرسالات أو هي هذه المسؤوليات في الذات. فما كانت معارضة عليّ لسياسة الإقطاع التي انتهجها عثمان مع أقاربه وذويه، لطمع منه في أرض يقتطعها لنفسه وهو الذي كانت في يديه فَدَكٌ مِن كلّ ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوسُ قوم فأخذت منه فقال: «وما أصنَعُ بفدَك وغير فدك والنفس مظانّها في غد جدَثٌ تنقطع في ظلمته آثارُها وتغيب أخبارها!» ولم تكن معارضته لسياسة عثمان الماليّة منفذاً يريد ولُوجَه إلى مال أو ثراء وهو مَن عرفنا زهدَه بالمال فلا حاجة بنا للمزيد. ولم تكن معارضتُه لسياسة الإيثار العائلي التي سار عليها عثمان وللذهنيّة الأمويّة التي تبرز من خلالها ثأراً لمجد عائليّ يريده وهو ركن الإسلام وابن عم النبيّ وصهرُه ووالد سِبطَيه ثم صاحب هذا القول الذي يمحو به كلَّ مجد يرثُه المرء عن عائلة أو قبيلة: «قيمة الإنسان ما يُحسنه!»

أمّا معارضة أبي ذرّ وعمّار ومَن هم على نهجهما، فلم تكن لتختلف في موضوعها وغايتها عن معارضة ابن أبي طالب، لذلك لم يكن هؤلاء رأيٌ في معارضأ تنتهي بمصرع مَن يعارضون، وإنّما كان لهم رأيٌ في معارضة تُنصف المظلوم وترفع الحَيف وتوجّه الحاكمَ في الطريق المستقيم فلا يَقتُل ولا يُقتَل بل يكون للناس أباً ويكونون له أبناء.

وكان من الطبيعيّ في دولة مترامية الأطراف كالدولة الإسلامية في عهد عثمان، أن تنشأ معارضةٌ من نوع آخر، هي معارضة الطامحين إلى الحكم، والراغبين في مزيد من النّعَم، والطامعين بدائرة للنفوذ أوسع فيما إذا وَلِيَ الأمرَ غيرُ واليهِ. وهذا النوع من المعارضة عرفته كلّ بلدان الأرض في عصور التاريخ جميعاً. وأصحابه لا يزالون يبدلون نهجاً بنهج وموقفاً بموقف


[ 181 ]
ويلبسون لكلّ حالة لبوسَها حتى يستقيم لهم الأمر. وهم في أحوالهم هذه لا يجدون شرّاً في ارتكاب جريمة ثمّ في نسبةِ ما ارتكبوه إلى خصومهم ومَن يخشون خطرَهم.

هذا النوع من المعارضين سواءٌ الكاسبونَ أيامَ عثمان والساخطون لمغنم لم يُصيبوه، والأمويّون من بطانة عثمان ومن عمّاله، وأنصاره الذين وطّأهم رقابَ الناس، وعثمان نفسه، هم الذين قتلوا الخليفة الثالث.

أمّا كيف أعان عثمانُ على نفسه وكيف أعان عليه مروانُ وسائر مستشاريه، فقد مرّ عليه الكلام. وقد أدرك هذه الحقيقةَ أقربُ الناس إلى عثمان وأعرفُهم بحاله. فإنَّ محمّد بن مسلمة كان يموت فيقول له أحدُهم «عثمان مقتول» فيجيب: «هو قتلَ نفسَه». وإنّ نائلة زوجة عثمان تخاطب مروانَ ومَن وارءَه من البطانة بهذه العبارة: «فأنتم واللهِ قاتِلوه ومُيتّمو أطفاله»، وتخاطب عثمان قائلة: «فإنّك متى أطعتَ مروان قتلَك؟»

وأمّا الأمويّون من عمّاله، وأنصارُه الذين وطّأهم رقابَ الناس، والمعارضون الكاسبونَ والساخطون فسوف نتحدّث عنهم واحداً واحداً لاشتراك العدد الأكبر منهم في المؤامرة الكبرى على عليّ بن أبي طالب، التي لم يشهد تاريخُ المؤامرات في الشرق لها مثيلاً، والتي حاكها المحرّضون على عثمان والمؤلّبون عليه وقاتِلوه، إذ اتّهموا عليّاً بقتل عثمان فحملوا قميصَ ضحيّتهم وراحوا يتظاهرون بأنّهم يثأرون له من عليّ.

*
كان معاوية بن أبي سفيان، المطالب بدم الخليفة الشهيد، على زعمه، جاهداً في توطيد ملك له ولبنيه على الشام ثم على سائر الأمصار، لا يعنيه من أمر عثمان حيّاً وميتاً إلاّ أن يمدّه بالقوّة ويخلق له الفرصةَ المؤاتية لتحقيق حلمه هذا. لم يكن يعنيه من أمر عثمان وهو خليفة إلاّ أن يُطلق يده في كلّ ما يعمل، وإلاّ أن يكون ستاراً لرغائبه في الرئاسة والاستقلال


[ 182 ]
بالحكم. وهو، إذا قُتل عثمان، لا يعنيه من أمره كذلك إلاّ انتهاز الفرصة ليرث الخليفة الراحل ويتخلّص من الخليفة الجديد.

فهو حين صار الملك إليه، ماذا كان من شأنه مع قاتلي عثمان؟ إنّه لو كان من الذين آذاهم مصرع الخليفة لنَفّذ العقاب بهؤلاء القَتَلة وفي يده أن يعاقب. نسي معاوية قصة عثمان ساعة آل إليه المُلك كما نسي أن يقتصّ من قتَلة الخليفة وهو من أجل الاقتصاص، كما يزعم، ثأر وأراق الدماء وخرج على الخليفة الجديد، وأكثر من ذلك أيضاً. لقد كان باستطاعة معاوية وهو صاحب الجند الكثير في الشام وصاحب الرأي فيها، أن يجهّز جيشاً يحمي به الخليفة في أيام الحصار الأربعين، وقبل الحصار. بل كان باستطاعته أن يسدي إليه نصحاً يقيه خطرَ الانزلاق في معاندة الرأي العام وهو على ذلك قدير. ولكنه لم يفعل شيئاً من هذا، لأن طمعه في أن يصيرّ المُلك إليه بعد عثمان كان محورَ تفكيره ومدارَ أعماله وتدبيراته.

فمنذ اليوم الذي جمع فيه عثمانُ أخصّاءَه وفيهم معاوية لمعالجة الحال وانتهى الاجتماع إلى غير نفع، أنشب معاوة أظفارَه في الخلافة لأ نّه غلَب على ظنّه قتلُ عثمان. ورأى أنّ الشام بيده وأنّأهلها يطيعونه وأن له حجّةً يحتجّ بها عليهم ويجعلها ذريعةً إلى غرضه وهي قتل عثمان إذا قُتل، وأ نّه ليس في أمراء عثمان أقوى منه ولا أقدر على تدبير الجيوش واستمالة الوجهاء والنافذين بالعطا وبالتهديد، فبنى أمرَه من هذا اليوم على الطمع في الخلافة. أَلاَ ترى إلى قوله لأحد الناس مِن قبل: إنّه ليس أحدٌ أقوى منّي على الإمارة، وإنّ عمر استعملني ورضي سيرتي!

لقد كان معاوية من المؤمنين بضرورة تواري عثمان وقد أصبح له من القوة في الشام ما يجعله جديراً بأن يفكر في تحقيق ما يطمع فيه. ويذكر اليعقوبي في تاريخه ما خلاصته إنّه حينما أشتدّ الحصار على الخليفة الثالث كتب إلى معاوية إلى الشام يطلب تعجيل القدوم عليه. فتوجّه إليه معاوية في قوم


[ 183 ]
كثير ثم قال لهم: «كونوا مكانكم في أوائل الشام حتى آتي أميرَالمؤمنين لأعرف صحة أمره». فأتى عثمان، فسأله عن العدّة، فقال: «أتيتُ لأعرف رأيك وأعود إليه. ـ أي إلى القوم ـ وأجيئك بهم». فقال له عثمان: «لا إله إلاّ الله! ولكنّك، يا معاوية، أردتَ أن أَقتل فتقول: أنا وليِ الثأر! ارجع فجئني بالناس!» فرجع ولم يعد إليه.

وحين زار معاوية المدينة بعد مقتل عثمان، دخل بيتَ الخليفة القتيل فسمع هذه الصيحةَ من عائشة ابنته تبكي وتقول: «واأبتاه». فقال يعزّيها: «يا ابنة أخي، إنّ الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أماناً. وأظهرنا لهم حلماً تحته غضب، وأظهروا لنا طاعةً تحتها حقد. ومع كلّ إنسان سيفُه وهو يرى مكانَ أنصاره. فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أم لنا. ولأن تكوني بنت عم أميرالمؤمنين خيرٌ من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين».

إذن فقصة عثمان تنتهي في نفس معاوية وفي كلامه بأن يصير الحكم إليه هو، وبأن تصبح بنت عثمان ابنة عم أميرالمؤمنين! وما كان أشدّ العقدةَ والخلافةُ في يد عليّ! لقد بلغ معاوية ما كان يصبو إليه من تحقيق وصيّة أبيه أبي سفيان إذ قال يوم صارت الخلافة إلى عثمان: «يا بني أميّة، تَلَقّفوها تلقّفَ الكرة! فَوَالذي يحلف به أبو سفيان ما زلتُ أرجوها لكم، ولتصيرَنّ إلى صبيانكم وراثة!»

وغداً ستصير الخلافة من بعد معاوية إلى صبيّهِ يزيد، ثمّ إلى سائر الصبيان!

وفي الكتب التي بعث بها عليٌّ إلى معاوية، إشاراتٌ صريحة إلى قعود معاوية عن نصرة عثمان لمّا استنصرَه فتراخى عنه ولم يبعث إليه أحداً رغبةً منه في أن يُقتَل فيصير الأمر إليه من بعده. وممّا جاء في كتاب منه إلى معاوية جواباً:

«ثمّ ذكرتَ ما كان من أمري وأمر عثمان، فلكَ أن تجاب عن هذه


[ 184 ]

لرحِمِك منه(1). فأيّنا كان أعدى له(2) وأعدى إلى مقَاتله، أمَن بذّل له نصرتَه فاستقعدَه(3) واستكفّه؟ أم مَن استنصرَه فتراخى عنه وبث المنونَ إليه(4) حتى أتى قدَرُه عليه؟»

وممّا جاء في كتاب آخر: «فإنّك إنّما نصرتَ عثمان حيث كان النصر لك، وخذلتَه حيث كان النصر له(5)».

*

وما يقال في الأمويّين بصدَد مقتل عثمان ومَثَلهم جميعاً مَثَل معاوية ومروان. يقال في سائر الذين أشرنا إليهم، بل يقال في خصوم عليٍّ جميعاً والمتآمرين عليه فما بعد. فالمسؤولية في ذلك تنالهم دون الخليفة الرابع. وإن لم يكن التحريض السافر لينال بعضَهم، فالرغبة والرّضا.

فهذا عمرو بن العاص أحد الشركاء الكبار في تلفيق التّهمة ضدّ عليّ وفي المؤامرة عليه، يحرّض على عثمان ويُغري به لأنّ عثمان عزَله عن ولاية مصر، ويشتدّ في التأليب عليه ويعترف هو بذلك فيقول والقسَمُ ملءُ شفيته: «واللهِ إنّي كنت لألقى الراعي فأحرّضه على عثمان، فضلاً عن الرؤساء والوجوه!» فلمّا سعر الشرُّ بالمدينة خرج عمرو إلى منزله بفلسطين. وفيما هو بقصره ومعه ابناه عبدالله ومحمّد، مرّ به راكبٌ من المدينة فقال: قُتل عثمان. فقال عمرو: «أنا عبدالله، إذا نكَأتُ قرحةً أدميتُها» يريد بذلك أ نّه حرّض على عثمان فلقيَ تحريضُه الصدى الذي يريده بمقتل الخليفة.


1 ـ يقول: لقرابتك منه يصح الجدال معك فيه.

2 ـ أعدى: أشد عدواناً.

3 ـ من بذل النصرة: علي نفسه. واستقعده عثمان: طلب قعوده ولم يقبل نصرته.

4 ـ يقول إنّ عثمان استنصر معاوية فلم ينصره بل خذله وخلى بينه وبين الموت فكأنما بثه عليه.

5 ـ يقول: انتصرت لعثمان بعد أن قتل لأن في هذا الانتصار له فائدة لك إذ تتخذه ذريعة لجمع الناس إلى غرضك. أما وهو حي وكان انتصارك يفيده، فقد خذلته وأبطأت عنه.


[ 185 ]

أمّا طلحة بن عبيدالله الذي بايع لعليٍّ مكرَهاً ثمّ ثار عليه ليطالبه بدم عثمان كما زعم، فإنّ له عملاً كثيراً في تحريض الناس على قتل عثمان، ويحدّث الرّواة أنّ عثمان كان يستعين على طلحة بعليّ، وأنّ عليّاً كان يستجيب له فيعينه على طلحة. من ذلكّ أنّ عليّاً ذهب مرّة إلى طلحة وكان عثمان قد استعان به عليه، فرأى عنده حشداً عظيماً من الثائرين فأدرك أنّ لطلحة في حصار عثمان أثراً كبيراً وأنّ طلحة راغبٌ في التلّخص من الخليفة، فوبّخه يقول: يا طلحة ما هذا الأمر الذي صنعتَ بعثمان! وسعى في أن يردّه عن خطّته هذه، فأبى، فما كان من عليّ إلاّ أن أتى بيتَ المال فقال: افتحوه. فلم يجدوا المفاتيح، فكسر الباب وفرّق ما فيه من المال على هؤلاء الذين جمعهم طلحة لقتل عثمان، فانصرفوا من عند طلحة حتى بقيَ وحده. فسرّ عثمان بذلك وأدرك، متأخراً، أ نّه ما مِن ناصح له مشفق عليه مصلح لأمر الجماعة إلاّ عليّ. وقد أراد طلحة بعد هذه الحادثة أن يعتذر فدخل على عثمان قائلاً: «يا أميرالمؤمنين، أستغفر الله وأتوب. أردت أمراً فحالَ الله بيني وبينه وقد جئتك تائباً». فقال عثمان: «إنّك ما جئتَ تائباً ولكنّك جئتَ مغلوباً الله حسيبك يا طلحة!».

ويروي الطبري أنّ الثوّار ما كادوا يحاصرون عثمان في داره حتى راح طلحة يعدّ نفسه ليكون خليفة فكان أوّل ما لجأ إليه أن اتّخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيحَ وحرّاساً.

وكان عثمان يقول في أشدّ أيام الحصار: «اللهمّ اكفني طلحة فإنّه حمل هؤلا القوم وألّبَهم عليّ. والله لارجو أن يكون منها ـ يقصد الخلافة ـ صفراً يُسفك دمُه». وفي هذا القول ما يدلّ على أنّ عثمان كان واقفاً على رغبة طلحة في الخلافة بعد التخلّص من الخليفة الثالث. ولَطالما أطلق عثمان يدّ طلحة في بيت المال ولكنّ الرجل لم يكن ليرغب في ما هو أقلّ من الخلافة. وكان عثمان في الأيام الأخيرة من الحصار يردد قوله هذا: «ويلي


[ 186 ]

من طلحة! أعطيتُه كذا وكذا ذهباً وهو يروم دمي!» وقد حدّث بعضهم أ نّه رأى طلحة يوم مقتل عثمان يرمي دارَ الخليفة ويقود بعضَ الثائرين إلى منافذَ يهبطون منها إلى مقرّه!

وقال عليٌّ مرّةً لطلحة: أنُشدُك الله ألا كففتَ عن عثمان! وكان يقول بعد مقتل عثمان: لحَا الله ابن الصعبة ـ يعني طلحة ـ أعطاه عثمان ما أعطاه وفعل به ما فعل!

ولابن أبي طالب في طلحة كلامٌ يشير إلى أ نّه كان أشدّ الناس تحريضاً على عثمان وأكثرَهم حرصاً على أن يُقتَل قال:

«... والله ما استعجل متجرّداً للطلب بدم عثمان(1) إلاّ خوفاً مِن أن يطالَب بدمه لأنّه مَظنّته ولم يكن في القوم أحرصُ عليه منه(2) فأراد أن يغالط بما أجلبَ فيه ليُلبِس الأمرُ(3) ويقع الشكّ!»

أمّا الزبير بن العوّام فيروي الرّواة أ نّه لم يكن له نشاطٌ ملحوظ في ردّ الثائرين على عثمان. ويزيدون قائلين إنّ هواه كان معهم، وإنّ الملحوظ إنّما كان ميله إلى التخلّص من عثمان لعلّ الأمر يصير إليه من بعده. وقد صارح عليّاً بأ نّه يريد الأمر لنفسه يوم التقاه قُبَيل معركة الجمل فسأله عليّ: ما جاء بك؟ فقال الزبير: أنت، ولا أراك لها أهلاً ولا أولى بها منّا!

وهذه عائشة زوج النبيّ تبالغ في التحريض على قتل عثمان. فقد طالما توجّهت إلى الخليفة الثالث بالنقد الموجع وطالما ألّبت القومَ عليه. فإنّها يومَ نقص عثمان عطاءَها غضبت وتربّصت به حتى رأته يخطب الناسَ فنهضت وهي تحمل بيدها قميصَ النبي ونادت تقول: «يا معشر المسلمين هذا جلباب رسول الله لم يبل، وقد أبلى عثمان سُنّتَه!» ويروي ابنُ أبي الحديد عن


1 ـ متجرداً: كأنه سيف تجرد من غمده.

2 ـ لم يكن في القوم أحرص على سفك دم عثمان من طلحة.

3 ـ يلبس الأمر: يشتبه فلا ينجلي.


[ 187 ]

معاصري عائشة أ نّها كانت تستقبل كلّ مَن تراه بالتأليب على عثمان، فيقول:

أخرجت ثوباً من ثياب رسول الله فنصبته في منزلها وكانت تقول للداخلين عليها: «هذا ثوب رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يبل وقد أبلى عثمان سنّته». ويروي البلاذري أنّ عبدالله بن عباس مرّ بعائشة مرّةً وقد ولاّه عثمان موسمَ الحجّ بمكّة فقالت له عائشة هذا القول الصرح: «يا ابن عبّاس، إنّ الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً، فإيّاك أن تردّ الناسَ عن هذا الطاغية!» وينسب البلاذري إلى عائشة قولاً في عثمان إن صَحّ كان دليلاً على كره فلّما حَمَل مثلَه إنسانٌ لإنسان. قالت عائشة لمروان:

«يا مروان، وددتُ واللهِ لو أ نّه ـ أي عثمان ـ في غرَّة من غرائري هذه وأ نّي طّوّقتُ حمله حتى ألقيه في البحر!» وكثيراً ما كانت تردّد هذا القول: «أُقتلوا نعثلاً ـ أي عثمان ـ فإنّ نعثلاً قد كفر!»

لقد كان هوى عائشة في قتل عثمان من القوّة بحيث راحت تأمر بقتله جهراً على ما رأيت. ذلك لأ نّها كانت تعتقد أنّ الأمير سيصير من بعده لطلحة دون عليّ. وممّا يؤيّد هذا الزّعمَ أ نّها يوم بلغَها نبأُ مقتل عثمان وهي بمكّة، قالت من فورها: «بُعداً لنَعثل! إيه يا صاحب الإصبع! إيه يا أبا شبل! إيه يا ابن عمِّ! لَكَأنّي أنظر إلى إصبعه وهو يُبايَع له حثوَ الإبل!» وصاحب الإصبع كنية طلحة منذ قُطعت إصبعُه في موقعة أُحُد. وكان محمّد بن طلحة يُشرك أباه وعائشة في دم عثمان حين يُسأل رأيَه في المأساة! وعلى ما يقوله صاحب البدء والتاريخ: «كان أشدّ الناس على عثمان طلحة والزبير وعائشة!».

وغير هؤلاء اشتركوا في دم عثمان تحريضاً وتأليباً. منهم عبدالرحمن بن عوف الذي ضوعف ثراؤه في عهد عثمان ثمّ سمعَه عُوّادُه يقول: «عاجِلوه


[ 188 ]

ـ أي أقتلوه على عجل ـ قبل أن يتمادى في مُلكه!» ومنهم مُعظمُ مَن خاصموا عليّاً فيما بعد وطالبوه بدم الخليفة القتيل.

«فالأشدّاء من قريش على عثمان رجعوا إليه بعد مصرعه. ولعلّ موقف عائشة في هذه المأساة أوضح صورة للتناقض الغريب المدهش في موقف قَتَلَة عثمان من هؤلاء القرشيين الطامعين. قتلته عائشة بتحريضها العنيف السافر، وسعيها الحثيث النشيط، وهي تأمل عودةَ الحكم إلى تيم(1) في شخص ابن عمّها طلحة. وقتله طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص بأموالهم ودسائسهم. وقتله معاوية وحزبه بتخلّيهم عنه. وقتله مروان وآل الحكم ورفاقهم من آل أبي معيط بأنانيّتهم واستخفافهم. فلمّا قُتل وصار الأمر إلى عليّ بإجماع المسلمين، انقلب هؤلاء جميعاً دون توطئة ولا تمهيد. فإذا عثمان الظالم الكافر أمس، شهيدٌ مظلومٌ اليوم(2)».

وإليك ما قاله سعيد بن العاص والمغيرة بن شعبة حين التقيا الجموعَ الزاحفة من مكّة إلى البصرة لمقاتلة عليّ، في مكان من خيبر، وفي قولَيهما اعترافٌ بأنّ طلحة والزبير مسؤولان عن قتل عثمان. أمّا سعيد فحين أشرف على الجيش قال لعائشة: أين تريدين يا أمّ المؤمنين؟ فقالت: أريد البصرة! قال: وما تصنعين بالبصرة؟ قالت: أطلب بدم عثمان. قال: فهؤلاء هم قَتَلة عثمان معك. ثم قال لمروان بن الحكم: وأنت، أين تريد أيضاً؟ قال: البصرة. قال سعيد: وما تصنع بها؟ قال مروان: أطلب قَتَلة عثمان. قال: فهؤلاء قَتَلة عثمان معك، إنّ هذين الرجلين ـ طلحة والزبير ـ قتَلا عثمان وهما يريدان الأمر لأنفسهما، فلمّا غُلبا عليه قالا: نغسل الدمَ بالدم والحوبة بالتّوبة.

أمّا المغيرة بن شعبة فقد قال للناس: إن كنتم خرجتم مع أمّكم فارجعوا


1 ـ عائشة بنت أبي بكر، وأبو بكر قرشي من قبيلة تيم.

2 ـ حليف مخزوم ص 183.


[ 189 ]

بها خيراً لكم. وإن كنتم غضبتم لعثمان فرؤساكم قتلوا عثمان. وإن كنتم نقمتم على عليٍّ شيئاً فبيّنوا ما نقمتم عليه. أنشدكم الله، أفِتنَتَين في عام واحد؟

*

هذا ما كان من أمر المحرّضين على عثمان وقاتليه الذين حملوا قميصَه فيما بعد مطالبين بدمه عليّاً. أمّا عليّ فقد مرّت بنا أحاديث تدّل على حقيقة موقفه من الفتنة.

علمنا أنّ عليّاً لم يكن ذا حظوة عند الخليفة القتيل. وأنّ مروان كان ينصح سيّده بقتل عليّ والصحابة إذا أمكن تلخّصاً من الضمائر السليمة التي تراقب الأمويّين والوجهاء في ما يعملون، وتنكيلاً بمن وراءَهم من الخيّرين. غير أنّ النّبل الذي يتميّز به عليٌّ كان يرتفع به عن مخاصمة الآخرين إذا كان هو بالذات موضوع الخصومة. فليس أبعد عن رجعل كابن أبي طالب من أن يغضب على الخليفة بعلّةِ الإبعاد أو يميل إليه بسبب التقريب. فالإبعاد والتقريب سيّانِ في قلب عليّ. وهما لا يعدَلانِ ما في طبيعته من السّماح والحبّ والميل إلى الخير من حيثلا أتى وكره الاشتباك إلاّ إذا كان الاشتباك دفعاً لظلم وتوطيداً لعدل! لذلك لم يكن عليٌّ ليبخل على عثمان بالنصح ساعةَ يمكن النصح ولو على غير رغبة من أصحاب الخليفة. ولا بالدفاع عنه ساعةَ يجب الدفاع عن نفس يهدّدها خطر الموت!

وكثيراً ما كان يدفع عنه القومَ حين يتخطّون الخليفةَ إليه ليعرضوا الخلافة عليه، ويلقاهم بالتهديد والإنذار. وكثيراً ما كان يتّهم المتألبين على عثمان بإفساد الأرض دفاعاً عن الخليفة الذي تركّز السوء في بطانته، وفتحاً لفرجة من الأمل في الإصلاح في تلك الغيوم الدكناء من الأثَرة والاستهتار أو من اليأس والقنوط! من ذلك أنّ الثوّار لمّا جاؤوه يحملون إليه دليلَ التّهمة التي يتّهمون بها حاشيةَ عثمان ومستشاريه، وهي الرسالة التي وجدوها في طريق


[ 190 ]

مصر مع غلام عثمان على ما رأينا، وقف عليٌّ يريد أن يجعل التهمةَ والمسؤولية فيهم، امتحاناً لهم من جهة، وتخفيفاً لسورة الغضب في نفوسهم من جهة، قائلاً لهم: وما الذي جمَعكم في طريق واحد وقد خرجتم من المدينة متفرّقين كلٌ منكم إلى جهة؟ وقد مرّت بنا نصيحة عليّ لعثمان ساعةَ اجتمع الناس عليه فعالجه بالنصح على كره من مستشاري الخليفة وأوّلها: «الناس ورائي وقد كلموني فيك الخ».

وكانت غاية عليّ من ذلك ألاّ تتسع شقّة الخلاف بين الشعب ومركز الخلافة فتكون البادرة التي لا تعود على المسلمين بالخير. وكان إيمانه وطيداً بأنّ الإصلاح أمرٌ ممكن دون معالجة الفساد بإهراق الدم وتفريق الكلمة.

وبلغت الشهامة من نفس عليّ مبلغاً قلّما تدركه النفوس. فإذا هو يتغلب على تلك الحيرة التي اشتدّت عليه لِمَا كان من أمره وأمر عثمان، حين جعل الخليفة يأمره بمغادرة المدينة حيناً وبالعودة إليها أحياناً، فيمتثل لأمره دون أن يسأل توضيحاً لِمَا يريد في مثل هذا التصرّف.

ومحور الشهامة في موقف عليّ هو رغبته في الإحسان إلى الآخرين، وإقامته على أساس من الرأفة بهم والعطف عليهم يوم تشتدّ عليهم الحال. فلَطالما امتثل لإرادة عثمان ساعة كان يأمره بمبارحة المدينة ليغيب عن أنظار محبّيه ومريديه فلا يعودون إلى الهتاف باسمه. ولطالما امتثل لأمره، كذلك، ساعة يعود ويستدعيه إلى المدينة ليخطب الناسَ ويدفعهم عنه. وقد تَكّرر ذلك حتى إذا جاء ابنُ عبّاس عليّاً مرّةً يحمل إليه أمرَ عثمان بمغادرة المدينة ـ على ما مرّ بنا ـ قال: «يا ابن عبّاس، ما يريد عثمان إلاّ أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغرب ـ أي الدّلو ـ أُقبل وأُدبر: بعثَ إليّ أن أخرُج. ثم بعث إليّ أن أُقدم. ثم هو الآن يبعث إيّ أن أخرج! والله لقد دفعتُ عنه حتى خشيت أن أَكون آثماً!». ويروي محمد بن الحنفيّة أنّ عليّاً قال مرّةً: «لو سَيّرَني عثمان إلى كذا لسمعتُ وأطعتُ» حفاظاً على السلام وقطعاً لاسباب الفتنة.


[ 191 ]

ومِن أروع ما صوّر براءَةَ علي من دم عثمان هذا القولُ لعلي نفسه يخاطب به معاوية: «فطلبتَني بما لم تجنِ يدي ولا لساني!» و «إن كان الذّنب إليه إرشادي وهدايتي له، فرُبّ ملُوم لا ذنب له!».

*

لقد أحسن عليٌّ إلى عثمان حيّاً وميتاً، ونصح له وسعى في أن يقوّم طريقه فيستقيم ويستقيم له الناس، ودافع عنه بدم ابنَيه، حتى إذا قتَله قاتِلوه، جاروا واتّهموا عليّاً زوراً فصدقَ فيهم وفيه قولُ ابن سيرين الوارد في العقد الفريد وما أصدقه إذا قال:

ما علمتُ أنّ عليّاً اتهم في دم عثمان حتى بُويع، فلمّا بُويع اتّهمَه الناس!

[ 192 ]


[ 193 ]

إعصار يلفّ الدولة

* لا نجد غيرَك ـ يا عليّ ـ ولا نرضى إلاّ بك! الثائرون

* ليت هذه انطبقت على هذه ـ تريد الأرضَ والسماء ـ إذا تَمَّ الأمرُ لعليّ! عائشة

* لقد كان عثمان بن أظهركم فخذلتموه، فمتى استنبطتم هذا العلمَ وبدا لكم هذا الرأي! المنذر بن الجارود

* ما علمتُ أنّ عليّاً أتُّهم في دم عثمان حتى بُويع، فلمّا بُويع اتّهمَه الناس! ابن سيرين

بقيت المدينة أياماً بعد مقتل عثمان والناس يلتمسون فيها مَن يجيبهم إلى القيام بالأمر. والمصريّون خاصةً يُلحّون على عليٍّ وهو يأبي. ومن كلامه في تلك الأزمة ما خاطب به الجمهور قائلاً: «دعوني والتمسوا غيري، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولَعلّي أسمعُكم وأطوَعكم لمن ولَيتموه أمرَكم. وأنا لكم وزيراً خيرٌ مني لكم


[ 194 ]
أميراً(1)».

وظلّ يأبى إلى أن كان يومٌ اجتمع فيه الناس إليه وأَلحّوا عليه وهم يزدحمون حتى ظنّ أنّ بعضَهم قاتلُ بعض، وقالوا له: «لا تجد غيرك ولا نرضى إلاّ بك. فبايعنا لا نفترق ولا نختلف». ثم أخذ الأشتر النخعي بيده فبايعه وبايعه الناس وكلّهم يقول: لا يصلح لها إلاّ عليّ!

وهتف الناس بالسم عليٍّ على عادة الناس إذ يُولّون عليهم خبيراً بحاجاتهم مؤمناً بحقّهم خالصاً لهم، عالماً حكيماً أباً كريماً. وسُرّوا بقبوله الولايةَ حتى لَكأ نّهم يُطلّون على أمل لا ينتهي بعد أن عاشوا طويلاً في ظُلُمات دامسات أُمويّات من المهانة والحرمان.

وقد وصف هو نفسه بَيعتَه بالخلافة وصفاً جميلاً قال:

«وبلغ من سرور الناس ببَيعتهم إيّاي أنِ ابتهجَ با الصغير، وهدَج إليها الكبير، وتحامَل نحوها العليل، وحسَرت إليها الكِعاب(2).

فلمّا كان يوم الجُمُعة وصعد عليّ على المنبر بايعه مَن لم يبايعه بالأمس وكان أوّل مَن بايعه طلحة، ثم الزبير، وقد قال كلٌّ منهما بعد المبايعة: «إنّما بايعتُ عليّاً واللجّ على عنقي».

وماذا يعني قول طلحة والزبير هذا؟ إنّه يوجز رأيَ الجانب الأكبر من القرشيين وأصحاب الوجاهات والطامعين بالحكم، في انتهاء الأمر إلى عليّ. فهم يحقدون عليه إمّا حسداً وإمّا انتقام لزعامة ونفوذ وجاه يرغبون فيها ولا سبيلَ لها على يديه. فعليٌّ لن يضع المعروف في غير حقّه وعند غير


1 ـ للتوسع في الاطلاع على نظرة علي إلى الولاية راجع فصل «الولاية من الجماعة» من كتابنا هذا.

2 ـ هدج: مشى مشية الضعيف. والكعاب جمع كاعب وهي: الجارية إذا بلغت صدرها. وحسرت: كشفت عن وجهها. يقول: كشفت الكعاب النواهد عن وجهها متوجهة إلى البيعة لتعقدها بلا استحياء.


[ 195 ]

أهله. ولن يساير هؤلاء وهؤلاء على حساب الجائع والعاري. أضف إلى ذلك أنّ النافذين منهم، جميعاً، يطمحون إلى الخلافة، ولا سيّما طلحة والزبير. وقد أشار عليّ أكثر من مرّة إلى معاداة قريش له إشارة صريحة لا تحتمل تأويلاً. وأعلن عن موقفه منهم قائلاً:

«ماي ولقريش! واللهِ لقد قاتلتُهم كافرين ولأقاتلنّهم مفتونين! وإنّي لَصاحبُهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم!»

إنّ القرشيين في مُعظمهم يكرهون عليّاً. وكم من قرشيّ انتضى عليه سيفَ عدوانه، كما يقول، وكم من باغ نصب له شراكه! غير أ نّهم ـ وفي طليعتهم طلحة والزبير ـ لم يجدوا مفرّاً من مبايعة عليّ لأنّ الرأي العام في المجموعة العربية وفي الأقطار المفتوحة ولا سيّما مصر، لم يكن يجيز استخلاف أحد سوى ابن أبي طالب. ذلك لأنّ صفاته هي الصفات التي تنشدها الثورةُ الاجتماعية في شخصيّة الخليفة. فالثورة تنشد العدلَ في الأمصار والرأفةَ بالمستضعفين وتأميمَ بيت المال ومنعَ الاحتكار في المنافعِ العامّة وجعلَ الحكم توجيهاً وتطبيقاً لمفاهيم العدالة. وما كان لذلك غير عليّ.

أمّا أشدّ منافسي عليّ طمعاً بالخلافة، وأعظمهم أملاً ببلوغها، فهما طلحة والزبير. وهذان لم يتوفّر فيهما شيءٌ من صفات الحاكم الذي تريده الثورة فهما يُشبهان بطانة عثمان في أكثر ما تَمرّدَ عليهم من أجله المستضعَفون والمحرومون. فقد كانا من الراغبين في الملك والمال والجاه. وقد مرّ بنا قول عثمان في أحدهما طلحة: «ويلي من طلحة! أعطيتُه كذا وكذا ذهباً وهو يروم دمي!»

وأدركت العامّةُ هذه الحقيقة عن المرشّحين للخلافة إدراكاً عفوياً مباشراً، فكانوا إلى جانب عليّ، وحملوا طلحة والزبير قسراً على مبايعته! يقول عليّ في مبايتهما إيّاه ثم في خروجهما عليه، وذلك قُبَيْلَ موقعة الجمل: «لقد دخلاً بوجه فاجر وخرجا بوجه غادر» إشارةً إلى أ نّهما لم


[ 196 ]

يدخلا في ما دخل به الناس عن رغبة في الإصلاح الذ تجنّد له عليّ، وإلى أ نّهما لم يخرجا عليه إلاّ غدراً به وبمسلكه القويم.

وبدأ عليّ من يومه الأوّل يجنّده قواه للإصلاح ويقوّم ما اعوجّ من شؤون الناس. فإذا هو يعزل الولاة الذين ظلموا وخرجوا على القواعد الإنسانية التي يدين بها، ويعاقب الذين استباحوا جهودَ الناس واحتكروا الثروات وأطمعوا محاسيبَهم في دم الشعب. سار على هذه السياسة النافعة لا يحابي ولا يساير ولا يأبه لسُخط أصحاب الوجاهات ولا يُعير النافذين الناقمين التفاتاً!

لقد استقبل عليّ عهدَ خلافته بأيام مظلمة كثيفةِ الظلمة. فالنافذون قد أجمعوا الرأي على معاداته، وكذلك المستنفعون، وهم كثير. وبات عليه أن يحارب على جبهتين تتّسعان وتبعد أطرافهما وتثقل عليهما وطأةُ الليل: بات عليه أن يُشيع العدل في الناس ويرفع عنهم الجورَ ويبني دولةً تقوم على أُسُس اقتصادية واجتماعية وأخلاقية صحيحة، وأن ينظر في أمر مُعاديةِ الكثيرين من النافذين وأصحاب الولايات والجيوش والأموال. ودخَل المعركتين بهمّة لا تعرف المللَ وصبر لا يعرف الحدودَ وإيمان لا تزعزعه النكبات. وعقد العزم على أن يجلو الظلمات واحدةً واحدة ويُسقِط نورَ الشمس على كلِّ سهل وجبل. وكيف كان ذلك؟

ما كادت الثورة الاجتماعية تختار عليّاً زعيماً لهد وقائداً يسلك بها الطريقَ المستقيم إلى غاياتها الطيّبة، حتى جمع بنو أميّة مالَهم من رجال وأموال وسلاح في المدينة وغيرها من الأمصار، واختفوا عن الأنظار. هربوا بأموالهم وأنصارهم وأسلحتهم إلى مكّة حيث يستطيعون أن يعملوا في الخفاء لإحباط أمر عليّ وتأليبِ الناس عليه واللّحاق بمعاوية في الشام إذا أعوَزَهم ذلك ولم يكونوا في حاجة لمثل هذا التدبير لو أخلصوا النيّةَ ورغبوا عن المُلك في سبيل المنفعة العامّة. غير أنّ رغبتَهم في المُلك وأملهم في أن يصير الأمر إليهم ولا يخرج منهم إذا هم استطاعوا إبعادَ عليّ عن الخلافة،


[ 197 ]

أمران جعَلاهم يلجأون إلى ما لجأوا إليه. ثم إنّ الأموال الضخمة التي حصلوا عليها في عهد عثمان تغريهم بأن يحملوها ويهربوا بها عن الخليفة العادل فيزدادوا بها منعةً وقوّةً عليه.

وأدرك عليّ ما يبيّته له الأمويّون وما يعني هربُهم إلى مكّة بالمال والسلاح، فاشتدّ على القرشيين ومنَعَهم من الخروج يريد بذلك أن يدفع خطرَهم عن لعهد الفتيّ.

وفيما كانت الأزمة على حال من الشدّة دخل على عليّ بعضُ الصحابة وفيهم طلحة والزبير فقالوا له: «يا عليّ، إنّا قد اشترطنا إقامةَ الحدود، وإنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل ـ يقصدون عثمان ـ وأحلّوا بأنفسهم». فقال عليّ: «يا إخوَتاه، إنّي لست أجهل ما تعلمون، ولكنّي كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عُبدانُكم وثابت إليهم أعرابُكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا. فهل ترون موضعاً لقدرة على شيء ممّا تريدون؟ فقالوا: «لا. قال: «فلا واللهِ لا أرى رأياً نرونه إن شاء الله، إنّ الناس من هذا الأمر إن حُرِّك على أمور: فرقةٌ ترى ما ترون، وفرقةٌ لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ لناس وتقع القلوب مواقعَها وتُؤخذ الحقوق. فاهدؤوا عنّي وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا!»

لقد جاؤوه يحملون الشكّ في حقيقة أمره وأمر الناس، فجاءَهم بما يزيل هذا الشكّ ويستبدل به الخبرَ اليقين!

جاؤوه يشترطون عليه إقامةَ الحدود على قوم لا يملكهم ولا يملكونهم، وفيهم عبدانهم ومواليهم وأعرابهم، فجاءَهم بالحجّة التي انتزعت اعترافَهم بأ نّه يعلم فوق ما يعلمون، ويسعى فوق ما يسعون، ويأبه للأمر فوق ما يأبهون، ولكنهم ضلّوا حيث اهتدى وتعجّلوا في موقف التريُّث والتبصّر!

جاؤوه يشركون الناس جميعاً في حال واحد من النظر إلى مقتل الخليفة


[ 198 ]

الشهيد، وجاءَهم بفضل من علمه يريهم أنّ الناس فرَقٌ وشيَعٌ وليسوا على ما يحسبون!

جاؤوه بعواطف وأهواء، وجاءَهم بمنطق ودليل!

جاؤوه يقولون: يا عليّ، وفي القول اجتراءٌ وقسوة! وجاءَهم يقول: يا إخوتَاه، وفي القول لينٌ ورحمةٌ وحبٌّ كثير!

جاؤوه يطالبون بدم عثمان وفيهم مَن أعان عليه، وجاءَهم بالسماح والعفو ينبعانِ من قلبه ويجريان على لسانه، وهو مِن كلّ مُنكَر براء!

وعاد يشتدّ على قريش من جديد فلا يُفسح لهم في مجال الفتنة، وكان في موقفه حصافةٌ وسَداد!

*

وراح عليّ يعزل عمّالَ واحداً بعد واحد وهو لا يرى فيهم من يصلح للبقاء في عمله بعد أن طغى جورهم وفسادهم واستهتار هم حتى كانت الثورة على عثمان. وأبى أن يُبقيهم لحظةً واحدة في مناصبهم والحقّ لا يسايَر بالباطل، والجور لا يُدفَع بالإبقاء على علّته. ونصَح له ابنُ عباس ونصح له كثيرون أن يُقرّهم على أعمالهم إلى أن تستقرّ به الحال ثم يكون من أمره معهم ما يكون. فأبى أن تكون الاجتهادات السياسية مرجعاً في إدارة الدولة المثالية، وأبى كذلك أن يجعل من رضى المستنفعين سبيله إلى الاستقرار، فاعتصم بذمّته وعقله وسيفه، وأصرّ على أن يجلو هذه الغمراتِ واحدةً واحدة.

وأهمته ولاية الشام، وكان من أمره وأمر معاوية ما ذكرناه. فأصرّ علىّ على عزله وأصرّ معاوية على ألاّ يبايع. ودخل على عليّ زياد بن حنظلة يريد أن يعرف ماذا سيقضي في أمر معاوية لتبليغ إرادته إلى الناس، فما هي إلاّ فترة تنقضي حتى قال عليّ لزياد: تَيَسّر يا زياد: فقال: لأيّ شيء يا


[ 199 ]

أميرالمؤمنين؟ قال عليّ: نغزو الشام! قال زياد: الرّفق والأناة أمثل، قال عليّ:

متى تجمعِ القلبَ الذكّي، وصارماً *** وأنفاً حميّاً تجتنبك المظالمُ

وعَبّأ عليّ جيشه استعداداً لغزو الشام وتأديب معاوية. وتَحرّك الناس بموقف عليّ بن مؤازر له ومحازب عليه. وجاءه طلحة والزبير فقالا: «يا أميرالمؤمنين، إئذن لنا إلى العمرة فإن تقم إلى انقضائها رجعنا إليك وإن تسِر نتبعك». فنظر إليهما عليّ قليلاً ثم قال: «نعم، والله ما العمرة تريدان، امضيا إلى شأنكما!» وانصرف طلحة والزبير إلى مكّة!

*

راح الأمويون وطلحة والزبير يأتمرون بمن حملته الثورة الاجتماعية إلى الخلافة ويكيدون له ويبذلون المالَ في التأليب عليه، يعاونهم في ذلك عمّال عثمان الذين عزلَهم عليّ فاتّخذوا مكة مقرّاً لهم وقد حملوا إليها ما تحت أيديهم من مال وسلاح. وكانت عائشة بنت أبي بكر وزوج الرسول، الباعثَ النشيط على الصراع الرهيب الذي بدأ يوم استُخلف عليّ ولم ينتهِ في قرون طوال! وإليك كيف تلقّت عائشة خبر استخلاف عليّ: لقيَها رجلٌ من أخوالها من بني ليث يقال له عبيد بن أبي سلمة، فسألته، فقال لها: اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب! فقالت: «ليت هذه انطبقت على هذه ـ تريد الأرض والسماء ـ إن تمّ الأمر لعليّ!» واللهِ، عثمانُ مظلوماً، والله لأطلبن بدمه! فسألها عبيد: ولِمَ؟ فواللهِ، إنّ اولَ مَن أمال حرفَه لأنتِ! كنت تقولوين: اقتلوا نعثلة فقد كفر! فأجابت: إنهم استتابوه ثم قتلوه. وقد قلتُ وقالوا، وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأول! وهنا يروي الطبري أبياتاً قالها عبيد لعائشة، وفيها يُلقي التبعة عليها في قتل عثمان:

فمنكِ البداءُ، ومنكِ الغيَر، *** منك الرياحُ، ومنك المطرُ


[ 200 ]

وأنتِ أمرتِ بقتْل الإمام *** وقلتِ لنا: إنّه قد كفر!

فهبنا أطعانكِ في قتِلهِ، *** وقاتلُهُ عندنا مَن أمَر

ولم يسقط السقفُ من فوقنا، *** ولم تنكسف شمسُنا والقمر!

وسارت عائشة إلى مكة لا تلوي على شيء. فلمّا بلغتها لقيها طلحة فأخبرها بما كان من أمر عليّ وأَمره مع الناس قائلاً: بايعوا عليّاً ثم أتوني فأكرهوني حتى بايعت». فقالت: «وما لِعليٍّ يستولي على رقابنا؟ لا أدخل المدينة ولعليّ فيها سلطان!» وهناك جعلت تثيرها فتنةً طاغية على ابن أبي طالب، وتحرّض الناس على قتله إثّئاراً لعثمان. والذي يتابع سيرة عائشة في هذه المرحلة يدرك أي كره هو ذاك الذي كانت تضمره لعليّ. ولكي ينجلي موقفها أكثر لابدّ من الإشارة إلى أسباب ما تحمل في نفسها من عليّ.

إنّ كره عائشة لعليّ قديمٌ يعود تاريخه إلى اليوم الذي دخلتْ فيه بيتَ الرسول على ما يذكر أكثر المؤرخين. ومن أسباب كرهها لعليّ منذ تلك الساعة أ نّه زوج فاطمة، وفاطمة بنت خديجة التي شغلتْ وجدانَ النبيّ بنبلها وسموّ أخلاقها. شغلتْ وجدانَه في حياتها وتركتْ فيه بعد موتها مكاناً لم تستطع عائشة بكلّ ما فيها من مزايا أن تزاحمها فيه! وقد جاء في «مجلة الأزهر» هذا القول:

«وكانت ـ عائشة ـ رضوان الله عليها إلى ما ما خصَّها الله به: بعيدة الهمّة، طمّاحة إلى ذروة المجد، لم يكفها أن حظيت بأسمى مكانة من صواحبها لدى النبيّ(صلى الله عليه وآله) حتى رغبت أن تحتلَّ من قلبه المكانَ الأول، مكان الصديقة الأولى ـ أي خديجة ـ والحبيبة الفضلى، التي لا يفتأ يذكرها ويبشرها، ويكرم من أجلها خلائلها، ويثني عليها ثناءً كريماً يسابق الدهر. وعبثاً حاولت الصديقة بحسن الدلّ، ولطف الحَيل، وفنون الذكاء والنبيل، أن تُقنع سيّد الأوفياء، وأكرم النبلاء، بأن الله أبدله خيراً من خديجة... فلتلق السلم إذن، ولا تجادل في الحقّ بعدما بعدما تَبيّن، ولتعلم أنّ المجادلة والمنافسة، والغيرة من


[ 201 ]

أعقل العقائل وفضلى الفواضل، ومَن لها قِدَم الصدق وفضلُ السبق ـ لا تزيد صاحبتَها التي لم ترَها إلاّ صدقاً عاطر الثناء وخالد الذكر(1)». وعن عائشة أ نّها قالت:

«ما غرتُ على أحد من نساء النبي(صلى الله عليه وآله) ما غرتُ على خديجة، وما رأيتُها، ولكن كان النبيّ يكثر ذكرها، وربّما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعث بها في صدائق خديجة. فربّما قلتُ له: كأ نّه لم يكن في الدنيا امرأة إلاّ خديجة! فيقول: إنّها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد(2)». فإنّ عائشة تعترف بأنّ النبيّ كان يُؤثِر خديجة على زوجاته جميعاً. وإنّه لمن الطبيعي أن يُؤثَرّ ذلك في نظرتها إلى فاطمة بنت خديجة، ثم في موقفها من عليّ زوج فاطمة ووالد سِبطي الرسول حفيديَ خديجة.

ومن أسباب كرهها الشديد لعليّ أيضاً ما يعود إلى موقفه منها يوم كانت قصة الإفك وأشار على الرسول بطلاقها. ثم إنّها كانت ترغب في أن تؤول الخلافة إلى طلحة بعد مقتل عثمان، على ما تَبيّن لنا بصورة قاطعة. وقد مرّ بنا ما كان من اغتباطها بمصرع عثمان وأملها أن يُستَخلف طلحة.

وجمعت عائشة الجموع لدى وصولها إلى مكة. واشتدّ ساعد الأمويّين وطلحة والزبير ومَن والاهم بهذا الموقف العدائي الصريح تقفه عائشة من عليّ وخلافته، فإذا هم كتلةٌ واحدة في الخروج على ابن أبي طالب. ورفع رأسه كلُّ من كان قد استتر من بني أميّة في الحجاز وغيره. واستغلّوا خروج المثلّث القرشي النافذ على الخليفة الجديد، فضموا أصواتهم إلى صوته، وبذلوا الأموال التي كانوا قد نهبوها من الأمصار والولايات تأييداً للمعارضة وإفساداً لأمر عليّ. وأقبلوا من كلّ حدب وصوب إلى مكة يعينون عائشة


1 ـ مجلة الأزهر الجزء العاشر ـ المجلد السابع والعشرون ـ 11 مايو 1956 ص 1063 ـ 1063.

2 ـ ص 1060.


[ 202 ]

في إثارة الجماهير ويحتجّون في ذلك بدم شهيد أثَرتهم عثمان. وطفق معاوية بصورة خاصة يستسنح هذه الفرصة كي يُضعف عليّاً ويبلغ مأربه عن طريق خصوم الخليفة وإن اختلفت غايته وغاية طلحة والزبير من حيث أنّ كلاًّ منهم يريد الأمر لنفسه فيما إذا تمّ لهم النصر على عليّ!

وتمّ لعائشة جيشٌ في مكة عدّتُه بضعة آلاف. واختلف رؤساء القوم في طريق الزحف وكيف يتّجهون أول الأمر. ومَن تتبّع أخبار زعماء المعارضة في هذه المرحلة، وتقصّى ما يريد كلّ منهم بهذا الزحف الذي يتشاورون فيه، أدرك أن هؤلاء لم يجتمعوا للمطالبة بدم عثمان كما يزعمون، ولا لإصلاح الأمر الذي لم ينهض عليّ لاصلاحه كما يدّعون، ولا لشيء يتظاهرون به وبه يخطبون الناسَ ويؤلّبون الجماهير، بل اجتمعوا وكلٌّ منهم ينظر إلى الأمر من جهته الخاصة، يريد انتقاماً لأمل ضائع في الخلافة، أو لرأي شخصيٍّ يراه في عليّ أو لمجد عائليّ يراه قد انهار ولا سبيل إلى استعادته وعلي هو الخليفة.

أمّا عائشة، فقد كان هواها في أن يتّجهوا توّاً إلى المدينة عاصمة الخلافة لتقويض خلافة عليّ قبل أن يتمكن من تعبئة جيش يقابل به جيشَ مكة. واعترض بعضهم قائلاً: بل نقصد الشام، فاندفع بنو أميّة صفّاً واحداً في إسقاط هذا الرأي، ذلك لأنّ الأمويّين جميعاً ينزعون عن رأي واحد هو إبعاد الخطر عن الولايات التي تثبت بها أقدامهم. فهم يعلمون أنّ الأمر مستتبّ لمعاوية في الشام لذلك يسعون في أّ يجعلوا أرضَ الشام موطئاً لسنابك الخيل، وفي أن يبقوا عليها موئلاً لهم الذا هم انهزموا أمام عليّ في المعركة المقبلة. ومعاوية على كلّ حال، يضع الحجر الأساسي للمُلك الأمويّ، فلماذا يعرقلون مسعاه، ولماذا لا يشغلون عليّاً وخصومه من أهل الحجاز والعراق بمواقع دامية تبعد عن جنان دمشق ودسائس ابن أبي سفيان.


[ 203 ]

أمّا طلحة والزبير فقد كان هواهما في ترك المدينة والشام والاتّجاه إلى البصرة وحجّتهما في هذا المذهب أنّ لهما في البصرة وشقيقتها الكوفة أنصاراً وأعواناً، فهما أصلح الامصار. وهما، بهذا التوجيه، يصدران عن حقيقة موقفهما من الموقعة التي يتهيأون لها، ومن نتائجها البعيدة فيما إذا تمّ لهم النصر. فإنّ المعارضة إن انتصرت على أيدي أهل البصرة أو الكوفة آل الأمر إلى أحدهما لا شك: إلى الذي يكثر في هذا النصر أو ذاك أعوانُه ومريدوه.

ووافق هذا الرأي هوى الأمويين، فأيّدوه وجاؤوا جميعاً يعرضون الأمر على عائشة قائلين: «يا أم المؤمنين، دعي المدينة فإنّ من معنا لا يقرنون لتلك الغوغاء التي بها، واشخصي معنا إلى البصرة فإنّا نأتي بلداً مضيعاً، وسيحتجّون علينا فيه ببيعة عليّ بن أبي طالب فتُنهضنهم كما أنهضتِ أهل مكة ثم تعقدين. فإن أصلح الله الأمر كان الذي تريدين، وإلاّ احتسبنا ودفعنا عن هذا الأمر بجهدنا حتى يقضي الله ما أراد!»

وبذل بنو أمية المال بسخاء لهذا الخروج، ونادى المنادي يقول: «إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة، فمن كا ن يريد إعزاز الإسلام وقتال الُمحلّين والطلب بثأر عثمان ولم يكن عنده مركبٌ ولم يكن له جهاز، فهذا جهاز وهذه نفقة!»

*

لمّا عزمت عائشة أن تسير بهذا الجيش إلى البصرة أقبلت عليها أمُّ سلمة تنصح لها قائلة: «إنكِ كنتِ بالأمس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول، وما كان اسمه عندك إلاّ نعثلاً!» ثم دعتها إلى لزوم دارها دون الخروج على عليّ. فلمّا استحال عليها أن تقنع عائشة بالقعود عن هذا الزحف، أرسلت ابنها عمر إلى عليّ بن أبي طالب حاملاً إليه هذه الرسالة: «ياأميرالمؤمنين، لولا أن أعصى الله عزّوجلّ وأنك لا تقبله منّي، لخرجتُ معك.


[ 204 ]

وهذا ابني عمر، والله لهو أعز علَيّ من نفسي: يخرج معك فيشهد مشاهدك!

وسعت عائشة في أن تصطحب معها أزواج النبيّ إلى البصرة. فرغبن جميعاً عن هذا الخروج إلاّ حفصة بنت عمر التي مالت إلى مسايرة عائشة في محاربة عليّ، فجاءَها أخوها عبدالله بن عمر وطلب إليها أن تلزم بيتها فلا تخرج أسوةً بغيرها من أزواج الرسول. فعملت برأي أخيها معتذرةً إلى عائشة تقول: «إنّ عبدالله حال بيني وبين الخروج!».

وسارت الجموع تحت لواء عائشة في اتّجاه البصرة. ولما كانوا في بعض الطريق إليها، على مقربة من خيبر، التقاهم سعيد بن العاص الأموي والمغيرة بن شعبة فخطباهم بما مرّ الكلام عليه. ثم سعى ابن العاص، بعد ذلك، في إثارة المعارضين بعضهم على بعض عملاً بالخطّة الأمويّة العامّة التي كانت ترمي إلى إضعاف أنصار علي وخصومه على السواء كي يصير الأمر إلى الأسرة الأمويّة دون سواها. فقد خلا سعيد بن العاص إذ ذاك بطلحة والزبير وسألهما قائلاً: إن ظفرتما فلمَن تجعلان الأمر؟ اصدقائي! قالا: لأحدنا، أيّنا اختاره الناس. قال سعيد: بل اجعلوها لوُلد عثمان فإنّكم خرجتم تطلبون بدمه. قال: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأبنائهم. قال سعيد: لا أراني أسعى لأخرجها من بني عبد مناف. وسعى مروان في مثل ما سعى به ابن العاص من إلقاء بذور الخلاف بين المعارضين، بطريقة فيها كثيرٌ من المداورة والدهاء. وبلغ عليّاً أنّ جيشاً كثيفاً قد تحرك من مكة إلى البصرة للطلب بدم عثمان. فآلمه أن تكون الكلمة قد أشرفت على التفرق. وآلمه أن يكون في هذا التفرق ما يعوق حركة الإصلاح عن أن تستمرّ وتسير إلى غاياتها، فإنّ في خروج أهل مكة عليه لإيثاراً للفوضى وإيذاناً بحركة عصيان واسعة النطاق قد يلجأ إليها العمّال المتمرّدون في بعض الأمصار أُسوةً بمعاوية. وهو ما بلغه الخبر حتى جمعَ أهلَ المدينة فخطبَهم قائلاً:

«إنّ الله، عزّوجلّ، جعل لظالم هذه الأمّة العفوَ والمغفرة، وجعل


[ 205 ]

لمن لزم الأمرَ واستقام الفوزَ والنجاة. فمَن لم يسعه الحقّ أخذ بالباطل. ألا وإن طلحة والزبير وأمّ المؤمنين قد تمالؤوا على سخط إمارتي ودعوا الناس إلى الإصلاح. وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم، وأكفّ إن كفّوا، وأقتصر على ما بلغني عنهم!»

وشاء أن يقضي على الفتنة قبل أن يستفحل خطرها فرأى أنّ الحؤول دون وصول المكّيين إلى المدينة أجدى في قمع الفتنة وحقن الدماء، فاستخلف على المدينة سهل بن حنيف وخرج في اتّجاه مكة بجيشه الذي كان قد أعدّه لغزو الشام. ولحق به قومٌ كثير من أهل البصرة والكوفة. فلما بلغ بجيشه قفر الربذة، أُخبر أنّ جنود المثلث القرشي قد غادروا مكة وفاتوا المكان الذي هو فيه، وأنّ هدفهم إنّما كان البصرة. فأقام قليلاً حيث هو يُحكم أمره ويسعى في إصلاح ما فسد من رغبات القوم. وبعث إلى عائشة يقول:

«أمّا بعد، فإنك خرجت من بيتك عاصيةً لله ولرسوله، أتطلبين أمراً كان عنكِ موضوعاً ثم تزعمين أنك تريدين الإصلاح بين الناس؟ فخبّريني: ما للنساء وقَود العساكر؟ وزعمتِ أنّك طالبة لدم عثان وعثمان رجل من بني أميّة وأنت امرأة من بني تيم بن مرّة!" ولعمري إنّ الذي عرضك للبلاء وحمَلك على المعصية لأعظم إليك ذنباً من قتَلة عثمان، وما غضبتِ حتى اغضبتِ، وما هجتِ حتى هُيّجتِ. فاتّقي الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك وأسبلي عليك سترك، والسلام!»

أراد عليّ أن عذر عائشة لخروجها عليها وقَودِها العساكر فأشار إلى أ نّها «أُغضبت وهُيّجت». وفي ذلك ما فيه من مراعاة شعور المرأة واحترام جانبها. ثم وجد لها مخرجاً ممّا حُملت عليه من المعصية ـ على حدّ تعبيره ـ فخطّأ الذي عرضها للبلاء وحملها على الخروج من بيتها وجعَلَه أعظم ذنباً من قتَلة عثمان. ثم نصح لها بأن تتّقي الله وترجع إلى منزلها ففي ذلك أمنٌ للبلاد ورضا الناس.


[ 206 ]

غير أنّ عائشة لم تلتفت إلى هذه النصيحة بل مضت في ما هي ماضيةٌ فيه وبعثت إليه بهذه الكلمة الموجزة التي حدّدت بها موقفها منه وأعلنت عن عدائها الشخصيّ له، وكانت القولَ الفصل في الحرب والسلم: «يا ابن أبي طالب، جلّ الأمر عن العتاب، ولن ندخل في طاعتك أبداً، فاقضِ ما أنت قاض، والسلام!» وجاءه مثل هذا القول من طلحة والزبير!

*

لمّا كان جيش عائشة على مقربة من البصرة تشاور قادة الرأي في أمر دخول المدينة. فهم مدركون أنّ في البصرة أنصاراً لابن أبي طالب غير قليل. فمن الحكمة أن يتشاوروا في أمرهم ويراسلوهم ليقفوا منهم على مبلغ طاعتهم للإمام عليّ. وأجمعوا الرأي على أن يؤلّبوا رؤوسَ أهل البصرة على عليّ قبل أن يدخلوها. فكتب طلحة والزبير إلى القاضي كعب بن سور: «أما بعد، فإنك قاضي عمر بن الخطاب وشيخ أهل البصرة وسيّد أهل اليمن. وقد كنت غضبتَ لعثمان من الأذى، فاغضب له من القتل والسلام». فأجابهما قائلاً «فإن يكُ عثمان قُتل ظالماً فما لكما وله؟ وإن قُتل مظلوماً فغيرُ كما أولى به! وإن كان أَشكل على مَن شهِدَه فهو على مَن غاب عنه أشكَل!» وكتبا معاً إلى المنذر بن الجارود:

«أما بعد، فإنَّ أباك كان رئيساً في الجاهلية وسيّداً في الإسلام، وإنّك من أبيك بمنزله المصلى من السابق: يقال: كان أو لحق، وقد قتَل عثمان مَن أنت خيرٌ منه، وغضبَ له مَن هو خيرٌ منك والسلام!» فأجابهما يقول:

«أما بعد، فإنّه لم يُلحقني بأهل الخير إلاّ أن أكون خيراً من أهل الشرّ، وإنّما أوجب حقّ عثمان اليوم حقّه أمس، وقد كان بين أظهركم فخذلتموه فمتى استنبطتم هذا العلم وبدا لكم هذا الرأي!» وكتبت عائشة إلى زيد بن صوحان:


[ 207 ]

«من عائشة بنت أبي بكر أمّ المؤمنين حبيبة رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان! أمّا بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فأقدِم فانصرنا على أمرنا هذا، فإن لم تفعل فخذل الناس عن عليّ! فكتب إليها يقول:

«من زيد بن صوحان إلى عائشة بنت أبي بكر حبيبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أمّا بعد، فأنا ابنك الخالص إن اعتزلتِ هذا الأمر ورجعتِ إلى بيتك، وإلاّ فأنا أوّل مَن نابَذَك!» وفي العقد الفريد وجمهرة رسائل العرب وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد أنّ الجواب كان على هذه الصورة:

«سلامٌ عليك، أمّا بعد، فإنَّ الله أمرَكِ بأمر وأَمَرَنا بأمر: أمرَكِ أن تقرّي في بيتك، وأمرَنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة. فتركتِ ما أُمرت به وكتبتِ تنهيننا عمّا أُمرنا به! فأمرُك عندي غير مطاع، وكتابك غير مُجاب، والسلام».

أمّا الأمويّون فلم يكونوا ليراسلوا أنصارهم جهاراً كما فعل طلحة والزبير وعائشة. بل راحوا يكاتبون سرّاً كلّ من يرجونه في أن يعين على الإمام عليّ ويزعزع أركان خلافته. وكأن في هذه الرسالة السرّية دلائل نفسيّة تفضح حقيقة أمرهم في حكم التاريخ. فلو أنهم خرجوا على عليّ للطلب بدم عثمان كما يزعمون، لَمَا وافقَهم أن ينفردوا بمراسلة أنصارهم سرّاً. ولو أ نّهم خرجوا على عليّ نصرةً للمثلث القرشي في خروجه على الخليفة، لمّا نظروا في أمورهم على حدة من حيث لا يشعر الناس. لقد كانوا يعملون على توجيه الأمر ناحيتَهم وحدهم، ويتّصلون بمن يرجون على يده نصرَتَهم وحدهم، فكان من ثمّ هذا العمل السرّي.

ففيما كان رؤساء جيش عائشة يراسلون أهل البصرة على النحو الذي


[ 208 ]

اعطيناك صورة عنه، كان ابن أبي سفيان في دمشق ينظر في أحوال الثائرين على عليّ جميعاً، وفي أحوال لم ينهضوا لمحاربته جميعاً، فيجعل لكل من هؤلاء حساباً، ويهيء لكلٍّ من أولئك مصيراً، وينزع في الحالتين عن رغبة خالصة في أن يوهي الثائرون أمرَ عليٍّ فيمكنوه آنذاك، وهو أقوى الأمويّين، من أن يتّجه بالتاريخ العربي اتّجاهاً أمويّاً خالصاً.

راح ابن أبي سفيان يستنهض سرّاً كلّ من لم ينهض لمعارضة عليّ، وهو يعلم أنّ طلحة والزبير ورؤوس المعارضة جميعاً، لن يلبثوا أن يختلفوا ساعة يتمكّنون من التغلّب على ابن أبي طالب، لأ نّه يدرك الغايَة التي تجمعهم، فيخلو عند ذاك الجوّ للامويّين، وهو يعسوبهم. وقد كتب معاوية في ما كتب إلى سعد بن أبي وقّاص يقول:

«إنّ أحقّ الناس بنصرة عثمان أهل الشورى من قريش الذين أثبتوا حقّه واختاروه على غيره! وقد نصرَه طلحة والزبير وهما شريكاك في الأمر ونظيراك في الإسلام، وخفّت له أمّ المؤمنين. فلا تكرهنّ ما رضوا ولا تردّنّ ما قبلوا!»

فانظر إلى هذا الدهاء، وإلى هذه المراوغة في دغدغة عواطف سعد أحد أصحاب الشورى الستّة الذين رشّحهم عمر بن الخطّاب للخلافة، ثم إلى هذا الاحتيال في إخفاء الغاية التي يهدف إليها ابن أبي سفيان من استنهاض الناس على الإمام. غير أنّ سعد بن أبي وقّاص لم يخفَه هذا الدهاء وهذا الاحتيال، ولم تفته الغاية التي يرمي إليها معاوية بهذه الرسالة، وهو القرشي الخبير بأحوال الأمويين في الجاهلية والإسلام، الواقف على أهدافهم القريبة والبعيدة، وعلى وسائلهم المختلفة بين اللّين والشدّة، والممالأة والتعنيف، لبلوغ هذه الأهداف. ولم يفته كذلك أن يَجبَه معاوية بما لم يكن ينتظره من تعظيم شأن عليّ، وإيثاره على مَن عاداه، والتصريح بأنّ عليّاً فيه من الفضائل والمزايا ما ليس في خصومه والموالين له جميعاً. فكتب إليه بذلك، وزاد خيراً


[ 209 ]

بأ نّه أدرى الناس برغبة معاوية في تأليب الناس على ابن أبي طالب كي يصير الأمر له، ولكن الأمر لن يصير له لأنّ الخلافة لا تحلّ لمثله، وقد رأى عمر بن الخطاب قبله هذا الرأي فما أدخله في أصحاب الشورى. قال سعد في جوابه:

«أمّا بعد، فإن عمر لم يُدخل في الشورى إلاّ مَن تحلّ له الخلافة، فلم يكن أحدٌ منا أحقّ بها من صاحبه إلاّ باجتماعنا عليه، غير أنّ عليّاً قد كان فيه ما فينا ولم يكن فينا ما فيه. وأمّا طلحة والزبير لو لزما بيوتهما كان خيراً لهما. والله يغفر لأمّ المؤمنين!» وفي هذا الجواب أيضاً رأيُ سعد في أصحاب الفتنة المؤّلبين على عليّ!

من هذه الرسائل وهذه الأجوبة التي تبودلت بين أصحاب الجمل وأهل البصرة، وبين الموالين لأهل الجمل في بعض الأمصار وغير الموالين، يتبيّن لنا نظرُ أبناء ذلك العصر إلى أسباب الفتنة الحقيقية من جهة ثانية، كما تتبيّن لنا صورٌ من العطف الشديد يوليه ذوو النيّات السليمة ابنَ أبي طالب ويحيطون به نظرَةُ الحقّ وقولَه الحقّ! ويتبيّن لنا كذلك أمرٌ ذو بال، وهو أنّ أنصار عليّ لا يألون جهداً في أن ينصحوا لأصحاب الجمل بالكفّ عن الفتنة وفي أن يدعوهم لأن يلزموا العافية ويتدبّروا بالتي هي أحسن، فكأ نّهم ينزعون جميعاً عن جنان الإمام وعن لسانه وقد علّمهم كثيراً بالسيرة وبالقول أنّ الفتنة من عمل الشيطان وأنّ السلم أولى. وكأ نّهم يصدرون جميعاً عمّا يرونه حقّاً في موقف الإمام من شؤون زمانه قبل الولاية وبعدها! فماذا يأخذ هؤلاء القوم على الإمام وما استوت له قدمٌ بعد؟ ماذا يأخذون عليه وقد بدأوه العداء الشديد وألّبوا عليه الجماعات منذ اللحظة التي بلغهم فيها نبأ استخلافه؟ ماذا يأخذون عليه وهم لا يثبتون لحجّته لو أ نّهم أخذوا المنطقَ دليلاً ومُشيراً؟ ماذا يأخذون عليه في مقتل عثمان وهم قاتِلوه؟


[ 210 ]

إنْ هذه الأسئلة تطوف أبداً في رسائل ذوي النوايا السليمة إلى أصحاب الجمل. وهي تطوف كذلك على ألسنة وفود البصرة إليهم. فإن جيش عائشة ما كان ينزل بجوار البصرة، وإنّ رسائلها ورسائل طلحة والزبير ما كادت تتزاحم في طريقها إلى البصريين، حتى خفّ عاملها عثمان بن حنيف إلى أبي الأسود الدؤلي وعمران بن حصين يرسلهما إلى عائشة فينظران في ما أخرجهما على الإمام عليّ وينصحان لها بالخروج عمّا هي سائرة فيه. ثم أرسل وفوداً أخرى إلى طلحة والزبير.

غير أنّ المثلث القُرشي لم يقل إلاّ بمقالته الأولى. وأبوا إلاّ دخول البصرة عنوة. فأبى عثمان بن حنيف عليهم ذلك، فعبّأ الناس وألبسهم السلاح ثم خرج على رأس من أراد الخروج معه إلى محلة المِربَد حيث كان جيش عائشة عند ذاك. فتكلّم طلحة وتكلّم الزبير، فقال مَن هم في صفّهما: صَدَقا وَبرّا وقالا الحقّ وأمرا بالحقّ!» فأجابهم مَن هم في صفّ بن حنيف «فَجَرَا وغَدَرَا وقالا الباطل وأَمَرَا به، قد بايَعَا ثم جاءَا يقولان ما يقولان! وتراشق الفريقان بالقول ثم تحاصبوا. فما كان من عائشة إلاّ أن خطبت الفريقين تقول:

«كان الناس يتجنّون على عثمان، ويُزرون على عمّاله، ويأتوننا بالمدينة ليستشيروننا، فننظر في ذلك فنجده بريئاً نقيّاً وفيّاً، ونجدهم فَجَرَة كَذَبَة، يحاولون غير ما يُظهرون. فلما فووا على المكاثرة كاثَروه فاقتحموا عليه داره، واستحلّوا الدم الحرام والمال الحرام والبلد الحرام بلا عذر!»

وقاطعها أهل البصرة بالتذمّر والجلبة، فصاحت بهم: «اسكتوا أيّها الناس». ولمّا سكت الناس تابعت تقول:

«إنّ أميرالمؤمنين عثمان كان قد غيّر وبدّل، ثم لم يزل يغسل ذلك بالتوبة حتى قُتل مظلوماً تائباً. قتلوه محرماً، ذبحاً كما يذبَح الجمل. ألاَ وإن قريشاً رمت غرضَها بنبالها، وأدمت أفواهَها بأيديها، وما نالت بقتلها إيّاه شيئاً ولا سلكت به سبيلاً قاصداً. أمَا واللهِ ليرونها بلايا عقيمة تُنبّه النائمَ


[ 211 ]

وتُقيم الجالس، وليُسلطنّ عليهم قومٌ لا يرحمونهم، يسومونهم سوء العذاب!

«ألاَ إنّ عثمان قُتل مظلوماً فاطلبوا قَتَلَتَه، فإذا ظفرتم بهم فاقتلوهم، ثمّ اجعلوا الأمرَ شُورى بين الرّهط الذين اختارهم أميرالمؤمنين عمر، ولا يدخل فيهم مَن شرك في دم عثمان.

وفي هذه الخطبة تقول: «وبايعتم عليّ بن أبي طالب بغير مشورة من الجماعة: ابتزازاً وغصباً!»

وهكذا راحت عائشة تحرّض الجموع المحتشدة على قتل عليّ. فهي ترى أن مبايعة الناس إيّاه «بغير مشورة الجماعة» ليست إلاّ ابتزازاً وغصباً، وأنّ عليّاً شرك في دم عثمان فلابدّ أن يُقتل، وهو على كلّ حال لا يجوز له أن يدخل ـ من جديد ـ في صحاب الشورى الذين اختارهم عمر، لشركه في دم عثمان!

وهال أمرها كثيراً من السامعين. فتصدّى لها بالسؤال المحرج قومٌ كثير بينهم الأحنف بن قيس، وبينهم جارية بن قدامة السعدي الذي أقبل عليها بعد أن أنهت خطبتها قائلاً لها:

«يا أمّ المؤمنين، واللهِ لقتلُ عثمان بن عفان أهوَن من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضةً للسلاح! إنّه قد كان لك من الله سترٌ وحرمة فهتكتِ سترك وأبحتِ حرمتك: إنّه مَن رأى قتالك فإنّه يرى قتلك. إن كنت أتيتِنا طائعةً فارجعي إلى منزلك، وإن كنتِ مستكرهةً فاستعيني بالناس!».

وتصدّى كذلك قومٌ كثير طلحة والزبير فأحرجوهما. وكان حوار طويل لم ينتهِ إلاّ ليزيد المعارضين الثلاثة غيظاً وميلاً إلى القتال!


[ 212 ]

وكانت عائشة هي القائدة العليا للجيش الذي تقدّمته وهي راكبة جملاً أُعطِي أسمه للموقعة فيما بعد. كانت هي التي تصدر الأوامر، وتعيّن القادة الثانويين، وتُوجّه الرّسُل بكتبها إلى هذا وذاك ممّن تبغي عندهم أن يناصروها على عليّ، كما مرّ معنا. وكانت كتبها إلى هؤلاء مصدّرة بالعبارة التالية: «من عائشة أبنة أبي بكر، أم المؤمنين، حبيبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، إلى ابنها الخالص فلان. «أمّا بعد، فإن أتاك كتابي هذا فأقدم فانصرنا، فإن لم تفعل فخذل الناس عن عليّ!» ولبّاها قومٌ كثير. وأحجم عن تلبيتها قومٌ كثير!


[ 213 ]

اللهمّ اشهد!

* أقتلوه ـ تريد ابنَ حنيف! عائشة

* ألاَ ألف فارس أسيرُ بهم إلى عليّ لعلّي أقتله قبل أن يصل إلينا! الزبير

* دعوتُكم لتشهدوا معنا إخوانَنا، فإن يرجعوا فذاك ما نريد، وإن يلجّوا داويناهم بالرّفق! عليّ

* أتريد أن تقتلني يا أبا اليقظان! الزبير

* لا يا أباعبدالله عمّار

* وحمَل عليٌّ على الفئة الباغية كأ نّه مارجٌ من نار! دخل جيش عائشة البصرة في ليلة باردة وقتلوا قوماً من البصريّين في المسجد. دخلوا دار عثمان بن حنيف عليّ على البصرة فأساؤوا إليه وحقّروه وضربوه وأمعنوا في الإساءة والتحقير والضرب، واستاء طلحة والزبير ممّا فعله الجيش بابن حنيف وهو من أصحاب محمّد، فأخبرا عائشة بما ساءَهما، فما كان منها إلاّ أن أمرتْ به تقول: «اقتلوه!» فاستعظمت إحدى النساء هذا الأمر وقالت لعائشة: «نشدتُك الله يا أمّ المؤمنين في عثمان بن حنيف وصحبته لرسول الله! فبدّلت عائشة أمرها قائلة: «احبسوه ولا


[ 214 ]
تقتلوه». وأمر أحدُ الرؤساء في جيش عائشة قائلاً: «اضربوه وانتفوا شعر لحيته». فضربوه ضرباً موجعاً كثيراً ونتفوا شعر لحيته ورأسه وحاجبيه وأشفار عينيه ثم حبسوه!

وفي جماعة من الصفّين عاد طلحة والزبير من جديد إلى الكلام تأليباً على عليّ. وفيما كان الزبير يتكلّم نهض له رجلٌ من عبدالقيس فأسكتَ الزبير وخاطب المهاجرين من أصحاب الجمل بقول أراد فيه إلقاءَ التبعة عليهم في اختيار عثمان، ثم في إنكارهم عليه أشياء، ثم في قتله. وسألهم بعد ذلك ما الذي نقموه على عليّ فيقاتله إلى جانبهم! هل استأثر عليٌّ بفَيء؟ أو عمل بغير الحقّ؟ أو عمل شيئاً ينكرونه فيكون هو وأهل البصرة معهم عليه؟ وختم الرجل العبدي كلامه الحقّ بقوله: «وإلاّ فما هذا؟» فهَمّ أصحاب الجمل بقتله فنهضت لهم عشيرتُه، فاقتتلوا، ففتكَ أصحابُ الجمل بسبعين رجلاً من عبدالقيس، واستولوا على بيت المال وأرزاق المدينة، وقسم الزبير وابنه عبدالله الرزق على أصحابهما.

وكان أشدّ الناس جزعاً لهذه الأعمال حكيم بن جبلة وهو موال لعليّ، فجمع أنصاراً كثيرين وقاتَل بهم أصحابَ الجمل وهو يقول في طلحة والزبير: «إنّا خلّفنا هذين الرجلين وقد بايعا عليّاً وأعطيَاه الطاعة، ثم أقبلا مخالفين محاربين يطلبان بدم عثمان، ففرّقا بيننا ونحن أهل دار وجوار. اللهمّ إنّهما لم يريدا عثمان!»

وقُتل حكيم وابنه وأخوه، ثم أمر طلحة والزبير بعدد هائل ممّن غزا المدينةَ من قبائل البصرة، فقُتلوا قتلاً مريعاً.

وأقام أصحاب الجمل بالبصرة وقد صار أمرها إليهم. وبايع أهل البصرة مختارين أو مكرَهين، للطحة والزبير. وعاش الجميع في نشوة من استيلائهم على البصرة، فلمّا بويع لطلحة والزبير قال الزبير: «ألا ألف فارس أسير بهم إلى عليّ، لَعَلّي أقتله قبل أن يصل إلينا!»


[ 215 ]
وكتبت عائشة إلى حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت حفصة بالمدينة، تبشّرها بهذا النصر وتتحدّث عمّا تراه من أمر عليّ وعمّا هو صائر إليه: «أمّا بعد، فأخبرك أنّ عليّاً نزل ذاقار، وأقام بها مرعوباً خائفاً لِما بلغه من عدّتنا وجماعتنا. فهو بمنزلة الأشقر: إن تقدم عُقر، وإن تأخّر نُحِر!»

واستخدم الزبير وطلحة ضدّ عليٍّ أسلوبَ الدعاية الذي تلجأ إليه المؤسساتُ الحديثة كما لجأت إليه المؤسّسات القديمة. وقِوامُ الدعاية أن يُظهَر الشيء المدعو له كما يريده الداعي أن يظهر. فإن كان باطلاً أظهرَه حقّاً وإن كان شرّاً أظهرَه خيراً وإن كان لا شيء أظهره شيئاً كثيراً. وأشدّ الأمور حاجةً للدعاية الأمورُ الكاذبة لحاجتها إلى الطلاء والتمويه. وأكثرُ الرجال عوَزاً إلى الدعاية المُبطلون والمستنفعون بالبُطل والذين لا قيمة حقيقيّة لما يفعلون والذين ينساهم الناس حالَ انتهاء الدعاية لهم. ذلك لأنّ الطبيعة لا تقبل غشّاً والحياة لا تستقيم بالخداعِ والزمان لا يهضم إلاّ الحقّ والحقّ أكبر!

ومن الدعاية التي استخدمها الرجلان ضدّ عليّ تأليباً للبصريّين عليه ما نقلَه ابنُ أبي الحديد عن المدائني والواقدي من أنّ طلحة والزبير قاما في الناس فقالاً: إنّ عليّ بن أبي طالب إن يظفر فهو فَناكم يا أهل البصرة. فاحموا حقيقتكم فإنّه لا يُبقي حرمةً إلاّ انتهكَها ولا حريماً إلاّ هتكَه ولا ذرّيةً إلاّ قتَلَها ولا ذواتِ خدر إلاّ سبَاهنّ! فقاتِلوا مقاتَلَة مَن يحمي عن حريمه ويختار الموتَ على الفيحة يراها في أهله!

*

إزاء هذا التحدّي السافر، وهذه الجملة المنظّمة، وقف عليٌّ يترقّب ما يكون من أمر عائشة وطلحة والزبير وجيشهم، لعلّ الرغبة عن القتال تعود إلى قلوب هؤلاء الذين خرجوا عليه وحجّتهم في الفتنة أوهى من خيط العنكبوت. ولعلّهم يدركون أنّ في هذا القتال الذي يبادرون إليه مأساة الخلافة وخيبة الشعب الذي علّق الآمال العِظام على عدالة عليّ وزهده واستقامته وتقواه!


[ 216 ]
وراح يبعث بالكتب ويرسل السفراء من الربذة إلى الكوفة يستنفر أهلها على أصحاب الجمل إلاّ إذا نهجوا غيرَ هذا النهج. فقعد عاملُه عليها أبو موسى الأشعري عن نصرته، بل طفق يثبّط همّةَ الناس عن اللحاق به. فعزَلَه عليّ عن الولاية في الحال. أمّا قبائل عبد القيس فكانت قد خرجت من البصرة بعد أن احتلّها اصحابُ الجمل، وأَقامت في مكان بين ذي قار والبصرة تنتظر قدوم عليّ لتنضمّ إليه. ونهض من الكوفة للسير تحت لواء ابن أبي طالب تسعةُ آلاف مقاتل. فلمّا وافوه إلى ذي قار.، مطبَهم طويلاً ثم قال:

«با أهل الكوفة، دعوتُكم لتشهدوا معنا إخوانَنا من أهل البصرة: فإن يرجعوا فذاك ما نريد، وإن يلجّوا داويناهم وباينّاهم حتى يبدأونا بظلم. ولن ندع أمراً فيه صلاحٌ إلاّ آثَرناه على ما فيه الفساد إن شاء ا لله!»

وإني لأسألك، وأريدك أن تتساءَل أيّ فرق بين هؤلاء المتخاصمين تلقاه ممّا أظهرناه لك من موقفِ كلٍّ منهم منذ دخول أصحاب الجمل البصرة حتى خطبة الإمام هذه! قد يكون لكلٍّ منهم عذرٌ يرتضيه لنفسه في ما أقدم عليه من عمل وقول. فللحوادث منطقها الخاصّ، ولمواقف الرجال من هذه الحوادث منطقٌ خاصٌّ كذلك، تفرضه أحوالٌ وشؤون لا يمكن حصرها في واحدة، وقد يكون ما استتر منها أشدّ توجيهاً للرجال مما ظهر.

بيد أنّ للإنسانية الخالصة مقاييسها التي لا ترضى عنها بديلاً. وبهذه المقاييس تحكم للرجال أو تحكم عليهم. وهي وحدها القولُ الفصلُ في قيمة العمل والقول والهوى. وهي وحدها الميزان الأبديّ لمِا يتصارع في النفوس من معاني الجمال والقبح. ولو لم تن هذه المقاييس لَما كان لإرادة الخير من معنى، ولما كان لتربية القلوب على الأخلاق العظيمة من قيمة، ولَفقَدتِ الرسالات الإنسانية الكبرى كلّ هدف عظيم ترمي إليه وهي القائمة على ثورات تعصف بإرادة الشرّ وتضع أُسُساً وأَركاناً لبناء الخير والحقّ، استناداً إلى هذه المقاييس.


[ 217 ]

لولا هذه المقاييس لاختلط شر الحياة بخيرها، وضاع حقّها بباطلها. وقد يقسو منطقها أشدّ قسوة، وقد يثقل على بعض النفوس أكثر ما يمكنه أن يثقل ففيما يُصعِّب عليك الصعودَ تراه يسهّل عليك البقاء حيث أنت. والناس في معظهم يؤثرون البقاء السهل على الصعود الصعب، ومن ثَمَّ كان الصاعدون قليلاً!

قلنا إنّ لكلٍّ من هؤلاء المتخاصمين عذراً يرتضيه لنفسه في ما أقدم عليه من عمل وقول، وإنّ لهم في مواقفهم من الحوادث منطقاً خاصّاً. بَيْدَ أنّ المقاييس الإنسانية الثابتة هي التي تحدّد القيمة الحقيقية لهذا العذر وهذا المنطق. وهي التي تشير إلى هذا الفرق بين عليّ ومخاصميه، في موقفين متباينين تجاهَ قضية واحدة.

فهناك جماعة اتّهموا رجلاً بما حقّ أن يتّهموا به أنفسهم وهو منه براء، ثم خرجوا عليه بهذا الاتّهام ومن حقهم أن يطيعوه، وألّبوا الناس عليه وكانوا قد دخلوا في طاعته، وأقبلوا بهم إلى إحدى عواصمه فأهانوا عامله عليها ونتفوا لحيته وضربوه وحبسوه وأخرجوه، ونكّلوا بأنصاره ومحبّيه وقتلوهم شرّ قتلة وهم لا مأخذَ لهم على هؤلاء القتلى ولا على إمامهم الغائب; ثم ما كادوا يصنعون ما صنعوا حتى تمنّوا ألف فارس يريدون أن يهاجموا بهم الرجل فيقتلوه!

وهنا إمامٌ بايَعه الناس فأبى عليهم وأبَوا عليه، ثم ازدحموا عليه وهم يقولون: لا نجد غيرك ولا نرضى إلاّ بك، فبايِعنا لا نفترق ولا نختلف. فبايَعهم ودعَوا إلى بيعته فمَن بايع طائعاً قَبِل منه ومَن أبى تَرَكه. ثم ما لبث أن رأى نفراً منهم يحرّضون الجماعات عليه ويشتّتون كلمةَ أنصاره ويُفسدون عليه جماعتَه ظلماً، ويقومون على عمّاله وخزّان بيوت أمواله، ويثبون على شيعته فيقتلون طائفة غدراً ـ كما يقول ـ وطائفة صبراً! ثم يتربّصون به ليخلعوه ويقتلوه وعدواناً! فيبلغه ذلك، فلا يضمر لظالميه انتقاماً، ولا يبيّت حقداً، ولا تأخذه الجفوة التي تأخذ المظلوم من ظالميه،


[ 218 ]

بل يجمع قومَه ويخطبهم قائلاً هذا القول الذي ينبثق عن إنسانية لا تسمو عليها إنسانيةُ الأنبياء في كثير أو قليل: «يا أهل الكوفة، دعوتُكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة الخ...»

ولم يكتفِ عليّ بهذا المقدار من كرم المبادرة، بل راح يغفر للقوم ما وسعتِ الإنسانَ الطاقةُ على أن يغفر، فأرسل إلى طلحة والزبير بالبصرة سفيراً يسألهما الكفّ عن العدوان والتعاونَ في سبيل الخير والعافية. ثم أرسل سفراء آخرين يدعونهما وعائشة إلى الألفة والجماعة.

وإليك هذا الخبر الذي يدلّك على نظرة عليٍّ إلى مخاصميه هؤلاء وإلى نفسه فيما يتعلّق بشؤون الخلافة:

لمّا قرب عليّ من البصرة أرسل قومٌ من أهلها بعضَ العرب واسمه كليب الجرمي ليعلم لهم من الإمام حقيقةَ حاله مع أصحاب الجمل، لتزول الشبهةُ من نفوسهم. فبَيّن له الإمام من أمره معهم ما علِم به إنّه على الحقّ، ثم قال له: بايع! فقال الرجل: إني رسول قوم، ولا أُحدِث حدَثاً حتى أرجع إليهم. فقال الإمام بمنطقه المحكم: أَرأيتَ لو أنّ الذين وراءَك بعثوك رائداً تبتغي لهم مساقطَ الغَيث، فرجعتَ إليهم وأخبرتهم عن الكلأ والماء، فخالفوا إلى المعاطش والمجادب(1) ما كنتَ صانعاً؟ قال الرجل: كنتُ تاركَهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء! فقال الإمام: فامدد إذن يدك! فقال الرجل: فواللهِ ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجّة عليّ، فبايعتُه عليه السلام!

ولمّا جمحت النفوس في جيشه يريدون معالجةَ أصحاب الجمل، خطبَهم عليّ قائلاً: «يا أيّها الناس، املكوا أنفسكم، وكفّوا أيديكم وألسنتكم


1 ـ مساقط الغيث: الأمكنة التي تسقط فيها الأمطار. المعاطش: أمكنة العطش. المجادب: أمكنة الجدب، وهو القحط والمحل.


[ 219 ]

عن هؤلاء القوم فإنّهم إخوانكم، واصبروا على ما يأتيكم. وإيّاكم أن تسبقونا فإن المخصوم غداً مَن خصَم اليوم!»

وظلّ عليّ ينزع إلى السلم على هذا الأسلوب. وبهذه الرغبة سار على رأس جيش عُدّتُه عشرون ألفاً إلى البصرة لمواجهة القوم وحملهم على الألفة. ولبثت أحاسيسُ الخير في نفسه تدفعه إلى تجنّب القتال حتى ساعة التقى الجيشان أو كادا يلتقيان وقد استحال أمرُ المصالحة، فخرج إلى طلحة والزبير حاسراً لا يحتمي بدرع ولا سلاح تدليلاً على نوايا السلم والخير التي يضمر. ونادى: يا زبير، أُخرج إليّ فخرج الزبير إليه مدجّجاً بالسلاح وسمعت عائشة فصاحت: واحرَباه! ذلك لأنّه لم يخالجها شكّ في أنّ الزبير لا محالة مقتول، فخصم عليّ مقضيّ عليه بالموت إذا نازله، مهما كان حظّه من الشجاعة عظيماً. ولشدّ ما دهشت عائشة ومَن حولها وهم يرون إلى عليّ يعانق الزبير!

عانَقه طويلاً لأنّ أسباب المودّة لا تنقطع في القلب الكبير!

وعاد عليّ يسأل الزبير بلهجة الصداقة والإخاء: ويحك يا زبير، ما الذي أخرجك؟ قال: دم عثمان! قال عليّ: قَتَلَ الله أولادنا بدم عثمان!

كلّ هذا وعلي يعلم من أمر الزّبير وصاحبه طلحة ما يعلمان من حالهما وما يعلمه عبدالله بن عبّاس الذي كان قد جاءَه بعد استخلافه يشير عليه أن يكتب لابن طلحة بولاية البصرة، ولابن الزّبير بولاية الكوفة، ولمعاوية بإقراره في ولاية الشام حتى تسكن القلوب ويهدأ غضب قاتلي عثمان وحاملي قميصه!

كلّ هذا وعليٌّ ما يزال في مسمعيه قولُ طلحة وقولُ الزبير له بعد استخلافه: نبايعك على أنّا شركاؤك في هذا الأمر!


[ 220 ]

فأيّ دم هذا الذي يطلبان، إن لم يكن الحيلةَ والوسيلة؟؟

وقبل أن يلتقي الجيشان وجهاً لوجه أمر عليّ أصحابه أن يصطفّوا. ففعلوا فقال لهم: «لا ترموا بسهم، ولا تطعنوا برمح، ولا تضربوا بسيف، واعذروا! وما هي إلاّ دقائق حتى ترمى رجلٌ من عسكر القوم بسهم فقتل رجلاً من أصحاب عليّ: فصاح عليّ: «اللهمّ أشهد» ثم أصيب رجل آخر فقُتل، فقال عليّ: «اللهمّ أشهد»! وأصيب عبدالله بن بديل فأتى به أخوه يحمله فقال علي: «اللهمّ اشهد!» ثم كانت الحرب.

حمل عليّ على الفئة الباغية وكأنه مارج من نار، فأزاح جيش قريش من أماكنه وزعزع أركانه وصدّع صفوفه. فانهزم الرجالة وكان عليهم الزبير، فالتقاه أصحابُ عليّ فأفرجوا له ولم يقتلوه. وحمل عليه عمّار بن ياسر حملةً شديدة، فلمّا أصبح تحت رحمة عمّار قال: «أتريد أن تقتلني يا أبا اليقظان؟» فابتعد عمّار عنه وهو يقول: «لا يا أباعبدالله!» وإنّ موقف عمّار هذا من الزبير لأشبه بموقف أستاذه عليّ من عمرو بن العاصِ في معركة صفّين المقبلة، ذلك لأنّ المدرسة الإنسانية المثالية التي يتزعمها عليّ إنّما تُعجَن فيها النفوس عجناً. وتُصَهر فيها الأخلاق صهراً، وتُحتَرم فيها الحياة وتُقدَّس حتى في مواقع القتال التي تهون فيها الحياة على القاتل والمقتول معاً. فلقد عزّ على عمّار بن ياسر ألاّ يستجيب لنداء الحياة في شخص خصمه الزّبير وهو تحت سيفه، كما سيعزّ على ابن أبي طالب مثلُ هذا النداء في شخص خصمه عمرو بن العاص. فإذا بعمّار يرفع عن الزّبير سيفَه ويجيبه بهذه البساطة العظيمة: «لا يا أباعبدالله»!

واعتزل الزّبير القتالَ منحازاً الى مكان يدعى وادي السباع. وكان في نيّته اعتزال القتال قبل وقوعه على ما يذكر بعض الرّواة، وذلك على أثر ما استيقظ في نفسه من شعور بالإنصاف بعد أن دعاه عليٌّ إليه، وعانقه، وذكّرَه المودّات القديمة، وسألَه عمّا يريد بهذا القتال. ولكنّ عائشة وابنه


[ 221 ]

عبدالله عيّراه هذه الرغبةَ في الاعتزال، فاضطرّ إلى البقاء في المعركة حتى كان من أمره مع عمّار ما كان وخلّى الناس منحازاً إلى وادي السباع!

كانت عائشة تعمل على إلهاب نار الحماسة والانتقام في صدور عسكرها وكان عددهم قد بلغ ثلاثين ألفاً إذ ذاك، على صورة عنيفة. وجعلت تخاطب قوّاد القبائل والعشائر الموالية لها واحداً واحداً، وتمتدح شجاعتهم وبأسهم، وتُذكي في نفوسهم حبّ القتال حتى غدا جيشها جحيماً ناره الحماسة والاندفاع.

وكان لواء عائشة يخفق على خطام جملها يحمله اللاحقُ من أفراد جيشها بعد أن يُقتَل السابق وكلّهم من قريش. واستبسل جيشها كما استبسل جيش عليّ حتى كانت المعركة رهيبةً مخيفة. وكان للشعر نصيبٌ عظيم في إذكاء نار الحماسة في المعسكرين، وفي تصوير أفكار الفريقين في هذا القتال. وتُروى في ذلك رواياتٌ منها ما يذكر أ نّه إذا قال من جيش عائشة قائلٌ:

يا أمّنا، يا زوجةَ النبيِّ، *** يا زوجةَ المباركِ المهديّ، *** نحن بنو ضبّةَ، لا نفرُّ *** حتى نرى جماجماً تخرّ! *** سمع من جيش عليّ مَن يناجز قائلاً:

يا أمّنا، أعقّ أمٍّ نعلمُ، *** والأمّ تغذو ولداً، وترحمُ *** أَمَا ترَينَ كم شجاع يُكلمُ *** وتختلي منه يدٌ ومعصمُ! *** وإذا استبسل محاربٌ أزديّ من جيش عائشة وتقدم ليمسك خطام جملها بعد أن قُتل زميله، داس في طريقه جثّةَ صريع من جيش عليّ وهو يقول:


[ 222 ]
أسامعٌ أنتَ، مطيعٌ لعليّ *** من قبل أن تذوق حدّ المشرفي *** وخاذلٌ في الحقّ أزواجَ النبي! *** ثم خلص بعد ذلك إلى عائشة، هاتفاً:

يا أمّنا، يا عَيشَ، لا تراعي *** والأزدُ فيها كرَمُ الطباع! *** تَلقّاه من أصحاب عليّ مَن جَندَ لَه وهو يرتجز:

جرّدتُ سيفي في رجال الأزدِ *** أضربُ، في كهولهم والمُردِ *** كلّ طويلِ الساعدين، نهد *** ومن الشعر الكثير الذي قيل ف هذه الموقعة ما يُظهر جانباً من رأي المقاتلين في عثمان وعهده. فهذا رجلٌ من أصحاب عليّ يدخل المعركة وهو يرتجز معرّضاً بحكم عثمان:

لَحُكْمُهُ حكمُ الطواغيتِ الأوَل *** آثَرَ بالفَيء وجافى في العمل *** فأبدلَ اللهُ به خيرَ بَدَلْ *** ومن هذا الشعر أيضاً ما يدلّ على تأثر البصريّين بحملة الدعاية التي قام بها طلحة والزبير ضدّ عليّ إذ قالا إنّ ابن أبي طالب سينتهك الحرمات إن دخل البصرة، ثم طلبا إلى أهلها أن يختاروا الموت على الفضيحة يرونها في أهلهم.

ومن أخبار الراجزين في هذه الموقعة أنّ محارباً من أصحاب الجمل راح يقول:


[ 223 ]
إنْ فاتَنا اليومَ عليٌّ، فالغَبَنْ *** أو فاتَنا ابناهُ الحسينُ والحسنْ *** إذن أَمُتْ بطولِ همٍّ وحَزَنْ *** ثم تقدّم فضرب بسيفه فقُتل. وانبرى صنديدٌ آخر فقال:

أَضربُهم ولا أرى أبا الحسَنْ *** ها إنّ هذا حزَنٌ مِن الحزَن *** فشَدّ عليه عليّ بالرّمح فطعَنه وقال: قد رأيتَ أبا الحسن، فكيف رأيتَه!

ولعلّ أجحمل ما تركته هذه الموقعة من أراجيز واحدةٌ للأشتر النخعي أحد قوّاد عليّ في الجمل وصفين وعامله على مصر:

إنّي إذا ما الحربُ أبدتْ نابها *** وأغلقتْ يومَ الوغى أبوابَها *** ومزّقتْ من حنَق ثيابَها *** كنّا قُداماها ولا أذنابَها *** ليس العدوّ دوننا أصحابها *** مَن هابَها اليومَ فلن أهابَها *** لا طعنَها أخشى ولا ضِرابَها *** *

وكثر القتلى حتى ملأوا الأرض، فهال الأمرُ عليّاً فلجأ إلى خطّة يُنقذ بها مَن بقي حيّاً من الفريقين، فأمَر بأن يُعقر جملُ عائشة، فعُقر! وانهزم جيش المثلّث القرشي، وصُرع طلحة والزبير. أمّا مصرع الزبير ففيه رواياتٌ كثيرة، منها أنّ عمرو بن جرموز لحق به إلى وادي السباع فطعنه من خلفه فقتله. فلمّا بلغ الخبرَ عليّاً حزن كثيراً ولعن قاتله. وأمّا


[ 224 ]
طلحة، فقد كان مروان بن الحكم ـ وهو حليفه على عليّ ـ صاحبَ دمِه إذ راشه بسهم فقتلَه وهو يقول: «لا انتظر بعد اليوم بثأري من عثمان». ومن عرف نفسه مروان وأخباره، أدرك أ نّه بعمله هذا إنّما ينفّذ فصلاً من المشروع الأمويّ العامّ، الذي يرمي إلى التخلّص من كلّ مَن له مطمحٌ إلى الخلافة، كي يخلو لأميّة وجهُ الأرض! وأمّا مروان هذا فقد وقع في قبضة عليّ فرجاه أن يعفو عنه، فعقا!

   * وانكشف القتال عن مشهد مريع حقّاً: سبعة عشر ألف قتيل من أصحاب الجمل طُرحوا في عراء الأرض وألف وسبعون من أصحاب عليّ، ولا ذنب لهم جميعاً إلاّ أطماع بعض المحرّضين على الإمام! وحاول بعض أصحاب عليّ أن يقضوا على عائشة، فما كان منه إلاّ أن أسرع إلى إنقاذها، ونادى في جيشه يقول: «لا يُجهَزُ على جريح، ولا يُتبَع مُولٍّ، ولا يُطعَن في وجه مُدبر، ومن ألقى السلاحَ فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن!»

أوَرأيتَ في تارخ القتال، في كلّ عصر وفي كلّ بلد، موقفاً لرجل أعظمَ وأنبلَ من هذا الموقف لابن أبي طلب؟!

ووقف عليّ بعد انتصاره ينظر إلى جثث القتلى التي تغطي الأرض!

وعصر الحزن قلبَه لهول المأساة التي حاول أن يتلافى وقوعها فما أفلح!

ودمعت عيناه! وأشاح بوجهه عن المشهد المريع، وهو يقول: «اللهمّ اغفر لنا ولهم! إنما إخواننا بغَوا علينا!»

وراح في صلاة صادقة على القتلى من الفريقين!

*
وأعاد عليّ عائشة مكرّمةً إلى المدينة على نحو ما تقدم معنا في مكان سابق من هذا الكتاب.


[ 225 ]

مُعاوية وابن العَاص

* فدَع عنك قريشاً فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله قبلي! عليّ

* ولئِن كان ما بلَغَني عنك حقّاً، لَجَمَلُ أهِلك وشِسعُ نعلِك خيرٌ منك! عليّ

* قرأتُ كتابَ المتحابّين في عمل المعصية! عليّ

* وما كان من طبائع الناس كلِّ الناس أنْ يتحمّلوا الحقّ وأنْ يقولوه ويفعلوه! لم تكن حدود المؤامرة على عليّ بن أبي طالب لتنتهي عند هزيمة خصومه في موقعة الجآمل، ذلك لأنّ اسبابها البعيدة ما تزال في نفوس المؤتمرين به في الحجاز والشام، وما زال لهؤلاء جُندٌ كثير. ففي الحجاز أنصارٌ لعائشة وأعوانٌ لطلحة وحزبٌ للزبير. ومعظم مَن كانوا على رأس هؤلاء الأنصار هم من الوُلاة الذين انتفعوا في عهد عثمان واحتكروا أسباب الترف والثروة. وليس لهم جميعاً أملٌ في الانتفاع والاحتكار وعليّ أميرالمؤمنين.

أمّا الذين كانوا لعليّ من أهل الحجاز فالفقراء والمستضعَفون والصحابة


[ 226 ]
والأتقياء والعاقلون; حتى لَكأنّ سيرة عليّ في أهل الحجاز هي سيرة ابن عمّه النبيّ فهم لا فرقَ بينهما إلاّ في ما كان من عمل الظرف والمناسبة. ويؤكّد هذه المشابَهة أنّ خصوم عليّ كانوا القُرَشيين، وهم خصوم النبيّ من قبل. يقول عليّ: «فدَع عنك قرَيشاً وتركاضَهم في الضلال وتجوالَهم في الشّقاق وجَماحَهم في التّيه; فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله قبلي!»

أمّا في الشام فإنّ معاوية يكيد للخليفأ ويسعى بدهائه إلى تأليب الناس عليه. ثم إنّه ينفق أموال الولاية وينثر الوعود بِنِعَم الأرض حيث لا ينفع إلاّ المال والوعد. وكان له جيشٌ هو قائده وصاحب الرأي فيه. وهو جيشٌ لا يصحّ نعتُه إلاّ بأ نّه من المرتزقة والأغبياء، ومعاوية صاحب رزقه والساهر على أن تكون فيه غباوة. وإليك هذه الحادثة التي توجز، على بساطتها، الحقيقةَ عن جيش معاوية، وعن ثقة ابن أبي سفيان بأنّ خصمه على حقّ، وبأنّ انتصاره على هذا الخصم قد يمكنُ لأ نهه يحاربه بقَوم جَهَلة ليس في مقدورهم أن يميّزوا بين ظلم وعدل، أو بين معاوية وعليّ:

دخل رجلٌ من أهل الكوفة على بعير له إلى دمشق بعد أن انصرف جيشُ عليّ من صفين. فتعلّق به رجلٌ من دمشق فقال له: هذه ناقتي أُخذتْ مني بصفّين! فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقيّ خمسين رجلاً من أهل الشام يشهدون أنّها ناقتُه. فقضى معاوية على الكوفيّ وأمرَه بتسليم البعير للدمشقي. فقال الكوفي لمعاوية: أصلحك الله! إنّه جملٌ وليس بناقة! فقال معاوية: هذا حُكمٌ قد مضى. م دسَ إلى الكوفيّ بعد أن تفرقوا مَن أحضره إليه ثانيةً. فسأله عن ثمن بعيره فدفع إليه ضعفَه، وأحسن إليه. وقال له: «أبلغ عليّاً أني أقابله بمائة ألف رجل ليس فيهم من يُفرّق بين الناقة والرجل!!»

ويؤكد الجاحظُ كلامَ معاوية في أهل الشام بزمانه، ويذكر بعضَ الأسباب


[ 227 ]
في طاعتهم له يقول: «العلّة في طاعة أهل الشام أ نّهم ذوو بلادة وتقليد وجمود، على رأي واحد لا يرون النظر ولا يسألون عن مغيب الأحوال!»

قلنا إنّ حدود المؤامرة لم تكن لتنتهي بانتهاء موقعة الجمل. بل إن الموقعة هذه كانت إحدى حلقات المؤامرة الكبرى على الإمام وحكومته. فإنّ عليّاً ما كاد يقضي على جيش عائشة وطلحة والزبير، حتى أخذ يعدّ العدّة لتأديب معاوية. كان همّ عليّ يومذاك أن يتّجه بالناس، ما أمكن الاتّجاه، نحو المثُل الإنسانية الطيّبة، ويرفع عن الشعب جورَ النافذين، وينظم الدولة على أساس من رعاية الحقوق العامّة. فطريقة غير طريق الذين يتزلفون إلى الأقوياء بالمداراة ويستنصرون البُغاةَ بالصفح عن سيئاتهم، ويستنجدون بالناقدين، في سبيل حكومة أو مُلك.

وقد تبيّن معنا في الفصول السابقة كيف أ نّه لم ين ليطلب من الناس أجراً على خدمة إلاّ أن يطيعوه بالحقّ. وكثيراً ما كان يردّد هذا القول: «كَيلاً بغير ثمن لو كان له وعاء». يريد بذلك أ نّه يكيل للقوم العلمَ والحكمةَ والعدل كَيلاً لا يريد له ثمناً لو وجد نفوساً قابلة وعقولاً عاقلة!

ولم يكن معاوية بالوعاء الذي يستوعب هذا الكَيل. ولم تكن العدالة والحقوق العامّة على يديه في عافية، لذلك لم يُثبته عليٌّ على الشام وكان باستطاعته أن يصطنعه لو شاء أن يساوم في الحقّ ويعمل بغير ما يوحي به صفاءُ الوجدان.

ولم يبايع معاوية لعليّ ولم يطع له أمراً; وفي ذلك الدليل الواضح على أ نّه راغبٌ في الاستئثار بما يمكنه أن يستأثر به من أسباب السلطان. وكانت مؤامرة أهل الحجاز على الخليفة، فقوي معاوية بهم.

وعلى أثر انكسار المثلّث ا لقرشي في موقعة الجمل، بعث عليّ إلى معاوية يستتيبه ويسأله أن يكون على دين القوم الذين استخلفوه. وكرّر ذلك مراراً وفي جملة ما بعث به إليه هذا الكتاب:


[ 228 ]

«سلامٌ عليك. أمّا بعد، فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأ نّه بايَعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بُويعوا عليه. فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضى. وإن خرج عن أمرهم ردّوه إلى ما خرج عنه. فإن أبى قاتَلوه على اتّباعه غيرَ سبيل المؤمنين، وولاّه الله ما تولّى، وأصلاه جهنّمَ وساءَت مصيراً. وإنّ طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتهما وكان نقضهما كردّهما. فجاهدتُهما بعد ما أعذرتُ إليهما، حتى جاء الحقّ وظهر أمر الله، وهم كارهون، فادخل في ما دخل فيه المسلمون فإنّ أحبّ الأمور إليّ قبولك العافية. وقد أكثرتَ في قتَلَة عثمان، فإن رجعتَ عن رأيك وخلافك ودخلتَ في ما دخل فيه المسلمون ثم حاكمتَ القوم إليّ حملتُك وإياهم على كتاب الله، وأمّا تلك التي تريدها(1)فهي خدعة الصبيّ عن اللبن. ولعمري لئن نظرتَ بعقلك دون هواك لَتجدنّني أبرأ قريش من دم عثمان. واعلم أنك من الطّلقاء(2) الذين لا تحلّ لهم الخلافة ولا يدخلون في الشورى. وقد بعثتُ إليك وإلى من قبلك جرير بن عبدالله وهو من أهل الإيمان والهجرة، فبايعه، ولا قوّة إلاّ بالله».

فردّ معاوية يقول:

«سلامٌ عليك. أمّا بعد، فلعمري لو بايعَك الذين ذكرتَ وأَنت بريءٌ من دم عثمان لَكُنتَ كأبي بكر وعمر وعثمان. ولكنك أَغريتَ بدم عثمان وخذلتَ الأنصار فأطاعك الجاهل وقويَ بك الضعيف. وقد أبى أهلُ الشام قتالَك حتى تدفع إليهم قتَلة عثمان، فإن فعلتَ كانت شورى بين المسلمين وإنّما كان الحجازّيون هم الحكّام على الناس والحقّ فيهم، فلمّا فارقوه كان الحكّام على الناس أهل الشام. ولعمري ما حجّتُك على أَهل الشام


1 ـ يعني الخلافة.

2 ـ أي الذين اطلقوا من الأسر يوم فتح مكة وفيهم معاوية وأبوه.


[ 229 ]
كحجّتك على طلحة والزبير، إن كانا بايعاك فلم أبايعك أَنا. فأمّا فضلك في الإسلام وقرابتك من رسول الله(صلى الله عليه وآله) فلست أَدفعه الخ».

ومن رسالة معاوية هذه تبدو نواياه على حقيقتها. فهو يخلق الصعاب والعراقيل الواحدة بعد الأخرى ليمتنع بها عن مبايعة عليّ. وهي إن أُزيحت إحداها ثبتت الأخرى لا يمكن أن تزاح، فمعاوية يعرف الإباء في عليّ والثقةَ بالنفس، والبراءَة ممّا ينسبه إليه، فيصدمه بأن يحاول حملَه على الشكّ في حقيقة موقفه من عثمان، وفي مساواته بأبي بكر وعمر من حيث حقّه بأن يخلفهم. ثم بأن يطلب إليه أن يسلّمه قَتَلة عثمان لأنّ عليّاً نفسه متّهم في رسالة معاوية، بأ نّه المحرّض على الخليفة الثالث.

ثم إن معاوية لن يُذعن لأمر عليّ ولن يبايعه ولو ثبتت براءَته، لأ نّه يدعو المسلمين، في رده هذا، لأن يعيدوا النظر في خلافة علي ويحتكموا إلى الشورى من جديد! أضف إلى ذلك أنّ الشورى، كما يريدها معاوية، لن تكون هذه المرّة في أهل الحجاز أو أهل العراق، لأنّ الحقّ قد خرج منهم جميعاً وأصبح في أهل الشام. فلأهل الشام وحدهم أن يختاروا الخليفة لأنهم الحكام على الناس! ومَن يكون الخليفة عند ذاك غير معاوية بن أبي سفيان!

*

وقف عليٌّ من أمره وأمر الناس موقفاً موجعاً ولكنّه لا يدعو إلى تردّد وإحجام. فقد انقسم العرب قسمين لن يكون الواحدُ منهما إلاّ غالباً أو مغلوباً وإن عظلام الفرقُ بينهما في كلّ مقياس. فهنا المظلومون والمستضعفون والطامحون إلى طمأنينة العيش تلفّهم وتلفّ إخوانَهم جميعاً ولا تأتيهم إلاّ عن طريق الإنصاف والتّسوية في كلّ حقّ، وأصحابُ النبيّ الصادقون الذين أرادوا الحياةَ كرماً وإخاءً طيّباً يجمع الناسَ لا محرومَ فيهم ولا حارم. وهناك المستنفعون بالظلم والوجهاء والطامحون إلى الرّاحة تأتيهم عن طريق الغصب والنهب والتّحالُف على الشعب الجائع الظمآن.


[ 230 ]

وكان على رأس الفريق الأوّل عليّ بن أبي طالب، وكلّ مَن رغب في عد وحقٍّ والاه! وكان على رأس الفريق الثاني معاوية بن أبي سفيان، وكلّ مَن طاب له أن يمشي في الأرض جَوراً ماشاه! وكان جزاء أولئك من النّفس والوجدان. وكان جزاء هؤلاء من كفّ ابن أبي سفيان! وتبادَل الناسُ مطارحَهم فسار من جماعة معاوية إلى عليٍّ قومٌ عادلون. وخلّى عليّاً إلى معاوية الوجهاء والمستنفعون. وإليك أخبار نفر ممّن آثروا معاوية على علي ومنها تُدرك الطبائعَ الغالبة على أولئك الناس، كما تدرك العلّة العميقة في مفارقتهم ابنَ أبي طالب وانتصارهم لابن أبي سفيان:

استعمل عليّ رجلاً يدعى زيد بن حجبة التّيمي على الريّ ومقاطعة خرى، فجمع منهما مالاً كثيراً واحتجَنَه لنفسه. فبلغ الأمرُ عليّاً، فحبَسه وجعل عليه حارساً اسمه سعد. وكان أن نام سعدٌ فقام يزد إلى ركائبه ودفَع نفسَه في طريق دمشق ملتحقاً بمعاوية، وقال:

وخادعتُ سعداً وارتمت بي ركائبي *** إلى الشام واخترت الذي هو أفضلُ

وغادرتُ سعداً نائماً في غيابة *** وسعدٌ غلامٌ مستهامٌ مضلّلُ

وبعث يزيد بن حجبة إلى العراق بشعر يهجو به عليّاً ويُخبره أ نّه من أعدائه. وأجزال له معاويةُ العطاءَ فمدحه ومدَح أهلَ الشام ورأى أنّ أرضهم مقدسة، وأ نّهم هم أهل اليقين والإيمان:

أحببتُ أهلَ الشام مِن بين المَلاَ *** وبكيتُ من أسف على عثمانِ

أرضٌ مقدّسةٌ، وقومٌ مِنهُمُ *** أهلُ اليقينِ وتابِعوا الفُرقان

واستعمل عليٌّ رجلاً آخر يدعى القعقاع بن شور على كسكر، فراح القعقاع ينهب المال من الناس نهباً ويختزنه لنفسه أو ينُفقه في سبيلها. ومن إنفاقه أ نّه تزوّج امرأة فأصدَقَها مائة ألف درهم. ولمّا أُخبرَ أنّ عليّاً علِمَ بأمره خشيَ العتاب والعقابَ، فجمع ما سرقه من أموال الشعب وهرب به إلى معاوية.


[ 231 ]

وحَدّ عليٌّ النجاشيَ بن كعب في إثمِ أثِمَه وكان النجاشيّ من أنصار عليّ، فما أطاق أن يجري عليه ما يجري على سائر الناس من عقاب على الإثم، فلحقَ معاويةَ لأ نّه أمّنَه، وهجا عليّاً يخشاه إن أخطأ. وممّا قاله:

ألاَ مَن مبلغٌ عني عليّاً *** بأني قد أمنتُ فلا أخافُ

وغضبت للنجاشي اليمانية لأ نّهم منهم وانحرف منهم كثيرٌ عن عليّ. وكثر عدد المنحرفين اللاحقين معاوية بكثرة الذين يريدون الدنيا لأنفسهم وحدهم. وما كان من طبائع الناس كلّهم أن يتحمّلوا الحقّ وأن يقولوه ويفعلوه. ولا كان من طبائعهم كلّهم أن يوالوا عليّاً الذي يشتدّ بالحقّ على نفسه وذويه والخلق جميعاً فلا ينحرف عنه ببعض ما يرضيهم. والن خصصتُ بالقول فئةً من الناس فإنّما أخصّ الوجهاء والأثرياء والمستنفعين. فكيف لا يلحق معاويةَ ويترك عليّاً ذلك الوالي الذي يبعث إليه عليٌّ يقول: «وإنّي أُقسم بالله صادقاً، لَئن بلَغني أنك خنتَ من فيء المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً، لأشدّن عليك شدّةً تدَعك قليلَ الوفر، ثقيل الظهر، ضئيلَ الأمر!» أو ذاك الآخر الذي يتلقّى من عليّ مثلَ هذا الكتاب: «بلغني أنّك جرّدتَ الأرضَ فأخذتَ ما تحت قدميك، وأكلتَ ما تحت يديك، فارفع إليّ حسابك!»

كيف يستطيع العاديّون من الخَلق أن يرتفعوا إلى هذا المستوى العظيم من صفة الإنسان الحقّ فيقبل وجيهُهم أو واليهم أن يقول له عليّ: «ولئن كان ما بلغني عنك حقّاً، لَجَمَللا أهلِك وشِسع نعلك خيرٌ منك!»

كيف يرضى الأثرياء والمتنفّذون وكانزو الفضّة والذهب والظالمون وشركاؤهم والراضون بالظلم أن يكون الأمر لعليٍّ وهو الذي يريد المال لمنافع الناس كلّ الناس، ويريد النفوذ للكفاءة وفي سبيل العامّة، ويحارب الظالمين وشركاءهم ويثير عليهم الناس ويلعن الراضين بالظلم ولو قليلاً!


[ 232 ]

وكيف يرضى الغاصبون أن يحكمهم مَن يقول: «واللهِ لأن أبيتُ على حسَك السعدان مسّهداً وأُجرّ في الأغلال مصفّداً، أحَبُ إليّ من أن أكون ظالماً لبعض العباد وغاصباً لشيء من الحِطام!» كيف لا ينحرفون عن رجل يعلن على مسامعهم أ نّه مسؤول عن محاربة الظلم والظالمين والآخذين بغير الحقّ، وأ نّه لولا هذه المسؤولية التي يحسّها واجباً يحيا من أجله، لأرسل الأمورَ تجري كما تشاء وترك الناسَ لأنفسهم وهم بين آكل ومأكول. يقول عليّ: «ولولا ما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سَغَب مظلوم، لألقيتُ حبلَها على غاربها ـ أي لَتركتُ الأمور كما هي ـ ولَسقيتُ آخرها بكأس أوّلها، ولألفَيتم دنياكم هذه أزهدَ عندي من غفطةِ عنز!»

كيف يرضى الغادرون أن يولّوا أمورَهم مَن يقول فيهم وهم أبناء زمانه: «ولا يغدِر مَن علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثرُ أهله الغدرَ كَيساً ـ عقلاً ـ ونسَبَهم أهلُ الجهل فيه إلى حسن حيلة».

لذلك كان المنحرفون عنه من أصحاب الوجاهات والثراء غير المشروع والراغبين في أن يُطلق معاوية أيديهم في بيوت الأموال وجهود الناس. أمّا غير هؤلاء من المنحرفين عنه فقد كانوا ممّن لا يقدرون مصالحهم في المدى البعيد ومن أهل الغباء الكثير. وقد سبق لنا أن تحدّثنا عن تنظيم أحوال الناس فيمابينهم يومذاك فقلنا إنّهم كانوا مقسّمين شِيَعاً تأمر كلّ شيعة منهم بنافذ أو وجيه وقد لا تسأل هذا الوجيهَ فِيمَ غضبَ وفيمَ رضي. وقد أكثر عليٌّ من وصف هذا النمط من الناس في زمانه وصفاً فيه التوجّعُ وفيه الألم، وفيه سخطُ الأب الحكيم المحبّ على الأبناء الأغبياء المنحرفين عن خيرهم إلى ما فيه هلاكهم وهم يعلمون أو لا يعلمون! يقول عليّ في أبناء عصره: «إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهّالاً!» ويخاطبهم قائلاً: «لا يُنام عنكم وأنتم في غفلة ساهون!» ويتحدّث عنهم ساعةَ يدعوهم للثورة على أهل البغي، يقول: «فمنهم الآتي كارهاً، ومنهم المعتلّ كاذباً،


[ 233 ]

ومنهم القاعد خاذلاً!» ثم يقول فيهم أيضاً: «سائلهم متعنّتٌ، ومجيبُهم متكلَّف، يكاد أفضلُهم رأياً يردّه عن فضل رأيه الرّضا والسخط، ويكاد أصلبُهم عوداً تَنكَأه اللحظةُ وتستحيلّه الملمةُ الواحدة».

وفي هذه العبارة الأخيرة لابن أبي طالب وصفٌ رائع لطبائع الفئة المنقادة من ناس زمانه. فإن كان فيهم ذو رأي، كما يقول، غلَبه على رأيه هواه إن سُخطاً وإن رِضاً. فإذا رضيَ حكَم لمن استرضاه بغير حقّ. وإذا سخط حكم على مَن أسخطَه بباطل. أمّا أصلبُهم عوداً فتأخذ بقلبه نظرةٌ واحدةٌ إلى ما يشتهيه فتُحوّله عمّا هو عليه، ويميل إلى موافقة الباطل ومؤازرة الجائر بكلمة من نافذ أو راش أو وجيه!

*

لمّا انتقل مركز المؤامرة على ابن أبي طالب إلى الشام بعد هزيمة أصحاب الجمل، راح يعسوب الأمويّين معاوية بن سفيان يشتدّ في تأليب النافذين على عظيم الكوفة، بصورة أرادها عاجلةً وحاسمة. فهو ما كاد يطّلع على أوّل كتاب من عليّ إليه، حتى أخذ يبعث إلى مَن يرجو مناصرتهم أن يوافوه على عجل إلى الشام. وكان أخطر هؤلاء شأناً عمرو بن العاس، لذلك بعث إليه معاوية من ليلته الأولى أن يأتيه وكتب إليه: «أمّا بعد، فإنّه قد كان من أمر عليّ وطلحة والزبير وعائشة ما قد بلغك، فقد سقط إلينا مروان من رافضة أهل البصرة وقدم عليّ جرير بن عبدالله في بيعة عليّ، وحبستُ نفسي عليك حتى تأتيني على بركة الله تعالى!»

فلمّا انتهى الكتاب إلى عمرو بن العاص دعا ابنَيه عبدالله ومحمداً فاستشارهما فقال له عبدالله: إن رسول الله قُبض وهو عنك راض. ومات أبو بكر وعمر وهما عنك راضيان، فإنك إن تفسد دينك بدنيا يسيرة تُصيبها مع معاوية فتضجعان غداً في النار!

ثم التفتَ عمرو إلى ابنه محمد فقال: ما ترى؟ فقال: بادر هذا الأمرَ


[ 234 ]

فكن فيه رأساً قبل أن تكون ذنباً. فلمّا أصبح عمرو دعا وردانَ مولاه وقال له: ارحل يا وردان؟ ثم قال: حطّ يا وردان! فحَطّ ورحل ثلاث مرّات، فقال وردان: لقد خلطتَ يا أبا عبدالله، فإن شئتَ أخبرتُك بما في نفسك. فقال عمرو: هات. قال وردان: اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك فقلتَ: عليّ معه آخرة بلا دنيا ومعاوية معه دنيا بلا آخرة. والرأي أن تقيم في منزلك فإن ظهَرَ أهل الدين عشتَ في عفو دينهم، وإن ظهَر أهل الدنيا لم يُستعنَ عنك.

غير أنّ وعود معاوية كانت تغري عمراً فوق ما تُقنعه نصيحة مولاه وردان وابنه عبدالله، فكان أن انضمّ إلى معاوية والأمويّين ضدّ عليّ. ولمّا كان ابن العاص مساوياً لابن أبي سفيان من حيث الخطورة في المؤامرة على عليّ، فقد بات ضروريّاً أن نُلمّ بعض الإلمام بأخباره لندرك الأسباب البعيدة التي دفعته إلى مخالفة معاوية، ثم لندرك قيمة هذا التحالف بالمقياس الإنساني.

كانت روح المساومة للمنفعة أوّلَ ما ظهر من سياسة ابن العاص قبل إسلامه. ولا يمكن نقضُ هذه الحقيقة عنه وهو نفسه الذي يخبرنا بها إذ يقول: «لمّا انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق، جمعتُ رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون منّي فقلتُ لهم: تعلمون، والله، إنّي أرى محمّداً يعلو الأمورَ علوّاً منكَراً. وإني لقد رأيتُ أمراً فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قلت: رأيتُ أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهَرَ محمّد على قومنا كنا عند النجاشي، وإن ظهرَ قومُنا فنحن مَن قد عَرفوا، فلن يأتينا منهم إلاّ خير. قالوا: إنّ هذا لَرأي! قلت: فاجمعوا لنا ما نهديه له الخ...»

وظلّ حبَ الانتفاع بالظرف والمناسبة متأصّلاً في نفس عمرو، شأنه في ذلك شن معظم الوجهاء الذين حارَبهم أبو بكر وعمر وعليّ. وقد مرّ بنا أنّ عمر صادَرَ ابنَ العاص في كلّ ما أفادَه من مال مصر، فاعتلّ عمرو


[ 235 ]

بعلّة لم تُقنع ابنَ الخطّاب الذي كتب إليه يقول: «ولكنكم معشرَ الأمراء قعدتم على عيون الأموال ولن تُعدموا عذراً وإنّما تألون النار وتتعجّلون العار! وقد وجّهتُ إليك محمّد بن مسلمة فسلّم إليه شطرَ مالك!» فلمّا قدِمَ محمدٌ صنَع له عمرو طعاماً ودعاه فلم يأكل، وقال: «هذه تقدمة الشرّ، لو جئتَني بطعام الضيف لأكلت. فنخِّ عني طعامك وأحضر لي مالك!» فأحضرَه، فأخذ شطرَه، فلمّا رأى عمرو كثرة ما أخذ منه قال: «لعن الله زماناً صرتُ فيه عاملاً لعُمَر! واللهِ رأيتُ عُمَرَ وأباه على كلِّ واحد منهما عباءَة قطوانية لا تُجاوز ركبتيه وعلى عنقه حزمةُ حطب، والعاص بن وائل ـ والد عمر ـ في مزرّرات الديباج!»

ففي هذا الخبر شيءٌ كثيرٌ ميل عمرو إلى الانتفاع المادّي بالنفوذ والسلطان. وفيه عدا ذلك شيءٌ كثيرٌ من ذهنيّة الوجهاء ومقاييسهم الملتوية. فهو لم يجد في عمر بن الخطّاب مَطعناً إلاّ أنّ عمر وأباه كانا فقيرين لا يملكان ما يستتران به، وأنّهما كانا يعملان بأيديهما فيحملان على عنقيهما حِزَمَ الحطب. وهو لم يجد في أبيه العاص بن وائل فضيلةً أجلّ من أ نّه كان مزرّراً بالديباج! وهو في الحالتين لو أنصفَ وخالَفَ النظرَ الجاهليّ إلى الأمور، لَرأى أنّ ما ظنّه مَطعناً في ابن الخطّاب إن هو إلاّ الشرف والنبل الكثيران. وأنّ ما ظَنّه فضيلةً في العاص بن وائل إن هو إلاّ خرافةٌ قديمة.

ولا يظنّنّ القاريء أنّ هذا القول نزوةٌ من ابن العاص في موقف له من ابن الخطّاب. فإنَّ مدلوله أمرٌ ثابتٌ في نفسه. ففي الناس لديه شريفٌ ومشروف. ولا يكون هذا «الشرف» إلاّ نيتجةً للنسب، لا لشيء سواه. والشريف له من الحقوق ما ليس لغير الشريف، وعلى الناس من الطاعة له فوق ما لبعضهم على بعض. وقد اتّفق المؤرِّخون على أ نّه «كان من رأي عمرو ابن العاص في سياسة مصر أنّ الذي يُصلح هذه البلادَ وينميّها، ويُقرّ


[ 236 ]

قاطنَها فيها، ألاّ يُقبّل قولُ خسيسها في رئيسها(1)».

وهكذا كانت تتمازج في نفسية عمرو أهواء قديمة تحكم لصاحب النسب بحقّ في الاستئثار والاستعلاء ليس لسائر الناس، وميولٌ إلى الانتفاع بالظرف المؤاتي والمناسبة الطارئة. وقد يضطرب خاطره بين حالين من الرضا بسلامة الوجدان، وتعطيلِ هذا الوجدان في سبيل المنفعة. ولكن سرعان ما تتغلّب الحال الثانية فإذا هو عازمٌ على أن ينتفع. من ذلك ما رأيناه من اضطرابه ساعةَ دعاه معاوية إليه، ثم ما كان من عزمه على الرحيل إلى الشام. وينسب الرّواة إلى الن العاص قصيدةً قالها وهو في طريقه إلى معاوية، وفيها إعلانٌ عن رأيه في كلٍّ من عليّ ومعاوية، فإذا عليٌّ في رأيه شيءٌ كثير وإذا معاوية شيءٌ آخر. وإذا له نفسانِ واحدةٌ تعفّ عن اللحاق بمعاوية وأخرى تأمر بهذا اللحاق. وإذا به يخم قصيدته قائلاً:

فاخترتُ من طمَعي دنيا على بصر *** وما معني بالذي أَختارُ برهانُ

إنّي لأعرفُ ما فيها وأُبصرُه *** وفيَّ أيضاً لِما أهواهُ ألوانُ

لكنّ نفسي تحبّ العيشَ في شرف *** وليس يرضى بذلّ العيش إنسانُ

والعيش في شرف لا يراه ابنُ العاص اليومَ إلاّ في المغانم المادّية والوعود الأموية، كما أ نّه لم يرَهُ بالأمس في عهد ابن الخطّاب إلاّ في مزرّرات الديباج على أبيه العاص بن وائل. وذُلّ العيش لا يراه اليومَ إلاّ في نُصرةِ عليّ الذي لا يساومِ ولا يساوَم، كما أ نّه لم يرَه بالأمس إلاّ في العباءَة الفقيرة التي يلبسها ابنُ الخطّاب وأبوه!

وحين بلغ ابنُ العاص دارَ معاوية قال له يعسوبُ بني أميّة: «يا أبا عبدالله، إنّي أدعوك إلى جهاد هذا الرجل ـ يعني عليّاً ـ الذي عصى الله وشقّ عصا المسلمين وأظهرَ الفتنة وفرّق الجماعة الخ». فقال عمرو: فما تجعل


1 ـ الإسلام والحضارة العربية ج 2 ص 125.


[ 237 ]

لي إن شايعتُك على حربه وأنت تعلم ما فيه من الخطر؟ قال معاوية: حكمك! قال: تعطيني مصر طعمة ! وجرت بين معاوية وعمرو مكايداتٌ كثيرة يريد كلٌّ منهما أن يخدع الآخر مستهدفاً ما ينفعه دون رفيقه في المؤامرة. وانتهت هذه المكايدات بالمساومة التي انكشفت عن مبايعة عمرو لمعاوية بالخلافة وعن إعطاء معاوية مصر وأهلها طُعمةً لعمرو لا يُسأل عن أمره في أرض ولا سكّان. وكانت هذه المساومة على حساب عليّ الذي لخّصَ هذا اللقاءَ بين الرجلين وكيف انتهى، بهذه الكلمات: «ولم يبايع ـ يعني عمراً ـ حتى شَرَط أن يُؤتيه ـ معاوية ـ على البيعة ثمناً. فلا ظفِرت يدُ البائع وخزيت أمانةُ المبتاع. فخذوا للحرب أُهبتَها وأعِدّوا لها عدّتَها!» وقال عليٌّ في هذ الموضوع أيضاً: «لقد نميَ إليّ أنّ عمراً لم يبايع معاوية حتى شرَط عليه أن يأتيه أتاوةً هي أعظم ممّا في يديه من سلطانه ـ يقصد ولاية مصر ـ فصفِرت يدُ هذا البائع دينَه بالدنيا، وتربِت يدُ هذا المشتري نصرةَ غادر فاسق بأموال الناس!»

ولم يكتفِ عمرو بهذا القدر من العمل لمنفعة نفسه وحسب، بل إنّه راح يوجّه معاوية في دعاية منظمّة ضدّ عليّ استعداداً للمعركة المقبلة. وممّا أشاره عليه: «فابعث ثقاتُك فليُفشوا في الناس أنّ عليّاً قَتَل عثمان!» هذا وهو يعلم أنّ عليّاً بريءٌ من دم عثمان، كما يعلم أنّ له هو اليد الطولى في قتله على ما رأيناه في فصل «المحرّضون على عثمان». ولمّا طلب معاوية إلى عمرو أن يسوّي صفوفَ أهل الشام عند بدء معركة صفّين، لم يشأ عمرو أن يلبّي الطلب قبل أن يستوثق من حصوله على الثمن، فقال لابن أبي سفيان، «على أنّ لي حكمي إن قُتل عليّ بن أبي طالب واستوثقت لك البلاد!» وممّا يدلّ أيضاً على ما تميّز به عمرو من روح المساومة طلباً للمنفعة، أ نّه حين اجتمعَ إلى أبي موسى الأشعري يومَ التحكيم المشهور، أخذَ فريقٌ من المجتمعين مع الرجلين يُدلون بآرائهم في مَن تجب أن تؤول إليه الخلافة،


[ 238 ]

راح أبو موسى يوجّه أنظار القوم إلى عبدالله بن عمر بن الخطّاب ويذكر أ نّه أجدرُ بالمبايعة، وقال غيرَ مرّة: «واللهِ إن استطعتُ لأحيَينّ اسمَ عمر بن الخطاب». فقال له عمرو بن العاص: «إن كنتَ إنّما تريد أن تبايع ابنَ عمر لدينه، فما يمنعك من ابني عبدالله وأنت تعرف فضلَه وصلاحه!»

وهكذا ساوَمَ عمرو مساومةً وجّهَها ضدّ معاوية نفسه، وهو قائدُ جنده في المعركة، وآخذ العهد منه بحُكم مصر، ووكيله في هذا المؤتمر، وصاحب الحيلة في خبر التحكيم.

لقد كان كلٌّ من معاوية وعمرو على ثقة بأ نّه يتجنّى على عليّ. مؤمناً في أعماق نفسه بأنّ عليّاً أفضل من صاحبه، ساعياً لنفسه دون شريكه. وكان الرجلان على وفاق ظاهراً، ولكنّهما يتباغضان سرّاً، وهذه طبيعة الشركاء في العدوان. وقد ظهر على صفحات وجهيهما وفلتات لسانيهما ما يؤكّد ذلك. قال معاوية لجلسائه مرّةً بعد موقعة صفين: «ما أعجب الأشياء؟» دألى كلٌّ من الجالسين برأيه، حتى إذا كان دور عمرو بن العاص قال: «أعجب الأشياء أنّ المُبطل يغلب المحقّ» معرّضاً بمعاوية وعليّ! فقال معاوية من فوره: «بل أعجب الأشياء أن يُعطى الإنسانُ ما لا يستحقّ إذا كان لا يخاف» معرّضاً بعمرو بن العاص وولايته على مصر!

ودليلٌ آخر يعطيه عمرو نفسُه على حقيقةِ رأيه في كلّ من عليّ ومعاوية، فيُظهر لنا إلى أي مدىً خدع ذاتَه وزيّفَ رأيه ساعة ماشى ابنَ أبي سفيان وعادى عليّاً. كما يُظهر لنا ضآلةَ المعاني الإنسانية لدى أعوان معاوية، ومقدارَ ما هم عليه من خيانة لحقيقة الرأي الذي يرون. فإن معاوية ما استتَبَ له الأمر أو كاد، بعد مقتل عليّ حتى تلَكّأ في تولية عمرو بن العاص على مصر. فطالَبَه عمرو بالوفاء بما قطع له من عهد، فظلّ معاوية على تلكّؤه أيضاً. فبعث عمرو له بقصيدة طويلة يقول فيها:

معاويةُ، الفضلَ لا تنسَ لي *** وعن منهج الحقّ لا تعدلِ


[ 239 ]

نصرناك من جهلنا، يا ابنَ هند، *** على السيّدِ الأعظمِ الأفضلِ

وما كان بينكما نسبةٌ، *** فأين الحسامُ من المِنجل!

وأين الثريّا وأين الثرى، *** وأين معاويةٌ من علي!

وعلى أثر هذه القصيدة أعطاه مصر!

ومن الأدلة الساطعة على هذا التنافر بين الرجلين اللذين لم تجمع بينهما إلاّ مصالح متبادلة، أن عمراً هجا معاويةَ بشعر معروف على أثر كلمة سمعها منه فآذته ساعةَ أوفد معاوية لإحكام مؤامرة التحكيم واستغلال غباوة أبي موسى الأشعري، فإذا بمعاوية بأمر صاحبه عبدالرحمن بن أمّ الحكم بالرّد على عمرو وبهجوِه. فهجاء عبدالرحمن، وهدّده، ولعَنَه. وعيّرَه بفراره من عليّ يوم صفّين، قال:

دعِ البغيَ الذي أصبحتَ فيه *** فإنّ البغيَ صاحبُه لعينُ!

ألم تهرب بنفسك من عليٍّ، *** بصفّين، وأنت بها ضنينُ؟

حذاراً أن تُلاقيك المنايا، *** وكلُّ فتىً سيدركُه المنونُ!

وماذا يقول القائل بهذين الرجلين اللذين يتفاهمان بمثل هذا التهديد هذا الشتم وهذا التعيير «اثّئاراً» للخليفة «الشهيد» وانتقاماً من عليّ «الظالم!»

أمّا السابقون لهذه الفِتَن والأحداث، فقد أدركوا حقيقةَ معاوية وحقيقةَ عمرو في مجال الأطماع والميل إلى المغانم. من ذلك ما أدركَه عمرُ ابن الخطاب بفهمه الألمعيّ لطبائع الرجال إذ حذَّر الناسَ من معاوية وابن العاص قُبَيلَ موته بساعات، قال: «يا أصحاب محمّد تناصحوا، فإنّكم إن لم تفعلوا غَلَبَكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان!» وأمّا اللاحقون فقد تأكّدوا من صحّة نظر ابن الخطاب، فكان فيهم قومٌ يحتكمون في كثير من الأمور إلى العقل والوجدان، فخوّنوا معاوية وعمراً في موقفهما من عليّ، كما فعل المعتزلة أجرأُ الفِرقَ الإسلامية على تحليل أعمال


[ 240 ]

الرجال ونقدهم، فإنّ «أكثرهم تَبرّغأ من معاوية عمرو بن العاص» على ما يقول صاحب المنية والأمول، وقد نسَبوهما إلى سرقة أموال العامّة(1).

لقد كان معاوية، كما وصفه عليّ، «رحب البلعوم مندحق البطن يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد». وكان عمرو بن العاص «يقول فيكذب ـ كما يصفه عليّ أيضاً ـ ويعِد فيُخلف، ويَسأل فيُلحِف، ويُسأل فيبخل، ويخون العهد!» فهذه الصفات في الرجلين هي التي قرّبت بينهما. فالبلعوم إذا كان رحباً يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد، لا يعنيه من المأكول والمطلوب ما كان حلالاً أو حراماً، ولا يفقَهُ من معاني العدل والجور ما يأخذ منها في سموٍّ أو انحدار، والرجل إذا كذب وأخلف وسأل وألحف وبخل ونقض العهد، فما يفعل إلاّ ابتغاءً لمنفعة يراها في بعض هذه الأمور أو فيها جميعاً. فالمفنعة، كا يُستخلص من كلام عليّ، هي محوَر أعمال الرجلين! فما عليهما لو اتّفقا على غدر وفي هذا الاتّفاق ما يفيدان منه وإن كان واحدهما لا يودّ الآخر؟ وفي مثل هذا المعنى يقول عليٌّ: «وقرأت كتابَ الفاجرَين المتحابّين في عمل المعصية الخ» يقصد معاوية وابن العاص.

*

لقد أحكم القومُ المؤامرة على عليّ إحكاماً واعياً منظّماً، وكثُرَ المتآمرون فاختلفَ بعضُهم عن بعض بالهدف والغاية، ولكنّهم اتّفقوا جميعاً على ألاّ يساقوا بعصا الحقّ في يد عليّ. وكان معاوية صاحب اليد الطولى في هذه المؤامرة وفي إحكامها، وما الآخرون إلاّ أعوانٌ وأنصار. وهنالك ما يرجّح أنّ معركة الجمل لم تكن لتقع لولا معاوية الذي كان يحرّكها من وراء الستار. ودليلنا على هذا أ نّه لمّا بويع عليّ، أسرع معاوية إلى رجل من بني عميس وبعتَه إلى الحجاز ومعه هذا الكتاب إلى الزبير: «بسم الله الرحمن الرحيم، لعبدالله الزبير أميرالمؤمنين من معاوية بن أبي سفيان. سلامٌ عليك، أمّا بعد،


1 ـ راجع فجر الإسلام ص 294.


[ 241 ]

فإني قد بايعتُ لك أهلَ الشام فأجابوا واستوسقوا كما يُستوسق الحليب. فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك اليهما ابنَ أبي طالب فإنّه لا شيء بعد هذين المصرين، وقد باعيتُ لطلحة بن عبيدالله من بعدك، فأظهرا الطلبَ بدم عثمان، وادعُوا الناس إلى ذلك وليكن منكما الجدّ والتشمير. أظفرَ كما الله وخذل مناوئكما!» فلمّا وصل هذا الكتاب إلى الزبير سُرّ به وأعلم به طلحة وأَقرأَه إيّاه، وخُدع الرجلان بنصح معاوية لهما، وأجمعا الرأي عند ذاك على خلاف عليّ. فكانت وقعة الجمل وكان لمعاوية ما أراد من إضعاف الخليفة والطامحين إلى الخلافة جميعاً. وما انتهت المعركة على ما انتهت عليه حتى راح يبذل الوعود والأموال للنافذين والزعماء ويضاعف الأعطيات حيث يتوسّم مناصرةً أو يرجو غضَّ طرف ولا السكوت من امره وأمر عليّ. وراح يغدر ويضلّل حيث لا يرجو المناصرة ولا السكوت عن الإثم. وكان رأس مناصريه في هذه المؤامرة عمرو بن العاص الذي ما علم عليٌّ بأمره مع معاوية حتى أكبرَ نفسَه عن مداراته واسترضائه كما كان يُبرها أبداً عن كلّ مواربة مهما قست الأحداث ومهما عظُمت المصيبة، فكتب إليه يقول:

«فإنك قد جعلتَ دينك لدينا امرىء ظاهر غَيُّه، مهتوك سترُه، يشين الكريمَ بمجلسه ويسفّه الحليمَ بخِلطته، فاتّبعت أثَره وطلبتَ فضلَه اتَباع الكلب للضرغام: يلوذ إلى مخالبه وينتظر ما يلقي إليه من فضل فريسته، فأذهبتَ دنياك وآخرتك! ولو بالحقّ أخذتَ أدركتَ ما طلبت، فإن يمكنّي الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزِ كما بما قدّمتما، وإن تُعجزاني وتبقيا فما أمامكما شرٌّ لكما! والسلام».


[ 242 ]


[ 243 ]

الرّياح السّافيات

* أَلاَ إنّه عليّ بن أبي طالب الذي تتمزّق بسيفه الظّلُمات، وتنقضُّ على عدوهِ الرعودُ القاصفات، وتذروهم الرياحُ السافيات، فإذا به هولٌ يدفعُ هولاً وفي عينيه دموعٌ تَحوَّلتْ شراراً، وفي حناياه عطفٌ توَقّدَ ناراً! * أَلاَ إنّه مَخْبَأُ الفقير من الريح، وسترةُ الضعيف من السّيل، ومَوئِلُ العاجزِ من الزوبعةِ المُهلكة، وصاحبُ الظلِّ في الظهيرةِ المحرِقة، كالليل! * أَلاَ إنّه عليّ بن أبي طالب الذي سيقول فيه الدهرُ وفي سيفه مع القائلين: لا سيفَ إلاّ ذو الفقارِ، ولا فتىً إلاّ علي! وبعد زمن كان معاوية في ما يزيد عن ماية وعشرين ألف مقاتل من أهل الشام يقطع الأرض إلى العراق. ونزلوا عند نهر الفرات في وادي صفّين على مقربة من الرقّة سبقاً إلى سهولة الأرض وسَعَة المناخ. وصفّين واد تفصله عن شاطىء الفرات أرضٌ مستنقعة يكثر فيها الشجر والعيون.

وقدمَ عليّ بجيشه من الكوفة مجتازاً بالمدائن والرقّة وقصده تأديب معاوية


[ 244 ]
بالحسنى إذا أمكن، وإلاّ فبالسيف. فلمّا أدرك صفّين وجد فَيلقاً من جند معاوية قد عسكروا إلى جانب المياه ليحولوا بينها وبين جيشه. فبعث إلى معاوية يقول: «إن الذي جئنا له غير الماء، ولو سبقناك إليه لم نمنعك منه!»

وحاول عمرو بن العاص إقناع معاوية بالاّ يحاول أن يمنع عليّاً وجيشه من الماء لأن عليّاً ذو بأس، وهو لن يظمأ وبيده أعنّة الخيل. فقال معاوية: «هذا، واللهِ، أوّل الظفر. لا سقاني الله من حوض الرسول إن شربوا منه حتى يغلبوني عليه». وقد بلغت الحال بعصابة معاوية أو واجهوا عليّاً بهذا القول الصريح : «ولا قطرةً حتى تموت عطشاً!» وكان في موقف غير ملائم من الناحية العسكرية; ولكنه أرسل عليهم الأشتر النخعي فاستبسل هذا حتى أجلاهم عن الماء ووضع سنابك خيله بالفرات، فشمت عمرو ابن العاص بمعاوية على ما يرويه ابن قتيبة وقال: «ما ظنّك إن مَنَعك عليّ الماءَ كما منعتَه أنت; أتراك ضاربهم كما ضربوك؟ ولكنّ عليّاً لا يستَحلّ منك ما استحللتَ منه!»

وحاول بعض أصحاب عليّ إقناعه بأن يعامل معاوية وجيشه كما عاملوه فيمنعهم من الماء. فأبى الرجل العظيم على أصحابه هذه المحاولةَ وأتاح لخصومه ورودَ الماء أُسوةً بأصحابه. قالوا له: «امنعهم الماءَ يا أميرالمؤمنين كما منعوك، ولا تسقِهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش وخُذهم قبضاً بالأيدي فلا حاجة إلى الحرب!» فقال: «لا واللهِ لا أُكافئهم بمثل فعلهم. أَفسحوا لهم عن الشريعة!» ولو كان في جيش معاوية قبسٌ من الخلق الكريم لأدركوا، بهذ الحادث، حقيقة كلٍّ من معاوية وعليّ، ولَعرفوا لأيّةِ طائفة من الخلق ينتمي كلٌّ من الرجلين، ولوَثِقوا أنهم بمناصرتهم معاوية على عليّ إنّما يناصرون إنتهازياً على نبيّ!

أمّا عمرو بن العاص فكان قد باع، منذ زمن، كلّ قيمة وكلّ خير بولايته


[ 245 ]
على مصر، وإلاّ فكيف نفسّر بقاءَه على موالاة الرجل الذي لا يراه إلاّ ضئيلاً قليلاً إلى جانب الإمام العملاق!

وسبّ أهلُ الشام عليّاً سبّاً لا يليق، وكان ذلك على مسمع من معاوية ورضى. بل ربما كان معاوية هو الذي أوحى به أو أمَرَ، على نحو ما فعل فيما بعد. وفي كلا الحالين ما يعيبُ معاويةَ ويجعل شأنه غضيضاً في مقاييس الرجال. وسمع أهلُ العراق السبابَ فجاؤوا بمثله ردّاً على أهل الشام. فبلغ ذلك عليّاً فرأى به منقصةً على جيشه وأمراً يَشينُ الكرامات، فخطب أصحابه بهذه الكلمات التي تضاف إلى دستوره في مخالقة الناس لا فرقَ فيهم بين صديق وعدوّ. قال: «إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوبَ في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم: اللهمّ احقن دماءَنا ودماءَهم وأصلح ذات بّيننا وبَينهم، واهدِهم من ضلالتهم حتى يعرف الحقّ مَن جَهلَه، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لِهج به!» وسعي عليّ، كما هي عادته أبداً، أن يقطع أسباب القتال بخطوات جريئة يخطوها نحو السلام، فما أفلح في ما سعى إليه. وظلّ أياماً يفتح أبواب المروءَة فلا يبلغ من أهل الشام أو ضميراً. واستبطأ أصحابُه إذنَه لهم في القتال، فقال:

«أمّا قولكم أكلّ ذلك كراهية الموت؟ فوالله ما أُبالي أدخلتُ على الموت أو خرج الموتُ إليّ! وأمّا قولكم: أشكّاً في أهل الشام؟ فوالله ما دفعتُ الحرب يوماً إلاّ وأنا أطمع أن تلحقَ بي طائفةٌ فتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي، وذلك أحبّ إليّ من أن أقاتلها على ضلالها وإنْ كانت تبوءُ بآثامها!»

ولمّا تأكّد لعليّ أنّ أهل الشام لن يتراجعوا عن غيّهم ولن يأنفوا الفجور بل إنهم موغلون فيه، وأنّ الحرب واقعةٌ لا محالة، قال على مسمع من أصحابه


[ 246 ]

وأصحاب معاوية: «اللهمّ إنك تعلم لو أني أعلم أنّ رضاك في أن أضع ظبّةُ سيفي في بطني ثم أنحني عليه حتى يخرج من ظهري، لفَعلت! اللهمّ إني أعلم ما علّمتَني أني لا أعلم عملاً صالحاً هذا اليومَ هو أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلمُ اليوم عملاً هو أرضى لك منه، لفَعلت! ثم قال:

«اللهمّ ربّ هذه الأرض التي جعلتها قراراً للأنام»، ومدرجاً للهوامّ والأنعام، وما لا يُحصى مما يُرى وممّا لا يُرى; وربّ الجبال الرواسي التي جعلتَها للأرض أوتاداً وللخلق اعتماداً، إن أظهرتَنا على عدوِّنا فجنِّبنا البغي وسَدّدنا بالحقّ! وإن أظهرتَهم علينا فارزقنا الشهادة واعصمنا من الفتنة!»

وقُبيَل بدء المعركة ارتجز عمرو بن العاص نظماً يذكر فيه دعاءَه وبعث به إلى عليّ وممّا جاء فيه:

لا تأمَنَنّا بَعدَها، أبا حَسَن *** إنّا نُمِرّ الأمرَ إمرارَ الرّسَن

فأجابه من أهل العراق مجيبٌ قال:

ألاَ أحذروا في حربكم أبا حسن *** ليثاً أبا شبلَينِ، محذوراً فطن

يدقّكم دَقّ المهاريس الطحن *** لَتُغبَنَن يا جاهلاً أيّ غَبَن
حتى تعضّ أو تَقرعَ سِنّ!

وكانت قبائلُ ربيعة في معظمها بجانب عليّ. فتنادَوا قائلين: «ويحَكم، أما تشتاقون إلى الجنّة!» وشدّوا شدّةً عظيمةً واحدة على صفوف أهل الشام فنقضوها وألقوا الذّعرَ فيها وقال محرز بن ثور أحدُ الراجزين من ربيعة:

أَضربُهم ولا أرى معاويَهْ *** الأبرحَ العينِ، العظيمَ الخاويهْ *** هوتْ به في النار أمٌّ هاويهْ *** جاوَرَهُ فيها كلابٌ عاويهْ *** أغوى طغاماً! لا هدَتْه هاديهْ ***


[ 247 ]
وكانوا على ثقة بأ نّهم يناصرون الحقّ، وفي ذلك يقول قائلهم:

قد سارعت في نصْرها ربيعَهْ *** في الحق، والحقُ لها شريعَهْ.

*
وكان بين الفريقين قتالٌ فيه الفناء. وانصبّ عليٌّ على أهل الشام انصبابَ الموت الصاعق لا يضربُ إلاّ أوردَ النار، ولا يطعنُ إلاّ ونَطعنُ الأقدار، ولا يستقبل أحداً من ضواري الفتنة إلاّ ولّى عنه جباناً حَتفُه مِن فوقِه وعُودُه هَشٌّ خَوّار.

وأقسَم بالحقِّ ليتركنّ فريقَ الشيطان بقايا سيوف وفضَلات رماح! وكأنّ شجاعته الفائقة تتفجّر آنذاك رافداً فإذا هوَ الدرعُ والحصنُ والِمجَنّ، بشَعر صدرِه الأسوَد يستقبلُ الضربَ والطعنَ; وبنور جبينه يصعَق الفجّار ويُنكّس الأبصار فإذا بالمغاوير يتشذّرون بين مرعوب ومستطار!

وكأني بجواده الأشهب ما كَرّ إلاّ انبسط له من كلِّ جنب جَناح; وما وضع على الأرض سُنبكاً إلاّ ثبتَ في الأرض كأ نّه عمودِ النار!

وكأني بيمناه ما ارتفعت بذي الفقار إلاّ لتمتدّ وتأخذَ في الفضاء حتى تطال الأفقَ البعيد فتحفر فيه بنور الحقّ آية وآيات!

وكأني بعملاق القتال وأخي غمَرات الموت ما ضربَ أو طعنَ أو كرّ إلاّ ودوّتْ في جنبات الأرض ألف صَيحة هنا وألف صيحة هناك تنطقُ من حناجرَ وأفواه وكلّها تقول:

ألاَ إنّه عليّ بن أبي طالب بطلُ معركة الإسلام، ومعركةِ الحقّ، ومعركة العدالة الإنسانية!

ألاَ إنّه عليّ بن أبي طالب صارعُ عمرو بن ودّ أسد الجزيرة المخيف، يومَ كانت الجنّة تحت ظلال السيوف، وهو صبيٌّ إلاّ بإيمانه!


[ 248 ]
ألاَ إنّه عليّ بن طالب الذي تخلّعت بيديه أبواب القلاع والأبطالُ يهلعون ويُزلزَلون، فتَتَرّسَ بها وهي على كفّه أخفّ من ريشة في جنح طير!

إلاَ عليّ بن أبي طالب الذي لو لقيَ الآدميين واحداً وهم ملءُ الأرض كلّها لَما بالى ولا استوحش ولا حدّثته نفسه إلاّ بصادق البأس!

ألاَ إنّه عليّ بن أبي طالب الذي ما يبالي أدَخَل على الموت أو خرَج الموت إليه.

ألاَ إنّه عليّ بن أبي طالب تيسّر له في معنى القتال ما لم يتيسّر لبشر سواه، إذْ فتحَ له الزُهد بابَ الجهاد وما فتح الزهدُ لغيره إلاّ بابَ الانكفاء، وخلّعَ له العطفُ على المستضعَفين مغاليقَ الحصون، وَدكّ به الحبّ صروح البغضاء، ودفعَه حبّ الناس دفعاً إلى هذا الصراع الرهيب!

ألاَ إنّه عليّ بن أبي طالب الذي تتمزّق بسيفه الظلمات، وتنقضّ على هام عدوّه الرعودُ الصاعقات، وتذروهم الرياح السافيات، فإذا به هولٌ يدفع هولاً وفي عينيه دموعٌ تحوّلت شراراً، وفي حناياه عطفٌ توقّدَ ناراً!

ألاَ إنّه عليّ بن أبي طالب الذي ما امتشق سيفَه في وجهِ جائر إلاّ ضحِك السيفُ ضحكَ العفِّ من متهتك أثيم!

ألاَ إنّه عليّ بن أبي طالب الذي ما تَوامض سيفه في الفضاء وهوى إلاّ وصاحَ معذّبٌ في الحجاز أو العراق أو أرض الشام يقول: بأبي أنت، سيفَ الحقّ ومُنصفَ المظلوم والمحروم؟

ألاَ إنّه عليّ بن أبي طالب مخبأ الفقير من الريح، وسترة الضعيف من السيل، ومَوئل العاجز من الزوبعة المهلكة، وصاحب الظلّ في الظهيرة المحرقة، كالليل!

ألاَ إنّه عليّ بن أبي طالب الذي تخضرّ الأرض حيث حطّتْ له قدمٌ،


[ 249 ]
ويسقط الغيث! فمِن وجهه مياهُ النهر، ومن حبّه أمواجُ البحر تعجّ عجيجاً!

ألاَ إنّه عليّ بن أبي طالب الذي تنبسط له القلوب إمّا صَفَتْ وطابت، وتنقبض عنه إمّا خلتْ من صفاء!

إلاَ إنّه علي بن أبي طالب الذي سيقول الدهر فيه، وفي سيفه، مع القائلين:

لا سيفَ إلاّ ذو الفقارِ ولا فتىً إلاّ علي

ألاَ إنّه عليّ بن أبي طالب فانهزموا يا ضواري الفتنة وإلاّ فما تَعصِمُكم سهولٌ ولا جبال!

*
وكان ما قالت جنباتُ الأرض أمراً محتوماً. فقد أصيب أهل الشام بالإيمان والشجاعة يأتيانهم ضرباً وطعناً من جيش العراق وكأيما أصيبوا بزلزال. فكلّ من صودف منهم طُعن وكلّ من انحاز سقط بالسيف. ولم يبقَ لهم صفّ إلاّ أنهار ولا جمرةٌ إلاّ أُطفئت! إنّهم المعتدون القاسطون يريد قائدهم أن يُختوي نفسَ الجائع ويمنع العطشان أن يشرب؟

وكان المقام بصفّين مائةَ يوم وعشرة أيام. والوقائع بين الفريقين تسعين وقيعة. ويشمل هذا مدّةَ القتال الطويل في جوار صفين وليس مدة المعركة الكبرى التي دامت نحو أسبوعين كاملين، وهي الوقيعة الدامية الرهيبة المعروفة بوقعة الهرير، والتي بلغ عددُ القتلى فيها من الجانبين ماية وعشرين ألف قتيل! وكان في المحاربين من الفريقين إخوانٌ أشقّاء وأبناءُ عمٍّ قتل بعضُهم بعضاً. وممّا قاله الأزديّون في هذه الموقعة: «وما هي إلاّ أيدينا نقطعها بأيدينا وما هي إلاّ أَجنحتنا نحذفها بأسيافنا». وبلغ أصحابُ عليٍّ خلالَ القتال خباءَ معاوية أربعَ مرّات وكادوا يقبضون عليه، ولمّا تَبَيّنَ لابن أبي سفيان أنّ جيشه لا محالةَ مهزومٌ أقع وزاغ واسترحت يداه وارتاع وما استطاع لجأشه تخفيضاً إلاّ بأن يتوارى خلفَ ستر جديد من الحيلة، فدعا


[ 250 ]
بفَرسه لينجو عليه هارباً وابنُ أبي طالب يضرب بسيفه لا يستقبل جماعةً إلاّ تضعضعتْ أركانُهم وزُلزلت أقدامُهم فولّوا هاربين!

ثم إنّه أمر أصحابَه بمواصلة القتال فلعلّ الشيطان يوسّع له ولابن العاص في الحيلة، فاصطدم الفريقان في ملحمة جديدة أسرفاً بها في القتل وأيامُها ثلاثة. ويروي المؤرّخون أ نّه لم يكن في الإسلام بلاءٌ ولا قتلٌ أعظم منه في تلك الأيام الثلاثة!

ويحدّث ابن قتيبة أنّ عليّاً نادى بالرحيل في جوف الليل. فلمّا سمع معاوية رغاءَ الإبل دعا عمرو بن العاص فقال: ما ترى ههنا! قال: أظنّ الرجل هارباً! فلمّا أصبحوا إذا عليّ وأصحابه إلى جانبهم قد خالطوهم. فقال معاوية:

لقد زعمتَ يا عمرو أ نّه هارب؟ فضحك وقال: من فِعلاته والله. فعندها أيقن معاوية بالهلكة ونادى أهلُ الشام: كتاب الله بيننا وبينكم!

ويومئذ استبان ذلّ أهل الشام ورفعوا المصاحف على رؤوس الحراب ثم ارتحلوا فاعتصموا بجبل منيف، وصاحوا: «لا تردّ كتاب الله يا أبا الحسن فإنك أولى به منّا وأحقّ مَن أخذَ به». وكان صاحب هذه الحيلة عمرو بن العاص. وكان أصحاب عليّ يكرهون ابن العاص كرهاً شديداً لأ نّه، كما وصفه اليعقوبي، باع دينه مع عليّ بدنياه مع معاوية.

ورفض علي التحكيم وهو يعرف القوم وما هم عليه من مراوغة واحتيال. واختلف أصحابه اختلافاً شديداً، أيقبلون هذا التحكيم وهم إنّما يحاربون لإعلاء كلمة الله وقد دُعوا إليها، أم يرفضون وقد شعروا بالخدعة بعد أن تمّ لهم النصر أو كاد؟ وأصرّ كلٌّ من الفريقين في جيش العراق على رأيه. أما عليّ، فإن مصيبته بأنصاره كانت أشدّ من مصيته بخصومه لأ نّه كان، كما يقول جبران، نبيّاً في غير قومه وغير زمانه فلم يفهمه حتى أقرب الناس إليه. فقد كان في جيشه، أبداً، قومٌ مشاكسون يخونون عهده ويشغبون عليه


[ 251 ]
سواءٌ في ذلك المغالون في حبّه والكارهون لانتصاره. من هؤلاء الأشعث بن قيس وكان صاحب مطامع; فقد ساءَت نوايا الأشعث هذا وغدر بعليّ وأصحابه أكثر من مرة! ولكنّ غدره في أيام صفّين كان أظهر!

ذهب الأشعث إلى عليّ بعد رفع المصاحف فقال له: «ما أرى الناس إلاَ قد رضوا وسرّهم إن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن. فإن شئت أتيت معاوية، فسألته ما يريد، فنظرت ما يسأل!»

وكثر الجدال بين الفريقين. وعاد الأشعث إلى عليّ ينادي بالتحكيم وعليّ وأصحابه لا يقبلون. ثم كثر أنصار التحكيم; وكان منهم أن أجترأوا على ابن أبي طالب فلم يبالوا بأن يخاطبوه متوعّدين قائلين :

«يا عليّ! أجب إلى كتاب الله عزّوجلّ إذ دعيت إليه، وإلاّ ندفعك برمّتك إلى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفّان. إنّه عرض علينا أن نعمل بما في كتاب الله عزّوجلّ فقبلناه. واللهِ لَتفعلنّها أو لنفعلنّها بك».

وبلغ موقف عليّ الغاية القصوى من الدقة: أيرضى بالفتنة في جيشه أم ينزل عند رأي هؤلاء القوم؟!

وازداد موقفه حرجاً حين ألحَ عليه المعارضون، بزعامة الأشعث بن قيس، أن يستدعي قائدَه الأشتر النخعي من جبهته القتال، وإلاّ اعتزلوه أو غدروا به!

وردّ عليّ قائد جيشه كارهاً. وقبِل التحكيم كارهاً كذلك!

واختار معاوية ومَن معه من أهل الشام عمرو بن العاص. فقال الأشعث لعليّ: إنّا قد رضينا أبا موسى الأشعري ممثلاً لك!

وكان عمرو بن العاص داهية. وكان أبو موسى الأشعرى فيه غفلة! وعليّ يعرف الرجلين حقّ المعرفة. فقال للأشعث: إنّه ليس لي بثقة. وقد فارقني وخذل الناس عني. ثم هرب مني حتى أمّنتُه بعد شهر. ولكن هذا ابن عباس نوليه دلك!


[ 252 ]
فقال الأشعث ومَن معه: لا نريد إلاّ رجلاً هو منك ومن معاوية سواء، ليس إلى واحد منكما بأدنى إلى الآخر!

وفي هذا القول ما فيه من نيّة الغدر بعليّ! وكأنّ قائليه يرغبون في مناصرة معاوية، أو يعملون له!

وظلّ عليّ على إصراره في إبعاد أبي موسى الأشعري عن تمثيله، فقال: فإني أجعل الأشتر النخعي !

غير أنّ الأشعث كان كثير الحسد للأشتر. ففي الأشتر من الوفاء، والعزيمة. وحسن الرأي، والبلاء في الحرب، ما ليس له. وهو، لذلك، في مكانة من نفس عليّ لم يبلغها الأشعث وسواه من أنصاره. فأبَى وقال لعليّ: وهل نحن إلاّ في حكم الأشتر؟

ومَلّ أنصار عليّ وتكاثر معارضوه. وربّما كان للحرب الطويلة يدٌ في تغيير هؤلاء وميلهم إلى وقف القتال، فوقفوا من عليّ هذا الموقف وناصروا الأشعث عليه، فلمّا رأى ابنُ أبي طالب منهم هذا الإصرار، ورأى قلّة أنصاره، قال: فقد أبيتم إلاّ أبا موسى؟ قالوا: نعم! قال: فاصنعوا ما بدا لكم!

أمّا الذين لم يقبلوا التحكيم من جيش عليّ، وأبَوا إلاّ مواصلة القتال، فقد أبدوا نفورهم من أن يحكّم أحد في كتاب الله. ورأوا أن فكرة التحكيم إنّما هي فكرة خاطئة ففيمَ التحكيم والأمر واضحٌ جليّ. فليس من شكّ في أنّ عليّاً هو المحقّ، وأنّ معاوية وأصحابه على بُطل وضلال. ولقد حاربوا، هم، وكثُرَ قتلاهم، وكلّهم مؤمن بأ نّه على حقّ في مناصرة عليّ، فلمَ يشكّ عليٌّ في حقه ويقبل التحكيم!

وصاغ أحدُهم هذه الجملة التي توجز مختلف آرائهم في قضية التحكيم: ولا حكم إلاّ لله!» وسرت سيرَ البرق إلى كلّ مَن يعتنق هذا الرأي في جيش عليّ. وأصبحت شعارهم، وبوحيها بدأوا يعملون!


[ 253 ]
وكاشفوا عليّاً العداء. وطلبوا إليه أن يقرّ على نفسه بالخطأ بل بالكفر لقبوله التحكيم; وأن يرجع عن الشروط التي أبرمها مع معاوية، فإنّه إن فعل عادوا إليه وحاربوا معه، وإلاّ فهم خوارج عليه!

وأبى عليّ أن يسايرهم في ما رأوه. فكيف يرجع عن عهد قطَعه وهو الوفيّ الذي لا ينكث اتِّفاقاً أمضاه! وكيف يقرّ على نفسه بالكفر وهو لم يشرك بالله ولم يأت منكراً ولم يسيء إلى إنسان! ولو كان عليّ ممّن لا عهد لهم، كمعاوية أو كعمرو بن العاس، لرضيَ بما عرض عليه الخوارج، فاستمالهم، وواصل بهم قتال معاوية، وانتصر!

وفي مثل هذا الوضع، بمجمله، ينظر ابنُ أبي طالب في أمره وأمر الناس، لينطلق لسانه بهذا القول وفي قلبه حسرةٌ محرقة: «أيتها الأمّة التي خُدعت فانخدعت، وعرفت خديعةَ مَن خدَعها فأصرَّت واتّبعت أهواءَها وخبطت في عشواء غوايتها، وقد استبان لها الحقّ فصدّت عنه، والطريق الواضح فتنكّبته. أَمَا والذي فَلَقَ الحبّة وبَرَأَ النسمة. لو اقتبستم العلم من معدنه، وادّحرتم الخير من موضعه، وأخذتم الطريق من اوضَحه، وسلكتم الحقّ مِن نهجه، لابتهجت بكم السيل، وبدت لكم الأعلام، وما عال فيكم عائل(1)، ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد!».

*

ولمّا كانت نتيجة التحكيم المعروفة، وكان تمرّد الخوارج وعصيانهم، أبى عليّ قتالهم حتى ييأس من أخذهم سلماً، كما هي عادته مع مخاصميه. فإنّ الخوارج اجتمعوا واتّفقوا فيما بينهم قائلين: «إنّ هذين الحكمين ـ عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري ـ قد حكما بغير ما أنزل الله. وقد كفر إخواننا ـ من جيش عليّ ـ حين رضوا بهما وحكّموا الرجال في دينهم ونحن على الشخوص من بين أظهرهم. وقد أصبحنا والحمد لله ونحن على الحقّ من بين هذا الخلق».


1 ـ أي: ما افتقر منكم أحد.


[ 254 ]


[ 255 ]

بين الخطأ والصَّواب

* أمّا الآخذون عليه هذه المآخذ، فما أراهم يقيسون أعماله إلاّ بما انحدرت إليه المقاييس التي تنفي الأمانة والصدق وعملَ الوجدان من حساب السياسة ومن أصولها! وقبيل مواصلة الحديث عمّا كان من أمر هؤلاء والإمام، لابدّ من الإلماع إلى حادثتين انثتين جرَتا أيامَ صفين وفي زعمنا أنهما أدلُّ على معنى النصر وروحه من النصر ذاته، ذي البنود والأعلام. وما كنتُ لأخصّا بقول لولا أن محبّي الإمام ومقدّري صفاته يرون أ نّه لم يساير مصلحَته فيهما، وهذا ما لا يريدون. فلربما كان كَفِل لنفسه النصر بغير قتال، أو بأيسر ما يكون من القتال، لو أ نّه سلكَ فيها مسلكاً آخر!

أما هاتان الحادثتان فأُولاهما ما رويناه من أنّ عليّاً أباح لجيش الشام وخيلها مياهَ الفرات بعد أن كان الشآميون قد منعوه منها وقالوا له: «ولا قطرة حتى تموت عطشاً!» وبعد أن كان معاوية قد قال في احتلاله جوانب المياه إنّه أول الظفَر، وإنّه لن يدع أهل العراق يشربون من الفرات حتى يغلبوه على الماء وأقسمَ على ذلك مشدّداً. فلمّا أزاحهم عليّ عن الماء مستبسلاً، دعاهم إلى وروده أُسوةً بنفسه وبأصحابه.

وأمّا الحادثة الثانية فهي تلك البادرة من عليّ ساعة عفّ عن قتل عمرو بن العاص أثناء المعركة وهو بين يديه. وخلاصة ذلك أنّ عليّاً لما رأى كثرة


[ 256 ]
القتال والقتل في الناس، علا فوق التل ونادى بأعلى صوته: يا معاوية! فأجابه معاوية، فقال عليّ: علامَ يقتتل الناس؟ ابرز إليّ ودَعِ الناس فيكون الأمر لمن غلب. فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أنصَفك الرجل يا معاوية! فضحك معاوية وقال: طمعتَ فيها يا عمرو! يريد أ نّه إن هو بارز عليّاً مقتولٌ لا محالة، فعند ذاك يرث عمرو مطمَعه فيها ـ أي في الخلافة! فقال عمرو: واللهِ ما أراه يجمل بك إلاّ أن تبارزه! فقال معاوية: واللهِ ما أراك إلاّ مازحاً، نلقاه بجمعنا! يريد بذلك أنّ عليّاً لا يجرؤ الأفراد على مبارزته، بل الجماعات!

وهنا يذكرون أنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية: أَتجبُنُ عن عليّ وتتّهمني في نصيحتي إليك؟ واللهِ لأبارزنّه ولو متُّ ألفَ موتة.

وبارز عمرو عليّاً، فما هي إلاّ لحظة حتى طعنه علي فصرَعه، ثم ومَضِ سيفه كشلعة النار فوق هامة عمرو،. فاتّقاه هذا بعَورته، فانصرف عنه عليّ وولّى بوجهه دونه. وكان عليّ لا ينظر لعورة أحد حياءً وتكرّماً!

ربّما يقول القائلون من محبّي عليّ والراغبين له في النصر، إنّه لم يساير مصلحته في كلا الحالين: لم يسايرها ساعة أباح لمقاتليه الماء، وهو لم لم يفعل لكانت له حجّةٌ عسكرية خالصة وتقوم بمنع العدّو عن الماء إلى أن يستسلم أو يخلّي القتال أو يرتبك ارتباكاً يحول بينه وبين النصر. وقد أدرك معاوية هذه الحقيقة ساعة كان هو على الماء فقال: «إنّه أوّل الظفر». وحجّةٌ أُخرى لها في شرائع الحرب أصولٌ، وهي أنّ عليّاً أجلى أهلَ الشام عن الماء بالقوة، بعد أن منعوه عنه بالقوة، فكان من حقه الصريح أن يعاملهم بشريعتهم وشريعة القتال!

ولم يساير مصلحته كذلك ساعةَ عَفّ عن عمرو بن العاص القائد القدير والسياسي الداهية وخصمه ومؤلِّب الناس عليه، بعد أن أصبح ذو الفقار


[ 257 ]
فوق هامته وهو صريعٌ بطعنة سابقة من كفّ عليّ. فإنّ عليّاً لو قتَله آنذاك لَكان له في قتله حججٌ ثلاث: أمّا الحجّة الأولى فعسكرية خالصة، وهي أنّ مصرع عمرو بن العاص يعني دبّ الذعر في جيش الشام وفتح الباب الواسع أمامه للهزيمة، ثم القضاء على ساعد معاوية الأيمن وصاحب الحيلة الأول في أصحابه وذي القول النافذ في كثير من المقاتلين.

وأمّا الحجة الثانية، فهي أنّ ابن العاص قائد جيش المتمردين على عليّ، وطالب دمه ودم أصحابه في قتال طويل رهيب.

وأمّا الحجّة الثالثة، فهي أنّ عمراً، بالإضافة إلى ما سبق، هو الذي طلب عليّاً إلى المبارزة ليخرج منها قاتلاً أو مقتولاً. فلو أ نّه من أكفاء عليّ في القتال وهيّأ له الظرفُ أن يعلو بسيفه هامةَ خصمِه، لَما عفَّ ولما نجا عليّ إذن، فليس عليّ بملوم إذا قتل هذا الخصم.

أمّا أن يكون عليٌ القائدُ ملوماً بهاتين الحادثتين إذ أتاح للنصر أن يفوته في حالتين، فمّما يحكم فيه خبراء القتال، وقد يكون حكمهم على جانب من الصحة.

ولكن، هل يكون عليٌّ القائدُ كلّ علي بن أبي طالب!

وهل بدا لنا، حتى الآن، أنّ في عليّ ازدواجية في الشخصية، فإذا هو إنسانيّ النزعة شامل النظرة إلى الوجود وأشيائه ومعانيه هنا، وإذا هو جانبٌ من إنسان هناك، محدودُ النظرة قريبُ الغاية تأخذه الساعةُ ويقوده الموقف ويلوي به حبُ النصر في المعركة عن الأخذ في كلِّ ما رحبَ من الآفاق وما سَلِمَ من المقاييس؟!

إنّ عليّاً لم يكن مرّةً إلاّ هو نفسه. بكامل صفاته وأركان شخصيته وأصوله الأخلاقية. وهو في معركة صفين ليس إلاّ هو في موقعة الجمل. وعليٌّ الذي أباح الماءَ لأعدائه وطالبي دمه ومانعيه عن الشرب «حتى يموت عطشاً» إنّما


[ 258 ]
هو عليّ الذي قال: «عاتب أخاك بالإحسان إليه واردُده بالإنعام عليه» و «ما خيرُ خير لا يُنال إلاّ بشرّ» و «خذ على عدوّك بالفضل فإنّه أحلى الظفرَين!».

وعليّ الذي خلَّى عمرو بن العاص وشأنه على ما مرّ بنا، هو عليّ الذي قال فيما مضى: «ما المجاهد الشهيد في سبيلِ الله بأعظم أوجراً ممّن قدر فعَفّ، لَكاد العفيف أن يكون ملاكاً من الملائكة!» و «أولى الناس بالعفو أقدرُهم على العقوبة». وهو عليّ الذي سيقول للناس بصَددِ قاتله فيما بعد: «وإن تعفوا أقرب إلى التقوى!» إنَّ عليّاً بطل هاتين الحادثتين هو عليّ الذي بكى أعداءَه: قَتلى وقيعة الجمل!

*
أجل، إنّ حدود الشخصية العظيمة ليست هذه الحدود التي يريدها لعليٍّ بعضُ محبّيه. إنّها ليست حدودَ القائد الذي يرتبط وجودُه، كلّ وجوده، بنصر على عدوّ، لا حسابَ عنده لِما هو أبعد من النصر وأسمى وأرفع شأناً: للقِيم الإنسانية التي لا تضبطها شرائعُ القتال ولا قوانينُ الناس، وتضبطها الضمائرُ الكريمة والأخلاق العظيمة!

أجل، إنّ حدود الشخصية العلوية لأقصى من أن تَدفع عليّاً لأن يمنع الآدميين من الماء ولو كانوا مقاتليه، ولو كان في منعهم منه نصرٌ له وهزيمة لهم! وهو إن أباحت له شرائع الناس، في سلمهم وفي حربهم، مثلَ هذا التدبير، فإنّه ما أباحه لنفسه لأنّ في نفسه من احترام الحياة والأحياء ما هو فوق شرائع الناس!

وإنّ حدود الشخصية العلوية لأكرم من أن تنحدر إلى المقاييس الحسابية الجافّة، فتهون على عليّ صرخةُ الحياة في خصمه عمرو بن العاص وهو تحت سيفه، فيقضي عليه! وإنّ حياء عليّ وتكرّمه، لأجمل من أن يتقلّصا فيأذنا له بما يأباه الحياء والتكرّم وشرفُ النفس!


[ 259 ]
ثم إنّ عليّاً في الحادثتين هاتين، يُملي على التاريخ من أعمال الفروسية صفحات كلّها جمالٌ وبهاء. فالفروسية غير الشجاعة، لأ نّها تحتوي الشجاعةَ بكامل حدودها ثم تُضفي عليها من شرف النفس وكرم الخلق والعطف على الحياة والبِرّ بالأحياء ما يجعلها على صعيد العبقريات الإنسانية ذات القيمة والوزن في كلِّ مقياس.

فالشجاعة إن اكتفت بالمبادرة والتغلّب فما كانت الفروسية لتكتفي بهما، بل تجعلهما في شروط من التعفّف والحلم والعطف والتضحية. والشجاعة إن أنكرتِ المقاييس في أسلوب التغلّب والظفر، فإنّ الفروسية لتجعل هذا الأسلوب أساساً في كلّ نصر وكلّ غلبة. وما كان موت صاحب الفروسية بأعسرَ لديه من أن يأتيه نصرٌ لا حساب فيه لمكارم الأخلاق وصفاء الوجدان ومزايا الفروسية هذه إن اجتمعت في شخص فإنّما هي في شخص ابن أبي طالب تجتمع.

ثم، واعَجباه! أيحرم ابنُ أبي طالب الآدميين، أيّاً كانوا، من الماء الذي يستقي منه الطير والعشب وبهائم الأرض!

أوَ يقتل ابنُ أبي طالب رجلاً رجاه في أن يظل حيّاً بين الأحياء، ينظر إلى الشمس والقمر ويأكل الخبر ويشرب الماء، أيّاً كان هذا الرجل!

وهاتان الحادثتان في حرب صفين، ألاَ يراهما محبّوه منسجمتين كلَّ الانسجام مع ما يأخذه عليه الآخذون في سياسته إذ يعلنون أ نّه أخطأ أكثر من مرّة بعزله معاويه، ثم بمعاملته طلحةَ والزبير، ثم بتضييقه على الولاة والعمال فما كان ليطلق أيديهم في أموال الناس ورقابهم، احتفاظاً بمناصرتهم إيّاه وكسباً لموالاتهم له؟

أما هذه المآخذ على سياسة عليّ، فما أحسبها إلاّ من حسناته المنبثقة عن دقّة حسّه وسلامة ضميره. أمّا الآخذون عليه هذه المآخذ، فما أراهم


[ 260 ]
يقيسون أعماله إلاّ بما انحدرت إليه مقاييس العصور التالية، التي تنفي الأمانة والصدق وراحة الوجدان من حساب السياسة ومن أصولها.

لقد كان عليّ من المهارة والمقدرة على الدهاء بحيث لم يكن غيره من مهَرة العرب ودُهاتهم. وكان من بُعد الغَور وعمق النظر في أمور السياسة والتقال، ومن سبر النفوس وإدراك الدخائل، ومن معرفة النتائج قبل الوصول إليها، والبصر بأهواء الرجال ومطامعهم وأساليبهم في الحيلة، بحيث لم يكن معاوية بن أبي سفيان ولا عمرو بن العاص ولا غيرهما من أهل الدهاء والحيلة. ولكنه كان يزدري الحيلة الملتوية ويمقت ما يسميه الناس استغلال الفرصة إذا كان فيه ما يُخجل الخلق. وكان يرفع نفسه عن المكر والكيد ولو جاءَاه بالنصر، ويأبى إلاّ الصراحة والصدق. أوَليس هو القائل بصدد ما شاع في زمانه على دهاء معاوية، وقعوده، هو، عن مثل هذا الدهاء: «والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت أدهى العرب؟» وقد أشبعتا هذه الناحية درساً مباشراً أو غير مباشر فما بنا حاجة للعودة إليها الآن. وإنّما خصومه بمعرض الحديث عن حادثتي صفين، لنرى إلى أيّ حدّ يعجز بعض خصومه وبعض محبّيه، عن إدراك شخصيته إدراكاً صحيحاً شاملاً، فإذا بأولئك يتّهمونه بالتقصير في الميدان السياسي، وإذا بهؤلاء يأسفون لفرصتين لم يستغلّها في الميدان الحربي. وكلّهم مخطىءٌ بمقياس الشخصية العلوية، لأنّ مفاهيم السياسة وقواعد الحرب عند الإمام نابعة من معين واحد لا يتجزأ ولا يتقطع، هو الشخصية العلوية، أو قلِ الروح العلوية التي يُصدّقُ بعضُها بعضاً، وتستند مآتيها الواحد إلى الآخر، ولا مقياس لديها أجلّ وأعظم من الوجدان السليم والخلق الكريم اللذين يكمنان عنده وراء كلّ قاعدة وكلّ شريعة!

ثم إن قولاً غير هذا نرى من الخير أن نثبته في هذا المقام. تَحدّث إليّ، مرّةً، صديقٌ أديب يُعنى بشؤون الاسلام قال، وكأ نّه ينزع عن ألسنة سائر القائلين:


[ 261 ]
لن تقنعني بأن عليّاً كان خبيراً بأحوال السياسة وأمور الرجال، وبأ نّه كان من الموهبة السياسية بحيث تقول. فسألته قائلاً:

لنفرض أن الصدفة لم تسق عبدالرحمن بن ملجم إلى قتل عليّ; أو لنفرض أن الصدقة شاءَت أن يكون إلى جانب عليّ، صبيحة مقتله، رهطٌ من أنصاره فوَقَوه الضربةَ الغادرة، فنجا، ثم عاد ثانيةً لتأديب معاوية تنفيذاً لِمَا كان عارماً عليه، وانتصر على جند الشام في معركة السيف كما كان مرجحاً أن يكون! أو لنفرض أن حيلة التحكيم في موقعة صفين لم نجز على قسم من جيش عليّ، فتابعوا القتال وقبضوا على معاوية وعمرو بن العاص، وانتهى أمر الوقعة كما انتهى أمر موقعة الجمل! أقول، لنفرض كلّ هذا أو شيئاً من هذا، وأنّ عليّاً انتصر أخيراً على معاوية كما انتصر على طلحة والزبير ـ وهو إن لم ينتصر فعلى الصدفة والقدر تقع المسؤولية ـ فماذا كنتَ تقول في سياسة عليّ عند ذاك؟! وأيّ مطعن في كفاءَاته كنت ترى؟! أمَا كنت تقول مع القائلين، إنّ عليّاً جمع إلى البلاغة والحكمة وشرف النفس وصفاء الوجدان، دهاءً فوق دهاء معاوية في السياسة، وطاقةً فوق طاقة عمرو بن العاص في مواجهة الأحداث ومعالجة المعضلات؟

وما يقال في شأن عليّ بهذا الصدد يقال في شأنه يوم أخذ عليه الآخذون عزلَ معاوية عن الولاية وعزل غيره من الولاة الذين شاءَت الصدف وأحوال العصر وسياسة عثمان وأوضاع الناس أن تمدّهم بأسلحة لا شأنَ في مقارعتها للخُلق السليم والإدراك العظيم والكفاءَة الخالصة. لقد تعوّد الناس وفيهم الدارسون والمؤرخون، أن ينساقوا في تيّار المألوف من النظر في الأمور والحكم عليها. وفي مقدّمة هذا المألوف أن تقاس كفاءَات الرجال في الصراع بمقياس الانتصار والانكسار دونما نظر إلى الأسلوب المتّبع في إدراك النصر; ودونما نظر إلى احتمالات كثيرة يتعلّق بعضها بالأخلاق إذ تنحدر أو تعلو


[ 262 ]
ويرتبط بعضها بالصُدَف والتقادير التي لا يدَ في دفعها لمنكسر، ولا يدَ في إعدادها وإنزالها منزلة السلاح القادر القاهر، لمنتصر أو لذي دهاء!

وعلى كلّ حال، فإنّ هؤلاء يريدون من عليّ أن يوارب في السياسة، وأن يستغلّ الظرف في القتال، ويأبى هو ذلك!

إنهم بريدونه أن يكون معاوية بن أبي سفيان، وهو عليّ بن أبي طالب!


[ 263 ]

وَشَاءَتِ الأَقدار

* وأبَى القدرُ إلاّ أن يرشقّ من كِنانته سهماً جديداً يصيب به عليّاً! ولنعد إلى حديثنا الذي قطعناه. خرج الناقمون إلى قرية قريبة من الكوفة تدعى «حَروراء» وسُمّوا حينئذ بالحرورية نسبة إلى هذه القرية، كما سُمّوا بالمحكّمة، أي الذين يقولون لا حكم إلاّ الله. على أن تسميتهم بالخوارج هي الأشهر.

ولقيهم عليّ بالجيش، غير أ نّه آثر أن يستردّهم دون قتال إذا أمكن، وأن يناقشهم في ما هم فيه. فاقترح عليهم أن يبعثوا إليه رجلاً منهم يسأله ويجيبه ويتوب إن لزمته الحجّة ويتوبوا إن لزمتهم. فأخرجوا إليه إمامَهم عبدالله بن الكواء. وطال النقاش بين عليّ وعبدالله. وأفحمَه عليّ في كلّ ما سأل وأجاب: وأقام الحجّةَ على الخوارج في حوار طويل. فعاد ابن الكواء إلى أصحابه الخوارج يبلَغهم أنّ الحقّ كان إلى جانب عليّ، وأنّ الحجّة كانت عليهم في ما دار بينه وبين الخليفة من نقاش. فأبوا أن تلزمهم الحجة وأن يخضعوا لإرادة عليّ بعد أن كفَّروه. وعابوا على إمامهم عبدالله بن الكواء أ نّه ليس ندّاً لعليّ في المنطق والحجة وصواب التفكير، وأ نّه ليس له في مجال النقاش وكلّهم يعلم أن أمثال عليّ في الدنيا قليل! وطلبوا إلى صاحبهم أن يكفّ عن مناقشة عليّ وعن التحدّث بما كان من أمرهما. وآثروا أن يعتصموا


[ 264 ]
بعنادهم المقيت، وأن يكون لهم من تهوّسهم ما يدفع عنهم حجة عليّ وقصدَه. ثم أصرّوا على تكفير عليّ دون أن يقيموا على ذلك دليلاً، كما أصرّوا على معاملة جيشه وأنصاره معاملة اللمحدين المارقين.

وتألم عليّ لهذا الموقف يقفه منه أنصاره بالأمس. وتألم للحجة الصحيحة لا تبلغ من نفوسهم مبلغاً، وللهوَس يقودهم ويعمي بصائرهم. وأيقن أن الحكَم لن يكون بينه وبينهم إلاّ السيف، ولا سيما بعد أن أمعنوا في استهتارهم بأرواح الناس فراحوا يفسدون ويخربون ويقتلون. غير أ نّه لم يتنكر لتاريخه في المبادرة بالحسنى، فقال لأصحاب: لا تبدأوهم بالقتال حتى يبدأَوكم! وصاح الخوارج صيحتَهم الشهيرة: «لا حكم إلاّ لله». وهجموا على عليّ وأنصاره هجمةَ رجل واحد، شرس، عنيد، لا يبطىء ولا يتراجع. فما كان من أميرالمؤمنين وأنصاره إلاّ أن تلقَّوهم بالسيف؟ وأشتدّ القتال واستمات الفريقان في معركة النهروان التي ما انجلت إلاّ عن الخوارج وهم صرعى ما خلا أربعماية رجل أصيبوا بجراح كثيرة فعجزوا عن القتال. وهم لولا جراحهم لأبوا أن يرتدّوا إلا غالبين أو مقتولين! فأمر عليّ أن يُرَفقَ بهم وأن يُحملوا إلى عشائرهم لينظروهم ويدركوهم بالعلاج!

وأَراد عليّ أن يعود فيسير إلى الشام لتأديب معاوية من جديد. فتصدّى له الأشعث بن قيس للمرّة الثانية يحمله مُكرهاً على غير ما يريد. وتمحّن الأشعث من إقناع فريق كبير من جيش عليّ بالهرب من المعسكرات واللجوء إلى المدن القريبة وحجّتُه في ذلك أنهم تعبوا من القتال الطويل فليستعيدوا قواهم ثم يعودوا إلى جيش أميرالمؤمنين!

وسار عليّ إلى الكوفة ليعدّ العدة من جديد، ثم يهاجم الشام.

أمّا معاوية، فقد خدمه جنده، وخدمه الخوارج غير عامدين، وخدمه الأشعث بن قيس عامداً كما يقول بعض المؤرخين، فعاد إلى الشام وقد رأى الحظّ يبسم له. وأقام على الانتظار!


[ 265 ]
وهنا أبى القدر إلا أن يرشق من كنانته سهماً يصيب به عليّاً فتتمّ به مأساة الرجل العظيم، ويظفر خصومه بتوفيقات لم يكن لهم من يد فيها ولا رأي! فقد اجتمع قومٌ من غُلاة الخوارج وتذاكروا القتلى من رفاقهم وذويهم، فأجمعوا رأيهم على أن وزرَ هذه الدماء إنّما يقع على ثلاثة من المسلمين هم «أئمة الضلال» كمايسمونهم، ويعنون بهم: عليّاً ومعاوية وابن العاص. نهض أحدُهم واسمه البرك بن عبدالله فقال: أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان. وقال عمرو بن بكر: وأنا لعمرو بن العاص. وتكفّل عبدالرحمن بن ملجم بأن يكفيهم عليّاً!

واتّفق الثلاثة على أن يقتلوا عليّاً ومعاوية وعمراً في ليلة واحدة! وكان لهؤلاء من تهوّس العقيدة ومن الرغبة في الاثّئار حافزٌ على تنفيذ ما ائتمروا عليه. غير أنّ المصادفة العجيبة شاءت أن تخصّ عبدالرحمن بن ملجم بحافز آخر يدفعه دفعاً إلى قتلِ علي حتى ولو تلكّأ صاحباه عن قتل معاوية وعمرو تنفيذاً لِمَا اتّفقوا عليه. فإن ابن ملجم هذا خرج من مكة وسار حتى قدم الكوفة، فزار فيها رجلاً من أصحابه، فصادف عنده قطام بنت الأخضر، وهي فتاة فائقة الجمال ليس في بنات عصرها من يفوقا بهاء. وكان أبوها وأخوها قد قُتلا بالنهروان. فما كاد ابن ملجم يراها حتى خذت قلبَه، فسألها أن يخطبها. فقالت له: ما الذي تسمّي لي من الصداق؟ فقال لها: احتكمي ما بدا لك. فقالت: أنا محتكمة عليك ثلاثة آلاف درهم، ووصيفاً وقَينة وقتل عليّ بن أبي طالب! قال: لك ما سألت من ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة، أمّا قتل عليّ بن أبي طالب فأنّى لي به! قالت: تلتمس غرّتَه، فإن أنت قتلتَه شفيتَ نفسي ونفسك وهَنَأك العيشُ معي طويلاً!

كان ابن ملجم يتردد في ما عزم عليه من قتل عليّ قبل أن يكون هذا الحوار بينه وبين قطام بنت الأخضر. فما هو بالسهل على المرء مهما تدنّى ضميرُه، أن يقتل عليّاً بأمور لم يكن عليّ سبباً فيها. ثم ما هو بالسهل على


[ 266 ]
المرء كذلك أن يغامر هذه المغامرة الرعناء التي قد يهوله بَعدها المصير! ولكن القدر شاء أن يضاعف رغبة ابن ملجم في ما ترَدّد فيه، ويدفعه في طريق الجريمة البشعة، ويطلق على يديه في صدر الإمام سهماً جديداً من كنانته! لذلك قادت الصدفةُ عبدَالرحمن هذا إلى بيت صاحبه وقادت إليه في اللحظة ذاتها قطام بنت الأخضر. فكان بينهما ما كان من سؤال وجواب وتعاقُد على هذا المَهر العجيب. وفي ذلك قيل:

فلم أرَ مَهراً ساقَه ذو سماحة *** كمهرِ «قطام» من فصيح وأعجمِ

ثلاثةُ آلاف، وعبدٌ، وقَينةٌ *** وضربُ «عليٍّ» بالحسام المصمَّمِ!

ولا مهرَ أَغلى من «علي» وإن علا *** ولافتكَ إلا دون فتكِ ابنِ مُلجمِ!

لقد انتهى الحوار بين قطام وعبدالرحمن بقوله لها: ولكِ ما سألتِ من قتل عليّ بن أبي طالب!

وكان المؤتمرون الثلاثة قد خرجوا متواعدين إلى ليلة واحدة يقتل كلٌّ منهم صاحبَه فيها.

*
وأمعنت الصدفة في الغرابة والقدر في الإساءة ممّا لا تُلقى تبِعتُه على أحد بعينه.

أمّا عمرو بن العاص فلم يظفر به صاحبه لأن الصدفة شاءت ألاّ يظفر به وقصة ذلك أنّ عمراً كان قد شكا وجعاً ألمّ به تلك الليلة فلم يخرج من بيته للصلاة أو غيرها. بل أمَر صاحب شرطته واسمه «خارجة بن حذافة» أن يخرج ويصلّي بالناس، فترقّب عمرو بن بكر دنوّه منه فلمّا دنا ضربه بالسيف ضربةً محكَمة وهو يحسبه عمرو بن العاص، فأراده للحال. فلمّا جيء بالقاتل إلى ابن العاص قال له: أردتني وأراد الله خارجةَ بن حذافة! وأمَر به فقُتل.


[ 267 ]
أمّا معاوية فقد قصده صاحبه البرك بن عبدالله فلمّا وقعت عينه عليه ضربه فما منه مقتلاً بل وقعتُ ضربتُه على إليته. وجاؤوا بالبرك هذا إلى معاوية فقا له البرك: إن لك عندي بشارة. قال معاوية: وما هي؟ فأخبرَه بخبر صاحبَيه، وقال له: إن عليّاً يُقتَل في هذه الليلة فاحبسني عندك فإن قُتل فأنت وما تراه في أمري، وإن لم يقتل أعطيتُك العهود والمواثيق أن أمضي فأقتله ثم أعود إليك فأضع يدي في يديك حتى تحكم فيّ بما تراه. فحبسه معاوية عنده. فلما أتاه أنّ عليّاً قد قُتل خلّى سبيله. هذا ما يرويه أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبين. ومِن الرّواة من يجزمون بأن معاوية مَرَ بصاحبه البرك فقُتل في الحال.


[ 268 ]


[ 269 ]

لا تَزجرُوهنَّ، إنَّهنَّ نَوائح!

* وراح الليلُ هزيعاً يلفُّ هزيعاً، وظلاماً يدخلُ في ظلام! * وحلّتْ على ابن ملجم لعنةُ الله ولعنةُ اللاعنين ومَن وُلدوا ومَن ماتوا ومَن قال لُهمُ اللهُ كونوا فكانوا! وأَهلكَه أَلفُ شيطان كَبّوه على وجههِ في سَواء الجحيم وفيها لفحٌ وفيها أفواهٌ من اللّهبِ ذاتُ أجيج وذاتُ صفير! * وخلّى الإمامُ عَدوَّهُ في الأرضِ قوماً بُوراً! في جانب من الأرضِ غريبٌ كئيبةٌ غربتُه، وحيدٌ أوجعته الوَحدةُ القاسية كما لا يكون!

غريبٌ عن قومهِ ومن كلِّ بؤس في قومه بؤسٌ في فؤاده وشجون!

غريبٌ عن زمانه وهو ملءُ كلِّ زمان!

في الأرض غريبٌ عن الأرض وهي واعيةٌ منه كلَّ قول وشاهدةٌ كلَّ عمل عظيم!

في الأرض غريبٌ يُعطي ولا يأخذ. يُعتدَى عليه ولا يعاقب. يقدر فيعفو ويُكثر العفو. لا يُخيف على مَن أبغض ولا يأثَمُ في مَن أحَبّ.


[ 270 ]
عَونٌ للضعيف أخٌ للغريب أبٌ لليتيم حَفيٌّ ضيّقتْ عليهم الحياةُ يرجونه لكلِّ كريهة يأملونه لكلِّ شدّة. كثيرٌ علمُه عظيمٌ حلمُه. يملأ السهلَ والجبلَ وتملأ قلبَه دمعةُ بائس أو حزين يفلق بسيفه هامَ الجنّ ويغلبُه عطفٌ على شقيّ. يعدل في الناس إمّا صحا النهارُ ويُقيم حدودَ الحقّ، ويبكي مصائرَ الخَلق إمّا استوتِ الظلمةُ وجُنّ الليل!

في الأرض غريبٌ ما همسَ إليه مظلومٌ بغبن إلاّ جلجلَ بصوتهِ الرّعدُ يرجسُ في بيوت الظالمين! وما دعاه مستغيثٌ إلاّ تكشّفَ بسيفهِ البرقُ يأكلُ غياهبَ الماكرين. ما ناداهُ محرومٌ إلاّ فاض مِن قلبه الحنانُ غَيثاً على البَلقعِ اليابسِ والخَيفِ الجديب!

في الأرض غريبٌ منطقُهُ الصواب وملبسه الخشونة ومشيُهُ التواضع، وما انحدرَ الناسلا إلاّ ارتفع!

في جانب من الأرض غريبٌ الناسُ منه في نعيم وهو من نفسه في شقاء!

ومَن يكون هذا الشجاع، العبقريّ، الغريب، الضارب بعينيه في كلِّ أُفق، المُتعَب الذي أشقاه مَن أراد لهم نعيمَ الأرض وجنّةَ السماء!

مَن يكون هذا الشجاع، العقبريّ، الغريب، الذي أنكره أعداؤه حسداً وطمعاً، وخلاَه محبّوه خوفاً وفزعاً، وظلّ وحدّه يحارب الفساد والبُطل، ويواجهُ الخلق على نهج مستقيم وصِراط قويم، لا يُغريه انتصارٌ ولا يُؤذيه انكسار، لأ نّه الحقّ لا تَعنيه إلاّ حدوده فليُنكره قومٌ وَليَخشَه آخرون!

من يكون هذا العبقري الغريب سوى ابنِ أبي طالبِ أميرالمؤمنين التعِس الحزين، الذي سيغدر به ماكرٌ خبيثٌ بصَدَاقِ ماكرة خبيثة نفَثَ على لسانها الشيطان!


[ 271 ]
كان الليلُ بهيماً مُدلهم الظنون، والسماءُ غائمةً تتراجف في جنباتها سُحبٌ ثقيلةٌ بطيئة إلاّ ما تَمزّقَ منها بومضِ البروق فهو هِفٌ خفيف! وكانت في اماكنها النسورُ القشاعم هاجعة مطأطئة الرؤوس لن تحملها في غد خواف ولا قوادمُ فهيَ في جَزَع على النسّر العظيم!

وأَرِقَ الإمامُ لا يذوقُ مناماً! ففي الأرض معذّبون أَشقاهم الجورُ وضيّقت عليهم الحياة! وفي الأرض تافهون يعلون، وأقوياء يتجبّرون، وعُظماء يشرّدون، وضُعفاء يُؤكَلون، وخصومٌ يتعاونون على الشرّ، وفُجّارٌ يتحابّون في عمل المعصية، وأنصارٌ يتخاذلون عن الحقّ ويخذلون!

أَرِقَ الإمامُ لا يذوق مناماً! فالعدل مضامٌ والخير مُضيّع، ومصيرُ الناس مرهونٌ بعبثِ العابثين، وكرامةُ الحياة والاحياء وقفٌ على إرادة مَن أفسدوا ويُفسدون، والنفاقُ في الأرض كثير.

أَرِقَ الإمامُ لا يذوق مناماً فهو مُذ كان على الأرض كان للعدالة نصيراً وركناً، وللبائسين والمعذبين أخاً وحبيباً! وكان صاعقةً على رؤوس الطَّغاة والظالمين يقول فيهم لسانُه قولاً كثيراً، ويقول سيفُهُ ذو الفقار!

لقد تيقّظت في خيالِه، تلك الليلة، صفحاتٌ من تاريخه القريب والبعيد! فإذا هو يتمثّل نفسَه طفلاً صغيراً يمتشق حسامَه على عجب من قومه القرشيين ودَهَش، ويهزّه في وجوههم بشيراً ونذيراً وناصراً للرسالة. وإذا قومه ينكفئون ساخرين عابثين. وإذا هو ماض في طريقه واقفٌ دمَه مِن دونهم على خدمة النور!

وتَمثّل نفسَه في فراش النبيّ ليلةَ الهجرة يرقدُ فيه تحت ظلال السيوف ولوافحِ النقمة لَعلَّ أبا سفيان والمشركين وتجّارَ الأعناق يضلّون الطريق إلى صاحبِ الرسالة فينجو فيمزّقُ نورُه ظلمةَ الجاهلية.

وجدّ في استعادة ذكرياته الماضيات، فتمثّلَ نفسَه في معارك العدالة بطلا حَطّم به الحبُّ كلَّ حصن وقضى على كلّ خبيث، وحولَه أنصارُه


[ 272 ]
الفقراءُ والمستعفون يقبّلون الأرض لدى كّ ضربةِ سيف من كفّه، هم يرَون إلى الطّغاة يفرّون مِن أمامِه كما يطيرُ الجرادُ في الريح الشديدة ولهبوب!

وتَمثّل النبيَّ ابن عمّه، ينظر إليه برفق وحبّ عظيمين، يضمّه إلى صدره ويقول مشيراً إليه: هذا أخي!

وتَمثّل النبيَّ ابنَ عمّه مرّةً ثانية وقد دخلَ عليه فوجدَه نائماً، فذهبت فاطمةُ تنبّههُ، فقال لها أبوها: دعيه فرُبَّ سَهَر له بعدي طويل! فبكت فاطمة وأمعنت في البكاء!

وتَمثّلَه فوق ذلك قائلاً له: يا عليّ! إنّ الله قد زينّك بأحبّ زينة لديه: وهَبَ لك حبَّ المستضعفين فجعلك ترضى بهم أتباعاً ويرضون بك إماماً!

واستعاد في خياله ذكرى موت النبيّ بين يديه، وآخرَ نظرة حطّها عليه، ووجومَ فاطمة وحزنَها الكثير حتى إذا مرّت أيامٌ لا تجوز الأربعين لحقت بأبيها العظيم وهي في الثلاثين، فأودَعها الأرض، وبكاها أحرّ بكاء، وعاد إلى بيته في أولِ الليل كئيباً، حزنُهُ سَرمَدٌ وليلُهُ فرقَد!

واستعادَ صورةَ ابن الخطاب وهو مُقبلٌ عليه يقو له; «أمّا واللهِ لئِن وليتَهم لَتحملنّهم على الحقّ الواضح والمحجّة البيضاء!» وصُوَرَ الصحابة جميعاً وهم يردّدون: «كنّا لا نعرف المنافقين في عهد رسول الله الاّ ببغض عليّ!» والنبيّ، ألم يقل له مراراً: «يا عليّ، لا يبغضك إلاّ منافق!»

وذَكرَ في ساعاته تلك رفاقَه في الجهاد أيامَ كانوا يتعاونون ويتآخون في ظلّه وظلالِ النبيّ، فإذا همُ اليومَ بين محارب له ومحازب عليه وطامع في ولاية صريع بهذا المطمع أو غير صريع! أمّا الطيّبون فيهم، الأوفياء للحقّ والعدالة، المعاهدون على الخير، فوارحمتاه لهم! فإنهم غرَباء عن هذه


[ 273 ]
الدار قَتَلَهم عدلُهم ووفاؤهم وأرخى عليهم الجورُ من سُدوله ألفَ ستار!

أمّا الغِفاريُّ أبو ذرّ، الثائر على الاستهانة بالحياة، والعظيم الكريم الذي لم يترك الحقُّ له صديقاً إلاّ عليّاً، فيا لكآبة ما صار إليه!

إنّه يتمثّله الآنَ مُلتَفعاً بعباءته الممزّقة وجارياً إلى النبيّ يعرض عليه نفسَه في خدمة الحقّ، ثم يظلّ للحقّ نصيراً يحياه بدمه وخفوق قلبه، إلى أن كانت ثورتُه في سبيل المظلوم والمحروم، ثم مأساتُه على يد عثمان ومروانِه ابنِ الحَكَم، فنُفي، فمات في مثل هذه الليلة، طريداً في فلوات الأرض شريداً بعد أن مات أولادُه جميعاً تحت عينيه، ورأى رفيقتَه الطيّبة تنظر إليه ولا تريده أن يموت قبلَها لئلاّ تموتَ مرّتين!

مات أبو ذرّ على أيدي الأمويين جوعاً وتحت أقدامهم ذهبُ الأرض.

وفي مثل هذه الليلة أيضاً، قبَيل ساعات، قُتِل بالأمس القريب نصيرُه، بل أخوه، التعِسُ التقيّ الصادق البأس، عمّار بن ياسر! قتلته الفئة الباغية في أيام صفين!

أجل! أين إخوانه الذين ركبوا الطريقَ ومضوا على الحقّ وتعاقدوا على النيّة، فإذا هم لا يهجرون ولا يغتابون ولا يمكرون!

أيو أولئك الأخيار؟ لقد ولّوا جميعاً! أمّا هو فما يال في صراع دام رهيب مع الظلم والظالمين! ولو أمكنَه اللهُ من أهلِ البَغي ليَحرقن البغي حرقاً ثم لَينسِفَن أهلَه في اليم نسفاً!

صراعٌ ينازله فيه قومٌ صبيّهم غاو وشابّهم فاتكٌ وشيخُهم لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن مُنكر. قومٌ لا يهابون إلاّ منَن يخافون لسانَه، ولا يُكرمِون إلاّ مَن يرجون نواله، إن هو تركَهم لم يتركوه وإن تابَعهم


[ 274 ]
اغتالوه! يتصاحبون على غيره هدىً وإذا افترقوا ذمّ بعضُهم بعضاً!

صراعٌ يريدونه له عنيفاً كالتيّار لا يبالي ما غرّق، أو كوقع النار في الهشيم لا يحفل ما حَرّق!

صراعٌ بين مَن يريد للناس خصبَ الأرض ونضرةَ الدنيا، وبين مَن يقضون الناس عن الخضرة والنضرة إلى منابتِ الشيح ومهافي الريح!

يا للحياة التي لم يعرفها حتى الآن إلاّ جهاداً وشقاء!

ويا للخيّرين في الأرض وأهلِ الصدقِ يُخلّونها واحداً واحداً فيكثر فيها البغيُ ويطغى الجور!

وتصوَّر العبقريُّ الغريبُ غدَ الناس آتياً قريباً. غداً أشدّ ظلمةً من ليالي البائسين، وأبرد زمهريراً من ضمائر الناكثين، ينوءُ بكلكگلهِ الثقيلِ على أهلِ الشقاء وما تسكنُ غداً الريحُ ولا يسكتُ لها عويل!

غداً يخفّ به الخَلقُ ميزاناً عند مَن نصَبوا أنفسَهم على الناس حكّاماً نِفاقاً وزوراً، فما يُقرَّبُ فيه إلاّ الساعي والماكرُ وصاحبُ الفسادِ العريض، ولا يُسَوَّدُ فيه إلاَّ الظالم والجائر، ولا يُظرّف فيه إلاّ المائعُ التافهُ الثقيل، ولا يعيش ملءَ بُردَيهِ إلاّ الوقحُ البادرُ الدنيء، ولا يهون أمر امرِىء إلاّ إذ أنصف وأحبَّ وكان عوناً للمظلوم وحرباً على الطغاة والطغيان وإعصاراً يهب نحوَ كلِّ سماء فيها بقيّةٌ من الظالمين!

غداً يا له من غد أليم يستَشِفّه عليٌّ بقلبه وعقله! فما بَعدَ العشيّةِ من عظيم يُؤثر الصدقَ حيث يضرّه على الكذب حيث ينفعه! وما بعدَ العشيةِ من حاكم أب للناس يستحبُّ آلامَ الحقّ على لذّةِ الباطل! وما بعدَ العشيّةِ من قلب وعقل يَعدلانِ في الخَلق ويعملان بالحقّ ولو زلزلتِ الجبال وشُقّت صفحةُ الأرض!

غداً يا له من غد حَسبُ البليد فيه أن يبرع في الظلم، حتى يأتيه السلطانُ


[ 275 ]
مجرِّراً أذياله، مختالاً. وَحسبُ الكريمِ فيه أن يقتلع مذاهبَ الظالمين من أُصولها ويُلقيها على قدَميه هشيماً يابساً حُطاماً، حتى يخرجَ أنفاسُه ويذوق الويل!

إنّ أخا المظالم الذي قاتلَه بعقله وقلبه ولسانه وسيفه، وعَرّى عن غروره وجهله، لن يكونَ إلاّ سعيداً وقد جُعل النهارُ ليلاً والشمالُ يميناً!

وإنّ أخا العدالة الذي وَقاه بعقله وقلبه ولسانه وسيفه، لن يكون إلاّ شقياً مهاناً يهجمُ عليه البؤسُ مع كلِّ ريح!

وضرب بيده على لحيته الشريفة فأطال البكاء!

وبكى الليلُ بأنفاسه وهلّت مِن دموعِه عيناه!

وأخذ ابنُ أبي طالب النجومَ والسُّحبَ بعينيه في ليلة تجرفُ ظلمتُها قصورَ الطّغاة وخصاص الفقراء، وكيدَ الكائدين مآسي الطيّبين، سواءً بسواء!

ونظر إلى الدنيا بقلبه يقول: «يا دنيا! يا دنيا، غرّي غيري!» وكبّ دنياه لوجهها!

وراح الليلُ هزيعاً هزيعاً، وظلاماً يدخل في ظلام!

واحسّ ابن أبي طالب وكأ نّه قد بلغ من الأرض منزلَ وَحدتِه، فيا للأرض من بيتِ وحدة ومنزلِ وحشة ودارِ غربة!

ورنّقت عيناه قليلاً كأنما يريد الامتلاءَ بهواجس الليلة الرهيبة! وما هي إلاّ غفوةٌ حالمة، حتى سنَحَ له الرسول، فقال له: يا رسول الله، ماذا لقيتُ من أُمّتك من الأوَد واللدَد! فقال الرسول: ادعُ عليهم! فقال: اللهمّ أبدلني بهم خيراً لي منهم، وأَبدلهم بي شرّاً لهم مني!

وأحسّ أرضَ الفقراء والمستضعَفين تميدُ بأهلها مَيَدان السفينة تقصفُها


[ 276 ]
القواصفُ في لُجَجِ البحار! وأحسّ مَن على ظهرا حيارى في زلزال من الويل، في جانب من الليل، تحفِزهم الرياحُ بأذيالها وتحملُهم على أهوالها! أمّا الُعتاةُ فقد أخذوا بأطراف الأرضِ زحفاً زحفاً، وصَفّاً صفّاً، بعضٌ مَلَكَ وبعضٌ أمَر!

*
في صبيحة تلك الليلة، وكان بعضُ الريح يمسح في الأديم مِثلَ العيون التي تنظر فتدمع، مشى ابنُ أبي طالب بطيئاً وكأنّ وطءَ خُطاه على الأرض كلماتٌ تقول للأرض شيئاً في تلك الدقائق الواجمة، وكأنّ الطير بها مثلُ هذا الوجوم! فهو ما أدرك باحةَ المسجد حتى أسرعت إليه الإوَزّات تُكأكىء وتصيح وتتناوح معها الريح في الصبيحة الباردة!

وأقبل بعضُ الناس لا ينطقون ولا يمرَحون. وراحوا يزجرون الإوَزّات من أما جبلِ الحكمة الذي يمشي، والإوَزّات لا يقبلنَ زجراً ولا يرجعن عن نواح، وكذلك الريح! فهل أدرك الطيرَ ما أدرك الريحَ من شعور بما يُقبل عليه الإمامُ الأعظم من مأساة تُنهي مآسيه بين الناس!

أمّا الإمام، فما به حينذاك إلاّ ميلٌ إلى سماع هؤلاء الإوَزّات النائحات، فالتفتَ إلى الناس يقول بصوت كأ نّه خارجٌ من أعماقِ الفاجعة:

ـ لا تَزجروهنّ، إنِهنّ نوائح!

وعلامَ لا يَنُحْنَ؟ وعلامَ يزجرهنّ الناس؟ وعلامَ لا ينظر ابنُ أبي طالب إليهن، ثم إلى هذا الصباح، بقلبهِ وعينه؟ لقد رأى قبل هذه الدقائق، ألفَ صباح وصباح، ولكن في هذه الصبيحة ما ليس في غيرها من شؤون! فهو لم يستشعر من الأحاسيس مثل ما يستشعر الآن! أَوَليس من حقّ هذا العظيم أن يسمع رثاءَه بنُواح الطير والريحِ ذاتِ الرنين! أوَليس من حقّه


[ 277 ]
أو يودِّع الشمسَ والظلالَ التي لن يراها بعد اليوم؟ أوليس من حقّه أن يُلقي النظرةَ الأخيرة على الربوع التي عاش بها فقيراً ليُغني الناس، والتي شهِدت فصولاً من بأسه وفصولاً من عبقريّتِه وفصولاً من مآسيه، ورَوّاها بدمع عينيه في الليالي الطوال؟

إنّ دنياه هذه، لو أخذ ناسُها جانب الحق واعتصموا بذمة ووجدان لَما هالَه أن يودِّع ليلَها ونهارَها فهي في زمانه أكّالةٌ غوّالةٌ اختلطَ جلالُها بحرامها. أمّا نفسه فقد نُزِّلت منه في البلاء كما نُزِّلت في الرخاء. ولولا الأجلُ الذي وأهلَ كُتب عليه لم تستقرُ روحُه في جسده طرفةَ عين. غير أن الفاسقين وأهلَ الغدر ما يزالون تضجّ بهم الأرضُ وتئن تحتَهُم الرقاب وتزهق الأرواح. في العراق والحجاز والشام ما يزال أهلُ الحرمان في عصَّة يعيشون، وأهلُ النفاق في وسيع من نفاقهم يرتعون! فماذا على الدنيا لو خلّت لابن أبي طالب قدَمين تستويان فيغيّر أشياء!

وأبتِ الدنيا أن تُغيّر أشياء!

وأحسّ العبقريُّ الغريبُ أنّ رجليه تنقلاِنه إلى غربة بعيدة!

وقف العبقريّ الغريب على باب المسجد هنيهةً ينظر فيها إلى الإوَزّات النائحات، وإلى الناس يقفون بعيداً ولا يُبدون! وردّد يقول:

ـ ألا تزجروهنّ، إنهن نوائح!

ودخل عليّ وجثا على ركبتيه أمام ربّ العالمين!

وأغمض عينيه على صورة الناس في دنياه وهم يفقدون ثلاثاً: درهماً حلالاً، ولساناً صادقاً، وأخاً يُستراح إليه!

وقال القدر كلمته الغادرة. فأتاه ابنُ ملجم بسيف مسموم يضرب رأسه الضربةَ التي قال فيها الخبيثُ إنها لو كانت بأهل المصرَ جميعاً لأتت عليهم!

وحلّت على ابن ملجم لعنةُ الله ولعنةُ اللاعنين ومن وُلدوا ومن ماتوا ومَن قال لُهُ الله كونوا فكانوا! لعنةٌ تُجفّف النبعَ وتخضِمُ الزرعَ وتحرق


[ 278 ]
النبتَ في الأرض وهو وسيم! وجَعَل اللهُ زفيرَ جهنّم وشهيقَها في أصول تكوينه! وأهلكه ألفُ شيطان كبّوه على وجهه في سواء الجحيم وفيها لفحٌ وفيها أفواهٌ من اللّهب ذاتُ أجيج وذاتُ صفير!

وتحرّكتِ الرياحُ العاصفات والزعازع الهُوجُ تُعوِل وتئن وتصفع ما ترى وما لاترى. وسَفَتِ الترابَ مِن كلِّ صوب وأخرجت ما تحته مدوّيةً هائجة كأنها صواعقُ ترمي بها السماءُ الأرض!

وتكاثفت ظلمة النهار وادلهمّت فما تخرقها شمسٌ ولا يجلوها وميض، فإذا المشهد مفزعٌ رهيب : في الأرض إعوالٌ ورنين! وفي السماء غيوم تمزّقها بروقٌ ثائرات! ففي الرافدين على ابنِ طالب حزنٌ عظيم عاشت فيه الطبيعة حيناً وسوف يعيش فيه الناس أجيالاً طوالاً!

أمّا الطير فقد هرعت إلى وُكُناتها تلفُ مناقيرها بأجنحة يغبرّ ريُشها ويسودّ!

أمّا أشجار الرافدين فحَسبُها أنها تودّ لو انقلعت بعروقها وجاءَت ولها دويٌّ شديدٌ وقصدٌ كقصفِ أجنحةِ الطير، وألقت على أقدام الشهيد أوراقَها اليانعات!

*
كلّ ما في الطبيعة كان يعصف بالثورة إلاّ وجه ابن أبي طالب فقد انبسط لا يحدّث بانتقام ولا يُشير إلى اشتباك. فإنَّ العُوّاد وقفوا بباب الإمام وكلّهم جازعٌ متألّمٌ باك يدعو إلى الله أن يرحم أميرَالمؤمنين فيشفيه ويشفي به آلامَ الناس وكانوا قد شدّوا على ابن ملجم فأخذوه، فلمّا أدخلوه عليه، قال: «أطيِبوا طعامَه وألينوا فراشه!»

ولكنّه انبساطٌ أجلُّ في معنى المأساة من صخَب الريح واصطراعِ الأشياء! إنّ وجهه آنذاك كان أشبه بوجه سقراط الذي أبى أبى جهلةُ قومِه إلاّ أن يسمّوه لضآلة


[ 279 ]
شأنهم وتفاهة أخلاقهم أمام عظمة الحقّ، وبوجه المسيح بن مريم إذ يضربُه تجّارُ اليهود بالسياط، وبوجه محمّد بن عبدالله إذ يرجمه سفهاءُ الطائف ولا يعرفون أيَّ عظيم يرجمون!

وجاؤوا الإمامَ بخير أطباء الكوفة وكان أعلمهم بالطب والجراحة «أثير ابن عمرو بن هاني». فلمّا وقف «أثير» هذا على حقيقة الجرح في جبين الإمام قال له والغصَّةُ في قلبه في صوته: «إعهد عهدَك يا أميرالمؤمنين فإنّ اللعين ابن اللعين قد وصلت ضربته إلى أمّ رأسك!» فلم يتأفّف الإمام ولم يتشكَّ بل أسلم أمرَه لله وللمقادير. ثم دعا ولديه الحسن والحسين وأملى عليهما وصيّتَه وطلب منهما ألاّ تُثار فتنةٌ بسبب مقتله وألاّ يُهرقَ دم. أمّا بشأن قاتله فقد قال: «لأن تعفوا أقرب إلى التقوى!» وأمّا وصيّته التي أملاها فإليك بعضها:

«اللهَ اللهَ في جيرانكم!

الله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم!

قولوا للناس حسناً كما أمرَكم الله، ولا تتركوا الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر!

عليكم بالتواضع والتباذُل والتبارّ، وإياكم والتقاطع والتفرّق والتدابر!»

وسأله الناس: أنبايع الحسن بعدك؟ فقال: «لا آمرُكم ولا أنهاكم!» لا يريد بذلك أن يفرض عليهم خليفةٌ له، ولا يريد كذلك أن ينهاهم عن استخلاف مَن يريدون. وفي ذلك إيمانٌ وتطبيقٌ وتعليمٌ واعترافٌ عميق بأنّ الناس أحرارٌ في من يولَون عليهم. فالولاية من الجماعة.

وبعد هنيهة التفتَ الإمام إلى الناس، جميع الناس، يقول لهم: «أنا بالأمس صاحبُكم، وأنا اليومَ عِبرةٌ لكم، وغداً مفارقُكم، غَفَر الله لي ولكم!»


[ 280 ]
لقد استغفر لنفسه قبل أن يستغفر للناس، تواضعاً لهم ولرب العالمين!

*
كانت الضربة في فجر يوم الجمعة. ومكث الإمام بعدها يومين اثنين وهو يقاسي الألم فلا يبوح، ويعتصم بالله ويوصي بالإحسان إلى الناس وبالرفق بالمستضعفين. وتوفي ليلة الأحدِ لأحدى وعشرين مضت من رمضان عام أربعين للهجرة!

قضى العظيم الغريب الذي آذاه خصومُه وأنصاره على السواء! العظيم الغريب الذي عاش شهيداً ومات أباً للشهداء!

قضى شهيدَ الاستقامة والدعوة إلى الخير. شهيدَ العبقرية التي أبت وترفّعت ومضت في طريق الكرم الإنساني لا تُهادن ولا تلين!

قضى العظيم وما قامته له دولة، لتقوم بعد أجيال باسمه الدّول ويتصافى باسمه الناس، ويُقاضوا المفسدين وقد أصبحوا في التراب تراباً!

قضى شهيداً ليترك وراءَه أُسرةً من الشهداء. ليترك زينب الحزينة تُمزّقها الآلام ويقسو عليها الزمن كما لا يقسو على إنسان. وليترك الحسين بين أيدي خصمه ابن أبي سفيان ومن يليه من الخصوم المنتقمين!

وتمّت الحلقة الأولى من المؤامرة الكبرى على عليّ بن أبي طالب وعلى بنيه، لتعقبها الحلقة الثانية، فالثالثة، فالعاشرة، في سلسلة من المآسي أشدَّ هولاً، وأقسى، وأرهب!

*
وزهت القصور بمصرع الإمام كما يزهو السرابُ في الصحاري البِيد وقد جفّ فيها النبعُ ومات الزرع! وقامت دولةٌ لأولئك الذين تجاسروا على الذمم بحجّة تأسيس دولة; وبئسَ الدولةُ لا تقوم إلاّ بمصارع العظماء!


[ 281 ]
ولكن، ما يعدلُ الظالمون آهةً تثيرها مأساةُ العظيم في جنبات الصدر فتنقلب إلى ثورة يحيا بها الثائرون في دنيا العرب اجيالاً طوالاً، ولا غصةً في قلوب الطيّبين تتّسع وتشتدّ حتى تحرق الظالمين ومن والاهم وما أقاموا من دول وشيّدوا من أمجاد!

ولكن، ما تعدل الدولُ، وهذا شأنها، دموعاً في عيون المستضعفين والمشرَّدين الذين بكوا ابنَ أبي طالب، مكفكِفَ الدموع وأبا المشرَّدين والمستصعفين الطيّب الحنون!

ولكن، ما يعدل نضار الأرض جميعاً سيراً في حداءِ عبقري فقير! وما يعدل المُلكُ والملوكُ كلمةً في نهجه ولا صورةً في خياله ولا عبرةً في قلبه غير مسكوبة!

ومات في الأرض عظيمٌ وقام في الناس من تعاظموا! فإذا هنا إنسان يموت فيعلو، وإذا هناك بعيشون فيصغرون!

وخلّى الإمامُ عدوّه في الأرض قوماً بُوراً!